سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

21‏/08‏/2026

مواجهة التغريب الاستعماري بين أحمد ولد عبد القادر وتشينوا أتشيبي

 

مواجهة التغريب الاستعماري بين أحمد ولد عبد القادر وتشينوا أتشيبي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليس الاستعمارُ مُجرَّد جندي يهبط من سفينة، أو موظف أجنبي يجلس خلف مكتب، أو علم غريب يُرفَع فوق مبنى حكومي.الاستعمارُ يبدأ حين ينجح الغريبُ في إقناع صاحب الأرض بأنَّ صورته عن نَفْسِه ناقصة، ولُغته متأخرة، وذاكرته لا تستحق الثقة، وأنَّ ما جاء به القادمُ من وراء البحر هو وحده مِعيار العقل والحضارة والمدنية والجَمال. عِند تلك النقطة يتحوَّل الاحتلالُ من سيطرة على الجغرافيا إلى مُحاولة للاستيلاء على الخيال، ومِن إخضاع الجسد إلى إعادة تشكيل الوعي. لهذا كان الأدب، في المجتمعات التي خرجتْ من التجربة الاستعمارية، أكثر مِن ترف ثقافي أو لعبة لغوية. كان محاولة لاسترداد الصوت، وبحثًا عن الإنسان الذي كاد أن يختفي خلف الرواية التي كتبها الآخرون عنه. والكاتبُ في أحيان كثيرة يقف في منطقة شديدة الحساسية، بين ذاكرة محلية مثقلة بالجراح، وصورة استعمارية حاولتْ أن تُقَدِّم تلك الذاكرة باعتبارها ظلامًا كاملًا لا يستحق إلا أن يُستبدَل.

     مِن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الموريتاني أحمد ولد عبد القادر ( وُلد 1941 ) إلى جانب تجربة الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي ( 1930_ 2013 )، ليس لأنَّ الرَّجُلَيْن متطابقان في المشروع أو الأسلوب أو السياق، فلكلِّ واحد منهما عالَمه الخاص، وإنما لأنهما يلتقيان عند سؤال عميق: كيف يستعيد الإنسانُ الذي مَرَّ عليه الاستعمارُ حَقَّه في أن يرى نَفْسَه بعينيه، ولَيس بالمِرآة التي صنعها له المُستعمِر؟.

     إنَّها مواجهة لا تجري بالسلاح، وإنما باللغة والذاكرة والصورة الأدبية. مواجهة بين مَن يريد أن يجعل الماضي صفحة بيضاء لا قيمة لِمَا قبلها، ومَن يُصِر على أنَّ الأُمَّة لا تستطيع أن تبدأ من الصفر، وبين مَن يختزل الشعوبَ في عاداتها التي يصفها بالغريبة والمتخلفة، ومَن يعيد إلى تِلك العادات سياقها الإنساني والتاريخي، وبين كتابةٍ تُريد أن تجعل العالَمَ الاستعماري مركزًا وحيدًا للمعنى، وكتابةٍ تحاول أن تقول: نحنُ هُنا، ولنا حكايتنا أيضًا.

     مِن أخطر ما فعله الاستعمارُ أنَّه لَم يكتفِ بالسيطرة السياسية والاقتصادية، بلْ أنتجَ خطابًا كاملًا عن الشعوب التي استعمرها، ووصفها، وصنَّفها، ودرسها، وكَتَبَ تاريخَها، وحدَّد في كثير مِن الأحيان ما ينبغي أن يُقَال عنها. وحين تتكرر هذه الصورة بما يكفي، فإنَّها قدْ تتسلل إلى وعي أبناء المجتمع نَفْسِه ، فيبدأ الإنسانُ بالنظر إلى ذاته من الخارج.

     هُنا يصبح التغريبُ الاستعماري أعمق مِن مُجرَّد تقليد بعض مظاهر الحياة الأوروبية. إنَّه اغتراب عن الذات، واللغةِ، والذاكرةِ، والإحساسِ الطبيعي بأنَّ للمجتمع حقًّا في أنْ يُعرِّف نَفْسَه بِنَفْسِه. لذلك فإنَّ مقاومة التغريب لَيست دعوة ساذجة إلى إغلاق الأبواب أمام العالَم، ولَيست رفضًا لكلِّ ما يأتي مِن الآخَر. الإنسانُ لا يعيش في جزيرة معزولة، والثقافاتُ لا تنمو في عُزلة مُطْلقة، إنما القضية هي الفرق بين التبادل الحُر والهيمنة، وبين أن تختار مِن الآخَر ما يثري تجربتك، وبين أن يُفْرَض عليك الاعتقاد بأنَّ الآخَر هو الأصل وأنك هامشٌ عابرٌ ليس لك وزن ولا قيمة.

     في السياق الموريتاني، تتخذ هذه المسألة خصوصية واضحة. موريتانيا بلد تشكَّلت هُويته مِن الإسلام واللغة العربية والصحراء والقبيلة والترحال والمدن والذاكرة الشفوية، ثم دخلتْ عليه الدولة الاستعمارية الفرنسية بمنظومة مختلفة في تصوُّرها للسُّلطة والمعرفة والمجتمع.

     مِن داخل هذا الترابط، تأتي تجربة أحمد ولد عبد القادر بوصفها تجربة أدبية مشدودة إلى سؤال الإنسان الموريتاني ومكانه في التحوُّلات الكُبرى. الكتابةُ عنده لا تبدو منفصلة عن سؤال الذاكرة، ومحاولةِ الإمساك بذلك الخيط الذي يصل الحاضرَ بماضٍ لَم يكن مُجرَّد زمن منقضٍ، وإنما كان عالَمًا كاملًا له قِيَمه وأحلامه وتناقضاته.

     مقاومةُ التغريب في هذا السياق لا تعني تمجيدَ الماضي بصورة عمياء. الأدبُ الحقيقي لا يتحوَّل إلى منشور دعائي للماضي، ولا ينظر إلى المجتمع القديم باعتباره فِردوسًا لَم يكن فيه ظُلم ولا فقر ولا تناقض. قوةُ الكتابة تكمن تحديدًا في قُدرتها على أن ترى الماضي بعيون مُحِبَّة وناقدة في آنٍ معًا. والكاتبُ الذي يستعيد ذاكرةَ مجتمعه لا يفعل ذلك لِكَي يَمنع النقدَ، بلْ لِكَي يَمنع الإلغاءَ، وهُنا تتَّضح قيمة الذاكرة الأدبية.

     إنَّ ما لا تحفظه الكُتب الرسمية قدْ تحفظه الرواية، وما لا تقوله الوثائق قدْ تقوله الحكاية، وما يختفي من التاريخ السياسي قدْ يبقى في صورة إنسان، أو مجلس، أو صحراء، أو بيت، أو كلمة دارجة، أو نبرة صوت. الأدبُ يمنح هذه التفاصيل حياةً ثانية، ويقول إنَّ التاريخ لَيس ما تُسجِّله السُّلطة فَحَسْب، بلْ أيضًا ما يبقى في وجدان الناس.

     في تجربة أحمد ولد عبد القادر، تبدو الكتابة محاولة للعودة إلى الإنسان الموريتاني بوصفه كائنًا تاريخيًّا وثقافيًّا، ولَيس مُجرَّد موضوع في سِجل إداري، أو صورة فولكلورية في عين المستشرق.

     أمَّا تشينوا أتشيبي، فقدْ خاض معركة أكثر مباشرة معَ الصورة الاستعمارية عن أفريقيا. كان يدرك أنَّ الأدب الأوروبي لَم يكن دائمًا بريئًا حين تَحَدَّثَ عن القارة الأفريقية. في بعض الكتابات الاستعمارية ظهرتْ أفريقيا وكأنها مكان بلا تاريخ، ولا ترابط إنساني حقيقي، ولا أصوات داخلية قادرة على إنتاج المعنى.

     ومِن هُنا جاءت أهمية روايته " الأشياء تتداعى"، التي لم تكن مُجرَّد حكاية عن مجتمع أفريقي في لحظة التحول الاستعماري، وإنما كانت إعادة ترتيب للمشهد كُلِّه.

     قبل دخول الرجل الأبيض، هناك مجتمع يعيش، ويختلف، ويتصالح، ويتخاصم، ويُحِب، ويَكره، ويُخطئ، ويُصيب، وقوانين وعادات ومعتقدات وعلاقات اجتماعية، وبشرٌ لا يحتاجون إلى وصول أوروبا لكي تبدأ حياتهم. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنَّها شديدة الأهمية: أفريقيا لَم تكن تنتظر مَن يكتشف إنسانيتها.

     أتشيبي لَم يكتب عن المجتمع الأفريقي باعتباره مثاليًّا. على العكس، كان يعرف عيوبه وقسوته وتناقضاته، لكنَّه رفض أن تكون هذه العيوب ذريعة لمحو إنسانيته، لذلك كانت مقاومته أكثر نُضجًا مِن مُجرَّد قلب الأدوار، أي استبدال صورة المُستعمِر بصورة مُضادة تُمجِّد كُلَّ ما هو محلي.

     أرادَ أن يقول إنَّ المجتمع الأفريقي يستحق أن يُفْهَم في سياقه، ويُروَى مِن الداخل، وتُرى تناقضاته باعتبارها تناقضات بشرية، ولَيست دليلًا على أنَّ أهله أقل إنسانية مِن غَيرهم.

     عبد القادر وأتشيبي يرفضان أن يكون المجتمع المحلي مُجرَّد مادَّة خام في قصة يكتبها الآخَر. كلاهما يعيد الاعتبارَ إلى الداخل، والإنسانِ الذي يتكلم من موقعه، والذاكرةِ التي لا تريد أن تموت، والثقافةِ التي لا ينبغي أن تُخْتَزَل في صورة سياحية أو استعمارية. لكنَّ الأهم أنَّ مقاومة التغريب عندهما لَيست مُجرَّد عودة إلى الماضي، وإنما هي استعادة لحق النظر، أن تنظر إلى نفسك بعينيك، ولَيس بعيون الآخرين، وتعرف أنك تستطيع أن تأخذ مِن العالَم دون أن تفقك اسمك، وتتعلَّم لغةَ الآخَر دون أن تشعر أن لغتك عار، وتستفيد من الحداثة دون أن تتعامل معَ تاريخك بوصفه عبئًا يجب التخلص منه، وتنتقد مجتمعك لأنك تُحِبُّه وتريد إصلاحه، ولَيس لأنك تُردِّد حُكمًا جاهزًا عليه. هذه هي المسافة الدقيقة بين التحرر والاستلاب.

     عبد القادر يتحرَّك في فضاء موريتاني عربي صحراوي له حساسيته التاريخية والثقافية، وأتشيبي يتحرَّك في فضاء نيجيري أفريقي متعدد الأعراق واللغات، شهدَ الصدامَ العنيف بين البنى المحلية والاستعمار.

     ولَيست القضية أن عبد القادر هو أتشيبي، ولا أنَّ موريتانيا هي نيجيريا. إنَّ وضع التجربتين في إطار واحد لا يلغي خصوصية أيٍّ مِنهما، بل يكشف عن سؤال مشترك يمرُّ عبر تجارب كثيرة للشعوب التي عرفت الاستعمارَ: كيف نستعيد حَقَّنا في تعريف أنفسنا؟.

18‏/08‏/2026

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

 

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.

     مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج ( وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو ( 1922_ 2010 / نوبل 1998 ). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان، خصوصًا في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه.

     التاريخ عند واسيني الأعرج مُشبع بذاكرة المكان العربي، والجزائرِ وهي تَحمل طبقات استعمارها وحروبها وانكساراتها، والإنسانِ الذي وجد نَفْسَه مِرارًا داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق، ثُمَّ طُلب مِنْه أنْ يُصدِّقه.

     أمَّا عند ساراماغو، فإنَّ التاريخ يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب. يفتح الكاتبُ شقًّا في الرواية الرسمية، ثم يترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة، كأنَّ الحقيقة أصبحتْ كائنًا مرتبكًا لا يعرف الطريق إلى خلاصه.

     فاجعة التاريخ لَيست في أنَّ الماضي كان قاسيًا فَحَسْب، بلْ أيضًا في أنَّ القسوة كثيرًا ما تُعاد صياغتها بلغة محترمة. يتحوَّل القاتلُ إلى بطل، والضحية إلى هامش، والخراب إلى مجد قَومي، ويُطلَب مِن الأجيال اللاحقة أن تحفظ أسماءَ المنتصرين بدل أن تصغي إلى أنين الذين سقطوا تحت أقدامهم.

     والروايةُ حين تقترب من هذه المنطقة،تصبح مواجهة معَ هذا الترتيب الظالم للذاكرة. في أعمال واسيني الأعرج، لا يبدو التاريخ بعيدًا عن الجسد، إنَّه يدخل البيوتَ، ويترك أثره في العائلة، والحُب، واللغة، وعلاقة الإنسان بأرضه. الجزائر عنده ليست خلفية روائية جاهزة، بل ذاكرة متوترة،تتصارع فيها الأزمنة، لذلك فإنَّ استعادة التاريخ لَيست فِعلًا بريئًا، إنَّها عَودة إلى مَا لَم يُحسَم، والماضي لا يأتي كي يُروَى، وإنَّما كَي يُحاسَب.

     غَير أنَّ مشكلة هذا الاشتغال تظهر حين يصبح التاريخُ أثقل من الرواية نَفْسِها، ففي بعض التجارب التي تجعل مِن الذاكرة مركزًا مطلقًا،قد تتحوَّل الشخصيات إلى حوامل للأفكار التاريخية، وتفقد شيئًا من ارتباكها الإنساني الطبيعي. والإنسانُ الحقيقي لا يعيش وهو يشرح عَصْرَه، ولا يستيقظ كُلَّ صباح وفي رأسه وعيٌ كامل بموقعه في التاريخ.إنَّه يُحب ويخاف ويخطئ، ثم يفهم متأخرًا ما الذي حدث له. وحين تُحمَّل الشخصية أكثر مِمَّا تحتمل، يصبح السردُ أقرب إلى محاكمة الماضي مِنْه إلى الإصغاء إلى الإنسان.

     أمَّا ساراماغو فيتعامل معَ التاريخ بطريقة أكثر مراوغة. لا يواجهه دائمًا مواجهةً مباشرة، بلْ يزعزع اليقينَ به. يسأل: ماذا لوْ كانت الرواية التي وصلتْ عن الماضي ناقصة؟، ماذا لوْ أنَّ ما يعرفه الإنسان ليس إلا نسخة صاغتها القوة؟، ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أنَّ التاريخ الذي ظَنَّه حقيقة نهائية ليس سِوى تأويل انتصرَ لأنَّه كان الأقوى؟.

     لا يحتاج ساراماغو إلى رفع صوته كي يجعل التاريخَ موضع اتهام. يكفي أن يُغَيِّر زاويةَ النظر قليلًا، ويمنح الهامشي مساحةً لَم يكن يمتلكها، أو يضع الشخصية العادية في مواجهة مؤسسة ضخمة، حتى تبدأ البِنية كُلُّها بالاهتزاز. لكنَّه قد يقع في فخ آخر، فالسخرية الفكرية حين تزداد ثقة بنفسها، يمكن أن تتحوَّل إلى مسافة باردة بين القارئ والمأساة. وحين يصبح العبثُ وسيلة دائمة للنظر إلى العالَم، قد يتراجع الألمُ خلف لعبة الأسلوب.

     واسيني الأعرج يكتب من قلب ذاكرة مجروحة، لذلك تبدو العاطفة عنده أكثر التصاقًا بالمكان والهُوية والتاريخ الجزائري. لكنَّه يواجه خطر الاستغراق في الذاكرة إلى الحد الذي يجعل الروايةَ أسيرةً لها.

     وساراماغو يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المُسلَّمات، لذلك يستطيع أن يفكك التاريخَ، ويسخر من سُلطاته، لكنَّه يواجه خطرَ أن يتحوَّل الإنسانُ إلى فكرة داخل بناء فلسفي شديد الإحكام.

     كلاهما يضع القارئ أمام السؤال نَفْسِه: مَن يملك حق رواية الماضي؟. وهذا السؤال ليس أدبيًّا فقط، إنَّه سؤال عن السُّلطة، والتاريخُ الذي تكتبه الدول المنتصرة لَيس مُجرَّد سرد للأحداث، إنَّه طريقة لتحديد مَن يستحق أنْ يُذكَر، ومَن يُمكن أن يُنسَى. لذلك تبدو الرواية في بعض لحظاتها كأنَّها محاولة لاستعادة صوت سُرق منذ زمن طويل، لكنَّها لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تصلح ما انكسر. كُلُّ ما تستطيع فِعْلَه هو أن تمنع النسيانَ مِن أنْ يصبح انتصارًا ثانيًا للظلم.

     لا تكمن أهمية واسيني الأعرج وساراماغو في أنَّهما يمدحان التاريخَ، أوْ يعيدان تقديمه بصورة أجمل، العكس هو الصحيح، قوتهما حين ينجحان، تأتي من الشك في التاريخ حين يتحوَّل إلى عقيدة، والارتيابِ في الرواية حين تدَّعي امتلاكَ الحقيقة كاملة.

     بين الجزائر وسياقاتها التاريخية،وبين البرتغال وذاكرتها الأوروبية، لا تتطابق التجربتان، ولا ينبغي لهما أن تتطابقا. لكنَّ الرواية في الحالتين تقترب من منطقة واحدة، المنطقة التي يصبح فيها الماضي حاضرًا بطريقة موجعة، ويكتشف الإنسانُ أنَّه لا يستطيع الهربَ مِن الأشياء التي لَم تُدفَن. والتاريخُ، في النهاية، ليس ما حدث فقط، إنَّه أيضًا ما بقي مِن الإنسان بعد أن حدث.

16‏/08‏/2026

الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

 

الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     لم يعد الماء والغذاء مُجرَّد حاجتَيْن أساسيتين لبقاء الإنسان، ولا مِلَفَّيْن تقنيين تتولاهما الوزارات والمؤسسات المختصة بعيدًا عن السياسة. في عالَم تتشابك فيه المصالح، وتتصاعد فيه الصراعات، ويتزايد فيه الضغط على الموارد، أصبح التحكم بالماء والغذاء قادرًا على أن يتحول إلى ورقة ضغط سياسية لا تقل خطورة عن السلاح. قد تبدو الفكرة قاسية، لكنها ببساطة تعكس حقيقة يعرفها التاريخُ جيدًا: مَن يملك القدرة على التحكم بما يحتاجه الناس كي يعيشوا، يملك القدرة على التأثير في قراراتهم ومواقفهم ومستقبلهم.

     الماء هو المورد الأكثر حساسية، لأنَّه لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه بسهولة. يستطيع الإنسان أن يؤجل شراء سلعة، أو يستبدل مُنْتَجًا بآخر، لكنه لا يستطيع أن يؤجل حاجته إلى الماء. لهذا فإن السيطرة على مصادر المياه، أو التحكم في الأنهار والسدود، أو التأثير في تدفق المياه إلى دولة أُخرى، يمكن أن تتحول من مسألة فنية إلى قضية سيادية وأمنية وسياسية بامتياز.

     والخطر لا يكمن فقط في قطع المياه بصورة مباشرة. أحيانًا يكفي أن تشعر دولة ما بأنها لا تملك السيطرة على موردها المائي كي تجد نفسها مضطرة إلى تعديل سياساتها، أو الدخول في تفاوض غير متكافئ، أو تقديم تنازلات في ملفات أُخرى. هُنا تحديدًا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي، يصبح أداةَ نفوذ وسيطرة وابتزاز.

     والأمرُ نفسه ينطبق على الغذاء، فالدولةُ التي لا تنتج ما يكفي من غذائها، وتضطر إلى استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها، تصبح أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية. وقد لا تكون المشكلة في نقص الغذاء عالميًّا، بل في قدرة الدولة على الوصول إليه وشرائه ونقله.

     إنَّ الحروب، والأزمات السياسية، وإغلاق طرق التجارة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الإنتاج الزراعي، كلها عوامل يمكن أن تُحوِّل الغذاء من سلعة متاحة إلى ورقة ضغط. وهُنا تظهر خطورة الاعتماد المفرط على الخارج، فإذا كانت دولة ما تستورد معظم قمحها أو زيتها أو أعلافها من عدد محدود من الدول، فإنَّ أيَّة أزمة سياسية أو اقتصادية قد تتحول بسرعة إلى أزمة داخلية تمسُّ حياة الإنسان مباشرة. لهذا فإنَّ الأمن الغذائي لا يعني فقط أن تكون رفوف المتاجر مليئة بالطعام، بل أن تكون الدولة قادرة على ضمان وصول الغذاء إلى شعبها حتى عندما تتغير الظروف مِن حولها. والتاريخُ الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أسعار الغذاء ونقصه ليست شأنًا اقتصاديًّا محضًا.

     والدولة التي تضمن غذاء شعبها في الظروف الطبيعية والصعبة، تمنح نفسها هامشًا أكبر من الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار. أمَّا الدولة التي تستطيع جهة خارجية أن تضغط عليها بمجرد التأثير في وارداتها الغذائية، فهي تملك هامشًا أضيق في سياستها الخارجية. وأخطرُ الأسلحة ما لا يبدو سلاحًا.

     تكمن خطورة سلاح الماء والغذاء في أنَّه لا يأتي دائمًا بصورة واضحة. لا نرى دبابة على الحدود عندما تتعطل شحنة قمح، ولا نسمع صوت انفجار عندما ينخفض منسوب نهر، ولا تبدو المفاوضات حول السدود أو الموانئ أو سلاسل الإمداد مثل معركة عسكرية. لكن نتائجها قد تصل إلى المكان نفسه: الضغط على الدولة، وإنهاك اقتصادها، وزيادة غضب مجتمعها، ودفعها إلى اتخاذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف أكثر استقلالًا.وهذا ما يجعل الأمن المائي والغذائي جزءًا من الأمن الوطني بمعناه الواسع، وليس مجرد ملف خدمي.

     ليس المطلوب أن تتحول كل دولة إلى جزيرة مكتفية ذاتيًّا، هذا أمر غير واقعي، وهو مكلف وغير منطقي اقتصاديًّا. والتجارةُ الدولية جزء أساسي من حياة الدول، والاستيراد ليس ضعفًا في حد ذاته، لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد إلى هشاشة، وتصبح الدولة غير قادرة على تحمل توقف مصدر واحد، أو ارتفاع سعر سلعة أساسية، أو اضطراب طريق تجاري.

     القوةُ هُنا ليست في إنتاج كل شيء، وإنما في امتلاك البدائل، أن يوجد أكثر من مورد، وأكثر من طريق، ومخزون إستراتيجي، وقدرة محلية معقولة على الإنتاج، وشبكات نقل فعالة، ومؤسسات قادرة على التحرك سريعًا عند الأزمات، هذه هي عناصر الأمن الحقيقي. والدول التي تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ التفكير في أمنها المائي والغذائي تكون قد تأخرت كثيرًا.

     والأهم من ذلك أن الأمن المائي والغذائي لا يتحقق بالمشاريع الضخمة وحدها. يبدأ أيضًا من إدارة أفضل للموارد، ومواجهة الهدر والفساد وسوء التخطيط، واستخدام التكنولوجيا بطريقة تخدم الواقع، وليس بطريقة تتحول إلى شعار.

     يبدأ الاستقلال من أبسط الأشياء. قد تبدو السياسة الدولية أحيانًا وكأنها لعبة كبرى بين الدول والقوى العسكرية والاقتصادية، لكن جوهر هذه اللعبة يمكن أن يصل في النهاية إلى أشياء بسيطة جدًّا: كوب ماء، رغيف خبز، محصول قمح، شاحنة تستطيع الوصول إلى الميناء. والدول التي تؤمِّن هذه الأشياء لمواطنيها لا تؤمِّن حياتهم فقط، إنها تحمي قرارها السياسي.

     في عالَم يتغير فيه المناخ، وتزداد فيه الضغوط على الموارد، وتتكرر فيه الحروب والأزمات، ستصبح المنافسة على الماء والغذاء أكثر حدة، وستصبح الدول التي أحسنت إدارة مواردها وتنويع مصادرها أكثر قدرة على الصمود.

     قد لا يكون أخطر سؤال في السياسة الدولية هو: من يملك أقوى جيش؟. إنَّ السؤال الأكثر إلحاحًا: من يستطيع أن يضمن لشعبه الماء والغذاء عندما تتوقف الأشياء عن السير كما اعتاد الناس؟.

14‏/08‏/2026

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي

 

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     لَيست الأُبوَّة في الأدب دائمًا ذلك الملجأ الأول الذي يُفْتَرَض أن يعود إليه الابنُ حين تضيق به الحياة، وليست بالضرورة صورة للحماية أو الامتداد أو الحكمة المتوارثة. أحيانًا، تتحوَّل الأبوة إلى جدار، وسُلطة، وذاكرة ثقيلة تلاحق الابنَ حتى بعد أن يغادر البيت. وفي بعض الكتابات السيرية والروائية لا يظهر الأب بوصفه أصل الحياة، بل بوصفه أول خصم للذات، وأول سلطة ينبغي على الابن أن يختبر حدودها، وأن يتمرد عليها كي يكتشف نَفْسَه.

     في هذا السياق، تبرز تجربة الروائي المغربي محمد شكري ( 1935_ 2003 ) والروائي الأمريكي من أصل إيطالي جون فانتي ( 1909_ 1983 )، ليس لأنهما يُقَدِّمان صورةً متطابقة للأب، بل لأن كُلًّا منهما يجعل العلاقة بالأب واحدة من المناطق العميقة التي تتشكل فيها شخصية الابن والكاتب معًا.

     والمقارنة بينهما لا ينبغي أن تقوم على تسوية الفوارق بين التجربتين. فالأبُ عند شكري يدخل حياة الابن من باب العنف المباشر، والفقر، والتخلي، والإذلال، بينهما يظهر الأب عند فانتي في شبكة أكثر تعقيدًا من الفقر والهجرة والهُوية والعار الاجتماعي. لذلك فإنَّ التمرد على الأبوة عند شكري يبدو أقرب إلى محاولة نجاة، في حين يبدو عند فانتي أقرب إلى صراع طويل مع ميراث لا يستطيع الابن أن يرفضه تمامًا، ولا يستطيع أن يقبله بلا مقاومة.

     في تجربة شكري، لا يبدأ التمرد من فكرة فلسفية عن استقلال الفرد، بل من الجسد الذي يتعرض للقسوة. الطفلُ لا يملك في البداية لغةً يواجه بها السلطة الأبوية، يملك الخوف، والجوع، والهرب. وحين تصبح الأسرة مكانًا لا يوفِّر الحد الأدنى من الأمان، تفقد الأبوة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها العاطفي.

     الأبُ الذي يُفْتَرَض أن يكون حارسًا للطفولة يتحوَّل إلى مصدر من مصادر تهديدها. وحين يبلغ العنف هذا الحد، يصبح الانفصال عن الأب شبيهًا بالانفصال عن مصير كامل. هذه النقطة أساسية لفهم شكري. الابنُ لا يتمرد على شخص أبيه وحده، وإنما يتمرد على النموذج الذي يُمثِّله، أبوة تريد الطاعة، ولا تمنح الحماية، وتفرض السلطة، ولا تؤدِّي مسؤولية الرعاية. لهذا فإنَّ الخروج من سلطة الأب ليس مُجرَّد انتقال جغرافي من البَيْت إلى الشارع، بل هو انتقال وجودي من موقع الضحية إلى موقع مَن يحاول امتلاك حياته. لقد عاش شكري طفولة قاسية في الفقر،وتعرَّضت علاقته بالأب إلى عنف شديد،ثم وجد نَفْسَه في فضاءات التشرد، والعمل المبكر والانحراف، قبل أن يتعلم القراءة والكتابة في مرحلة متأخرة من حياته.

     يبدو فِعل الكتابة عند شكري امتدادًا لفِعل الهرب. في الطفولة، كان الهرب بالجسد، وفي الكتابة يصبح الهرب باللغة. الطفلُ الذي لَم يكن قادرًا على مواجهة الأب مباشرةً يستطيع، بعد سنوات، أن يستعيده داخل السرد، وينزع عنه الهالة. والأبُ الذي كان يملك سُلطة الصمت يصبح شخصيةً قابلة للمُساءلة، والابنُ الذي كان مُضطرًّا إلى السُّكوت يُصبح هو صاحبَ الصوت.

     وُلد فانتي في أسرة إيطالية مهاجرة في الولايات المتحدة، وكان والده عاملًا في البناء قَدِمَ مِن إيطاليا. وقد تركَ الفقرُ وشجاراتُ الوالدَيْن والكحولُ وسُلوكُ الأبِ أثرًا عميقًا في تكوينه الأدبي والشخصي، وتَحَوَّلَ الأبُ في عالَمه السردي إلى مادَّة متكررة، مَرَّة بوصفه نموذجًا للغضب والسُّلطة، ومَرَّة بوصفه علامة على الأصل الإيطالي الذي يحاول الابنُ التخلصَ مِن وَصمته، ومَرَّة بوصفه ميراثًا لا يستطيع الابنُ أن يقطع صِلته به تمامًا.

     وهُنا تختلف المسألة عن شكري اختلافًا جوهريًّا. شكري يريد الخروجَ مِن أب يُهدِّده، أمَّا فانتي فيجد نَفْسَه أمام أب يُهدِّده ويُغْريه في الوقت نَفْسِه.الأبُ لَيس مُجرَّد عائق خارجي، إنَّه جزء مِن تكوين الابن. في غضبه شيءٌ مِن غضب الأب، وفي تمرُّده شيءٌ مِن تمرُّد الأب، وفي رغبته في إثبات ذاته شيءٌ مِن الصراع الأبوي نَفْسِه. لهذا فإنَّ الابن عند فانتي لا يستطيع أن يقول ببساطة: " أنا لستُ أبي". المشكلةُ الأعمق هي أنَّه يكتشف مِرارًا أنَّ بعض ما يحاول الفِرارَ مِنْه يسكن داخله.

     هذه الازدواجية تجعل التمردَ عند فانتي أكثر التواءً. الابنُ يريد أن يصبح أمريكيًّا لا إيطاليًّا، فردًا لا تابعًا، كاتبًا لا عاملًا، صاحب مصيره لا امتدادًا لأبيه. لكنَّ الأب يظلُّ حاضرًا في اللغةِ، والذاكرةِ، والخَيال. ومِن هُنا تتشكَّل مُفارَقة قاسية: كلما حاولَ الكاتبُ أن يطرد الأبَ مِن عالَمه، عادَ الأبُ في صورة شخصية، أو ذاكرة، أو صراع، أو عُقدة هُوية.

     إنَّ التمرد عند فانتي لا يؤدِّي بالضرورة إلى التحرر الكامل. إنَّه يعيد إنتاجَ العلاقة في مستوى آخَر. يتحوَّل الأبُ من شخص موجود في البَيْت إلى شخصية موجودة في الكتابة، ويتحوَّل النزاعُ العائلي إلى نزاع سردي، ويصبح الكاتبُ،الذي يظنُّ أنَّه انتصر على أبيه حين حوَّله إلى مادَّة أدبية، مُضطرًّا إلى اكتشاف أنَّ الأب لَم يخرج مِن حياته، لقد انتقلَ فقط مِن الواقع إلى اللغة.

     وهذا ما يجعل الأبوةَ عند فانتي أقل بساطة مِمَّا تبدو عليه. الأبُ ليس شريرًا مطلقًا، والابنُ ليس ضحيةً صافية. هُناك علاقة مِن الحُب والكراهية، والخجل والحنين، والرفض والتشابه. وصورةُ الأب تتغيَّر عبر مسيرة فانتي الأدبية، مِن مَصدر للعار العِرقي والطبقي في البدايات إلى شخصية أكثر قابلية للاحتضان في مراحل لاحقة، غَير أنَّ هذا التطور لا ينبغي أنْ يُقْرَأ بوصفه مصالحة نهائية، فالمصالحةُ معَ الأب، حين تحدث، لا تعني إلغاءَ النقد، بلْ قد تكون أحيانًا نتيجة لاكتشاف الابن أنَّ أباه لَم يكن مُجرَّد جلاد شخصي، وإنما إنسان مهزوم داخل ظروف الهجرة والفقر والتمييز والاقتلاع الثقافي. لكنَّ هذه المعرفة المتأخرة لا تمحو آثارَ الطفولة. الابنُ يستطيع أن يفهم أباه، لكنَّه لا يستطيع أن يعيد كتابة طفولته بحيث لَم يحدث فيها ما حدث.

     وهُنا تتقاطع تجربة فانتي معَ تجربة شكري مِن جهة، وتفترقان مِن جهة أُخرى. كلاهما يضع الأب في مركز أزمة الذات، لكنَّ شكري يميل إلى جعل الأبوة سُلطة ينبغي كسرها، بينما يميل فانتي إلى جعلها إرثًا ينبغي تفكيكه. عند شكري يَكون الخلاص في المسافة، وعند فانتي يصبح الخلاص في محاولة فهم المسافة نَفْسِها: " لماذا أكره أبي؟، لماذا أُشبهه؟، لماذا أهرب مِنْه؟، لماذا أعود إليه في الكتابة كلما ظننتُ أنَّني تجاوزته؟".

     والأبوةُ في التجربتين مرتبطة بنموذج ذكوري يقوم على السيطرة، لكنَّ هذا النموذج لا يعمل بالطريقة نَفْسِها. عند شكري تتحوَّل الرجولةُ الأبوية إلى عُنف صريح، وحق في التأديب والإخضاع والتصرُّف في مصير الابن. أمَّا عند فانتي فترتبط الرجولةُ بالفقر والعمل والغضب وإثبات القدرة على إعالة الأسرة، وبذلك تصبح الأبوة محكومة بفشل اقتصادي واجتماعي ينعكس في صورة غضب داخل البَيْت.

     والأبُ، في هذه الحالة، يحاول إثبات سُلطته، لأنَّه فقد كثيرًا مِن أشكال السُّلطة خارج البَيْت. وهذا لا يُعْفيه، بلْ رُبَّما يزيد مسؤوليته، فالبَيْتُ ليس المكان الذي يحقُّ للرَّجل أن يصب فيه هزيمته. ومِن الأخطاء النقدية الشائعة تحويلُ العُنف الأبوي إلى مأساة تخصُّ الأبَ وحده، وكأنَّ الابن مُجرَّد متفرج على انكسار الرَّجل. والأدبُ الجاد لا يقبل هذه المُعادلة بسهولة، لأنَّ انكسار الأب لا يمنحه حقَّ كسر الطفل.

     في تجربة شكري، تتَّخذ المسألة شكلها الأكثر قسوة: الأبوة التي لا تحمي، تصبح نقيضًا للأبوة، والدمُ الذي يُفْتَرَض أن يكون رابطة، يتحوَّل إلى مصدر خَوف، لهذا فإنَّ التمرد يبدو ضروريًّا مِن أجل البقاء. أمَّا عند فانتي، فإنَّ الأبوة الفاشلة لا تنتهي في لحظة الهروب، لأنَّها متَّصلة بالهُوية نَفْسِها. يستطيع الابنُ أن يغادر البَيْت، لكنَّه لا يستطيع أن يغادر الاسمَ، والملامح، واللغة العائلية، والذاكرة، والفقر الذي صعد مِنْه.

     ومِن هُنا يمكن فهو سبب حضور الأب في أدب فانتي حتى عندما يغيب فعليًّا. الغيابُ يتحوَّل إلى حُضور، فالأبُ قد يكون بعيدًا، أو ميتًا، أو خارج مركز الأحداث، لكنَّه يظلُّ يعمل داخل وعي الابن. وهذا النوع مِن الأبوة أكثر خفاءً مِن الأبوة العنيفة عند شكري، لكنَّه ليس أقل تأثيرًا، إنَّه أب يسكن الذاكرةَ ، لذلك يصعب طرده.

10‏/08‏/2026

سحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل

 

سحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

........................


     ليست الإسكندرية مدينةً تُرى بالعَين وحدها، وإنما هي مدينة تُقْرَأ كما تُقْرَأ القصائد الكُبرى، وتُستعاد كما تُستعاد الذكريات العميقة، وتُعَاش كما يُعَاش الحُلْم الذي يرفض أن ينتهي. ومُنذ أن قامت على شاطئ البحر المتوسط، وهي تكتب تاريخَها بالحجارة والماء، وتغزل أسطورتها مِن ضوء البحر، ورائحة الملح، ونداء الموانئ، وامتزاج اللغات والثقافات. لذلك، لَم تكن الإسكندرية مُجرَّد مكان في الجغرافيا، بلْ أصبحت فضاءً أدبيًّا وإنسانيًّا ألهمَ كبارَ الكُتَّاب، فكتبَ كُلُّ واحد منهم مدينته الخاصة، حتى بدا وكأنَّ الإسكندرية الواحدة تَحمل وجوهًا لا تُحصَى، لكلِّ كاتب مِنها مِرآته، ولكلِّ عاشق مِنها حكايته.

     مِن أبرز مَن منحوا الإسكندرية خلودًا أدبيًّا، الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد ( وُلد 1946) والروائي البريطاني لورانس داريل ( 1912_ 1990 ). الأول ابن المدينة الذي عاش تفاصيلها اليومية، وتنفَّسَ هواءها، وأدركَ تحولات روحها، والثاني الكاتب الأجنبي الذي رآها بعين الغريب المفتون، فحوَّلها إلى أسطورة روائية تتجاوز حدودَ الواقع. وبين هاتَيْن الرؤيتَيْن، تتجلى صورة مدينة تتأرجح بين الحقيقة والخيال، وبين التاريخ والأسطورة، وبين الذاكرة والحنين.

     عند عبد المجيد تبدو الإسكندرية مدينةً تنبض بالحياة الإنسانية، فهي ليست مُجرَّد شوارع أوْ مبانٍ أو شواطئ، وإنما هي كائن حَي يَحمل مشاعر سُكَّانه وأحلامَهم وآلامَهم.

     في أعماله تتجسد المدينة بوصفها وطنًا صغيرًا يحتضن الجميعَ، حيث يلتقي البسطاء بالمثقفين، ويجاور البحرُ الأحياءَ الشعبية، وتختلط اللهجات كما تختلط أمواجُ البحر بالرمال.

     إنَّ عبد المجيد لا يكتب عن الإسكندرية من الخارج، بل يكتبها من الداخل، يكتب ذاكرتها، ويستعيد ملامحها التي غيَّرتها التحولات السياسية والاجتماعية، ويقاوم بالنص الأدبي مَحْوَ الزمن لِمَا بقي مِن جَمالها. وتكتسب الإسكندرية عنده طابعًا وجدانيًّا عميقًا، فالمدينة ليست خلفية للأحداث، بلْ شريكة فيها، تؤثِّر في الشخصيات كما تتأثر بها. والبحرُ ليس منظرًا طبيعيًّا فَحَسْب، بلْ هو رمز دائم للحرية والانفتاح والتجدد، بينما تُمثِّل الأزقةُ والأحياءُ العتيقة ذاكرةً تحفظ حكايات الناس، وتروي قصة مدينة كانتْ _ يومًا ما _ ملتقى العالَم بأسره.

     أمَّا داريل فقد رأى الإسكندرية بعين مختلفة، عين القادم من الخارج الذي وقع أسيرًا لسحر الشرق وغموضه. في عالَمه الروائي تتحوَّل المدينة إلى فضاء أسطوري يختلط فيه الواقعُ بالحُلْم، والحقيقة بالوهم، والعشق بالغموض. إنها مدينة متعددة الطبقات، لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، وإنما تمنح كُلَّ زائر وجهًا مختلفًا، وتتجدَّد ملامحُها كلما حاولَ أحد أن يقترب مِنها.

     الإسكندرية عند داريل هي مدينة للضوء والظل معًا، فهي مدينة الحُب والخيانة، والفلسفة والسياسة، والجمال والانهيار. شخصياته لا تعيش فوق أرض ثابتة، بلْ تتحرك داخل متاهة من العلاقات الإنسانية المعقدة،حيث يصبح المكان قوة خفية تصوغ المصائرَ، وتعيد تشكيلَ النفوس. لذلك فإنَّ المدينة في رواياته تبدو أكبر مِن شخصياتها، حتى يكاد القارئ يشعر بأنَّ المدينة هي البطل الحقيقي الذي يدور الجميع في فلكه.

     ورغم اختلاف المنطلقات بين الكاتبَيْن، فإنَّهما يلتقيان عند حقيقة واحدة، وهي أنَّ الإسكندرية ليست مدينة عادية. إنَّهما يدركان أنَّ لهذه المدينة روحًا يصعب الإمساك بها، وأنَّ البحر الذي يحتضنها لا يمنحها الجمال وحده، بل يمنحها أيضًا الإحساسَ الدائم بالتغيُّر والرحيل.

     عبد المجيد ينطلق من الحنين إلى مدينة عرفها وعاش تفاصيلها، بينما ينطلق داريل من الدهشة أمام مدينة اكتشفها، فأسرته بأسرارها. الأولُ يكتب بذاكرة الابن، والثاني يكتب بخيال العاشق.

     كما يختلف الأسلوب الفني بينهما، فأسلوب عبد المجيد يميل إلى الواقعية الشعرية، حيث تمتزج التفاصيل اليومية بلغة رقيقة وإيقاع هادئ، فيشعر القارئ بأنَّه يسير في شوارع المدينة، ويستمع إلى أصوات أهلها، ويرى البحرَ بعينيه.

     أمَّا داريل فيعتمد لغة كثيفة بالإيحاءات والرموز، تجعل الإسكندرية مدينة فلسفية، يتداخل فيها الزمنُ معَ الذاكرة، ويتشابك فيها الواقع معَ التأمل الوجودي.

     ويكشف هذا الاختلافُ عن حقيقة أدبية مهمة، وهي أنَّ المكان العظيم لا يفرض على الأدباء رؤية واحدة، بل يفتح أمامهم آفاقًا لا تنتهي من التأويل والإبداع.

     والإسكندرية ليست مُجرَّد موضوع للكتابة، وإنما هي مصدر دائم للأسئلة الكبرى: سؤال الهُوية، وسؤال الزمن، وسؤال الإنسان وهو يحاول أن يجد مكانه بين الماضي والمستقبل.

     عرفت الإسكندرية عبر تاريخها موجات متلاحقة من الحضارات، فكانت مدينة للإغريق والرومان، ثم أصبحت حاضرة عربية وإسلامية، واحتضنت في العصر الحديث جاليات متعددة صنعتْ منها نموذجًا للتسامح والتنوع الثقافي. وهذا الإرث الحضاري الهائل منحها قدرةً نادرة على أن تكون مدينة عالمية،دون أن تفقد خصوصيتها المصرية.

     ومِن هُنا استطاع الكاتبان أنْ يجدا فيها مادة غنية للإبداع، لأنَّ المدينة تَحمل في أعماقها تناقضات الحياة كُلِّها، فهي قديمة وحديثة، محلية وعالمية، هادئة وصاخبة، واقعية وأسطورية في آن واحد.

08‏/08‏/2026

اتفاقية مكة للدفاع المشترك تعيد صياغة أمن المنطقة

 

اتفاقية مكة للدفاع المشترك تعيد صياغة أمن المنطقة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     لم تعد معادلة الأمن في الشرق الأوسط تُكتَب بالطريقة التي اعتادها العالم خلال العقود الماضية. فبعد سنوات طويلة اعتمد فيها استقرار المنطقة بدرجة كبيرة على المظلات الأمنية الخارجية، برز في مكة المكرمة تحوُّل إستراتيجي لافت، تمثَّلَ في توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية، تضع الدول الثلاث أمام معادلة أمنية جديدة ومتماسكة قوامها أن الاعتداء على دولة منها يُنظَر إليه باعتباره اعتداء على الدول الثلاث.

     الحدث يتجاوز حدود توقيع اتفاق عسكري جديد، فالدول المُوقِّعة لا تنتمي إلى المجال الجغرافي نفسه، لكنها تجمع بين عناصر قوة متكاملة: الثقل الاقتصادي، والموقع الجيوسياسي،والقدرات العسكرية والصناعية، والخبرات العسكرية، والقوة النووية. وعندما تجتمع هذه القدرات في إطار أمني واحد، فإن الرسالة تتجاوز التعاون التقليدي إلى محاولة بناء قدرة إقليمية أكبر على الردع.

     لطالما كانت العلاقات الدفاعية بين السعودية وباكستان عميقة، وشهد سبتمبر 2025 توقيع اتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك بين البلدين، نصَّت على اعتبار أي عدوان على إحداهما عدوانًا على الأُخرى. أما اتفاقية مكة الجديدة فتنقل هذا المفهوم إلى مستوى ثلاثي، بإدخال تركيا طرفًا مباشرًا في منظومة الدفاع المشترك.

     والردع لا يقوم فقط على حجم السلاح، وإنما على حسابات الخصم بشأن كلفة أي هجوم محتمل. وكلما اتسعت دائرة الدول التي يمكن أن تدخل في المواجهة دفاعًا عن طرف مُستهدَف، ازدادت صعوبة اتخاذ قرار التصعيد. ومن هذه الزاوية، فإن اتفاقية مكة تسعى إلى جعل أية مغامرة عسكرية ضد إحدى الدول الثلاث أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية والعسكرية.

     وقوة الاتفاقية الحقيقية لن تُقَاس بالصياغات السياسية وحدها، بل بمدى تحويلها إلى ترتيبات عملية: تنسيق عسكري، وتبادل معلومات، وتدريبات مشتركة، وتكامل في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتعاون في الصناعات الدفاعية، وتنسيق سياسي سريع عند وقوع الأزمات.

     تملك السعودية موقعًا إستراتيجيًّا لا يمكن تجاهله في معادلة أمن الخليج والبحر الأحمر، وهي في الوقت نفسه قوة اقتصادية وعسكرية ومصدر للطاقة العالمية، ما يجعل حماية أراضيها ومنشآتها وممراتها البحرية قضية تتجاوز حدودها الوطنية.

     أمَّا تركيا، فتدخل الاتفاق وهي دولة ذات جيش كبير، وصناعة دفاعية متقدمة، إضافة إلى موقع جغرافي يصل بين الشرق الأوسط وأوروبا والبحر الأسود وشرق المتوسط، لذلك فإن مشاركتها تمنح الترتيب الجديد بعدًا جغرافيًّا وعسكريًّا أوسع.

     وتأتي باكستان بعنصر مختلف، فهي تمتلك جيشًا كبيرًا، وخبرة طويلة في التعامل مع بيئات أمنية معقدة، فضلًا عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ترسانة نووية.

     تبعث الاتفاقية برسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن أمن المنطقة لن يبقى بالضرورة رهنًا بمصدر واحد للحماية. وهذه النقطة شديدة الأهمية في ظل التحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وتزايد القناعة لدى عدد من دول المنطقة بضرورة امتلاك خيارات أمنية متعددة.

     والجدير بالذكر أن وجود تركيا داخل الاتفاق يضيف بعدًا مهمًّا، نظرًا لعضويتها في حلف شمال الأطلسي ( الناتو )، وهذا لا يعني أن أية مواجهة تتعرض لها دولة من الدول الثلاث ستؤدي تلقائيًّا إلى تدخُّل الحلف، لأن التزامات الحلف لها شروطها وآلياتها الخاصة، لكن وجود دولة عضو في الناتو داخل منظومة دفاع إقليمية جديدة يعكس اتساع شبكة العلاقات الأمنية التي يمكن أن تؤثر في حسابات القوى المختلفة.

     لا يمكن قراءة اتفاقية مكة بعيدًا عن البيئة الإقليمية المتوترة، فالمنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة ضربات متبادلة، وحروبًا وصراعات بالوكالة، وهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، وتهديدات للممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وفي مثل هذه البيئة يصبح مفهوم الردع أكثر أهمية من أي وقت مضى.

     والدول الثلاث حرصت على تقديم الاتفاقية بوصفها دفاعية، وليست مشروعًا لتشكيل محور هجومي أو كتلة مذهبية، وهذه النقطة ليست تفصيلًا دبلوماسيًّا، بل هي شرط أساسي لتقليل مخاطر سباق التحالفات والتسلح الذي يمكن أن يدفع المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد.

     ونجاح الدول الثلاث في تحويل اتفاقية مكة إلى منظومة للتنسيق، والردع، والدفاع، وحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، سوف يجعل الاتفاقية لبنة أساسية في هندسة أمن إقليمي أكثر اعتمادًا على قدرات دول المنطقة.

07‏/08‏/2026

تأويل الصدمات بين شهلا العجيلي وإليف شافاق

 

تأويل الصدمات بين شهلا العجيلي وإليف شافاق

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

................


     لا تُقَاس الرواية الحديثة بقدرتها على سرد الوقائع فحسب، بل بقدرتها على تحويل الجِراح الإنسانية إلى لغة، والذاكرة إلى جماليات، والألم إلى سؤال فلسفي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

     والصدمات _ سواءٌ كانت شخصية أمْ جماعية _ لم تعد مجرد أحداث عابرة في البناء السردي، وإنما أصبحت جوهرًا معرفيًّا يعيد تشكيل الإنسان والعالَم. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة الروائية السورية الأردنية شهلا العجيلي ( وُلدت 1976 ) والروائية التركية إليف شافاق ( وُلدت 1971 )، بوصفهما من أبرز الأصوات النسائية في الأدب المعاصر التي جعلت من الرواية فضاءً لتأويل الصدمة، وليس تسجيلها فقط.

     وعلى الرغم من اختلاف البيئتَيْن الثقافيتين والتاريخيتين، فإنَّ الكاتبتين تلتقيان عند سؤال الإنسان المُمزَّق بين الذاكرة والمنفى، وبين الهُوية والاقتلاع، وبين الحُب والحرب، فتغدو الكتابة لديهما محاولة لإنقاذ المعنى من ركام الخراب، وإعادة بناء الذات عبر فعل الحكي.

     لا تنظر شهلا العجيلي إلى الصدمة بوصفها حدثًا مكتملًا، بل تراها بنية متحركة تستمر آثارها في الزمن، وتعيد إنتاج نفسها في الذاكرة والسلوك والعلاقات الإنسانية، لذلك فإن شخصياتها لا تعيش الحروب وحدها، وإنما تحملها في تفاصيلها اليومية، وصمتها، وأسئلتها الوجودية، ومحاولاتها المستمرة للعثور على وطن داخلي بعدما فقدت الوطن الخارجي.

     أمَّا إليف شافاق فتذهب إلى منحى آخر، إذ تجعل الصدمة امتدادًا للتاريخ الجمعي، فتربط بين الماضي والحاضر، والفرد والجماعة، والأسطورة والواقع. والإنسانُ عندها ليس ضحية حدث منفرد، بل هو وريث لذاكرة ثقيلة تنتقل عبر الأجيال، حتى تصبح الصدمة جزءًا من الهُوية الثقافية نفسها.

     وهكذا تتحول الرواية عند الكاتبتين إلى مساحة تأويلية لا تبحث عن تفسير الكارثة بِقَدْرِ ما تبحث عن آثارها المستمرة داخل النفس البشرية.

     تؤمن شهلا العجيلي بأن الذاكرة ليست أرشيفًا للماضي، وإنما وسيلة لمقاومة المحو، لذلك تتكرر في أعمالها المدن التي تهدمت، والبيوت التي هُجرت، والعائلات التي تشردت، وكأن الرواية تقوم مقام الوثيقة الأخلاقية التي تحفظ ما تعجز السياسة عن حفظه. لكن الذاكرة عندها ليست جامدة، إنها ذاكرة جريحة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، والحنين بالخسارة، حتى يصبح السرد فعلًا من أفعال العلاج النفسي والجمالي.

     في المقابل، تمنح إليف شافاق الذاكرة بعدًا أكثر تعقيدًا، فهي تستدعي التاريخ العثماني، والأساطير الصوفية، والصراعات العرقية والدينية، لتؤكد أن المجتمعات لا يمكنها تجاوز صدماتها ما لم تواجه تاريخها بشجاعة، فالنسيانُ عندها ليس علاجًا، بل هو شكل من أشكال استمرار الألم.

     يكاد المنفى أن يكون الشخصية الأكثر حضورًا في عالم شهلا العجيلي، فهو ليس انتقالًا جغرافيًّا فحسب، وإنما هو انكسار في الإحساس بالزمن والانتماء، فالمهاجر في نصوصها يحمل وطنه داخله، لكنه يعجز عن استعادته، فيعيش حالة من التمزق المستمر بين مكانَيْن وذاكرتَيْن ولغتَيْن.

     أمَّا لدى إليف شافاق، فإن المنفى يتخذ أبعادًا ثقافية وفكرية، إذْ يصبح الإنسان منفيًّا حتى داخل وطنه عندما يُقْصَى بسبب معتقده أو هُويته أو أفكاره، ولهذا تتكرر في أعمالها الشخصيات الهامشية التي تبحث عن الاعتراف والكرامة أكثر مما تبحث عن المكان.

     تمنح شهلا العجيلي المرأةَ مساحة واسعة لتكون شاهدة على التاريخ،وصانعة له في آن واحد. فالمرأة ليست ضحية الحرب وحدها، بل هي حافظة الذاكرة، وراوية الحكاية، وحاملة الأمل وسط الخراب، لذلك تأتي شخصياتها النسائية قوية رغم هشاشتها، وقادرة على تحويل الانكسار إلى فعل مقاومة.

     أمَّا إليف شافاق فتجعل المرأةَ مركزًا لتفكيك البنى الاجتماعية الذكورية، فتقدم نماذج نسائية تواجه السلطة والعادات والتاريخ معًا، وهي لا تكتفي بعرض معاناة المرأة، وإنما تمنحها حق إعادة كتابة الحكاية من منظورها الخاص. ومِن هُنا يتحول الألم النسائي في روايات الكاتبتَيْن إلى طاقة إبداعية تعيد إنتاج الحياة، ولا يتحول إلى خطاب بكائي يستسلم للهزيمة.

     تمتاز لغة شهلا العجيلي بِقَدْرِ كبير من الكثافة الشعرية، فهي تكتب المشهدَ الروائي وكأنه لوحة مشبعة بالإيقاع والصور البلاغية، دون أن تفقد قدرتها على السرد، لهذا تبدو اللغة عندها امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات، فتنبض بالحزن حينًا، وبالحنين حينًا آخر، وبالأمل الخافت في أكثر اللحظات ظلمة.

     أمَّا لغة إليف شافاق فتتسم بثراء فلسفي وثقافي واضح، إذْ تمزج بين السرد والتأمل، وبين الواقعي والأسطوري، وبين الحكمة الصوفية والأسئلة الوجودية، مما يمنح نصوصها أفقًا عالميًّا يتجاوز خصوصية التجربة التركية.

     تكشف روايات شهلا العجيلي أن الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحرب، وإنما تستمر في تشكيل العلاقات الإنسانية والوعي الجمعي، لذلك يصبح التأويل ضرورة أخلاقية لفهم الإنسان، وليس إدانته.

     أمَّا إليف شافاق فترى أن فهم الآخر يبدأ من الاعتراف بألمه، وأن الرواية قادرة على بناء الجسور بين الثقافات أكثر مما تفعله الخطابات السياسية، لهذا فإن تأويل الصدمة عندها يتجاوز البعد النفسي إلى مشروع إنساني يدعو إلى التسامح والتعددية والانفتاح.

03‏/08‏/2026

شعور الإنسان بالضياع بين جلال برجس وفرانز كافكا

 

شعور الإنسان بالضياع بين جلال برجس وفرانز كافكا

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...................


     يُعَد شعور الإنسان بالضياع من أكثر القضايا الإنسانية حضورًا في الأدب العالمي، لأنه يمسُّ جوهرَ الوجود الإنساني، ويكشف الصراعَ الدائم بين الإنسان وذاته، وبين أحلامه وواقعه، وبين رغبته في الانتماء وإحساسه بالعزلة. وقد استطاع الأدبُ أن يُحوِّل هذا الشعورَ إلى صور فنية نابضة بالحياة، فغدا الضياعُ تجربةً وجودية يعيشها الإنسان حين يفقد يقينه، ويغيب عنه المعنى.

     مِن أبرز الكُتَّاب الذين تناولوا هذه القضية الروائي الأردني جلال برجس ( وُلد 1970 )، والروائي التشيكي فرانز كافكا ( 1883_ 1924 )، حيث قدَّم كُلٌّ مِنهما رؤية خاصة للإنسان التائه، وإن اختلفت البيئة والأسلوب والرؤية الفكرية.

     يرى برجس أن الضياع يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في العالَم الخارجي، فالإنسانُ قد يعيش وسط الناس، لكنه يشعر بأنه غريب عنهم، وقد يمتلك المالَ أو المكانة أو العلاقات، لكنَّه يظلُّ فارغًا من الداخل إذا فقد ذاته.

     في أعماله الروائية تتجسد الشخصيات وهي تواجه أزمات نفسية واجتماعية تدفعها إلى البحث عن معنى لحياتها، فتنتقل بين الخوف والأمل، وبين الانكسار والرغبة في النجاة.

     ويتميز أسلوبه بقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية، فيُصوِّر القلقَ والوحدة بلغة شاعرية تَجمع بين الجَمال والصدق، فيشعر القارئ بأنَّ الشخصيات ليست خيالية، بل تُمثِّل نماذج حقيقية يعيشها المجتمع.

     لا يقتصر الضياع عند برجس على فقدان الطريق، بل يمتد إلى فقدان الهُوية والانتماء. فالمدينةُ الحديثة، وما تَحمله من تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية، قد تجعل الإنسانَ يشعر بأنه مُجرَّد رقم في عالَم سريع لا يمنحه فرصة للتأمل أو الاستقرار. لذلك نجد أبطاله يعيشون صراعًا دائمًا معَ ذواتهم، ويحاولون استعادة إنسانيتهم وسط عالَم يزداد قسوةً وتعقيدًا. ومعَ ذلك، يترك الكاتبُ نافذة مفتوحة للأمل، إذْ يؤمن بأنَّ الإنسان قادر على النهوض إذا واجه نَفْسَه بصدق، وتمسَّكَ بقيمه الإنسانية، وأعادَ اكتشافَ معنى وجوده.

     أمَّا كافكا، فقد قدَّم صورةً أكثر قتامة للإنسان الضائع. الضياعُ عنده ليس أزمة عابرة، بلْ هو قَدَر يلاحق الإنسانَ في كل مكان. شخصياته تجد نفسها في مواجهة عالَم غامض تَحكمه قوانين غير مفهومة، وسُلطات لا تعرف الرحمة، ومواقف عبثية تَجعل الإنسانَ عاجزًا عن فهم ما يحدث حوله. ولهذا يشعر القارئ بأنَّ أبطال كافكا يعيشون في متاهة لا مخرج منها، وأنهم مُحاصَرون بقوى أكبر منهم لا يستطيعون مقاومتها.

     ويظهر ذلك بوضوح في كثير من أعماله، حيث يتحوَّل الإنسانُ إلى كائن غريب عن نفسه، وعن الآخرين، فيفقد القدرةَ على التواصل الحقيقي، ويصبح وجوده مُهَدَّدًا بالاغتراب والعزلة.

     إنَّ كافكا لا يصف الضياعَ بوصفه مشكلة اجتماعية فقط، وإنما يجعله سؤالًا فلسفيًّا عميقًا حول معنى الحياة والعدالة والحرية. لهذا جاءت لغته دقيقة وهادئة، لكنَّها تَحمل في أعماقها تَوَتُّرًا نفسيًّا كبيرًا، فيشعر القارئ بأنه يعيش القلقَ ذاته الذي تعيشه الشخصيات.

     وعلى الرغم من اختلاف البيئتَيْن اللتَيْن ينتمي إليهما الكاتبان، إلا أنَّ بينهما قواسم مشتركة عديدة. كِلاهما يَجعل الإنسانَ مِحور العمل الأدبي، ويكشف هشاشته أمام قسوة العالَم، ويُصوِّر الصراعَ الداخلي الذي يعيشه الفرد وهو يبحث عن ذاته. كما أنَّهما يعتمدان على التحليل النفسي العميق للشخصيات، ويستخدمان الرمزَ والإيحاء لإبراز المعاني الإنسانية التي تتجاوز حدودَ الزمان والمكان.

     ومعَ ذلك، فإنَّ الفارق بينهما واضح في طبيعة الرؤية. برجس يربط الضياعَ بالواقع الاجتماعي والنفسي، ويمنح الإنسانَ فرصة للخلاص من خلال الوعي والمحبة والتمسُّك بالقيم الإنسانية، بينما يميل كافكا إلى تصوير الضياع بوصفه حالة وجودية شاملة، تبدو فيها محاولات الإنسان للخلاص محدودة، وكأنَّ القَدَر أو النظام الغامض يفرض عليه العزلة والقلق بصورة لا يستطيع الإفلات منها. لذلك يخرج القارئ من أعمال برجس بإحساس بأنَّ الأمل ممكن، بينما يخرج من أعمال كافكا وهو يَحمل أسئلة أكثر من الإجابات.

     مِن الناحية الفنية، يمتاز برجس بلغة تَجمع بين السرد الواقعي والنَّفَس الشعري، فتأتي عباراته رقيقة وعميقة في آن واحد، بينما يعتمد كافكا على لغة مباشرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنَّها تخفي وراءها رموزًا وإشارات فلسفية تجعل النص مفتوحًا على تأويلات متعددة. لهذا بقيت أعمالهما قادرة على مخاطبة أجيال متعاقبة، لأنَّهما لَم يكتبا عن إنسان مُحدَّد، بلْ عن الإنسان في كل زمان ومكان.

     يظلُّ شعورُ الإنسان بالضياع قضية إنسانية وأدبية، تتغيَّر صورها بتغيُّر العصور، لكنَّها لا تغادر النفسَ البشرية. وقد نجح برجس وكافكا في تقديم رؤيتين مختلفتين لهذه التجربة، إحداهما ترى أنَّ الإنسان يستطيع أن يعثر على ذاته رغم الألم، والأُخرى تكشف عُمقَ المأساة الوجودية التي قد تحاصر الإنسانَ في عالَم لا يفهمه.

     وبين هاتَيْن الرؤيتَيْن، يبقى الأدبُ شاهدًا على معاناة الإنسان، ووسيلة لفهم النفس البشرية، ودعوة دائمة إلى البحث عن المعنى وسط متاهات الحياة، لأن الإنسان مهما اشتد شعوره بالضياع، يظل يَحمل في أعماقه رغبة لا تنطفئ في الوصول إلى النور، واكتشاف حقيقة وجوده.