سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

23‏/10‏/2026

عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية

 

عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية


للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................

     إن المشكلة لا تكمن في عدم فوز الكاتب العربي بالجوائز، أو أن الأدب العربي يفتقر إلى الأعمال التي تستحق القراءة خارج حدوده اللغوية والثقافية. المشكلة تبدأ بعد الفوز، حين يكتشف الكاتب أن الجائزة التي حصل عليها لم تفتح له بابَ الترجمة، والكتاب الذي احتفى به جمهور بلده قد يظل مجهولًا لدى القارئ في بلد آخر، والاعتراف الذي ناله في محيطه الثقافي لا يتحول تلقائيًّا إلى حضور في المشهد الأدبي العالمي.

     هُنا تحديدًا يظهر التناقض، هناك جوائز أدبية عربية كثيرة، وبعضها يملك ميزانيات مالية معتبرة وسُمعة واسعة، ويوجد كُتَّاب حصدوا أرفع أشكال التقدير، ومعَ ذلك لا يزال انتقال الأدب العربي إلى اللغات الأخرى محدودًا مقارنة بحجم إنتاجه وتنوعه وامتداده التاريخي.

     هذا التناقض لا يعني أن الجوائز عديمة الفائدة، ولا أن الذين يمنحونها أو يحصلون عليها يفتقرون إلى الكفاءة. المسألةُ أكثر تعقيدًا من ذلك. الجوائز تستطيع أن تمنح كِتابًا قيمة إضافية داخل مجتمع، وتلفت انتباهَ الناشرين والصحفيين والقُرَّاء إليه، وتساعد صاحبه على الاستمرار في الكتابة، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تنشئ سوقًا للكِتاب في الخارج، أو تقنع ناشرًا أجنبيًّا بالمخاطرة بعمل لا يعرف جمهورَه، أو تضمن وجود مترجم قادر على نقل خصوصيته اللغوية والثقافية. وحين نُحمِّل الجائزةَ مهمة لا تملك أدوات إنجازها، فإننا نسيء فهمَ وظيفتها، ثم نستغرب عجزَها عن تحقيق ما لم تُصمَّم له أصلًا.

     هناك مَيل واضح في الخطاب الثقافي العربي إلى التعامل معَ الفوز بجائزة أدبية بوصفه دليلًا كافيًا على أن صاحبها أصبح كاتبًا عالميًّا، أو أنه باتَ قريبًا من هذا الموقع. وقد يكون هذا التصور مفهومًا من الناحية النفسية، فالكاتب الذي أمضى سنوات في العمل، ورُبَّما عانى ضعفَ التوزيع وقلة الاهتمام الإعلامي، يجد في الجائزة اعترافًا مستحقًّا بجهده. كما أن المؤسسة الثقافية التي تمنحها ترغب في رؤية أثرها يتجاوز حدود المناسبة التي أُعلنت فيها النتائج.

     لكن الاعتراف داخل نظام ثقافي لا يساوي الاعترافَ داخل نظام آخر. لكل بيئة أدبية معاييرها ومؤسساتها وطُرقها في اكتشاف الكُتب وتداولها. قد تكون رواية ما موضع إجماع لدى لجنة تحكيم عربية، وتحظى باهتمام نقدي واسع في بلدها، من دون أن يكون لدى الناشر الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني أو الإسباني سبب كافٍ لنشرها. ليس بالضرورة لأن الرواية أقل جودة، بل لأن الناشر يعمل ضمن سوق لها حساباتها، ويحتاج إلى معرفة الجمهور المحتمل، وتكلفة الترجمة، وإمكانات التوزيع، وفرص المراجعات الصحفية، وموقع الكِتاب بين مئات العناوين التي تتمُّ المنافسة عليها سنويًّا.

     الجائزة في أفضل حالاتها، تُقَدِّم إشارةً إلى قيمة الكِتاب، لكنها لا تضمن أن هذه الإشارة ستصل إلى الأشخاص القادرين على تحويلها إلى مشروع نشر فِعلي. وقد يعرف القارئ العربي اسمَ الفائز وروايته وملخصها، بينما لا يعرف الناشرُ الأجنبي طبيعةَ العمل، وهويةَ الكاتب، والجائز التي فاز بها. والفوزُ بالجائزة لا يردم الهُوَّةَ العميقة بين المعرفة المحلية والجهل الخارجي.

     وهُنا ينبغي التمييز بين أمرين في غاية الأهمية ويُخلَط بينهما دائمًا، أن يكون الكاتب جديرًا بالقراءة، وأن تتوافر الظروف التي تجعل قراءته ممكنة في لغات أخرى. الأمرُ الأول يتعلق بالعمل الأدبي وما يملكه من قيمة فنية وإنسانية وفكرية، أمَّا الأمرُ الثاني فيتعلق بسلسلة كاملة من القرارات والعلاقات والموارد. وقد يتحقق الأول بدون الثاني لسنوات طويلة.

     والمشكلة الأساسيَّة هي الطريقة التي تتعامل بها بعضُ المؤسسات معَ الجوائز، حيث يُنظَّم الحفل، وتُنشَر الأخبار، وتُجرَى المقابلات، وتُلتقَط الصور، ثم ينتهي الحدث، ويعود الكاتب إلى حياته المعتادة، فيما ينشغل الوسطُ الثقافي بانتظار الجائزة التالية. في هذه الحالة يصبح الفوزُ بالجائزة مناسبة إعلامية محدودة وعابرة بدون تأثير على أرض الواقع، وليس بداية برنامج طويل يهدف إلى توسيع انتشار الكِتاب، وإيصال الكاتب إلى اللغات الأجنبية.

     إذا كانت المؤسسة مقتنعة بأن العمل الفائز يستحق أن يُقْرَأ خارج اللغة التي كُتب بها، فمن المنطقي أن تضع الترجمةَ ضمن خطتها، وعدم تركها لاحتمالات السوق أو مبادرات الناشرين. ويمكن أن يبدأ ذلك بتوفير عَيِّنة مُترجَمة ترجمة احترافية، وإعداد ملف متكامل عن الكِتاب والمؤلف، والتواصل معَ دور نشر أجنبية مناسبة، وتقديم دعم مالي لترجمة العمل كاملًا، ومتابعة مراحل النشر والتوزيع بعد توقيع العقود. ولا يكفي أن يُترجَم الكِتاب إلى لغة أخرى ثم يُترَك بدون متابعة. الترجمةُ ليست عملية منفصلة عن النشر، إنها جزء من مشروع يحتاج إلى محرر يفهم النص، وناشر يعرف كيف يُقَدِّمه، وغلاف وعنوان مناسبين للسوق المُستهدَفة، وتوزيع يسمح بوصوله إلى المكتبات، وتواصل إعلامي يُعرِّف به بدون أن يُحوِّله إلى مادة دعائية سطحية.

     وقد تصدر رواية عربية في ترجمة جيدة، لكنها لا تحصل على مراجعات نقدية، ولا تصل إلى المهرجانات الأدبية، ولا تُعرَض على نوادي القراءة، ولا تجد مَن يتحدث عنها في الصحافة الثقافية، وهكذا تصبح الرواية العربية يتيمة ومقطوعة، وبعد ذلك يُقَال إن الرواية فشلتْ عالميًّا، معَ أن ما حدث قد يكون ببساطة أنها لَم تحصل على فرصة حقيقية للظهور، ولم يتم تسليط الضوء الإعلامي عليها.

     إنَّ إصدار الكِتاب في الخارج خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. النشر لا يعني التوزيعَ، والتوزيع لا يعني القراءةَ، والقراءة لا تعني أن يتحول الكاتب إلى اسم معروف. لكلِّ مرحلة شروطها وضوابطها وأبعادها وتأثيراتها. وإذا توقفت الجهود عند مرحلة واحدة، فلا يمكن تحميل النص وحده مسؤولية النتيجة.

     مِن الأخطاء الشائعة أن نتحدث عن الأدب العالمي كما لو أنه فضاء مفتوح تتساوى فيه جميع اللغات والكُتب، ثم نتساءل لماذا لا يصل الكاتب العربي إلى المكانة التي يستحقها. الواقع أن حركة الترجمة والنشر تتأثر بفوارق اقتصادية ومُؤسَّسية كبيرة. بعض اللغات تتمتع بصناعات نشر ضخمة، وأسواق كثيرة، وشبكات واسعة من الوكلاء الأدبيين والمحررين والمراجعين والنقاد، وقدرة أكبر على تصدير كُتبها إلى لغات أخرى. أمَّا اللغات التي لا تمتلك القوةَ الاقتصادية نفسها، فتحتاج إلى جهود إضافية كي تصل أعمالها إلى القراء خارج حدودها.

     اللغة الإنجليزية مثلًا ليست مجرد لغة يتحدث بها عدد كبير من الناس، إنها أيضًا لغة مركزية في سوق النشر الدولي، والصحافةِ الثقافية، والجامعاتِ والمؤسسات التي تساهم في تحديد الكُتب التي تستحق الاهتمام. وهذا لا يعني أن الكِتاب الذي لا يُترجَم إلى الإنجليزية محكوم بالبقاء مجهولًا، أو أن الانتشار العالمي لا يتحقق إلا عبرها، لكنه يعني أن الترجمة إلى اللغات الأكثر تأثيرًا في حركة النشر تمنح الكِتابَ فُرصًا إضافية للوصول إلى جمهور أوسع وأسواق أكثر.

     في المقابل، لا يستطيع الناشرُ الأجنبي أن يتعامل معَ كُل كتاب عربي بوصفه فرصة تجارية مضمونة. الترجمة مكلفة، وتسويق الأدب المُترجَم يحتاج إلى وقت، والقُرَّاء لا يشترون الكُتبَ بناءً على جودتها وحدها، بل يتأثرون أيضًا بما يعرفونه عن الكاتب، وبما تقترحه عليهم الصحافة والنقاد والمكتبات، ومدى حضور الكِتاب في المجال الثقافي المحيط بهم.

     ولا تكفي مطالبة الناشرين الأجانب بأن يمنحوا الأدبَ العربي ما يستحقه. يمكن توجيه هذه المطالبة من باب العدالة الثقافية، لكنها لا تُغيِّر وحدها آليَّات السوق. المطلوب هو بناء أسباب عمليه تجعل الاهتمامَ بالأدب العربي ممكنًا ومستمرًّا، مِثل: توفير ترجمات جيدة، وتسهيل الحصول على حقوق النشر، ودعم الوكلاء والمترجمين، وإنشاء علاقات طويلة الأمد معَ دور النشر الأجنبية، وتقديم الأعمال إلى المحررين المناسبين، ومساعدة الكُتب على الوصول إلى المراجعات والفعاليات التي تتيح لها أن تُكتشَف، وتَسمح لها بالانتشار الواسع والتأثير الهائل.

     ولا بد من الاعتراف بأن دور النشر الأجنبية ليست جمعيات خيرية، ولا مؤسسات للصدقات والمساعدات، ولا منظمات غير ربحية، لكنها ليست كتلة واحدة أيضًا. بعضها يهتم بالأدب المُترجَم بوصفه جزءًا من رسالته الثقافية، وبعضها يبحث عن أعمال ذات فرص تجارية واضحة، وبعضها يتخصص في آداب مناطق مُعيَّنة. وفهمُ هذه الاختلافات ضروري، لأن تقديم رواية إلى دار نشر لا تهتم بهذا النوع من الأدب يُشبِه طرقَ باب لا يريد صاحبُه أن يفتحه.

     قد يفوز الكاتبُ العربي بجائزة مرموقة، ويحصل على ترجمة لعمله، ثم يظل النص عاجزًا عن الوصول إلى القارئ الأجنبي بالصورة التي يستحقها. وهُنا تبرز مشكلة لا تقل أهمية عن التمويل والنشر والتوزيع، وهي جودة الترجمة نفسها.

     والأدبُ ليس مجموعة من المعاني يمكن نقلها من لغة إلى أخرى بدون أن يتغير شيء. في الرواية، قد تَحمل كلمة عاميَّة إشارةً إلى الطبقة الاجتماعية أو المنطقة أو العُمر أو العلاقة بين شخصيتين. وقد تتضمن جملة قصيرة تاريخًا من العادات أو المواقف السياسية أو التوترات الدينية والاجتماعية التي يفهمها القارئ العربي بدون شرح، أمَّا القارئ الذي لا يعرف هذه الخلفية، فقد يقرأ الجُملةَ نفسها بدون إدراك ما تَحمله مِن دَلالات عميقة وأبعاد خطيرة.

     والمترجمُ الجيد لا يكتفي بإيجاد مقابلات لغوية صحيحة، إنَّه يحتاج إلى فهم إيقاع النص، وأصوات شخصياته، ومرجعياته الثقافية، وما يقوله صراحة وما يتركه للقارئ كي يستنتجه. وقد يتطلب ذلك بحثًا طويلًا، وحوارًا معَ الكاتب، ومراجعة تحريرية دقيقة. وبدون هذه العناية الفائقة، يمكن أن تتحول الرواية إلى نص مفهوم من الناحية اللغوية، لكنه ضعيف من الناحية الأدبية.

     والأدبُ العربي ليس مُضطرًّا إلى التخلي عن خصوصيته كي يصبح مقروءًا. وليس مطلوبًا من الكاتب أن يشرح كُلَّ عادة محلية، أو يخفف كُلَّ إشارة ثقافية، أو يعيد كتابة شخصياته وفق ما يتوقعه جمهور آخر. هذه المطالب تجعل النص أسهل تسويقًا في بعض الحالات، لكنها تسلبه هُويته الفنية المميزة. والمطلوب هو نقل التجربة الأدبية بأكبر قَدْر ممكن من الدقة والقدرة على التأثير، وليس تحويلها إلى نُسخة تتحدث بلسان ثقافة أخرى. والقارئ الأجنبي قادر على التعامل معَ تفاصيل لا يعرفها مسبقًا، شريطة أن يجد في النص ما يَستحق جهده، وأن تساعده الترجمة على الدخول إلى عالَمه بدون أن تفرض عليه شروحًا متواصلة.

     ومِن هُنا تأتي أهمية الاستثمار في المترجمين المتخصصين في الأدب العربي، وليس الاكتفاء بمن يتقن اللغتين بصورة عامَّة. المعرفةُ اللغوية وحدها لا تضمن القدرة على ترجمة رواية تاريخية، أو نص تجريبي، أو حوار شديد الارتباط بلهجة محلية. كما أن الترجمة تحتاج إلى محررين وناشرين يمنحون المترجمَ الوقتَ والموارد اللازمة، بدل التعامل معها بوصفها بندًا يمكن تقليص تكلفته كلما ضاقت الميزانية.

     وإذا كانت الجوائز الأدبية العربية جادَّة في الحديث عن العالمية، فإن دعم الترجمة ينبغي أن يكون من أولوياتها، وليس خدمة ثانوية تُقَدَّم حين تسمح الظروف.

     والأعمال الأدبية تختلف في بنيتها وموضوعاتها وأساليبها، كما تختلف طُرق استقبالها بين الثقافات. لكن من الضروري التمييز بين كتابة تنطلق من حاجة فنية حقيقية إلى التعبير، وكتابة تحاول توقُّعَ ما يريد الناشر الأجنبي أن يراه في الأدب العربي.

     حين يتحوَّل تصوُّر السوق إلى مرجع أساسي في بناء النص، قد يجد الكاتبُ نفسه يعيد إنتاج صور جاهزة عن مجتمعه، مِثل: الصراع السياسي، والحروب، والقمع، والاضطرابات الدينية، والعنف الاجتماعي. هذه موضوعات حقيقية، وهناك أعمال عربية تناولتها بعُمق، ولا توجد مشكلة في أن تحظى باهتمام عالمي. المشكلة تبدأ حين تصبح هذه الموضوعات هي الطريق الوحيد المُتخيَّل إلى القارئ الأجنبي، وحين يُفْتَرَض أن الأدب العربي لا يستحق الانتباه إلا إذا قدَّم صورةً استثنائية عن مجتمع مُضطرب، أو كشفَ جانبًا مظلمًا لا يَعرفه الآخرون.

     والحياةُ العربية لا تختصرها الحروب، كما لا تختصرها الحكايات العائلية، أو المدن القديمة، أو العلاقات الاجتماعية. فيها العمل والبطالة، والزواج والعنوسة، والغنى والفقر، والعدل والظلم، والطبقات الجديدة، والتغيرات التقنية، والوحدة، والحُب، والشيخوخة، والقلق الاقتصادي، والتحولات في اللغة، والعلاقات بين الأجيال، والأسئلة التي يواجهها الإنسان حين تتغير شروط حياته. ويمكن للأدب أن يتناول هذه المسائل بِطُرق مختلفة، بدون أن يتحوَّل إلى تقرير عن المجتمع، أو محاولة لتقديمه إلى جمهور خارجي، للحصول على مصالح شخصية.

     العالميَّة ليست أن يتنازل الكاتبُ عن بيئته كي يصبح مفهومًا في الخارج، أو يُصر على خصوصيته بطريقة تجعل النص مغلقًا أمام كُلِّ مَن لا يعرف خلفيته،وإنما هي أن يكتب عملًا يملك منطقه الفني الخاص، ويثق بقدرة التجربة الإنسانية على تجاوز حدودها المباشرة، من دون أن يتظاهر بأن الفروق الثقافية غير موجودة.

     ولا تستطيع الجائزة أن تضمن تحقُّق ذلك. يمكنها أن تكافئ نصًّا جيدًا، لكنها لا تستطيع أن تقرر مسبقًا كيف سَيُقْرَأ في ثقافة أخرى، ولا تضمن أنَّ ما أثَّر في لجنة تحكيم عربية سيؤثِّر بالطريقة نفسها في قارئ يعيش في سياق مختلف.

     والجوائز ليست معزولة عن المؤسسات والناشرين والذائقة النقدية والعلاقات المهنية، وهي تتخذ قراراتها ضمن تصورات مُعيَّنة عن الأدب الجيد، والأنواعِ التي تستحق الاهتمام، والمعاييرِ التي ينبغي الاحتكام إليها. وتكرار فوز أنماط متشابهة من الكُتب يترك انطباعًا بأن هناك صيغة بِعَينها للنجاح الأدبي، وأن الكاتب الذي يريد الحصول على الاعتراف ينبغي أن يقترب منها. ومعَ مرور الوقت، يمكن أن تتأثر اختيارات الناشرين والكُتَّاب والنقاد بهذا الانطباع، حتى من دون وجود توجيه مباشر أو اتفاق مسبق.

     وتزداد المشكلة حين يُستخدَم الفوز بالجائزة باعتباره دليلًا نهائيًّا على جودة العمل، بدل التعامل معه بوصفه حُكمًا نقديًّا مهمًّا، لكنه قابل للنقاش. فالجائزة لا تلغي اختلاف الأذواق، ولا تنهي النقاش حول القيمة الفنية، ولا تجعل الكِتاب الفائز أفضل بالضرورة من كُل كتاب لم يصل إلى القائمة القصيرة.

     والتنوع الأدبي لا يتحقق بمجرد وجود عدد كبير من الجوائز،فقد تتعدد المؤسسات، وتتشابه معاييرها وشروطها، وقد تتوزع الجوائز على بلدان مختلفة بينما تظل أنواع أدبية كاملة خارج دائرة الاهتمام.كما قد تحظى الرواية بحصة واسعة من الاعتراف الإعلامي، في حين يبقى الشعر والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال والكتابة التجريبية أقل حضورًا في برامج الدعم والترجمة.

     يحتاج الكاتب إلى ناشر يستطيع الاستثمارَ في عمله، ومحرر يناقشه بجدية، ووكيل أدبي يعرف أسواقَ النشر، ومترجم يحسن نقلَ النص، ومؤسسة تساعد على تأمين الحقوق والتمويل، وصحافة ثقافية تتعامل معَ الكِتاب باعتباره عملًا يستحق القراءة لا خبرًا عابرًا. ويحتاج أيضًا إلى فرص للمشاركة في اللقاءات والمهرجانات والبرامج التي تجمع الكُتَّاب والمترجمين والناشرين، حيث تنشأ علاقات مهنية تؤدي لاحقًا إلى نشر أعمال جديدة.

     كما أن ظروف النشر العربي ليست متساوية. هناك تفاوت في حجم الأسواق، وقدرة المؤسسات على التمويل، واستقرار دور النشر، وإمكانات التوزيع، وحرية الحركة والمشاركة في الفعاليات الثقافية. وقد يواجه الكاتبُ صعوبات في الحصول على حقوقه، أو متابعة عقود النشر، أو بناء علاقات مهنية خارج بلده. وهذه العقبات لا تُحَل بإعلان فوزه بالجائزة مهما كانت قيمتها.

     وتتطلب معالجة المشكلة النظر إلى الكاتب بوصفه جزءًا من بيئة ثقافية، وليس شخصًا ينبغي أن يتحمل وحده مسؤولية إخفاقات تلك البيئة. وإذا أردنا رؤية أعمال عربية أكثر حضورًا في اللغات الأخرى، فلا بد من الاستثمار في المؤسسات التي تجعل هذا الحضور ممكنًا، وبناءِ علاقات تستمر بعد انتهاء دورة الجائزة، أو مغادرة الكاتب للمهرجان.

     من الضروري أيضًا أن نعيد النظرَ في الطريقة التي نقيس بها النجاحَ العالمي. عدد الترجمات مهم، لكنه لا يكفي وحده. قد يُترجَم كِتاب إلى لغات متعددة ضمن اتفاقات دعم ثقافي، ثم لا يحظى بقراءة تُذكَر. وقد تنشر دار صغيرة رواية بلغة واحدة، لكنها تجد جمهورًا كبيرًا، وتحصل على مراجعات نقدية مهمة، وتؤثِّر في كُتَّاب آخرين، أو تدخل في برامج جامعية. وهذا يُوضِّح الحضورَ الأدبي الحقيقي لا الشعاراتي.

     ويجب التمييز بين شهرة الكاتب وانتشار الكِتاب. قد يُدعَى مؤلف إلى مهرجان دولي، ويُجري مقابلات، ويحصل على اهتمام إعلامي، بينما لا تتوفر كُتبه في الأسواق التي زارها. وقد يحقق كِتاب انتشارًا جيدًا بدون أن يصبح مؤلفه شخصية معروفة لدى الجمهور العام. وهذا يُشير إلى أن لكل نتيجة شروط مختلفة، ولا يصح التعامل معها بوصفها شيئًا واحدًا. والهدف ليس تحويل الأدب إلى مشروع تسويقي محض، أو إخضاع قيمته للأرقام، وإنما معرفة ما إذا كانت الموارد التي تُنفَق على الترجمة والترويج تؤدي إلى نتائج حقيقية، وما إذا كان الكاتب يجد بعد انتهاء الاحتفاء الأول فرصة للاستمرار. وإذا كانت الجوائز الأدبية العربية تريد أن تؤدي دورًا يتجاوز الاعترافَ المحلي، فعليها أن تبدأ بتحديد ما تستطيع فِعْلَه على أرض الواقع، ثم بناء برامج تتناسب معَ هذه القدرة. ليس مطلوبًا من كل جائزة أن تتحول إلى دار نشر دولية، لكن من الممكن أن تتعاون معَ مؤسسات متخصصة في الترجمة والتوزيع، وتجعل من الفوز بداية لمسار واضح بدل أن تكتفي بالمكافأة المالية والإعلان الإعلامي.

     أوَّل ما ينبغي التفكير فيه هو الترجمة الاحترافية. يمكن لكل جائزة أن تخصص جزءًا من مواردها لترجمة الأعمال الفائزة إلى لغة أو لغتين، على أن يجري اختيار اللغات بناءً على فرص النشر الفعلية واهتمامات الناشرين، وليس على أساس أن لغة بِعَينها هي الطريق الوحيد إلى العالَم. كما يمكن إنشاء صندوق مشترك بين الجوائز العربية لتمويل ترجمات ذات جودة عالية، بحيث تتوزع التكلفة، وتزداد فرص دعم أعمال من بلدان وتجارب أدبية مختلفة.

     ثانيًا: تحتاج الجوائز إلى بناء علاقات مستمرة معَ الناشرين والوكلاء والمترجمين. يمكن تنظيم لقاءات مهنية تتيح لهم الاطلاع على الأعمال المرشحة قبل إعلان النتائج، وتوفير ملفات تحريرية دقيقة عن الكُتب، وتقديم عَيِّنات مترجمة، وتسهيل التواصل بشأن حقوق النشر. ويجب ألا تتحول هذه اللقاءات إلى اجتماعات بروتوكولية، وإنما يجب أن تكون فُرصًا حقيقية لمناقشة الكُتب، وتقييم إمكانات نشرها بصورة عملية.

     ثالثًا: ينبغي أن تمتد المسؤولية إلى ما بعد توقيع عقود الترجمة. فالكِتابُ يحتاج إلى خطة نشر وتوزيع وتواصل نقدي تناسب طبيعته والسوقَ التي يتوجه إليها. ويمكن للمؤسسة أن تساعد في التعريف به لدى الصحافة الثقافية، وتتيح للكاتب والمترجم المشاركة في فعاليات مناسبة، وتتابع النتائج لمعرفة ما نجح وما لم ينجح. وليس المقصود شراء الاهتمام الإعلامي، أو فرض الكِتاب على القراء، وإنما توفير فرصة عادلة لكي يصل إليهم.

     رابعًا: من المهم ألا ينحصر الدعم في الفائز الأول. قد تحتوي القوائم القصيرة على أعمال ذات قيمة كبيرة، وقد تكون بعض الكُتب أكثر ملاءمة للترجمة إلى لغة مُعيَّنة من الكتاب الفائز. وإذا كان الهدف هو توسيع حضور الأدب العربي، فمن المنطقي أن يُتاح للناشرين الأجانب الاطلاع على مجموعة أوسع من الأعمال، معَ احترام استقلالية قراراتهم، وعدم تحويل الدعم إلى التزام بنشر كُتب لا يريدونها.

     خامسًا: يجب أن تتعامل الجوائز معَ المترجم بوصفه شريكًا في المشروع الأدبي، وليس وسيطًا يمكن الاستغناء عن رأيه بعد إنجاز النص. المترجم يمتلك معرفة دقيقة بما يصعب نقله، وبما يحتاج إلى مراجعة أو تحديد سياق له، وبالأنواع الأدبية التي يمكن أن تجد قراء في سوق مُعيَّنة. إشراكه في مرحلة مبكرة يوفِّر الوقتَ والمال، ويُحسِّن فرصَ نجاح الكِتاب بعد نشره.

     سادسًا: ينبغي أن تكون هناك شفافية في إعلان النتائج المتعلقة بالترجمة. إذا دعمت الجائزةُ عشرة كُتب،فمن المفيد أن توضِّح أيها تُرجم، وأين نُشر، وما العقبات التي حالت دون نشر البقية. وإذا لم تحقق المبادرةُ أهدافَها، فالأفضل الاعتراف بذلك وتعديلها بدل الاستمرار في تكرار الخطاب نفسه.

     هذه الخطوات لا تضمن أن يصبح كل كاتب عربي معروفًا عالميًّا. الأدبُ لا يعمل وفق معادلات مضمونة، وقد يفشل مشروع نشر مدروس رغم جودة العمل، كما قد ينجح كِتاب لم يكن أحد يتوقع له انتشارًا واسعًا. لكن الفرق كبير بين نتيجة غير مضمونة وغيابِ الجُهد المنظم. الأُولى جزء طبيعي من الحياة الأدبية، أمَّا الثانية فهي مشكلة يمكن معالجتها. وليس المطلوب ضمان النجاح، وإنما توفير الشروط التي تجعل السعيَ إليه ممكنًا ومُنَظَّمًا وقابلًا للتطوير.

     لا تقع المسؤولية كُلُّها على الجوائز. الناشر العربي يؤدي دورًا أساسيًّا في تحديد قدرة الكِتاب على عبور الحدود،لأنه يمتلك حقوق النشر،أو يتولى إدارتها، ويعرف تاريخ العمل وظروف إنتاجه، ويمكنه أن يكون نقطة الاتصال الأُولى معَ الناشرين الأجانب. وإذا لم تكن لديه ملفات واضحة عن كُتبه، أو لم يستطع تحديدَ الحقوق المتاحة،أو لم يكن مستعدًّا للتفاوض على شروط الترجمة، فقد تضيع فرصة مهمة قبل أن تبدأ.

     ومن المفيد أن تستثمر دور النشر في إعداد فهارس حقوق نشر احترافية، وتوفِّر ملخصات وعَيِّنات مترجمة لأعمالها، وتتعامل معَ الوكلاء الأدبيين بجدية، وتتابع العقودَ التي تُوقِّعها بدل اعتبارها إنجازًا ينتهي عند التوقيع. كما أن التعاون بين دور النشر العربية يساعد في تقديم قوائم أوسع وأكثر تنوعًا من الأعمال، بدل أن تعمل كل دار بمعزل عن الأخرى.

     أمَّا الكاتب، فلا ينبغي أن يُطلَب منه أن يصبح مدير تسويق لنفسه، أو يقضي وقته في ملاحقة الناشرين بدل الكتابة. ومعَ ذلك، فإن معرفة حقوقه، وفهم أساسيَّات عقود النشر والترجمة، والاحتفاظ بسجل واضح لأعماله وطبعاتها، والمشاركة في اللقاءات المهنية المناسبة، كلها أمور يمكن أن تساعده على حماية عمله والاستفادة من الفرص المتاحة.

     ومن المهم أيضًا أن يتعامل الكاتب معَ الترجمة بوصفها عملية مستقلة تحتاج إلى تعاون وثقة. قد يختلف معَ المترجم في اختيار كلمة أو صياغة جُملة، وهذا أمر طبيعي، لكن العلاقة الناجحة لا تقوم على افتراض أن الكاتب وحده يعرف كيف ينبغي أن يظهر النص في اللغة الأخرى. المترجم يمتلك أدواته وخبرته، والهدف المشترك هو إنتاج عمل أمين فنيًّا، وقادر على التواصل معَ قارئ جديد.

     ولا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى تحسين أدوات النشر والتواصل إلى لوم للكاتب الذي لم يصل إلى الخارج، فليس كل كاتب يملك الوقتَ أو الموارد أو العلاقات اللازمة لذلك، وليس من واجبه أن يُعوِّض بمفرده نقص المؤسسات. الأفضل هو بناء منظومة تجعل الوصولَ إلى النجاح ممكنًا بدون اشتراط امتلاك الكاتب مهارات إضافية لا علاقة لها بموهبته الأدبية.

     رُبَّما كان الخطأ الأكبر هو أننا نطلب من الجائزة أن تثبت أكثر مِمَّا تستطيع إثباتَه. نمنحها مكانة رمزية كبيرة، ثم نتوقع منها أن تحل مشكلات الترجمة والنشر والتوزيع والتسويق والتلقي النقدي. وعندما لا يحدث ذلك، ننتقل إلى الطرف المقابل، ونُشكِّك في قيمة الجوائز كُلِّها، كما لو أن الفشل في تحقيق هدف واحد يلغي كُلَّ ما يمكن أن تقدِّمه من فوائد.

     الجائزة تستطيع أن تكون أداة مهمة لاكتشاف الكِتاب، وتمنحه فرصة إضافية، وتساعده على الوصول إلى الناشرين والقراء. لكنها لا تملك سُلطة تقرير ما سيقرؤه العالَم، ولا تستطيع أن تصنع ذائقة نقدية، أو سوقًا أدبية من تلقاء نفسها. وكلما كان هذا الحد واضحًا، أمكنَ بناء توقعات واقعية، وبرامج قابلة للتقييم. كذلك لا ينبغي أن نربط العالمية بالحصول على جائزة أجنبية، أو بالظهور في قائمة دولية مشهورة. قد يكتسب الكاتبُ حضورًا عابرًا للغات من خلال أعماله المترجمة، أو تأثيره في كُتَّاب آخرين، أو حضوره في الجامعات والمجلات المتخصصة، بدون أن يفوز بجائزة دولية كبيرة. وقد يحصل كاتب على تكريم عالمي، ثم يتراجع حضور أعماله لاحقًا. المسألة ليست لقبًا يُمنَح مَرَّةً واحدة، وإنما علاقة تتشكل تدريجيًّا بين النص والقراء والمؤسسات الثقافية. ومن المهم أيضًا ألا نستخدم محدودية انتشار الأدب العربي دليلًا على أن الأدب نفسه أقل قيمة من الآداب الأخرى. ضعفُ الحضور الخارجي يعكس تفاوتًا في الموارد وشبكات النشر وفرص الترجمة، لكنه لا يثبت تراجعَ الأدب العربي من الناحية الفنية. الحُكم على الأعمال يحتاج إلى قراءة ومقارنة ونقد، ولا يستند إلى عدد اللغات التي تُرجمت إليها.

     ولا بد من الاعتراف بأن العالمية ليست حقًّا يمكن ضمانه لكل كاتب، أو نتيجة يمكن توزيعها بعدالة حسابية.هناك أعمال جيدة لن تجد جمهورًا واسعًا، وأعمال أخرى ستنجح لأسباب متعددة، بعضها فني، وبعضها مرتبط بالتوقيت والظروف والفرص، غَير أن غياب الضمان لا يلغي مسؤولية المؤسسات عن توفير الشروط التي تجعل الفرصة ممكنة.

     إن عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية ليس حُكمًا نهائيًّا على الجوائز، والأدبِ العربي، وإنما هو وصف للفجوة بين الاعتراف بالقيمة وبناء شروط انتشارها. والاعتراف بهذه الفجوة هو الخطوة الأولى لتجاوزها. ولن يصبح الأدب العربي حاضرًا في العالَم لمجرد أننا نملك جوائز كثيرة، أو نعلن كل عام عن فائز جديد، أو نكرر أنَّ لَدَينا تراثًا أدبيًّا غنيًّا. سيصبح أكثر حضورًا حين تتحول الجوائز من محطات احتفاء منفصلة إلى جزء من عمل ثقافي متواصل، وحين تتعاون المؤسسات والناشرون والمترجمون والكُتَّاب على إزالة العقبات التي يمكن إزالتها، وحين نقيس النجاح بما يصل فعلًا إلى القراء، وليس ما يُقَال في حفلات التكريم.

     وعندها لن يكون السؤال عن الكاتب العربي الذي لم يصل إلى العالمية سؤالًا عن موهبته وحدها، بل عن الطريق الذي أُتيح له أن يَسلكه، والأبوابِ التي فُتحتْ أمامه، والجهودِ التي بُذلتْ كي يُقْرَأ عمله خارج لغته. وبين أن يستحق الكِتاب القراءة وأن يجد من يقرؤه فرقٌ حقيقي، ولا يمكن لأية جائزة مهما كانت مكانتها أن تلغي هذا الفرق بمفردها.

20‏/10‏/2026

تزويد إيران للحوثيين بإحداثيات المواقع السعودية

 

تزويد إيران للحوثيين بإحداثيات المواقع السعودية

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     إن تزويد إيران للحوثيين بإحداثيات المواقع السعودية ليس مجرد نقل للمعلومات من طرف إلى آخر، ولا يمكن اعتبار هذه العملية تفصيلًا تقنيًّا صغيرًا في سياق الصراع الإقليمي الدائر في المنطقة. إنها قضية تمس أمن السعودية، واستقرار المنطقة، وطبيعة الدور الذي تؤديه المعلومات الاستخباراتية في الحروب الحديثة، كما تطرح سؤالًا جوهريًّا حول حدود الدعم الذي تقدمه الدول للجماعات المسلحة، والمسؤولية المترتبة على تحويل المعلومات إلى وسيلة تهدد أمن الدول وسلامة المدنيين.

     في الحروب القديمة، كان الوصول إلى مواقع الخصم يتطلب استطلاعًا ميدانيًّا، ومراقبة طويلة، وتحركات قد تعرِّض الجنود للخطر. أمَّا في الحروب الحديثة، فقد أصبحت المعلومات الدقيقة قادرة على اختصار مسافات شاسعة، وتقليص الوقت اللازم لاتخاذ القرار، وتحويل موقع كان بعيدًا عن متناول المهاجم إلى هدف يمكن استهدافه عن بُعد. وهُنا تتضاعف أهمية الإحداثيات الجغرافية، فهي ليست أرقامًا على شاشة فحسب، وإنما أيضًا معلومات تُستخدم لتحديد مواقع منشآت عسكرية، أو بنى تحتية، أو مرافق حيوية، وقد تكون لها عواقب مباشرة على حياة البشر وأمن المجتمعات.

     تزويد إيران للحوثيين بمعلومات وإحداثيات عن مواقع داخل السعودية يُعتبر جزءًا من ملف أوسع يتعلق بالدعم العسكري والتقني الإيراني للجماعة، وطبيعة العلاقة بين الطرفين، ومدى انعكاسها على الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية.

     ينبغي إدراك أن الإحداثيات الجغرافية ليست معلومات عادية عندما تدخل في سياق العمليات العسكرية. قد تكون معرفة الموقع الدقيق لمنشأة ما عاملًا مؤثرًا في تحديد قدرة المهاجم على الوصول إليها، خصوصًا عندما تقترن هذه المعرفة بوسائل استطلاع حديثة، وقدرات على توجيه الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ومعلومات عن طبيعة الهدف وأهميته.

     لكن الإحداثيات وحدها لا تضمن نجاح أي هجوم، فالنتيجة تعتمد على عوامل متعددة، منها دقة المعلومات، ونوع السلاح المستخدم، والقدرات الفنية المتاحة، والإجراءات الدفاعية التي تتخذها الدول المُستهدَفة. لهذا فإن القيمة الحقيقية للمعلومات الاستخباراتية تكمن في قدرتها على دعم القرار العسكري، وتكاملها معَ بقية القدرات.

     وتقديم معلومات دقيقة عن المواقع السعودية إلى جماعة مسلحة ينبغي التعامل معه بوصفه مسألة أمنية جدية وشديدة الخطورة، وليس مادة للسجال السياسي.

     إن تناول مسألة الإحداثيات لا يمكن فصله عن الخلفية العسكرية والتقنية للعلاقة بين إيران والحوثيين. فقد تناولت تقارير دولية وأبحاث متخصصة أوجه الدعم الذي تلقاه الحوثيون، بما في ذلك الأسلحة والمكونات التقنية والمعرفة اللازمة لتطوير قدراتهم الصاروخية والجوية. وهُم لا يمتلكون، من دون دعم خارجي، القدرةَ على تطوير وإنتاج منظومات الأسلحة المعقدة التي يستخدمونها.

     قد يتصور البعض أن الخطر الأكبر يكمن في تزويد جماعة مسلحة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وأن بقية أشكال الدعم تأتي في مرتبة أقل أهمية، غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية في الحروب الحديثة، وهي أن السلاح لا يعمل في فراغ، وإنما يعتمد على منظومة من المعلومات والتدريب والتخطيط والقدرة على اتخاذ القرار.

     ومن المهم عدم اختزال المشهد في افتراض أن كل عملية حوثية تصدر بالضرورة عن قرار إيراني مباشر. فالعلاقات بين الدول والجماعات المسلحة تجمع بين الدعم الخارجي، والتقارب السياسي، والتنسيق العسكري، والمصالح المشتركة، مع احتفاظ الجماعة المحلية بدرجات متفاوتة من الاستقلال في اتخاذ القرار.

19‏/10‏/2026

تأثير الطلاق في تمرد الكاتبات العربيات على قيم المجتمع

 

تأثير الطلاق في تمرد الكاتبات العربيات على قيم المجتمع

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     الطلاق في حياة المرأة العربية ليس انفصالًا بين زوجين فحسب، ولا هو نهاية علاقة عاطفية لم تنجح في الاستمرار كما يحدث في أيِّ مكان مِن العالَم. في مجتمعات عربية كثيرة، يتجاوز الطلاقُ حدودَ العلاقة الخاصة ليصبح قضية اجتماعية وأخلاقية تمسُّ صورةَ المرأة ومكانتها وحقها في اتخاذ القرار بشأن حياتها.

     قد تنتهي العلاقة الزوجية، لكن الأسئلة لا تنتهي معها، بلْ تبدأ أحيانًا أكثر إيلامًا من التجربة نفسها. وقد تغرق المرأةُ في التفكير بأسباب الطلاق، وتقييمِ أداء دورها، ومدى الالتزام بحق زوجها، وإمكانيةِ البدء من جديد دون أن تَحمل بقية عُمرها عبء تبرير قرارها أمام الآخرين.

     وبين هذه الهواجس وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية، تتشكل واحدة من أكثر التجارب حضورًا في الكتابة النسائية العربية، حيث يصبح الطلاقُ في بعض النصوص نقطةً فاصلةً بين امرأةٍ اعتادت أن تعيش وفق ما يريده الآخرون، وامرأةٍ تحاول للمَرَّة الأُولى أن تعرف ما الذي تريده هي.

     لا يمكن القول إن الطلاق هو الذي صنع تمردَ الكاتبات العربيات، أوْ إنَّ كُلَّ كاتبة مُطَلَّقة تحوَّلت بالضرورة إلى صوت معارض لقيم المجتمع. العلاقةُ بين التجربة الشخصية والكتابةِ أكثر تعقيدًا من ذلك، كما أن المواقف من الزواج والحرية والأسرة تختلف باختلاف البلدان والطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية والتجارب الفردية. لكنَّ الطلاق كان ولا يزال تجربةً كاشفة في عدد من الكتابات النسائية، لأنه يضع المرأةَ في مواجهة مباشرة معَ منظومة مِن التوقعات التي قد تبدو مستقرة ما دامت الحياة الزوجية قائمة، ثم تنكشف هشاشتها عندما تُقَرِّر المرأةُ الخروجَ منها.

     وحين تكتب المرأةُ عن هذه اللحظة، فإنها لا تروي بالضرورة قصة انفصال فقط، وإنما تعيد النظرَ في مفاهيم تَرَبَّتْ عليها طويلًا، مِثل: التضحية والصبر والطاعة والشرف والواجب. وتسأل إنْ كانت هذه القيم قد حَمَتْهَا فِعلًا أمْ تحوَّلت في بعض صورها إلى أدوات لإبقائها داخل علاقة لَم تعد قادرةً على الاستمرار فيها.

     تبدأ المشكلة في كثير من الأحيان قبل وقوع الطلاق بسنوات. مُنذ الطفولة، تتلقى الفتاةُ إشارات متكررة عن الزواج بوصفه غاية أساسيَّة، وأنَّ نجاح المرأة مرتبط بقدرتها على بناء أسرة، والمحافظة عليها مهما كانت الظروف.

     وقد تتعلم أن الصبر فضيلة لا ينبغي التخلي عنها، والتنازل دليل على النُّضج، والمرأة الجيدة هي التي تعرف كيف تحتوي الخلافات، وتتحمَّل الصعوبات، وتضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها. وهذه المعاني ليست سلبية بحد ذاتها، فالصبرُ والتفاهم والتضحية المتبادلة هي عناصر مهمة في أيَّة علاقة إنسانية ناجحة، لكنَّ الخلل يبدأ عندما تتحوَّل التضحية إلى واجب أحادي الجانب، ويصبح الصبرُ مُطالَبة دائمة للمرأة بتحمُّل الأذى، وتُختزَل المحافظة على الأسرة في استمرار الزواج مهما كان الثمن. وقد لا تُفَكِّر في الانفصال بوصفه خيارًا ممكنًا إلا بعد سنوات من محاولات الإصلاح والتأقلم، أو بعد أن تكتشف أن التنازل المتواصل لم يُؤَدِّ إلى علاقة أكثر عدلًا واستقرارًا.

     وإذا تَمَّ اتخاذ قرار الطلاق، فالمرأةُ لا تواجه خسارةَ العلاقة وحدها، وإنما تواجه أيضًا صورةَ المرأة التي تعلَّمتْ أن تُكوِّنها، والصورةَ التي يريد المجتمعُ منها أن تبقى عليها. هُنا تكتسب الكتابةُ أهميتها. فالكاتبة التي تختار أن تتحدث عن الطلاق لا تكتفي بوصف ما حدث، وإنما تحاول فهمَ الأسباب التي جعلت استمرارَ الزواج يبدو واجبًا حتى عندما يصبح مؤلمًا، بينما يُنظَر إلى إنهائه بوصفه خطأ يستدعي الاعتذار. وقد تكشف من خلال تجربتها التناقضَ بين خطاب اجتماعي يُمجِّد كرامةَ المرأة نظريًّا، وخطابٍ آخر يطلب منها التنازلَ عن هذه الكرامة من أجل الحفاظ على استقرار الأسرة في الظاهر.

     إنَّ المجتمع العربي ليس كتلة واحدة تتبنى موقفًا مُوحَّدًا من المُطَلَّقات، فهناك عائلات ومجتمعات تُوفِّر للمرأة الدعمَ والاحترام، وهناك بيئات تتعامل معَ الطلاق بوصفه حقًّا مشروعًا عندما تستحيل الحياة المشتركة، غَير أنَّ استمرار الوصمة في بعض الأوساط يجعل الانفصالَ تجربةً تتجاوز حدودَ الزوجين، ويمنح الكتابةَ قدرةً على مساءلة الأحكام التي تَصدر على المرأة من دون معرفة ما عاشته فعلًا.

     لعلَّ أكثر ما يجعل الطلاق تجربة مؤثرة في مسار بعض الكاتبات هو أنَّه يضعهن أمام سؤال الهُوية. فالمرأةُ التي عرَّفت نفسَها طويلًا من خلال كَونها زوجة، تجد نفسَها مضطرة إلى إعادة بناء تصوُّرها عن ذاتها بعد انتهاء الزواج. وقد تكتشف أن جوانب من شخصيتها ظلَّت مُؤجَّلة، وأن رغباتها لم تكن غائبة بِقَدْرِ ما كانت مُحاصَرة بتوقعات الآخرين، وأن قرارات كثيرة اتخذتها لأنها كانت تخشى الرفضَ أو اللوم أكثر مِمَّا كانت مقتنعة بها.

     هذا الاكتشاف ليس سهلًا. قد يصاحبه شعور بالوحدة، وحنين إلى الماضي، وقلق من المستقبل، وتأنيب الضمير. وقد تشعر المرأة بالراحة لأنها خرجتْ من علاقة مرهقة، ثم تحزن على ما فقدته منها. وقد تكون مقتنعة بحقها في الانفصال، لكنها تتألم بسبب الطريقة التي يعاملها بها المحيطون بها. فالتحررُ من العلاقة لا يعني التحرر الفوري من آثارها النفسية والاجتماعية، كما أن اتخاذ قرار شجاع لا يلغي الخوفَ الذي يرافقه.

     والكتابة تمنح هذه المشاعر مساحةً لا تتوفر دائمًا في الحياة اليومية. تستطيع الكاتبة أن تضع حَيرتها أمام القارئ، وتعترف بتناقضاتها، وتتحدث عن أمور يصعب قولها في محيطها الاجتماعي، أو تكتب عن غضبها من القيود التي أحاطتْ بها، أو خوفِها من الوحدة، أو إحساسِها بالذنب تجاه أبنائها، أو شعورها بأنها أمضتْ سنوات تحاول أن تكون المرأة التي يرضى عنها الجميع، بينما لم تسأل نفسَها بما يكفي عن المرأة التي تريد أن تَكونها. وعندما تتحول هذه التجربة إلى نص أدبي، فإنها لا تبقى حبيسة السيرة الشخصية بالضرورة. فالقارئ قد يرى في حكاية امرأة وحدة صورةً لأسئلة عاشتها نساء أخريات، حتى إن اختلفت ظروفهن. ويمكن أن تنتقل الكتابة من الاعتراف الفردي إلى مساءلة اجتماعية أوسع، لأنها تكشف أن بعض المعاناة التي تبدو خاصة ترتبط بأنماط من التربية والتوقعات والعلاقات تتكرر في حياة نساء كثيرات.

     إنَّ التمرد الذي ينشأ من هذا الاكتشاف لا يعني أن المرأة ترفض الزواجَ بحد ذاته، أو أنها تنظر إلى كُلِّ القيم الاجتماعية باعتبارها قيودًا يجب التخلص منها. قد يكون تمردها أكثر تحديدًا وعُمقًا، وهو رفض اعتبار الزواج معيارًا وحيدًا لنجاحها، وعدم قياس قيمتها بقدرتها على إرضاء الآخرين، والاعتراف بحقها في الاختيار، حتى عندما لا يحظى اختيارها بالقَبول الكامل.

     لم تكن المرأة العربية غائبة عن الكتابة، لكن حضورها الأدبي لا يكفي لضمان أن تُروَى تجاربها من وجهة نظرها الخاصة. والمرأةُ ظهرتْ في كثير من الأعمال الأدبية بوصفها أمًّا أو زوجة أو حبيبة أو رمزًا للوطن والتضحية، بينما ظلَّت بعض تفاصيل حياتها الداخلية أقل حضورًا، خصوصًا حين تتصل بالرغبة، أو الخَيْبة، أو الرفض، أو الغضب، أو البحث عن الاستقلال. ومعَ تطوُّر الكتابة النسائية وتنوُّع أشكالها، اتَّسعت المساحة التي استطاعت الكاتبات من خلالها تقديمَ المرأة باعتبارها ذاتًا تفكر، وتختار، وتخطئ، وتعيد النظر في حياتها، وليس مجرد شخصية تؤدي دورًا مرسومًا لها سلفًا.

     يمكن للطلاق أن يصبح مدخلًا إلى إعادة امتلاك الحكاية. فالمرأةُ التي تعرَّضت للظلم بسبب انفصالها قد تجد في الكتابة وسيلة لاستعادة حقها في تفسير تجربتها، بدلًا من أن يختصرها الآخرون في كلمة "مُطَلَّقَة". تستطيع أن تتحدث عن الظروف التي أوصلتها إلى هذا القرار، والأشياءِ التي فقدتها، والحدودِ التي لم تعد قادرة على تجاوزها، والحياةِ التي تحاول بناءها بعد الانفصال.

     وتكمن أهمية هذا التحول في أن المجتمع كثيرًا ما يتحدث عن المرأة المُطَلَّقة دون أن يمنحها فرصة كافية لتفسير تجربتها بنفسها. وقد تُعامَل باعتبارها موضع شفقة، أو موضوعًا للشائعات، أو امرأة ينبغي مراقبة اختياراتها اللاحقة، وكأن انتهاء زواجها أفقدها حقها الطبيعي في الخصوصية والاستقلال.

     حين تكتب المرأةُ عن حياتها، فهي تنتقل من موضع الشخص الذي يُحكَى عنه إلى موقع الشخص الذي يَحكي، ومن موضوع للأحكام إلى صوت قادر على مناقشة هذه الأحكام وكشفِ تناقضاتها. ولا تقتصر قوة الكتابة على فضح القسوة الاجتماعية، إنَّها تكمن أيضًا في قدرتها على استعادة التفاصيل الصغيرة التي تُمحَى عادةً من الروايات العامَّة عن الزواج والطلاق، والتي تتعلق بالسنوات التي حاولت فيها المرأةُ إصلاحَ العلاقة، واللحظات التي شعرتْ خلالها بأنها غريبة داخل بيتها، والمحادثات التي لم تستطع خوضها، والخوف من نظرة الأبناء أو الأقارب، والارتباك الذي يرافق العودة إلى الحياة بوصفها فردًا مستقلًّا. هذه التفاصيل تمنح التجربة الإنسانية تعقيدَها، وتمنع اختزالها في ثنائية سهلة وساذجة، تجعل كُلَّ زواج سجنًا، وكُلَّ طلاق انتصارًا.

     تتجلى علاقة الطلاق بالتمرد عندما تكشف التجربةُ أن بعض القيم التي تُقَدَّم باعتبارها ثوابت أخلاقية تُفَسَّر بطريقة غير متكافئة بين الرجل والمرأة. على سبيل المثال، التضحية قيمة إنسانية حين تكون متبادلة، لكنها تصبح عبئًا حين يُطلَب من طرف واحد أن يتحمَّل الخسارةَ باستمرار. والطاعةُ تُطرَح داخل بعض العلاقات باعتبارها دليلًا على الاحترام، لكنها تتحوَّل إلى مشكلة عندما تعني إلغاءَ رأي المرأة أو حرمانها من المشاركة في القرارات التي تمسُّ حياتها. أمَّا الشرف، وهو مفهوم بالغ الحساسية في السياقات الاجتماعية، فقد يُستخدَم أحيانًا لربط سُمعة الأسرة بسلوك المرأة وحالتها الزوجية، حتى يصبح قرارها بالانفصال سببًا للتشكيك في أخلاقها، بصرفِ النظر عن ظروف العلاقة.

     في مواجهة هذه التصورات والأحكام المسبقة والإدانة الجاهزة، قد تتَّجه الكاتبة إلى مساءلة المعنى الذي أُعْطِيَ لهذه القيم، أو الدعوة إلى القطيعة معَ المجتمع، باعتباره ذكوريًّا أبويًّا تَسَلُّطِيًّا. وهذا التمرد يتحوَّل إلى استعراض صوتي أجوف، فنرى المرأةَ تتبرَّأ من طغيان المجتمع بلسان، بينما تتكئ في عُمق وعيها على نفسِ الأغلال لتبرير عجزها. ويصير تمردُ الأنثى ثورةً تكتفي بالصراخ المجاني على الورق، وتتهرب من أيَّة محاسبة حقيقية لذاتها، وكأنها تريد أن تحصد مجدَ المرأةِ المتمردةِ دون أن تدفع ثمنَ التحرر الحقيقي، أو تخلع ثوبَ الضحية التي باتت تستمتع بالاختباء خلف ظِلِّها. وما يُسمَّى "ثورة نسوية" ليس سِوى استعراض عاطفي باهت، يكتفي بلومِ الآخرين،وتعليق الخيارات الخاطئة على شَمَّاعةِ المجتمع، هربًا من تحمُّل مسؤولية الاختيار وتبعاته.