سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

28‏/08‏/2026

تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه

 

تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.

     في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر ( وُلد 1970) ، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه ( 1936_ 2024 ). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.

     لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.

     وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما، ليس لأنهما يقولون الشيءَ نفسه، وإنما لأنَّ كُلَّ واحد منهما يكشف جانبًا من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملًا.

     مطر يراقب النظامَ الشمولي وهو يدخل إلى البَيْت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأبَ بعيدًا، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضورًا يوميًّا أكثر كثافة من حضور الأحياء. وكاداريه يراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.

     إنَّ الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفيَّة، قد لا تظهر على الصفحة،لكنها تُحرِّك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناسَ يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحُب مُعَرَّضًا للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.

     وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفردُ من السُّلطة، المطلوب أن يتعلَّم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملةِ التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأدب قادرًا على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.

     أعمالُ مطر تضع القارئ أمام عالَمٍ بشري جرى تشويهه من الداخل. النظامُ لا يظهر دائمًا بوصفه آلة ضخمة تتحرك في الشوارع، أحيانًا يظهر في سؤالٍ صغيرٍ، أو مكالمةٍ هاتفية، أو نظرةِ أُمٍّ قلقة، أوْ أبٍ يعرف أن جُملة واحدة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

     مطر يعرف أن الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يجعل الجميع يتصرفون كما لو أن هناك أُذُنًا تستمع، وهذه الأُذُن هي شبح من أشباح عالَمه الروائي.

     أمَّا عند كاداريه، فإن هذا الخوف يأخذ أحيانًا صورة أكثر اتِّساعًا وغرابة. في أعماله، لا تعود الدولة تراقب الأفعالَ فقط، إنها تريد الوصول إلى الأحلام نفسها. والفكرة تبدو للوهلة الأُولى سريالية أو مستحيلة، لكنها في الحقيقة شديدة الواقعية من ناحية رمزية، ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت السُّلطة مهتمة بما يحدث داخل رأسه قبل أن يحدث في الشارع؟.

     هُنا تبلغ الشمولية أقصى طموحها، لا تكتفي بالسيطرة على جسد الإنسان، وإنما تريد السيطرةَ على احتمالاته الداخلية، تريد أن تعرف ما يَحلم به، وما يتخيَّله، وما يخشاه، وما قد يقوله غدًا، فهذا يعني أن السُّلطة لم تعد تراقب المواطن، لقد أصبحت تريد احتلاله.

     مطر يُذكِّر القارئ بأنَّ التاريخ السياسي يُعَاش داخل أجساد أشخاص محددين. لا توجد عبارة أكثر اختزالًا لقوة السُّلطة من أن يقول المرء: (( اختفى أبي )).

     فقدان الأب في تجربة مطر ليس مُجرَّد حدث سياسي، إنه فراغ يعيد تشكيل حياة كاملة. وأسئلة مطر ليست سياسية فقط، إنها أسئلة وجودية، لذلك تصل إلى القارئ حتى لو لم يكن ليبيًّا، وحتى لو لم يعش تحت نظام شمولي، لأن فقدان الأب، والخوف، والانتظار، وعدم اليقين، كلها تجارب إنسانية تتجاوز الحدود.

     والأدبُ عند مطر يصبح نوعًا من مقاومة المحو. السُّلطةُ تستطيع أن تخفي إنسانًا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنع ابنه من رواية قصته.

     وإذا كان مطر يكتب عن السُّلطة من داخل الجُرح الشخصي، فإن كاداريه يكتب عنها من داخل المتاهة. في عالَمه الروائي، يمكن للدولة أن تكون غامضة، وعبثية، وهائلة، ومخيفة في الوقت نفسه. قد لا تعرف بالضبط أين تبدأ السُّلطة، وأين تنتهي، ومَن يُقَرِّر، ومَن يُراقب، ومَن ينقل الخبر، ومن اخترع التُّهمة، وهذه الضبابية ليست نقصًا في الرواية، إنها جزء من طبيعة النظام الذي يصفه. فالأنظمةُ الشمولية القاسية لا تحتاج إلى أن تكون مفهومة بالكامل لكي تكون فعالة، بلْ رُبَّما يكون غموضها جزءًا من قوتها.

     وإذا كان المواطن يعرف بالضبط ما هو الممنوع، فقد يستطيع أن يبحث عن حدود الممنوع، أمَّا إذا أصبحت الحدود متحركة، وإذا كان من الممكن أن تتحول كلمة بريئة إلى جريمة بحسب اللحظة السياسية، فإن الإنسان يبدأ في مراقبة نفسه بنفسه. وهُنا يصبح الخوف أكثر كفاءة.

     كاداريه بارع في صناعة هذه المساحات الرمادية، وهو يستخدم السخرية والأسطورة والمُفارَقة والتاريخ كي يكشف عبثَ النظام من الداخل. بدل أن يضع القارئَ دائمًا أمام مشهد مباشر من مشاهد القمع،قد يأخذه إلى مؤسسة بيروقراطية، أو مدينةٍ قديمة، أو حدثٍ تاريخي، ثم يجعله يكتشف أن ما يبدو بعيدًا عنه، هو في الواقع حاضرٌ شديد القُرب.

     إنه لا يصرخ في وجه السُّلطة، إنَّه يبتسم لها أحيانًا، وهذه الابتسامة أخطر مِمَّا تبدو، لأن السخرية تسحب من الديكتاتور هالته، والسُّلطة الشمولية تريد أن تبدو قَدَرًا لا يُناقَش، وتريد أن تظهر كأنها ضخمة وأبدية، ولا يمكن تخيُّل العالَم مِن دونها، لكن الروائي يفعل شيئًا بسيطًا ومُدمِّرًا، يجعلها مادة للسخرية، وفجأةً يصبح العملاق كاريكاتيرًا، والطاغية الذي يريد أن يبدو أسطوريًّا، يتحول إلى شخصية بشرية قابلة للرؤية والنقد والتشريح.

     قد يبدو الفرقُ بين مطر وكاداريه كبيرًا في الأسلوب. الأولُ يميل إلى الحساسية الاعترافية، والتفاصيلِ الحميمة، والعلاقةِ بين الذاكرة والعائلة، والثاني يميل إلى البناء الرمزي، والمُفارَقةِ التاريخية ، وعَالَمٍ يبدو أحيانًا كأنه خرج مِن حُلْمٍ ثقيل، أو كابوس بيروقراطي.

     لكن خلف هذا الاختلاف توجد فكرة مشتركة، السُّلطةُ لا تنجح عندما تمنع الإنسانَ من الكلام فقط، بل عندما تجعله غير قادر على معرفة ما إذا كان يحقُّ له الكلام أصلًا.

     في عوالم مطر وكاداريه الأدبية، الصمتُ ليس فراغًا، إنَّه لغة. قد يقول الرجل شيئًا، لكن ما لَم يقله يكون أهم، وقد يتحدث الأب عن الطقس بينما يُفَكِّر في شيء آخَر، وقد تجلس الأم إلى المائدة، لكنَّ جسدها يصغي إلى صوت خارج البَيْت، وقد يلتقي صديقان، لكنَّهما يعرفان أن بعض المواضيع لا ينبغي أن تُفْتَح .

     إنَّ النظام الشمولي يجعل الإنسانَ يتحدث بطبقتَيْن، طبقة ظاهرة تصل إلى الآخرين، وطبقة داخلية يحتفظ بها لنفسه. ومعَ الوقت، قد تصبح الطبقة الظاهرة أقوى من الطبقة الداخلية. وهُنا تقع الكارثة، لأن الإنسان يبدأ بتقمص الرقابة. لا يعود بحاجة إلى شرطي عند الباب، يصبح الشرطي داخل الرأس. هذه الفكرة حاضرة بقوة في الأدب الذي يكتب عن الاستبداد، وهي واحدة من أهم النقاط التي تجعل روايات مطر وكاداريه تتجاوز الحكاية السياسية المباشرة. كلاهما،بطرق مختلفة، يسأل: (( ماذا يفعل النظام بالإنسان بعد أن ينجح في جعله يراقب نفسه؟ )).

     لعلَّ أهم سلاح يمتلكه مطر هو الذاكرة. فالسُّلطةُ قد تكتب تاريخها الرسمي، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بسهولة بذاكرة الفرد، لهذا يصبح التذكر فِعلًا سياسيًّا، حتى عندما لا يبدأ باعتباره كذلك.

     حين يتذكر الابنُ أباه، فهو لا يستعيد شخصًا غائبًا فقط، إنه يستعيد نُسخةً مِن التاريخ حاولت السُّلطة أن تدفنها، وهُنا يصبح السردُ مُقاوَمةً، ومُواجَهةً للأنظمة التي تعتمد على المحو، فالقمعُ لا يقتل الأجسادَ فقط، إنه يحاول أحيانًا قتلَ الأثر، ويُريد جعلَ الضحية بلا قصة ولا اسم ولا صورة.

     كاداريه يتعامل معَ الذاكرة بصورة مختلفة، إذْ يعود إلى التاريخ والأسطورة والماضي الألباني، ليس هروبًا من الحاضر، وإنما من أجل كشف كيف يتكرر القمع، وكيف تتغير أشكاله. التاريخُ عنده ليس متحفًا مغلقًا، إنه مِرآة مشروخة للحاضر.

     وهُنا يلتقي الكاتبان، الماضي ليس وراءنا تمامًا، إنه يعيش في الطريقة التي نتذكر بها أنفسَنا، والوطن يصبح مكانًا محبوبًا ومُخيفًا في آنٍ معًا.

     والديكتاتوريات تحاول أن تقنع الناسَ بأنَّ الدولة بدأتْ معها، والتاريخ الحقيقي يبدأ عند وصولها، وما قبلها مُجرَّد فَوضى، وما بعدها مُستحيل. والأدبُ يفعل العكس، يقول: البلاد أقدم من الطاغية، والناس أقدم من النظام، واللغة أقدم من الشعارات، والذاكرة أطول مِن عُمر السُّلطة.

     من أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية أنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تحاول إدارةَ اللغة التي تصف الواقعَ، فَتُسمِّي القمعَ استقرارًا، والخوفَ يقظةً، والصمتَ انضباطًا، والاختفاءَ إجراءً، والطاعةَ وطنيةً، وهُنا تصبح مهمة الأدب خطيرة للغاية، لأن الروائي يعيد الأشياءَ إلى أسمائها الحقيقية، فالخوفُ يعود خوفًا، والغياب يعود غيابًا، والسجن يعود سجنًا، والفقد يعود فقدًا، والإنسان يعود إنسانًا. في هذا المعنى، الرواية تُفكِّك السُّلطةَ ليس فقط عبر الموضوع، بلْ عبر اللغة نفسها.

     حين يصف مطر انتظارَ شخص لأبيه، لا يحتاج إلى أن يقول لنا إنَّ الاعتقال السياسي جريمة ضد الإنسان، نحن نفهم ذلك من الانتظار نفسه.

     وحين يُصوِّر كاداريه جهازًا بيروقراطيًّا يبتلع الأحلامَ، لا يحتاج إلى كتابة عشر صفحات عن طبيعة النظام الشمولي، الفكرةُ وصلتْ.

     والرواية لا تعطي شعارًا، وإنما تعطي حياةً. وهذه الحياة تجعل الشعارَ أقل ضرورة. السياسة تقول: (( هناك آلاف المعتقلين )). والروايةُ تقول: (( هذا الرجل كان له ابن، وله رائحة في البَيْت، وله عادات، وهُناك امرأة تنتظره، وهُناك طفل لم يفهم لماذا لَم يَعُدْ )). هُنا يتحوَّل الرقمُ إلى إنسان، وهذه إحدى أعظم وظائف الأدب.

     قد يبدو مطر أكثر التصاقًا بالواقعي المباشر، بينما يذهب كاداريه في كثير من الأحيان إلى الغرائبي والأسطوري والسريالي. لكن الغرائبية عند كاداريه ليست هروبًا من الواقع، أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لرؤية الواقع بوضوح.

25‏/08‏/2026

لماذا اشترى مارك زوكربيرج قلعة تاريخية في أيرلندا؟

 

لماذا اشترى مارك زوكربيرج قلعة تاريخية في أيرلندا؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................

     إن شراء قلعة في حالة رجل مثل الملياردير الأمريكي مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك، والرئيس التنفيذي لشركة " ميتا " ، ليس مجرد شراء منزل، إنَّه شراء مكان وخصوصية واستمرارية.

     وقلعة سترانكالي ليست عقارًا عاديًّا، فهي بُنيت على الطراز القوطي، وتعود إلى القرن التاسع عشر، وتطل على نهر في جنوب شرق أيرلندا على بُعد نحو 200 كم من المقر الأوروبي لشركته.

     وهناك مفارقة هائلة في قصة زوكربيرج، فهذا الرجل صنع واحدةً من أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الحياة الحديثة: فيسبوك، ثم الإمبراطورية التي أصبحت " ميتا "، بما تضم من منصات وشبكات وأنظمة ذكاء اصطناعي وبنى اتصالات تؤثِّر في الطريقة التي يتحدث بها مليارات البشر، ويَرَوْنَ بها السياسة، ويتابعون بها الأخبار، ويُكوِّنون بها علاقاتهم وصورهم عن العالَم.

     ومع ذلك، عندما يقرر أن يشتري مكانًا في أيرلندا، لا يختار شقة ذكية في قلب مدينة مستقبلية، وإنما يختار قلعة تاريخية. وهذه ليست مفارقة عابرة. إنها تكاد تكون صورة مصغرة عن واحدة من أغرب التحولات التي يعيشها عصر التكنولوجيا، أصحاب القوة الرقمية الهائلة بدؤوا يبحثون عن أشياء مادية قديمة جدًّا.

     زوكربيرج لا يشتري قلعة فقط، وإنما يشتري الأبعادَ الزمنية والمكانية . والثروة الحديثة لا تُقَاس بالمال وحده. عندما تصبح الثروة ضخمة بما يكفي، يتحول المال إلى قدرة على شراء المسافة، المسافة عن المدينة والجيران والصحافة والجمهور والضوضاء، وأحيانًا المسافة عن الدولة نفسها.

     في القرنَيْن الماضيَيْن، كان الأغنياء يعيشون غالبًا في قلب المجتمعات التي صنعت ثرواتهم. أمَّا اليوم، فإن الثروة العالمية تسمح للإنسان شديد الثراء بأن يعيش في عدة عوالم في وقت واحد.

     يمكن أن تكون شركاته في دبلن، وأمواله في نيويورك، ومنزله في كاليفورنيا، وأرضه في هاواي، وقصره في أيرلندا، وطائرته الخاصة جاهزة للانتقال بين هذه الأماكن. وهكذا يصبح مفهوم الوطن أكثر مرونة بالنسبة إلى فئة صغيرة جدًّا من البشر. المواطن العادي لديه عنوان، أمَّا الملياردير فلديه شبكة من العناوين، وهذا فارق سياسي هائل.

     والدولة الحديثة بُنيت تاريخيًّا على افتراض بسيط، وهو أن الإنسان يعيش في مكان، وثروته وأعماله وعلاقاته الاجتماعية مرتبطة بهذا المكان، لكن الرأسمالية الرقمية كسرت هذا الافتراض.

     وزوكربيرج مثال صارخ على ذلك. فهو ملياردير أمريكي، لكنه يدير شركة ذات حضور عالمي، ولشركته قاعدة دولية مهمة في أيرلندا، وهو يستطيع أن يتحرك بين عدة أنظمة اقتصادية وقانونية وجغرافية دون أن يصبح أسيرًا بالكامل لأي منها.

     والقلعة بهذا المعنى ليست مجرد مكان للإقامة، إنها جزء من جغرافيا القوة الجديدة. ولماذا أيرلندا تحديدًا؟. هُنا تصبح الإجابة أكثر واقعية، وأقل رومانسية. أيرلندا ليست بلدًا أخضر جميلًا فحسب، ولا مجرد مكان مناسب لعطلات العائلات الثرية. إنها منذ سنوات مركز مهم جدًّا للشركات الأمريكية العملاقة، وخصوصًا شركات التكنولوجيا.

     " ميتا " لديها حضور كبير في أيرلندا، وتستخدم البلاد قاعدة أوروبية ودولية مهمة، لذلك فإن وجود زوكربيرج في أيرلندا ليس وجود سائح ثري يعشق القلاع التاريخية والأماكن الأثرية. إنه رجل أعمال لديه سبب مهني دائم للوجود هناك. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى شراء قلعة سترانكالي بوصفه قرارًا عمليًّا للغاية.

     بدلًا من أن يكون كل وصول إلى أيرلندا إقامة مؤقتة في فندق، أصبح لديه مكان خاص به، بعيد عن الفندق، وبإمكانه استخدامه مع عائلته، وفي الوقت نفسه يظل قريبًا نسبيًّا من المجال الذي تتحرك فيه أعمال شركته. لكن هذا التفسير رغم أهميته لا يكفي.

     حين يستطيع الإنسان شراء أي شيء تقريبًا، يصبح السؤال عن اختياره أكثر أهمية من السؤال عن قدرته على الدفع. القلعة هي عكس فيسبوك. فيسبوك لا يعترف بالحدود، فهي منصة مبنية على فكرة أن الناس يجب أن يتواصلوا عبر الحدود، والمسافة الجغرافية لا تعود عائقًا أمام العلاقات والمعلومات والصور والأفكار. أمَّا القلعة فهي مبنية على الفكرة المعاكسة، فهي جدران، وبوابات، وحدود، وأرض محددة، ونهر، وغابة، ومسافة، وخصوصية، وهذه مفارقة عميقة في شخصية عصرنا. فالأشخاص الذين ساعدوا على إزالة الحدود الرقمية من حياتنا باتوا يمتلكون الإمكانيات المادية لبناء حدود شخصية لا يستطيع معظم البشر الاقتراب منها. ونحن نعيش في زمن اختفت فيه الحدود على الشاشة، بينما عادت أقوى من أي وقت مضى في العالَم المادي.

     كلما أصبح العالَم أسرع احتاجَ أصحابُ القوة والثروة إلى أماكن أبطأ، وكلما أصبح العالَم أكثر انكشافًا احتاجَ الأغنياء إلى جدران أعلى. لذلك إذا أردنا أن نفهم لماذا اشترى زوكربيرج قلعة سترانكالي، فلا يكفي أن نقول: لأنه يستطيع دفع ثمنها. الأدق أن نقول: لأنه في عالَم أصبحت فيه المعلومات أرخص من أي وقت مضى، أصبحت القدرة على امتلاك المكان والوقت والخصوصية أكثر قيمة من أي وقت مضى.

     والقلعة ليست سوى التعبير الأكثر أناقة عن هذه الحقيقة القاسية، في القرن الحادي والعشرين، قد يكون أقوى رمز للثروة ليس أن تملك أحدث شيء في العالَم،بلْ أن تملك مكانًا تستطيع فيه أن تبتعد عن العالَم كُلِّه.

24‏/08‏/2026

مفهوم العبث بين محمود المسعدي وألبير كامو

 

مفهوم العبث بين محمود المسعدي وألبير كامو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ السؤال الذي يُسكنه. هو أن يشعر الإنسانُ بأنَّ حياته تمضي، والموت ينتظره، والعالَم لا يُقَدِّم له تفسيرًا نهائيًّا،ومعَ ذلك يُصِر على أن يعيش، ويبحث، ويُحِب، ويصنع من وجوده شيئًا يستحق أن يُعاش.

     ومِن هُنا تأتي أهمية المقارنة بين الكاتب التونسي محمود المسعدي ( 1911_ 2004 ) والكاتب الفرنسي ألبير كامو ( 1913_ 1960 ). الرَّجلان التقيا، كُلٌّ بطريقته، عند واحدة مِن أعمق مناطق القلق الإنساني: ماذا يفعل الإنسانُ حين يُحَاصَر بين حاجته العارمة إلى المعنى وبين عالَمٍ لا يمنح المعنى جاهزًا؟، وكيف يمكن للحياة أن تستمر حين يصبح الموتُ حاضرًا في كُلِّ لحظة، وحين تبدو الأفعالُ البشرية كُلُّها مُهدَّدة بالسقوط في الفراغ؟.

     التشابهُ بين المسعدي وكامو لا يعني التطابقَ. قيمةُ المقارنة الحقيقية في الاختلاف بينهما. يفتح المسعدي الأسئلةَ على آفاق جديدة، تتداخل فيها الإرادةُ والروح والمصير والبحث عن الحقيقة،بينما يضع كامو الإنسانَ أمام صمت العالَم، ويبحث عن إمكانية العيش رغم هذا الصمت.

     عند المسعدي، لا يكتفي الإنسانُ بأن يكتشف عبثَ وجوده، بلْ يدخل في مواجهة شاقة معَ نَفْسه والقوى التي تتجاوز ذاته، كأنَّه يريد أن يعرف إلى أيِّ مدى يستطيع الإنسانُ أن يكون إنسانًا.

     أمَّا عند كامو فيبدو العبثُ وليد الصدام بين الإنسانِ والعالَم، وهو يَعتبر الإنسانَ ليس مُجرَّد كائن يعيش ثم يموت، إنَّه كائن يعرف أنَّه يعيش وسيموت، وهذه المعرفة هي التي تمنح وجودَه ثقله المأساوي. فالحيوانُ لا يَحمل، بالمعنى نَفْسِه، سؤالَ المصير، أمَّا الإنسان فيستيقظ ذات يوم على حقيقة أنَّه محدود، وأنَّ كُلَّ ما يفعله محكومٌ بحدود الزمن.

     المسعدي كاتبٌ لا يمكن قراءته باعتباره مُجرَّد روائي يحكي حكايات، لأنَّ أعماله الكُبرى تبدو كأنَّها مختبرات للوجود الإنساني. شخصياته لا تتحرك ببساطة داخل أحداث متتابعة، وإنما تدخل في امتحانات قاسية. عَالَمُه الروائي لا يجيب عن أسئلة شخصياته بسهولة. شخصياته تُلْقَى في مواجهة أسئلة أكبر منها، وتجد نفسها مضطرة إلى الاختيار، حتى عندما يكون كُلُّ اختيار محفوفًا بالخسارة.

     والمسعدي، مِثل كامو، يعرف أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون أن يصطدم بحدوده. يَعرف أنَّ الموت لَيس حدثًا بعيدًا يأتي في نهاية الطريق فقط،بلْ قوة حاضرة في الوعي مُنذ البداية. ويعرف أنَّ الإرادة الإنسانية جميلة ومأساوية في الوقت نَفْسِه، لأنَّ الإنسان يريد بلوغَ ما قدْ يتجاوز قدرته. والمسعدي لا يُقَدِّم تصوُّرًا سهلًا للعبث، فشخصياته لا تقف أمام الفراغ مكتوفة الأيدي، إنَّها تريد أن تفعل، وتتجاوز، وتصنع. وقدْ تكون مأساةُ الإنسان هي أنَّه لا يستطيع التوقفَ عن الرغبة حتى حين يعرف أنَّ النهاية قد تكون الهزيمة.

     جاء المسعدي من بيئة ثقافية عربية وإسلامية غنيَّة بالتراث اللغوي والفلسفي والصوفي، واستطاعَ أن يدخل في حِوار عميق معَ هذا التراث دون أن يتحوَّل إلى أسيرٍ له.

     أمَّا كامو فقدْ نشأ في سياق فكري وأوروبي محدد، وتشكلت تجربته في ظِل أزمات القرن العشرين، والحربَيْن العالميتَيْن، والانهيارات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، وصعود أنماط من التفكير جعلت الإنسانَ يُواجه سؤالًا حادًّا حول معنى وجوده، وحدودِ العقل والأخلاق.

     عند المسعدي، هناك إنسان يخوض معركةً داخلية وخارجية معَ معنى يُريد الوصولَ إليه، وقدْ يكون هذا المعنى قريبًا أوْ بعيدًا، وقد يتحوَّل البحث عنه إلى مأساة. عند كامو، هناك عالَم صامت في مواجهة إنسان متعطش للمعنى. إنها ليست المسألة نفسها، وإنْ كان السؤال الإنساني العميق واحدًا: كيف يستطيع الإنسانُ أن يعيش وهو يعرف أنَّ وجوده هَش ويقينه ناقص؟. اللغة نفسها تصبح جُزءًا مِن المعنى. وما يُميِّز المسعدي أنَّ أفكاره لا تأتي في صورة فلسفة مدرسية جافة. لغته تَحمل القلقَ. والجُملةُ عنده ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الحكاية، إنَّها مساحة للتأمل والتوتر والمواجهة. وكامو أيضًا لَم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بلْ كان أديبًا يترك الفكرةَ تتنفس داخل الرواية والمسرحية والمقالة. لَم يُحوِّل الإنسانَ إلى مثال منطقي، وإنما إلى كائن حَي، يُحِب ويخطئ ويتمرَّد ويخاف ويواصل السير.

     إنَّ أفضل طريقة لقراءة العبث عند الكاتبَيْن ليست أن نبحث عن تعريف قاموسي له، بلْ أن نراقب الشخصيات وهي تعيشه.العبثُ يُفْهَم من طريقة سير الإنسان أكثر مِمَّا يُفْهَم مِن التعريفات. نراه في اللحظة التي يتساءل فيها البطلُ عن جدوى ما يفعل، ثم يفعله رغم ذلك.

     كلاهما ينظر إلى الإنسان في لحظة انكشافه، حين يسقط عنه الاطمئنان السهل، وحين يدرك أنَّ الموت حقيقة، والعالَم لا يُقَدِّم له دائمًا جوابًا. يذهبان إلى تجربة أكثر امتلاءً بالتوتر بين الإرادةِ والمصيرِ، بين الإنسان وما يُريده والحدود التي تصطدم بها رغبته. يصبح السعيُ ذاته امتحانًا، وتصبح محاولة الإنسان تجاوز نَفْسِه جُزءًا مِن مأساته وجَماله.