سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

16‏/08‏/2026

الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

 

الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     لم يعد الماء والغذاء مُجرَّد حاجتَيْن أساسيتين لبقاء الإنسان، ولا مِلَفَّيْن تقنيين تتولاهما الوزارات والمؤسسات المختصة بعيدًا عن السياسة. في عالَم تتشابك فيه المصالح، وتتصاعد فيه الصراعات، ويتزايد فيه الضغط على الموارد، أصبح التحكم بالماء والغذاء قادرًا على أن يتحول إلى ورقة ضغط سياسية لا تقل خطورة عن السلاح. قد تبدو الفكرة قاسية، لكنها ببساطة تعكس حقيقة يعرفها التاريخُ جيدًا: مَن يملك القدرة على التحكم بما يحتاجه الناس كي يعيشوا، يملك القدرة على التأثير في قراراتهم ومواقفهم ومستقبلهم.

     الماء هو المورد الأكثر حساسية، لأنَّه لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه بسهولة. يستطيع الإنسان أن يؤجل شراء سلعة، أو يستبدل مُنْتَجًا بآخر، لكنه لا يستطيع أن يؤجل حاجته إلى الماء. لهذا فإن السيطرة على مصادر المياه، أو التحكم في الأنهار والسدود، أو التأثير في تدفق المياه إلى دولة أُخرى، يمكن أن تتحول من مسألة فنية إلى قضية سيادية وأمنية وسياسية بامتياز.

     والخطر لا يكمن فقط في قطع المياه بصورة مباشرة. أحيانًا يكفي أن تشعر دولة ما بأنها لا تملك السيطرة على موردها المائي كي تجد نفسها مضطرة إلى تعديل سياساتها، أو الدخول في تفاوض غير متكافئ، أو تقديم تنازلات في ملفات أُخرى. هُنا تحديدًا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي، يصبح أداةَ نفوذ وسيطرة وابتزاز.

     والأمرُ نفسه ينطبق على الغذاء، فالدولةُ التي لا تنتج ما يكفي من غذائها، وتضطر إلى استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها، تصبح أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية. وقد لا تكون المشكلة في نقص الغذاء عالميًّا، بل في قدرة الدولة على الوصول إليه وشرائه ونقله.

     إنَّ الحروب، والأزمات السياسية، وإغلاق طرق التجارة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الإنتاج الزراعي، كلها عوامل يمكن أن تُحوِّل الغذاء من سلعة متاحة إلى ورقة ضغط. وهُنا تظهر خطورة الاعتماد المفرط على الخارج، فإذا كانت دولة ما تستورد معظم قمحها أو زيتها أو أعلافها من عدد محدود من الدول، فإنَّ أيَّة أزمة سياسية أو اقتصادية قد تتحول بسرعة إلى أزمة داخلية تمسُّ حياة الإنسان مباشرة. لهذا فإنَّ الأمن الغذائي لا يعني فقط أن تكون رفوف المتاجر مليئة بالطعام، بل أن تكون الدولة قادرة على ضمان وصول الغذاء إلى شعبها حتى عندما تتغير الظروف مِن حولها. والتاريخُ الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أسعار الغذاء ونقصه ليست شأنًا اقتصاديًّا محضًا.

     والدولة التي تضمن غذاء شعبها في الظروف الطبيعية والصعبة، تمنح نفسها هامشًا أكبر من الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار. أمَّا الدولة التي تستطيع جهة خارجية أن تضغط عليها بمجرد التأثير في وارداتها الغذائية، فهي تملك هامشًا أضيق في سياستها الخارجية. وأخطرُ الأسلحة ما لا يبدو سلاحًا.

     تكمن خطورة سلاح الماء والغذاء في أنَّه لا يأتي دائمًا بصورة واضحة. لا نرى دبابة على الحدود عندما تتعطل شحنة قمح، ولا نسمع صوت انفجار عندما ينخفض منسوب نهر، ولا تبدو المفاوضات حول السدود أو الموانئ أو سلاسل الإمداد مثل معركة عسكرية. لكن نتائجها قد تصل إلى المكان نفسه: الضغط على الدولة، وإنهاك اقتصادها، وزيادة غضب مجتمعها، ودفعها إلى اتخاذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف أكثر استقلالًا.وهذا ما يجعل الأمن المائي والغذائي جزءًا من الأمن الوطني بمعناه الواسع، وليس مجرد ملف خدمي.

     ليس المطلوب أن تتحول كل دولة إلى جزيرة مكتفية ذاتيًّا، هذا أمر غير واقعي، وهو مكلف وغير منطقي اقتصاديًّا. والتجارةُ الدولية جزء أساسي من حياة الدول، والاستيراد ليس ضعفًا في حد ذاته، لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد إلى هشاشة، وتصبح الدولة غير قادرة على تحمل توقف مصدر واحد، أو ارتفاع سعر سلعة أساسية، أو اضطراب طريق تجاري.

     القوةُ هُنا ليست في إنتاج كل شيء، وإنما في امتلاك البدائل، أن يوجد أكثر من مورد، وأكثر من طريق، ومخزون إستراتيجي، وقدرة محلية معقولة على الإنتاج، وشبكات نقل فعالة، ومؤسسات قادرة على التحرك سريعًا عند الأزمات، هذه هي عناصر الأمن الحقيقي. والدول التي تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ التفكير في أمنها المائي والغذائي تكون قد تأخرت كثيرًا.

     والأهم من ذلك أن الأمن المائي والغذائي لا يتحقق بالمشاريع الضخمة وحدها. يبدأ أيضًا من إدارة أفضل للموارد، ومواجهة الهدر والفساد وسوء التخطيط، واستخدام التكنولوجيا بطريقة تخدم الواقع، وليس بطريقة تتحول إلى شعار.

     يبدأ الاستقلال من أبسط الأشياء. قد تبدو السياسة الدولية أحيانًا وكأنها لعبة كبرى بين الدول والقوى العسكرية والاقتصادية، لكن جوهر هذه اللعبة يمكن أن يصل في النهاية إلى أشياء بسيطة جدًّا: كوب ماء، رغيف خبز، محصول قمح، شاحنة تستطيع الوصول إلى الميناء. والدول التي تؤمِّن هذه الأشياء لمواطنيها لا تؤمِّن حياتهم فقط، إنها تحمي قرارها السياسي.

     في عالَم يتغير فيه المناخ، وتزداد فيه الضغوط على الموارد، وتتكرر فيه الحروب والأزمات، ستصبح المنافسة على الماء والغذاء أكثر حدة، وستصبح الدول التي أحسنت إدارة مواردها وتنويع مصادرها أكثر قدرة على الصمود.

     قد لا يكون أخطر سؤال في السياسة الدولية هو: من يملك أقوى جيش؟. إنَّ السؤال الأكثر إلحاحًا: من يستطيع أن يضمن لشعبه الماء والغذاء عندما تتوقف الأشياء عن السير كما اعتاد الناس؟.

14‏/08‏/2026

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي

 

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     لَيست الأُبوَّة في الأدب دائمًا ذلك الملجأ الأول الذي يُفْتَرَض أن يعود إليه الابنُ حين تضيق به الحياة، وليست بالضرورة صورة للحماية أو الامتداد أو الحكمة المتوارثة. أحيانًا، تتحوَّل الأبوة إلى جدار، وسُلطة، وذاكرة ثقيلة تلاحق الابنَ حتى بعد أن يغادر البيت. وفي بعض الكتابات السيرية والروائية لا يظهر الأب بوصفه أصل الحياة، بل بوصفه أول خصم للذات، وأول سلطة ينبغي على الابن أن يختبر حدودها، وأن يتمرد عليها كي يكتشف نَفْسَه.

     في هذا السياق، تبرز تجربة الروائي المغربي محمد شكري ( 1935_ 2003 ) والروائي الأمريكي من أصل إيطالي جون فانتي ( 1909_ 1983 )، ليس لأنهما يُقَدِّمان صورةً متطابقة للأب، بل لأن كُلًّا منهما يجعل العلاقة بالأب واحدة من المناطق العميقة التي تتشكل فيها شخصية الابن والكاتب معًا.

     والمقارنة بينهما لا ينبغي أن تقوم على تسوية الفوارق بين التجربتين. فالأبُ عند شكري يدخل حياة الابن من باب العنف المباشر، والفقر، والتخلي، والإذلال، بينهما يظهر الأب عند فانتي في شبكة أكثر تعقيدًا من الفقر والهجرة والهُوية والعار الاجتماعي. لذلك فإنَّ التمرد على الأبوة عند شكري يبدو أقرب إلى محاولة نجاة، في حين يبدو عند فانتي أقرب إلى صراع طويل مع ميراث لا يستطيع الابن أن يرفضه تمامًا، ولا يستطيع أن يقبله بلا مقاومة.

     في تجربة شكري، لا يبدأ التمرد من فكرة فلسفية عن استقلال الفرد، بل من الجسد الذي يتعرض للقسوة. الطفلُ لا يملك في البداية لغةً يواجه بها السلطة الأبوية، يملك الخوف، والجوع، والهرب. وحين تصبح الأسرة مكانًا لا يوفِّر الحد الأدنى من الأمان، تفقد الأبوة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها العاطفي.

     الأبُ الذي يُفْتَرَض أن يكون حارسًا للطفولة يتحوَّل إلى مصدر من مصادر تهديدها. وحين يبلغ العنف هذا الحد، يصبح الانفصال عن الأب شبيهًا بالانفصال عن مصير كامل. هذه النقطة أساسية لفهم شكري. الابنُ لا يتمرد على شخص أبيه وحده، وإنما يتمرد على النموذج الذي يُمثِّله، أبوة تريد الطاعة، ولا تمنح الحماية، وتفرض السلطة، ولا تؤدِّي مسؤولية الرعاية. لهذا فإنَّ الخروج من سلطة الأب ليس مُجرَّد انتقال جغرافي من البَيْت إلى الشارع، بل هو انتقال وجودي من موقع الضحية إلى موقع مَن يحاول امتلاك حياته. لقد عاش شكري طفولة قاسية في الفقر،وتعرَّضت علاقته بالأب إلى عنف شديد،ثم وجد نَفْسَه في فضاءات التشرد، والعمل المبكر والانحراف، قبل أن يتعلم القراءة والكتابة في مرحلة متأخرة من حياته.

     يبدو فِعل الكتابة عند شكري امتدادًا لفِعل الهرب. في الطفولة، كان الهرب بالجسد، وفي الكتابة يصبح الهرب باللغة. الطفلُ الذي لَم يكن قادرًا على مواجهة الأب مباشرةً يستطيع، بعد سنوات، أن يستعيده داخل السرد، وينزع عنه الهالة. والأبُ الذي كان يملك سُلطة الصمت يصبح شخصيةً قابلة للمُساءلة، والابنُ الذي كان مُضطرًّا إلى السُّكوت يُصبح هو صاحبَ الصوت.

     وُلد فانتي في أسرة إيطالية مهاجرة في الولايات المتحدة، وكان والده عاملًا في البناء قَدِمَ مِن إيطاليا. وقد تركَ الفقرُ وشجاراتُ الوالدَيْن والكحولُ وسُلوكُ الأبِ أثرًا عميقًا في تكوينه الأدبي والشخصي، وتَحَوَّلَ الأبُ في عالَمه السردي إلى مادَّة متكررة، مَرَّة بوصفه نموذجًا للغضب والسُّلطة، ومَرَّة بوصفه علامة على الأصل الإيطالي الذي يحاول الابنُ التخلصَ مِن وَصمته، ومَرَّة بوصفه ميراثًا لا يستطيع الابنُ أن يقطع صِلته به تمامًا.

     وهُنا تختلف المسألة عن شكري اختلافًا جوهريًّا. شكري يريد الخروجَ مِن أب يُهدِّده، أمَّا فانتي فيجد نَفْسَه أمام أب يُهدِّده ويُغْريه في الوقت نَفْسِه.الأبُ لَيس مُجرَّد عائق خارجي، إنَّه جزء مِن تكوين الابن. في غضبه شيءٌ مِن غضب الأب، وفي تمرُّده شيءٌ مِن تمرُّد الأب، وفي رغبته في إثبات ذاته شيءٌ مِن الصراع الأبوي نَفْسِه. لهذا فإنَّ الابن عند فانتي لا يستطيع أن يقول ببساطة: " أنا لستُ أبي". المشكلةُ الأعمق هي أنَّه يكتشف مِرارًا أنَّ بعض ما يحاول الفِرارَ مِنْه يسكن داخله.

     هذه الازدواجية تجعل التمردَ عند فانتي أكثر التواءً. الابنُ يريد أن يصبح أمريكيًّا لا إيطاليًّا، فردًا لا تابعًا، كاتبًا لا عاملًا، صاحب مصيره لا امتدادًا لأبيه. لكنَّ الأب يظلُّ حاضرًا في اللغةِ، والذاكرةِ، والخَيال. ومِن هُنا تتشكَّل مُفارَقة قاسية: كلما حاولَ الكاتبُ أن يطرد الأبَ مِن عالَمه، عادَ الأبُ في صورة شخصية، أو ذاكرة، أو صراع، أو عُقدة هُوية.

     إنَّ التمرد عند فانتي لا يؤدِّي بالضرورة إلى التحرر الكامل. إنَّه يعيد إنتاجَ العلاقة في مستوى آخَر. يتحوَّل الأبُ من شخص موجود في البَيْت إلى شخصية موجودة في الكتابة، ويتحوَّل النزاعُ العائلي إلى نزاع سردي، ويصبح الكاتبُ،الذي يظنُّ أنَّه انتصر على أبيه حين حوَّله إلى مادَّة أدبية، مُضطرًّا إلى اكتشاف أنَّ الأب لَم يخرج مِن حياته، لقد انتقلَ فقط مِن الواقع إلى اللغة.

     وهذا ما يجعل الأبوةَ عند فانتي أقل بساطة مِمَّا تبدو عليه. الأبُ ليس شريرًا مطلقًا، والابنُ ليس ضحيةً صافية. هُناك علاقة مِن الحُب والكراهية، والخجل والحنين، والرفض والتشابه. وصورةُ الأب تتغيَّر عبر مسيرة فانتي الأدبية، مِن مَصدر للعار العِرقي والطبقي في البدايات إلى شخصية أكثر قابلية للاحتضان في مراحل لاحقة، غَير أنَّ هذا التطور لا ينبغي أنْ يُقْرَأ بوصفه مصالحة نهائية، فالمصالحةُ معَ الأب، حين تحدث، لا تعني إلغاءَ النقد، بلْ قد تكون أحيانًا نتيجة لاكتشاف الابن أنَّ أباه لَم يكن مُجرَّد جلاد شخصي، وإنما إنسان مهزوم داخل ظروف الهجرة والفقر والتمييز والاقتلاع الثقافي. لكنَّ هذه المعرفة المتأخرة لا تمحو آثارَ الطفولة. الابنُ يستطيع أن يفهم أباه، لكنَّه لا يستطيع أن يعيد كتابة طفولته بحيث لَم يحدث فيها ما حدث.

     وهُنا تتقاطع تجربة فانتي معَ تجربة شكري مِن جهة، وتفترقان مِن جهة أُخرى. كلاهما يضع الأب في مركز أزمة الذات، لكنَّ شكري يميل إلى جعل الأبوة سُلطة ينبغي كسرها، بينما يميل فانتي إلى جعلها إرثًا ينبغي تفكيكه. عند شكري يَكون الخلاص في المسافة، وعند فانتي يصبح الخلاص في محاولة فهم المسافة نَفْسِها: " لماذا أكره أبي؟، لماذا أُشبهه؟، لماذا أهرب مِنْه؟، لماذا أعود إليه في الكتابة كلما ظننتُ أنَّني تجاوزته؟".

     والأبوةُ في التجربتين مرتبطة بنموذج ذكوري يقوم على السيطرة، لكنَّ هذا النموذج لا يعمل بالطريقة نَفْسِها. عند شكري تتحوَّل الرجولةُ الأبوية إلى عُنف صريح، وحق في التأديب والإخضاع والتصرُّف في مصير الابن. أمَّا عند فانتي فترتبط الرجولةُ بالفقر والعمل والغضب وإثبات القدرة على إعالة الأسرة، وبذلك تصبح الأبوة محكومة بفشل اقتصادي واجتماعي ينعكس في صورة غضب داخل البَيْت.

     والأبُ، في هذه الحالة، يحاول إثبات سُلطته، لأنَّه فقد كثيرًا مِن أشكال السُّلطة خارج البَيْت. وهذا لا يُعْفيه، بلْ رُبَّما يزيد مسؤوليته، فالبَيْتُ ليس المكان الذي يحقُّ للرَّجل أن يصب فيه هزيمته. ومِن الأخطاء النقدية الشائعة تحويلُ العُنف الأبوي إلى مأساة تخصُّ الأبَ وحده، وكأنَّ الابن مُجرَّد متفرج على انكسار الرَّجل. والأدبُ الجاد لا يقبل هذه المُعادلة بسهولة، لأنَّ انكسار الأب لا يمنحه حقَّ كسر الطفل.

     في تجربة شكري، تتَّخذ المسألة شكلها الأكثر قسوة: الأبوة التي لا تحمي، تصبح نقيضًا للأبوة، والدمُ الذي يُفْتَرَض أن يكون رابطة، يتحوَّل إلى مصدر خَوف، لهذا فإنَّ التمرد يبدو ضروريًّا مِن أجل البقاء. أمَّا عند فانتي، فإنَّ الأبوة الفاشلة لا تنتهي في لحظة الهروب، لأنَّها متَّصلة بالهُوية نَفْسِها. يستطيع الابنُ أن يغادر البَيْت، لكنَّه لا يستطيع أن يغادر الاسمَ، والملامح، واللغة العائلية، والذاكرة، والفقر الذي صعد مِنْه.

     ومِن هُنا يمكن فهو سبب حضور الأب في أدب فانتي حتى عندما يغيب فعليًّا. الغيابُ يتحوَّل إلى حُضور، فالأبُ قد يكون بعيدًا، أو ميتًا، أو خارج مركز الأحداث، لكنَّه يظلُّ يعمل داخل وعي الابن. وهذا النوع مِن الأبوة أكثر خفاءً مِن الأبوة العنيفة عند شكري، لكنَّه ليس أقل تأثيرًا، إنَّه أب يسكن الذاكرةَ ، لذلك يصعب طرده.

10‏/08‏/2026

سحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل

 

سحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

........................


     ليست الإسكندرية مدينةً تُرى بالعَين وحدها، وإنما هي مدينة تُقْرَأ كما تُقْرَأ القصائد الكُبرى، وتُستعاد كما تُستعاد الذكريات العميقة، وتُعَاش كما يُعَاش الحُلْم الذي يرفض أن ينتهي. ومُنذ أن قامت على شاطئ البحر المتوسط، وهي تكتب تاريخَها بالحجارة والماء، وتغزل أسطورتها مِن ضوء البحر، ورائحة الملح، ونداء الموانئ، وامتزاج اللغات والثقافات. لذلك، لَم تكن الإسكندرية مُجرَّد مكان في الجغرافيا، بلْ أصبحت فضاءً أدبيًّا وإنسانيًّا ألهمَ كبارَ الكُتَّاب، فكتبَ كُلُّ واحد منهم مدينته الخاصة، حتى بدا وكأنَّ الإسكندرية الواحدة تَحمل وجوهًا لا تُحصَى، لكلِّ كاتب مِنها مِرآته، ولكلِّ عاشق مِنها حكايته.

     مِن أبرز مَن منحوا الإسكندرية خلودًا أدبيًّا، الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد ( وُلد 1946) والروائي البريطاني لورانس داريل ( 1912_ 1990 ). الأول ابن المدينة الذي عاش تفاصيلها اليومية، وتنفَّسَ هواءها، وأدركَ تحولات روحها، والثاني الكاتب الأجنبي الذي رآها بعين الغريب المفتون، فحوَّلها إلى أسطورة روائية تتجاوز حدودَ الواقع. وبين هاتَيْن الرؤيتَيْن، تتجلى صورة مدينة تتأرجح بين الحقيقة والخيال، وبين التاريخ والأسطورة، وبين الذاكرة والحنين.

     عند عبد المجيد تبدو الإسكندرية مدينةً تنبض بالحياة الإنسانية، فهي ليست مُجرَّد شوارع أوْ مبانٍ أو شواطئ، وإنما هي كائن حَي يَحمل مشاعر سُكَّانه وأحلامَهم وآلامَهم.

     في أعماله تتجسد المدينة بوصفها وطنًا صغيرًا يحتضن الجميعَ، حيث يلتقي البسطاء بالمثقفين، ويجاور البحرُ الأحياءَ الشعبية، وتختلط اللهجات كما تختلط أمواجُ البحر بالرمال.

     إنَّ عبد المجيد لا يكتب عن الإسكندرية من الخارج، بل يكتبها من الداخل، يكتب ذاكرتها، ويستعيد ملامحها التي غيَّرتها التحولات السياسية والاجتماعية، ويقاوم بالنص الأدبي مَحْوَ الزمن لِمَا بقي مِن جَمالها. وتكتسب الإسكندرية عنده طابعًا وجدانيًّا عميقًا، فالمدينة ليست خلفية للأحداث، بلْ شريكة فيها، تؤثِّر في الشخصيات كما تتأثر بها. والبحرُ ليس منظرًا طبيعيًّا فَحَسْب، بلْ هو رمز دائم للحرية والانفتاح والتجدد، بينما تُمثِّل الأزقةُ والأحياءُ العتيقة ذاكرةً تحفظ حكايات الناس، وتروي قصة مدينة كانتْ _ يومًا ما _ ملتقى العالَم بأسره.

     أمَّا داريل فقد رأى الإسكندرية بعين مختلفة، عين القادم من الخارج الذي وقع أسيرًا لسحر الشرق وغموضه. في عالَمه الروائي تتحوَّل المدينة إلى فضاء أسطوري يختلط فيه الواقعُ بالحُلْم، والحقيقة بالوهم، والعشق بالغموض. إنها مدينة متعددة الطبقات، لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، وإنما تمنح كُلَّ زائر وجهًا مختلفًا، وتتجدَّد ملامحُها كلما حاولَ أحد أن يقترب مِنها.

     الإسكندرية عند داريل هي مدينة للضوء والظل معًا، فهي مدينة الحُب والخيانة، والفلسفة والسياسة، والجمال والانهيار. شخصياته لا تعيش فوق أرض ثابتة، بلْ تتحرك داخل متاهة من العلاقات الإنسانية المعقدة،حيث يصبح المكان قوة خفية تصوغ المصائرَ، وتعيد تشكيلَ النفوس. لذلك فإنَّ المدينة في رواياته تبدو أكبر مِن شخصياتها، حتى يكاد القارئ يشعر بأنَّ المدينة هي البطل الحقيقي الذي يدور الجميع في فلكه.

     ورغم اختلاف المنطلقات بين الكاتبَيْن، فإنَّهما يلتقيان عند حقيقة واحدة، وهي أنَّ الإسكندرية ليست مدينة عادية. إنَّهما يدركان أنَّ لهذه المدينة روحًا يصعب الإمساك بها، وأنَّ البحر الذي يحتضنها لا يمنحها الجمال وحده، بل يمنحها أيضًا الإحساسَ الدائم بالتغيُّر والرحيل.

     عبد المجيد ينطلق من الحنين إلى مدينة عرفها وعاش تفاصيلها، بينما ينطلق داريل من الدهشة أمام مدينة اكتشفها، فأسرته بأسرارها. الأولُ يكتب بذاكرة الابن، والثاني يكتب بخيال العاشق.

     كما يختلف الأسلوب الفني بينهما، فأسلوب عبد المجيد يميل إلى الواقعية الشعرية، حيث تمتزج التفاصيل اليومية بلغة رقيقة وإيقاع هادئ، فيشعر القارئ بأنَّه يسير في شوارع المدينة، ويستمع إلى أصوات أهلها، ويرى البحرَ بعينيه.

     أمَّا داريل فيعتمد لغة كثيفة بالإيحاءات والرموز، تجعل الإسكندرية مدينة فلسفية، يتداخل فيها الزمنُ معَ الذاكرة، ويتشابك فيها الواقع معَ التأمل الوجودي.

     ويكشف هذا الاختلافُ عن حقيقة أدبية مهمة، وهي أنَّ المكان العظيم لا يفرض على الأدباء رؤية واحدة، بل يفتح أمامهم آفاقًا لا تنتهي من التأويل والإبداع.

     والإسكندرية ليست مُجرَّد موضوع للكتابة، وإنما هي مصدر دائم للأسئلة الكبرى: سؤال الهُوية، وسؤال الزمن، وسؤال الإنسان وهو يحاول أن يجد مكانه بين الماضي والمستقبل.

     عرفت الإسكندرية عبر تاريخها موجات متلاحقة من الحضارات، فكانت مدينة للإغريق والرومان، ثم أصبحت حاضرة عربية وإسلامية، واحتضنت في العصر الحديث جاليات متعددة صنعتْ منها نموذجًا للتسامح والتنوع الثقافي. وهذا الإرث الحضاري الهائل منحها قدرةً نادرة على أن تكون مدينة عالمية،دون أن تفقد خصوصيتها المصرية.

     ومِن هُنا استطاع الكاتبان أنْ يجدا فيها مادة غنية للإبداع، لأنَّ المدينة تَحمل في أعماقها تناقضات الحياة كُلِّها، فهي قديمة وحديثة، محلية وعالمية، هادئة وصاخبة، واقعية وأسطورية في آن واحد.