لم يعد السؤال المطروح في الأوساط السياسية
هو ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ستجلسان إلى طاولة تفاوض جديدة، بل ما هو
الثمن الذي قد يدفعه كل طرف للوصول إلى تفاهم يضمن مصالحه الإستراتيجية؟. وفي قلب
هذه المعادلة يقف لبنان، بوصفه أحد أهم ميادين النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
منذ أكثر من أربعة عقود، استثمرت إيران
موارد سياسية وعسكرية ومالية كبيرة لبناء نفوذها في لبنان، مستندة إلى شبكة
تحالفات محلية جعلت من البلاد إحدى أبرز ساحات تأثيرها الإقليمي. لذلك، فإن الحديث
عن بيع هذا النفوذ مقابل اتفاق مع واشنطن يبدو تبسيطًا لمسألة أكثر تعقيدًا.
إيران لا تنظر إلى لبنان باعتباره ورقة
عابرة يمكن التخلي عنها بسهولة، بل تعتبره جزءًا من منظومة ردع إقليمية ترى أنها
تعزز أمنها القومي، وتمنحها قدرة تفاوضية في مواجهة الضغوط الغربية والإسرائيلية.
ومن هذا المنطلق، يصعب تصور انسحاب كامل أو تخلٍّ نهائي عن هذا النفوذ مقابل اتفاق
سياسي أو اقتصادي، لأن ذلك سيعني خسارة أحد أهم عناصر قوتها الإستراتيجية.
لكن السياسة لا تعرف الثوابت المطلقة، فإذا
وجدت طهران نفسها أمام اتفاق تاريخي مع الولايات المتحدة يرفع العقوبات بصورة
شاملة، ويعيد دمجها في الاقتصاد العالمي،ويمنحها ضمانات أمنية طويلة الأمد، فقد
تكون مستعدة لإعادة صياغة نفوذها، وليس بالضرورة التخلي عنه بالكامل.
ومن المرجح، في مثل هذا السيناريو، أن يكون
المطلوب هو تقليص الدور العسكري المباشر، وتعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي، بما
يسمح لإيران بالحفاظ على جزء من مصالحها مع تخفيف أسباب التوتر مع واشنطن
وحلفائها. أي إن التحول قد يكون من نفوذ قائم على القوة الصلبة إلى نفوذ يعتمد
بصورة أكبر على الأدوات السياسية والاقتصادية.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن
النفوذ الإيراني في لبنان لم يعد مسألة يمكن إنهاؤها بقرار سياسي أو باتفاق ثنائي
فقط، لأن الواقع اللبناني شديد التعقيد، وتتشابك فيه العوامل الداخلية مع
التوازنات الإقليمية. لذلك، فإن أي تفاهم محتمل قد يركز على ضبط النفوذ الإيراني،
وتقليص أبعاده العسكرية، أكثر من السعي إلى إزالته بالكامل.
ويبقى العامل الإسرائيلي أحد أهم عناصر هذه
المعادلة. فإسرائيل ترى أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يتضمن ترتيبات تقلل من
التهديدات الأمنية على حدودها الشمالية، وهو ما يجعل الملف اللبناني جزءًا لا
يتجزأ من أي مفاوضات إقليمية واسعة، وليس ملفًا منفصلًا.
لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت أن إيران وافقت أو تنوي بيع نفوذها في لبنان مقابل السلام مع الولايات المتحدة. ما يوجد هو مؤشرات وتحليلات تتحدث عن احتمال إدخال تعديلات على شكل هذا النفوذ إذا تحقق اتفاق شامل يخدم مصالح الطرفين. أما التخلي الكامل عن لبنان، فيبدو احتمالًا ضعيفًا في ظل المعطيات الحالية، لأن النفوذ الذي بُني خلال عقود طويلة لا يُستبدل بسهولة، بل قد يُعاد تشكيله بما يتلاءم مع موازين القوى الجديدة.


