سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا.له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

30‏/01‏/2026

التأثيرات الإقليمية لاحتجاجات إيران

 

التأثيرات الإقليمية لاحتجاجات إيران

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................

     لم تعد الاحتجاجات في إيران شأنًا داخليًّا محضًا يمكن فصله عن مُحيطه الجُغرافي والسياسي ، بَلْ تحوَّلتْ بِحُكم موقع إيران وثقلها الديمغرافي والعسكري والأيديولوجي ، إلى عامل إقليمي بالغ التأثير . وكُلُّ اهتزاز داخلي في بُنية الدَّولة الإيرانية ينعكس بدرجات مُتفاوتة على توازنات الشرق الأوسط ، حيث تتشابك المصالح ، وتتقاطع الصراعات ، وتُبنَى السياسات على افتراض استقرار أو اضطراب طَهْران .

     إيران ليست دَولةً عادية في الإقليم ، فهي لاعب محوري في ملفات تمتدُّ من الخليج العربي إلى شرق المتوسط ، ومن آسيا الوُسطى إلى البحر الأحمر . نفوذها لا يقوم فقط على قوتها العسكرية أو عدد سكانها ، بَلْ أيضًا يقوم على شبكة مُعقَّدة من التحالفات والأذرع السياسية والعسكرية العابرة للحدود . لذلك ، فإنَّ أيَّة احتجاجات واسعة النطاق تهزُّ الداخل الإيراني تضع هذا الدَّوْرَ موضع تساؤل ، وتفتح البابَ أمام إعادة حِسابات إقليمية شاملة .

     أحد أبرز الانعكاسات الإقليمية لاحتجاجات إيران يتمثل في وضع حلفاء طهران . هذه القُوى _ سَواءٌ كانتْ دُوَلًا أو حركات سياسية ومُسلَّحة _ تعتمد بدرجات مُختلفة على الدعم الإيراني المالي أو السياسي أو العسكري . وفي حال تصاعدت الاحتجاجات ، فإنَّ القيادة الإيرانية سوف تُضْطَر إلى إعادة ترتيب أولوياتها ، وهذا سَيُؤَدِّي إلى تقليص الموارد المُخصَّصة للخارج لصالح تثبيت الداخل .

     هذا الواقعُ يصنع قلقًا متزايدًا لَدى الحُلَفاء ، ويَدفع بعضَهم إلى البحث عن بدائل ، أوْ تعزيز استقلاليتهم السياسية والعسكرية . وفي حالات أُخرى ، قد تسعى هذه الأطراف إلى تشديد قبضتها الداخلية خشية انتقال عَدوى الاحتجاج، خاصَّة أنَّ الخِطاب الاحتجاجي في إيران يَحمِل في طَيَّاته رسائل في غاية الأهمية والخطورة، مثل المُطالبة بالعدالة الاجتماعية ، ومُساءلة السُّلطة ، ورفض الفساد .

     احتجاجات إيران لا تُقْرَأ فقط من زاوية الصراع بين السُّلطة والمُعارَضة ، بَلْ مِن زاوية رمزية أعمق ، فهي تبعث برسائل قوية مُفَادها أن الدَّولة القوية أمنيًّا ليست بِمَنأى عن الغضب الشعبي ، وأنَّ الشرعية لا يُمكِن أن تقوم إلى الأبد على القمع ، أو الخِطابِ الأيديولوجي وحده .

     السيناريوهات المستقبلية لاحتجاجات إيران متعددة ، وكُلٌّ مِنها يحمل تأثيرات إقليمية مُختلفة . واستمرارُ الاحتجاجات دون تغيير جذري قد يُؤَدِّي إلى إنهاك داخلي يحدُّ من قُدرة إيران على المُبادرة الخارجية . أمَّا نجاح السُّلطة في احتوائها بالقوة أو بالإصلاح الجُزئي ، فقد يُعيد إنتاجَ الاستقرار ، لكنْ بثمن سياسي واجتماعي أعلى ، مِمَّا يَجعل أيَّ استقرارٍ هَشًّا وقابلًا للانفجار مُجَدَّدًا .

     في المُقابل ، فإنَّ أيَّ تحوُّل سياسي عميق داخل إيران _ مهما كان شكله _ سيعيد رسمَ خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط ، ورُبَّما يفتح البابَ أمام مرحلة جديدة تَتغيَّر فيها أولويات الصراع مِنْ مَنطق الهَيمنة الإقليمية إلى مَنطق التَّنمية والاستقرار الداخلي .

27‏/01‏/2026

التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

 

التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     يَقُومُ التشاؤمُ الوُجودي على رُؤيةٍ فلسفية تَتَّسم بالشُّكوكِ العميقة حَوْلَ مَعنى الحياةِ ، ووجودِ الإنسانِ في هذا العَالَم .

     يُعَدُّ أبو العَلاء المَعَرِّي ( 363 ه _ 449 ه / 973 م _ 1057 م ) واحدًا مِنْ أعظمِ شُعراءِ وفَلاسفةِ العَصْرِ العَبَّاسي ، وله بَصْمة فِكرية واضحة في الأدبِ العربيِّ والفلسفةِ .

     كانَ المَعَرِّي شخصيةً مُتفرِّدة في تفكيره ، فَقَدْ عُرِفَ عَنْد تَمَرُّدُه على الواقعِ ، وَرَفْضُه للأنظمةِ الاجتماعية التقليدية التي كانتْ تَحْكُم مُجْتَمَعَه . وفلسفته التشاؤميةُ تأثَّرَتْ بشكلٍ كبير بحياته المَليئةِ بالمُعاناةِ ، على الصَّعِيدَيْن الشخصي والثقافي .

     فَقَدَ المَعَرِّي بَصَرَه في سِن مُبكِّرة ، فكانتْ مُعاناته الجسدية والروحية سببًا رئيسيًّا لتشكيلِ نَظْرته العميقةِ والمُتشائمة تجاه الحياة . في شِعْره وأدبه ، نَجِدُ أنَّه يَتأمَّل في مَصيرِ الإنسانِ ، ويُعبِّر عَنْ يأسِه مِنَ الحياة ، ويُشيد بالمَوْتِ ، ويَعْتبره نِهايةً مأمونة مِنَ الألمِ والضَّياع . وَالحياةُ _ بالنِّسْبةِ إلَيْه _ سِلْسلة مِنَ المُعاناةِ التي لا تَنْتهي ، والإنسانُ يعيشُ في صِراعٍ مُستمر معَ نَفْسِه ، ومعَ الواقعِ الذي لا يَرْحَم . وَهُوَ يَرى الحياةَ طريقًا مَسْدودًا ، لا شَيْء فيه سِوى الهُمومِ والآلامِ التي لا مَفَرَّ مِنْها . والمَعَرِّي يُعَدُّ بذلك رمزًا للتشاؤمِ الوُجوديِّ في الأدبِ العربيِّ ، حَيْثُ يُقَاوِمُ بِشِدَّةٍ مفاهيمَ السعادةِ والخُلودِ في الحياة .

     الفَيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ( 1788 م _ 1860 ) يُعْتَبَر أحدَ أبرزِ مُمَثِّلي التشاؤم الفلسفيِّ . وَهُوَ يَعتقد أنَّ الحياة في جَوْهرها تَتَّسم بالألمِ والمُعاناة ، وأنَّ الوجودَ البشري مَحكومٌ بالألمِ المُستمر. وَقَدْ وَضَّحَ في كِتاباته كَيْفَ أنَّ الإنسان يَتمنَّى بشكلٍ دائم أنْ يَتحقق مُرادُه ، لكنَّه في النِّهاية يُصاب بالخَيبة ، فالرغباتُ لا تَتوقَّف ، وأيُّ إشباعٍ للرَّغْبة يَعْقُبُه شُعورٌ آخَر بالنقص .

     يَعْتبر شوبنهاور الحياةَ ساحة صِراعٍ دائم بَيْنَ الإرادةِ والواقعِ . فالإرادةُ البشرية لا تَشْبَعُ أبدًا ، وكُلُّ رَغْبةٍ يَتِمُّ تحقيقُها تَقُود إلى ألمٍ جديد ، وهذا الألمُ لا يَنتهي إلا بالمَوْت . إذًا ، المَوْتُ هُوَ النِّهاية الوحيدة التي تضعُ حَدًّا لهذه المُعاناة المُستمرة . هذا التشاؤمُ الوجوديُّ الذي يَراه شوبنهاور في حياته لا يَتعلَّق فَقَط بالمُعاناةِ الفَرْدية ، بَلْ يَمتدُّ لِيَشملَ الكَوْنَ بِرُمَّتِه ، الذي يَراه مليئًا بالعبثية .

     تأثَّرَ شوبنهاور بالفَلسفةِ الهندوسيةِ والبُوذية ، حَيْثُ يَعتقد أنَّ الحَلَّ الوحيد لتجاوزِ هذه المُعاناة هُوَ الانسحاب مِنَ الحياة مِنْ خِلال مُمارسةِ الزُّهْدِ والتَّأمُّلِ العميق ، ولكنْ ، حتى في هذا الحَلِّ ، يَبْقى السُّؤالُ قائمًا : هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَتخلَّص فِعْلًا مِنْ هذه الإرادةِ التي تَسْحبه نَحْوَ الألمِ ، أَمْ أنَّ الإنسانَ مَحكومٌ بالمأساةِ الوُجوديةِ إلى الأبد ؟ .

     رَغْمَ الفُروقِ الجُغْرافيةِ والفِكرية بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور، فإنَّ هُناك نِقاطًا مُشتركة بَينهما في تَصَوُّرهما للعَالَم. كِلاهُما يُشكِّك في قِيمةِ الحياةِ ، ويَعْتبرها مَليئةً بالمُعاناة . المَعَرِّي يَرى الحياةَ مَليئةً بالتفاهةِ والألم ، ويُشدِّد على فِكرةِ المَوْتِ كَحَلٍّ وحيد للانتهاء مِنَ الألم . أمَّا شوبنهاور ، فَيَرى أنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بالعَجْزِ والفشل ، ويَعكِس ذلك في فلسفته عن الإرادةِ والشَّهوةِ التي لا تَنتهي.

     كذلك ، نَجِدُ في فِكْرِ المَعَرِّي وفَلسفةِ شوبنهاور رفضًا واضحًا للمثاليةِ التي تُقَدِّمُها الأديانُ أو الأنظمةُ الاجتماعية . المَعَرِّي يَرفضُ المُعْتَقَدَاتِ الدينية السائدة في عَصْرِه ، ويُظْهِر في أعماله شُعورًا بالعَدَمِيَّة تجاه هذه المُعْتَقَدَات . وشوبنهاور ينتقد الأديانَ ، حَيْثُ اعتبرَ أنَّ الوَعْدَ بالخَلاصِ الدِّينيِّ هُوَ وَهْمٌ ومَلاذٌ للتَّهَرُّبِ مِنْ مُواجهةِ حقيقةِ المُعاناة .

     وعلى الرَّغْمِ مِنْ هذه التشابهات ، هُناك فَرْقَ جَوْهري بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور في تفسيرِهما للألَمِ والوُجودِ . المَعَرِّي يَرى في المَوْتِ نِهايةً مُريحة للمُعاناة ، لذلك يَعْتبره جُزْءًا مِنْ دَورةِ الحياةِ الطبيعية ، بَينما شوبنهاور يَرى في الألَمِ جُزْءًا مِنْ طبيعةِ الحياةِ التي لا يُمكِن الهُروب مِنها بشكلٍ كامل إلا عَنْ طريقِ رفض الرَّغَبَاتِ ، والعَيْشِ في حالةٍ مِنَ الزُّهْدِ ، أو الانسحابِ التام مِنَ الواقع .

     يَلْتقي المَعَرِّي وشوبنهاور عِنْدَ مُفْتَرَقِ التشاؤمِ الوُجوديِّ ، بِوَصْفِهِ مَوقفًا مَعْرفيًّا مِنَ العَالَمِ . فالحياةُ عِندهما تَجْرِبة مُثْقَلَة بالألمِ ، والعقلُ مِرْآتها الصافية التي تَكشِف خِدَاعَ اللذةِ ، وَوَهْمَ الخَلاصِ السَّهْلِ . إلا أنَّ المَعَرِّي _ ابن العُزلةِ والزُّهْدِ _ يَرى التشاؤمَ ثَمَرَةَ وَعْيٍ أخلاقيٍّ صارم ، إذْ يُخَاصِم العَالَمَ لا لِيَهْدِمَه، بَلْ لِيُحاكمه بِلُغَةِ الشَّكِّ، فَيَنتهي إلى التَّقَشُّفِ الذي يُخفِّف أذى الوُجودِ بالانصرافِ عَنْه . أمَّا شوبنهاور فَيُؤسِّس تشاؤمه على ميتافيزيقا الإرادةِ العَمْياء، حَيْثُ الألَم قانون كَوْني ، والرَّغْبَة أصْلُ الشقاء ، ولا مَفَرَّ إلا بِتَعليقِ الإرادةِ عَبْرَ الفَنِّ والتَّأمُّلِ .

     ويَتقاطعُ المَعَرِّي وشوبنهاور في نقدِ التفاؤلِ الساذَجِ ، وتَعْريةِ خِطابِ السَّعادةِ السريعة . المَعَرِّي يُقَوِّضُ مُسلَّمات عَصْرِه بالشِّعْرِ ، ويَسْتبدل اليقينَ بالتساؤل، بَينما يُشيِّد شوبنهاور نَسَقًا فلسفيًّا صارمًا يَجْعل التشاؤمَ نتيجةً مَنطقية للمَعْرفة . وكِلاهُما يَرفضُ التصالحَ السَّهْلَ معَ العَالَم ، ويَقْترح بَدَلًا مِنْه تهذيبًا للوَعْي . وهَكذا يَغْدو التشاؤمُ الوجوديُّ عِندهما فضيلةً فِكرية لا هُروبًا .

     إنَّ الألمَ جُزْءٌ مِنَ الحياة ، لكنَّ الأملَ يَكْمُن في قُدرةِ الإنسانِ على التفكير ، والنَّقْدِ ، والتحليل ، حَتَّى وإنْ كانَ في مُواجهةٍ معَ المُعاناةِ الوُجودية التي لا مَفَرَّ مِنها .

15‏/01‏/2026

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

 

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................


     يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية ، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات . وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام  ( 188 ه _ 231 ه / 803 م _ 845 م ) ، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت ( 1888 م _ 1965 م ) . وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن ، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة ، والأفكارِ المُعقَّدة ، والعواطفِ المُكثَّفة .

     أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي ، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري ، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة ، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها . وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ ، والتجديدِ في الصُّوَرِ ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي ، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية .

     اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية ، مِثْلَ : الليل ، والقَمَر ، والرِّيح ، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية ، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة. الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي ، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي ، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة . كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية ، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا ، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة ، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط .

     وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد،مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي ، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية ، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة . هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى ، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي .

     على الجانبِ الآخَرِ مِنَ التاريخِ والجُغرافيا، يَبْرُزُ تي إس إليوت شاعر الحَداثةِ في القرنِ العِشرين،الذي شَكَّلَ رمَزيةً شِعريةً مُعقَّدة ، تَنْبُعُ مِنْ صِراعِ الإنسانِ الحديثِ معَ زَمَنِه ، واغترابِ الرُّوحِ عَنْ عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ بِسُرعة . في أعمالِه نَجِدُ رَمزيةً مُتعددةَ الطَّبَقَاتِ ، حَيْثُ تتشابكُ الأساطيرُ القديمةُ معَ الواقعِ الحديثِ، وتَختلِط اللغةُ اليَوميةُ بالشِّعْريةِ الكلاسيكية، ويُولَد المَعْنى مِنْ تَصَادُمِ الأزمنةِ ، وتُصْبحُ الأمكنةُ جُسورًا للذكرياتِ والحِكايات ، ويتشابكُ الماضي مع الحاضرِ في هَمْسٍ صامت .

     اعتمدَ إليوت على الرُّموزِ لِيَعْكِسَ أزْمَةَ الإنسانِ الحديث ، مُستخدمًا صُوَرًا مألوفةً ومُعَاصِرَةً : المَدينة ، والخَرَاب ، والمَاء ، والرُّمُوز الدِّينية والأُسطورية . ومِنْ خِلال هذا التداخلِ بَيْنَ الرَّمزيِّ والواقعيِّ، صَنَعَ إليوت شُعورًا بالاغترابِ والحَنينِ ، وأتاحَ للقارئِ مَساحاتٍ واسعة للتأويلِ والتَّفْسيرِ ، وهَذا جَعَلَ النَّصَّ الشِّعْرِيَّ غنيًّا ومُتَعَدِّدَ الأبعادِ .

     وعَلى غِرَارِ أبي تَمَّام ، لَمْ يَكُنْ إليوت مُقَيَّدًا بالأُسلوبِ التقليدي ، بَل ابتكرَ أشكالًا جَديدةً مِنَ القَصيدةِ المَقْطعية ، وَدَمَجَ بَيْنَ الشِّعْرِ النَّثْرِيِّ والمُوسيقى الداخليَّةِ للكَلِمات ، مِمَّا أتاحَ له تَوظيف الرُّموزِ بشكلٍ أكثر تعقيدًا وحَداثة ، لِتُصبح تَجْرِبة القِراءةِ مُغَامَرَةً فِكْرِيَّة وجَمَالِيَّة .

     رَغْمَ الفارقِ الزمنيِّ والثقافيِّ بين أبي تَمَّام وإليوت ، إلا أنَّ هُناك نِقاطًا مُشترَكة في رُؤيتهما للشِّعْرِ الرَّمزيِّ :

     1_ التركيز على الرُّموزِ المُعقَّدة : كِلا الشاعرَيْن يَستخدمُ الرُّموزَ لَيْسَ فَقَط للزِّينةِ أو الوَصْفِ، بَلْ لِتَوصيلِ طَبَقَاتٍ مِنَ المَعْنى العَميقِ ، سواءٌ كانَ ذلك أخلاقيًّا وفلسفيًّا عِندَ أبي تَمَّام ، أوْ نَفْسِيًّا واجتماعيًّا عِندَ إليوت .

     2_ التَّجديد الأُسلوبي : أبو تَمَّام وَسَّعَ حُدودَ القصيدةِ العربيةِ التقليدية ، وإليوت كَسَرَ نَمَطَ القصيدةِ التقليديةِ الأُوروبية ، وابتكرَ تِقنيات الحداثة .

     3_ التفاعل مع القارئ : الرَّمزية عِندهما لَيْسَتْ أُحاديةَ البُعْدِ ، بَلْ تَتطلَّب مِنَ القارئِ المُشاركة الفِكرية والعاطفية لفهمِ المَعاني المَخْفِيَّة .

     أمَّا الفارقُ الأبرز ، فَهُوَ في طبيعةِ الرَّمزيةِ نَفْسِها . يَمِيلُ أبو تَمَّام إلى الرَّمزيةِ الجَمَالِيَّةِ والفِكريةِ المُرتبطةِ بالقِيَمِ العَرَبيةِ والإسلاميةِ ، بَيْنَما يَتَّجِه إليوت نَحْوَ الرَّمزيةِ التي تَعكِس أزمةَ الإنسانِ الحديثِ وتناقضاته ، مُستفيدًا مِنَ التاريخِ والأُسطورةِ والثقافة الغَرْبية .

     إنَّ التَّجديدَ الشِّعْري الرَّمْزي لَيْسَ تِقنيةً فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا فِعْلٌ وُجودي ، وَسَعْيٌ لإعادةِ تَشكيلِ اللغةِ كَيْ تَعْكِسَ أبعادَ الوَعْيِ البَشَرِيِّ . أبو تَمَّام يَستخدمُ الرَّمْزَ لِتَوسيعِ فَضَاءَاتِ الجَمَالِ والتأمُّلِ ، وإليوت يَسْتخدمُ الرَّمْزَ لِتَحليلِ الذاتِ والوُجودِ . وَالقاسمُ المُشترَكُ بَيْنَهما هُوَ القُوَّةُ التَّحْويلية للكَلِمَة التي تَتجاوزُ الصَّوْتَ والمَعْنى المُباشر،لِتَصيرَ وسيلةً لاستكشافِ الإنسانِ والزمانِ والمَكانِ. والتَّجْرِبةُ الشِّعْريةُ لِكُلٍّ مِنهما تُمثِّل حالةً فريدةً مِنَ التَّجديد،حَيْثُ استطاعا بفضلِ الرمزيةِ أنْ يُضِيفا عُمْقًا وثَرَاءً للنَّصِّ الشِّعْرِيِّ ، ويَفْتَحَا آفاقًا جديدةً أمامَ القارئِ للتفكيرِ والتأمُّل . وَسَوْفَ يَظَلُّ الشِّعْرُ الرَّمزيُّ جِسْرًا بَيْنَ الثقافات ، وَوَسيلةً خالدةً للتَّعبيرِ عَن الرُّوحِ الإنسانيَّةِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها وجَمَالياتها .

12‏/01‏/2026

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

 

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     تُعَدُّ العلاقاتُ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في السياسة الدولية خِلال العُقود الأخيرة . ومُنذ قِيام الثورة الإيرانية عام 1979 ، لَمْ تَنْفَك هذه العلاقة عن التوترات والاختلافاتِ العميقة ، سواءٌ على المُستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي . لكنْ ، في الآونة الأخيرة ، ومعَ تَصاعُد التظاهرات الشعبية في إيران ضِد النظام الحاكم ، قد تكون هُناك مَخاوف وتحليلات : هل تستغل أمريكا هذه المُظاهرات كَفُرصة لتوجيه ضَربة عسكرية لإيران ؟ .

     شهدتْ إيران في السنوات الأخيرة مَوجات مُتتالية من الاحتجاجات الشعبية ، كانَ أبرزها تِلْكَ التي اندلعتْ في عام 2022 ، احتجاجًا على وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني عَقِب إلقاء القبض عليها مِنْ قِبَل شُرطة الأخلاق التي تَتْبَع الحُكومة الإيرانية ، والتي تَحوَّلتْ إلى تظاهرات شعبية واسعة النطاق مُطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية . وَقَدْ عَبَّرَتْ هذه الاحتجاجات عن سخط واسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الإيراني ، خاصَّة في ظِلِّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والعقوبات الدولية المُستمرة .

     السياسة الأمريكية تجاه إيران محكومة بالعديد من العوامل الإستراتيجية ، ويُعتبَر البرنامج النووي الإيراني أولوية أساسية في السياسة الأمريكية في المنطقة . واشنطن تَرى في هذا البرنامج تهديدًا لأمنها القومي ولأمنِ حُلفائها ، خاصَّة إسرائيل . لذلك ، كانتْ أمريكا تعمل على احتواء إيران مِنْ خِلال العقوبات الاقتصادية والضغطِ الدُّبلوماسي ، كما سَعَتْ إلى تَحجيم نفوذها في المنطقة ، سواءٌ عبر دعم الحُلفاء أوْ مِنْ خِلال تدخلاتها العسكرية المُباشرة في بعضِ الأحيان كما حدث في العِراق وسُوريا .

     والأوضاعُ على الأرض في إيران ، وخاصَّة المُظاهرات الشعبية، قَدْ تُوفِّر لأمريكا فُرصة لاستغلال الاضطرابات الداخلية لصالحها . وَمِنَ المعروف أن التظاهرات في إيران غالبًا ما تَترافق مع دعوات لتحسين الأوضاع الاقتصادية ، إضافة إلى تَنديد بقمع الحريات وحُقوق الإنسان مِنْ قِبَل النظام الإيراني . وهذه الظروف يُمكِن أنْ تُشكِّل ضغطًا داخليًّا على الحكومة الإيرانية .

     أمريكا كانتْ قَدْ فكَّرت في إمكانية توجيه ضَربة عسكرية إلى إيران مِرَارًا ، سواءٌ في عهد الرئيس جورج بوش الابن عندما كان برنامج إيران النووي في ذروته ، أوْ حتى في عهد الرئيس باراك أوباما الذي اكتفى في نهاية المطاف بالمسار الدُّبلوماسي المتمثل في اتفاقية " خطة العمل الشاملة المشتركة " ( الاتفاق النووي الإيراني 2015 ) . لكنَّ التحولات في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة قد تعيد طرح هذا الخيار مَرَّةً أُخْرَى ، خاصَّة في ظِلِّ التوترات المُتزايدة بين طهران وواشنطن .

     إدارة الرئيس دونالد ترامب _ على سبيل المثال _ انسحبتْ من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 ، وزادتْ من الضغوط على إيران عبر سياسة الضغوط القُصوى ، التي استهدفت الاقتصاد الإيراني من خِلال فرض عقوبات مُشدَّدة ، كما قُوبلَ اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سُلَيْماني في يناير 2020 بتنديد واسع من طهران ، مِمَّا زاد من تعقيد العلاقة بين البلدين . إلا أن الوضع الحالي ، ومع انشغال أمريكا في قضايا أُخرى مثل التوترات في أوكرانيا ، والتحديات الاقتصادية الداخلية ، يَطرح تساؤلات جديدة حول ما إذا كانتْ واشنطن مستعدة لاتخاذ خُطوة عسكرية ضد إيران .

    مِن الناحة الإستراتيجية،هُناك مجموعة من العوامل التي تجعل من الضَّربة العسكرية خيارًا مَحفوفًا بالمخاطر:

     1 _ المخاطر العسكرية : أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي حتمًا إلى تصعيد هائل في المنطقة ، ويُهدِّد باندلاع صراع إقليمي واسع . إيران تتمتع بِقُدرات عسكرية قوية ، خاصَّة في مجالات الحرب بالوكالة ، حيث تُدير شبكة واسعة من الفصائل المُسلَّحة في العراق ولبنان واليمن . هذه الميليشيات يُمكِن أن تُنفِّذ هجمات انتقامية ضد مصالح أمريكية أو حُلفاء واشنطن في المنطقة .

     2 _ ردود الفِعْل الدولية : قَدْ تُؤَدِّي أيَّة خُطوة عسكرية ضد إيران إلى تصعيد الأزمة في الشرق الأوسط بشكل يُعمِّق انقسامات المجتمع الدولي . هُناك دُوَل مِثْل روسيا والصين التي تدعم إيران سياسيًّا واقتصاديًّا ، وقد تُعارض أيَّ تدخُّل عسكري أمريكي ، كما أن العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا قد يكونون حَذِرين من اتخاذ هذا النوع من الإجراءات ، نظرًا لتداعياته السلبية على الاستقرار الإقليمي .

     3_ المصالح الاقتصادية : تمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز ، وأي تصعيد عسكري قد يُؤَدِّي إلى إغلاق مضيق هرمز ، الذي يُعتبَر شِريانًا رئيسيًّا لتجارة النفط العالمية . هذا قد يُسبِّ قفزات حادَّة في أسعار النفط ، مِمَّا يُؤَثِّر بشكل غير مباشر على الاقتصاد العالمي ، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي .

     لا يُمكِن الجزم بأن أمريكا سوف تستغل المظاهرات كذريعة لضربة عسكرية ، لكنْ لا شك أن واشنطن قد تستغل هذه الاحتجاجات كأداة ضغط سياسي على النظام الإيراني . التظاهرات في إيران تشير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي ، وهذا قد يكون بِمَثابة فُرصة لأمريكا لتعزيز الدعم السياسي لِمُعارضي النظام الإيراني داخل البلاد . وهذا يشمل دعم الحركات السياسية المُعارضة ، أو زيادة الضغط على النظام مِن خِلال عقوبات اقتصادية إضافية .

09‏/01‏/2026

مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

 

مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     يُعْتَبَرُ المَدِيحُ في الأدبِ شُعاعًا مُضيئًا يَكشِف طُموحاتِ الشُّعَراءِ وَقِيَمَ المُجتمعِ الذي يَعيشون فيه ، فَهُوَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تَصْطَفُّ على السُّطورِ لِتَجميلِ اسْمِ شَخْصٍ ، أوْ رَفْعِ مَقَامِه ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ تَعكِس فلسفةَ الحياةِ، وَمَوازينَ الجَمالِ والأخلاقِ التي يُقَدِّرُهَا الشاعر. والمَدِيحُ قَدْ أَخَذَ أشكالًا مُتباينة بَيْنَ الثقافاتِ والأزمنةِ، وكانَ لِكُلِّ شاعرٍ رُؤيته الخاصَّة التي تَعكِس شخصيته وبيئته الثقافية والفِكرية .

     في الشِّعْرِ العَرَبيِّ الكلاسيكي ، كانَ البُحْتُرِيُّ ( 206 ه _ 284 ه / 821 م _ 897 م ) مِنْ أبرزِ شُعراءِ المَديح. اتَّسَمَتْ أشعارُه بِدِقَّةِ اللغةِ، وعُمْقِ المَشاعرِ، وبَلاغةِ التَّصويرِ. بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، لَمْ يَكُن المَديحُ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تُزيِّن الحاكمَ أو الأميرَ ، بَلْ كانَ فَنًّا راقيًا يُبْرِزُ القِيَمَ الاجتماعيةَ والأخلاقية للمَمْدُوح . في مَدائحِه ، نَجِدُ صُورةَ الشاعرِ كَمُرَاقِبٍ للفضائل ، يَنْقُلُها بِلُغَةٍ شِعْرية تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّقَّةِ والفَخْرِ والاعتزاز ، وَيُبْرِزُ مِنْ خِلالِها البُطولةَ والشجاعةَ والكَرَم .

     البُحْتُرِيُّ يَرى في المَديحِ وَسيلةً لإعلاءِ شأنِ القِيَمِ الإنسانيةِ النبيلة ، فَهُوَ يَعكِس الدَّوْرَ الاجتماعيَّ للشاعرِ كَوَسيطٍ بَيْنَ الحُكَّامِ والمُجتمعِ . فالشاعرُ _ مِنْ خِلالِ المَديحِ _ يُصْبحُ شاهدًا على التاريخِ ، وَمُوَثِّقًا للأفعالِ العظيمة ، وَصَوْتًا يُخلِّد أسماءَ المَمْدُوحين في ذاكرةِ الأجيال .

     واللغةُ عِنْدَ البُحْتُرِيِّ لَيْسَتْ أداةً فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا آلَةٌ دَقيقة لإيصالِ الإحساسِ بالرَّهْبْةِ والجَلالِ، واستحضارِ الصُّوَرِ التي تُبهِر القارئَ أو المُستمِعَ، فَتَجْعَل مِنَ المَديحِ تَجْرِبَةً فَنِّيةً مُتكاملة، تُلبِس المَعْنى ثَوْبًا مِنَ الإيقاعِ والخَيَالِ ، فَتَغْدو القَصيدةُ فِعْلًا إبداعيًّا يُخَاطِبُ الحِسَّ والعَقْلَ .

     في الشِّعْرِ الإنجليزيِّ ، نَجِدُ تَجْرِبَةً مُختلفةً معَ المَديحِ عِندَ جون ميلتون ( 1608 م _ 1674 م ) ، شاعر الثَّورةِ الفِكرية والدينية في القَرْنِ السابعِ عَشَر . بالنِّسْبَةِ إلَيْه ، المَديحُ لَيْسَ وَسيلةً لِتَمجيدِ الحاكمِ بشكلٍ مُباشِر ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ تأمُّلِيٌّ يَعكِس القِيَمَ العُلْيا والعَدالةَ والحُرِّيةَ الرُّوحية . وَهُوَ يَرى أنَّ المَديحَ يُمكِن أنْ يَكُون أداةً أخلاقية وفلسفية ، يَتجاوزُ حُدودَ السُّلْطةِ السِّياسية ، لِيُصْبحَ رِسالةً للتَّأمُّلِ والوَعْيِ ، وَهُوَ يَمْدَحُ القِيَمَ الكَوْنِيَّةَ والجَمالَ الأخلاقيَّ، وَيَحُثُّ القارئَ على التَّفَكُّرِ في العَلاقةِ بَيْنَ الإنسانِ والخالقِ ، بَيْنَ الحَقِّ والباطلِ ، بَيْنَ الطُّموحِ والسُّقوطِ. وهُنا ، يُصْبحُ المَديحُ أداةً تَحْريرية أكثرَ مِنْ كَوْنِهِ وَسيلةً لِتَلميعِ الشخصيات ، وَهُوَ يَعكِس تَحَرُّرَ الشِّعْرِ مِنْ قُيودِ المُجامَلةِ السِّياسيةِ لِيُصْبحَ صَوْتًا أخلاقيًّا وفِكريًّا .

     رَغْمَ أنَّ البُحْتُرِيَّ وميلتون عاشا في بيئاتٍ ثقافية مُختلفة تَمامًا ، إلا أنَّ المَدِيحَ عِنْدَ كُلٍّ مِنهُما يَعكِس رُؤيةَ الشاعرِ للعَالَمِ والإنسانِ . البُحْتُرِيُّ يُمجِّد الفَرْدَ كَرَمْزٍ للقِيَمِ المُجتمعية ، ويَسْتثمر في جَمالِ اللغةِ وَصُوَرِها لِتَخليدِ أفعالِ المَمدوحِ ، بَيْنَما ميلتون يَمْدَحُ القِيَمَ نَفْسَها ، ولَيْسَ بالضَّرورةِ الأشخاص، وَيَسْتخدم المَديحَ كَوَسيلةٍ تأمُّلِيَّة تَتجاوزُ الفَرْدِيَّةَ لِتَصِلَ إلى المُثُلِ العُلْيا والعَدالةِ الإلهيَّة .

     يُعبِّر البُحْتُرِيُّ عَن المَديحِ في بُعْدِه الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، في حِينَ أنَّ ميلتون يُعبِّر عَن المَديحِ في بُعْدِه الأخلاقيِّ والفلسفيِّ . وهذا يَعكِس الفَرْقَ بَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على المُجامَلةِ ، وَبَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على الحُرِّيةِ الفِكرية . إلا أنَّ القاسمَ المُشترَك بَينهما هُوَ قُدرة الشِّعْرِ على رَفْعِ الإنسانِ إلى مَا هُوَ أسْمَى ، سَواءٌ مِنْ خِلالِ صُوَرِ البُطولةِ والشجاعةِ عِندَ البُحْتُرِيِّ ، أوْ مِنْ خِلالِ التأمُّلِ في الفَضيلةِ والعَدالةِ عِندَ ميلتون .

     إنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ ثقافية وفلسفية ، تَعكِس القِيَمَ التي يُقَدِّرُها الشاعرُ والمُجتمعُ معًا . وَبَيْنما يُركِّز البُحْتُرِيُّ على الأبعادِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ للشخصياتِ المَمْدوحة ، يُسلِّط ميلتون الضَّوْءَ على البُعْدِ الأخلاقيِّ والفلسفيِّ للمَديحِ . وهكذا نَجِدُ أنَّ المَديحَ قَدْ يَتحوَّل مِنْ وَسيلةٍ سِياسية إلى رسالةٍ إنسانية ، وَمِن احتفاءٍ بالمَظْهَرِ الخارجيِّ إلى تَمجيدٍ للجَوْهَرِ الداخليِّ، لِيَظَلَّ الشِّعْرُ دائمًا أداةً لإلهامِ الإنسانِ ، وإثراءِ رُوحِه .

     والبُحْتُرِيُّ في إطارِ الأدبِ العَرَبيِّ ، يُجسِّد المَديحَ كوسيلةٍ للتَّكريمِ الاجتماعيِّ والشخصيِّ . وميلتون في إطارِ الأدبِ الإنجليزيِّ ، يَستعمل المَديحَ كأداةٍ للتفكيرِ في المسائلِ الكَوْنِيَّةِ والوُجوديةِ . وَيَتلاقى الشاعران في جَمالِ التَّعْبيرِ وقُوَّةِ الصُّورةِ ، وَيَظَلُّ الفارقُ بَيْنَهما في المَعْنى الذي يُضْفِيانه على هَذه الأداةِ الشِّعْرية . والمَدِيحُ لَيْسَ كَلِمَات مَدْحٍ عابرة ، بَلْ هُوَ تعبيرٌ حَيٌّ عَنْ رُؤَى وَمُعْتَقَدَاتِ الشُّعوبِ ، وَلِكُلِّ شاعرٍ مَعاييرُه الخاصَّة في رَسْمِ هذا المَعْنى .

     عِندَ البُحْتُرِيِّ ، المَديحُ فَنُّ السَّيطرةِ على اللحْظَةِ ، والمَمدوحُ يَتقدَّم في القصيدةِ مَهِيبًا مُكْتَمِلًا بِلا عُيوبٍ ، والمَديحُ هُنا إيمانٌ بالجَمالِ حِينَ يَخْدُمُ القُوَّةَ ، واحتفالٌ باللغةِ حِينَ تَنْجَحُ في إخفاءِ هَشَاشَةِ الواقعِ . أمَّا ميلتون ، فَيَكتبُ المَديحَ وَهُوَ يَنظُر إلى الإنسانِ العاديِّ ، لا يُمجِّد الكَمَالَ ، بَلْ يُحَاكِمُ النَّقْصَ . مَديحُه لَيْسَ تَمْجيدًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اعتراف ، وَصَرْخَةُ رُوحٍ تَطْلُبُ الغُفْرَانَ ، وتَبْحَثُ عَنْ مَعْنى الخَلاصِ . في مَديحِ البُحْتُرِيِّ طُمَأنينةُ السُّلطةِ ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُقْنِعُ . وفي مَديحِ ميلتون قَلَقُ المَصيرِ ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُعذِّب . وبَيْنَهما يَتجلَّى المَديحُ بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا : هَلْ نَمْدَحُ العَالَمَ كَيْ نُزَيِّنَه أَمْ نُنْقِذَه ؟ .

05‏/01‏/2026

هل سيقوم ترامب بالسيطرة على جزيرة جرينلاند ؟

 

هل سيقوم ترامب بالسيطرة على جزيرة جرينلاند ؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..............

     في آب / أغسطس 2019، فجَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا دوليًّا واسعًا عندما أبدى اهتمامه بشراء جزيرة جرينلاند ، الإقليم الذاتي التابع لمملكة الدنمارك ، في خُطوة أثارتْ موجة من السخرية والجدل السياسي في جميع أنحاء العالم .

     جرينلاند أكبر جزيرة في العالم ، تتميز بموقع جغرافي إستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا ، وتطل على المحيط الأطلسي والقطب الشمالي . تاريخيًّا ، كانت الجزيرة مُستعمَرة دنماركية ، ومُنِحَتْ حُكمًا ذاتيًّا واسعًا مُنذ عام 1979 ، مع استمرار الدنمارك في السيطرة على الدفاع والسياسةِ الخارجية . الجزيرة غنية بالموارد الطبيعية مثل المعادن النادرة ، والنفط ، والغاز الطبيعي ، والمياه العذبة ، مِمَّا يزيد من أهميتها الإستراتيجية على مُستوى العالم .

     في سِياق الحرب الباردة ، كانت جرينلاند موقعًا مُهِمًّا للقواعد الأمريكية ، مثل قاعدة ثول الجوية ، التي تُستخدَم في مُراقبة الصواريخ الباليستية . هذه الخلفية تجعل أي حديث عن شراء الجزيرة أكثر من مُجرَّد نَزوة سياسية ، فهو يتعلق بمصالح أمنية وإستراتيجية أمريكية قديمة. وترامب المعروف بأسلوبه غير التقليدي في السياسة الخارجية ، والاهتمامِ بالصفقات الاقتصادية الكبيرة ، اعتبرَ شراء جرينلاند فرصة اقتصادية وعسكرية للولايات المتحدة ، وبالنسبة إليه ، فإنَّ شراء الأراضي الأجنبية ليس فِكرةً مُستحيلة .

     من الناحية الدستورية والسياسية ، لا يُمكن للرئيس الأمريكي أن يقوم بشراء أراضٍ أجنبية بشكل أُحادي . أيَّة عملية من هذا النوع تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي ، وهو ما يجعل تنفيذ هذه الخُطوة مُعَقَّدًا للغاية . علاوة على ذلك ، سَتُواجِه الإدارة الأمريكية مُعارَضةً دُبلوماسية قوية من الدنمارك ، ورفضًا مُطْلَقًا من الشعب الجرينلندي ، الذي يَعتز بهويته الثقافية ، ويعتبر نفسه مُستقلًّا داخليًّا عن الدنمارك .

     مُحاولة السيطرة على جرينلاند لا يمكن النظر إليها بمعزل عن المنافسة الدولية في القطب الشمالي . روسيا والصين أبدت اهتمامًا متزايدًا بهذه المنطقة نظرًا لمواردها الطبيعية ، والمساراتِ البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد . وأيَّة مُحاولة أمريكية للاستحواذ على الجزيرة سَتُعْتَبَر تصعيدًا جيوسياسيًّا كبيرًا ، مما قد يؤدي إلى توترات دولية غير مسبوقة .

     الدنمارك كَعُضْو في حِلْف شمال الأطلسي ( الناتو ) لها علاقات إستراتيجية قوية مع أمريكا ، وأيَّة محاولة أمريكية للسيطرة على الجزيرة ستضر بعلاقات التحالف ، وتضع واشنطن في موقف دُبلوماسي مُحرِج أمام الحُلَفاء الأوروبيين .

     بينما كانت تصريحات ترامب حول شراء جرينلاند تبدو جادَّة في التصريحات الإعلامية ، فإن الواقع السياسي والقانوني يجعل السيطرة الأمريكية على الجزيرة شِبْه مُستحيلة . هناك ثلاث عقبات رئيسية :

     1_ الشرعية الدولية : لا يَسْمح القانون الدولي لأي دولة بشراء أراضٍ من دولة ذات سِيادة دون موافقتها الكاملة ، بما في ذلك موافقة الشعب المحلي .

     2_ الدستور الأمريكي : أيَّة عملية شراء كهذه تتطلب تصديق الكونغرس الأمريكي ، وهو ما يُعْتَبَر أمرًا بعيد الاحتمال نظرًا للطبيعة السياسية المثيرة للجدل لهذه الصفقة .

     3_ الديناميات الدولية : مُواجهة ردود فِعْل روسية وصينية قوية ، بالإضافة إلى المُعارَضة الأوروبية ، تجعل أيَّة محاولة للاستحواذ عملية محفوفة بالمخاطر .

     الحديث عن سيطرة الرئيس الأمريكي ترامب على جزيرة جرينلاند يجب أن يُفْهَمَ أكثر كاستعراض للنفوذ الأمريكي ، والاهتمامِ الإستراتيجي بالقُطب الشمالي ، وليس كَخُطوة عملية واقعية . وبينما يعكس هذا الطرح رؤية ترامب الفريدة للسياسة الخارجية ، والصفقاتِ الكُبرى ، فإنَّه يظل بعيدًا عن التطبيق العملي بسبب العوائق القانونية والدبلوماسية .

     إنَّ ما تحمله هذه الفِكْرة من قيمة تحليلية ليس في إمكانية تحقيقها ، بل في كشف العلاقات المُعقَّدة بين المصالحِ الاقتصاديةِ والإستراتيجيةِ والسياسيةِ في العالم الحديث . جرينلاند رغم بُعْدها عن الساحة السياسية اليومية ، تظل رمزًا للنفوذ العالمي ، والصراعاتِ المُستقبلية حول الموارد والسيادة في منطقة القُطب الشمالي .

     إن ترامب لم يكن على وشك السيطرة على جرينلاند ، لكنَّ تصريحاته أظهرتْ بوضوح كيف يُمكِن للرئيسِ الأمريكي أن يضع مِلَفًّا إستراتيجيًّا حَسَّاسًا على رأس جدول الاهتمام العالمي ، مهما كان صعب التطبيق عمليًّا.

03‏/01‏/2026

التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا

 

التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     التدخلُ العسكري الأمريكي في فنزويلا مِنْ أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المَشهد السياسي الدولي ، لأنَّه يَجمع بين اعتبارات السيادة الوطنية، والصراعِ الجيوسياسي ، والمصالح الاقتصادية ، وخِطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان ، الذي كثيرًا ما يُستخدَم لتبرير السياسات الخارجية للقوى الكُبرى .

     تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نِفْطي مُثبَت في العالم ، وهو عامل لم يكن يومًا بعيدًا عن حسابات السياسة الأمريكية . مُنذ وصول هوغو تشافيز إلى الحُكم عام 1999 ، ثم استمرار النهج نفسه مع نيكولاس مادورو ، تبنَّت فنزويلا سياسة خارجية مستقلة نِسبيًّا عن واشنطن ، ونسجتْ تحالفات مع قوى تعتبرها الولايات المتحدة خصومًا إستراتيجيين ، مثل روسيا والصين وإيران . هذا التحول وضع فنزويلا في قلب صراع نفوذ يتجاوز حدودها الوطنية .

     اتبعت الولايات المتحدة نهجًا تصاعديًّا تجاه فنزويلا ، بدأ بالعقوبات الاقتصادية المشددة ، مُرورًا بدعم المُعارَضة سياسيًّا وإعلاميًّا ، وصولًا إلى التلويح المتكرر بالخيار العسكري ، خصوصًا خِلال فترات التوتر القصوى . والعقوبات الأمريكية _ التي وُصفت بأنها بديل عن الحرب _ كان لها أثر عميق على الاقتصاد الفنزويلي ، وعلى حياة المواطنين ، حيث ساهمت في تعميق الأزمات المعيشية ، وهو ما يطرح سؤالًا أخلاقيًّا جوهريًّا : هل يمكن تبرير الضغط الذي يدفع ثَمَنَه شعبٌ كامل بحجة تغيير النظام السياسي ؟ .

     تُبرِّر واشنطن سياساتها تجاه فنزويلا بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي شِعارات تحمل في ظاهرها قِيَمًا إنسانية نبيلة ، غير أن التجربة التاريخية للتدخلات العسكرية الأمريكية في دول أُخرى تُظهِر أنَّ هذه الشعارات تُخفي مصالح إستراتيجية واقتصادية أعمق،خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالطاقة والنفوذ الإقليمي.

     والتدخل العسكري الأمريكي قد يفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية طويلة الأمد ، ويُحوِّل فنزويلا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي ، يدفع ثمنه الشعب الفنزويلي قبل غيره . وهذا التدخل لن يقتصر أثره على الداخل الفنزويلي ، بل سيمتد إلى أمريكا اللاتينية بأكملها ، وهي منطقة لها تاريخ طويل من المعاناة مع التدخلات الخارجية ، كما أنه سيعزز الاستقطاب الدولي ، ويدفع قوى كبرى إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا ، ما يزيد مِن احتمالات الصدام غير المباشر بين القوى العُظمى .

     إن هناك أزمة عميقة في النظام الدولي ، حيث ما تزال القوة تُقَدَّم على القانون ، والمصلحة على العدالة ، والحل الحقيقي لأزمة فنزويلا لا يمكن أنْ يُفْرَضَ من الخارج عبر السلاج أو العقوبات ، وإنما ينبع من حوار وطني شامل ، ودعم دولي يحترم السيادة ، ويضع مصلحة الشعب الفنزويلي فوق كل اعتبار . والتاريخُ يُعلِّمنا أن التدخلات العسكرية قد تُسقِط أنظمة ، لكنها نادرًا ما تبني دولًا مستقرة وعادلة .

01‏/01‏/2026

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

 

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     حِينَ تَعجِز اللغةُ المُباشِرة عن اختراقِ جُدرانِ العاداتِ المُتَصَلِّبة ، وَحِينَ يُصْبحُ الوَعْظُ ثقيلًا على الأُذُنِ والعقلِ ، تُولَد السُّخْرِيَةُ بِوَصْفِها فَنًّا للقَوْلِ غَيْرِ المُباشِر ، وَلِسَانًا يُضْحِكُ لِيُبْكي ، وَيُخْفِي الجُرْحَ في ابتسامةٍ . لَيْسَت السُّخريةُ تَرَفًا بَلاغِيًّا ، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ فِكريٌّ وأخلاقيٌّ ، وَسِلاحٌ حضاريٌّ استخدمه الكُتَّابُ حِينَ ضاقتْ بِهِم سُبُلُ الإصلاحِ الصَّريحِ . وفي تاريخِ الأدبِ يَقِفُ الجَاحِظ (160 ه/ 776 م _ 255 ه/ 869 م) وفولتير _اسْمُه الحقيقي فرانسوا ماري أرويه_ ( 1694 م _ 1778 م ) عَلى ضَفَّتَيْن مُتباعدتَيْن زَمانًا ومَكانًا، لكَّنهما يَلْتقيان في جَوْهَرٍ واحدٍ: السُّخْرية الاجتماعية باعتبارها مِرْآةً للمُجتمعِ ، وحاضنةً للعقلِ ، وَصَرْخَةً ضِدَّ التَّكَلُّسِ والظُّلْمِ .

     السُّخريةُ لَيْسَتْ مُجرَّد ضَحِكٍ على الآخَر، بَلْ هِيَ تَفكيكٌ للواقعِ عَبْرَ المُفارَقة . تَقُومُ على قلبِ المُتَوَقَّعِ ، وإظهارِ التناقضِ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُفْعَلُ ، وَبَيْنَ الشِّعاراتِ والمُمارَساتِ .

     في بُعْدِها الاجتماعيِّ ، تَتَّخِذُ السُّخْريةُ وَظيفةً مُزْدَوَجَة : نَقْد البُنى السائدة مِنْ جِهَةٍ ، وَحِماية الكاتبِ مِنْ بَطْشِ السُّلْطةِ أو المُجتمعِ مِنْ جِهَّةٍ أُخْرَى . إنَّها خِطابٌ يَمُرُّ مِنْ تَحْتِ الرَّقابة ، وَيَصِلُ إلى العُقُولِ بِضِحْكَةٍ ، ثُمَّ يَستقرُّ في الضَّميرِ بِوَخْزَةٍ .

     الجَاحِظُ ابْنُ البَصْرَةِ العَبَّاسِيَّةِ ، عاشَ في عَصْرِ ازدهارٍ فِكريٍّ وَصِراعٍ مَذهبيٍّ واجتماعيٍّ حاد . كانت الأسواقُ تَضِجُّ بالجَدَلِ ، والقُصورُ تَعِجُّ بالسُّلْطةِ ، والمَساجدُ تَمُوجُ بالخِلافِ . في هَذا المَنَاخِ كَتَبَ الجَاحِظُ ساخرًا بصيرًا لا خَطيبًا واعظًا ، يُراقِب المُجتمعَ مِنْ دَاخِلِه ، ويَضْحَك مِنْ تناقضاته بذكاءٍ لُغَوِيٍّ لاذعٍ . سُخْريته لَيْسَتْ صاخبةً ، بَلْ تَتسلَّل عَبْرَ الحِكايةِ والطُّرْفةِ والمِثَالِ . حِينَ يَكتبُ عَن البُخَلاءِ ، لا يَكْتفي بِوَصْفِ البُخْلِ صِفَةً فردية، بَلْ يُحوِّله إلى ظاهرةٍ اجتماعية تَكشِف عَلاقةَ الإنسانِ بالمال، والخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، والتناقضَ بَيْنَ الادِّعَاءِ الدِّينيِّ والسُّلوكِ اليَوْمِيِّ.

     لُغَةُ الجَاحِظِ أداةُ سُخْريةٍ بِحَدِّ ذَاتِها ، فَهُوَ يُكدِّس الحُجَجَ ، وَيُطِيلُ الاستطرادَ ، ويُغْرِق النَّصَّ بالتفاصيلِ حتى يَنقلب الجِدُّ إلى هَزْلٍ ، والهَزْلُ إلى نَقْدٍ قاسٍ. هَذا الإفراطُ المَقصودُ يَكشِف عَبَثَ بَعْضِ السُّلوكيَّات ، وَيَجْعَل القارئَ شريكًا في اكتشافِ المُفَارَقَاتِ. إنَّه عَقْلُ مُعْتَزِلِيٍّ يُؤْمِنُ بالمَنْطِقِ ، لكنَّه يُدرِك أنَّ المَنْطِقَ وَحْدَه لا يَكْفي ، فَيَسْتعين بالضَّحِكِ لِيُقْنِع .

     لا يَسْخَرُ الجَاحِظُ مِنَ الفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِم فُقَرَاء ، ولا مِنَ الضُّعَفَاءِ لِضَعْفِهِم ، بَلْ مِنَ الادِّعَاءِ والرِّيَاءِ والجُمودِ . سُخْريته أخلاقية في جَوْهَرِها ، لأنَّها تَنحازُ إلى العَقْلِ والعَدْلِ .

     حِينَ يَسْخَرُ مِنَ المُتَعَصِّبِين ، فَهُوَ يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ التَّفكيرِ ، وحِينَ يَتَهَكَّمُ على المُتَشَدِّدِين في فَهْمِ الدِّينِ، فَهُوَ يَدْعو إلى فَهْمٍ إنسانيٍّ رَحْب ، إنَّها سُخْرية الإصلاحِ مِنَ الداخلِ ، وَسُخْرية مَنْ يُؤْمِنُ بالمُجتمعِ ويُريدُ إنقاذَه مِنْ نَفْسِه ، وَفْقَ رُؤيةِ الجَاحِظِ الشَّخْصيةِ وقَناعاتِه الفِكْرية .

     عَلى الضَّفَّةِ الأُخْرَى ، يَقِفُ فولتير في أُوروبا القَرْنِ الثامنِ عَشَر ، زَمَن الكَنيسةِ المُتَسَلِّطَةِ والمُلوكِ المُطْلَقِين.عاشَ المَنْفَى والسِّجْنَ والمُطَارَدَةَ، فصاغَ سُخْريته بِمَرارةٍ شديدةٍ، وَحِدَّةٍ صَريحةٍ. وإذا كانَ الجَاحِظُ يَبتسمُ وَهُوَ يَكْتُب، فإنَّ فولتير يَضْحَكُ ضِحْكَةً تَحمِل الغضبَ واليأسَ مَعًا .

     في أعمالِه السَّرْديةِ والفلسفيةِ ، يَستخدمُ فولتير السُّخْريةَ لِتَعْريةِ التفاؤُلِ السَّاذَجِ ، وَفَضْحِ الاستبدادِ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ . يَبْني عَوالِم خَيَالِيَّةً ، لكنَّها في الحقيقةِ نُسَخٌ مُكبَّرة مِنَ الواقعِ . المُفَارَقَةُ عِندَه حادَّة ، شخصيات تُؤْمِنُ بأنَّ كُلَّ شَيْءٍ على مَا يُرام ، بَيْنَما العَالَم مِنْ حَوْلِها يَنهارُ . بِهَذا التناقضِ يُحطِّم فولتير فِكْرَةَ تَبريرِ الشَّرِّ بِاسْمِ الحِكمةِ الإلهيَّةِ أو النِّظَامِ الكَوْنيِّ .

     سُخْريةُ فولتير لَيْسَتْ مُجرَّد تِقْنيةٍ أدبية ، بَلْ هِيَ مَشروعٌ تَنْويريٌّ . يَسْخَرُ لِيَهْدِمَ ، ثُمَّ يَتْرُك القارئَ أمامَ مَسؤوليةِ البِناءِ . يُهاجِم التَّعَصُّبَ والزَّيْفَ ، ويُسْقِط الأقنعةَ عَنْ رِجالِ الدِّينِ الزائفين والحُكَّامِ المُسَتَبِدِّين . لُغَتُهُ واضحة ، وَجُمَلُهُ قصيرة ، وَطَعَنَاتُهُ مُباشِرة ، لا يُراوِغ كثيرًا ، لأنَّ زَمَنَه كانَ يَتطلَّب الصَّدْمَةَ .

     ومعَ ذلك ، فإنَّ فولتير لا يَدَّعي الطَّهارةَ المُطْلَقَةَ للإنسانِ . إنَّه يُدرِك هَشَاشَتَه ، وَيَسْخَر مِنْها أيضًا ، لكنَّه يَرى في العقلِ والعِلْمِ والأخلاقِ أُفُقًا للخَلاصِ ، وَلَوْ كانَ هذا الأُفُقُ مَحْفُوفًا بالتَّشَاؤُمِ .

     على الرَّغْمِ مِن اختلافِ السِّيَاقَيْن ، يَلْتقي الجَاحِظُ وفولتير في إيمانٍ عَميقٍ بِقُدْرَةِ العقلِ ، وفي شَكٍّ دائمٍ بالسُّلْطَاتِ المُطْلَقَةِ.كِلاهُما يَستخدمُ السُّخْريةَ لكشفِ النِّفَاقِ الاجتماعيِّ،ويَجْعَل القارئَ يَضْحَك ثُمَّ يُفَكِّر . الفَرْقَ هُوَ أنَّ الجَاحِظَ يَتحرَّك دَاخِلَ نَسيجٍ ثقافيٍّ يَسْمَحُ بالمُرَاوَغَةِ والالتفافِ ، بَيْنَما يَكتبُ فولتير في مُوَاجَهَةٍ مُباشِرة معَ مُؤسَّساتٍ قَمْعِيَّة ، فَيَكُون صَوْتُهُ أعلى ، وَحِدَّتُهُ أشد . والجَاحِظُ أقربُ إلى المُعَالِجِ الذي يَصِفُ الدَّاءَ، ويَبتسِم لِيُطَمْئِنَ المَريضَ،وفولتير أقربُ إلى الجَرَّاحِ الذي يَشُقُّ الجُرْحَ بِلا مُخَدِّرٍ ، لكنَّ الهدفَ واحدٌ ، إنقاذ الإنسانِ مِنْ جَهْلِه ، وتَحْريره مِنْ خَوْفِه .

     تَكْشِفُ المُقَارَنةُ بَيْنَهما أنَّ السُّخْرية لَيْسَتْ حِكْرًا على ثقافةٍ بِعَيْنِها ، بَلْ هِيَ لُغَةٌ كَوْنِيَّة . تَختلفُ الأقنعةُ ، لكنَّ الجَوْهَرَ ثابتٌ . في التُّراثِ العَرَبيِّ ، السُّخْريةُ كانتْ وَسيلةً للبَقَاءِ والتَّوَازُنِ ، تُدَارِي الألَمَ ، وتُحافِظ على كَرامةِ الإنسانِ في وَجْهِ القَهْرِ. وفي التُّراثِ الأُوروبيِّ الحَديثِ ، السُّخْريةُ صَوْتُ العَقْلِ المُتَمَرِّدِ ، وأداةٌ للثَّورةِ ، وإعادةُ صِياغةٍ للوَعْيِ الجَمْعِيِّ .