26‏/02‏/2024

عروش البعوض والملوك أبناء السبايا

 

عروش البعوض والملوك أبناء السبايا

للشاعر/ إبراهيم أبو عواد

.........................

     بَقِيَ جُثماني في زُقَاقِ الفِئرانِ وَحِيدًا / لأنَّ حَفَّارَ القُبورِ أُحِيلَ عَلى التَّقَاعُدِ / والبَرِيقُ في عُيونِ الفَرَاشَاتِ هُوَ أرشيفٌ لِشَظايا قلبي المكسورِ/لَيْتَنِي أَجِدُ امرأةً تَقْتَلِعُ حُبَّ الغَزَالَةِ الغَامِضَةِ مِن قَلْبي/ لِتُرِيحَني مِنَ العَذَابِ في لَيْلِ الشِّتاءِ / وَتَحْرُسَ جِلْدِي مِن مِلْحِ دُمُوعي الحَارِقِ /

     السَّلامُ عَلَيْكِ أيَّتُها اللبُؤَةُ أيْنَمَا كُنتِ / في أضرحةِ النَّعناعِ أوْ في الغُيومِ الحمراءِ / في نَهْرِ الرُّفَاتِ أَوْ في بُحَيْرَةِ المساءِ / لَن أَهْرُبَ مِن ذِكْرَياتي / أنا الرُّبَّانُ الذي سَيَغْرَقُ مَعَ السَّفينةِ التي أَحَبَّهَا / لَن أَهْرُبَ مِنَ المعركةِ/ إنَّ المُلوكَ المهزومِينَ يَقِيسُونَ نُهُودَ السَّبايا بالأوسمةِ العَسكريةِ /

     الخَنْجَرُ المَسمومُ بَيْنَ نَهْدَيْكِ أيَّتُها الذُّبَابَةُ العَمْياءُ / وَسَرَطَانُ الثَّدْيِ يَأكُلُ صَدْرَكِ / كَيْفَ تَهْرُبِينَ مِن رَصاصةِ القَنَّاصِ الذي يَعْشَقُكِ ويَقْتُلُكِ ؟ / نامَ المُهَرِّجُ في الشَّارعِ بَعْدَ إغلاقِ السِّيركِ بالشَّمْعِ الأحمرِ / وَذَهَبَت الرَّاهباتُ الغامضاتُ إلى ضَوْءِ الاحتضارِ / وَبَقِيَتْ حُبُوبُ مَنْعِ الحَمْلِ في مَزْهَرِيَّاتِ غُرفةِ الاعترافِ /

     الدُّوَيْلاتُ البَدويةُ اللقيطةُ / وَجَيْشُ البَدْوِ الرُّحَّلِ يَسْتَعِدُّ لِتَحريرِ فِلِسْطِين / وَدَمُ الحَيْضِ للجَوَاري يَطْفُو عَلى سَطْحِ النِّفْطِ في تَوَابِيتِ الضَّحايا / مَا فَائدةُ إنجابِ الأبناءِ إذا كَانَ مَصِيرُهُم القَتْلَ ؟ / مَا فَائدةُ شَواهدِ القُبورِ المُزَخْرَفَةِ إذا كانت الجُثَثُ في الشَّوارعِ ؟/ مَا فَائدةُ الوَحْدَةِ الوَطنيةِ إذا كانَ الضَّحايا في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ ؟/مَا فَائدةُ الصَّابونِ إذا كان السُّجَنَاءُ يَغْسِلُونَ بَلاطَ الزَّنازينِ بِدِمَائِهِم ؟/ مَا فَائدةُ الحُبِّ الأوَّلِ إذا كَانتْ ذِكْرَيَاتُنا تُولَدُ في التَّطهيرِ العِرْقِيِّ ؟ /

     أيَّتُها العُصْفُورَةُ التي يَتساقطُ كُحْلُهَا كأوراقِ الخريفِ على أعصابِ الرِّياحِ في المساءِ الحزينِ / عَلِّمِيني الرِّياضياتِ كَي أُفَرِّقَ بَيْنَ رَقْمِ جُثماني وَرَقْمِ زِنزانتي / قَلبي يُطِلُّ عَلى ضَفائرِ البُحَيْرَةِ الشَّمْعِيَّةِ / وَزِنزانتي تُطِلُّ عَلى البَحْرِ / وطَيْفُ الظِّبَاءِ في مَحطةِ القِطَاراتِ يَخْلَعُ جِلْدي / ويُضِيءُ مِلْحَ دُمُوعي عَلى زُجاجِ القِطَاراتِ /

     النِّسَاءُ المُتَعَطِّرَاتُ بالْمُبيداتِ الحَشَرِيَّةِ يَمْشِينَ في الجِنازةِ العَسكريةِ/ وأنا المنبوذُ في شَراييني/ تَفَرَّقَ دَمِي بَيْنَ القَبَائِلِ المَهزومةِ / وَأَصْنَعُ مِنَ الأسنانِ الذهبيةِ للجُثَثِ المُتَفَحِّمَةِ أوسمةً عَسكريةً / للجُنودِ الهاربينَ مِن ذَاكِرَةِ المَعركةِ إلى مَعركةِ الذاكرةِ /

     خَلَقَنِي اللَّهُ وَحِيدًا/ وَعِشْتُ وَحِيدًا / وَسَأعُودُ إلَيْهِ وَحِيدًا / سَيَظَلُّ مِلْحُ دُمُوعي عَلى الوِسَادَةِ / سَتَظَلُّ أحْزَانُ الطُّفولةِ على فِرَاشِ المَوْتِ / سَتَظَلُّ ثِيَابُ القَتِيلِ المَنْسِيِّ في الخِزَانَةِ القَدِيمَةِ .