سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

20‏/10‏/2026

تزويد إيران للحوثيين بإحداثيات المواقع السعودية

 

تزويد إيران للحوثيين بإحداثيات المواقع السعودية

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     إن تزويد إيران للحوثيين بإحداثيات المواقع السعودية ليس مجرد نقل للمعلومات من طرف إلى آخر، ولا يمكن اعتبار هذه العملية تفصيلًا تقنيًّا صغيرًا في سياق الصراع الإقليمي الدائر في المنطقة. إنها قضية تمس أمن السعودية، واستقرار المنطقة، وطبيعة الدور الذي تؤديه المعلومات الاستخباراتية في الحروب الحديثة، كما تطرح سؤالًا جوهريًّا حول حدود الدعم الذي تقدمه الدول للجماعات المسلحة، والمسؤولية المترتبة على تحويل المعلومات إلى وسيلة تهدد أمن الدول وسلامة المدنيين.

     في الحروب القديمة، كان الوصول إلى مواقع الخصم يتطلب استطلاعًا ميدانيًّا، ومراقبة طويلة، وتحركات قد تعرِّض الجنود للخطر. أمَّا في الحروب الحديثة، فقد أصبحت المعلومات الدقيقة قادرة على اختصار مسافات شاسعة، وتقليص الوقت اللازم لاتخاذ القرار، وتحويل موقع كان بعيدًا عن متناول المهاجم إلى هدف يمكن استهدافه عن بُعد. وهُنا تتضاعف أهمية الإحداثيات الجغرافية، فهي ليست أرقامًا على شاشة فحسب، وإنما أيضًا معلومات تُستخدم لتحديد مواقع منشآت عسكرية، أو بنى تحتية، أو مرافق حيوية، وقد تكون لها عواقب مباشرة على حياة البشر وأمن المجتمعات.

     تزويد إيران للحوثيين بمعلومات وإحداثيات عن مواقع داخل السعودية يُعتبر جزءًا من ملف أوسع يتعلق بالدعم العسكري والتقني الإيراني للجماعة، وطبيعة العلاقة بين الطرفين، ومدى انعكاسها على الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية.

     ينبغي إدراك أن الإحداثيات الجغرافية ليست معلومات عادية عندما تدخل في سياق العمليات العسكرية. قد تكون معرفة الموقع الدقيق لمنشأة ما عاملًا مؤثرًا في تحديد قدرة المهاجم على الوصول إليها، خصوصًا عندما تقترن هذه المعرفة بوسائل استطلاع حديثة، وقدرات على توجيه الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ومعلومات عن طبيعة الهدف وأهميته.

     لكن الإحداثيات وحدها لا تضمن نجاح أي هجوم، فالنتيجة تعتمد على عوامل متعددة، منها دقة المعلومات، ونوع السلاح المستخدم، والقدرات الفنية المتاحة، والإجراءات الدفاعية التي تتخذها الدول المُستهدَفة. لهذا فإن القيمة الحقيقية للمعلومات الاستخباراتية تكمن في قدرتها على دعم القرار العسكري، وتكاملها معَ بقية القدرات.

     وتقديم معلومات دقيقة عن المواقع السعودية إلى جماعة مسلحة ينبغي التعامل معه بوصفه مسألة أمنية جدية وشديدة الخطورة، وليس مادة للسجال السياسي.

     إن تناول مسألة الإحداثيات لا يمكن فصله عن الخلفية العسكرية والتقنية للعلاقة بين إيران والحوثيين. فقد تناولت تقارير دولية وأبحاث متخصصة أوجه الدعم الذي تلقاه الحوثيون، بما في ذلك الأسلحة والمكونات التقنية والمعرفة اللازمة لتطوير قدراتهم الصاروخية والجوية. وهُم لا يمتلكون، من دون دعم خارجي، القدرةَ على تطوير وإنتاج منظومات الأسلحة المعقدة التي يستخدمونها.

     قد يتصور البعض أن الخطر الأكبر يكمن في تزويد جماعة مسلحة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وأن بقية أشكال الدعم تأتي في مرتبة أقل أهمية، غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية في الحروب الحديثة، وهي أن السلاح لا يعمل في فراغ، وإنما يعتمد على منظومة من المعلومات والتدريب والتخطيط والقدرة على اتخاذ القرار.

     ومن المهم عدم اختزال المشهد في افتراض أن كل عملية حوثية تصدر بالضرورة عن قرار إيراني مباشر. فالعلاقات بين الدول والجماعات المسلحة تجمع بين الدعم الخارجي، والتقارب السياسي، والتنسيق العسكري، والمصالح المشتركة، مع احتفاظ الجماعة المحلية بدرجات متفاوتة من الاستقلال في اتخاذ القرار.

19‏/10‏/2026

تأثير الطلاق في تمرد الكاتبات العربيات على قيم المجتمع

 

تأثير الطلاق في تمرد الكاتبات العربيات على قيم المجتمع

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     الطلاق في حياة المرأة العربية ليس انفصالًا بين زوجين فحسب، ولا هو نهاية علاقة عاطفية لم تنجح في الاستمرار كما يحدث في أيِّ مكان مِن العالَم. في مجتمعات عربية كثيرة، يتجاوز الطلاقُ حدودَ العلاقة الخاصة ليصبح قضية اجتماعية وأخلاقية تمسُّ صورةَ المرأة ومكانتها وحقها في اتخاذ القرار بشأن حياتها.

     قد تنتهي العلاقة الزوجية، لكن الأسئلة لا تنتهي معها، بلْ تبدأ أحيانًا أكثر إيلامًا من التجربة نفسها. وقد تغرق المرأةُ في التفكير بأسباب الطلاق، وتقييمِ أداء دورها، ومدى الالتزام بحق زوجها، وإمكانيةِ البدء من جديد دون أن تَحمل بقية عُمرها عبء تبرير قرارها أمام الآخرين.

     وبين هذه الهواجس وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية، تتشكل واحدة من أكثر التجارب حضورًا في الكتابة النسائية العربية، حيث يصبح الطلاقُ في بعض النصوص نقطةً فاصلةً بين امرأةٍ اعتادت أن تعيش وفق ما يريده الآخرون، وامرأةٍ تحاول للمَرَّة الأُولى أن تعرف ما الذي تريده هي.

     لا يمكن القول إن الطلاق هو الذي صنع تمردَ الكاتبات العربيات، أوْ إنَّ كُلَّ كاتبة مُطَلَّقة تحوَّلت بالضرورة إلى صوت معارض لقيم المجتمع. العلاقةُ بين التجربة الشخصية والكتابةِ أكثر تعقيدًا من ذلك، كما أن المواقف من الزواج والحرية والأسرة تختلف باختلاف البلدان والطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية والتجارب الفردية. لكنَّ الطلاق كان ولا يزال تجربةً كاشفة في عدد من الكتابات النسائية، لأنه يضع المرأةَ في مواجهة مباشرة معَ منظومة مِن التوقعات التي قد تبدو مستقرة ما دامت الحياة الزوجية قائمة، ثم تنكشف هشاشتها عندما تُقَرِّر المرأةُ الخروجَ منها.

     وحين تكتب المرأةُ عن هذه اللحظة، فإنها لا تروي بالضرورة قصة انفصال فقط، وإنما تعيد النظرَ في مفاهيم تَرَبَّتْ عليها طويلًا، مِثل: التضحية والصبر والطاعة والشرف والواجب. وتسأل إنْ كانت هذه القيم قد حَمَتْهَا فِعلًا أمْ تحوَّلت في بعض صورها إلى أدوات لإبقائها داخل علاقة لَم تعد قادرةً على الاستمرار فيها.

     تبدأ المشكلة في كثير من الأحيان قبل وقوع الطلاق بسنوات. مُنذ الطفولة، تتلقى الفتاةُ إشارات متكررة عن الزواج بوصفه غاية أساسيَّة، وأنَّ نجاح المرأة مرتبط بقدرتها على بناء أسرة، والمحافظة عليها مهما كانت الظروف.

     وقد تتعلم أن الصبر فضيلة لا ينبغي التخلي عنها، والتنازل دليل على النُّضج، والمرأة الجيدة هي التي تعرف كيف تحتوي الخلافات، وتتحمَّل الصعوبات، وتضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها. وهذه المعاني ليست سلبية بحد ذاتها، فالصبرُ والتفاهم والتضحية المتبادلة هي عناصر مهمة في أيَّة علاقة إنسانية ناجحة، لكنَّ الخلل يبدأ عندما تتحوَّل التضحية إلى واجب أحادي الجانب، ويصبح الصبرُ مُطالَبة دائمة للمرأة بتحمُّل الأذى، وتُختزَل المحافظة على الأسرة في استمرار الزواج مهما كان الثمن. وقد لا تُفَكِّر في الانفصال بوصفه خيارًا ممكنًا إلا بعد سنوات من محاولات الإصلاح والتأقلم، أو بعد أن تكتشف أن التنازل المتواصل لم يُؤَدِّ إلى علاقة أكثر عدلًا واستقرارًا.

     وإذا تَمَّ اتخاذ قرار الطلاق، فالمرأةُ لا تواجه خسارةَ العلاقة وحدها، وإنما تواجه أيضًا صورةَ المرأة التي تعلَّمتْ أن تُكوِّنها، والصورةَ التي يريد المجتمعُ منها أن تبقى عليها. هُنا تكتسب الكتابةُ أهميتها. فالكاتبة التي تختار أن تتحدث عن الطلاق لا تكتفي بوصف ما حدث، وإنما تحاول فهمَ الأسباب التي جعلت استمرارَ الزواج يبدو واجبًا حتى عندما يصبح مؤلمًا، بينما يُنظَر إلى إنهائه بوصفه خطأ يستدعي الاعتذار. وقد تكشف من خلال تجربتها التناقضَ بين خطاب اجتماعي يُمجِّد كرامةَ المرأة نظريًّا، وخطابٍ آخر يطلب منها التنازلَ عن هذه الكرامة من أجل الحفاظ على استقرار الأسرة في الظاهر.

     إنَّ المجتمع العربي ليس كتلة واحدة تتبنى موقفًا مُوحَّدًا من المُطَلَّقات، فهناك عائلات ومجتمعات تُوفِّر للمرأة الدعمَ والاحترام، وهناك بيئات تتعامل معَ الطلاق بوصفه حقًّا مشروعًا عندما تستحيل الحياة المشتركة، غَير أنَّ استمرار الوصمة في بعض الأوساط يجعل الانفصالَ تجربةً تتجاوز حدودَ الزوجين، ويمنح الكتابةَ قدرةً على مساءلة الأحكام التي تَصدر على المرأة من دون معرفة ما عاشته فعلًا.

     لعلَّ أكثر ما يجعل الطلاق تجربة مؤثرة في مسار بعض الكاتبات هو أنَّه يضعهن أمام سؤال الهُوية. فالمرأةُ التي عرَّفت نفسَها طويلًا من خلال كَونها زوجة، تجد نفسَها مضطرة إلى إعادة بناء تصوُّرها عن ذاتها بعد انتهاء الزواج. وقد تكتشف أن جوانب من شخصيتها ظلَّت مُؤجَّلة، وأن رغباتها لم تكن غائبة بِقَدْرِ ما كانت مُحاصَرة بتوقعات الآخرين، وأن قرارات كثيرة اتخذتها لأنها كانت تخشى الرفضَ أو اللوم أكثر مِمَّا كانت مقتنعة بها.

     هذا الاكتشاف ليس سهلًا. قد يصاحبه شعور بالوحدة، وحنين إلى الماضي، وقلق من المستقبل، وتأنيب الضمير. وقد تشعر المرأة بالراحة لأنها خرجتْ من علاقة مرهقة، ثم تحزن على ما فقدته منها. وقد تكون مقتنعة بحقها في الانفصال، لكنها تتألم بسبب الطريقة التي يعاملها بها المحيطون بها. فالتحررُ من العلاقة لا يعني التحرر الفوري من آثارها النفسية والاجتماعية، كما أن اتخاذ قرار شجاع لا يلغي الخوفَ الذي يرافقه.

     والكتابة تمنح هذه المشاعر مساحةً لا تتوفر دائمًا في الحياة اليومية. تستطيع الكاتبة أن تضع حَيرتها أمام القارئ، وتعترف بتناقضاتها، وتتحدث عن أمور يصعب قولها في محيطها الاجتماعي، أو تكتب عن غضبها من القيود التي أحاطتْ بها، أو خوفِها من الوحدة، أو إحساسِها بالذنب تجاه أبنائها، أو شعورها بأنها أمضتْ سنوات تحاول أن تكون المرأة التي يرضى عنها الجميع، بينما لم تسأل نفسَها بما يكفي عن المرأة التي تريد أن تَكونها. وعندما تتحول هذه التجربة إلى نص أدبي، فإنها لا تبقى حبيسة السيرة الشخصية بالضرورة. فالقارئ قد يرى في حكاية امرأة وحدة صورةً لأسئلة عاشتها نساء أخريات، حتى إن اختلفت ظروفهن. ويمكن أن تنتقل الكتابة من الاعتراف الفردي إلى مساءلة اجتماعية أوسع، لأنها تكشف أن بعض المعاناة التي تبدو خاصة ترتبط بأنماط من التربية والتوقعات والعلاقات تتكرر في حياة نساء كثيرات.

     إنَّ التمرد الذي ينشأ من هذا الاكتشاف لا يعني أن المرأة ترفض الزواجَ بحد ذاته، أو أنها تنظر إلى كُلِّ القيم الاجتماعية باعتبارها قيودًا يجب التخلص منها. قد يكون تمردها أكثر تحديدًا وعُمقًا، وهو رفض اعتبار الزواج معيارًا وحيدًا لنجاحها، وعدم قياس قيمتها بقدرتها على إرضاء الآخرين، والاعتراف بحقها في الاختيار، حتى عندما لا يحظى اختيارها بالقَبول الكامل.

     لم تكن المرأة العربية غائبة عن الكتابة، لكن حضورها الأدبي لا يكفي لضمان أن تُروَى تجاربها من وجهة نظرها الخاصة. والمرأةُ ظهرتْ في كثير من الأعمال الأدبية بوصفها أمًّا أو زوجة أو حبيبة أو رمزًا للوطن والتضحية، بينما ظلَّت بعض تفاصيل حياتها الداخلية أقل حضورًا، خصوصًا حين تتصل بالرغبة، أو الخَيْبة، أو الرفض، أو الغضب، أو البحث عن الاستقلال. ومعَ تطوُّر الكتابة النسائية وتنوُّع أشكالها، اتَّسعت المساحة التي استطاعت الكاتبات من خلالها تقديمَ المرأة باعتبارها ذاتًا تفكر، وتختار، وتخطئ، وتعيد النظر في حياتها، وليس مجرد شخصية تؤدي دورًا مرسومًا لها سلفًا.

     يمكن للطلاق أن يصبح مدخلًا إلى إعادة امتلاك الحكاية. فالمرأةُ التي تعرَّضت للظلم بسبب انفصالها قد تجد في الكتابة وسيلة لاستعادة حقها في تفسير تجربتها، بدلًا من أن يختصرها الآخرون في كلمة "مُطَلَّقَة". تستطيع أن تتحدث عن الظروف التي أوصلتها إلى هذا القرار، والأشياءِ التي فقدتها، والحدودِ التي لم تعد قادرة على تجاوزها، والحياةِ التي تحاول بناءها بعد الانفصال.

     وتكمن أهمية هذا التحول في أن المجتمع كثيرًا ما يتحدث عن المرأة المُطَلَّقة دون أن يمنحها فرصة كافية لتفسير تجربتها بنفسها. وقد تُعامَل باعتبارها موضع شفقة، أو موضوعًا للشائعات، أو امرأة ينبغي مراقبة اختياراتها اللاحقة، وكأن انتهاء زواجها أفقدها حقها الطبيعي في الخصوصية والاستقلال.

     حين تكتب المرأةُ عن حياتها، فهي تنتقل من موضع الشخص الذي يُحكَى عنه إلى موقع الشخص الذي يَحكي، ومن موضوع للأحكام إلى صوت قادر على مناقشة هذه الأحكام وكشفِ تناقضاتها. ولا تقتصر قوة الكتابة على فضح القسوة الاجتماعية، إنَّها تكمن أيضًا في قدرتها على استعادة التفاصيل الصغيرة التي تُمحَى عادةً من الروايات العامَّة عن الزواج والطلاق، والتي تتعلق بالسنوات التي حاولت فيها المرأةُ إصلاحَ العلاقة، واللحظات التي شعرتْ خلالها بأنها غريبة داخل بيتها، والمحادثات التي لم تستطع خوضها، والخوف من نظرة الأبناء أو الأقارب، والارتباك الذي يرافق العودة إلى الحياة بوصفها فردًا مستقلًّا. هذه التفاصيل تمنح التجربة الإنسانية تعقيدَها، وتمنع اختزالها في ثنائية سهلة وساذجة، تجعل كُلَّ زواج سجنًا، وكُلَّ طلاق انتصارًا.

     تتجلى علاقة الطلاق بالتمرد عندما تكشف التجربةُ أن بعض القيم التي تُقَدَّم باعتبارها ثوابت أخلاقية تُفَسَّر بطريقة غير متكافئة بين الرجل والمرأة. على سبيل المثال، التضحية قيمة إنسانية حين تكون متبادلة، لكنها تصبح عبئًا حين يُطلَب من طرف واحد أن يتحمَّل الخسارةَ باستمرار. والطاعةُ تُطرَح داخل بعض العلاقات باعتبارها دليلًا على الاحترام، لكنها تتحوَّل إلى مشكلة عندما تعني إلغاءَ رأي المرأة أو حرمانها من المشاركة في القرارات التي تمسُّ حياتها. أمَّا الشرف، وهو مفهوم بالغ الحساسية في السياقات الاجتماعية، فقد يُستخدَم أحيانًا لربط سُمعة الأسرة بسلوك المرأة وحالتها الزوجية، حتى يصبح قرارها بالانفصال سببًا للتشكيك في أخلاقها، بصرفِ النظر عن ظروف العلاقة.

     في مواجهة هذه التصورات والأحكام المسبقة والإدانة الجاهزة، قد تتَّجه الكاتبة إلى مساءلة المعنى الذي أُعْطِيَ لهذه القيم، أو الدعوة إلى القطيعة معَ المجتمع، باعتباره ذكوريًّا أبويًّا تَسَلُّطِيًّا. وهذا التمرد يتحوَّل إلى استعراض صوتي أجوف، فنرى المرأةَ تتبرَّأ من طغيان المجتمع بلسان، بينما تتكئ في عُمق وعيها على نفسِ الأغلال لتبرير عجزها. ويصير تمردُ الأنثى ثورةً تكتفي بالصراخ المجاني على الورق، وتتهرب من أيَّة محاسبة حقيقية لذاتها، وكأنها تريد أن تحصد مجدَ المرأةِ المتمردةِ دون أن تدفع ثمنَ التحرر الحقيقي، أو تخلع ثوبَ الضحية التي باتت تستمتع بالاختباء خلف ظِلِّها. وما يُسمَّى "ثورة نسوية" ليس سِوى استعراض عاطفي باهت، يكتفي بلومِ الآخرين،وتعليق الخيارات الخاطئة على شَمَّاعةِ المجتمع، هربًا من تحمُّل مسؤولية الاختيار وتبعاته.

16‏/10‏/2026

حرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة

 

حرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................


     ليس كُلُّ كاتب تُترجَم أعماله إلى لغات أجنبية كاتبًا كبيرًا بالضرورة، وليس كُلُّ رواية تجد طريقها إلى دور النشر الغربية قد اجتازت امتحانَ الأدب بمعاييره الصارمة. الترجمةُ مهما اتَّسعت دائرتها لا تمنح النص شهادةَ تفوق فني، كما أن الاحتفاء النقدي والإعلامي لا يعفي الرواية من التساؤل الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في كُلِّ قراءة جادَّة: ماذا أضافت إلى الأدب؟، وما الذي يجعلها جديرة بالبقاء بعد أن تتراجع حرارة القضية التي تتناولها وتخفت الضجة المحيطة بها ويتغير مزاج القراء والناشرين؟.

     مِن هُنا يمكن أن نبدأ النقاش حول حضور روايات الكاتبة الفِلَسطينية سحر خليفة ( وُلدت 1941 ) في اللغات الأجنبية، وهو حضور لا يمكن إنكاره، فقد تُرجمت بعض أعمالها إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرها، وحظيت باهتمام جامعي ونقدي، ونالت بعضُ أعمالها جوائز أدبية. لكن الأمر الذي يستحق التوقف عنده ليس عدد اللغات التي وصلت إليها هذه الروايات، بل طبيعة العوامل التي جعلتها مرغوبة في أسواق ثقافية بِعَيْنها، وما إذا كان الاهتمام بها نابعًا من قيمتها الأدبية وحدها، أمْ أن موضوعاتها السياسية والاجتماعية وهويتها الفِلَسطينية واشتغالها بقضايا المرأة قد أدَّت دورًا حاسمًا في تسويقها، وتقديمها إلى القارئ الغربي.

     ليس من الحكمة أن نتعامل معَ الترجمة والجوائز والانتشار الدولي كما لو كانت أحكامًا نهائية في القيمة الأدبية الفنية. المؤسساتُ الثقافية مثل سائر المؤسسات، تختار، وتستبعد، وتُسلِّط الضوءَ على موضوعات مُعيَّنة، وتستجيب لاهتمامات السوق والجامعة والسياسة، فضلًا عن استجابتها للأدب نفسه.

     الأدبُ الفِلَسطيني لا يحتاج إلى مجاملة، ولا يستفيد من رفع أعماله فوق المساءلة، بل يحتاج إلى نقد يُميِّز بين قوة التجربة الإنسانية وقوةِ بنائها الفني، ويُفَرِّق بين شرعية القضية وتحويلِ القضية إلى فن حي لا يختزل البشرَ في مواقف وشعارات.

     الرواية ليست تقريرًا عن مرحلة تاريخية، ولا مِلَفًّا توثيقيًّا عن الاحتلال، ولا دراسة اجتماعية تُوزَّع فيها الأدوار بين القامع والمقموع، والتقليدي والمتحرر، والمرأة المُضْطَهَدَة والرجلِ المستبد. تستطيع هذه العناصر جميعًا أن تدخل الرواية، لكن دخولها لا يكفي لصنع الأدب. لا بد أن تتغير طبيعتها حين تدخل العالَمَ الروائي، وتصبح أكثر تشابكًا وترابطًا وإدهاشًا.

     تُوضَع روايات سحر خليفة ضمن تقليد يستخدم العلاقات بين الجنسين وسيلة لتمثيل أحوال الشعب، أي إنَّ الحياة الخاصَّة تصبح مدخلًا لقراءة البنية الوطنية والاجتماعية. وهذه الملاحظة النقدية تكشف التوترَ الذي ينشأ حين يطغى التمثيل السياسي على استقلال الشخصية.

     حين تُكتَب الرواية من داخل انشغال سياسي أو اجتماعي شديد، يظل خطرُ اختزال الشخصية قائمًا. قد يصبح الرجلُ ممثلًا للسُّلطة الأبوية، أو رمزًا للتخلف، أو صورة للمقاومة، وتصبح المرأة عنوانًا للتحرر، أو الضحية التي يُراد من القارئ أن يتعاطف معها، أو الشخصية التي تَحمل على كتفيها عبءَ الاعتراض على المجتمع. عندئذٍ تتراجع المسافة بين الشخصية والفكرة التي تُمثِّلها، ويصبح السلوكُ الروائي نوعًا من البرهنة على مواقف جاهزة مسبقًا، وليس اكتشاف الحياة الإنسانية بكل تفاصيلها وأبعادها وتعقيداتها.

     لا يستطيع أيُّ روائي مهما كانت خبرته أن يُقَدِّم شخصيةً واحدة بوصفها صورة مكتملة لجماعة واسعة ومتعددة الطبقات والتجارب. حين تتحول الشخصية إلى نموذج تمثيلي شامل، فإنها تفقد خصوصيتها، ويُختزَل المجتمع في صورة واحدة.

     تحتل قضايا المرأة والعلاقات الأسرية والقيود الاجتماعية مساحة بارزة في تجربة سحر خليفة الروائية. وقد أسهمَ وصفها بالكاتبة النسوية المتمردة على قيم المجتمع في تعريف قطاعات من القراء الأجانب بأعمالها، لكن المشكلة تبدأ حين يُعامَل الانتماء إلى تيار فكري أو اجتماعي كما لو كان في ذاته دليلًا على الجودة الفنية. والنسوية مثل الواقعية أو الاشتراكية أو الوجودية ليست رتبة أدبية، ولا قيمة فنية، والفكرةُ التي يدافع عنها الكاتب لا تمنحه حصانة من النقد.

     نصوص سحر خليفة تعاني من الفقر الفني والتشظي السلبي، ولغتها الروائية لا تتغير بتغير الشخصيات وأحوالها النفسية، كما أن حواراتها لا تمتلك إيقاعًا خاصًّا بكل شخصية، والصورُ والتفاصيلُ لا تترك أثرًا يتجاوز المعلومات التي تنقلها، لأن لغتها الروائية خاضعة لفكرة مسبقة تتمحور حول معاداة الرجل، والتمردِ على بنية الأسرة، والثورةِ على قيم المجتمع.

     وقد لعبتْ دراستها في الولايات المتحدة الأمريكية دورًا أكاديميًّا وفكريًّا مهمًّا في صياغة رؤيتها النسوية المتحررة البعيدة عن بنية المجتمع العربي. ومشكلة سحر خليفة أنها متأثرة بالنظرية النسوية الغربية، ومناهجِ النقد الأدبي التي تفكك الخطابات الأبوية، وتدرس اضطهادَ المرأة المزدوج ( على الصعيدين الأسري والاجتماعي ). ومحاولةُ تطبيق ما تعلَّمته في أمريكا على المجتمعَيْن الفِلَسطيني والعربي يشير إلى التمردِ العبثي على قيم المجتمع، وانسلاخ الهوية، وعقدة الخواجة، والمغلوب مُولَع بتقليد الغالب. ولا يخفى أن كُل مجتمع له ثقافته وخصوصيته وهُويته.

     عائلة سحر خليفة تتكون من ثماني بنات، تُوُفِّيَت ابنتان، وبقيت ست بنات. ثم أنجبَ والدها ولدًا ذكرًا، وفي سن السادسة عشرة كان أخوها يقود السيارة بتهور، فتعرَّض لحادث سير خطير، مما أدى إلى إصابته بالشلل، وبقي مُقْعَدًا وعاجزًا حتى وفاته. تزوَّجَ والدها من امرأة مطلقة كزوجة ثانية في عُمر بناته كي يُنجب ولدًا ذكرًا يَحمل اسمَه لكيلا ينقطع، وهذا أدى إلى معاناة أُمِّها وأخواتها، وتفككِ العائلة، وصارت قصتهم فضيحة في منطقة نابلس، وعلى كُلِّ لسان. أمَّا سحر خليفة فقد تزوجت في سن مبكرة زواجًا تقليديًّا، وانفصلت عن زوجها بعد ثلاث عشرة سنة. كان زوجها سكيرًا، ولاعب قمار، ويضربها، ويهينها، وكانت تشتمه، ثم طلَّقها، وهربت منه معَ ابنتيها. [ هذه المعلومات الشخصية ذكرتها سحر خليفة في سيرتها الذاتية: رواية لروايتي، الجزء الأول، 2018].

     اعتبرتْ سحر خليفة الرجلَ العربي ( الشرقي ) وحشًا كاسرًا، تجب مقاومته، والتحرر مِن سُلطته، كما اعتبرت المرأةَ العربية مقموعة ومنبوذة وحقيرة، ويتم استغلالها جنسيًّا واجتماعيًّا، وهي مُضْطَهَدَة خلف الحجاب، وتعاني من تعدد الزوجات، وقدَّمت المجتمعَ العربي كمنظومة اجتماعية متوحشة وخاضعة للسُّلطة الأبوية والنظرة الذكورية. وهذه المواضيع تجذب القارئَ الغربي، وهي طريق سهل إلى الترجمات والجوائز.

     إنَّ الاهتمام الغربي بترجمة روايات الكاتبات العربيات اللواتي يتناولن مواضيع مِثل: قمع المرأة العربية أو المُسْلمة، والاستغلال الجنسي، والإهانة، والاحتقار، والحجاب، وتعدد الزوجات، يعود إلى تفاعل معقد بين عوامل ثقافية، وتسويقية، وسياسية. وهذا الاهتمام ليس عشوائيًّا، بل يُفَسِّر بسببَيْن أساسِيَّيْن:

     الأول: تلبية الصور النمطية المسبقة، وتأكيد التوقعات الغربية: يوجد في الثقافة الغربية تيار عريض ينظر إلى المجتمعات العربية والإسلامية باعتبارها مجتمعات بدائية بدوية متخلفة أبوية ذكورية، تعاني فيها المرأةُ من الاحتقار والإقصاء. عندما تُترجَم روايات تُسلِّط الضوءَ حصريًّا على هذه الجوانب،فإنها تُشبع رغبة القارئ الغربي في العثور على ما يؤكد هذه الصور النمطية المسبقة. كما تُشكِّل هذه الموضوعات بالنسبة للقُرَّاء في الغرب نافذة على عالَم خفي أو مُحرَّم، مما يجعل الرواية ذات جاذبية تسويقية عالية لاكتشاف القمعِ والمكبوت والمسكوت عنه.

     الثاني: آليَّات سوق النشر الغربي والجوائز الأدبية، وصناعة النشر التجارية: دور النشر الغربية تبحث غالبًا عن كتب تَحمل "رسائل اجتماعية" واضحة يمكن تسويقها بسهولة كأدب احتجاجي، وتمرد على المجتمع، وثورة على النظام الأبوي الذكوري، ودفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة. والروايات التي تتناول قضايا التحرر والتمرد تجد أسواقًا أوسع، لأنها تُصنَّف ضمن أدب المقاومة. كما أنَّ هناك معايير خاصة للجوائز العالمية، وغالبًا ما تحظى الأعمال الأدبية المترجمة التي تناقض الخطابَ الرسمي للمجتمعات الشرقية، أو تنتقد بنيتها الاجتماعية باهتمام أكبر من لجان التحكيم الغربية، التي تربط في كثير من الأحيان بين الأدب الجيد والجرأةِ في نقد المجتمع والسُّلطة، باعتبار أن المجتمع ذكوري قمعي ، والسُّلطة أبوية متوحشة.

     إن الغرب لا يترجم الأدبَ بمعزل عن الصورة التي يريدها ويُكرِّسها. والرواية الفِلَسطينية بِحُكم موضوعها وموقعها التاريخي والسياسي، تمتلك قدرةً على جذب اهتمام القارئ الأجنبي الذي يريد أن يفهم الاحتلالَ، والحياةَ اليومية تحته، أو أن يتعرف إلى المجتمع الفِلَسطيني من خلال الأدب. وليس في ذلك عيب في حد ذاته، فالأدبُ يتيح معرفةً لا تُقَدِّمها التقارير السياسية وحدها. لكن المشكلة تظهر حين يصبح النص مطلوبًا أساسًا لأنه يفي بشروط مُعيَّنة وتوقعات مسبقة عن المجتمع الذي يُصوِّره، أو حين يُسوَّق بوصفه وثيقة تتيح للقارئ الأجنبي أن يعرف مجتمعًا بأكمله من خلال رواية واحدة. لذلك فإن النص يُقْرَأ بوصفه وثيقة عن المجتمع أكثر مِمَّا يُقْرَأ بوصفه بناءً أدبيًّا له لغته وشخصياته وخياراته الفنية.

     والقارئ الغربي لا يحصل على صورة فِلَسطين كاملة بمجرد قراءة رواية فِلَسطينية، كما لا يحق للناشر أن يوحي له بأن رواية واحدة تختصر حياةَ الرجال أو النساء أو المجتمع بأسره. والأدبُ الفِلَسطيني أكبر من أي كاتب، كما أن القضية الفِلَسطينية أوسع من أن تُختزَل في رواية أو مجموعة روايات. ولا ينبغي أن تتحول مكانة الكاتب إلى احتكار لتمثيل شعبه، ولا أن تصبح الترجمة الأجنبية معيارًا نهائيًّا لتقدير الأدب العربي.

     إن الترحيب الغربي الواسع بروايات سحر خليفة، والترجمات المتسارعة التي تحظى بها، لا تفتح البابَ لأسئلة مشروعة فحسب، بل أيضًا تكشف عن مأزق نقدي عميق، ومشكلة فكرية جذرية. إنها حكاية الاسترضاء الثقافي، والمغازلة المسبقة للغرب، حيث يتحول النص الأدبي من نبض مقاوم وصرخة حقيقية من صميم الوجع المُعاش، إلى مجرد سلعة تصديرية مُصمَّمة بعناية فائقة لِتُلَبِّي بدقة ما تنتظره الدوائر الغربية من الشرق ( العرب والمسلمين ).

     ورواياتُ سحر خليفة تُكتَب بعين أجنبية راصدة، أي إنَّها تُفَصَّل خصيصًا لِتُقَدِّمَ للقارئ الغربي الصورةَ التي يشتهيها عن الشرق: صورة المجتمع المأزوم والمنغلق والمتخلف والعنيف، والمُستهلِك للمرأة، والمُضْطَهِد لها، حيث المجتمع مُدان سلفًا، والمرأة مكسورة دومًا تحت سياط الموروث الذكوري الأعمى. وهذا تجاوز للأبعاد المقاومة والمُركَّبة للهُوِيَّةِ الفِلَسطينية والعربية التي لا يمكن اختزالها في جلد الذات.

     حين تكتب الكاتبة وهي تضع القارئ الأوروبي أو الأمريكي نُصْبَ عينيها، وحين تصبح الترجمة هي الهاجس والغاية التي تسبق متعة الإبداع وصدق التجربة، تفقد الرواية روحها، وتتحول إلى دليل سياحي مُشوَّه عن البؤس والشقاء والحرمان. تصبح الشخصيات دمى استعراضية خاضعة، تُقَدَّم على طبق من ذهب للمؤسسات الغربية التي تبحث عمَّا يُبَرِّر سردياتها الاستعمارية عن تخلُّف المنطقة، وعجز أبنائها عن إدارة شؤونهم وحياتهم بمعزل عن "الوصاية التنويرية والديمقراطية الغربية".

     هذا التنازل الجمالي والفكري هو أخطر ما يمكن أن يصيب المبدعَ، إذْ لا شيء يقتل الأدبَ أسرع مِن أن يخسر الكاتبُ صوته الخاص، ويستبدل هواجسَه الحقيقية بقوائم شروط المانحين، وجوائز الاستشراق الثقافي.

     ورواياتُ سحر خليفة لم تكن سوى مرآة عاكسة لهذا الانبطاح الفكري الناعم، حيث يُضَحَّى بالعُمق النضالي والثقافةِ الفِلَسطينية الحَيَّة، في مقابل التصفيق الغربي العابر، ورضا المؤسسات التي تريد أن يكون العرب والمسلمون ضحايا أبدية، ينتظرون المُخَلِّصَ والمُنقذَ وناشرَ الديمقراطية والحرية والتنوير والمدنية والحضارة من خلف البِحَار.

     يمكن تلخيص عيوب روايات سحر خليفة وفق النقاط التالية:

     1_ سطحية الخطاب الروائي: تغليب الرسالة السياسية والاجتماعية على التشكيل الفني، مِمَّا يحدُّ من تعدد الدلالات وحرية التأويل.

     2_ محدودية التجديد اللغوي: الارتهان إلى نبرة مألوفة مُستهلَكة، وعجز اللغة السردية عن التطور والتجدد.

     3_ التكرار الأسلوبي وهشاشة اللغة: إعادة إنتاج الأدوات السردية ذاتها في أكثر من عمل، مِمَّا يُضعف التنوعَ والدهشة الفنية.

     4_ ضعف الاستقلال النفسي للشخصيات: تحوُّل الشخصيات إلى نماذج اجتماعية أو أيديولوجية على حساب ترابطها الإنساني.

     5_ المباشرة الفكرية: تقديم المواقف والأفكار بصورة تقريرية بدل تجسيدها في صراعات درامية عميقة.

     6_ تبسيط العلاقات الإنسانية: اختزال الصراعات الاجتماعية والجندرية في ثنائيات أخلاقية تُقَلِّل من تعقيد الواقع.

     7_ تغليب التوثيق على التخييل: طغيان قيمة تسجيل الواقع الفِلَسطيني على الابتكار الفني وإعادةِ تشكيله روائيًّا.

     8 _ تشتُّت المحاور الموضوعية: ازدحام النص بالقضايا السياسية والاجتماعية والنسوية على حساب وحدة البناء وترابطِ الحدث.