تُعَدُّ قضية
الإحداثيات البحرية وترسيم الحدود من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الدولية ،
لأنها ترتبط مُباشرة بمفهوم السيادة وحقوقِ الدولة في أرضها ومياهها الإقليمية .
وفي منطقة الخليج العربي ، شكَّلت هذه القضية أحد العناوين البارزة في العلاقة بين
العراق والكويت .
السيادة في
القانون الدولي ليست مُجرَّد شعار سياسي، بل هي مبدأ قانوني راسخ يقوم على احترام
الحدود المُعترَف بها دوليًّا ، سواءٌ كانتْ برية أَمْ بحرية . والإحداثيات
البحرية ليست خطوطًا عشوائية ، بَلْ تُحدَّد وفق قواعد قانون البحار والاتفاقيات
الدولية ، لضمان وضوح المجال البحري لكل دولة ، ومنعِ التداخل أو النزاع .
حين أقدمَ
النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين على غزو الكويت عام 1990 ، لم يكن ذلك
مُجرَّد خلاف حدودي قابل للتفاوض ، بل كان انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدولة ،
ومُحاولة لفرض أمر واقع بالقوة . وقد مثَّل هذا الغزو خرقًا واضحًا لميثاق الأمم
المتحدة ، الذي يُحرِّم استخدامَ القوة ضد سلامة أراضي أيَّة دولة أو استقلالها
السياسي .
بعد تحرير
الكويت في عام 1991 ، اضطلع مجلس الأمن بدور أساسي في تثبيت الحدود الدولية بين
البلدين ، بما في ذلك ترسيم الحدود البحرية وفق أسس قانونية واضحة . وقد جاء هذا
الإحراء في إطار تثبيت الاستقرار الإقليمي ، ومنع تكرار النزاعات ، وترسيخ مبدأ أن
الحدود لا تُغيَّر بالقوة ، بل عبر الآليات القانونية المُعترَف بها دوليًّا .
الإحداثيات
البحرية لا تُمثِّل فقط حدودًا جُغرافية ، بل تعكس حقَّ الدولة في إدارة مواردها
البحرية ، وحمايةِ أمنها وموانئها وممراتها الملاحية . وأي مساس بها يُعَدُّ
مساسًا مباشرًا بالسيادة . ومن هُنا ، فإنَّ الغزو العراقي للكويت لم يكن مُجرَّد
تحرك عسكري عابر ، بَلْ مَسَّ جوهر الدولة ، وكيانها القانوني .
ومع أن
العلاقات بين العراق والكويت شهدتْ لاحقًا مسارًا نحو التهدئة ، وإعادة بناء الثقة
، إلا أن تجربة الغزو وما تبعها من ترتيبات دولية أكَّدت درسًا مهمًّا في السياسة
الدولية ، وهو أن احترام الإحداثيات والحدود ليس خيارًا سياسيًّا فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا التزام قانوني وأخلاقي يحفظ الاستقرار ، ويمنع الانزلاق إلى الفوضى .
إن معالجة
القضايا الحدودية ، برية كانتْ أَمْ بحرية ، يجب أن تتم عبر الحوار والقانون
الدولي والمُؤسَّسات الشرعية ، لا عبر القوة ، أو فرض الأمر الواقع . فالدول
الصغيرة والكبيرة على السواء ، تتساوى في حقها في السيادة ، وأي إخلال بهذا المبدأ
يُهدِّد منظومة الأمن الإقليمي والدولي بأسره .


