سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا.له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

14‏/02‏/2026

مؤلفات إبراهيم أبو عواد

 

مؤلفات إبراهيم أبو عواد

...............

الدراسات الدِّينية :

1_ حقيقة القرآن . 2_ أركان الإسلام . 3_ أركان الإيمان . 4_النَّبِيُّ مُحَمَّد ، صَلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسَلَّم. 5_ دراسات منهجية في القرآن والسُّنَّة. 6_ العُلوم والفُنون في القُرآن. 7_ العمل في القُرآن . 8_ العلاقات الأخلاقية في القرآن . 9_ العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن . 10_ القصص والتاريخ في القرآن . 11_ الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن . 12_ الدَّعوة الإسلامية . 13_ دراسات منهجية في القُرآن والتوراة والإنجيل. 14_ بحوث في الفكر الإسلاميِّ . 15_ منهج الكافرين في القرآن. 16_ الديانات في القرآن. 17_ التناقض في التوراة والإنجيل . 18_صورة اليهود في القرآن والسُّنَّة والإنجيل. 19_ عقائد العرب في الجاهليَّة . 20_ نقض عقائد ابن تَيْمِيَّة المُخَالِفة للقُرآن والسُّنَّة .

الأدب والثقافة والفِكْر :

21_ فلسفة المُعلَّقات العَشْر. 22_ النظام الاجتماعي في القصيدة ( المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشِّعْر ) . 23_ صرخة الأزمنة ( سِفْر الاعتراف ) . 24_ مشكلات الحضارة الأمريكية . 25_ حياة الأدباء والفلاسفة العالميين . 26_ خواطر في زمن السراب . 27_ فلسفة المتنبي الشعرية . 28_ المقالات الممنوعة .

الشِّعْر :

29_ الأعمال الشعرية الكاملة ( مجلد واحد )

30_ سيناميس ( الساكنة في عيوني )

الرواية :

31_ أكفان مغسولة جيدًا

32_ أشباح الميناء المهجور

33_ جبل النظيف

34 _ أرشيف القرابين .

12‏/02‏/2026

غزة بين الإعمار وإعادة رسم السلطة

 

غزة بين الإعمار وإعادة رسم السلطة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     تعيش غزة اليوم لحظة فاصلة بين الانقسام السياسي الداخلي والضغط الدولي والإقليمي ، لإعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من الحصار المتكرر والصراعات المسلحة . المدينة التي دُمِّرَتْ بُنيتها التحتية مَرَّات عِدَّة ، تُواجِه اليوم تحديًا مزدوجًا : ضرورة إعادة بنا ما تهدَّم ، وإعادة رسم موازين السُّلطة على الأرض ، بما يتوافق مع الواقع السياسي الجديد .

     الإعمار في غزة ليس مُجرَّد إعادة للبيوت والمستشفيات والمدارس ، بل هو مشروع سياسي في جَوهره . المجتمع الدولي _ من خلال التمويل والمساعدات _ يسعى إلى إعادة استقرار المنطقة ، لكنَّه في الوقت نَفْسِه يستخدم هذه المساعدات كأداة ضغط لإحداث تغييرات سياسية ، سواء على مستوى سِياسات حركة حماس ، أو على مستوى السُّلطة الفِلَسْطينية في رام اللَّه . والمواردُ المحدودة والاحتياجات الهائلة تجعل من عملية الإعمار اختبارًا لقدرة الفصائل الفلسطينية على إدارة مواردها ، ومُواجهةِ الضغوط الخارجية .

     مُنذ الانقسام الفلسطيني عام 2007 ، صارتْ غزة تحت حُكم حركة حماس ، بَيْنما السُّلطة الفلسطينية تمارس نفوذها في الضفة الغربية . اليوم ، الإعمار يُطرَح كأداة لإعادة صياغة هذا الانقسام . التمويل الخارجي والمتطلبات الفنية والإدارية لمشاريع الإعمار ، تفرض على حركة حماس التعاملَ مع السُّلطة الفلسطينية ، ورُبَّما مع فصائل أُخرى،في إطار من التفاوض على الصلاحيات والمشاريع . هذا يُعيد فتحَ النقاش حول إمكانية توحيد مؤسسات الدولة ، أوْ على الأقل إعادة التوازن بين القوى على الأرض .

     إعادة الإعمار لا تُدار بمعزل عن المحيط الإقليمي والمُجتمعِ الدولي . هناك دُوَل عديدة تلعب دَورًا في تحديد مَن يستفيد مِن الموارد ، ومَنْ يَخسر النفوذ . مشاريعُ البُنى التحتية والقُروض والمِنَح ، تتحوَّل إلى رهان سياسي حول مَنْ يُسيطر على القرار في غزة ، ومَنْ يملك القُدرةَ على التأثير على مستقبل القطاع .

     إنَّ التحدي الأكبر أمام غزة هو الموازنة بين الحاجة الإنسانية المُلِحَّة ، وبين المناورات السياسية التي قد تُعيد رسمَ السُّلطة دون ضمان مصالح المواطنين . وبَينما يُمثِّل الإعمارُ فرصةً لتخفيف المُعاناة ، فإنَّه في الوقتِ نَفْسِه يَحْمِل خطر تحويل الموارد إلى أدوات سياسية ، بدلًا من أنْ تكون في خدمة الفقراء والمحتاجين والمُتضررين .

     غزة اليوم بين المِطرقة والسندان : الإعمار كضرورة إنسانية عاجلة ، وإعادة رسم السُّلطة في المدى القريب. النجاح في مواجهة هذا التحدي يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة ، ومقاومة الاستقطاب السياسي الداخلي والخارجي ، مع الحرص على أن يكون المواطن الفلسطيني في قلب أيِّ قرار ، فالإعمار الحقيقي لا يكتمل إلا إذا جاء مصحوبًا بإعادة بناء الثقة بين السُّلطة الفلسطينية والفصائل ، وبين المسؤولين والمواطنين ، وليس كأداة لإعادة توزيع النفوذ ، واقتسامِ الغنائم .

11‏/02‏/2026

تحميل مجاني كتاب / نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة

تحميل مجاني لكتاب / نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة

للمفكر / إبراهيم أبو عواد

عدد الصفحات 734

رابط التحميل المجاني ، قم بنسخه وإلصاقه على محرك البحث جوجل ، وافتح بريدك 

الإلكتروني على جيميل ، لتقرأ الكتاب كاملًا ، ويمكنك تنزيله مجانًا

https://drive.google.com/file/d/1xKvDcU0zWh350mRY2MAxD5t132ThflJX/view?usp=sharing

10‏/02‏/2026

تأثيرات علاقة الدبلوماسية الإماراتية هند العويس مع جيفري إبستين

 

تأثيرات علاقة الدبلوماسية الإماراتية هند العويس مع جيفري إبستين

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     تُمثِّل علاقة الدبلوماسية الإماراتية هند العويس مع المجرم المُدان بجرائم جنسية جيفري إبستين إحراجًا شديدًا لِسُلطةِ أبو ظبي ، وتتجاوز حدودَ السياسية التقليدية ، وتمسُّ السُّمعة الدَّولية ، والثقة العامَّة .

     والسُّمعةُ رأس مال سياسي لا يقلُّ أهمية عن القوة الاقتصادية أو العسكرية . ولا شك أنَّ كشف علاقة هند العويس مع جيفري إبستين ، يُضعف الصورةَ الذهنية لإمارة أبو ظبي ، ويُشكِّك في التزامها بالقيم والمعايير الدولية .

     والدُّبلوماسية تقوم على الثقة ، سواءٌ بين الدول أو بين الحكومات وشعوبها . وعِندما تُربَط القنوات بالدُّبلوماسية بأسماء مثيرة للفضائح الجنسية ، تتآكل الثقة في نزاهة القرار السياسي ، وآلِيَّاتِ التواصل الخارجي . وهذا التقويض ينعكس على استعداد الشركاء الدوليين للتعاون .

     والارتباط بشخصية ارتكبتْ جرائم جسيمة يفتح البابَ أمام أسئلة أخلاقية وقانونية حول معايير التدقيق والاختيار في العلاقات العامة وغير الرسمية . كما قد يُعرِّض الدولة لمطالبات بالتحقيق ، أو لضغوط حقوقية وإعلامية مُستمرة ، مِمَّا يستهلك موارد سياسية وقانونية كان يُمكن توجيهها لأهداف أكثر نفعًا .

     القوة الناعمة تُبْنَى عبر الثقافة ، والتعليم ، والعمل الإنساني ، والالتزام بالقيم العالمية . وأيُّ تشكيك في هذه القيم يُضعف أدوات التأثير غير المباشر ، ويُقَلِّل من جاذبية النموذج الذي تَسعى الدولة لتقديمه للعالم .

     داخليًّا ، قد تُؤَدِّي العلاقةُ المشبوهة بين هند العويس وجيفري إبستين إلى تساؤلات شعبية حول الشفافية والمُساءلة ، وتغذيةِ حالة من الشك العام . والحفاظُ على الثقة الداخلية يتطلب وضوحًا ، وإدارة فَعَّالة للأزمات الاتصالية ، والتأكيد على أن السياسة الخارجية تخضع لمعايير صارمة .

     إنَّ العلاقات الشخصية للدُّبلوماسيين مسألة ذات حساسية خاصَّة لِمَا تَحْمله من انعكاسات أخلاقية وقانونية وسياسية . وعندما تكون العلاقة بين امرأة دُبلوماسية ومُجرم مُحترف ، فإنَّ التداعيات تتجاوز الإطار الشخصي لِتُلامس الثقةَ العامَّة ، والأمنَ المُؤسَّسي ، وصورةَ الدَّولة التي تُمثِّلها .

     والدُّبلوماسي يُتوقَّع منه الالتزام بمعايير أخلاقية عالية ، ليس فقط في عمله الرسمي ، بَلْ أيضًا في سُلوكه العام.والارتباطُ بشخص مُدان بجرائم جنسية سَوْفَ يُفَسَّر على أنَّه تساهُل مع سلُوك إجرامي خطير ، أو تجاهل لِمُعاناة الضحايا ، مِمَّا يُضْعِف الثقةَ في نزاهة الدُّبلوماسية وقُدرتها على تمثيل قيم العدالة وحقوق الإنسان .

     مِن الناحية القانونية ، تُثير هذه العلاقة المشبوهة تساؤلات حول تضارب المصالح أو المخاطر الأمنية . فالتعاملُ القريب مع شخص له سِجل إجرامي قد يفتح بابًا للابتزاز ، أو تسريب المعلومات . وهو أمر بالغ الخطورة في العمل الدُّبلوماسي الذي يعتمد على السِّرية والثقة .

     على المُستوى الاجتماعي ، قد تُواجه الدُّبلوماسية الإماراتية هند العويس ضغوطًا نفسية كبيرة نتيجة الوَصْم أو الانتقادات العلنية ، بغضِّ النظر عن دوافعها الشخصية أو قناعاتها ، كما أنَّ هذه العلاقة قد تُعيد فتحَ جِراح ضحايا الجرائم الجنسية ، إذْ قَدْ تُفْهَم كنوع من التطبيع معَ المُجرم الجاني ، أو التقليل من فداحة جرائمه .

09‏/02‏/2026

الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

 

الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها ، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني ، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة .

     في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت ( 1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري ، والمَرجعيةِ الدِّينية ، واللغةِ الفَلْسفية . كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية ، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات . والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل ، وحُدودِ المَعرفة ، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة .

     نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب: المُتكلمون ، والفلاسفة ، والباطنية ، والصُّوفية . وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة . هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها . هَل الحِس صادق ؟ ، وهَل العَقْل يَقيني ؟ ، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد ؟ . لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا ، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل .

     أمَّا ديكارت ، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث ، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو ، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية ، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر ، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه .

     يَشترك الغَزَالي ودِيكارت في نقدِ المعرفة الحِسِّية ، فالغَزَالي يَرى أنَّ الحواس تَخدع ، فالظِّلُّ يَبدو ساكنًا وهو مُتحرِّك ، والكَوكبُ يَبدو صغيرًا وهو أعظم مِنَ الأرض . وَمِنْ هُنا يُقَرِّر أنَّ الحِسَّ لا يَصْلُح أساسًا لليقينِ المُطْلَق، غَيْر أنَّه لا يقف عِند هذا الحد ، بَلْ يَتَّجه إلى العقلِ ذَاتِه مُتسائلًا: إذا كُنْتُ قد شككتُ في الحِسِّ بِحُكم العقل ، فما الذي يَمْنع أنْ يَكُون وراء العقل حاكمٌ آخَر يُكذِّبه كما كَذَّبَ العقلُ الحِسَّ ؟ .

     دِيكارت بِدَوْرِه يَجعل مِنْ خِداعِ الحواس نُقْطَةَ انطلاق لِشَكِّه المَنهجي ، ثُمَّ يُوسِّع دائرةَ الشَّكِّ لِيَشمل العقلَ نَفْسَه ، وهُنا يَبْلُغ الشَّكُّ عِند دِيكارت أقصاه ، إذْ لا يَترك حَجَرًا على حجر في بِناء المَعروفةِ المَوْروثة .

     على الرَّغْمِ مِنْ جَذريةِ الشَّكِّ ، فإنَّ الغاية عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَت الهدمَ الدائم ، بَل الوُصول إلى يقين لا يَتَزَعْزَع ، غَيْر أنَّ طريقَ الخُروجِ مِنَ الشَّكِّ يَختلف اختلافًا جَوهريًّا .

     يَصِلُ الغَزَالي إلى قناعة بأنَّ اليقين لا يُنال بالعقلِ المُجرَّد وَحْدَه،بَلْ بِنُورٍ يَقْذفه اللَّهُ في القلب. وهذا لا يَعني إلغاءَ العقل ، بَلْ وَضْعه في حُدوده الطبيعية ، والاعتراف بأنَّ أسمى الحقائقِ تحتاجُ إلى تَطهيرٍ باطني ، وتَجْرِبَةٍ رُوحيَّة. وَمِنْ هُنا كانت الصُّوفية عِند الغَزَالي ذِرْوَةَ طريقِ اليقين، لا باعتبارها نقيضًا للعقل، بَلْ مُكمِّلة له .

     أمَّا دِيكارت ، فيجد نُقْطَةَ اليقينِ الأُولَى في العِبارة : " أنا أُفكِّر ، إذًا أنا مَوجود " . وحتى لَوْ شككتُ في كُلِّ شَيْء، لا أستطيعُ الشَّكَّ في أنَّني أشُكُّ، ولا في أنَّني أُفكِّر . وهَكذا يَبْني دِيكارت نَسَقَه المَعرفي ، مُستندًا إلى بُنيةِ الأفكار ، وإلى إثباتِ وُجود اللَّه بِوَصْفِه الضامن لصدقِ المعرفة ، وعدمِ وُقوعِ العقل في الخِداع الدائم.

     يُعبِّر الشَّكُّ المَنهجي عِند الغَزَالي عَنْ رُؤية تكاملية للعقلِ والواقعِ ، فالعقلُ أداةٌ ضرورية ، لكنَّه لَيْسَ مَصْدَرَ الحقيقةِ النهائية . واليقينُ الأسمى لا يَتحقق إلا بالهِدايةِ الإلهيَّة ، لذلك يَنتهي الغَزَالي إلى مَوقف نَقْدي مِنَ الفلاسفة الذين غَلَّبُوا العقلَ في مسائل تتجاوز حُدودَه ، كما في الإلهيَّات .

     وديكارت يُمثِّل لحظةً مِفْصَلية في تاريخ الفلسفة الغَرْبية ، حيث أصبحَ العقلُ هُوَ نُقْطَةَ الارتكاز الأساسيَّة . صحيحٌ أنَّ دِيكارت لَمْ يُقْصِ الإيمانَ باللَّهِ ، بَلْ جَعَلَه عُنْصُرًا مَركزيًّا في نَسَقِه، غَيْر أنَّ العلاقة بين العقلِ والإيمانِ عِنده تَمُرُّ عَبْرَ البُرهانِ العقليِّ لا التَّجْرِبة الرُّوحيَّة .

     يَلتقي الغَزَالي ودِيكارت في اعتبارِ الشَّكِّ مَنهجًا لا غاية، ونقدِ المَعرفةِ الحِسِّيةِ ، ورفضِ التَّسليمِ للمَوْرُوث، والبحثِ عَنْ يقين أوَّلي تُبْنَى عَلَيْه المَعرفة .

     ويَفْترقان في مَصدرِ اليقين النهائي ، فَهُوَ نُورٌ إلهيٌّ وتَجْرِبة رُوحيَّة عِند الغَزَالي ، مُقَابِل بَداهة عَقْلية عِند دِيكارت. وفي طبيعةِ المَشروع ، فهو رُوحي إصلاحي عِند الغَزَالي ، وعِلْمي فَلْسفي تأسيسي عِند دِيكارت. وفي المَوقفِ مِنَ العقل، فَهُوَ عقلٌ مَحدود يَحتاج إلى تجاوُز عِند الغَزَالي، وعَقْل مُؤسِّس للمعرفة عِند دِيكارت.

     إنَّ الشَّكَّ المَنهجي عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَ مُجرَّد تَمْرين ذِهْني ، بَلْ هُوَ فِعْل فِكْري في مُواجهةِ الزَّيْفِ واليقينِ السهل . كِلاهما يَرى أنَّ الحقيقة لا تُورَث ، بَلْ تُنال بالكِفاحِ العقلي ، والصِّدْقِ الداخلي ، إلا أنَّ الغَزَالي يَعْتبر أنَّ العقل _ مَهْمَا بَلَغَ _ يَظَلُّ مُحتاجًا إلى نُورٍ أعلى ، بَيْنما يُصِرُّ دِيكارت على أنَّ في العقلِ ذَاتِه بَذْرَةَ الخَلاصِ المَعرفي .

04‏/02‏/2026

فضيحة إبستين حين تعجز الدولة عن محاسبة النخبة

 

فضيحة إبستين حين تعجز الدولة عن محاسبة النخبة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..............

     لَم تَكُن قضية جيفري إبستين مُجرَّد فضية أخلاقية عابرة ، بل تحوَّلتْ إلى مِرْآة كاشفة لخلل عميق في بُنية العدالة داخل الدولة الحديثة ، حين تتقاطع الثروة والنفوذ مع السياسة والأمن والإعلام . والقضية _ بما حملته من اتهامات بالاتجار الجنسي بالقاصرات واستغلال النفوذ _ كشفتْ حدودَ قُدرة الدَّولة في محاسبة النخبة عندما تكون هي المُتَّهَمَة .

     مُنذ بداية التحقيقات،بدا واضحًا أنَّ إبستين لم يكن فردًا معزولًا . شبكة علاقاته شملتْ سياسيين ، ورجال أعمال ، وأكاديميين ، وشخصيات نافذة داخل مؤسسات يُفْتَرَض أنها حارسة للقانون . ومعَ ذلك ، حصل على صفقات قضائية مُخفَّفة بصورة استثنائية ، سمحتْ له بالإفلات من العقاب لسنوات،في سابقة تُقَوِّض مبدأ المُساواة أمام القانون .  هُنا لا تَكمُن الفضيحة في الجريمة وحدها ، بل في النظام الذي سَهَّلَ التغطيةَ عليها .

     تَعكِس هذه القضيةُ نمطًا مُتكررًا في أنظمة ديمقراطية تَدَّعي الشفافية ، حِين يكون المُتَّهَمُون مِنَ الداخل ، تتباطأ العدالة ، وتُفَكَّك القضايا ، وتُعاد صياغة السرديات عبر الإعلام ، ويُخْتَزَل النقاش في تفاصيل ثانوية ، بَينما يُهمَّش جَوهر المُساءلة .

     ومعَ موت إبستين في السجن في ظروف غامضة ، تحوَّلت الحقيقةُ إلى ضحية ثانية ، إذْ أُغْلِقَ باب المُحاكمة ، وبقيتْ أسماء كثيرة خارج دائرة الاتهام .

     الأخطر من ذلك أن هذا العجز لا يَبْدو تقنيًّا بِقَدْرِ ما هو بُنْيوي، فالدَّولة الحديثة _ رغم امتلاكها أجهزة رقابية وقضائية متقدمة _ تبقى أسيرة توازنات القوة . وحين تتداخل المصالح السياسية مع رأس المال ، تُصبح العدالة انتقائية ، ويَغْدو القانون أداةً تُستخدَم ضِد الضعفاء ، وتُعطَّل أمام الأقوياء . وهُنا يتآكل العَقْدُ الاجتماعي ، لأنَّ المواطن يَرى بعينيه أن القواعد لا تُطبَّق على الجميع .

     فضيحة إبستين تطرح سؤالًا جَوهريًّا:هل تستطيع الدولةُ محاسبة النُّخبة حقًّا أَمْ أنَّ النخبة بِحُكْمِ نفوذها تقف فوق الدولة ذاتها ؟. الإجابة لا تتعلق بشخص واحد ، بل بقدرة المجتمعات على فرض الشفافية ، وحماية استقلال القضاء ، وتحرير الإعلام من سَطوة المال والسياسة . من دون ذلك ، ستبقى الفضائح تُدفَن ، وتبقى العدالةُ وعدًا مُؤجَّلًا .

     لَيست فضيحة إبستين استثناءً ، بَلْ هي إنذار شديد الخُطورة ، إنذار بأنَّ دولة القانون لا تُقَاس بِنُصوص الدساتير ، بَلْ بِقُدرتها الفِعْلية على مُحاسبة الأقوياء قبل الضعفاء . وحِين تعجز عن ذلك ، تتحوَّل مِنْ حَكَمٍ عادلٍ إلى شاهدٍ صامتٍ على فسادٍ مُنظَّم ، يَدفع ثَمَنَه المُجتمعُ بأسْره .

03‏/02‏/2026

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

 

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية ، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها . وفي الأدب ، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى .

     في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير ، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة . الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936_ 1972 ) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي ، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه . ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ ، وتَبحثُ عَن العَدالة .

     لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ . فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها ، والأسماءُ التي تتلاشى ، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز ، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ ، وتَشَظِّي هُوِيَّته . والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ . إنَّه تاريخٌ يَنْزِف ، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي .

     على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي ، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر ( 1897 _ 1962 ) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية ، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية .

     في أعماله ، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة . التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ المُتقاطعة ، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي .

     يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية : تَعَدُّد الأصوات ، الانسياب الحُر للوَعْي ، التداخل بين الماضي والحاضر . هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه ، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا ، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ . حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع .

     مِثْل كنفاني ، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية ، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ ، والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق .

     رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر ، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ :

     1_ التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي : في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة ، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط ، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع .

     2_ التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة : كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة ، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ ، لكنَّ النتيجة واحدة : جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ .

     3_ الهُوِيَّة والانتماء : في نُصوصِ الكاتبَيْن ، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة ، وهذا يُشكِّل الفردَ ، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه .

     أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي . كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم ، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه ، ومعَ الآخَرين ، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ .

     مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق ، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية . كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ ، ويَجْعله مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.

     كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية ، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية . والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا عابرة ، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ ، وذاكرةُ الشعب ، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم .

     والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان ، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة . فوكنر في جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية ، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة ، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ .

     يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية ، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ المُهَجَّرِين واللاجئين ، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية ، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ .

     وفي رِواياتِ فوكنر ، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية .

     وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث ، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.

30‏/01‏/2026

التأثيرات الإقليمية لاحتجاجات إيران

 

التأثيرات الإقليمية لاحتجاجات إيران

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................

     لم تعد الاحتجاجات في إيران شأنًا داخليًّا محضًا يمكن فصله عن مُحيطه الجُغرافي والسياسي ، بَلْ تحوَّلتْ بِحُكم موقع إيران وثقلها الديمغرافي والعسكري والأيديولوجي ، إلى عامل إقليمي بالغ التأثير . وكُلُّ اهتزاز داخلي في بُنية الدَّولة الإيرانية ينعكس بدرجات مُتفاوتة على توازنات الشرق الأوسط ، حيث تتشابك المصالح ، وتتقاطع الصراعات ، وتُبنَى السياسات على افتراض استقرار أو اضطراب طَهْران .

     إيران ليست دَولةً عادية في الإقليم ، فهي لاعب محوري في ملفات تمتدُّ من الخليج العربي إلى شرق المتوسط ، ومن آسيا الوُسطى إلى البحر الأحمر . نفوذها لا يقوم فقط على قوتها العسكرية أو عدد سكانها ، بَلْ أيضًا يقوم على شبكة مُعقَّدة من التحالفات والأذرع السياسية والعسكرية العابرة للحدود . لذلك ، فإنَّ أيَّة احتجاجات واسعة النطاق تهزُّ الداخل الإيراني تضع هذا الدَّوْرَ موضع تساؤل ، وتفتح البابَ أمام إعادة حِسابات إقليمية شاملة .

     أحد أبرز الانعكاسات الإقليمية لاحتجاجات إيران يتمثل في وضع حلفاء طهران . هذه القُوى _ سَواءٌ كانتْ دُوَلًا أو حركات سياسية ومُسلَّحة _ تعتمد بدرجات مُختلفة على الدعم الإيراني المالي أو السياسي أو العسكري . وفي حال تصاعدت الاحتجاجات ، فإنَّ القيادة الإيرانية سوف تُضْطَر إلى إعادة ترتيب أولوياتها ، وهذا سَيُؤَدِّي إلى تقليص الموارد المُخصَّصة للخارج لصالح تثبيت الداخل .

     هذا الواقعُ يصنع قلقًا متزايدًا لَدى الحُلَفاء ، ويَدفع بعضَهم إلى البحث عن بدائل ، أوْ تعزيز استقلاليتهم السياسية والعسكرية . وفي حالات أُخرى ، قد تسعى هذه الأطراف إلى تشديد قبضتها الداخلية خشية انتقال عَدوى الاحتجاج، خاصَّة أنَّ الخِطاب الاحتجاجي في إيران يَحمِل في طَيَّاته رسائل في غاية الأهمية والخطورة، مثل المُطالبة بالعدالة الاجتماعية ، ومُساءلة السُّلطة ، ورفض الفساد .

     احتجاجات إيران لا تُقْرَأ فقط من زاوية الصراع بين السُّلطة والمُعارَضة ، بَلْ مِن زاوية رمزية أعمق ، فهي تبعث برسائل قوية مُفَادها أن الدَّولة القوية أمنيًّا ليست بِمَنأى عن الغضب الشعبي ، وأنَّ الشرعية لا يُمكِن أن تقوم إلى الأبد على القمع ، أو الخِطابِ الأيديولوجي وحده .

     السيناريوهات المستقبلية لاحتجاجات إيران متعددة ، وكُلٌّ مِنها يحمل تأثيرات إقليمية مُختلفة . واستمرارُ الاحتجاجات دون تغيير جذري قد يُؤَدِّي إلى إنهاك داخلي يحدُّ من قُدرة إيران على المُبادرة الخارجية . أمَّا نجاح السُّلطة في احتوائها بالقوة أو بالإصلاح الجُزئي ، فقد يُعيد إنتاجَ الاستقرار ، لكنْ بثمن سياسي واجتماعي أعلى ، مِمَّا يَجعل أيَّ استقرارٍ هَشًّا وقابلًا للانفجار مُجَدَّدًا .

     في المُقابل ، فإنَّ أيَّ تحوُّل سياسي عميق داخل إيران _ مهما كان شكله _ سيعيد رسمَ خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط ، ورُبَّما يفتح البابَ أمام مرحلة جديدة تَتغيَّر فيها أولويات الصراع مِنْ مَنطق الهَيمنة الإقليمية إلى مَنطق التَّنمية والاستقرار الداخلي .

27‏/01‏/2026

التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

 

التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     يَقُومُ التشاؤمُ الوُجودي على رُؤيةٍ فلسفية تَتَّسم بالشُّكوكِ العميقة حَوْلَ مَعنى الحياةِ ، ووجودِ الإنسانِ في هذا العَالَم .

     يُعَدُّ أبو العَلاء المَعَرِّي ( 363 ه _ 449 ه / 973 م _ 1057 م ) واحدًا مِنْ أعظمِ شُعراءِ وفَلاسفةِ العَصْرِ العَبَّاسي ، وله بَصْمة فِكرية واضحة في الأدبِ العربيِّ والفلسفةِ .

     كانَ المَعَرِّي شخصيةً مُتفرِّدة في تفكيره ، فَقَدْ عُرِفَ عَنْد تَمَرُّدُه على الواقعِ ، وَرَفْضُه للأنظمةِ الاجتماعية التقليدية التي كانتْ تَحْكُم مُجْتَمَعَه . وفلسفته التشاؤميةُ تأثَّرَتْ بشكلٍ كبير بحياته المَليئةِ بالمُعاناةِ ، على الصَّعِيدَيْن الشخصي والثقافي .

     فَقَدَ المَعَرِّي بَصَرَه في سِن مُبكِّرة ، فكانتْ مُعاناته الجسدية والروحية سببًا رئيسيًّا لتشكيلِ نَظْرته العميقةِ والمُتشائمة تجاه الحياة . في شِعْره وأدبه ، نَجِدُ أنَّه يَتأمَّل في مَصيرِ الإنسانِ ، ويُعبِّر عَنْ يأسِه مِنَ الحياة ، ويُشيد بالمَوْتِ ، ويَعْتبره نِهايةً مأمونة مِنَ الألمِ والضَّياع . وَالحياةُ _ بالنِّسْبةِ إلَيْه _ سِلْسلة مِنَ المُعاناةِ التي لا تَنْتهي ، والإنسانُ يعيشُ في صِراعٍ مُستمر معَ نَفْسِه ، ومعَ الواقعِ الذي لا يَرْحَم . وَهُوَ يَرى الحياةَ طريقًا مَسْدودًا ، لا شَيْء فيه سِوى الهُمومِ والآلامِ التي لا مَفَرَّ مِنْها . والمَعَرِّي يُعَدُّ بذلك رمزًا للتشاؤمِ الوُجوديِّ في الأدبِ العربيِّ ، حَيْثُ يُقَاوِمُ بِشِدَّةٍ مفاهيمَ السعادةِ والخُلودِ في الحياة .

     الفَيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ( 1788 م _ 1860 ) يُعْتَبَر أحدَ أبرزِ مُمَثِّلي التشاؤم الفلسفيِّ . وَهُوَ يَعتقد أنَّ الحياة في جَوْهرها تَتَّسم بالألمِ والمُعاناة ، وأنَّ الوجودَ البشري مَحكومٌ بالألمِ المُستمر. وَقَدْ وَضَّحَ في كِتاباته كَيْفَ أنَّ الإنسان يَتمنَّى بشكلٍ دائم أنْ يَتحقق مُرادُه ، لكنَّه في النِّهاية يُصاب بالخَيبة ، فالرغباتُ لا تَتوقَّف ، وأيُّ إشباعٍ للرَّغْبة يَعْقُبُه شُعورٌ آخَر بالنقص .

     يَعْتبر شوبنهاور الحياةَ ساحة صِراعٍ دائم بَيْنَ الإرادةِ والواقعِ . فالإرادةُ البشرية لا تَشْبَعُ أبدًا ، وكُلُّ رَغْبةٍ يَتِمُّ تحقيقُها تَقُود إلى ألمٍ جديد ، وهذا الألمُ لا يَنتهي إلا بالمَوْت . إذًا ، المَوْتُ هُوَ النِّهاية الوحيدة التي تضعُ حَدًّا لهذه المُعاناة المُستمرة . هذا التشاؤمُ الوجوديُّ الذي يَراه شوبنهاور في حياته لا يَتعلَّق فَقَط بالمُعاناةِ الفَرْدية ، بَلْ يَمتدُّ لِيَشملَ الكَوْنَ بِرُمَّتِه ، الذي يَراه مليئًا بالعبثية .

     تأثَّرَ شوبنهاور بالفَلسفةِ الهندوسيةِ والبُوذية ، حَيْثُ يَعتقد أنَّ الحَلَّ الوحيد لتجاوزِ هذه المُعاناة هُوَ الانسحاب مِنَ الحياة مِنْ خِلال مُمارسةِ الزُّهْدِ والتَّأمُّلِ العميق ، ولكنْ ، حتى في هذا الحَلِّ ، يَبْقى السُّؤالُ قائمًا : هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَتخلَّص فِعْلًا مِنْ هذه الإرادةِ التي تَسْحبه نَحْوَ الألمِ ، أَمْ أنَّ الإنسانَ مَحكومٌ بالمأساةِ الوُجوديةِ إلى الأبد ؟ .

     رَغْمَ الفُروقِ الجُغْرافيةِ والفِكرية بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور، فإنَّ هُناك نِقاطًا مُشتركة بَينهما في تَصَوُّرهما للعَالَم. كِلاهُما يُشكِّك في قِيمةِ الحياةِ ، ويَعْتبرها مَليئةً بالمُعاناة . المَعَرِّي يَرى الحياةَ مَليئةً بالتفاهةِ والألم ، ويُشدِّد على فِكرةِ المَوْتِ كَحَلٍّ وحيد للانتهاء مِنَ الألم . أمَّا شوبنهاور ، فَيَرى أنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بالعَجْزِ والفشل ، ويَعكِس ذلك في فلسفته عن الإرادةِ والشَّهوةِ التي لا تَنتهي.

     كذلك ، نَجِدُ في فِكْرِ المَعَرِّي وفَلسفةِ شوبنهاور رفضًا واضحًا للمثاليةِ التي تُقَدِّمُها الأديانُ أو الأنظمةُ الاجتماعية . المَعَرِّي يَرفضُ المُعْتَقَدَاتِ الدينية السائدة في عَصْرِه ، ويُظْهِر في أعماله شُعورًا بالعَدَمِيَّة تجاه هذه المُعْتَقَدَات . وشوبنهاور ينتقد الأديانَ ، حَيْثُ اعتبرَ أنَّ الوَعْدَ بالخَلاصِ الدِّينيِّ هُوَ وَهْمٌ ومَلاذٌ للتَّهَرُّبِ مِنْ مُواجهةِ حقيقةِ المُعاناة .

     وعلى الرَّغْمِ مِنْ هذه التشابهات ، هُناك فَرْقَ جَوْهري بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور في تفسيرِهما للألَمِ والوُجودِ . المَعَرِّي يَرى في المَوْتِ نِهايةً مُريحة للمُعاناة ، لذلك يَعْتبره جُزْءًا مِنْ دَورةِ الحياةِ الطبيعية ، بَينما شوبنهاور يَرى في الألَمِ جُزْءًا مِنْ طبيعةِ الحياةِ التي لا يُمكِن الهُروب مِنها بشكلٍ كامل إلا عَنْ طريقِ رفض الرَّغَبَاتِ ، والعَيْشِ في حالةٍ مِنَ الزُّهْدِ ، أو الانسحابِ التام مِنَ الواقع .

     يَلْتقي المَعَرِّي وشوبنهاور عِنْدَ مُفْتَرَقِ التشاؤمِ الوُجوديِّ ، بِوَصْفِهِ مَوقفًا مَعْرفيًّا مِنَ العَالَمِ . فالحياةُ عِندهما تَجْرِبة مُثْقَلَة بالألمِ ، والعقلُ مِرْآتها الصافية التي تَكشِف خِدَاعَ اللذةِ ، وَوَهْمَ الخَلاصِ السَّهْلِ . إلا أنَّ المَعَرِّي _ ابن العُزلةِ والزُّهْدِ _ يَرى التشاؤمَ ثَمَرَةَ وَعْيٍ أخلاقيٍّ صارم ، إذْ يُخَاصِم العَالَمَ لا لِيَهْدِمَه، بَلْ لِيُحاكمه بِلُغَةِ الشَّكِّ، فَيَنتهي إلى التَّقَشُّفِ الذي يُخفِّف أذى الوُجودِ بالانصرافِ عَنْه . أمَّا شوبنهاور فَيُؤسِّس تشاؤمه على ميتافيزيقا الإرادةِ العَمْياء، حَيْثُ الألَم قانون كَوْني ، والرَّغْبَة أصْلُ الشقاء ، ولا مَفَرَّ إلا بِتَعليقِ الإرادةِ عَبْرَ الفَنِّ والتَّأمُّلِ .

     ويَتقاطعُ المَعَرِّي وشوبنهاور في نقدِ التفاؤلِ الساذَجِ ، وتَعْريةِ خِطابِ السَّعادةِ السريعة . المَعَرِّي يُقَوِّضُ مُسلَّمات عَصْرِه بالشِّعْرِ ، ويَسْتبدل اليقينَ بالتساؤل، بَينما يُشيِّد شوبنهاور نَسَقًا فلسفيًّا صارمًا يَجْعل التشاؤمَ نتيجةً مَنطقية للمَعْرفة . وكِلاهُما يَرفضُ التصالحَ السَّهْلَ معَ العَالَم ، ويَقْترح بَدَلًا مِنْه تهذيبًا للوَعْي . وهَكذا يَغْدو التشاؤمُ الوجوديُّ عِندهما فضيلةً فِكرية لا هُروبًا .

     إنَّ الألمَ جُزْءٌ مِنَ الحياة ، لكنَّ الأملَ يَكْمُن في قُدرةِ الإنسانِ على التفكير ، والنَّقْدِ ، والتحليل ، حَتَّى وإنْ كانَ في مُواجهةٍ معَ المُعاناةِ الوُجودية التي لا مَفَرَّ مِنها .

15‏/01‏/2026

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

 

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................


     يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية ، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات . وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام  ( 188 ه _ 231 ه / 803 م _ 845 م ) ، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت ( 1888 م _ 1965 م ) . وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن ، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة ، والأفكارِ المُعقَّدة ، والعواطفِ المُكثَّفة .

     أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي ، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري ، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة ، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها . وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ ، والتجديدِ في الصُّوَرِ ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي ، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية .

     اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية ، مِثْلَ : الليل ، والقَمَر ، والرِّيح ، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية ، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة. الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي ، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي ، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة . كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية ، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا ، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة ، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط .

     وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد،مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي ، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية ، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة . هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى ، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي .

     على الجانبِ الآخَرِ مِنَ التاريخِ والجُغرافيا، يَبْرُزُ تي إس إليوت شاعر الحَداثةِ في القرنِ العِشرين،الذي شَكَّلَ رمَزيةً شِعريةً مُعقَّدة ، تَنْبُعُ مِنْ صِراعِ الإنسانِ الحديثِ معَ زَمَنِه ، واغترابِ الرُّوحِ عَنْ عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ بِسُرعة . في أعمالِه نَجِدُ رَمزيةً مُتعددةَ الطَّبَقَاتِ ، حَيْثُ تتشابكُ الأساطيرُ القديمةُ معَ الواقعِ الحديثِ، وتَختلِط اللغةُ اليَوميةُ بالشِّعْريةِ الكلاسيكية، ويُولَد المَعْنى مِنْ تَصَادُمِ الأزمنةِ ، وتُصْبحُ الأمكنةُ جُسورًا للذكرياتِ والحِكايات ، ويتشابكُ الماضي مع الحاضرِ في هَمْسٍ صامت .

     اعتمدَ إليوت على الرُّموزِ لِيَعْكِسَ أزْمَةَ الإنسانِ الحديث ، مُستخدمًا صُوَرًا مألوفةً ومُعَاصِرَةً : المَدينة ، والخَرَاب ، والمَاء ، والرُّمُوز الدِّينية والأُسطورية . ومِنْ خِلال هذا التداخلِ بَيْنَ الرَّمزيِّ والواقعيِّ، صَنَعَ إليوت شُعورًا بالاغترابِ والحَنينِ ، وأتاحَ للقارئِ مَساحاتٍ واسعة للتأويلِ والتَّفْسيرِ ، وهَذا جَعَلَ النَّصَّ الشِّعْرِيَّ غنيًّا ومُتَعَدِّدَ الأبعادِ .

     وعَلى غِرَارِ أبي تَمَّام ، لَمْ يَكُنْ إليوت مُقَيَّدًا بالأُسلوبِ التقليدي ، بَل ابتكرَ أشكالًا جَديدةً مِنَ القَصيدةِ المَقْطعية ، وَدَمَجَ بَيْنَ الشِّعْرِ النَّثْرِيِّ والمُوسيقى الداخليَّةِ للكَلِمات ، مِمَّا أتاحَ له تَوظيف الرُّموزِ بشكلٍ أكثر تعقيدًا وحَداثة ، لِتُصبح تَجْرِبة القِراءةِ مُغَامَرَةً فِكْرِيَّة وجَمَالِيَّة .

     رَغْمَ الفارقِ الزمنيِّ والثقافيِّ بين أبي تَمَّام وإليوت ، إلا أنَّ هُناك نِقاطًا مُشترَكة في رُؤيتهما للشِّعْرِ الرَّمزيِّ :

     1_ التركيز على الرُّموزِ المُعقَّدة : كِلا الشاعرَيْن يَستخدمُ الرُّموزَ لَيْسَ فَقَط للزِّينةِ أو الوَصْفِ، بَلْ لِتَوصيلِ طَبَقَاتٍ مِنَ المَعْنى العَميقِ ، سواءٌ كانَ ذلك أخلاقيًّا وفلسفيًّا عِندَ أبي تَمَّام ، أوْ نَفْسِيًّا واجتماعيًّا عِندَ إليوت .

     2_ التَّجديد الأُسلوبي : أبو تَمَّام وَسَّعَ حُدودَ القصيدةِ العربيةِ التقليدية ، وإليوت كَسَرَ نَمَطَ القصيدةِ التقليديةِ الأُوروبية ، وابتكرَ تِقنيات الحداثة .

     3_ التفاعل مع القارئ : الرَّمزية عِندهما لَيْسَتْ أُحاديةَ البُعْدِ ، بَلْ تَتطلَّب مِنَ القارئِ المُشاركة الفِكرية والعاطفية لفهمِ المَعاني المَخْفِيَّة .

     أمَّا الفارقُ الأبرز ، فَهُوَ في طبيعةِ الرَّمزيةِ نَفْسِها . يَمِيلُ أبو تَمَّام إلى الرَّمزيةِ الجَمَالِيَّةِ والفِكريةِ المُرتبطةِ بالقِيَمِ العَرَبيةِ والإسلاميةِ ، بَيْنَما يَتَّجِه إليوت نَحْوَ الرَّمزيةِ التي تَعكِس أزمةَ الإنسانِ الحديثِ وتناقضاته ، مُستفيدًا مِنَ التاريخِ والأُسطورةِ والثقافة الغَرْبية .

     إنَّ التَّجديدَ الشِّعْري الرَّمْزي لَيْسَ تِقنيةً فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا فِعْلٌ وُجودي ، وَسَعْيٌ لإعادةِ تَشكيلِ اللغةِ كَيْ تَعْكِسَ أبعادَ الوَعْيِ البَشَرِيِّ . أبو تَمَّام يَستخدمُ الرَّمْزَ لِتَوسيعِ فَضَاءَاتِ الجَمَالِ والتأمُّلِ ، وإليوت يَسْتخدمُ الرَّمْزَ لِتَحليلِ الذاتِ والوُجودِ . وَالقاسمُ المُشترَكُ بَيْنَهما هُوَ القُوَّةُ التَّحْويلية للكَلِمَة التي تَتجاوزُ الصَّوْتَ والمَعْنى المُباشر،لِتَصيرَ وسيلةً لاستكشافِ الإنسانِ والزمانِ والمَكانِ. والتَّجْرِبةُ الشِّعْريةُ لِكُلٍّ مِنهما تُمثِّل حالةً فريدةً مِنَ التَّجديد،حَيْثُ استطاعا بفضلِ الرمزيةِ أنْ يُضِيفا عُمْقًا وثَرَاءً للنَّصِّ الشِّعْرِيِّ ، ويَفْتَحَا آفاقًا جديدةً أمامَ القارئِ للتفكيرِ والتأمُّل . وَسَوْفَ يَظَلُّ الشِّعْرُ الرَّمزيُّ جِسْرًا بَيْنَ الثقافات ، وَوَسيلةً خالدةً للتَّعبيرِ عَن الرُّوحِ الإنسانيَّةِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها وجَمَالياتها .

12‏/01‏/2026

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

 

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     تُعَدُّ العلاقاتُ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في السياسة الدولية خِلال العُقود الأخيرة . ومُنذ قِيام الثورة الإيرانية عام 1979 ، لَمْ تَنْفَك هذه العلاقة عن التوترات والاختلافاتِ العميقة ، سواءٌ على المُستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي . لكنْ ، في الآونة الأخيرة ، ومعَ تَصاعُد التظاهرات الشعبية في إيران ضِد النظام الحاكم ، قد تكون هُناك مَخاوف وتحليلات : هل تستغل أمريكا هذه المُظاهرات كَفُرصة لتوجيه ضَربة عسكرية لإيران ؟ .

     شهدتْ إيران في السنوات الأخيرة مَوجات مُتتالية من الاحتجاجات الشعبية ، كانَ أبرزها تِلْكَ التي اندلعتْ في عام 2022 ، احتجاجًا على وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني عَقِب إلقاء القبض عليها مِنْ قِبَل شُرطة الأخلاق التي تَتْبَع الحُكومة الإيرانية ، والتي تَحوَّلتْ إلى تظاهرات شعبية واسعة النطاق مُطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية . وَقَدْ عَبَّرَتْ هذه الاحتجاجات عن سخط واسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الإيراني ، خاصَّة في ظِلِّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والعقوبات الدولية المُستمرة .

     السياسة الأمريكية تجاه إيران محكومة بالعديد من العوامل الإستراتيجية ، ويُعتبَر البرنامج النووي الإيراني أولوية أساسية في السياسة الأمريكية في المنطقة . واشنطن تَرى في هذا البرنامج تهديدًا لأمنها القومي ولأمنِ حُلفائها ، خاصَّة إسرائيل . لذلك ، كانتْ أمريكا تعمل على احتواء إيران مِنْ خِلال العقوبات الاقتصادية والضغطِ الدُّبلوماسي ، كما سَعَتْ إلى تَحجيم نفوذها في المنطقة ، سواءٌ عبر دعم الحُلفاء أوْ مِنْ خِلال تدخلاتها العسكرية المُباشرة في بعضِ الأحيان كما حدث في العِراق وسُوريا .

     والأوضاعُ على الأرض في إيران ، وخاصَّة المُظاهرات الشعبية، قَدْ تُوفِّر لأمريكا فُرصة لاستغلال الاضطرابات الداخلية لصالحها . وَمِنَ المعروف أن التظاهرات في إيران غالبًا ما تَترافق مع دعوات لتحسين الأوضاع الاقتصادية ، إضافة إلى تَنديد بقمع الحريات وحُقوق الإنسان مِنْ قِبَل النظام الإيراني . وهذه الظروف يُمكِن أنْ تُشكِّل ضغطًا داخليًّا على الحكومة الإيرانية .

     أمريكا كانتْ قَدْ فكَّرت في إمكانية توجيه ضَربة عسكرية إلى إيران مِرَارًا ، سواءٌ في عهد الرئيس جورج بوش الابن عندما كان برنامج إيران النووي في ذروته ، أوْ حتى في عهد الرئيس باراك أوباما الذي اكتفى في نهاية المطاف بالمسار الدُّبلوماسي المتمثل في اتفاقية " خطة العمل الشاملة المشتركة " ( الاتفاق النووي الإيراني 2015 ) . لكنَّ التحولات في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة قد تعيد طرح هذا الخيار مَرَّةً أُخْرَى ، خاصَّة في ظِلِّ التوترات المُتزايدة بين طهران وواشنطن .

     إدارة الرئيس دونالد ترامب _ على سبيل المثال _ انسحبتْ من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 ، وزادتْ من الضغوط على إيران عبر سياسة الضغوط القُصوى ، التي استهدفت الاقتصاد الإيراني من خِلال فرض عقوبات مُشدَّدة ، كما قُوبلَ اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سُلَيْماني في يناير 2020 بتنديد واسع من طهران ، مِمَّا زاد من تعقيد العلاقة بين البلدين . إلا أن الوضع الحالي ، ومع انشغال أمريكا في قضايا أُخرى مثل التوترات في أوكرانيا ، والتحديات الاقتصادية الداخلية ، يَطرح تساؤلات جديدة حول ما إذا كانتْ واشنطن مستعدة لاتخاذ خُطوة عسكرية ضد إيران .

    مِن الناحة الإستراتيجية،هُناك مجموعة من العوامل التي تجعل من الضَّربة العسكرية خيارًا مَحفوفًا بالمخاطر:

     1 _ المخاطر العسكرية : أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي حتمًا إلى تصعيد هائل في المنطقة ، ويُهدِّد باندلاع صراع إقليمي واسع . إيران تتمتع بِقُدرات عسكرية قوية ، خاصَّة في مجالات الحرب بالوكالة ، حيث تُدير شبكة واسعة من الفصائل المُسلَّحة في العراق ولبنان واليمن . هذه الميليشيات يُمكِن أن تُنفِّذ هجمات انتقامية ضد مصالح أمريكية أو حُلفاء واشنطن في المنطقة .

     2 _ ردود الفِعْل الدولية : قَدْ تُؤَدِّي أيَّة خُطوة عسكرية ضد إيران إلى تصعيد الأزمة في الشرق الأوسط بشكل يُعمِّق انقسامات المجتمع الدولي . هُناك دُوَل مِثْل روسيا والصين التي تدعم إيران سياسيًّا واقتصاديًّا ، وقد تُعارض أيَّ تدخُّل عسكري أمريكي ، كما أن العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا قد يكونون حَذِرين من اتخاذ هذا النوع من الإجراءات ، نظرًا لتداعياته السلبية على الاستقرار الإقليمي .

     3_ المصالح الاقتصادية : تمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز ، وأي تصعيد عسكري قد يُؤَدِّي إلى إغلاق مضيق هرمز ، الذي يُعتبَر شِريانًا رئيسيًّا لتجارة النفط العالمية . هذا قد يُسبِّ قفزات حادَّة في أسعار النفط ، مِمَّا يُؤَثِّر بشكل غير مباشر على الاقتصاد العالمي ، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي .

     لا يُمكِن الجزم بأن أمريكا سوف تستغل المظاهرات كذريعة لضربة عسكرية ، لكنْ لا شك أن واشنطن قد تستغل هذه الاحتجاجات كأداة ضغط سياسي على النظام الإيراني . التظاهرات في إيران تشير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي ، وهذا قد يكون بِمَثابة فُرصة لأمريكا لتعزيز الدعم السياسي لِمُعارضي النظام الإيراني داخل البلاد . وهذا يشمل دعم الحركات السياسية المُعارضة ، أو زيادة الضغط على النظام مِن خِلال عقوبات اقتصادية إضافية .