24‏/02‏/2026

الإحداثيات البحرية واعتداء العراق على سيادة الكويت

 

الإحداثيات البحرية واعتداء العراق على سيادة الكويت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     تُعَدُّ قضية الإحداثيات البحرية وترسيم الحدود من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الدولية ، لأنها ترتبط مُباشرة بمفهوم السيادة وحقوقِ الدولة في أرضها ومياهها الإقليمية . وفي منطقة الخليج العربي ، شكَّلت هذه القضية أحد العناوين البارزة في العلاقة بين العراق والكويت .

     السيادة في القانون الدولي ليست مُجرَّد شعار سياسي، بل هي مبدأ قانوني راسخ يقوم على احترام الحدود المُعترَف بها دوليًّا ، سواءٌ كانتْ برية أَمْ بحرية . والإحداثيات البحرية ليست خطوطًا عشوائية ، بَلْ تُحدَّد وفق قواعد قانون البحار والاتفاقيات الدولية ، لضمان وضوح المجال البحري لكل دولة ، ومنعِ التداخل أو النزاع .

     حين أقدمَ النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين على غزو الكويت عام 1990 ، لم يكن ذلك مُجرَّد خلاف حدودي قابل للتفاوض ، بل كان انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدولة ، ومُحاولة لفرض أمر واقع بالقوة . وقد مثَّل هذا الغزو خرقًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة ، الذي يُحرِّم استخدامَ القوة ضد سلامة أراضي أيَّة دولة أو استقلالها السياسي .

     بعد تحرير الكويت في عام 1991 ، اضطلع مجلس الأمن بدور أساسي في تثبيت الحدود الدولية بين البلدين ، بما في ذلك ترسيم الحدود البحرية وفق أسس قانونية واضحة . وقد جاء هذا الإحراء في إطار تثبيت الاستقرار الإقليمي ، ومنع تكرار النزاعات ، وترسيخ مبدأ أن الحدود لا تُغيَّر بالقوة ، بل عبر الآليات القانونية المُعترَف بها دوليًّا .

     الإحداثيات البحرية لا تُمثِّل فقط حدودًا جُغرافية ، بل تعكس حقَّ الدولة في إدارة مواردها البحرية ، وحمايةِ أمنها وموانئها وممراتها الملاحية . وأي مساس بها يُعَدُّ مساسًا مباشرًا بالسيادة . ومن هُنا ، فإنَّ الغزو العراقي للكويت لم يكن مُجرَّد تحرك عسكري عابر ، بَلْ مَسَّ جوهر الدولة ، وكيانها القانوني .

     ومع أن العلاقات بين العراق والكويت شهدتْ لاحقًا مسارًا نحو التهدئة ، وإعادة بناء الثقة ، إلا أن تجربة الغزو وما تبعها من ترتيبات دولية أكَّدت درسًا مهمًّا في السياسة الدولية ، وهو أن احترام الإحداثيات والحدود ليس خيارًا سياسيًّا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا التزام قانوني وأخلاقي يحفظ الاستقرار ، ويمنع الانزلاق إلى الفوضى .

     إن معالجة القضايا الحدودية ، برية كانتْ أَمْ بحرية ، يجب أن تتم عبر الحوار والقانون الدولي والمُؤسَّسات الشرعية ، لا عبر القوة ، أو فرض الأمر الواقع . فالدول الصغيرة والكبيرة على السواء ، تتساوى في حقها في السيادة ، وأي إخلال بهذا المبدأ يُهدِّد منظومة الأمن الإقليمي والدولي بأسره .

     وقضية الإحداثيات البحرية بين العراق والكويت تُمثِّل مثالًا واضحًا على أهمية وضوح الحدود ، واحترامها، وضرورة تحقيق الاستقرار باحترام السيادة ، والالتزام بالقانون الدولي ، وتغليب منطق الدولة على منطق القوة .