02‏/07‏/2021

رولان بارت وعلم العلامات


 رولان بارت وعلم العلامات

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

..................

     وُلد الفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت ( 1915 _ 1980 ) في شيربورج بفرنسا ، وتُوُفِّيَ في باريس . كان والده ضابطًا في البحرية ، تُوُفِّيَ في إحدى المعارك بعد عام من ولادته .

     انتقل بارت بعد ذلك مع والدته إلى باريس ليبدأ تعليمه ، وفي أثناء ذلك عانى مرضًا في الرئة اضطره إلى مغادرة باريس والإقامة في مصحات، ورغم ذلك حصل على الثانوية ثم الإجازة في الآداب .

     انتُدِب إلى بوخارست عام 1948 للعمل في مكتبة قبل أن يصبح مُدَرِّسًا . ثم انتقل إلى جامعة الإسكندرية ( 1949 ) ، ثم انصرفَ إلى دراسة دي سوسير ورومان ياكوبسون .

     عاد في عام 1950 إلى فرنسا ، ليعمل في الإدارة العامة للعلاقات الثقافية في وزارة الخارجية. حصل على منحة في المركز الوطني للبحث العلمي ، وعُيِّنَ عام 1960 مديرًا للأعمال في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا .

     ذاعَ صِيته فسافر إلى اليابان لإلقاء محاضرات ، ثم إلى المغرب للتدريس في جامعة الرباط . وعادَ بعد ذلك إلى المدرسة التطبيقية للدراسات العليا ، ثم سافر إلى الصين . وصار عُضوًا في الكوليج دو فرانس ( 1976 ) ، وحصل على لقب أستاذ . تُوُفِّيَ إثر حادث سيارة .

     جاءت كتابات بارت في أغلب الأحيان مقالات، منها ما جُمع في كتب في أثناء حياته ، ومنها ما جُمع بعد وفاته. ومِن أعماله : " أساطير " ( 1957)، و" لذة النص " ( 1973).

     كان بارت مُتَبَحِّرًا في عِلم السُّلالات ( أنثروبولوجيا ) ، وناقدًا أدبيًّا ولغويًّا وعالم اجتماع. بدأ بقراءة الروايات والمسرحيات الاتباعية (الكلاسيكية). وقادته قراءة نيتشه إلى الاهتمام بالعصور القديمة في المسرح الإغريقي، فأسَّسَ بمساعدة صديق له مجموعة "المسرح القديم " لتشجيع الأنشطة المسرحية بعد أن أخفق في كتابة الرواية والمسرحية .

     قرأ لجان بول سارتر وألبير كامو ، فوجدَ نفسه في مسيرة الالتزام الأدبي والاجتماعي ، إضافة إلى تأثره بالاتجاه الماركسي من صديق له حين كان في المصحة. وقد أراد بارت أن يفهم العلاقة التي تربط التاريخ والمجتمعات بالأدب . تابع بارت دراسة اللغة وعلاقتها بالمجتمع ، فقرأ دي سوسير، وتعمَّقَ في السيميولوجيا ( عِلم العلامات ) ، وكتب مجموعة من المقالات باسم " أساطير" تتعلق بموضوعات وأحداث للبرجوازية الصغيرة من مفهوم دلالي .

     حَلَّلَ بارت روايات ومسرحيات مختلفة لإقناع القُرَّاء باتجاهات جديدة في الأدب. ويُلاحظ أنه كان يَجمع بين اتجاهين : الأول هو إعجابه الواضح بالأدب الاتِّباعي ، والثاني هو تَبَنِّيه للاتجاهات الأدبية الجديدة . جَمع في كتابه " حَول راسين " ( 1964 ) بين الحداثة والتقليد ، إذ إنه حَلَّلَ مسرح راسين بطرق حديثة نفسية وبُنيوية . ورغم أن هذه التجربة بقيت محدودة جِدًّا، إلا أن خلافات عميقة نشأت بينه (كَمُمثِّل لأنصار الحداثة ) وبين أنصار التقليديين ويُمثلِّهم ريمون بيكار ، وهو أستاذ في جامعة السوربون ، ومختص في مسرح راسين . بعد أن حَلَّلَ بارت الوضع التاريخي والاجتماعي للكتابة أو الأدب في كتابه " الكتابة في درجة الصفر"(1953) انتقل إلى البحث عن دلالات اللغة، وذلك في كتابه"مقالات نقدية"( 1964) الذي يدور حول نقاط ثلاث أساسية: البحث عن جوهر اللغة، عِلم الدلالة والأدب، البنيوية والأدب. أمَّا كتابه " عناصر السيميولوجيا " (1965 ) فهو علامة مهمة في كتاباته، فقد ثَبَّتَ دعائم هذا العِلم ، ونقله إلى القارئ بأسلوب تعليمي .

     أراد بارت تجاوز الطرائق التقليدية والحديثة المتَّبعة مِن قِبَل اللغويين، وكان هدفه التَّمَيُّز ورفض التقليد ، وأراد أن يلمع في مجال الأدب واللغويات، وحَكم عليه الاختصاصيون بأنه يميل كثيرًا إلى الأدب عند تعرُّضه لموضوع لغوي . وكانت هذه الانتقادات أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى قَبول عرض التدريس في جامعة الرباط في المغرب ، وأدى ذلك أيضًا إلى ابتعاده عن التحليل البُنيوي إلى التحليل الأدبي للقصة . وابتعدَ شيئًا فشيئًا عن التأثير الضاغط لـِ دي سوسير مِمَّا جعله يكتسب شخصية مستقلة ميَّزته في المرحلة التالية .

     باءت محاولات بارت لكتابة رواية بالإخفاق ، وبدلاً من ذلك كَتب " مقتطفات من أحاديث العشق " ( 1977 ) ، وهي تتألف من أجزاء نصية صوَّرت أحاديث المحبين وأفكارهم وحَلَّلتها.

     وفي عام 1979 دوَّن بعض الملاحظات بهدف كتابة رواية ، ولَم يتحقق هذا المشروع ، بل نتجَ عنه الصحيفة اليومية " أمسيات باريس " ، ركَّز فيها على وظيفة الشخصية الروائية أكثر من تركيزه على مُواصفاتها . لقد صارت اللغة والكتابة عند بارت وسيلة اتصال ، وتعبيرًا عن الوجود في آن واحد . ويتَّضح ذلك مِن عِدَّة مقالات تطرح مسألة اللغة والوجود الاجتماعي .

     دافعَ بارت عن الاتجاهات الجديدة في الكتابة مِثل الرواية الجديدة. وقد اعْتُبِر حامل لواء المدافعين عن النقد الأدبي الحديث ، وهو في الوقت ذاته مُتحمِّس ومُحلِّل للأدب الاتباعي ، ويُعْتَبَر أيضًا مِن أهم واضعي دعائم النقد السيميولوجي والنقد البُنيوي .