سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا.له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

09‏/02‏/2026

الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

 

الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها ، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني ، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة .

     في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت ( 1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري ، والمَرجعيةِ الدِّينية ، واللغةِ الفَلْسفية . كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية ، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات . والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل ، وحُدودِ المَعرفة ، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة .

     نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب: المُتكلمون ، والفلاسفة ، والباطنية ، والصُّوفية . وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة . هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها . هَل الحِس صادق ؟ ، وهَل العَقْل يَقيني ؟ ، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد ؟ . لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا ، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل .

     أمَّا ديكارت ، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث ، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو ، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية ، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر ، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه .

     يَشترك الغَزَالي ودِيكارت في نقدِ المعرفة الحِسِّية ، فالغَزَالي يَرى أنَّ الحواس تَخدع ، فالظِّلُّ يَبدو ساكنًا وهو مُتحرِّك ، والكَوكبُ يَبدو صغيرًا وهو أعظم مِنَ الأرض . وَمِنْ هُنا يُقَرِّر أنَّ الحِسَّ لا يَصْلُح أساسًا لليقينِ المُطْلَق، غَيْر أنَّه لا يقف عِند هذا الحد ، بَلْ يَتَّجه إلى العقلِ ذَاتِه مُتسائلًا: إذا كُنْتُ قد شككتُ في الحِسِّ بِحُكم العقل ، فما الذي يَمْنع أنْ يَكُون وراء العقل حاكمٌ آخَر يُكذِّبه كما كَذَّبَ العقلُ الحِسَّ ؟ .

     دِيكارت بِدَوْرِه يَجعل مِنْ خِداعِ الحواس نُقْطَةَ انطلاق لِشَكِّه المَنهجي ، ثُمَّ يُوسِّع دائرةَ الشَّكِّ لِيَشمل العقلَ نَفْسَه ، وهُنا يَبْلُغ الشَّكُّ عِند دِيكارت أقصاه ، إذْ لا يَترك حَجَرًا على حجر في بِناء المَعروفةِ المَوْروثة .

     على الرَّغْمِ مِنْ جَذريةِ الشَّكِّ ، فإنَّ الغاية عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَت الهدمَ الدائم ، بَل الوُصول إلى يقين لا يَتَزَعْزَع ، غَيْر أنَّ طريقَ الخُروجِ مِنَ الشَّكِّ يَختلف اختلافًا جَوهريًّا .

     يَصِلُ الغَزَالي إلى قناعة بأنَّ اليقين لا يُنال بالعقلِ المُجرَّد وَحْدَه،بَلْ بِنُورٍ يَقْذفه اللَّهُ في القلب. وهذا لا يَعني إلغاءَ العقل ، بَلْ وَضْعه في حُدوده الطبيعية ، والاعتراف بأنَّ أسمى الحقائقِ تحتاجُ إلى تَطهيرٍ باطني ، وتَجْرِبَةٍ رُوحيَّة. وَمِنْ هُنا كانت الصُّوفية عِند الغَزَالي ذِرْوَةَ طريقِ اليقين، لا باعتبارها نقيضًا للعقل، بَلْ مُكمِّلة له .

     أمَّا دِيكارت ، فيجد نُقْطَةَ اليقينِ الأُولَى في العِبارة : " أنا أُفكِّر ، إذًا أنا مَوجود " . وحتى لَوْ شككتُ في كُلِّ شَيْء، لا أستطيعُ الشَّكَّ في أنَّني أشُكُّ، ولا في أنَّني أُفكِّر . وهَكذا يَبْني دِيكارت نَسَقَه المَعرفي ، مُستندًا إلى بُنيةِ الأفكار ، وإلى إثباتِ وُجود اللَّه بِوَصْفِه الضامن لصدقِ المعرفة ، وعدمِ وُقوعِ العقل في الخِداع الدائم.

     يُعبِّر الشَّكُّ المَنهجي عِند الغَزَالي عَنْ رُؤية تكاملية للعقلِ والواقعِ ، فالعقلُ أداةٌ ضرورية ، لكنَّه لَيْسَ مَصْدَرَ الحقيقةِ النهائية . واليقينُ الأسمى لا يَتحقق إلا بالهِدايةِ الإلهيَّة ، لذلك يَنتهي الغَزَالي إلى مَوقف نَقْدي مِنَ الفلاسفة الذين غَلَّبُوا العقلَ في مسائل تتجاوز حُدودَه ، كما في الإلهيَّات .

     وديكارت يُمثِّل لحظةً مِفْصَلية في تاريخ الفلسفة الغَرْبية ، حيث أصبحَ العقلُ هُوَ نُقْطَةَ الارتكاز الأساسيَّة . صحيحٌ أنَّ دِيكارت لَمْ يُقْصِ الإيمانَ باللَّهِ ، بَلْ جَعَلَه عُنْصُرًا مَركزيًّا في نَسَقِه، غَيْر أنَّ العلاقة بين العقلِ والإيمانِ عِنده تَمُرُّ عَبْرَ البُرهانِ العقليِّ لا التَّجْرِبة الرُّوحيَّة .

     يَلتقي الغَزَالي ودِيكارت في اعتبارِ الشَّكِّ مَنهجًا لا غاية، ونقدِ المَعرفةِ الحِسِّيةِ ، ورفضِ التَّسليمِ للمَوْرُوث، والبحثِ عَنْ يقين أوَّلي تُبْنَى عَلَيْه المَعرفة .

     ويَفْترقان في مَصدرِ اليقين النهائي ، فَهُوَ نُورٌ إلهيٌّ وتَجْرِبة رُوحيَّة عِند الغَزَالي ، مُقَابِل بَداهة عَقْلية عِند دِيكارت. وفي طبيعةِ المَشروع ، فهو رُوحي إصلاحي عِند الغَزَالي ، وعِلْمي فَلْسفي تأسيسي عِند دِيكارت. وفي المَوقفِ مِنَ العقل، فَهُوَ عقلٌ مَحدود يَحتاج إلى تجاوُز عِند الغَزَالي، وعَقْل مُؤسِّس للمعرفة عِند دِيكارت.

     إنَّ الشَّكَّ المَنهجي عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَ مُجرَّد تَمْرين ذِهْني ، بَلْ هُوَ فِعْل فِكْري في مُواجهةِ الزَّيْفِ واليقينِ السهل . كِلاهما يَرى أنَّ الحقيقة لا تُورَث ، بَلْ تُنال بالكِفاحِ العقلي ، والصِّدْقِ الداخلي ، إلا أنَّ الغَزَالي يَعْتبر أنَّ العقل _ مَهْمَا بَلَغَ _ يَظَلُّ مُحتاجًا إلى نُورٍ أعلى ، بَيْنما يُصِرُّ دِيكارت على أنَّ في العقلِ ذَاتِه بَذْرَةَ الخَلاصِ المَعرفي .

04‏/02‏/2026

فضيحة إبستين حين تعجز الدولة عن محاسبة النخبة

 

فضيحة إبستين حين تعجز الدولة عن محاسبة النخبة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..............

     لَم تَكُن قضية جيفري إبستين مُجرَّد فضية أخلاقية عابرة ، بل تحوَّلتْ إلى مِرْآة كاشفة لخلل عميق في بُنية العدالة داخل الدولة الحديثة ، حين تتقاطع الثروة والنفوذ مع السياسة والأمن والإعلام . والقضية _ بما حملته من اتهامات بالاتجار الجنسي بالقاصرات واستغلال النفوذ _ كشفتْ حدودَ قُدرة الدَّولة في محاسبة النخبة عندما تكون هي المُتَّهَمَة .

     مُنذ بداية التحقيقات،بدا واضحًا أنَّ إبستين لم يكن فردًا معزولًا . شبكة علاقاته شملتْ سياسيين ، ورجال أعمال ، وأكاديميين ، وشخصيات نافذة داخل مؤسسات يُفْتَرَض أنها حارسة للقانون . ومعَ ذلك ، حصل على صفقات قضائية مُخفَّفة بصورة استثنائية ، سمحتْ له بالإفلات من العقاب لسنوات،في سابقة تُقَوِّض مبدأ المُساواة أمام القانون .  هُنا لا تَكمُن الفضيحة في الجريمة وحدها ، بل في النظام الذي سَهَّلَ التغطيةَ عليها .

     تَعكِس هذه القضيةُ نمطًا مُتكررًا في أنظمة ديمقراطية تَدَّعي الشفافية ، حِين يكون المُتَّهَمُون مِنَ الداخل ، تتباطأ العدالة ، وتُفَكَّك القضايا ، وتُعاد صياغة السرديات عبر الإعلام ، ويُخْتَزَل النقاش في تفاصيل ثانوية ، بَينما يُهمَّش جَوهر المُساءلة .

     ومعَ موت إبستين في السجن في ظروف غامضة ، تحوَّلت الحقيقةُ إلى ضحية ثانية ، إذْ أُغْلِقَ باب المُحاكمة ، وبقيتْ أسماء كثيرة خارج دائرة الاتهام .

     الأخطر من ذلك أن هذا العجز لا يَبْدو تقنيًّا بِقَدْرِ ما هو بُنْيوي، فالدَّولة الحديثة _ رغم امتلاكها أجهزة رقابية وقضائية متقدمة _ تبقى أسيرة توازنات القوة . وحين تتداخل المصالح السياسية مع رأس المال ، تُصبح العدالة انتقائية ، ويَغْدو القانون أداةً تُستخدَم ضِد الضعفاء ، وتُعطَّل أمام الأقوياء . وهُنا يتآكل العَقْدُ الاجتماعي ، لأنَّ المواطن يَرى بعينيه أن القواعد لا تُطبَّق على الجميع .

     فضيحة إبستين تطرح سؤالًا جَوهريًّا:هل تستطيع الدولةُ محاسبة النُّخبة حقًّا أَمْ أنَّ النخبة بِحُكْمِ نفوذها تقف فوق الدولة ذاتها ؟. الإجابة لا تتعلق بشخص واحد ، بل بقدرة المجتمعات على فرض الشفافية ، وحماية استقلال القضاء ، وتحرير الإعلام من سَطوة المال والسياسة . من دون ذلك ، ستبقى الفضائح تُدفَن ، وتبقى العدالةُ وعدًا مُؤجَّلًا .

     لَيست فضيحة إبستين استثناءً ، بَلْ هي إنذار شديد الخُطورة ، إنذار بأنَّ دولة القانون لا تُقَاس بِنُصوص الدساتير ، بَلْ بِقُدرتها الفِعْلية على مُحاسبة الأقوياء قبل الضعفاء . وحِين تعجز عن ذلك ، تتحوَّل مِنْ حَكَمٍ عادلٍ إلى شاهدٍ صامتٍ على فسادٍ مُنظَّم ، يَدفع ثَمَنَه المُجتمعُ بأسْره .

03‏/02‏/2026

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

 

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية ، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها . وفي الأدب ، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى .

     في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير ، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة . الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936_ 1972 ) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي ، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه . ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ ، وتَبحثُ عَن العَدالة .

     لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ . فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها ، والأسماءُ التي تتلاشى ، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز ، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ ، وتَشَظِّي هُوِيَّته . والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ . إنَّه تاريخٌ يَنْزِف ، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي .

     على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي ، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر ( 1897 _ 1962 ) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية ، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية .

     في أعماله ، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة . التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ المُتقاطعة ، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي .

     يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية : تَعَدُّد الأصوات ، الانسياب الحُر للوَعْي ، التداخل بين الماضي والحاضر . هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه ، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا ، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ . حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع .

     مِثْل كنفاني ، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية ، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ ، والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق .

     رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر ، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ :

     1_ التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي : في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة ، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط ، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع .

     2_ التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة : كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة ، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ ، لكنَّ النتيجة واحدة : جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ .

     3_ الهُوِيَّة والانتماء : في نُصوصِ الكاتبَيْن ، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة ، وهذا يُشكِّل الفردَ ، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه .

     أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي . كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم ، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه ، ومعَ الآخَرين ، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ .

     مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق ، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية . كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ ، ويَجْعله مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.

     كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية ، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية . والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا عابرة ، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ ، وذاكرةُ الشعب ، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم .

     والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان ، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة . فوكنر في جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية ، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة ، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ .

     يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية ، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ المُهَجَّرِين واللاجئين ، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية ، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ .

     وفي رِواياتِ فوكنر ، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية .

     وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث ، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.