15‏/02‏/2020

رواية جبل النظيف / الفصل الثالث عشر

رواية جبل النظيف / الفصل الثالث عشر

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

..............

     كان الأستاذُ رأفت يعتني بتفاصيل ملابسه . يُجري مَسحاً شاملاً لكل نقطة في جسمه . ورائحةُ العطر تسيطر عليه من رأسه حتى أخمص قَدَمَيْه ، على غير عادته . ولكنه اليوم ذاهب إلى منزل الدكتور لؤي عطوة لتدريس ابنه .
     قَرع الجرسَ ، فجاءت الخادمة كي تَفتح البابَ . وهنا تدخَّلت السيدة ميادة ، وأشارت للخادمة بالابتعاد، ففهمتْ أن السيدة هي التي تريد فتح الباب . فُتح بابُ الطوفان على مصراعَيْه . وفوجئ رأفت برؤية السيدة لأنه كان يتوقع أن تفتح له إحدى الخادمات . ارتبك للغاية ، وذابَ الكلامُ الذي كان يُحضِّره طيلة الطريق ، ولم يَعرف كيف يخاطبها . وهي أيضاً فوجئت بمنظره الخارجي ، حيث ظهر وكأنه قادم إلى حفلة. كما أن رائحة عِطره انتشرت بصورة جنونية في المكان .. إنها رائحة تكاد تخلع حاسةَ الشَّم .
     قَطعت عليه ارتباكَه قائلةً :
     _ تفضَّل يا أستاذ رأفت .
     فرح رأفت لأن اسمَه جاء على لسانها. ومضى إلى الداخل بخطى وئيدة . وأحس بأهميته وهو يمشي على السجاد الأحمر . إنه يتصنع الإتيكيت ، ويَحسب حركاته وسكناته . أحبَّ هذا المكان الذي يَشعر فيه بأنه رَجل مهم ، والكلُّ يعتني به ، ويُحقِّق رغباته. أمَّا في جبل النظيف فهو يَشعر بغربة خشنة. لا أحد يُقدِّر ما يَفعله . ماذا يعني أستاذ لغة إنجليزية في بيئة جاهلة فقيرة بالكاد تَعرف العربية ؟! . ما معنى أن تكون مثقفاً بين أشخاص أُمِّيين أو يفكُّون الخطَّ بصعوبة ؟! . ما فائدةُ أن توقِد شمعةً بين القبور الخرساء ؟!. كل هذه الأسئلة احتلت وجدانَه، وتشعَّبت في عروقه .
     ما ذَنْب أولئك الناس البسطاء الذي ينامون وهُم يَحْلمون برغيف الخبز ؟! . لا يمكن للجائع أن يشتريَ كتاباً أو يَعرف الفرق بين اللغة الإنجليزية والفرنسية . يَخرج الواحد من الصباح ويعود في منتصف الليل لكي يُطعِم الجياعَ الذين ينتظرونه . رغيفُ الخبز هو الثقافة ، والراتبُ الشهري هو الكتاب الوحيد الذي يطالعونه باستمرار . أفكارٌ هَجمت على ذهنه دون سابق إنذار. لكنه نَفضها بسرعة مع قدوم السيدة ميادة ، واقتنع بأن كل إنسان في هذا العالَم عليه أن يُدبِّر شؤونه بِنَفْسه، فلا أَحد يَسأل عن أَحد. والدنيا طاحونة عمياء ، وإذا أراد الإنسانُ ألا يُطحَن عليه أن يكون أكبر منها. هذا هو قانون اللعبة، والكُل يَلهث وراء السراب، ولا جديد تحت الشمس . الحاضر هو الماضي مع اختلاف أنواع الأقنعة . وما سَيَحْدث هو ما قد حَدث، وما سَيَكون هو ما قَد كان.
     قالت ميادة وهي تمط كلامَها مَطَّاً :
     _ أريد أن أشكرك يا أستاذ رأفت ، فقد تحسَّن مستوى رمزي ، وارتفعت معنوياته ، وصار يُركِّز في دروسه بشكل واضح .. تأثيركَ واضح عليه ، وجهودكَ مشكورة . وبصراحة ، كلُّ مَن في البيت يحبونكَ .
     ثم استدركتْ قائلة :
     _ أقصد رمزي يحبك ، ويطبِّق نصائحك حرفاً حرفاً . 
     شَعر رأفت بالزهو ، وقال مُظهِراً التواضع :
     _ أنا أشكركم على إتاحة الفرصة لي .. رمزي رَجلٌ وليس طفلاً ، وهو يَلتقط الفكرةَ من المرَّة الأولى .. إنه رَجل يُعتمَد عليه .
     قالت ميادة مُغيِّرةً بوصلة الكلام :
     _ اسمحْ لي أن أسألك سؤالاً شخصياً يا أستاذ رأفت .. هل أنتَ متزوج ؟ .
     ألقتْ هذا السؤالَ بشكل مباغِت. وأرادتْ منه كسرَ الحواجز ، وخلق مناخ دافئ بعيد عن البرود الرسمي والأداءِ الدبلوماسي .
     تشظَّت المفاجأة على قسمات وجهه . وفي نفْس الوقت أحبَّ هذا النوع من الأسئلة، واقتنع بأن الفرصة جاءته على طبق من ذَهب ، وأراد ألا يُضيِّعها ، فقال :
     _ لا .
     ولم يكتفِ عند هذا الحد ، بل أراد أيضاً أن يبدأ تنظيرَه الفلسفي في الموضوع ، فأردف قائلاً :
     _ الزواج بالنسبة إلي خط أحمر ، فأنا أريد أن أظل عصفوراً خارج القفص .. لا أريد توريط امرأة معي ، ولا أودُّ إنجابَ أطفال في هذا العالَم . فالعالَمُ مكانٌ خطر للعيش فيه ، ولا أحبُّ أن أمتلك امرأةً .. أُفضِّل أن أرى الزهرةَ في البستان ولا أقطفها .    
     _ إن فلسفتك متشائمة .. ومع هذا يمكن أن تجد صديقةً لا زوجة .
     _ لا أحب أن أدخل في هذا المجال ، فالعلاقة مع النساء كالشُّرب من ماء البحر .. كلما شَربتَ أكثر عَطشتَ أكثر ، ولا أريد أن أقضيَ حياتي عطشان .
     قالت ميادة والابتسامة تخلع شفتيها :
     _ إذن ، سأُحضِر لكَ كوبَ ماء لئلا تظل عطشان .. وسوفَ أُحضر رمزي .
     وانطلقت وهي تضحك .. ضحكاتها تملأ المكان ، بَدت كالفراشة الملوَّنة التي تطير فوق حقول اللهب . كلُّ شيء يَسير إلى وُجهته ، ولكنْ : هل الوُجهة هي القمة أم الهاوية ؟ . هذا السؤال سيظل مثل وخز الدبابيس في أجفان التاريخ .
     كانت الحِصةُ مفعمةً بالمتعة والفائدة . ظهر الارتياح على وجه رمزي ، وهو يتجول في دفاتره وأوراقه . نظر إلى أستاذه قائلاً بكل ثقة :
     _ سأحلُّ أيَّ واجب تعطيني إياه .. لم أعد أخاف من الأسئلة والأجوبة .
     رَبَتَ أستاذُه على كتفه ، وقال :
     _ أحسنتَ يا رمزي .. يا بطل الأبطال . أريدكَ أن تتحدى الأسئلة ، وتصبح الأول على الصف .. اتفقنا ؟ .
     _ اتفقنا . 
     إن نهاية الحصة هي بدايةُ الحلم . شَعر رأفت براحة نفسية غامرة لأنه استطاع التأثير في تلميذه ، وتَرْك بصمة واضحة . وها هو رمزي يَضع قَدَمَه على الطريق الصحيح ، ويَملك الحافزَ لكي يتقدم . وقد نجح الأستاذُ رأفت في غرس الدافعية في تلميذه الصغير ، وتحريره من الضغط الخارجي . وهذا ما أسعده بشكل خاص. فمن السهل أن تجبر الحصان على الذهاب إلى النبع ، ولكنْ لا يمكنك أن تجبره على الشرب . أمَّا رمزي فصار يذهب إلى نبع العِلم بقدميه ، ويشرب من تلقاء نفْسه .
     أَخذ الأستاذ رأفت أُجرةَ الساعتين من يد السيدة ميادة . وبينما كان يَهم بالخروج استوقفته. استدار في الحال .. نظر في عينيها ، وعلى شفتيه ابتسامة ناعمة. ووقف منتظراً كلامها كالجندي الذي ينتظر أوامر قائده، أو ينتظر قراراً من محكمة عسكرية .
     قالت والندى المشتعلُ يَغرق في نهر أجفانها :
     _ نسيتُ أن أخبركَ.. لدينا حفلة في المنْزل يوم الخميس القادم، الساعة العاشرة مساءً .. أرجو أن تشرِّفنا .
     _ يسعدني الحضور ، وأشكركِ على الدعوة ، وسوف أكون أول الحاضرين .
     انطلقت كلماتُه بطريقة عفوية دون أن يفكِّر فيها . كان يتحدث مثل الرَّجل الآلي الذي تمَّت برمجته، وزراعة الكلمات فيه. انصبَّ تركيزُه على النظر في عينيها ، كأنما يريد استغلال كل لحظة في الاقتراب من عالَمها .
     قالت ميادة :
     _ أريد أن أسألك .. ما هو اللون الذي تحبُّه ؟ .
     _ الأزرق . ولكنْ .. لماذا هذا السؤال ؟ .
     _ مجرَّد سؤال .
     خرج رأفت ، والأسئلة تتكاثر في رأسه ، وتَجرف الشوارعَ أمامه . راح يفكِّر في كل كلمة خَرجت من فم ميادة ، ويبحث في أصلها ، والمقصود منها ، ويحلِّل أبعادَها. وكان يجيب عن الأسئلة بأسئلة أكثر غرابةً. والحيرةُ تأكل ملامحَه بالكامل .
     كانت جبال الجليد تنهار في قلبه، ومستوى الدم في بحور الأسئلة يرتفع بشدة . هذا عالَمه الحديدي المطلي بالقضبان . حريته بحجم قبضته . ودُنياه هي أطلال حُجرةٍ أصغر من حبل الغسيل . لم يكن حَوْله سوى عصافير القشعريرة التي يَسكن معها في نفْس القفص . إنه بحاجة إلى الراحة لكي يستعيد نشاطَه كمحارِب في زمن الهدنة بين السكين واللحم . أجال بصرَه في تقاطعات جسمه الجارح ، وقال مخاطباً قلبَه الذي ينفصل عنه تدريجياً :
     _ أنتَ عبقري وغبي في نفْس الوقت . عبقري لأنكَ تعرف كيف تنتصر في معركتك ، وغبي لأن معركتكَ مع عدو وهمي .
     وانطلق في دروب اللهيب . رحلته قصيرة تجسِّد كلَّ تاريخ الأضداد . حبُّه للحرية اختلاط نهايات الخريف بعنفوان الشتاء في لحظة تماس لم تلاحظها الأشجارُ . صارت الأضدادُ هي المنطقَ الرسمي للتاريخ المستحيل .
     الوقتُ الذي يَفْصله عن موعد الحفلة قرونٌ من الوهج والشكوك والحيرة ، أو سنواتُ رصاصٍ يكتبها الزمنُ بقلم الرصاص ، ويَمحوها المدُّ القادم من بحر الدماء .