05‏/02‏/2020

رواية جبل النظيف / الفصل العاشر

رواية جبل النظيف / الفصل العاشر

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

...........

     إن الأحزان تُجرَف مع الصخور والتراب والغبار . وها هُوَ أبو بسام يذوب في الوردية المسائية . وتكسيرُ الحجارة يتم على أضواء الكشَّافات . ورائحةُ المتفجرات المنبعثة من باطن الأرض تشقُّ الجيوبَ الأنفية للعُمَّال الذين يُضحُّون بصحتهم من أجل إطعام عائلاتهم التي تنتظرهم في نهاية يوم شاق .
     كان منظرُ العمَّال يبعث على الأسى . وجوهُهم مملكةُ الغبار والتجاعيد ، وأيديهم المشقَّقة لم يعد فيها مكان للأعصاب أو الإحساس . لقد فَقدوا إحساسَهم بالعناصر المحيطة بهم ، وصاروا رجالاً آليين يتنفسون البارودَ ويأكلون الحصى . وقد حاول أبو بسام تنظيم شؤون العمَّال ، والاعتناء بسلامتهم العامة ، وقادَ أحد الإضرابات ، لكن صاحب الكسَّارة اتَّهمه بأنه شيوعي كافر يرفع شعار " يا عُمَّال العالَم اتَّحدوا " ، فتفرق العمَّالُ مستغفرين الله ، وعادوا إلى أعمالهم ، وصاروا يَنظرون إلى أبي بسام نظرة شَك رغم أنه يَؤمُّهم في الصلاة ! . وكاد صاحبُ الكسارة أن يَطرده من العمل، لكنه آثر الإبقاء عليه بسبب أمانته وخبرته الطويلة .
     عاد أبو بسام إلى بيته كالجثة الهامدة المحمولة على عربة عسكرية تجرُّها العصافيرُ النحيلة . انعكس ضوءُ القمر على الأزقة المعتمة ، وظَهرت الشروخُ في حيطان البيوت مثل ملامح المومياوات القديمة . والهدوءُ المخيف يلتهم الذكرياتِ الأسمنتية . والشبابيكُ الجريحة صارت أزهاراً مسمومة . كلُّ العناصر تنام على فوهة بركان خامد ، ونزيفُ الطرقاتِ اللانهائي يحتفل بالهدوء الذي يَسْبق العاصفةَ.
     _ لماذا لم تنامي يا أم بسام ؟ .
     قال زوجُها القادم من عالَم الصخور والقتلى .
     _ لن أترككَ تنام بدون عَشاء .
     _ صَدِّقيني .. من شدة التعب أتمنى أن أرميَ نَفْسي على الفِراش ، وأغطس في نومٍ عميق لا أخرج منه أبداً .
     _ لا فائدة من هذا الكلام .. اذهب واغسل وجهك ، وسوف تجد الطعام على الطاولة ، وتصبح مثل الحصان .
     مضى الرَّجلُ المذبوح إلى المغسلة أو المقصلة ، ووضع رأسَه تحت صنبور المياه ، ثم انهمر الماء مثل الرصاص الحي . شَعر أنه يُولَد من جديد ، ويستعيد طفولته التي لم يَعِشْها . وكان الماءُ في تلك اللحظة ذاكرةً متجسدة في نشوة الزمن ، وشريطاً سينمائياً يَعرض أحداث العُمر الراكض في الفراغ . هذا العُمر الذي يتدفق في مداراتٍ مجهولة لا هوية لها غير الابتسامات المقهورة ، والأحلامِ المكبوتة .
     جلسَ أمام طاولة الطعام كالطفل الخائف من عقاب أُمِّه . لكنه سُرعان ما تحرَّر من كل قيوده ، وأزاح كلَّ الخواطر عن باله . تحرَّر من جاذبية الحزن والألمِ . ذكرَ اسمَ الله ، وقفز إلى الطعام كسبَّاح يسعى إلى انتشال جثةَ غريقٍ غامضة .
     كانت أمواجُ الخبز تتكسر على صخرة لُعابه ، والمرقُ يَسيل على حوافِّ فمه . هكذا يصبح الإنسانُ رهينةً عند الطعام. تصبح عناصرُ الكائن البشري تابعةً لصوت المعدة واضطرابها . المشي في الطريق الذي تحدِّده الصحونُ . تحتل أشكالُ الصحون أشكالَ البشر . إنه الحلم الغائب في أقاصي الارتعاش الخفي . أضحت الرعشةُ حُلماً وكابوساً في آنٍ معاً .
     أحسَّ أنه في حلبة مصارعة الثيران، وأن الموت قادم في أية لحظة، ومن أية جهة. وها هو الجمهور يستمتع بموت أي كائن ، سواءٌ كان المصارِع أم الثور . المهم أن يموت أحدهما أو كلاهما لكي تصبح متعة الجماهير في أَوْجِها. إنهم يدفعون من أجل مشاهدة الموت القادم ، أو بالأحرى الاستمتاع بالموت .
     انتهى من تناول الطعام . غسلَ يديه بالماء والصابون ، وعاد إلى زوجته وهو يَشعر بنارٍ تتأجج في أعصابه . ازدادت عيناه لمعاناً ، وصار قلبُه بركاناً يضخ البارود في شرايينه المفتوحة على ضوء القمر . نظر إلى زوجته بكل حواسِّه ، وقال بصوتٍ صلب :
     _ لم أنتبه إلى قميص النوم الذي ترتدينه .
     ردَّت زوجته ، وهي تمط كلامَها مَطاً ، وتتعمد الغنجَ :
     _ عقلُك في الطعام .. وليس معي .
     _ يا لَيْت أيام السعادة تعود ، وترجع الذكريات الجميلة .
     _ ضَع يدكَ في يدي لترجع تلك الأيام .. حرام أن نقتل عُمرنا .. نحن سنعيش مرة واحدة فقط .
     ضحك أبو بسام بملء فمه ، وقال :
     _ صرتِ فيلسوفة ! .
     وأردف قائلاً :
     _ هل نام الأولاد ؟ .
     _ ناموا ! .
     ومضى الاثنان إلى فوهة اللهب . كان جسداهما يحترقان في مجرةٍ شديدة الغموض. والدُّخانُ يتصاعد من الأعصاب المتفحمة . وجغرافيا الجسد الواحد المندمجة مع شموع الروح تقضم بقايا الضوءِ الهارب .
     وفي تلك الزاوية المعتمة .. قُرب نهايات الحريق، لَمعت الظلالُ المجروحة . إنهما عَيْنا بسام كانتا تشعان تحت اللحاف. لقد رأى والدَيْه وهما يمارسان الجنسَ. تجمَّدت أطرافُه ، ووقف شَعرُ رأسه . كان يُحدِّق في المشهد متظاهراً بالنوم . رأى اللقطاتِ كلها بالصوت والصورة . أخذ يبكي بحُرقة ، وها هُوَ يصارع نفْسه لكي يخنق دموعَه، ويَدفنها تحت اللحاف. قد سَقطت آخرُ الرايات، وخسرَ آخرَ معاقله.