سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

07‏/01‏/2010

دور النظام المصري في تدمير الأزهر

دور النظام المصري في تدمير الأزهر/
إبراهيم أبو عواد
نشرت في القدس العربي ، لندن 8/1/2010 م .
مما لا شك فيه أن مصر كدولة بوليسية خاضعة للإملاءات الخارجية لا تقابل الضغوطات الأمريكية إلا بالخضوع لها تماماً وحرفياً دون أية محاولة للمقاومة الحقيقة أو حتى الوهمية ، لأن ضغوطات القمح الأمريكي والمساعدات المالية والعسكرية قادرة على فروض شروطها على النظام . وفي ظل هذا الجو الكئيب الذي أدى إلى تحول الدولة المصرية التاريخية العريقة إلى كيان مفرغ من معناه، وتحول مركز الثقل العربي إلى شبح دولة فقيرة متهالكة ، وصارت أكبر دولة عربية كياناً عائشاً على المساعدات الخارجية ، وتحولت الأخت الكبرى للعرب الراعية لمصالحهم إلى كيان غريب عن المنطقة ليس له علاقة بقضاياها المصيرية، وصارت الدولة التي خاضت حروباً شرسة دفاعاً عن الهوية العربية وكرامتها فراغاً سياسياً عبثياً يحاصر غزة وغيرها . ونحن هنا نفرق بين النظام المصري المعادي لأحلام شعبه ، وبين الشعب المصري العظيم الرافض للتدجين . وكل هذه الحلقات المرعبة في مسلسل التحولات المنهجية القاتلة إنما جاءت نتيجة سياسية ممنهجة يلعبها أعداء الخارج مع تلاميذهم في الداخل . وقد كان العدو الصهيوني بالغ الذكاء عندما قرر إخراج مصر من الحظيرة العربية عبر التلويح بالعصا والجزرة . وقد حصل على ما أراد عبر اختراع كذبة "كامب ديفيد " ضمن سيناريو وهم السلام الذي تم ترويجه على عرَّابي معاهدة السلام التي هي وثيقة استسلام بلا شروط . فتم الطلب من مصر التنحي جانباً عن قضايا الإسلام والعروبة ، وعدم التدخل إلا بموافقة الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني ضمن مساحة محدودة وإطار زمني متفق عليه مسبقاً ، وكل هذا مقابل بعض المساعدات المالية ، وحفنة من القمح ، وبعض المناصب الدولية ، والمزايا العالمية المحدودة . وهذه الحقيقة تجيب عن سؤال : لماذا لم يتم اختيار مسؤول مصري لتولي منصب عالمي في عهد عبد الناصر _ على سبيل المثال _ مع أن الساحة كانت مليئة برجال السياسة والأدب أصحاب الأسماء الرنانة والعيار الثقيل ؟! . وهذه التوطئة لا بد منها لربط الحلقات المنهارة في هذا المسلسل الطويل من الانتكاسات . وبما أن الانهيار يحمل في بنيته الفلسفية صفة انسحابية جمعية ، بمعنى أن تراجع الأمم شامل لكل المجالات . فالانكسار السياسي له انعكاسات مدمرة على المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، وهذا ماثل للعيان على أرض الواقع . وضمن هذا المسلسل تم الوصول إلى الأزهر الشريف الذي كان على مدار تاريخه قلعة الصمود ضد الغزاة والطغاة . فساهم النظام المصري بكل إفرازاته ، وتحت وطأة الإملاءات الأمريكية ، في تحويل هذه المؤسسة العلمية العريقة إلى كيان هش ، وصدى لتاريخ مجيد . وفلسفة النظام المصري في هذا السياق تتجلى في رفض وجود أزهر قوي ومستقل، لئلا تظهر دولتان على الساحة المصرية ، وهذا الفهم القاصر أدى إلى إضعاف الأزهر ، فانهار دور مصر العروبي والإسلامي . فقوة الأزهر هي قوة لمصر ودورها ، لكن هذه الحقيقة غائبة أو مغيبة عن صناع القرار في هرم السلطة الذين يخضعون للإملاءات الخارجية التي تنتهج سياسة تهميش الأزهر، لئلا يقوم بدوره المركزي في تبني قضايا العالمين العربي والإسلامي المصيرية ، وحشد الشارع لمواجهة مخططات أعداء الأمة ، وقيادة مشاريع النهضة والتحديث . فالخطة الأساسية في هذه اللعبة هي تغييب أية مرجعية للمسلمين يعودون إليها ، ويلتفون حولها ، لكي يظلوا أيتاماً ضائعين على موائد اللئام . فإذا كان للكاثوليك مرجعية تتمثل في البابا ، فإن المسلمين ليس لهم بابا ولا ماما . وقد برزت محاولات الاختراق في هذه المؤسسة الإسلامية الأولى عالمياً ، فالكيان الصهيوني في محاولة منه للحصول على شرعية من أي نوع ، والتأثير على الرأي العام في الشارع العربي والمسلم ، وتسهيل التطبيع بعد تنحية المعارضة المستمدة من الهوية الدينية للوطن العربي ، سعى للاتصال بشيخ الأزهر بأية وسيلة . وفي هذا السياق جاءت مصافحة شمعون بيريز لشيخ الأزهر ، والحرص على تسريب هذه الصورة لوسائل الإعلام ، من أجل الحصول على تلميع إعلامي ، وإظهار رئس الكيان الصهيوني في ثوب الحمل الوديع. وللأسف الشديد فقد وقع شيخ الأزهر في هذه المصيدة عمداً أو سهواً ، وأحلاهما مر . والتدمير المنهجي للأزهر يتضمن كثيراً من الجوانب ، من أبرزها : محاصرة الأزهر اقتصادياً لكي يظل تحت رحمة الحكومة التي تنفق عليه ، وتدفع الرواتب الشهرية للعلماء . فصار العالم صاحب المكانة السامية مجرد موظف خاضع للراتب آخر الشهر . وبالتالي فإنه يفكر ألف مرة في مصير أسرته قبل أن يعترض على سياسة النظام الحاكم ، أو ينتقد الأوضاع المصرية البائسة على جميع الأصعدة . والغالبية الساحقة من العلماء تؤثر الصمت خوفاً من فقدان الوظيفة ، أو الملاحقة الأمنية ، أو التضييق البوليسي الذي يطال كل ما يرتبط بالعالم مثل أسرته وأبنائه الدارسين في الجامعات ، وأصهاره ، ودور النشر التي يتعامل معها ، والمساجد التي يرتادها . وكل ذلك ساهم في صناعة الفتاوى حسب مزاج النظام الحاكم . والعلماء الذين يقولون كلمةَ الحق يتم تحييدهم ، ومحاصرتهم ، وإبعادهم عن الوظائف ذات العلاقة بالاتصال الجماهيري ، وصنع القرار الديني ، والتأثير في الشعب . ويتم تطويقهم اقتصادياً عن طريق تجفيف مصادر دخلهم . أما المناهج فقد تم التلاعب بها كثيراً بحجة محاربة التطرف ، ومكافحة ما يسمى بالإرهاب ، مما أنتج جيلاً غير متمكن في العلوم الشرعية. ولكي تدرك هذه الحقيقة لاحظ اختفاء بريق الأزهريين مقارنةً مع السابقين . ولاحظ حجم المعارضة لشيخ الأزهر من الداخل والخارج بدلاً من الالتفاف الشعبي . وهذا كله ليس مصادفة، ولم يأت من فراغ . ولا دخان بدون نار . وما ظهور جبهة علماء الأزهر إلا مؤشر واضح لحجم الرفض والاعتراض في المؤسسة الدينية. ولم نسمع في تاريخ الأزهر كله عن انشقاق طائفة من علمائه لتكوين كيان مستقل عن الأزهر الأم إلا في هذا العصر ، مما يدل على حجم الرفض ، وضرورة اختيار درب آخر مضاد لنوايا الحكومة السيئة المفروضة على شيخ الأزهر الذي لا يملك أن يعترض خوفاً من عدم التجديد له من قبل رئيس الجمهورية . وهنا تبرز أهمية انتخاب شيخ الأزهر من قبل العلماء ، لا اختياره حسب مزاج الحاكم . ولو عدنا إلى المواقف المشرفة للأزهر عبر التاريخ لوجدنا صفحات مشرقة وبالغة التأثير . فقد كان للأزهر مواقفه التاريخية في مقاومة ظلم الحكام والسلاطين على مدار التاريخ ، والتصدي للأنظمة الإقطاعية . أما الآن فقد رأينا التحولات المرعبة في مصر ، حيث الزواج غير الشرعي بين السلطة والثروة، واستعادة تاريخ الإقطاعيات، وطبقة العبيد والسادة ، ضمن أشكال معاصرة ومخادعة . كما أن دور الأزهر في مقاومة الاحتلال الفرنسي واضحة وحاسمة ، عبر تجييش الشارع للدفاع عن الأمة وهويتها ووجودها . أما الآن فأين صوت الأزهر تجاه حصار غزة ، وإبادة شعب بأكمله في فلسطين المحتلة ، والعراق المحتل ... إلى آخر هذه القائمة من البلاد والشعوب ؟! . والفرق مذهل بين الأمس واليوم . فقد سطعت نماذج مشرقة لصمود العلماء في وجه الإغراءات المختلفة . فعلى سبيل المثال ، اعترض شيخ الأزهر الراحل عبد المجيد سليم على الحكومة عندما خفضت من ميزانية الأزهر ، فأعفي من منصبه سنة 1951م . ثم تولى مشيخة الأزهر سنة 1952م ، لكنه استقال بعد سبعة أشهر ، مما يدل على ترفعه عن المناصب ، وعدم رضوخه لإغراءات الكرسي . أما الشيخ المراغي فقد رفض الانحناء للملك جورج الخامس عندما قابله بكل عزة وترفع . والشيخ عبد الحليم محمود له مواقف رائعة في حشد الرأي العام ضد العدو الصهيوني في حرب 1973م . وقد قدم استقالته عام 1974م احتجاجاً على سياسة السادات تجاه الأزهر ، مما اضطر السادات إلى التراجع . كما أن الشيخ ساهم بفاعلية في حل الخلاف بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغربية التي كادت أن تتحول إلى حرب في سبعينات القرن العشرين . وفي ظل هذا التفاوت المذهل بين الماضي والحاضر ، وتفشي الوضع الكارثي ، والمحاصرة الاقتصادية للمؤسسات الدينية ، لا يمكن للأزهر أن يقف على قدميه من تلقاء نفسه . لذلك فهو محتاج إلى الحكومة لكي تسنده . والحكومة تلعب هذه الورقة بحرفية عالية ، وتقدم دعمها الجزئي وفق شروط خانقة مسبقة ، وليس من أجل سواد عيون علماء الأزهر . وهكذا أضحى الأزهر مثل أية دائرة حكومية مخنوقة في قبضة الراتب الشهري ، لا تتمتع بالاستقلالية في أخذ القرارات . بل تظل خاضعة للإملاءات من هنا وهناك . فلا يمكن تعيين أي عالم أزهري إلا بموافقة مسبقة من الدوائر الأمنية، ولا يقدر على الحديث في السياسة إلا بمقدار ما تسمح له الحكومة ، ولا يمكنه الدفاع عن العرب والمسلمين المضطهدين في أمريكا وأوروبا خوفاً من إفساد العلاقات الدبلوماسية . لذلك فعلى الرجال المخلصين في الأزهر إيجاد طريقة لإعادة البريق لهذه المؤسسة الدينية العالمية ، والتفكير بشكل جدي في سبل تخليصها من قبضة الحكومة وحصارها الشرس المدفوع بأجندة خارجية .

06‏/01‏/2010

مقتل مصارع الثيران

مقتل مصارع الثيران
للشاعر / ابراهيم ابو عواد
من مجموعة " كلام الفراشة الناعمة "
دار اليازوري / عَمَّان 2007م .
كانت براميل النفط تسبح في نزيفها
يقول لي الندى المبحوح :
(( خذ جمجمتي واربح الثانية مجاناً ))
أقول للندى المنثور في ريش النسور :
(( هنيئاً لكَ ، صرتَ برميلَ نفط ! ))
يُعجَب ثور القحط باحمرار دمه الزيتي
على الرايات المنكسة في طحال القتيل
إن أجساد السحب الذبيحة جمهورٌ في الحلبة
على شفتيكِ يا سيدة المشجعات عرقُ زيتون
وانطلق ثورٌ على أُذنيه كل الابتسامات
التي جاءت من وقوف سيدة خريفية الغبار
على سارية العلم المكسورة
والظلامُ للبكاء صورة
تذكرةٌ ممزقة على كتف رجل يدور
حول غربال مرَّ في أنف جرادة
ملابسها عصورٌ من الأنهر المتزوجة حديثاً
رجلٌ مات خلف أحجار البحيرات التي تتثاءب
على ظهور الثيران المندهشة ضياعاً
عندما يبدل النسيان جِلدَه في كوخ التوت
كنْ أجمل الضحايا في الوطن الخراب
قتلناكَ مثلما تُقتل الكلاب المسعورة
بعد أن تحلبها الديدان المذعورة
في البستان الحديدي
وتخلينا عن جفنيكَ يوم احتجتَ رموشنا
ثم تقاسمنا ملابسكَ الملونة كالحرائق
عيونكَ أضواء سيارات معطلة
في منعطفات وريد الزئبق
والنيلُ حيطانه صمغ الأشجار المحترقة
لا عَرقٌ حول عَرَقي ولا صهيل
لهجةُ الخراف تتكسر في البراكين
ضحكةً لغياب النخيل
ما جنسيةُ خِزانات العوسج
في أوعية المياه الملوثة بالملكات ؟
لا ذبحتي الصدرية تعرف الجواب
ولا البروق المخضرة ولا الباب الصامت
رعشةُ قلم تمتص الأحباب
لم يبقَ عند قبري إلا كلام الحجارة الساكت
وتنمو أعمدة الليمون في أسناني
ركضاً في أفلاك رحيل المصابيح
والحزنِ المدجَّن والحطبِ الجريح
أنا والرعد نجمع الجرائد في الريح
امرأةٌ تباع وطنٌ يباع
يقضم نسرُ القوافي موجَ الضياع
وتتزوج الفراشات الزهرية في معدة الجياع
شيَّعت سنبلةَ الرعد زلازلُ الجسد
أتفرس في وجوه الحمَامات
قد أُذبح في يوم مشمس
ملائم للرحلات المدرسية
أن ترجع إلى كوخك النحاسي
فلا تجد سوى مقاصل مزروعة
على الحيطان كالبراويز الرخيصة
أعقابُ البنادق في خياشيم الطاعون
الليلُ أشقر فتصعد من صياح الأوحال
حمامةٌ نحو مجزرة الروح
يا أيها المسيح المتدفق في السماء ضوءاً
لم يصلبوك على خشبة عارهم
لكن الجراد الوطني في أعوام التفاحات المرتعشات
صلبني على كل أخشاب السناجب المنطفئة
هناك مذنَّب في أقصى رغبة الركض اللانهائي
في مدارات المرفأ المحاصَر
وأنوارِ الحجر المخدوش
أختُ البارود تزور النباتات المتسلقة
على شظيات عودة الجيش المهزوم
الوحلُ المتناقض والجِلدُ المغرور
كومةُ صخور سامة في لهب الشعلة الأبيض
يكنِّس الشهادةَ الجامعية للإجاص اليتيم
والهويةَ العسكرية للنحلات المتقاعدات
تحت أظافر المسجونين المبعثرة أعلاماً منكسة
سراييفو جِلد أخضر للشلال المتكئ
على غمد قمحة تستصلح قلوبَ الطريق الصخرية
كقلب يهودية سمَّمت النبيَّ
يا راحلين إلى لافتات محاكم التفتيش
في دهاليز البنكرياس
استريحوا على عتبات القش الذي يغنِّي
على سكة حديد مهجورة
نصبتها الغزلان في رائحة تواريخ الأنهار
وطنُ المنافي عنبٌ هل جَرَحْتني ؟
عمري يمامةٌ مخنوقة في محل تحف
يا نبياً قبَّلت عمامتَه العالية نجماتُ القلب
مدَّ يديكَ الطريتين اللتين نبع منهما الماء
لتسقيَ صحراء ملامحنا وأجسادَنا الحجرية
إننا أموات انتشلنا دمَنا من شرايين أرضنا
فانتشلْنا من أكوام العار الرمادي
كي نتداخل مع صهيل الرياح في الغزوات
والسلام عليك أيام جئتنا وسكنتَ فينا
أيها الشاهد الشفيع الغيث في ضوء عيوننا
لأني مسكين تلعب النيازك بعواطفي
دخلتُ في عزلة العواصف
وسامُ معدتي فوق أسماء العاج المخدوش
تفضلْ أيها الوطن المخصص للمرتزقة تفضلْ
اقتلْ فَرَاشَ الزرقة المأسورة
اطمئن فلن تتحدى الذكرياتُ عباءةَ الدراق
يحتلني عشقُ المجرات في خرير ذهني
يفصِّل عنفُ الكهرمان اكتئاباً على مقاس حيطاننا
مئذنةٌ ينفجر فيها قلبي ولا تنفجر
يراني الشتاء المبتل بأقواس النصر فأراه
كي يبوس تصحرُ الليل شرايينَ المذبح
وهي تضيء للطيور المهاجرة وجهي
وجهٌ للغيم يمتصني
أَفِقْ شجراً حضنته القناديل
أمشي إلى وجهي فيرفعني على ظهر القطار
مضت السياط إلى حفرتها
اغرسْني عند رعد الكلام
ولا أمشي إليها خوفَ أن أبكيَ
على أسماء البلابل
فوق مياه تحتل اسمي
ولا أمضي إلى حيث أرادت طفولة الوحل
خارجَ أنوثة الخوخة المترنحة على الرصيف المجهول
وسط زندي عند المكتبة الخالية من الغيم
إن دمي خالٍ من البهارات تماماً
لكن العصفر دخل بالخطأ إلى ذرات الأكسجين
في هواء الإطارات المستعملة في جراح الأرض
والنجماتُ تعسكر في فتحات مضخات المياه
في العراء المرتعش على ثيابي
ترى شجيراتُ الثلج ما لا أراه
أعانق ما لا تراه البروق فأنساه
مدخنة لَيلي أفاقت استفقْ زمرداً
جسَّ نبضَ الطوفان هل أنا حديقتي ؟
جاءت السكين في العربات المذهَّبة
لأقول ما عناوين الفقمات في مكتب البريد
الزلزالُ يتغطى بالذكريات التي تمضي
لحافي أقصر من حبل رقص عليه سرير المجزرة
علِّمْني طريقةَ البراكين في البكاء الكهرماني
أتى العمر ذهب البرقوق إليه ممتطياً عود مشنقة
بنكرياسي دربي ويحتسي الغصنُ شوربةَ العدس
هل تسمح أسود اللوز للمرعى بأن يركض في جنازتي ؟
تبحث الراقصات الزجاجيات عن تذاكر الحفلة
وأفتش عن رأس أبي المرمية في الآبار الجوفية
تشك الصحراءُ في ذلك الأصفر الاحتفالي
على مدرجات البنادق الجديدة
وأنا أعلِّم شكَّ قوس قزح أن يتيقن من مماتي
امرأةٌ تبكي علي لحظة إعدامي الرومانسي
جسدٌ الضوء تثقبه الريح العارية
وتضمه النساء المتشحات بالسواد
في أودية المحيطات غير المكتشَفة
يرفض غيمُ بلادي أن أُدفن فيه
يتكدس البارود في ثقوب زفيري
فينهار انهياري قرب جثماني
وأسأل الأرضَ أين اسمكِ أو سؤالي ؟
ادفنيني في أي قلبٍ مهاجر
في جبيني صلاة النوارس
والمحارُ يمنح اسمَه لذرية الياسمين
مثلما تدخل الحيوانات في بياتها الشتوي
تدخل أرصفة جراح النسر
في اكتئابها الموسمي وخياناتِ الملوك .

05‏/01‏/2010

مملكة الثعالب الحمراء

مملكة الثعالب الحمراء
للشاعر / ابراهيم ابو عواد
من مجموعة " كلام الفراشة الناعمة "
دار اليازوري ، عَمَّان 2007م .
من فيضانات الضجيج
تضيء المدن الموبوءة ذكرياتِ براكينها
الآن يتصاعد ما تفرق من قلبي
على موائد الغضب والزعفران
شهيقي رئة زفيري في كل الأمسيات
المجدُ لله في البداية والنهاية
مرمرٌ جارح أدغالي
كيف أدخلها وخاصرتي أضاعت حدودها
في لوحات الرسامين الساكنين
في إرهاصاتِ اللون ؟
اللغةُ المغطاة بالبروق
تكتبني فتصعقني حقول لا نشيد لها
أخشابٌ تمسح دموعَ الكافيار
فتنتفخ أوداج العاصفة
تفاحٌ يزدحم على فوهات المسدسات
اغرورقت عيناي بالندى المسلوخ
وأجهش السجانُ بالضجر
والسنونو تمضغ جذورَ الصنوبر في الحفر
إنني خليفة نفسي أرثها بعد موتها
بروازُ حلمي شُباك يطل على منصة جَلدي
ضيع الموجُ رخصةَ قيادة السيارة في سياطي
فكيف يدهسني بعد الآن ؟
أمسكْني تجدْ حريتي حولكَ
كأنثى نورس بكت عليكَ لتجرحكَ
المرتزقةُ أوتاد شمس مطفأة
خيامهم رمادهم جرحٌ تناسل في الاضمحلال
مِن أين دخل القراصنة إلى أكبادنا ؟
كلما كسرتُ وثناً ظهر في الحدائق وثن
احتجاج زهوري على جريان سهولي في أشلائي
ليلٌ أضاء أصابعَ الذباب المقطوعة
مِن بعد انغماسها في لهب عنفواني
سأشد البحرَ بدهشة ماعز وهو يرى السكين
كان ينتشر في دمه اللزج
ينبوعاً يتعلم اصطيادَ المذنَّبات
وُلدتُ ميتاً ومت وليداً
كلما اقتربتُ من أخشاب مركبي
ابتعدتُ عن جبهتي
أمنا المجرة
كل مراكب الصيد تعود إلى أيتامها إلا مركبي
ولا ضفة حولي تقف عليها
أقدامُ البحيرات خارج أشعتها
حيث يصعد اللاوطن في الوطن
فتختصر الروابي أمكنتها
فأي شلال ستموت على اندفاعه الطيورُ المهاجرة
في موسم حقنها بالهضاب ؟
قنبلةٌ يلقيها الحمام الزاجل
المدرَّب على اغتيالي
وتكتب كلابُ الصيد تقريرها
وأجتاز تابوتي المرمي في حقول التبغ
أزف البحيرةَ إلى زوجها في حقل الشوفان
وحدها الحشائش التي سترقص
في مأتم حضارة الألغام
دقاتُ الساعة مسامير في خصر المكان
تكتب العاصفيرُ المتمردة ضباباً
في الزورق الوردي في الميناء المهجور
وقصائدَ ضد دولة جرحي
فهل آمر جيشَ كريات دمي بالقبض عليها
أم أزود ظلها بالغازات المسيلة للهديل ؟
يحاولون قلي الفلافل في دمعاتي
والليلُ يسير على رموش نحلة
فينعكس توهج الليمون
في أعين الظباء اليتيمة
عند المغيب والطرقاتُ المغلقة في وجه النهر
وبقايا العسس في زجاج النحيب
ظهر النهارُ يحمل على كتفيه غضباً
لرمل يغرس أنيابه في مصرع أولاده
كالسراب ينصب في ضحكته
مأتماً لدولة بوليسية تأتي وتغيب
كل غروبٍ لوجهي شروقٌ للنسور الراقصة
في حفلة زفافها أو اغتيالها
والنخلةُ تودِّع أيتامها
وتتساءل عن معنويات الريح
ذاك العار ليس لي
سآتي _ أماه_ من جهات اللوز والمرمر
وصوتُ الانفجارات في سكوت الأطفال
في حارات الخوف والقططُ المندهشة
ضوءُ المئذنة يوقظني من ليالي الشتاء
صخبُ سيارات الأجرة أمام المحاكم العسكرية
وصورتي وأنا أُحتضر تهديها الأسود لأدغالها
خاتمَ خطوبة غازاً مسيلاً للدموع
جدِّدْ جوازَ سفري الذاهب إلى مدارس الغيم
لأن سد مأرب يزوِّر تأشيرة السفر
والنيلُ يفيض على القرى الكسيرة
هل سيرمون فيه عروساً أنيقة أم جماجم أسيرة ؟
مَرَّ صوتُ المؤذن حياةً جديدة للشعوب الميتة
والشمالُ يقترب من حقولنا المنهوبة
يا أبي ، جاء الهديل من إعصار المروج البرونزية
فاخرجْ لاستقباله قبل وفاته ووفاتي
والرحيلُ يجهز حقيبةَ سفره
يضع فيها نزيفَه الصخري ومزارعنا المسروقة
وألواحاً تصلح توابيت للأغنام
أنا وشجر النسيان لم نجد من يدفننا
تحت صليل المجزرة وهواءِ الاحتضار
قبري يمشي أمامي مسرعاً
يكتشف الألغامَ في درب النرجس
رعشةُ الجنود الخاسرين
الذاهبين إلى مضاجعة نسائهم
قتلناك ثم رثيناك
ولم نتوقعْ أن يصير صمتك عتادَ ثائرين
يا كل الأرض التي ترفضني
سأدفن جراحي في نشيد السحاب
وأقاتل حتى لا يبقى في سحنتي سحنة
وطنٌ مات فلنحملْ نعشه الماسي
ولنصنعْ وطناً آخر يليق بأسمائنا العالية
عليك السلام يا حسين
يوم خانوك ويوم قتلوك
ويوم يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها
ويوم ترث الجنة
انتحارٌ للمرتزقة كانتظار البغايا
على جانب الشارع الليلي
في صيف العواصم المدمَّرة
نشروا بيننا الأحكامَ العرفية
وأنهارَ السراب والمسالخَ المتعفنة
يا هؤلاء !
يا طرفات عارٍ
يا عواصم انتحار في غبار
سيقفز البحر على المصابيح المحتوية على دمي
ويسجل هدفاً في مرمى حلم الأفعى
فيخسر الحلمُ وتجاعيدُ عَرَقي فأنتصر
وطني الذي يحقنني بلون الحِداد ومضاداتِ الاكتئاب
اعترفْ بي وأعطني قبراً في رموشك
يا أيها النزيف المعبأ في زجاجات العصير
أنا المصلوب على كل أعمدة الكهرباء
يا دولةً علَّقت أثداء بناتها
على تذاكر القطارات البخارية
شعبَ الركام القاتلَ المقتولَ
يا من تسكبين دمَ الحيض
على الرسومات الإباحية في متاحف الهوس
للزوال شخصٌ ميت يضاجع زوجته ليلاً
ويصفق للزعيم المتبخر نهاراً
تسقط أشجاري وتقف أكفاني
بين الأناشيد الوطنية
وصورِ الإمبراطورة على واجهة الخمارة
سرَّح النرجسُ ألوانَ الشهوة لفتياتٍ مسكينات
تركهن أزواجهن الجنود في ليلة الدخلة
وجاؤوا كي يعتقلوني
الحبيبةُ الأولى والرصاصةُ الأولى
نسختان للصهيل المالح
والمحنَّطاتُ خلف مقاود السيارات
لا يلتفتن إلى محاكمتي على الرصيف النظيف
دمك على المصحف الشريف يا عثمان
ودمي على صليل نخيل بلادي .