03‏/02‏/2020

رواية جبل النظيف / الفصل التاسع

رواية جبل النظيف / الفصل التاسع

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

................

     كانت أمُّ بسام تتجول في وسط البلد من أجل شراء بعض الحاجيات . إنها تتصفح زجاجَ المحلات التجارية كما يتصفح الناسُ الجرائدَ . تَحمل على يدها ابنتها الصغيرة سارة، وترافقها ابنتها الوسطى حورية . لم تترك محلاً تجارياً إلا اقتحمته رغم ضعف الميزانية . ظهر على وجهها علاماتُ الانبهار . فألوانُ السِّلع كانت فاقعةً تستقطب القلوبَ قبل العيون ، والأنواعُ مختلفة تشدُّ الزبائن بكل قسوة . اشترت بعضَ الأشياء الخفيفة ، ومضت إلى أحد محلات العطارة . وما إن رآها أبو شهاب صاحبُ المحل حتى رحَّب بها بحرارة فهي زبونة دائمة ، وقال :
     _ تفضَّلي يا أم بسام ، كيف يمكن أن أخدمك ؟ .
     تلعثمت في الكلام ، وشعرت بأنها متضايقة، وغير قادرة على التعبير عمَّا يَجول في صدرها . فنظرت إلى ابنتها ذات الخمسة عشر ربيعاً ، وقالت :
     _ اذهبي يا حورية إلى محل الأسماك في نهاية الشارع ، واسأليه عن سِعر الكيلو .
     تنفَّست أمُّ بسام الصعداء بعد ذهاب ابنتها ، وقالت بصوتٍ ثابت :
     _ بصراحة ، أُريد خَلْطة تزيد من القوة الجنسية ، وتطيل مدة الجِماع .
     _ الخلطة لكِ أم لزوجك ؟ .
     _ طبعاً لزوجي . أنا مِثْل الفَرَس . لكنْ أبو بسام صار ضعيفاً هذه الأيام ... أكيد حَسَدوه. كان لا ينام ولا يتركني أنام. والآن يا حسرة صار ينام مثل الدجاج.
     _ عندي أعشاب من الصين لمثل هذه المواضيع . ولكني أريد وقتاً لإعداد الخلطة السرية .
     وأردف قائلاً :
     _ وبصراحة يا أم بسام ، الخلْطة مُكْلِفة قليلاً .
     _ كَم يعني ؟ .
     _ ثلاثون ديناراً .
     صُدمت أم بسام عندما سَمعت بالمبلغ ، وأَخرجت منديلاً لتمسح العَرَق عن جبينها. وانعقد لسانُها، وضاعت الأحرف من أبجديتها . وقبل أن تتفوه بأية كلمة ، قال العطار قاطعاً حبل أفكارها الواهي :
     _ صَدِّقيني يا أختي يا أم بسام ، وبدون حَلف ، إن هذا السِّعر فقط للزبائن الدائمين . لا تظني أن أستغلك ، والعياذ بالله . لكن الأعشاب القادمة من الخارج سِعرها نار. وأحب أن أُذكِّرك أن هذه الخلطة تدوم لمدة شهر . وهي فعالة مئة بالمئة، وأنا جَرَّبْتُها على نَفْسي ، والنتائج مذهلة ! .
     رفع هذا الكلامُ معنوياتِ المرأة التي بَدت مصمِّمة على شراء الخلطة بأي ثمن . وقد كان تفكيرها محصوراً في زاوية محددة، فلم تدخل في مفاوضات تخفيض السِّعر. وفي نَفْس الوقت لم تكن تملك المال الكافي، لذا قررتْ أن تعيدَ الأشياء التي اشترتها ، وقالت للعطار :
     _ ابدأْ في إعداد الخلطة ، وأنا سأذهب لكي أعيد ما اشتريتُه . وإذا جاءت ابنتي أثناء غيابي قُل لها أن تنتظرني ولا تتحرك .
     هَزَّ العطارُ رأسَه ، وقال :
     _ كلامكِ على العين والرأس .
     ارتفع الصراخُ في المحل الذي اشترت منه أمُّ بسام ، وكادت أن تشتبك مع البائع بالأيدي. فقد رَفض في البداية أن يعيد لها المالَ ، لأن البضاعة المباعة لا تُرَد ولا تُسْتَبْدَل . لكنه خضع لرغبتها خوفاً من تجمُّع الناس بسبب الصراخ ، وحدوث فضيحة في المحل تُشوِّه سُمعته .
     انتهى العطارُ من إعداد الخلطة . وَضع عليها اللمساتِ الأخيرة . فالحاج أبو شهاب عطَّار من الطراز الأول ، وخبير أعشاب ، ومتخصص في الطب الشعبي . وفي بعض الأحيان تتم استضافته في البرامج التلفزيونية لتوعية الناس بخصائص الأعشاب ، والرد على أسئلة المشاهِدين .
     عادت أم بسام فَوَجدت الخلطة جاهزة ، وموضوعة في كيس ورقي . كما أنها وَجدت ابنتها واقفة . أمَّا أبو شهاب فكان ينتظرها على أحر من الجمر لإعطائها التعليمات ، حيث قال :
     _ ضَعي رُبع ملعقة صغيرة على الطعام ، ولا تزيدي الكمية، ولا تنقصيها. فالزيادةُ تسبِّب الإسهالَ ، والنقصان يُسبِّب الصداعَ .
     دَفعت المرأةُ كلَّ ما تَملك . وكان عليها هي وابنتها أن تنطلقا إلى جبل النظيف سيراً على الأقدام لأنهما لا تَملكان أُجرةَ النقل . مَشَيَتا بسرعة دون النظر إلى واجهات المحال التجارية لأن المفلِس يمر في الأسواق سريعاً . وأثناء الطريق قالت البنت لأُمها :
     _ ما هذه الخلطة التي جَعَلَتْنا نمشي على الأقدام في هذا الحَر ، ولا نَقْدر على ركوب سيارة أُجرة ؟ .
     اشرأبَّ عنقُ المرأة ، وقالت بلهجة الواثق :
     _ هذه الخلطة دَفعتُ فيها دم قلبي .. حياتي كلها تعتمد عليها .
     ثم استدركتْ قائلةً :
     _ أقصد حياتنا ، فهي تزيد من الذكاء والتركيز ، وسوف تحصلون على أعلى العلامات في امتحانات المدرسة .
     قالت البنت بكل بساطة :
     _ ضَعِيها في كل الوجبات التي آكلها لكي أصبح الأولى على الصف .
     ردَّت الأمُّ بسخرية لاذعة :
     _ ستصبحين الأولى على جبل النظيف ، وليس الصف فقط ! .