19‏/05‏/2026

حدود الوساطة الباكستانية أمام تهديدات ترامب لإيران

 

حدود الوساطة الباكستانية أمام تهديدات ترامب لإيران

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     في لحظةٍ إقليمية تتكاثر فيها الأزمات، وتتسارع فيها التحولات، تجد باكستان نَفْسَها أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية: كيف يمكن لدولة ترتبط بعلاقات مُعقَّدة مع الولايات المتحدة، وتجاور إيران جُغرافيًّا وأمنيًّا، أن تلعب دور الوسيط وسط تصاعد تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب لطهران؟. إنها معادلة محفوفة بالمخاطر، لأنَّ أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة بأسرها نحو انفجار لا يمكن احتواء تداعياته.

     منذ عودة الخطاب الأمريكي المتشدد تجاه إيران، عاد شبح المواجهة إلى المنطقة بقوة. ترامب، الذي بنى جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي على سياسة الضغط الأقصى، لا يتعامل مع طهران بوصفها خصمًا عاديًّا، بلْ باعتبارها العُقدة الأساسية في مشروع النفوذ الأمريكي. ولذلك، فإن تهديداته المتكررة لإيران لَيست مُجرَّد تصريحات انتخابية أو رسائل إعلامية، بلْ هي جُزء مِن إستراتيجية تقوم على خنق الخصم اقتصاديًّا، وعزله سياسيًّا، ودفعه إلى حافة الانفجار.

     في خصم هذا التصعيد، تحاول باكستان الظهورَ كلاعب قادر على تخفيف التوتر، وفتح قنوات الحوار، غير أن السؤال الحقيقي لَيس في رغبة إسلام أباد بالوساطة، بل في حدود قدرتها على التأثير وسط توازنات إقليمية ودولية مُعقَّدة.

     تدرك باكستان جيدًا أن أيَّة حرب بين أمريكا وإيران لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية. الجُغرافيا السياسية تجعل إسلام أباد في قلب العاصفة إذا اشتعلت المنطقة. الحدود الطويلة مع إيران، والتداخل الأمني والمذهبي ، وحساسية الداخل الباكستاني، كلها عوامل تجعل الاستقرارَ الإيراني جُزءًا من الأمن القومي الباكستاني نفسه. لهذا السبب، تبدو الوساطة بالنسبة لباكستان ضرورة إستراتيجية أكثر مِن كَونها خيارًا دبلوماسيًّا، فهي لا تريد رؤية منطقة الخليج تغرق في الفوضى، ولا ترغب في أن تتحول حدودها الغربية إلى ساحة صراع مفتوح، أو موجات نزوج واضطرابات أمنية، كما أن الاقتصاد الباكستاني الهش لا يحتمل صدمة إقليمية كُبرى قد ترفع أسعارَ الطاقة، وتدفع المنطقة نحو اضطراب شامل.

     لكن رغم هذه الدوافع، فإن قدرة باكستان على لعب دور الوسيط تبقى محدودة بعوامل أكبر منها بكثير. إذْ إن أمريكا لا تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية إقليمية فقط، بل من منظور الهيمنة الدولية وموازين القوة العالمية. وعندما يتعلق الأمر بالمصالح الإستراتيجية الكبرى، تصبح الوساطات الإقليمية مُجرَّد أدوات ثانوية قابلة للتجاوز.

     ثم إن ترامب لا يؤمن كثيرًا بالدبلوماسية التقليدية الهادئة. إنه يُفَضِّل سياسة الصدمة، ويرى أن التهديد والضغط والعقوبات أدوات أكثر فعالية من طاولات الحوار الطويلة. لذلك، فإنَّ أي تحرك باكستاني سيصطدم سريعًا بعقلية أمريكية تعتبر أن التنازل لإيران سَيُقْرَأ بوصفه ضعفًا لا مرونة سياسية.

     الأمر الأكثر تعقيدًا أن باكستان لَيست وسيطًا محايدًا بالكامل في نظر جميع الأطراف. واشنطن تدرك عمقَ العلاقات الباكستانية مع الصين، وتراقب بحذر أي تحرك قد يمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، تنظر إيران إلى باكستان بوصفها دولة قريبة من المعسكر الأمريكي والخليجي، حتى وإنْ حاولت الحفاظ على التوازن في خطابها السياسي.

     هذا التناقض يجعل مهمة إسلام أباد شديدة الصعوبة. فهي مُطالبة بإقناع واشنطن بأنها قادرة على لعب دَور مفيد دون أن تتحول إلى قناة تمنح طهران وقتًا إضافيًّا للمناورة، وفي الوقت نفسه مُطالبة بإقناع إيران بأنها لا تعمل ضمن أجندة أمريكية خفية. وبين هذين المسارين المتناقضين، تضيق مساحة الحركة تدريجيًّا.

     كما أن الداخل الباكستاني يفرض قيودًا ثقيلة على صانع القرار. فالأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والانقسامات السياسية، والتحديات الأمنية، تجعل الحكومة أقل قدرة على خوض مغامرات دبلوماسية كبيرة. الدولة التي تعتمد على الدعم المالي الدولي لا تستطيع الذهاب بعيدًا في تحدي واشنطن، حتى لو أرادت الحفاظ على علاقة مستقرة مع طهران.

     ومع ذلك، فإن باكستان تمتلك بعض الأوراق التي تمنحها هامشًا محدودًا للحركة، فهي واحدة من الدول القليلة التي تستطيع التحدث مع مختلف الأطراف دون قطيعة كاملة، كما أن موقعها الجغرافي وخبرتها الطويلة في إدارة التوازنات يمنحانها قدرة على التواصل في اللحظات الحرجة، غير أن هذه القدرة لا تعني امتلاك النفوذ الكافي لتغيير مسار الأزمة.

     الواقع أن الصراع الأمريكي الإيراني تجاوزَ منذ سنوات حدود الخلاف التقليدي. إنه صراع على النفوذ والردع والهوية السياسية للمنطقة. أمريكا تريد شرق أوسط يخضع لترتيبات أمنية تقودها واشنطن وحلفاؤها، بينما ترى إيران نَفْسَها قوة إقليمية ترفض الخضوعَ لهذه المعادلة. وفي مثل هذا الصراع الوجودي، تصبح الوساطات أشبه بمحاولات لتخفيف الحرارة لا لإطفاء النار.

     ثم إن تهديدات ترامب لإيران لا تستهدف فقط النظامَ الإيراني، بل تحمل أيضًا رسائل إلى الحلفاء والخصوم معًا. إنها محاولة لإظهار أن واشنطن ما تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة رغم صعود الصين وعودة روسيا إلى المسرح الدولي. ومن هُنا، فإن أي تراجع أمريكي أمام الوساطات قد يُفَسَّر داخليًّا وخارجيًّا على أنه تآكل في صورة القوة الأمريكية، وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية أكثر تشددًا.

     في المقابل، تدرك إيران أن الاستسلام للضغوط يعني خسارة مشروعها الإقليمي وهيبتها السياسية. لذلك، فهي تعتمد سياسة الصبر الإستراتيجي والرد غير المباشر، وتراهن على أن الوقت قد يُغَيِّر موازين القوى أو يفرض على واشنطن العودة إلى التفاوض بشروط مختلفة. وبين الإصرار الأمريكي والعناد الإيراني، تبدو الوساطة الباكستانية محاصَرة بجدارين صُلبين من الحسابات الكُبرى.

18‏/05‏/2026

تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين

 

تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي أهمية التجربة الأدبية لكلٍّ مِن الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية ( وُلد 1945)، والروائي الأمريكي جيمس بالدوين ( 1924_ 1987).

     يلتقي الكاتبان _ رغم اختلاف الجُغرافيا واللغة والسياق الحضاري _ عند مشروع إنساني واحد: تفكيك الأب بوصفه رمزًا للهيمنة، وكشف التشققات الأخلاقية والنَّفْسية التي تُخلِّفها السُّلطة الذكورية في الفردِ والمجتمع.

     كتب فرح من قلب التجربة الأفريقية المُمزَّقة بين الدكتاتورية والعشيرة والسُّلطة الذكورية، بينما كتب بالدوين من قلبِ التجربة الأمريكية السوداء التي أنهكتها العُنصرية والعُنف الدِّيني والتمييز الطبقي. أدركا أنَّ السُّلطة السياسية تبدأ غالبًا من داخل البَيْت، وأن الطُّغيان الكبير يجد صورته الأُولَى في الأبِ المُستبد، أو في المجتمع الذي يَمنح الذَّكَرَ حقَّ التحكم في مصائرِ الآخَرين.

     إنَّ قراءة أعمال فرح وبالدوين لَيست مُجرَّد قراءة أدبية، بلْ هي قراءة في معنى الحرية الإنسانية، والكَيفيةِ التي تتحوَّل بها العائلة أحيانًا إلى مؤسسة قمع، ويتحوَّل فيها الحُب إلى خَوف، والطاعة إلى شكل من أشكال الموت البطيء.

     في أعمال فرح، لا يظهر الأبُ باعتباره فردًا فقط، بلْ باعتباره امتدادًا للعشيرةِ والسُّلطةِ السياسية، فالمجتمعُ الصومالي الذي يُقَدِّمه فرح مجتمع تحكمه التقاليد الصارمة، حيث تُختزَل المرأة في الطاعة، ويُختزَل الابنُ في الامتثال. والأبُ هُنا لَيس شخصًا، بلْ مؤسسة كاملة.

     ويُصبح الانتماءُ العائلي نوعًا مِن الأسْرِ الوجودي. الشخصياتُ تعيش تحت وطأة الرقابة الأخلاقية والاجتماعية، ويُصبح الجسدُ مَيدانًا للسَّيطرة. المرأةُ تُراقَب باسمِ الشرف، والطفلُ يُشكَّل وفق نموذج ذُكوري صارم، وأيَّة محاولة للخروج من هذا النسق تُعَدُّ خيانة للجماعة.

     أمَّا بالدوين، فيتناول السُّلطةَ الأبوية من زاوية مختلفة، لكنها لا تقلُّ قسوةً. يَظهر الأبُ بوصفه رَجل دِين مُتسلطًا يستخدم الخِطابَ الدِّيني لتبرير عُنْفِه واستبدادِه. والأبُ يُمارس سُلطةً مُزدوجة: سُلطة الرَّجل، وسُلطة المُقَدَّس. لذلك يُصبح التمردُ عليه أكثر تعقيدًا، لأنَّ الابن لا يواجه شخصًا فقط، بلْ يُواجه بُنيةً أخلاقية كاملة تُقْنعه بأن الطاعة فضيلة، وأن الرغبة خطيئة.

     وهكذا يكشف الكاتبان أن السُّلطة الأبوية لا تعتمد على القوة الجسدية وحدها، بلْ على إنتاج الشعورِ بالذنب والخوف. إنها سُلطة تَجعل الإنسانَ يُراقب نَفْسَه بِنَفْسِه، ويقمع رغباته الداخلية خشية العِقاب الاجتماعي.

     مِن أبرز الأمور المُشتركة بين فرح وبالدوين أن الجسد في أعمالهما لَيس مُجرَّد حُضور بيولوجي، بلْ مساحة للصراعِ السياسي والأخلاقي. فالسُّلطةُ الأبوية تسعى دائمًا إلى السيطرةِ على الجسدِ: كيف يتحرَّك؟، كي يُحِبُّ؟، كيف يَرغب؟، كيف يُعبِّر عن ذاته؟.

     في روايات فرح، يبدو الجسد الأنثوي تحديدًا مَوضوعًا للهَيمنة. المرأةُ تُحاصَر بالأعرافِ، وتُختزَل في أدوارِ الإنجابِ والطاعة. لكنَّ فرح يمنح شخصياته النسائية قوةً داخلية استثنائية، فهي لا تُواجه السُّلطةَ بالصُّراخ فقط،بلْ بالمُقاومة الصامتة أحيانًا، وبإعادةِ تعريفِ ذاتها خارج شروط الرجل. والمرأةُ عند فرح لَيست ضحية مُطْلقة، بلْ هي ذات تبحث عن حُريتها وسط عالَم عدائي. ولهذا فإن رواياته تُمثِّل نقدًا جذريًّا للبُنية الذكورية في المجتمع الأفريقي التقليدي، دون أن تقع في التبسيط أو الشعاراتية.

     أمَّا عِند بالدوين، فإنَّ الجسد يرتبط بالهُوية الجنسية والعِرقية معًا. الرَّجلُ الأسود في المجتمع الأمريكي يعيش قمعًا مزدوجًا:قمع العُنصرية البيضاء،وقمع السُّلطة الذكورية داخل مجتمع نَفْسِه. ولهذا كانتْ كتابات بالدوين شجاعة بصورة استثنائية،لأنه لَم يكتفِ بفضخ العُنصرية،بلْ كشفَ أيضًا هشاشةَ النموذج الذكوري التقليدي.يَتحوَّل الجسدُ إلى سؤال وجودي: هلْ يستطيع الإنسانُ أن يحب بحرية دون خوف من المجتمع؟ ، وهل يُمكن للهُوية أن تتحقق خارج قوالب الذكورة المفروضة؟. وقدْ أدركَ بالدوين أن السُّلطة الأبوية لا تقتل الحريةَ فقط،بلْ تقتل القُدرةَ على الحُبِّ الصادق.

     ما يُميِّز مشروع فرح بصورة خاصة هو الرابط العميق بين السُّلطة الأبوية والسُّلطة السياسية. فالدكتاتور في رواياته يُشبِه الأبَ المُستبد، وكلاهما يقوم على إخضاع الفرد، وتجريده من صوته الخاص.

     لقدْ عاشَ فرح تجربة المنفى بسبب معارضته السياسية، لذلك جاءت رواياته مُحمَّلة بسؤال الحرية. والدَّولةُ في عَالَمه لَيست سِوى نُسخة مُكبَّرة من العائلة السُّلطوية، حيث يُطلَب من المواطن الطاعة المُطْلقة، ويُنظَر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا للنظام.

     وفي المقابل، يرى بالدوين أن الدَّولة الأمريكية قامتْ على بُنية أبوية عُنصرية، تَجعل الرجلَ الأبيضَ مركزَ السُّلطة والمعنى.لذلك، فإنَّ نقده للأبِ يمتدُّ تلقائيًّا إلى نقدِ المجتمع الأمريكي كُلِّه.

     لقد فهمَ بالدوين أن العُنصرية لَيست مُجرَّد كراهية لَون، بلْ هي نظام سُلطة متكامل يقوم على إخضاع الآخَر، وتجريده من إنسانيته.

15‏/05‏/2026

هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي

 

هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     في عالَمٍ يزداد قسوةً كُلَّ يوم، يبدو الإنسانُ أكثرَ هَشاشةً مِمَّا يَظُن. المدنُ تكبر، والضجيجُ يعلو، والتكنولوجيا تتوحَّش، لكن القلبَ البشري يبقى ذلك الكائن المرتجف الذي يخاف الوَحدةَ، ويبحث عن معنى، ويحتمي بالأحلام الصغيرة من الانهيار الداخلي الذي لا يراه أحد. ولعلَّ الأدب هو ذلك الفن القادر على كشف هذه الهشاشة العميقة دُون خَطابة أوْ ضجيج، بلْ عَبْرَ التفاصيل الصغيرة، والعابرين المنسيين، والصمتِ الطويل الذي يسكن الأرواحَ.

     مِن بَين الأصوات الروائية المعاصرة التي استطاعتْ أن تلامس هذا الجُرْحَ الإنساني العميق، يبرز اسمُ الروائي السوداني أمير تاج السر ( وُلد 1960 م )، والروائي الياباني هاروكي موراكامي (وُلد 1949م ). ورغم اختلاف الجُغرافيا والثقافةِ واللغةِ، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة مركزية: الإنسان كائن هَش، وحيد، مُرتبك، يعيش في عالَمٍ أكبر مِن قُدرته على الفهم.

     لا يكتب أمير تاج السر عن الأبطال العِظَام،ولا عن الشخصيات المنتصرة.أبطالُه غالبًا كائنات مسحوقة ومنسية، تعيش على هامش الحياة، موظفون بسطاء، مرضى، بائعون، مهاجرون، أشخاص لا يَلتفت إليهم أحد. إنهم بشر يعيشون في الظل، لكنَّ الكاتب يمنحهم فجأةً مركزَ الضوء، وكأنه يقول إن المأساة الحقيقية للعالَم لا تسكن القُصورَ، بل الأزقة المنسية والقُلوب المُتعَبة.

     في المقابل، يصنع هاروكي موراكامي أبطالَه بالطريقة ذاتها تقريبًا. رجال عاديون، موظف يستمع إلى الموسيقى وحده، شاب يطهو المعكرونة بصمت، امرأة تختفي بلا تفسير، شخص يمشي في المدينة دون هدف واضح. لكن خلف هذا العاديِّ تختبئ هُوَّةٌ هائلة من القلقِ الوجوديِّ والوَحدةِ والانكسارِ الداخلي.

     يُدرك الكاتبان أن الإنسان لا ينهار دائمًا بسبب الحُروبِ الكُبرى أو الكوارثِ العنيفة، بلْ قدْ يتحطم بِبُطء بسبب العُزلة، والرتابة، والخِذلانِ اليَومي، والشعورِ الغامض بأن الحياة تفقد معناها شيئًا فشيئًا.

     الوَحدةُ عند أمير تاج السر لَيست مُجرَّد حالة نَفْسية، بل تكاد تكون قَدَرًا اجتماعيًّا. شخصياتُه تعيش وسط الناس، لكنها معزولة عنهم. المُدُنُ مزدحمة، لكنَّ الأرواح فارغة، حتى العلاقات الإنسانية تبدو عاجزةً عن إنقاذِ الإنسان من سقوطه الداخلي. هُناك دائمًا مسافة خَفِيَّة بين البشر، ومساحات باردة لا يستطيع أحد عُبورَها.

     أمَّا عِند هاروكي موراكامي، فإنَّ الوَحدة تتحوَّل إلى عالَم كامل. شخصياتُه لا تخاف الوَحدةَ فقط، بلْ أحيانًا تتصالح معها، وتسكنها كما يَسكن الناسُ بُيُوتَهم. الوَحدةُ عنده لَيست غيابَ الآخرين فَحَسْب، بَلْ هي شُعور غامض بانفصالِ الإنسان عن العالَم نَفْسِه. ولذلك تبدو شخصياته وكأنها تتحرك داخل حُلْم طويل، أو داخل نفق نَفْسي لا نهاية له. لكنَّ الفارق الجَوهري أن أمير تاج السر يربط هذه الوَحدةَ غالبًا بالواقعِ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بَينما يجعلها هاروكي موراكامي أزمةً وجودية كَونية، تتجاوز المجتمعَ لتصل إلى معنى الحياةِ ذَاتِه.

     يَجمع الكاتبَيْن تَوَتُّرٌ غريب بين الواقعي والغرائبي. في روايات أمير تاج السر، يبدو الواقعُ أحيانًا أكثر عبثية من الخيالِ نَفْسِه. هُناك أحداثٌ غير منطقية، وشخصيات مُشوَّهة نَفْسِيًّا، ومواقف تتأرجح بين السُّخريةِ والكابوس. لكنَّه لا يغادر الواقعَ تمامًا، بلْ يَجعل القارئَ يشعر أن الحياةَ نَفْسَها تَحمل قَدْرًا من الجنونِ الخَفِيِّ.

     أمَّا هاروكي موراكامي، فإنَّه يذهب أبعد في هذا الاتجاه. الآبار العميقة، القِطَط المُتكلمة، العوالم المُوازية، الاختفاءات الغامضة، كُلُّها عناصر تَجعل القارئَ غير قادر على الفصلِ بين الحقيقةِ والحُلْمِ. ومعَ ذلك، فإنَّ هذه الغرائبية لَيست هُروبًا من الواقع، بلْ مُحاولة لفهمه. والإنسانُ يعيش داخل مَتاهة نَفْسية يصعب تفسيرها بالعقل وحده. والغرابةُ عند الكاتبَيْن لَيست زينة فنية، بل وسيلة للكشف عن هَشاشةِ الإنسانِ أمامَ عالَم غير مفهوم.

     بِحُكم خلفيته الطبية، يمتلك أمير تاج السر قُدرةً استثنائية على تصوير الجسدِ البشري بوصفه مساحةً للألمِ والانهيار. المرض، التعب، الشَّيخوخة، العجز، كُلُّها حاضرة بقوة في أعماله. لكنَّه لا يكتب الجسدَ بطريقة بيولوجية باردة، بلْ يَجعله مِرآةً للروحِ المنكسرة.

     يهتمُّ هاروكي موراكامي أكثر بالجِراحِ النَّفْسيةِ غير المرئية، الاكتئاب، الفقد، الذكريات الثقيلة، الانفصال الداخلي. شخصياتُه تبدو سليمة من الخارج، لكنَّها تتآكل من الداخل بصمتٍ قاتل.

     ويلتقي الكاتبان حول فِكرة مركزية واحدة: الإنسان هَش، سواءٌ انهارَ جسدُه أوْ رُوحُه، وسواءٌ جاءَ الألمُ من الخارج أوْ مِن أعماقه الخاصَّة. ويُدركان أن الإنسان لا يستطيع النجاةَ دُون قليل مِن السُّخرية، لأنها آخر دفاعاته أمام قَسوةِ العالَم. ومعَ هذا، فَهُمَا لا يُقَدِّمان حُلولًا كُبرى. لا تُوجد نِهايات بُطولية، ولا انتصارات كاملة، ولا يقين مُطْلَق. لكنَّهما يَمنحان القارئَ شيئًا أكثر عُمقًا: الاعتراف بضعف الإنسان، وأنَّ الهشاشة جُزء أصيل من التجربة البشرية. وتبدو الكتابةُ عِندهما كأنها مُحاولة هادئة لإنقاذ الإنسانِ من الغرق الكامل، لَيس عبر القوة، بل عبر الفهم والتأمُّل.

08‏/05‏/2026

صدمة المستقبل بين موسى ولد إبنو وألدوس هكسلي

 

صدمة المستقبل بين موسى ولد إبنو وألدوس هكسلي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..........................


     في عالَمٍ يتسارع إيقاعه على نحو غير مسبوق، لَم يعد الإنسانُ يواجه تحديات تقليدية يمكن التنبؤ بها، بل أصبح في قلب تحولات عميقة تضرب جُذورَ الوعي والهُوِيَّة والمعنى.

     هذه الحالةُ التي يمكن وصفها بـ " صدمة المُستقبَل" لَيست مُجرَّد مُصطلح عابر، بل هي تجربة إنسانية مُركَّبة ، تَنَبَّهَ إلَيها الأدباء بِطُرُق مختلفة، مِن بَينهم الروائي الموريتاني موسى ولد إبنو ( وُلد 1956 م ) ، والروائي الإنجليزي ألدوس هكسلي ( 1894 م _ 1963 م ).

     وعلى الرغم من اختلاف السياقات الثقافية والفكرية لكلٍّ منهما، إلا أنَّ كِلَيهما التقطَ بِعُمقٍ ملامحَ هذا الاضطراب الحضاري الذي يُهدِّد توازنَ الإنسان.

     يُشير مفهومُ " صَدمة المُستقبَل " إلى تلك الحالة التي يعجز فيها الإنسانُ عن التكيُّف معَ التغيراتِ المُتسارعة في التكنولوجيا، والقيم، وأنماط الحياة.

     يَطرح ولد إبنو رؤيةً نقدية لعالَم فَقَدَ مرجعياته، حيث لَم تعد المعايير واضحة، ولا الثوابت مُستقرة. الإنسانُ هُنا يعيش في حالة تيه مَعرفي، تتفكك فيها البُوصلة الأخلاقية أمام سَيل من المعلومات والاختيارات.

     أمَّا هكسلي، فقد رسم ملامح مُجتمع مستقبلي يبدو في ظاهره مثاليًّا، لكنَّه في حقيقته يَسلب الإنسانَ إنسانيته. وبدلًا من القهر المباشر، يتمُّ إخضاع الإنسان عبر اللذة، والتكييفِ النَّفْسي، والاستهلاكِ المُفْرِط. هُنا، تُصبح الصدمة أكثر خطورة، لأنها لا تُدرَك بسهولة.

     يَرى ولد إبنو أن التكنولوجيا لَيست مُحايدة، بلْ تَحمل في طَيَّاتها أنماطًا جديدة من الهَيمنة، فهي تعيد تشكيلَ الإنسان وفق منطق السرعة والإنتاج والاستهلاك، مِمَّا يؤدي إلى تآكل العُمق الإنساني . الإنسانُ المُعاصر لَم يعد يفكر بِبُطء ، ولَم يعد يتأمَّل ، بل أصبحَ يعيش على سطح الأحداث. هكسلي بِدَوره قدَّم تصوُّرًا أكثر راديكالية، حيث تُصبح التكنولوجيا أداة لضبط المجتمع بالكامل.يتمُّ التحكُّم بالبشر مُنذ ولادتهم، ويُبَرْمَجُون لِيَقْبلوا أدوارَهم دُون اعتراض. والناسُ سُعَداء بوضعهم، أو هكذا يُخيَّل إلَيهم.

     أحدُ أخطر أوجه صَدمة المُستقبَل هو فِقدان المعنى. يُشير ولد إبنو إلى أن الإنسان العربي، على وجه الخُصوص، يعيش صِراعًا مُزْدَوَجًا، بَيْن ماضٍ لَم يعد قادرًا على الإجابة، وحاضرٍ مُسْتَوْرَد لا ينتمي إلَيه بالكامل. هذه الازدواجية تُولِّد حالةً من الاغتراب العميق.

     أمَّا هكسلي، فيرى أنَّ فِقدان المعنى لَيس نتيجة الصراع، بلْ نتيجة الرضا الزائف. حِينَ يتمُّ إغراق الإنسان في المُتع السطحية، يفقد قُدرته على طرح الأسئلة الكُبرى، ولا يعود يبحث عن الحقيقة، لأنه مشغول باللذة.

     لا يُقَدِّم الكاتبان حُلولًا سهلة. لكنَّهما يُلمِّحان إلى ضرورة استعادة الإنسان لِوَعْيه النقدي. ولد إبنو يدعو إلى إعادة بناء المرجعيات الفكرية، والانفتاحِ الواعي على الحداثة دون الذوبان فيها. وهكسلي يُحذِّر من الاستسلام للراحة المُطْلقة، ويدعو _ بشكل ضِمني _ إلى الدفاع عن الحرية، حتى لَوْ كانت مؤلمة.

     صدمةُ المُستقبَل لَيست واقعًا حتميًّا، لكنَّها نتيجة خيارات بشرية. بين رؤية ولد إبنو النقدية، وتحذيراتِ هكسلي الاستشرافية، يجد الإنسانُ نَفْسَه أمام مِرآة تعكس الواقعَ بوضوح مؤلم. السؤالُ الحقيقي لَيس: ماذا سيحدث في المستقبل؟، بل: هلْ نحن مُستعدون لفهمه، ومواجهته، دُون أن نفقد هُويتنا وإنسانيتنا؟.

     تتجلى المُفَارَقة الصارخة بين ولد إبنو وهكسلي في طبيعة السجن الذي ينتظر البشريةَ. ولد إبنو في" مدينة الرياح" ( 1996 ) قَدَّمَ سِجنًا رهيبًا قِوامه التيه والذاكرة المفقودة، حيث يغدو المُستقبَل رمالًا متحركة تبتلع الهُوِيَّةَ والأمسَ.بَينما شَيَّدَ هكسلي في"عالَم جديد شجاع" ( 1932) سِجنًا مِن المادَّة واللذة، حيث يُسيطر العِلْمُ على البشر، وتختفي المشاعر، ويقوم النظامُ بالسيطرة على الناس من خلال المُخَدِّرَات، والسيطرةِ على التكاثر من خِلال إنتاج أطفال مُحَدَّدِي الوظائف والرغبات، في مُجتمع الكُلُّ فيه سعيد، لكنَّه معدوم الحرية.

     المُقارَنةُ بَيْنَ الكاتبَيْن تكشف عن وجهَيْن لِعُملة واحدة لـ " صَدمة المُستقبَل". ولد إبنو يُحذِّر من مُستقبَل فارغ حَد العدمية، يتلاشى فيها الحد الفاصل بين الواقع والخيال. وهكسلي يُحذِّر من مُستقبَل ممتلئ حد الاختناق بالاستهلاكِ والآلِيَّة.

     إنَّ صَدمة المُستقبَل لَيست مُجرَّد مفهوم يرتبط بتسارع الزمن التقني، بلْ هي حالة وجودية ومعرفية تُعيد تشكيلَ الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مُراجعة علاقته بالقِيَم والهُوِيَّةِ والمعنى. وإذا كان هكسلي قد صاغَ في رؤيته الكابوسية عَالَمًا تُهيمن عليه التقنية والاستهلاك، وتذوب فيه الإرادةُ الفردية تحت سُلطة النظام، فإنَّ ولد إبنو قَدْ قَدَّمَ من داخل السياق العربي تَصَوُّرًا نقديًّا لا يقلُّ عُمقًا، حيث تتحوَّل الحداثةُ المُتسارعة إلى قوة ضاغطة تُهدِّد التوازنَ الرُّوحي والثقافي للإنسان.

     كِلاهُما يُنبِّه إلى خطر الانفصال بين التقدُّم المادي والنُّضْجِ الإنساني، ويُشير إلى أنَّ المُستقبَل حِينَ يُبْنَى على العقلِ الأداتي وحده يُفْضي إلى اغترابِ الإنسان عن ذاته وقِيَمِه.

01‏/05‏/2026

النزعة الصوفية بين إبراهيم الكوني وهيرمان هيسه

 

النزعة الصوفية بين إبراهيم الكوني وهيرمان هيسه

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.

     في هذا السياق، يلتقي عَالَمَان متباعدان جُغرافيًّا وثقافيًّا: عالَم الصحراء عند الروائي الليبي إبراهيم الكُوني ( وُلد 1948 )، وعالَم الروح القلقة الباحثة عن التوازن عند الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه ( 1877_ 1962/ نوبل 1946 ). ورغم اختلاف المرجعيات، فإنَّ كِلَيهما ينسج رؤيةً صوفية عميقة تتقاطع في جَوهرها الإنساني.

     يُعَدُّ الكُوني أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جعلتْ من الصحراء فضاءً ميتافيزيقيًّا، لا مُجرَّد خلفية جُغرافية. الصحراءُ عنده لَيست فراغًا، بل هي امتلاء بالمعنى، ولَيست قحطًا، بل هي فَيْضٌ رُوحي. إنها مُختبَر مفتوح، يختبر فيه الإنسانُ هشاشته أمام تقاطعاتِ الزمن وعناصرِ الطبيعة، ويعيد اكتشافَ ذاته مِن خِلال العُزلة والتجرُّد.

     تتجلَّى النزعةُ الصوفية في أعمال الكُوني من خلال فكرة " التِّيه" التي لا تُفْهَم بوصفها ضياعًا، بل كطريق ضروري نحو المعرفة. فالشخصياتُ غالبًا ما تُدفَع إلى الهجرةِ، والفقدِ، والتخلي عن المألوف، في سبيل الوصول إلى حقيقة أعمق. وهذا التِّيه يَقُود إلى ما يُشبه الفَنَاء الصوفي، حيث تتلاشى الأنا لصالح الانصهار في الكُل. كما يَحضر مفهوم " السِّر " بقوة في كتاباته، فالكَوْنُ مليء بإشارات خفية لا تُدرَك بالعقل وحده، بل بالقلبِ والبصيرة. وهُنا تتقاطع رؤيته معَ التراثِ الصوفي، حيث المعرفة لَيستْ عِلمًا مُكْتَسَبًا، بل هي كَشْفٌ وإلهام.

     في المقابل، ينطلق هيسه من سياق أوروبي مأزوم، حيث الحداثة صنعتْ إنسانًا مُمزقًا بين العقلِ والروح، وحضارةً تائهة بين المادة والمَعنى. تأتي كتاباته كرد فِعل على هذا التمزق، عبر رحلة بحث داخلي عن التوازن والانسجام.

     تتجلَّى النزعة الصوفية في أعماله من خلال التركيز على التجربة الفردية العميقة، والسَّعْي نحو التَّوَحُّدِ مع الذات الحقيقية.شخصياته تعيص صِراعًا داخليًّا حادًّا،لكنَّها تجد الخلاصَ عبر التأمُّل، والانفصالِ عن القيم السطحية، والانفتاحِ على الحكمة الشرقية.

     في رواياته، لا تكون الحقيقة جاهزة أو مفروضة، بل تُكشَف عبر التجربة والمعاناة. وهذا يتقاطع مع الفكرة الصوفية القائلة إنَّ الطريق إلى المعرفة يمرُّ عبر الألم والتجرُّد. كما أنَّ مفهوم الوَحْدة يحتلُّ مكانة مركزية، حيث يسعى الإنسانُ إلى تجاوز الانقسام الداخلي، والوصولِ إلى حالة مِن الانسجام الرُّوحي معَ العالَم.

     رغم اختلاف البيئتَيْن الثقافيتَيْن، فإنَّ هناك تقاطعًا واضحًا بين الكُوني وهيسه في النظر إلى العالَم بوصفه لُغزًا يحتاج إلى تأويل، وفي اعتبار الرحلة الداخلية شرطًا للوصول إلى الحقيقة. كلاهما يرفض السطحية، ويبحث عن الجَوهر، ويَرى أن المُعاناة لَيست عبثًا، بل هي طريق للتَّرَقِّي.

     لكنَّ الاختلاف يكمن في طبيعة المسار. الكُوني ينطلق من تُراث صوفي متجذر في الثقافة الصحراوية، حيث الطبيعة نَفْسها تُصبح مُرشدًا رُوحيًّا. أمَّا هيسه،فيبني رؤيته من خلال تفاعل معَ الفلسفات الشرقية والغربية، في محاولة لإعادة بناء الإنسان الأوروبي مِن الداخل.

     تكشف تجربةُ الكُوني وهيسه أنَّ الأدب يمكن أن يكون وسيلةً للارتقاءِ الروحي، لا مُجرَّد أداة للتعبير الجَمالي. والنزعةُ الصُّوفية في أعمالهما لَيست زينةً فكرية، وإنَّما جَوهر الرؤية، ومُحرِّك السرد، وغاية الرحلة.

     إنهما يُقَدِّمان نموذجَيْن مُختلفَيْن لطريق واحد، طريق البحث عن الحقيقةِ والذاتِ والمعنى. طريق يبدأ بالقلق، ويمرُّ بالتِّيه، ويَنتهي _ إن انتهى _ بلحظة كشف، حيث يُدرِك الإنسانُ أنَّ ما كان يبحث عنه في الخارج، كان يَسكنه مُنذ البداية.

     لا تبدو النزعةُ الصوفية عند الكُوني وهيسه مُجرَّد خِيار جَمالي أو نُزوع فِكري عابر، بل هي موقف وجودي حاسم مِن العالَم، ومُحاولة حثيثة لاختراق ظاهر الأشياء نحو جَوهرها العَصِيِّ. كِلاهما، رغم اختلاف الجُغرافيا والمَرجعيات، يلتقيان عند تلك النقطة الحرجة التي يُصبح فيها الإنسانُ غريبًا عن ضجيج الواقع، وباحثًا عن معنى يتجاوز اللغةَ والمنطق. عِند الكُوني، تتجسَّد الصوفية في صمتِ الصحراء واتِّساعها، حيث يتلاشى الكائنُ في الطبيعة اللانهائية، بينما عند هيسه تتَّخذ شكلَ رحلة داخلية شاقَّة، وصِراعًا بين الذات وظلالها، حتى بُلوغ نوع مِن الصفاء.

     إنَّها لَيستْ صُوفية هُروب، بل صُوفية مُواجَهة: مُواجهة الذات، والزمنِ، والفراغِ الوجودي. ومِنْ هُنا، فإنَّ أعمالهما لا تمنح أجوبةً جاهزة، وإنما تَطرح أسئلة كثيرة ، حيث يبدأ القلقُ، ويتشكَّل الوَعْي. لهذا السبب، تظلُّ نُصوصهما مفتوحة، وعَصِيَّة على الاكتمال، لأنَّها تعكس تجربة إنسانية لا تنتهي، تجربة البحث المُستمر عن المَعنى في عَالَم مُتآكل، وغارق في الغُموض والسِّرِّية.