في لحظةٍ إقليمية
تتكاثر فيها الأزمات، وتتسارع فيها التحولات، تجد باكستان نَفْسَها أمام اختبار
سياسي بالغ الحساسية: كيف يمكن لدولة ترتبط بعلاقات مُعقَّدة مع الولايات المتحدة،
وتجاور إيران جُغرافيًّا وأمنيًّا، أن تلعب دور الوسيط وسط تصاعد تهديدات الرئيس
الأمريكي ترامب لطهران؟. إنها معادلة محفوفة بالمخاطر، لأنَّ أي خطأ في الحسابات
قد يدفع المنطقة بأسرها نحو انفجار لا يمكن احتواء تداعياته.
منذ عودة
الخطاب الأمريكي المتشدد تجاه إيران، عاد شبح المواجهة إلى المنطقة بقوة. ترامب،
الذي بنى جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي على سياسة الضغط الأقصى، لا يتعامل مع
طهران بوصفها خصمًا عاديًّا، بلْ باعتبارها العُقدة الأساسية في مشروع النفوذ
الأمريكي. ولذلك، فإن تهديداته المتكررة لإيران لَيست مُجرَّد تصريحات انتخابية أو
رسائل إعلامية، بلْ هي جُزء مِن إستراتيجية تقوم على خنق الخصم اقتصاديًّا، وعزله
سياسيًّا، ودفعه إلى حافة الانفجار.
في خصم هذا
التصعيد، تحاول باكستان الظهورَ كلاعب قادر على تخفيف التوتر، وفتح قنوات الحوار،
غير أن السؤال الحقيقي لَيس في رغبة إسلام أباد بالوساطة، بل في حدود قدرتها على
التأثير وسط توازنات إقليمية ودولية مُعقَّدة.
تدرك
باكستان جيدًا أن أيَّة حرب بين أمريكا وإيران لن تبقى محصورة داخل الحدود
الإيرانية. الجُغرافيا السياسية تجعل إسلام أباد في قلب العاصفة إذا اشتعلت
المنطقة. الحدود الطويلة مع إيران، والتداخل الأمني والمذهبي ، وحساسية الداخل الباكستاني،
كلها عوامل تجعل الاستقرارَ الإيراني جُزءًا من الأمن القومي الباكستاني نفسه. لهذا
السبب، تبدو الوساطة بالنسبة لباكستان ضرورة إستراتيجية أكثر مِن كَونها خيارًا
دبلوماسيًّا، فهي لا تريد رؤية منطقة الخليج تغرق في الفوضى، ولا ترغب في أن تتحول
حدودها الغربية إلى ساحة صراع مفتوح، أو موجات نزوج واضطرابات أمنية، كما أن
الاقتصاد الباكستاني الهش لا يحتمل صدمة إقليمية كُبرى قد ترفع أسعارَ الطاقة،
وتدفع المنطقة نحو اضطراب شامل.
لكن رغم هذه
الدوافع، فإن قدرة باكستان على لعب دور الوسيط تبقى محدودة بعوامل أكبر منها
بكثير. إذْ إن أمريكا لا تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية إقليمية فقط، بل من
منظور الهيمنة الدولية وموازين القوة العالمية. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح
الإستراتيجية الكبرى، تصبح الوساطات الإقليمية مُجرَّد أدوات ثانوية قابلة
للتجاوز.
ثم إن ترامب
لا يؤمن كثيرًا بالدبلوماسية التقليدية الهادئة. إنه يُفَضِّل سياسة الصدمة، ويرى
أن التهديد والضغط والعقوبات أدوات أكثر فعالية من طاولات الحوار الطويلة. لذلك،
فإنَّ أي تحرك باكستاني سيصطدم سريعًا بعقلية أمريكية تعتبر أن التنازل لإيران
سَيُقْرَأ بوصفه ضعفًا لا مرونة سياسية.
الأمر
الأكثر تعقيدًا أن باكستان لَيست وسيطًا محايدًا بالكامل في نظر جميع الأطراف.
واشنطن تدرك عمقَ العلاقات الباكستانية مع الصين، وتراقب بحذر أي تحرك قد يمنح
بكين فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، تنظر إيران إلى باكستان بوصفها
دولة قريبة من المعسكر الأمريكي والخليجي، حتى وإنْ حاولت الحفاظ على التوازن في
خطابها السياسي.
هذا التناقض
يجعل مهمة إسلام أباد شديدة الصعوبة. فهي مُطالبة بإقناع واشنطن بأنها قادرة على
لعب دَور مفيد دون أن تتحول إلى قناة تمنح طهران وقتًا إضافيًّا للمناورة، وفي
الوقت نفسه مُطالبة بإقناع إيران بأنها لا تعمل ضمن أجندة أمريكية خفية. وبين هذين
المسارين المتناقضين، تضيق مساحة الحركة تدريجيًّا.
كما أن
الداخل الباكستاني يفرض قيودًا ثقيلة على صانع القرار. فالأزمات الاقتصادية
المتلاحقة، والانقسامات السياسية، والتحديات الأمنية، تجعل الحكومة أقل قدرة على
خوض مغامرات دبلوماسية كبيرة. الدولة التي تعتمد على الدعم المالي الدولي لا
تستطيع الذهاب بعيدًا في تحدي واشنطن، حتى لو أرادت الحفاظ على علاقة مستقرة مع
طهران.
ومع ذلك،
فإن باكستان تمتلك بعض الأوراق التي تمنحها هامشًا محدودًا للحركة، فهي واحدة من
الدول القليلة التي تستطيع التحدث مع مختلف الأطراف دون قطيعة كاملة، كما أن
موقعها الجغرافي وخبرتها الطويلة في إدارة التوازنات يمنحانها قدرة على التواصل في
اللحظات الحرجة، غير أن هذه القدرة لا تعني امتلاك النفوذ الكافي لتغيير مسار
الأزمة.
الواقع أن
الصراع الأمريكي الإيراني تجاوزَ منذ سنوات حدود الخلاف التقليدي. إنه صراع على
النفوذ والردع والهوية السياسية للمنطقة. أمريكا تريد شرق أوسط يخضع لترتيبات
أمنية تقودها واشنطن وحلفاؤها، بينما ترى إيران نَفْسَها قوة إقليمية ترفض الخضوعَ
لهذه المعادلة. وفي مثل هذا الصراع الوجودي، تصبح الوساطات أشبه بمحاولات لتخفيف
الحرارة لا لإطفاء النار.
ثم إن
تهديدات ترامب لإيران لا تستهدف فقط النظامَ الإيراني، بل تحمل أيضًا رسائل إلى الحلفاء
والخصوم معًا. إنها محاولة لإظهار أن واشنطن ما تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة
رغم صعود الصين وعودة روسيا إلى المسرح الدولي. ومن هُنا، فإن أي تراجع أمريكي
أمام الوساطات قد يُفَسَّر داخليًّا وخارجيًّا على أنه تآكل في صورة القوة
الأمريكية، وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية أكثر تشددًا.
في المقابل، تدرك إيران أن الاستسلام للضغوط يعني خسارة مشروعها الإقليمي وهيبتها السياسية. لذلك، فهي تعتمد سياسة الصبر الإستراتيجي والرد غير المباشر، وتراهن على أن الوقت قد يُغَيِّر موازين القوى أو يفرض على واشنطن العودة إلى التفاوض بشروط مختلفة. وبين الإصرار الأمريكي والعناد الإيراني، تبدو الوساطة الباكستانية محاصَرة بجدارين صُلبين من الحسابات الكُبرى.




