سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

16‏/03‏/2026

العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس

 

العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................

     تُعَدُّ مسألة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر ، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية .

     وفي هذا السِّياق، يَبرُز مشروعان فلسفيَّان كبيران : مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935_ 2010 ) ، ومشروع الفيلسوف الألماني يُورغِن هابِرماس ( 1929_ 2026 ) .

     وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية التي انطلقَ منها كُلٌّ مِنهما ، إلا أنَّ كِلَيهما سعى إلى تأسيس شكل من أشكال العقلانية النَّقْدية القادرة على تجاوز الجُمود الفِكري ، وإعادةِ بناء العلاقة بين العقل والمعرفة والمجتمع .

     ينطلق الجابري مِن إشكالية العقل العربي ، وتُراثِه المعرفي ، بَينما ينطلق هابرماس من نقد الحداثة الغربية ، ومُحاولة تصحيح مسارها . ومعَ ذلك ، فإنَّ مشروعهما يلتقيان في نقطة مركزية ، هي السَّعْي إلى تحرير العقل مِن سُلُطات الهَيمنة ، سواءٌ كانتْ هَيمنة التراث غَير المَفحوص ، أوْ هَيمنةِ السُّلطة التقنية والأيديولوجية .

     ارتبط الجابري بمشروع فِكري ضخم هو نقد العقل العربي ، الذي سعى فيه إلى تحليل البُنية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية ، وقدْ تجسَّد هذا المشروع في سِلسلة كُتُب .

     يَرى الجابري أنَّ العقل العربي تشكَّل تاريخيًّا مِن خِلال ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية :

     1_ البيان : وهو نظام المعرفة القائم على النَّص واللغة والفِقْه والبلاغة .

     2_ العِرفان : وهو المعرفة الصوفية والإشراقية التي تعتمد على الكشف والباطن .

     3_ البُرهان : وهو المعرفة العقلية المنطقية التي تجسَّدتْ في الفلسفة الأرِسْطِيَّة .

     ومِنْ خِلال تحليله لهذه الأنظمة ، يَخلُص الجابري إلى أنَّ هيمنة البيان والعِرفان أدَّتْ إلى إضعاف العقلِ البُرهاني في الثقافة العربية ، مِمَّا جَعل التفكيرَ النقدي محدودًا، لذلك يَدعو إلى إعادة الاعتبار للعقلِ البُرهاني، بوصفه أساسًا لإقامة عقلانية نقدية حديثة .

     العقلانية عِند الجابري لَيست مُجرَّد استخدام للعقل ، بَلْ هي مُمارسات نقدية للتُّراث ، فهو يَرفض القطيعةَ التَّامَّة مع التراث ، كما يَرفض أيضًا التقديسَ المُطْلَق له . وبدلًا من ذلك ، يقترح منهجًا يقوم على قراءة التراث قراءة تاريخية إبستمولوجية تكشف بُنياته المعرفية وحدوده . والإبستمولوجيا: هي فَرْع من فُروع الفلسفة يدرس طبيعةَ المعرفة وحدودها ، وكيف نحصل عليها .

     بهذا المَعنى ، فإنَّ العقلانية النقدية عند الجابري هي مشروع إعادة بناء للعقل العربي من الداخل ، عَبْر تفكيك أنظمته المعرفية ، وإعادة ترتيبها ، بما يَسمح بظهور عقل حديث قادر على إنتاج المعرفة ، والتفاعل مع العَصْر .

     ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت ، وهي المدرسة الفلسفية التي انشغلتْ بنقد المجتمع الرأسمالي الحديث ، ونقدِ أشكالِ الهَيمنة في الثقافة والسياسة .

     في عمله الفلسفي الكبير: نظرية الفِعْل التواصلي ، يطرح هابرماس مفهوم العقلانية التواصلية، بوصفه بديلًا عن العقلانية الأداتية التي سيطرتْ على الحداثة الغربية . فالعقلانية الأداتية تَختزل العقلَ في قُدرته على السيطرة التقنية ، وتحقيقِ الأهداف ، بَينما تُهمل البُعدَ التواصلي للحياة الإنسانية .

     يَرى هابرماس أنَّ الإنسان كائنٌ تواصلي بطبيعته، وأنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة لنقل المعلومات، بَلْ هي فضاء للتفاهم ، وبناءِ المعنى المُشترك . وَمِنْ هُنا تنشأ فِكرة الفِعل التواصلي ، الذي يقوم على الحِوار الحُر بين الأفراد بهدف الوصول إلى اتفاق عقلاني .

     تقوم العقلانية النقدية عند هابرماس على عِدَّة مبادئ أساسيَّة :

     1_ الحِوار العقلاني بدل الإكراه والسُّلطة .

     2_ الفضاء العُمومي بوصفه مجالًا للنقاش الديمقراطي الحُر .

     3_ نقد الأيديولوجيا التي تُشوِّه التواصلَ بين الأفراد .

     4_ تحرير العقل من الهَيمنة التقنية والسياسية .

     وعلى الرغم من اختلاف السِّياق الحضاري بين المفكرَيْن ، يُمكن رصد عدد مِن نقاط التقارب بين مشروعَيْهِما :

     1_ مركزية النقد: كِلا المشروعَيْن يقوم على فِكرة النقد . الجابري يُمارس نقدًا للعقل التُّراثي، بَينما يُمارس هابرماس نقدًا للعقل الأداتي في الحداثة الغربية .

     2_ تحرير العقل مِن الهَيمنة : يَسعى الجابري إلى تحرير العقل العربي مِن سُلطة التقليد غَيْر المفحوص ، بَينما يَسعى هابرماس إلى تحرير العقل مِن هَيمنة البيروقراطية والتقنية والرأسمالية .

     3_ إعادة تأسيس العقلانية : كِلاهما لا يرفض العقلانية ، بَلْ يسعى إلى إعادة تعريفها . الجابري يُؤَسِّس عقلانية بُرهانية نقدية ، بَينما يُؤَسِّس هابرماس عقلانية تواصلية ديمقراطية .

     4_ العلاقة بين المعرفة والمجتمع: يَرى المُفكِّران أنَّ الفِكر لَيس معزولًا عن الواقع الاجتماعي والسِّياسي، بَلْ هو جُزء من عملية تاريخية تتداخل فيها المعرفة مع السُّلطة والثقافة .

11‏/03‏/2026

تفسير النكبة الفلسطينية بين وليد الخالدي وإيلان بابيه

 

تفسير النكبة الفلسطينية بين وليد الخالدي وإيلان بابيه

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...............

     تُعَدُّ النَّكبة الفِلَسْطينية التي وقعت عام 1948 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ العربي المُعاصر، إذْ أدَّتْ إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم ، وتدمير مئات القُرى ، وتحويل المُجتمع الفلسطيني إلى شعب مُشتَّت بين اللجوء والاحتلال .

     وقدْ أصبحت النَّكبة مِحْوَرًا أساسيًّا في الدراسات التاريخية والسياسية ، وبرز عدد من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها ، وتحليل أسبابها ونتائجها .

     مِن أبرز هؤلاء الباحثين : المُؤرِّخ الفلسطيني وليد الخالدي ( 1925 _ 2026 ) ، والمُؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه ( وُلد 1954 )، حيث قدَّما تفسيرين مهمين ومتقاربين في بعض الجوانب ، ومُختلفين في جوانب أُخرى لطبيعة النَّكبة الفلسطينية وأسبابها .

     يُعتبَر وليد الخالدي من أبرز المُؤرِّخين الفلسطينيين الذين دَرَسُوا النكبة دراسة مُوثَّقة تعتمد على الوثائق التاريخية والشهادات الميدانية والخرائط .

     وهو يَرى أن النكبة لم تكن حادثة عشوائية أوْ نتيجة عرضية للحرب ، بل كانت نتيجة مشروع استعماري استيطاني مُنظَّم سعى إلى إقامة دَولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني .

     في تفسيره للنكبة ، يؤكِّد الخالدي أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وضعتْ هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على الأرض ، وإقامة كِيان سياسي خاص بها ، وهو ما تطلَّب تقليل الوجود العربي إلى الحد الأدنى المُمكن . وقدْ تجسَّد هذا التوجُّه في السياسات التي اتُّبِعت خلال الحرب عام 1948 ، والتي أدَّتْ إلى تهجير السكان الفلسطينيين ، وتدمير قُراهم .

     ويُركِّز الخالدي في أبحاثه على توثيق القُرى الفلسطينية التي دُمِّرت أوْ أُخْلِيَت خلال النكبة ، مُبَيِّنًا أنَّ ما جرى لم يكن مُجرَّد نزوح طبيعي للسكان بسبب المعارك ، بل كان نتيجة عمليات عسكرية مُنظَّمة استهدفتْ إخراجَ السكان ومنع عَودتهم . كما يُوضِّح أن تدمير القُرى وإعادة توطين مُهاجرين يهود مكانها كان جُزءًا من عملية تغيير ديمغرافي واسعة النطاق .

     ويَرى الخالدي أيضًا أن القوى الدولية كان لها دَور في صناعة الظروف التي أدَّتْ إلى النكبة ، سواءٌ مِن خِلال السياسات الاستعمارية السابقة ، أوْ مِن خلال المواقف السياسية التي سمحتْ بقيام دولة إسرائيل دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني .

     وبذلك فإنَّ تفسير الخالدي للنكبة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية :

     1_ المشروع الصهيوني الاستيطاني .

     2_ السياسات العسكرية التي أدَّتْ إلى التهجير .

     3_ الدَّور الدولي في تمكين هذا التحوُّل التاريخي .

     يُعَدُّ إيلان بابيه أحد أبرز المُؤرِّخين الإسرائيليين الذين أعادوا قراءة تاريخ قيام دولة إسرائيل من منظور نَقْدي يعتمد على الوثائق الإسرائيلية نَفْسِها . وقدْ قدَّم بابيه تفسيرًا يَرى فيه أن النكبة لم تكن نتيجة جانبية للحرب ، بل كانت عملية تطهير عِرْقي مُخطَّطة .

     في تحليله ، يؤكِّد بابيه أن القيادات الصهيونية وضعتْ خُطَّة تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من فِلَسْطين مع أقل عدد مُمكن من السكان العرب . ويُشير إلى أن هذه السياسة تجسَّدتْ في خُطَّة عسكرية هدفتْ إلى احتلال القُرى والمُدن الفلسطينية وطرد سُكانها .

     ويَرى بابيه أن عمليات الطرد الجَمَاعي التي حدثتْ في العديد من المناطق لم تكن تصرفات فردية لقادة عسكريين ، بل كانت جُزءًا من إستراتيجية متكاملة هدفتْ إلى صناعة واقع ديمغرافي جديد يَسمح بقيام دولة ذات أغلبية يهودية .

     ويعتمد بابيه في تحليله على وثائق أرشيفية وشهادات تاريخية تُشير إلى أن العديد من القُرى دُمِّرت بعد احتلالها ، وأن سكانها مُنعوا من العودة إليها . كما يؤكِّد أن هذه السياسات استمرَّتْ حتى بعد انتهاء الحرب ، حيث تَمَّ سَنُّ قوانين تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم .

     وبذلك يُفَسِّر بابيه النكبة باعتبارها عملية مُنظَّمة لإعادة تشكيل الجُغرافيا السكانية في فلسطين ، وهي عملية يَرى أنها تُمثِّل أحد أشكال التطهير العِرقي في التاريخ الحديث .

     رغم اختلاف الخلفية الوطنية للمُؤرِّخَيْن : الخالدي وبابيه ، إلا أنَّ هُناك نقاط اتفاق مُهمة بين تفسيريهما للنكبة :

     1_ النكبة لم تكن مُجرَّد نتيجة عفوية للحرب ، بل كانت مرتبطة بسياسات وخُطَط هدفتْ إلى تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين . وكِلاهما يؤكِّد أن عمليات التهجير لم تكن حوادث فردية معزولة ، بل كانتْ جُزءًا من نمط عام تكرَّر في مناطق مختلفة .

     2_ تدمير القرى الفلسطينية كان عُنصرًا أساسيًّا في تثبيت نتائج الحرب ، ومنع عَودة السكان الأصليين . وإزالةُ القرى أو إعادة استخدامها لأغراض أُخرى ساهمتْ في تغيير معالم الجُغرافيا الفلسطينية .

     3_ النكبة شكَّلتْ تحوُّلًا جذريًّا في تاريخ الشعب الفلسطيني ، إذْ أدَّتْ إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني ، وتحويل جُزء كبير من السكان إلى لاجئين .

     رغم التقاطعات الكبيرة بين تفسيريهما ، إلا أنَّ هناك اختلافات في بعض الجوانب المنهجية والتحليلية :

     1_ الخالدي يُركِّز أساسًا على توثيق القُرى المُدمَّرة ، وتحليل البُنية التاريخية للمجتمع الفلسطيني قبل النكبة ، في حين يُركِّز بابيه أكثر على تحليل الوثائق العسكرية والسياسية التي تكشف طبيعة القرارات التي اتخذتها القيادات الصهيونية خلال الحرب .

     2_ الخالدي ينطلق من منظور تاريخي فلسطيني يسعى إلى حفظ الذاكرة الوطنية ، وتوثيقِ ما حدث ، بَينما ينطلق بابيه من إطار نَقْدي داخل المجتمع الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تقييم الرواية التاريخية الإسرائيلية .

     3_ الخالدي يُركِّز على مفهوم التهجير القَسْري والاقتلاع الجَمَاعي ، في حين أنَّ بابيه يستخدم مصطلح التطهير العِرقي لوصف ما حدث عام 1948 بشكل صريح .

09‏/03‏/2026

قضايا المرأة بين لطفية الدليمي ومارغريت أتوود

 

قضايا المرأة بين لطفية الدليمي ومارغريت أتوود

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     لَمْ تَعُدْ قضايا المَرْأةِ في الأدب موضوعًا هامشيًّا ، أوْ صوتًا خافتًا يمرُّ في الهامشِ الثقافي ، بَلْ تحوَّلت إلى مِحور عميق يكشف طبيعةَ المُجتمع، ويُعرِّي بُنيته الفِكرية والأخلاقية . فالأدبُ مُنذ نشأته كانَ مِرْآةَ الإنسانِ ، لكنْ حِينَ تكتبُ المَرْأةُ عن ذاتها وتجربتها ، تتحوَّل المِرْآةُ إلى عدسة أكثر حساسية ودِقَّة . وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان لامعان في الأدب العربي والعالمي : الكاتبة العِراقية لطفية الدليمي ( 1939 _ 2026 ) ، والكاتبة الكندية مارغريت أتوود ( وُلدت 1939 ) ، حيث قدَّمت كُلٌّ مِنهما رؤيتها الخاصَّة لقضايا المرأة ، مُتَّكئة على سِياق ثقافي مُختلف، لكنَّها تلتقي في جَوهر واحد، هُوَ الدفاع عن إنسانية المَرأة ، وحَقِّها في الحُرية والاختيار .

     تنطلق لطفية الدليمي في كتاباتها من واقع عربي مُعقَّد ، تتشابك فيه التقاليد الاجتماعية مع التحوُّلات السياسية والثقافية . فهي لا تُقَدِّم المَرأةَ بوصفها ضحية مُطْلقة ، بَلْ ككائن واعٍ يُحاول فهمَ العالَم ومُقاومة قيوده . في رواياتها وقصصها تبدو المَرْأةُ شخصيةً مُفكِّرة ، وقارئة ، وعَالِمة أحيانًا ، تبحث عن موقعها في عَالَم يَضِيق بأسئلتها .

     أمَّا مارغريت أتوود فتتخذ مسارًا مُختلفًا ، فهي غالبًا ما تلجأ إلى الخيال الكابوسي لتكشف المخاطرَ الكامنة في الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تسلب المرأةَ حُريتها ، وتُصوِّر عَالَمًا مُستقبليًّا تُخْتَزَل فيه المَرأةُ إلى وظيفة بيولوجية ، حيث تُستخدَم أجساد النِّساء كوسيلة للإنجاب في مُجتمع استبدادي مُغلَق ، ورغم انتماء هذه الفِكرة إلى الخيال الأدبي ، إلا أنَّها تَحمل تحذيرًا عميقًا مِن إمكانية تحوُّل الواقع إلى نُسخة قاسية في المُستقبل .

     تؤمن لطفية الدليمي بأنَّ المعرفة هي الطريق الأهم لتحرُّر المرأة . لذلك تمتلئ نُصوصُها بإشارات إلى العِلْم والفلسفة والفِكر الإنساني . المَرأةُ في عَالَمها لَيستْ كائنًا عاطفيًّا فَحَسْب ، بَلْ هِيَ عقلٌ يبحث عن الفهم . هذا الحُضور للمعرفة يخلق صُورةً مختلفة للمرأة العربية ، فهي لَيستْ مَحصورةً في الدَّور التقليدي ، بَلْ قادرة على المُشاركة في إنتاج المعرفة نَفْسِها .

     في المُقابل ، تُقَدِّم مارغريت أتوود رؤيةً أُخرى للمعرفة ، حيث تُصبح السَّيطرة على المعرفة أداةً للهَيمنة ، لأنَّ المعرفة تَمنح القُدرةَ على التفكير والاحتجاج ، وهذا يدلُّ على العلاقة العميقة بين السُّلطة والمعرفة ، فحين تُسلَب المرأة حق التعلُّم ، يُصبح إخضاعها أكثر سُهولة ، ويُصبح السَّيطرة عليها فلسفةً اجتماعية قائمة بذاتها .

     مِن أبرز القضايا التي تَجمع بين الكاتبتَيْن ، قضيةُ " الجسد الأُنثوي " . فالجسدُ في كثير مِن المُجتمعات يتحوَّل إلى ساحة صِراع بين الحُرية والسُّلطة .

     عِند لطفية الدليمي يَظهر الجسدُ بوصفه جُزءًا مِنْ هُوية المرأة الإنسانية ، لا مُجرَّد مَوضوع للرغبة ، أو الرقابةِ الاجتماعية . هي تُحاول إعادةَ الاعتبار للجسد بوصفه كِيانًا طبيعيًّا لا يَنبغي أنْ يَكُون مَصدرَ قَمْعٍ أوْ خَوْفٍ. أمَّا عِند مارغريت أتوود ، فإنَّ الجسد يتحوَّل إلى رمز سياسي واضح . في عَالَمها الكابوسي ، يُستلَب الجسد ، ويُعاد تعريفه وفق قوانين السُّلطة . وهُنا تكشف الكاتبةُ عن أخطر أشكال القمع: حين تتحوَّل المرأةُ إلى وظيفة بيولوجية لا أكثر .

     اللغة عند الكاتبتَيْن لَيستْ وسيلةَ سَرْدٍ فقط ، بَلْ أيضًا أداة مُقاوَمة . لطفية الدليمي تَستخدم لُغةً شاعرية هادئة ، لكنَّها مُشبَعة بالتأمُّل الفلسفي ، كأنَّها تفتح نافذةً صغيرة للحُرية داخل واقع مُضطرب . أمَّا مارغريت أتوود ، فتكتب بِلُغة حادَّة أحيانًا ، وساخرة أحيانًا أُخرى ، لتكشفَ تناقضات السُّلطة وخطورتها .

     إنَّ اختلاف الأُسلوب بَينهما يَعكس اختلافَ السِّياقِ الثقافي . لطفية الدليمي تَكتب مِن داخل مُجتمع تقليدي يُحاول التوازنَ بَين الحداثةِ والتُّراثِ ، بَينما تَكتب مارغريت أتوود مِن داخل مُجتمع غَرْبي مُتقدِّم تقنيًّا ، لكنَّه لَيس بِمَنأى عن احتمالاتِ التراجعِ والقمعِ والاستبدادِ .

     وعلى الرغم مِن اختلاف البيئة والثقافة، تلتقي الكاتبتان في فِكرة جَوهرية : المرأة إنسان كامل، لها عقلها وحُريتها وحقها في تقرير مصيرها، لا تُختزَل في دَور اجتماعي ضَيِّق، ولا يُمكِن القَبول بِتحوُّلها إلى أداة في نظام سُلطوي .

     إنَّ مُعالجة قضايا المرأة عند لطفية الدليمي ومارغريت أتوود تكشف عن تقاطعات واختلافات في آنٍ واحدٍ. إنَّهما تَنطلقان مِن وعي نقدي بِبُنى الهَيمنة الاجتماعية والثقافية التي تُحاصِر المَرأةَ ، غَير أنَّ اختلاف السياقَيْن الثقافِيَّيْن ينعكس في طرائق التمثيل السردي ، وطبيعةِ الأسئلة المطروحة .

     تُقَدِّم لطفية الدليمي مُقاربة أقرب إلى التأمُّل الإنسانيِّ والهَمِّ الاجتماعي ضِمن فضاء عربي مُثْقَل بالتحوُّلات، بَينما تميل مارغريت أتوود إلى تَوظيف الخيال والبُعْدِ التحذيري لفضح آلِيَّات السُّلطة الاجتماعية القامعة للمرأة .

     ومعَ ذلك ، لا تَخلو التجربتان من حدود نقدية ، إذْ قد ينزلق الخِطابُ أحيانًا إلى التَّعميم ، أوْ إلى تكثيف رمزي يُضْعِف حُضورَ التجربة الفردية الواقعية . وقيمةُ هاتَيْن التجربتَيْن لا تَكْمُن في تقديم نموذج مُكتمل لمعالجة قضايا المرأة ، بَلْ في فتح أُفُق للحِوار النقدي حول تمثيل المرأةِ في الأدبِ ، وإبرازِ الحاجةِ إلى مُقاربات أكثر توازنًا تربط بَين الحِسِّ الجَمَالي والوعي الاجتماعي، دُون الوقوع في التَّمجيد أو الاختزال .