02‏/02‏/2020

رواية جبل النظيف / الفصل الثامن

رواية جبل النظيف / الفصل الثامن

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

................

  _ لا يمكن أن أَفهم الرياضيات .. إنها مادة لا تطاق .
     هذا ما أكَّدته سهير أنطوان لنفسها وهي تخرج من مدرسة راهبات الوردية في شارع المصدار. إنها طالبة في المرحلة الثانوية، وتعاني من الأرقام والحسابات ، وتكاد رأسها تنفجر من تفاصيل هذه المادة وطرقها المتشعبة . ويبدو أن دَرْس اليوم كان قاسياً بشكل خاص. فقد وزَّعت المعلمةُ أوراقاً على الطالبات تتضمن أسئلةً إضافية، ونماذج امتحانات مقترَحة . وكلما حَدَّقت سهير في ورقتها أصابها صداعٌ رهيب . وحينما تتذكر النظاراتٍ السميكة لمعلمة الرياضيات العجوز ، يزداد صداعها ، وتشعر أنها بحاجة إلى البكاء أو الصراخ في هذا الشارع المعجون بالمارة ، والمزدحم بالسيارات التي لا تنتهي .
     كانت سهير فتاةً رقيقة لم تتعود على تحمل المسؤولياتِ ، ومواجهة الصدمات الحياتية . فهي آيلة للسقوط في أية لحظة . وقد كانت مرحةً لا تفارقها الضحكات ولا النكات . لكنها عندما صارت طالبةً في المرحلة الثانوية ، انطفأ عالَمها بسبب معاناتها الشديدة في المواد الدراسية ، فقد أجبرها والدُها على اختيار الفرع العلمي على عكس رغبتها . فهو يريدها أن تصبح طبيبة مثل ابنة عمِّها ، أمَّا هي فتريد أن تصبح مصممة أزياء أو عازفة بيانو أو لاعبة تنس أرضي . لكنها خَضعت لرغبة والدها الذي لم يُكمِل تعليمَه ، ويَطمح أن تتلقى ابنته أعلى الشهادات لكي يجد في ذلك تعويضاً عما فاته من التعليم . فهو يتمنى أن يراها طبيبة مشهورة ، يشير الناسُ إليها ويقولون : هذه الدكتورة سهير ابنة أنطوان الراوي . وبعد وفاته يقولون : امرأة بألف رَجل، والذي خَلَّف ما مات. ولأن سهير وحيدة أبوَيْها ازداد الضغطُ عليها ، ووَجدت نفسها في فوهة المدفع لوحدها .
     وسهير _ تلك الفتاة الناعمة المدلَّلة _ غير قادرة على تحمل هذه الأعباء . لذلك تشعر أنها منبوذة في هذا العالَم رغم انتمائها إلى أسرة غنية . فوالدها أنطوان الراوي يملك محلاً للذهب في حي الأشرفية . وأمُّها أوكرانية كانت بطلةً في الجمباز أيام شبابها ، وفازت بعدة ميداليات . وعمُّها طوني الراوي مُصمِّم أزياء عالمي يقيم
في باريس ، ويعمل مع أشهر نجمات السينما .
     ولا يمكن نسيان ذلك المشهد الذي جَمع بين سهير ووالدها . فقد قَررت مصارحته بأنها تريد أن تصبح مصممة أزياء مِثْلَ عمِّها . فقال لها أبوها إنه سَيُحْضِر لها كل أنواع القماش لتتدرب عليه في البيت ، وسوف يسمح لها بالذهاب إلى عمِّها في إجازة الصيف. وليكن تصميم الأزياء هواية، ولا داعي أن تتخذه مهنةً . وعندما أدركت أن هذا الطريق مسدود ، قالت له إنها تريد أن تصبح عازفة بيانو ، فقرر والدُها شراء بيانو لها ، وإحضار معلِّمة موسيقى لتعليمها العَزْف ، وليكن العزفُ هوايةً في وقت الفراغ ، فالموسيقى لا تُطعِم خبزاً في بلادنا . هكذا أكَّد لها . وبقي عندئذ خيار وحيد ، وهو أن تصبح لاعبةَ تنس أرضي مثل شتيفي جراف ، وقد أخبرها والدُها حين سمع هذا الكلام بأنه رَجل شرقي لا يسمح لابنته أن ترتديَ تنورةً قصيرة ، ولكنْ بإمكانها ارتداء بنطال ، وممارسة هذه الرياضة في جمعية الشابات المسيحيات التي تملك ملعباً للتنس الأرضي ، ولا داعي أن تصبح مثل شتيفي جراف ، فلتصبحْ مثلَ سامبرس ! ، ولتظل هذه اللعبة مجرد هواية. وهكذا وَجدت سهير نفسها في طريق واحد ، وهو اختيار الفرع العلمي لكي تصبح طبيبة مثل مونيكا ابنة عمِّها ، ليست مونيكا سيليش ، ولكنْ مونيكا طوني الراوي ! .   
     مشت سهير برفقة زميلاتها في شارع المصدار الذي بدا حينئذٍ مثل جبل لا قمة له . وقد أخبرتهن بمقدار معاناتها في مادة الرياضيات ، فأشارت عليها إحداهن بإحضار مدرِّس خصوصي ، وقالت لها أخرى إن عليها مضاعفة جهودها ، وقامت ثالثة بتأنيبها متهمة إياها بالتقصير ، والتفكير في أمور تافهة لا علاقة لها بالمدرسة .
     ازداد صداعُ سهير ، وازداد شعورُها بالغربة في هذا العالَم . وعندما وصلت إلى سور المقبرة ، نَظرت إلى ورقة الرياضيات ، ثم ألقتها على القبور ، وقالت بكل سخرية :
     _ فليحل الأمواتُ هذه الأسئلة ، ولتفرحْ معلمة الرياضيات العانس ! .
     وعَلَت ضحكاتُ البنات في الشارع ، واختلطت دموعهن الخفية بضجيج السيارات ، ورائحةِ الدُّخان ، واتَّجهت ضفائرهن نحو شموس الألم ، وواصلنَ السير إلى بيوتهن في حي الأشرفية الذي بدا _ رغم قُرْبه _ كأنه في آخر الدنيا .
     كان بسام يتجول في المقبرة وحيداً ، محاولاً تجميع قواه الذهنية ، والتركيز في مشاريعه المستقبلية . فهو لم يَقدر على التفكير في البيت بسبب كثرة المشكلات الأسرية ، والصراع الدائم بين أبوَيْه . وحين يشتد الصراعُ المنزلي لا يَمْلك إلا الهرب نحو دفء المقبرة ، حيث يجد فيها الهدوء ، وهذا يساعده على حل واجباته الدراسية ، والتأمل في مسار حياته ، وحركة هذا الوجود .
     رَاحَ يَمْسح شواهد القبور من الأغبرة ، ويلتقط بعض الحشائش الفوضوية ، ويُزيل الأوساخ المتكاثرة هنا وهناك . وأثناء انشغاله في هذا العمل وَجد ورقةَ الرياضيات التي رمتها سهير . أخذها ونفض عنها الغبار ، وجلس تحت شجرة الصنوبر القريبة من أحلامه ، البعيدة عن أشلائه المتكاثرة كالزنابق . وأخذ يتفحص الورقة ، ويستعرض الأسئلةَ سؤالاً سؤالاً . ثم هزَّ رأسه قائلاً :
     _ مستوى الأسئلة لا بأس به .
     أحضر حقيبته المدرسية ، وأخرج منها قلمَ حِبر ، وبعض الأوراق البيضاء . وأخذ يحل الأسئلة بشكل تفصيلي مع وضع شروحات جانبية . وبعد أن انتهى، قرَّر لصق الأوراق على سور المقبرة الخارجي، قريباً من المكان الذي أُلقيت منه ورقة الأسئلة . أحضر الصمغَ من الحقيبة ، وقفز كالقرد على السور ، ثم قفز مرةً أخرى على الشارع ، وسائقو السيارات يَنظرون إليه باستغراب شديد . لكنه لم يعبأ بتلك النظرات ، وألصق الأوراق كما خطَّط مسبقاً ، ومضى إلى حال سبيله .
     وفي اليوم التالي تابعت سهير وزميلاتها خطَّ السير المعتاد . فقد خرجنَ من المدرسة ، ودخلنَ في مواضيع شتى . وكل واحدة تُدلي بِدَلْوها. وعندما اقتربنَ من سور المقبرة ، قالت إحداهن بسخرية :
     _ لا بد أن الموتى قد حَلُّوا أسئلة الرياضيات ! .
     عَرفت سهير أنها المقصودة بهذا الكلام ، فقالت ساخرة :
     _ ولا بد أنهم وَضعوا لي علامةً كاملة بسبب عبقريتي ! .
     وأَطلقت سهير ضحكةً مجلجلة امتزجت مع أسمنت سور المقبرة ، وانتشرت ضحكاتُ البنات كانتشار النار في الهشيم ، لكنها انطفأت بسرعة . وخَمدت الأصواتُ العالية ، ودَبَّ الرعبُ في تفاصيل وجوههن . فقد رأينَ ورقة الرياضيات معلقةً على السُّور . ليس هذا فحسب . بل أيضاً الحلول موجودة إلى جانبها .
     تبادلت البناتُ النظراتِ القاتلة . وكلُّ واحدةٍ راحت تبلع رِيقها ، وأصابعها ترتعش . كانت أوصالهن تغطس في مستنقع عميق ، ورؤوسهن تجدِّف في دُوار شرس .
     اقتربت سهير من الأوراق وهي غير مصدِّقة ، صارت تشكُّ في نَفْسها . هل هذه حقيقة أم أحلام يقظة أم كابوس ؟! . إنها تفرك عينيها . تقرص خدودها لتتأكد أنها ليست نائمة . رَسمت الصليبَ على صدرها ، وأظافرها تَتساقط في الفراغ كالمطر الحامض . اختلط في ذاكرتها منظر السيارات والمحال التجارية والباعة المتجولين والمارَّة الراكضين نحو نهايات الحلم . شَعرت أنها مصلوبة على زجاج السيارات . أفكارٌ غريبة لا رابط بينها هاجَمَتْها في تلك الساعة المخيفة .
     تحسَّست الأوراق مثلما تتحسَّس جسدَ بيانو قديم سيصبح حطباً للموقدة في ليلة خريفية باردة . هَربت صديقاتها من المكان ، وتفرقنَ في الدروب الخشنة . وبقيت وحدها تحدِّق في الأوراق ، وتقرأ الأسئلة والأجوبة ، وتُجيل النظرَ في تفاصيل المشهد الذي بدا خارج الزمان والمكان . وبعد أن انتهت من قراءة كل سطرٍ، مشت إلى بيتها بخطواتٍ ضعيفة. إنها تجرُّ جثتها نحو الهاوية . أطرافُها عكازات من خشب الدهشة ، وذاكرتها بيتٌ للنمل ، ووجهها خيمةٌ تتلاعب بها الرياح الكاسرة . 
     وَصلت سهير إلى بيتها . ودَخلت إلى غرفتها بسرعة . وقد لاحظت الخادمةُ التي فَتحت لها الباب أن وجهها أصفر ، لكنها خافت أن تلقيَ عليها أيَّ سؤال ، أو تَحشر نَفْسها في أمر لا يَعنيها . 
     شَعرت سهير أن وحشاً برأسين يعيش معها في النهار والليل. قالت في نفسها إن الذكرياتِ قنبلة موقوتة مزروعة في أجفانها، ولا بد أن تتخلص منها قبل أن تنفجر . بدت مشوَّشةً إلى أقصى حد . ارتمت على الأريكة . أغمضت عينيها ثم فتحتهما كأنها تفتح صندوقاً مغلقاً منذ قرون . تمنَّت في قرارة نَفْسها لو كان هذا حُلماً عابراً لتستيقظ منه . لكنها عادت لتؤكد لنفسها أن هذا مجرد كابوس ، وسينتهي سريعاً . ولكن كيف سينتهي ؟ . هذا السؤال جعلها تتقلب على الأريكة كالملسوعة .
     قامت مسرعةً نحو عشيقها الأبدي البيانو ، وبدأت تعزف عليه وهي في غاية التوتر . سَمعت والدتها صوتَ البيانو ، فقرعت باب حُجرتها ، وقالت :
     _ تعالَي إلى الغداء يا سهير .
     ردَّت سهير بصوت مخنوق يكاد يقتلع رِئَتَيْها من جذورهما ليرتاح من صخب الجهاز التنفسي :
     _ لا أريد أن أتغدى .
     وبدأت الأسئلةُ العنيفة تنهمر عليها من كل الجهات وتتجاذبها بكل قسوة . أسئلةٌ تهرب من الإجابة الراكضة في الأذهان. وهذه الأنثى الحبيسة في الموسيقى تَذوب في جسدها الذابل . والوساوسُ تَهطل على رأسها الآيل للانفجار .
     وفي اليوم التالي ، كانت المدرسة بأكملها تتحدث عن موضوع سهير . وبدأت الطالبات ينظرنَ إلى سهير باعتبارها قديسة قادرة على التعامل مع الموتى ، واستحضار الأرواح ، لدرجة أن بعض الطالبات صِرْنَ يتمسحنَ بها ، ويُقبِّلنَ يدها.
     وقد صارت سهير تشعر بالإحراج ، وتتهرب من الطالبات . وازداد مَيْلها إلى العُزلة ، وحُب الاختفاء . وبدأت تسأل نَفْسها هل يمكن أن تكون قديسة وهي لا تَعْلم ؟! . إنها تضع الصليبَ في عنقها مُنذ طفولتها ، وتشارك في حفلات الكنيسة ، والعزف على البيانو ، وهي عضو في فرقة الإنشاد والتراتيل . وتذهب إلى الكنيسة بانتظام . فهل هذه سيرة ذاتية مقنعة للحصول على وظيفة قديسة ؟! . كلُّ هذه الهواجس كانت تحترق في صدرها. وبدأت تَشعر أنها غريبة عن نَفْسها ، وأنها قضت عمرها وهي لا تَعرف ذاتها .
     وفي أحد الأيام استدعتها الإدارة وأبلغتها أن الموضوع زاد عن حدِّه ، وأنها لن تَسمح لأمور الشعوذة والكذب أن تنتشر في المدرسة . وقد وجَّهت لها الإدارةُ إنذاراً شديداً ، وأخبرتها بضرورة الامتناع عن نشر القصص الخيالية عن الرياضيات والموتى والقبور ، وإذا استمر الأمر فسوف يتم استدعاء ولي أمرها ، وتسليمه قرار فصل ابنته من المدرسة بتهمة السِّحر والشعوذة . وهكذا بدأ الأمر ينطفئ تدريجياً في المدرسة ، لكنه في نَفْس سهير يزداد اشتعالاً .