سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

18‏/09‏/2026

توظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس

 

توظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

     لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الأسطورة من مادة للسؤال إلى جواب جاهز. والأدبُ الذي يستدعي الماضي يمكنه أن يفتح التاريخَ على احتمالات جديدة، لكنه يستطيع أيضًا أن يعيد إنتاجَ أوهامه. والأسطورةُ، في هذه الحالة، ليست بريئة. قد تكون وسيلة لمقاومة النسيان، أو صناعةِ ذاكرة انتقائية، تمنح المُهمَّشين لغةً لاستعادة وجودهم، وتمنح السلطةَ كذلك صورةً برَّاقة عن أُمَّة غير متماسكة ولا متجانسة.

     مِن هذه المنطقة الملتبسة يمكن قراءة تجربة الكاتب الإثيوبي تسيغاي غابري مدهين (1936_ 2006)، إلى جانب تجربة الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس ( 1928_ 2012)، ليس لأنَّ الكاتبَيْن ينتميان إلى مشروع أدبي واحد، أو لأنَّ الأساطير التي يستعملانها متشابهة، بل لأنهما يتعاملان مع الماضي القومي بوصفه مادة حية يمكن إعادة تشكيلها فوق خشبة المسرح أو داخل الرواية. لَم يتعاملا معَ التاريخ باعتباره سردًا مغلقًا، وإنما باعتباره حقلًا للصراع على معنى الجماعة: مَن نحن؟، ومِن أين جئنا؟، ومَن يملك حق الكلام باسم الماضي؟، وما الذي يحدث عندما تصبح الأسطورة أكثر حضورًا من الحقيقة التاريخية نفسها؟.

     هناك سوء فهم شائع للأسطورة يجعلها شيئًا ينتمي إلى الماضي البعيد، إلى زمن الآلهة والأبطال والوحوش والمعجزات، وكأنها انتهت بمجرد أن بدأ العصر الحديث، لكن الأسطورة لا تموت حين يفقد الناسُ إيمانَهم الحرفي بها، إنها تنتقل إلى أشكال أُخرى.

     قد تصبح الأُمَّةُ أسطورةً، ويصبح المَلِك المُؤسِّس أسطورة، وتتحول الهزيمة إلى ملحمة، والاحتلال إلى ذاكرة بطولية، والانقسام الداخلي إلى قصة عن وحدة مفقودة، والمقاومة إلى سردية تأسيسية. عندها لا تعود الأسطورة مجرد حكاية قديمة، وإنما تصبح طريقة لتنظيم الذاكرة. وهُنا تحديدًا تكمن أهمية مدهين وفوينتس. كلاهما يعود إلى الماضي، ليس للهروب من الحاضر، بل لقراءة الحاضر من خلاله، غَير أن الفرق بينهما يبدأ من طبيعة التاريخ الذي يستحضره كُل واحد منهما، والوسيطِ الأدبي الذي يختار أن يضع فيه ذلك التاريخ.

     مدهين شاعر ومسرحي، ارتبط جزء أساسي من مشروعه الدرامي بالتاريخ الإثيوبي. يظهر التاريخُ القومي بوصفه مادة لإعادة التفكير في الإثيوبية، والوحدة، والاستقلال، والصراع السياسي والديني والإثني. وقد تناولت دراسات نقدية هذه الأعمال من زاوية علاقتها بالقوميةِ وتمثيل الهُوية.

     في مسرحياته، لا يظهر الماضي الإثيوبي بوصفه أرشيفًا تاريخيًّا فقط، بل يدخل في تركيب درامي يستفيد من الأسطورة، والصراعِ الديني، وبنيةِ المأساة.

     أمَّا فوينتس، فمشروعه مختلف في الشكل، وأكثر اتساعًا من حيث التجريب الروائي، لكنَّه يلتقي معَ مدهين في السؤال الأساسي: كيف يمكن كتابة هوية جماعية تشكلت من طبقات تاريخية متراكبة، وصراعاتٍ لَم تنتهِ بانتهاء الأحداث التي صنعتها؟.

     حين يكتب مدهين عن الشخصيات، فإنه لا يستعيد أفرادًا من كُتب التاريخ فحسب، إنه يعيد وضعهم في فضاء المسرح، أي في فضاء المواجهة والكلام والجسد والصراع. التاريخُ الذي كان مكتوبًا في الكُتب يصبح فجأةً قابلًا للتمثيلِ والمُساءلة.

     هذه النقلة ليست بسيطة، فالشخصيةُ التاريخية عندما تدخل المسرحَ تفقد شيئًا من حصانتها. المَلِكُ الذي يبدو في الكتاب رمزًا ثابتًا يصبح على الخشبة إنسانًا يتكلم، ويخطئ، ويشكُّ، ويخاف، ويأمر، ويُعصَى، وهُنا تبدأ الأسطورة القومية في التصدع. لكن مدهين لا يهدم الأسطورةَ تمامًا، وهذه إحدى أكثر نقاط مشروعه إثارةً للنقد. فهو يستدعي التاريخَ الإثيوبي في سياق البحث عن إثيوبيا، واستقلالها، ومقاومتها، وصورتها ككيان تاريخي له استمرارية وذاكرة، لذلك يمكن أن يتحول المسرح إلى مساحة لإعادة بناء الذاكرة القومية بِقَدْرِ ما هو مساحة لتفكيكها.

     المفارقة أنَّ الكاتب حين يحاول أن يستعيد التاريخَ من النسيان قد يقع في إعادة ترتيب التاريخ وفق حاجة الحاضر. والاختيارُ ليس بريئًا، لماذا هذا المَلِك وليس ذاك؟، ولماذا هذه المعركة؟، ولماذا هذه الشخصية؟، ولماذا تُروَى قصة المقاومة بهذه الطريقة؟، ومَن الذي يصبح بطلًا عندما يُعاد تمثيل الماضي؟، ومَن يبقى خارج الخشبة؟.

     هذه الأسئلة تجعل من الصعب التعامل مع المسرح التاريخي لمدهين بوصفه مجرد أدب وطني. الأدب الوطني، في صورته التقليدية، يريد أن يقول إنَّ الأُمَّة كانت دائمًا واحدة، وإنَّ أبطالها كانوا يعرفون الطريق، وإنَّ التاريخ كان يسير نحو نتيجة واضحة. أمَّا الأدب الذي يأخذ التاريخَ بجدية فيفترض العكس، وهو أنَّ الأُمَّة كانت مليئة بالتوترات، والوحدة نفسها كانت مشكلة، والبطولة ليست حقيقة ثابتة، بل نتيجة صراع على الذاكرة.

     إنَّ قيمة الأسطورة في تجربة مدهين لا تكمن في أنها تمنح إثيوبيا ماضيًا مجيدًا، وإنما في أنها تكشف مقدار حاجة الحاضر إلى الماضي لكي يُبَرِّر نَفْسَه. الأسطورةُ لا تعود كما كانت، يتمُّ انتزاعها من سياقها القديم، ثم وضعها في سياق جديد، فتتغير وظيفتها. والنبوءة لم تعد مجرد كلام غَيبي عن المستقبل، وإنما تصبح استعارة عن التاريخ الذي يعرف الإنسانُ أنه قادم، لكنه عاجزٌ عن إيقافه. والمَلِكُ ليس مجرد مَلِك، يمكن أن يصبح صورةً للسلطة التي تصنع مصيرَها بيديها. والمأساةُ ليست حكاية عن فرد، يمكن أن تصبح سؤالًا عن جماعة كاملة.

     إذا انتقلنا إلى فوينتس، فإننا ننتقل من المسرح التاريخي إلى الرواية التي لا تثق أصلًا في الخط المستقيم للتاريخ. فوينتس لا يتعامل معَ الماضي المكسيكي أو الإسباني بوصفه سلسلة يمكن ترتيبها بسهولة من البداية إلى النهاية. الزمنُ عنده قابلٌ للتشظي، والتاريخ يمكن أن يعود، والشخصيات يمكن أن تَحمل آثار شخصيات أُخرى، والماضي قد يظهر في الحاضر، ليس باعتباره ذكرى، وإنما باعتباره قوة لم تنتهِ.

     والروايةُ تستخدم الأسطورةَ لإعادة تفسير تاريخ الثقافة الإسبانية، بحيث يحلُّ الزمنُ المتكرر أو الحاضر الأبدي محلَّ التصور الخطي البسيط للزمن. كما تظهر العلاقةُ بين الموروث المكسيكي والموروث المسيحي والإسباني، بحيث لا تصبح الهوية المكسيكية شيئًا نقيًّا يمكن إعادته إلى أصل واحد، بل نتيجة صراع وتركيب بين عوالم متعددة.

     يبتعد فوينتس عن الاستخدام القومي المباشر للأسطورة. إنه لا يقول ببساطة: هذه هي أسطورتنا، ومِن خلالها نعرف مَن نحن. وإنما يطرح أسئلة أكثر إزعاجًا: ماذا لو كانت هويتنا مصنوعة من أساطير متعارضة؟، وماذا لو لم يكن هناك أصل واحد نعود إليه؟، وماذا لو كانت المكسيك الحديثة نتيجة التقاء حضارات وديانات ولغات وعنف واستعمار ومقاومة، بحيث يصبح البحث عن هوية نقية نوعًا من الوهم؟.

     تتجاور طبقات مختلفة من الثقافة والتاريخ، وتدخل الرموز والأساطير المكسيكية في شبكة أوسع تشمل إسبانيا وأوروبا والعالَم المسيحي واليهودي والإسلامي، لذلك يصبح الميثولوجي عند فوينتس طريقة لتفكيك فكرة الأصل الواحد بدل تكريسها.

     مدهين وفوينتس يكتبان في سياق تاريخي لا يمكن فيه فصل الهوية عن مسألة الذاكرة. إثيوبيا تحمل تاريخًا طويلًا من الاستقلال والصراع السياسي والديني والإثني. أما المكسيك، فقد تشكلت هويتها الحديثة من طبقات متشابكة من الحضارات الأصلية والاستعمار الإسباني والمسيحية والتحولات السياسية والاجتماعية اللاحقة. لذلك ظلَّ سؤال : مَن هو المكسيكي؟ حاضرًا بقوة في مشروع فوينتس،كما يظهر خصوصًا في علاقته بتاريخ المكسيك وثقافتها وهويتها.

     في الحالتين،تصبح الأسطورةُ وسيلة لمقاومة فكرة أن الحاضر هو الحقيقة الوحيدة. والمقاومة هُنا ليست بالضرورة مقاومة سياسية مباشرة، إنها مقاومة للنسيان. والذي لا يملك السيطرةَ على الحاضر يستطيع أحيانًا أن يقاتل على الماضي، ومَن يملك الماضي يستطيع أن يؤثِّر في معنى الحاضر، لهذا السبب كانت الأسطورة دائمًا قريبة من السياسة، حتى عندما تبدو بعيدةً عنها.

     من السهل أن نقول إنَّ الأسطورة تمنح الشعوبَ صوتًا، وإنها تعيد الاعتبارَ إلى الذاكرة المحلية، وإنها تقاوم التاريخَ الذي كتبه الآخرون. كُلُّ هذا صحيح جزئيًّا، لكنه لا يكفي، لأن الأسطورة يمكن أن تتحوَّل إلى أداة أُخرى للإقصاء.

     حين تقول جماعة: هذه هي قصتنا. يجب أن نسأل فورًا: من هي " نحن"؟. مَن يتكلم باسمِ الأُمَّة؟، هل هي القبيلة أم الطائفة أم الدولة أم السلطة أم الطبقة المثقفة أم المدينة أم الريف أم الجماعة الدينية أم الجماعة الإثنية أم الأغلبية؟.

     في حالة إثيوبيا تحديدًا، يصبح السؤال شديد الحساسية، لأن فكرة " الإثيوبية" نفسها يمكن أن تُستخدَم أحيانًا كعنوان لوحدة تتجاهل اختلافَ التجارب داخل البلاد. وإذا تحوَّل التاريخُ إلى سلسلة من الرموز البطولية، فإنَّ الجماعات التي لا تجد نفسَها في هذه السلسلة قد تشعر بأنَّ تاريخها جرى ابتلاعه داخل تاريخ أكبر منه.

     والأمرُ نفسه في المكسيك. استدعاءُ الحضارات الأصلية لا يعني بالضرورة أن الأصوات الأصلية أصبحت صاحبة السلطة على سرد تاريخها. يمكن للكاتب الحديث أن يجعل من الأسطورة الأصلية جزءًا من مشروعه الجمالي والفكري، لكن هذا لا يلغي السؤالَ: هل نحن أمام استعادة لصوت قديم أمْ أمام إعادة صياغة ذلك الصوت من خلال وعي حديث؟. لهذا فإن الأسطورة القومية لا ينبغي أن تُعامَل بوصفها حقيقة بديلة عن التاريخ. هي رواية عن التاريخ، وأحيانًا رواية عن الحاجة النفسية إلى تاريخ مُعيَّن.

     مدهين يميل إلى جعل الشخصيات والأحداث التاريخية الإثيوبية مركزًا لصراع درامي يتعلق بالدولة والأُمَّة والاستقلال والذاكرة. الماضي عنده يتحوَّل إلى مسرح سياسي وأخلاقي، وهذا يجعل الأسطورةَ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفكرة الجماعة، كيف تتصور إثيوبيا نَفْسَها؟، وكيف تتذكر أبطالها؟، وكيف تُحوِّل التاريخَ إلى وعي قومي؟.

     أمَّا فوينتس فيميل إلى زعزعة الحدود التي تفصل الماضي عن الحاضر،والأسطورةَ عن التاريخ، والهُويةَ عن الآخَر. ويصبح الزمنُ متاهةً، وتصبح الهُوية نتيجة طبقات متراكمة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، مع وجود ربط بين الأسطورةِ والهُويةِ والذاكرةِ وإعادةِ بنات الذات في سياق التاريخي المكسيكي والأمريكي اللاتيني.

     مدهين يستخدم الماضي لكي يسأل: كيف يمكن أن تكون الأُمَّة؟، بينما يستخدم فوينتس الماضي لكي يسأل: لماذا أصبحت الأُمَّة كما هي؟.والفرقُ بين السؤالين كبير. الأول يميل إلى بناء الذاكرة،حتى عندما ينتقدها.والثاني يميل إلى تفكيك الذاكرة، حتى عندما يبحث داخلها عن معنى.

     رُبَّما كان الخطأ الأكبر هو وضع الأسطورة والتاريخ في طرفَيْن متقابلَيْن. الأسطورةُ ليست نقيضَ التاريخ بالضرورة. أحيانًا تكون الطريقة التي يحتفظ بها المجتمع بتاريخه حين يعجز التاريخُ الرسمي عن تفسير ما حدث. لكنَّها تصبح خطرة عندما تطلب من الناس أن يُصدِّقوها بدل أن يُفَكِّروا فيها.

     والأدبُ الجيد لا يحتاج إلى إثبات أنَّ الأسطورة صحيحة، يكفي أن يكشف لماذا احتاج الناسُ إليها. وهُنا تكمن المسافة النقدية التي تسمح بقراءة مدهين وفوينتس دون تحويلهما إلى كُتَّاب " هُوية " بالمعنى الاحتفالي للكلمة.

     إنَّ السؤال ليس: أيُّهما نجح أكثر في تمجيد أُمَّته؟، هذا سؤال بسيط أصلًا. السؤالُ المهم: ماذا يفعل الكاتبُ عندما يضع الأسطورةَ القومية في مواجهة التاريخ؟. هل يجعلها قناعًا جديدًا للسلطة، أمْ يُحوِّلها إلى ذاكرة مضادة، أمْ يُخلخل بها الرواية الرسمية، أمْ يعيد إنتاجَ صورة الأُمَّة بوصفها وحدة متجانسة، أمْ يجعل من الأسطورة شيئًا مشكوكًا فيه؟.

     في هذا المستوى تصبح الكتابة عند مدهين وفوينتس أكثر إثارة للاهتمام من مجرد الحديث عن الهوية، لأنَّ الهوية في أعمالهما ليست قطعة جاهزة محفوظة في صندوق الماضي، وإنما شيء يُنْتَج باستمرار عبر الانتقاءِ والتذكرِ والنسيان.

     عندما يعيد مدهين كتابة شخصيات تاريخية، فهو لا يستعيدها من العدم، إنَّه يعيد إنتاجَها أمام جمهور جديد. وبذلك فإنَّ المسرح لا يكتفي بتمثيل الذاكرة، بل يشارك في صناعتها، وهذا هو الجانب الذي ينبغي ألا يغيب عن القراءة النقدية للأدب التاريخي.

     وفي المقابل، حين يستعيد فوينتس الرموزَ والأساطير المكسيكية، فإنه لا يعيدها إلى مكانها القديم، بل يدخلها في لعبة معقدة من الذاكرة والاستعمار والدين والهوية والحداثة. الأسطورةُ هُنا لا تستعيد الماضي كما كان، إنها تكشف استحالةَ استعادته كما كان. وهذا هو الفرقُ الأساسي بين التوظيف المباشر والتوظيف النقدي للأسطورة. في الأول، الأسطورة تقول: تذكَّروا. وفي الثاني، تقول: تذكَّروا، لكن اسألوا ماذا تتذكرون ولماذا.

     الأُمَّةُ في الأدب ليست دائمًا حقيقة سياسية فقط، إنها أيضًا خيال مشترك. الناسُ لا يعيشون داخل الدولة وحدها، بل داخل القصص التي تحكيها الدولة عن نفسها، وداخل القصص التي تحكيها الجماعات عن أصولها، وداخل الصور التي تنتقل من جيل إلى آخر. وهُنا تصبح الأسطورةُ أشبه بِمِرآة جماعية. لكن المِرآة لا تعكس بالضرورة صورةً صحيحة، إنها قد تُكبِّر وجهًا، وتُصغِّر آخَر. قد تُظهر المَلِكَ، وتُخفي الفلاحَ، قد تروي انتصارَ الجيش، وتنسى ضحايا الحرب، قد تتحدث عن الوحدة، ولا تذكر الذين شعروا أنهم خارجها،لهذا فإنَّ الأدب الذي يستعمل الأسطورةَ القومية يجب أن يُقْرَأ بحذر مزدوج، حذر من الرواية الرسمية، وحذر أيضًا من الرواية المضادة عندما تتحوَّل هي الأُخرى إلى يقين مغلق. وهذا ما يجعل المقارنة بين مدهين وفوينتس مثمرة.

     في تجربة مدهين، نرى محاولة لاستعادة التاريخ الإثيوبي بوصفه ذاكرة حية يمكن للمسرح أن يعيد مساءلتها. وفي تجربة فوينتس نرى محاولة لتفجير الخط الزمني للتاريخ المكسيكي والأمريكي اللاتيني، بحيث تتجاور الأسطورةُ والاستعمار والذاكرة والدين والهوية في فضاء واحد. الأول يعود إلى الماضي من أجل مواجهة سؤال الأُمَّة، والثاني يعود إلى الماضي لكي يكتشف أن الأُمَّة لا يمكن فهمها دون تناقضاتها.

     إنَّ الأسطورة ليست وطنًا. الوطنُ الذي يُخْتَزَل في أسطورة يصبح خطرًا على الأحياء، لأن الأحياء دائمًا أكثر تعقيدًا من أسلافهم. ولا توجد شخصية تاريخية أو أسطورية تستطيع أن تَحمل شعبًا كاملًا فوق كتفيها. ووظيفةُ الأدب ليست أن يجد الرمزَ الذي يختصر الأُمَّة، بل أن يكشف لماذا تحتاج الأُمَّةُ إلى رمز يختصرها.

     أعمالُ مدهين وفوينتس هي محاولة لجعل الموتى يتكلمون. لكن الموتى الذين يعودون إلى الأدب، لا يعودون كما كانوا. الكاتبُ يوقظهم لكي يحاكم بهم الحاضرَ.

     عند مدهين، يعود التاريخُ الإثيوبي في هيئة ملوك وأبطال وصراعات ونبوءات ومآسٍ، لكي يسأل الحاضرَ عن معنى الاستقلال والوحدة والسلطة والذاكرة.

     وعند فوينتس،يعود الماضي المكسيكي والإسباني والأمريكي اللاتيني في صورة أكثر اضطرابًا، آلهة ورموز وديانات وغزاة وضحايا وأشباح وشخصيات تتداخل أزمنتها، بحيث لا يعود التاريخُ خطًّا مستقيمًا يمكن الاطمئنان إليه.

15‏/09‏/2026

مغامرة باب المندب هي نهاية الحوثيين

 

مغامرة باب المندب هي نهاية الحوثيين

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

    لم يكن باب المندب يومًا مجرد ممر مائي على الخريطة، إنه واحد من أهم الشرايين التي تربط الشرق بالغرب، ومنطقة تتقاطع عندها مصالح دولية وإقليمية هائلة. لذلك فإن تحويله إلى ساحة للمغامرة العسكرية ليس قرارًا عابرًا، ولا بطولة مجانية، كما تحاول بعض الخطابات السياسية تصويره، بل مقامرة ثقيلة سيدفع ثمنها أصحابها أضعافًا مضاعفة.

     يظن الحوثيون أن التصعيد في البحر يمنحهم قوة تفاوضية ونفوذًا أكبر، لكن القوة الحقيقية لا تُقَاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة التي يمكن إطلاقها، وإنما بقدرة أي طرف على تحمل النتائج السياسية والاقتصادية والعسكرية لما يفعله.

     مغامرة باب المندب تبدو، في لحظتها الأولى، ورقة ضغط، لكنها فخ إستراتيجي، فالاقترابُ من خطوط الملاحة الدولية يختلف تمامًا عن الصراع داخل الحدود اليمنية. عندما تصبح السفن التجارية وحركة التجارة العالمية جزءًا من المعادلة، تتغير طبيعة المواجهة، وتتسع دائرة الأطراف المعنية بها. وعندها لا يعود الأمر شأنًا يمنيًّا خالصًا، بل يصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الملاحة ومصالح قوى دولية وإقليمية لا تتعامل عادةً مع هذه الملفات بمنطق ردود الفعل العاطفية. وهذا تحديدًا ما يجعل الرهان الحوثي شديد الخطورة.

     قد يحقق التصعيد مكسبًا دعائيًّا مؤقتًا، وقد يرفع من حضور الجماعة في الإعلام، ويمنحها قدرة على تقديم نفسها باعتبارها طرفًا مؤثرًا في ملفات المنطقة، لكن السياسة لا تُقَاس بالضجيج وحده. السؤال الأصعب هو: ماذا بعد؟.

     ماذا يحدث إذا تحول الضغط البحري إلى حصار سياسي أوسع؟، وماذا يحدث إذا ازدادت الضربات المضادة؟، وماذا يحدث إذا اتسعت قائمة الدول التي ترى في النشاط الحوثي تهديدًا مباشرًا لمصالحها؟، وماذا يحدث إذا أصبح اليمن أكثر عزلة بينما تتراكم الكلفة الاقتصادية على شعب أنهكته سنوات الحرب؟. هُنا يصبح شعار القوة أقل أهمية من سؤال القدرة على الاستمرار.

     الحوثيون يستطيعون إطلاق النار، لكنهم لا يستطيعون التحكم الكامل في مسار الردود التي يطلقونها على أنفسهم. وهذه هي المشكلة الأساسية في أية مقامرة إستراتيجية، أنت لا تتحكم في الخطوة الثانية والثالثة والرابعة بمجرد أنك اخترت الخطوة الأولى.لذلك فإن باب المندب سيتحول من ورقة نفوذ إلى نقطة انكشاف.

     الخطر على الحوثيين هو انقلاب المغامرة عليهم سياسيًّا وعسكريًّا، ولا يمكن لأية جماعة مسلحة أن تربح المعركة إلى الأبد بالسلاح. والتصعيد في باب المندب سيجلب مزيدًا من العزلة، والمخاطر على الاقتصاد اليمني، والمعاناة للسكان، والتدخل الإقليمي والدولي، لذلك فإن الإنجاز الذي يُقَدَّم باعتباره انتصارًا، سيتحول إلى عبء سياسي وعسكري على أصحابه.

     إن مغامرة كبرى في منطقة شديدة الحساسية ستعيد تشكيل ميزان القوى ضد من بدأها، خصوصًا إذا أخطأ في تقدير حجم الرد الإقليمي والدولي، أو بالغ في تقدير قدرته على التحكم بمسار الأحداث.

     وباب المندب ليس مسرحًا مناسبًا للمزايدات، إنه اختبار حقيقي ومصيري. ومن يفتح مواجهة في مكان تتقاطع فيه مصالح العالم كله، عليه أن يعرف أن العالم لن يقف متفرجًا إلى الأبد، لذلك ستكون مغامرة باب المندب هي بداية النهاية للمشروع الحوثي، ليس لأن خصومه يريدون ذلك فقط، بل لأن الجماعة ستجد نفسها أمام معادلة صعبة: كلما حاولت توسيع نفوذها عبر التصعيد، اتسعت في المقابل دائرة القوى التي ترى ضرورة إزالتها والقضاء عليها.

     وفي السياسة، هناك لحظة يتحول فيها النفوذ إلى عبء، والردع إلى استنزاف، والمغامرة إلى فخ. وباب المندب هو المكان الذي بدأت فيه هذه اللحظة.

     والنهايات الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار مفاجئ. في أحيان كثيرة، تبدأ بقرار يبدو لصاحبه انتصارًا عظيمًا، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه فتح الباب أمام سلسلة من النتائج التي لم يعد قادرًا على إيقافها. وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا يغفلها الحوثيون، لقد دخلوا مغامرة باب المندب باعتبارها محاولة لإثبات القوة، وزيادة النفوذ، وامتلاك أدوات الضغط وأوراق التفاوض، لكنهم سيخرجون منها وقد بدؤوا يخسرون أهم ما تحتاجه أية قوة سياسية أو عسكرية، وهو القدرة على التحكم بمستقبلها.

     ومن ركب أمواج المندب ليصنع مجدًا، عاد وقد تلاشت دفة قيادته، ومن طلب إثبات القوة بلا بصيرة، خسر القدرة على إدارة المصير، ومن رهن قراره لدولة أجنبية، وأدار ظهره لأهله ووطنه، فهو كمن يستدفئ بنار غريبة، تمنحه دفئًا عابرًا ريثما تحرق داره، وحبلُ الوصاية الخارجية مهما طال، لا يُنسَج منه ثوب للسيادة، بل يُحكم به طوق التبعية، ومن جعل نفسه خادمًا لأجندات طائفية عابرة للحدود، تحول إلى جلاد لشعبه ووطنه.

14‏/09‏/2026

ذاكرة التاريخ الجريحة بين حجي جابر وبرنهارد شلينك

 

ذاكرة التاريخ الجريحة بين حجي جابر وبرنهارد شلينك

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.

     ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.

     من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر ( وُلد 1976 ) إلى جانب تجربة الروائي الألماني برنهارد شلينك ( وُلد 1944 ). كاتبان يأتي كُل واحد منهما من جغرافيا مختلفة، وتاريخٍ شديد الخصوصية، وذاكرةٍ جماعية ليست هي ذاكرة الآخَر. ومعَ ذلك، ثمَّة خيط خفي يجمع بينهما، كلاهما يعرف أنَّ الماضي ليس ماضيًا تمامًا، وأنَّ ما حدث ذات يوم يستطيع أن يواصل حياتَه داخل الأحياء، وأنَّ الإنسان قد يرثُ تاريخًا لَم يصنعه، ثم يقضي عُمره كُلَّه في محاولة فهم ما الذي يفعله به هذا الإرث.

     حجي جابر يقترب من التاريخ من جهة الذاكرة الأفريقية والإريترية، ومن جهة المنفى والهُوية والاقتلاع والبحث عن وطن يبدو قريبًا في الخيال، وبعيدًا في الواقع.

     أمَّا شلينك فيدخل إلى التاريخ الألماني من باب آخَر، باب المسؤولية والذنب والصمت، وما تفعله الجرائم الكبرى حين تنتقل من جيل إلى جيل، وتصل إلى أولئك الذين لَم يرتكبوها.

     يحبُّ الناسُ أن يتعاملوا معَ التاريخ باعتباره شيئًا انتهى. يضعون له التواريخ، ويُرتِّبون أحداثَه، ويحفظون أسماءَ مراحله، ثم ينتقلون إلى الحاضر كأنَّ الماضي غرفة أُغلقتْ بالمفتاح. لكنَّ الرواية تعرف أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة.

     الماضي لا يغادرنا لأنَّنا نُقَرِّر أنَّه غادرَ. قد يختبئ، وندفنه تحت طبقات من النسيان، ونتعلَّم كيف نتحدث عن أشياء أُخرى، وتنشغل الأجيالُ الجديدة بحياتها اليومية، لكنَّ شيئًا ما يبقى في الداخل. كلمة، أو صورة، أو رائحة، أو اسم مدينة، أو حكاية ناقصة، أو خوف غامض، أو صمت عائلي لا نفهم سببَه. وهُنا تبدأ الرواية.

     حجي جابر يعرف هذه المنطقة جيدًا. في عالَمه الروائي لا تبدو الهُوية بطاقة تعريف بسيطة، ولا يكون الوطنُ مكانًا جغرافيًّا يمكن الإشارة إليه على الخريطة ثم الانتهاء من الأمر. الوطن تجربة نفسية، وذاكرة، ولغة، وفقدان، وسؤال مؤلم، ماذا يبقى من الإنسان حين يُنْتَزَع من المكان الذي كان يظنُّه جزءًا من تعريفه لنفسه؟.

     في المقابل، يذهب شلينك إلى سؤال آخر، لكنَّه لا يقلُّ قسوةً، ماذا يحدث حين يكون الماضي الذي نرثُه مرتبطًا بجريمة تاريخية؟، هل يكفي أن نقول: لَم نفعل شيئًا؟، وهل يستطيع جيل لَم يرتكب الجريمة أن يعيش خارج ظِلِّها؟، وما هي حدود المسؤولية؟، ومتى يتحول الاعترافُ بالذنب إلى عبء لا يعرف صاحبُه كيف يَحمله؟. هُنا يصبح التاريخُ أشبه بأب غائب، لكنَّه حاضر في كل شيء. لا نراه، لكنه يحدد كثيرًا من تفاصيل حياتنا.

     في تجربة حجي جابر، تبدو الجغرافيا في كثير من الأحيان أقل ثباتًا مِمَّا نظن. الإنسانُ قد يَعبر الحدودَ، لكن الحدود لا تَعبره بالضرورة. وقد يغادر المكانَ، لكنه لا يستطيع أن يغادر ما صنعه المكان فيه. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تجربة المنفى، أن تصل إلى مكان جديد بجسدك، بينما تظلُّ رُوحك مُعلَّقة في مكان آخر.

     ليس المنفى مُجرَّد انتقال من بلد إلى بلد، إنَّه اضطراب في العلاقة بين الإنسان وذاكرته. فجأةً، تصبح الأشياءُ التي كانت عادية ثمينة. والشوارعُ القديمة تتحوَّل إلى أساطير شخصية، والأسماء التي لم نكن نلتفت إليها تصبح أبوابًا لزمن كامل. واللغة تصبح مأوى، وتتحوَّل في الوقت نفسه إلى تذكير دائم بما فُقد.

     عند حجي جابر، لا يظهر التاريخُ بوصفه محاضرةً سياسية، بلْ بوصفه أثرًا على مصائر الأفراد. الروايةُ لا تقول لنا فقط إنَّ بلدًا عاش الحربَ أو الاستعمار أو القمع أو الانقسام. الروايةُ الحقيقية تسأل: ماذا فعل كُلُّ ذلك بامرأةٍ واحدة، أو برجلٍ واحد، أو بعائلة، أو بطفل، أو بحبيب، أو بإنسان وجد نفسه ذات صباح مضطرًا إلى أن يختار بين ذاكرته وحياته؟. هُنا تتحول الأحداث الكبرى إلى تفاصيل صغيرة، وهذه التفاصيل هي التي تؤلم.

     والإنسانُ لا يعيش التاريخ في الكتب، بل يعيشه في الأشياء اليومية، في حقيبة سفر، أو اسم مُستعار، أو صورة قديمة، أو رسالة لَم تصل، أو شخص لَم يعد، أو بيت لا يستطيع صاحبُه العودةَ إليه، أو وطن صار أكثر حضورًا كلما ابتعد عنه الإنسان. لذلك تبدو رواية حجي جابر، في جوهرها، محاولة للإنصات إلى الإنسان حين يصبح الوطنُ سؤالًا بدل أن يكون جوابًا.

     وإذا كان حجي جابر يكتب كثيرًا عن التاريخ من جهة مَن اقْتُلِعُوا منه، أو وَجدوا أنفسهم في مواجهته، فإنَّ شلينك يقترب منه من جهة أُخرى، من جهة الذين ورثوا تاريخًا مثقلًا بالعارِ والمسؤولية، حيث يَحمل الأبناءُ خطايا الآباء. وهذه زاوية شديدة التعقيد، فالجيلُ اللاحق لا يستطيع أن يتحمل المسؤوليةَ عن جريمة لَم يرتكبها، لكنَّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتصرف كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث.هُنا ينشأ السؤالُ الأخلاقي المُربك:ما علاقة الإنسان بما فعله أسلافُه؟.

     رُبَّما يقول العقل: لا علاقة له، لكن الذاكرة تقول: هُناك علاقة. ليس لأنَّ الابن مذنب بما فعله الأب، وإنما لأنَّ الماضي دخل بالفعل في تشكيل العالَم الذي يعيش فيه الابن. لقد تركت الجريمةُ وراءها قوانين وخرابًا وصمتًا وعلاقات مكسورة، وَرُبَّما تركتْ أيضًا طريقة في النظر إلى الذات والآخَر. ومِن هُنا تصبح مواجهة الماضي فِعلًا أخلاقيًّا، وليس اهتمامًا بالتاريخ فحسب.

     شلينك لا يترك شخصياته في منطقة مريحة، لا يمنحها أجوبة سهلة، إنَّه يدفعها إلى مواجهة الأسئلة التي نُفَضِّل عادةً أن نهرب منها: هل الحُب قادر على تجاوز التاريخ؟، وهل المعرفة تُبرِّئنا أمْ تُعذِّبنا؟، وهل الاعتراف يكفي، وهل يمكن أن يكون الإنسان في الوقت نفسه ضحيةً وجلادًا، أو مُحِبًّا ومشاركًا في الصمت، أو بريئًا من الفعل لكنَّه متورط في نتائجه؟. إنها أسئلة لا تنتهي، لأن التاريخ لا يُقَدِّم لها نهاية نظيفة.

     هناك فرقٌ عميق بين أن نتذكر وأن نفهم. قد نتذكر شيئًا سنوات طويلة دون أن نعرف كيف نضعه في مكانه الصحيح داخل حياتنا. الذاكرةُ ليست أرشيفًا محايدًا، إنها كائن حي، تنتقي، وتُخفي، وتُضخِّم، وتنسى، وتستعيد ما ظنناه مات، وقد تفعل ذلك كُلَّه دون إذن مِنَّا. وهذا ما يجعل التعاملَ معَ الذاكرة في الأدب شديد الحساسية.

     عند حجي جابر، تتحوَّل الذاكرةُ إلى محاولة لاستعادة معنى ما، ورُبَّما لاستعادة ذات تاهتْ بين الأمكنة والتاريخ والتحولات. وعند شلينك، تتحول الذاكرةُ إلى محكمة داخلية لا يعرف الإنسانُ كيف يخرج مِنها.

     في التجربتين، هُناك رغبة في العدالة، لكنَّ الأدب لا يُقَدِّم العدالةَ بطريقة قانونية. إنَّه يبحث عن عدالة أُخرى، عدالة أن يُروَى ما حدث، ويُسمَع صوت مَن لَم يَسمعه أحد، ونعرف أنَّ وراء الحدث الكبير إنسانًا صغيرًا كان يعيش يَوْمَه، ويُحب، ويخاف، ويَحلم، ثم جاء التاريخ، وأفسدَ عليه ترتيبَ الأشياء.

     مِن السهل أن نقول إنَّ علينا مواجهة الماضي، لكن ماذا يعني ذلك فِعلًا؟. هل يكفي أن نعترف بأنَّ الماضي كان مؤلمًا؟، وهل يكفي أن نُسمِّي الجريمةَ باسمها؟، وهل تكفي الكُتب والمتاحف والنُّصب التذكارية؟. الجُرحُ التاريخي ليس جُرحًا في ورقة، إنَّه جُرح في أشخاص.

     حين يكتب حجي جابر عن آثار التاريخ في الوجود الإريتري، وحين يضع شلينك الإنسانَ أمام ثقل الماضي الألماني، فإنَّهما لا يتعاملان معَ الذاكرة باعتبارها واجبًا ثقافيًّا فحسب، بل باعتبارها اختبارًا للإنسان.

     ماذا نفعل بما نعرفه؟. هذا واحد من أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرحها الرواية. المعرفةُ ليست بريئةً دائمًا. حين نعرف، يصبح علينا أن نعيد النظرَ في أشياء كثيرة، في أنفسنا وعائلاتنا وبلادنا، والصورةِ التي صنعناها عن الخير والشر، والقصصِ التي اعتدنا أن نُصدِّقها دون أن نسأل مَن الذي كتبها ومَن الذي غاب عنها.

     وهُنا يصبح الأدبُ خطرًا بطريقة جميلة، إنَّه يزعزع الروايةَ المريحة، ويمنعنا من تحويل الضحية إلى رمز جامد. التاريخُ الرسمي يُحب الأرقام، والروايةُ تُحب الوجوه، والتاريخ يقول: مات الآلاف، والرواية تسأل: كيف عاش واحد منهم يومَه الأخير؟، والتاريخ يقول: هاجرَ الناسُ، والرواية تسأل: ماذا حدث للأم التي أغلقتْ بابَ بيتها وهي لا تعرف إن كانت ستراه مَرَّةً أُخرى؟، والتاريخ يقول: وقعت الجريمة، والرواية تسأل: ماذا حدث بعد ذلك داخل رأس الشخص الذي عرف الحقيقةَ متأخرًا؟. وهذه النقلة من الرقم إلى الإنسان هي إحدى أعظم وظائف الأدب.

     حجي جابر لا يترك الذاكرةَ في مستوى الشعارات. حين يقترب من الوطنِ والاقتلاع والهُوية، فإنَّه يجعل هذه المفاهيم تمرُّ عبر الجسدِ والحياة اليومية. وشلينك، من جهته، لا يسمح للذنب التاريخي بأن يبقى مفهومًا مُجَرَّدًا، يضعه داخل علاقات بشرية، داخل الحُبِّ والأسرة والصداقة والرغبة والشك. كأنَّهما يقولان لنا بطريقة مختلفة: التاريخُ لا يؤلم لأنه حدث فقط، بلْ لأنه حدث لأشخاص. واختلافُ الجُرح لا يلغي وحدةَ الإنسان.

     إنَّ تجربة الاستعمار والاقتلاع والهُوية والمنفى ليست هي تجربة مواجهة إرث النازية والذنبِ التاريخي. لكلِّ مجتمع ذاكرته، ولكلِّ جُرح لغته، ولكلِّ ضحية سياقها، ولكلِّ تاريخ شروطه التي لا يجوز محوها باسم التشابه.

     ومعَ ذلك، فإنَّ الإنسان يظلُّ هو الحَلْقة التي تصل بين التجارب. الخوفُ واحد حين يدخل الجسد، والفقدُ واحد حين يصبح الغائب حاضرًا في كل شيء، والحنينُ واحد حين يتحوَّل المكانُ إلى شيء لا يمكن الوصول إليه، والعارُ واحد حين يكتشف الإنسانُ أن الصورة التي حملها عن نفسه ليست كاملة. لهذا يمكن للأدب أن يَعبر الحدودَ التي لا تستطيع السياسةُ عبورها بسهولة.

     من أكثر الأسئلة إلحاحًا في أدب الذاكرة سؤالُ الأجيال.ماذا يفعل الأبناءُ بتاريخ لَم يصنعوه؟، وهل يحق لهم أن يبدؤوا من الصفر؟، رُبَّما لا يوجد بدء من الصفر أصلًا.

     كُلُّ جيل يصل إلى العالَم ولديه أشياء لَم يخترها: لغة، وعائلة، وبلد، وذاكرة، ومعتقدات، وصور عن الآخَر، ومخاوف قديمة، وأسرار.

     وهُنا يلتقي حجي جابر وشلينك، رغم اختلاف المسارات، في منطقة شديدة الحساسية: الإنسان ليس ابن الحاضر وحده. إنَّه ابنُ ما سبقه أيضًا، لكن أن تكون ابنًا للتاريخ لا يعني أن تكون أسيرَه، وهذا هو التحدي الحقيقي، أن نتذكر دون أن نتحول إلى سجناء للذاكرة، ونعترف بالماضي دون أن نُقَدِّسَه، ونُحاسِب دون أن نرثَ الكراهية، ونحب الوطنَ دون أن نُحوِّله إلى صنم، ونعرف الجريمةَ دون أن نعيش إلى الأبد داخل دور الجلاد أو الضحية. هذه الموازنة صعبة، لهذا تبدو الرواية المكان الأنسب لطرحها. الروايةُ لا تحتاج إلى إصدار حُكم نهائي، يكفيها أن تتركنا أمام السؤال.

     في عالَم شلينك، يصبح الصمتُ شيئًا لا يقل أهمية عن الكلام. وفي تجربة حجي جابر، لا تكون الأشياءُ التي لا تُقَال أقل حضورًا من الأشياء التي تُقَال.

     والصمتُ ليس فراغًا، أحيانًا يكون الصمتُ أكثر الأشياء امتلاءً، لأنه يَحمل ما لم نستطع قولَه، أو ما لم نرد قولَه، أو ما لم نَعرف كيف نقوله، لهذا تبدو الروايةُ كأنها عملية تفكيك لهذا الصمت المتراكم.

     شلينك يجعل المسؤوليةَ الأخلاقية حاضرة حتى حين يصبح تحديدها مُعَقَّدًا، وحجي جابر يَجعل آثارَ الماضي قائمة حتى حين يحاول الإنسانُ أن يجد لنفسه مكانًا جديدًا في الحياة.

     حجي جابر وشلينك لا يكتبان كَي يمنحا القارئَ راحةً سهلة، إنهما يضعانه أمام تاريخ غير مريح، وأسئلةٍ لا يمكن الإجابة عنها بجملة واحدة. والروايةُ ليست عيادةً تعطي الماضي دواءً، إنها غرفة يضيء فيها القارئُ مصباحًا، وينظر إلى ما كان يخاف أن يَراه.

     حين يعطي حجي جابر مساحة للذاكرة الإريترية، فإنه لا يكتب عن بلد فحسب، بل يفتح نافذةً على إنسان قد لا يجد مكانَه في الرواية الكبرى التي تكتبها السياسة.

     وحين يعيد شلينك فتحَ ملفات الماضي الألماني داخل العلاقات الشخصية، فإنه يُذكِّرنا بأن التاريخ لا ينتهي حين تنتهي المحاكم. هناك محاكم أُخرى: الضمير والذاكرة والعلاقات الإنسانية.