28‏/11‏/2025

الشعر الجاهلي بين طه حسين وناصر الدين الأسد

 

الشعر الجاهلي بين طه حسين وناصر الدين الأسد

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...................


     يُعَدُّ الشِّعْرُ الجاهليُّ أحدَ أهَمِّ مَصادرِ مَعرفةِ تاريخِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلام ، فَهُوَ سِجِلٌّ للبيئةِ والثقافةِ والقِيَمِ والمِخْيَالِ الجَمْعِيِّ في تِلْكَ الحِقْبَة . وهَذا الشِّعْرُ كانَ ومَا يَزَالُ مِحْوَرَ جَدَلٍ بَيْنَ الباحثين ، خَاصَّةً بَعْدَ صُدورِ كتاب " في الشِّعْرِ الجاهليِّ " ( 1926 ) للدُّكتورِ المِصْرِيِّ طه حُسَيْن ( 1889 _ 1973 )، ومَا تَلاه مِنْ رُدودٍ عِلْمِيَّة ، أبرزُها كِتاب " مصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية " ( 1956 ) للدُّكتورِ الأُرْدُنِيِّ ناصر الدِّين الأسد ( 1922_ 2015 ) . وَقَدْ مَثَّلَ الكِتابُ مُوَاجَهَةً عِلْمِيَّة مَنْهجية لأُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن . وَمِنْ خِلالِ هَذا السِّجَالِ يُمكِن مُقارَبة رُؤيَتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن في التعاملِ معَ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ الجاهليِّ ، رُؤية تُشكِّك في أصالته ، وأُخْرَى تُدافِع عَنْها بِمَنْهَجٍ نَقْدِيٍّ صارم .

     أثارَ طه حُسَيْن جَدَلًا واسعًا حِينَ أعْلَنَ أنَّ مُعْظَمَ الشِّعْرِ الجاهليِّ مَنْحولٌ ، وأنَّه صُنِعَ في صَدْرِ الإسلامِ والقُرونِ اللاحقةِ لأغراضٍ دِينية وسِياسية وَقَبَلِيَّة . وَقَدْ بَنى استنتاجَه على مَنْهَجٍ تأثَّرَ بالشَّكِّ الدِّيكارتيِّ ، وفِكْرَةِ إخضاعِ التُّراثِ للاختبارِ العَقْليِّ ، فَذَهَبَ إلى أنَّ البيئة التي يُصورِّها الشِّعْرُ لا تَنسجِم دائمًا معَ الصُّورةِ التاريخيةِ للعَرَبِ الجَاهِلِيِّين ، وأنَّ اللغة التي نُقِلَ بِها الشِّعْر مُتماسكة أكثرَ مِنَ اللازمِ لِتَكُونَ نِتاجًا لِقُرونٍ شَفَوِيَّة طويلة . كما رَأى أنَّ نَشْأةَ عُلومِ اللغةِ والبَلاغةِ والنَّحْوِ في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ قَدْ أوجدتْ بِيئةً خِصْبَةً لاختلاقِ أشعارٍ تُسنَد إلى الجَاهِلِيِّين ، لِتأكيدِ صِحَّةِ قواعدِ اللغةِ ، أوْ خِدْمَةِ العَصَبِيَّاتِ القَبَلِيَّةِ والأغراضِ السِّياسية .

     لَمْ يَكُنْ هَدَفُ طَه حُسَيْن هَدْمَ التُّراثِ بِقَدْرِ ما كانَ مُحاولة لإعادةِ قِراءته ، لكنَّه صاغَ فَرَضياته بطريقةٍ قَطْعية أثارتْ حَفيظةَ العُلَماءِ واللغويين وأهلِ الأدبِ ، الذينَ رَأَوْا أنَّ مَنْهَجَه تَسَرَّعَ في الحُكْمِ دُون الاعتمادِ الكافي على أدواتِ النَّقْدِ اللغويِّ والتطبيقي .

     مَثَّلَ ناصر الدِّين الأسد في كِتابه " مَصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية " نَمُوذَجًا للمَنْهَجِ العِلْمِيِّ الذي يَجْمَعُ بَيْنَ احترامِ التُّراثِ والنَّقْدِ المَوضوعيِّ ، فَقَدْ تناولَ أُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن بالتحليل ، مُعْتَمِدًا على دِراسةِ الوثائقِ اللغوية ، والرِّواياتِ القديمة ، ومُقَارَنَةِ الأساليبِ الشِّعْرية ، واسْتِقْرَاءِ تاريخِ التَّدْوينِ الشَّفَوِيِّ والكِتابيِّ عِنْدَ العَرَبِ .

     ورأى الأسدُ أنَّ وُجود رِوايات مُتعددة للشِّعْرِ الجاهليِّ ، وَتَفَاوُت الصِّيَغ ، واختلاف الرِّواية بَيْنَ قَبيلةٍ وأُخْرَى ، كُلُّ ذلك لا يَنْهَضُ دَليلًا على الانتحالِ ، بَلْ هُوَ سِمَة طبيعية للتقاليدِ الشَّفَوِيَّةِ في الثقافات القديمة . كما أكَّدَ على أنَّ خَصائصَ اللغةِ الجاهليَّة في النُّقُوشِ العربيةِ الشَّماليةِ والجَنوبيةِ تتوافق إلى حَدٍّ كبير معَ ما نَجِدُه في الشِّعْرِ الجاهليِّ ، مِمَّا يُقَوِّي فِكْرَةَ أصالته . كذلك رَفَضَ الأسدُ فِكْرَةَ الانتحالِ الواسعِ ، مُبَيِّنًا أنَّ دَوافعَ الوَضْعِ ، إنْ وُجِدَتْ ، لا يُمكِن أنْ تُنْتِجَ هَذا الكَمَّ الضَّخْمَ مِنَ الشِّعْرِ المُتَمَاسِكِ فَنِّيًّا وَلُغَوِيًّا ، والمُتَنَوِّعِ مَوضوعًا وزمانًا ومكانًا .

     طه حُسَيْن اعتمدَ مَنْهَجَ الشَّكِّ الدِّيكارتيِّ ، وبدأ مِنْ فَرَضِيَّةِ التَّشكيكِ في صِحَّةِ نِسْبَةِ جُزْء كبير مِنَ الشِّعْرِ الجاهليِّ للجاهليين ، مُعْتَبِرًا أنَّ الشَّكَّ هُوَ الطريقُ للوُصولِ إلى اليقين . والأسدُ اعتمدَ مَنْهَجًا تَقْليديًّا عِلْمِيًّا يَقُوم على الدِّراسةِ اللغويةِ والتاريخيةِ والمُقَارَنَةِ النَّصِّيةِ ، معَ إعطاءِ وَزْنٍ أكبر لِجُهودِ النُّقَّادِ واللغويين العَرَبِ القُدَمَاءِ .

     طه حُسَيْن شَكَّكَ في مَوْثوقيةِ الرِّوايةِ الشَّفَوِيَّةِ ، واعتمدَ سِياسةَ التَّشكيكِ تُجَاه الرُّواةِ . والأسدُ اعتبرَ الرِّوايةَ الشَّفَوِيَّةَ العَرَبية ذات مِصْداقية ، خاصَّة معَ وُجودِ طَبَقَاتٍ مِنَ الرُّواةِ والنُّقَّادِ الذينَ اشتغَلُوا على التَّمْحِيص .

     طه حُسَيْن تأثَّرَ بالمَناهجِ الغَرْبيةِ الحديثة في النَّقْدِ الأدبيِّ والبحثِ التاريخيِّ تأثُّرًا مُبَاشِرًا . والأسدُ ، وإنْ كانَ مُطَّلِعًا على المَناهجِ الحديثة ، فإنَّه بَقِيَ أوثقَ صِلَةً بالمَناهجِ العَرَبيةِ التقليديةِ وبأُصولها العِلْمِيَّة .

     طه حُسَيْن رأى أنَّ تجانسَ لُغَةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ دليلٌ على صَنْعَةِ الرُّوَاةِ ، وتَدَخُّلِهِم في تَوْحيدِ اللغةِ . والأسدُ عَدَّ هَذا التجانسَ نَتيجةَ وَحْدَةِ اللهجةِ الأدبيةِ عِندَ العَرَبِ، ولَيْسَ دَليلًا على الانتحال .

     هَذا السِّجالُ أثَّرَ بِعُمْقٍ في الدِّراساتِ الأدبية العربية ، إذْ فَتَحَ البابَ أمامَ مناهج جديدة في فَحْصِ النُّصُوص ، وفي الوقتِ نَفْسِه دَفَعَ الباحثين إلى تَطويرِ عِلْمِ التَّحقيقِ والتَّنقيبِ عَن الوثائقِ والآثارِ التي تُثْبِتُ أوْ تَنْفي الفَرَضِيَّات .

     يَظَلُّ الجَدَلُ بَيْنَ طه حُسَيْن وناصر الدِّين الأسد مِنْ أبرزِ المَحَطَّاتِ في تاريخِ النَّقْدِ العَرَبيِّ الحديثِ ، فَهُوَ سِجَالٌ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الدِّفاعِ أو الهُجومِ ، بَلْ صَاغَ اتِّجَاهَيْن مَنْهَجِيَّيْن أثرَيَا حَقْلَ دِراسةِ الأدبِ العَرَبيِّ القديم .

     وإذا كانَ طه حُسَيْن قَدْ هَزَّ الثوابتَ ، وَلَفَتَ الأنظارَ إلى ضَرورةِ إعادةِ قِراءةِ التُّراثِ ، فإنَّ ناصر الدِّين الأسد أعادَ التوازنَ بِمَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ دقيق يُثْبِتُ أنَّ النَّقْدَ لا يَعْني الهَدْمَ ، بَلْ الفَهْم العَميق للنُّصُوص . ومَا بَيْنَ الشَّكِّ والدِّفاعِ تَتشكَّل رُؤيةٌ أكثرُ نُضْجًا للشِّعْرِ الجاهليِّ، قائمة على التَّحقيقِ والتَّوثيقِ والانفتاحِ على المَناهجِ الحديثةِ دُون التَّفْريطِ في الثَّرْوَةِ التُّرَاثيةِ ذات القِيمة الثقافية والحَضَارية.

21‏/11‏/2025

تحليل الشخصية بين علي الوردي وإريك فروم

 

تحليل الشخصية بين علي الوردي وإريك فروم

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...................

     علي الوَرْدِي ( 1913 _ 1995 ) عَالِم اجتماع عِرَاقي ومُؤرِّخ . اهتمَّ بِتَحليلِ شَخصيةِ الإنسانِ انطلاقًا مِنْ حَقيقةٍ بسيطة ، وَهِيَ أنَّ الإنسانَ لَيْسَ كائنًا نقيًّا ، ولا شِرِّيرًا خالصًا . إنَّه يعيشُ مُمَزَّقًا بَيْنَ مَا يُمْليه المِثَالُ ، ومَا يَفرِضه الواقعُ . وهَذا التَّمَزُّقُ يَصْنَعُ ازدواجيَّةً تُكوِّن جَوْهَرَ الشَّخْصيةِ الإنسانيةِ .

     لا يُمكِن دِراسةُ الفَرْدِ عِندَه بِمَعْزِلٍ عَنْ مُحِيطه . فالشَّخْصِيَّةُ ، كَمَا يُصوِّرها ، هِيَ في النِّهايةِ انعكاسٌ لاختلالاتِ المُجتمعِ . والشَّخْصِيَّةُ عِندَه لَيْسَتْ مَسألةً نَفْسِيَّةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هِيَ سَرْدِيَّة اجتماعيَّة . وكُلُّ فَرْدٍ يَحمِل في داخله تاريخًا طويلًا مِنَ التَّحَوُّلاتِ والصِّرَاعاتِ .

     أوْجَدَ مُعَادَلَةً نادرةً ، فَهُوَ يَدْرُسُ الشَّخْصِيَّةَ بِمَنهجٍ عِلْمِيٍّ واضح ، وَيُصِرُّ على التَّوثيقِ والاستشهادِ ، لكنَّه يَترُك مَساحةً واسعة للفِكْرِ الإنسانيِّ العاطفيِّ ، وهَذا جَعَلَ تَحليلَه للشَّخْصِيَّةِ ذا نَبْرَةٍ خَاصَّة تَجْمَعُ بَيْنَ الرَّصَانةِ العِلْمِيَّةِ وَدِفْءِ الأدبِ .

     تَرَكَ تأثيرًا واضحًا ، لأنَّ مَا تَنَاوَلَه لَمْ يَكُنْ قَضِيَّةً عابرة ، بَلْ مَسَّ جَوْهَرَ الإنسانِ في لَحْظةٍ تاريخية مُضطربة، وكَشَفَ تناقضاتِ التفكيرِ التقليديِّ ، وَفَتَحَ البابَ أمامَ نَمَطٍ جَديدٍ مِنَ النَّقْدِ الاجتماعيِّ الذي يَجْمَعُ بَيْنَ السوسيولوجيا والتَّحْليلِ النَّفْسِيِّ والفَلسفةِ . وَقَدْ أعادَ صِياغةَ السُّؤالِ المَركزيِّ : مَنْ نَحْنُ ؟ . لَيْسَ بِوَصْفِهِ سُؤال هُوِيَّة فَحَسْب ، بَلْ أيضًا بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا وَنَفْسِيًّا واجتماعيًّا يَعكِس رَغْبَةً في فَهْمِ الذاتِ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْها .

     تَحليلُ الشَّخْصيةِ عِنْدَه لَيْسَ وَصْفًا لِمَرَضٍ نَفْسِيٍّ ، بَلْ هُوَ مُحَاوَلَةٌ لِتَحريرِ الإنسانِ مِنْ سَطْوةِ أوهامِه ، فَهُوَ يَدْعُو بِلا مَلَلٍ إلى التَّفريقِ بَيْنَ مَا نَقُولُه ومَا نَفْعَلُه ، وَمُواجهةِ ذَواتِنا بِجُرْأةٍ ، والتَّخَلُّصِ مِنَ المَظاهرِ الزائفةِ التي تَمْنعنا مِنْ رُؤيةِ حقيقتنا، وأنْ نَكُونَ لا كَما يُريدُ المُجتمعُ التقليديُّ ، ولا كما نَتخيَّل أنفُسَنا في لَحَظَاتِ الكِبْرَياء، بَلْ كما نَحْنُ فِعْلًا ، مَخْلوقات تَبْحَث عَنْ مَعْنى ، وَتَتَعَثَّر ، وَتَتعلَّم ، وتَتناقض ، وتَنْهَض مِنْ جديد .

     إريك فروم ( 1900 _ 1980 ) عَالِم نَفْسٍ وفَيْلسوف ألماني أمريكي . لَمْ يَكُنْ مُحَلِّلًا نَفْسِيًّا تقليديًّا . لَقَدْ كانَ شاعرًا يَكْتُب بِلُغَةِ العِلْمِ ، وفَيْلسوفًا يُعالِج النَّفْسَ ، وإنسانًا يَرى في كُلِّ رُوحٍ احتمالًا للخَلاصِ . وهَذا مَا يَجْعَل تَحليلَ الشَّخْصِيَّةِ لَدَيْهِ مَشروعًا إنسانيًّا قَبْلَ أنْ يَكُونَ تَفْسيرًا نَفْسِيًّا .

     يَرى أنَّ اللحْظَةَ التي يُصْبح فيها الإنسانُ حُرًّا هِيَ اللحْظَةُ نَفْسُها التي يَكتشف فِيها هَشَاشَتَه.فالحُرِّيةُ _ في نَظَرِه _ لَيْسَتْ عَطِيَّةً سَهْلة ، بَلْ هِيَ عِبْء يَحتاج إلى شَجاعة ، وَمَسؤولية تَحْتاج إلى رُوحٍ مُستقرة . ولأنَّ الإنسانَ كثيرًا مَا يَعْجِزُ عَنْ تَحَمُّلِ هَذا العِبْء ، فإنَّه يُهْرَعُ إلى الهُروبِ ، يَهْرُبُ إلى سُلطةٍ قوية يَنصاع لها ، أوْ إلى جَماعةٍ تُذيب فَرْدِيَّتَه ، أوْ إلى عَالَمٍ داخليٍّ يَنْسِجُ فيه أوهامًا تُغْنيه عَنْ مُواجهةِ الواقعِ . وهَكذا تُصْبح الشَّخْصِيَّةُ صِرَاعًا بَيْنَ مَيْلِ الإنسانِ إلى التَّحَرُّرِ ، وَبَيْنَ خَوْفِهِ مِنَ العُزْلة .

     يُقَدِّمُ وَصْفًا لثلاثة مَفاهيم يَعْتمدها الإنسانُ للإفلاتِ مِنْ مُواجهةِ ذاتِه ، وَهِيَ الخُضوع ، والتَّسَلُّط ، والامتثال الأعمى . الخُضُوعُ هُوَ أنْ يَتخلَّى الإنسانُ عَنْ إرادته لِسُلطةٍ مَا ، كَيْ يَطْمئن إلى أنَّ الآخَرين سَيُقَرِّرُون عَنْه . والتَّسَلُّطُ هُوَ الوَجْهُ الآخَرُ للخُضُوعِ ، إنَّه مُحاوَلة السَّيطرةِ على الآخَرِ كَيْ يَشْعُرَ المَرْءُ بأنَّه غَيْرُ ضعيفٍ . والامتثالُ هُوَ إذابةُ الذاتِ داخلَ الجَماعةِ ، حتى يَفْقِدَ الفَرْدُ حُدودَه ، وَيَتمرَّد على خُصُوصيته .

     يَنْتقد الإنسانَ الحديثَ الذي يعيشُ بَيْنَ الزِّحَامِ ، لكنَّه يَشْعُرُ بالوَحْدَةِ . يَملِك الأشياءَ ، لكنَّ الأشياءَ تَملِكه . يَركضُ خَلْفَ الإنتاجِ والاستهلاكِ حتى يَنْسَى مَنْ يَكُون . وهَذا الإنسانُ يُعاني مِنَ الاغترابِ . يَغترِب عَنْ عَمَلِه لأنَّه يُؤَدِّيه بِلا مَعْنى ، وَيَغترِب عَن الآخَرين لأنَّه يَخْشَاهُم ، ويَغترِب عَنْ نَفْسِه لأنَّه لا يَعرِف مَا يُريد . وهَكذا تَتحوَّل الشَّخْصِيَّةُ إلى آلَةٍ تُحرِّكها الإعلاناتُ ، والضُّغوطُ، والمَعاييرُ الاجتماعية ، بَدَلًا مِنْ أنْ تُحرِّكها قِيَمٌ أصيلة نابعة مِنَ الداخل .

     إنَّ الشَّخْصِيَّة المُتَوَازنة ، في رَأيِه ، لَيْسَتْ تِلْك التي تَخْلُو مِنَ التناقض ، بَلْ تِلْك التي تَتعلَّم كَيْفَ تعيشُ بَيْنَ تناقضاتِها بِسَلام ، وكَيْفَ تَخْتار الخَيْرَ رَغْمَ صُعوبته ، وكَيْفَ تَتحمَّل تَبِعَاتِ الحُرِّيةِ رَغْمَ ثِقَلِها. وتَحليلُ الشَّخْصِيَّةِ عِندَه لَيْسَ مُجرَّد نظرية نَفْسِيَّة ، بَلْ هُوَ نِداء إنساني كبير .

     الوَرْدِيُّ وفروم كانا يَبْحثان عَن الإنسانِ الذي يُصارِع ذَاتَه قَبْلَ أنْ يُصَارِعَ العَالَمَ ، الإنسان الذي يَتشكَّل مِنَ الطِّينِ نَفْسِه ، لكنْ يُعاد تَشكيلُه مَرَّاتٍ كثيرة بِفِعْلِ الظُّروفِ والضُّغوطِ والمُعْتَقَدَاتِ .

     وعلى الرَّغْمِ مِن اختلافِ السِّيَاقِ الحَضَارِيِّ ، يَلْتقي الوَرْدِيُّ وفروم في نُقْطَةٍ مِحْوَرِيَّة ، وَهِيَ أنَّ الإنسانَ كائنٌ هَشٌّ ، لِدَرَجَةِ أنَّ أفكارَه قَدْ تَنقلِب عَلَيْه ، وقويٌّ لِدَرَجَةِ أنَّه قادرٌ على إعادةِ تشكيلِ ذَاتِه إنْ أرادَ. لَدَى الوَرْدِيِّ ، الهَشَاشَةُ تأتي مِنَ المُجتمعِ الذي يُحاصِر الفَرْدَ بِمَعاييره المُتناقِضة ، وَلَدَى فروم ، تأتي مِنَ الخَوْفِ العميقِ مِنَ الحِّريةِ ، والرَّغْبَةِ في الاختباءِ داخلَ الجَماعة مَهْما كانَ الثمن . وَيُركِّز الوَرْدِيُّ على تَفْسيرِ الشَّخْصِيَّةِ بِوَصْفِهَا نِتَاجًا للصِّراعِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ ، بَيْنَما يُركِّز فروم على تَفْسيرها بِوَصْفِهَا نِتَاجًا لِحَاجَاتِ وَدَوافع نَفْسِيَّةٍ داخلية مُرتبطة بالوُجودِ الإنسانيِّ .

15‏/11‏/2025

مفهوم الإدارة بين غازي القصيبي وبيتر دراكر

 

مفهوم الإدارة بين غازي القصيبي وبيتر دراكر

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     غازي القُصَيْبي ( 1940 _ 2010 ) أديب وسفير ووزير سُعودي . يُعتبَر أحدَ أبرزِ المُفكرين والقِياديين السُّعوديين الذينَ تَركوا بَصْمةً مُميَّزة في الفِكْرِ الإداريِّ العربيِّ ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ التَّنظيرِ والمُمارَسة ، وَلَمْ يَكُنْ مُجرَّد كاتب أو شاعر ، بَلْ كانَ إداريًّا ناجحًا تَوَلَّى مَناصب قِيادية عديدة في مَجالات مُختلفة ، مِمَّا جَعَلَ رُؤْيَتَه في الإدارةِ مَزيجًا فريدًا مِنَ الفِكْرِ والتَّجْرِبة .

     كانَ يَرى أنَّ الإدارةَ لَيْسَتْ عِلْمًا جامدًا أوْ مَجموعة مِنَ القوانين الصارمة ، بَلْ هِيَ فَن يَقُوم على التعامل مع الإنسانِ قبل التعاملِ معَ الأرقامِ والأنظمة . والقائدُ الإداريُّ في نَظَرِه هُوَ مَنْ يَسْتطيع فَهْمَ دوافعِ الأفراد ، وتَحفيزَهم ، واستثمارَ قُدراتهم لِخِدمةِ الأهدافِ المُشترَكة . وَقَدْ عَرَّفَ الإدارةَ بأنَّها القُدرة على تَحريكِ الناسِ نَحْوَ هدفٍ مُحدَّد ، مُؤكِّدًا على أنَّ الجانبِ الإنسانيِّ هُوَ جَوهر العملية الإدارية الناجحة .

     رَكَّزَ على مَبدأ الكَفاءةِ بِوَصْفِه الأساس الذي تُبنَى عَلَيه الإدارة السليمة ، فَهُوَ يَنْتقد البيروقراطيةَ وَالمَحْسوبية ، ويَدْعو إلى تَمكينِ الكَفاءاتِ بِغَضِّ النظرِ عَن الانتماءاتِ أو المَصالحِ الشَّخصية .

     وَمِنْ خِلال تَجْرِبته الطويلةِ في الوِزاراتِ والسَّفَاراتِ ، شَدَّدَ على أنَّ المُدير الناجح هُوَ مَنْ يَخْتار الأكفأ لا الأقرب ، لأنَّ العَدالة في التَّعْيين تَخْلُق بِيئةَ عَمَلٍ مُنتِجة ومُخلِصة .

     وَآمَنَ بأنَّ القائدَ الإداريَّ الحقيقي يجب أنْ يَكُون قُدوةً في الالتزامِ والانضباطِ والأخلاق . فَهُوَ لا يَطلُب مِنْ مُوظَّفيه مَا لا يُطبِّقه على نَفْسِه . وَيَرى أنَّ القُدْوةَ هِيَ أبلغُ وَسيلةٍ للقِيادة . وَقَدْ كانَ مِثَالًا على ذلك في حياته العملية ، حَيْثُ اشْتُهِرَ بانضباطِه وتَواضعِه وَقُرْبِه مِن مُوظَّفيه ، مِمَّا أكْسَبَه احترامَ الجميع .

     يَجْمَع مَفهومُ الإدارةِ عِندَه بَيْنَ الصَّرَامةِ في التَّنظيمِ والمُرونةِ في التَّفكير ، فَهُوَ يَرفُض الجُمودَ الإداريَّ ، وَيَدْعُو إلى فتحِ المَجالِ أمامَ المُبادَراتِ الفرديةِ والإبداعِ المُؤسَّسِي . والمُؤسَّسةُ الناجحةُ في رأيه ، هِيَ التي تَجْمَع بَين التَّخطيطِ المُحكَمِ والقُدرةِ على التَّكَيُّفِ معَ المُتغيِّرات .

     لَمْ تَغِب القِيَمُ الأخلاقيةُ عَنْ فِكْرِه الإداريِّ ، فَقَدْ رَأى أنَّ النجاح الإداريَّ لا قِيمة له إذا جاءَ على حِسابِ القِيَمِ والمَبادئ . وكانَ يُؤَكِّد على أنَّ الأمانة والإخلاص في العمل هُما الرَّكيزتان الأسَاسِيَّتَان لأيَّة إدارة ناجحة ، وأنَّ غِياب الأخلاق يُؤَدِّي إلى الفَسادِ الإداريِّ مَهما بَلَغَت الأنظمةُ مِنَ الدِّقَّة .

     وَيُمكِن القَوْل إنَّ مَفهوم الإدارة عِنده هُوَ مَفهوم شامل يَجْمَع بَيْنَ العقلِ والإنسانِ ، وبَيْنَ النِّظامِ والإبداعِ ، وبَيْنَ الكَفاءةِ والأخلاقِ .

     بيتر دراكر ( 1909 _ 2005 ) كاتب اقتصادي أمريكي مِنْ أصلِ نَمْساوي ، يُعتبَر الأبَ الرُّوحي للإدارة. قَدَّمَ خِلال مسيرته الفِكرية الطويلة رُؤى ثَوْرية غَيَّرَتْ طريقةَ فهمِ المُؤسَّسات لِمَفهومِ القِيادةِ ، والتنظيمِ، واتخاذِ القَرار . وأثرِ الإدارةِ في التَّنمية الاقتصادية والاجتماعية .

     كانَ يَرى أنَّ الإدارة لَيْسَتْ مُجرَّد مَجموعة مِنَ القواعدِ أو التِّقْنيات ، بَلْ هِيَ فَن وعِلْم في آنٍ معًا . والإدارةُ في نظره ، تَعتمد على مَهارةِ المُديرِ في فهمِ الناسِ وتَحفيزِهم ، مِثْلما تَعتمد على القُدرةِ على التحليلِ والتخطيطِ والتنظيم . وَهِيَ عملية دِيناميكية تتفاعل فيها المَعرفة العِلْمِيَّة معَ الخِبْرَةِ الإنسانية . لذلك ، فإنَّ المُدير الناجح لَيْسَ فقط مَنْ يَعرِف " ماذا يَفْعَل " ، بَلْ أيضًا مَنْ يُدرِك " كيف " و " لماذا " يَفْعَل ذلك .

     ويُؤَكِّد على أنَّ الإدارة لَيْسَتْ مَحصورةً في قِطاعِ الأعمال فقط ، بَلْ أيضًا تَشْمَل جَميعَ مَجالاتِ النَّشَاطِ الإنسانيِّ المُنظَّم : المدارس ، المُستشفيات، الجَمْعيات ، وحتى المُؤسَّسات الحُكومية . فالإدارةُ هي الأداة التي تَجْعَل الناسَ قادرين على العملِ معًا لتحقيق هدف مُشترَك بِكَفاءةٍ وفَعَالِيَّة .

     مِنْ أبرزِ أفكارِه أنَّه جَعَلَ الإنسانَ في قلبِ العملية الإدارية . ففي الوقتِ الذي كانتْ فيه بعضُ النظريات الإدارية الكلاسيكية تُركِّز على الآلَةِ أو الإنتاجِ الماديِّ ، جاءَ لِيُؤَكِّد على أنَّ الناسَ هُمْ أعظمُ مَوْرِدٍ تَمْتلكه أيَّة مُؤسَّسة . ورأى أنَّ مُهِمَّة الإدارة هي تَمْكين الإنسانِ مِنَ الأداءِ الأفضل ، وَجَعْلُ نِقَاطِ قُوَّتِه مُثمِرة ، وتقليلُ أثرِ نِقَاطِ ضَعْفِه .

     وَهُوَ يَعْتقد أنَّ المُدير الناجح هُوَ الذي يَعرِف كيفَ يَستثمر طاقاتِ الأفراد ، وَيُحوِّلها إلى إنجازات مَلْموسة. فالإدارةُ عِندَه لا تَتعلَّق بالسَّيطرةِ على الآخَرين، بَلْ بِتَوْجيههم ، وتَحفيزِهم ، وَتَوفيرِ البيئة التي تُتيح لَهُم الإبداعَ . ولهذا السبب ، كانَ مِنْ أوائل مَنْ تَحَدَّثوا عَنْ مَفهوم " الإدارة بالتَّحفيز " و " القِيادة بالخِدْمة " ، أي إنَّ القائدَ الحقيقي يَخدِم فَريقَه لا العَكْس .

     وكانَ مِنْ أوائل مَنْ صاغَ مَفهومَ "الإدارة بالأهداف "، وَهُوَ مَبْدأ أصبحَ حَجَرَ الأساسِ في الفِكْرِ الإداريِّ الحديث . وَيَقُوم هَذا المَفهومُ على أنَّ النَّجَاح الإداريَّ لا يُقَاس بالأنشطة ، بَلْ بالنتائج المُحَقَّقَة ، فالمُديرُ الفَعَّال هُوَ الذي يَضَع أهدافًا واضحة ، وقابلة للقِيَاس ، ثُمَّ يَعْمل على تحقيقها مِنْ خِلالِ التعاون معَ فريقه .

     رَغْمَ اختلافِ السِّياقِ الاجتماعيِّ والثَّقَافيِّ ، إلا أنَّ بَيْنَ القُصَيْبي ودراكر جُسورًا فِكرية عميقة ، فَكِلاهُما يَرى أنَّ الإدارة الحقيقية تبدأ مِنَ الإنسانِ ، وتَنتهي بِه . وكِلاهُما رَفَضَ فِكْرةَ الإدارةِ السُّلْطوية ، وَدَعَا إلى التَّمكينِ بَدَل السَّيطرة ، والتَّحفيزِ بَدَل التَّهديد . لكنَّ القُصَيْبي رَكَّزَ على القِيَمِ والمَشاعرِ والضَّميرِ ، بَيْنما دراكر رَكَّزَ على النِّظامِ والكَفاءةِ والمُؤشِّرات .

07‏/11‏/2025

وصف الخمر بين أبي نواس وبودلير

 

وصف الخمر بين أبي نواس وبودلير

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................

     الحسن بن هانئ المَعروف بأبي نُوَاس ( 145 _ 198 ه / 762_ 813 م ) ، شاعر عربي مِنْ أشهرِ شُعَراءِ العصرِ العَبَّاسِي ، وَمِنْ كِبار شُعَراءِ الثَّورةِ التجديدية . أحدثَ انقلابًا في مَضمونِ الشِّعْرِ العربيِّ وأُسلوبِه ، فَقَدْ تجاوزَ الأغراضَ التقليدية كالمَدْحِ والفَخْرِ ، واتَّجَهَ إلى مَواضيع جديدة تُعبِّر عَن التَّرَفِ والتَّحَرُّرِ . وكانَ وَصْفُ الخَمْرِ أبرزَ هذه المواضيع التي ارتبطَ اسْمُه بِها ، وَقَدْ قَدَّمَ رُؤيةً فِكريةً مُتكاملة جعلتْ مِنَ الخمر رمزًا للحياةِ والحُرِّيةِ والتَّمَرُّد .

     تَجَلَّى أُسلوبُه الفَنِّي في طريقته في رَسْمِ صُورةِ الخَمْر ، إذ اتَّسَمَتْ بالدِّقَّةِ والتفصيلِ والحيوية ، فَقَد استعارَ مِنْ مُعْجَمِ الضَّوْءِ واللونِ والحركةِ مَا يُضْفي على الصُّورةِ طَابَعًا بَصَريًّا يَكَاد يُحوِّل المَشْهَدَ إلى لَوْحَةٍ فَنِّية ، كما لجأ إلى الأساليبِ البَلاغيَّة مِنْ تَشْبيهٍ واستعارةٍ وكِناية ، لِيَمنحَ الخَمْرَ صِفَاتٍ إنسانيَّة تَجْعلها شَخصيةً حَيَّةً تَتفاعل معَ الشاعر. ولا يَكْتفي بوصفِ مَظْهَرِها أوْ طَعْمِها ، بَلْ يَربِط بَيْنَ لَوْنِها ورائحتها وتأثيرِها النَّفْسِيِّ ، فَيَصْنَع لَوْحَةً حِسِّية مُتكاملة تَتجاوز الماديِّ إلى الجَمَاليِّ .

     تُمثِّل الخَمْرُ في شِعْرِهِ رمزًا للحَياةِ والمُتعةِ ، والتَّمَرُّدِ على القِيَمِ التقليدية ، والتَّحَرُّرِ مِنَ القُيودِ الاجتماعيةِ والدِّينية ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجرَّد شَراب ، بَلْ وسيلة للتَّحَرُّرِ مِنْ سُلطةِ الدِّينِ والمُجتمعِ ، والهُروبِ مِنَ الواقعِ القاسي ، والتقاليدِ الصارمةِ التي كَبَّلَت الإنسانَ ، وتَجسيد لفلسفةِ اللذةِ والاحتفاءِ بالجسدِ واللحظةِ الآنِيَّة .

     بِهَذا المَعنى ، تَتَحَوَّلُ الخَمْرُ إلى رمزٍ للبحثِ عَن الذاتِ ، والتصالحِ معَ الرَّغَبَاتِ الإنسانية المَكبوتة. وَتَجْرِبَتُهُ مَعَ الخَمْرِ حِسِّية في ظاهرِها،لكنَّها تَنْطوي على نَزْعة فِكرية تُمجِّد الحُرِّيةَ الفردية ، وتَحْتفي بالإنسانِ في طَبيعته الأوَّلِيَّةِ البِدَائية الغريزية الشَّهْوانية . وَالخَمْرُ لَدَيْهِ رَمْزٌ دُنيوي ، مُرتبط بالمُتعةِ والمَجالسِ واللهوِ والعبثِ ، وإنْ كانتْ تُخْفي وَراءها احتجاجًا على النِّفَاقِ الاجتماعيِّ والقُيودِ الأخلاقية .

     وَتَعْكِسُ قصائدُه صِرَاعًا داخليًّا بَيْنَ اللذةِ والذَّنْبِ ، وَبَيْنَ النَّزْعةِ الحِسِّيةِ والنَّزْعةِ الأخلاقية، وَهُوَ مَا يُضْفي على تَجرِبته عُمْقًا إنسانيًّا يَتجاوز حُدودَ اللهوِ والمُجُونِ الظاهريِّ .

     لَمْ تَكُن الخَمْرُ عِندَه مُجرَّد شَرابٍ يَسْقي الأجسامَ ، بَلْ كانتْ رمزًا فلسفيًّا يَعكِس مَوْقِفَه مِنَ الحَياةِ والوُجودِ والحُرِّية . وَهُوَ يَرى في الخَمْرِ خَلاصًا مِنَ الزَّيْفِ والنِّفَاقِ ، وعَوْدَةً إلى الصِّدْقِ الطبيعيِّ في الإنسانِ . وَمِنْ خِلال هذا الرَّمْزِ ، أعلنَ تَمَرُّدَه على الزُّهْدِ المُصْطَنَعِ ، وَدَعَا إلى فَلسفةٍ جديدة تَحْتفي بالحياةِ ولَذَّاتِها ، وَتُؤْمِن بأنَّ المُتعةَ الصادقةَ وَجْهٌ آخَر للحقيقة .

     والشاعرُ الفرنسيُّ شارل بودلير ( 1821 م _ 1867 م ) مِنْ أبرزِ شُعراءِ القرنِ التاسع عَشَر في فرنسا ، وَيُعْتَبَرُ رائد الحَداثة الشِّعْرية الأُوروبية . وَقَدْ شَكَّلَت الخَمْرُ في تَجرِبته الشِّعْريةِ رمزًا مَركزيًّا يُجسِّد الصِّراعَ بَيْنَ الجسدِ والرُّوحِ ، بَيْنَ الواقعِ والمِثال ، فَهِيَ عِنده لَيْسَتْ مُجرَّد شَراب ، بَلْ حالة وُجودية يَسْعى مِنْ خِلالِها إلى تَجاوزِ بُؤْسِ الواقعِ ، والارتقاءِ إلى عَالَمٍ مِنَ الجَمالِ والنَّشْوةِ الفَنِّية .

     تَتَّخِذُ الخَمْرُ عِندَه بُعْدًا رمزيًّا عميقًا ، فَهِيَ تُمثِّل وَسيلةً للتَّحَرُّرِ مِنْ قُيودِ الواقعِ الماديِّ ، والانفلاتِ مِنْ ثِقَلِ الزَّمَنِ والمَلَلِ ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجرَّد أداة للسُّكْرِ أو المُتعةِ الحِسِّية ، بَلْ هِيَ رمزٌ للتَّحليقِ في فَضاءِ الإبداعِ ، والانعتاقِ مِنَ الواقعِ المُبْتَذَلِ نَحْوَ عَالَمٍ أكثر صَفَاءً وَنَقَاءً . كَما تَرتبط الخَمْرُ في شِعْرِه بِفِكرةِ التَّمَرُّدِ على النِّظامِ الاجتماعيِّ والأخلاقيِّ ، إذْ يَرى فيها وسيلةً للانفصالِ عَن المُجتمعِ البُرْجُوازيِّ الذي يَرفُض قِيَمَه المادية والسَّطْحية .

     في فلسفته الشِّعْريةِ ، تُمثِّل الخَمْرُ طريقًا نَحْوَ المُطْلَقِ الفَنِّي والرُّوحي ، فَهُوَ يَرى أنَّ الإنسان يعيش في عَالَمٍ ناقصٍ وَمَلِيء بالبُؤْسِ والشَّقَاءِ والتَّعَاسةِ، وأنَّ الخَمْرَ تَمْنحه لَحْظَةً مُؤقَّتة مِنَ الكَمالِ والانسجامِ معَ الكَوْن. إنَّها رِحْلة آنِيَّة نَحْوَ السُّمُوِّ ، يَستطيع الشاعرُ مِنْ خِلالِها أنْ يَقْترب مِنَ الجَمالِ المِثاليِّ الذي لا يَبْلُغُه في الواقع . وهَكذا ، تَتحوَّل الخَمْرُ إلى رمزٍ للفَنِّ ذاتِه ، لأنَّهما يَمْنحان الإنسانَ لَحْظةً مِنَ الخَلاصِ مِنْ عُبوديَّةِ الواقعِ .

     يَرتبط وَصْفُ الخَمْرِ عِندَه بحالته النَّفْسِيَّةِ المُضْطَرِبَة ، فَهُوَ يَعيشُ صِراعًا دائمًا بَيْنَ رَغْبته في الصُّعودِ الرُّوحيِّ وَسُقوطِهِ في عَبَثِ الواقع ، وتُمثِّل الخَمْرُ بالنِّسْبَةِ إلَيْه حَلًّا مُؤقَّتًا للقلقِ الوُجوديِّ الذي يُعانيه ، إذْ تَمْنحه شُعورًا زائفًا بالطُّمَأنينة ، لكنَّها في الوَقْتِ نَفْسِه تُذكِّره بِزَيْفِ تِلْك الطُّمَأنينةِ وَزَوالِها السريع .

     وَمِنْ هَذا المَنظورِ ، تَظهَر الخَمْرُ كَمِرْآةٍ لِتَمَزُّقِ ذاتِ الشاعرِ بَيْنَ الحُلْمِ والهاوية ، بَيْنَ النَّشْوَةِ واليأسِ ، في صُورةٍ فَنِّية تُعبِّر عَن التناقضِ الإنسانيِّ العميق . وَهُوَ يَرى في الخَمْرِ تَجْسيدًا لحالةِ الشاعرِ ذَاتِه ، فَكَمَا يَسْكَر الإنسانُ بالخَمْرِ لِيَهْرُبَ مِنْ واقعِه ، يَسْكَر الشاعرُ بالشِّعْرِ لِيَتَحَرَّرَ مِنَ العَالَمِ العاديِّ ، وَيَصْنَعَ عَالَمَه الخاص .

     تُشكِّل الخَمْرُ في الشِّعْرِ العربيِّ والغَربيِّ رمزًا مُركَّبًا تَتداخل فيه اللذةُ والتَّمَرُّدُ والبحثُ عَن الخَلاص . وإذا كانَ أبو نُوَاس جَعَلَ مِنَ الخَمْرِ أداةً للتَّمَرُّدِ على القِيَمِ الدِّينية والاجتماعيةِ في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ ، فإنَّ بودلير جَعَلَ مِنها وسيلةً للهُروبِ مِنْ عَبثيةِ الواقعِ والاغترابِ الوُجوديِّ .

     رَغْمَ المَسافةِ الزمنيةِ والثقافية ، يَشترك أبو نُوَاس وبودلير في جَعْلِ الخَمْرِ أداةً للحُرِّيةِ والتَّحَرُّرِ، الأوَّل مِنْ سُلْطَةِ الدِّينِ والمُجتمعِ ، والثاني مِنْ ثِقَلِ الوُجودِ والزمنِ . لكنَّ الاختلافَ الجَوهريَّ أنَّ خَمْرَ أبي نُوَاس احتفالٌ بالحَياة ، بَيْنَما خَمْر بودلير هُروب مِنَ الحَياة .

01‏/11‏/2025

الطبقة الكادحة بين نجيب محفوظ وجون شتاينبك

 

الطبقة الكادحة بين نجيب محفوظ وجون شتاينبك

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................

     يُعْتَبَرُ الكاتبُ المِصْري نجيب محفوظ ( 1911 _ 2006 / نوبل 1988 ) أعظمَ روائي في الأدبِ العربي على الإطلاقِ . تُعَدُّ أعمالهُ سِجِلًّا حَيًّا للتَّحَوُّلات الاجتماعية في مِصْر .

     كَتَبَ في فَترةِ التَّحَوُّلاتِ السِّياسية والاجتماعية العَميقة في المُجتمعِ المِصْرِيِّ ، مِنَ الاحتلالِ البريطاني إلى ثَورة 1919 ثُمَّ ثَورة يوليو 1952 ، ومَا تَبِعَها مِنْ تَغْييرات في البُنْيَةِ الطَّبَقِيَّة . وانطلقَ مِنْ واقعٍ اجتماعي مُضطرِب ، فَجَعَلَ مِنَ الأدبِ وسيلةً لكشفِ أزَمَاتِ العَدالةِ الاجتماعية ، وعاشَ مَراحلَ الصِّراعِ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ الاجتماعية ، حَيْثُ كانت الطَّبَقَةُ الكادحة ( العُمَّال ، الفُقَراء ، صِغَار المُوظَّفين ، سُكَّان الحَارَاتِ الشَّعْبية ) في مُواجَهةِ الفَقْرِ والسُّلطةِ والبيروقراطية . وَقَدْ كانتْ مِصْر تَمُرُّ بِمَرحلةِ انتقالٍ مِنَ الإقطاع إلى نَوْعٍ مِنَ الاشتراكية ، فانعكسَ ذلك في أدبِه كَصِرَاعٍ بَيْنَ القَديمِ والجديد، وصارَ مَادَّةً خِصْبَةً في كِتَاباته التي رَصَدَتْ حَركةَ المُجتمعِ بَيْنَ القَهْرِ والأملِ .

     قَدَّمَ تَصويرًا دقيقًا لِعَالَمِ الكادحين في الحَارَاتِ الشَّعْبية ، حَيْثُ يَتجسَّد الفَقْرُ لَيْسَ كحالةٍ ماديَّةٍ فَقَط، بَلْ أيضًا كَمُعَاناةٍ وُجوديةٍ وإنسانية. وكانَ يَرى أنَّ الفَقْرَ لَيْسَ عَيْبًا فرديًّا، بَلْ نتيجة لعوامل اجتماعية وتاريخية مُعقَّدة ، إلا أنَّه يُعالجه بِمَنظورٍ إنسانيٍّ أكثر مِنْ كَوْنِه سِياسيًّا . فالكادحُ عِندَه هُوَ إنسان يَسْعَى إلى حِفْظِ كَرامته رَغْمَ انكسارِه ، وَيَظَلُّ قادرًا على الحُلْمِ والمُقاوَمة .

     شَخصياتُه غالبًا مِنَ الحَارَةِ الشَّعْبية : الحَلَّاق ، البائع ، البَوَّاب ، الفتاة الفقيرة . يُصورِّهم بَيْنَ مِطْرقةِ الفَقْرِ وَسِنْدَانِ السُّلطة ، لكنَّهم يَحْتفظون بِكَرامتهم وإنسانيتهم . والكِفَاحُ عِندَه لَيْسَ اقتصاديًّا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا وُجودي وأخلاقي ، وَبَحْثٌ عَنْ مَعْنى الحَياةِ والعَدْلِ والكَرامة .

     تَتجلَّى الطَّبَقَةُ الكادحةُ بِوُضوحٍ في أعمالِه الواقعية ، فَهُوَ يَرسُم لَوْحةً مُتكاملة للحَياةِ الشَّعْبية في أحياءِ القاهرةِ القديمة ، حَيْثُ تتقاطع طُموحاتُ الفُقَراءِ معَ قَسْوَةِ الواقعِ ، وَيَتجسَّد حُلْمُ الإنسانِ بالتَّحَرُّرِ مِنَ الفَقْرِ، وأحيانًا يَسْقَط في بَراثِنِ الاستغلالِ ، فَيَتَحَوَّل الحُلْمُ إلى مَأساةٍ .

     وَقَدْ قَدَّمَ في أعمالِه مَأساةَ الأُسْرَةِ المِصْرِيَّة الفقيرة التي تُكافِح مِنْ أجْلِ البَقاءِ بعد وَفاةِ عائلها، فَيَتَحَوَّل الفَقْرُ إلى قَدَرٍ يَخْتبر القِيَمَ والأخلاقَ والمَبادئ . وفي بعضِ أعمالِه ، تَتَحَوَّلُ الحَارَةُ إلى نَمُوذج مُصغَّر للمُجتمعِ الإنسانيِّ ، حَيْثُ يَتوارث الناسُ الصِّراعَ بَيْنَ العَدْلِ والطُّغيان ، وَيَظَلُّ " الفُتُوَّة " رمزًا للسُّلطةِ التي يَسعى الكادحون لِتَقْويمها أوْ مُواجهتها . وَهُوَ يَرى في الطَّبَقَةِ الكادحةِ الضَّميرَ الأخلاقيَّ للأُمَّة ، لكنَّها في الوَقْتِ نَفْسِه ضَحِيَّةٌ لِبُنْيةٍ اجتماعية ظالمة . خَلاصُها يَتحقَّق بالوَعْي والنَّزْعةِ الأخلاقية النابعة مِنَ الداخل .

     والرِّوائيُّ الأمريكيُّ جون شتاينبك ( 1902 _ 1968 / نوبل 1962 ) مِنْ أبرزِ الأُدباءِ الذينَ عَالَجُوا مَوضوعَ الطَّبَقَةِ الكادحة . كَتَبَ في ظِلِّ فَترةِ الكَسَادِ العظيم ( 1929_ 1939 ) حِينَ انهارَ الاقتصادُ الأمريكي، وَخَسِرَ مَلايين الناسِ أراضيهم وأعمالَهم ، وَتَحَوَّلوا إلى مُشرَّدين يَبْحثون عن العملِ في الحُقولِ والمَصانع .

     تعاملَ معَ الطَّبَقَةِ الكادحة بِرُؤيةٍ إنسانيَّة احتجاجيَّة ، فَهُوَ لا يَكْتفي بِوَصْفِ مُعاناتهم ، بَلْ يُدِينُ النظامَ الاقتصاديَّ الذي أنتجها ، ويُبْرِز القِيَمَ الإنسانية مِثْلَ التَّضَامُنِ ، والحُبِّ ، والإخلاصِ ، باعتبارِها السِّلاح الوحيد في مُواجهةِ القَسوةِ الاجتماعية . كما يَتميَّز أُسلوبُه بالواقعية المَمْزوجة بالرَّمْز ، إذْ يَتحوَّل العملُ وَالأرضُ وَالأُسْرَةُ إلى رُموز كُبْرى للكَرامةِ الإنسانيَّة .

     شَخصياتُه مِنَ العُمَّالِ الزِّراعيين والمُهاجِرين الفُقَراء ، يُصارِعون الجُوعَ والاستغلال . والكِفَاحُ عِندَه ماديٌّ ومَعْنويٌّ في آنٍ معًا : الجُوع ، والقَهْر الاجتماعي ، وَضَياع الحُلْمِ الأمريكيِّ . لكنَّه يُغلِّف مُعَاناتهم بإحساسٍ عميق بالتضامُنِ الإنسانيِّ ، والكَرامةِ ، والأملِ بالعَدالةِ الاجتماعية .

     جَعَلَ مِنَ الكادحين الأمريكيين رَمْزًا للمُعَاناةِ الكَوْنِيَّة ، فالفَقْرُ عِندَه لَيْسَ حالةً اقتصادية فَحَسْب، بَلْ أيضًا مأساة وُجودية تَنْبُع مِن انعدامِ العَدالة . وَهُوَ يُؤْمِنُ بِقُدْرتهم على التضامنِ والتَّمَرُّدِ ، والوِلادةِ الجديدةِ مِنْ رَحِمِ المُعاناة .

     وَنَقَلَ في أعمالِه مَأساتهم بِلُغَةٍ تَمْتزج فيها الشاعريةُ بالغضب . والأرضُ عِندَه لَيْسَتْ مُجرَّد خَلْفِيَّة للأحداث ، بَلْ هِيَ مُعَادِلٌ رُوحيٌّ للإنسانِ ، حِينَ تُغْتَصَبُ الأرضُ ، وَيُغْتَصَبُ الوُجودُ الإنساني .

     وَجَعَلَ مِنَ الحَقْلِ الأمريكيِّ مِنْبَرًا للعَدالةِ والتَّمَرُّدِ . وَهُوَ لا يَكْتُب عَن الفَقْرِ كَقَدَرٍ ، بَلْ كَجَريمة. الأرضُ التي يُطرَد مِنها الفلاحون تَتحوَّل إلى كائنٍ جريح ، والإنسانُ الذي يُسحَق تحت عَجَلاتِ الرأسمالية يَتحوَّل إلى رَمْزٍ للمُقاوَمةِ الصامتة . وَقَدْ صَوَّرَ الحُلْمَ الأمريكيَّ وَهُوَ يَتفتَّت بين أصابع العاملين في المَزارع ، حِينَ يُصْبح الحُلْمُ نَفْسُه سِلْعَةً لا يَقْدِرُون على شِرائها .

     كَتَبَ بلسانِ الجماعة لا الفَرْدِ، بِصَوْتِ الغضبِ الجَمْعِيِّ الذي يُشبِه صَفِيرَ الرِّيحِ في الحُقولِ الخالية . لُغَتُهُ مُشْبَعَةٌ برائحةِ التُّرابِ ، وَعَرَقِ الأجسادِ ، وَدُموعِ الأُمَّهات . والكادحون لا يَسْكُنون عَالَمَ الهزيمةِ ، بَلْ عَالَم النُّهوضِ مِنَ الرُّكام ، حَيْث الحُلْم آخِر مَا يُنْتَزَع مِنَ الإنسان .

     لَقَدْ رَكَّزَ محفوظ على الداخلِ المِصْرِيِّ ، حَيْث الصِّراع بَيْنَ القِيَمِ والتقاليدِ والحَداثة ، فَجَعَلَ الكادحين رُموزًا للبَقَاءِ والكَرامة ، أمَّا شتاينبك ، فَقَدْ رَكَّزَ على الإنسانِ العالميِّ في مُواجهةِ النِّظامِ الرأسماليِّ القاسي ، فَجَعَلَ الكادحين رُموزًا للأملِ والمُقاوَمة .