سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

07‏/09‏/2026

التنافس الأمريكي الصيني ومستقبل النظام الدولي

 

التنافس الأمريكي الصيني ومستقبل النظام الدولي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................

     ليس التنافس بين الولايات المتحدة والصين مجرد خلاف على التجارة أو التكنولوجيا، كما أنه ليس سباقًا عابرًا بين قوتين تبحث كل منهما عن تحسين موقعها في العالم. نحن أمام صراع طويل على شكل النظام الدولي نفسه، من يضع قواعده؟، ومن يحدد معايير القوة فيه؟، ومن يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والسياسة الدولية خلال العقود المقبلة؟.

     وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، فالعالم لا ينتقل ببساطة من نظام تقوده الولايات المتحدة إلى نظام تقوده الصين، كما أن الحديث عن حرب باردة جديدة قد يكون مفيدًا لفهم بعض أوجه الصراع، لكنه لا يصف الواقع كاملًا. نحن أمام علاقة أكثر تعقيدًا. توجد منافسة حادة بين أكبر قوتين، يقابلها اعتماد اقتصادي متبادل، وتشابك في الأسواق وسلاسل الإمداد، ومصالح مشتركة في قضايا مثل المناخ، والاستقرار المالي، ومنع الأزمات الكبرى.

     بدأت المواجهة الأمريكية الصينية بصورة واضحة في المجال الاقتصادي والتجاري، لكن مركز الثقل انتقل سريعًا إلى التكنولوجيا. أشباهُ الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والاتصالات، والطاقة النظيفة، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، والفضاء، لم تعد قطاعات اقتصادية منفصلة عن السياسة، لقد أصبحت جزءًا من تعريف القوة الوطنية.

     في القرن العشرين، كانت الدولة التي تمتلك الجيش الأقوى والاقتصاد الأكبر تتمتع بموقع استثنائي في النظام الدولي. أمَّا في القرن الحادي والعشرين، فإن امتلاك القدرة على إنتاج الرقائق المتقدمة، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، والتحكم في البيانات والبنية الرقمية، وتأمين المعادن الحيوية، قد يكون له أثر إستراتيجي لا يقل عن امتلاك حاملات الطائرات والصواريخ.

     لهذا تحاول واشنطن الحد من قدرة بكين على الوصول إلى بعض التقنيات الحساسة، بينما تنفق الصين بصورة ضخمة على بناء قدراتها المحلية، وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.

     والمسألة في جوهرها ليست من سيبيع هواتف أكثر أو سيارات أكثر، السؤال الحقيقي هو: من سيمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي القادم؟. الصين لم تعد القوة التي عرفها العالم قبل عقود، ومن الخطأ النظر إليها باعتبارها دولة صاعدة تنتظر دورها. الصين أصبحت بالفعل قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية كبرى، ولديها قاعدة صناعية هائلة، وحضور تجاري واسع، وقدرة متزايدة على تطوير التكنولوجيا محليًّا.

     لكن الصين في الوقت نفسه ليست قوة بلا قيود، فهي تواجه تحديات ديمغرافية عميقة، وتعاني من تباطؤ اقتصادي مقارنةً بالمعدلات التي اعتادها العالم خلال سنوات صعودها الأُولى، ومشكلات مرتبطة بالعقارات والديون، إضافة إلى تحديات تتعلق بالإنتاجية، والطلب الداخلي، والثقة في الاقتصاد. وهذه النقطة مهمة جدًّا، لأنَّ قوة الدولة لا تقاس بحجم اقتصادها أو جيشها فقط. القوةُ المستدامة تحتاج إلى اقتصاد قادر على الابتكار، ومؤسسات تستطيع التعامل مع الأزمات، ومجتمع يمتلك قَدْرًا من الحيوية، وتحالفات أو شراكات تمنح الدولة مجالًا أوسع للمناورة.

     لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كانت الصين قوية. إنها قوية بالفعل. السؤال الحقيقي: إلى أي مدى تستطيع الصين تحويل قوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى نفوذ سياسي عالمي مستدام؟.

     في المقابل، هناك مبالغة شائعة في تصوير الولايات المتحدة كقوة أفلَ نجمُها، وأن الصين ستزيحها حتمًا. هذا الاستنتاج سابق لأوانه. لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مجموعة استثنائية من عناصر القوة، ولديها اقتصاد ضخم، ومراكز ابتكار وتكنولوجيا عالمية، ونظام مالي يلعب الدولار في قلبه دورًا مركزيًّا، وجامعات ومؤسسات بحثية ذات تأثير هائل، وقوة عسكرية عالمية الانتشار، إضافة إلى شبكة واسعة من التحالفات والشراكات.

     والولايات المتحدة لا تواجه الصين منفردةً، واشنطن ترتبط بتحالفات قوية مع أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها، كما أن كثيرًا من الاقتصادات المتقدمة تشاركها المخاوف بشأن أمن التكنولوجيا وسلاسلِ الإمداد.

     لكن الولايات المتحدة لديها نقاط ضعف حقيقية. الاستقطابُ السياسي الداخلي، والجدل حول دورها العالمي، والضغوط المالية، والتحديات الاجتماعية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قدرتها على الحفاظ على دور قيادي طويل الأمد.

     وقد يكون أكبر اختبار للقوة الأمريكية ليس في بكين، وإنما في قدرة الولايات المتحدة على إدارة خلافاتها الداخلية، والحفاظ على جاذبية نموذجها وتحالفاتها.

     والعالم لا يريد بالضرورة الاختيار بين واشنطن وبكين، وهنا تظهر إحدى أهم حقائق المرحلة. معظم دول العالم لا تريد الدخول في معسكر أمريكي أو صيني بالمعنى التقليدي. الدول تحاول حماية مصالحها. قد تتعاون مع الولايات المتحدة أمنيًّا، وفي الوقت نفسه تتعامل تجاريًّا مع الصين، وقد تشتري التكنولوجيا من طرف، والطاقة أو السلع من طرف آخر، وقد تختلف مع واشنطن في ملفات، وتختلف مع بكين في ملفات أُخرى. هذا يعني أن العالم لا يتجه إلى انقسام بسيط بين كتلتين، الأرجح أننا أمام عالم أكثر تشظيًا وتعددًا في مراكز القوة، حيث تتغير التحالفات والشراكات وفق القضية والمصلحة والظرف.

     وقد تصبح دول مثل الهند، ودول الخليج، وتركيا، والبرازيل، وأندونيسيا، وغيرها، أكثر أهمية لأنها تستطيع بدرجات مختلفة التعامل معَ أكثر من مركز قوة في الوقت نفسه. وهنا يتغير مفهوم الحياد، فالحيادُ في عالم متعدد الأقطاب لا يعني الوقوف بعيدًا عن الجميع، بل يعني امتلاك القدرة على التعامل مع الجميع دون الارتهان لأي طرف.

04‏/09‏/2026

مشكلات الزنوجة بين محمد الفيتوري وإيميه سيزير

 

مشكلات الزنوجة بين محمد الفيتوري وإيميه سيزير

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع خاص، وإنما كانت محاولة لاستعادة شيء سُلِبَ مِن الإنسان قبل أن يُسلَب منه الوطن: اسمه، وصوته، وحقه في أن يرى نفسه بعينيه لا بِعَيْنَي المُستعمِر.

     لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحوَّل فيها الرفضُ إلى تعريف، ويتحوَّل الدفاعُ عن الإنسان الأسود إلى بناء هُوية مغلقة حول السواد. هُنا تصبح الزنوجة التي جاءت في الأصل لمقاومة التصنيف العنصري مُعرَّضةً لأن تُنتج تصنيفًا مضادًّا، ولوْ من موقع احتجاجي. وهذه واحدة من أهم المآزق التي يمكن قراءتها في تجربة الشاعر السوداني محمد الفيتوري ( 1936_ 2015)والشاعر المارتينيكي إيميه سيزير ( 1913_ 2008)، كيف يمكن للشاعر أن يستعيد كرامة الأسود من غير أن يُحوِّل السوادَ إلى حتمية نهائية؟، وكيف يمكن أن يحتفي بالهُوية الأفريقية من غير أن يسقط في أسطورة أفريقيا الخالصة البِكْر النقيَّة، التي لم توجد في الواقع بهذه الصورة أصلًا؟. مِن هُنا تبدو المقارنة بين الفيتوري وسيزير ضرورية، ليس لأنهما متشابهان، بلْ لأن الاختلاف بينهما يكشف شيئًا من أزمة الزنوجة نفسها.

     ظهرت الزنوجة في سياق تاريخي كانت فيه صورة أفريقيا والإنسان الأسود قد صُنعت في جزء كبير منها بواسطة خطاب أوروبي استعماري. كان الأفريقي يُقَدَّم باعتباره همجيًّا متخلفًا بدائيًّا بلا تاريخ، ومحتاجًا إلى أن يأتيه الآخر بالحضارة. لذلك كان لا بُد من قلب المعادلة، إذا كان المُستعمِر يقول إن أفريقيا بلا ثقافة، فليكن الرد هو البحث عن الثقافة الأفريقية، وإذا كان يقول إنَّ الأسود بلا تاريخ، فليكن الشعر وسيلةً لإعادة كتابة هذا التاريخ. لكن هذا الرد حمل معه مشكلة فلسفية عميقة، هل نستطيع أن نُحرِّر الإنسانَ من العنصرية بتثبيت هُويته على أساس اللون نفسه الذي اسْتُعْمِلَ لقمعه؟.

     هذه المُفارَقة تظلُّ كامنة في الزنوجة، فهي تنطلق من واقع عنصري مفروض من الخارج، ثم تضطر إلى استعمال اللغة نفسها، أي لغة العِرْق واللون، لكي تقاوم ذلك الواقع. الأسودُ هُنا لا يصبح إنسانًا تعرَّض للاضطهاد فَحَسْب، بلْ أيضًا يصبح حاملًا لِهُوية ثقافية كاملة، لها قِيَمها وذاكرتها وموسيقاها وروحانيتها الخاصَّة. وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح الخط الفاصل بين استعادة الهُوية وصناعةِ الأسطورة شديد الدقة. فالزنوجةُ تحتاج إلى الأسود لكي تكون خطابًا احتجاجيًّا، لكنَّها تصير مُهدَّدةً حين تجعل من الأسود تعريفًا نهائيًّا للإنسان.

     الفيتوري شاعر عربي وأفريقي، تتقاطع في تجربته العروبةُ وأفريقيا، والمنفى والانتماء، والهُوية الشخصية والذاكرة الجماعية. يتعامل معَ أفريقيا باعتبارها أصلًا بعيدًا عن الذات، أفريقيا عنده أقرب وأكثر التصاقًا بالجسدِ والذاكرة واللغة، لكن هذا القُرب لا يلغي المشكلة، بلْ  يضاعفها.

     وهو يجد نَفْسَه أمام سؤال الهُوية المُركَّبة، أين يقف الشاعرُ الأسود الذي ينتمي في الوقت نَفْسِه إلى المجال العربي؟، هل عليه أن يختار أفريقيا ضد العروبة أم العروبة ضد أفريقيا؟، وهل يمكن أصلًا بناء هُوية إنسانية على هذه الثنائية؟.

     في بعض القراءات المتعجلة لتجربة الفيتوري قد يبدو أنَّ الزنوجة عنده مُجرَّد إعلان عن الأفريقية، لكن المسألة أعقد من ذلك. الشاعرُ لا يعيش في أفريقيا وحدها، ولا في العروبة وحدها، بلْ في منطقة ملتبسة بينهما، وهذا الالتباس ليس نقصًا ينبغي التخلُّص منه، وإنما هو جوهر التجربة ذاتها. ومعَ ذلك، فإنَّ الفيتوري يقع أحيانًا تحت ضغط الرمز الكبير، أفريقيا بوصفها الأم، والأسود بوصفه حامل الوجع، والبياض بوصفه رمزًا للقهر، وهذه الرموز على الرغم من قدرتها الشعرية، تصبح مشكلة عندما تتحوَّل إلى قوالب ثابتة.

     والسؤالُ الذي ينبغي أن نطرحه على شعر الفيتوري ليس: هل أَحَبَّ أفريقيا؟، فهذا سؤال ساذج لا قيمة نقدية له. السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث لأفريقيا حين تدخل القصيدة؟. هل تبقى أفريقيا واقعًا تاريخيًّا وجغرافيًّا متناقضًا أمْ تتحوَّل إلى رمز جاهز؟.

     حين تصبح أفريقيا أمًّا أبدية، يصبح من الصعب رؤيتها خارج الأمومة. وحين تصبح موطنًا للبراءة، يصبح من الصعب رؤية العنف الذي عرفته المجتمعاتُ الأفريقية. وحين يصبح الأسودُ ضحيةً مُطْلقة، يصبح من الصعب الحديث عن مسؤوليات القوى المحلية التي شاركتْ في بعض مراحل التاريخ في استغلال الإنسان الأسود أو المتاجرة به.

     وليس من حق القصيدة أن تطلب إعفاءها من المُساءلة لِمُجرَّد أنها تنتمي إلى قضية عادلة. والقضيةُ العادلة لا تجعل كُلَّ صورة شعرية عادلة، ولا تجعل كُلَّ موقف فكري صحيحًا. وهذا ما ينبغي أن ننتبه إليه عند قراءة الفيتوري. القيمةُ الاحتجاجية في شِعره لا تعني أنَّ تصوُّره للهُوية الأفريقية يخلو من الاختزال، فكلما ارتفع صوت الهُوية في القصيدة، وجب أن نسأل عن الأشياء التي أسكتها هذا الصوت.

     عند سيزير تبدو الزنوجة مرتبطة ارتباطًا شديدًا بالتمرد على الاستعمار. لم يكن سيزير يكتب عن أفريقيا باعتبارها مكانًا جغرافيًّا فَحَسْب، وإنما باعتبارها ذاكرة مفقودة، ومَصدرًا للهُوية سُلبتْ مِن الإنسان الأسود في العالَم الجديد. وهُنا تكمن قوة التوتر في شِعره، وهُنا أيضًا تكمن مشكلته.

     الشاعرُ الذي يرفض الصورةَ الاستعمارية لأفريقيا يجد نفسه مضطرًّا إلى البحث عن صورة بديلة لها، غَير أنَّ الصورة البديلة قد تتحوَّل بسهولة إلى صورة مثالية لا تقلُّ اختزالًا عن الصورة التي تحاربها.

     المُستعمِرُ يرى أفريقيا من الخارج فيُحوِّلها إلى أرض بدائية، والشاعرُ الغاضب من هذا التصوُّر قد يذهب إلى الطرف الآخَر فيُحوِّلها إلى أصلٍ صافٍ، وفضاءٍ روحي مفقود، ووطنٍ أول لا تشوبه تناقضات التاريخ.

     لكن أفريقيا الواقعية ليست قصيدةً واحدة. أفريقيا فيها الحضارة والانهيار، والسُّلطة والعبودية، والقبيلة والدولة، والحكمة والعنف،والأسطورة والسياسة، والتعدد اللغوي والديني والثقافي والعِرْقي، لذلك فإنَّ اختزالها في وظيفة واحدة، أي باعتبارها موطنًا أصليًّا للروح السوداء، يظلُّ اختزالًا احتجاجيًّا مهما كان الدافع إليه.

     في شعر سيزير تتكثف الرغبة في استرداد الذات إلى درجة يصبح معها الأفريقي رمزًا للإنسان الذي قاومَ المَحْوَ. وهذا يمنح القصيدةَ طاقةً احتجاجية، لكنَّه يضعها أمام سؤال صعب: ماذا نفعل عندما تتحوَّل الهُوية من وسيلة لمقاومة الظلم إلى معيار للحقيقة؟.

     هُنا لا يعود الإنسانُ مهمًّا لأنه إنسان، بلْ لأنه أسود. ولا تعود أفريقيا مهمة بما هي تاريخ متعدد ومعقد، بلْ بما هي أصل رمزي تستمد منه الذات شرعيتها. وهذا أحد أكثر جوانب الزنوجة إشكالًا، إنها تحاول تفكيكَ مركزية الرجل الأبيض، لكنَّها قد تجد نَفْسَها مضطرة إلى إقامة مركزية مقابلة حول الرجل الأسود.

     لغة سيزير ليست هادئة تبحث عن المصالحة، إنها لغة مشحونة، وعنيفة، ومتوترة، ومليئة بالصور التي ترفض الترويضَ. وهذه اللغة مفهومة إذا وضعناها في سياقها التاريخي، لكنَّها لا تصبح بسبب ذلك مُحَصَّنَةً ضد النقد. والغضبُ الشعري قد يكون ضروريًّا في لحظة تاريخية مُعيَّنة، لكنَّه ليس بالضرورة موقفًا فكريًّا مكتملًا. والقصيدةُ حين تتحوَّل إلى صرخة احتجاج تحتاج، لكي تبقى شعرًا، إلى ما هو أكثر من الموقف السياسي. تحتاج إلى مُساءلة الذات التي تحتج، وليس مُساءلة خصمها فقط. أمَّا إذا بقي الشر كُلُّه خارج الذات، وبقيت الذاتُ في موقع الضحيَّة النقيَّة، فإن القصيدة تصير مُهدَّدةً بالتحوُّل إلى خطاب ثنائي بسيط، نحن في جهة، وهُمْ في الجهة الأُخرى. وهذا التبسيط هو أحد أوجه أزمة الزنوجة.

     والتاريخُ الاستعماري لَم يكن مُجرَّد مواجهة بين أبيض وأسود، وإنما شبكة هائلة من المصالح والطبقات والهُويات والتحالفات.كما أنَّ الإنسان الأسود ليس كُتلةً واحدة، هُناك اختلافات الطبقة والجُغرافيا واللغة والدين والثقافة والجنس والتجربة التاريخية. وحين تُختزَل كل هذه التناقضات في ثنائية الأبيض والأسود، تخسر الزنوجة شيئًا من الواقع الذي جاءت أصلًا للدفاع عنه.

     والفرقُ بين الفيتوري وسيزير لا يكمن فقط في اللغة أو المكان أو السياق التاريخي، وإنما في طبيعة الجُرح الذي ينطلق منه كُلُّ واحد منهما.

     الفيتوري يكتب من داخل عالَم أفريقي عربي، حيث لا تكون المشكلة مُجرَّد فقدان أفريقيا، بل التوتر بين انتماءات متعددة، أفريقيا عنده ليست شيئًا بعيدًا يبحث عنه في الذاكرة بِقَدْرِ ما هي حضور يفاوض به الذات والآخَر.

     أمَّا سيزير فيكتب من تجربة إنسان اقْتُلِعَ مِن أفريقيا، وأصبحَ يعيش في فضاء استعماري يعيد تعريفَه باستمرار من الخارج، لذلك يصبح الرجوع إلى أفريقيا نوعًا من استعادة الأصل.

     ومعَ ذلك، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة أساسيَّة، الحاجة إلى مقاومة الصورة التي صنعها الآخر. لكن هُنا تظهر المفارقة. فالشاعرُ يبدأ بمحاربة صورة مفروضة عليه، ثم يصنع صورةً خاصَّة به.

     ولا توجد ثقافة إنسانية حيَّة بقيت نقيَّة من التفاعل. أفريقيا لَم تكن جزيرة معزولة عن التاريخ. كانت هُناك هجرات، وتجارة، وحروب، وديانات، ولغات، وتأثيرات عربية وأوروبية وآسيوية، وتحوُّلات سياسيَّة واجتماعيَّة لا تسمح ببناء صورة واحدة ثابتة لِمَا يُسمَّى " الروح الأفريقية".

     وإذا كان الفيتوري وسيزير قد جعلا من الشعر مساحةً لاستعادة الصوت الأسود، فإنَّ القراءة النقدية اليوم مُطالَبة بأن تستعيد المسافةَ بين الصوت والحقيقة.

     والزنوجةُ تعيش في جُزء كبير من خطابها على ثنائية " نحن" و"هُم"، نحن السود، وهُم البيض. نحن المُستعمَرون، وهُم المُستعمِرون، نحن أصحاب الأرض، وهُم الغرب. هذه الثنائية مفهومة تاريخيًّا، لكنها فقيرة إنسانيًّا، فالحياةُ لا تجري بهذه البساطة.

     هُناك أسود مُستعمِر لأسود آخَر، وأسود مستفيد من النظام الاستعماري، وأبيض مقاوم للاستعمار، وأبيض فقير لا يملك من القوة شيئًا، ومثقف يعيش بين ثقافتين، وإنسان لا يستطيع أصلًا أن يضع نَفْسَه داخل ثنائية جاهزة.

     وإذا كانت الزنوجة قد نشأتْ في مواجهة عالَم حاولَ أن يجعل الأسودَ أقل مِن إنسان، فإنَّ اختبارها الحقيقي يبدأ حين تتخلص من الحاجة إلى تعريف الإنسان مِن خِلال العِرْق.

     الفيتوري يُواجه تعقيدَ الهُوية الأفريقية داخل المجال العربي، وسيزير يُواجه جُرْحَ الاقتلاعِ والاستعمار، وكلاهما يكشف، بطريقة مختلفة، أنَّ العودة إلى الأصل ليست عملية بسيطة، وأنَّ استعادة الهُوية لا تعني استعادةَ شيء جاهز ينتظرنا في الماضي.

01‏/09‏/2026

معاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان

 

معاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................


     يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.

     مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي المصري علاء الأسواني ( وُلد 1957 ) إلى جانب عالَم الروائي الروسي فاسيلي غروسمان ( 1905_ 1964 ). المسافةُ بين الكاتبَيْن هائلة، زمن مختلف، وبَلَدَان مختلفان، وتجربتان تاريخيتان لا تتطابقان، وأنظمة سياسية واجتماعية لا يمكن وضعها في قالب واحد.

     الأسواني يكتب من قلب مصر الحديثة، من المدينةِ والشارع والبيت والجامعة والمقهى والمؤسسة الأمنية والسياسية، ومن التجربة اليومية لمواطن يجد نَفْسَه مُحَاصَرًا بين سُلطة الدولة، وضغطِ المجتمع، والخوفِ، والامتيازِ، والطبقة.

     أمَّا غروسمان فيكتب من القرن العشرين الروسي، من قلب التجربة السوفييتية والحرب العالمية الثانية، ومِن عالَم بلغ فيه العنف السياسي والعسكري مستويات تجعل حياةَ الفرد قابلة للمحو باسمِ التاريخ والدولة والحزب والعقيدة.

     ومعَ ذلك، فإن المقارنة بينهما تصبح ممكنة حين نتوقف عن النظر إلى القهر باعتباره مُجرَّد موضوع سياسي، ونراه سؤالًا عن الإنسان، ماذا يحدث للفرد حين يصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه؟، وكيف تتغير شخصيته حين يعرف أنَّ الآخرين أقوى منه؟، وماذا يفعل الخوفُ بالعلاقات الإنسانية؟، وهل يستطيع الفردُ أن يحتفظ بِقَدْرٍ من حريته الداخلية حين تُسلَب منه الحرية في الخارج؟. هُنا تحديدًا يلتقي الأسواني وغروسمان.

     في الأعمال الروائية التي تتناول الاستبدادَ، هناك خطر دائم يتمثل في تحويل القهر إلى ديكور سياسي، لكن القهر الحقيقي في الأدب أعمق من ذلك. يبدأ الإنسانُ في حساب كلماته قبل أن ينطق بها، ويختار أصدقاءه بناءً على درجة الأمان، ويتعلَّم متى يصمت، ويكذب على نفسه كي يستطيع الاستمرارَ، ويرى الظلمَ ولا يتدخل لأنَّه يعرف ثمنَ التدخُّل، ويصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها الخوفُ جزءًا من شخصيته، وليس مُجرَّد رد فِعل مؤقت على خطر محدد.

     عند الأسواني، يظهر هذا القهر في صورة شديدة الالتصاق بالحياة اليومية. السُّلطة لا تكون دائمًا بعيدة ومُجرَّدة، إنها تدخل إلى الشارع والجامعة والعمل والبيت والعلاقة بين الرجل والمرأة، وتعيد ترتيبَ العلاقات بحسب القوة والضعف. الفردُ لا يواجه مؤسسةً ضخمة فقط، بلْ يجد آثارَ المؤسسة في سلوك البشر أنفسهم.

     أمَّا عند غروسمان، فإنَّ المسألة تأخذ اتِّساعًا تاريخيًّا هائلًا. الفردُ موجود داخل آلة أكبر مِنه بكثير: الدولة، والحزب، والأيديولوجيا، والأجهزة، والجماعة، والتاريخ.لكن غروسمان، في رواياته، لا يسمح لهذه الضخامة بأن تبتلع الإنسانَ تمامًا. على العكس، كلما كبرت الآلة ازداد إصراره على النظر إلى الإنسان الصغير الموجود داخلها، رَجل خائف، وامرأة تنتظر، وأُم تفكر في ابنها، وجندي لا يعرف إنْ كان سيعود، وسجين يحاول الاحتفاظَ بشيء من كرامته.

     الفردُ المقهور لا يفقد حريته دفعةً واحدة، قد يحتفظ باسمه، وعملِه، وبَيته، وأُسرته، وعاداته القديمة، لكنه يفقد شيئًا أكثر خفاءً: إحساسه بأنه قادر على التأثير في العالَم. وهذه النقطة شديدة الأهمية عند الأسواني. في عالَمه الروائي، لا تبدو السُّلطة دائمًا بحاجة إلى أن تعتقل الجميع، يكفي أحيانًا أن يعرف الجميعُ أنها قادرة على الاعتقال. لا يحتاج السوطُ إلى أن يهبط على ظهر كُلِّ شخص، يكفي أن يراه الناسُ مُعَلَّقًا فوق رؤوسهم، وهُنا يصبح الخوفُ وسيلة اقتصادية جدًّا للسيطرة: أقل قَدْر من العنف يمكن أن يُنتج قَدْرًا كبيرًا من الصمت.

     الأسواني لا يرسم المقهورَ بوصفه حَمَلًا وديعًا وبريئًا في مواجهة شر مُطْلق، وهذه من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في تجربته الروائية. الإنسانُ الذي يقع تحت القهر قد يمارس بدوره قهرًا على مَن هو أضعف منه. الموظفُ المُهان قد يُهين زوجته، والفقيرُ الذي يتعرض للاحتقار قد يحتقر شخصًا أفقر منه، والمواطنُ الخائف قد يتحوَّل إلى أداة في يد السُّلطة حين يجد فرصةً لحماية نفسه، أو الحصول على امتياز. والقهرُ في هذه الحالة لا يتحرك من الأعلى إلى الأسفل فقط، إنَّه ينتشر أفقيًّا أيضًا. وهذه رُبَّما إحدى أكثر الحقائق قسوة في الرواية السياسية، فالاستبدادُ لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون حاضرًا في كل غرفة، لأن الناس قد يتكفلون أحيانًا بإعادة إنتاجه فيما بينهم.

     معَ غروسمان يتخذ القهرُ شكلًا آخَر. الدولةُ الحديثة، حين تمتلك سُلطة مُطْلقة، تستطيع أن تجعل حياةَ الفرد هامشًا في مشروع ضخم لا يُرى فيه الفردُ إلا رقمًا.

     لكن غروسمان كان يعرف أنَّ التاريخ، مهما بدا ضخمًا، لا يعيش في الكُتُب وحدها. التاريخُ يدخل المطبخَ، ويجلس إلى مائدة العائلة، ويفصل الابنَ عن أُمِّه، ويجعل الإنسانَ يخاف من جاره، ويجعل الرسالة التي تصل إلى البيت أخطر من الرصاصة. لا يعود القهرُ قضية سياسية مُجرَّدة، بلْ يصبح شبكة هائلة من المصائر الإنسانية المتقاطعة. الحربُ العالمية الثانية، وستالينية الدولة السوفييتية، ومعسكرات الاعتقال، والبيروقراطية، والخوف، والمُراقبة، كُلُّها تمرُّ عبر حياة أفراد لهم وجوه وأصوات وذكريات. وهُنا تكمن قوة غروسمان الروائية، ليس في ضخامة الأحداث وحدها، وإنما في مقاومته لتحويل الإنسان إلى إحصائية.

     يمكن أن نتحدث عن ملايين الضحايا، لكن الرقم لا يبكي، الشخصية هي التي تبكي. ويمكن أن نقول إنَّ الحرب أودت بحياة أعداد هائلة من البشر، لكن هذه العبارة لا تخبرنا بشيء عن امرأة جلست وحدها تنتظر ابنًا لن يعود. غروسمان يعود باستمرار إلى هذه المسافة بين الرقم والوجه، التاريخُ يقول: ملايين، والرواية تقول: هذا الإنسان تحديدًا كان هُنا، وكان يُحِب، ويخاف، ويأمل. وأحدُ أشكال القهر التي تكشفها أعمال غروسمان هو محاولة السُّلطة تحويل الإنسان إلى كائن قابل للتصنيف. من أنت؟، وإلى أيَّة طبقة تنتمي؟، وما أصلك؟، وما أفكارك؟، وماذا قرأتَ؟. كُلُّ سؤال من هذه الأسئلة يبدو منفردًا، لكنَّه حين يتراكم يتحوَّل إلى حصار.

     وهُنا يقترب غروسمان من الأسواني على نحو لافت، فالفردُ في العالَم الذي يكتبه الأسواني يجد نفسه مُضْطَرًّا إلى تقديم نُسخة اجتماعية مقبولة من نفسه. قد يخفي رأيه السياسي، أو يخفي فقره، أو يبالغ في إظهار تديُّنه أو حداثته، أو يتصرف وفق ما يتوقعه الآخرون منه.

     هناك معركة حول حق الإنسان في أن يكون نَفْسَه، والاستبدادُ لا يخاف من الإنسان الذي يصرخ فقط، إنه يخاف أيضًا من الإنسان الذي يحتفظ بمساحته الداخلية. لهذا فإن السيطرة على الإنسان تبدأ أحيانًا من محاولة السيطرة على صورته عن نفسه.

     ماذا يحدث عندما يصبح حق الإنسان في أن يكون إنسانًا مشروطًا برضى السُّلطة أو المجتمع؟.

     الأسواني يقترب من هذا السؤال عبر تفاصيل الحياة المصرية الحديثة، وعبر الطبقة والجنس والسياسة والمؤسسة والفساد والخوف.

     وغروسمان يقترب منه عبر الحرب والدولة الشمولية والمحرقة والسجن والبيروقراطية والقتل الجماعي.

     لكنَّهما يعودان في النهاية إلى الفرد، وليس إلى الدولةِ والتاريخِ والأيديولوجيا. يعودان إلى ذلك الإنسان الذي يريد فقط أن يعيش من دون أن يخاف من كل شيء. وهُنا تصبح معاناة المقهور أكثر من قضية سياسية، تصبح قضيةً وجودية. فالإنسانُ يريد أن يعرف أن حياته بكلِّ تفاصيلها تخصُّه. وحين يُنتزَع منه هذا كُله، لا يعود القهر مُجرَّد منع أو عقوبة، بلْ يصبح محاولة لإعادة تعريف الإنسان نفسه. والإنسانُ الذي عاش طويلًا تحت الخوف قدْ يَحمل النظامَ داخله، ويصبح خائفًا حتى حين لا يكون هناك ما يخيفه، ويُراقب نَفْسَه مِن تلقاء نفسه، ويَمنع أبناءه من الكلام، وهُنا يصبح القهرُ إرثًا نَفْسِيًّا.