10/06/2026
تحميل كتاب/ جهل أدونيس في قراءة التراث
09/06/2026
عزلة المثقف بين عيسى الناعوري وناتسومي سوسيكي
لَيست
عُزلة المثقف حادثةً عابرة في تاريخ الفكر الإنساني، بلْ هي قَدَرٌ يتكرر كُلَّما
ازدادَ وعي الإنسان بذاته وبالعالَم مِن حَوله. المثقفُ، بِحُكم موقعه بين الواقع
والحُلْم، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يجد نفسه في كثير من الأحيان غريبًا
عن مُحيطه، ومُحَاصَرًا بأسئلة لا تَشغل الآخرين، ومُثْقَلًا برؤية تتجاوز حدودَ
اليَومي والعابر. ومِن هُنا تبدو العُزلة تجربة وجودية عميقة يعيشها أصحابُ الفكر
والإبداع في مختلف الثقافات، ولَيست انقطاعًا عن المجتمع والعالَمِ.
عِند التأمل في تجربة الأديب الأردني عيسى
الناعوري ( 1918_ 1985 ) وتجربة الروائي الياباني ناتسومي سوسيكي ( 1867_ 1916 )،
نجد أن المسافة الجغرافية والحضارية الشاسعة بينهما لَم تمنع من التقاء تجربتيهما
عند نقطة جَوهرية هي عُزلة المثقف. عاشَ كُلٌّ منهما قلقَ الإنسانِ الذي يمتلك
وعيًا يتجاوز عصره، ويشعر في الوقت نفسه بثقل الانتماء إلى مجتمع يتغير بِبُطء،
أوْ يتغير في اتجاه لا ينسجم معَ تطلعاته الرُّوحية والفكرية.
يُشكِّل الناعوري واحدًا من أبرز الوجوه
الثقافية العربية في القرن العشرين، فقدْ جمع بين الأدبِ والترجمة والعمل الثقافي،
وسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية، غَير أنَّ هذه
الرحلة الفكرية لَم تكن خالية من الشعور بالغربة والعزلة.
كانَ الناعوري يرى الثقافةَ رسالةً تتجاوز
حدودَ الترف الفكري، لذلك اصطدمَ مِرارًا بواقع لا يَمنح المعرفةَ مكانتها
المستحقة. فالمثقفُ في مجتمعات كثيرة يجد نفسه مُطالَبًا بأن يكون شاهدًا على
التحولات الاجتماعية والسياسية، لكنَّه في الوقت نفسه عاجزٌ عن التأثير المباشر
فيها. وهكذا تتشكل عُزلة مزدوجة: عُزلة عن العامَّة الذينَ لا يدركون أهمية مشروعه
الثقافي، وعُزلة عن المؤسسات التي كثيرًا ما تنظر إلى الثقافة بوصفها هامشًا لا
مَركزًا.
انعكستْ هذه التجربة في كتاباته التي تفيض
بإحساس عميق بالحنين، والبحثِ عن المعنى. والناعوري لَم يكن منفصلًا عن مُجتمعه،
لكنَّه كان يشعر أحيانًا بأنه يسير أمام زمنه بخطوات، فيرى مَا لا يراه الآخرون،
ويَحمل هُمومًا تتجاوز حدودَ اللحظة الراهنة. ومِن هُنا كانت عُزلته عزلة المفكر
الذي يزداد التصاقًا بقضايا أُمَّته كلما ازدادَ شعوره بالوَحدة.
أمَّا ناتسومي سوسيكي فقدْ عاشَ واحدةً من
أكثر التجارب الفكرية تعقيدًا في تاريخ اليابان الحديث. فقدْ جاء في مرحلة انتقالية
شهدت انفتاحَ اليابان على الغرب بصورة غير مسبوقة، وكانَ عليه أن يُواجه السؤالَ
الكبير: كيف يمكن للإنسان الياباني أن يحافظ على هُويته وسط مَوجة التحديث
الجارفة؟.
عندما أُرْسِلَ سوسيكي إلى بريطانيا
للدراسة، لَم تكن الرحلة مُجرَّد انتقال جُغرافي، بلْ كانت مُواجهة حادَّة مع
اختلاف الحضارات. هُناك اكتشفَ أن المعرفة الغربية التي كان يسعى إليها لا تمنحه
الطمأنينة التي توقَّعها. بلْ على العكس، ازدادتْ غُربته حِدَّةً، وشعر بأنه يقف
بين عَالَمَيْن لا ينتمي تمامًا إلى أيٍّ مِنهما.
وتظهر هذه الأزمة بوضوح في رواياته الكُبرى،
حيث تتكرر صورة الفرد المنعزل الذي يعجز عن بناء جسور حقيقية معَ الآخرين.إنَّ
أبطال سوسيكي لَيسوا أشخاصًا مهزومين بالمعنى التقليدي، بلْ هُم أفراد يمتلكون
حساسية فكرية وأخلاقية عالية تجعلهم أكثر وعيًا بالتناقضات التي تُحيط بهم. لذلك،
فإنَّ عُزلتهم لَيست نتيجة ضعف، وإنما نتيجة وعي مفرط يَجعل التَّكَيُّفَ معَ
الواقع أمرًا بالغ الصعوبة.
أدركَ سوسيكي أنَّ التقدم المادي لا يضمن
بالضرورة التوازنَ الرُّوحي، وأنَّ الإنسان قد يربح العالَمَ الخارجي، ويَخسر
عالَمَه الداخلي. ومِن هُنا تحوَّلت العُزلة في أعماله إلى سؤال فلسفي حَول معنى
الذات والحرية والانتماء.
وعلى الرغم من اختلاف البيئة العربية التي
عاشَ فيها الناعوري عن البيئة اليابانية التي عاشَ فيها سوسيكي، فإنَّ القارئ
يَلمح خيطًا إنسانيًّا مشتركًا يربط بينهما. كلاهما مثقف حَمَلَ عِبْءَ الوعي في
زمن التحولات الكبرى، وكلاهما حاولَ أن يصالح بين الأصالةِ والانفتاح، وبين
الانتماءِ المحلي والأفق الإنساني الواسع.
لَم تكن عُزلة الناعوري مكانية فَحَسْب،
ولَم تكن عُزلة سوسيكي مُجرَّد اغتراب حضاري، بلْ كانتا تعبيرَيْن مختلفَيْن عن
أزمة المثقف الذي يرى الواقعَ بعين ناقدة. وكُلما اتَّسعت المعرفةُ، اتَّسعت معها
مساحة الأسئلة، وكُلما تَعَمَّقَ الوَعْي، ازدادتْ صعوبة الانسجام معَ السائدِ
والمألوف.
والمثقفُ الحقيقي لا يعيش في راحة كاملة،
لأنَّه يظلُّ مشغولًا بمراجعة الأفكار والقِيَم والمُسلَّمات. ولهذا تبدو العُزلة
أحيانًا ثمنًا للمعرفة، وضريبة للرؤية البعيدة. وبَينما ينشغل كثيرون بما هو
يَوْمي وعابر، ينشغل المثقف بمصير الإنسانِ والمجتمع والتاريخ، وهي أسئلة لا تسمح
لصاحبها بالاستقرار النَّفْسي الكامل.
07/06/2026
لماذا تستهدف إسرائيل الجيش اللبناني؟
في كُلِّ مَرَّة يتعرض فيها الجيشُ اللبناني
لاعتداء إسرائيلي، يتجدد السؤال: لماذا تستهدف إسرائيل المؤسسةَ العسكرية الرسمية
لدولة يُفْتَرَض أن تكون طرفًا في اتفاقات دولية وترتيبات أمنية قائمة على
الحدود؟. وهل يتعلق الأمر بأخطاء ميدانية عابرة أمْ أن هُناك أهدافًا سياسية
وإستراتيجية أعمق تقف خلف هذه الاعتداءات المتكررة؟.
منذ عقود، تنظر إسرائيل إلى لبنان من زاوية
أمنية بحتة. فكلُّ قوة قادرة على تعزيز السيادة اللبنانية أو فرض معادلات ردع
جديدة تُعَدُّ من المنظور الإسرائيلي عاملًا تجب مراقبته، أو الحد من تأثيره.
وفي هذا السياق، يُمثِّل الجيش اللبناني
أكثر من مُجرَّد مؤسسة عسكرية، فهو رمز لوحدة الدولة اللبنانية، وأحد أهم ركائز
الشرعية الوطنية.
تدرك إسرائيل أن وجود جيش لبناني قوي ومُنظم
ومنتشر على كامل الأراضي اللبنانية يعزز سُلطة الدولة، ويحدُّ من قدرة إسرائيل على
فرض وقائع ميدانية أو سياسية من جانب واحد. لذلك، فإنَّ استهداف الجيش اللبناني _
سواء بشكل مباشر أمْ غير مباشر _ يَحمل رسالة واضحة مفادها أن أية قوة لبنانية
قادرة على تثبيت السيادة الوطنية قد تصبح هدفًا للضغط أو الردع.
كما تسعى إسرائيل إلى فرض قواعد اشتباك
تمنحها حرية حركة واسعة على الحدود، وفي الأجواء اللبنانية. وعندما يقوم الجيش
اللبناني بتوثيق الانتهاكات، أو الاعتراض عليها، أو تعزيز انتشاره في مناطق
حَسَّاسة، قد يُنظَر إليه إسرائيليًّا باعتباره عائقًا أمام هذه الحرية، مما يزيد
من احتمالات الاحتكاك والاستهداف.
ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن السياق
السياسي الأوسع. فإسرائيل تدرك أن الجيش اللبناني يحظى بإجماع وطني واسع مقارنة
بمعظم المؤسسات الأُخرى، ولذلك فإن أي إضعاف لهذه المؤسسة ينعكس سلبًا على قدرة
الدولة اللبنانية على التماسك وإدارةِ أزماتها. ومِن هُنا يرى كثير من المحللين أن
استهداف الجيش اللبناني لا يقتصر على أبعاد عسكرية، بلْ يَحمل أيضًا أبعادًا
سياسية ونَفْسية تهدف إلى إظهار الدولة اللبنانية بمظهر العاجز عن حماية مؤسساتها
وأفرادها.
في المقابل، تؤكد إسرائيل أن عملياتها تستهدف
ما تعتبره تهديدات أمنية محددة، أو تأتي في إطار الرد على أحداث ميدانية معينة،
وتنفي أن يكون الجيش اللبناني هدفًا مقصودًا بحد ذاته. إلا أن تكرار الحوادث وسقوط
ضحايا من العسكريين اللبنانيين عبر السنوات أبقى الجدل قائمًا حول حقيقة الأهداف
الإسرائيلية وحدود التمييز بين الأهداف العسكرية المختلفة في الميدان.
إن الجيش اللبناني ليس مجرد قوة مسلحة، بل
هو آخر الأعمدة الجامعة في بلد يعاني انقسامات سياسية واقتصادية عميقة، ولهذا فإن
أي اعتداء عليه يتجاوز أبعاده العسكرية المباشرة ليصبح اعتداءً على فكرة الدولة اللبنانية
نفسها، وعلى حق لبنان في بسط سيادته على أرضه وحدوده.
إنَّ فهم أسباب استهداف إسرائيل للجيش
اللبناني يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، حيث الصراع على السيادة، والتنافس على
قواعد الأمن والردع، ومحاولة التأثير في موازين القوى داخل لبنان، وعلى حدوده.
وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن اعتبارات أمنية، والرؤية اللبنانية التي ترى في هذه الاعتداءات مساسًا مباشرًا بسيادة الدولة، يبقى الجيش اللبناني في قلب معادلة إقليمية معقدة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية.


