سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

25‏/09‏/2026

تأثير إدوارد سعيد في مشروع عبد الله إبراهيم

 

تأثير إدوارد سعيد في مشروع عبد الله إبراهيم

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     يصعب الحديث عن مشروع الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ) من دون التوقف عند المفكر الفِلَسطيني الأمريكي الدكتور إدوارد سعيد ( 1935_ 2003 )، ليس لأن إبراهيم كان تلميذًا عربيًّا لسعيد، أو لأن مشروعه يمكن اختزاله في مفاهيم مِثل: الاستشراق، والخطاب الاستعماري. وإنما لأنَّ اللقاء معَ سعيد يقع في منطقة أعمق بكثير، وهي منطقة السؤال عن كيف تُنتج الثقافةُ صورتها عن نفسها والآخَرِ، وكيف تتحول المعرفةُ إلى سُلطة، وكيف يصبح الأدبُ جزءًا من تاريخ طويل من التمثيل والتسمية والتصنيف.

     وهُنا تحديدًا تكمن أهمية سعيد بالنسبة إلى مشروع إبراهيم. لقد جاء سعيد إلى النقد الأدبي من باب مختلف عن الأبواب التي اعتاد النقدُ العربي الدخول منها. لم يكن الأدب عنده جزيرةً معزولة عن التاريخ، ولم يكن النص مجرد بنية لغوية مكتفية بذاتها، وإنما كان جزءًا من شبكة واسعة من المؤسسات والأفكار والسُّلطات والعلاقات السياسية والثقافية.

     فَتَحَ سعيد أمام النقد العربي أفقًا جديدًا، ولم يسأل فقط: ماذا يقول النص؟، وإنما طَرَحَ أسئلةً مهمة: مَن يتكلم؟، ومَن يملك حقَّ تمثيل الآخَر؟، وما المعرفة التي يستند إليها هذا الكلام؟، وما العالَم الذي ساهمَ النصُّ في بنائه أو تثبيته؟. هذه الأسئلةُ هي الأعمدة التي يقوم عليها فكر سعيد. وإبراهيم اشتغلَ في هذا الأفق، لكنَّه لَم يعتمد على تكرار سعيد، وإعادةِ إنتاجه.

     كان كتاب إدوارد سعيد " الاستشراق" الصادر بالإنجليزية عام 1978 لحظةً فاصلة في الدراسات الإنسانية. لم يكن الكتاب مجرد تاريخ للأفكار الأوروبية عن الشرق، وإنما محاولة للكشف عن منظومة معرفية وثقافية متشابكة أنتجت " الشرق" بوصفه موضوعًا للمعرفة الغربية.

     سعيد لَم يقل ببساطة إن الغربيين كانوا يكتبون عن الشرق بصورة سلبية، المسألةُ عنده أكثر تعقيدًا، هناك مؤسسات، ورحلات، وكُتب، وأبحاث، وآداب، وخطابات سياسية، وتصورات تاريخية، كُلُّها ساهمتْ في تكوين صورة متماسكة نسبيًّا عن "الشرق" بوصفه آخَر مختلفًا عن الغرب.

     سعيد نَقَلَ النقاشَ من مستوى "الصورة الخاطئة" إلى مستوى إنتاج المعرفة، وهذا التحول كان بالغ الأهمية بالنسبة إلى النقد العربي. فبدل أن يكون السؤال: هل صورة العربي في الأدب الغربي صحيحة أمْ خاطئة؟، صار ممكنًا أن نسأل: لماذا احتاج الخطابُ الغربي في سياقات تاريخية محددة إلى إنتاج هذه الصورة أصلًا؟، وما المؤسسات التي جعلتْ هذه الصورةَ قابلة للتداول؟، وكيف تحولت المعرفةُ بالشرق إلى سُلطة عليه؟.

     في هذه النقطة يقترب مشروع إبراهيم من سعيد اقترابًا واضحًا. كثيرٌ من أعمال إبراهيم تتحرك داخل سؤال تمثيل الآخَر، والعلاقة بين السرد والهوية، وموقع الثقافة العربية في منظومات أوسع من إنتاج المعرفة. لكنَّه سُرعان ما ينقل السؤالَ إلى مجالات أكثر اتِّساعًا، تتعلَّق بكيفيةِ تمثيل الثقافة العربية لنفسها ، وكيفيةِ صناعة صورتها عن الآخَر، وكيفيةِ إسهام السرد العربي في بناء المركز والهامش. وهُنا يبدأ استقلالُ مشروعه.

     مِن السهل أن نكتشف تأثير سعيد في مشروع إبراهيم إذا بحثنا عن المصطلحات المتشابهة: الاستشراق، الآخَر، المركز، الهامش، التمثيل، الخطاب، السُّلطة، الهُوية، السرد. لكن هذا المستوى من المقارنة ليس كافيًا. التأثيرُ الأكثر عمقًا يظهر في طريقة بناء السؤال النقدي.

     جَعَلَ سعيد الناقدَ أكثر حساسية تجاه العلاقة بين النص وسياقه التاريخي والسياسي والثقافي. ولَم يعد ممكنًا التعامل معَ النصوص التي تتحدث عن الشرق وكأنها بريئة من تاريخ القوة الذي أنتجها، وهذا الحِس حاضرٌ بقوة في مشروع إبراهيم، خصوصًا حين يتعامل معَ السرديات الكُبرى التي صاغتْ صورةَ الذات العربية، أوْ حين يبحث في طرائق تمثيل الآخَر داخل الثقافة العربية.

     إبراهيم لا يقرأ السردَ باعتباره متعة جمالية فحسب، ولا بوصفه سِجلًّا محايدًا للأحداث. السردُ عنده قوة ثقافية، إنَّه يختار ويُقْصي، يُرتِّب ويُصنِّف، يمنح بعضَ الأصواتِ موقع المركز، ويضع أصواتًا أُخرى في الهامش. وهذا قريبٌ جدًّا من الروح التي أعاد بها سعيد تعريفَ العلاقة بين الأدب والتاريخ. لكنَّ الفرق أنَّ إبراهيم أخذ هذه الأدوات إلى داخل الثقافة العربية نفسها. ورُبَّما يكون هذا واحدًا من أهم آثار سعيد في مشروع إبراهيم.

     سعيد جَعَلَ الاستشراقَ أكثر من مجرد موضوع بحث. صار الاستشراقُ مثالًا على آليَّة ثقافية أوسع، حيث المركز يصنع صورةً عن الهامش، ثم يتعامل معَ هذه الصورة بوصفها حقيقة عن الهامش. إبراهيم يُوسِّع هذه الفكرة باتجاه الثقافة العربية. ليس هُناك، في قراءته، مركز غربي فقط، وهامش عربي فقط. الثقافاتُ تستطيع أن تُنتج مراكزَها وهوامشَها، وتبني صورها عن الآخرين، وتمنح شرعيةً لبعض الأصوات، وتحجبها عن أصوات أُخرى. وهذا ما يجعل مشروعه متصلًا بما يمكن تسميته نقد المركزية.

     المركزيةُ هُنا ليست شعورًا بالتفوق فحسب، إنها طريقة في تنظيم المعرفة والثقافة، وتحديد الأصل والفروع، والثقافة الرفيعة والثقافة الهامشية، والصوت الرئيسي والأصوات الثانوية، والتاريخ الذي يستحق أن يُروَى، والتواريخ التي يمكن إسكاتها أو تأجيلها.

     وهكذا، تصبح قراءة إبراهيم للثقافة العربية أكثر تركيبًا من مجرد مواجهة "الغرب" أو الرد على الاستشراق، إنَّه يحاول أن يكشف آليَّات المركز والهامش حيثما ظهرتْ. إبراهيم جَعَلَ السردَ واحدًا من أهم المداخل إلى فهم الثقافة. والروايةُ والحكاية والتاريخ والتمثيلات الأدبية ليست عنده أشكالًا فنية منفصلة عن العالَم، إنها طُرق لصياغة الذاكرة والهُوية والتاريخ.

     وهُنا،يلتقي إبراهيم معَ سعيد في نقطة شديدة الأهمية،وهي أنَّ التمثيل ليس مرآةً محايدة. حين نروي حكاية جماعة ما، فإننا لا ننقلها كما هي. نحن نختار زاوية النظر، ونحدد الشخصيات التي تستحق البطولة، ونحدد مَن يكون غريبًا، ومَن يكون قريبًا، ومَن يتكلم،ومَن يبقى صامتًا. وهذا ما يجعل السردَ متصلًا بالسُّلطة.

     سعيد مارسَ هذا النوع من القراءة في الأدب الغربي، خصوصًا في موضوع الثقافة والإمبريالية، حيث حاولَ أن يقرأ الأعمالَ الأدبية الكُبرى ضمن تاريخ الإمبريالية وعلاقاتها الثقافية. لَم يكن المقصود اتهام الروايات بأنها سيئة، أو تحويل الأدب إلى منشور سياسي، بل الكشف عن التداخل بين المُتخيَّل الأدبي والعالَمِ التاريخي الذي أنتجه. هذه الفكرة تجد صدى واضحًا في مشروع إبراهيم، الذي أعطى السردَ العربي مكانة مركزية في فهم التحولات الثقافية وصناعةِ الهوية.

     إبراهيم استفادَ من المناخ النظري الذي ساهمَ سعيد في تأسيسه عربيًّا وعالميًّا، لكنَّه لَم يَبْنِ مشروعَه كُلَّه على كتاب " الاستشراق". لديه اهتمام خاص بالسرديات العربية، والتاريخِ الثقافي، والمركزِ والهامش، والهُوية، والمُتخيَّل الثقافي، وطرائق تشكُّل الرواية العربية والخطابِ العربي. ومِن ثَمَّ فإنَّ العلاقة بين الرَّجلين أقرب إلى علاقة حوار فكري غير مباشر منها إلى علاقة تابع ومتبوع.

     سعيد أعادَ تعريفَ السؤال عن الشرق، أمَّا إبراهيم فوسَّع السؤالَ ليشمل الطريقةَ التي تصنع بها الثقافةُ العربية صُوَرَ العالَم وصُوَرَ نفسها. وهذا فارقٌ مهم، فلوْ كان إبراهيم يعيد إنتاج سعيد، ويُكرِّره،لظلَّ اهتمامه محصورًا في تفكيك الصور الغربية عن العرب، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فبدأ يفحص البنية السردية والثقافية التي تشكلت داخل المجال العربي نفسه.

    كان سعيد أحد أبرز الأسماء التي ساهمتْ في تأسيس دراسات ما بعد الكولونيالية/الاستعمارية. وهي الدراسات الأكاديمية للإرث الثقافي للاستعمار والإمبريالية، وتُركِّز على التبعات البشرية لاستغلال السكان الأصليين في الأراضي المُسْتَعْمَرَة، والسيطرة عليهم، وعلى أراضيهم. وتُعْتَبَر ما بعد الاستعمارية تحليلًا نظريًّا نقديًّا لتاريخ وثقافة وأدب وواقع القوى الاستعمارية الأوروبية. ومِن أبرز ما قدَّمه هذا الاتجاه أنَّه نقل الاهتمامَ مِن الاستعمار بوصفه احتلالًا عسكريًّا وإداريًّا إلى دراسة آثاره في المعرفة واللغة والثقافة والتمثيل.

     الاستعمارُ لا ينتهي بالضرورة لحظة خروج الجيش، أو رفع العلم الوطني. قد تبقى آثاره في الطريقة التي يرى بها مجتمعٌ ما نَفْسَه، والصورِ التي يرسمها عن ماضيه، وعلاقته باللغة، ومفهومِه عن الحداثة، وتصورِه للغرب، وموقعِ التراث مِن الحاضر.

     هذه الحساسية واضحة في كثير من الأسئلة التي يطرحها إبراهيم، فهو لا يتعامل معَ الثقافة العربية باعتبارها كتلة ثابتة، ولا يرى الهويةَ شيئًا مكتملًا ينتظر مِنَّا الدفاع عنه، بلْ ينظر إلى الثقافة بوصفها عملية تاريخية تتشكل عبر التفاعلِ والصراع والتبادل وإعادة إنتاج المعاني. وهذه طريقة تفكير تدين بالكثير للمنعطف الذي أحدثه سعيد.

     كان من الممكن أن يتحول "الاستشراق" في الثقافة العربية إلى مجرد خطاب احتجاج، الغربُ أساءَ تمثيلَنا، وعلينا أن نصحح صورته عنَّا. لكن إبراهيم، في جوانب مهمة من مشروعه، يذهب إلى منطقة أكثر إزعاجًا وعُمقًا، ماذا لوْ كانت لدينا نحن أيضًا أنظمة تمثيل تُنتج صورًا نمطية عن الآخرين؟، ماذا لو كانت ثقافتنا نفسها قدْ صنعتْ مراكز وهوامش؟، ماذا لو أن بعض الصور التي نعتبرها طبيعية عن المرأة، أو المُخْتَلِف، أو الجماعات الدينية والثقافية، أو الشعوب الأُخرى، هي أيضًا نتاج طويل من السرد والتصنيف؟. هُنا يتحول النقدُ من معركة معَ الآخَر إلى مسؤولية معرفية تجاه الذات.

     كان سعيد شديد الحساسية تجاه فكرة الهوية الصُّلبة والمغلقة، رغم ارتباط مشروعه العميق بقضايا فِلَسطين والاستعمار والتمثيل. كان يرى التعددَ والتداخل والتاريخ المشترك والتفاعل بين الثقافات عناصر أساسيَّة في فهم الهوية.

     مِن أكثر الأمور التي رسَّخها سعيد في النقد الحديث رفضه لفكرة أن الأدب يعيش خارج السياسة. لكن السياسة عنده ليست مجرد الأحزاب والحكومات والانتخابات. إنها علاقات القوة التي تحدد مَن يستطيع الكلامَ، وما الذي يمكن قوله، وكيف تُبنَى صورة العالَم. وهذا الفهمُ يساعد في قراءة مشروع إبراهيم أيضًا.

     عندما يدرس الناقدُ السرديات، فإنَّه لا يدرس أفكارًا جميلة فحسب. إنَّه يدرس كيف تعمل الأفكارُ داخل المجتمع. وهذا يعني أن النص أكثر من كلماته، وأكبر من حدوده، إنَّه جزء من العالَم. وهذه إحدى أهم النقاط التي جعلتْ تأثير سعيد يتجاوز الدراسات الاستشراقية نفسها.

     ما الذي أخذه إبراهيم من سعيد، وما الذي تجاوزه؟. يمكن تلخيص العلاقة في عدد من المستويات، دون تحويلها إلى علاقة تطابق:

     1_ النص والسياق: الإفادة من النظر إلى النص داخل سياقه التاريخي والثقافي بدل عزله عن العالَم.

     2_ التمثيل: التعامل معَ صورة الآخَر بوصفها بناءً ثقافيًّا، وليست انعكاسًا بريئًا للواقع.

     3_ الخطاب والسُّلطة: الانتباه إلى أن إنتاج المعرفة مرتبط، في حالات كثيرة، بعلاقات القوة.

     4_ المركز والهامش: فحص الطرق التي تُمنَح بها بعض الثقافات أو الأصوات موقع المركز بينما تُدفَع أُخرى إلى الهامش.

     5_ نقد الاستشراق: الاستفادة من الكشف عن آليَّات تمثيل الشرق في الثقافة الغربية.

     6_ توسيع السؤال: نقل النقد من سؤال: كيف يُمثِّلنا الآخَر؟، إلى سؤال: كيف نُمثِّل أنفسَنا ونُمثِّل الآخرين؟.

     7_ السرد: النظر إلى الحكاية والرواية والتاريخ بوصفها أدوات لصناعة الذاكرة والهوية.

     8_ الهوية: فهم الهوية باعتبارها تاريخًا متحركًا ومتشابكًا، وليست جوهرًا ثابتًا مغلقًا.

     إنَّ التمثيل لم يعد حكرًا على المستشرق أو الروائي أو المؤرخ. كُلُّ شخص يمتلك منصة صار قادرًا على إنتاج صورة عن الآخَر. لكنَّ المشكلة لم تتغيَّر في جوهرها، الصورةُ ليست الواقع. والسؤالُ النقدي يبدأ عندما يتكرَّس رفض الخلط بينهما.

     قيمةُ مشروع إبراهيم، في هذا السياق، أنَّه لا يتعامل معَ النقد بوصفه عملية تصحيح أخطاء الآخرين فقط، النقدُ عنده فِعْلُ كشفٍ، كشف ما يبدو طبيعيًّا، وما اعتدنا ألا نسأل عنه، وكشف الأنساق التي تختبئ خلف الحكايات. وهُنا تظهر قوة تأثير سعيد في أعمق صورها، ليس لأنَّ إبراهيم استخدمَ مفهومًا من سعيد، بلْ لأنه تبنَّى قَدْرًا من الشك المنهجي تجاه الخطابات التي تُقَدِّم نَفْسَها بوصفها حقيقة مكتملة. وهذا الشك ليس عدميًّا، إنَّه محاولة لفهم أعمق.

     سعيد لَم يكن مهمًّا لأنَّه قال إنَّ الغرب مخطئ، والشرق صحيح. أهميته أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّة التي تُنتج بها صور الغرب عن الشرق. وبالطريقة نفسها، تكمن أهمية إبراهيم في أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّات التي تنتج بها الثقافة العربية سردياتها عن نفسها والعالَمِ.

     سعيد علَّم الناقدَ أن النص لا يعيش وحده، وعلَّمه أن وراء المعرفة سُلطة، ووراء الصورة هناك تاريخ، ووراء تمثيل الآخَر هناك علاقة معقدة بين الثقافة والسياسة. ثم جاء إبراهيم، في سياقه العربي، ليواصل الحفرَ في السؤال، ولكن من جهة أُخرى: ماذا تفعل الثقافةُ العربية حين تحكي العالَمَ؟، وماذا تفعل حين تحكي نَفْسَها؟.

21‏/09‏/2026

الأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي

 

الأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي


للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................


     ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.

     من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.

     أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة، وتعيينًا للحدود بين المواد، وتوازنًا بين ما يُدرَج وما يُستبعَد.

     مشروع إبراهيم تشكَّلَ من كُتب وفصول ودراسات مستقلة أُعيدَ تحريرها لكي تصبح جزءًا من بناء أكبر، وقد كان يكتب الفصلَ، ثم يُحوِّله إلى مقالات، ثم يعيد صياغته بحثًا، ثم يجمع الفصولَ في كتاب، ثم يعيد تحريرَ الكتاب ضمن الموسوعة. هذه الطريقة تخلق مشكلةً كبيرة، هل وحدة الموضوع تكفي لصنع وحدة الموسوعة أمْ أن القارئ يظلُّ أمام آثار واضحة لتاريخ النصوص المختلفة التي سبقت اندراجَها في البناء الموسوعي؟.

     إنَّ جمع الدراسات في إطار واحد لا يجعلها بالضرورة أجزاء من نظام معرفي واحد. وقد تكون هناك وحدة في رؤية المؤلف، لكن الوحدة الفكرية شيء، والوحدة الموسوعية شيء آخر. وإحدى مشكلات الموسوعة أنها تقع في منطقة ملتبسة بين الموسوعة والتاريخ النقدي والمشروع الشخصي في السرديات. ولا شك أنَّ نوع الكتاب الذي نقرؤه يُحدِّد نوعَ السلطة التي نمنحها لنتائجه. إذا كان كتابًا نقديًّا واسعًا، فمن حق مؤلفه أن ينتقي ويجادل ويقترح، أمَّا إذا قُدِّمَ بوصفه موسوعة، فإنَّ الانتقاء يصبح بحاجة إلى تفسير.

     لماذا هذا النص وليس ذاك؟، ولماذا هذا النوع السردي دون غيره؟، ولماذا تُمنَح ظاهرة ما عشرات الصفحات بينما تمرُّ ظاهرة أُخرى مرورًا سريعًا؟، وما هو معيار المركز والهامش والأهمية؟.

     الموسوعة لا تكتفي بجرد الأنواع السردية العربية، أو وصف تطورها، وإنما تسعى إلى تفسير الظاهرة السردية ضمن سياق ثقافي عربي واسع، واستخلاصِ ما يمكن تسميته بالسردية العربية.

     وعبارةُ " السردية العربية"، تبدو للوهلة الأُولى واضحة، لكنها تصبح شديدة التعقيد حين نبدأ في اختبارها تاريخيًّا. ما المقصود بالعربي هُنا؟، هل المقصود اللغة؟، إذا كان الأمر كذلك، فالمعيار لغوي. هل المقصود الثقافة؟، الثقافة العربية ليست كُتلة واحدة. هل المقصود المجال الحضاري الإسلامي؟، هذا أوسع بكثير من "العربي". هل المقصود المجتمعات التي أنتجتْ نصوصًا باللغة العربية؟، هذا يفتح البابَ أمام اختلافات مذهبية وإقليمية وإثنية وثقافية هائلة.

     لهذا فإنَّ استعمال مصطلح " السردية العربية" قد يوحي بِقَدْرٍ من التجانس أكبر مما تسمح به المادةُ التاريخية. السردُ المُنْتَجُ في العراق ليس بالضرورة نُسخة من السرد المُنْتَج في مصر أو المغرب أو الشام أو الجزيرة العربية. والسردُ الديني ليس السرد التاريخي، والسيرة الشعبية ليست المقامة، والخبر ليس الحكاية الخرافية، والرحلة ليست الرواية.

     في سياق الحديث عن " السردية العربية" يجب التمييز بين ثلاثة أمور: التأثير المباشر، والتشابه الثقافي، وإعادة الإنتاج التاريخي.

     ووجودُ عناصر حكائية أو تقنيات سردية متشابهة بين نص قديم ورواية حديثة لا يثبت وحده أنَّ الرواية الحديثة تشكلت من ذلك النص أو النوع. والتاريخُ الأدبي يحتاج إلى أدلة انتقال، وليس التشابه وحده. وإذا قُلنا إن الرواية العربية لم تولد من تقليد الرواية الأوروبية، فهذا لا يعني تلقائيًّا أنها نتاج مباشر لتفكك الأشكال السردية العربية القديمة. قد يكون الواقع أكثر تركيبًا وتعقيدًا، فهناك تأثيرات أوروبية، وترجمة، وصحافة، وتعليم حديث، وتغيُّر في بنية المدينة، ونشوء جمهور قارئ، وتغيُّر في مفهوم الفرد والجماعة، وتحولات سياسية، وانتقالات في مفهوم الزمن والتاريخ، واستمرار بعض التقاليد الحكائية، وتداخل كُلِّ ذلك في لحظة تاريخية واحدة.

     لذلك فإنَّ أي تفسير كُلي لنشأة الرواية العربية يحتاج إلى شبكة سببيَّة أكثر تفصيلًا مما تسمح به عملية إعادة تشكيل الرصيد السردي.

     من الملاحظات المهمة على مشروع إبراهيم أنه يستفيد من السرديات الحديثة، لكنه لا يريد إخضاعَ المادة العربية إخضاعًا آليًّا لنظرية جاهزة. مِن جهة، يريد المشروعُ التحررَ من إسقاطات المصطلحات الغربية على النص العربي، ومن جهة ثانية، فإنَّ كثيرًا من أدوات التحليل الأساسيَّة جاءت أصلًا من تاريخ علم السرد الحديث: الراوي، والمروي، والمروي له، والبنية، والزمن، ووجهة النظر، والوظيفة، وغيرها. وهذا يعني أنَّ الحوار معَ النظريات الحديثة حاضرٌ، لكن مسألة إعادة بناء الجهاز المفاهيمي من داخل المادة العربية تحتاج إلى برهنة أكثر صرامةً وتماسكًا.

     من النقاط المركزية في مشروع إبراهيم توسيعُ مفهوم السرد بحيث لا يقتصر على الأدب بالمعنى الضيق، وإنما يشمل المرويات الدينية والتاريخية والثقافية وغيرها. وهذا واضحٌ في اهتمامه بالسرد بوصفه ظاهرة يتقاطع فيها الأدبُ معَ التاريخ والدين والثقافة والذاكرة. لكنَّ توسيع المفهوم شديد الخطورة، وكلما اتَّسع مفهومُ السرد أصبح أقل قدرة على التمييز بين الأشياء. وإذا صار كُلُّ خطاب يحكي أو يُرتِّب الأحداثَ سردًا، فما الذي يبقى خاصًّا بالسرد الأدبي؟.

     وإذا كانت الرواية والسيرة والخبر والتاريخ والمقامة والرحلة والخرافة كُلها تدخل في فضاء واحد، فلا بد من معايير شديدة الصرامة لتحديد الفروق بينها، وسِوى ذلك سيتحوَّل السردُ إلى مظلة هائلة تغطي مساحةَ الثقافة كلها، وعندئذ سيفقد المفهومُ قوته التمييزية. والمفهومُ العلمي الجيد لا يُقَاس بقدرته على احتواء أكبر عدد من الظواهر، وإنما بقدرته على تمييز الظواهر المتشابهة من الظواهر المختلفة.

     المشروعُ يَحمل اهتمامًا بمشكلة المركز والهامش، ويحرص على نقد المركزيات الثقافية. لكن ثمَّة مشكلة يمكن أن تظهر عندما ننتقل من نقد المركز إلى إعادة بناء مركز جديد.

     والقولُ إنَّ السرد كان مُهَمَّشًا أمام الشعر مفيد تاريخيًّا، لكنه لا يكفي لإثبات وجود وحدة سردية متماسكة. كما أنَّ اكتشاف السرد في مواد لَم تكن تُصنَّف باعتبارها أدبًا لا يعني بالضرورة أنَّ تلك المواد كانت تؤدِّي الوظيفة الجمالية نفسها التي يؤدِّيها الأدب.

     وهُنا يجب الفصل بين الحكي، والأدبِ السردي، والوعي بالنوع السردي. وعدمُ الفصل الدقيق بين هذه المستويات قد يؤدِّي إلى توسيع التاريخ الأدبي بأثر رجعي. أي إنَّنا نرى السردَ بأعيننا الحديثة داخل نصوص قديمة، ثم نعيد تصنيفَها بناءً على هذا الاكتشاف.

     ومِن أقوى الاعتراضات الممكنة على الموسوعة أن العمل الموسوعي لا يُقَاس فقط بما يدرسه، بلْ أيضًا بما يستبعده. وهُنا تصبح قائمة الغياب مهمة مِثل قائمة الحضور. وهناك أنماط سردية وقضايا لم تحظَ في موسوعة إبراهيم بما يكفي من المراجعة. وهُنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت الموسوعة تريد رسم تاريخ شامل للسرد العربي، فهل يكفي اختيار " الأنواع الكبرى" ؟.

     مِن أكبر المخاطر التي تواجه أيَّ تاريخ شامل للأدب العربي أن يتحوَّل " العربي" عمليًّا إلى "المشرقي" أو إلى مجموعة من المراكز الأدبية المعروفة.والمادةُ العربية مُوزَّعة على مجال جغرافي هائل مِن عُمان حتى المغرب بالإضافة إلى الأندلس. ولا تكفي الإشارة إلى المناطق لإثبات التوازن بينها، المعيارُ الحقيقي هو كمية البحث، ودرجة التحليل، وعدد النصوص، ومستوى التوثيق، وموقع كُلِّ منطقة في السرد التاريخي العام. وهذا مُهم خصوصًا لأنَّ المشروع لا يُقَدِّم دراسات منفصلة فحسب، بلْ أيضًا يطمح إلى بناء تاريخ طويل للسرد. والتاريخُ الذي يُركِّز بكثافة على بعض المراكز يمكن أن يعيد إنتاجَ المركزية نفسها التي يُحاول تفكيكَها، ولكن بلغة نقدية جديدة.

     حين ننتقل من الجاهلية إلى عصر صدر الإسلام، ثم الأموي، ثم العباسي، ثم عصر الدول المتتابعة، ثم القرن التاسع عشر، ثم الرواية الحديثة، فنحن لا ننتقل بين مراحل بسيطة، وإنما بين أنظمة ثقافية مختلفة جذريًّا. ومن الصعب جدًّا استخدامُ جهاز مفاهيمي واحد دون تعديلات كبيرة.

     وهُنا يظهر سؤال مهم: هل التاريخ الذي ترسمه الموسوعة تاريخ متصل أمْ أنه سلسلة من التحولات يَجمعها مفهوم السرد؟. إذا كان تاريخًا متصلًا فلا بد من إثبات آليَّات الاستمرار، وإذا كان تاريخًا منقطعًا ومتحولًا فلا بد من تفسير أسباب القطيعة. أمَّا الجمع بين الاستمرارية والقطيعة في الوقت نفسه دون تحديد مستويات كُل منهما فسوف يؤدي إلى مرونة تفسيرية زائدة. وهذه المرونة قد تكون مفيدةً في التأويل، لكنها تصبح مشكلة في التاريخ.

     الموسوعةُ تريد الكشفَ عن خصوصية السرد العربي.لكن إثبات الخصوصية يحتاج إلى مقارنة. لا يمكن أن نقول إنَّ بنية ما "عربية" لمجرد أنها ظهرتْ في نص عربي. العربيةُ هي لغة النص، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات خصوصيته الحضارية.

     ولإثبات خصوصية بنية سردية ما ينبغي أن نسأل: هل هذه البنية غير موجودة في تقاليد سردية أُخرى؟. إذا كانت موجودة، فما الذي يجعل استعمالها عربيًّا؟، وإذا كانت مشتركة فهل خصوصيتها تكمن في الوظيفة أم السياق أم التلقي أم البنية أم العلاقة بين هذه العناصر؟.

     هذه الأسئلة تجعل مفهوم " السردية العربية" أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه في الصياغة العامة للمشروع. والخطورةُ تكمن في تحوُّل الخصوصية من نتيجة بحثية إلى افتراض سابق على البحث. أي إنَّ الباحث يبحث عن " العربي" داخل المادة، لأنه افترضَ أنَّ هناك " عربيًّا" ينبغي اكتشافه. وهُنا يظهر الفرقُ الكبير بين اكتشاف الخصوصية والبحثِ عن الخصوصية. ويترتب على ذلك أن تتحوَّل عملية البحث من اكتشاف ما تقوله المادة، إلى إثبات ما نريد منها أن تقوله.

     إنَّ الموسوعة تَحمل معها اختياراتها النظرية. اختارتْ رؤيةَ السرد باعتباره ظاهرة ثقافية واسعة، والبحثَ عن الاستمرارية بين الموروثِ والحديث، ومقاومةَ تفسير الرواية العربية من خلال الغرب وحده، والبحثَ عن خصوصية سردية عربية، والتعاملَ معَ المركز والهامش، والاستفادةَ من السرديات الحديثة دون الالتزام الصارم بنظرية واحدة. كُلُّ اختيار من هذه الاختيارات يمكن الدفاع عنه، لكنه ليس حقيقة نهائية وحاسمة. إنه زاوية نظر. وهُنا ينبغي أن تتراجع سُلطة العنوان " الموسوعة" قليلًا لصالح سُلطة المنهج، فالكتابُ الموسوعي لا يصبح محايدًا لمجرد أنه موسوعي، والعملُ الذي يضمُّ آلاف الصفحات يمكن أن يَحمل فرضيةً واحدة شديدة القوة تتحكم في معظم استنتاجاته.

     مِن المشكلات المهمة في المشروع أنه يطرح أحيانًا ثنائية تحتاج إلى تفكيك أكبر. مثلًا، إمَّا أن الرواية العربية وليدة التأثير الغربي، وإمَّا أنها ناتجة عن إعادة تشكيل الموروث العربي. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الثنائية. قد تكون الرواية العربية نتاج ترجمة، وموروث، وصحافة، وتغيُّر اجتماعي،وتعليم،ومدينية،واحتكاك استعماري، وتشكُّل طبقات اجتماعية جديدة، وتحوُّل في مفهوم الذات، وتغيُّر في سوق الكتاب. لذلك فإن التفسير الأفضل تاريخيًّا ليس بالضرورة الذي يستبدل مركزية بمركزية أُخرى، وإنما الذي يعتمد على تعددِ الأسباب،وتنوُّعِ الظروف، واختلافِ زوايا الرؤية.

     قد تكون كثرة المصادر والفهارس والإحالات نقطة قوة في مشروع بهذا الحجم، لكنَّ التوثيق لا يجعل التأويلَ صحيحًا بالضرورة. يمكن أن يكون لديك مئات المراجع، وتظل النتيجة التأويلية قابلة للاعتراض، لأنَّ السؤال الحقيقي: هل المصادر والمراجع تثبت النتيجةَ التي بُنيت عليها؟، وهذا يدلُّ على وجود فرق جوهري بين التوثيق والبرهنة. لذلك يجب التمييز دائمًا بين الدليل والتفسير والاستنتاج والفرضية.

     والكتابةُ النقدية الطويلة حين تتراكم فيها المصطلحات الكبرى: المركزية، والهوية، والسردية، والموروث، والثقافة، والتخييل، والذاكرة، والسياق، والاختلاف، والآخَر، تصبح مُعرَّضة لخطر أن تتحول المفاهيم إلى شبكة فوضوية تُفَسِّر بعضها بعضًا.

     وهُنا يحتاج الباحث إلى العودة باستمرار إلى النص لاستنطاقه، ومعرفةِ كيفية عمله، والتقنية التي يستخدمها،وطريقة تشكُّل الراوي والرواية، وانتظام الزمن، وطبيعة العلاقة بين القول والحكاية.

     مِن الخطأ التعاملُ معَ هذا المشروع باعتباره آخر كلمة في تاريخ السرد العربي. كُلُّ موسوعة أدبية هي نتاج زمنها، والمصادر تتغيَّر، والنظريات تتبدَّل، والمخطوطات تُكتشَف، والنصوص يُعاد تحقيقها، والمفاهيم تتطور، والأنواع الأدبية يُعاد تصنيفها، بل إنَّ مفهوم "السرد" يتغيَّر بتغيُّر الزمانِ والمكانِ وطبيعةِ الناس.

     يمكن تلخيص هذا المقال على شكل نقاط محددة:

     1_ مفهوم "السردية العربية" يحتاج إلى تحديد أكثر صرامة، لأنه مُعرَّض لتحويل التعدد التاريخي إلى وحدة ثقافية افتراضية.

     2_ الانتقال من التشابه بين السرد القديم والحديث إلى إثبات الاستمرارية التاريخية، يحتاج إلى أدلة انتقال وتأثير، وليس التشابه البنيوي وحده.

     3_ توسيع مفهوم السرد إلى المجال الديني والتاريخي والثقافي يهدد بإضعاف الحدود بين السرد الأدبي وغيره.

     4_ نقد المركزية الغربية لا يكفي وحده لإثبات تفسير بديل، فرفضُ التبعية لا يعني تلقائيًّا إثبات الأصل المحلي.

     5_ التفسير الثقافي الواسع قد يأتي أحيانًا على حساب التفاصيل النصية والجمالية.

     6_ أيُّ تاريخ للسرد العربي يحتاج إلى مساءلة أكبر لمعايير الاختيار والاستبعاد، لأنَّ ما تغفله الموسوعة مهم بِقَدْرِ ما تدرسه.

     7_ التوازن الجغرافي والنوعي والاجتماعي لا يمكن افتراضه من مجرد اتساع عدد الأجزاء.

     8_ مفهوم " العربي" يحتاج إلى تدقيق، لأنه قد يَجمع تحت عنوان واحد تجارب تاريخية مختلفة، وظواهر ثقافية متباينة.

     9_ حضور المرأة والسرد النسوي يحتاج إلى قراءة تتجنَّب تفسير الكتابة النسوية بمفاهيم قد تَحمل أحكامًا مسبقة على الذات الأنثوية.

     10_ التعدد النظري الذي يتبناه المشروع لا يعفيه من ضرورة إعلان الحدود الإجرائية لكلِّ مفهوم عند استخدامه.

     إنَّ موسوعة السرد العربي هي صياغة نقدية واسعة لتاريخ السرد العربي، محكومة برؤية صاحبها إلى المركز والهامش، والموروث والحداثة، والعرب والغرب، والنص والثقافة، والاستمرارية والانقطاع.وهُنا تحديدًا تكمن نقطة ضعفها الكبرى. إنها لا تكتفي بأن تسأل عن السرد العربي، بل تسعى إلى منحه تفسيرًا عامًّا.والسردُ العربي ليس صوتًا واحدًا، ولا بنية واحدة، ولا مسارًا مستقيمًا، ولا نتيجة ثقافية واحدة. كان دائمًا ساحة صراع بين نصوص ومؤسسات وذاكرات ومذاهب وأقاليم وطبقات وأجناس وأصوات.

     والمطلوبُ هو إعادة فحص مراجع المشروع، واختبار تصنيفاته، وقراءة نصوصه الأساسيَّة، ومقارنة نتائجه بما تنتهي إليه الدراسات اللاحقة.

18‏/09‏/2026

توظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس

 

توظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

     لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الأسطورة من مادة للسؤال إلى جواب جاهز. والأدبُ الذي يستدعي الماضي يمكنه أن يفتح التاريخَ على احتمالات جديدة، لكنه يستطيع أيضًا أن يعيد إنتاجَ أوهامه. والأسطورةُ، في هذه الحالة، ليست بريئة. قد تكون وسيلة لمقاومة النسيان، أو صناعةِ ذاكرة انتقائية، تمنح المُهمَّشين لغةً لاستعادة وجودهم، وتمنح السلطةَ كذلك صورةً برَّاقة عن أُمَّة غير متماسكة ولا متجانسة.

     مِن هذه المنطقة الملتبسة يمكن قراءة تجربة الكاتب الإثيوبي تسيغاي غابري مدهين (1936_ 2006)، إلى جانب تجربة الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس ( 1928_ 2012)، ليس لأنَّ الكاتبَيْن ينتميان إلى مشروع أدبي واحد، أو لأنَّ الأساطير التي يستعملانها متشابهة، بل لأنهما يتعاملان مع الماضي القومي بوصفه مادة حية يمكن إعادة تشكيلها فوق خشبة المسرح أو داخل الرواية. لَم يتعاملا معَ التاريخ باعتباره سردًا مغلقًا، وإنما باعتباره حقلًا للصراع على معنى الجماعة: مَن نحن؟، ومِن أين جئنا؟، ومَن يملك حق الكلام باسم الماضي؟، وما الذي يحدث عندما تصبح الأسطورة أكثر حضورًا من الحقيقة التاريخية نفسها؟.

     هناك سوء فهم شائع للأسطورة يجعلها شيئًا ينتمي إلى الماضي البعيد، إلى زمن الآلهة والأبطال والوحوش والمعجزات، وكأنها انتهت بمجرد أن بدأ العصر الحديث، لكن الأسطورة لا تموت حين يفقد الناسُ إيمانَهم الحرفي بها، إنها تنتقل إلى أشكال أُخرى.

     قد تصبح الأُمَّةُ أسطورةً، ويصبح المَلِك المُؤسِّس أسطورة، وتتحول الهزيمة إلى ملحمة، والاحتلال إلى ذاكرة بطولية، والانقسام الداخلي إلى قصة عن وحدة مفقودة، والمقاومة إلى سردية تأسيسية. عندها لا تعود الأسطورة مجرد حكاية قديمة، وإنما تصبح طريقة لتنظيم الذاكرة. وهُنا تحديدًا تكمن أهمية مدهين وفوينتس. كلاهما يعود إلى الماضي، ليس للهروب من الحاضر، بل لقراءة الحاضر من خلاله، غَير أن الفرق بينهما يبدأ من طبيعة التاريخ الذي يستحضره كُل واحد منهما، والوسيطِ الأدبي الذي يختار أن يضع فيه ذلك التاريخ.

     مدهين شاعر ومسرحي، ارتبط جزء أساسي من مشروعه الدرامي بالتاريخ الإثيوبي. يظهر التاريخُ القومي بوصفه مادة لإعادة التفكير في الإثيوبية، والوحدة، والاستقلال، والصراع السياسي والديني والإثني. وقد تناولت دراسات نقدية هذه الأعمال من زاوية علاقتها بالقوميةِ وتمثيل الهُوية.

     في مسرحياته، لا يظهر الماضي الإثيوبي بوصفه أرشيفًا تاريخيًّا فقط، بل يدخل في تركيب درامي يستفيد من الأسطورة، والصراعِ الديني، وبنيةِ المأساة.

     أمَّا فوينتس، فمشروعه مختلف في الشكل، وأكثر اتساعًا من حيث التجريب الروائي، لكنَّه يلتقي معَ مدهين في السؤال الأساسي: كيف يمكن كتابة هوية جماعية تشكلت من طبقات تاريخية متراكبة، وصراعاتٍ لَم تنتهِ بانتهاء الأحداث التي صنعتها؟.

     حين يكتب مدهين عن الشخصيات، فإنه لا يستعيد أفرادًا من كُتب التاريخ فحسب، إنه يعيد وضعهم في فضاء المسرح، أي في فضاء المواجهة والكلام والجسد والصراع. التاريخُ الذي كان مكتوبًا في الكُتب يصبح فجأةً قابلًا للتمثيلِ والمُساءلة.

     هذه النقلة ليست بسيطة، فالشخصيةُ التاريخية عندما تدخل المسرحَ تفقد شيئًا من حصانتها. المَلِكُ الذي يبدو في الكتاب رمزًا ثابتًا يصبح على الخشبة إنسانًا يتكلم، ويخطئ، ويشكُّ، ويخاف، ويأمر، ويُعصَى، وهُنا تبدأ الأسطورة القومية في التصدع. لكن مدهين لا يهدم الأسطورةَ تمامًا، وهذه إحدى أكثر نقاط مشروعه إثارةً للنقد. فهو يستدعي التاريخَ الإثيوبي في سياق البحث عن إثيوبيا، واستقلالها، ومقاومتها، وصورتها ككيان تاريخي له استمرارية وذاكرة، لذلك يمكن أن يتحول المسرح إلى مساحة لإعادة بناء الذاكرة القومية بِقَدْرِ ما هو مساحة لتفكيكها.

     المفارقة أنَّ الكاتب حين يحاول أن يستعيد التاريخَ من النسيان قد يقع في إعادة ترتيب التاريخ وفق حاجة الحاضر. والاختيارُ ليس بريئًا، لماذا هذا المَلِك وليس ذاك؟، ولماذا هذه المعركة؟، ولماذا هذه الشخصية؟، ولماذا تُروَى قصة المقاومة بهذه الطريقة؟، ومَن الذي يصبح بطلًا عندما يُعاد تمثيل الماضي؟، ومَن يبقى خارج الخشبة؟.

     هذه الأسئلة تجعل من الصعب التعامل مع المسرح التاريخي لمدهين بوصفه مجرد أدب وطني. الأدب الوطني، في صورته التقليدية، يريد أن يقول إنَّ الأُمَّة كانت دائمًا واحدة، وإنَّ أبطالها كانوا يعرفون الطريق، وإنَّ التاريخ كان يسير نحو نتيجة واضحة. أمَّا الأدب الذي يأخذ التاريخَ بجدية فيفترض العكس، وهو أنَّ الأُمَّة كانت مليئة بالتوترات، والوحدة نفسها كانت مشكلة، والبطولة ليست حقيقة ثابتة، بل نتيجة صراع على الذاكرة.

     إنَّ قيمة الأسطورة في تجربة مدهين لا تكمن في أنها تمنح إثيوبيا ماضيًا مجيدًا، وإنما في أنها تكشف مقدار حاجة الحاضر إلى الماضي لكي يُبَرِّر نَفْسَه. الأسطورةُ لا تعود كما كانت، يتمُّ انتزاعها من سياقها القديم، ثم وضعها في سياق جديد، فتتغير وظيفتها. والنبوءة لم تعد مجرد كلام غَيبي عن المستقبل، وإنما تصبح استعارة عن التاريخ الذي يعرف الإنسانُ أنه قادم، لكنه عاجزٌ عن إيقافه. والمَلِكُ ليس مجرد مَلِك، يمكن أن يصبح صورةً للسلطة التي تصنع مصيرَها بيديها. والمأساةُ ليست حكاية عن فرد، يمكن أن تصبح سؤالًا عن جماعة كاملة.

     إذا انتقلنا إلى فوينتس، فإننا ننتقل من المسرح التاريخي إلى الرواية التي لا تثق أصلًا في الخط المستقيم للتاريخ. فوينتس لا يتعامل معَ الماضي المكسيكي أو الإسباني بوصفه سلسلة يمكن ترتيبها بسهولة من البداية إلى النهاية. الزمنُ عنده قابلٌ للتشظي، والتاريخ يمكن أن يعود، والشخصيات يمكن أن تَحمل آثار شخصيات أُخرى، والماضي قد يظهر في الحاضر، ليس باعتباره ذكرى، وإنما باعتباره قوة لم تنتهِ.

     والروايةُ تستخدم الأسطورةَ لإعادة تفسير تاريخ الثقافة الإسبانية، بحيث يحلُّ الزمنُ المتكرر أو الحاضر الأبدي محلَّ التصور الخطي البسيط للزمن. كما تظهر العلاقةُ بين الموروث المكسيكي والموروث المسيحي والإسباني، بحيث لا تصبح الهوية المكسيكية شيئًا نقيًّا يمكن إعادته إلى أصل واحد، بل نتيجة صراع وتركيب بين عوالم متعددة.

     يبتعد فوينتس عن الاستخدام القومي المباشر للأسطورة. إنه لا يقول ببساطة: هذه هي أسطورتنا، ومِن خلالها نعرف مَن نحن. وإنما يطرح أسئلة أكثر إزعاجًا: ماذا لو كانت هويتنا مصنوعة من أساطير متعارضة؟، وماذا لو لم يكن هناك أصل واحد نعود إليه؟، وماذا لو كانت المكسيك الحديثة نتيجة التقاء حضارات وديانات ولغات وعنف واستعمار ومقاومة، بحيث يصبح البحث عن هوية نقية نوعًا من الوهم؟.

     تتجاور طبقات مختلفة من الثقافة والتاريخ، وتدخل الرموز والأساطير المكسيكية في شبكة أوسع تشمل إسبانيا وأوروبا والعالَم المسيحي واليهودي والإسلامي، لذلك يصبح الميثولوجي عند فوينتس طريقة لتفكيك فكرة الأصل الواحد بدل تكريسها.

     مدهين وفوينتس يكتبان في سياق تاريخي لا يمكن فيه فصل الهوية عن مسألة الذاكرة. إثيوبيا تحمل تاريخًا طويلًا من الاستقلال والصراع السياسي والديني والإثني. أما المكسيك، فقد تشكلت هويتها الحديثة من طبقات متشابكة من الحضارات الأصلية والاستعمار الإسباني والمسيحية والتحولات السياسية والاجتماعية اللاحقة. لذلك ظلَّ سؤال : مَن هو المكسيكي؟ حاضرًا بقوة في مشروع فوينتس،كما يظهر خصوصًا في علاقته بتاريخ المكسيك وثقافتها وهويتها.

     في الحالتين،تصبح الأسطورةُ وسيلة لمقاومة فكرة أن الحاضر هو الحقيقة الوحيدة. والمقاومة هُنا ليست بالضرورة مقاومة سياسية مباشرة، إنها مقاومة للنسيان. والذي لا يملك السيطرةَ على الحاضر يستطيع أحيانًا أن يقاتل على الماضي، ومَن يملك الماضي يستطيع أن يؤثِّر في معنى الحاضر، لهذا السبب كانت الأسطورة دائمًا قريبة من السياسة، حتى عندما تبدو بعيدةً عنها.

     من السهل أن نقول إنَّ الأسطورة تمنح الشعوبَ صوتًا، وإنها تعيد الاعتبارَ إلى الذاكرة المحلية، وإنها تقاوم التاريخَ الذي كتبه الآخرون. كُلُّ هذا صحيح جزئيًّا، لكنه لا يكفي، لأن الأسطورة يمكن أن تتحوَّل إلى أداة أُخرى للإقصاء.

     حين تقول جماعة: هذه هي قصتنا. يجب أن نسأل فورًا: من هي " نحن"؟. مَن يتكلم باسمِ الأُمَّة؟، هل هي القبيلة أم الطائفة أم الدولة أم السلطة أم الطبقة المثقفة أم المدينة أم الريف أم الجماعة الدينية أم الجماعة الإثنية أم الأغلبية؟.

     في حالة إثيوبيا تحديدًا، يصبح السؤال شديد الحساسية، لأن فكرة " الإثيوبية" نفسها يمكن أن تُستخدَم أحيانًا كعنوان لوحدة تتجاهل اختلافَ التجارب داخل البلاد. وإذا تحوَّل التاريخُ إلى سلسلة من الرموز البطولية، فإنَّ الجماعات التي لا تجد نفسَها في هذه السلسلة قد تشعر بأنَّ تاريخها جرى ابتلاعه داخل تاريخ أكبر منه.

     والأمرُ نفسه في المكسيك. استدعاءُ الحضارات الأصلية لا يعني بالضرورة أن الأصوات الأصلية أصبحت صاحبة السلطة على سرد تاريخها. يمكن للكاتب الحديث أن يجعل من الأسطورة الأصلية جزءًا من مشروعه الجمالي والفكري، لكن هذا لا يلغي السؤالَ: هل نحن أمام استعادة لصوت قديم أمْ أمام إعادة صياغة ذلك الصوت من خلال وعي حديث؟. لهذا فإن الأسطورة القومية لا ينبغي أن تُعامَل بوصفها حقيقة بديلة عن التاريخ. هي رواية عن التاريخ، وأحيانًا رواية عن الحاجة النفسية إلى تاريخ مُعيَّن.

     مدهين يميل إلى جعل الشخصيات والأحداث التاريخية الإثيوبية مركزًا لصراع درامي يتعلق بالدولة والأُمَّة والاستقلال والذاكرة. الماضي عنده يتحوَّل إلى مسرح سياسي وأخلاقي، وهذا يجعل الأسطورةَ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفكرة الجماعة، كيف تتصور إثيوبيا نَفْسَها؟، وكيف تتذكر أبطالها؟، وكيف تُحوِّل التاريخَ إلى وعي قومي؟.

     أمَّا فوينتس فيميل إلى زعزعة الحدود التي تفصل الماضي عن الحاضر،والأسطورةَ عن التاريخ، والهُويةَ عن الآخَر. ويصبح الزمنُ متاهةً، وتصبح الهُوية نتيجة طبقات متراكمة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، مع وجود ربط بين الأسطورةِ والهُويةِ والذاكرةِ وإعادةِ بنات الذات في سياق التاريخي المكسيكي والأمريكي اللاتيني.

     مدهين يستخدم الماضي لكي يسأل: كيف يمكن أن تكون الأُمَّة؟، بينما يستخدم فوينتس الماضي لكي يسأل: لماذا أصبحت الأُمَّة كما هي؟.والفرقُ بين السؤالين كبير. الأول يميل إلى بناء الذاكرة،حتى عندما ينتقدها.والثاني يميل إلى تفكيك الذاكرة، حتى عندما يبحث داخلها عن معنى.

     رُبَّما كان الخطأ الأكبر هو وضع الأسطورة والتاريخ في طرفَيْن متقابلَيْن. الأسطورةُ ليست نقيضَ التاريخ بالضرورة. أحيانًا تكون الطريقة التي يحتفظ بها المجتمع بتاريخه حين يعجز التاريخُ الرسمي عن تفسير ما حدث. لكنَّها تصبح خطرة عندما تطلب من الناس أن يُصدِّقوها بدل أن يُفَكِّروا فيها.

     والأدبُ الجيد لا يحتاج إلى إثبات أنَّ الأسطورة صحيحة، يكفي أن يكشف لماذا احتاج الناسُ إليها. وهُنا تكمن المسافة النقدية التي تسمح بقراءة مدهين وفوينتس دون تحويلهما إلى كُتَّاب " هُوية " بالمعنى الاحتفالي للكلمة.

     إنَّ السؤال ليس: أيُّهما نجح أكثر في تمجيد أُمَّته؟، هذا سؤال بسيط أصلًا. السؤالُ المهم: ماذا يفعل الكاتبُ عندما يضع الأسطورةَ القومية في مواجهة التاريخ؟. هل يجعلها قناعًا جديدًا للسلطة، أمْ يُحوِّلها إلى ذاكرة مضادة، أمْ يُخلخل بها الرواية الرسمية، أمْ يعيد إنتاجَ صورة الأُمَّة بوصفها وحدة متجانسة، أمْ يجعل من الأسطورة شيئًا مشكوكًا فيه؟.

     في هذا المستوى تصبح الكتابة عند مدهين وفوينتس أكثر إثارة للاهتمام من مجرد الحديث عن الهوية، لأنَّ الهوية في أعمالهما ليست قطعة جاهزة محفوظة في صندوق الماضي، وإنما شيء يُنْتَج باستمرار عبر الانتقاءِ والتذكرِ والنسيان.

     عندما يعيد مدهين كتابة شخصيات تاريخية، فهو لا يستعيدها من العدم، إنَّه يعيد إنتاجَها أمام جمهور جديد. وبذلك فإنَّ المسرح لا يكتفي بتمثيل الذاكرة، بل يشارك في صناعتها، وهذا هو الجانب الذي ينبغي ألا يغيب عن القراءة النقدية للأدب التاريخي.

     وفي المقابل، حين يستعيد فوينتس الرموزَ والأساطير المكسيكية، فإنه لا يعيدها إلى مكانها القديم، بل يدخلها في لعبة معقدة من الذاكرة والاستعمار والدين والهوية والحداثة. الأسطورةُ هُنا لا تستعيد الماضي كما كان، إنها تكشف استحالةَ استعادته كما كان. وهذا هو الفرقُ الأساسي بين التوظيف المباشر والتوظيف النقدي للأسطورة. في الأول، الأسطورة تقول: تذكَّروا. وفي الثاني، تقول: تذكَّروا، لكن اسألوا ماذا تتذكرون ولماذا.

     الأُمَّةُ في الأدب ليست دائمًا حقيقة سياسية فقط، إنها أيضًا خيال مشترك. الناسُ لا يعيشون داخل الدولة وحدها، بل داخل القصص التي تحكيها الدولة عن نفسها، وداخل القصص التي تحكيها الجماعات عن أصولها، وداخل الصور التي تنتقل من جيل إلى آخر. وهُنا تصبح الأسطورةُ أشبه بِمِرآة جماعية. لكن المِرآة لا تعكس بالضرورة صورةً صحيحة، إنها قد تُكبِّر وجهًا، وتُصغِّر آخَر. قد تُظهر المَلِكَ، وتُخفي الفلاحَ، قد تروي انتصارَ الجيش، وتنسى ضحايا الحرب، قد تتحدث عن الوحدة، ولا تذكر الذين شعروا أنهم خارجها،لهذا فإنَّ الأدب الذي يستعمل الأسطورةَ القومية يجب أن يُقْرَأ بحذر مزدوج، حذر من الرواية الرسمية، وحذر أيضًا من الرواية المضادة عندما تتحوَّل هي الأُخرى إلى يقين مغلق. وهذا ما يجعل المقارنة بين مدهين وفوينتس مثمرة.

     في تجربة مدهين، نرى محاولة لاستعادة التاريخ الإثيوبي بوصفه ذاكرة حية يمكن للمسرح أن يعيد مساءلتها. وفي تجربة فوينتس نرى محاولة لتفجير الخط الزمني للتاريخ المكسيكي والأمريكي اللاتيني، بحيث تتجاور الأسطورةُ والاستعمار والذاكرة والدين والهوية في فضاء واحد. الأول يعود إلى الماضي من أجل مواجهة سؤال الأُمَّة، والثاني يعود إلى الماضي لكي يكتشف أن الأُمَّة لا يمكن فهمها دون تناقضاتها.

     إنَّ الأسطورة ليست وطنًا. الوطنُ الذي يُخْتَزَل في أسطورة يصبح خطرًا على الأحياء، لأن الأحياء دائمًا أكثر تعقيدًا من أسلافهم. ولا توجد شخصية تاريخية أو أسطورية تستطيع أن تَحمل شعبًا كاملًا فوق كتفيها. ووظيفةُ الأدب ليست أن يجد الرمزَ الذي يختصر الأُمَّة، بل أن يكشف لماذا تحتاج الأُمَّةُ إلى رمز يختصرها.

     أعمالُ مدهين وفوينتس هي محاولة لجعل الموتى يتكلمون. لكن الموتى الذين يعودون إلى الأدب، لا يعودون كما كانوا. الكاتبُ يوقظهم لكي يحاكم بهم الحاضرَ.

     عند مدهين، يعود التاريخُ الإثيوبي في هيئة ملوك وأبطال وصراعات ونبوءات ومآسٍ، لكي يسأل الحاضرَ عن معنى الاستقلال والوحدة والسلطة والذاكرة.

     وعند فوينتس،يعود الماضي المكسيكي والإسباني والأمريكي اللاتيني في صورة أكثر اضطرابًا، آلهة ورموز وديانات وغزاة وضحايا وأشباح وشخصيات تتداخل أزمنتها، بحيث لا يعود التاريخُ خطًّا مستقيمًا يمكن الاطمئنان إليه.