سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

30‏/09‏/2026

خطورة التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية

 

خطورة التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن لم تعد مرتبطة بجماعة مسلحة واحدة، أو بساحة صراع واحدة. فحين تتقاطع مصالح جماعات مسلحة تنشط في بيئات مختلفة، يمكن أن تتحول المسافات الجغرافية إلى تفصيل ثانوي، وتصبح الممرات البحرية والحدود الرخوة وشبكات التهريب قنوات تسمح بانتقال الخبرة والسلاح والأموال والمعلومات. ومن هنا تأتي خطورة الحديث عن أي تعاون محتمل أو فعلي بين جماعة الحوثيين في اليمن وحركة الشباب الصومالية.

     الحوثيون يسيطرون على مناطق واسعة من اليمن، بما فيها مناطق تطل على البحر الأحمر، بينما تنشط حركة الشباب في الصومال. وبين الضفتين يوجد خليج عدن، وهو ممر بحري بالغ الأهمية يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر.

     هذه الجغرافيا تجعل أي نشاط غير قانوني في البحر أو على السواحل قابلًا للتأثير في أكثر من دولة. التهريب، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى إنشاء شبكة جديدة بالكامل في كل مرة، يكفي أحيانًا أن تستفيد جماعة من مسارات أو وسطاء أو خبرات موجودة أصلًا.

     وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالجماعات المسلحة لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان تحالف رسمي حتى تستفيد من بعضها. قد تكون هناك مصالح مؤقتة، أو وسطاء مستقلون، أو تجار سلاح، أو شبكات تهريب تعمل لحساب أكثر من طرف. وفي بيئة مضطربة، يمكن لمثل هذه الروابط أن تتوسع تدريجيًّا من نشاط محدود إلى شبكة أكثر تعقيدًا.

     خليج عدن والبحر والأحمر ليسا مجرد مساحات جغرافية تفصل بين اليمن والصومال، بل ممرات حيوية للتجارة الدولية والطاقة والنقل البحري. لذلك فإن أي اضطراب أمني فيهما يمكن أن ينعكس على شركات الشحن، وأسعار النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، وحركة السفن، والاقتصادات القريبة والبعيدة عن المنطقة.

     إذا امتلكت جماعات مسلحة في هذه البيئة قدرة أكبر على الوصول إلى القوارب أو الأسلحة أو الأموال أو المعلومات، فإن الخطر لا يقتصر على تنفيذ هجوم واحد. الأخطر هو أن تتشكل بيئة تسمح بتكرار العمليات وتطويرها وتغيير أساليبها بسرعة. وهذا بالضبط ما يجعل التعاون أو تبادل الخبرات بين جماعات مسلحة أمرًا مقلقًا، حتى عندما يكون محدودًا أو غير مستقر.

     عند الحديث عن التعاون بين جماعات مسلحة، يذهب التفكير مباشرة إلى تهريب الأسلحة. لكن المشكلة أوسع من ذلك بكثير. شبكات التهريب قد تنقل الأموال والمعدات والوثائق والمعلومات، وقد توفر وسائل نقل وإخفاء واتصال. كما يمكن أن تتيح للجماعات المسلحة الوصول إلى أشخاص لديهم معرفة بالطرق البحرية أو البرية، أو يمتلكون خبرة في تشغيل قوارب ومعدات مختلفة. وبالتالي، فإن قيمة الشبكة لا تكمن فقط فيما تنقله، بل أيضًا في الخبرة التي تراكمها، وفي قدرتها على العمل بعيدًا عن أعين أجهزة الدولة. وكلما أصبحت هذه الشبكات أكثر مرونة، أصبح اكتشافها وتعطيلها أكثر صعوبة.

     الجماعات المسلحة تتعلم من بعضها، سواء عبر الاتصال المباشر، أو من خلال مراقبة التجارب في مناطق أخرى. وخبرة التعامل مع الطائرات المسيرة، أو المتفجرات، أو الاتصالات، أو المراقبة البحرية، أو استهداف السفن، أو استخدام وسائل منخفضة التكلفة لتحقيق تأثير أمني كبير، يمكن أن تصبح ذات قيمة كبيرة عندما تنتقل من ساحة إلى أخرى.

     وهنا لا ينبغي افتراض أن كل خبرة تنتقل بالضرورة عبر اتفاق رسمي بين القيادات. أحيانًا يكفي وصول أفراد لديهم خبرة معينة إلى بيئة جديدة، أو تداول مواد تدريبية وتقنية، أو قيام وسطاء بنقل المعرفة. وفي منطقة تعاني أصلًا من ضعف الرقابة على بعض السواحل والحدود، تصبح هذه الإمكانية أكثر إثارة للقلق.

     حركة الشباب تمتلك تاريخًا طويلًا من النشاط المسلح في الصومال، ولديها شبكات محلية وإقليمية، ومصادر تمويل، وقدرة على العمل في بيئات أمنية معقدة. لكن استفادتها المحتملة من أية علاقة مع طرف يملك حضورًا عسكريًّا وتقنيًّا مختلفًا قد تكون مرتبطة بمجالات محددة، مثل الحصول على بعض أنواع الأسلحة، أو الخبرات، أو قنوات الاتصال، أو الاستفادة من شبكات تهريب قائمة.

     وهذا لا يعني أن حركة الشباب والحوثيين يشكلان تنظيمًا واحدًا، أو أن أهدافهما السياسية والعسكرية متطابقة. فلكل طرف سياقه المحلي وحساباته الخاصة، كما أن الاختلافات الأيديولوجية والسياسية بينهما لا تختفي لمجرد وجود مصالح أمنية مشتركة. لكن التاريخ الحديث للجماعات المسلحة يوضح أن الاختلاف في الأهداف لا يمنع بالضرورة التعاون في ملفات محددة عندما تتقاطع المصالح.

     هناك عوامل تجعل مواجهة الخطر أكثر صعوبة، وتجعل القضية أشبه بشبكة متداخلة ومعقدة، وليس خطًّا مستقيمًا يمكن قطعه بضربة واحدة، من أبرزها:

     1_ اتساع المنطقة الجغرافية.

     2_ صعوبة مراقبة السواحل والمياه بصورة مستمرة.

     3_ تعدد الجهات المسلحة وشبكات التهريب.

     4_ قدرة هذه الشبكات على تغيير أساليبها بسرعة.

     5_ استخدام وسائل تجارية ومدنية يمكن إساءة استخدامها لإخفاء نشاط غير مشروع.

     6_ تداخل النزاعات المحلية مع الصراعات الإقليمية والدولية.

     إن القوة العسكرية يمكن أن تعطل قدرة جماعة مسلحة على تنفيذ عمليات معينة، لكنها لا تحل وحدها مشكلة التمويل والتهريب والتجنيد. هناك حاجة إلى تعاون أمني واستخباراتي بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وتحسين مراقبة الموانئ والممرات البحرية، وتعزيز قدرات خفر السواحل، وتتبع شبكات التمويل، وتبادل المعلومات حول الأشخاص والشركات والسفن.

     وفي الوقت نفسه، يحتاج اليمن والصومال إلى مؤسسات قادرة على فرض القانون، وتوفير بدائل حقيقية للسكان الذين تستفيد الجماعات المسلحة من هشاشة أوضاعهم.

28‏/09‏/2026

تأثير ميشيل فوكو في مشروع إدوارد سعيد

 

تأثير ميشيل فوكو في مشروع إدوارد سعيد

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

........................

    الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ( 1926_ 1984 ) منح المفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935_ 2003 ) شيئًا حاسمًا في بناء مشروعه، وهو طريقة جديدة للسؤال عن المعرفة نفسها. مِن أين تأتي؟، ومَن يملك حقَّ إنتاجها؟، وكيف تتحول إلى حقيقة مُعترَف بها؟، ومتى تصبح المعرفةُ وسيلة لتنظيم البشر وتصنيفهم والسيطرة عليهم؟.

     أقرَّ سعيد بتأثير فوكو في مشروعه، ولا سِيَّما أفكاره المتعلقة بالخطاب والعلاقةِ بين المعرفة والسُّلطة. وتأثيرُ فوكو كان قويًّا بصورة خاصة في بناء الإطار النظري للاستشراق، قبل أن يبدأ سعيد لاحقًا في الابتعاد عن بعض نتائج فوكو الفلسفية. وهُنا بالضبط تكمن أهمية العلاقة بينهما، سعيد لَم يُكرِّر فوكو، لقد أخذ أدواته، ونقلها إلى تاريخ الاستعمار والتمثيل الثقافي، ثم أعادَ توجيهها لخدمة مشروع مختلف.

     قبل فوكو، كان من الممكن أن يُنظَر إلى المعرفة، وخصوصًا المعرفة الأكاديمية، باعتبارها نشاطًا يهدف إلى اكتشاف الحقيقة. الباحثُ يدرس موضوعًا، ويجمع المعلومات، ويُحلِّلها، ثم يصل إلى نتائج يُفْتَرَض أنها مستقلة عن علاقات القوة. لكنَّ فوكو جعل المسألة أكثر تعقيدًا.

     لم يتعامل فوكو معَ المعرفة بوصفها شيئًا محايدًا يقف خارج التاريخ والمجتمع. كان مهتمًّا بالشروط التي تجعل نوعًا مُعَيَّنًا من الكلام ممكنًا، وتجعل بعضَ الأقوال تبدو عِلمية ومعقولة ومشروعة، بينما تُستبعَد أقوال أُخرى، أوْ تُدفَع إلى الهامش. وهُنا ظهر مفهوم الخطاب بوصفه أكثر من مجرد مجموعة من الكلمات أو النصوص، إنَّه منظومة من القواعد والمفاهيم والمؤسسات والممارسات التي تُحدِّد، في فترة تاريخية مُعيَّنة، ما الذي يمكن قَوله، وكيف يمكن قَوله، ومَن يملك سُلطة قَوله.

     وهذه النقلة الفكرية كانت شديدة الأهمية بالنسبة إلى سعيد، لأنَّ السؤال لَم يعد: هل كان المستشرق الفُلاني منصفًا في وصف الشرق أمْ لا؟، بل أصبح: كيف أمكنَ أصلًا أن يتشكل نظام معرفي كامل اسمه "الشرق" بحيث يبدو قابلًا للوصف والتصنيف والتفسير من موقع غربي؟. وهُنا تبدأ المسافة بين سعيد وكثير من النقد التقليدي للاستشراق.

     لم يكن هدف سعيد في " الاستشراق" مجرد اكتشاف أخطاء في كُتب المستشرقين. لو كان الأمر كذلك، لكان مشروعه أقرب إلى تصحيح بعض الأحكام الخاطئة عن العرب والمسلمين، أو الدفاع عن صورة حقيقية للشرق في مقابل صورة غربية مُشوَّهة. لكن سعيد ذهب إلى أبعد من ذلك. سألَ عن النظام الذي جعل هذه الصور ممكنة ومتكررة وقادرة على الاستمرار. وهذه هي اللحظة التي يظهر فيها فوكو بقوة.

     الخطابُ عند فوكو لا يصف موضوعَه فقط، وإنما يشارك في إنتاج الموضوع الذي يتحدث عنه. لذلك أمكنَ لسعيد أن ينظر إلى "الشرق" الذي يظهر في الأدبيات الاستشراقية، ليس باعتباره انعكاسًا بريئًا لواقع جغرافي وحضاري موجود مسبقًا، وإنما باعتباره نتاجًا لتاريخ طويل من الكتابة والتصنيف والتمثيل والمؤسسات والعلاقات السياسية.

     حين يقول كاتب غربي إنَّ الشرق عاطفي، أو غير عقلاني، أو استبدادي، أو ساكن خارج التاريخ، لا يصبح السؤال فقط: هل هذه الجملة صحيحة؟. ينبغي البحث عن مصدر هذا التصنيف، وتاريخِ تَكراره، وطبيعةِ المؤسسات التي أعادت إنتاجَه، والمفاهيمِ التي جعلته يبدو طبيعيًّا، والنتائجِ السياسية المترتبة على النظر إلى شعب كامل بهذه الطريقة. بهذا المعنى، انتقلَ سعيد من تفنيد الصورة إلى تشريح آليَّة إنتاج الصورة، وهذه واحدة من أهم أفكار فوكو.

     المعرفة لا تعمل في فراغ اجتماعي. المؤسساتُ تحدد مَن يستطيع الكلامَ، والجامعاتُ والمراكز البحثية والأرشيفات والكُتب والمناهج والمجلات العلمية تمنح بعضَ أشكال الكلام سُلطةً أكبر مِن غَيرها. والمعرفةُ يمكن أن تصبح جزءًا مِن آليَّات الإدارة والتصنيف والحُكم، لهذا كان فوكو مهتمًّا بترابط السُّلطةِ والمعرفة. سعيد أخذ هذه الفكرة، ووضعها في سياق الاستعمار. وأصبحَ بالإمكان النظر إلى الاستشراق باعتباره تاريخًا لعلاقة بين المعرفة والسُّلطة، وليس تاريخًا للأفكار عن الشرق فقط. فوكو كان يدرس تاريخًا أوروبيًّا في الأساس، ويُركِّز على تشكيل أنظمة المعرفة والانضباط والسُّلطة في مجالات مِثل: الطب، والجريمة، والسجن، والجنون، والجنس. أمَّا سعيد فنقل أدوات تحليل الخطاب إلى فضاء العلاقة بين الغرب والشرق والإمبراطورية والاستعمار. وهذا ما جعل الاستشراقَ نقطة تحوُّل في الدراسات ما بعد الاستعمارية.

     مِن أكثر الأفكار التي تجعل تأثيرَ فوكو في سعيد عميقًا أنَّ سعيد لم يكن مهتمًّا فقط بما يقوله المستشرق عن الشرق، وإنما بكيفية تحوُّل الشرق إلى موضوع معرفي. أي: كيف يصبح بالإمكان تصنيف "الشرق" وكأنه شيء واحد متجانس؟. الشرقُ ليس بلدًا واحدًا،ولا لغة واحدة، ولا دِينًا واحدًا، ولا تاريخًا واحدًا، ولا مجتمعًا واحدًا. ومعَ ذلك، أنتجَ الخطابُ الاستشراقي في صور كثيرة "شرقًا" عامًّا، ومتشابهًا، وله صفات ثابتة وجامدة، مقابل غرب عقلاني وحديث ومتحرك.

     هُنا يمكن رؤية أثر فكرة فوكو عن التصنيف والتشكيل الخطابي، ليست السُّلطة في منع الكلام فقط، إنها موجودة أيضًا في الطريقة التي تحدد بها الأشياء التي نتحدث عنها، والفئات التي نفكر من خلالها، والحدود التي نضعها بين "نحن" و" هُم". وهكذا يصبح الاستشراق أكثر من مجموعة كُتب، إنَّه طريقة في رؤية العالَم.

     أحدُ المفاهيم المركزية عند سعيد هو التمثيل. الغربُ لا يصل إلى الشرق بلا وساطة. هُناك نصوص وصور ومفاهيم ورحلات وروايات وتقارير وأعمال فنية ودراسات أكاديمية ومؤسسات، تُنتج صورةً مُعيَّنة عن الشرق. وهُنا يصبح السؤال: هل الصورة التي نراها هي الشرق أمْ أنها طريقة مُعيَّنة لرؤية الشرق؟. هذا الفرقُ صغيرٌ في اللغة، لكنه هائل في النظرية، لأنَّ الاعتقاد بأن التمثيل هو الحقيقة يجعل الصورةَ غير مرئية بوصفها صورة، أمَّا عندما ننتبه إلى عملية التمثيل، فسوفَ نبحث عن هُوية مَنْ يُمثِّل، ومَن هو صاحب المصلحة في ذلك.

    في "الاستشراق" تتجاور تأثيرات متعددة،مِن فوكو إلى غرامشي إلى ماركس وغَيرهم.وتُشكِّل هذه المصادر المختلفة شبكة فكرية جعلتْ مشروع سعيد أكثر تركيبًا من مجرد نظرية في الخطاب.

     أخذ سعيد من فوكو حساسيةً شديدة تجاه إنتاج المعرفة والسُّلطة والخطاب. ومِن غرامشي أخذ اهتمامَه بالهيمنة ودَور الثقافة والمثقفين، ومِن ماركس استفادَ من التفكير في الإمبريالية والمصالح والعلاقات المادية والتاريخية، ومِن تقاليد النقد الأدبي أخذ قدرته على قراءة النصوص، ليس بوصفها جُملًا منفصلة وعبارات مُتقطِّعة، وإنما بوصفها أعمالًا تدخل في تاريخ اجتماعي وثقافي. لهذا فإن "الاستشراق" ليس كتابًا مرتبطًا بفلسفة فوكو، ولا كتابًا ماركسيًّا بالمعنى الصارم، ولا دراسة أدبية تقليدية. إنَّه تركيب خاص، وهذا تحديدًا ما جعله مُؤثِّرًا إلى هذا الحد.

     فوكو يساعد سعيد على نقد الغرب، وسعيد يعيد توجيهَ فوكو نحو العالَم الاستعماري. فوكو طوَّر أدواته من داخل دراسة تاريخ المجتمعات الغربية، بينما أخذ سعيد بعضَ هذه الأدوات، ووجَّهها إلى علاقة الغرب بالآخَر.

     وهكذا أصبحَ من الممكن استخدام سؤال فوكو عن المعرفة والسُّلطة لفحص ما يحدث عندما يقوم مجتمع قوي بإنتاج معرفة عن مجتمع آخَر أضعف منه سياسيًّا. وهُنا تظهر أهمية سعيد التاريخية، فهو لَم يقل فقط: الغربُ أخطأ في وصف الشرق، بلْ سألَ سؤالًا أكثر عُمقًا: ماذا لو كان وصف الشرق جزءًا من تاريخ القوة بين الغرب والشرق؟.

     مِن الخطأ تصويرُ سعيد باعتباره تابعًا فكريًّا لفوكو طوال حياته. الأدبياتُ الأكاديمية حول العلاقة بينهما تؤكد وجود تأثير قوي، خصوصًا في "الاستشراق"، لكنها أيضًا تُوضِّح انتقاد سعيد لجوانب مِن تصوُّر فوكو للسُّلطة والحقيقة، خصوصًا عندما تعلَّق الأمر بتأسيس نقد مِعياري للظلم، والدفاعِ عن الحرية والعدالة. وهذا الخلافُ ليس هامشيًّا، إنَّه يمسُّ قلبَ مشروع سعيد، لأنه كان يريد أن يقول شيئًا يتجاوز الخطابات التي أنتجتها السُّلطة. كان يريد أن يقول إنَّ هذه الخطابات لها نتائج على بشر حقيقيين، لذلك ينبغي مقاومتها.

     إذا كان سعيد قد دعا إلى عدم قَبول أي خطاب عن الآخَر باعتباره بريئًا ومحايدًا، فعلينا أن نُطبِّق الدرسَ نَفْسَه على سعيد. أي إنَّ "الاستشراق" يجب أن يبقى قابلًا للنقد. وقد ظهرتْ بالفِعل انتقادات أكاديمية متعددة للكتاب، بعضُها يتعلق بطريقة تعميم سعيد للخطاب الاستشراقي، وبعضُها يتعلق بعلاقته معَ فوكو، وبعضُها يرى أنَّ تحليله لا يمنح دائمًا مساحة كافية للاختلافات الداخلية بين المستشرقين، أو للتاريخ المتبادل والمعقد بين الشرق والغرب.

     وجودُ هذه الانتقادات لا يلغي قيمة سعيد، بلْ يؤكد شيئًا مهمًّا في مشروعه، وهو أنَّ النصوص الكُبرى لا ينبغي أن تتحول إلى سُلطة مغلقة. يجب أن نقرأها، ونستخدم أدواتها، ونختبر حدودها، ونختلف معها.

     فوكو يُركِّز على الخطاب، وسعيد يفحص الخطابَ الذي صنعه الغربُ عن الشرق. فوكو يُركِّز على العلاقة بين المعرفة والسُّلطة، وسعيد يفحص تشابكات المعرفة معَ الاستعمار والإمبريالية.

     وتأثيرُ فوكو في سعيد لا ينبغي أن يُفْهَم باعتباره تأثيرًا شكليًّا، أو مجرد استعارة لمصطلحات فلسفية. لقد مَسَّ طريقةَ بناء السؤال نَفْسِه. وسعيد اعتمدَ على فوكو في اعتبار المعرفة ليست مجرد معلومات عن العالَم، والخطابات لا تصف الواقعَ فقط، وإنما تشارك في تشكيل الطريقة التي يظهر بها الواقع لنا. ومِن هذه النقطة استطاعَ سعيد أن يعيد قراءة الاستشراق باعتباره نظامًا من التمثيلات والمعارف التي ارتبطتْ تاريخيًّا بعلاقات القوة والاستعمار. لَم يكن حضور فوكو في مشروع سعيد حضورًا نظريًّا، وإنما كان نقطة انطلاق غيَّرت طريقةَ النظر إلى الاستشراق مِن أساسها. وقدْ تحوَّل الاستشراق مِن مجموعة كُتب وأوصاف عن الشرق إلى خطاب له تاريخ مصلحي، وسُلطة سياسية، وأثرٌ عميق في تشكيل صورة الشرق كما استقرَّت في الوعي الغربي.

     لم يأخذ سعيد مِن فوكو إجابات جاهزة، ولا قوالب مُعَدَّة سلفًا، ولا عبارات إنشائية عاطفية، ولا شعارات رنَّانة، ولا خطابات حماسية، وإنما أخذ طريقة مختلفة في النظر إلى المعرفة، ثم استخدمها لتحليل العلاقة بين مَن يملك القُدرةَ على الكلام، ومَن يُعرَّف ويُوصَف ويُتحدَّث عنه.

25‏/09‏/2026

تأثير إدوارد سعيد في مشروع عبد الله إبراهيم

 

تأثير إدوارد سعيد في مشروع عبد الله إبراهيم

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     يصعب الحديث عن مشروع الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ) من دون التوقف عند المفكر الفِلَسطيني الأمريكي الدكتور إدوارد سعيد ( 1935_ 2003 )، ليس لأن إبراهيم كان تلميذًا عربيًّا لسعيد، أو لأن مشروعه يمكن اختزاله في مفاهيم مِثل: الاستشراق، والخطاب الاستعماري. وإنما لأنَّ اللقاء معَ سعيد يقع في منطقة أعمق بكثير، وهي منطقة السؤال عن كيف تُنتج الثقافةُ صورتها عن نفسها والآخَرِ، وكيف تتحول المعرفةُ إلى سُلطة، وكيف يصبح الأدبُ جزءًا من تاريخ طويل من التمثيل والتسمية والتصنيف.

     وهُنا تحديدًا تكمن أهمية سعيد بالنسبة إلى مشروع إبراهيم. لقد جاء سعيد إلى النقد الأدبي من باب مختلف عن الأبواب التي اعتاد النقدُ العربي الدخول منها. لم يكن الأدب عنده جزيرةً معزولة عن التاريخ، ولم يكن النص مجرد بنية لغوية مكتفية بذاتها، وإنما كان جزءًا من شبكة واسعة من المؤسسات والأفكار والسُّلطات والعلاقات السياسية والثقافية.

     فَتَحَ سعيد أمام النقد العربي أفقًا جديدًا، ولم يسأل فقط: ماذا يقول النص؟، وإنما طَرَحَ أسئلةً مهمة: مَن يتكلم؟، ومَن يملك حقَّ تمثيل الآخَر؟، وما المعرفة التي يستند إليها هذا الكلام؟، وما العالَم الذي ساهمَ النصُّ في بنائه أو تثبيته؟. هذه الأسئلةُ هي الأعمدة التي يقوم عليها فكر سعيد. وإبراهيم اشتغلَ في هذا الأفق، لكنَّه لَم يعتمد على تكرار سعيد، وإعادةِ إنتاجه.

     كان كتاب إدوارد سعيد " الاستشراق" الصادر بالإنجليزية عام 1978 لحظةً فاصلة في الدراسات الإنسانية. لم يكن الكتاب مجرد تاريخ للأفكار الأوروبية عن الشرق، وإنما محاولة للكشف عن منظومة معرفية وثقافية متشابكة أنتجت " الشرق" بوصفه موضوعًا للمعرفة الغربية.

     سعيد لَم يقل ببساطة إن الغربيين كانوا يكتبون عن الشرق بصورة سلبية، المسألةُ عنده أكثر تعقيدًا، هناك مؤسسات، ورحلات، وكُتب، وأبحاث، وآداب، وخطابات سياسية، وتصورات تاريخية، كُلُّها ساهمتْ في تكوين صورة متماسكة نسبيًّا عن "الشرق" بوصفه آخَر مختلفًا عن الغرب.

     سعيد نَقَلَ النقاشَ من مستوى "الصورة الخاطئة" إلى مستوى إنتاج المعرفة، وهذا التحول كان بالغ الأهمية بالنسبة إلى النقد العربي. فبدل أن يكون السؤال: هل صورة العربي في الأدب الغربي صحيحة أمْ خاطئة؟، صار ممكنًا أن نسأل: لماذا احتاج الخطابُ الغربي في سياقات تاريخية محددة إلى إنتاج هذه الصورة أصلًا؟، وما المؤسسات التي جعلتْ هذه الصورةَ قابلة للتداول؟، وكيف تحولت المعرفةُ بالشرق إلى سُلطة عليه؟.

     في هذه النقطة يقترب مشروع إبراهيم من سعيد اقترابًا واضحًا. كثيرٌ من أعمال إبراهيم تتحرك داخل سؤال تمثيل الآخَر، والعلاقة بين السرد والهوية، وموقع الثقافة العربية في منظومات أوسع من إنتاج المعرفة. لكنَّه سُرعان ما ينقل السؤالَ إلى مجالات أكثر اتِّساعًا، تتعلَّق بكيفيةِ تمثيل الثقافة العربية لنفسها ، وكيفيةِ صناعة صورتها عن الآخَر، وكيفيةِ إسهام السرد العربي في بناء المركز والهامش. وهُنا يبدأ استقلالُ مشروعه.

     مِن السهل أن نكتشف تأثير سعيد في مشروع إبراهيم إذا بحثنا عن المصطلحات المتشابهة: الاستشراق، الآخَر، المركز، الهامش، التمثيل، الخطاب، السُّلطة، الهُوية، السرد. لكن هذا المستوى من المقارنة ليس كافيًا. التأثيرُ الأكثر عمقًا يظهر في طريقة بناء السؤال النقدي.

     جَعَلَ سعيد الناقدَ أكثر حساسية تجاه العلاقة بين النص وسياقه التاريخي والسياسي والثقافي. ولَم يعد ممكنًا التعامل معَ النصوص التي تتحدث عن الشرق وكأنها بريئة من تاريخ القوة الذي أنتجها، وهذا الحِس حاضرٌ بقوة في مشروع إبراهيم، خصوصًا حين يتعامل معَ السرديات الكُبرى التي صاغتْ صورةَ الذات العربية، أوْ حين يبحث في طرائق تمثيل الآخَر داخل الثقافة العربية.

     إبراهيم لا يقرأ السردَ باعتباره متعة جمالية فحسب، ولا بوصفه سِجلًّا محايدًا للأحداث. السردُ عنده قوة ثقافية، إنَّه يختار ويُقْصي، يُرتِّب ويُصنِّف، يمنح بعضَ الأصواتِ موقع المركز، ويضع أصواتًا أُخرى في الهامش. وهذا قريبٌ جدًّا من الروح التي أعاد بها سعيد تعريفَ العلاقة بين الأدب والتاريخ. لكنَّ الفرق أنَّ إبراهيم أخذ هذه الأدوات إلى داخل الثقافة العربية نفسها. ورُبَّما يكون هذا واحدًا من أهم آثار سعيد في مشروع إبراهيم.

     سعيد جَعَلَ الاستشراقَ أكثر من مجرد موضوع بحث. صار الاستشراقُ مثالًا على آليَّة ثقافية أوسع، حيث المركز يصنع صورةً عن الهامش، ثم يتعامل معَ هذه الصورة بوصفها حقيقة عن الهامش. إبراهيم يُوسِّع هذه الفكرة باتجاه الثقافة العربية. ليس هُناك، في قراءته، مركز غربي فقط، وهامش عربي فقط. الثقافاتُ تستطيع أن تُنتج مراكزَها وهوامشَها، وتبني صورها عن الآخرين، وتمنح شرعيةً لبعض الأصوات، وتحجبها عن أصوات أُخرى. وهذا ما يجعل مشروعه متصلًا بما يمكن تسميته نقد المركزية.

     المركزيةُ هُنا ليست شعورًا بالتفوق فحسب، إنها طريقة في تنظيم المعرفة والثقافة، وتحديد الأصل والفروع، والثقافة الرفيعة والثقافة الهامشية، والصوت الرئيسي والأصوات الثانوية، والتاريخ الذي يستحق أن يُروَى، والتواريخ التي يمكن إسكاتها أو تأجيلها.

     وهكذا، تصبح قراءة إبراهيم للثقافة العربية أكثر تركيبًا من مجرد مواجهة "الغرب" أو الرد على الاستشراق، إنَّه يحاول أن يكشف آليَّات المركز والهامش حيثما ظهرتْ. إبراهيم جَعَلَ السردَ واحدًا من أهم المداخل إلى فهم الثقافة. والروايةُ والحكاية والتاريخ والتمثيلات الأدبية ليست عنده أشكالًا فنية منفصلة عن العالَم، إنها طُرق لصياغة الذاكرة والهُوية والتاريخ.

     وهُنا،يلتقي إبراهيم معَ سعيد في نقطة شديدة الأهمية،وهي أنَّ التمثيل ليس مرآةً محايدة. حين نروي حكاية جماعة ما، فإننا لا ننقلها كما هي. نحن نختار زاوية النظر، ونحدد الشخصيات التي تستحق البطولة، ونحدد مَن يكون غريبًا، ومَن يكون قريبًا، ومَن يتكلم،ومَن يبقى صامتًا. وهذا ما يجعل السردَ متصلًا بالسُّلطة.

     سعيد مارسَ هذا النوع من القراءة في الأدب الغربي، خصوصًا في موضوع الثقافة والإمبريالية، حيث حاولَ أن يقرأ الأعمالَ الأدبية الكُبرى ضمن تاريخ الإمبريالية وعلاقاتها الثقافية. لَم يكن المقصود اتهام الروايات بأنها سيئة، أو تحويل الأدب إلى منشور سياسي، بل الكشف عن التداخل بين المُتخيَّل الأدبي والعالَمِ التاريخي الذي أنتجه. هذه الفكرة تجد صدى واضحًا في مشروع إبراهيم، الذي أعطى السردَ العربي مكانة مركزية في فهم التحولات الثقافية وصناعةِ الهوية.

     إبراهيم استفادَ من المناخ النظري الذي ساهمَ سعيد في تأسيسه عربيًّا وعالميًّا، لكنَّه لَم يَبْنِ مشروعَه كُلَّه على كتاب " الاستشراق". لديه اهتمام خاص بالسرديات العربية، والتاريخِ الثقافي، والمركزِ والهامش، والهُوية، والمُتخيَّل الثقافي، وطرائق تشكُّل الرواية العربية والخطابِ العربي. ومِن ثَمَّ فإنَّ العلاقة بين الرَّجلين أقرب إلى علاقة حوار فكري غير مباشر منها إلى علاقة تابع ومتبوع.

     سعيد أعادَ تعريفَ السؤال عن الشرق، أمَّا إبراهيم فوسَّع السؤالَ ليشمل الطريقةَ التي تصنع بها الثقافةُ العربية صُوَرَ العالَم وصُوَرَ نفسها. وهذا فارقٌ مهم، فلوْ كان إبراهيم يعيد إنتاج سعيد، ويُكرِّره،لظلَّ اهتمامه محصورًا في تفكيك الصور الغربية عن العرب، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فبدأ يفحص البنية السردية والثقافية التي تشكلت داخل المجال العربي نفسه.

    كان سعيد أحد أبرز الأسماء التي ساهمتْ في تأسيس دراسات ما بعد الكولونيالية/الاستعمارية. وهي الدراسات الأكاديمية للإرث الثقافي للاستعمار والإمبريالية، وتُركِّز على التبعات البشرية لاستغلال السكان الأصليين في الأراضي المُسْتَعْمَرَة، والسيطرة عليهم، وعلى أراضيهم. وتُعْتَبَر ما بعد الاستعمارية تحليلًا نظريًّا نقديًّا لتاريخ وثقافة وأدب وواقع القوى الاستعمارية الأوروبية. ومِن أبرز ما قدَّمه هذا الاتجاه أنَّه نقل الاهتمامَ مِن الاستعمار بوصفه احتلالًا عسكريًّا وإداريًّا إلى دراسة آثاره في المعرفة واللغة والثقافة والتمثيل.

     الاستعمارُ لا ينتهي بالضرورة لحظة خروج الجيش، أو رفع العلم الوطني. قد تبقى آثاره في الطريقة التي يرى بها مجتمعٌ ما نَفْسَه، والصورِ التي يرسمها عن ماضيه، وعلاقته باللغة، ومفهومِه عن الحداثة، وتصورِه للغرب، وموقعِ التراث مِن الحاضر.

     هذه الحساسية واضحة في كثير من الأسئلة التي يطرحها إبراهيم، فهو لا يتعامل معَ الثقافة العربية باعتبارها كتلة ثابتة، ولا يرى الهويةَ شيئًا مكتملًا ينتظر مِنَّا الدفاع عنه، بلْ ينظر إلى الثقافة بوصفها عملية تاريخية تتشكل عبر التفاعلِ والصراع والتبادل وإعادة إنتاج المعاني. وهذه طريقة تفكير تدين بالكثير للمنعطف الذي أحدثه سعيد.

     كان من الممكن أن يتحول "الاستشراق" في الثقافة العربية إلى مجرد خطاب احتجاج، الغربُ أساءَ تمثيلَنا، وعلينا أن نصحح صورته عنَّا. لكن إبراهيم، في جوانب مهمة من مشروعه، يذهب إلى منطقة أكثر إزعاجًا وعُمقًا، ماذا لوْ كانت لدينا نحن أيضًا أنظمة تمثيل تُنتج صورًا نمطية عن الآخرين؟، ماذا لو كانت ثقافتنا نفسها قدْ صنعتْ مراكز وهوامش؟، ماذا لو أن بعض الصور التي نعتبرها طبيعية عن المرأة، أو المُخْتَلِف، أو الجماعات الدينية والثقافية، أو الشعوب الأُخرى، هي أيضًا نتاج طويل من السرد والتصنيف؟. هُنا يتحول النقدُ من معركة معَ الآخَر إلى مسؤولية معرفية تجاه الذات.

     كان سعيد شديد الحساسية تجاه فكرة الهوية الصُّلبة والمغلقة، رغم ارتباط مشروعه العميق بقضايا فِلَسطين والاستعمار والتمثيل. كان يرى التعددَ والتداخل والتاريخ المشترك والتفاعل بين الثقافات عناصر أساسيَّة في فهم الهوية.

     مِن أكثر الأمور التي رسَّخها سعيد في النقد الحديث رفضه لفكرة أن الأدب يعيش خارج السياسة. لكن السياسة عنده ليست مجرد الأحزاب والحكومات والانتخابات. إنها علاقات القوة التي تحدد مَن يستطيع الكلامَ، وما الذي يمكن قوله، وكيف تُبنَى صورة العالَم. وهذا الفهمُ يساعد في قراءة مشروع إبراهيم أيضًا.

     عندما يدرس الناقدُ السرديات، فإنَّه لا يدرس أفكارًا جميلة فحسب. إنَّه يدرس كيف تعمل الأفكارُ داخل المجتمع. وهذا يعني أن النص أكثر من كلماته، وأكبر من حدوده، إنَّه جزء من العالَم. وهذه إحدى أهم النقاط التي جعلتْ تأثير سعيد يتجاوز الدراسات الاستشراقية نفسها.

     ما الذي أخذه إبراهيم من سعيد، وما الذي تجاوزه؟. يمكن تلخيص العلاقة في عدد من المستويات، دون تحويلها إلى علاقة تطابق:

     1_ النص والسياق: الإفادة من النظر إلى النص داخل سياقه التاريخي والثقافي بدل عزله عن العالَم.

     2_ التمثيل: التعامل معَ صورة الآخَر بوصفها بناءً ثقافيًّا، وليست انعكاسًا بريئًا للواقع.

     3_ الخطاب والسُّلطة: الانتباه إلى أن إنتاج المعرفة مرتبط، في حالات كثيرة، بعلاقات القوة.

     4_ المركز والهامش: فحص الطرق التي تُمنَح بها بعض الثقافات أو الأصوات موقع المركز بينما تُدفَع أُخرى إلى الهامش.

     5_ نقد الاستشراق: الاستفادة من الكشف عن آليَّات تمثيل الشرق في الثقافة الغربية.

     6_ توسيع السؤال: نقل النقد من سؤال: كيف يُمثِّلنا الآخَر؟، إلى سؤال: كيف نُمثِّل أنفسَنا ونُمثِّل الآخرين؟.

     7_ السرد: النظر إلى الحكاية والرواية والتاريخ بوصفها أدوات لصناعة الذاكرة والهوية.

     8_ الهوية: فهم الهوية باعتبارها تاريخًا متحركًا ومتشابكًا، وليست جوهرًا ثابتًا مغلقًا.

     إنَّ التمثيل لم يعد حكرًا على المستشرق أو الروائي أو المؤرخ. كُلُّ شخص يمتلك منصة صار قادرًا على إنتاج صورة عن الآخَر. لكنَّ المشكلة لم تتغيَّر في جوهرها، الصورةُ ليست الواقع. والسؤالُ النقدي يبدأ عندما يتكرَّس رفض الخلط بينهما.

     قيمةُ مشروع إبراهيم، في هذا السياق، أنَّه لا يتعامل معَ النقد بوصفه عملية تصحيح أخطاء الآخرين فقط، النقدُ عنده فِعْلُ كشفٍ، كشف ما يبدو طبيعيًّا، وما اعتدنا ألا نسأل عنه، وكشف الأنساق التي تختبئ خلف الحكايات. وهُنا تظهر قوة تأثير سعيد في أعمق صورها، ليس لأنَّ إبراهيم استخدمَ مفهومًا من سعيد، بلْ لأنه تبنَّى قَدْرًا من الشك المنهجي تجاه الخطابات التي تُقَدِّم نَفْسَها بوصفها حقيقة مكتملة. وهذا الشك ليس عدميًّا، إنَّه محاولة لفهم أعمق.

     سعيد لَم يكن مهمًّا لأنَّه قال إنَّ الغرب مخطئ، والشرق صحيح. أهميته أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّة التي تُنتج بها صور الغرب عن الشرق. وبالطريقة نفسها، تكمن أهمية إبراهيم في أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّات التي تنتج بها الثقافة العربية سردياتها عن نفسها والعالَمِ.

     سعيد علَّم الناقدَ أن النص لا يعيش وحده، وعلَّمه أن وراء المعرفة سُلطة، ووراء الصورة هناك تاريخ، ووراء تمثيل الآخَر هناك علاقة معقدة بين الثقافة والسياسة. ثم جاء إبراهيم، في سياقه العربي، ليواصل الحفرَ في السؤال، ولكن من جهة أُخرى: ماذا تفعل الثقافةُ العربية حين تحكي العالَمَ؟، وماذا تفعل حين تحكي نَفْسَها؟.