23‏/02‏/2020

رواية جبل النظيف / الفصل السادس عشر

رواية جبل النظيف / الفصل السادس عشر

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

...................

     كان فايز يسأل عن حارس المقبرة. لم يَرَه منذ مدة بعيدة. سأل عنه باعةَ الخضار في ساحة مسجد طارق بن زياد . اتفقوا جميعاً على عدم رؤيته ، وتمنوا لو يُهاجر من هذا الجبل لأن قدومه كان نحساً عليهم .. هكذا قالوا . سأل عنه سائقي سيارات الأُجرة فأَخذوا يلعنونه ، ويقولون إنه تسبَّب في مجيء الأشباح إلى الجبل ، وإنهم يَرَوْنَ كوابيس في منامهم بسببه . أخذ فايز يناقشهم في خرافة الأشباح ، وأنها مجرد أوهام . ولكنْ لا حياة لمن تنادي .
     مضى إلى المقبرة فلم يجد غير بسام ابن عمِّه، وهو مشغول في القراءة والكتابة . اقترب منه بهدوء لأنه لا يريد أن يَقطع حبلَ أفكاره. انتبه بسام إلى قدوم ابن عمِّه ، فرحَّب به . جلسا بجانب بعضهما البعض . أسندا ظَهْرَيْهما إلى السُّور الذي تقشِّره أشعةُ الشمس كما تقشِّر السكينُ خدودَ البرتقال . لكن بسام ظلَّ ممسكاً القلم والأوراق ، ويكتب بكل مثابرة .
     قال له فايز :
     _ ماذا تكتب ؟ .
     لم يَقطع بسام عملَه . ظلَّ غارقاً في أفكاره ، وقال وهو مطأطئ الرأس :
     _ أحلُّ مسائل في الرياضيات لطالبة في مدرسة راهبات الوردية .
     ذُهل فايز من هذه الإجابة غير المتوقَّعة ، وقال واللهفةُ تتلاعبُ به :
     _ وكيف تعرَّفتَ إليها ؟ .
     _ أنا لا أعرفها ، ولكنها ترمي الأوراق في المقبرة ، وعندما آتي إلى هنا أجمعُ الأوراق المبعثرة وأُرتِّبها ، وأحلُّها ، ثم أُلصقها على السور الخارجي . وبصراحة ، صرتُ أحب هذه اللعبة .. تذكِّرني بلعبة القط والفأر .
     ابتسم فايز ساخراً ، وقال :
     _ لعبةُ الرياضيات أم لعبة الحب ؟.. ما زلتَ صغيراً على الرومانسية يا وَلد ! .
     ضحك بسام بشكل هستيري كشخص لم يضحك منذ قرون ، وقال :
     _ حرام عليك ! . هذه الطالبة في المرحلة الثانوية .. يعني في عُمر جَدَّتي ! .
     وما إن أنهى كلامَه حتى تفجَّر الدمعُ في عيون فايز . التفتَ إلى قبر جَدَّته قائلاً :
     _ الله يَرحمها .. كان أظفرُها بألف رَجل .  
     وأردف يقول :
     _ أصعب شيء في الحياة أن يموت الأشخاصُ الذين نحبهم قبل أن نخبرهم بأننا نحبهم .
     أحسَّ بسام أن كلماته فَتحت بابَ الآلام ، فاعتذر من فايز ، وقال له إنه لم يَقصد أن يُعيد الأوجاع .
     فركَ فايز عينيه ، وأراد تغيير الموضوع بسرعة ، فقال :
     _ أنا أصلاً جِئتُ لكي أسأل عن حارس المقبرة .. هل رأيتَه ؟ .
     ضحكَ بسام ، وقال بصوتٍ متذبذب بين المرح والمأساة :
     _ الحارسُ صار رَجل أعمال .. لقد افتتح مَكَب نفاياتٍ خاصاً به ! .
     تأفَّف فايز ، وبَدت على وجهه علاماتُ السخط ، وقال :
     _ لا أُحب المزاحَ في هذه المواضيع .. أَجِبْ على قَدْر السؤال أو اخرسْ .
     انتشرت التضاريسُ الخشنةُ على جبين بسام ، وقال بحدَّة :
     _ أنا لا أمزح . لقد صار يُجمِّع النفاياتِ قرب الكسَّارة التي يَعمل فيها أبي ، ويقوم بالتفتيش فيها عن كل شيء له قيمة..وإذا لم تُصدِّقني اذهب وشاهِد بنفسكَ.
     سَقطت أجفانُ فايز على حشائش المقبرة ، وقال بصوتٍ جارح :
     _ قُم .. سنذهب معاً . رِجْلي على رِجْلكَ .
     سارا في لهيب العواصف . خطواتُهما وهجُ الظلال النازف . الصمتُ يقودهما نحو فوهة الشموع الخرساء . كانت النسورُ تطير في رئة الشمس فوق مَكَب النفايات . أجنحتها اللامعةُ تغطِّي الأفقَ الملتهب . والضجيجُ يملأ المكانَ . الجميعُ في حركة مستمرة .
     كان حارسُ المقبرة يَجلس على كرسي هزَّاز قرب أكوام النفايات ، ويُلقي الأوامرَ على الأطفال الغاطسين بين القمامة ، ويُوجِّههم نحو الجهات المختلفة . إنهم في حركة دؤوبة لا تحتمل الكسلَ أو الهدوء .
     وما إن رأى فايز وبسام قادمَيْن حتى قفز في الهواء كلاعب السيرك ، وأسرع إليهما مُرَحِّباً . وقد استغربا كيف صار هذا العجوز الذابل رياضياً رشيقاً .
     قال الحارسُ :
     _ أهلاً وسهلاً بالعُضْوَيْن في مجلس الثورة .
     نظر فايز حَوْله ، وهو غير مصدِّق ما يَحدث ، وقال باستغراب شديد :
     _ ماذا تفعل في هذا المكان القذر ؟! .
     ابتسم الحارسُ قائلاً :
     _ هذه قصة طويلة .. تعالا إلى مكتبي المتواضع لنشرب الشاي ، ونتحدث في الموضوع .
     كان مكتبُه عبارة عن طاولة صغيرة عليها أوراق وأقلام وآلة حاسبة ، ويحيط بها عِدَّة كراسي تافهة .
     نادى الحارسُ على أحد الأطفال :
     _ يا وَلد .. أحضِر لنا إبريق شاي مع ثلاث كاسات .
     وانطلق صوتٌ ذابل من بين أكوام القمامة :
     _ أمرك يا معلِّم ! .
     وبعد وقتٍ قصير جاء طفلٌ صغير يَحمل إبريقَ الشاي مع الكاسات . وضع
الحارسُ الكاساتِ على الطاولة . صَبَّ الشاي فيها ، وقال للطفل :
     _ مع السلامة .. اذهبْ في ستين داهية ! .
     ابتسمَ الطفلُ رغمَ أن الدموعَ السحرية في عينيه كانت تتوهج ، وقال :
     _ أمرك يا معلِّم ! .
     قال فايز :
     _ لماذا تعامله بهذا الأسلوب ؟! .
     صمتَ الحارسُ ، وحدَّق باتجاه أجنحة النسور في أعالي الحزن ، ثم قال :
     _ هؤلاء الأطفال يجب أن تريهم العين الحمراء . يجب أن يظلوا مسحوقين تحت الأقدام لكي يَعملوا على مدار الساعة .. لا وقت عندي للحنان ولا الرومانسية.
     تضايق فايز ، وذابَ قلبُه في البخار المنبعث من الشاي ، وقال :
     _ حرام عليك .. هؤلاء أطفال في عُمر أحفادك .
     تجهَّم وجهُ الحارسِ. طأطأ رأسَه كأنه يَنتشل الذكرياتِ السحيقة من بئر الأيام ، ثم قال والألَمُ يتفشى في حروفه :
     _ أحفادي ! . أين هُم أحفادي ؟ .. أولادي الذين أنجبتُهم ورَبَّيْتهم ودفعتُ دَمَ قلبي من أجل تعليمهم رموني في ملجأ العَجزة والمسنِّين..وأنتَ تقول لي: أحفادك؟!.
     وأردف قائلاً :
     _ اشربا الشاي .. لا فائدة من الأولاد ولا الأحفاد ! .
     أراد فايز وبسام التهرب من شرب الشاي الذي بدا لونُه غريباً بعض الشيء ، كما أنهما أُصيبا بالقرف من منظر القمامة . ووجودُ الشاي في هذا المكان يبعث فيهما الغثيان . أمَّا الحارسُ فكان يَشرب الشاي غير عابئ بكل ما يَجري حَوْله .
     قرَّر فايز تغيير الموضوع ، وإنهاء اللقاء بسرعة ، فقال :
     _ باختصار شديد .. ماذا تفعل هنا بالضبط ؟ .
     _ بدون مقدِّمات . نحن نَجمع الزبالة في هذا المكان ، والأطفالُ يقومون بفصل المواد البلاستيكية وعلب المشروبات الغازية ، وفرزِ كل شيء له قيمة من أجل بَيْعه.
فالأطفالُ عيونهم ستة على ستة . يعني نظرهم حاد ، ويمكنهم تمييز المواد وفصلها . 
     قال بسام بكل براءة :
     _ وما ذَنْب هؤلاء الأطفال الفقراء ؟ .. لا بد أن يُصابوا بالأمراض والجراثيم .
     _ أنا لا أضرب أحداً على يده ليعمل معي. بلا مؤاخذة ، كل وَلد يأخذ أُجرته
نهاية اليوم ، ولا آكل حقَّ أحد . والذي يَمرض أو يَموت مع ألف سلامة .. لَدَيْنا ألف وَلد مكانه .
     كيف صار حارسُ المقبرة قاسياً إلى هذا الحد ؟! . مشاعرُه أضحت في زاوية الربح والخسارة . لقد تغيَّر كثيراً منذ ابتعاده عن المقبرة . وربما غيَّر هاجسُ المال أحاسيسه ، وبدَّل قناعاتِه . هذه الأفكار كانت تَطوف في ذِهن فايز وبسام مع اختلاف زاوية الرؤية . وقد فكَّر فايز أن يَطرد الحارسَ من مجلس قيادة الثورة ، ويمنعه من حضور أي اجتماع للقيادة ، لكنه تخلى عن هذه الفكرة قائلاً في نَفْسه :
     _ الدمُ لا يَصير ماءً ، وسيظل الحارسُ مِنَّا وفِينا رغم كل شيء .
     افترَقوا . ذهب كلُّ واحد في طريقه . كل شخص مؤمن بقناعاته . الشموسُ طَوَتْها ثيابُ الحِداد ، وما زال البشرُ يَمشون . يَركضون في أنفاق العُمر . قد يُولَد ضوءٌ في النهاية ، وقد لا يُولَد . تظل الاحتمالاتُ هي الدستور الشفهي لهذه الوجوه المعجونة بعَتمة الأزقة ، والمختفية وراء ظلال النوافذ المكسورة .
     عاد بسام إلى بَيْته ، والخواطرُ تتلاعب به . دَخل المطبخَ الصغير . جهَّز ثلاث سندويشات ، وأخرج من الثلاجة علبة مشروبات غازية . إنه يتجهز للسَّفر . أينَ سيُسافِر ؟. إنه يسافر عبر الزمان.. يطوي الأمكنة، ويَقفز من نَفْسه ليتزوج بناتِ أفكاره . قرَّر الذهابَ إلى عالَمه الخاص .. إنه قَبْو مَنْزله .
     وهذا القبو لا بابَ له . والدخولُ إليه يتم من خلال فجوة في الجدار. وقد اتخذ بسام القبو صومعةً له ، ومختبراً عِلمياً لإجراء أبحاثه التي تحتاج إلى أدوات ومعدات .
     إن بسام قد قسَّم عُمره إلى قِسْمَيْن : الرياضيات والعلوم . وقد اتخذ من المقبرة مقراً لإجراء الحسابات الرياضية ، والتبحر في نظريات الرياضيات . أمَّا القبو فصار مختبَراً للعلوم ، لأن فيه أدوات عديدة لا يمكن نقلُها إلى المقبرة. ولا نبالغ إذا قُلنا إن حياته هي المسافة بين القبو والمقبرة ، أو بين المقبرة والقبو . وهو يقضي ساعاتٍ طويلة في القبو في إجراء الأبحاث ، ولا يُرافقه غير الصراصير ، وأحياناً الفئران .
     لم يَستطع بسام التحرر من أفكار حارس المقبرة حول مكب النفايات . كان مُعجَباً بفكرة فرز النفايات ، وفصلِ المواد . لماذا لا تتم الاستفادة من النفايات ؟ . إنها كنز ثمين يُنظَر إليه على أنه شيء تافه . السرُّ في الإدارة لا الموارد . وأحياناً يكون البروازُ أجمل من الصورة . قد يَكتب الشاعرُ قصيدةً جميلة عن شيء قبيح ، والعكس صحيح. إذن ، لا بد من إمساك الخيط ، والسيطرة على العناصر المحيطة . فالمسيطر هو القوي .
     أدرك بسام هذه المعاني ، وأدرك كذلك أنه أمام اختبار صعب سوف يُحدِّد مصيرَه العِلمي إلى الأبد. أخرجَ من جَيْبه علبة كبريت، وتناول عودَ ثقاب ، وأشعلَ فتيلةَ المصباح الذي كان مصدر الإضاءة الوحيد في القبو . وراح يُسجِّل بعض الملاحظات السريعة على دفتره بشكل مُرقَّم :
     1_ يجب حماية الأطفال من الأمراض والجراثيم، وتزويدهم بقفازات ، وملابس خاصة للحفاظ على صحتهم .
     2_ ضرورة تصميم جهاز آلي لفصل المواد البلاستيكية ، وعلبِ المشروبات الغازية ، ويكون التجميع في حاويات خاصة .
     3_ إيجاد آلية لجمع النفايات دون التسبب في تلويث البيئة .
     4_ الاستفادة من الغازات المنبعثة من النفايات .
     صار هذا المشروع هو الشغل الشاغل لبسام . إنه مشروع تخرُّجه من جامعة الذكريات . فإذا نجح فيه فسوف يَخرج من تحت الأرض ، ويصبح نقطةً مضيئة في التاريخ . سوفَ ينتشل تاريخَه الشخصي من بئر الإبادة . وإذا فشل سيظل عائشاً تحت الأرض مثل الجرذان ، ويَذهب إلى النسيان مثل الملايين الذين يُولَدون ويموتون دون أن يَتركوا بصمةً في حياتهم .
     وفي هذا القبو ، إمَّا أن تَنطلق شرارةُ المعنى ، أو يَحترق هذا الولدُ إلى الأبد مثل فراشةٍ ماتت قبل أن تُولَد . لا بد من المغامرة وليس المقامرة  . لا يوجد عنده ما يَخسره. سَيَلعب الجوكر ، ويَرمي بكامل ثقله في جسد الأحزان الأخضر ليُفجِّره .. مرة واحدة ، وللأبد .