تعيش غزة اليوم لحظة
فاصلة بين الانقسام السياسي الداخلي والضغط الدولي والإقليمي ، لإعادة الإعمار بعد
سنوات طويلة من الحصار المتكرر والصراعات المسلحة . المدينة التي دُمِّرَتْ
بُنيتها التحتية مَرَّات عِدَّة ، تُواجِه اليوم تحديًا مزدوجًا : ضرورة إعادة بنا
ما تهدَّم ، وإعادة رسم موازين السُّلطة على الأرض ، بما يتوافق مع الواقع السياسي
الجديد .
الإعمار في
غزة ليس مُجرَّد إعادة للبيوت والمستشفيات والمدارس ، بل هو مشروع سياسي في جَوهره
. المجتمع الدولي _ من خلال التمويل والمساعدات _ يسعى إلى إعادة استقرار المنطقة
، لكنَّه في الوقت نَفْسِه يستخدم هذه المساعدات كأداة ضغط لإحداث تغييرات سياسية
، سواء على مستوى سِياسات حركة حماس ، أو على مستوى السُّلطة الفِلَسْطينية في رام
اللَّه . والمواردُ المحدودة والاحتياجات الهائلة تجعل من عملية الإعمار اختبارًا
لقدرة الفصائل الفلسطينية على إدارة مواردها ، ومُواجهةِ الضغوط الخارجية .
مُنذ
الانقسام الفلسطيني عام 2007 ، صارتْ غزة تحت حُكم حركة حماس ، بَيْنما السُّلطة
الفلسطينية تمارس نفوذها في الضفة الغربية . اليوم ، الإعمار يُطرَح كأداة لإعادة
صياغة هذا الانقسام . التمويل الخارجي والمتطلبات الفنية والإدارية لمشاريع
الإعمار ، تفرض على حركة حماس التعاملَ مع السُّلطة الفلسطينية ، ورُبَّما مع
فصائل أُخرى،في إطار من التفاوض على الصلاحيات والمشاريع . هذا يُعيد فتحَ
النقاش حول إمكانية توحيد مؤسسات الدولة ، أوْ على الأقل إعادة التوازن بين القوى
على الأرض .
إعادة
الإعمار لا تُدار بمعزل عن المحيط الإقليمي والمُجتمعِ الدولي . هناك دُوَل عديدة
تلعب دَورًا في تحديد مَن يستفيد مِن الموارد ، ومَنْ يَخسر النفوذ . مشاريعُ
البُنى التحتية والقُروض والمِنَح ، تتحوَّل إلى رهان سياسي حول مَنْ يُسيطر على
القرار في غزة ، ومَنْ يملك القُدرةَ على التأثير على مستقبل القطاع .
إنَّ التحدي
الأكبر أمام غزة هو الموازنة بين الحاجة الإنسانية المُلِحَّة ، وبين المناورات
السياسية التي قد تُعيد رسمَ السُّلطة دون ضمان مصالح المواطنين . وبَينما يُمثِّل
الإعمارُ فرصةً لتخفيف المُعاناة ، فإنَّه في الوقتِ نَفْسِه يَحْمِل خطر تحويل
الموارد إلى أدوات سياسية ، بدلًا من أنْ تكون في خدمة الفقراء والمحتاجين
والمُتضررين .
غزة اليوم بين المِطرقة والسندان : الإعمار كضرورة إنسانية عاجلة ، وإعادة رسم السُّلطة في المدى القريب. النجاح في مواجهة هذا التحدي يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة ، ومقاومة الاستقطاب السياسي الداخلي والخارجي ، مع الحرص على أن يكون المواطن الفلسطيني في قلب أيِّ قرار ، فالإعمار الحقيقي لا يكتمل إلا إذا جاء مصحوبًا بإعادة بناء الثقة بين السُّلطة الفلسطينية والفصائل ، وبين المسؤولين والمواطنين ، وليس كأداة لإعادة توزيع النفوذ ، واقتسامِ الغنائم .