سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

11‏/09‏/2026

شعر المنصات والجماهير بين محمد إبراهيم ورسمي ويفغيني يفتوشينكو

 

شعر المنصات والجماهير بين محمد إبراهيم ورسمي ويفغيني يفتوشينكو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

................


     هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان، للوهلة الأُولَى، بعيدتين كُلَّ البُعد، تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي ( 1943_ 2022 ) المعروف باسم هدراوي ، وتجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو (1932_ 2017 ). أحدهما خرج من فضاء القرن الأفريقي، حيث للكلمة المنطوقة وزنٌ هائل في الثقافة الشفوية، والآخر خرج من روسيا السوفييتية في زمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصبح حدثًا عامًّا، وأن يتحوَّل الشاعرُ إلى ظاهرة جماهيرية.

     ومعَ ذلك، حين نضع الشاعرَيْن جنبًا إلى جنب، نشعر بأن بينهما قرابة خفيَّة. ليست قرابة في اللغة والتاريخ والجغرافيا، ولا حتى في البنية الفنية المباشرة للقصيدة، وإنما في شيء أعمق، وهو الإيمان بأن الشاعر لا يعيش وحده داخل قصيدته، وأن القصيدة إذا خرجتْ من فم صاحبها تستطيع أن تصبح جزءًا من الوعي الجمعي.

     كان محمد إبراهيم ورسمي واحدًا من أبرز شعراء الصومال، حتى عُدَّ من أعلام الشعر الصومالي، ولُقِّبَ أحيانًا بـ " شكسبير الصومالي". أمَّا يفتوشينكو، فقد كان من أبرز أصوات  الشعر الروسي في القرن العشرين، وارتبط اسمُه بالجيل الذي وَجد في الشعر وسيلة للتعبير عن أسئلته الأخلاقية والسياسية والإنسانية.

     لكن الأهم من السيرة هُنا هو المشهد، حيث يكون الشاعر على منصة، والجمهور أمامه، والقصيدة بينهما. هذا المشهد البسيط يكشف الكثيرَ، ويدل على أنَّ الشاعر لا يريد أن يكون وحده.

     وإحدى مشكلات الشعر الحديث أنه انفصل كثيرًا عن صوته الأول. صار النص في الديوان، والديوان على الرف، والرف في مكتبة، والمكتبة في غرفة، والقارئ وحده أمام الورق. لا مشكلة في ذلك طبعًا، فالشعرُ العظيم يستطيع أن يعيش في الصمت، ورُبَّما يحتاج إليه، لكنَّ ثَمَّة شِعْرًا آخَر يفقد شيئًا من طاقته حين يُنْتَزَع من الصوتِ والجمهور والإيقاع الحي.

     القصيدة عند محمد إبراهيم ورسمي ( هدراوي ) ليست مجرد ترتيب جميل للكلمات، إنها صوتٌ اجتماعي، وذاكرةُ مجتمع، وقلقُه، ونظرته إلى نفسه، وأسئلته الأخلاقية والوطنية. وتكشف نصوصُه عن تصوُّر واضح للشعر بوصفه أكثر من زخرفة لغوية، فهو إحساس ومعنى وصوت للمُجتمع وذاكرة وهُوية.

     والشاعرُ حين يرى نَفْسَه صوتًا للجماعة، لا يعود يتعامل مع القصيدة باعتبارها مِلْكًا شخصيًّا خالصًا. القصيدةُ تصبح شيئًا يحدث بينه وبين الآخرين. هو يقول، والناسُ يَرُدُّون، وقد لا يكون الرد كلامًا، رُبَّما يكون صمتًا، أو دمعةً، أو هتافًا، أو تصفيقًا مفاجئًا يجعل الشاعرَ يدرك أن الكلمات التي ظنَّ أنها خرجتْ منه وحده، كانت تسكن في الآخرين أيضًا.

     الشعرُ الصومالي ارتبط تاريخيًّا بقوة الأداء الشفهي، والحفظِ، والمجالسِ، والمناسبةِ، والحضورِ الاجتماعي للشاعر، لذلك فإنَّ القصيدة لا تكون مكتملة تمامًا إلا حين تستعيد صوتَها. وهذا يُفَسِّر إلى حد بعيد لماذا يمكن لشاعر مثل هدراوي أن يصبح أكثر من مجرد صاحب دواوين، إنَّه يصبح ذاكرةً ناطقة. حين يقول الشاعرُ شيئًا عن الوطن، لا يعود الوطنُ فكرةً مُجرَّدة، يصبح هو المكانَ الذي يعرفه السامعون، والوجوهَ التي تركوها خلفهم، والقبيلةَ، والمجتمعَ، واللغةَ، والأرضَ، والغيابَ، والأيامَ التي عاشوها بالفِعْل. لذلك فإنَّ شعر هدراوي لا يمكن فهمه بالكامل إذا حُصر في الكلمات المكتوبة وحدها. الكلمةُ عنده لها ظِل، ونبرة، ومقام، وجمهور، والشعرُ بالنسبة إليه هو مِرآة المجتمع وصرخته ودليله وتراثه. وهذه الرؤية ليست تفصيلًا هامشيًّا، بل هي مفتاح لفهم العلاقة بين الشاعر والجمهور في تجربته.

     الشاعرُ هُنا لا يقف فوق الناس، إنَّه يقف بينهم. وقد يكون أحيانًا في مقدمتهم، لكنَّه لا يتعالى عليهم، وهذا بالضبط ما يجعل الشاعرَ الشعبي الكبير مختلفًا عن شاعر الشهرة. الأول تصنعه الجماعة، لأنه استطاع أن يُعبِّر عنها، أمَّا الثاني فيحاول أن يصنع جماعةً حَول اسمه.

     يفتوشينكو استطاع أن يصل إلى جمهور واسع جدًّا، خصوصًا بين الشباب والطلاب، وأمسياته الشعرية كانت أحداثًا جماهيرية حقيقية، حيث يتجمع آلاف المستمعين في القاعات والساحات والملاعب، بسبب ارتباطه بأسئلة الحرية والعدالة والإصلاح وهمومِ الجيل الذي عاش التحولات السوفييتية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

     هدراوي كان يتحدث من قلب مجتمع له لغته وذاكرته وتحوُّلاته وصراعاته، لذلك لَم تكن القصيدة عنده ترفًا ثقافيًّا مستوردًا، وإنما جُزء من نسيج الحياة نفسها. وهُنا يصبح الشعرُ وسيلةً للتعرف إلى الذات.

     لكن السؤال الأصعب هو: هل الشاعر يقود الجمهور أم الجمهور يقود الشاعر؟. رُبَّما الاثنان معًا. الشاعرُ يلتقط شيئًا في الهواء، أو إحساسًا غير واضح، أو غضبًا لَم يجد لغةً، أو خوفًا لا يعرف الناسُ كيف يُسَمُّونه، أو حنينًا منتشرًا بين البيوت، ثم يصنع منه قصيدةً. وعندما يسمعها الناسُ يقولون: نعم، هذا ما كُنَّا نشعر به. وهُنا يبدو الشاعرُ كأنه قائد، لكنه في الحقيقة كان مستمعًا بارعًا، وهذه هي قوة الشعر الجماهيري حين يكون صادقًا، إنَّه لا يفرض على الناس شعورًا من الخارج، بلْ يمنحهم لغةً لشعورٍ موجودٍ أصلًا في داخلهم. رُبَّما لهذا السبب استطاع هدراوي أن يحتل مكانةً خاصة في الوجدان الصومالي، ورُبَّما لهذا السبب أيضًا كانت قصائد يفتوشينكو الاحتجاجية تجذب أعدادًا كبيرةً من الشباب.

     عَرَفَ الشاعران أن الشعر يمكن أن يكون فِعلًا اجتماعيًّا، ولَم يتعاملا معَ القصيدة باعتبارها لعبةً لغوية معزولة، واستطاعا أن يصنعا علاقةً مع الجمهور تتجاوز الإعجابَ الجمالي إلى الإحساس بالانتماء.

     هُناك شِعرٌ يصف الحياةَ، وشِعرٌ آخَر يحاول أن يحاسبها. يفتوشينكو كان كثيرًا ما يقف في المساحة الحرجة بين الاثنين. شِعرُه يرفض القمعَ والتمييز، ويمتلئ بالأسئلة الأخلاقية والوطنية والإنسانية التي شغلتْ مُجتمعه. وهذا يُفَسِّر جزءًا من حضوره.

     والجمهورُ لا يحتاج دائمًا إلى شاعر يُطمئنه، أحيانًا يحتاج إلى شاعر يُزعجه، ويُوقظه، ويجعله يفكر، ويضع أمامه مِرآةً لا يستطيع الهربَ منها، وهُنا يصبح التصفيق شيئًا مُعقَّدًا. هل صَفَّقَ الجمهور لأن الشاعر قال كلامًا جميلًا أمْ صَفَّقَ لأن الكلام أصابَ جُرحًا؟. رُبَّما لهذا كان تصفيق الجمهور في أمسيات يفتوشينكو أقرب إلى رد فِعل سياسي وأخلاقي مِنْه إلى إعجاب أدبي فقط. وهُنا تتحول القصيدةُ إلى موقف، والمنصة إلى ساحة عامَّة، والتصفيق إلى لغة.

     أمَّا عند هدراوي، فإن العلاقة بين الشعر والجماعة تأخذ بُعدًا آخر شديد الحساسية ( الهُوية). حين يكتب الشاعرُ عن لغته الأم، والمجتمعِ، والوطنِ، فهو لا يكتب عن أشياء خارجية عنه، إنَّه يكتب عن البيت الداخلي للإنسان.

     والجماهيريةُ عند يفتوشينكو ليست مُجرَّد شهرة إعلامية، إنها نتيجة تفاعل بين شخصيته الأدائية، وقوةِ حضوره، والأسئلةِ التاريخيةِ التي حَمَلَها، ورغبةِ جيلٍ كاملٍ في العثور على صوت يُعبِّر عن تطلعاته.

     قوةُ الشاعرَيْن جاءتْ من قدرتهما على تحويل التجربة الفردية إلى إحساس مشترك، وهذا أصعب ما يمكن أن يفعله الشعر. أن تبدأ من "أنا" وتنتهي عند"نحن". سوف تنطفئ المنصة، ويتفرَّق الجمهور، وتُطوَى المقاعد، وتنتهي الأمسية. لكن إذا بقيتْ جُملة واحدة من القصيدة في رأس إنسان، فشيء من الشاعر ما زال حيًّا.

     هدراوي رحل، لكن حضوره الشعري لَم يرحل بالطريقة نفسها، وما زالت نصوصُه تُقْرَأ، ويُستعاد صوتُه في سياق الحديث عن الشعر الصومالي والهُويةِ والمجتمع.

     ويفتوشينكو رحل أيضًا، لكن ظاهرة الشاعر الذي يقف أمام آلاف الناس، ويجعل القصيدةَ قضية عامَّة بقيتْ واحدةً من الصور اللافتة في تاريخ الشعر الروسي الحديث.

     وهذا هو الاختبارُ الأخير للشاعر، ليس كَم شخصًا صفَّق له في حياته، بلْ كم شخصًا ظلَّ يسمعه بعد أن انتهى التصفيق.

08‏/09‏/2026

إشكالية الانتماء المزدوج بين عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو

 

إشكالية الانتماء المزدوج بين عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................


     ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

     الكاتبُ الذي وُلد في أفريقيا، وتعلَّمَ في مدارس تركتْ فيها فرنسا لغتها وثقافتها، ثم غادرَ إلى أوروبا، وعاش فيها، وكتبَ بلغة المُستعمِر، لا يستطيع أن يتعامل معَ الهُوية بوصفها بطاقة تعريف إدارية. لا يكفي أن يقول: أنا جيبوتي، أو أنا كونغولي، أو أنا فرنسي، وكأن المسألة انتهت. فالهُويةُ في هذه الحالة ليست خانة في جواز سفر، وإنما ذاكرة تتجاذبها أمكنة متعددة، ولغات متعددة، وتواريخ لا تزال آثارُها حاضرةً في الجسدِ واللغة والخيال.

     مِن هُنا تبدو تجربة الكاتب الجيبوتي عبد الرحمن وابيري ( وُلد 1965 )، وتجربة الكاتب الكونغولي آلان مابانكو ( وُلد 1966 ) جديرتين بالقراءة معًا. كلاهما كاتب أفريقي يكتب بالفرنسية، وغادرَ فضاءه الأفريقي إلى الغرب، ووجدَ نفسه أمام سؤال الانتماء، لكنَّهما لا يُقَدِّمان الجوابَ نفسه. إنهما يكشفان وجهين مختلفين للمأزق نفسه: كيف يمكن للكاتب أن ينتمي إلى مكان وُلد فيه، وإلى مكان آخَر أعادَ تشكيلَ وعيه، من دون أن يتحوَّل إلى سجين لأحدهما؟.

     هناك وهمٌ شائع يقول إنَّ المهاجر يغادر وطنه كما يغادر المرءُ بيتًا قديمًا، يغلق البابَ وراءه، ويمضي إلى مكان جديد، ويبدأ حياته من الصفر. لكن الكاتب لا يستطيع أن يفعل ذلك، إنَّه يحمل البيت معه، يحمل رائحة الشوارع، وأصوات الأمهات، وأسماء الأماكن، والخوف القديم، واللغة الأُولَى، وصور الطفولة، وحكايات الجدات، وتفاصيل الجغرافيا، وحتى الأشياء التي كان يظنُّ أنه نسيها، لهذا لَم تكن الكتابة عند وابيري مُجرَّد نشاط أدبي بعيد عن الوطن، وإنما كانت مُحاولة لاستعادة بلده أو استملاكه من جديد عبر الكتابة. وهُنا تظهر المفارقةُ الجميلة والمؤلمة معًا: قد يغادر الإنسانُ وطنه لكي يعيش، لكنَّه قد يكتب لكي يعود.

     يعود وابيري إلى جيبوتي، ليس بوصفها بطاقة بريدية أفريقية جاهزة للاستهلاك الغربي، وإنما بوصفها مكانًا حيًّا، ومتناقضًا، وقاسيًا وحميمًا في آنٍ واحد. وكتابته عن جيبوتي تَجمع بين الأفريقي والعربي والإسلامي والفرنسي والإنجليزي، أي إنَّها تنطلق من جغرافيا هجينة أصلًا قبل أن يصبح الكاتبُ مهاجرًا.وابيري لم يولد في هُوية " صافية " ثم جاء إلى المنفى ليخلطها، الهُوية كانت مختلطة منذ البداية.

     جيبوتي تقع في منطقة تلتقي فيها أفريقيا بالعالَم العربي والبحر الأحمر، وتحمل آثار الاستعمار الفرنسي، وتعيش داخل شبكة من اللغات والثقافات والتاريخ البحري والتجاري والديني، لذلك فإنَّ فكرة " الانتماء الواحد " تبدو منذ البداية أضيق من الواقع الذي خرج منه الكاتب. رُبَّما لهذا يبدو الرحيلُ عند وابيري امتدادًا للأفكار التي تسكن ذاكرةَ المكان. إنَّه لا يخرج من وطن مستقر إلى عالَم غريب تمامًا، بل يخرج من فضاء كان يَحمل في داخله منذ زمن طويل معنى العبور.

     أمَّا عند مابانكو، فإنَّ المسألة تأخذ شكلًا آخَر. الكونغو ليست مُجرَّد مكان طفولة بعيد، إنَّها تتحوَّل في أعماله إلى ذاكرة سردية، يعود إليها، ويستعيدها من خلال الشخصيات واللغة والسخرية والحكايات الشعبية والمدينة والأصدقاء والأهل، لذلك فإن الهجرة عنده لا تعني قطعَ الحبل، بلْ تعني تغييرَ المسافة بينه وبين الحبل.

     في أعماله التي تستعيد الكونغو أو أفريقيا من موقع المهاجر، نجد كاتبًا لا يريد أن يكتب عن وطنه بالطريقة التي يتوقعها منه الآخرون. لا يريد أن يكون " صوت أفريقيا " بالمعنى النمطي، ولا يريد أن يصبح موظفًا لدى صورة جاهزة عن القارَّة، إنَّه يريد أن يكون كاتبًا أوَّلًا. وهذا التفصيل يبدو بسيطًا، لكنه ثَوري، لأن الكاتب الأفريقي كثيرًا ما يجد نفسه مُطَالَبًا بأن يشرح أفريقيا، ويُمثِّلها، ويدافع عنها، ويروي مآسيها، ويثبت أصالته، وكأن الأدب لا يسمح له بأن يكون حُرًّا مثل أي كاتب آخَر.

     مابانكو يقاوم هذا القيد بالسخرية. يسخر من السياسيين، والنُّخبِ، والمثقفين، والمهاجرين، والأوروبيين، والأفارقة، وأحيانًا من نفسه. وهذه السخرية ليست هروبًا من الهُوية، وإنما طريقة لتحرير الهُوية من التحنيط. وعندما يسخر مِن هُويته، لا يتخلى عنها بالضرورة، رُبَّما يكون فقط قد رفض أن يُحوِّلها الآخرون إلى تمثال.

     اللغة الفرنسية بالنسبة إلى وابيري ومابانكو ليست مُجرَّد لغة أجنبية دخلت حياتهما من الخارج. إنها لغة التعليم، والثقافة، والجامعة، والنشر، والفضاء الأدبي الذي صارا جزءًا منه. بلْ إنَّ مابانكو أوضح أن الفرنسية لم يكتشفها في فرنسا، لقد وجدها في الكونغو، أي إن اللغة الاستعمارية كانت قد أصبحت جزءًا من واقعه قبل رحيله. كما أكَّد أنه يكتب بها محاولًا أن يجعلها قادرةً على العيش إلى جوار اللغات المحلية. وهُنا تكمن المفارقة الكبرى، المُستعمِر رحل، لكن لغته بقيتْ، كيف يرفض لغةً أصبحت جزءًا من تعليمه وذاكرته؟، وكيف يقبل لغةً تحمل تاريخَ الهيمنة من دون أن يعيد تشكيلها؟.

     الجوابُ الذي تُقَدِّمه تجربة وابيري وتجربة مابانكو ليس في الهرب من اللغة الفرنسية، بل في امتلاكها. فاللغة حين تدخل قلمَ الكاتب لا تبقى مِلْكًا للتاريخ وحده، يمكن للكاتب أن ينتزعها من سياقها القديم، ويضع فيها إيقاعَ مدينته، ونَفَسَ أهله، وسخريته، وأحلامه، وأسماءه، وذاكرته. وهكذا يصبح السؤالُ أقل تعلُّقًا بـ " مَن يملك اللغة؟"، وأكثر تعلُّقًا بـ " ماذا أفعل أنا باللغة؟".

     وإذا كان مابانكو يميل إلى تحويل المنفى إلى مادة للسخرية واستعادةِ الذاكرة، فإنَّ وابيري يبدو أكثر اقترابًا من صورة الكاتب الرَّحَّال. وليس غريبًا أن تتكرر في دراسة تجربته مفردات مثل: الرحيل، والمنفى، والترحال، والبدوي ، والمهاجر الكوزموبوليتاني. لكن الترحال عنده ليس انتقالًا جغرافيًّا فَحَسْب، إنَّه طريقة في النظر.

     والكاتبُ الذي يعيش في أكثر من مكان،لا يرى العالَمَ من نافذة واحدة. تتعدَّد النوافذ داخله، وتتنازع الصور، ويصبح الوطنُ بعيدًا وقريبًا في الوقت نفسه، والغربُ لا يعود مُجرَّد " آخَر"، وإنما يصبح جزءًا من التجربة الشخصية، بما له من جمال وعُنصرية، وفُرص واستلاب، وحرية وذاكرة استعمارية. وشخصية الكاتب عند وابيري ليست شخصية رَجل يقف على ضفة، ويشير إلى ضفة أُخرى، إنَّه يقف بين الضفتين. وهذا " البَيْن" هو المكان الحقيقي الذي يكتب منه. إنَّه ليس فرنسيًّا تمامًا، وليس خارج فرنسا تمامًا،ليس مُجرَّد جيبوتي يعيش في المنفى، ولا مُجرَّد أفريقي يكتب للغرب، إنَّه كاتبٌ تشكلت هُويته من الحركة بين هذه الأمكنة.

     مابانكو لا يخجل من أن يَكون كونغوليًّا وفرنسيًّا، ولا يتعامل مع الأمر باعتباه خطأ ينبغي إصلاحه. وفي حديثه عن الهُوية، يرفض النظرَ إلى المهاجر بوصفه شخصًا جاء من الخارج بصورة مُبسَّطة، ويشير إلى أنَّ العلاقة بين فرنسا وأفريقيا لا يمكن فصلها عن التاريخ الاستعماري واللغة والتعليم. والإنسانُ في النهاية ليس صندوقًا يمكن وضعه في رَف واحد. يمكن أن تحب الكونغو، وتنتقدها، ويمكن أن تعيش في فرنسا، وتنتقدها، ويمكن أن تكتب بالفرنسية، وتحمل داخلها إيقاعًا أفريقيًّا. وهُنا تُصبح الهُوية فِعلًا يوميًّا لا حُكمًا نهائيًّا.

     ثمَّة فرق دقيق بين الكاتبين في علاقتهما بالوطن. عند وابيري يبدو الوطن أحيانًا كأنَّه شيء تجب استعادته عبر الكتابة، وهذا مفهوم تمامًا في تجربة كاتب غادرَ جيبوتي شابًّا، ثُمَّ ظلَّ يكتب عنها مِن الخارج.

     أمَّا عند مابانكو، فإنَّ العودة إلى الكونغو تظهر في صور متعددة، جسدية وذاكرية وسردية. تصبح العودة إلى الوطن بعد غياب طويل مادَّةً لاستعادة المدينةِ والأهل والذاكرة، وليست رحلةً سياحية إلى الماضي.

     كلاهما يصل في النهاية إلى الحقيقة نفسها: لا توجد عَودة كاملة، فالذي يعود بعد سنوات لا يجد المكانَ الذي تركه، والأهم: لا يجد نَفْسَه القديمة أيضًا. لقد تغيَّرَ المكانُ، وتغيَّرَ هو، لهذا لا تكون العَودة رجوعًا إلى نقطة البداية، وإنما لقاء بين شخصين: الشخص الذي غادر، والشخص الذي عاد. وفي هذه المسافة بالذات يولد الأدب.

     اهتمَّ وابيري نظريًّا بمسألة الأدب الأفريقي العابر للحدود، وكتبَ عن الأجيال الجديدة من الكُتَّاب الأفارقة الفرنكوفونيين، فيما ارتبطت تجربته النقدية والأدبية بمسائل ما بعد الاستعمار والهجرة والتعدد الثقافي.

     أمَّا مابانكو، فمشروعه الأدبي والنقدي يتحرَّك في فضاء الأدب الأفريقي والفرنكوفوني والعالمي، وهو ما يُفَسِّر لماذا لا يمكن اختزاله بسهولة في " كاتب كونغولي" بالمعنى الجغرافي الضَّيق.

     كلاهما أصبحَ،بطريقة أو بأُخرى،جزءًا من أدب لا يعترف كثيرًا بالحدود التي رسمتها الخرائط. إنَّهما يَعرفان أنَّ اللغة يمكن أن تَحمل تاريخًا من القهر، لكنَّها تستطيع في الوقت نفسه أن تصبح أداةً للتحرر، والوطن يمكن أن يكون محبوبًا ومؤلمًا، والمنفى ليس جَنَّة، والعَودة ليست خلاصًا، والآخَر ليس شيطانًا، والذات ليست بريئة دائمًا. وهذه المعرفة المُركَّبة هي بالضبط ما يحتاجه الأدب. فالأدبُ لا يعيش في اليقين الكامل، وإنما يعيش في المسافة بين الأشياء.

     وابيري يحمل إلى الأدب جغرافيا البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بتداخلاته العربية والأفريقية والإسلامية والاستعمارية، أمَّا مابانكو فيحمل معه الكونغو، والذاكرة الوجودية، واللغة الشعبية، وتجربة الهجرة الأفريقية في فرنسا وأوروبا. والكاتبُ الذي لَم يجد نَفْسَه كاملًا في الوطن، ولا كاملًا في المهجر، يستطيع أن يبني بيتًا ثالثًا، وهو الكتابة. في الكتابة لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا أن يثبت أنَّه أفريقي بما يكفي، ولا أن يثبت أنَّه فرنسي بما يكفي،ولا أن يُقَرِّر أين ينتهي الوطن، وأين يبدأ المنفى. في الكتابة يستطيع أن يكون الاثنين معًا، وأكثر مِن الاثنين.

     يستطيع وابيري أن يحمل معه جيبوتي إلى الغرب، ويعيد تشكيلها في النص. ويستطيع مابانكو أن يحمل الكونغو معه إلى الغرب، ثم يعود إليها أدبيًّا كلما شاء. وكلاهما، بهذا المعنى، لا يهرب من الوطن حين يكتب من الخارج، بلْ يعيد اختراعَه. وهذا رُبَّما هو سِر الأدب، فنحن لا نكتب فقط عن الأماكن التي نعيش فيها، بلْ أيضًا عن الأماكن التي تعيش فينا. وهل الوطن هو المكان الذي وُلِدْتُ فيه، أم المكان الذي صَنَعْتُ فيه وَعْيي، أم المكان الذي أحنُّ إليه، أم المكان الذي أخشاه، أم المكان الذي أعود إليه في الخيال؟.

07‏/09‏/2026

التنافس الأمريكي الصيني ومستقبل النظام الدولي

 

التنافس الأمريكي الصيني ومستقبل النظام الدولي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................

     ليس التنافس بين الولايات المتحدة والصين مجرد خلاف على التجارة أو التكنولوجيا، كما أنه ليس سباقًا عابرًا بين قوتين تبحث كل منهما عن تحسين موقعها في العالم. نحن أمام صراع طويل على شكل النظام الدولي نفسه، من يضع قواعده؟، ومن يحدد معايير القوة فيه؟، ومن يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والسياسة الدولية خلال العقود المقبلة؟.

     وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، فالعالم لا ينتقل ببساطة من نظام تقوده الولايات المتحدة إلى نظام تقوده الصين، كما أن الحديث عن حرب باردة جديدة قد يكون مفيدًا لفهم بعض أوجه الصراع، لكنه لا يصف الواقع كاملًا. نحن أمام علاقة أكثر تعقيدًا. توجد منافسة حادة بين أكبر قوتين، يقابلها اعتماد اقتصادي متبادل، وتشابك في الأسواق وسلاسل الإمداد، ومصالح مشتركة في قضايا مثل المناخ، والاستقرار المالي، ومنع الأزمات الكبرى.

     بدأت المواجهة الأمريكية الصينية بصورة واضحة في المجال الاقتصادي والتجاري، لكن مركز الثقل انتقل سريعًا إلى التكنولوجيا. أشباهُ الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والاتصالات، والطاقة النظيفة، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، والفضاء، لم تعد قطاعات اقتصادية منفصلة عن السياسة، لقد أصبحت جزءًا من تعريف القوة الوطنية.

     في القرن العشرين، كانت الدولة التي تمتلك الجيش الأقوى والاقتصاد الأكبر تتمتع بموقع استثنائي في النظام الدولي. أمَّا في القرن الحادي والعشرين، فإن امتلاك القدرة على إنتاج الرقائق المتقدمة، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، والتحكم في البيانات والبنية الرقمية، وتأمين المعادن الحيوية، قد يكون له أثر إستراتيجي لا يقل عن امتلاك حاملات الطائرات والصواريخ.

     لهذا تحاول واشنطن الحد من قدرة بكين على الوصول إلى بعض التقنيات الحساسة، بينما تنفق الصين بصورة ضخمة على بناء قدراتها المحلية، وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.

     والمسألة في جوهرها ليست من سيبيع هواتف أكثر أو سيارات أكثر، السؤال الحقيقي هو: من سيمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي القادم؟. الصين لم تعد القوة التي عرفها العالم قبل عقود، ومن الخطأ النظر إليها باعتبارها دولة صاعدة تنتظر دورها. الصين أصبحت بالفعل قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية كبرى، ولديها قاعدة صناعية هائلة، وحضور تجاري واسع، وقدرة متزايدة على تطوير التكنولوجيا محليًّا.

     لكن الصين في الوقت نفسه ليست قوة بلا قيود، فهي تواجه تحديات ديمغرافية عميقة، وتعاني من تباطؤ اقتصادي مقارنةً بالمعدلات التي اعتادها العالم خلال سنوات صعودها الأُولى، ومشكلات مرتبطة بالعقارات والديون، إضافة إلى تحديات تتعلق بالإنتاجية، والطلب الداخلي، والثقة في الاقتصاد. وهذه النقطة مهمة جدًّا، لأنَّ قوة الدولة لا تقاس بحجم اقتصادها أو جيشها فقط. القوةُ المستدامة تحتاج إلى اقتصاد قادر على الابتكار، ومؤسسات تستطيع التعامل مع الأزمات، ومجتمع يمتلك قَدْرًا من الحيوية، وتحالفات أو شراكات تمنح الدولة مجالًا أوسع للمناورة.

     لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كانت الصين قوية. إنها قوية بالفعل. السؤال الحقيقي: إلى أي مدى تستطيع الصين تحويل قوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى نفوذ سياسي عالمي مستدام؟.

     في المقابل، هناك مبالغة شائعة في تصوير الولايات المتحدة كقوة أفلَ نجمُها، وأن الصين ستزيحها حتمًا. هذا الاستنتاج سابق لأوانه. لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مجموعة استثنائية من عناصر القوة، ولديها اقتصاد ضخم، ومراكز ابتكار وتكنولوجيا عالمية، ونظام مالي يلعب الدولار في قلبه دورًا مركزيًّا، وجامعات ومؤسسات بحثية ذات تأثير هائل، وقوة عسكرية عالمية الانتشار، إضافة إلى شبكة واسعة من التحالفات والشراكات.

     والولايات المتحدة لا تواجه الصين منفردةً، واشنطن ترتبط بتحالفات قوية مع أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها، كما أن كثيرًا من الاقتصادات المتقدمة تشاركها المخاوف بشأن أمن التكنولوجيا وسلاسلِ الإمداد.

     لكن الولايات المتحدة لديها نقاط ضعف حقيقية. الاستقطابُ السياسي الداخلي، والجدل حول دورها العالمي، والضغوط المالية، والتحديات الاجتماعية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قدرتها على الحفاظ على دور قيادي طويل الأمد.

     وقد يكون أكبر اختبار للقوة الأمريكية ليس في بكين، وإنما في قدرة الولايات المتحدة على إدارة خلافاتها الداخلية، والحفاظ على جاذبية نموذجها وتحالفاتها.

     والعالم لا يريد بالضرورة الاختيار بين واشنطن وبكين، وهنا تظهر إحدى أهم حقائق المرحلة. معظم دول العالم لا تريد الدخول في معسكر أمريكي أو صيني بالمعنى التقليدي. الدول تحاول حماية مصالحها. قد تتعاون مع الولايات المتحدة أمنيًّا، وفي الوقت نفسه تتعامل تجاريًّا مع الصين، وقد تشتري التكنولوجيا من طرف، والطاقة أو السلع من طرف آخر، وقد تختلف مع واشنطن في ملفات، وتختلف مع بكين في ملفات أُخرى. هذا يعني أن العالم لا يتجه إلى انقسام بسيط بين كتلتين، الأرجح أننا أمام عالم أكثر تشظيًا وتعددًا في مراكز القوة، حيث تتغير التحالفات والشراكات وفق القضية والمصلحة والظرف.

     وقد تصبح دول مثل الهند، ودول الخليج، وتركيا، والبرازيل، وأندونيسيا، وغيرها، أكثر أهمية لأنها تستطيع بدرجات مختلفة التعامل معَ أكثر من مركز قوة في الوقت نفسه. وهنا يتغير مفهوم الحياد، فالحيادُ في عالم متعدد الأقطاب لا يعني الوقوف بعيدًا عن الجميع، بل يعني امتلاك القدرة على التعامل مع الجميع دون الارتهان لأي طرف.

04‏/09‏/2026

مشكلات الزنوجة بين محمد الفيتوري وإيميه سيزير

 

مشكلات الزنوجة بين محمد الفيتوري وإيميه سيزير

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع خاص، وإنما كانت محاولة لاستعادة شيء سُلِبَ مِن الإنسان قبل أن يُسلَب منه الوطن: اسمه، وصوته، وحقه في أن يرى نفسه بعينيه لا بِعَيْنَي المُستعمِر.

     لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحوَّل فيها الرفضُ إلى تعريف، ويتحوَّل الدفاعُ عن الإنسان الأسود إلى بناء هُوية مغلقة حول السواد. هُنا تصبح الزنوجة التي جاءت في الأصل لمقاومة التصنيف العنصري مُعرَّضةً لأن تُنتج تصنيفًا مضادًّا، ولوْ من موقع احتجاجي. وهذه واحدة من أهم المآزق التي يمكن قراءتها في تجربة الشاعر السوداني محمد الفيتوري ( 1936_ 2015)والشاعر المارتينيكي إيميه سيزير ( 1913_ 2008)، كيف يمكن للشاعر أن يستعيد كرامة الأسود من غير أن يُحوِّل السوادَ إلى حتمية نهائية؟، وكيف يمكن أن يحتفي بالهُوية الأفريقية من غير أن يسقط في أسطورة أفريقيا الخالصة البِكْر النقيَّة، التي لم توجد في الواقع بهذه الصورة أصلًا؟. مِن هُنا تبدو المقارنة بين الفيتوري وسيزير ضرورية، ليس لأنهما متشابهان، بلْ لأن الاختلاف بينهما يكشف شيئًا من أزمة الزنوجة نفسها.

     ظهرت الزنوجة في سياق تاريخي كانت فيه صورة أفريقيا والإنسان الأسود قد صُنعت في جزء كبير منها بواسطة خطاب أوروبي استعماري. كان الأفريقي يُقَدَّم باعتباره همجيًّا متخلفًا بدائيًّا بلا تاريخ، ومحتاجًا إلى أن يأتيه الآخر بالحضارة. لذلك كان لا بُد من قلب المعادلة، إذا كان المُستعمِر يقول إن أفريقيا بلا ثقافة، فليكن الرد هو البحث عن الثقافة الأفريقية، وإذا كان يقول إنَّ الأسود بلا تاريخ، فليكن الشعر وسيلةً لإعادة كتابة هذا التاريخ. لكن هذا الرد حمل معه مشكلة فلسفية عميقة، هل نستطيع أن نُحرِّر الإنسانَ من العنصرية بتثبيت هُويته على أساس اللون نفسه الذي اسْتُعْمِلَ لقمعه؟.

     هذه المُفارَقة تظلُّ كامنة في الزنوجة، فهي تنطلق من واقع عنصري مفروض من الخارج، ثم تضطر إلى استعمال اللغة نفسها، أي لغة العِرْق واللون، لكي تقاوم ذلك الواقع. الأسودُ هُنا لا يصبح إنسانًا تعرَّض للاضطهاد فَحَسْب، بلْ أيضًا يصبح حاملًا لِهُوية ثقافية كاملة، لها قِيَمها وذاكرتها وموسيقاها وروحانيتها الخاصَّة. وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح الخط الفاصل بين استعادة الهُوية وصناعةِ الأسطورة شديد الدقة. فالزنوجةُ تحتاج إلى الأسود لكي تكون خطابًا احتجاجيًّا، لكنَّها تصير مُهدَّدةً حين تجعل من الأسود تعريفًا نهائيًّا للإنسان.

     الفيتوري شاعر عربي وأفريقي، تتقاطع في تجربته العروبةُ وأفريقيا، والمنفى والانتماء، والهُوية الشخصية والذاكرة الجماعية. يتعامل معَ أفريقيا باعتبارها أصلًا بعيدًا عن الذات، أفريقيا عنده أقرب وأكثر التصاقًا بالجسدِ والذاكرة واللغة، لكن هذا القُرب لا يلغي المشكلة، بلْ  يضاعفها.

     وهو يجد نَفْسَه أمام سؤال الهُوية المُركَّبة، أين يقف الشاعرُ الأسود الذي ينتمي في الوقت نَفْسِه إلى المجال العربي؟، هل عليه أن يختار أفريقيا ضد العروبة أم العروبة ضد أفريقيا؟، وهل يمكن أصلًا بناء هُوية إنسانية على هذه الثنائية؟.

     في بعض القراءات المتعجلة لتجربة الفيتوري قد يبدو أنَّ الزنوجة عنده مُجرَّد إعلان عن الأفريقية، لكن المسألة أعقد من ذلك. الشاعرُ لا يعيش في أفريقيا وحدها، ولا في العروبة وحدها، بلْ في منطقة ملتبسة بينهما، وهذا الالتباس ليس نقصًا ينبغي التخلُّص منه، وإنما هو جوهر التجربة ذاتها. ومعَ ذلك، فإنَّ الفيتوري يقع أحيانًا تحت ضغط الرمز الكبير، أفريقيا بوصفها الأم، والأسود بوصفه حامل الوجع، والبياض بوصفه رمزًا للقهر، وهذه الرموز على الرغم من قدرتها الشعرية، تصبح مشكلة عندما تتحوَّل إلى قوالب ثابتة.

     والسؤالُ الذي ينبغي أن نطرحه على شعر الفيتوري ليس: هل أَحَبَّ أفريقيا؟، فهذا سؤال ساذج لا قيمة نقدية له. السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث لأفريقيا حين تدخل القصيدة؟. هل تبقى أفريقيا واقعًا تاريخيًّا وجغرافيًّا متناقضًا أمْ تتحوَّل إلى رمز جاهز؟.

     حين تصبح أفريقيا أمًّا أبدية، يصبح من الصعب رؤيتها خارج الأمومة. وحين تصبح موطنًا للبراءة، يصبح من الصعب رؤية العنف الذي عرفته المجتمعاتُ الأفريقية. وحين يصبح الأسودُ ضحيةً مُطْلقة، يصبح من الصعب الحديث عن مسؤوليات القوى المحلية التي شاركتْ في بعض مراحل التاريخ في استغلال الإنسان الأسود أو المتاجرة به.

     وليس من حق القصيدة أن تطلب إعفاءها من المُساءلة لِمُجرَّد أنها تنتمي إلى قضية عادلة. والقضيةُ العادلة لا تجعل كُلَّ صورة شعرية عادلة، ولا تجعل كُلَّ موقف فكري صحيحًا. وهذا ما ينبغي أن ننتبه إليه عند قراءة الفيتوري. القيمةُ الاحتجاجية في شِعره لا تعني أنَّ تصوُّره للهُوية الأفريقية يخلو من الاختزال، فكلما ارتفع صوت الهُوية في القصيدة، وجب أن نسأل عن الأشياء التي أسكتها هذا الصوت.

     عند سيزير تبدو الزنوجة مرتبطة ارتباطًا شديدًا بالتمرد على الاستعمار. لم يكن سيزير يكتب عن أفريقيا باعتبارها مكانًا جغرافيًّا فَحَسْب، وإنما باعتبارها ذاكرة مفقودة، ومَصدرًا للهُوية سُلبتْ مِن الإنسان الأسود في العالَم الجديد. وهُنا تكمن قوة التوتر في شِعره، وهُنا أيضًا تكمن مشكلته.

     الشاعرُ الذي يرفض الصورةَ الاستعمارية لأفريقيا يجد نفسه مضطرًّا إلى البحث عن صورة بديلة لها، غَير أنَّ الصورة البديلة قد تتحوَّل بسهولة إلى صورة مثالية لا تقلُّ اختزالًا عن الصورة التي تحاربها.

     المُستعمِرُ يرى أفريقيا من الخارج فيُحوِّلها إلى أرض بدائية، والشاعرُ الغاضب من هذا التصوُّر قد يذهب إلى الطرف الآخَر فيُحوِّلها إلى أصلٍ صافٍ، وفضاءٍ روحي مفقود، ووطنٍ أول لا تشوبه تناقضات التاريخ.

     لكن أفريقيا الواقعية ليست قصيدةً واحدة. أفريقيا فيها الحضارة والانهيار، والسُّلطة والعبودية، والقبيلة والدولة، والحكمة والعنف،والأسطورة والسياسة، والتعدد اللغوي والديني والثقافي والعِرْقي، لذلك فإنَّ اختزالها في وظيفة واحدة، أي باعتبارها موطنًا أصليًّا للروح السوداء، يظلُّ اختزالًا احتجاجيًّا مهما كان الدافع إليه.

     في شعر سيزير تتكثف الرغبة في استرداد الذات إلى درجة يصبح معها الأفريقي رمزًا للإنسان الذي قاومَ المَحْوَ. وهذا يمنح القصيدةَ طاقةً احتجاجية، لكنَّه يضعها أمام سؤال صعب: ماذا نفعل عندما تتحوَّل الهُوية من وسيلة لمقاومة الظلم إلى معيار للحقيقة؟.

     هُنا لا يعود الإنسانُ مهمًّا لأنه إنسان، بلْ لأنه أسود. ولا تعود أفريقيا مهمة بما هي تاريخ متعدد ومعقد، بلْ بما هي أصل رمزي تستمد منه الذات شرعيتها. وهذا أحد أكثر جوانب الزنوجة إشكالًا، إنها تحاول تفكيكَ مركزية الرجل الأبيض، لكنَّها قد تجد نَفْسَها مضطرة إلى إقامة مركزية مقابلة حول الرجل الأسود.

     لغة سيزير ليست هادئة تبحث عن المصالحة، إنها لغة مشحونة، وعنيفة، ومتوترة، ومليئة بالصور التي ترفض الترويضَ. وهذه اللغة مفهومة إذا وضعناها في سياقها التاريخي، لكنَّها لا تصبح بسبب ذلك مُحَصَّنَةً ضد النقد. والغضبُ الشعري قد يكون ضروريًّا في لحظة تاريخية مُعيَّنة، لكنَّه ليس بالضرورة موقفًا فكريًّا مكتملًا. والقصيدةُ حين تتحوَّل إلى صرخة احتجاج تحتاج، لكي تبقى شعرًا، إلى ما هو أكثر من الموقف السياسي. تحتاج إلى مُساءلة الذات التي تحتج، وليس مُساءلة خصمها فقط. أمَّا إذا بقي الشر كُلُّه خارج الذات، وبقيت الذاتُ في موقع الضحيَّة النقيَّة، فإن القصيدة تصير مُهدَّدةً بالتحوُّل إلى خطاب ثنائي بسيط، نحن في جهة، وهُمْ في الجهة الأُخرى. وهذا التبسيط هو أحد أوجه أزمة الزنوجة.

     والتاريخُ الاستعماري لَم يكن مُجرَّد مواجهة بين أبيض وأسود، وإنما شبكة هائلة من المصالح والطبقات والهُويات والتحالفات.كما أنَّ الإنسان الأسود ليس كُتلةً واحدة، هُناك اختلافات الطبقة والجُغرافيا واللغة والدين والثقافة والجنس والتجربة التاريخية. وحين تُختزَل كل هذه التناقضات في ثنائية الأبيض والأسود، تخسر الزنوجة شيئًا من الواقع الذي جاءت أصلًا للدفاع عنه.

     والفرقُ بين الفيتوري وسيزير لا يكمن فقط في اللغة أو المكان أو السياق التاريخي، وإنما في طبيعة الجُرح الذي ينطلق منه كُلُّ واحد منهما.

     الفيتوري يكتب من داخل عالَم أفريقي عربي، حيث لا تكون المشكلة مُجرَّد فقدان أفريقيا، بل التوتر بين انتماءات متعددة، أفريقيا عنده ليست شيئًا بعيدًا يبحث عنه في الذاكرة بِقَدْرِ ما هي حضور يفاوض به الذات والآخَر.

     أمَّا سيزير فيكتب من تجربة إنسان اقْتُلِعَ مِن أفريقيا، وأصبحَ يعيش في فضاء استعماري يعيد تعريفَه باستمرار من الخارج، لذلك يصبح الرجوع إلى أفريقيا نوعًا من استعادة الأصل.

     ومعَ ذلك، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة أساسيَّة، الحاجة إلى مقاومة الصورة التي صنعها الآخر. لكن هُنا تظهر المفارقة. فالشاعرُ يبدأ بمحاربة صورة مفروضة عليه، ثم يصنع صورةً خاصَّة به.

     ولا توجد ثقافة إنسانية حيَّة بقيت نقيَّة من التفاعل. أفريقيا لَم تكن جزيرة معزولة عن التاريخ. كانت هُناك هجرات، وتجارة، وحروب، وديانات، ولغات، وتأثيرات عربية وأوروبية وآسيوية، وتحوُّلات سياسيَّة واجتماعيَّة لا تسمح ببناء صورة واحدة ثابتة لِمَا يُسمَّى " الروح الأفريقية".

     وإذا كان الفيتوري وسيزير قد جعلا من الشعر مساحةً لاستعادة الصوت الأسود، فإنَّ القراءة النقدية اليوم مُطالَبة بأن تستعيد المسافةَ بين الصوت والحقيقة.

     والزنوجةُ تعيش في جُزء كبير من خطابها على ثنائية " نحن" و"هُم"، نحن السود، وهُم البيض. نحن المُستعمَرون، وهُم المُستعمِرون، نحن أصحاب الأرض، وهُم الغرب. هذه الثنائية مفهومة تاريخيًّا، لكنها فقيرة إنسانيًّا، فالحياةُ لا تجري بهذه البساطة.

     هُناك أسود مُستعمِر لأسود آخَر، وأسود مستفيد من النظام الاستعماري، وأبيض مقاوم للاستعمار، وأبيض فقير لا يملك من القوة شيئًا، ومثقف يعيش بين ثقافتين، وإنسان لا يستطيع أصلًا أن يضع نَفْسَه داخل ثنائية جاهزة.

     وإذا كانت الزنوجة قد نشأتْ في مواجهة عالَم حاولَ أن يجعل الأسودَ أقل مِن إنسان، فإنَّ اختبارها الحقيقي يبدأ حين تتخلص من الحاجة إلى تعريف الإنسان مِن خِلال العِرْق.

     الفيتوري يُواجه تعقيدَ الهُوية الأفريقية داخل المجال العربي، وسيزير يُواجه جُرْحَ الاقتلاعِ والاستعمار، وكلاهما يكشف، بطريقة مختلفة، أنَّ العودة إلى الأصل ليست عملية بسيطة، وأنَّ استعادة الهُوية لا تعني استعادةَ شيء جاهز ينتظرنا في الماضي.

01‏/09‏/2026

معاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان

 

معاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................


     يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.

     مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي المصري علاء الأسواني ( وُلد 1957 ) إلى جانب عالَم الروائي الروسي فاسيلي غروسمان ( 1905_ 1964 ). المسافةُ بين الكاتبَيْن هائلة، زمن مختلف، وبَلَدَان مختلفان، وتجربتان تاريخيتان لا تتطابقان، وأنظمة سياسية واجتماعية لا يمكن وضعها في قالب واحد.

     الأسواني يكتب من قلب مصر الحديثة، من المدينةِ والشارع والبيت والجامعة والمقهى والمؤسسة الأمنية والسياسية، ومن التجربة اليومية لمواطن يجد نَفْسَه مُحَاصَرًا بين سُلطة الدولة، وضغطِ المجتمع، والخوفِ، والامتيازِ، والطبقة.

     أمَّا غروسمان فيكتب من القرن العشرين الروسي، من قلب التجربة السوفييتية والحرب العالمية الثانية، ومِن عالَم بلغ فيه العنف السياسي والعسكري مستويات تجعل حياةَ الفرد قابلة للمحو باسمِ التاريخ والدولة والحزب والعقيدة.

     ومعَ ذلك، فإن المقارنة بينهما تصبح ممكنة حين نتوقف عن النظر إلى القهر باعتباره مُجرَّد موضوع سياسي، ونراه سؤالًا عن الإنسان، ماذا يحدث للفرد حين يصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه؟، وكيف تتغير شخصيته حين يعرف أنَّ الآخرين أقوى منه؟، وماذا يفعل الخوفُ بالعلاقات الإنسانية؟، وهل يستطيع الفردُ أن يحتفظ بِقَدْرٍ من حريته الداخلية حين تُسلَب منه الحرية في الخارج؟. هُنا تحديدًا يلتقي الأسواني وغروسمان.

     في الأعمال الروائية التي تتناول الاستبدادَ، هناك خطر دائم يتمثل في تحويل القهر إلى ديكور سياسي، لكن القهر الحقيقي في الأدب أعمق من ذلك. يبدأ الإنسانُ في حساب كلماته قبل أن ينطق بها، ويختار أصدقاءه بناءً على درجة الأمان، ويتعلَّم متى يصمت، ويكذب على نفسه كي يستطيع الاستمرارَ، ويرى الظلمَ ولا يتدخل لأنَّه يعرف ثمنَ التدخُّل، ويصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها الخوفُ جزءًا من شخصيته، وليس مُجرَّد رد فِعل مؤقت على خطر محدد.

     عند الأسواني، يظهر هذا القهر في صورة شديدة الالتصاق بالحياة اليومية. السُّلطة لا تكون دائمًا بعيدة ومُجرَّدة، إنها تدخل إلى الشارع والجامعة والعمل والبيت والعلاقة بين الرجل والمرأة، وتعيد ترتيبَ العلاقات بحسب القوة والضعف. الفردُ لا يواجه مؤسسةً ضخمة فقط، بلْ يجد آثارَ المؤسسة في سلوك البشر أنفسهم.

     أمَّا عند غروسمان، فإنَّ المسألة تأخذ اتِّساعًا تاريخيًّا هائلًا. الفردُ موجود داخل آلة أكبر مِنه بكثير: الدولة، والحزب، والأيديولوجيا، والأجهزة، والجماعة، والتاريخ.لكن غروسمان، في رواياته، لا يسمح لهذه الضخامة بأن تبتلع الإنسانَ تمامًا. على العكس، كلما كبرت الآلة ازداد إصراره على النظر إلى الإنسان الصغير الموجود داخلها، رَجل خائف، وامرأة تنتظر، وأُم تفكر في ابنها، وجندي لا يعرف إنْ كان سيعود، وسجين يحاول الاحتفاظَ بشيء من كرامته.

     الفردُ المقهور لا يفقد حريته دفعةً واحدة، قد يحتفظ باسمه، وعملِه، وبَيته، وأُسرته، وعاداته القديمة، لكنه يفقد شيئًا أكثر خفاءً: إحساسه بأنه قادر على التأثير في العالَم. وهذه النقطة شديدة الأهمية عند الأسواني. في عالَمه الروائي، لا تبدو السُّلطة دائمًا بحاجة إلى أن تعتقل الجميع، يكفي أحيانًا أن يعرف الجميعُ أنها قادرة على الاعتقال. لا يحتاج السوطُ إلى أن يهبط على ظهر كُلِّ شخص، يكفي أن يراه الناسُ مُعَلَّقًا فوق رؤوسهم، وهُنا يصبح الخوفُ وسيلة اقتصادية جدًّا للسيطرة: أقل قَدْر من العنف يمكن أن يُنتج قَدْرًا كبيرًا من الصمت.

     الأسواني لا يرسم المقهورَ بوصفه حَمَلًا وديعًا وبريئًا في مواجهة شر مُطْلق، وهذه من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في تجربته الروائية. الإنسانُ الذي يقع تحت القهر قد يمارس بدوره قهرًا على مَن هو أضعف منه. الموظفُ المُهان قد يُهين زوجته، والفقيرُ الذي يتعرض للاحتقار قد يحتقر شخصًا أفقر منه، والمواطنُ الخائف قد يتحوَّل إلى أداة في يد السُّلطة حين يجد فرصةً لحماية نفسه، أو الحصول على امتياز. والقهرُ في هذه الحالة لا يتحرك من الأعلى إلى الأسفل فقط، إنَّه ينتشر أفقيًّا أيضًا. وهذه رُبَّما إحدى أكثر الحقائق قسوة في الرواية السياسية، فالاستبدادُ لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون حاضرًا في كل غرفة، لأن الناس قد يتكفلون أحيانًا بإعادة إنتاجه فيما بينهم.

     معَ غروسمان يتخذ القهرُ شكلًا آخَر. الدولةُ الحديثة، حين تمتلك سُلطة مُطْلقة، تستطيع أن تجعل حياةَ الفرد هامشًا في مشروع ضخم لا يُرى فيه الفردُ إلا رقمًا.

     لكن غروسمان كان يعرف أنَّ التاريخ، مهما بدا ضخمًا، لا يعيش في الكُتُب وحدها. التاريخُ يدخل المطبخَ، ويجلس إلى مائدة العائلة، ويفصل الابنَ عن أُمِّه، ويجعل الإنسانَ يخاف من جاره، ويجعل الرسالة التي تصل إلى البيت أخطر من الرصاصة. لا يعود القهرُ قضية سياسية مُجرَّدة، بلْ يصبح شبكة هائلة من المصائر الإنسانية المتقاطعة. الحربُ العالمية الثانية، وستالينية الدولة السوفييتية، ومعسكرات الاعتقال، والبيروقراطية، والخوف، والمُراقبة، كُلُّها تمرُّ عبر حياة أفراد لهم وجوه وأصوات وذكريات. وهُنا تكمن قوة غروسمان الروائية، ليس في ضخامة الأحداث وحدها، وإنما في مقاومته لتحويل الإنسان إلى إحصائية.

     يمكن أن نتحدث عن ملايين الضحايا، لكن الرقم لا يبكي، الشخصية هي التي تبكي. ويمكن أن نقول إنَّ الحرب أودت بحياة أعداد هائلة من البشر، لكن هذه العبارة لا تخبرنا بشيء عن امرأة جلست وحدها تنتظر ابنًا لن يعود. غروسمان يعود باستمرار إلى هذه المسافة بين الرقم والوجه، التاريخُ يقول: ملايين، والرواية تقول: هذا الإنسان تحديدًا كان هُنا، وكان يُحِب، ويخاف، ويأمل. وأحدُ أشكال القهر التي تكشفها أعمال غروسمان هو محاولة السُّلطة تحويل الإنسان إلى كائن قابل للتصنيف. من أنت؟، وإلى أيَّة طبقة تنتمي؟، وما أصلك؟، وما أفكارك؟، وماذا قرأتَ؟. كُلُّ سؤال من هذه الأسئلة يبدو منفردًا، لكنَّه حين يتراكم يتحوَّل إلى حصار.

     وهُنا يقترب غروسمان من الأسواني على نحو لافت، فالفردُ في العالَم الذي يكتبه الأسواني يجد نفسه مُضْطَرًّا إلى تقديم نُسخة اجتماعية مقبولة من نفسه. قد يخفي رأيه السياسي، أو يخفي فقره، أو يبالغ في إظهار تديُّنه أو حداثته، أو يتصرف وفق ما يتوقعه الآخرون منه.

     هناك معركة حول حق الإنسان في أن يكون نَفْسَه، والاستبدادُ لا يخاف من الإنسان الذي يصرخ فقط، إنه يخاف أيضًا من الإنسان الذي يحتفظ بمساحته الداخلية. لهذا فإن السيطرة على الإنسان تبدأ أحيانًا من محاولة السيطرة على صورته عن نفسه.

     ماذا يحدث عندما يصبح حق الإنسان في أن يكون إنسانًا مشروطًا برضى السُّلطة أو المجتمع؟.

     الأسواني يقترب من هذا السؤال عبر تفاصيل الحياة المصرية الحديثة، وعبر الطبقة والجنس والسياسة والمؤسسة والفساد والخوف.

     وغروسمان يقترب منه عبر الحرب والدولة الشمولية والمحرقة والسجن والبيروقراطية والقتل الجماعي.

     لكنَّهما يعودان في النهاية إلى الفرد، وليس إلى الدولةِ والتاريخِ والأيديولوجيا. يعودان إلى ذلك الإنسان الذي يريد فقط أن يعيش من دون أن يخاف من كل شيء. وهُنا تصبح معاناة المقهور أكثر من قضية سياسية، تصبح قضيةً وجودية. فالإنسانُ يريد أن يعرف أن حياته بكلِّ تفاصيلها تخصُّه. وحين يُنتزَع منه هذا كُله، لا يعود القهر مُجرَّد منع أو عقوبة، بلْ يصبح محاولة لإعادة تعريف الإنسان نفسه. والإنسانُ الذي عاش طويلًا تحت الخوف قدْ يَحمل النظامَ داخله، ويصبح خائفًا حتى حين لا يكون هناك ما يخيفه، ويُراقب نَفْسَه مِن تلقاء نفسه، ويَمنع أبناءه من الكلام، وهُنا يصبح القهرُ إرثًا نَفْسِيًّا.

28‏/08‏/2026

تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه

 

تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.

     في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر ( وُلد 1970) ، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه ( 1936_ 2024 ). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.

     لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.

     وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما، ليس لأنهما يقولون الشيءَ نفسه، وإنما لأنَّ كُلَّ واحد منهما يكشف جانبًا من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملًا.

     مطر يراقب النظامَ الشمولي وهو يدخل إلى البَيْت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأبَ بعيدًا، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضورًا يوميًّا أكثر كثافة من حضور الأحياء. وكاداريه يراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.

     إنَّ الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفيَّة، قد لا تظهر على الصفحة،لكنها تُحرِّك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناسَ يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحُب مُعَرَّضًا للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.

     وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفردُ من السُّلطة، المطلوب أن يتعلَّم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملةِ التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأدب قادرًا على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.

     أعمالُ مطر تضع القارئ أمام عالَمٍ بشري جرى تشويهه من الداخل. النظامُ لا يظهر دائمًا بوصفه آلة ضخمة تتحرك في الشوارع، أحيانًا يظهر في سؤالٍ صغيرٍ، أو مكالمةٍ هاتفية، أو نظرةِ أُمٍّ قلقة، أوْ أبٍ يعرف أن جُملة واحدة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

     مطر يعرف أن الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يجعل الجميع يتصرفون كما لو أن هناك أُذُنًا تستمع، وهذه الأُذُن هي شبح من أشباح عالَمه الروائي.

     أمَّا عند كاداريه، فإن هذا الخوف يأخذ أحيانًا صورة أكثر اتِّساعًا وغرابة. في أعماله، لا تعود الدولة تراقب الأفعالَ فقط، إنها تريد الوصول إلى الأحلام نفسها. والفكرة تبدو للوهلة الأُولى سريالية أو مستحيلة، لكنها في الحقيقة شديدة الواقعية من ناحية رمزية، ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت السُّلطة مهتمة بما يحدث داخل رأسه قبل أن يحدث في الشارع؟.

     هُنا تبلغ الشمولية أقصى طموحها، لا تكتفي بالسيطرة على جسد الإنسان، وإنما تريد السيطرةَ على احتمالاته الداخلية، تريد أن تعرف ما يَحلم به، وما يتخيَّله، وما يخشاه، وما قد يقوله غدًا، فهذا يعني أن السُّلطة لم تعد تراقب المواطن، لقد أصبحت تريد احتلاله.

     مطر يُذكِّر القارئ بأنَّ التاريخ السياسي يُعَاش داخل أجساد أشخاص محددين. لا توجد عبارة أكثر اختزالًا لقوة السُّلطة من أن يقول المرء: (( اختفى أبي )).

     فقدان الأب في تجربة مطر ليس مُجرَّد حدث سياسي، إنه فراغ يعيد تشكيل حياة كاملة. وأسئلة مطر ليست سياسية فقط، إنها أسئلة وجودية، لذلك تصل إلى القارئ حتى لو لم يكن ليبيًّا، وحتى لو لم يعش تحت نظام شمولي، لأن فقدان الأب، والخوف، والانتظار، وعدم اليقين، كلها تجارب إنسانية تتجاوز الحدود.

     والأدبُ عند مطر يصبح نوعًا من مقاومة المحو. السُّلطةُ تستطيع أن تخفي إنسانًا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنع ابنه من رواية قصته.

     وإذا كان مطر يكتب عن السُّلطة من داخل الجُرح الشخصي، فإن كاداريه يكتب عنها من داخل المتاهة. في عالَمه الروائي، يمكن للدولة أن تكون غامضة، وعبثية، وهائلة، ومخيفة في الوقت نفسه. قد لا تعرف بالضبط أين تبدأ السُّلطة، وأين تنتهي، ومَن يُقَرِّر، ومَن يُراقب، ومَن ينقل الخبر، ومن اخترع التُّهمة، وهذه الضبابية ليست نقصًا في الرواية، إنها جزء من طبيعة النظام الذي يصفه. فالأنظمةُ الشمولية القاسية لا تحتاج إلى أن تكون مفهومة بالكامل لكي تكون فعالة، بلْ رُبَّما يكون غموضها جزءًا من قوتها.

     وإذا كان المواطن يعرف بالضبط ما هو الممنوع، فقد يستطيع أن يبحث عن حدود الممنوع، أمَّا إذا أصبحت الحدود متحركة، وإذا كان من الممكن أن تتحول كلمة بريئة إلى جريمة بحسب اللحظة السياسية، فإن الإنسان يبدأ في مراقبة نفسه بنفسه. وهُنا يصبح الخوف أكثر كفاءة.

     كاداريه بارع في صناعة هذه المساحات الرمادية، وهو يستخدم السخرية والأسطورة والمُفارَقة والتاريخ كي يكشف عبثَ النظام من الداخل. بدل أن يضع القارئَ دائمًا أمام مشهد مباشر من مشاهد القمع،قد يأخذه إلى مؤسسة بيروقراطية، أو مدينةٍ قديمة، أو حدثٍ تاريخي، ثم يجعله يكتشف أن ما يبدو بعيدًا عنه، هو في الواقع حاضرٌ شديد القُرب.

     إنه لا يصرخ في وجه السُّلطة، إنَّه يبتسم لها أحيانًا، وهذه الابتسامة أخطر مِمَّا تبدو، لأن السخرية تسحب من الديكتاتور هالته، والسُّلطة الشمولية تريد أن تبدو قَدَرًا لا يُناقَش، وتريد أن تظهر كأنها ضخمة وأبدية، ولا يمكن تخيُّل العالَم مِن دونها، لكن الروائي يفعل شيئًا بسيطًا ومُدمِّرًا، يجعلها مادة للسخرية، وفجأةً يصبح العملاق كاريكاتيرًا، والطاغية الذي يريد أن يبدو أسطوريًّا، يتحول إلى شخصية بشرية قابلة للرؤية والنقد والتشريح.

     قد يبدو الفرقُ بين مطر وكاداريه كبيرًا في الأسلوب. الأولُ يميل إلى الحساسية الاعترافية، والتفاصيلِ الحميمة، والعلاقةِ بين الذاكرة والعائلة، والثاني يميل إلى البناء الرمزي، والمُفارَقةِ التاريخية ، وعَالَمٍ يبدو أحيانًا كأنه خرج مِن حُلْمٍ ثقيل، أو كابوس بيروقراطي.

     لكن خلف هذا الاختلاف توجد فكرة مشتركة، السُّلطةُ لا تنجح عندما تمنع الإنسانَ من الكلام فقط، بل عندما تجعله غير قادر على معرفة ما إذا كان يحقُّ له الكلام أصلًا.

     في عوالم مطر وكاداريه الأدبية، الصمتُ ليس فراغًا، إنَّه لغة. قد يقول الرجل شيئًا، لكن ما لَم يقله يكون أهم، وقد يتحدث الأب عن الطقس بينما يُفَكِّر في شيء آخَر، وقد تجلس الأم إلى المائدة، لكنَّ جسدها يصغي إلى صوت خارج البَيْت، وقد يلتقي صديقان، لكنَّهما يعرفان أن بعض المواضيع لا ينبغي أن تُفْتَح .

     إنَّ النظام الشمولي يجعل الإنسانَ يتحدث بطبقتَيْن، طبقة ظاهرة تصل إلى الآخرين، وطبقة داخلية يحتفظ بها لنفسه. ومعَ الوقت، قد تصبح الطبقة الظاهرة أقوى من الطبقة الداخلية. وهُنا تقع الكارثة، لأن الإنسان يبدأ بتقمص الرقابة. لا يعود بحاجة إلى شرطي عند الباب، يصبح الشرطي داخل الرأس. هذه الفكرة حاضرة بقوة في الأدب الذي يكتب عن الاستبداد، وهي واحدة من أهم النقاط التي تجعل روايات مطر وكاداريه تتجاوز الحكاية السياسية المباشرة. كلاهما،بطرق مختلفة، يسأل: (( ماذا يفعل النظام بالإنسان بعد أن ينجح في جعله يراقب نفسه؟ )).

     لعلَّ أهم سلاح يمتلكه مطر هو الذاكرة. فالسُّلطةُ قد تكتب تاريخها الرسمي، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بسهولة بذاكرة الفرد، لهذا يصبح التذكر فِعلًا سياسيًّا، حتى عندما لا يبدأ باعتباره كذلك.

     حين يتذكر الابنُ أباه، فهو لا يستعيد شخصًا غائبًا فقط، إنه يستعيد نُسخةً مِن التاريخ حاولت السُّلطة أن تدفنها، وهُنا يصبح السردُ مُقاوَمةً، ومُواجَهةً للأنظمة التي تعتمد على المحو، فالقمعُ لا يقتل الأجسادَ فقط، إنه يحاول أحيانًا قتلَ الأثر، ويُريد جعلَ الضحية بلا قصة ولا اسم ولا صورة.

     كاداريه يتعامل معَ الذاكرة بصورة مختلفة، إذْ يعود إلى التاريخ والأسطورة والماضي الألباني، ليس هروبًا من الحاضر، وإنما من أجل كشف كيف يتكرر القمع، وكيف تتغير أشكاله. التاريخُ عنده ليس متحفًا مغلقًا، إنه مِرآة مشروخة للحاضر.

     وهُنا يلتقي الكاتبان، الماضي ليس وراءنا تمامًا، إنه يعيش في الطريقة التي نتذكر بها أنفسَنا، والوطن يصبح مكانًا محبوبًا ومُخيفًا في آنٍ معًا.

     والديكتاتوريات تحاول أن تقنع الناسَ بأنَّ الدولة بدأتْ معها، والتاريخ الحقيقي يبدأ عند وصولها، وما قبلها مُجرَّد فَوضى، وما بعدها مُستحيل. والأدبُ يفعل العكس، يقول: البلاد أقدم من الطاغية، والناس أقدم من النظام، واللغة أقدم من الشعارات، والذاكرة أطول مِن عُمر السُّلطة.

     من أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية أنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تحاول إدارةَ اللغة التي تصف الواقعَ، فَتُسمِّي القمعَ استقرارًا، والخوفَ يقظةً، والصمتَ انضباطًا، والاختفاءَ إجراءً، والطاعةَ وطنيةً، وهُنا تصبح مهمة الأدب خطيرة للغاية، لأن الروائي يعيد الأشياءَ إلى أسمائها الحقيقية، فالخوفُ يعود خوفًا، والغياب يعود غيابًا، والسجن يعود سجنًا، والفقد يعود فقدًا، والإنسان يعود إنسانًا. في هذا المعنى، الرواية تُفكِّك السُّلطةَ ليس فقط عبر الموضوع، بلْ عبر اللغة نفسها.

     حين يصف مطر انتظارَ شخص لأبيه، لا يحتاج إلى أن يقول لنا إنَّ الاعتقال السياسي جريمة ضد الإنسان، نحن نفهم ذلك من الانتظار نفسه.

     وحين يُصوِّر كاداريه جهازًا بيروقراطيًّا يبتلع الأحلامَ، لا يحتاج إلى كتابة عشر صفحات عن طبيعة النظام الشمولي، الفكرةُ وصلتْ.

     والرواية لا تعطي شعارًا، وإنما تعطي حياةً. وهذه الحياة تجعل الشعارَ أقل ضرورة. السياسة تقول: (( هناك آلاف المعتقلين )). والروايةُ تقول: (( هذا الرجل كان له ابن، وله رائحة في البَيْت، وله عادات، وهُناك امرأة تنتظره، وهُناك طفل لم يفهم لماذا لَم يَعُدْ )). هُنا يتحوَّل الرقمُ إلى إنسان، وهذه إحدى أعظم وظائف الأدب.

     قد يبدو مطر أكثر التصاقًا بالواقعي المباشر، بينما يذهب كاداريه في كثير من الأحيان إلى الغرائبي والأسطوري والسريالي. لكن الغرائبية عند كاداريه ليست هروبًا من الواقع، أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لرؤية الواقع بوضوح.