17‏/02‏/2020

رواية جبل النظيف / الفصل الرابع عشر

رواية جبل النظيف / الفصل الرابع عشر

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

.............

     أتى موعدُ الحفلة كالرصاصة في صدر أعاصير غامضة . وصل رأفت متأخراً على غير عادته ، فهو مشهور بين الناس باحترام المواعيد دون زيادة أو نقصان . والسبب أنه قضى وقتاً طويلاً في الشوارع المزدحمة التي كانت تغص بالناس والسيارات. واليوم هو الخميس، وهذا يعني ازدحاماً خانقاً ، وهو لا يَملك سيارةً . وهذا جعله يطارد سيارات الأُجرة من شارع إلى شارع ، ويَغرق في المواصلات البائسة ، ويَتلاشى في دخان السيارات ، وصخبِ الناس الذين كانوا مثل خلية نحلٍ تتكاثر بشكل جنوني .
     لم يَذهب إلى الفيلا مباشرة . نَزل من سيارة الأجرة في مكان قريب . وذلك من أجل مسح الغبار عن وجهه ، وتصفيف شَعره ، وترتيب ملابسه، ومسح حذائه من جديد ، يعني إعادة تنظيم كيانه بالكامل .
     وكلما اقترب من الفيلا ازدادن نبضاتُ قلبه . كانت الأضواء باهرة ، والضحكاتُ تملأ الشارع . أخرج منديلاً ومَسح عَرَقه . شَعر بالتردد والخوف . قدماه ترتجفان كأنه يساق إلى حبل المشنقة ، وليس حفلة راقية تعج بالألوان والأصوات. فكَّر في العودة لكنه طَرد هذه الفكرة سريعاً. وصل إلى نقطة اللاعودة، وسوفَ يتقدم مثل الجندي الداخل إلى المعركة ، ولا يَعرف ماذا يَنتظره ، ولا يَعلم هل سيعود إلى أهله حياً أم سَيَسقط قتيلاً .
     وحينما دَخل إلى الفيلا وَجد عالَماً آخر لا يمكن أن يراه في جبل النظيف . حتى إنه لم يره في منامه . رَجالٌ يرتدون أفخرَ الملابس يُدخِّنون السيجار ، وشخصيات مشهورة لا يشاهدها إلا على شاشة التلفاز . نساء في فساتين مثيرة ، صدورهن مكشوفة .. تنانير قصيرة . روائح العطور تملأ المكان . الجميع مشغولون كأنهم في سوق صاخبة يُقلِّبون البضائع الأجنبية . كل شيء غريبٌ عنه . لم يَعرف أين يَذهب ، أو مع مَن يتحدث . وبينما هو غارق في متاهته ، يلملم شظاياه المبعثَرة في المكان ، اقتربت منه ميادة وهي ترتدي غابةً زرقاء من الأنوثة .. فستان أزرق مُرعِب يُخبِّئ براكين من الشهوة والوهج الحارق . اقتربت منه بشكل واضح . صارت المسافة بينهما أقل من نصف متر . وقالت له :
     _ أهلاً يا شكسبير ! .
     كانت السيجارة تتلوى بين أصبعين في يدها اليسرى . وهذه أول مرة يشاهدها وهي تدخِّن .
     لم يعرف ماذا يقول في تلك اللحظة . انعقد لسانه ، واكتفى بابتسامة خفيفة .
     أخذت ميادة زمامَ المبادرة ، وسَيطرت عليه بالكامل، وأمسكت يدَه ، وقالت :
     _ تعال أُعرِّفك على زَوْجي .
     وراحت تسحبه مثلما تُسحَب الشاةُ إلى الذبح . وهو لا يَملك إلا الاستسلام لهذه الأوامر العسكرية .
     _ هذا زوجي .. الدكتور لؤي عَطْوة ، دكتوراة في الهندسة المعمارية من جامعة السوربون .
     قالت ميادة ، ووجهها يشع مثل إعصار لا يَرْحم على وشك أن يَقتلع الشطآنَ التي ترفع الراياتِ البيضاء .
     كان الدكتور لؤي صاحب شخصية قوية . واثقٌ بنفْسه بشكل ملحوظ . الغليون في فمه . وعندما تراه تَشعر أنك أمام جبل لا يَهتز ، وأنه يسيطر على العناصر حَوْله ، وأن الأحداث خاتم في أصبعه .
     قال الدكتور :
     _ لقد سمعتُ عنك الكثير يا أستاذ رأفت ، وأن أسلوبك رائع في التدريس . وبدون مجاملة .. تأثيرك الإيجابي واضح على رمزي .
     _ شكراً لكم يا دكتور، وأعدكم _ إن شاء الله _ أن أكون عند حسن ظنكم.
     اختار رأفت عباراته بعناية، وتعمَّد أن يخاطب الدكتور بضمير الجمع تعظيماً له، واحتراماً لمكانته .
     _ والآن اسمحوا لي أن أذهب للترحيب بالضيوف .
     قال الدكتور . ومضى إلى ذاكرة المدى ، وذاب في الزِّحام .
     استلمت ميادة القيادةَ ، وقالت :
     _ تفضَّل يا أستاذ رأفت .. اجلس على الأريكة .
     جلس على الأريكة مثل الطفل في حضرة أُمِّه ، وقال :
     _ شكراً يا ميادة .. أقصد يا سيدة ميادة .
     _ قُل لي ميادة فقط .. بدون ألقاب . وأنا سأخاطبك رأفت فقط . ما رأيكَ ؟.
     تردد رأفت قليلاً . بَلع ريقَه ، وقال :
     _ أنا موافق .
     جَلست إلى جانبه . ظهر عليه الارتباك ، وازداد تعرُّقاً .
     قالت له بصوت هامس :
     _ ما رأيكَ في هذا الفستان ؟ .
     قال رأفت وعيناه في الأرض :
     _ رائع .
     _ تَحكم عليه دون أن تنظر إليه ؟ .
     رفع رأفت رأسَه ، وزرع نظراتِه في الفستان ، وحدَّق في كل نقطة فيه مثل جيش يُمشِّط أرضَ المعركة . تأجَّجت الشهوةُ في تفاصيل جسده الحارق المحترق ، وهزَّ رأسَه قائلاً :
     _ كما قلتُ لكِ .. رائع .
     _ لا تنسَ أن لونه أزرق .
     لم يَفهم رأفت هذه الكلمات . وراحت ملامح وجهه تستفسر عن المعنى .
     أدركت ميادة هذا الأمر ، وقالت بصوت راسخ وملتهب :
     _ الأزرق هو اللون الذي تحبُّه .
     وفي تلك اللحظة فقط فَهم رأفت لماذا سألته ميادة _ قبل عدة أيام _ عن اللون الذي يحبه .
     حاصرهما الصمتُ الجارح. فُرض حظر التجول في أعصابهما. انتشرت الحواجز العسكرية بين وَجْهَيْهما . تائهان في عالَم الوخز. مجروحان في فضاء الرعب. لقاؤهما تذكرةُ ذهابٍ بلا عَودة . إنهما مهاجران نحو أوردة الصدى ، والأصواتُ تتلاشى .
     نادت ميادة أحدَ الخدم ، وقالت له :
     _ أحضر لي كأسَ ويسكي .
     والتفتت إلى رأفت قائلةً :
     _ تشرب ويسكي ؟ .
     _ الخمرُ حرامٌ لا أشربها .
     نظرتْ إلى الخادم ، وقالت :
     _ أحضرْ لي كأس ويسكي ، وللأستاذ عصير برتقال . وستجدنا عند المسْبح .
     نظرتْ إلى رأفت ، وقالت :
     _ تعالَ نخرج من هذا المكان الخانق ، ونذهب إلى المسْبح .
     ومشيا عند حافة المسْبح .. هذه حافة الهاوية . تلالُ الحزن تطل على بحرٍ يتبخر بين أصابعهما المرتعشة . غاباتُ القلوبِ تحترق ، ورجالُ الإطفاء نائمون في أحضان زوجاتهم . لم يجيء أحد لينقذ الأشجارَ من المومياوات . سَيطرت الأشباحُ على المكان ، والأمواتُ يَفرضون شروطَهم على الأحياء. جوارحهما تتهاوى بصورة دراماتيكية . هذا المسْبح هو مقبرة مائية قديمة .. لعنةٌ أصابتْ علماءَ الآثار الذين لم يأتوا .
     قالت ميادة بصوتٍ كسير كأنه نداء غامض قادم من القرون الوسطى :
     _ رأفت ، أنا أعشقكَ. قُل عني ما تشاء. اعشقني اكرهني. احترمني احتقرني . ولكن يجب أن تسمعني حتى النهاية . حياتي كلها انتحارات ، أنا بحاجة إلى المنقِذ . لو رأيتَني أغرق في هذا المسْبح ، ماذا ستفعل ؟ . لا بد أنك ستقفز وتنقذني . أنا امرأة لم أشعر بأنوثتي إلا معك . لا أشعر بوجودي إلا عندما تكون موجوداً . لا أتخيل حياتي بدونك . هل تعلم أنني أتردد على طبيب نفسي منذ سنوات ؟ . ولا توجد أية نتائج . هل تعلم ماذا قال لي الطبيب آخر مرة ؟ . قال لي إنني مريضة نفسياً ولا شفاء لي إلا الموت . لا أريد أن أموت .. أريدك أن تنقذني من الموت .
     وانفجرت باكيةً ، وارتمت في أحضان رأفت الذي كاد يَسقط في المسْبح . غَرستْ رأسَها في صدره، وكانت دموعها تتساقط على أزرار قميصه ، وهو واقفٌ كالأبله لا يَعرف ماذا يَفعل . أحسَّ برغبة عارمة في البكاء ، أو الهرب من المكان . تمنى في تلك اللحظة لو يُنادي على أُمِّه لتنقذه من هذا المأزق .. أن يَخلع جِلْدَه ، ويهرول نحو منفى اختياري ، ويموت وحيداً . وصار يردِّد في سرِّه الآية القرآنية : } يا لَيتني مِتُّ قَبلَ هذا وكُنتُ نَسيًّا مَنسيًّا { .
     لم تنجح مفاوضات فض الاشتباك إلا مع قدوم الخادم . وقعُ أقدامه تتوالى كما تتوالى المسدسات على ثياب الأدغال . ابتعد الاثنان. أخذت ميادة تمسح دموعها . أمَّا رأفت فرمى بصرَه على صفحة الماء كأنه يريد أن يفض الاشتباك بين الأكسجين والهيدروجين اللذين يُكوِّنان الماء .
     تناولت ميادة عصير البرتقال ، وأعطته لرأفت . ثم أخذتْ كأسَ الويسكي . لم ينبسا ببنت شفة ، وعاد الخادمُ أدراجه .
     لم تكد تضع حافةَ الكأس على شفتها حتى أمسكَ يَدَها ، وانتزع منها الكأسَ ، وقال بكل شفقة :
     _ لا تشربي هذا السم .. خُذي عصير البرتقال .
     _ تخاف على جسمي ولا تخاف على قلبي ؟! .
     وسكبَ الويسكي على إحدى النباتات السجينة داخل وعاء بلاستيكي .
     قال رأفت :
     _ ميادة ، أنتِ امرأة متزوجة وأُم .
     _ عقدُ الزواج حِبرٌ على ورق . الأوراقُ لا تحدِّد المشاعرَ . زَوْجي مشغول بالعشيقات والسكرتيرات . جسدي معه رغماً عني، لكنَّ قلبي معك . أنا منقسمة . أجزائي متفرقة ، وأُريدك أن تجمعني . أحتاج إلى صديق حقيقي يقف إلى جانبي . أنا وحيدة في هذا العالَم. فلنكنْ صديقَيْن . لا أَطلب أكثر من هذا . هل هذا كثير ؟!.