سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

24‏/08‏/2026

مفهوم العبث بين محمود المسعدي وألبير كامو

 

مفهوم العبث بين محمود المسعدي وألبير كامو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ السؤال الذي يُسكنه. هو أن يشعر الإنسانُ بأنَّ حياته تمضي، والموت ينتظره، والعالَم لا يُقَدِّم له تفسيرًا نهائيًّا،ومعَ ذلك يُصِر على أن يعيش، ويبحث، ويُحِب، ويصنع من وجوده شيئًا يستحق أن يُعاش.

     ومِن هُنا تأتي أهمية المقارنة بين الكاتب التونسي محمود المسعدي ( 1911_ 2004 ) والكاتب الفرنسي ألبير كامو ( 1913_ 1960 ). الرَّجلان التقيا، كُلٌّ بطريقته، عند واحدة مِن أعمق مناطق القلق الإنساني: ماذا يفعل الإنسانُ حين يُحَاصَر بين حاجته العارمة إلى المعنى وبين عالَمٍ لا يمنح المعنى جاهزًا؟، وكيف يمكن للحياة أن تستمر حين يصبح الموتُ حاضرًا في كُلِّ لحظة، وحين تبدو الأفعالُ البشرية كُلُّها مُهدَّدة بالسقوط في الفراغ؟.

     التشابهُ بين المسعدي وكامو لا يعني التطابقَ. قيمةُ المقارنة الحقيقية في الاختلاف بينهما. يفتح المسعدي الأسئلةَ على آفاق جديدة، تتداخل فيها الإرادةُ والروح والمصير والبحث عن الحقيقة،بينما يضع كامو الإنسانَ أمام صمت العالَم، ويبحث عن إمكانية العيش رغم هذا الصمت.

     عند المسعدي، لا يكتفي الإنسانُ بأن يكتشف عبثَ وجوده، بلْ يدخل في مواجهة شاقة معَ نَفْسه والقوى التي تتجاوز ذاته، كأنَّه يريد أن يعرف إلى أيِّ مدى يستطيع الإنسانُ أن يكون إنسانًا.

     أمَّا عند كامو فيبدو العبثُ وليد الصدام بين الإنسانِ والعالَم، وهو يَعتبر الإنسانَ ليس مُجرَّد كائن يعيش ثم يموت، إنَّه كائن يعرف أنَّه يعيش وسيموت، وهذه المعرفة هي التي تمنح وجودَه ثقله المأساوي. فالحيوانُ لا يَحمل، بالمعنى نَفْسِه، سؤالَ المصير، أمَّا الإنسان فيستيقظ ذات يوم على حقيقة أنَّه محدود، وأنَّ كُلَّ ما يفعله محكومٌ بحدود الزمن.

     المسعدي كاتبٌ لا يمكن قراءته باعتباره مُجرَّد روائي يحكي حكايات، لأنَّ أعماله الكُبرى تبدو كأنَّها مختبرات للوجود الإنساني. شخصياته لا تتحرك ببساطة داخل أحداث متتابعة، وإنما تدخل في امتحانات قاسية. عَالَمُه الروائي لا يجيب عن أسئلة شخصياته بسهولة. شخصياته تُلْقَى في مواجهة أسئلة أكبر منها، وتجد نفسها مضطرة إلى الاختيار، حتى عندما يكون كُلُّ اختيار محفوفًا بالخسارة.

     والمسعدي، مِثل كامو، يعرف أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون أن يصطدم بحدوده. يَعرف أنَّ الموت لَيس حدثًا بعيدًا يأتي في نهاية الطريق فقط،بلْ قوة حاضرة في الوعي مُنذ البداية. ويعرف أنَّ الإرادة الإنسانية جميلة ومأساوية في الوقت نَفْسِه، لأنَّ الإنسان يريد بلوغَ ما قدْ يتجاوز قدرته. والمسعدي لا يُقَدِّم تصوُّرًا سهلًا للعبث، فشخصياته لا تقف أمام الفراغ مكتوفة الأيدي، إنَّها تريد أن تفعل، وتتجاوز، وتصنع. وقدْ تكون مأساةُ الإنسان هي أنَّه لا يستطيع التوقفَ عن الرغبة حتى حين يعرف أنَّ النهاية قد تكون الهزيمة.

     جاء المسعدي من بيئة ثقافية عربية وإسلامية غنيَّة بالتراث اللغوي والفلسفي والصوفي، واستطاعَ أن يدخل في حِوار عميق معَ هذا التراث دون أن يتحوَّل إلى أسيرٍ له.

     أمَّا كامو فقدْ نشأ في سياق فكري وأوروبي محدد، وتشكلت تجربته في ظِل أزمات القرن العشرين، والحربَيْن العالميتَيْن، والانهيارات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، وصعود أنماط من التفكير جعلت الإنسانَ يُواجه سؤالًا حادًّا حول معنى وجوده، وحدودِ العقل والأخلاق.

     عند المسعدي، هناك إنسان يخوض معركةً داخلية وخارجية معَ معنى يُريد الوصولَ إليه، وقدْ يكون هذا المعنى قريبًا أوْ بعيدًا، وقد يتحوَّل البحث عنه إلى مأساة. عند كامو، هناك عالَم صامت في مواجهة إنسان متعطش للمعنى. إنها ليست المسألة نفسها، وإنْ كان السؤال الإنساني العميق واحدًا: كيف يستطيع الإنسانُ أن يعيش وهو يعرف أنَّ وجوده هَش ويقينه ناقص؟. اللغة نفسها تصبح جُزءًا مِن المعنى. وما يُميِّز المسعدي أنَّ أفكاره لا تأتي في صورة فلسفة مدرسية جافة. لغته تَحمل القلقَ. والجُملةُ عنده ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الحكاية، إنَّها مساحة للتأمل والتوتر والمواجهة. وكامو أيضًا لَم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بلْ كان أديبًا يترك الفكرةَ تتنفس داخل الرواية والمسرحية والمقالة. لَم يُحوِّل الإنسانَ إلى مثال منطقي، وإنما إلى كائن حَي، يُحِب ويخطئ ويتمرَّد ويخاف ويواصل السير.

     إنَّ أفضل طريقة لقراءة العبث عند الكاتبَيْن ليست أن نبحث عن تعريف قاموسي له، بلْ أن نراقب الشخصيات وهي تعيشه.العبثُ يُفْهَم من طريقة سير الإنسان أكثر مِمَّا يُفْهَم مِن التعريفات. نراه في اللحظة التي يتساءل فيها البطلُ عن جدوى ما يفعل، ثم يفعله رغم ذلك.

     كلاهما ينظر إلى الإنسان في لحظة انكشافه، حين يسقط عنه الاطمئنان السهل، وحين يدرك أنَّ الموت حقيقة، والعالَم لا يُقَدِّم له دائمًا جوابًا. يذهبان إلى تجربة أكثر امتلاءً بالتوتر بين الإرادةِ والمصيرِ، بين الإنسان وما يُريده والحدود التي تصطدم بها رغبته. يصبح السعيُ ذاته امتحانًا، وتصبح محاولة الإنسان تجاوز نَفْسِه جُزءًا مِن مأساته وجَماله.

21‏/08‏/2026

مواجهة التغريب الاستعماري بين أحمد ولد عبد القادر وتشينوا أتشيبي

 

مواجهة التغريب الاستعماري بين أحمد ولد عبد القادر وتشينوا أتشيبي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليس الاستعمارُ مُجرَّد جندي يهبط من سفينة، أو موظف أجنبي يجلس خلف مكتب، أو علم غريب يُرفَع فوق مبنى حكومي.الاستعمارُ يبدأ حين ينجح الغريبُ في إقناع صاحب الأرض بأنَّ صورته عن نَفْسِه ناقصة، ولُغته متأخرة، وذاكرته لا تستحق الثقة، وأنَّ ما جاء به القادمُ من وراء البحر هو وحده مِعيار العقل والحضارة والمدنية والجَمال. عِند تلك النقطة يتحوَّل الاحتلالُ من سيطرة على الجغرافيا إلى مُحاولة للاستيلاء على الخيال، ومِن إخضاع الجسد إلى إعادة تشكيل الوعي. لهذا كان الأدب، في المجتمعات التي خرجتْ من التجربة الاستعمارية، أكثر مِن ترف ثقافي أو لعبة لغوية. كان محاولة لاسترداد الصوت، وبحثًا عن الإنسان الذي كاد أن يختفي خلف الرواية التي كتبها الآخرون عنه. والكاتبُ في أحيان كثيرة يقف في منطقة شديدة الحساسية، بين ذاكرة محلية مثقلة بالجراح، وصورة استعمارية حاولتْ أن تُقَدِّم تلك الذاكرة باعتبارها ظلامًا كاملًا لا يستحق إلا أن يُستبدَل.

     مِن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الموريتاني أحمد ولد عبد القادر ( وُلد 1941 ) إلى جانب تجربة الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي ( 1930_ 2013 )، ليس لأنَّ الرَّجُلَيْن متطابقان في المشروع أو الأسلوب أو السياق، فلكلِّ واحد منهما عالَمه الخاص، وإنما لأنهما يلتقيان عند سؤال عميق: كيف يستعيد الإنسانُ الذي مَرَّ عليه الاستعمارُ حَقَّه في أن يرى نَفْسَه بعينيه، ولَيس بالمِرآة التي صنعها له المُستعمِر؟.

     إنَّها مواجهة لا تجري بالسلاح، وإنما باللغة والذاكرة والصورة الأدبية. مواجهة بين مَن يريد أن يجعل الماضي صفحة بيضاء لا قيمة لِمَا قبلها، ومَن يُصِر على أنَّ الأُمَّة لا تستطيع أن تبدأ من الصفر، وبين مَن يختزل الشعوبَ في عاداتها التي يصفها بالغريبة والمتخلفة، ومَن يعيد إلى تِلك العادات سياقها الإنساني والتاريخي، وبين كتابةٍ تُريد أن تجعل العالَمَ الاستعماري مركزًا وحيدًا للمعنى، وكتابةٍ تحاول أن تقول: نحنُ هُنا، ولنا حكايتنا أيضًا.

     مِن أخطر ما فعله الاستعمارُ أنَّه لَم يكتفِ بالسيطرة السياسية والاقتصادية، بلْ أنتجَ خطابًا كاملًا عن الشعوب التي استعمرها، ووصفها، وصنَّفها، ودرسها، وكَتَبَ تاريخَها، وحدَّد في كثير مِن الأحيان ما ينبغي أن يُقَال عنها. وحين تتكرر هذه الصورة بما يكفي، فإنَّها قدْ تتسلل إلى وعي أبناء المجتمع نَفْسِه ، فيبدأ الإنسانُ بالنظر إلى ذاته من الخارج.

     هُنا يصبح التغريبُ الاستعماري أعمق مِن مُجرَّد تقليد بعض مظاهر الحياة الأوروبية. إنَّه اغتراب عن الذات، واللغةِ، والذاكرةِ، والإحساسِ الطبيعي بأنَّ للمجتمع حقًّا في أنْ يُعرِّف نَفْسَه بِنَفْسِه. لذلك فإنَّ مقاومة التغريب لَيست دعوة ساذجة إلى إغلاق الأبواب أمام العالَم، ولَيست رفضًا لكلِّ ما يأتي مِن الآخَر. الإنسانُ لا يعيش في جزيرة معزولة، والثقافاتُ لا تنمو في عُزلة مُطْلقة، إنما القضية هي الفرق بين التبادل الحُر والهيمنة، وبين أن تختار مِن الآخَر ما يثري تجربتك، وبين أن يُفْرَض عليك الاعتقاد بأنَّ الآخَر هو الأصل وأنك هامشٌ عابرٌ ليس لك وزن ولا قيمة.

     في السياق الموريتاني، تتخذ هذه المسألة خصوصية واضحة. موريتانيا بلد تشكَّلت هُويته مِن الإسلام واللغة العربية والصحراء والقبيلة والترحال والمدن والذاكرة الشفوية، ثم دخلتْ عليه الدولة الاستعمارية الفرنسية بمنظومة مختلفة في تصوُّرها للسُّلطة والمعرفة والمجتمع.

     مِن داخل هذا الترابط، تأتي تجربة أحمد ولد عبد القادر بوصفها تجربة أدبية مشدودة إلى سؤال الإنسان الموريتاني ومكانه في التحوُّلات الكُبرى. الكتابةُ عنده لا تبدو منفصلة عن سؤال الذاكرة، ومحاولةِ الإمساك بذلك الخيط الذي يصل الحاضرَ بماضٍ لَم يكن مُجرَّد زمن منقضٍ، وإنما كان عالَمًا كاملًا له قِيَمه وأحلامه وتناقضاته.

     مقاومةُ التغريب في هذا السياق لا تعني تمجيدَ الماضي بصورة عمياء. الأدبُ الحقيقي لا يتحوَّل إلى منشور دعائي للماضي، ولا ينظر إلى المجتمع القديم باعتباره فِردوسًا لَم يكن فيه ظُلم ولا فقر ولا تناقض. قوةُ الكتابة تكمن تحديدًا في قُدرتها على أن ترى الماضي بعيون مُحِبَّة وناقدة في آنٍ معًا. والكاتبُ الذي يستعيد ذاكرةَ مجتمعه لا يفعل ذلك لِكَي يَمنع النقدَ، بلْ لِكَي يَمنع الإلغاءَ، وهُنا تتَّضح قيمة الذاكرة الأدبية.

     إنَّ ما لا تحفظه الكُتب الرسمية قدْ تحفظه الرواية، وما لا تقوله الوثائق قدْ تقوله الحكاية، وما يختفي من التاريخ السياسي قدْ يبقى في صورة إنسان، أو مجلس، أو صحراء، أو بيت، أو كلمة دارجة، أو نبرة صوت. الأدبُ يمنح هذه التفاصيل حياةً ثانية، ويقول إنَّ التاريخ لَيس ما تُسجِّله السُّلطة فَحَسْب، بلْ أيضًا ما يبقى في وجدان الناس.

     في تجربة أحمد ولد عبد القادر، تبدو الكتابة محاولة للعودة إلى الإنسان الموريتاني بوصفه كائنًا تاريخيًّا وثقافيًّا، ولَيس مُجرَّد موضوع في سِجل إداري، أو صورة فولكلورية في عين المستشرق.

     أمَّا تشينوا أتشيبي، فقدْ خاض معركة أكثر مباشرة معَ الصورة الاستعمارية عن أفريقيا. كان يدرك أنَّ الأدب الأوروبي لَم يكن دائمًا بريئًا حين تَحَدَّثَ عن القارة الأفريقية. في بعض الكتابات الاستعمارية ظهرتْ أفريقيا وكأنها مكان بلا تاريخ، ولا ترابط إنساني حقيقي، ولا أصوات داخلية قادرة على إنتاج المعنى.

     ومِن هُنا جاءت أهمية روايته " الأشياء تتداعى"، التي لم تكن مُجرَّد حكاية عن مجتمع أفريقي في لحظة التحول الاستعماري، وإنما كانت إعادة ترتيب للمشهد كُلِّه.

     قبل دخول الرجل الأبيض، هناك مجتمع يعيش، ويختلف، ويتصالح، ويتخاصم، ويُحِب، ويَكره، ويُخطئ، ويُصيب، وقوانين وعادات ومعتقدات وعلاقات اجتماعية، وبشرٌ لا يحتاجون إلى وصول أوروبا لكي تبدأ حياتهم. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنَّها شديدة الأهمية: أفريقيا لَم تكن تنتظر مَن يكتشف إنسانيتها.

     أتشيبي لَم يكتب عن المجتمع الأفريقي باعتباره مثاليًّا. على العكس، كان يعرف عيوبه وقسوته وتناقضاته، لكنَّه رفض أن تكون هذه العيوب ذريعة لمحو إنسانيته، لذلك كانت مقاومته أكثر نُضجًا مِن مُجرَّد قلب الأدوار، أي استبدال صورة المُستعمِر بصورة مُضادة تُمجِّد كُلَّ ما هو محلي.

     أرادَ أن يقول إنَّ المجتمع الأفريقي يستحق أن يُفْهَم في سياقه، ويُروَى مِن الداخل، وتُرى تناقضاته باعتبارها تناقضات بشرية، ولَيست دليلًا على أنَّ أهله أقل إنسانية مِن غَيرهم.

     عبد القادر وأتشيبي يرفضان أن يكون المجتمع المحلي مُجرَّد مادَّة خام في قصة يكتبها الآخَر. كلاهما يعيد الاعتبارَ إلى الداخل، والإنسانِ الذي يتكلم من موقعه، والذاكرةِ التي لا تريد أن تموت، والثقافةِ التي لا ينبغي أن تُخْتَزَل في صورة سياحية أو استعمارية. لكنَّ الأهم أنَّ مقاومة التغريب عندهما لَيست مُجرَّد عودة إلى الماضي، وإنما هي استعادة لحق النظر، أن تنظر إلى نفسك بعينيك، ولَيس بعيون الآخرين، وتعرف أنك تستطيع أن تأخذ مِن العالَم دون أن تفقك اسمك، وتتعلَّم لغةَ الآخَر دون أن تشعر أن لغتك عار، وتستفيد من الحداثة دون أن تتعامل معَ تاريخك بوصفه عبئًا يجب التخلص منه، وتنتقد مجتمعك لأنك تُحِبُّه وتريد إصلاحه، ولَيس لأنك تُردِّد حُكمًا جاهزًا عليه. هذه هي المسافة الدقيقة بين التحرر والاستلاب.

     عبد القادر يتحرَّك في فضاء موريتاني عربي صحراوي له حساسيته التاريخية والثقافية، وأتشيبي يتحرَّك في فضاء نيجيري أفريقي متعدد الأعراق واللغات، شهدَ الصدامَ العنيف بين البنى المحلية والاستعمار.

     ولَيست القضية أن عبد القادر هو أتشيبي، ولا أنَّ موريتانيا هي نيجيريا. إنَّ وضع التجربتين في إطار واحد لا يلغي خصوصية أيٍّ مِنهما، بل يكشف عن سؤال مشترك يمرُّ عبر تجارب كثيرة للشعوب التي عرفت الاستعمارَ: كيف نستعيد حَقَّنا في تعريف أنفسنا؟.

18‏/08‏/2026

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

 

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.

     مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج ( وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو ( 1922_ 2010 / نوبل 1998 ). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان، خصوصًا في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه.

     التاريخ عند واسيني الأعرج مُشبع بذاكرة المكان العربي، والجزائرِ وهي تَحمل طبقات استعمارها وحروبها وانكساراتها، والإنسانِ الذي وجد نَفْسَه مِرارًا داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق، ثُمَّ طُلب مِنْه أنْ يُصدِّقه.

     أمَّا عند ساراماغو، فإنَّ التاريخ يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب. يفتح الكاتبُ شقًّا في الرواية الرسمية، ثم يترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة، كأنَّ الحقيقة أصبحتْ كائنًا مرتبكًا لا يعرف الطريق إلى خلاصه.

     فاجعة التاريخ لَيست في أنَّ الماضي كان قاسيًا فَحَسْب، بلْ أيضًا في أنَّ القسوة كثيرًا ما تُعاد صياغتها بلغة محترمة. يتحوَّل القاتلُ إلى بطل، والضحية إلى هامش، والخراب إلى مجد قَومي، ويُطلَب مِن الأجيال اللاحقة أن تحفظ أسماءَ المنتصرين بدل أن تصغي إلى أنين الذين سقطوا تحت أقدامهم.

     والروايةُ حين تقترب من هذه المنطقة،تصبح مواجهة معَ هذا الترتيب الظالم للذاكرة. في أعمال واسيني الأعرج، لا يبدو التاريخ بعيدًا عن الجسد، إنَّه يدخل البيوتَ، ويترك أثره في العائلة، والحُب، واللغة، وعلاقة الإنسان بأرضه. الجزائر عنده ليست خلفية روائية جاهزة، بل ذاكرة متوترة،تتصارع فيها الأزمنة، لذلك فإنَّ استعادة التاريخ لَيست فِعلًا بريئًا، إنَّها عَودة إلى مَا لَم يُحسَم، والماضي لا يأتي كي يُروَى، وإنَّما كَي يُحاسَب.

     غَير أنَّ مشكلة هذا الاشتغال تظهر حين يصبح التاريخُ أثقل من الرواية نَفْسِها، ففي بعض التجارب التي تجعل مِن الذاكرة مركزًا مطلقًا،قد تتحوَّل الشخصيات إلى حوامل للأفكار التاريخية، وتفقد شيئًا من ارتباكها الإنساني الطبيعي. والإنسانُ الحقيقي لا يعيش وهو يشرح عَصْرَه، ولا يستيقظ كُلَّ صباح وفي رأسه وعيٌ كامل بموقعه في التاريخ.إنَّه يُحب ويخاف ويخطئ، ثم يفهم متأخرًا ما الذي حدث له. وحين تُحمَّل الشخصية أكثر مِمَّا تحتمل، يصبح السردُ أقرب إلى محاكمة الماضي مِنْه إلى الإصغاء إلى الإنسان.

     أمَّا ساراماغو فيتعامل معَ التاريخ بطريقة أكثر مراوغة. لا يواجهه دائمًا مواجهةً مباشرة، بلْ يزعزع اليقينَ به. يسأل: ماذا لوْ كانت الرواية التي وصلتْ عن الماضي ناقصة؟، ماذا لوْ أنَّ ما يعرفه الإنسان ليس إلا نسخة صاغتها القوة؟، ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أنَّ التاريخ الذي ظَنَّه حقيقة نهائية ليس سِوى تأويل انتصرَ لأنَّه كان الأقوى؟.

     لا يحتاج ساراماغو إلى رفع صوته كي يجعل التاريخَ موضع اتهام. يكفي أن يُغَيِّر زاويةَ النظر قليلًا، ويمنح الهامشي مساحةً لَم يكن يمتلكها، أو يضع الشخصية العادية في مواجهة مؤسسة ضخمة، حتى تبدأ البِنية كُلُّها بالاهتزاز. لكنَّه قد يقع في فخ آخر، فالسخرية الفكرية حين تزداد ثقة بنفسها، يمكن أن تتحوَّل إلى مسافة باردة بين القارئ والمأساة. وحين يصبح العبثُ وسيلة دائمة للنظر إلى العالَم، قد يتراجع الألمُ خلف لعبة الأسلوب.

     واسيني الأعرج يكتب من قلب ذاكرة مجروحة، لذلك تبدو العاطفة عنده أكثر التصاقًا بالمكان والهُوية والتاريخ الجزائري. لكنَّه يواجه خطر الاستغراق في الذاكرة إلى الحد الذي يجعل الروايةَ أسيرةً لها.

     وساراماغو يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المُسلَّمات، لذلك يستطيع أن يفكك التاريخَ، ويسخر من سُلطاته، لكنَّه يواجه خطرَ أن يتحوَّل الإنسانُ إلى فكرة داخل بناء فلسفي شديد الإحكام.

     كلاهما يضع القارئ أمام السؤال نَفْسِه: مَن يملك حق رواية الماضي؟. وهذا السؤال ليس أدبيًّا فقط، إنَّه سؤال عن السُّلطة، والتاريخُ الذي تكتبه الدول المنتصرة لَيس مُجرَّد سرد للأحداث، إنَّه طريقة لتحديد مَن يستحق أنْ يُذكَر، ومَن يُمكن أن يُنسَى. لذلك تبدو الرواية في بعض لحظاتها كأنَّها محاولة لاستعادة صوت سُرق منذ زمن طويل، لكنَّها لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تصلح ما انكسر. كُلُّ ما تستطيع فِعْلَه هو أن تمنع النسيانَ مِن أنْ يصبح انتصارًا ثانيًا للظلم.

     لا تكمن أهمية واسيني الأعرج وساراماغو في أنَّهما يمدحان التاريخَ، أوْ يعيدان تقديمه بصورة أجمل، العكس هو الصحيح، قوتهما حين ينجحان، تأتي من الشك في التاريخ حين يتحوَّل إلى عقيدة، والارتيابِ في الرواية حين تدَّعي امتلاكَ الحقيقة كاملة.

     بين الجزائر وسياقاتها التاريخية،وبين البرتغال وذاكرتها الأوروبية، لا تتطابق التجربتان، ولا ينبغي لهما أن تتطابقا. لكنَّ الرواية في الحالتين تقترب من منطقة واحدة، المنطقة التي يصبح فيها الماضي حاضرًا بطريقة موجعة، ويكتشف الإنسانُ أنَّه لا يستطيع الهربَ مِن الأشياء التي لَم تُدفَن. والتاريخُ، في النهاية، ليس ما حدث فقط، إنَّه أيضًا ما بقي مِن الإنسان بعد أن حدث.