سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

19‏/09‏/2010

لماذا باعت الأنظمة العربية فلسطين ؟

لماذا باعت الأنظمة العربية فلسطين ؟
إبراهيم أبو عواد
جريدة القدس العربي
لندن ، 8/9/ 2010م .
إن النظام العربي الرسمي الكرتوني صار محصوراً في ذاته ، ولا يرى أي شيء خارج وجوده . فالأساسُ السياسي في العقلية الحاكمة هي ترسيخ وجود السلطة ، والعمل على استمرارها حتى يوم القيامة بأي ثمن ، والتضحية بأي شيء في سبيل بقاء الحاكم على الكرسي وأبنائه من بعده . وهذا لا يتأتى إلا بموافقة أمريكية مسبقة باعتبار أن الحاكم العربي موظف في الخارجية الأمريكية لا يمكنه تجاوز الهرمَ الوظيفي أو تجاوز الأوامر العليا القادمة من وراء الأطلسي ، فالعبدُ لا يمكنه الاعتراض على سيِّده . وفي ظل هذا الأداء السياسي المنهار ، قامت الأنظمة العربية بشطب مصطلحات التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال والتصدي لقوى الهيمنة من قاموسها ، كما قامت بإدخال فكر التحرر والتحرير في متحف تاريخها الشخصي . وذلك خضوعاً للإملاءات الخارجية ، وتجنباً " لوجع الرأس "، ونزولاً عند إرادة " المجتمع الدولي / العالم الحر " الذي يمنح الحرية لشعوب الدول القوية ويحجبها عن الشعوب الضعيفة التي لم تجد حاكماً يحقق مصالحها ولا حكومة تنهض بالمصالح الوطنية العليا . وبما أن الدول العربية مفكَّكة لا رابط بينها سوى الشعارات البراقة ، فهي تفتفد إلى البوصلة الواحدة والاتجاه الواحد . فصار من الطبيعي أن يظهر التضارب في الداخل العربي . وأبرز مثال على ذلك تعارض مصالح سوريا مع مصالح مصر ، وسير الدولتين الكبيرتين في خطين متوازيين دون أية إمكانية _ حتى هذه اللحظة _ للالتقاء . وهذا بالتأكيد يقتل العمل العربي المشترك ، ويجعل منه شعاراً فضفاضاً للتسلية في أروقة جامعة الدول العربية التي صارت كوفي شوب لشيوخ القبائل ، ولا تعبِّر عن طموحات الشعوب العربية التواقة إلى الحرية والتخلص من أعداء الداخل والخارج . فالجامعة العربية كيانٌ مشلول تم إلحاقه بالخارجية المصرية التي لديها توجهات مضادة لفكر المقاومة والتحرر ، إذ إنها ما زالت تعيش في عقلية كامب ديفيد التي أعادت مصر إلى العصر الحجري . أضف إلى هذا غياب قيادات الصف الأول في سدة الحكم على مستوى الوطن العربي . الأمر الذي جاء كنتيجة حتمية للتوريث ، وتزوير إرادة الشعب ، وتفصيل الدستور حسب مزاج العصابة الحاكمة ، وإحكام القبضة الأمنية على مفاصل البلاد من الألف إلى الياء تكريساً للدولة البوليسية . ومن خلال العناصر السياسية السابقة يتضح لنا استحالة حفاظ هذه الأنظمة المنهارة على الأمن القومي العربي . وقد رأينا تآمر بعض الدول العربية على العراق ، والعمل على إسقاطه ، وتحويله إلى كيان مفرغ من المعنى ، حيث ضاعت سبعة آلاف سنة من الحضارة في نسب المحاصصة الطائفية ، واقتسام الكراسي بين القادمين على ظهور الدبابات الأمريكية . والأمرُ تكرر بصيغة أخرى في التآمر على غزة وحصارها من أجل إسقاط المقاومة ، وإسكات صوت المعارِضين لمشاريع الهيمنة الصهيوأمريكية . وهكذا نجد أن الحاكم العربي يشكل خطراً على الأمن القومي العربي ، وهو جزء من المشكلة لا الحل . وآخر حلقة في مسلسل المؤامرات تجلت على شكل " المفاوضات المباشرة " الرامية إلى بيع فلسطين بالتقسيط المريح . وقد حصلت هذه المفاوضات العبثية على غطاء من جامعة الدول العربية التي لا تملك من أمرها شيئاً ، لأنها فرع للخارجية الأمريكية . وقد رأينا فيما مضى كيف أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس كانت تختار وزراء الخارجية العرب من أجل لقائها حسب مزاجها . فتحضر من تشاء وتستثني من تشاء . حتى إنها استثنت لقاء السيد عمرو موسى رأس الدبلوماسية العربية في إهانة بالغة للجامعة العربية التي يُفترض أنها تمثِّل الأمة العربية. كما أن السيد عمرو موسى قضى جزءاً من حياته وزيراً للخارجية المصرية ، حيث كان يجلس مع المسؤولين الإسرائيليين _ بمختلف درجاتهم الوظيفية _ لتناول طعام الغداء وتبادل الضحكات والهدايا ومناقشة عملية السلام الرومانسية . وقد رأينا كيف انسحب رئيس الوزراء التركي أردوغان من منتدى دافوس احتجاجاً على كلام رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز في حين أن السيد عمرو موسى حامل المصالح العربية بقي في الجلسة دون أن ينبس ببنت شفة كأن شيئاً لم يكن . لذلك فانتظار النظام الرسمي العربي أو جامعة الدول العربية لإنقاذ فلسطين هو انتظار ما لا يأتي . وهذا الجو القاتم يرشدنا إلى وضع إجابات عن السؤال المصيري : لماذا باعت الأنظمة العربية فلسطين ؟ . 1) إن هناك أنظمة عربية تستمد شرعية وجودها المصطنع من ضياع فلسطين ، والمتاجرة بالقضية لكسب الرأي العام ، وبناء الاقتصاد الوطني على التسول وأخذ المساعدات باسم اللاجئين . فصار ضياع فلسطين دجاجةً تبيض ذهباً ، وهذه الأنظمة لا تريد التفريط بالذهب . 2) الحاكمُ العربي هو ربان سفينة تغرق بسبب كثرة الأحمال على هذه السفينة ( الانهيار السياسي، التفكك الاجتماعي ، الفقر ، البطالة ، العنوسة ، ضياع الدخل القومي في الفساد ، ضعف الولاء والانتماء ، ازدياد المعارضة الشعبية ) . والحاكمُ صار مقتنعاً بضرورة التخلص من القضايا القومية ليخف الحمل _ حسب وجهة نظره القاصرة _ فألغى فلسطين من حساباته كمن يلقي ثقلاً في البحر لإنقاذ السفينة . وهذه هي الفلسفة الجنونية للحاكم وبطانته . 3) كل الأنظمة العربية تعلم أن رضا أمريكا _ التي تمنح المال والقمح والحماية والغطاء السياسي _ يمر عبر نيل رضا "إسرائيل" . وبالتالي صارت فلسطين هي القربان وكبش الفداء لنيل رضا الأمريكان والصهاينة ، فصارت التضحية بفلسطين أمراً عادياً يتم أمام الكاميرات دون شعور بالخجل أو الخيانة . فالمصالح الشخصية للطبقة الحاكمة صارت تنظر إلى القضية الفلسطينية كعبء ثقيل وخطر عليها وبالتالي لا بد التخلص منه . وقد رأينا كيف هرول الرئيس المصري حسني مبارك ( 82 سنة ) إلى واشنطن بدون تأخر ، ليس حباً في المفاوضات المباشرة أو تحقيق حلم الدولة الفلسطينية ، بل من أجل تقديم أوراق اعتماد نجله جمال مبارك لكي تسمح له الإدارة الأمريكية باستلام الحكم خلفاً لأبيه . وهكذا نخلص إلى قناعة مفادها أن الحاكم العربي باع فلسطين ليحتفظ بالكرسي تماماً كما باع أبو عبد الله الصغير الأندلس . وعلى الشعوب العربية أن تغسل يدها من حكامها لأنهم جزء من المشكلة لا الحل ، وعليها كذلك أن تبحث عن طريق خلاصها بنفسها دون انتظار أحد .

02‏/09‏/2010

أشباح الميناء المهجور/ الفصل الحادي والثلاثون ( الأخير )

أشباح الميناء المهجور
[رواية/الفصل الحادي والثلاثون( الأخير)]
المؤلف : إبراهيم أبو عواد
دار اليازوري ، عَمان 2009م .
وفي طريق العودة قرَّر زياد أن يُعَرِّج على الشاطئ ، في تلك البقعة التي كان يرتادها في الماضي حينما كان يعود من صلاة الفجر . جلس على صخرة أحزانه ، ورمى كل جروحه في البحر . وأثناء ذلك مرَّ أسعد ، ذلك الخارج على قانون الاستئذان ، فهو يظهر من مجاهيل الومض من حيث لا تدري، يقتحم عوالم نزيفك ، ثم يلقي حلمَه ، ويرحل إلى المجهول كما جاء . أخذ زياد يُجَهِّز نفسه للاستماع إلى تعاليم أسعد اللامتوقَّعة ، فصار توقُّع اللامتوقَّع هو نشيد هذا الشاطئ العنيف . اقترب أسعد وعيناه تبتسمان بصورة ساذجة ، وقال : _ لا تحزن أيها الحزنُ ، فكل شيء سينطفئ . لقد سألتُ جِنِّيةً تزوجتْ أحدَ ملوك الجن الذي أَحَبَّتْه وأحبَّها عن عرسها الذي أقامه ضباطُ مخابرات غارقون في الرومانسية ، فقالت : (( رُبَّ امرئ حتفه فيما تمناه )) . بلادنا مقبرة ، فنحن نولد في المقبرة مليون مرة بكامل عنفوان الألم والرعشة ، ونموت في المقبرة مليون مرة بكامل عنفوان الضجر . نستيقظ في المقبرة ، وننام في المقبرة . ومع مرور الوقت نكتشف أن ذواتنا البشرية صارت مقبرةً كاملة المعالم مفعمةً بكل هندسة شواهد القبور الكريستالية . وهكذا نُدَمِّر أنفسنا بأنفسنا ، ويسرق بعضنا بعضاً ، ونظل نحلف أننا شرفاء . _ لقد نسيتَ أن تقول إن الطوفان قادم ، لا بد أن يأتيَ . _ نحن الطوفان ، ونحن الذين سنأتي ، وسننتزع أكسجينَ رئاتنا من حنجرة كل الأعشاب السامة ، ولن نرفع الرايةَ البيضاء . ومضى أسعد إلى وجهته ، وهو يحدِّق في البحر بعينين حادتَيْن لا ترتعشان . وكلما مشى صرخ بأعلى صوته : _ لِنَحْرِقْ كُلَّ الرايات البيضاء، ولنُجَهِّزْ كلَّ الأكفان البيضاء، ولنشطب البيتَ الأبيض ، ولنفتحْ شوارعنا المظلمة للقلوب البيضاء . لأول مرة يشعر زياد أن أسعد صار صلباً وصعب المراس . لأول مرة يدرك أن ذلك القادم من المجهول الذاهب إلى المجهول لم يعد مجهولاً . إن نبرة التحدي في صوت البحر الممزوج بنظرات أسعد أخذت منحى جديداً ، منحى يزيد الذاكرةَ قدرةً على التوهج . ومضى زياد إلى بيته ، والمشاعر المختلطة تتلاعب به . وعندما اقترب شيئاً فشيئاً رأى جموعاً كثيرة من الصحفيين والكاميرات التلفزيونية متجمعة أمام بيته ، فأدرك أن هناك أمراً غير عادي قد حصل ، لكنه لم يقدر على توقعه ، فهو لم يعرف أن هؤلاء الناس قد حضروا بسبب اعتراف الدكتور بأن كتاب" الرد على أرسطو" من تأليف زياد . أُصيب زياد بالخوف المفاجئ من هذا المشهد ، وهو الذي كان يقود المظاهرات والاجتماعات ، ويخطب في الجميع دون أن يتلعثم أو يضطرب . ماذا حصل له ؟ . لم أتوقع أن يرتجف من منظر الجموع . أدرك أن عليه مغادرة المكان فوراً ليتجنب اللقاء بهؤلاء الناس . ولم يجد إلا العودة إلى أسعد ، والبقاء معه حتى ينفض الجمع . رجع إلى الشاطئ ، ومضى يبحث عن أسعد ، وينادي عليه بكل ما في صوته من قوة ، لكن أحداً لم يجب غير ومض عيون البحر . واصل البحثَ لكن كل محاولاته باءت بالفشل . خاف أكثر من أي وقت مضى . شعر أن الشاطئ سيكون فارغاً لأول مرة في تاريخ الحلم ، وعارياً من آثار أقدام أسعد . هل سيمر أسعد من هنا مرةً أخرى ؟ . هل سيلقي تعاليمَه على هذه الرمال الشاسعة وهذا البحر النازف ؟ . استولت على أعضاء زياد مشاعر الفراغ والعدم المكاني ، فلم يقدر على الوقوف على رجليه . جلس على صخرة قريبة ، وهو يجيل بصرَه في الأرجاء لعله يلتقي بأسعد ، ولو لدقيقة واحدة . كان الفراغ عارماً ، والبحر في ذروة هدوئه . صار زياد وحيداً في هذا المشهد السكوني المرعِب. حتى ظلال أسعد اختفت من مرايا البحر، كأن البحر هو الآخر خلع جِلْدَه ، وهرب من الأرجاء. جحظت عينا زياد ، وتداخلت أعضاؤه في احتفالات المد بموسم تزاوج الموج البِكْر . استعرضَ كلَّ تاريخ الرمال خلال عبوره في أرشيف السواحل النائية . غداً ستأتي السائحاتُ العاريات يلتقطن الصور التذكارية للفقراء والصيادين والباعة المتجولين، ويرجعن إلى بلادهن حاصلاتٍ على لحظات زمنية هاربة من أسر اللحظة . بدا أن البحر تفاحةٌ للعابرين في نخاع المكان . لم يخطب الرملُ ألواحَ المراكب الجالسة على حواف الرعشة كالعاطلين عن العمل. لم يتذكر الليل أن يصادق البحرَ في دروب المجروحين أبداً كجناح نسر اعتزل الحياةَ السياسية ليموت وحيداً مثل أرملة حفار القبور . وطنٌ يهجر أزمنةَ الروح ، ويحفر قبرَه بيديه ، وما زال التصفيق يعلو رغوةَ المكان المتوحش . وزَّع نظراتِه على كل الجهات،وآمن في تلك البؤرة الزمنية العميقة بأن الطوفان قادم ، ولكنْ من أية جهة سيأتي ؟ . لم يقدر على الإجابة عن هذا السؤال ، لكنه قال بصوت عنيف خلع كتفَ البحر : _ صدقتَ يا أسعد . نحن الطوفان ، ونحن الذين سنأتي ، وسننتزع أُكسجينَ رئاتنا من حنجرة كل الأعشاب السامة ، ولن نرفع الرايةَ البيضاء .

01‏/09‏/2010

أشباح الميناء المهجور/ الفصل الثلاثون

أشباح الميناء المهجور
( رواية / الفصل الثلاثون )
المؤلف : إبراهيم أبو عواد
دار اليازوري ، عَمان 2009م .
أخذ زياد موعداً عند الدكتور عبد الرحيم جوهر ، فقد كان متعباً إلى درجة بالغة . أحس أنه قلبه قد وصل إلى طريق مسدودة ، ومشاعرَه قد تمزَّقت بشكل لم يسبق له مثيل . كان ديكور العيادة مريحاً جداً لأعصاب زياد ، فالألوان موغلة في الهدوء والشاعرية ، والأثاث أنيق وموغل في النعومة ، كما أن البراويز الموجودة على الحيطان تحمل صوراً للحرم المكي والحرم المدني ، ومناظر طبيعية مختلفة . كلها موضوعة في أماكن ملائمة وجذابة . دخل الرَّجلان في المصافحة والعناق بشكل بالغ الحميمية . واطمأنَّ الدكتور على صحة زياد ومسار حياته ، وبعد أن جلسا قال زياد : _ أنا يا دكتور أريد شخصاً أتحدث معه ، وأتناقش معه في تفاصيل حياتي الشخصية ، ولم أجد أقدر منك على توجيهي . أحتاج إليك لتسمعني دون مقاطعة . _ أنتَ أخي العزيز وبيننا أحلامٌ مشتركة وذكريات مختلطة ، ومن واجبي أن أساعدك حتى النهاية ، فقل كل ما يعتمل في صدرك ، ولن أُقاطعك . _ لقد تزوجتُ ثلاث نساء في فترة متقاربة زمنياً ، وربما يظن البعض أنني مهووس جنسياً ، وأسعى إلى التهام أكبر قدر ممكن من النساء ، لكن هذا غير صحيح . لقد حوصرتُ في دور المنقِذ والمخلِّص . فكل امرأة كانت ستضيع إن لم أدخل في حياتها ، وأقتحم ذكرياتها . أحببتهن كلهن ، كل واحدة أحببتُها بأسلوب خاص ، لكني اكتشفتُ أنني أحبهن لأنسى حبي الحقيقي الذي كنتُ أود أن أعيشه مع غيرهن . بصراحة يا دكتور لقد قمعتُ قلبي كثيراً ، واستأصلتُ كل مؤشرات عشق النساء من روحي، وهذا ما كنتُ أطرحه في أحاديثي القديمة . لكني اكتشفتُ أن حب النساء بلاء من الله وامتحان صعب . ففي البداية وددتُ لو كان عندي زوجتان ، شركسية وبوسنية ، هكذا أجمع الشرق والغرب في بؤرة مركزية وسطية هي بؤرة جسدي ، فأتحول إلى كائن ثلاثي الأبعاد ، وأُسيطر على العالَم فلسفياً ورومانسياً دون استغلال . كان هذا هو حلم حياتي . وكلما أقصيتُ هذه الفكرة من رأسي ، وأقنعتُ نفسي أني نسيتها ، اكتشفتُ أنها تضرب في صدري كالإعصار الملتهِب . وبقيتُ هكذا لمدة طويلة حتى حصل معي موقفٌ مباغِت ، فقد كنتُ أُحْيِي ليلةَ القَدْر في سنة من السنوات في مكان ما . وفي لحظة ما ، وبشكل غير متوقع ، اصطدمت عيوني بعيون فتاة حقيقية ترتدي عباءةً سوداء ، وحجاباً أسود ، ووجهها كالكوكب الدُّريِّ موغل في النعومة والجمال والطهارة ، واستمر اصطدام العيون لمدة ثانية واحدة تقريباً ، ثم مضت إلى وجهتها . وحدث هذا اللقاء الخاطف وقد كنتُ فرغتُ للتو من الوضوء.كنتُ في قمة الطهارة،وكانت في قمة الطهارة. وللأسف فطوال تلك الليلة لم أقدر على التركيز في العبادة بشكل كامل ، فكنتُ مشغولاً بها.وبالتأكيد لم تكن امرأة عادية،وعرفتُ فيما بعد أنها من آل البيت قرشيةً هاشميةً سليلة الشرف والمجد والطهارة. وكل الطرق كانت مفتوحة تماماً لكي أتزوجها . لقد استولى عشقها على قلبي ، وجاءت فرصة أن أكون صِهْرَ النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يفتخر أبنائي بكونه جدهم ، لكني انسحبتُ بهدوء قاتل ، لأني لا أريدها أن ترتبط بشخص مكسور حزين مثلي ، أريدها أن تلتقيَ برجل أفضل مني لكي يمنحها السعادة التي تستحقها، إنني أُعَبِّر عن حبي لها بالابتعاد عنها نهائياً لئلا أخدش ذلك القلب النقي . كلما أحببتُها أكثر بكيتُ أكثر وأقنعتُ قلبي بأن ينساها مع أنه لا ينساها ولا أنساها. ومذ ابتعدتُ عنها استوطنت في جسدي أمراضٌ لا تاريخ لها. وكل عواطفي وجَّهت بوصلتها باتجاهها ، وبقيتُ على جغرافية الفراغ أُصادق هذا العراءَ المزدحم بالأضداد . لا أستحق أن تمنحني أية امرأة قلبها . ولستُ أدري لماذا يتملكني إحساس بأني مقبرة للنساء، أو ضريح متحرك يظل يركض في حركة مغزلية مراقَبة، وأن المرأة التي تحبني ستضيع مستقبلها معي، ولن تكون سعيدة. لا أحب أن أرى التعاسة في عيون النساء اللواتي وثقن بي. إنني أعرف أن هذه أحاسيس وهمية لكنها تسيطر عليَّ ، وأعرف أنها خيالية لكني خائف من أن أكون فاشلاً في إسعاد المرأة التي أحببتُها وأحبتني. كنتُ أود أن أقول لها: (( مباركةٌ أنتِ بين النساء )) ، وهذا أحد عناوين كتب الدكتورة مهجة كهف السورية التي تحمل الجنسية الأمريكية . لقد رأيتُ تلك الهاشمية في ليلةُ القدر وصارت قَدَري، ولولا وجود رواية للطاهر بن جلون اسمها ليلة القدر ، لصنعتُ روايةً بهذا الاسم . وأكثر ما يغيظني ويمتص أكسجينَ رئتي أنه لا يوجد في حياتي حب من طرف واحد . لقد كنتُ عاشقاً ومعشوقاً في آن معاً قبل أن أَدفن حلمي بيدي مثلما كان يفعل أهل الجاهلية مع بناتهم. ولو تزوجتُ تلك المرأة لأوصيتُ أن أُدْفَن عند رِجْلَيْها. لقد دخلتْ حياتي فجأة ، فصارتْ حياتي . لكنني أشعر بالذنب كَوْنِي إنساناً متزوجاً ، وقلبه مع امرأة أخرى في مدارات العقل الباطن . فلم أعد أعرف هل أنا زوج مخلص أم خائن ، مع أنني أحب زوجاتي بإخلاص ، وأحاول أن أكون زوجاً صالحاً . إنني مُشوَّش إلى أبعد حد طوال مراحل حياتي، فكنتُ أقول إن النساء لسن في ذهني مطلقاً ، وتارةً أرفض هذا الكلام ، وتارة أقول إنني قررتُ أن أعيش أعزب لكن القَدَر تدخل وغيَّر مساري . ربما كنتُ أرسم حياتي في مسار آخر في السياسة والأدب لكني وجدتُ نفسي فجأةً مرشداً اجتماعياً لنساء من أصناف شَتَّى ، وهذا أبعدني عن إيجاد ذاتي ، وتحقيق أحلامي الشخصية ، ولكن على أية حال فقد شطبت الحكومةُ مستقبلي السياسي إلى الأبد . فالبلاد مبدعة في قتل المبدعين . قد يبدو كلامي متناقضاً بشدة ، ومخلوطاً بعقد نفسية متضاربة ، ولكن الذي يعيش في بلادنا لا يقدر إلا أن يكون متناقضاً . لستُ أنا سارتر لأُحوِّل طالباتي إلى عشيقات ، ولو أردتُ الدنيا لكنتُ الآن أشرب الويسكي مع أميرات موناكو، ولكنْ (مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ). ودمعت عينا زياد بعد هذا الكلام ، واستأذن الدكتور في الانصراف دون أن ينبس الدكتور ببنت شفة ، فقد بدا زياد أكثر راحةً بعد أن أخرج هذا الكلام من صدره ، ربما كان يريد أن يلقيَ هذه القنبلة الكلامية ، ويمضيَ دون أن يرى ردودَ أفعال . ويظهر أن الدكتور قد فهم الموضوع ، فلم يشأ أن يلقيَ محاضرة على مسامع زياد الذي وصل إلى حالة النشوة الغائبة عن استيعاب المحيطات ، فلم يعد يرسل أو يستقبل . لقد أضحى زياد كالنسر الجريح الذي ينزوي عن الأنظار لئلا ترى المخلوقاتُ نزيفه ودموعه ، هكذا يتوحد مع ذاته ، ويدخل في عزلة ضاغطة . سيطول بكاؤه في هذا العالَم المجنون. إنها استراحة المحارِب المصاب ، قد يقدر على مداواة جروحه في سباقه مع الزمن ، وقد يداهمه الموت قبل أن يجف الدم الغزيز ، فيسقط بعيداً عن أنظار العالَم الذاهب إلى العزلة القسرية . إنه يسقط في حفر الدمع المغطاة بمياه العيون الجريحة ، ودماءِ القلوب الكسيرة. كان يمشي في الشارع محاولاً إخفاء وجهه عن الناس ، لأن الدموع كانت تحفر في خدوده خنادق خالية من الجنود الذين عادوا من المعركة إلى أحضان نسائهم ، لكنه بقي لوحده يقاتل هذا الفراغ ، ظل في معركته الشخصية وحيداً ، مُحاصَراً بأشباحِ كائناتٍ تزحف على أظافر شظاياه ، ومُطَوَّقاً بذكريات نساء أخذن الأكسجينَ من دمه دون استئذان ، وتركن له الحريقَ مفعماً بثاني أكسيد الكربون ، أو بالأحرى هو الذي أَدخل الحريقَ إلى روحه .