سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

29‏/06‏/2026

الترحال الأبدي بين سيف الرحبي وألفارو موتيس

 

الترحال الأبدي بين سيف الرحبي وألفارو موتيس

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     في الأدبِ العالمي أصواتٌ كثيرة كَتبتْ عن المكانِ، والغربةِ، والإنسانِ، وهو يَعبر خرائطَ العالَم باحثًا عن ذاته. غَير أنَّ بعض الشعراء لا يكتفون بوصف الرحلة، بلْ يَجعلون منها جَوهر وجودهم ورؤيتهم للكَون. ومِن بَين هؤلاء يبرز الشاعر العُماني سيف الرحبي ( وُلد 1956 ) والشاعر الكولومبي ألفارو موتيس ( 1923_ 2013 ) بوصفهما شاعرَيْن جمعتهما جُغرافيا الترحال، وإنْ فرَّقتهما القارات واللغات والثقافات. كِلاهما ينتمي إلى أدب الرحلة الوجودية، حيث يصبح السفرُ أكثر من انتقال في المكان، ويتحوَّل إلى قَدَرٍ إنساني دائم، وبحثٍ لا ينتهي عن المعنى.

     إنَّ قراءة تجربة سيف الرحبي إلى جانب تجربة ألفارو موتيس تكشف عن تقاطع عميق بين رُوحَيْن شعريتَيْن عاشتا العالَمَ بوصفه فضاءً مفتوحًا للتِّيهِ والتأمُّل. الرحبي الذي خرج من جبال عُمان وصحاريها إلى عواصم العرب والعالَم، حَمَلَ معه ذاكرةَ المكان الأول، وظلَّ يكتب عن المنفى بوصفه حالة داخلية أكثر مِن كَونه موقعًا جُغرافيًّا.

     أمَّا موتيس فقدْ جعل من شخصيته الأدبية الشهيرة " ماكرول " البَحَّار التائه رمزًا للإنسان الذي لا يجد ميناءً نهائيًّا، والذي يواصل الإبحارَ، لأن التوقف يعني موت الحُلْم.

     في شِعر الرحبي لا تبدو المدن محطات مستقرة، بلْ تظهر كأنها ظلال عابرة على طريق طويل. المدينة عنده لَيست مكانًا للإقامة بِقَدْرِ ما هي مساحة للتأمل واستعادةِ الذاكرة. لذلك تتجاور في قصائده العواصمُ الكبرى مع القرى البعيدة، وتلتقي الصحراءُ معَ البحر، ويصبح الزمنُ رحلةً مفتوحة بين الماضي والحاضر. والشاعرُ لا يبحث عن وطن مفقود فَحَسْب، بلْ يسعى إلى اكتشاف المعنى الكامن خلف تحولات الإنسانِ والعالَم.

     أمَّا موتيس فينطلق من رؤية مختلفة ظاهريًّا، لكنها تلتقي في العُمق معَ رؤية الرحبي. العالَمُ عنده مرافئ وسُفن وأنهار ومغامرات لا تنتهي.شخصياته تعيش دائمًا على الحافة،بَين الوصول والرحيل،بَين الحُلْمِ والانكسار، غَير أنَّ هذا الترحال لَيس احتفاءً بالرومانسية أو المغامرةِ الخالصة، بلْ هو إدراك مأساوي لهشاشة الإنسان أمام الزمن. لذلك يبدو أبطال موتيس وكأنهم يعرفون مسبقًا أن الرحلة لن تنتهي إلى خلاص، ومعَ ذلك يواصلون السير.

     يلتقي الشاعران في شعورهما العميق بالزمن. الزمنُ عندهما لَيس مُجرَّد تعاقُب للأيام،بلْ قوة خفية تلتهم الأمكنةَ والوجوه والذكريات.لهذا تتردد في نصوصهما نبرة تأملية حزينة، لا تستسلم لليأس، ولكنها تُدرك فَناءَ الأشياء. إنهما يكتبان من موقع الشاهد الذي رأى العالَمَ يتغير باستمرار، ورأى الإنسانَ يلاحق أوهامَه وأحلامه عبر مسافات لا تنتهي.

     ومِن أجمل ما يَجمع بين التجربتَيْن أنَّ البحر يحتلُّ مكانة مركزية فيهما. البحرُ عند الرحبي هو أفق الحرية والانفتاح، وهو أيضًا مِرآة للغموض والقلق.

     أمَّا عند موتيس فهو قَدَرُ الوجود الإنساني، حيث تتقاطع الطرق، وتضيع الاتجاهات. وفي الحالتَيْن يتحوَّل البحرُ إلى استعارة كُبرى للحياة، حياة لا تمنح يقينًا كاملًا، ولا تَسمح بالاستقرار النهائي.

     كما أنَّ الذاكرة تُشكِّل مِحورًا أساسيًّا في عالَم الشاعرَيْن. الرحبي يعود دائمًا إلى طفولة بعيدة، وأمكنةٍ شكَّلت وَعْيَه الأول، لكنَّه لا يستعيدها بوصفها فِردوسًا مفقودًا، بلْ بوصفها جُزءًا من رحلة مستمرة نحو فهم الذات.

     وموتيس بِدَوره يستدعي عوالم اندثرتْ، وسُفنًا غارقة، ومُدنًا منسية، ليؤكد أنَّ الإنسان يَحمل ماضيه معه أينما ذهب. وهكذا تصبح الذاكرةُ شكلًا آخَر من أشكال الترحال، لأنها تنقل الإنسانَ بين الأزمنة، كما تنقله الرحلةُ بين الأمكنة.

     ورغم اختلاف البيئة الثقافية بين عُمان وأمريكا اللاتينية، فإنَّ التجربتَيْن تتقاطعان في الإحساس الكَوني بالوجود. الشاعران يتجاوزان الحدودَ الوطنية الضيقة كي يُخاطبا الإنسانَ في كُلِّ مكان.

     الغُربةُ التي يكتب عنها الرحبي لَيست غُربة العربي وحده، كما أنَّ متاهة موتيس لَيست حِكرًا على البَحَّار الكولومبي. إنها غربة الإنسان الحديث الذي يعيش في عالَم سريع التحوُّل، ويبحث باستمرار عن نقطة ارتكاز وسط دوَّامة التغيُّر.

     إنَّ الترحال الأبدي عند الرحبي وموتيس لَيس مَوضوعًا شِعريًّا فَحَسْب، بلْ هو أيضًا فلسفة حياة ورؤية للعالَم. الرحلةُ في أعمالهما لا تنتهي عند محطة أخيرة، لأنَّ الوصول الكامل وَهْمٌ مُستحيل. الإنسانُ يُولَد في سَفَر، ويعيش في سَفَر، ويمضي نحو مصيره في سَفَر آخَر. وبَين البداية والنهاية تتشكل الحكاياتُ والقصائد والأحلام.

     استطاعَ الشاعران أن يَمنحا الترحالَ بُعدًا إنسانيًّا عميقًا، وأنْ يُحوِّلا الغُربةَ من تجربة فردية إلى سؤال كَوني عن معنى الوجود. وفي عالَم تتزايد فيه الهجراتُ والتنقلات، وتتشابك فيه الثقافات، تبدو قصائدهما أكثر راهنية من أيِّ وقت مضى، لأنَّها تُذكِّر بأنَّ الإنسان _ مهما استقرَّ في مكان_ يظلُّ مسافرًا في داخله، يَحمل خرائطه الخفية وأسئلته الكُبرى، ويواصل رحلته الأبدية بين الذاكرةِ والحُلْم، بين الواقع والاحتمال، بَين الأرضِ التي يعرفها والأفقِ الذي لا يكفُّ عن النداء.

     يلتقي الرحبي وموتيس في فضاء شِعري واحد، فضاء تتجاور فيه الصحراءُ معَ البحر، والمنفى معَ الميناء، والذاكرة معَ المُغامرة. إنَّهما شاعران جعلا من الترحال لغةً للروح، ومِن السَّفَر استعارةً للوجودِ الإنساني كُلِّه، فبقيتْ أعمالهما شاهدةً على أنَّ أجمل الرحلات هي تلك التي لا تنتهي.

26‏/06‏/2026

الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو

 

الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................


     حِين تتَّجه القصةُ إلى الريف لا تفعل ذلك بوصفه فضاءً جُغرافيًّا فَحَسْب، بلْ أيضًا باعتباره مُستودَعًا للذاكرة الإنسانية، ومسرحًا للصراع بين الإنسانِ وحياته، وبَين الفقرِ والحُلْم، وبَين السُّلطةِ والهامش. وقد استطاع عدد مِن الكُتَّاب في أنحاء العالَم أنْ يُحوِّلوا القريةَ إلى كَون إنساني كامل تتجلى فيه أسئلة الوجود والعدالة والموت والحُب. ومِن بَين هؤلاء يبرز الكاتبُ اليمني زيد مطيع دماج ( 1943_ 2000 ) والكاتب المكسيكي خوان رولفو ( 1917_ 1986 ) بوصفهما نموذجَيْن فريدَيْن للواقعية الريفية التي تجاوزتْ حدودَ المحلية لتبلغ أفقًا إنسانيًّا عالميًّا.

     وعلى الرغم من التباعد الجُغرافي والثقافي بين اليمن والمكسيك، فإنَّ قراءة أعمال الكاتبَيْن تكشف عن تقاطعات عميقة في الرؤية الفنية والوعي الاجتماعي. لقد انطلقا من بيئة ريفية فقيرة ومُهمَّشة، وجَعَلا مِن الإنسان البسيط مِحورًا للسرد، وكَشَفَا البنى العميقة للقهر والاستغلال التي تَحكم حياةَ الفلاحين والمُعْدَمين. غَير أنَّ كُلَّ واحد مِنهما صاغَ هذه التجربة بأسلوبه الخاص، فكانت الواقعية عند دماج مُشبَعة بالبُعد التاريخي والاجتماعي، بَينما امتزجتْ عند رولفو بالشعرية والأسطورة وأجواء العزلة الوجودية.

     لا يظهر الريفُ في أعمال دماج خلفيةً للأحداث فَحَسْب، بلْ أيضًا يتجسد ككائن حَي يَحمل ذاكرةَ المجتمع اليمني وتقاليده وصراعاته. القريةُ اليمنية عنده فضاءٌ تتقاطع فيه علاقاتُ السُّلطة والعادات والأعراف، وتتشكل داخله مصائرُ الأفراد. ومِن خِلال تصويره الدقيق للحياة اليومية، استطاعَ أن يكشف البنيةَ الاجتماعية التي حكمت اليمنَ في مراحل طويلة من تاريخه، حيث كانت السُّلطة التقليدية تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة.

     أمَّا رولفو فقدْ جعل من الريف المكسيكي عَالَمًا مُثْقَلًا بالصمت والخراب. في أعماله يبدو الريفُ وكأنه يعيش بَعد الكارثة، أراضٍ قاحلة، وقُرى مهجورة، وأُناس يطاردهم الفقر والذكريات.

     والريفُ عند رولفو لَيس مكانًا فَحَسْب، بلْ هو أيضًا ذاكرة جريحة خلَّفتها الثورات والحروب والنزاعات الاجتماعية. لذلك تبدو شخصياته وكأنها تعيش بين الماضي والحاضر، بين الحياة والموت، في حالة دائمة من الضياع والانتظار.

     يلتقي الكاتبان في النظر إلى الريف باعتباره مُستودَعًا للتجربة الجَماعية، لكنَّه عند دماج يظلُّ محتفظًا بحيوية اجتماعية واضحة، بَينما يتحوَّل عند رولفو إلى فضاء وجودي يُسيطر عليه الشعورُ بالفقد والانكسار.

     مِن أبرز سِمات الواقعية الريفية لدى الكاتبَيْن انحيازهما العميق إلى الإنسان البسيط. الشخصياتُ الرئيسية لَيست مِن النُّخَب السياسية أو الثقافية، بلْ مِن الفلاحين والرُّعاة والخدم والفقراء الذين يعيشون على هامش التاريخ.

     يَمنح دماج هؤلاء المُهمَّشين صَوتًا إنسانيًّا قويًّا، فيجعل القارئَ يَرى العالَمَ مِن خِلال أعينهم. لا يُقَدِّمهم كضحايا سلبيين، بلْ كأشخاص يمتلكون أحلامًا ورغبات وكرامة إنسانية، حتى وإنْ كانوا واقعين تحت وطأة الاستبداد أو الفقر. لذلك تَحمل شخصياته بُعدًا نقديًّا يكشف اختلالات المجتمع، ويُعرِّي أشكالَ الظلم الاجتماعي.

     أمَّا عند رولفو فإنَّ المُهمَّشين يعيشون غالبًا في عُزلة قاسية. إنهم أفراد مُطارَدون بالجوع والخسارة والخِذلان، لكنهم يحتفظون بعُمق إنساني مؤثِّر. وتنبع قوةُ هذه الشخصيات من قُدرتها على التعبير عن الألم بأقل قَدْر مِن الكلمات، حتى يُصبح الصمتُ لغةً سردية تَحمل معاني الفاجعة.

     وهكذا تتحوَّل الواقعية الريفية عند الكاتبَيْن إلى دفاع عن الإنسان المنسي، ومحاولةِ إعادة الاعتبار لأولئك الذين لَم يكتب التاريخُ أسماءهم.

     تحتلُّ السُّلطةُ موقعًا مِحوريًّا في التجربة السردية عند دماج. الريفُ اليمني الذي يُصوِّره يَخضع لهيمنة قوى اجتماعية وسياسية تستثمر الجهلَ والفقر لإدامة نفوذها. وتنعكس هذه الهيمنة في العلاقات اليومية بين الأفراد، وتوزيعِ المكانة الاجتماعية، وفُرصِ التعليم والعمل والحياة.

    لا يكتفي دماج بتسجيل هذه الظواهر،بلْ يُحوِّلها إلى موضوع نقدي يكشف آلِيَّات الاستغلال، ويدعو ضمنيًّا إلى التغيير. لذلك تكتسب أعمالُه بُعدًا إصلاحيًّا واضحًا، إذْ تنبع مِن وعي حاد بضرورة التحرر من البنى التقليدية التي تعيق تطورَ المجتمع.

     أمَّا رولفو فيتناول السُّلطةَ بصورة أكثر رمزية، وأقل مباشرة. السُّلطةُ عنده تبدو قوة غامضة تترك آثارَها المُدمِّرة على حياة الناس دُون أن تظهر دائمًا في صورة مؤسسات واضحة. إنَّها سُلطة التاريخ والحرب والإقطاع والعُنف المتوارث. ولهذا يشعر القارئُ بأنَّ شخصياته مُحاصَرة بقوى أكبر مِنها، قوى لا تستطيع مواجهتها إلا بالصبر أو الاستسلام.

     تميَّزتْ لغة دماج بقدرتها على الجمع بين الوضوح الفني والعُمق الدلالي، فهو يقترب مِن لغة الحياة اليومية دون أن يفقد جماليات السرد، ويستثمر التفاصيلَ المحلية لإضفاء صِدقية على عالَمه الروائي. كما أنَّ لغته تَحمل نبرة نقدية هادئة تَجعل القارئَ شريكًا في اكتشاف التناقضات الاجتماعية.

     في المقابل، تبدو لغة رولفو أكثر تكثيفًا وإيحاءً، فهو يكتب بِجُمل قصيرة، لكنها مشحونة بالمعاني والظلال النفسية، وتتحوَّل الطبيعةُ في نُصوصه إلى عُنصر شِعري يشارك في تشكيل الدَّلالة، فتغدو الرياحُ والغبار والصمت جُزءًا من البنية السردية.

     ومِن هُنا يمكن القول إنَّ الواقعية عند دماج أقرب إلى الواقعية الاجتماعية التي تعتمد الوصفَ والتحليل، بَينما تَميل عند رولفو إلى الواقعية الشعرية التي تستثمر الرمزَ والإيحاء والصمت.

22‏/06‏/2026

تشكل الهوية الأنثوية بين سعدية مفرح ولويز غلوك

 

تشكل الهوية الأنثوية بين سعدية مفرح ولويز غلوك

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..............


     تُمثِّل الهُويةُ الأنثوية واحدةً من أكثر القضايا حضورًا في الأدب المعاصر، إذْ لَم تعد المرأة موضوعًا للكتابة فَحَسْب، بلْ أصبحتْ ذاتًا كاتبة تعيد تشكيلَ العالَم مِن خِلال لغتها الخاصَّة وتجربتها الوجودية الفريدة.

     ومِن هذا المنطلق تتجلى أهمية المقارنة بين الشاعرة الكويتية سعدية مفرح ( وُلدت 1964 )، والشاعرة الأمريكية لويز غلوك ( 1943_ 2023/ نوبل 2020 )، بوصفهما صوتَيْن شعريين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، لكنَّهما يلتقيان عند سؤال الذات الأنثوية، ومُعضلة تشكُّل الهُوية في مواجهة الفقد والعُزلة والذاكرة والسُّلطة الاجتماعية.

     تتأسَّس التجربة الشعرية لدى سعدية مفرح ولويز غلوك على رحلة داخلية عميقة نحو اكتشاف الذات، حيث لا تُقَدَّم المرأة باعتبارها نموذجًا جاهزًا أوْ كِيانًا مستقرًّا، بلْ باعتبارها مشروعًا دائمًا للتشكُّل والتحوُّل. ولهذا فإنَّ الهُوية الأنثوية في شِعرهما لَيست مُعطى نهائيًّا، وإنما بناء متجدد يتشكل عبر الألم والحُب والغياب والصراع معَ الزمن.

     لا تتعامل سعدية مفرح معَ الهُوية الأنثوية باعتبارها قضية اجتماعية محضة، بلْ تجعل مِنها سؤالًا وجوديًّا يتَّصل بمعنى الكَينونة نَفْسِها. فالذاتُ في قصائدها تبدو دائمًا في حالة بحث، وكأنها تسعى إلى القبض على حقيقتها وسط عالَم متغير ومضطرب. وتظهر المرأةُ في نُصوصها وهي تراقب نَفْسَها مِن الداخل، وتُعيد مُساءلةَ علاقتها بالجسد والذاكرة والوطن والحُب.

     أمَّا لويز غلوك فَتَتَّخذ مِن التأمُّل الوجودي منهجًا شِعريًّا دائمًا، إذْ تنطلق من التجربة الشخصية لتصل إلى أسئلة إنسانية عامَّة. المرأةُ عندها لَيست مُجرَّد شخصية شِعرية، بلْ هي كائن يُواجه هشاشته الخاصَّة أمام المَوت والفَناء والعُزلة. ولذلك تتجلى الهُوية الأنثوية في شِعرها بوصفها وعيًا مأزومًا بالوجود، وسعيًا مستمرًّا لفهم الذات عبر اختبار الخسارة.

     إنَّ التشابه بين الشاعرتَيْن يكمن في رفضهما للهُوية الجاهزة. إنَّهما تنظران إلى الذات باعتبارها كِيانًا متحركًا لا يكتمل أبدًا، بلْ يتشكل باستمرار مِن خِلال التجربة والمُعاناة.

     تحتل الذاكرةُ موقعًا مركزيًّا في بناء الهُوية لدى الشاعرتَيْن. في شِعر سعدية مفرح تتحوَّل الذاكرةُ إلى فضاء تستعيد فيه المرأةُ ملامحَها المبعثرة. الطفولةُ والأماكن الأُولَى والعلاقات الإنسانية تُشكِّل عناصر أساسيَّة في بناء صورة الذات. ومِن خِلال استدعاء الماضي، لا تهدف الشاعرةُ إلى الحنين فقط، بلْ أيضًا إلى إعادة تركيب الهُوية، وفهمِ جذورها العميقة.

     أمَّا لدى لويز غلوك فإنَّ الذاكرة تأخذ طابعًا أكثر قسوةً وتجريدًا، فهي لَيست خزينة للمشاعر الجميلة، بلْ هي مساحة لاستحضار الجِراح القديمة والخَيباتِ المتراكمة. الماضي في شِعرها لا يعود بوصفه زمنًا منتهيًا، بلْ قوة حاضرة تؤثر في تشكيل الحاضر، وتعيد صياغة الشخصية باستمرار.

     وهكذا تصبح الذاكرةُ لدى الشاعرتَيْن أداةً أساسيَّة لإنتاج المعنى، ووسيلة لاكتشاف الذات الأنثوية في علاقتها بالزمن والتجربة.

     يُعَدُّ الجسد أحد أهم مُكوِّنات الهُوية الأنثوية، غَير أنَّ حُضوره في شِعر سعدية مفرح ولويز غلوك يختلف عن الصور التقليدية التي اختزلت المرأةَ في بُعدها الجسدي.

     في شِعر سعدية مفرح يظهر الجسدُ بوصفه مساحة للوعي والتجربة الإنسانية، ولَيس موضوعًا للرغبة فَحَسْب. إنَّه جسد يعيش القلقَ والحُب والانتظار، ويتحوَّل إلى لغة تكشف عن أعماق الذات. ومِن خِلال هذا الجسد تكتب الشاعرةُ تاريخَها الشخصي، وتعلن وجودَها في عالَم كثيرًا ما حاولَ تهميشَ الصوت النسائي.

     أمَّا لويز غلوك فتتعامل معَ الجسد بطريقة أكثر فلسفية وتأمُّلًا. الجسدُ عندها علامة على هَشاشة الإنسان وفَنائه، وهو في الوقتِ نَفْسِه وسيلة لفهم العلاقة بين الحياة والموت. لذلك لا يبدو الجسدُ في قصائدها مجالًا للاحتفاء بِقَدْرِ ما يصبح مجالًا للتساؤل والتأمُّل الوجودي.

     ومِن هُنا يتجاوز الجسدُ لدى الشاعرتَيْن حدودَ البيولوجيا ليصبح عُنصرًا مركزيًّا في تشكُّل الهُوية الأنثوية.

     تُشكِّل العُزلةُ تجربة مِحورية في شِعر سعدية مفرح ولويز غلوك، غَير أنَّ هذه العُزلة لا تُقَدَّم بوصفها حالة سلبية، بلْ باعتبارها فُرصة لاكتشاف الذات، وإعادةِ بنائها.

     في قصائد سعدية مفرح تبدو العُزلةُ مساحةً للتأمُّل وإعادةِ النظر في العلاقات الإنسانية. المرأةُ المنعزلة لَيست مهزومة، وإنما تحاول استعادةَ صوتها الخاص بعيدًا عن ضجيج العالَم. لذلك تتحوَّل الوَحدةُ إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة.

     أمَّا عند لويز غلوك فإنَّ العُزلة تَحمل بُعدًا وجوديًّا أكثر حِدَّة. إنَّها مُواجهة مباشرة معَ النَّفْسِ، وأسئلةِ الحياة الكُبرى. ومِن خِلال هذه المواجهة تتكشف طبقات الهُوية العميقة، وتتَّضح هشاشةُ الإنسانِ وقوته في آنٍ واحد.

     والعُزلةُ لدى الشاعرتَيْن لَيست هُروبًا مِن العالَم، بلْ هي وسيلة لفهمه، وفهمِ الذات داخله.

     تلعب اللغةُ دَورًا حاسمًا في تشكيل الهُوية الأنثوية لدى الشاعرتَيْن. إنَّهما لا تكتبان عن المرأة فقط، بلْ تكتبان مِن داخل تجربتها الخاصَّة.

     تميل سعدية مفرح إلى لغة شفَّافة تَجمع بين البساطة والعُمق، حيث تتداخل اليومياتُ معَ التأملات الوجودية. وتمنح هذه اللغةُ للذات الأنثوية مساحةً للتعبير الحُر عن مشاعرها وأسئلتها دون افتعال أوْ خَطابية.

     أمَّا لويز غلوك فتتميز بلغتها المُكَثَّفَة والدقيقة التي تعتمد على الاقتصاد التعبيري، والبُعدِ الرمزي. ومِن خِلال هذه اللغة تنجح في تحويل التجارب الفردية إلى رؤى إنسانيَّة شاملة.

20‏/06‏/2026

جميع مؤلفات إبراهيم أبو عواد

 

جميع مؤلفات إبراهيم أبو عواد

..................

الدراسات الدِّينية

1_ حقيقة القرآن . 2_ أركان الإسلام . 3_ أركان الإيمان . 4_النَّبِيُّ مُحَمَّد ، صَلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسَلَّم. 5_ دراسات منهجية في القرآن والسُّنَّة. 6_ العُلوم والفُنون في القُرآن. 7_ العمل في القُرآن . 8_ العلاقات الأخلاقية في القرآن . 9_ العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن . 10_ القصص والتاريخ في القرآن . 11_ الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن . 12_ الدَّعوة الإسلامية . 13_ دراسات منهجية في القُرآن والتوراة والإنجيل. 14_ بحوث في الفكر الإسلاميِّ . 15_ منهج الكافرين في القرآن. 16_ الديانات في القرآن. 17_ التناقض في التوراة والإنجيل . 18_صورة اليهود في القرآن والسُّنَّة والإنجيل. 19_ عقائد العرب في الجاهليَّة . 20_ نقض عقائد ابن تَيْمِيَّة المُخَالِفة للقُرآن والسُّنَّة .

الأدب والثقافة والفِكْر

21_ فلسفة المُعلَّقات العَشْر. 22_ النظام الاجتماعي في القصيدة ( المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشِّعْر ) . 23_ صرخة الأزمنة ( سِفْر الاعتراف ) . 24_ مشكلات الحضارة الأمريكية. 25_ حياة الأدباء والفلاسفة العالميين. 26_ خواطر في زمن السراب . 27_ فلسفة المتنبي الشعرية . 28_ المقالات الممنوعة. 29_ نقض كتاب الثابت والمتحول ( جهل أدونيس في قراءة التراث ).

الشِّعْر

30_ الأعمال الشعرية الكاملة ( مجلد واحد )

31_ سيناميس ( الساكنة في عيوني )

الرِّوَاية ( جميع هذه الروايات ممنوعة )

32_ أكفان مغسولة جيدًا

33_ أشباح الميناء المهجور

34_ جبل النظيف

35_ أرشيف القرابين

19‏/06‏/2026

النقد الثقافي بين عبد الله الغذامي ورولان بارت

 

النقد الثقافي بين عبد الله الغذامي ورولان بارت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     شهدت الدراساتُ النقدية في العقود الأخيرة تحولات عميقة نقلت الاهتمامَ مِن النَّص الأدبي بوصفه بِنية جَمالية مُغلَقة إلى اعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية تتشابك فيها أنظمة السُّلطة والمعرفة والتمثيل. وفي خِضَمِّ هذه التحولات برز النقدُ الثقافي بوصفه مشروعًا معرفيًّا يسعى إلى كشف الأنساقِ المُضْمَرَة التي تتحكم في إنتاج الخِطاب، وتَوجيهِ الوعي الجمعي.

     وقدْ أسهمَ عدد مِن النُّقَّاد والمفكرين في ترسيخ هذا الاتجاه، مِن أبرزهم الناقد السعودي عبد الله الغذامي ( وُلد 1946)، والناقد الفرنسي رولان بارت ( 1915_1980 )، اللذان التقيا في الرغبة في تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وافترقا في المنطلقات الفكرية والسياقات الثقافية التي شكَّلتْ رؤيتهما.

     يُعَدُّ الغذامي من أبرز الأسماء العربية التي دافعتْ عن النقد الثقافي، وَسَعَتْ إلى تأصيله في البيئة العربية. وقدْ رأى أنَّ النقد الأدبي التقليدي ظَلَّ أسيرًا للجَماليات الشكلية والبلاغية، مُنشغلًا بسطح النَّص، ومُهْمِلًا ما يختبئ خَلْفَه مِن أنساق ثقافية تُمارس تأثيرَها العميق في المجتمع. ومِن هُنا دعا إلى الانتقال مِن نقد النَّص إلى نقد الثقافة، ومِن الاحتفاء بالمُنْجَز الجَمالي إلى مُساءلة القِيَم التي يُنتجها الخِطاب، ويعيد ترسيخَها.

     ينطلق الغذامي من فكرة أساسيَّة مُفادها أن الثقافة ليست بريئة، وأن الخِطابات المختلفة تَحمل في طَيَّاتها أنساقًا خَفِيَّة تتسلَّل إلى الوعي، وتؤثِّر في السلوكِ الإنساني. ولذلك فإنَّ مُهِمَّة الناقد لا تقتصر على تحليل الصور والأساليب، بلْ تتجاوز ذلك إلى الكشف عن القوى الثقافية الكامنة خَلْفَ النصوص.

     ركَّز الغذامي بصورة خاصَّة على ما سَمَّاه " النسق الثقافي"، وهو البِنية العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيلَ العلاقات الاجتماعية. ومِن خِلال هذا التصوُّر سعى إلى تفكيك الكثير من الظواهر الثقافية العربية، مُتناولًا قضايا السُّلطة، والذكورية، والمركزية الثقافية، وصناعة الرموز الاجتماعية. فالنص عِنده لَيس مُجرَّد عمل فَنِّي، بلْ هو وثيقة ثقافية تكشف طبيعةَ المجتمع الذي أنتجه، وتفضح ما يُحاول إخفاءَه مِن قِيَم وتحيُّزات ومُمارَسات.

     أرادَ الغذامي أن يجعل النقدَ أداةً للوعي والتغيير، لا مُجرَّد نشاط أكاديمي معزول. لذلك ارتبطَ مشروعه بطموح إصلاحي يسعى إلى تحرير العقل العربي من هَيمنة الأنساق التي تُكرِّس الجُمودَ، وتُعيد إنتاج التبعية الفكرية والاجتماعية.

     أمَّا رولان بارت، فهو أحد أهم أعلام الفكر النقدي في القرن العشرين. أسهمَ إسهامًا كبيرًا في الانتقال مِن البنيوية إلى ما بعد البنيوية. وقد انطلقَ في مشروعه من دراسة اللغة بوصفها نظامًا من العلامات، متأثرًا باللسانيات الحديثة، لكنَّه سُرعان ما تجاوزَ حدودَ التحليل اللغوي إلى قراءة الثقافة بأكملها باعتبارها شبكة من الرموز والدَّلالات.

     نظرَ بارت إلى الظواهر اليومية نظرةً نقدية كاشفة، فالإعلاناتُ والصور والأزياء والرياضة والسينما لَيست في نظره أشياء عادية، بلْ هي أنظمة دَلالية تَحمل رسائل أيديولوجية خَفِيَّة. وقدْ تجلَّى هذا المنهج بوضوح في كتاباته، حيث كشفَ كيف تتحوَّل الظواهر الثقافية إلى أساطير حديثة تخدم مصالح اجتماعية وسياسية مُعيَّنة.

     مِن أشهر أفكاره مفهوم " موت المؤلف"، الذي دعا فيه إلى تحرير النص مِن سُلطة صاحبه، ومنحِ القارئ دَورًا مركزيًّا في إنتاج المعنى. فالمعنى عند بارت لَيس ثابتًا أوْ نهائيًّا، بلْ يتولد باستمرار من تفاعل النص معَ قُرَّائه المختلفين. وبهذا التصوُّر فتحَ البابَ أمام قراءات متعددة ومتجددة للنصوص الثقافية والأدبية.

     سعى بارت إلى زعزعة اليقينيات، وكشفِ الأوهام التي تتخفى وراء الخِطابات السائدة، مؤمنًا بأنَّ الثقافة فضاء للصراع والتفاوض وإعادة إنتاج السُّلطة. ومِن هُنا أصبحت القراءةُ عِنده فِعلًا نقديًّا يهدف إلى تحرير الإنسان مِن سَطوة المعاني الجاهزة.

     على الرغم من اختلاف البيئة الثقافية التي ينتمي إليها الغذامي وبارت، فإنَّ بينهما قواسم مشتركة عديدة. كِلاهما رفضَ حَصْرَ النقد في الجانب الجَمالي للنص، وسعى إلى توسيع دائرة التحليل لتشمل الثقافةَ بكلِّ تجلياتها. كما أنَّهما اشتركا في الاهتمام بكشف البِنى الخفية التي تتحكم في إنتاج الخطاب، وتوجيهِ الوعي.

     كذلك يؤمن الاثنان بأن النصوص لَيست كِيانات مستقلة عن المجتمع، بلْ هي جُزء من منظومة ثقافية أوسع تتداخل فيها السُّلطة والمعرفة والقِيَم. لذلك فإنَّ مهمة الناقد تتجاوز الوصفَ والتذوقَ إلى التفكيك والكشف والمُساءلة.

     وقدْ أسهمتْ أفكار بارت في تمهيد الطريق أمام كثير من مشاريع النقد الثقافي المعاصرة، بما فيها مشروع الغذامي، الذي استفادَ من مناهج التفكيك وتحليلِ الخِطاب في بناء رؤيته النقدية الخاصَّة.

     غَير أن هذا التقاطع لا يُلغي وجودَ اختلافات جَوهرية بين المفكرَيْن. بارت انطلقَ أساسًا مِن خلفية فلسفية ولسانية غربية، وكانَ اهتمامه مُنْصَبًّا على تحليل أنظمة العلامات وآليَّاتِ إنتاج المعنى داخل الثقافة الحديثة.

     أمَّا الغذامي فقدْ ركَّز على إشكاليات المجتمع العربي، وسعى إلى توظيف النقد الثقافي في مُعالجة قضايا اجتماعية وفكرية مرتبطة بواقع الثقافة العربية.

     كما أن بارت كان معنيًّا بتفكيك المعنى وإبراز تعدديته، في حِين ركَّز الغذامي على كشف الأنساق الثقافية المُهيمنة وآثارها الاجتماعية. وإذا كان بارت قد انشغلَ بالسؤال: كيف يتمُّ إنتاج المعنى؟، فإنَّ الغذامي انشغلَ بالسؤال: ما هي القوى الثقافية التي تتحكم في إنتاج هذا المعنى؟.

15‏/06‏/2026

المأساة الجماعية بين ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا

 

المأساة الجماعية بين ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................


     حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.

     ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892_ 1941 انتحار )، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.

     جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.

     تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.

     عندما ننتقل إلى مارينا تسفيتايفا نجد أنفسَنا أمام مأساة أُخرى لا تقلُّ قسوة. عاشت الشاعرةُ الروسية في زمن عاصف شهد الثورات والحروب والمجاعات والاضطرابات السياسية الكُبرى. كانتْ رُوحًا شديدة الحساسية في عالَم لا يَرحم. عرفت المنفى والفقرَ والعُزلةَ وفِقدان الأحبة، وتحوَّلتْ حياتها إلى سلسلة متواصلة مِن الصدامات معَ الواقع. لكنَّها _ رغم ذلك كُلِّه_ ظَلَّتْ مؤمنةً بأنَّ الشعر هو المَلاذ الأخير للرُّوح.

     كانتْ تكتب كما لو أنَّها تنقذ نَفْسَها من الغرق. كُلُّ قصيدةٍ لَديها تبدو صرخةً ضِد النسيان، واحتجاجًا على قَسوةِ العالَم. لَم تكن تبحث عن المجد الأدبي بِقَدْرِ ما كانت تبحث عن معنى للحياة وسط الانهيار الشامل. لهذا اكتسبَ شِعْرُها تلك الطاقة العاطفية الهائلة التي جعلته قادرًا على عُبور الزمن واللغات.

     إنَّ المأساة التي تَجمع ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا لَيست مأساةً شخصية فَحَسْب، بلْ مأساة جَماعية أيضًا. كُلُّ شاعرة حَمَلَتْ فوق كَتفيها أعباءَ شعبها وزمانها. الأُولَى عاشتْ في فضاء عربي مثقل بالأزمات والحروب والخَيبات، والثانية عاشتْ في قلبِ التحوُّلات الروسية العنيفة التي مَزَّقَتْ حياةَ الملايين. وهكذا أصبحت القصيدةُ بالنِّسبةِ إلَيهما وثيقةً إنسانية تُسجِّل آلامَ الجَمَاعة مِن خِلال تجربة الفرد.

     ثَمَّة تشابه عميق بين الشاعرتَيْن في إحساسهما بالغُربة. الغُربةُ لَيست دائمًا ابتعادًا جُغرافيًّا عن الوطن، بلْ قد تكون شعورًا داخليًّا بالانفصالِ عَن العالَم. ماجدة داغر عاشتْ غُربةَ الرُّوح وسط واقع مِن الشظايا والانكسارات، ومارينا تسفيتايفا عاشتْ غُربةَ المنفى والاقتلاع والنَّبْذ. وفي الحالتَيْن، كانَ الشعرُ هو الوطنَ البديل الذي احتمتْ به الرُّوحُ مِن الانهيار.

     كما أنَّ الحُب عندهما لَم يكن تجربة رومانسية بسيطة، بلْ كانَ مُحاولة لمقاومة العَدَمِ والخرابِ. في قصائدهما يتحوَّل الحُبُّ إلى قيمة وجودية كُبرى، وإلى بحث دائم عن الخَلاص. لكنَّ هذا الحُب غالبًا ما يَصطدم بواقع قاسٍ، فيزداد الألمُ عُمقًا، وتزداد القصيدةُ تَشَظِّيًا. وهكذا يُصبح الجَمَالُ مَولودًا من قلبِ المأساة، وتُصبح الكتابةُ شكلًا مِن أشكال المقاومة.

     أدركت الشاعرتان هشاشةَ الإنسان أمام القوى الكُبرى التي تتحكم بمصيره. الحروبُ والثورات والانهيارات السياسية والاقتصادية لا تكتفي بتدمير المدن، بلْ تمتدُّ إلى الأرواح أيضًا. ولهذا نجد أنَّ قصائدهما مُشبَعة بإحساس مرير بالفِقدان، وبسؤال دائم حَول جَدوى الحياة وسط عالَم يمتلئ بالعُنفِ والخِذلان.

     ومعَ ذلك، فإنَّ شِعرهما لا يغرق في اليأس الكامل. ففي أعماق الحُزن يظلُّ هُنالك بصيص مِن الأمل. ومُجرَّد كتابة القصيدة هو فِعل مُقاوَمة، وإعلان بأنَّ الإنسان قادر على تحويل ألمه إلى جَمال، وخسارته إلى معنى. وهذا يَجعل تجربتيهما تتجاوزان حُدودَ الزمانِ والمكان لِتُصبحا جُزءًا مِن التراثِ الإنساني العام.

     إنَّ المأساة الجَماعية بين ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا تكشف حقيقةً جَوهرية مُفادها أنَّ الشعراء_ مَهما اختلفتْ لُغاتهم وأوطانهم_ يشتركون في حمل العِبء الإنساني ذاته. إنَّهُم شُهود على الألم، وحُرَّاسٌ للذاكرة، وأصوات لأولئك الذين لا يجدون الكلمات للتعبير عن مُعاناتهم. ومِن خِلال القصائد الشعرية، يتحوَّل الجُرح إلى أُغنية، وتصير الدموعُ اكتشافًا لأحلام الإنسان الضائعة. وهكذا تبقى ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا صورتَيْن متقابلتَيْن لرُوح واحدة ، رُوح شاعرة تَحمل أوجاعَ الناس، وأحزانَ الوطن، وتَصُوغ مِن عذابات الذاتِ والآخرين نشيدًا مِن البكاء الصامت.

13‏/06‏/2026

تحميل كتاب نقض عقائد ابن تيمية

 

تحميل كتاب/ نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة

تأليف: إبراهيم أبو عواد

لتحميل الكتاب مجانًا، انسخ هذا الرابط على محرك البحث، واضغط إنتر

https://drive.google.com/file/d/1xKvDcU0zWh350mRY2MAxD5t132ThflJX/view?pli=1

12‏/06‏/2026

صوت الشعب بين محمد مهدي الجواهري وألكسندر بوشكين

 

صوت الشعب بين محمد مهدي الجواهري وألكسندر بوشكين

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................


     حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

     في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري ( 1899_ 1997 ) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين ( 1799_ 1837 ). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.

     كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.

     يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.

     برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.

     استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.

     أمَّا بوشكين، فيحتل مكانة استثنائية في الأدب الروسي، حتى لُقِّبَ بأبي الأدب الروسي الحديث. أسهمَ في تطوير اللغة الأدبية الروسية، ومنحها قوةً تعبيرية جعلتها قادرةً على احتضان مشاعر الشعب وأفكاره وتطلعاته.

     نشأ بوشكين في فترة كانتْ روسيا تعيش فيها صِراعات سياسية واجتماعية عميقة، فانعكسَ ذلك على نتاجه الأدبي. وقدْ عُرف بمواقفه المُناهضة للاستبداد،  ودَعوته إلى الحرية الفكرية والإصلاح،الأمر الذي جعله عُرضة للمُراقبة والنَّفْي والتضييق.

     لَم يكن بوشكين شاعرًا سياسيًّا بالمعنى الضيق، لكنَّه كان شاعر الإنسان والحرية والكرامة. وقد استطاعَ أن يُصوِّر حياةَ الناس البُسطاء وآمالهم وآلامهم بِلُغة تَجمع بَين الجَمال الفني والعُمق الإنساني. ومِن هُنا أصبح شعره جُزءًا من الوعي الوطني الروسي، ورمزًا للكفاح ضِد القهر والقيود.

     على الرغم من المسافة الشاسعة التي تَفْصل العِراقَ عن روسيا، فإنَّ المُتأمل في تجربة الجواهري وبوشكين يكتشف أوجه شَبَه لافتة بينهما:

     1_ كِلاهُما جَعل من الشعر رسالة إنسانية تتجاوز حدودَ الترف الفني. الشعرُ عندهما لَم يكن مُجرَّد كلمات مَوزونة، بلْ كان موقفًا أخلاقيًّا ومسؤولية تجاه المجتمع.

     2_ ارتباطهما الوثيق بقضايا الشعب. عبَّر الجواهري عن آلام العِراقيين وطُموحاتهم، كما عبَّر بوشكين عن تطلعات الروس إلى الحرية والكرامة، ولهذا وَجَدَ الناسُ أنفسَهم في قصائدهما، وشعروا بأنَّ الشاعرَيْن يتحدَّثان بلسانهم.

     3_ الجُرأة في مُواجهة السُّلطة. دَفَعَ كُلٌّ مِنهما ثمنَ مواقفه الفكرية والوطنية، وتَحَمَّلَ ضُغوطًا سياسية واجتماعية كبيرة بسبب دفاعه عن الحق والحرية.

     4_ امتلاك مَوهبة فنية استثنائية مكَّنتهما من تحويل التجربة الشخصية إلى قضية عامَّة، والارتقاءِ بالمشاعر الفردية إلى مُستوى الوِجدان الجَمْعي للأُمَّة.

     ومعَ هذا التشابه، إلا أنَّ لكل شاعر خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخَر. نشأ الجواهري في بيئة عربية دينية غنية بتراثها الشعري العريق، لذلك جاءتْ قصائده امتدادًا للتقاليد العربية الكلاسيكية معَ تجديد في الرؤيةِ والمضمون. أمَّا بوشكين فقدْ تأثرَ بالتيارات الأدبية الأوروبية والرومانسية الغربية، وسعى إلى بناء هُوِيَّة أدبية روسية حديثة تَجمع بين التراثِ المحلي والانفتاحِ على الثقافة العالمية. كذلك اتَّخذ الجواهري من الخِطاب المباشر والحماسي وسيلة للتأثير في الجماهير، بَينما مالَ بوشكين إلى التعبير الرمزي والفني الذي يترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل والاستنتاج.

     واختلافُ الأساليب لَم يمنع وَحْدَةَ الهدف. كِلاهُما كان يسعى إلى خدمة الإنسان، والدفاعِ عن حَقِّه في الحرية والحياة الكريمة. تكشف تجربة الجواهري وبوشكين عن حقيقة جَوهرية مُفادها أن الأدب العظيم لا يُولَد في عُزلة عن المجتمع، بلْ ينبثق من تفاعل عميق معَ قضاياه وهُمومه. والشاعرُ الحقيقي لَيس مُجرَّد صانع للجَمالِ اللغوي، وإنَّما شاهدٌ على عصره، وحارسٌ لِقِيَمِ الحق والعدالة.

     وقد أثبتَ الشاعران أنَّ الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الجُغرافية والزمنية، وأنَّ صوت الشعب حين يجد مَنْ يُعبِّر عنه بصدق يتحوَّل إلى قوة لا يُمكن إخمادها. ولهذا بقيتْ أعمالهما حَيَّةً في الذاكرة الثقافية، تتناقلها الأجيالُ بوصفها رمزًا للنضال والوعي والكرامة.

10‏/06‏/2026

تحميل كتاب/ جهل أدونيس في قراءة التراث

 

تحميل كتاب/ نقض كتاب الثابت والمتحول

جهل أدونيس في قراءة التراث

تأليف: إبراهيم أبو عواد

انسخ هذا الرابط على محرك البحث لتحصل على نسخة من الكتاب بي دي إف مجانًا

https://drive.google.com/uc?export=download&id=1TLr7k-60wcLLmHZmvDHGKtxIULSYhx_P

09‏/06‏/2026

عزلة المثقف بين عيسى الناعوري وناتسومي سوسيكي

 

عزلة المثقف بين عيسى الناعوري وناتسومي سوسيكي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................

     لَيست عُزلة المثقف حادثةً عابرة في تاريخ الفكر الإنساني، بلْ هي قَدَرٌ يتكرر كُلَّما ازدادَ وعي الإنسان بذاته وبالعالَم مِن حَوله. المثقفُ، بِحُكم موقعه بين الواقع والحُلْم، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يجد نفسه في كثير من الأحيان غريبًا عن مُحيطه، ومُحَاصَرًا بأسئلة لا تَشغل الآخرين، ومُثْقَلًا برؤية تتجاوز حدودَ اليَومي والعابر. ومِن هُنا تبدو العُزلة تجربة وجودية عميقة يعيشها أصحابُ الفكر والإبداع في مختلف الثقافات، ولَيست انقطاعًا عن المجتمع والعالَمِ.

     عِند التأمل في تجربة الأديب الأردني عيسى الناعوري ( 1918_ 1985 ) وتجربة الروائي الياباني ناتسومي سوسيكي ( 1867_ 1916 )، نجد أن المسافة الجغرافية والحضارية الشاسعة بينهما لَم تمنع من التقاء تجربتيهما عند نقطة جَوهرية هي عُزلة المثقف. عاشَ كُلٌّ منهما قلقَ الإنسانِ الذي يمتلك وعيًا يتجاوز عصره، ويشعر في الوقت نفسه بثقل الانتماء إلى مجتمع يتغير بِبُطء، أوْ يتغير في اتجاه لا ينسجم معَ تطلعاته الرُّوحية والفكرية.

     يُشكِّل الناعوري واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية العربية في القرن العشرين، فقدْ جمع بين الأدبِ والترجمة والعمل الثقافي، وسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية، غَير أنَّ هذه الرحلة الفكرية لَم تكن خالية من الشعور بالغربة والعزلة.

     كانَ الناعوري يرى الثقافةَ رسالةً تتجاوز حدودَ الترف الفكري، لذلك اصطدمَ مِرارًا بواقع لا يَمنح المعرفةَ مكانتها المستحقة. فالمثقفُ في مجتمعات كثيرة يجد نفسه مُطالَبًا بأن يكون شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، لكنَّه في الوقت نفسه عاجزٌ عن التأثير المباشر فيها. وهكذا تتشكل عُزلة مزدوجة: عُزلة عن العامَّة الذينَ لا يدركون أهمية مشروعه الثقافي، وعُزلة عن المؤسسات التي كثيرًا ما تنظر إلى الثقافة بوصفها هامشًا لا مَركزًا.

     انعكستْ هذه التجربة في كتاباته التي تفيض بإحساس عميق بالحنين، والبحثِ عن المعنى. والناعوري لَم يكن منفصلًا عن مُجتمعه، لكنَّه كان يشعر أحيانًا بأنه يسير أمام زمنه بخطوات، فيرى مَا لا يراه الآخرون، ويَحمل هُمومًا تتجاوز حدودَ اللحظة الراهنة. ومِن هُنا كانت عُزلته عزلة المفكر الذي يزداد التصاقًا بقضايا أُمَّته كلما ازدادَ شعوره بالوَحدة.

     أمَّا ناتسومي سوسيكي فقدْ عاشَ واحدةً من أكثر التجارب الفكرية تعقيدًا في تاريخ اليابان الحديث. فقدْ جاء في مرحلة انتقالية شهدت انفتاحَ اليابان على الغرب بصورة غير مسبوقة، وكانَ عليه أن يُواجه السؤالَ الكبير: كيف يمكن للإنسان الياباني أن يحافظ على هُويته وسط مَوجة التحديث الجارفة؟.

     عندما أُرْسِلَ سوسيكي إلى بريطانيا للدراسة، لَم تكن الرحلة مُجرَّد انتقال جُغرافي، بلْ كانت مُواجهة حادَّة مع اختلاف الحضارات. هُناك اكتشفَ أن المعرفة الغربية التي كان يسعى إليها لا تمنحه الطمأنينة التي توقَّعها. بلْ على العكس، ازدادتْ غُربته حِدَّةً، وشعر بأنه يقف بين عَالَمَيْن لا ينتمي تمامًا إلى أيٍّ مِنهما.

     وتظهر هذه الأزمة بوضوح في رواياته الكُبرى، حيث تتكرر صورة الفرد المنعزل الذي يعجز عن بناء جسور حقيقية معَ الآخرين.إنَّ أبطال سوسيكي لَيسوا أشخاصًا مهزومين بالمعنى التقليدي، بلْ هُم أفراد يمتلكون حساسية فكرية وأخلاقية عالية تجعلهم أكثر وعيًا بالتناقضات التي تُحيط بهم. لذلك، فإنَّ عُزلتهم لَيست نتيجة ضعف، وإنما نتيجة وعي مفرط يَجعل التَّكَيُّفَ معَ الواقع أمرًا بالغ الصعوبة.

     أدركَ سوسيكي أنَّ التقدم المادي لا يضمن بالضرورة التوازنَ الرُّوحي، وأنَّ الإنسان قد يربح العالَمَ الخارجي، ويَخسر عالَمَه الداخلي. ومِن هُنا تحوَّلت العُزلة في أعماله إلى سؤال فلسفي حَول معنى الذات والحرية والانتماء.

     وعلى الرغم من اختلاف البيئة العربية التي عاشَ فيها الناعوري عن البيئة اليابانية التي عاشَ فيها سوسيكي، فإنَّ القارئ يَلمح خيطًا إنسانيًّا مشتركًا يربط بينهما. كلاهما مثقف حَمَلَ عِبْءَ الوعي في زمن التحولات الكبرى، وكلاهما حاولَ أن يصالح بين الأصالةِ والانفتاح، وبين الانتماءِ المحلي والأفق الإنساني الواسع.

     لَم تكن عُزلة الناعوري مكانية فَحَسْب، ولَم تكن عُزلة سوسيكي مُجرَّد اغتراب حضاري، بلْ كانتا تعبيرَيْن مختلفَيْن عن أزمة المثقف الذي يرى الواقعَ بعين ناقدة. وكُلما اتَّسعت المعرفةُ، اتَّسعت معها مساحة الأسئلة، وكُلما تَعَمَّقَ الوَعْي، ازدادتْ صعوبة الانسجام معَ السائدِ والمألوف.

     والمثقفُ الحقيقي لا يعيش في راحة كاملة، لأنَّه يظلُّ مشغولًا بمراجعة الأفكار والقِيَم والمُسلَّمات. ولهذا تبدو العُزلة أحيانًا ثمنًا للمعرفة، وضريبة للرؤية البعيدة. وبَينما ينشغل كثيرون بما هو يَوْمي وعابر، ينشغل المثقف بمصير الإنسانِ والمجتمع والتاريخ، وهي أسئلة لا تسمح لصاحبها بالاستقرار النَّفْسي الكامل.

     ومِن الخطأ النظرُ إلى عُزلة المثقف باعتبارها علامة على الانسحاب أو الهزيمة. ففي كثير من الأحيان تكون هذه العُزلة مَصدرًا للإبداعِ والتجدد الفكري. لقدْ أنتجَ الناعوري أهمَّ أعماله وهو يَحمل إحساسًا عميقًا بالمسؤولية الثقافية، كما كتبَ سوسيكي أعظمَ رواياته مِن قلبِ أزمته الوجودية.