سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

05‏/01‏/2014

محاولة لفهم لغة البحر / قصيدة

محاولة لفهم لغة البحر / قصيدة

للشاعر/ إبراهيم أبو عواد .

...............................

     الآنَ ينتهي حُكْمُ الجرادِ في عواصم الزبد المثْخنة بالملكاتِ السبايا / تنكمشُ ممالكُ القُمامة وجُمهورياتُ الديناصور في عُلب السردين الفارغة / بريدُ الفُستق هو تحدِّي جنون الأكاسرة / أُسَرِّحُ باريسَ من حقيبة ماري أنطوانيت المصنوعةِ من جلود الأفارقة / أعقد اتفاقيةً مع جفوني لأَدفنَ مملكةَ الحطب في الساحل الذي يكونُ فيه الراعي عدو الغنم ! / ترعى المغاراتُ الصقورَ وأعوادَ الثقاب المخصّصةَ لشموع الضحك / تتسلق طفولةُ المساءِ أناشيدَ الرعاة لِتَبْلغَ طُفولتي التي رَمَتْها السلطانةُ في غُرفة الألعاب الخاصة بأبنائها ! /
     أَزرعُ مُذكّراتِ التوقيف الصادرة عن بنات آوى على سياج حديقتي لأتعلم تعبَ الشموس الفضية في المحاكم العسكرية/ لم يَعُد الرملُ يُفرّق بين بنات آوى وبنات أفكاره / في مُخَيّلتي تنمو أغصانُ النسيان/ ويختلط ظمأُ شفاه الوداع بأوجاع السيول/ في رَاحَتَيْكِ يا نافذتي أوراقٌ للخريف الموْلودِ في دمائنا / الطريقُ إلى المدينة التي استعارها الملوكُ مِن ظِلي بالقوة يمر عَبْرَ دَمِي / أُمَاه لا تنتظريني خَلْفَ جَذْر الشموس الجريحة وأصفادِ نحيبي لأن السجونَ التي بَلعت الشجرَ الأخضر تجري ورائي /
     أيها السجانُ / لا تَبِعْ قَلْبَكَ للقُرْصان الذي يتجسس على الملح الأسْود في دموع البنفسج / الغُزاةُ يأتون من الجهات المحروسة بالصدى الزعفراني / يَحْملون أسماءنا ويسرقون ألسنتنا / فما فائدةُ أن أكونَ زَهْرةً بَيْنَ الأضرحة ؟! / أنا والموتُ شقيقان في الطريق / والأيتامُ حَوْلنا يَلعبون بجثث أُمهاتهم/ وهذا البحرُ يَفنى كخَوْخةٍ هَشة / أَجمعُ مُفْرداتِ ثَوْرة اليانسون على ممالك أحزاني / أَحْفِرُ دمي في خَشب المراكب المكسّرة كي تَسحبَ قَشّةُ الطريقِ اللوْزَ من عِظام البحارة الغَرْقى / أُفَتشُ عن ذكريات النار في القيود الحديدية الصدئة/ وحَباتُ الرمل تسأل معدةَ الرصيف: مِن أَين يَأخذُ السجانُ الرمادي راتبَه ؟! / أُجيبُ عَن أسئلةِ المحقق في زاوية الغرفة / والمسدساتُ التي تستحِم على مكتبي بدماء الشهداء أَعْرفها كأزهار الطفولة التي نَسَفها المخبِرون والسلاطين الذين رَمَوا شعوبَهم في السكوت المحاصَر / كُل شيءٍ في غُرفتي يُقاوِمهم : الجدرانُ والبلاطُ وصُورةُ جَدي/ صَوْتي أعشابُ الكَمان يَحرس الصوتَ والصدى / أناشيدُ الفجر تَفور في أهدابي / أُقاوم الرمالَ المتحركة التي تتناوب على حراثة الأنهار الرومانسية / أَنا النطْفةُ المتشكِّلة في ذاكرة الإعصار / أنا الراعي الذي قُتلت أغنامُه / أنا قطيعُ الغنم الذي رأى مقتلَ الراعي/ نكتبُ أسماءَنا على نِصال السِّهام ونَهْربُ مِن المعركة/ أَسألُ رمالَ الشّفق : كَم جثةً لهنديٍّ أحمر رماها الرجالُ المدجّجون بالأرصفة ؟ / كَم بِنْتاً وَأَدَهَا أعضاءُ نادي الجاهلية ؟/ كَم أميراً سَرق براءةَ البرتقال في جثث الأطفال ؟ / وطَبّاخُ الأمير يَبحث في صُحون المطبخ عن أكفان أبنائه / كَيف أَمشي ومقاصلُ الورد تعيش في جَوْربي ؟!/ كيف أفتخرُ بِأهدابي أمام البحر الأعمى ؟!/ كيف أَفْرشُ جِلدي _ أمام البغايا _ زجاجاً لموكب النبيلات ؟!/ نزيفُ الثلوجِ ياقوتُ المساءِ على مداخن أكواخ المنافي/ الطّحينُ شِعْرُ العواصف/ وكان طفلُ المرعى يُحْتَضرُ على كَتفِ جَدّته القتيلة / خِنجري جمهوريةُ الليمونِ الرافضِ / وقصورُ الذئبِ في جسد التوتِ هِيَ لَوْنهم الزائل / والطوفانُ لا يستأذن من البشر / أين سَيَهرب القتلةُ الذين يَقْضون إِجازةَ الصيف خَلْفَ رَبطاتِ العُنُق ؟!/ قطاراتٌ تَحمل الدِّيناميتَ تَسْبح في معدتي الصحراوية / هل سَيَفْتحون الزنازين أمامَ السائحات العاريات ؟! / اتركوا الوطنَ ضائعاً / ولنعشقْ صُوَرَ الخيل في كلام السحاب / تتسابقُ اللبؤاتُ في شراييني لفرض الضرائب على بكاء الأيتام / أنشأَ اللصوصُ نَقَابةً لِقُطاع الطرق لِتَكُونَ أعمالُهم موافقةً لدستور جمهورية أسماك القِرْش الذي اسْتَوْردوه مع باقي البضائع !/
     ملاحظةٌ كَتَبَتْهَا رِئتي قبل اعتقالها [ مِن مَظاهرِ الديمقراطية عند حكومات الأدغال الدموية : مظاهراتٌ للشواذ جنسياً في طرقات الحيْض / فتاةٌ تضع على وجهها نِصْفَ طُنٍّ من المساحيق تقود سيارةَ مَرْسيدس / مسابقةٌ لطلبة الهندسة في الجامعات الذابلة لتصميم أَفضلِ مِقْصلةٍ رُومانسية !/. ملابسُ البارونةِ تتوهج على جثامين الثائرين/ تصاميمُ هندسيةٌ ممتازة لسجون عَصْرية ! / الانتخاباتُ التي حَقّق فيها القَيْصر 99% والبقيةُ تأتي !/ والعدالةُ على طريقتهم : إذا سَرَقَ الشريفُ تركوه وإذا سرق الفقيرُ أقاموا عليه الْحَد ]/
     مِزاجُ الإمبراطورةِ المتقلِّبُ / وزَوْجُها الذي لا يَتَفَقّدُ حُفرَ المجاري إلا عند قدوم المصوِّرين لِتَكونَ الذكرى مَحْفورةً على جِلد الماعز ! / نَخجلُ مِن أقنعتنا / نَهربُ مِن وُجوهنا/ نَرْمي مَلامحَ المراهِقاتِ في أجسادِ النوارس/ نَذبحُ نساءَنا في المساء مُنتظِرين قُدومَ الشتاءِ مِن أَجفان النخاسِين / أَشُم رَوائحَ المنفى مِن شُرفتي المطلةِ على بُكاءِ الغابات / والحقولُ يَنهبون لونَها لِيُقيموا حَضارةَ البارود / لم تَعُدْ دَوْلةُ المرتزقةِ إِلا إِسْطبلاً لخيلِ الإمبراطورة /
     هَذا أنا / كُلما نَظرتُ إلى المِرآة أطلقتُ النارَ على المرآة / يَحْقِنُ النمرُ ظِلالَ البحرِ بالعطش / إِن الفِطرَ السام خَادِمُ الهذيان في مُعسكرات المجاعة / وكانت الفئرانُ تَنهش ذاكرةَ المعركة بَيْنَ الصوتِ والصدى / متى يَقتلعُ الصدى الورقي عُمْرَ الإسفلتِ مِن قَش الجنون ؟!/ هذه صكوكُ الغُفرانِ سَاعةُ يَدٍ لقُرصانٍ مُتقاعِدٍ / والأرضُ تَلْفِظُ جِراحي لِكَيْلا تَتسممَ / أُصيبت جيوشُ الهذيانِ بالتخمة / رمى النّخاسون إِخْلاصَ الجنود عَبْرَ الأبواب/ فتحوا في أمعائنا أرشيفاً للمواكب الملكية / وذلك الجنونُ الرصاصي يَسكب عُيونَ الإوز في ضِحكة السنديان/ فانتظرْني أيها السيافُ / سَتَنْمو الجوافةُ في الهياكلِ العَظْميةِ /
     الديمقراطيةُ دُميةٌ يَتَسلى بها بَوّابُ محكمةِ التفتيش في وقت فراغه قبل أن يُمارس هوايته في تلميع الأوسمة / يا فَلاحي بِلادي / احْرُسوا القمحَ بالذكريات / نحنُ الذين نَنْزعُ الأوسمةَ عن صدور الأوثان / والقَراصنةُ يُلْقون المِرْسَاةَ في مَدْخل الملهى الليلي / وَحْدي مَعَ المسافِرين مِن اغتيال الخوخ إلى مُدنٍ باعها حُكّامها للصدى /
     لَسْتُ مِن سُلالة قياصرة ولا أنتمي لقطيعِ الجلادين ولستُ الحقدَ / عَلّمَني عَظْمِي المسحوقُ أن أَمحوَ كلماتِ الشّعير من طُرقاتِ عَمُودي الفقري/ وألا أَفتحَ جُرحي مرعى لإِبِلِ الخلفاء غير الشرعيين /
     أيتها النساءُ اللواتي يَضَعْنَ لحومَهنّ أثاثاً للمسرح المكسور / أيتها النساءُ اللواتي يَغْرِسْنَ أعضاءهنّ في أغلفة المجلات السياسية / أيتها النساءُ اللواتي يَكْتُبْنَ ذُلّهُنّ على ثياب عارضات الأزياء في عواصم الرعشة / أيتها النساءُ اللواتي يَفْرُشْنَ أجسادَهنّ على إعلانات زيادة الضرائب / أيتها النساءُ اللواتي يُعلّقْنَ على حَمّالاتِ صُدُورهِنّ لافتةَ الثقافة / أُنظُرْنَ إلى المرايا في مَسْرحِ العرائس مِكياجاً ثقيلاً على قُماش الدمى /
     قَفَصي الصدري لَيْسَ فارغاً / قَد سَكَنَ فيه أطفالُ العشبِ الذين تَلهث خَلْفَهم آلاتُ القتل / أيها القياصرةُ الذين يُعطون بائعاتِ الهوى دكتوراة فخرية في البِغاء / أيها الذابلون الذين يَبيعون الجنسيةَ الوحشيةَ للبرقوق المحاصَر / كُنْتم محارِبِين فاتحين في غُرفِ نَوْمكم أو مَوْتكم / لا تَعْتَقِلوا التفاحَ وتحققوا مَعَهُ في قاعاتِ الرقصِ المخصّصةِ للضفادعِ الممتلئةِ بالويسكي /
     المنافي التي تَنْبعُ مِن المساءِ العَسْكري رَصاصٌ في جَيْبِ الرعد/ لوس أنجلوس تُهَرّبُ أبناءها في لحم الخنازير المعلّبِ وتُرسِلهم لِيَنْكسروا كالديدان المخدوعة في فِراش الزوجية !/ نقابةُ المومساتِ الديمقراطيةُ / الأقسامُ المخصّصةُ للحوامل سِفَاحاً في المدارس الثانوية للبنات/ جَرادةٌ عمياءُ تأسرُ عنبَ الجزائر في النبيذ المفروش على طاولات الجنرالات قُرب جبال الألب/ أنا رَصيفُ ميناءٍ يَسيرُ عليّ ضَوءُ الفيضان / ولا يَمْشي عليّ الجنودُ/ لُغتي سُطوعُ فَراشاتٍ لا تَسْتسلمُ للشبكة/ وحَواجِبي أَصُفّهَا خنادقَ تَبْلع الجيوشَ التي تَرفع خُشونةَ تواريخِ الأوثانِ رَايةً / 
     قَالَ الزبدُ المدفونُ في مَعدةِ المطر : أَضمنُ أن يَكونَ جَسدي مَعَ زَوْجتي ولا أَضمنُ أن يَكونَ قَلْبي مَعها / يا حُرّاسَ الغُبار / اغْسِلوا وُجوهَكم حِين تَكْسرون المرايا لكي تَرَوْا أقنعتكم خَارِجَ يَانسونِ الأمطار / أَعوادُ المشانقِ في الساحاتِ العامةِ الممتدةِ في صُدورِ الثائرين / أيها المنفيون في سَاحِل الجِراح الساكنون في الحنين إلى بنادق الثوار في الميادين الأسيرة / خُذوا قَلْبي سَداً أَمَامَ زَحْفِ الجرادِ المتحضرِ !/
     أُسْقِطُ النظامَ الجمهوري في شَراييني / أرضٌ جَرْداء كأعلامِ القَراصنة / تاجٌ مُرصّع بِنَزيفِ بِلاد البُروق / امرأةٌ تَفتحُ كُهوفَ مِكْياجها أمامَ عَدساتِ المهرجين/
     صَديقي النسْيان / حَاوِلْ أن تتذكرني !/ أنا فتىً مِن الشرق/ أخذوا الصنوبرَ مِن ثِياب جَدي/ وأبي مَا زِلْنا نَبحثُ عَنْه/ أَدْخلُ زِنزانتي مُسَلّحاً بالذكرياتِ/ أَخذوا أوراقي والأقلامَ / حتى العنكبوتُ في الزاويةِ أَخَذوه ! /
     وكان ثلجٌ نائماً على مِنجلٍ يُحْتَضرُ ويَستجوبُ القُضبانَ : هَل الحزنُ وَردةُ المقامَرة التي يَقودها إِمبراطورُ الغبارِ في البار ؟! / هَل الشعبُ ضِمْنَ أوراقِ اللعب على طاولة الأميرةِ الشابة ؟!/ أنتعلُ أطيافَ الأنقاض/ وتنامُ الفتياتُ المغتصَباتُ على أجنحةِ الفَراشات / والصولجانُ يَقْتفي أَثَري على أزهار الهاوية /
     عَرّابَ الدولةِ الصاعدَ إِلى الأرشيفِ الرمادي / لماذا تأخذُ شَعْري الفِضي إلى قَاعةِ الإعدام ؟! / لا تكنْ بائعاً مُتجوّلاً في مَقْهى أظافري المنثورةِ على صَنوبرِ العُشاق / لا تكنْ حَطاباً لأشجارنا الدمويةِ في الخريف الشاعري مِثل الموظفين الجدد في ممالك رِياح الخماسين/ لا تُطْلِقْ على نُعوشِ الأيتامِ لَقَبَ " مستقبلك السياسي"/ اذهبْ إلى المقبرة لترى مُستقبلكَ السياسي ! /
     حَطبٌ قُرمزي يَمشي على السجاد الأحمرِ في مُعْتَقَلاتِ إِبادة الهنود الْحُمر/ فيا سَائِقي مَرْكباتِ نَقلِ الجنود/ أَمْهِلوا قِطتي العَرْجاءَ بَعْضَ الوقتِ للعبور إلى الرئة الثانية للزقاق/ مَزرعةُ خنازير بَرّية في ثِياب ممثّلاتِ هُوليود/ غِرناطةُ زُمردةٌ في أكفّ أصحابِ الحانات/ وتِلكَ القرابينُ على حِيطان المعابد / أعضاء في جَمعيةِ مُخترعي صُكوك الغُفران / قارةٌ تَقفزُ مِن غَابةِ النفطِ إلى غَابة النفطِ كَقِرَدةٍ مُبْتدئين ضَلوا طَرِيقَهم واحتاجوا إِلى دَليلٍ سِياحي !/
     الضحايا يَتَزَلجون على المسدساتِ الخشبية / نِساءُ الشتاءِ لِتَسْليةِ العُميان في الصيف / حَفلةُ الإبادةِ تَغرق في تبادُلِ الهدايا / والمشرّدون في الخارج يَبحثون عن القَش لِيَناموا عليه !/ يَنامُ الميناءُ على ذِراعي اليُمنى / وأوسمةُ القَش يُلمّعها خِنجرُ الذكريات / أُطهّر عَواصمَ رِئتي مِن الديدان التي تَسْرقُ ظِلالَ البابونج على رُخامِ المجازر / يُلاحِقني الرعدُ في مَراعي الكُوليرا مِن كُوخٍ إلى كُوخ / ويُلقي الألغامَ في نُعاسِ الياسمين / أَسألُ جُثمانَ أبي : عندما تغفو على وِسادتي الحيتانُ الزرقاءُ هَل سَتَشْهدُ رِمالُ المحيطِ ضِد الضحية ؟/ 
     قَد يَرْمي الجلادُ أصابعي عَلى أخشابِ المرفأ / قَد تُوزّعُ السلطاتُ صُوَرَ الزنابقِ عَلى الحمَامِ الزاجلِ لِيَبْحثَ السل عَن خُطواتِ الريح على المرمرِ الملوّثِ باكتئابِ الشطآن / تَمْشي السنابلُ حَافيةً على رُخام القبورِ الخاليةِ / لَكن ألوانَ الحزنِ تُقاتِل/
     جُرحي إشارةُ مُرورٍ لِتَعْبرَ الدلافينُ إلى عُروقي النحاسيةِ / والأغرابُ مَشْغولون بترتيبِ غُرفِ نَوْمهم كَجِرْذان في مُقتبل العُمر تتعاطى مُضَاداتِ الاكتئابِ / يَلْمعُ البارودُ عَلى الإسفلتِ الرصاصي المنتشرِ على لُحومِ الفُرْسان / أنهارٌ بِلا أظافر على سَاعة يَدِي / ورِمالٌ تَرْكضُ في زَفيري تُدَرّبُ البَعوضَ على السباحة في جَماجمنا / المدنُ الذبيحةُ مِرآةٌ مخدوشةٌ على قِماشِ أكفانِ البَجع /
     قَبْلَ أن يَصُبوا نُعوشَ أهلي في البِئر المجاوِرةِ للوَداع / بَحَثوا عَن عُكازةِ أبي تحتَ الركام الهابطِ في رِئة ذِئبِ الهزيمة / قَبْلَ أن يَنْصُبوا الفِخاخَ لعصافير الحي في حَناجر المصلين / قَبْلَ أن يَبيعوا سَرِيري وأظافري لِيَشْتروا مِكياجاً للأميراتِ وبعضَ فساتينِ السهرةِ المضاءةِ بأضواءِ السياراتِ المارةِ على جُلودِ الفَراشات / قَبْلَ أن تَلتقيَ صَديقاتُ السلطانةِ عَلى أجزاءِ كَفَنِ الوَرْدةِ / قَبْلَ أن يَرْموا المذابحَ على شاشاتِ التِلفاز / قَبْلَ أن يَبنوا شَركةَ حَفاري القُبورِ على خُدودِنا / قَبْلَ أن يَحْبِسوا دُخانَ المصانعِ في شَرايينِ الفتياتِ المغتصَباتِ في سَراييفو / أَطْلَقوا سَراحَ الحدائقِ الأسيرةِ في خِيامنا المرقّعةِ لِتَكُونَ مَرْكباتُ نَقلِ الجنودِ أَقلّ تَلْويثاً للبيئة ! /
     جُيوشُ الصدى مُسْتَنْقعاتٌ مَسْعورةٌ عَلى الطرقِ الصحراويةِ مُلْتَصِقةٌ على جُدرانِ النوم / تَتمرّدُ العَصافيرُ في قَسماتِ وَجْهِ المرعى / أَيّها الصّيادُ الذي يتقيأُ القَياصرةَ في دَفْترِ جَمعِ الطّوابع / لا تَأْسِر الكَروانَ بأغلالِ المطرِ الحِمضي / لا تُرشِد العَوانسَ إلى أشلائي في طُرقاتِ النسيان / لا تَعْرِضوا أظافري في المتاحفِ أمامَ الذبابِ المعدني / لا تُعطوا رِئةَ جارتنا الأرملةِ هَدية لِبناتِ الإقطاعيين المدْمِناتِ على الكُحول / أَحْضِروا جُثثَ الملوكِ المهرّجين لِنَدْفِنَها في صَالةِ القِمار /
     حَفَروا الأحكامَ العُرْفيةَ عَلى أمعاءِ الشهداء/ قِطّةُ البُكاءِ التي تُضْرِبُ عَن تقبيلِ الفِئران حَقَنُوها بِرمالِ المنفى / واللصوصُ الشرفاءُ يَفْتتحون في كَبِدِ حَمامةٍ مَعْرضاً للمساميرِ الجديدة/ والمراهِقاتُ العَاشِقاتُ يُعَلّقْنَ شَبابَهنّ على بوّابات العَمى/ هَيكلٌ مِن عِظام الشفق / قِلادةٌ مُعلّقةٌ في رَقبةِ صَنمٍ اسْمُه المنفى / ثَعلبٌ ذُو فِراء وَسِخ / العَواصمُ الخاليةُ إلا مِن القَوّادِين / إِن الدمعَ شَاهِدُ قَبْرٍ للبُرتقالِ الغَريب/ والرصيفُ مُهرّجٌ طُحلبٌ يَتزلج عَلى أوردةِ المساءِ قُرْبَ حِيطانِ بئرٍ مُسيّجةٍ بِبُكاءِ البَغايا /
     حَاضِناً الكَرز المهجور في دِماءِ الشعوب اللاهثة/ والأرستقراطياتُ يُحضّرْنَ رَسائلَ الدكتوراة عَن دِيمقراطية المجزرة ودموعِ أُمّي في خَريفِ الرعود / رُبّما يُصبِح اغْتيالي خَبَراً رُومانسياً في نَشْرةِ أخبارٍ صَادرةٍ مِن مِذياعٍ قَديمٍ عَلى طاولةٍ نظيفةٍ في مَطْعمٍ للوَجباتِ السريعة / نَبصقَ قاتلينا في سَلّةِ المهملاتِ تحتَ شبابيكِ غُرف التعذيبِ المفتوحةِ على لُعابنا مِن الأُذن اليُمنى إلى اليُسرى / نبصقُ قَاتلينا في أرشيفِ البُوليسِ السّري قُرْبَ أزهارِ النار/ أزف إِلى الترابِ أعضائي/ هذه الشجراتُ المختبئةُ في سَريري تنتظرُ الوهجَ القاتلَ /
     صَالاتُ الرقصِ مَفتوحةٌ أمامَ العُشاقِ الذين صَمّموا المذابحَ في قُلوبنا / والقَراصنةُ المهذّبون يُوَسّعون المعْتَقَلاتِ المارّةَ أنهاراً مِن تَوابيتَ صَنَعَها عُمّالُ نظافةٍ مُحْتَرِفون في وَرْشةِ الخليفة / دَمِي يَسيلُ على خُدودِ الأندلس / يَغْرِسُ رَصيفُ الليلِ أنيابَه في كَفّي / يَذْهبُ النخيلُ إِلى المدرسةِ مُسْرِعاً / مَطرٌ يُبَلّلُ أعشابَ المذبحةِ / والمجرمُ صَارَ رُومانسياً في حُكومةِ انقراضِ المرجانِ البَحْري/ يَضعُ الموجُ حِزامَ الأمانِ بَعْدَ أن يَدهسَ القُصورَ الرمليةَ /
     تَقَدّمْ أيها الشاطئُ القُرمزي/ أنا وأنتَ فَراشتان تَحومان حَوْلَ ضِفافِ الجرح الممتد مِن غروزني إلى سَراييفو جُثثاً وَبساتين / تندلعُ المجازرُ في لَوْنِ السنابل / وسَاعِدي كُوخٌ لأسرابِ الدجاجِ المهاجِرِ مِن الندى المذبوحِ في زِنزانتي الانفراديةِ / قَدْ يَحتاجُ الغُزاةُ إلى تلالٍ مِن الصابونِ بَعْدَ حُروبِ الإِبادةِ المصنوعةِ لملءِ وَقْتِ الفَراغ!/ يَبْقرُ النرجسُ بَطْنَ الرصاصةِ البِكْرِ / وكُل مَمالكِ الإِبادةِ أدغالُ هَوَسٍ / وَجْهي نهارٌ قَادِمٌ سَاجِدٌ لِلْمَلِكِ /
     سِجْنٌ عَجوزٌ يَمتص طَيرانَ العُقبانِ في الخريفِ / وكانَ ضِفدعُ المذبحةِ يُخَزنُ أسناني في عُلبِ السجائرِ الأجنبيةِ / نَعْشي صَارَ مَقهىً لِرَاقصاتِ النفطِ / يُداهِمني القَمحُ أُقبّله لأنه سَيْفي / وَدُموعُ الراهباتِ تُعبّدُ الطريقَ إلى ستالينغراد /
     بَيْنَ كَرْبلاءَ وَجُروحِ الفَارسِ دَمْعي الشفافُ / خُيولُ الخليفةِ تَسقط كَبَيْضِ النعام / وَرأسُ الحسينِ لا تَسقطُ / عَبَرَ إلى غَدِهِ الواضحِ سَيّداً / في جَنةٍ بلا شمسٍ ولا زَمْهرير / أنيناً كانَ قَصْرُكَ أيها الوَلدُ الأُموي المتجوّلُ عَلى إِشارات المرورِ لبيعِ غَثيانِ الصحراءِ / سَراباً كانَ اختباؤُكَ يا سَارِقَ الندى مِن أجفانِ طُيورِ البَحرِ الحبيسةِ بَيْنَ الحيطانِ المدهونةِ بالقتلِ وَمِرْآتكَ /
     كُرياتُ دَمِي نُسورٌ فِي فُوّهةِ القِتال / طَلّقْتُ خَوْفي مِن مَحْكمةٍ قُضاتها يَتقاضون رِماحَهم مِن حُكومةٍ عَلى أُهبةِ الهذيانِ / أُحب الصهيلَ يَجْتاحني في رَبيعِ التوابيت / والشوارعُ تركضُ في عِظامِنا الموزّعةِ بالتّساوي على رِجال الأمن / ومُفاجِئاً كندمِ الزوجاتِ الخائناتِ جاءَ اعترافُ الفِرنجة : بِعْنا نساءَنا للذي دَفَعَ أكثر ! / جِراحاتي زَيتونةُ الأيتامِ / وَرُموشي مُنْتَجَعٌ سِياحي في إِجازة آخِرِ الأسبوع / إبليس وتاتشر يَتناولان غَداءَ عملٍ مُعَطراً بنعوش الجيش الجمهوري الإيرلندي/ وكانَ الصربُ يَشْربون الوَهمَ في سراييفو عِنْدَ شَواهدِ قُبور الشموس / ويُلْقون الزجاجاتِ الفارغةَ في بَرْلمان الصحراءِ التي كانتْ رَوْضةً لليتيماتِ الرافعاتِ الهلال شِعاراً /
     أحزانُ الأعشابِ طائرةٌ ورقيةٌ / لَن أَتركَ رَقَبتي مَائدةَ غَداء لِكِسْرى / الطيورُ المرتعشةُ مِرْوحةُ التلالِ الغاضبةِ / والغُزاةُ يَأخذون الصوَرَ التذكاريةَ في بَنكرياس الموج / وَالقواعدُ العسكريةُ في أمعائنا هِيَ جَوازُ سَفَرٍ للفِطر السام كَي يَنموَ على لُحومِنا/ التّهمُ الجاهزةُ تنتظرُ السنجابَ المندهشَ في بَلدته التي هَدَمها اللازوردُ الرمادي ليبنيَ إِمبراطوريةً أكثرَ انفتاحاً على الجراد / وَعِنْدما يُذبَح الموتُ أكونَ في الجنةِ أو النارِ /
     بَلْدتي المفتوحةَ للأشباحِ المغْلَقةَ أمامي/ قَبّليني لأني ذَاهِبٌ لِكَي أتزوّجَ الترابَ / أَصعدُ مِن قِبري بِأَمْرِ سَيّدي/ تعلّمتُ كيفَ أُضَمّدُ جِراحي قَبْلَ أن تتعلمَ الإسبانياتُ قِيادةَ السيارات في أندلسنا / التوتُ البَرّي يَنشرُ صُوَرَ لُصوصِ البلاد / والنحلُ يُهاجم عُواءَ الحِجارة في مُعتقلاتِ سيبيريا / لا الرصاصةُ أُمي ولا الثورةُ البَلشفية ثَوْرتي/ دَمْعي الثأرُ زاحفاً / وأصواتُ بَلدتي تَجْرفُ نباحَ حَطبِ الموقدة / ويُجَمّعُ مُجْرِمو الحربِ أرصدتهم مِن الجماجم في بِرميل البَارود /
     أنا حَارِسُ حُدودِ الأسماك في الشفقِ البعيدِ عَن خَيْمتي / حُدودُ دَوْلتي مِن نزيفي الأخضرِ حتى صُداعي الأزرقِ / ورأسي أُرجوحةٌ لأطفالِ البَرقوق يَحْملون تاريخَ عَمُودي الفقري في الصحاري الجليديةِ / الغَسَقُ ابنُ عَمي لكني يتيمٌ / 
     في ذلك الصمتِ البنفسجي تُولَد مَدينتي المعدنيةُ على ضِحكة الصنوبر/ أَفتحُ قلبي للذكرياتِ الغَريبةِ كَي تَدخلَ مِياهُ البحرِ في نُخاعي الشوكي / عُيوني هِيَ غُربتي/ فلا تَبكِ عَليّ يَا أنا / سأحتفلُ بأشكالِ ذَبْحتي الصدريةِ لأن الرعدَ طَهّرَ خُيوطَ بُكائي مِن حَضارةِ دَمِ الحيْضِ / وتحتَ إِبطِ الذاكرةِ مِشنقةُ الأعشابِ / قَدْ بِعْنا فلسطين وصِرْنا رومانسيين /
     لَمْ أَزرعْ في رِئتي حُقولَ الصوْتِ لأُقدّمَ الزهورَ للعُشّاقِ في حانات لَندن / لم أُنظّفْ بَلاطَ زِنزانتي لِيَمشيَ عَلَيْه فُقهاءُ البَلاط / لم أكتب القصائدَ لأتغزّلَ بانكماشِ الراهباتِ في الحكايات / لم أُعَانِقْ لُغتي لأخط المراثي على الحزنِ المتدفّقِ مِن شُقوقِ الدولةِ البُوليسِيةِ /
     حِينَ يَأخذُ الأباطرةُ أشجارَنا إِلى التجنيدِ الإجباري في الجيش الذي يُحارِب نَفْسَه/ أجلسُ مَعَ الأمواجِ نَدرسُ بَصماتِ البلابلِ على الحجارة الدامعةِ / أعشقُ أبجديةَ مَوْتي في أُمسياتِ صَوْتي/ أعمارُنا شموعٌ سَوْداء لأن النسورَ أَكلتْ جُثةَ النهار/
     قِطَطَ الوادي / لا تَبْحثي عَن وَطنٍ / أحزاني وَطَنُكِ/ قَد يَرْحلُ الموجُ عَن الغُرفةِ التي وُلد فيها/ ويأخذُ مَعَهُ أشجارَ الحِبر / ويَتركُ الحصيرَ باكياً على كَتفِ البلاط / ثم يُقتَل في الغُرفة التي وُلد فيها / ذَهَبت الصبايا إِلى الانتحارِ / وَبَقِيَت قُمصانُ النوْمِ على حَبْلِ الغَسيلِ / والطحالبُ سَقَطتْ في عُلبِ المِكياج /
     وَحيداً كأرملةٍ خَلَعُوا حِجَابَها وبَنَوْا عَلى ضَفائرها ممالكَ السكوت / كان اليَانسونُ الذي يُغطّي رُفاتي / أنا المطارَدُ في بِلاد الزرْنيخ / في زُجاجِ غُرفِ التحقيق/ في الشوارعِ الموحلة التي تُفضي إلى مُغامرات أُمراءِ الحروبِ المدوّنةِ على جَنازةِ الديناصورات/كُلما فَحَصَ النرجسُ حِيطانَ المعتقَلِ تكسّرتْ ظِلالُ الخِنجرِ الأثري /
     مَاحِياً آثار مايكل أنجلو على أجسادِ الشحاذين في ممالك الانتحار شَمالَ المتوسط/ قُرى الجِرذانِ البشريةِ التي حَوّلوها إلى مَدافن هِيَ أضلاعُ النبيذ / يَجرحون الفُلّ الذي يُزَيّن نَافذةَ بَحّارٍ في عَكّا / صَديقاتي نُجومَ السماءِ البعيدةِ عَن جُلودِ العُقبان / قَد اختلطَ هَدِيرُ محركاتِ الطائراتِ بِدَمِ اليَنابيعِ الساخنِ / أكواخٌ لِطُيورِ البَحرِ تَجمع سُعالَ الزبد على الشاطئِ / نُخَزّنُ في رِيش دَجاجةٍ أحزانَ شِبَاكِ الصيدِ الفارغةِ / البَحرُ أقربُ مِني إلى رُموشي / وَيَغارُ عليّ مِني / جُلودُنا تَحرسُ أعداءَنا / والضبابُ يَمْضي إلى ثكنته العَسْكريةِ في سَراديبِ القُصورِ الرمْليةِ /
     فِي إِحْدى الليالي نامت الليالي فِيّ / وعِندما تتفجّرُ المرافئُ في عيون النوارس / ويلتقطُ أطفالُنا الصّوَرَ التّذكاريةَ لحركة البَرقِ عَلى جُلودِ الإماء / يُصبِح جِلدي كُوخاً تَقضي فِيه الرّمالُ الكُحليةُ شَهْرَ العَسلِ / وَحِينَ تَموتُ النوارسُ تكونُ أجنحتُها هِيَ أكفانَها / أَعيشُ في قَلْبِ الرّعْبِ / وَأَخافُ أَن أَعودَ  إِلى البَيْتِ فَأَسْمَعَ بُكاءَ أُمّي / لَمْ أُشارِكْ فِي حَفْلةِ زِفاف حَبّةِ رَمْلٍ إلى الصّدى/ جَرَفَ السّيْلُ ذِكرياتِ النّسر فَوْقَ رُؤوسِ العبيدِ المتَدَحْرِجَةِ عَلى زُنودِ السيافين/ بِطْريقٌ يَجْمعُ أَشلاءَ أُسْرته في كَفّيه الصّغيرتين ويَدْفِنُها في قِيعانِ الفَجْر/ ذُبابةٌ تَنْقلُ على جَناحها ثَوْراً مُكْتَئِباً إِلى عِيادة الطّبيبِ البَيْطري /
     أَعْطاني مِفتاحَ كَهْفِه عُصْفورٌ / والليمونةُ التي تَكْبرُ في شِريان الأرضِ تَكتبُ يَومياتها على ذُبولِ القَراصنةِ / وأُمراءُ الأنقاضِ يُنَظّفون السفنَ في أَحْشاءِ شُعوبهم التي قَذَفوها في الدروبِ المرتعشةِ /
     سَأَلني الليلُ عَن اسْمي فَلَمْ أُجِبْه لأني ألتقطُ عَبَراتِ التلال وأُخَبّئها في صُندوقِ البريدِ / أنا رَاعي غَنم في مَنافي الرعدِ / وَقَدْ لا أَجِدُ مَن يَدفنني إذا مِتّ في صَرخةِ البَرْقوق/ مَا فائدةُ العَشاءِ على ضَوْءِ الشّموعِ والعناكبُ تَسْبحُ في عَصيرِ البرتقال ؟/
     شَوْكُ الضّياعِ يَثْقبُ تَجاعيدَ الصّليل / ممالكُ الغُروبِ تَعودُ مع قاربي مِن جَنْي الرّؤوسِ المقطوعةِ / أمواجُ الشّفقِ لَيْست نَبتةً يُمزّقها الكَهَنةُ / أَمْسَكَتْني يَمامةٌ ثُمّ أَطْلَقَتْني في حُلْمِ خَناجرِ الفَيَضانِ /
     تَمُوجُ فَوْقَ الحقولِ أُغنيةٌ تَسخرُ مِن لُصوصِ النّفطِ / غَزَالٌ يَخْلعُ جَواربَه ويَعُدّ أَرْجُلَه عَلى سَجاجيدِ المذبحةِ / يُوَدّعُ قَلبُ اللبؤةِ زَوايا المغَارةِ / يَقودُ الليمونُ فِي الشّارِعِ مُظَاهَرةً ضِدّ الأحكامِ العُرفيةِ / لَسْنا أثاثاً يُبدّله أُمراءُ الحربِ مَتى شَاؤوا /
     مِنْ أوراقِ فَهْدٍ مَنبوذٍ : حُكومةُ الفِطْرِ السّام مَصْنوعةٌ في الخارج ! / لماذا تَعْشقينَ سَفْكَ أعصابِ المشرّدين عَلى عَنبرِ الحِيتان الرشيقة ؟ / لماذا تَنقلين نَاطحاتِ السحاب على ظُهورِ الجواميسِ النحيلةِ ؟ /
     مَطرٌ غارقٌ في التثاؤب / الرصاصُ المطاطي أَعْراسُ اليَتامى / وَذَلِكَ القَمرُ يَضحكُ لِي وَيَقْتلني / فَتياتُ بَغْداد أنتنّ شَجرٌ أخضر في رَبيعِ دَم الأضرحةِ / إِلى الترابِ هَذا اتّجاهُ حَوَاسنا / فَهَل جَماجِمُنا سَتَصيرُ بَعْدَ إِبادَتِنا إِشارةَ مُرورٍ في شَارِعٍ مُزْدَحِمٍ قُرْبَ مَصَانعِ البِيرة ؟ /
     جُمْجمةٌ تَقودُ دَرّاجتها النّاريةَ على إِزارِ بَعوضةٍ / رُعاةُ البقرِ يَتبادلون التّهاني بَعْدَ إِبادةِ الهنود الْحُمْرِ/ أقامَ الحمَامُ عُرْساً للبَق على مَائدةِ الأيتام / رَجعت القِطَطُ إِلى يَنابيعِ الألم/ أَدغالُ عُيوني تَسجدُ في المحاريبِ للإِلهِ / عُصفورٌ يَأكلُ أَبَاه عَلى غُصْنٍ لا يَرْصده المخبِرُون المتكاثِرون كَبَيْضِ الحشراتِ / انتشرتْ ذَاكرةُ الفاصولياءِ عَلى حَدائقِ النعوش / لم يَكْبُرْ جَسَدي عَلى اقتلاعِ شَرايينِ النهر / أَعيشُ مُرَاهَقتي المتأخرةَ قَبْلَ احتضاري بَعْدَ انتحاري / وَسَوْفَ تُحصَد وَردةُ الضريحِ وَهِيَ تَحْضُنُ قَوْسَ قُزَح / نَزْرعُ الأكفانَ الشمْسِيّةَ بَيْنَ دِماءِ الزيتون وعَرَقِه / لا أُنوثةَ فِي أدغالِ الوقتِ / انقرضتْ عَقاربُ الساعةِ / وعَاشَت الأفاعي في شَمْسِ الهزيمةِ / وَسَقطت البراويزُ عَن جُدْرانِ الطحالبِ / لَنْ يَلتقيَ العُشاقُ خَارِجَ مُعَسْكراتِ الإِبادةِ لأن القَمرَ وَقَعَ في بُحيرةِ الدمع /
     الزنازينُ مَسْقطُ رَأْسِ السنونو / الوَرْدُ الذي يَصْعدُ مِن جُثْمانه / تُفتّش دُموعي عَن زِنزانةٍ لِكتابةِ الصدى عَلى جَسدِ الصوْتِ/ لتحريضِ صَدأ الحديدِ على الحديدِ / لخلع قلبي مِن قلبي / وَسَوْفَ يَرقصُ العَبيدُ مَعَ الجارياتِ ذَاتَ مساءٍ /

     أنتحرُ تَدْريجياً في مِصْيدةِ الحضارة/ فلا تَتْركيني يَا أُمّي / سَيُصْبِحُ مِنديلُكِ كَفَني/ وَدُموعُ أَبي تَاريخاً لِهِجْرةِ رُموشي المسمومةِ / أتجوّلُ في صَحراءِ دَمِي كالسنبلةِ المشنوقةِ / ولا دَرَاهِمَ تَحْملُ صُوَرَ الخليفةِ غَيْرِ الشرعي / وَذَلِكَ السجينُ يُفكّر فِي ضَوْءِ أبجديةِ النارِ / والفَراشاتُ تُكلّم الحائطَ/ لَكِن  ثَعالبَ الرجفةِ هِيَ فُقاعةُ صَابون تَخْرجُ بَعْدَ أنْ يُعلّقَ السجانُ أظافرَ أبنائه على حَبْلِ الغسيل الطويل / فلا تَمْنحوا الفَراشاتِ تصاريحَ الدخولِ إلى قَلبِ المطر/ ولا تَسْمحوا لأُمي أنْ ترى جُثتي المنثورةَ في أكوابِ الشاي الأخضرِ .  

04‏/01‏/2014

آيات القتل والقتال في القرآن الكريم / الجزء الأول

آيات القتل والقتال في القرآن الكريم / الجزء الأول

من كتاب/ قضايا تهم كل مسلم

تأليف : إبراهيم أبو عواد .

.............................

     يجيءُ هذا البحثُ ليلقيَ الضوء على موضوع غاية في الأهمية ، وهو القتل ومشتقاته من وجهة نظرٍ قرآنية . وكما هو معلوم فإن أعداء الحق في شتى العصور اتخذوا هذا الموضوع ذريعةً للطعن في القرآن الكريم ، وتصويره على أنه كتاب إرهابي يأمر أتباعَه بقتل الناس بالطول والعَرض دون احترام لحقوق الإنسان أو مشاعر البشر . وهذه التهمة المفتقدة إلى أدنى نصيب من المنهج العلمي صارت موضة قديمة من كثرة ما تم ترديدها من قبل المستشرقين ، وصبيانهم من أبناء جِلدتنا. وبالتأكيد فهي لم تعد تنطلي إلا على بعض العوام الذين لا يملكون ثقافةً تؤهلهم لفهم الضوابط العامة للأحداث .
     ونحن لا ننكر وجود آيات قرآنية كثيرة تدعو إلى القتل ، لكن السؤال هو : ما نوعية القتل الذي تدعو إليه الآيات ؟ ، وما هو المسار التاريخي لها ؟ ، وما هي الضوابط العامة التي تحدد هذه العملية ؟. فالقتل نوعان: قتلٌ محمود، وهو الذي يستهدف المستحقين للقتل ، وهذا الهدف مسيطر عليه من قبل الكتاب والسنة الصحيحة ، وقتلٌ مذموم ، وهو الذي يستهدف معصومي الدم .
     والفرق بين القرآن الكريم من جهة ، والإنجيل والتوراة من جهة أخرى ، هو أن آيات القرآن الكريم لها أسباب نزول واضحة ، ووقائع تاريخية دقيقة . ويجب أن تُفهَم الآيات من خلالها، أمّا الإنجيل والتوراة فلا يوجد فيهما أسباب نزول تحدِّد سبب وجود هذه الآيات ، كما أن الوقائع التاريخية فيهما غير واضحة إلى أبعد حَد ومتضاربة. لذا فالآيات التي تدعو إلى القتل في الإنجيل والتوراة متضاربة وغير منضبطة، مما يجعل القتل بحد ذاته هدفاً إقصائياً للآخر قائماً على الاستكبار والاستعلاء في الأرض بغير الحق اعتماداً على غطرسة القوة المادية الواهمة ، وإبادةً جماعية تتجلى في صور العنف وترويع الأبرياء والنساء والأطفال، وتطهيراً عِرقياً مؤلماً. أما القتل في القرآن الكريم فمنضبِط تماماً بالنصوص الشرعية الثابتة، ولا مجال للخطأ في النص أبداً ، ولكن الخطأ قد يظهر في التطبيق البشري لهذه الآيات القرآنية ، وهذه ليست مشكلة القرآن الكريم ، وإنما مشكلة الأفراد الذين  أساؤوا فهم بعض الآيات، وأوّلوها لخدمة مصالحهم ، وانتزاعِ الشرعية الوهمية لأفعالهم الطائشة.
     وليكن معلوماً أن الإسلام حُجّة على الناس، والناس ليسوا حُجّةً على الإسلام. فلو رأيتَ إمام مسجد ذا سلوك سيء، فهذه مشكلته الشخصية، وليست مشكلة الإسلام . إذ إن النّص معصوم، والذين يُطبِّقونه غير معصومين ، ولا يمكن لغير المعصوم أن يتفوق على المعصوم . لذلك إن رأيتَ من يقومون بتفجيرات عبثية هنا أو هناك ، ويقومون بقتل معصومي الدم ، فاعلم أنهم مخالِفون للقرآن الكريم ، حتى لو رأيتهم يتلون بعض الآيات التي توهّموا أنها تدعو إلى ما يدعون إليه . فليس كل مَن هَبّ ودَبّ صار قادراً على تفسير القرآن الكريم ، وليس كل من يرتدي ثوباً أو يطلق لحيته أو يُصلِّي في الصف الأول صار مجتهداً قادراً على الاستنباط من كتاب الله تعالى . فالتفسير بحاجة إلى عالِم متمكن في كثير من العلوم ، ومن أهمها اللغة العربية، حتى يقدر على وضع الآيات القرآنية في موضعها اللائق . وقد قال الله تعالى:} وَلَوْ رَدوهُ إِلَى الرسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ { [ النساء : 83] .
     إذن ، الاستنباط ليس أمراً عابراً متاحاً للجميع ، بل يختص به العلماء ، فيقومون به وفق قواعد منهجية معتمدة ، وضوابط فكرية واضحة المعالم . أمّا أن يظن كل واحد أنه صار الإمام الشافعي لأنه يحفظ بعض النصوص ، فهذا غير مقبول البتة . فالإنسان الطاهر الذي يخشى الله تعالى لا يتجرأ على الخوض في تفسير كلام الله تعالى دون علم راسخ ، فالمسألة لا تحتمل أن يدليَ كل واحد برأيه دون تأصيل شرعي معتمَد ، فالدين لا يؤخذ بالرأي والخيالات والأهواء ، وإنما يؤخذ من النصوص الثابتة وفق فهم العلماء الأثبات المشهود لهم بالعِلم والورع . فهذا الدين منقول بشكل متواتر من طبقة لا طبقة ، لا يمكن أن يطرأ عليها الكذب. ومن هنا تظل المسألة مسألة تأويل الآيات القرآنية وتفسيرها ، إذ إن النص القرآني معصوم ، أمّا فهمنا للنص فغير معصوم .
     وقد قامت جهاتٌ مغرِضة بمحاولات حثيثة لتشكيك المسلمين بكتابهم المحفوظ عبر ترويج خرافة أن القرآن يدعو إلى القتل والإرهاب بعد أن فَصَلوا الآياتِ عن سياقها التاريخي ، وضوابطِها الشرعية ، وهذه الأفكار المنحرفة غير مقامة على منهجية علمية معتمَدة، فالغالبية الساحقة من المستشرقين ضعاف في اللغة العربية، ولا يملكون أهلية الاستنباط والاجتهاد والتحليل. فهم لا يقرأون القرآنَ بلغته العربية، بل يقرأون ترجماته باللغات الأخرى ، ويبنون على أوهامهم الذهنية المسبقة الصورةَ التي يريدون إسقاطها على العقيدة الإسلامية وواقع الإسلام . كما أنهم يَعتمدون آراءَ الطوائف الضالة ، ويُضخِّمون الأقوالَ الشاذة ، لمهاجمة الإسلام ومحاولة هدمه من الداخل .
     وقد استغلوا بعض التصرفات المتطرفة التي تورط بها مسلمون ليصبغوا الإسلامَ بالإرهاب ، ومن ثم انتقلوا إلى الطعن في القرآن الكريم لعلمهم أنه الكتاب الوحيد المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهذه الميزة لا تتوفر لأي كتاب آخر في العالَم .
     والذين يسعون لترويج أن القرآن يدعو إلى القتل العبثي والإرهاب ينقسمون إلى قسمين : علماء ظهرت لهم حقيقة القرآن الناصعة لكنهم أعرضوا، واتخذوا آياتِ الله وراءهم ظِهرياً، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم أنه الحق ، وجهالٌ ليس لديهم عِلْمٌ بالموضوع ، لكنهم يرددون ما يسمعونه من الآخرين دون التثبت بأنفسهم ، وهم أصلاً غير قادرين على التثبت بأنفسهم لأنهم يفتقدون إلى أدوات الباحث المتمكن المنصف . وفي كلا الحالتين علينا أن نعرض الإسلامَ عرضاً يفنِّد كل شبهات الخصوم ، ويزيل ما علق في أذهان البعض من وساوس وخيالات ، فالقلوب ضعيفة ، والشُبه خطّافة. فمسألة الطعن في القرآن الكريم قديمة جديدة ، وكل واحد ينسخ أفكارَ من سبقه ظناً منه أن يحقق فتوحات عظيمة في مجال العلم والإبداع والتحليل ! . لكن العالِم العامل بعِلمه لا يرى بواسطة أعين الناس ، بل عليه أن يرى بواسطة عينيه ليكون الحُكْمُ منصفاً وعادلاً ، فالحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوره ، كما أن الناس أعداء ما يجهلون . فبعض الغربيين الذين يقرأون التوراة والإنجيل( العهد القديم والعهد الجديد)، ويعتنقون كل ما فيهما طوال هذه المدة الزمنية الطويلة قد تشرّبوا العقائدَ الباطلة مثل عقائد التثليث والصليب والإبادة الجماعية وزنا الأنبياء وزنا المحارم ... إلخ . فهؤلاء يستيقظون على هذه العقائد وينامون عليها طوال هذه المدة الزمنية الطويلة ، وحولهم الكثيرون ممن يغذونها . وهؤلاء عندما يقول لهم القرآن إن الله واحد أحد والمسيح عبدُ الله ورسوله وليس إلهاً ولم يُصْلَبْ ، فسوف يستغربون هذا الكلام ، ويعرضون عنه ظناً منهم أنه أوهام ، وكما قال الشاعر :
قد تُنْكِرُ العَينُ ضوءَ الشمس مِن رَمَدٍ     ويُنْكِرُ الفمُ طَعْمَ الماء مِن سَقَـــمِ
     ولتجاوز هذه الإشكالية ينبغي تأصيل منهجية عمل واضحة المعالم لشرح عقائد الإسلام بالأسلوب الطيب الواضح ، وتفنيد شبهاتِ الخصوم ، ضمن منهجية علمية شرعية تعتمد على النقل والعقل . وهذه مهمة ليست سهلة البتة لأنها تهدف إلى انتشال غريق ظَلّ يغرق طوال حياته ، ويعشق غرقَه ، ويعتقد أن غرقه هو النجاة التي لا محيص عنها . وبالتالي فلا بد من منهجية شاملة ومتكاملة ودقيقة لتوضيح عقائد الإسلام في ظل هذه الهجمة الشعواء عليه ، لأنه الوحيد القادر على إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، وهذه النقطة الجوهرية تُشكِّل خطراً على الطواغيت الذين ألّهوا أنفسهم ، وحقّقوا مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية على حساب استغلال الإنسان وحقنه بالخرافات . وعِلْيةُ القوم هؤلاء سيخافون من فقدان مناصبهم وامتيازاتهم الدنيوية لذلك سيحاربون الشمسَ بكل ما فيه عروقهم من خفافيش ، ولكن الله غالبٌ على أمره ، شاء من شاء ، وأبى من أبى . وصدق الله إذ يقول : } إِن الذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدوا عَنْ سَبيِلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُم تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُم يُغْلَبُونَ وَالذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنمَ يُحْشَرُونَ { [ الأنقال : 36 ] .
     إن احترام النفس الإنسانية واضح في الشريعة الإسلامية ، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ، فقد قال الله تعالى : } إِني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً { [ البقرة : 30] . وعليه فقد تكفّل الإسلام بالدفاع عن الإنسان ، وحمى هذا الكيان من كل ما قد يمس به من سوء ، لذا فمن مقاصد الشريعة الرئيسية حفظ النّفْس ، لأن الإنسان إذا انتهى فلن يقوم أحدٌ بتحقيق مفهوم الخلافة الإلهية في الأرض .
     وهذا يعكس أهمية الإنسان بوصفه الكائن الكريم عند الله تعالى ، وبالتالي فأي مساس به يُعتبَر عملاً مرفوضاً ومذموماً في الشريعة . قال الله تعالى : } مَن قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنما قَتَلَ الناسَ جَمِيعَاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنما أَحْيَا الناسَ جَمِيعَاً { [ المائدة : 32] . وهذه الآية توضح مكانة النّفْسِ البشرية واحترامِها بشكل عام دون تخصيصها بمسلم أو بكافر ، والعِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . كما أن النّفْس الإنسانية داخلة في ذِمة الله وحِفظه ، إذ إنه سبحانه حرّم قتلَها دون وجه حق ، وهذا التحريم يهدف إلى منح هذه اللطيفة الرحمانية وهي النّفْس حرية الانطلاق والإبداع وعمارة الأرض دون ضغوطات خارجية، أو تهديدات من أي طرف تعيق النمو الوجداني والواقعي لهذا الكيان الإنساني النبيل ، فقال اللهُ تعالى : } وَلا تَقْتُلُوا النفْسَ التِي حَرم اللهُ إِلا بِالْحَق {[الأنعام: 151] .
     إذن ، فإن الحياة الشمولية للفرد إنما تسير في ظل حمايةٍ إلهية واضحة في النصوص ، وهذا يؤدي إلى أن يسير الإنسانُ في طريقه بكل أمان عالِماً بأنه محمي ، فالخوف إذا سيطر على الفرد أدى إلى سقوطه في فخ الشلل المعنوي فلا يعود قادراً على الإبداع والتفكير وعمارة الأرض. ومن الأهمية بمكان أن يحصل الإنسان على شرعية وجوده معتمداً على احترام الآخرين له ولحياته وكل ما يتعلق به . لذلك جاء الإرشاد الإلهي للإنسان بأن يكف عن ممارسة حماقاته ، خصوصاً عمليات القتل غير المشروع التي كانت تُمارَس مِن قِبَل أهل الجاهلية ، والمتمثلة في وأد البنات . وقد وضع اللهُ تعالى الأمورَ في نصابها الصحيح لكي يتم تعديل مسار الإنسان الذي استمرأ القتلَ العبثي المنهجي، فقال تعالى: } قَدْ خَسِرَ الذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عِلْمٍ { [الأنعام : 140]. وقد نعى الله تعالى على أولئك الذين يمارسون هذا القتل السفيه العبثي ، فهل يُعْقَل أن يأمر القرآن الكريم _ الذي هو كلامُ اللهِ _ بالقتل العبثي الذي ذمّه في أكثر من موضع ؟! .
     ويقودنا الحديث إلى مسألة رحمة الله بعباده . وكل ما سِوى الله هو عبدٌ لله ، فالله أرحم بالطفل من أُمِّه، وأرحم بالإنسان مِن نَفْسه . والإنسان قد استمرأ القتلَ الفوضوي حتى بحق نفسه، وكأن هذا المخلوق يسير ضد مصلحته الشخصية ، وضد مسار شرعية وجوده . فقال الله تعالى : } وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِن اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً { [ النساء : 29] . فالذي اتخذ القتلَ وسيلةً للابتزاز والترويع هو الإنسان بسبب سلوكه الطائش ، وعدوانيةِ أنظمة تواجده في هذا العالَم ، لكن الأنانيةَ المعرفية تظل حجر عثرة في طريقه ، لا سيما أن طمعه وعشقه للسيطرة على كل شيء أدّى به إلى الاستمتاع بالقتل لكي يزيل كل الذين يهدِّدون شرعيةَ وجوده _ حسب ظنه_ من طريقه. فالإنسان هو الذي يتحمل مسؤوليةَ أفعاله، وتبعاتِ القتل العبثي الذي يقوم به هنا وهناك ، وهذه المشكلة ليست مشكلةَ القرآن، لأنه حدّد الضوابطَ الشرعية للتعامل مع الذات الإنسانية ، وحمى الوجودَ الإنساني ، وأمر بعدم الإساءة إلى هذا الكيان ، ورتّب على كل إساءة خطيئةً كبرى لكي يرتدع من يرتدع ، أمّا مَن أعرض عن هذا المنهج فهو الحامل لوِزْر هذه الخطيئة أمام الله ، وأمام الناس. وعلى الناس أن تفصل بين السلوك البشري غير المعصوم المنعكس عن شخصية صاحبه ، وبين النص القرآني المعصوم الذي لا يتحمل مسؤوليةَ سوء تطبيقه مِن قِبَل بعض الأفراد .
     والإشكاليةُ الحقيقية التي يُكرِّسها البعضُ بصورة مغرضة هي تعمد اتخاذ السلوك السيئ لبعض الأفراد حُجّةً على القرآن الكريم. ومن شأن هذا الخلط غير المنطقي تطبيقُ تصرفات غير المعصوم على المعصوم ، فتختلط الفهومُ القاصرة في الأذهان ، مما يؤدي إلى فوضى في منهجية التعامل مع الدين الإسلامي، ووصفه بأوصاف بعض الذين يعتنقونه ، ولا يُحسِنون فهمه أو عَرْضه. وللأسف فهذه الحفنة المحصورة تقوم بنقله إلى منحى آخر بفضل سوء فهمهم، وفوضى تأويلاتهم، وتداخل مصالحهم الذاتية وأهوائهم المتضاربة التي يحاولون فرضها على مسار النص ، ووضعية سياقه المعرفي التاريخي.وقد يكونون مُخلِصين لكنّ الوُجهة التي اختاروها خاطئة. وكَم مِن مُريد للخير لن يُصيبه. وهؤلاء الفئةُ لا يسعون إلى طلب العلم والنصيحة ظناً منهم أنهم على الحق المطْلَق، وغيرهم على الباطل المطْلَق . أو أنهم العلماء الذين لم يأتِ مثلهم ، أما الآخرون فمجموعة من الجهال وعلماء السلاطين . وهم بذلك يشذون عن الأمة، ويتحملون كامل المسؤولية أمام الله تعالى ، ولن تنفعهم نيتهم الصالحة على فرض التسليم بصلاحها، لأن النية الصالحة لا تُصلِح العملَ الفاسد .
     وعدم امتلاكهم لأدوات منهجية الاجتهاد والاستنباط جعل منهم خوارج أو قريبين من الفكر الخوارجي . وقد ورد التحذير من هؤلاء ، فقد روى البخاري في صحيحه ( 3/ 1321 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يأتي في آخر الزمان قومٌ حُدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم )).
     وقد يظن البعض أن القرآن الكريم وضّح أهميةَ المسلم فَحَسْب، وحمى وجودَه الشرعي من كل سوء ، أمّا الكافر فهو حلال الدم في كل الأحوال . وهذه النظرة قاصرة تماماً ، وتخلو من المنطق الفكري ، والبحثِ الدقيق المنصِف . فالقرآنُ كتابُ اللهِ الناسخُ لما قَبْله ، والشاملُ لكل شيء . لم يأت لفئة دون أخرى، بل جاء للإنس والجن ، مسلمهم وكافرهم. فقد أوجد حلولاً للبشرية جمعاء ، ولم ينصف المسلمين على حساب الكافرين أو العكس ، بل أنصف الإنسان كإنسان ، فمدح المسلمَ ، وذمّ الكافرَ ، مع منح حرية الاختيار للإنسان كي يمشيَ في الطريق الذي يناسبه ، طريقِ الإيمان الذي يقود إلى رضا الله والجنة، أو طريق الكفر الذي يقود إلى غضب الله والنارِ، دون إكراه أو قَمع أو إجبار. والدليلُ العملي الملموس وجود أهل الكتاب الذين يعيشون في العالم العربي والإسلامي حتى اليوم الحالي . ولو كان الإسلامُ يَدعو إلى قتل المخالِف في العقيدة فلماذا لم نقم بقتلهم وجعل العالَم الإسلامي من فئة واحدة فقط وهي المسلمون ؟ ، مع أنه كان بمقدرونا قتلهم في زمن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وسيادتها على العالَم روحياً ومادياً ، وما كان أحد يستطيع أن يردعنا في تلك المرحلة التي كنّا فيها الأمة الأولى عالمياً في كل المجالات ، ولا يقدر أحد أن يناقشنا فيما نفعل في تلك المرحلة . ومع هذا فالإسلام لم يستغل ضعفَ الآخرين ليبتزهم ويُجهِز عليهم ويبنيَ مجده على جماجمهم . وقد قال اللهُ تعالى : } لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَروهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِن اللهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ. إِنما يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلوْهُمْ وَمَن يَتَوَلهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ { [ الممتحَنة : 8و9]. فهاتان الآيتان الشريفتان دستورٌ متكامل قبل أن يخترعوا ما يسمى بالأمم المتحدة. فينبغي التمييز بين صنفين: الكافر المحارِب ، وهذا مهدور الدم أينما وُجِد في هذا العالَم ، والكافر غير المحارِب ، وهذ الصنف نَبَرّه ونحسن إليه ونقيم معه علاقات طبيعية جداً بحُكم الأخوة البشرية . وهذه هي العدالة المطْلَقة في القرآن .
     وهذه المقالة العلمية تلقي الضوءَ على واحدة من المسائل الهامة التي يتخذها البعض مطعناً في القرآن الكريم ، وقد حاولتُ قَدْر المستطاع وضع الآياتِ القرآنية الشريفة في سياقها التاريخي الدقيق ، وتوضيح معناها وضوابطها وشروط تطبيقها لإزالة أي لبس قد يعلق في الأذهان ، ومحو أي فكرة سيئة علقت في البال جراء هذه الحملة الشعواء من كل الجهات .
     وقد حدّدتُ الآيات التي تتحدث عن موضوع القتل ومشتقاته،  وقمتُ بالإسهام بتفسيرها اعتماداً على أمهات الكتب المعتمدة في التفسير وغيره ، مع إسهاماتي الشخصية البسيطة في الموضوع ، وما توصلتُ إليه واخترتُه .
***
} فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ {
[ البقرة : 54 ]
     هذه الآية الشريفة وَردت على لسان النبي موسى صلى الله عليه وسلم مخاطِباً بني إسرائيل صلى الله عليه وسلم ، إذ إنهم ارتدوا فعبدوا العجلَ ، فكان الأمر الإلهي بأن يقوموا بقتل بعضهم البعض . وقد تنشأ إشكالية في أذهان البعض كيف يأمر اللهُ بأن يقتلوا بعضهم بعضاً ؟ ، وهل الله تعالى يدعو إلى قتل الناس والإبادة الجماعية ؟ ، حاشى وكلا . إن المرتد خائن خيانة عظمى ، وبالتالي يجب تطهير المجتمع الصالح منه حتى تستقيم حالُ البقية. فلو كان أحد أعضاء الإنسان مصاباً بمرض سوف يسري إلى باقي الجسم، فإنه يتم قطعه لكي تستمر حياة الإنسان ، فهل الطبيب الذي قام بقطعه مجرماً لأنه تخلّص من عضو إنسان ؟ ، بالطبع لا . وفي بعض الحالات ومنها حالة الرِّدة يجب أن يُقتَل المرتد لئلا تتسرب ردته إلى جسد المجتمع فيضيع المجتمع بأسره، لذلك أمر الله تعالى بأن يقتلوا بعضهم البعض، وبالتالي فقد كانت توبةً للجميع للمقتول والقاتل ، لأن هذا أمرٌ إلهي تطهيري للمجتمع من العناصر الفاسدة كي يحافظ مجتمع بني إسرائيل على تماسكه في تلك المرحلة، ويترسخ الإيمان أكثر فأكثر بعد زوال الشكوك المتمثلة في الانحرافات العَقدية البشرية .  كما أن هذا الفعل اختبار إلهي عظيم لأناس ارتكبوا أسوأ خطيئة على الإطلاق وهي الكفر ، لذا جاءت عملية التطهير شديدة ، مثل الذّهب الذي لا نحصل عليه إلا بالنار واللهب .
     قال الطبري في تفسيره ( 1/ 325) : (( ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابةِ إلى الله من ردتهم بالتوبة إليه والتسليم لطاعته فيما أمرهم به وأخبرهم أن توبتهم من الذنْب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم )) .
     نلاحظ حرصَ النبي موسى صلى الله عليه وسلم على إنقاذ قومه من كُفرهم، وانتشالهم من مستنقع الخطيئة . وقد أبلغهم أن طريقَ التوبة هو قتل أنفسهم لتحصل عمليةُ التطهر والتطهير . وهذه العمليةُ طَوْقُ نجاةٍ للقاتل والمقتول على حَد سَواء .
     وروى الطبري في تفسيره ( 1/ 325 ) عن الزهري وقتادة : (( قاموا صفين فقتل بعضُهم بعضاً حتى قِيل لهم كُفوا . وقال قتادة : كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي )) اهـ .
} وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا {
[ البقرة : 190]
     أمّا عن سبب نزول هذه الآية فقد روى السيوطي بإسناده في لباب النقول ( 1/ 137 ) عن ابن عباس_ رضي الله عنهما_قال: (( نزلت هذه الآية في صلح الحديبية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَما صُد عن البيت ، ثم صالحه المشركون على أن يَرجع عامه القابل، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعُمرة القضاء ، وخافوا أن لا تفيَ قريش بذلك ، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم ، وكرهَ أصحابُه قتالَهم في الشهر الحرام ، فأنزل اللهُ ذلك )) اهـ .
     إن المشركين لا عهد لهم ولا أمان . ولطالما نَكثوا عهودَهم ، وبدّلوا كلامَهم . وقد خاف الصحابةُ ألا تفيَ قُرَيْش ( رأس التشريع الوثني ) بعهدها ، كما خافوا أن يقوم المشركون بصد المسلمين عن المسجد الحرام وقتالهم . وهذا كله سَبّب ضِيقاً في نفوس الصحابة الذين كرهوا القتالَ في تلك اللحظة ، ليس بسبب الضعف أو العجز أو الخوف. وإنما بسبب الشهر الحرام الذي يَحرم فيه القتالُ . فقد كرهوا قتالَ المشركين تعظيماً لِحُرمة الشهر الحرام .
     وقال الطبري في تفسيره ( 2/ 195 ) : (( اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية ، فقال بعضهم : هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك. وقالوا : أُمر فيها المسلمون بقتال مَن قاتلهم من المشركين ، والكف عَمن كَف عنهم ، ثم نُسخت ببراءة )) اهـ .
     تتضمن الآيةُ أمراً إلهياً بقتال المشركين ، ولكنْ ليس كل المشركين . وإنما قتالُ المشركين الذين يُقاتِلون المسلمين . أمّا المشركون المسالِمون فقد تم إخراجهم من دائرة القتال . ولا يجوز الاعتداءُ على الأبرياء الذين ليس لهم ناقة ولا جَمل في أمر القتال . إذن ، فالقتالُ في هذه الآية عبارة عن رد فعل ، وليس فِعلاً . إنه قتالٌ دفاعي لا قتال هجومي .
     وروى الطبري بإسناده في تفسيره ( 2/ 195 ) : (( قال ابن زيد في قوله : } وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا { . قال: قد نُسخ هذا، وقرأ قولَ الله: } وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافةً { [ التوبة: 36] ، وهذه الناسخة . وقرأ : } بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ {  [ التوبة: 1] ، حتى بلغَ } فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتموهُمْ ... {  [ التوبة: 5] . وقال آخرون : بل ذلك أمرٌ مِن الله _ تعالى ذِكره _ للمسلمين بقتال الكفار لم يُنسَخ ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه هو نهيه عن قتل النساء والذراري . قالوا : والنهي عن قتلهم ثابت حُكمه اليوم. قالوا: فلا شيء نُسخ مِن حُكم هذه الآية )) اهـ .     
     وفي كتاب الأم للإمام الشافعي ( 4/ 220 ) : (( فقال عز وجل : } وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِن اللهَ لا يُحِب الْمُعْتَدِينَ {[ البقرة :190] ثم } وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ { [ البقرة : 191] ... قال الشافعي رحمه الله تعالى : يُقال : نزل هذا في أهل مكة وهم كانوا أشد العدو على المسلمين، وفُرض عليهم في قتالهم ما ذَكَرَ اللهُ _ عز وجل _، ثم يقال : نُسخ هذا كله والنهي عن القتال حتى يقاتلوا، والنهي عن القتال في الشهر الحرام بقول الله عز وجل : } وَقَاتِلُوهُمْ حَتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ { الآية [ البقرة: 193] ، ونزول هذه الآية بعد فرض الجهاد ، وهي موضوعة في موضعها )) اهـ .
     من الواضح من سياق الآية الشريفة } وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا {     [ البقرة : 190] أن القتال في هذه الآية ضمن ثلاث نقاط مركزية ومحورية . الأولى : إن القتال يجب أن يكون في سبيل الله تعالى، وليس في سبيل مصالح الناس وأهدافهم الذاتية الآنية ، وليس من أجل استعباد الآخرين وسحقهم وابتزازهم وسرقتهم ، والثانية : إن القتال ضد المشركين الذين يقاتلون المسلمين فقط، ولا يجوز البدءُ بقتالهم . وفي هذه الحالة يكونُ القتالُ رَدّ فعلٍ لا فِعلاً ابتدائياً. والثالثة: عدم الاعتداء والتمادي والتجاوز، فالهدف هو رد العدوان فقط.

     ونحن لا نعتقد بأن الآية منسوخة ، لأنها آية مُحكَمة وقاعدة عامة تأصيلية شاملة لا يُمكِن أن تُنسَخ مُطْلقاً. أمّا الذين يَعتقدون بنسخها معتمدين على آيات أخرى في القتال ، فكل حالة لها وضعها الخاص بها ، وكل الآيات تُجمَع معاً دون تعارض يقتضي اعتقادَ النسخ . إذ إن كل آية تتحدث عن حالة خاصة بعينها لا تتعدى إلى حالة أخرى . ومن غير المنطقي أن نخلط بين أحكام الآيات ، لأن كل حُكْم قادم لعلاج وضعية معينة ، واستئصالِ كل القيم السلبية فيها عبر الوسيلة الأكثر نجاعة في هذه النقطة المسيطَر عليها مِن قِبَل الْحُكم الرباني الشرعي. ولا يخفى أن القاعدة الشرعية التأصيلية هي تقديم الجمع والتوفيق بين النصوص الشرعية قبل الذهاب إلى النّسخ أو الترجيح .

01‏/01‏/2014

مدخل إلى علم اجتماع القصيدة

مدخل إلى علم اجتماع القصيدة

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد .

.....................

     إن ولادة الكلمات الثورية في النص القصائدي تتم بواسطة زرع ثورة اللفظة والمعنى في أرجاء النص عن طريق بناء تكوينات فلسفية مبتكرة ومدهشة وصادمة للمألوف ، وهذا يتحقق في نفسية الشاعر الثوري أولاً ثم يهبط على النتاج الأدبي الشِّعري .
     وهذه الولادة المتفجرة لها تشكيلان :
     الأول _ تشكيلٌ بصري فاقع لامتلاكه عناصر الرؤية الفنية التي تُختصَر في صدمة الصورة المتخيَّلة التي تهز الواقع هزاً ، وتُفرغه من محتواه السلبي لصالح الصورة الفنية الساطعة التي تملأ نفسية الصانع والمتلقي على السواء .
     والثاني _ تكوين سمعي يهز أركان المتلقي من أجل حشده بالقيم النبيلة المطْلقة . فالعنصر السمعي موسيقى داخلية تنبع بالأساس من الصورة المتفردة ، ولا ضير أن تنبع من الأوزان الشِّعرية، لكن الأولوية للصورة المتدفقة التي يجب أن تأخذ مسارها الماحي الهادر دون حواجز لغوية أو أوزان قد تعيق التصوير الصادم ذا المعاني المبتكَرة . فالموسيقى تهز الإنسان حتى لو لم يفهمها ، فزقزقة العصافير _ على سبيل المثال _ تثير الخيال ، وتهز الأحلام ، وتحرِّك ثوريةَ العاطفة ، دون أن يفهمها المتلقي ، وقد تصل القصيدةُ _ أحياناً _ إلى هذا الطَوْر .
     والولادة الشعرية إنما تأتي بعد مخاض عسير بالغ التعقيد ، لأن الشِّعرَ صوتٌ لا صدى ، والكلامَ مجتمعٌ قائم بذاته له أركانه الاستقلالية الانقلابية . الاستقلاليةُ هي شرعية النص الشاسع الثائر، والانقلابية قدرةٌ مخيالية     ( خيالية مكثَّفة ومكثِّفة ) على قلب الواقع المادي ، وتحويله إلى معانٍ مطْلقة جمالية بُغية عَقْلنةِ المعنى ( جعله عقلانياً واضحاً في أساليب تشريح البنية الزمكانية[ الزمانية _ المكانية ] )، ووَقْعنةِ الخيال ( جعله واقعياً مُرادِفاً للوجود النظري لعوالم الإنسان غير المنظور ) .
     ولا بد أن يكون الشِّعرُ نبيلاً شريفاً طاهراً لا يُهادِن ولا يُساوِم ، ومع هذا فالقصيدة ليست خُطبة الجمعة أو نصاً دينياً مقدَّساً ، بل هي إسهام بشري يلهث وراء الكمال ، وفي طريقه يستلهم الجمال ، ويهز المجتمع البشري بصورة متوازنة بلا إفراط ولا تفريط ، فلا تشاؤم موغل في اليأس والعدمية والسوداوية، ولا تفاؤل مخدِّر يَخدع الإنسانَ العائش في المكان الصعب والزمان الصعب.
     ووظيفةُ الشِّعر هي العثور على الربيع داخل تفاصيل الخريف ، لأن الكلمات أقوى مجتمع قد يصل إليه إدراكات العقل البشري المادية والمعنوية . وللحصول على استقلالية انقلابية معقولة ينبغي أن يتحلى النص الشِّعري بحُكم ذاتي لا يخضع للابتزاز أو السمسرة ، وإنما يستند إلى شرعيةِ الرؤية المتفردة ، وسياسةِ المنحى الشِّعري ، وإمكانيةِ تحصيل إبداع فذ في أكثر الأماكن حصاراً وفقراً من الناحية الجمالية المخيالية .   
     إن الانطباع المنحوت في رئة التشكيل البصمعي ( البصري _ السمعي ) يكون حقيقياً إذا وُظِّف ضد أيديولوجية الخوف والانهيار القِيَمي ، والسبب في ذلك يعود إلى تفرد العاطفة الجياشة المعقلَنة ( المحسوبة بعقلانية ) في مسارها نحو نظرية اجتماعية مبنية على النَّص الخلاق، وهذا البِناءُ يقودنا إلى ابتكار نظام لغوي قائم على الوجود الإنساني . والفعلُ الاجتماعي الكلماتي هو ذاتيةُ الطبيعة الكيانية للمعنى اللفظي ، وبنائيةُ الوجود المعرفي للتصادم الفكري الخلاق .
     الشِّعرُ ليس مهنةً ، وإنما هو حياة مصنوعة بعناية فائقة ، تقوم على ردم الهوة السحيقة بين التجمعات الخيالية . وهذه العمليةُ مهمة جداً لمنع السالب المعرفي من الزحف باتجاه الموجب الشِّعري، ومنعِ بناء الخيال اللغوي من أجل الخيال. وهكذا تَنهار فرضية" الأدب من أجل الأدب". وهذه الفرضية الواهيةُ لا تناسب العصورَ البدائيةَ ، فما بالك بعصرنا الذي بلغ أقصى درجات التعقيد والتركيب ؟! .
     وسوسيولوجيا القصيدةِ تركيبٌ ذهني منقوع في ماء الثورة ، لأن الثورة النَّصية قادرة على وضع الكلمة في أقصى مداها، وبالتالي الحصول على تراكيب وقيم من أجل رحيق استثنائي مُسيَّس داخل البنيان الشِّعري . وبذلك يكون الشِّعر موقفاً سياسياً انقلابياً مستقلاً بذاته .
     إننا أمام دراسة حداثية رمزية، يكون فيها النصُّ شكلاً للتمرد والرفض . التمردُ على المعطيات الجاهزة التي يخترعها عَرَّابو سُلطة الهيمنة المصلحية ، ورفضُ القوالب الخانقة للتحرر الذهني والتحريرِ الجسدي . والتمرد والرفض وجهان لعُملة واحدة اسمها القصيدة ، لا تُصرَف إلا في المعركة الذهنية الواقعية ، لأن الكلمات سيوف ، إما أن تشعلك حماساً ، وإما أن تقتلك . صحيحٌ أن القصيدة قد تَقتل لكنها تعيدك إلى عوالم الحياة المحلِّقة فوق حواجز الوهم والخديعة والخيانة .
     إن القصيدة تؤسس لنزعة العنفوان الشِّعري الصِّدامي من أجل تسهيل مهمة الأبجدية في القيام بعملية تطهير كَوْني شامل . فالتجمعات الذهنية الموغلة في التثوير ( حقن العناصر بالثورة ) ، ما هي إلا بنية فلسفية أحادية تستمد شرعيتها من الجماعة، من الأحلام المسروقة ، والآمالِ البعيدة .
     والجديرُ بالذِّكر أن فلسفة المنظور الشعري تؤسِّس وعياً وتُلغي آخر . تؤسس الوعي الذي يمتلك رحيق استمراريته ، وتلغي الوعي السلبي اللاجئ إلى عزلة الظلال غير المنظورة .
     والمجتمعاتُ المتمركزة في قلب الطبيعة العقلانية للكلمة المنطلقة هي حالة ماورائية ، أي إنها تتركز في ماوراء الرؤية ذات الخصائص الرمزية . كما أن علاقات صناعة الشعر متصارعة ومتضافرة في آن معاً ، بسبب قوة الحسم الذهني ، وتأجيجِ الصور الفنية .
     وتتجذر الفلسفةُ الشِّعرية كبقع ضوئية تحفر جِلْدَ الشاعر لتجعل منه مجتمعاً قائماً بذاته في مواجهة مجتمعه البشري. وهذه المواجهة لا تتضمن بالضرورة ازدراء الآخر الذي يعيش في تكوينك الداخلي ، لأن الآخر في مجتمعك الجواني هو أنتَ .
     ومن أجل تجنب كل هلامية مغرقة في جسمها الأحادي، نقذف أنفسنا مباشرة في تأييد التثوير المنطقي العقلاني المؤمن بالقضية الشِّعرية كمدخل لفهم القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالحالة المعاشة في الصفة الوراثية للكلمة تقودنا إلى الاعتراف بحتمية التغيير الشامل ضمن نظام غير عبثي يناوئ سوسيولوجيا الفراغ .
     للرؤيةِ دورٌ يلعبه كل القاطنين في تفاصيلها. فالإسهام الخلاق في تجذير المحتوى الواعي لحالات الإحساس المتدفق ، ما هو إلا مدى آخر لرؤية منضبطة واعية تجمع بين المحتوى المعنوي واللفظة المعبِّرة عنه . وهذه الديناميكية الحركية الثورية تصب في خانة الإحساس بالوعي الملتصق بمقدِّماته ومبرِّراته .
     وتباينُ الممارسات الواعية ضمن إطار الكُل هو الذي يُشرعن أهميةَ الجزء وجدواه ، أي يُعطيه الشرعيةَ والوجودَ الرسمي . فالنص يُشرعن جنسَه المبتكَر ويعطيه المصداقية والغطاء الفلسفي والأخلاقي، لأن الكلمة الشعرية تمرد على الأحكامِ الجاهزة ، والفرضياتِ المعلَّبة ، والمسلَّماتِ المحنَّطة في قارورة التقليد .
     إن تعويم المصطلحات الفكرية في بُنية السَّبك الشِّعري يتعارض جملة وتفصيلاً مع شيوع نظريات الأنا الشخصية الجمعية . علينا أن نضرب في العُمق ، عمقِ الرؤية المنطوية على مشروع يتجاوز الصورَ الفنية التقليدية التي تم استهلاكها بصورة مثيرة للغثيان . ومن هنا تنبثق فكرة التكيف مع فكرة برهنة المعقولات الخيالية ، لأن الضرب في سطوح المعرفة دون الغوص في صياغة خطاب فلسفي حداثي رمزي ذي رؤية كونية شاملة ، يؤدي حتماً إلى حالة اللاوعي السلبي ، ويضع القصيدةَ التي هي بالأساس صورة ماورائية الملموس في اتجاه معاكس للقيم الجمالية المطْلقة.
     لكن سؤالاً قد يبزغ في الأفق يثيرنا بحماس وهو : كيف يمكن صناعة مخيال وظيفي قائم على امتداد رؤية الشاعر ؟ . إن هذا السؤال المركَّب ليس سهلاً على الإطلاق ، فالشاعر رؤيةٌ . وهنا يظهر سؤال وليد غاية في الأهمية : كيف يمكن للرؤية الشِّعرية أن تَصدر عن الشاعر الرؤية ؟ .
     فنقول باختصار إن التحولات التي تضيء للشاعر طريقه الأدبي المتفرد هي ذاتها التي توفِّر له مناخاتٍ من العمل الدؤوب بُغية توليد معطيات شعورية واعية . وتكمن أهميةُ هذه العملية في قدرتها على تشخيص نماذج محسوسة فعالة تتيح تحويل الذهن إلى واقع . وهكذا يتم الربطُ بين الحياة الذهنية والخيالِ الواقعي المتشكِّل على صورة رؤى تحفر جغرافيا القصيدة في صوت الزمكان ( الزمان _ المكان ) .
     وفي مقابل التحولات الجذرية ، تظهر تضاريس جديدة للحالة الشِّعرية بعيدة عن التنميط والأدلجة التي تحقن النص بفلسفات وافدة ومناهج دخيلة . وهذه الأنماطُ السلبية لا تعيق النمو الطبيعي للمشروع الأدبي البؤري فحسب ، بل تُسرطنه تمهيداً لوأده التدريجي المأساوي .
     إن التثوير الأفقي هو البنية التحتية للقصيدة ( الحلم والمعنى ) ، أما التثوير العمودي فهو البنية الفوقية      ( الثورة وقلب أنظمة الحكم الاجتماعية الركيكة ) . وهاتان البُنيتان إنما تَكونان داخل المنظور السيكولوجي للأداء الكلامي الصاعق . وتتميز المعاييرُ الاجتماعية بتكوينات نظامية تزاوج بين المدلول ( الهدف ) والدلالة    ( الوسيلة ) .
     والسُّلطة التقليدية التي يتبناها الناسخون المقلِّدون ، والنابعة من سُلطة الموروث الشاذ عن مسار المنهجية العلمية ، ليست بأكثر من سُلطة وهمية قائمة على نفي نفسها ، إذ إنها تؤسس مشروعها اللامشروع على أنقاض مشروعها ، وهكذا فهي تدور في حلقة مفرغة قاتمة تناوئ القدرةَ العقلانية على البحث والتجريب والتمحيص .
     إن هؤلاء المقلِّدين يفترضون نظاماً هلامياً يتمتع بالدوام والاستمرارية ظناً منهم أن فيه قوةً مركزية تمده بالطاقة اللازمة لحركته وامتداده ، وهذا وهم شرس لأن الأنظمة النَّصية متغيرة تبعاً لقوة الروح التي تحدد شكل المادة في المجتمعات الشِّعرية ، وهذه النقطة مسمار عميق في نعش الفكر المحجوب عن التثوير والتنوير ، والمستند إلى أيديولوجية إقصائية للقيم المطْلقة تنفي نفسها بصورة مثيرة للسخرية والضحك، إذ إن اعتماده على الجدلية الآلية قتلَ روحَ الشاعر، فأضحى الشِّعر مجرد خطاب أيديولوجي ركيك بمثابة منشور حزبي فاقد المشروع والمشروعية والشرعية لأنه يقتل الروحَ قتلاً متواصلاً ، والشاعر هو روحٌ تُسيِّر المادةَ ، ورؤيةٌ تضع الأرضيةَ الصلبة والأساسَ المتين للجملة الشِّعرية الثورية الانقلابية .
     والثقافةُ القائمة على تدعيم كينونة المعنى الانقلابي يجب أن تتحلى بليونة صارمة تزاوج بين أقلمة النظرية مع المشروعية ، وبين تحليل المماثَلة البؤرية للمشروع . [ لا بد من صناعة مسار التأقلم ( الأقلمة ) بين عناصر الفكر الشِّعري ( النظرية المعرفية للفكر القصائدي . شرعية وجود القصيدة كحل وجودي . مشروعية التغيير المجتمعي المستند إلى المعرفة لا الارتجال ) ، لأن هذا التأقلم يتيح الفرصة للتشابك المصيري مع تحليل المماثَلة البؤرية للمشروع ( تحليل مراكز البؤر الفكرية المتقابلة والمتوازية والمتقاطعة داخل رحم المشروع الفكري الخلاصي ) ] .
     والقدرة على تحويل النص إلى حياة خارج نطاق الحياة الواقعية لا تتأتى إلا بتكوين خطاب واضح المعالم والخصائص عن الحالة الذهنية المعاشة في القصيدة. ونحن لا نريد الانصياع لمسلَّمات افتراضية لا توجد إلا في الأذهان المرتبكة . فالحالة الطبيعية المؤسَّسة على شرعنة احتلال الكلمة للكلمة هالة رخامية ينبغي صقلها بالغضب الثوري والحزن الموصل إلى الفرح ، لأن الحزن المنهجي جزء من سعادة المنحى الثوري في سوسيولوجيا النظرة الأدبية .
     وإذا لم نُجذِّر المشهدَ الثقافي في بؤرة الحدث الاجتماعي المكوَّنِ من إنتاجية الدلالة وتوجيهِ المدلول ، فلن نحصل على ظروف ملائمة لولادة تشكيل بصري سمعي هادر، يهز المجتمعَ الإنسانَ هزاً يوفِّق بين الرفق والعنف. فترسيخُ الصعق كثقافة لا يعني الكراهية ، بل هو محاولة حثيثة لإعادة الأنساق الميتة إلى الحياة . 
     ولا بد من البحث عن استدلالات قصائدية تقوم بعملية تجزئة الكَم إلى أنواع متشظية ، وتتعامل مع النوع ككتلة كَمِّية تستشرف المستقبل بكل أبعاده ، ليس بوصفه سلعة ، وإنما بوصفه شكلاً لشرعية الاستمرارية خارج هيمنة الأيديولوجيات المنحرفة ، والتي تفتقد إلى الحد الأدنى من المصداقية والصحة .
     والذين يتبنون فلسفات الوهم نتاجٌ طبيعي للتخلف الشامل . والوهمُ المؤَدْلَجُ نتيجةٌ حتمية لتجاهلِ رمزية الحضارة المعرفية ، واللهاثِ وراء سراب حضارات وأد الإبداع ، وتحويلِ الإنسانية إلى صيغة كَمِّية سِلَعية .
     إننا نقوم بدعم النظام الشرعي في كيان القصيدة من أجل تسييس المعطى الواعي ، وترسيخِ التحليلات السلطوية ذات الامتدادات المعرفية المتفجرة . ومن غير السهل إنضاج المعرفية المكانية بدون الاستناد إلى معرفة زمانية وثابة . فالطرائقُ الجديدة المستعملة في صياغة سياسة الشِّعر هي ذاتها المستعملة في تشكيل الممارَسة الثقافية الهادفة إلى عسكرة الكلام لغوياً . فالقصيدةُ _ أولاً وأخيراً _ هي انقلاب عسكري رمزي . 
     الشاعرُ صرخةُ الأزمنة . حين يَنْزِل من بطن أمه تتلقفه الحياةُ وليس الدنيا. حليبُ أمه مرحلة لاكتشاف الآخر الحميم . يختلط توهجه بالانطفاء ، وجرحه بالسُّكَّر المبتسم . إنما هو كلهب الشمعة لا الشمعة. لأنك قد تستبدل شمعةً بشمعة ، أما الشاعر فلا يمكن استبداله بأي شاعرٍ آخر.
     هل نحتاج إلى صرخةٍ تستفز عصرنا ؟ . نعمْ ، ولكن الضجيج لا يجدي . علينا أن نفهم الصرخة كمحاولة رفضٍ للخطأ والخطيئة . وبالتالي فهناك صامتون يجسدون الصراخ أكثر ممن يرفعون أصواتهم بالشعارات التي لا تجاوز حناجرهم. الصمت والنطق مهمان . أن تصمت يعني أنك تتأمل ، بل تبحث عن الكلمة المناسبة، عن موعد التفجير. أمَّا الصمتُ المنبثق من التخاذل والجُبن فهو مرفوض _ جُملةً وتفصيلاً _ .
     إن الشِّعر قوةٌ غائبةٌ حتى عن نفسية الشاعر ووجدانه . فمن يقرأ شعراً يظنه حروفاً وكلماتٍ متناسقة فقط، لذلك تتحقق المتعة وتنتهي سريعاً . لا بد من تحويل المنظومة الشعرية إلى صاعقة ، بدون استعراض العضلات الأدبية ، وإشعار القارئ بأنه خصمٌ أمام عملاق لغوي متبحر.       
     كتابةُ قصيدة عن القصيدة ، تلك المملكة المتنافس عليها ، والتي تظل محتفظةً بنفوذها رغم غياب فرسانها. تلك الخصوبة تسكن المدى حنيناً. الكتابة محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . على ذواتنا أن تنمو ذهنياً مثلما تنمو القصائدُ وتنضجُ ، فتغدو مفعمةً بالمعاني عابقة بالتحليقِ في أجواءٍ رحبة .
     شعراء كُثُر يكتبون ظناً منهم أن الكتابة هدف ، ولكنها ليست كذلك . هي وسيلة لإنقاذ الإنسان من الشعوذة الفكرية ، تأخذه من الشك إلى اليقين ، من الحيرة إلى الطمأنينة ، من العبثية إلى الالتزام. الشاعر الحقيقي يُخوِّف القارئ حتى يلقى الأمن، يفتح له أبوابَ الحرية التي أغلقتها السُّلطةُ السياسية خدمةً لمصالحها .    
     إن الكتابة للخاصة تدل على محدودية الكاتب الذي زرع في عقله نطاقاً يحجب سلاسةَ التدفق، ومتعةَ الانسياب الذهني. فالكتابة المحصورة نخبوياً تشير_ بشكل ضمني _ إلى عدم اعتراف بالعامة. وهذه العملية تشبه مَن يُحوِّلون مجرى النهر ، لا لشيء غير أنهم يريدون تحقيق إنجاز شخصي ومسار مختلف بأن يفرضوا رؤيتهم على الأشياء . أمَّا الكتابة للعامة فتعني اختفاءَ البصمة الشخصية ، وعدمَ التمكن من إبراز صورة الكاتب الذاتية في الحروف . فهي ذوبان في قالب زحمة الجماهير ، وموتٌ في الحياة بلا بصمة . وبذلك تصبح الحياة مروراً عابراً بلا بوصلة أو إنجاز ، وتغدو الأحلامُ الإنسانية جزءاً من أرشيف الغبار .
     والحل السحري _ للخروج من إشكاليات العامة والخاصة _ كامن في عدم التقمص . بمعنى أن يكون الكاتبُ الرائي نَفْسَه ، وأن يكتب لنفسه . وسيبحث عنه مَن يريده . فلا معنى للعيش في الوهم، أو قضاء الوقت في تقمص الشخصيات الأخرى. فالتقمص هو قتل منهجي للأنا، وتذويبٌ للشخصية الاعتبارية الذاتية . وهذا يتنافى مع ماهية الحياة بكل أبعادها. فالإنسان كائن حي، والقصيدة كائن حي ، ولا مفر من تحقيق شروط الحياة لضمان الاستمرارية .
     في الجنين الشِّعري حُلمُ ولاداتٍ متكررة ، وحيواتٌ متعانقةٌ تزوِّدنا بالإحساس القادر على الحركة في ظروف الحصار . والإحساس خطوةٌ مهمةٌ للعمل ، لأنه يشير _ ببساطة_ إلى أن الفرد إنسان لا حَجَر . وبالتالي فالقصيدة تأخذ سماتها الإنسانية من مشاعر البشر وأعصابهم، فتتكاثف الكلماتُ لصناعة أبجدية جديدة . ولا يمكن المشي في الدرب دون الشعور به. وإن لم يَلمس ضوءُ الشمس جِلدَ الكائن الحي فلن يشعر بالحرارة . وهنا تكمن قيمة الإحساس الذهني والواقعي .
     وللأسف فإن تفشي ظاهرة شعراء البلاط المادحين في ثقافتنا قد أسس نموذجَ المتاجرةِ بالكلمة، وأنشأ مفهومَ " الشاعر الممسحة " الملقى على أبواب الولاةِ ينتظرُ إذناً بالدخولِ من أجل بيع المديح لقاء الأعطياتِ . ذلك التكوين النسقي الحطامي تسرَّب إلى علماء السلاطين عبر العصورِ ، فصار لدينا تجارٌ متخصصون في سلخ الاحترام عن الكلمة ، وفصل المعنى عن العبارة .
     وفي طفولةِ الآدميين تكون كلماتهم ردةَ فعلٍ لشخوصهم، وفي حالة تقدمهم تصير الشخوصُ صدىً لصوتِ الكلام. مما يدل على نفوذ الكلمةِ التي تنتشر في الفضاءاتِ وصاحبها جالسٌ في مكانه . والكلمةُ ليست أساساً نظرياً للفعل فَحَسْب ، بل هي فِعلٌ مكتمل الأركان ، وقائمٌ بذاته .
     لقد انتهى زمنُ استخدامِ الألفاظِ الجزلة والفخمة في الشِّعر . ففي السابق كانت السطوة لاندفاع اللفظة، والآن غدت الصورة أبلغ. والصورة تركيبٌ يحتضن الكلمات في منظومة تجميعية. وهكذا تكاثفت الألفاظُ ودعمت الواحدة الأخرى لمصلحة الصورة الشِّعرية ، فحصلنا على ما يشبه فريق عمل ليست البطولة فيه للبعضِ ( المفردة ) بل للكُل ( الصورة ) .
     لقد خرجنا من بناء اللفظة الفخمة إلى بناء الصورة المدهِشة . أضف إلى هذا تحول نفسية الأديب إلى نفسية جمعية ، بمعنى أنها تختزل مشاعرَ القادة المنتصرين والمهزومين ، وطموحَ الأغنياء والفقراء ، وانكساراتِ الدول الواقعة تحت الاحتلال ، وارتعاشة الفتيات المغتصَبات ... إلخ .
     لذلك فكل أديب يكتبُ حياته بدمه قبل أن يتعلم مسك القلم ، ويظل كذلك حتى اللحظة الأخيرة . وعلى الرغم من حضور مشاهد الدم في العالم الأدبي ، إلا أن الممارِس لهذا النوع من الإبداع يحاول تنظيفَ عالَمِه بحيث يصبح أبعد ما يكون عن الدموية . ولكن الطفل لن يأتيَ إلا مع الدم . كذلك الجنين الشِّعري لن ينتصبَ طفلاً طبيعياً إلا مع الدم ضمن رؤية كَوْنية واسعة . 
     إن الكتابات الخالدة تشريحية لأوصال المجتمع الكَيْنوني البشري ( المجتمع صاحب الكيان المستقل الفاعل ). وقد تبدو الأفعال الكتابية متشائمةً أو موغلةً في الحزن . لكنَّ وَحدةَ الرمزِ الهادر ضد التشاؤم والحزن العبثي . فالقصيدة الكَوْنية صورة لخيالات الواقع المؤلم الذي يتم فيه اضطهاد الإنسان كإنسان. والشِّعرُ نقدٌ لواقعٍ يُقتَلُ فيه البشر في كل الجهات. حتى إن الهويةَ البشرية صارت  _ بحد ذاتها _ تهمةً . ومن الهذيان رؤية المشانق منصوبةً في الميادين العامة ، ثم توجيه الشِّعر للتغزل بعيون فتاة تائهة . فلا مفر من تصوير المعاناة التي يحياها البشر، حيث يتم تحطيمهم باسم الحضارة . وهكذا يقوم الشِّعرُ بحقن الإنسان بالأمل الثوري العاصف ليشعر بحتمية الوقوف وجدوى الاستمرارية. فالشِّعرُ هو جسدُ التاريخ، وذاكرةُ الوجود. ولا مفر من انقلاب الشِّعر على الشِّعر ، وقيامِ القصيدة بتطهير نَفْسَها .
     وحين تُبنَى الفكرةُ من خلالِ نسقٍ لغوي مُفصِحٍ عنها ، فإنها تحملُ دلالاتٍ محدَّدة . والذين يكتبون بلا ضوابط، يظنون أنهم يكتشفون طريق الحرية ، وأن كلماتهم صارت درباً مستقلاً له خصائصه المنسلخة عن الضوابط العامة، ولكنهم في حقيقة الأمر يَسقطون في غُرورهم، ويضيعون في مسارات متشعبة ، ثم يَنظرون إلى نتاجهم فلا يرون إلا صُورهم منعكسةً ، وعندها يكونون قد نسخوا أنفسهم على الورق، فمثلهم كمثل الناظر إلى المرآة وهو يظن أن ما يراه هو العالَمُ الخارجي . لقد أحاطوا أنفسهم بشرنقةٍ متينة ، وبالتالي نظروا إلى ذواتهم على أنها المحورُ والركيزة ، وهذا قمة الضياعِ . وكما أسلفنا ، فإن أي قصيدة هي في الواقع قصيدتان مختلطتان : القصيدة البصرية، والقصيدة السمعية . يحدث بينهما مزجٌ يعمل على إشاعة التكامل والوحدة كي يتماسكَ النصُّ الشِّعري ويكتسب عنصرَ الانتقال من نقطة إلى أخرى .
     ولو جئنا إلى القصيدة البصرية لوجدناها مجموعةَ المشاهِد والرؤى القادرةِ على الرَّسمِ وغرس المشهد غير العادي في مخيلةِ المتلقي . وأريد القول هنا إنَّ جميع الناس الذين يقرؤون نصاً شعرياً لأول مرة بحاجةٍ إلى وقتٍ كي يستوعبوه ، وبعد القراءةِ الأولى يبرز النقادُ والمثقفون والأقل ثقافةً وهكذا ، ونرى التمايزَ والتفاوت في الفهم والتحليل .
     ولكنْ متى تظهر أصنافُ المتلقين ؟ . إنها لا تظهر إلا بعد وقتٍ من القراءة. فالقصيدة_ للوهلةِ الأولى _ يتلقاها أستاذ النقد الأدبي في الجامعةِ كما يتلقاها طالبُ المدرسة، لأن الصورَ الشِّعريةَ البصريةَ غير العادية ، والتي لم يتعود الإنسان على رؤيتها في حياته المعاشة تكون جديدةً بالنسبة للجميع . وبعد هذه المرحلة يأتي التباين الواضحُ والاختلاف بين مستوياتِ المثقفين، وظهور قدرات المتلقين ، كلاً حسب إمكانياته وقدراته وأدواته المؤثرةِ في تفكيك النص الأدبي وتركيبه .
     القصيدةُ السمعية هي الصوت المنتشر في الصورة، إنها الإيقاع المتولد من تتابع الصور الشِّعرية المنسَّقة والتي تأخذ كل منها بيد الأخرى. في كثير من الأحيان تشعر بأن صوتاً ما من الأعماق يأتي بدون موعد مسبق، صوتاً ينقل لك أحاسيس تفهمها_ بالإجمال _ ، ولكنك لا تملك التعبير عنها بسبب شفافية الصورة ، وتخشى إن تكلمتَ عنها أن تخدشها فتصلَ مشوَّهةً منقوصة الجمال .
     والشعورُ له اعتبارٌ في تشكيل الرؤية الشِّعرية، واختيار المفردات، وصياغةِ العبارة، والبناءِ الجمالي الظاهري في الجزئي ، والجوهري في الكلي ، وجعلِ الكلمات منظومة غير متنافرة ، وإقناع المتلقي . وللأسف ، فبعضُ الكُتاب يَدخلون مكاتبهم المكيَّفة صيفاً ، والمزوَّدة بالتدفئة شتاءً ، ويجلسون على كرسي وثير وحولهم أثاثٌ فخم ، ويبدأون الكتابة عن الفقراء والمشرَّدين . هؤلاء فقدوا الإحساسَ فترى كلامهم لا يجاوز حناجرهم ، وهُم أنفسهم غير مقتنعين بما يفعلون .
     فالشبعان لا يمتلك نفس ذهنية الجائع ، واليقظان لا يستطيع أن يَعلم بماذا يَحلم النائم . إنني غير قادرٌ على الدخول في أحاسيسك لكنني أستطيع أن أستنبط بعض المشاعر من خلال اكتشافات شِعرية تعمل على جعل المتلقي يعترف أو يحس أن هناك من يشاركه همومه ومشاغله، فقيمةُ التوحدِ بين الأنا والآخر بشكل معرفي منضبط قادرةٌ على توسيع الزوايا الضيقة في ثقافة الرؤية .
     ومن الأهمية بمكان معرفة أن النظام الثوري في الشِّعر يعتمد على خروج الشاعر من نَفْسه ثم النظر إليها عن بعد، ورصد الثغرات وردمها ثم العودة للاندماج بالذاتِ الشاعرة . فالتأثير المعنوي والمادي للقصيدة يعتمد على سيل أفكار غير متوقَّع . ومن هنا تنبع قوة القصيدة . فالقدرة على مباغتة المتلقي هي التي تستنزف قواه الذهنية وتزلزله ، مما يؤدي إلى حالة ذهنية متقدة ، ومواجهة صاخبة بين النص والمتلقي . أي بين أشعة الكلام ومرايا صاحب أدوات الاكتشاف . والقصيدة وهجٌ قادم من عروق التاريخ البشري ، وتنقيبٌ متواصل عن الربيع داخل الخريف. والقصيدةُ معركةٌ لا بد من خَوْضها من أجل وضع النقاط على الحروف ، ورسمِ حدودِ الوجود تمهيداً لإزالة الحدود بين الإنسان ونَفْسِه ، وبين الإنسان ومجتمعه ، وبين اللغة والشاعر .
     ومن الضروري الانتباه إلى أن القصيدة كالسَّابح ، كلاهما إذا ارتبكَ غرقَ. وبما أننا في عالَم القصيدة ، فلا بد أن نتحدث عن " موت القصيدة " ، فنقول إن هذه العملية مرحلة مؤقَّتة مثل استراحة المحارِبِ . وهذا " الموتُ " أشبه بالهدوء الذي يَسْبق العاصفة . وفي ضوء هذه المعطيات ، ينبغي اعتبار موت القصيدة صفةً مجازية . فالقصيدةُ تُولَد من موتها ، وتموتُ في ولادة الشاعر الرائي لكي تحيا حاملةً معها خلودَ صانعها . وهذا الانبعاثُ المتجدد يَجعل القصيدة _ في حقيقة الأمر _ لا تَموت . 
     والشاعرُ الحقيقي يَرمي القارئَ في فوهة البركان اللغوي مباشرةً بلا مقدِّمات، ويُلغِي القواسمَ المشتركة بين قصائده. وكلما تعذَّب الشاعرُ ارتفعَ مستوى إنتاجه، وبالتالي استمتع القراء أكثر ! . وهذا الموتُ اللذيذ يُعتبَر تتويجاً لفلسفة الاستمتاع بالعذاب . والشاعرُ ليس وحيداً في مملكته ( القصيدة ) لأن عناصر الطبيعة تشترك معه في صياغة النَّص الشعري ، كما أن الجماهير تساهم في كتابة النَّص بقَدْر ما يُساهم صاحبه. وهذا التلاحمُ التلقائي يمنع تحوُّل الشِّعر إلى شظايا مُعدَّلة وراثياً . والشاعرُ لا يموت ولا يمكن قَتْلُه لأنه فكرة يَحْملها الناسُ ، هذا هو الوضع الطبيعي . أمَّا الوضعُ الخاص ، فإن الشاعرَ يموت حينما يَفقد القدرةَ على الإدهاش. وفي هذا السياق الأدبي، تبرز نقطتان تبعثان على الأسى والأسف . الأولى _ كلما ازدادَ تسليطُ الأضواء على الشاعر ازدادَ التعلق بشخصه لا بِشِعْره. والثانية _ بعض النقاد يمارسون النقدَ الأدبي بعقلية رَجل الأمن .
     لماذا نكتب ؟!. هذا سؤال يشبه إلى حد بعيد أسئلة من قبيل : لماذا نأكل ؟ لماذا نشرب ؟ لماذا نتنفس ؟. فالقصيدةُ نسقٌ فكري وغريزة بيولوجية في آنٍ معاً. والظاهرةُ الشِّعرية مبنية على الشعور المتبادل بين عناصر الطبيعة وقلب الشاعر. الحلمُ يتكرر ، لكنَّ القلبَ واحدٌ . وهذا القلب بكل شظاياه يُصوِّر لنا حياةً جديدةً نحياها في الخيال ، ويحياها الخيالُ فينا واقعاً ملموساً .
     إن أدق تعريف للشِّعر هو الشِّعر. إنه كُتلةٌ لغوية جبارة متكونة من الألفاظ والمعاني ، لا يمكن تأطيرها ضمن حدود معيَّنة بسبب طاقة الكلمات المشعة في كل الاتجاهات ، والمحلِّقة فوق الأزمنة والأمكنة . كما أن هذه الكُتلة ( الشِّعر ) لا يمكن تجنيسها لأنها لا تعيش بين الجدران ، أو خلف الأسوار. فالشِّعرُ كاسرٌ للأسوار ولا يَعترف بالجدران. وقد ظهرَ لكي يُلجِم الفلسفةَ المادية الفجَّة، ويَصبغها بطابع إنساني معنوي .

     وفي الخِتام ، نقول إن النثرَ ممارسة أفقية كقطف الأزهار ، أما الشِّعر فتجربة عمودية مثل الغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ .