لم تعد معادلة الأمن
في الشرق الأوسط تُكتَب بالطريقة التي اعتادها العالم خلال العقود الماضية. فبعد
سنوات طويلة اعتمد فيها استقرار المنطقة بدرجة كبيرة على المظلات الأمنية
الخارجية، برز في مكة المكرمة تحوُّل إستراتيجي لافت، تمثَّلَ في توقيع السعودية
وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية، تضع الدول الثلاث أمام معادلة أمنية
جديدة ومتماسكة قوامها أن الاعتداء على دولة منها يُنظَر إليه باعتباره اعتداء على
الدول الثلاث.
الحدث يتجاوز حدود توقيع اتفاق عسكري جديد، فالدول المُوقِّعة لا تنتمي إلى
المجال الجغرافي نفسه، لكنها تجمع بين عناصر قوة متكاملة: الثقل الاقتصادي،
والموقع الجيوسياسي،والقدرات العسكرية والصناعية، والخبرات العسكرية، والقوة
النووية. وعندما تجتمع هذه القدرات في إطار أمني واحد، فإن الرسالة تتجاوز التعاون
التقليدي إلى محاولة بناء قدرة إقليمية أكبر على الردع.
لطالما كانت العلاقات الدفاعية بين السعودية وباكستان عميقة، وشهد سبتمبر
2025 توقيع اتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك بين البلدين، نصَّت على اعتبار أي عدوان
على إحداهما عدوانًا على الأُخرى. أما اتفاقية مكة الجديدة فتنقل هذا المفهوم إلى
مستوى ثلاثي، بإدخال تركيا طرفًا مباشرًا في منظومة الدفاع المشترك.
والردع لا يقوم فقط على حجم السلاح، وإنما على حسابات الخصم بشأن كلفة أي
هجوم محتمل. وكلما اتسعت دائرة الدول التي يمكن أن تدخل في المواجهة دفاعًا عن طرف
مُستهدَف، ازدادت صعوبة اتخاذ قرار التصعيد. ومن هذه الزاوية، فإن اتفاقية مكة تسعى
إلى جعل أية مغامرة عسكرية ضد إحدى الدول الثلاث أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية
والعسكرية.
وقوة الاتفاقية الحقيقية لن تُقَاس بالصياغات السياسية وحدها، بل بمدى
تحويلها إلى ترتيبات عملية: تنسيق عسكري، وتبادل معلومات، وتدريبات مشتركة، وتكامل
في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتعاون في الصناعات الدفاعية، وتنسيق سياسي سريع
عند وقوع الأزمات.
تملك السعودية موقعًا إستراتيجيًّا لا يمكن تجاهله في معادلة أمن الخليج
والبحر الأحمر، وهي في الوقت نفسه قوة اقتصادية وعسكرية ومصدر للطاقة العالمية، ما
يجعل حماية أراضيها ومنشآتها وممراتها البحرية قضية تتجاوز حدودها الوطنية.
أمَّا تركيا، فتدخل الاتفاق وهي دولة ذات جيش كبير، وصناعة دفاعية متقدمة،
إضافة إلى موقع جغرافي يصل بين الشرق الأوسط وأوروبا والبحر الأسود وشرق المتوسط،
لذلك فإن مشاركتها تمنح الترتيب الجديد بعدًا جغرافيًّا وعسكريًّا أوسع.
وتأتي باكستان بعنصر مختلف، فهي تمتلك جيشًا كبيرًا، وخبرة طويلة في
التعامل مع بيئات أمنية معقدة، فضلًا عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي
تمتلك ترسانة نووية.
تبعث الاتفاقية برسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن أمن المنطقة لن
يبقى بالضرورة رهنًا بمصدر واحد للحماية. وهذه النقطة شديدة الأهمية في ظل
التحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وتزايد القناعة لدى عدد
من دول المنطقة بضرورة امتلاك خيارات أمنية متعددة.
والجدير بالذكر أن وجود تركيا داخل الاتفاق يضيف بعدًا مهمًّا، نظرًا
لعضويتها في حلف شمال الأطلسي ( الناتو )، وهذا لا يعني أن أية مواجهة تتعرض لها
دولة من الدول الثلاث ستؤدي تلقائيًّا إلى تدخُّل الحلف، لأن التزامات الحلف لها
شروطها وآلياتها الخاصة، لكن وجود دولة عضو في الناتو داخل منظومة دفاع إقليمية
جديدة يعكس اتساع شبكة العلاقات الأمنية التي يمكن أن تؤثر في حسابات القوى
المختلفة.
لا يمكن قراءة اتفاقية مكة بعيدًا عن البيئة الإقليمية المتوترة، فالمنطقة
شهدت خلال السنوات الأخيرة ضربات متبادلة، وحروبًا وصراعات بالوكالة، وهجمات
بالصواريخ والطائرات المسيرة، وتهديدات للممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وفي مثل
هذه البيئة يصبح مفهوم الردع أكثر أهمية من أي وقت مضى.
والدول الثلاث حرصت على تقديم الاتفاقية بوصفها دفاعية، وليست مشروعًا
لتشكيل محور هجومي أو كتلة مذهبية، وهذه النقطة ليست تفصيلًا دبلوماسيًّا، بل هي
شرط أساسي لتقليل مخاطر سباق التحالفات والتسلح الذي يمكن أن يدفع المنطقة إلى
دورة جديدة من التصعيد.
ونجاح الدول الثلاث في تحويل اتفاقية مكة إلى منظومة للتنسيق، والردع، والدفاع، وحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، سوف يجعل الاتفاقية لبنة أساسية في هندسة أمن إقليمي أكثر اعتمادًا على قدرات دول المنطقة.


