سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

17‏/08‏/2012

هل يفكر الغرب في اغتيال الرئيس السوري ؟

هل يفكر الغرب في اغتيال الرئيس السوري

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

جريدة العرب اللندنية 16/8/2012


    لا يخفى أن الأزمة السورية دخلت في مرحلة كسر العظم ، ووصلت إلى نقطة اللاعودة . وفي الواقع إن النظام السوري هو الذي يتحمل مسؤولية إيصال الأمور إلى هذا الحد ، لأن الأوضاع كانت تحت سيطرته ، وكان بإمكانه أن يعالج قضية الاحتجاجات الشعبية التي بدأت بسيطةً وخجولة وذات سقف منخفض تنادي ببعض الإصلاحات وقليل من الحرية . لكن اللجوء إلى الخيار العسكري العنيف رفع سقفَ الاحتجاجات التي وصلت إلى المطالبة بإسقاط النظام ، ودفع الكثيرين إلى حمل السلاح ، وأوصل البلاد إلى الهاوية ، فصارت سوريا تواجه تحديات حقيقية مثل الحرب الطائفية أو التقسيم .
     والمضحك المبكي أن الوضع السوري الراهن قد خرج عن سيطرة النظام والمعارضة معاً ، فأضحت سوريا ساحة للحرب بين قوى إقليمية ودولية . فإيران تدعم النظام السوري بالمال والرجال ، وروسيا تدعمه بالسلاح والغطاء السياسي في المحافل الدولية ، وفي الجهة المقابلة نجد قطر والسعودية تدعمان المعارضة بالمال والسلاح ، وتركيا تدعمها بالدعم اللوجستي ، أمَّا أمريكا وبريطانيا فتدعمانها بأجهزة الاتصال الحديثة . وهكذا صارت   " الحرب بالوكالة " هي العنوان الرئيسي للوضع السوري . وبذلك يكون النظام السوري قد شرب من نفس الكأس الذي أذاقه للآخرين . فطالما خاض النظامُ السوري حروبه على أرض لبنان باعتبارها خاصرة ضعيفة ، وجاء الوقتُ كي يخوض الآخرون حروبهم على أرض سوريا . وصارت سوريا اليوم مثل لبنان الأمس .   
     إن سوريا اليوم باتت مكشوفة للغاية، فهي مسرح لعمليات أجهزة المخابرات الإقليمية والعالمية ، وما سَهَّل هذا الموضوع خروج مناطق شاسعة من قبضة النظام . وكل الدول صارت تدلي بدلوها في القضية السورية ، وبالتالي لا معنى للحديث عن " السيادة السورية " لأن سوريا دولة فاشلة فقدت سيادتها ، وأضاعت هَيْبتها ، وها نحن نجد الدول الكبرى تتحدث باسم سوريا جهاراً نهاراً ، وترسم مستقبلها ، وسوريا آخر من يَعلم .
     لقد دخلت الأزمة السورية في مسارات شديدة التعقيد ، بحيث صار من المستحيل على النظام والمعارضة أن يحسما الحرب . فالنظامُ السوري بما يملكه من ترسانة عسكرية هائلة قد فشل طيلة سنة ونصف تقريباً أن يخمد الثورة، وقد عجز عن إخماد المعارضة عندما كانت ضعيفة ، فكيف سيخمدها الآن وقد اشتد عودها ، وصارت تسيطر على مساحات واسعة وتحقق العديد من المكتسبات على أرض الواقع ؟ . وعلى الرغم من ازدياد قوة المعارضة فهي لا تقدر على هزيمة الجيش النظامي بشكل تام ، وذلك لاختلال موازين القوة العسكرية بشكل واضح . ويكفي أن نعرف أن الدفاعات الجوية السورية أقوى من دفاعات باكستان ، وهي دولة نووية .
     وهذه الحالة المعقَّدة ستفتح الباب واسعاً أمام العمل المخابراتي الذي سيكون بيضة القبَّان لترجيح كفة المعارضة على النظام . وآثار العمل المخابراتي واضحة ، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة . وقد تجلَّت في اغتيال أعضاء " خلية الأزمة " الذين يُعتبرون العقل الأمني للنظام السوري . فهذه العملية الدقيقة أكبر من قدرات المعارضة بكل أطيافها ، وهي تحمل بصمات أجهزة مخابرات غربية. فالتكنولوجيا المتفوقة التي تم استخدامها في عملية الاغتيال أكبر من قدرات الجيش الحر . وقد تكون أكبر من قدرات أجهزة المخابرات العربية أيضاً . وهذا لا يمنع من وجود تنسيق مع عناصر سورية قريبة من دائرة صنع القرار .   
     كما أن حالات انشقاق المسؤولين الكبار تكشف دوراً مخابراتياً هائلاً . فالعميد المنشق مناف طلاس أو رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب لَيْسا شخصَيْن من عامة الشعب ، فهما تحت نظر عَين النظام ، وتحت المراقبة والحراسة المشددة، وما خروجهما بهذا الشكل إلا دليل باهر على أن النظام السوري مخترق من الداخل، وأن العمل المخابراتي يؤتي ثماره . 
     ولا شك أن عمليات الاغتيال وانشقاق المسؤولين الكبار وتهريبهم إلى الخارج ، تبعث برسائل للنظام السوري بأن يد الثورة السورية طويلة ، وأن الداعمين لها قادرون على الوصول إلى أي مكان في الوقت الذي يريدونه ، وأن لا أحد في مأمن بما فيهم رأس النظام الحاكم . وفي واقع الأمر ، إن القادر على الوصول إلى خلية الأزمة ( داود راجحة ، آصف شوكت ، حسن تركماني ، ... ) قادر على الوصول إلى بشار الأسد أو شقيقه أو غيرهما من صُنَّاع القرار .
     والمرحلةُ القادمة في سوريا سوف تكون مخابراتية بامتياز ، تعتمد _ بالأساس _ على وجود منشقين ما زالوا على رأس عملهم، أي أن قلوبهم مع الثورة وألسنتهم مع النظام. وهؤلاء أخطر أنواع المنشقين ، لأنهم يُضعفون النظام من الداخل فيتآكل ويضمحل . وكما قيل : مِن مَأمنه يُؤتى الحَذِر . فالنظامُ السوري البوليسي الذي يعتمد على الولاء الأعمى لا الكفاءة سوف يُنخَر من الداخل ، وسوف تأتيه الضرباتُ من بعض العناصر التي يثق بها ثقة مُطْلقة .
     إن الغرب يدرك أن الصراع في سوريا قد يدوم لسنوات عديدة ، مما يؤثر سلباً على بُنية سوريا التحتية والفوقية ، ويُسبِّب أزماتٍ كارثية لدول الجوار . وقد تشتعل المنطقة برمتها ، وتدخل في حروب إقليمية ذات طابع عِرقي أو مذهبي ، مما يهدِّد مصالح الغرب نفسه . والغربُ ليس لديه وقت ليُضيِّعه في انتظار تنحي الرئيس السوري المتشبث بالكرسي بأظافره وأسنانه دفاعاً عن مصلحته الشخصية ومصالح طائفته . لذلك فإن التخلص من الرئيس السوري سوف يكون شعارَ المرحلة المقبلة في دوائر المخابرات الغربية ، خصوصاً الأمريكية . فالمخابراتُ الأمريكية دَخلت على خط الأزمة السورية بقوة بعد أن قام الرئيس الأمريكي أوباما بتوقيع قرار يسمح لها بتقديم الدعم اللوجستي ، وتوفير معدات الاتصال الحديثة للمعارضة . وما خُفِيَ أعظم .
     ومن الواضح أن الرئيس السوري يشعر بالخطر الذي يقترب منه خصوصاً بعد اغتيال " خلية الأزمة "     ( الحلقة الضيقة المحيطة به ) ، لذا صار ظهوره نادراً ، ويُغيِّر مكان إقامته باستمرار . وهذا ساهم في انتشار أخبار هروبه إلى اللاذقية ، أو لجوء زوجته إلى موسكو .
     إن النظام السوري المتآكل أضاع فرصاً ذهبية عديدة لإنقاذ نفسه والشعب والوطن . لكن الجاهل عدو نفسه . وقد اتسع الفتق على الراتق ، وخرجت الأمور عن السيطرة ، وإن مستقبل سوريا ضبابي للغاية بغض النظر عن الجهة التي ستصل إلى سُدَّة الحُكم .
http://www.facebook.com/abuawwad1982 

15‏/08‏/2012

أزمة الوعي الأمريكي وعسكرة المعنى

أزمة الوعي الأمريكي وعسكرة المعنى

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد


     إن الإشكالية الكبرى في الأداء السياسي الأمريكي هي غياب دلالات الوعي عن محيط الأداء الفكري الإمبراطوري . مما أدى إلى إدخال أمريكا في حروب متعددة الأشكال دون أن تفكر في كيفية الخروج منها. وهذا يعكس سوء التخطيط المعتمد على الارتجال والاستعجال .
     والغريب أن دولة كأمريكا تملك أقوى جامعات العالَم، وأقوى مراكز البحوث والإحصاءات ، وأعظم علماء الدنيا ، لم تقدر على ضبط حساباتها على الأصعدة : الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية . وهذا يعكس حجم المأزق الوجودي .
     وربما ظنَّت أمريكا أنها بغزو العراق وأفغانستان توجِّه رسالةً تحذيرية لباقي الدول أن ارتدعوا وإلا سيؤول مصيركم مثل العراق وأفغانستان . والذي حدث هو عكس هذا تماماً لأن أمريكا بعد غزوها للعراق وأفغانستان لم تعد قادرةً على أي عمل عسكري آخر ، على الأقل حتى تبنيَ قواتها العسكرية من جديد ، وتعيد حساباتها ، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً .
     فانكسارُ أمريكا في العراق وأفغانستان هو انكسار حقيقي، وليس حرباً إعلامياً يشنها أعداء أمريكا . وعدم قدرتها على الحسم العسكري صار العنوان الرئيسي في كثير من الدوائر، حتى لو لم يتم الإعلان عن ذلك من أجل الحفاظ على ماء وجهها.
     فأمريكا إن بقيت على الأرض سوف تظل تنزف حتى الموتِ ، وإن انسحبت فهذه خسارة لأنها لم تحقق الأهدافَ المرجوة من الحرب، فتكون قد دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها ، وأموالاً طائلةً من دافعي الضرائب دون أي مردود . فتكون بذلك كمن يرمي ممتلكاته في البحر ، ثم يعود إلى بيته رافعاً راية النصر . ففي كلا الحالتين أمريكا في مأزق ، وتعاني من أزمة حقيقية تتعلق بأهدافها وهيبتها ومكانتها وقوتها .
     وبسبب التورط الحقيقي لأمريكا وعدم قدرتها على شن حروب أخرى لأن قواتها العسكرية منهكة ، تجرأت كثير من الدول على تحدي أمريكا جهاراً نهاراً، ولستُ أعني الدول الكبرى كروسيا والصين . فهاتان الدولتان لهما ثقل عالمي يجبر الغربَ على احترامهما ، وليس مفاجئاً أن يعارضا . ولكني أقصد الدول الصغيرة نسبياً ( بالنسبة لحجم الثقل على المسرح الدولي ) كإيران ، سوريا ، فنزويلا ، كوريا الشمالية، والمنظمات مثل حماس ، و"حزب الله" وغيرها .
     ونحن لا نقلِّل من قوة أمريكا العسكرية ، ولا نريد أن نصورها كدولة فقيرة لا تملك معدات عسكرية ، إلا أننا نقول إن أمريكا بعثرت قوتها في أرجاء العالَم ، وتورَّطت في حروب غير محسوبة ، كما أنها خاضت حروباً غير تقليدية ، ففي العراق كان الذين يقاومون الاحتلالَ الأمريكي ليسوا " الدولة العراقية " ، وإنما حركات تخوض حرباً غير تقليدية ، والأمر كذلك في أفغانستان، وهذا بحد ذاته صعوبة بالغة ، لأن الجيش الأمريكي جيش نظامي مدعوم بسلاح جوي مُدمِّر، ينسف المرافقَ الحيوية لأية دولة من أجل تركيعها ، والضغط عليها لتستسلم . لكن الأمر في العراق وأفغانستان كان مختلفاً تماماً . فلا توجد دولة _ بمفهوم الكيان السياسي _ تقاوِم القواتِ الأمريكية. وهذا ينقل المشهد إلى مشاهد الحروب غير التقليدية ، وحروب العصابات والشوارع والكر والفر،خصوصاً أن المعارك كانت تجري في بيئة قاسية للغاية من حيث شدة الحرارة أو وعورة التضاريس . وأمريكا غير معتادة على هذا الأنظمة الحربية. فبدت وكأنها تقاتل شبحاً يظهر هنا ويختفي هناك . كما أن هذه النوعية من الحروب تشتمل على اشتباكات مسلحة بين الطرفين وجهاً لوجه ضمن منظومة الاحتدام والاشتباك ، وهذا يُحيِّد سلاحَ الجوي تماماً فيصبح بلا فائدة ، لأنه لا يريد أن يقصف أهدافاً مخلوطة فيقتل جنوداً أمريكيين مشتبكين مع المقاوَمة . ومكمن الخطر في هذه الحرب عدم وجود أهداف ثابتة ليتم قصفها. فمثلاً لا يوجد قصر جمهوري للملا محمد عمر، ولا توجد وزارة داخلية للمقاومة العراقية . كما أن مصادر تمويل المقاومة غير معلومة ، فالأمر أشبه بالوقوف في غرفة معتمة لا ترى شيئاً ، وتتوقع ضربةً تأتيك في أي وقت دون معرفة مصدرها .
     وفلسفة التشتت وتفريق القوى من الأخطاء الكبرى التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة ظناً منها أن نشر القواعد العسكرية في العالَم سيضمن  تواجداً  أمريكياً أمنياً في كل بقعة  ، وبالتالي هذا يضمن سلامة أمريكا وعدم تعرضها لسوء.
     وهذه الفلسفة غير المنطقية مبنية في بعض أجزائها على أرضية الحرب الاستباقية، لكن الإشكالية الحقيقية في التعامل الجيوسياسي أن أمريكا تخوض حرباً غير تقليدية، فليست حربها ضد جيش نظامي مستند إلى نظام سياسي متواجد في كيان محدود على شكل دولة . وهذا ما لا تدركه أمريكا ، أو تدركه لكنها تُكابِر لكي تبدوَ في صورة القائد المنتصر الواثق من نفسه في كل الأوقات دون الحاجة إلى معرفة العدو، وأسلوبه ، وحجم قوته . وهذا سبَّب تراخياً في الأداء الاستخباراتي الأمريكي عبر طائفة من التقارير غير الدقيقة التي انعكست سلباً على صورة أمريكا، وقاد ذلك إلى أحداث 11/9 .
     فلأول مرةً في التاريخ تتلقى أمريكا ضربةً في عقر دارها،وهي غير معتادة على ذلك. فكل الحروب التي خاضتها، وكل الضربات التي تعرضت لها ، كانت خارج حدودها . فالموقع الإستراتيجي لأمريكا جعلها محصنةً جداً ، فهي أشبه ما تكون بجزيرة في وسط المحيط . فلم تتوقع أن يتم نقل المعركة إليها في قلبها النابض ، وهذا يكشف لنا أن المأزق الأمريكي الحقيقي يأتي من داخلها عبر أزمات خانقة تنبع من ذاتها تعصف بها .
     ومن هنا يتضح لنا أن أحداث 11/9 أَدخلت العالَمَ في حروب من نوع خاص بلا أهداف محددة ، بلا كيانات سياسية على شكل دول ، بلا ميزانيات مكشوفة للحرب. لذلك فإن سمة القرن الحادي والعشرين ستكون حروباً أمريكية ضد المجهول، وهذا ينهش في الجسد الأمريكي . وأعداء أمريكا يعملون في الظلام دون وجود كيان سياسي أو جيش نظامي، وهنا تكمن نقطة قوتهم، لأن العامل في الظلام أقدر على إنجاز عمله ، فالظهور يقصم الظهورَ . وهناك نظرية يستعملها أعداء أمريكا في مواطن محددة : " لا تُظهر قوتك إلا حينما تكتمل قوتك " .
     يقول عالم الكيمياء الشهير الدكتور أحمد زويل في كتابه عصر العلم ( ص 225) : (( وقد جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتقود إلى المزيد من اللانظام . فقد اهتزت الولايات المتحدة لما جرى ، اهتزت الحكومة كما اهتز الفرد الأمريكي نفسه ، ولم تكن الهزة لشدة وفداحة ما حدث فقط بل كانت _ وبالأساس _ لأن الشعب الأمريكي لم يشهد حرباً حديثة داخل أرضه، فالولايات المتحدة أشبه بجزيرة تقع بين محيطين ، وقد خاضت كل حروبها خارج أراضيها ، في فيتنام والعراق والبلقان وأفغانستان ، وفي عملياتها العسكرية المحدودة كالتي جرت في ليبيا والصومال . لقد اهتز الشعب الأمريكي من جراء أحداث 11سبتمبر التي أطاحت بإحساسه بالأمن، ومن أجل ذلك أعطى الناخب الأمريكي صوته مرة ثانية للرئيس بوش تأكيداً لاستمرار إحساسه بالقلق ورغبته في الشعور بالأمن ، ولو كان على حساب أمن الآخرين )) اهـ .
     ومن خلال الاتجاهات المبنية على دراسة المشروع الأمريكي نستطيع استشراف الأسس العامة لعسكرة السياسة في الأطر التطبيقية، حيث إن أهم أساس في هذه الصيغ الفكرية هو لعبة التعميم المتعمد ، حيث يتم صبغ كل المخالفين للسياسة الأمريكية بالإرهاب دون تمييز ، وذلك وفق فلسفة " خير وسيلة للدفاع الهجوم"، وهذا يؤدي إلى إحداث حالة من اللامنطق عبر تفعيل التهم دون أدلة . والمتهم بريء حتى تثبت إدانته. وقد تبدو هذه الشعارات ذات تطبيقات في الشارع العادي للمواطن البسيط ذي التعليم المتدني ، إلا أن بعض السياسات قائمة عليها تماماً ، وتطبقها بكل حرفية .
     وهكذا نكتشف أن قوانين الحرب قد تغيرت بخروجها من الإطار التقليدي الرسمي المعتاد إلى الإطار غير التقليدي. ومن  هنا تتكشف متواليات التعرية المستدامة في الأداء الفكري العالمي ، وتظهر صعوبة أنساق حروب القرن الحادي والعشرين . فهذه الحروب مفتوحة على جميع الأصعدة ، ولا يمكن توقع طبيعة حركتها .
     وفي أطوار بناء القوالب التاريخية زمنياً ومكانياً ، والقيام بعمليات الإفراغ والإحلال ،تتكشف مصاعب جمة من أبرزها :
     1) تحويل الإنسان العالمي إلى مجرد دجاجة تبيض ذهباً ، وهذا الأداء البؤري في يسلخ الفردَ من قيمته كإنسان يؤدي دوراً محورياً لخدمة كيان سياسي ينتمي إليه. وفي ظل هذا الغبش الفوضوي تزول قيم الانتماء للمجتمع الكَوْني ، لأن الرابط المادي صار عبئاً على المواطن ، والفرد بدأ يخلع وطنَه المادي المشوَّش ، لأن الأزمات الدولية صارت عبئاً على كاهل الإنسان . وهذا يفسر غياب الانتماء الحقيقي . فتتابع عمليات اختزال الفرد في إطار ما يدفعه ويقدمه للخزينة ما هو إلا إجراء صادم لطموحات الفرد الراكض في مدارات الانشقاق الظاهري والباطني ، فقيمة اللاانتماء أضحت المرادف الحقيقي للمواطنة في المجتمع العالمي الذي يأخذ ولا يعطي . وحينما تصبح السياسات الرسمية غير المحسوبة ، والمغامرات الصبيانية الطائشة ، عبئاً على كاهل الإنسان ، فالطبع سوف يؤول الانتماء إلى قيمة فردية عبثية ، خصوصاً في محيط اجتماعي مادي استقطابي يدور في حلقة مفرغة . وبغياب قيم الانتماء سوف تتصدع كيانات الدول ، لأن طموحات الفرد العالية لم يواكبها مشروع  حضاري  نهضوي  حقيقي  .  وهذا مسمار حقيقي وعميق يُدَق في نعش
الحضارات المخالفة للمعنى الإنساني الكوني الشامل . 
     2) إن نقل الماضَوِيَّة إلى الحاضر التطبيقي مع اختلاف الظروف البيئية الحاضنة للتفكير المنطقي المحيط بدلالات وحدة الملابَسَة السياسية يتطلب بنيةً ديناميةً في القوالب المعاصرة لكي تقدر على احتضان المعنى الماضوي السابق . والإشكالية في العقلية العسكرية الدولية هي زيادة الأعداء والمخاطر ، وتقليل الموالين ، لأن الدبابة لا يمكن أن تكسب قلوبَ الناس. وقد ورد في الحكم : (( بإمكانك أن تجبر الحصان على الذهاب إلى النبع ، ولكنك لا تقدر أن تجبره على الشرب )) .
     وكل خطايا السياسة ستنعكس سلباً على مصير الحضارات . وهذه هي فلسفة عسكرة الأنساق الفكرية ذات الأطر اللامنطقية في أفق ذاهب إلى عالَم متعدد الأقطاب . حيث إن حقبة القطب الأوحد الأمريكي تكرست بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . وقد كانت هذه المدة هي الطور التاريخي لوجود القطب الأحادي المتفرِّد الذاهب إلى تعددية القطبية .
     وعلى الرغم من متواليات الفلسفة العسكرية في المنظور الدبلوماسي إلا أن الأبنية المتآكلة في هاجس الحلم الإمبراطوري ما زالت ضمن صور الإطارات العبثية لسياسة غير عقلانية تولد من فوهات المدافع . وما الارتباط الصارم بين هواجس العدم الفراغي الجزئي والكلي إلا مأزق الانحسار الكوكبي ، أي ذهاب كوكب الأرض إلى الطريق المسدودة .

13‏/08‏/2012

افتراء الكافرين على الله


افتراء الكافرين على الله

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد


   إن الكذب على الله تعالى هو نتيجة لانكسار الروح الإنسانية ، وانتكاسةِ الفرد في قاع الضلال ، وتمردِ المخلوق على الخالق . فالإنسان يلجأ إلى اختراع الافتراءات وإسنادها إلى الله تعالى من أجل تحقيق منفعة شخصية ، وإشباع غرور اتباع الهوى بالباطل ، وتضليلِ الآخرين عبر نقلهم من الحق إلى الباطل ، وتثبيت سُلطة رجال الدِّين الضالين المتحالفين مع السادة من أجل ضمان استعباد الناس وإخضاعهم عبر التلاعب بالنصوص الدينية وتوجيهها لخدمة أغراض مادية .
     قال الله تعالى : (( فويلٌ للذين يكتبون الكتابَ بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً )) [ البقرة : 79] .
     وهؤلاء صنفٌ من اليهود الذين حرّفوا التوراةَ، وغيّروا كلامَ الله تعالى ، حيث أضافوا وحذفوا وفق أهوائهم ومصالحهم الشخصية ، ونسبوا هذه التحريفات إلى الله تعالى من أجل الحصول على بعض المكاسب الدنيوية الوضيعة . وقد توعّدهم اللهُ تعالى بالعذاب الشديد جزاء كذبهم على خالقهم تعالى ، وتحريفهم للكلام الإلهي المقدّس ، ولن ينفعهم ما كسبوه من متاع الدنيا الزائل .
     إنهم أصحاب نظرة قاصرة ، فلم يَعرفوا المكانةَ الرفيعة للكلام الإلهي ، لذلك تَاجروا به ، واتّخذوا من العقائد الدينية وسيلةً للثراء السريع ، والحصول على منافع شخصية . فكانت الدنيا هي الركيزة الأساسية في حياتهم ، فضحُّوا بالغالي والنفيس من أجلها دون النظر إلى ما وراء الزينة البراقة الخادعة . 
     وعن أبي سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الويل واد في جهنم ، يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعرَه )) .
[رواه الحاكم في المستدرك ( 2/ 551 ) برقم ( 3873 ) وصححه ، ووافقه الذهبي .].
     وفي صحيح البخاري ( 6/ 2679 ) : أن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : (( كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث ، تقرؤونه محضاً لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتابَ الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ؟ ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ ، لا والله ما رأينا منهم رَجلاً يسألكم عن الذي أُنزل عليكم )) .
     والمعنى : كيف تسألون اليهود والنصارى عن الأمور الدينية والقرآنُ الكريم هو خاتم الكتب السماوية ، وهو محضٌ ، أي خالص لا تشوبه شائبة فلم يتم تغييره أو التلاعب به . ولم يُشب ، أي لم يُخلَط . والقرآنُ الكريم أخبر أن أهل الكتاب حرّفوا التوراةَ والإنجيلَ وتلاعبوا بهما ، وذلك لتحقيق مكاسب آنية زائلة . فيُفتَرَض بأهل الكتاب أن يأتوا لسؤال المسلمين عن القرآن ، لأن القرآن كتابٌ محفوظ من كل تغيير بعكس التوراة والإنجيل . لكن أهل الكتاب محشورون في غرور اللحظة الراهنة ، ولا يُعمِلون عقولَهم في نقد المعطيات التوراتية والإنجيلية المتلاعب بها .
     وقال الله تعالى : (( ألم ترَ إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً )) [ النساء : 51] .
     إنهم لم ينتفعوا بالعلم الذي حصلوا عليه لأن مصالحهم المادية قد طغت على شرف العلم والإخلاص في تحصيله ونشره . فمع أنهم أُوتوا نصيباً من كتاب الله تعالى وأدركوا ما فيه إلا أنهم انحرفوا عن جادة الطريق ، فآمنوا بالجبت والطاغوت ، وانزلقوا في وحل الكفر والعصيان .
     قال الطبري في تفسيره ( 4/ 133 ) : (( يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله فعلموه ... يُصدقون بالجبت والطاغوت ، ويكفرون بالله ، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر ، والتصديق بهما شِرك )) اهـ .
     وسبب النزول : عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة أتوه ، فقالوا : نحن أهل السقاية والسدانة ، وأنت سيد أهل يثرب ، فنحن خير أم هذا الصنيبير المنبتر من قومه _ يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم _ يزعم أنه خير منا، فقال : أنتم خير منه. فنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم   (( إن شانئك هو الأبتر )) ، ونزلت (( ألم ترَ إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً )) .
[رواه ابن حبان في صحيحه ( 14/ 534 ) برقم( 6572)واللفظ له . قلتُ : وفي تفسير ابن كثير ( 4/ 560 ) : رواه البزار بسند صحيح .]
     فالطاغوت ( كعب بن الأشرف ) الذي كان من زعماء اليهود استغل مكانته وعلمه بوصفه من أهل الكتاب للتدليس والتلبيس على أهل الجاهلية الوثنيين ، فكانت النتيجة أن قام بهذه الخيانة الشنيعة مفضلاً عبدة الأصنام على إمام الموحِّدين الأنقياء رسولِ الله صلى الله عليه وسلم . وهو _ بذلك _ ينطلق من حاكمية الأهواء بدون تقديم دليل علمي أو حُجّةٍ منطقية ساطعة .
     وتفضيلُ الباطل على الحق مرجعه إلى نيل رضا عِلْية القوم المتنفذين بُغية تحقيق مكاسب ذاتية تشتمل على توسيع دائرة النفوذ والهيمنة والقبول في مجتمع المنحرفين عن الصراط المستقيم، وإبعادِ الناس عن الحق الذي يفتح العيونَ على الإيجابيات والسلبيات ، وهذا لا يريده المتنفذون ، لأنه يهدد مصالحهم وسيطرتهم .
     وفي واقع الأمر فإن الكفر مشروع استثماري مادي لتكريس سطوة السادة على العبيد ، والحفاظِ على مصالح أصحاب القرار ، والحيلولةِ دون نقد الأوضاع السيئة . فمن مصلحة الطغاة في كل العصور أن يظل الناسُ بدون عقول مفكرة ، لأن العقلَ المفكر يقود إلى النقد والنقض ، وهذا يشكل خطراً داهماً على نفوذ عِلْية القوم في المجتمعات القائمة على تجذير الباطل وحراسته . وبالتالي فإن الأنظمة الطاغوتية المنتشرة في العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية تخشى من رياح التغيير. فمن مصلحتها أن يظل الوضعُ ثابتاً على ما هو عليه ، وأن يظل الماء راكداً وآسناً لكي تقدر على مواصلة العيش في المستنقعات . وبما أن الإسلام قد قام بتثوير المجتمع وزرعِ القيم الانقلابية ، حيث انقلاب العدل على الظلم ، وأحدث حركةَ تصحيح للمسار والمفاهيم والسلوكيات ، فسوف يُحارَب بكل شراسة لأنه تهديد حقيقي لنفوذ الفاسدين وحراسِ الأساطير .
     وقال الله تعالى في وصف أهل الضلال : (( وإذا تُتلى عليهم آياتنا قالوا قد سَمِعْنا لو نشاء لقُلنا مثلَ هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين )) [ الأنفال : 31] .
     فإذا سمعوا الآياتِ الربانية الباهرة فإنهم يزعمون أن بإمكانهم الإتيان بكلام مشابه ، وذلك تنقيصاً منهم لكلام الله تعالى ومحاولة طمس نوره والاستخفاف به . وبالطبع فهم عاجزون تماماً عن الإتيان بمثله، ولو كانوا صادقين لقَدّموا شيئاً يُشبه القرآن أو يتفوق عليه . فهم يعتمدون منهجيةَ الطعن والتنقيص لإحداث شرخ في المجتمع الإيماني وتشكيك الناس بعقائدهم، مؤمنين بقاعدة " خير وسيلة للدفاع الهجوم ". ولو كانوا صادقين في دعواهم لَقَدّموا البراهين الملموسة وأثبتوا أن القرآن كلامٌ بشري بالحجج، لكنهم عجزوا عن فعل ذلك . مما يشير إلى اتباع أهوائهم في غياب تام لقواعد المنهج العلمي .
     فمن صفات الكافرين أنهم يطلقون الأحكام بدون أدلة واقعية ملموسة . فهم يتحركون بدافع الهوى والحقد لا بدافع مقارعة الحجة بالحجة . وهذا ليس بغريب ، فهم لا يملكون الأهليةَ العلمية للجدال والحوار والمناظرة . لذلك نرى أن اتهام القرآن الكريم بأنه أساطير الأولين لا تقوم له قائمة لأنه بدون دليل . وكما قال الشاعر :
والدعاوى إنْ لم  تُقيموا عليها 
بيِّناتٍ أبناؤُها أدعيــــاءُ
     قال الطبري في تفسيره ( 6/ 229 ) : [ يقول تعالى ذِكْره : وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آيات كتاب الله الواضحة ...(( قالوا )) جهلاً منهم وعناداً للحق وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم (( لو نشاء لقُلنا مثلَ هذا )) الذي تُلِيَ علينا (( إنْ هذا إلا أساطير الأولين )) . يعني : أنهم يقولون : ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين ... سطّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم ! ]  اهـ .