لَيْسَ
التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ
الإنسانية ، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها . وفي الأدب ،
يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ
جِهةٍ ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ
أُخرى .
في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ ، يَتجلَّى
التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير ، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة
مِنَ الألَمِ والمُواجَهة . الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936_ 1972 )
لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي ، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة
إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه . ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ
مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ ، وتَبحثُ
عَن العَدالة .
لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي
يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ . فالأماكنُ المُهدَّمةُ،
والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها ، والأسماءُ التي تتلاشى ، لَيْسَتْ مُجرَّد
رُموز ، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ ، وتَشَظِّي
هُوِيَّته . والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا
بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ .
إنَّه تاريخٌ يَنْزِف ، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ ، تاريخٌ يَتحوَّل
إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي .
على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي ،
نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر ( 1897 _ 1962 ) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ
الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية ، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ
الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية .
في أعماله ، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ
التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ
والجَمَاعِيَّة . التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ
والذاكراتِ المُتقاطعة ، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ
الأخلاقي والاجتماعي .
يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على
التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية : تَعَدُّد الأصوات ، الانسياب الحُر للوَعْي
، التداخل بين الماضي والحاضر . هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ
بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه ، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا
مَوضوعيًّا ، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ . حياة تُعبِّر عن
التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع .
مِثْل كنفاني ، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ
مَلحمةً إنسانية ، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ ، والتَّحليلِ
الاجتماعيِّ العميق .
رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ
بَيْنَ كنفاني وفوكنر ، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ
:
1_ التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي : في
كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة ، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط
، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع
.
2_ التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة
: كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة ، بَينما فوكنر يَستخدم
أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ ، لكنَّ النتيجة واحدة : جَعْل
القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ .
3_ الهُوِيَّة والانتماء : في نُصوصِ
الكاتبَيْن ، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة ، وهذا يُشكِّل الفردَ ، ويُحدِّد
عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه .
أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في
المَنَاخِ الثقافي والسياسي . كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ
وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم ، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي
لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه ، ومعَ الآخَرين ، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ
والانعزالِ .
مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر
تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق ، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية
وَوِجْدَانية وفِكْرية . كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ ، ويَجْعله
مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.
كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً
للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية ، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي
يُضيء التناقضاتِ الإنسانية . والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ
أحداثًا عابرة ، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ ، وذاكرةُ الشعب ، وجُروحُ الزمنِ التي
لا تلتئم .
والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن
مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان ، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ
كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة . فوكنر في
جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية ، وكنفاني في فِلَسْطين بعد
النَّكْبَة ، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ .
يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ
النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية ، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ
المُهَجَّرِين واللاجئين ، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية ، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ
الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ .
وفي
رِواياتِ فوكنر ، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات
في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ
والحربِ الأهلية .


