07‏/10‏/2019

شجر الأحلام المقتولة / قصيدة

شجر الأحلام المقتولة / قصيدة

للشاعر/ إبراهيم أبو عواد

..............

     رُكَبٌ صِنَاعِيَّةٌ للنَّهْرِ العَجُوزِ / والْهِضَابُ تَرْتدي وَاقِياً ضِدَّ الرَّصاصِ قَبْلَ أن تَنتحِرَ / وَقُلوبُ البُوسنِيَّاتِ آخِرُ مَعَاقِلِي / فلا تُسْقِطْ حُلْمِيَ الأخيرَ يَا ضَوْءَ السَّنابلِ / إِنَّني أَغْرَقُ والأنهارُ مَشْغولةٌ بِمَوْعِدِها الغَرَامِيِّ مَعَ الزَّبَدِ/ سَقَطْتُ مِن عَيْنِ الفَراشةِ/ لا ذُبَابٌ يَتَجَمَّعُ عَلى نزيفِ المساءِ/ ولا بِلادٌ تُولَدُ مِن حِجَارةِ الْمَدَافِنِ / وَالرَّاهباتُ يَغْسِلْنَ خَشَبَةَ الْمَذْبَحِ بِدَمِ الْحَيْضِ / وَقَانونُ الطوارئِ يَغْسِلُ نَوَافِذَ الكَنيسةِ بِصُكُوكِ الغُفرانِ/ افْتَرِسْني يَا ضَوْءَ القَمَرِ/ أنا الذِّئبُ/ وَأبْحَثُ في احتضاراتي عَن لَيْلَى / وَلَن تَجِيءَ لَيْلَى إِلا بَعْدَ اغتيالي/ وَحْدَهَا لَيْلَى تُنَظِّمُ جِنازةَ الرِّيحِ في لَيْلِ الشِّتاءِ / يَنامُ الرِّجالُ مَعَ زَوْجَاتِهِم في لَيالي الخريفِ البَعيدِ / وَأنامُ مَعَ مِشْنَقتي في سَريرِ العَوَاصِفِ /
     في مَرَافِئِ السُّلِّ / تَأكُلُ الكِلابُ البُوليسِيَّةُ جُثَثَ النِّساءِ الْمُغْتَصَبَاتِ / وَقَوْسُ قُزَحَ يَزرعُ في شَراييني الحواجزَ العَسكرِيَّةَ / كُلَّمَا اقتربتُ مِن لَمَعَانِ أظافري / اقتربتُ مِن لَمَعَانِ نَصْلِ المِقْصَلةِ / أَقْتَرِبُ فَأَبْتَعِدُ/ كُلَّمَا أمسكتُ ظِلِّي هَرَبَتْ مِنِّي جُفوني / فَاتْرُكْ نُعوشَ الجنودِ عَلى عُروشِ الصَّدى / مَساميرُ النُّعوشِ هِيَ العُروشُ الجديدةُ / مَا نَفْعُ فُرْشاةِ الأسنانِ وَقَد أكَلَ النَّمْلُ أسنانَ الزَّوبعةِ ؟ /
     لاهِثَاً وَرَاءَ مِنْدِيلِ أُمِّي/ حَاضِناً سُعالَ أبي/ أنا أرشيفُ الخاسِرِينَ في الْحُرُوبِ/ أنا هُدنةُ الضَّحايا الذينَ يَرَوْنَ قُبُورَهُم عَلى التِّلفازِ / والشُّطْآنُ تَرْفعُ السِّلاحَ في وَجْهِ البحرِ / سَتَفْتَخِرُ بِي حَارِسَةُ المقبرةِ / الثلوجُ حُبْلَى بالبُرتقالِ / نَزِيفٌ عَلى جَدائلِ البُحَيرةِ العَمْياءِ / وَرَائِحَةُ الجوَّافةِ عَلى ضَفائرِ الإِمَاءِ / والرُّتَبُ العَسكرِيَّةُ على أكتافِ البَغايا /
     لا تَكْرَهِيني أيَّتُها البُحَيرةُ / أنا حَضارةُ الْحُزْنِ الْمُنْقَرِضَةُ / أنا بُكاءُ الأيتامِ الأبَدِيُّ / أتفجَّرُ مِنَ الدَّاخِلِ / وَجِسْمي يَنتقِمُ مِنِّي / الْمُدُنُ الْمُوحِشَةُ / والذِّكرياتُ الْمُتَوَحِّشَةُ / يَسْبَحُ في صُداعي النَّهْرُ / وتَسْبَحُ الحشَراتُ في الأغاني الوَطَنِيَّةِ / لا جُغرافيا في حِكَاياتِ الموْجِ سِوَى بُكاءِ الأعشابِ/ دَمْعِي صَمْغٌ بَيْنَ مَفَاصِلِ الزَّوبعةِ / ومَناديلُ الوَداعِ مَنْسِيَّةٌ بَيْنَ سَكاكينِ المطبخِ / والْجُثَثُ الْمُتَفَحِّمَةُ في صُحونِ المطبخِ / وَكَبِدي عَشَاءٌ عَلى ضَوْءِ الشُّموعِ للأسْرَى / وَجُثماني حَجَرُ الزَّاويةِ في قَصْرٍ رَمْلِيٍّ / سَيَهْدِمُهُ الموْجُ في لَيْلَةٍ خَريفِيَّةٍ بَاردةٍ /
     عِندَما تَقِفُ العَصافيرُ عَلى حَبْلِ مِشْنقتي / وَتُصْبِحُ مِشْنَقتي غَابَةً بِلا سَنَاجِبَ / سَأَطْبُخُ رِعْشتي في حَلْقِ الشَّلالِ / أُحِبُّكِ وأَعْرِفُ بُوصَلَةَ ضَريحِكِ/ لَكِنَّ العُقْبَانَ تَخْجَلُ أن تَنْظُرَ في المرايا / أُصيبت الرَّاقصةُ بالشَّلَلِ / وانتَهَت الرَّقْصةُ إلى الأبَدِ / لِمَاذا يَحتفِظُ التُّوتُ البَرِّيُّ بِثِيَابِ الرَّقْصِ ؟ /   
     فَسَخْتُ خِطبتي مِنَ الشَّلالاتِ / احتلمَ الغبارُ لَكِنَّهُ طِفْلٌ يَرْضَعُ مِن تَوابيتِ السَّرابِ / والصَّحراءُ مَاتتْ بَيْنَ طُبولِ الْحَرْبِ ورَاياتِ القَبائلِ / أرْعَى الأغنامَ في الشَّفقِ الجارحِ / الرِّيحُ تُدَاعِبُ عُشْبَ المقابرِ الأخرسَ تَحْتَ المطرِ / وَالبَرْقُ يَغْتَصِبُ أسناني / ويَكْتُبُ وَصِيَّتي / 
     النُّعوشُ الْمُعَطَّرَةُ بالوَهْمِ / وقَميصُ النَّوْمِ مُعَطَّرٌ بالْمُبيداتِ الحشَرِيَّةِ / بَقايا أجسادِ النِّساءِ في الْمَمَرَّاتِ / فَلْتَمُتْ أدغالُ الرَّصَاصِ في زَفيري / وَعِشْ في كَبِدِ نَسْرٍ أَحْوَلَ / سَتُقْطَفُ الزَّهرةُ عَلى قِمَّةِ الجبَلِ عِندَ خُدودِ الشَّمْسِ / والليلُ يَعْشَقُ البُحَيرةَ/ لَكِنَّ البُحَيرةَ ذَهَبَتْ إِلى دَوْرَةِ المِيَاهِ / أَكَلَ البَقُّ خَشَبَ التَّوابيتِ / فَتَحْتُ قَفَصي الصَّدْرِيَّ بِمِفْتَاحِ السَّيارةِ / وَالْجُثَثُ مَرْمِيَّةٌ في الشَّوارعِ / تَتقاتلُ الكِلابُ والقِطَطُ والحشَراتُ عَلى احتكارِ جُثماني / وَحْدَهُ النَّسْرُ الآتِي مِن قِمَمِ الجِبَالِ يَعْرِفُ بَصْمَةَ مَوْتي / سَيَكُونُ بَطْنُ النَّسْرِ قَبْراً لأحلامي في أعالي الجبالِ / وُلِدْتُ تَحْتَ الأرضِ / وَعِشْتُ تَحْتَ الأرضِ / وأعيشُ مَوْتي في أعالي الجبالِ /
     عَلَّمْتَنِي يَا وَطَني كَيْفَ تُصْبِحُ المرأةُ مِمْسَحةً لِحِذَاءِ زَوْجِها / عَلَّمَتْنِي طُفولةُ الرِّياحِ كَيْفَ أبْحَثُ عَن جَدائلِ النِّساءِ بَيْنَ سَكاكينِ المطبخِ / ولَم أرَ في صُحونِ المطبخِ غَيْرَ دَمِ الحيْضِ / أحلامي يَعيشُهَا الآخَرُونَ / وأظلُّ في شَوارعِ الصَّقيعِ وَحيداً / يَذْهَبُ الرِّجالُ مَعَ زَوْجَاتِهِم إلى مَطْعَمِ العَائلاتِ / وأبْقَى في مَرْفأ الجليدِ بِلا عَائلةٍ / لِمَاذا أَكْتُبُ عَرَقِي بِمَاءِ الذَّهَبِ / وَالعُمَّالُ يَمُوتُونَ في الْمَنَاجِمِ ؟ / لِمَاذا تَتَزَيَّنُ الفَتَيَاتُ الْمُغْتَصَبَاتُ بِفِضَّةِ الأعاصيرِ ؟ / هَذا الليلُ يُمَثِّلُ بِجُثةِ البُحَيرةِ / أمعائي عَلى رَصيفِ المِيناءِ / وَكُلَّما مَشَيْتُ في أمواجِ الفَجْرِ الكَاذِبِ / رَأَيْتُ اسْمِي عَلى شَوَاهِدِ القُبورِ / أَسْمَنْتُ البُيُوتِ الْمُسَلَّحُ بأحلامِ الغُرَبَاءِ / أقمارٌ تَخْرُجُ مِنَ التُّرابِ / شُمُوسٌ تَطْلُعُ مِن أضرحةِ السُّنونو / هَذا أنا أَحْرُسُ الرِّمالَ الْمُتَحَرِّكَةَ مِن خُطُوَاتِ المساءِ / وأَثْأرُ لِمَقْتَلِ النَّهْرِ / وفي أحضاني يُحْتَضَرُ الْمَوْجُ / لأنَّ عَقَارِبَ السَّاعةِ قَد لَدَغَتْهُ /
     عَثَرْتُ عَلى جُثةِ الرِّياحِ في نَهْرِ الكَلِمَاتِ / أنا الرَّاحِلُ والرَّحيلُ / أَزُورُ السَّرابَ في بَيْتِهِ / وأُزَوِّرُ شَهادةَ مِيلادِ البُحَيرةِ / وأشْرَبُ اليَانسُونَ مَعَ البَعُوضِ / مَاتَ الشِّتاءُ مَسْمُوماً / وَلَم يَأْتِ الرَّبيعُ / فَيَا أيَّتُها الأُنثى القُرْمُزِيَّةُ الْمَصْلُوبةُ عَلى أجنحةِ اليَمَامِ / الْمَشْنُوقةُ بِحِبَالِ الغسيلِ / اسْكَرِي بِدُموعِ الزَّيتونِ / لَن يَسْتَيْقِظَ الرَّصيفُ بِلا صَعْقَةٍ كَهْربائِيَّةٍ / وَلَن تَنامَ التِّلالُ بِلا حُبُوبٍ مُنَوِّمَةٍ/ خَشَبُ طَاوِلاتِ المطاعِمِ يَصِيرُ خَشَبَاً للنُّعوشِ / التي تَصيرُ أثاثاً للبَقِّ والْمَنَافِي / أَكَلَ الذبابُ أهدابَ البَحْرِ / فَلَم يَعُد الْمَوْجُ يَرَانِي / وَهَذا الشَّاطِئُ أعْمَى يُفَتِّشُ في أوراق الخريفِ السِّرِّيةِ /
وصُدَاعِي مِقْوَدُ سَيَّارةٍ أثَرِيَّةٍ / وسُعالي مَدرسةُ الجرادِ / لكنَّ الأطفالَ ماتوا في حُقولِ الصَّدى / 
     الظِّباءُ النَّازِفةُ / وَالبَابُ الْخَلْفِيُّ للشَّمْسِ / والجيوشُ تَحْفِرُ عَلى الْمَوْجِ عَرْشَ الهزائمِ / وَغُرْبةُ النَّعناعِ في المقابرِ الجمَاعِيَّةِ/ أخْجَلُ أن أرى وَجْهي تَحْتَ ضَوْءِ القَمَرِ / أركضُ في الليلِ نَجْمَاً خَسِرَ مَدَارَهُ / سَأُقْتَلُ مُحَاصَرَاً مِثْلَ عُثْمان / العَطَشُ هُوِيَّتي وأهْدَابي / وَدِمَائي فُرْشاةُ أسنانٍ لِبَناتِ آوَى / ماتت البُحَيرةُ بِسَرَطَانِ الجِلْدِ / فَلا تَسْبَحْ أيُّها الشَّاطِئُ في أرَقِ السُّجَناءِ تَحْتَ قَمَرِ الدِّماءِ / ولا تَدْفِنْ في كَهْرَمانِ العاصفةِ الزِّنزانةَ / التي مَاتتْ بِسَرَطَانِ الثَّدْيِ /
     المطَرُ يَشْوِي الجماجِمَ عَلى أحزانِ الطفولةِ ودُموعِ العِشْقِ / ويُنَقِّبُ المساءُ عَن الذِّكرياتِ في المقابرِ الجمَاعِيَّةِ / والأزهارُ المعدنِيَّةُ تَتَقَاتَلُ عَلى مِيرَاثِ الشُّموسِ / أنا وَصِيَّةُ القَتيلِ / وَوِصَايَةُ القَاتِلِ عَلى أقنعةِ الضَّحايا / فيا أيَّتُها الضَّفادعُ الْمُتَحَرِّكَةُ خَارِجَ الحضَارةِ / سَقَطَ دَمي في مُسْتَنْقَعِ الْحُلْمِ/ وسَقَطَت الأزهارُ الصِّناعِيَّةُ في حُفرتي / وَهَاجَرَت الصَّبايا الْمُتَّشِحَاتُ بالسَّوادِ/ مِن مَقبرةِ الفَراشاتِ إلى عَرْضِ الأزياءِ /
     الْمَنْفَى الاختيارِيُّ لا يَخْتَارُني / وَسَجَّاني يَختارُ أثاثَ زِنزانتي الانفرادِيَّةِ / مَنْفِيٌّ أنا بَيْنَ أهدابي وطُحالي / كَلِمَاتي تَنْفِيني / وَما زَالت الرَّصاصةُ في بَطْنِ أُمِّهَا / لَكِنِّي أُطْلِقُ النارَ على أحزاني / وأُفجِّرُ ظِلالي بالدِّيناميتِ/ وَلَم يُرْشِدْني إلى نَعْشِ أُمِّي غَيْرُ سُعالِ الزَّيتونِ / أبْحَثُ عَن مَجزرةٍ بِكْرٍ / فلا أجِدُ غَيْرَ أوتادِ خِيَامِ اللاجئين / رُخامُ الأضرحةِ في طَريق الشُّموسِ القَتيلةِ / وَحَنَاجِرُ الصُّقورِ تَتَدَحْرَجُ عَلى الطائراتِ الوَرَقِيَّةِ /
     أيُّها المشنوقُ / لا زَوْجَةٌ تَتَزَيَّنُ لَكَ في لَيالي التَّطهيرِ العِرْقِيِّ / وَلا قَبيلةٌ تَزْرَعُ دَمَكَ في رَايَاتِها / وَداعاً أيُّها النَّجْمُ الخارجُ عَن مَدَارِهِ / الدَّاخِلُ في الْهَيَاكِلِ العَظْمِيَّةِ / كُلَّمَا مَشَيْتُ عَلى الضَّبابِ الجريحِ / الْتَفَّ حَبْلُ الغَسيلِ عَلى رِقَابِ البَجَعِ / وَالْهَدِيلُ يُنَظِّفُ مَساميرَ نَعْشي بِعَرَقِ الرَّاهباتِ / تَزْأرُ المرايا / وَالطوفانُ يَشْوِي الذُّرَةَ عَلى الْجُثَثِ الْمُتَفَحِّمَةِ /
     تَنْكَسِرُ الأباريقُ الزُّجاجِيَّةُ عَلى مَوَائِدِ الزَّوْجاتِ الخائناتِ / وَيُهَاجِرُ الْمَلَلُ مِنَ المعارِكِ إِلى مَلاعِبِ الغُولفِ / وَهَذِهِ زِنزانتي تَغَارُ عَلَيَّ / وأغارُ عَلى سَجَّانتي / تَضِيعُ أُنوثةُ الغاباتِ في دُستورِ الدَّولةِ البُوليسِيَّةِ / امْرَأةٌ تُبَدِّلُ عُشَّاقَهَا كَمَا تُبَدِّلُ حَمَّالاتِ صَدْرِهَا/ أيُّها الوَطَنُ التَّائِهُ بَيْنَ عُلَبِ المِكياجِ وعُلَبِ المشروباتِ الغازِيَّةِ / اخْرُجْ مِن أشلاءِ النَّيازكِ / واكْسِر القُبورَ الزُّجاجِيَّةَ / أيُّها الأسْرَى / اخْرُجُوا مِن زَفيري / سَأَرْمِي الكَرَزَ في اغتيالِ البُحَيراتِ / والمطَرُ يُصَفِّي التِّلالَ جَسَدِيَّاً / فلا تَخْدُشْ يا بَنْكِرْياسي حَيَاءَ الأنهارِ / ولا تَجْرَحْ مَشَاعِرَ البَحْرِ / الزَّوابعُ هِيَ الحطَبُ الأزرقُ الذي يَحترِقُ في شَهيقِ التُّوتِ / وأنا الغريبُ / أُزَيِّنُ أسرارَ البَلُّوطِ بِحِبَالِ المشانِقِ الأثَرِيَّةِ .