سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

01‏/01‏/2010

كلام الفراشة الناعمة

كلام الفراشة الناعمة
للشاعر / ابراهيم ابو عواد
من مجموعة " كلام الفراشة الناعمة"
دار اليازوري / عَمان 2007م .
سِرْ تهيجْ مرضَ شباب الظهيرة
في بركان الضباب وخمود الجذوع
نبات متواطئ مع وهمه يصير علفاً
للدجاج المسحوب إلى دنيا الدموع
العروق المنسية للأشلاء السريعة
للأشياء المنفية في خريف الربيع
حينما ترى جثثاً مشطوبة تتمشى
على أسوار الخديعة في غياب الصراخ
مَن المرأة التي تنتظر تابوت زوجها
في أحجار المرفأ الفضي ؟
مَن البارود الصاعد من كبد الآبار
وهي تنام فينا ؟
والمراعي المسيجة تذوب على نافذتي
سكراً للشاي الغامض المخصص للجرحى
دكان أقامه الحريق الجسدي
للاتجار بالرؤوس المقطوعة
يا أيها النبي العالي
اسكنْ في جباهنا شموساً وبيارق
أغصان تنفث حممها اللالونية
على بيارات الخرير المحصورة
في طباشير القرى النائية
والنباتات المنزلية في حلقي
ماذا سأفعل بالزهور في ساعة احتضاري ؟
يا إله الحياة والموت يا إلهي الواحد
قَوْمي ينظرون إلي كما لوكنت شوك داري
سأجتثه وإن عطس هذا الغروب رماداً
ارتدى الحِداد ثياب الحِداد جراداً
لو مات الحِداد فلن يجد من يحد عليه
هذا الغياب حضور قصر الحمراء بلاداً
تواريخ الينابيع الصحراوية عطشُ الزهر
إلى ألمي المتشظي باتجاهات الحِراب
والألم يشحذ مواهبه ويشحذ على الأبواب
استيقظت مجزرة الورود مبكراً ثم توغلت في نومها فِيَّ
اتركيني لأخبر الوردات خارج الأزيز
في الحقول المهجورة أنني ذاهب إلى ربي
وصلاةُ الفجر المضيئة تحضنني أنا والمئذنة
فنهشم كوليرا سدود الأوثان
وعندما تضيع الأوطان أصير الأوطان
صوتاً صرتُ في أقبية البرق
والصدى مقاصل مفردها طعنةٌ
نباتِيٌّ السجان فكيف غزلت أسنانه
من لحمي خميرة حلوى ؟
ترمي غرناطة شِباك الصيد في الفجر
فتفزع الأدغال في قفصي الصدري
وتلتصق الشِّباك بعظماتي الأخيرة
أصرخ رغم تكميمي بخشبة محترقة
حفرت ملامحَ أبي :
(( مات قمري على سرير الشفاء ))
تُذبح المسْلِمات في الظلال الأسيرة
في القارات المجرمة المبتسمة للصحفيين
تربت المياه الجوفية على قَيْدي
ويذوب المسافرون في مسامير السكك الحديدية
محطة القطار في برشلونة القاتلة
إنها الواحدة بعد منتصف الحزن ورُبْع الأنين
كيف وصلت أشلاؤنا من الشمال
إلى مضيق جبل طارق بدون قطارات ؟
غريبٌ أنا كالبطريق المسافر في الصحاري
على رمال الفَرَاش أقصد نزفاً روتينياً
وحيدٌ كدمعة قلعة في وسط جيش مهزوم
مصَّت الشموسُ المغادرة حمرةَ خجل الحجارة
واحتوى النهرَ المشرد ملمسُ تنهيدة
مقبرة جماعية جديدة عند رحم أرملة
مزقته حضارةُ رعاة الأقمار الصناعية
وغزوِ التوت والبشر
وابل من الأمطار يحرق لثة الحجر
أيها الساكنون على سطوح العربات المذهَّبة
حتى لو قتلتموني وبعتم سيفي غير المذهَّب
فلن تقدروا على تحويل قبري
إلى فرو ثعلب من أجل باريس الفتيات
اسْتَسْلَمُوا في غبار ينكر نسبَ كثافته
على النحاسيات وتحفِ الكاتدرائيات
يقفز الكبت الجنسي في وجدان الكربون
مرزعة أوثان في عري الرهبان
لأن قمري منتصر حياً وميتاً
ها أنذا لحماً مسنناً يجاهد
كانت الأحزان تلميذةً مجتهدة
لكنها أضاعت دفتر الفيزياء حين شُرِّحت
زِيُّها المدرسي أُسر فلم يدر لَيْلي أنه بدأ
بالانسياب على حجرات المتاحف
التي تقلدت طعم الكاكاو ثم بُعثرت
يومَ سار البلاط المربع في قزحيات الأسرى
توحش مواءٌ على سطح منزلي
وذئبُ الدخان ينشر على ملاقظ الغسيل
حبالَ المشانق وأضواءَ بؤبؤ العين المدوية
مدن يقتحم بطنها نطفةُ السكوت
فتحبل بالسكوت وتلد جنينَ السكوت
إننا حنجرة المدينة نموت
كأنني الأندلس تنبعث فينا وريقات صهيل
علمني ساعدُ الصحراء في أوقات النزيف
كيف تصير الأحلام تلالاً
منشار النجار صامت في السوق الخرساء
واليباب يتزوج الخراب في حفلة صامتة
وباعت حروفُ الندى أصواتنا وظلالاً
والدي قادم من سَفر الديناميت
وإجازاتِ النرجس المسكون بالدم
سألبس أجمل سجوني وآتي مهنئاً
فإن تأخرتُ فلا تنتظروني على الغداء
ربما أكون قد تعثرتُ بجراحاتي
أو انشغلتُ بجمع تفاصيل جمجمتي المهشمة
على الرصيف الجانبي
وكلُّ طريقٍ أقواس دمعاتي
أفقد آثار شراييني على ارتباك الكهرمان
ولما أعود يسألني الشتاتُ :
_ أين كنتَ ؟ .
_ كنتُ أُصلَب .
_ إجابة منطقية في زمن هلوسة الوحوش .
السلام على سكان السماء والأرض
إن الأرض التي أنجبتنا أكلتنا
والعنكبوت تأكل شريك حياتها
كثبان من الدمع الأفقي يتصاعد
الصبار هجر شهوة ألمه واحتلني
وما زالت الصحاري تمطرني بخناجر العشق
وتفتش أغلالُ الأزهار في الأطلال
عن خواطر البحيرة وانطفاءاتِ الزبد
يا طرداً بريدياً لن يصلني
في شارع الوجوه المعجونة بالرعب
إلى جانب قلبي عيد خالٍ مني
لأول مرة سيخلو العيد مني
لن يتلمس نبضي اليتيمات الصغيرات
والعجوز المتقاعد يغزل قهوته ثوباً
في بيت المسنين المهيأ للرعشة
أطفأني حطب لإنشاء معمل شموع في البلوط
تصعقني شرارة انهمرت من سنابك الخيل
خطتي لاستعادة دمي ليست كربلاء
كلما خبأتُ نبضاتي في صندوق نحاسي
غطى عَرقي إغفاءةُ الضياء
أمسى وريدي محراثاً يتصدع
من منظر النار تغطيها الدماء
حَاصِر الليلك قبل أن يقتلك
فرُبَّ أسير عفوتَ عنه
وما دريتَ أنه قاتلك
أعود إلى مآذن طروادة
صفيحةً ملساء بعد أن عبَّدت
حافلاتُ الشنق إسفلتها فوق زندي
وجنونُ الطرقات يزيل حبيبات الشفق
عن آخر ساعات أصفادي
الوقت إنشادي والثواني مطر ناعم
أكثر سلاسة من صدور قرار حرق كتبي
وأحكامِ الأشغال الشاقة المؤبدة
بحق ضحكة الثلج الموسمية
شجرةٌ مصابة بالوسواس القهري
الأوردة الرخامية وأنوف الماء المطحونة
إناثٌ يتم بيعهن في الميناء العميق
إنه رصيف الحاويات الغريق
يرتاد صفيرَ البواخر المجنونة
حيث يتعلم العاشقون الغطس المختلط
أساقفة يبيعون الراهبات العقيمات
في السوق السوداء ليوفروا نفقات إطعامهن
تتسلل اليعاسيب إلى أعماق أرغفة الخبز
خوفاً من البيع في المزاد السري
لا أبناء لي يموتون معي
كما مات أبناء الحسين مع أبيهم
أرجوك أيها النحيب اهدأ قليلاً
استرحْ من عناء الترحال التفاحي
اترك مكانك للصليل ساعة القبض عليَّ
المغيب الأسير قاعد في ردهات المحكمة
وكل جزء في مدريد وسواحل الانهيار
قام كما تشتهي محاكم التفتيش
لكن مَوْتي ما زال يعيش
ملتهبٌ شِعري ومبسوط من مثلث برمودا
حتى جزر الكناري القاحلة اختناقاً
هل أزعجكم دمي المسفوح في شهر العسل ؟
وقَّع الشاطئ على شيك بدون رصيد
يا نخلةً منحنية على شُباك غرفة النوم
لعروسين في فندق مقبور في شبكية عيني
الشطآن زرقة بحر الغزاة عطشي وانتهائي
أركب أمعائي وأطوف في مدينة الأشباح
أحقِّق مع الطباشير المتروكة
على المعصم المقطوع جهة الغروب :
_ متى يأتي إلى وجوهنا الصباح ؟
أحتفظ بنسخة غير موثقة من أسناني
في أجفان المرايا الجريحة كي تتذكرني
ومفتاح حجرتي يدس أنفه في أسرار الندى
فجرٌ كاذب بكى فلم يصل المسافرون
إلا ورؤوسهم مقدَّمة على ورق الهدايا
أخبرتك جنونَ الإسفلت لسنا سبايا
رأس الزلزال مطلوبة
مجردةً من طيش الفهود
حملتُ مقصلة أبي تذكاراً للعصف الوردي
أيتها العواصم التي طَرحتْ بلعومي
أسهماً في السوق المالية
إنني نعش للأزهار الخارجة على سوط جلادها
ونعشي موطني حين تغلق المنافي
معدةَ نحلةٍ بأقفال الشوارع المطفأة
وتنتهي الإجازة المرضية للسيول
غربان تتحالف مع الشيطان
ليتعاظم نفوذها في مملكة الجيف
حزني أكثر أشعاعاً أقل أرصفةً
فأرة حامل تلد في حوافر جواد أعمى
تتعلم أنثى الرماد السحاقَ
في رائحة الكلور في مسابح فنادق البغاء
أنا المنبوذ تلقائياً المتهم الدائم
المطرود الموسمي في غير المواسم
تمنحني الشمس وشاحها فأفيق منتظراً
الضوء يلتقطني من ضوئي وإعدامي
إنني دولة الشِّعر جمهورية الكلمة
يدي جمهورٌ يستمع إلى أناشيدي
على بنصري ينكسر الحزن الفاصل
بين الشِّعر والرواية
بين الأعمال الأدبية للبرقوق
واسمِ مرضي فوق حصى المنكبَيْن
ليت اسمَ جَدِّي يصل إلى مثواه الأخير
في رداء يتألق على قرون ذبحتي الصدرية
وفي أحضاني تنام إشبيلية مذعورة
فتوقظها السنابل النازلة من عيوني
أنا العريس المقتول في ليلة العرس
ولا امرأة إلى جانبي
تلك الستارة الفولاذية تمزق مصب سعالي
والمذبحة زوجتي التي لم أرها في مرآتها
بل رأيتُها على محيط حبال شنقي
لأن الأجهزة الأمنية لم تسمح لي بالزواج
إلا في جنازتي الأسبوعية
لماذا رمى النعنع جوازَ سفره الدبلوماسي
في تشرد القمح ؟
لم أكتشف في قطار أحزاني سواي
وطالباتُ جامعة أكسفورد في ملابس السباحة
يأخذن الصورَ التذكارية عند جثة أمي
هديلُ أظافري المذبوحُ العفوي
والرمان الذكي يستدرجني
إن القمر ضربة قاضية تنخرني
المستحيل التدريجي يدب في الفحم
والعزلةِ التي تحتمل الانتشار
إن القمح النابت على حواف القلب
يتكرر في موت الخروب
والانتحار يحبو على حقائب بائعات الهوى
تبتكر صوامع الدخان في ضجر الأفيال
شبابيكَ للجمارك الموحشة
سرجاً ثقيل الظل لحمار وحشي
تنازلت الصواعق عن ميراثها في جسدي
والهدوءُ يبيع حصته البسيطة
من ثياب المسجونين المفرومة
خلاياي طاردة حلم مدافن الغربة
والأغلالُ تتجرع المشروبات الغازية
فوق مثواي الأخير في البيداء المغلقة
املأ العدم بشك قيوده حول وجوده
وهل ما زال حياً أم لا
الصنوبر المضطهَد والبارود يبتزني
فأعرف كيف أُشنق في بابل
وتتدلى قدماي على أرجوحة في هلسنكي
أراجيحُ الرماد بؤسٌ يتغلغل
في أوبئة عربات المرتزقة
مطارٌ عسكري في المسالك البولية للعار
تقترف فيه السيدات مهنة البيسبول
لم يدخل اللحمُ بيتنا
إلا عندما استلمنا جثتي الملطخة
بروابي الصليل الأخضر
كانت أوعيتنا الدموية المعاصرة
الفارسةَ الوحيدة التي تقتل حصانَها بيدها
إننا فرسان في غرف نوم الطواويس
على رفوف العطور النسائية
وغثاءُ سيل يشيِّعنا في الفراغ
المفعمِ بالحسرة الممتلئة بالخرائط المعدنية
أيها الوطن النائم في الطابق الأرضي
من خاصرة المعركة
ها هم الجنرالات يحصون عددَ أصابعهم
قبيل تعبئة حنان الصخور في براميل الشهوة
كم كنتُ بحراً عندما تركتُ خدودي مفتوحةً
لاستقبال الأنهار الراجعة من أسلاك الجريمة
قَدَما عصفور تخمشان رأسَ تمثال الزعيم
ويأوي الكلسُ إلى عتبات قصيدة الينبوع
الفرق بيننا أنكم تسمحون للذئاب
أن تكتب قصائدَها على مكاتبكم
أما أنا فلا تسمح لي قصيدتي أن أكتبها
انتظِروا انهيار تلعثم التراب
حينما تدهن أغنامي ألواحَ ذهن الحِبر
بصفائح السيليكون الخام
وأنتخب قلبي زعيماً لهذه الحقول
لا مبرر أن تلقيَ أسطواناتُ الغاز
الوردَ المهجَّن على موكبي
خلال مروره بالسحابة
التي يُتوقع أن أُصلَب عليها
أضعتِ وقتكِ أيتها البئر المثقفة
وأنتِ تنسِّقين إحصائيةً فخمة
عن عدد مرات تمزيقي
والجوع يخرج فيلماً وثائقياً
عن التفاصيل الكاملة لتشريحي حياً
أيُّ ظمأ ضغط على عتبة بيتي
لترقص خطاي على جِلدي ؟
أنا أُباع يومياً في بلادي
إذنْ أنا موجود !
عشُّ نسر في جوف برتقالة
تلقِّنني معادلاتِ الرياضيات غزالة
اعتقالُ ثرثرة الماعز وقانونُ الطوارئ
والمواطنُ المولود منبوذاً وخوفُ الشواطئ
يزرع في قرص العسل فخاً لكبريت الجليد
أطالب بنصيب أجدادي من وجه الحشائش
ماذا أريد ؟ ستائر العمر أم كتيِّب الموانئ ؟
حياةُ الشجيرات في قلب التشويش
لم يعد معجون الأسنان يعرف
هل مات أم ما زال يعيش
انفصام في شخصية الفضة
يعمل على البطارية المستهلَكة
والزبدة في وجبة مقتل السوسن
تصغي إلى نشرة الأخبار باليابانية
تعددت اللغات الأجنبية السائحة
في الأرض الموات
وخبرُ تذويبي بالأسيد واحد
أو متكرر على سارية الشتات
إن مستقبلي الممات
لا أشبه الحلاج
لكنني أُصلَب في عيد النيروز
تغتصبني مشاعر الزجاج
وألم من ركب النيل الفيروز
أيها البلد المقسَّم على موائد المرابين
وأوراقِ اللعب في قبعات المقامرين
وأوكارِ الأحزاب العلمانية تحت العشب
ومالكي الملاهي الليلية في بول ذبابة
وصاحباتِ محلات التدليك المسائي
إبطي العريق في حفريات الزقاق المنسية
مذيعاتٌ مثل أرجل الكرسي
مستلقيات في مغارات بيع النساء
يصرفن رواتبهن على الحليب الصناعي
ليحفظن حجم أثدائهن أمام الجمهور المنسي
مخيلتي نسرٌ مقطَّع ما زال يطير
من القبرات السجينات في الأغنيات
تنمو براعم الذكريات
تتفاقم غربتي أعبر إلى قمة حلمي
حيث أموت وحيداً كما جئتُ
وما إن جهزتُ دمي للرحيل
حتى تبادر إلى غضبي زلازل
وفجرتني قرب صوتي بلابلُ
وتكاثرت خلايا الندى في الصهيل
يسأل الماءَ البنُّ عن لون عمته
وتدمع أشجار الزيتون في طروادة
وتحزم حقائبها ولادة بنت المستكفي
أين تذهبين ؟ أين تموتين ؟
وقشَّرت ابتسامةَ الصخور السنين
غربتنا أبهى ما في الينابيع
وأجمل فجر في كل الأسابيع
ولكنْ في هذا الصباح المنساب
في فتحات الغربال المحموم
لن تتمكن الخادمات من إعداد العجين
لأننا نموت وأنتِ تموتين
أنا والبحر الميت نزور طبيب الأعصاب
لسنا نملك أجرة غرفة العمليات
انكمشت وجوهنا العابرة للقارات
لذلك يتركنا دجلة للموت
على خط المشاة في الشارع الرئيسي
نزفي وصل إلى النجوم وفق مقياس ريختر
يخزِّن مطرُ الكلمات القشَّ الحزين
في عواء الصخور
أنا أوردة مبعثرة في كيان مشتَّت
ولكنني أقاتل نفسي كي أجمع نفسي
أفاوض بلعومي على الاستسلام لصوتي
موكبٌ من المقاصل على شاربي
ويسرق حقولَ ذاكرتي أحاديثُ القرنفل
وأضواءُ مناجل الفلاحين بجانب التبن
سأختفي في صواعق مخدتي
لكيلا يصطادني التبغ في أفواه الجنود
وفوق جليد التقيؤ قرودٌ ملوَّثة
تحج إلى المعبد الوثني في الريف الإنجليزي
السلام على ملك الموت
لقد مت آلاف المرات يا سيدي
وزيارتك تعني ميتتي الكبرى
إلى الليل المختبئ وراء نظارته السوداء
قبيل تحميل البضائع في شراييني المبحرة
أنظر أركض أذهب يركض مصباحي
واضعاً خوفه في النجمات والمزهرياتِ المخدوشة
أطرد الباعة المتجولين في سكاكين تعذيبي
كما طرد المصطفى شعبَ الشيطان من خيبر
وكما طرد المسيح باعةَ الحمَام من الهيكل
سأحقن جبهةَ الورد بشظايا الدم العشوائي
وهو يقيِّد محيَّا الغابة الطريدة
اعْتَقَلوا أحلامي في فضاء المدينة
المسفوكِ على أجسام الألعاب النارية
لصوصٌ في مغارة عظمي العنيدة
يقتسمون ثيابي كالحلوى الفاخرة
في عيد ميلاد نبتة مغمورة
روحي المعتقَلة تغادرني دونما إذن مني
وفي أقمار الخمائل أقيم أبراجاً لا تاريخ لها
من تنهيدات القطن الشمسي
وأعرِّف الضجرَ بوالديه المهاجرَيْن
كي يهاجر معهم إلى جوازات سفر
تصير جسراً فخارياً فوق شلالاتي
عاملٌ ينظف دوراتِ المياه في المطار
وفي تمام الجرح الخامس ستقلع نظراتي
يخرج الشعير من فترة الخطوبة
بمعنويات مرتفعة وهو الآن يستعد للحصاد
زلزالٌ فقد أقاربه في أحد الزلازل
وطاووس يفتش تحت أنقاض ريشه
عن لون وبراكين خامدة
مديرُ السجن المتقاعد ورياحُ الخماسين
وتلاشي ثمود وهزيمةُ نابليون وهجرةُ الرياحين
ويبتسم سور عكا على هضاب أشعاري
توضع نقاط عمري على حروف الثورة
أحجارٌ من خيوط سكَّر الأمكنة المخملي
وخادمةُ قائد المغول تحشو أضراسها بأكفاني
أيتها الأندلس الواقعية التي تجيء كالذهاب
هل ستعيدين أعصابي المجدولة
على مساحات حقائب الآنسات
أم سأعيدك من جوف الخنازير المستنسَخة ؟!
عَبَروا المضيق
توابل من الأحشاء والعاجِ البحري
تلك الرئة تضيق
اختناقٌ تأكله جحافل الإفرنج
حدائقنا أكلتْ رمال صحارينا
في وجبات البؤس الدسمة
فخسرنا الصحراء والحديقة
قناديلنا سقطت على بلاط انتحارنا
كم تفتقدني بحارنا الصديقة !
أجدادنا يعيشون ونحن انتهينا
لا شيء يدعو للقلق !
الوديان تجرفني والرعد يواسيني
مَن المجرة التي تمحو نفوذها
في طواويس النهر وتفيق ؟
الصباحُ الملتهب حتى الثمالة يهاجر
والغيثُ يُجرح في الميادين فيُسافر
مَن الغريق ؟
لا شيء يدعو للقلق !
يرمي أسئلته الزمان ويندثر
دماؤنا الطريق
عنبر الحرائق حريرُ البارود
قلوبُ ملايين الشجيرات
على الحصباء الوردية
والدخانُ يعود من مكتبه مرهَقاً
يغزل جدائل قريتي أدغالَ حريق
أطرافي واقعةٌ تحت الانتداب الرعوي
طفلاتُ الجنود يجمعن الصدف
في ميناء البروق
ثم تمر عليهن حاويات البضائع
وكتائبُ العسكر والحروقُ
والنبيلاتُ الإسبانيات يغنِّين في الحانات
نبيذٌ من أحمر الشفاه البارودي
وفرسانُ الملكة السكيرون في مخازن الحبوب
يضاجعون عشيقاتهم ويُهزَمون
لكن دماءنا للشمس طريق
وفي احتدام العدم وزحمة الفراغ
يعدو السرابُ بحثاً عن حضن يبكي فيه
فلا يجد غيرَ السياط وسجانِه
أحلامٌ خشبية وعكازاتٌ لعجائز الإغريق
امرأةٌ لا أعرفها في واجهة الغسق الرقيق
تحضر لي طعاماً في السجن
ويتسلق الضياء على بصماتها
فوق حواف وعاء الأرز
ومات النسر
كم سراً دُفن معه ؟
وكأني أرى مصرعي يشرق ويشرق
في براعم نابتة بين عيوني
ضيَّع الحبَّ عُقابٌ ليصدِّق أنه غبي
ينهار سقف سوق العبيد
في زرقة الأحجار الكريمة
ترتيبُ الصحون على مائدة إفطار المخبِرِين
أكبادُ الجواري حقلُ غاز
اكتَشَفوه واحتَرَقوا راجعين من الملاجئ
فاكتشفْ _ حفارَ جرحي _ وجهي في وجهك
كي نغرس تاريخَ أجسادنا وزيتوننا
في خدود غرناطة خارج الخرائط
ونعلِّم القلقَ أن لا يقلق علينا
فإنا عائدون .

24‏/12‏/2009

أمراض العم سام !

أمراض العم سام ! /
إبراهيم أبو عواد
نشرت في صحيفة القدس العربي ، لندن 24/12/2009م
إن نظرة سريعة على خارطة المشهد السياسي العالمي تشير إلى الاضمحلال المتسارع للحضارة الأمريكية، حيث الاقتصاد مبني على أسس غير سليمة، والحالة الاجتماعية مبنية على إجهاض الروح والجسد، واضطهاد الأقليات، والتمييز العنصري المتجذر في الثقافة المجتمعية، والمستوى الثقافي متمركز في دائرة الاستهلاك والشهوات، والوعي السياسي عاجز عن اختراع دور حقيقي لشرطي العالم العاطل عن العمل.
والنظر إلى العالم بدون سيطرة القطب الواحد ليس لعبة خيالية لزراعة الوهم، وتسويق الخديعة في أوساط الناس. بل هي نتيجة طبيعية لنظرية تداول الحضارات وانهيارها، وقد بدت آثار هذه الانهيار على أرض الواقع. لكن العجب، كل العجب، أن تجد بعض المثقفين يعتقدون أن الإمبراطورية الأمريكية مستمرة حتى نهاية التاريخ، وهذا السراب الخادع الجاثم على عقول البعض جاء بسبب الحملة الإعلامية الشرسة التي تحرص على تصوير أمريكا بوصفها الحضارة النهائية الحاسمة على سطح الأرض.
وفي زحمة اندلاع الوهم لا تجد الجامعات الأمريكية العريقة، أو مراكز الأبحاث تتحدث عن انتهاء حلم خلود الإمبراطورية الأمريكية بشكل واضح ومباشر. مع أن الدلائل الظاهرية واضحة للعيان، والمؤشرات حول انكسار حلم التوسع والسيطرة في ذهن ' العم سام' باتت تُلمَح في الأفق. لكن منطق القوة، وسياسة الأمر الواقع، والتموضع في بؤرة المجد الوهمي، والآلة الإعلامية الجبارة، وغيرها من العوامل، ساهمت في اختراع صورة أسطورية للحضارة الأمريكية تماماً كما تفعل هوليوود مع الممثلين عبر اختراع هالة خرافية لهم بواسطة المكياج والأقنعة والمؤثرات البصرية والصوتية. وكلها عوامل سرعان ما تذوب مع ظهور شمس الصباح خارج الأستديوهات. وهذه الأفكار إنما هي تدقيق فلسفي تأصيلي ينحو منحىً سياسياً استشرافياً لنهاية أحلام هذه الكتلة الجغرافية الجبارة التي تقمصت خدعة 'الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس '. وبما أن الحضارة الأمريكية قامت وفق قاعدة إبادة السكان الأصليين ( الهنود الحمر )، فهي لا ترى وجوداً حقيقياً خارج نطاق وجودها، فمن الطبيعي أن تنظر إلى الآخر على أنه بشر درجة ثانية أو ثالثة، لأن أدبيات الأنظمة السياسية الأمريكية على مدار التاريخ تنتهج سياسة الأنانية، والتمركز حول الذات، وإقصاء الآخر بكل وحشية، وتجريده من قيم الحضارة والمعاني الإنسانية الراقية. فالانكسار الحضاري المتقـــوقع على شكل فقــــاعة صابون أو بالون منتفخ يُسَمَّى القطــــب السياسي الأوحد ما هو إلا تشكيل خيالي وهمي يشتمل على بذور انهياره في أنويتـــه الداخلية، لكن الذي يطيل عمر الجثة الهامدة هو الأجهزة الصـــناعية المحيطة بسرير الميت، وهذا بالضبط ما يحصل في حالة الإمبراطورية الأمريكية.
وبالتالي فإن السقوط الحتمي لهذه الإمبراطورية سوف يتكرس بكل دينامية، وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي. وما الأزمة المالية الخانقة إلا عملية قرع جرس الإنذار. والسقوط المعرفي الذي تعاني منه حضارة انكسار الحلم، واضمحلال المعنى لصالح عقيدة الأخذ المتكرر، هو السقوط الشامل للاستهلاك الجنوني لمتع الجسد على حساب متع الروح. وهذه نقطة ضعف حرجة نابعة من التأسيس الذهني السياسي لحالة الحراك الاجتماعي داخل الأنساق البشرية. فالمجتمع الأمريكي الأمي من ناحية الثقافة السياسية لا يهتم بالسياسة الخارجية، وإنما كل تفكيره منصب حول نظامه الاستهلاكي العنيف، ومدى قدرته على تطويع الأداء الكلي لخدمة أنانية فرديته السائرة باتجاه مضاد للروح الإنسانية والبيئة بكل تجلياتها المعنوية والمادية. وإن أية دراسة تتناول المستوى المعرفي للتشريح الدلالي في بنية التراكيب الاجتماعية للأداء السياسي الأمريكي ينبغي أن تعتمد منهجية اعتبار السياسة الأمريكية جزءاً من المشكلة، لأن الدولة التي تعتبر أكبر ملوث للبيئة في العالم، وأكبر مصدِّر للسلاح، وأكثر دولة استخدمت الفيتو لصالح الجلاد على حساب الضحية، لن تكون جزءاً من الحل.
وكما أن انحسار صيغة التفكير المنطقي في عالم مجنون وجامح وسائر نحو الهاوية صار منطقاً رسمياً للكثير من الأنظمة القمعية المدعومة أمريكياً، فإن قدرة الفرد على مواجهة مشاريع استئصال إنسانيته صارت تياراً مقاوِماً رامياً إلى بعث الإنسان من قبره العالمي من جديد، وإحياء المعاني الميتة في النفوس بشكل إنساني راق. ولا يخفى أن الانتكاسات المتكررة في أداء اجتماعيات السياسة على الصعيد العالمي ساهمت - إلى حد بعيد- في تجذير أنطقة التخلف الاجتماعي وفق صور إنسانية أكثر أنانية، وأكثر توغلاً في هوس الأخذ المتواصل. وللأسف فقد تحول الفرد الذي يفترض به أن يعمر الأرض إلى معول هدم في هذه الأرض، وهذا نابع من الاختلاط المريع في مفهوم الإنسان كوحدة وجودية راقية. كما أنه نتاج طبيعي لحالة الاحتقان الفكري المأزقي العمومي التي كرَّسها النظامُ الرأسمالي المتوحش الذي أحال الفرد إلى كومة شهوات متضاربة موغلة في الاستهلاكية الفجة.
وهذا التحول في المنهجية الإنسانية متزامن مع التحول الجدلي في الفكر السياسي العالمي الذي صار يضع الرصاصة أمام الكلمة وليس العكس. وكل هذه العوامل قادت إلى الانهيار المرعب في تقاطعات المنحى الإنساني التجريدي، فصار الإنسان سائراً باتجاه مضاد لإنسانيته، حتى إنه أضحى مســـتعداً لسحق ذاته في سبيل نيل مكتسبات وقتية.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تحول العالَم الى قطب واحد وهو أمريكا، وهذه المعلومة الواضحة صارت مفروغاً منها من فرط تكرارها. وعلى الرغم من صحة المعلومة السابقة جزئياً إلا أن مفهوم القطب يحمل عدة طبقات من صياغات المفاهيم. فأمريكا هي حجر الرَّحى الذي يدور حوله النظام السياسي العالمي ضمن واحدية الاستقطاب المنهجي النَّفعي. ومع هذا فإن التصدعات العميقة في وجه أمريكا ككيان داخلي متواصل مع الظواهر الخارجية تمتاز بالانهيار الشامل، أي سقوط السياسات كأحجار الدومينو ضمن مسلسل فشل سياسي واقتصادي واجتماعي، خصوصاً مع عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية التي تقودها الدبابات بدلاً من الدبلوماسية.
ومهما يكن من أمر فإن التوغل في بنائية الرمز التكويني لحالة القطب الواحد لا بد أن يصل إلى لحظة زمنية فارقة تمنعه من مواصلة التقدم، أي إن استمرارية الحفر في العمق ستتوقف لا محالة، ولن تستمر إلى ما لانهاية، لأن طاقة الحلم الأمريكي الظاهرية سوف تنتهي بسبب غياب القوة الإنسانية الجوهرية، وتآكل قوة الدفع الداخلية، حيث الأزمات الاقتصادية تعصف بالكيان الأمريكي، وتهدد النسيج الاجتماعي الذي لم يكن في يوم من الأيام متجانساً، وإنما هو خليط من أصول شتى مختلفة في كل شيء، لكنها مجتمعة حول هوية الدولار.
لذلك فإن مصطلح ' الأمة الأمريكية ' يأتي في سياق تلميع إعلامي، لكنه مصطلح لا أساس له من الصحة. وتأتي هذه الصور الفكرية في سياق تشريح رمزي واقعي واضح يستشرف المستقبل، ويضعه في إطار المعنى الرسمي لانهيار حلم خلود الإمبراطورية الأمريكية. وقد بدأت بوادر هذا الانهيار بكل وضوح. فالتآكل الحقيقي في هذه الإمبراطورية التي ابتلعت المسارَ الحضاري للإنسان العالمي يُبرز لنا فلسفة بدء العد التنازلي للحضارة الأمريكية. لكن الأمر ليس بالسهولة التي قد يتخيلها البعض، فالأنظمة التداخلية في الولايات المتحدة شكلياً، والمتناحرة واقعياً، أنظمة مفتوحة تمتاز بحرية الاختيار، وهذا يعني أنها قادرة على إجراء تصحيح ذاتي لمسارها في كل أزمة. لكن المرحلة المتقدمة من مرض أمريكا في هذا الوقت لا يمكن علاجها نهائياً. وقد توضع بعض الأدوية لتأخير السقوط النهائي للمريض بينما يتمدد على فراشه. لكن الفتق اتسع على الراتق، ووصل الطبيب متأخراً جداً إلى المريض دون وجود دواء.

06‏/12‏/2009

انهيار فلسفة الأنظمة الحاكمة

انهيار فلسفة الأنظمة الحاكمة /
إبراهيم أبو عواد
( نشرت في صحيفة القدس العربي ، لندن 9/12/2009)
في هذه اللحظات الحالكة التي تعيشها الأمة العاجزة عن حماية مقدساتها. وفي ظل احتضار الأنظمة الحاكمة المشغولة بتزوير الانتخابات وتوريث الحكم، ولهاث الشعوب العربية وراء كسرة الخبز، وانتحار علماء السلاطين وفقهاء البلاط ، وتقاعد القادة الثوار ، وانتهاء ضجيج الثورات ، وأخذ الجيوش العربية إجازة مفتوحة بدون راتب ، حيث الجعجعة بلا طحن ، وذهاب ما جاءت به الرياح مع الزوابع ، يجد المرء نفسه أمام تحديات جسيمة تهدد وجود الأمة كوحدة متجانسة لها تواجد حي وحر على رقعة الخريطة .
ولكي يحافظ المرء على توازنه ، وتحافظ البلاد على وجودها ، لا بد من البحث عن مراكز القوة في الشارع العربي، ومؤسسات المجتمع المدني، والقوى الشعبية المختلفة، وذلك من أجل الحفاظ على كيان الدولة العربية ضمن منهجية إنقاذ ما يمكن إنقاذه .
وللأسف فإن الدولة العربية ككيان سياسي صارت مزرعةً للحاكم وأسرته وحاشيته، وهي بذلك تكون قد فقدت مقومات المعنى السياسي ، وخسرت أبعادها الوظيفية في المحافظة على ذاكرة التاريخ ، وتحقيق آمال الشعب . لذلك ينبغي التنقيب عن القيادات الكاريزمية في المجتمع من أجل حشد الطاقات ، وانتشال الوعي الإنساني الشعبي من مستنقع الجهل والاستهلاكية الفجة . أما التعويل على المستوى الرسمي العربي فهو تعويل على قبر ساكن ، لأن انتظار النظام الرسمي لكي يتحرك إيجابياً هو بمثابة إجراء تنفس اصطناعي لجثة هامدة .
وهذا المنطق السياسي في الحراك الاجتماعي عقلاني للغاية في زمن تبدل مراكز القوى، وتغير مواطن صنع القرار. فتأثير إفرازات النظام الحاكم على أرض الواقع يكاد لا يُذكر ، لأن الناس سئمت الخطاباتِ الرنانة ، وارتداء الأقنعة الزائفة من قبل الكيانات السياسية التي تاجرت بكل شيء ، بدءاً من مصير شعوبها ، وحتى الشعارات الثورية التي تغطي الكثير من الأنظمة التي خلعت ثوريتها كالمعطف البالي مع هبوب رائحة عطر العم سام .
كما أن الأثر الإستراتيجي لتحرك الشارع بشكل عقلاني مضاد للفوضى من شأنه توجيه دفة قيادة الجماعة البشرية نحو بر الأمان خارج نطاق نفوذ الإملاءات الخارجية . كما يتطلب الموقف العربي الصعب تجذير عملية التنقيب عن المواهب القيادية الجديدة للخروج من حالة الموات السياسي الضارب جذوره في أدبيات القمع السُّلطوي .
فخطة الإنقاذ العقلانية هي التفتيش عن مالكي صنع القرار ، وصانعي التأثير الجماهيري ، من أجل إحداث عملية انتشال كبرى للمجتمعات العربية التي تغرق وهي تضحك غير عابئة بالتهديدات الجذرية التي تمس مصيرها .
لذلك فمواصلة النوم وانتظار قدوم خالد بن الوليد على فرس وبيده سيف لا يجدي نفعاً ، واختراع الأناشيد الوطنية من أجل نشرها في الهواء بدون حاضنة واقعية تطبيقية لا يمكن أن يقود مسيرة التحرير . والتطبيل والتزمير للزعيم وحاشيته سوف يذهب أدراج الرياح، لأن الحاكم العربي لن يتحرك إلا إذا تم تهديد نظام حكمه، أما إذا هُدم الأقصى أو تم تقسيمه _ على سبيل المثال_ ، فهذا أمر يمكن تعويضه حسب العقلية الاستبدادية الحاكمة . وإن عاش الشعب أو مات ، فهذه مسألة يمكن دراستها بهدوء على طاولة البحث. أما إن وجد خطر على النظام فعندئذ تقوم الدنيا ولا تقعد ، لأن ذلك مسألة أمن قومي مصيري . فالجيوش موجودة لتثبيت العروش وليس للدفاع عن البلاد والعباد . وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون واضحة لئلا نعيش في الوهم الذي تصنعه الآلة الإعلامية الرسمية .
والتمزق العربي نتيجة طبيعية لرسوخ الدولة البوليسية العربية ، حيث تم تحويل الأنساق الاجتماعية إلى متاهة الأضداد ، فانتقلت الحياة المجتمعية من المد الثوري التحريري إلى المد الرومانسي التخديري ، وتحولت بندقية الثائر إلى سيارة المرسيدس لرجل الأعمال ، لأن الطواغيت الأعراب حشروا شعوبهم في زاوية رغيف الخبز ، وجاذبية الشهوات الاستهلاكية، فلم يعد المواطن العربي تعنيه الأمور السياسية والقضايا الكبرى ، لأنه محصور في الاستهلاكية الفجة ، وإطعام الأفواه الجائعة التي تنتظره نهاية اليوم .
وهكذا تحولت القضايا المصيرية من مسائل وجودية حاسمة إلى مسائل في جدلية العرض والطلب ، لأن الثابت هو رغيف الخبز ، وباقي العناصر متحولات يمكن تعويضها أو تغييرها . وهذه هي فلسفة أدبيات الأنظمة القمعية التي تخاف أن يشبع الشعب ، فلا بد أن يظل جائعاً ، لأنه إذا شبع سيفكر ، وإذا فكر سينقد الأوضاع الراهنة . والأجهزة الأمنية لا تريد وجع الرأس ، فالمركب سائر ، ولا يهم إن كان سائراً إلى القمة أو الهاوية.
وفي ظل هذه الانتكاسات المتوالية تغيرت ماهية القدوة ، واختلفت أدوات العمل السياسي . فأضحت المقاومة إرهاباً مذموماً ، وصار التآمر على حركات المقاومة محاولة لوقف المد الإيراني ، والمضحك المبكي أن التآمر على أهل غزة من قبل بعض الأنظمة العربية جاء لوقف النفوذ الإيراني ! ، فصار قتل أهل السُّنة ضرورة لوقف المد الشيعي _ حسب عقلية تلك الأنظمة العربية المتواطئة مع الاحتلال الصهيوني _ .
وهكذا تكرست أدوات الواقع المرير بحكم منطق القوة لا قوة المنطق . ووفق هذه الرؤية تم تقديم محور "الاعتدال" المتهاوي حاملاً لتاريخ الأمة ، ومعبراً عن حقوقها المشروعة بعد أن سقط الثوار في متاهة الراتب الشهري ، وذهبت خطابات الزعماء الفاتحين أدراج الرياح .
إن تشظي العقل العربي التحريري نابع من غياب المنهجية الواعية لاحتضان المستويات الثورية ، فصار الفعل التحريري أشبه بحركة عشائرية ارتجالية مستندة إلى العصبية القبلية ، فلا منهج فكري واضح ، ولا أدوات واقعية تجعل الحلم حقيقة . وفي تفاصيل هذا التخبط يظهر أمراء الحرب، وسماسرة الوحدة الوطنية، وتجار الثورات، وكلهم حققوا منافع مادية شخصية على حساب تضحيات شعوبهم . فصار التساؤل المرعب : ما الفرق بين الأنظمة الحاكمة التي تحمل أسماءنا وبين الاحتلال البريطاني أو الفرنسي على سبيل المثال ؟!.
وفي خضم هذه الأسئلة المخيفة يعاد تشكيل العقل السياسي ليصبح أكثر تدجيناً ، فتؤول القيم الدينية والوطنية إلى شعارات مفرغة من محتواها ، فيصبح التمسك بالإسلام رجعية ، وتصير الوطنية شعاراً للعصور الحجرية ، ومقاومة المحتل إرهاباً مذموماً .
ولعبة المصطلحات هي لعبة قديمة جديدة، ومن مصلحة من يلعبون هذه اللعبة أن تظل ماهية المصطلح عائمة ليسهل إسقاطها على كل وضع يتعارض مع فلسفة القوي في شريعة الغاب . فأمريكا مثلاً لم تقل لنا إلى الآن ما هو الإرهاب ، فمن مصلحتها أن يظل تعريفاً غامضاً عائماً ليسهل تطبيقه على " الدول المارقة" أو " محور الشر" أو " أعداء العالم الحر".
وهذه اللعبة تكريس أيديولوجي لشريعة الغاب ، لأنها تمنح القاتل حق تصنيف الناس إلى مجرمين وضحايا ، وبالطبع سوف يصفق الناس له ، لأن الصولجان بيده . وهناك مقولة لرئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو : (( إن العالم قد يتعاطف مع الضعيف بعض الوقت ، لكنه يحترم القوي كل الوقت )) . وهذا صحيح في شريعة الغاب حيث تنتحر قيم العدالة والأمم المتحدة ، ويموت القانون الدولي ، فتظهر شريعة البندقية ، وقانون الدبابة ، ورومانسية طائرات التجسس بدون طيار .
وبعد كل ذلك يختفي _ في العقل الاجتماعي _ صلاح الدين الأيوبي القادر على حشد الجماهير لممارسة فعل التحرير ، ويظهر الحاكم العربي الصوري القادر على حشد قوى الأمن للحفاظ على الكرسي بغض النظر عن حياة الشعب أو موته .