سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

14‏/01‏/2014

آيات القتل والقتال في القرآن الكريم / الجزء الثاني

آيات القتل والقتال في القرآن الكريم / الجزء الثاني

من كتاب/ قضايا تهم كل مسلم 

تأليف : إبراهيم أبو عواد .

.........................

} وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِن حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَد مِنَ الْقَتْلِ {
 [ البقرة : 191]
     هذا أمرٌ إلهي للمسلمين بقتل المشركين حيث وَجدوهم في حِل أو حَرَم ، وتمكنّوا منهم، وأبصروا مقاتلهم . وأيضاً يجب إخراجهم من مكة . فلا بد من إخراج المشركين من ديارهم كما أخرَجوا المسلمين من ديارهم . والبادئُ أظلم . والفتنةُ التي صنعها المشركون ، والرامية إلى إرجاع المسلمين إلى الكفر أشد من القتل، فارتدادُ المؤمن أشد عليه من القتل. فالكفرُ قتلٌ متواصلٌ للروح والجسد ، أمّا القتلُ فهو نهاية الجسد لمرة واحدة فقط . ويمكن حملُ المعنى على أن شِرك الكافرين أعظم من قَتلهم في الْحَرَم ، أو أن شِركهم بالله وكُفرهم به أعظم من القتل .
     قال الطبري في تفسيره ( 2/ 197 ) : (( يعني تعالى ذِكره واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم، وأمكنكم قتلهم، وذلك هو معنى قوله : } حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ {. ومعنى الثقفة بالأمر الحذق به والبصر، يقال إنه لثقف إذا كان جيد الحذر في القتال ، بصيراً بمواقع القتل. وأما التثقيف هذا وهو التقويم فمعنى } وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ { اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم. وأما قوله : } وَأَخْرِجُوهُم مِن حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ { فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذِكره : أَخْرِجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم _وقد أخرجوكم من دياركم _ من مساكنكم وديارهم كما أخرجوكم منها...يعني تعالى ذِكره بقوله : } وَالْفِتْنَةُ أَشَد مِنَ الْقَتْلِ { ، والشرك بالله أشد من القتل . وقد بَيّنتُ فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار فتأويل الكلام وابتلاء المؤمن في دِينه حتى يَرجع عنه فيصير مشركاً بالله من بعد إسلامه أشد عليه وأضر من أن يُقتَل مقيماً على دِينه متمسكاً عليه محقاً فيه )) اهـ .
     وقال ابن كثير في تفسيره ( 1/ 307 ) : (( ولهذا قال في هذه الآية : } وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِن حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ { ، أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم كما همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصاً. وقوله: } وَلا تَعْتَدُوا إِن اللهَ لا يُحِب الْمُعْتَدِينَ {، أي قاتِلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم والرهبان وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة ، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم )) اهـ .
     من الواضح أن الآية الشريفة } وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِن حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَد مِنَ الْقَتْلِ { تتحدث عن المشركين الذين عذّبوا المسلمين ، وقد أمر اللهُ تعالى بقتلهم لأنهم كفار محارِبون لم يتخلصوا من حرب الإسلام والمسلمين ، لذلك فهؤلاء فقدوا عِصمةَ الدم لأنهم لم يلتزموا بالقواعد التي تحفظ لهم دماءهم ، فجاء الأمر صريحاً بقتلهم ، وأيضاً القيام بإخراجهم من منازل المسلمين في مكة التي وَقعت تحت احتلال المشركين ، لذلك فقتل المشركين هو ضمن سياسة المقاومة المشروعة للاحتلال ، والمكفولة في كل الدساتير السماوية والوضعية . وهذه الحالة موجودة في زماننا المعاصر ، وهي احتلال فلسطين وبعض بلاد المسلمين ، والواجب وفق هذه الآية قتل الأعداء ، وإخراج المحتلين من الأماكن التي طردونا منها ، وهذا حق شرعي مكفول لا يملك أحد الاعتراض عليه .
     وهؤلاء المشركون أهدر اللهُ تعالى دماءهم لأنهم أعداء محارِبون وليسوا مدنيين أبرياء . وقد تسببوا بإحداث فتنة كبرى وهي الابتلاء الشديد ( ما وقع للمسلمين بمكة من تعذيب الكفار لهم وإخراجهم ) ، وهذه الفتنة التي تستهدف إخراج المسلمين مِن دِينهم أشد من القتل ، لأن المرتد عن الإسلام هو ميت روحياً وجسدياً ، لذلك فالذي يُقتَل وهو ثابتٌ على دِينه أفضل من الذي يعيش مرتداً. وبما أن المشركين يقومون بفتنة الناس عن دِينهم، ومحاربةِ الإسلام والمسلمين بشتى الوسائل، كان لزاماً على المسلمين أن يتخذوا موقفاً للحفاظ على كيانهم المعنوي والمادي ، لذلك جاء أمر قتل المشركين وهم الأعداء المحارِبون الذين لم يلتزموا بالقواعد المرعية في طرق تعامل الكفار مع المسلمين حتى يستحق الكفارُ الحياةَ الكريمة في ظل دولة الإسلام دون مساس بهم ، وهكذا أُلغيت عصمة دمائهم جزاءً بما كانوا يعملون من أعمال حربية معادية للإسلام والمسلمين ترفض قيمةَ التسامح الإسلامي، وترفض العيش في كنف الدول الإسلامية، وبالتالي فهؤلاء يُعتبَرون خارجين على الحاكم الشرعي العادل ، وهم بذلك يتلبسون بذنب الخيانة العظمى التي جزاؤها القتل. وهذا ما تفعله دول كثيرة حيث تَحكم على بعض أفرادها بالخيانة العظمى التي جزاؤها الموت. فلماذا عندما يقوم الإسلامُ بحماية نظامه المتكامل من الأخطار يُعتبَر فعله إرهاباً وضد حقوق الإنسان أم عندما يقوم العالَم الذي يزعم أنه متحضر بحماية أنظمته يُعتبَر ذلك مدنيةً وديمقراطية وحريةً ؟! .
     وانظرْ إلى هذا الدستور النبوي الشريف في فقه التعامل الحربي المنضبط بالأصول الشرعية بلا إفراط أو تفريط . فقد روى مسلم في صحيحه ( 3/ 1356 ) عن بُرَيْدة _ رضي الله عنه _ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سَرِيّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال : (( اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتِلوا مَن كَفرَ بالله ، اغزوا ، ولا تَغُلّوا ، ولا تغدروا ، ولا تُمَثّلوا ، ولا تَقتلوا وليداً ، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خِلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول مِن دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حُكمُ الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم أَبَوا فَسَلْهم الجِزيةَ فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، فإن هم أَبَوا فاستعن بالله وقاتِلهم . وإذا حاصرتَ أهلَ حِصن فأرادوك أن تجعل لهم ذِمةَ الله وذمة نبيّه ، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيّه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ، وإذا حاصرتَ أهلَ حصن فأرادوك أن تُنْزِلهم على حُكم الله فلا تنزلهم على حُكم الله ، ولكن أَنزلهم على حُكمك فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا )) .
     إن الغَزو في الإسلام ليس قتالاً همجياً أو قتلاً عبثياً ، إنما هو فِعلٌ إنساني ذو تأثيرات إيجابية قريبة المدى وبعيدة المدى في آنٍ معاً . فالغزو يجيء لإخراج العباد من الظلمات إلى النور ، ومنع الطغاةَ من التحكم بمصائر شعوبهم واستعبادهم، وحَجبِ النور عنهم. فالغزو نظامٌ متكامل يكونُ باسم الله في سبيل الله ، وليس في سبيل استعباد الشعوب وسرقتها . وهذه القوةُ الضاربة إنما تُسْتَخْدَم لصالح الإنسان ، لأنها تجعله ذا سيادة على كيانه الآدمي ، يَملك كلمته ، ويُقرّر مصيره بنفْسه ، ويتحدث باسمه ، فلا يُقرّر الآخرون مصيرَه ، ولا يتحدثون نيابةً عنه .
     ومع أن القتال مُوَجّه ضد الكافرين ، إلا أنه قِتال منضبط لا فوضوي . ووفق هذه الرؤية ، ليس غريباً أن يتم تحريم الغلول ( وهو الخيانة في الغنيمة )، والغدرِ ( وهو نقض العهد ) ، والتمثيل بالجثث ( وهو تشويهها أو قطع أجزاء منها أو ما شابه ). كما تم تحريم قتل الوليد( وهو الطفل الصغير ) لأنه ليس له علاقة بأمور القتال  .
     وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم ( 12/ 38 ) : (( معنى هذا الحديث أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة ، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك، وإلا فهم أعراب كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو، فتُجرَى عليهم أحكام الإسلام، ولا حق لهم في الغنيمة والفيء ، وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة إن كانوا بصفة استحقاقها )) اهـ.
     كما يُوضّح الحديثُ النبوي أحكامَ الحصار . فإذا حاصرَ المسلمون أهلَ حِصنٍ ، فلا ينبغي إعطاؤهم ذِمة الله ولا ذمة رسوله صلى الله عليه وسلم. والذّمةُ هي العهد. وإنما يُعْطَوْن ذِمة القائد المسلم وأصحابه . والمعنى : لا تجعلْ لهم ذِمة الله ، فإنه قد يَنقضها مَن لا يَعرف حُرمتها وحقّها ومكانتها العالية . ولا يَخفَى أن نقض عهد المسلمين أهون من نقض العهد الإلهي والعهد النبوي . وأيضاً لا ينبغي إنزال أهل الحِصن المحاصَرِين على حُكم الله تعالى ، وإنما يتم إنزالهم على حُكم القائد المسلم ، لأنه لا يَدري هل يُصيب حُكمَ الله فيهم أم لا. وهذا كله من أجل تعظيم الله تعالى ، وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم .
     وعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ : أن امرأةً وُجِدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولةً فأنكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قتلَ النساء والصبيان [(1)].
     ولو كان الإسلام دينَ إبادةٍ لما منع قتل النساء والصبيان ، بل قام بالتطهير العِرقي كما في التوراة والإنجيل، ومثلما فعل الكاثوليك بحق مسلمي الأندلس، وكما فعل الأرثوذكس بحق مسلمي البوسنة والشيشان ، وكما فعل البروتستنت بحق مسلمي العراق ، وكما فعل اليهود بحق مسلمي فلسطين . لكن المنهج الإسلامي واضحٌ في عدم استهداف النساء والصبيان لأنهم ليسوا أهلَ حرب وقتال ، أما إن دخلوا في مصطلح " المحارِب " فإنهم يُقتَلون فوراً .
     وعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشَه قال :       (( اخرجوا بسم الله ، تُقاتِلون في سبيل الله مَن كَفر بالله ، لا تَغدروا ، ولا تَغُلّوا ، ولا تُمَثّلوا ، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع )) [(2)].
     وهكذا تتضح الأخلاق الإسلامية في موضوع الحرب . فالمسلمون يُقاتِلون باسم الله لا باسمهم، وقد ابتعثهم _ سبحانه _ ليُطَبِّقوا تعاليمَه، وهذا يعكس مسألة سيادة الإسلام على الأرض ، فالكل يجب أن يخضع للإسلام لأنه الحاضن الفاعل لمشاعر الإنسان ، والمتكفِّل بحمايته والدفاع عنه. وهذا عائد إلى كون المسلم يؤمن بمحمد وموسى وعيسى _ عليهم الصلاة والسلام_، وبالقرآن الكريم والإنجيل الأصلي والتوراة الأصلية . وقد أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج كتابية ( نصرانية أو يهودية) ، مع منع زواج الكافر من المسلمة ، وهذه ليست عنصرية أو استعلاء بالباطل، فذلك عائد إلى أنه سيحترمها لأن يؤمن بموسى وعيسى _ عليهما الصلاة والسلام_ ، وبالتالي لن يتجرأ على الاعتداء عليهما أو المساس بهما ، ويؤمن بالإنجيل والتوراة الأصلِيّيْن ، فلن يقوم مثلاً بشتمهما أو الطعن فيهما . أما الكافر لو تزوج مسلمة فهو لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يؤمن بالقرآن الكريم ، وبالتالي سيرفضهما ويتعدى عليهما، وهذه يجعل الحياة مستحيلة وقائمة على الاعتداء على العقيدة، وجرح الطرف الآخر في أعز ما عنده .
     ولنتذكر ما قام به الصرب في البوسنة الذين يمثلون الإرهابَ الأرثوذكسي في أبشع صوره ، حيث قاموا بقتل المسلمين، وتهجير من بقي على قيد الحياة، واغتصاب المسلمات، وحرق المساجد، وما فعله الروس في الشيشان، وما فعلته قوى الاستخراب العالمي ( أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، إيطاليا ، إسبانيا ، البرتغال ، إلخ ) عبر انتهاج نفس الأساليب القذرة ، في حين أن دُور عبادة اليهود والنصارى كانت تحت حماية المسلمين ، ولم يمسوها بسوء . وحينما فتح المسلمون بيت المقدس والأندلسَ والقسطنطينية وباقي البلاد ، لم يَلمسوا امرأةً واحدة، ولم يقوموا بالاغتصاب ، أو القتل، أو الإبادة الجماعية، أو حرق دور العبادة، مع أن هذا كان بمتناول أيديهم، وهُم  قادرون على فعله بكل سهولة ، ولا يملك أحد إيقافهم في تلك الفترة الزمنية التي كان فيها المسلمون الأُمّة الأولى على الأرض في كل المجالات . ومع هذا لم يقوموا بفعله لأن الفرق الجوهري بين الفتوحات الإسلامية ، والاستخراب العالمي الذي يُسمى زوراً بالاستعمار، هو أن الفتوحات الإسلامية قادمة لنقل العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد . فالمسلمون لم يُجبِروا الآخرين على تقديسهم أو عبادتهم ، بل دَعوا أنفسهم والآخرين إلى عبادة الله تعالى وَحْدَه ، ولو كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم نبياً مُزَيّفاً لدعا الناس إلى عبادته وتقديسه من أجل استغلالهم ، والسيطرةِ عليهم ، وبسط نفوذه ونفوذ عائلته ونفوذ حاشيته على الناس من أجل تدعيم سُلطته وسُلطانه مثلما يفعل القادة الذين اتخذوا أنفسهم آلهة على جثث شعوبهم ، ولكنه لم يفعل ذلك لأنه رسول من عند الله تعالى ينفّذ الأوامرَ لا أكثر ولا أقل .
     كما أن الإبادة والإرهاب والفوضى الجنسية التي تُنتِج الاغتصابَ موجودة في نصوص دينية يقدّسها اليهود والنصارى على السواء، وهي نصوص الكتاب المقدّس[ التوراة ( العهد القديم ) والإنجيل ( العهد الجديد ) ] ، وهذه هي فلسفة اليهود والصليبيين في كل العصور . كما أن الاستخراب جاء لاستعباد الآخرين ، واستغلال ثرواتهم، وترسيخ عبادة العباد للعباد . وانظر ماذا ترك المسلمون في الأندلس من حضارة ومعالم ، وانظر إلى الاستخراب ماذا ترك في بلاد المسلمين من تخلف وتبعية . وهذا يعكس الفرق بين الفتوحات الإسلامية الهادفة لتحرير الإنسان ، وإعادته إلى جادة الصواب ، وبين الاستخراب الكافر القادم لإعادة عصور العبودية ، واستغلالِ الإنسان لأخيه الإنسان عبر استخدام الإرهاب بشتى أشكاله، وتسميةِ الجرائم بأسماء عصرية مخادِعة . 
} وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ {
[ البقرة : 191]
     لا يجوز البدءُ في القتال عند المسجد الحرام تعظيماً لِحُرمته ، وإبرازاً لمكانته العظيمة . والحالةُ الوحيدة التي يُقاتَل فيها عند المسجد الحرام هي القتال الدفاعي الذي يكون ردةَ فعلٍ وليس فِعلاً . أمّا الابتداءُ في القتال في هذا الموضع الشريف فهو غير جائز البتّة . 
     قال القرطبي في تفسيره ( 2/ 348) : (( للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما أنها منسوخة والثاني أنها مُحْكَمَة . قال مجاهد : الآية مُحْكَمَة ، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يُقاتِل، وبه قال طاوس. وهو الذي يقتضيه نص الآية وهو الصحيح مِن القَوْلين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه )) اهـ .
     ويؤيد كَوْنها مُحْكَمَة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : (( إن هذا البلد حَرّمه اللهُ يومَ خَلق السماوات والأرض ، فهو حرامٌ بِحُرْمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يَحِل القتالُ فيه لأحد قَبْلي ، ولم يَحِل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرامٌ بِحُرمة الله إلى يوم القيامة )) [(3)].
     وفي تفسير القرطبي ( 2/ 348 ) : (( وقال قتادة الآية منسوخة بقوله تعالى : } فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتموهُمْ { [ التوبة : 5]. وقال مقاتل: نسخها قولُه تعالى: } وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ { [ النساء : 91] ، ثم نَسخ هذا قولُه : } فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتموهُمْ {[ التوبة : 5]، فيجوز الابتداء بالقتال في الْحَرَم )) اهـ .
     ومن الواضح أن الآية مُحْكَمة وليست منسوخةً . والمذهبُ الأقوى في تفسيرها هو الاعتماد على أنها ثابتة غير منسوخة . وهي مقيّدة بشرط أن يبدأ الأعداءُ القتالَ في الحَرم ، فيكون دور المسلمين في هذه الحالة رد فعلٍ لا أكثر ولا أقل . وهذا واضح تماماً من سياق الآية الشريفة ، ولا يحتاج إلى كثير بحث ، فقوله تعالى : } فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ { أبرز القاعدةَ الأساسية في التعامل مع هكذا حالة . فإن بدأ الكفارُ بالقتال ، فعندئذ يقوم المسلمون برد العدوان وقتلهم . 
     وقال الكاساني في بدائع الصنائع ( 6/ 83 ) : (( أما إذا دَخَلَ مُكابِراً أو مُقاتِلاً يُقتَل لقوله تعالى : } وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ { ، ولأنه لَمّا دخلَ مُقاتِلاً فقد هتكَ حُرمةَ الحَرم فيُقتَل تلافياً للهتك زجراً لغيره عن الهتك. وكذلك لو دخلَ قوم من أهل الحرب للقتال فإنهم يُقتَلون ، ولو انهزموا من المسلمين فلا شيء على المسلمين في قتلهم وأسرهم )) اهـ .
     وهدفُ القتل هو الحماية والردع ، والحفاظ على حُرمة الحَرم لئلا يصبح ملعباً لكل من تُسَوِّل له نَفْسه أن يتعدى على هذه البقعة المقدّسة ، فالذي دخل مُقاتِلاً هتكَ حُرمةَ الحَرم ولم يحترمها ، فالواجب قتله لمنع هذا الهتك، وردع كل من يُفكّر أن يصنع صنيعه . فلو تُرِك الحبل على الغارب، ولم يتم قتلُ هاتك حُرمةِ الحَرم، لصار الحَرمُ حلبةَ مصارعة ، ولعبةً من الألعاب ، وهذا يُضاد قُدسيةَ هذا المكان الشريف . وإذا تُرك الجاني في الحَرم دون عقاب لانتشر الفسادُ بصورة كارثية .
     قال الشوكاني في نيل الأوطار ( 7/ 118 ): (( الجاني في الحَرم هاتك لِحُرمته بخلاف الملتجىء إليه ، وأيضاً لو تُرك الحد والقِصاص على مَن فعل ما يوجبه في الحَرم لَعَظُمَ الفسادُ في الحَرم )) .
} وَقَاتِلُوهُمْ حَتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدينُ للهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظالِمِينَ {
[ البقرة : 193]
     إن الأمر بالقتال في هذه الآية الشريفة له هدفٌ واضح، وهو حتى لا تكون فِتنة، وهي الشرك، ويكون الدّين لله تعالى خالصاً دون شركاء وانحرافات عَقَدية. وهذا منتهى التسامح ، والحزم تجاه الذين يحاولون فتنة الناس عن دِينهم ، وإعادتهم إلى الكفر والغواية . وإذا قاموا بالامتناع عن شِركهم، وأفعالهم الحربية، فيتم الكف عن قتالهم ، ولا يُقاتَل إلا المعتدون الذين رفضوا إنهاء أفعالهم الحربية ، وجرائمهم بحق المسلمين بكافة أشكالها . وإذا انتهى المشركون عن شِركهم ، وكفوا عن قتال المسلمين ، فينبغي الكفّ عن قتالهم ، وعدم الاعتداء عليهم .
     قال الطبري في تفسيره ( 2/ 200 ) : (( حتى لا تكون فِتنة ، يعني حتى لا يكون شِرك بالله، وحتى لا يُعبَد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان الآلهة والأنداد ، وتكون العبادة والطاعة لله وَحْدَه دون غيره من الأصنام والأوثان )) اهـ .
.............الحاشية.......................
[(1)] متفق عليه. البخاري ( 3/ 1098 ) برقم ( 2851 )، ومسلم ( 3/ 1364 )برقم ( 1744).
[(2)] رواه أحمد في مسنده ( 1/ 300 ) برقم ( 2728 ) وهو حسنٌ لغيره . وقال الهيثمي في المجمع ( 5/ 571) : (( رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال فيه : (( ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً )) وفي رجال البزار إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ، وثّقه أحمد ، وضعّفه الجمهور ، وبقية رجال البزار رجال الصحيح )) اهـ . قلتُ : إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة . وثّقه أحمد ، وقال عنه يحيى بن معين : (( صالح )) [ انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/ 83)] ، وقال ابن عدي : (( هو صالح في باب الرواية ))[ انظر تهذيب الكمال ( 2/ 43)]، وصحّح حديثَه الحاكم في المستدرك ( 2/ 116 ) برقم ( 2510)، وصحّح حديثه ابنُ خزيمة في صحيحه ( 1/ 336) برقم ( 676)  )) اهـ. قال ابن حجر في تلخيص الحبير ( 4/ 103 ) : (( رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تقتلوا النساء ولا أصحاب الصوامع. أحمد من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال : اخرجوا بسم الله، قاتلوا في سبيل الله، الحديث. وفيه: ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع ، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف. وروى البيهقي من حديث علي نحوه وفيه : ولا تقتلوا وليداً ولا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، وفي إسناده ضعف وإرسال . ورواه من وجه آخر منقطعاً وفيه : ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً )) اهـ . قلتُ : وفي أقل تقدير فهو حسنٌ لغيره .

[(3)] متفق عليه. البخاري ( 3/ 1164 ) برقم ( 3017 ) ، ومسلم ( 2/ 986 ) برقم ( 1353).

10‏/01‏/2014

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

من كتاب/ قضايا تهم كل مسلم

تأليف : إبراهيم أبو عواد .

....................

     قال الله تعالى :  ]وَذَكرْهُم بِأَيامِ اللهِ [ [ إبراهيم : 5 ] .
     روى مسلم في صحيحه ( 4/ 1850 ) عن أُبَي بن كعب _ رضي الله عنه _ قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( بينما موسى عليه السلام في قومه يُذكّرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه )).
     قال القرطبي في تفسيره ( 9/ 290 ): (( أي قُل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : بنعم الله عليهم، وقاله أُبي بن كعب ، ورواه مرفوعاً : أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم )) اهـ .
     وقال ابن كثير في تفسيره ( 1/ 131) : (( أي بأياديه ونعمه عليهم )) اهـ .
     قلتُ : والمولد النبوي الشريف من أيام الله تعالى العظيمة ونعمه الجليلة ، فعلينا أن نُذَكِّر الناسَ به كما أمرنا اللهُ تعالى عن طريق عمل الأشياء الطيبة وإشاعة البهجة والفرح المنضبط بالكتاب والسنة الصحيحة . والنبي صلى الله عليه وسلم هو رحمة الله المهداة للعالَمِين ، فقد قال اللهُ تعالى : ] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ [ الأنبياء : 107 ] .
     والنبي صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة للعالَمين ، الإنس والجن مؤمنهم وكافرهم ، وكل مخلوقات الله تعالى العاقلة وغير العاقلة ، ويشمل ذلك الحيوانات والطبيعة بكل ما فيها . فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة الله تعالى إلى كل المخلوقات. وقال الحافظ في الفتح ( 6/ 302 ) تفسيراً لمعنى الرحمة : (( أمّا المؤمن فشفقة عليه لإيمانه ، وأما الكافر فلرجاء إسلامه ، وهو بُعث رحمةً للعالَمِين )) اهـ .
     وقال الله تعالى :  ]قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِما يَجْمَعُونَ [[ يُونُس : 58] .
     لقد اتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمةُ الله تعالى للعالَمين ، والله تعالى أمرنا بأن نفرح بفضل الله تعالى ورحمته . إذن ، يجب أن نفرح بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو رحمة الله المهداة للعالَمين ومولده الشريف ، والاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو فرح بفضل الله تعالى ورحمته ، لذا فهو تطبيق فعلي لأوامر الله تعالى .
     وإليك أقوال العلماء بشأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، وتفنيد شبهات المعارِض ، حصلتُ عليها من مطوية " هل نحتفل ؟" الصادرة عن دائرة الأوقاف بدبي مع بعض الزيادات مِنّي:
     [1] قال الإمام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ( 13/ 136 ) : (( ابن زين الدين علي ابن تبكتكين أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد له آثار حسنة ... وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الاول يحتفل به احتفالاً هائلاً ، وكان مع ذلك شهماً شجاعاً فاتكاً بطلاً عاقلاً عالِماً عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه ، وقد صنّف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلداً في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير ، فأجازه على ذلك بألف دينار )) اهـ .
     فانظر إلى مديح ابن كثير لهذا الرّجل ، فلو كان مبتدعاً بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف لما صَبّ ابن كثير كل هذا المدح عليه . 
     [2] عقد الإمام الحافظ السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوي باباً أسماه ( حسن المقصد في عمل المولد ) ص 189 ، قال في أوله : وقع السؤالُ عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول، ما حُكمه من حيث الشرع ؟ وهل هو محمود أم مذموم ؟ وهل يُثاب فاعله أم لا ؟ .
     والجواب عندي أن أصل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسّر من القرآن ، ورواية الأخبار الواردة في بداية أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ، ثم يُمَدّ لهم سماط يأكلونه ، وينصرفون من غير زيادة على ذلك ، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قَدْر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح بمولده الشريف .
     [3] ونقل الإمام الحافظ السيوطي عن الإمام الحافظ ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تُنْقَل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها ، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنّب ضدها كانت بدعة حسنة ، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت ، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينةَ فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا : هو يوم أَغرق اللهُ فيه فرعون ، ونجّى موسى، فنحن نصومه شكراً لله [(1)]. فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معيّن من إسداء نعمة ، أو دفع نقمة .. إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم ... نبي الرحمة في ذلك اليوم ، فهذا ما يتعلق بأصل عمله ، وأما ما يُعمَل فيه: فينبغي أن يُقتصر فيه على ما يُفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدّم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحرّكة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة . اهـ .
     [4] الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر عبد الله القيسي الدمشقي : حيث ألّف كتباً في المولد الشريف، وأسماها : ( جامع الآثار في مولد النبي المختار )، و ( اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق)، وكذلك ( مورد الصادي في مولد الهادي ) .
     [5] الإمام الحافظ العراقي : وقد سمّى كتابه في المولد النبوي ( المورد الهني في المولد السني ) .
     [6] الإمام مُلا علي قاري: فقد ألّف كتاباً في المولد النبوي العطر أسماه:( المورد الروي في المولد النبوي ).
     [7] الإمام ابن دحية : وسمّى كتابه ( التنوير في مولد البشير النذير ) .
     [8] الإمام ابن الجزري : وسمّى كتابه ( عرف التعريف بالمولد الشريف ) .
     [9] الإمام أبو شامة ( شيخ الحافظ النووي ) قال في كتابه ( الباعث على إنكار البدع والحوادث/ ص 23 ) : (( ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعَل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك مشعر لمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالَمين )) .
     [10] الإمام الحافظ القسطلاني ( شارح صحيح البخاري ) : حيث قال في كتابه ( المواهب اللدنية _ 1/ 148 طبعة المكتب الإسلامي ) ما نصه : (( فرحم اللهُ امرءاً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء )) اهـ .
     [11]وكذلك ممن ألّف وتكلّم في المولد: الإمام الحافظ السخاوي، والإمام الحافظ وجيه الدين الزبيدي ، وغيرهم . 
     [12] حتى إن ابن تيمية قال في كتابه ( اقتضاء الصراط المستقيم _طبعة دار الحديث / ص 266 ) : (( وكذلك ما يُحدِثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد..وقال: فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه )) اهـ. 
     فهذا إمامكم الذي تُقدِّسون كلامه ، وتعتبرون مؤلفاته دستوراً معصوماً لكم يا معاشر من تسمون أنفسكم بالسلفيين ، يجيز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، فماذا بَقِيَ لكم ؟ .
     أما الشبهات التي تعلّق بها الذين يسمون أنفسهم بالسلفيين ، فهي كالتالي :
     [1] قال المعارِض: لو كان الاحتفال بالمولد من الدين لبيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم للأُمة أو فعله في حياته أو فعله أصحابه _ رضي الله عنهم _ ، ولا يقول قائل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله تواضعاً منه ، فإن هذا طعن فيه عليه الصلاة والسلام . انتهى كلام المعارِض .
     الجواب: إن كل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة من بعده ، لا يُعتبَر تركهم له تحريماً ، والدليل على ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( مَن سَنّ في الإسلام سُنّةً حسنة ... ))[سبق تخريجه ] ، وفيه أكبر دليل على الترغيب في إحداث كل ما له أصل من الشرع ، وإن لم يفعله المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته _ رضوان الله عليهم _. وكل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ، ولو لم يعمل به السلف ، لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت ، أو لما هو أفضل منه ، أو لعله لم يبلغ جميعهم عِلم به. فمن زعم تحريم شيء بدعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله فقد ادعى ما ليس له دليل، وكانت دعواه مردودة . وهو بذلك يكشف جهله بعلم الأصول ، إذ إنه من المقرّر أن الترك ليس من دلائل التحريم ، ولا حتى من دلائل الكراهة .   
     [2] زعم المعارِض أن أكثر من يُحيي هذه الموالد هم من الفجار والفساق . وهذا كلام ساقط يدل على معدن صاحبه وخبث طويته ، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ؟ .
     [3] زعم المعارِض وجود شِركيات في بعض الألفاظ ، فاعترض على قول البوصيري :

            يا أَكرمَ الخلق ما لي مَن ألوذ بـه         سِواكَ عند حدوث الحادِثِ العَمِمِ

     وكلام المعارِض يفضح جهله بالشريعة واللغة العربية . ونحن نسأل ما هو الحادث العمم ؟ ، إنه الحادث الذي يَعُم الكون بأسره من إنس وجن وجميع الخلائق ، وهو يوم القيامة . فيكون المعنى هو التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم لإنقاذ المسلمين من هذا الخطب الجلل بإذن الله تعالى، وقد وضّحتُ مسألة التوسل والاستغاثة سابقاً ، فراجعها . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لنا إلى ربك ، فيقول : لستُ لها ، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم فيقول : لستُ لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ، فيأتون موسى فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى فيقول : لستُ لها ، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأقول : أنا لها )) [(2)].
     [4] يقول المعارِض إنه يحصل اختلاط الرِّجال بالنساء ، واستعمال الأغاني والمعازف وشرب المسكرات . وهذا كذبٌ محض ، وسَتُكْتَب شهادتهم ويُسألون . وقد حضرنا الموالد فلم نر اختلاطاً ولم نسمع معازف، أمّا شرب المسكرات فنعم  ، رأينا سُكْراً بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ليس كَسُكْر أهل الدنيا ، وجدنا سُكْرَ المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وآله الأطهار الثوار ، وصحابته الأبرار الفاتحين .
     [5] يقول المعارِض إن يوم ولادته صلى الله عليه وسلم هو نفس يوم وفاته ، فالفرح ليس أولى بالحزن ، ولو كان الدين بالرأي لكان اتخاذ هذا اليوم مأتماً ويوم حزن . اهـ .
     والذي سيجيبكم هو الإمام السيوطي كما في ( الحاوي للفتاوي / ص 193 طبعة دار الكتب العلمية ) حيث قال ما نصه : (( إن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم ، ووفاته أعظم المصائب لنا ، والشريعة حثّت على إظهار شكر النعم ، والصبر والسكون عند المصائب ، وقد أمر الشرعُ بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود ، ولم يأمر عند الموت بذبح عقيقة ولا بغيره ، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع، فدلّت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته . وقد قال ابن رجب في كتابه ( اللطائف ) في ذم الرافضة ... حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لأجل مقتل الحسين ، ولم يأمر اللهُ ولا رسوله صلى الله عليه وسلم باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً ، فكيف ممن هو دونهم . اهـ . 
     [6] وزعموا أيضاً أن الدولة الفاطمية الرافضية هي من أحدثت الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعلى فرض التسليم بصحة هذا الأمر ، فماذا تقولون بكل هؤلاء الأئمة الأعلام الذين أباحوا الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟. هل هم أزلام الدولة الفاطمية ؟. حتى إمامكم "المعصوم" ابن تيمية جوّز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، فهل كان عميلاً للدولة الفاطمية الرافضية ؟.
     إن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها التقطها ، وخذ الحكمة والخير والفضيلة ، لا يضرك من أي وعاء خَرجتْ، فلو قال ملحدٌ كلمة حق، فعلينا أن نتمسك بكلمة الحق تلك، ولو قال إمام مسجد كلمة باطل، فعلينا رفض تلك الكلمة . هكذا عَلّمنا الإسلام .
     فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما صام عاشوراء أخذ صيامه عن اليهود ، فنحن أولى بموسى صلى الله عليه وسلم منهم ، ولو افترضنا أن الدولة الفاطمية سنّت الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، فعلينا أن نتمسك بالمولد النبوي الشريف لأننا أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم منهم .
     روى مسلم في صحيحه ( 4/ 2052 ) عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( احْرِصْ على ما ينفعك )) . وهذا اللفظ عام يشمل الحرص على المنفعة سواءٌ صدرت من مسلم أو كافر ، وكما هو مقرّر في الأصول فإن العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والتخصيص بحاجة إلى دليل ولا دليل في هذه المسألة . إذن ، يظل التعميمُ شاملاً دون قَيْد .
     ولنأت إلى خاتمة موضوعنا في هذه المسألة ، ونبحث موضوع حصر فهم القرآن والسنة الصحيحة بالسلف الصالح_ رضي الله عنهم _ . ونحن نؤمن أن أعلم هذه الأمة هم سلفنا الصالح، لكنهم اختلفوا في مسائل كثيرة كما وضّحنا من قبل ، فلو كان لهم مذهب واحد لما ظهر الأشاعرة والماتريدية الذين حملوا المشعل لقيادة الأمة دينياً وفكرياً في مواجهة الطوائف الضالة . لذا فإن الخلف هم أفضل من شرح مراد السلف ، وجناحا الأمة هم السلف والخلف ، وهذه الأمة لا تنطلق إلا بالاعتماد على هذين الجناحين. كما أن ثوابت الإسلام معروفة لا جدال فيها ، ومسائل الفروع فيها اجتهاد واسع ، أما منهجية الفهم والاستنباط فقد اختلف فيها الصحابة    _ رضي الله عنهم _ اختلافاً واضحاً والقرآن يَنْزل عليهم ، وهذا لم يجعلهم يطعنون في بعضهم البعض مثلما يفعل بعض العوام الذين يسمون أنفسهم علماء .
....................الحاشية...............................
[(1)] رواه البخاري ( 3/ 1244 ) برقم ( 3216 ) ، ومسلم ( 2/ 796 ) برقم ( 1130 ) .

[(2)] رواه البخاري ( 6/ 2727 ) برقم ( 7072 ) ، ومسلم ( 1/ 182 ) برقم ( 193 ) .

07‏/01‏/2014

الرؤية الثورية للقصيدة

الرؤية الثورية للقصيدة

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد .

................................

     إن النضال من أجل حركة تراكمية مقاوِمة للوهم في المنظور الشِّعري مستمر حتى آخر لحظة. وكل التحليلات تصب في خانة إسقاط الجمود والتبعية والتخلف في القصيدة ثم تثويرها عن طريق حشدها بعناصر الرمزية الحضارية .
     وتظهر للعيان أهمية تعميق جذور خصوبة المشروع المستقبلي الذي يستشرف الحلمَ القادم من وراء الكلمة الملتزمة بالقضايا المقدَّسة ، وهذه الماورائية بُنية متحركة مندمجة بالكامل مع سياسة الرؤية ، وخاضعة للعقل الهادم الباني ، حيث يهدم الأنساقَ العشوائية الضبابية غير الثورية ، ويبني الرؤى الماديةَ والمعنوية التي تمهد لمرحلة الانفجار الشامل في تفاصيل اللغة الهادرة . وهكذا نجد أن الشِّعر يؤرخ لمرحلة جديدة تستلهم تاريخاً جديداً يَطرح الأسئلةَ على التراث ، ويُحاكِم الأشياءَ المعلّبة التي تم تقديمها كمسلَّمات جاهزة . 
     إن الشِّعريةَ هي سوسيولوجيا الوَحدة المكانية للنّص ، والبُنيةَ القصائدية هي سياسة نقية ضد السياسة القمعية، ضد مجتمع الكراهية والحقد والتخلف . وهنا يندمج البناء الكَمي مع السلوك النوعي فيَنتج ما يمكن تسميته بالجمعنة القصائدية، حيث يَذوب الجزءُ في الكُل، وتحل أبجديةُ الثورة مكان أبجدية الاستجداء ، ويقوم التأصيلُ البؤري الماحي بمقاومة أيديولوجية الرغبة الشهوانية العبثية، وسحقِ ثقافة الرعب ، وإلغاءِ تكريس الصمت القاتل في النّص الشِّعري ، والنّصِّ المجتمعي.
     وهكذا نجد أن المحتوى الذهني لامتدادات الأفق الشِّعري يأخذ شكلاً بنائياً مميّزاً، وهذا الشكل ما هو إلا انعكاس خلاق للطبيعة الكلامية المفتوحة على كل احتمالات التسييس النوعي المنضبط بظاهرة التكوير النّسقي ( جمع الأنساق بعضها إلى بعض ) . واعتماداً على هذه الرؤية ، فإن البُنية النّصية المكثّفة ستنكمش عندما تواجه بُنى ثقافية أكثر ثورية وجماليةً ، فالضعيفُ خاضعٌ للقوي ، وضوءُ الشمعة يَفقد معناه عندما يُواجِه نورَ الشمس .
     وهذا الأمرُ يَنبغي أن يقودنا إلى رفض القرارات الأحادية التي تؤخذ بمعزل عن المسارات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية للعمل الأدبي . فالأدب سوسيولوجيا رمزية لتاريخ اقتصادي كلامي يبحث في المخيال الواقعي . ومع هذا فالأدب ليس تأريخاً للأحداث بِقَدْر ما هو تأريخ للخيال القادم كالطوفان إلى أرض الواقع .
     وإذا فهمنا أشكالَ العلاقات الذهنية في وظيفة الرؤى المتمردة ، استنتجنا حتميةَ الصدام بين الثنائيات المشكِّلة للقصيدة . وهذه الثنائيات تؤول إلى صراع طبقي من نوع جديد في البنية الشِّعرية، صراع لا دخل للفقراء والأغنياء به . والجديرُ بالذِّكر أن ثقافةَ الصراع الاجتماعي _ في كثير من الأحيان _ تضرب على السطح دون الغوص إلى الأعماق بعكس ثقافة مجتمع القصيدة .  
     إنه صراع طبقات اللغة بين مستويات الكتابة الإبداعية ، ينقسم إلى صراع داخلي وصراع خارجي. الداخلي يقوم بالتجريد والتعرية المستدامة للانهيار الحضاري الذي أصاب الإنسان المادي، والخارجي يقوم بالتجرد من تبعات هيمنة إسهامات البشر المحتشدة في اللغة . فالتراكمات البشرية اللغوية ليست هي اللغة ، لأن اللغة أوسع وأعمق وأكثر شِعرية مِن رُوح الإنسان وطِينيته .
     وبالتالي تكون اللغةُ حُجّةً على المتكلمين بها ، والعكس غير صحيح بالمرة. وبالتالي ينبغي تنقية الفردانية     ( الشخصانية ) المتعالية من رواسب إنتاجات اللاوعي المطْلقة . أضف إلى هذا أن عوامل زلزلة أساسات المجتمع الشِّعري الخاضع للسُلطة السياسية والاجتماعية ذات المنظور السلبي ، لا بد أن تظهر في النتاج الفلسفي على جميع المستويات الأدبية ، تمهيداً لصناعة أصعدة جديدة حالمة تهدم الكياناتِ المعزولة عن مشكلات المجتمع الإنساني .
     فالشاعر الذي يكتب قصيدة لا تخدم قضية إنما هو يكتب ضد الكتابة ، فتقف القصيدةُ رغماً عنها في مواجهة القصيدة ، وهذه هي حالة التلاشي التدريجي لعملية عقلنة مساحات اللاوعي الشِّعرية [(1)].
     ينبغي توجيه الانتباه إلى الاستعارات الوظيفية المقابِلة لحالات توهج المعلومة المدهشة ، فالشِّعر عقلُ الدهشة وقلبُها النابض ، وهو يوصل معلوماتٍ محددة موغلة في الرمزية والتوهج والدهشة ، وبالتالي فهو يختلف عن الكتابة الصحفية أو كتابة الدراسات العلمية المنهجية .
     إن اختزالَ البنى السياسية الشعرية في نص مكثَّف عمليةٌ غاية في الصعوبة ، لأنك تُعبِّر عما يعتمل في نفسك من محيطات ذهنية وواقعية مترامية الأطراف بكلمات معدودة على الأصابع ، وهذا بحد ذاته أداء نسقي يَطحن روابطَ التجمعات البدائية داخل الاشتعال العاطفي المتراص .
     وإننا لسنا بحاجة إلى دمج الحدود الفاصلة بين طبقات القصيدة فَحَسْب ، بل تكسيرها أيضاً وإقامة مملكة مفتوحة على كل تشكيلات الوعي المطْلق بقضايا الإنسان ، وعناصرِ الطبيعة . وهكذا تزداد عناصرُ الحالة الماورائية التي تحدِّد مسارَ التأصيل المعرفي للموروث الشعري الملتزم بالرؤية الكَوْنية الشاملة،والقضايا الكبرى،والنظرِ للإنسان كإنسان، مع ضرورة التفتيش في الذات الجوانية قبل إصلاح الأطر الخارجية . فلا يُعقَل أن يُصلح الإنسانُ بابَ جاره وينسى أن بابه مخلوع . إنها عبثية اللامعنى ، بل هي وأد المعنى لصالح توتر العلاقات بين الأفكار المركزية . وهنا تَظهر أهميةُ النزعات المتضافرة لتنسيق الفكرة الشِّعرية الخلاقة التي تَكسر قالبَها ، لتظل مُحلِّقةً في فضاءات أكثر رحابة وأكثر ثورية . وإذا أغفلنا هذه النقطة فسنصل حتماً إلى وضعية التنافر الأحادي والجمعي ، تنافر المفردة مع أختها المفردة ، وانهيار المدلول في فوضى المصطلحات الوافدة العابثة .
     لقد كان تقزيمُ مُسَلّمات العمل الوظيفي الموجِّه لمسار البنية الاجتماعية الوجدانية هدفاً يعتنقه الكثيرون من الذين سَلّعوا الإنسانَ وفلسفةَ وجوده ، فتاجروا بالاثنين معاً من أجل خلق أنظمة عبثية تعتمد على الفوضى الخلاقة ، فظهر الأمر كنزوة متنازع عليها . وإن استيراد الوقائع الاجتماعية ومحاولة إسقاطها على وُجهة المدلول الشِّعري، أدى إلى توتير التمييز الهش بين السمات التي تُثَوِّر النَّصَّ .
     كُل ثقافةٍ سلبية فراغٌ في قلب النسغ الإنساني المتكور في دائرة الصمت . ولا بد من بناء الثقافة وفق شكل منطقي وإيجابي، ثم إحالتها إلى قيمةِ رفضٍ قائم على توظيف المدلول السيكولوجي في الدلالة المعرفية ذات الأبعاد الملتزمة بمناهج سياسة الشِّعر . وهكذا نعيد اكتشافَ كينونة البناء الذهني على أساس الفعل لا رد الفعل .
     فالشاعر ليس صحفياً أو مراسلاً حربياً ينقل الأحداث كما هي . إنه رؤيةُ الضميرِ الواعي للأحداث الإنسانية الكَوْنية. أمّا أولئك الذين يَنسخون ثقافات الوهم الصابوني ( الهلامي ) ثم يحاولون إسقاطها على الواقع الفكري ، فلا بد أن يَسقطوا في فخاخ الحضارة الشاذة، والخديعةِ الشاملة التي يُروِّجها المصابون بالعُقد النفسية، وعلى رأسها عُقدة النقص. كما أن عُقدة " المغلوب مولع بتقليد الغالب " مِن شأنها خلط الأوراق الثقافية بشكل مضطرب يؤدي _حتماً _ إلى عدم التمييز بين الموجب والسالب . وهذا السقوط المريع يرتكز إلى سياسة الإقصاء، إقصاءِ الملتزمين بالنهج الإنساني التثويري لِمَا فيه مصلحة المركّبات الوجدانية التي تسمو بالإنسان وتقوده إلى حالة الامتلاء الروحي تأسيساً لمرحلة إعطاء المادة أبعاداً روحية شِعرية .
     لا بد من صناعة نظام وجداني يحقن الشِّعرَ بعوامل التمرد على صورة المنظور الأدبي المعلّب الجاهز ، ويُغربِل القصيدةَ بشكل فعّال . وإن لم تنجح عملية الغربلة فلا بد من هدم القصيدة ثم بنائها من جديد حتى يتسنى لنا جَسر الهوة بين المعطياتِ الواعية وشرعيةِ الفِكرة التي لا تَخضع لسيف السُلطة _ مهما تعدّدت أشكالُها _ . وإذا فهمنا هذه النقطةَ فهمنا قيمةَ الرفض ، والمنحى المتماسكَ في مسار التكوين الفلسفي للنّص الشعري غير الملوّث بأيديولوجية الأنظمة الشمولية القامعة للإبداع تحت غطاء تشجيع الإبداع ! .
     وإننا لنجد أن تشكيلات المنظور المتمرد على ثقافة الرعب التي تكرسها المؤسسات الحاكمة باسم الخديعة، تتصل بصورة أو بأخرى بالمدلول الواسع للثقافة الثورية المختزَلة في الشِّعر ، باعتباره الشكل الرمزي الفلسفي الأعلى في هرم العمل السياسي الأدبي المتسلسل. وبتطبيق هذه الأفكار على مسار الصفات التي تُعلِّل جدوى التفريع المجتمعي في النسق الوجداني ، تتضح لنا التكوينات غير النمطية للنظام الاجتماعي التاريخي الرمزي ، حيث يصير تاريخُ القصيدة رمزاً لتاريخ لم يُكتَب بعد .
     وفضلاً عن ذلك فإن التاريخ الذي يُؤَرّخ في القصيدة بشكل مكثّف ورمزي وحداثي يُعتبر عضواً في جسد الحلم الذي لا يتبخر، الحلمِ المتجسد في جزئيات العمل التعبيري للصيغة الأدبية التي لا تتعب من طرح الأسئلة، ليس من أجل الحصول على أسئلة جديدة فَحَسْب، بل أيضاً لصناعة إجابات منطقية تعطي الإنسانَ بعداً جديداً ممزوجاً بقيم الاكتشاف والبحث والتجريب .
     وهكذا نجد أن الشِّعرَ صار حكومةً قائمة بحد ذاتها ، أو حزباً سياسياً يمتلك بُنيتين تحتية وفوقية متماسكتين. ولا بد من التوفيق بين هذين المستويَيْن كخطوة ابتدائية في طريق حياكة خيوط التناغم الخلاق بين طبقات الشِّعر .
     ولإنشاء هذا التناغم علينا تفعيل تسييس الثقافة في أزمنة النَّص اللامكاني . وهذا لا يَعني عدم تحدُّث النّص الأدبي عن مكان محدّد ، وإنما يعني أن المكان يتسع ليشمل أمكنة كثيرة ، فليس المكانُ إلا رمزاً كبيراً لكل الأمكنة. وقياساً على هذا يصير الإنسانُ رمزاً لأخيه الإنسان في تطلعاته وآماله وانطلاقه نحو مجد إنساني واعٍ لمجريات التداعي المنطقي في الذات القصائدية. وعندئذ يَشعرُ الإنسانُ بالجَمال مِن حَوْله ، ويراه بعيونه ، وليس بعيون الآخرين .
     إن الروحَ الفلسفية المبنية على التبادل الحر بين المفردات والمعاني ، تقودنا إلى صياغة محيط متآلف يحتوي على عناصر الاتزان والحركة والرؤية. فالحدود التي تفصل بين طبقات القصيدة هي حواجز وهمية ووقائع اجتماعية لا تاريخ لها سوى الوهم الجاهز.ولا يمكن للقصيدة أن تنطلق إلا إذا أزالت الحدود بينها وبين نَفْسها .
     وبالتأكيد فإن مفهوم الدلالات الواعية يخترق مفهومَ الحدود الوهمية التي تنتشر بفعل تقصيرنا في إتمام عملية البناء السوسيولوجي للعامل الأدبي . وكلما نمت تاريخيةُ التطابق الذهني العاصف ، اتسعت جغرافيا مناطق المستحيل المعرفي [(2)]. الأمرُ الذي يَقود إلى المعرفة المستحيلة التي هي نتاجٌ طبيعي للتوغل غير المحسوب في التأملات التاريخية ، وعزلها عن مسار الحضارة . 
     والبنائيةُ الشِّعرية المصبوغة بالحلم الفلسفي تحمي الشاعرَ من فخ التشيؤ ( حيث يصير الإنسانُ شيئاً يُباع ويُشترى ضمن جدلية ميكانيكية ). والتشيؤ يَقضي على الشِّعرية ، ويُجهِز عليها بشكل نهائي ومرعب . ولا يملك الشّاعرُ إلا أن يَكسر خرافاتِ الجدلية المادية الآلية ، لأنه أعرف الناس بامتداد المشاعر ، والتأملاتِ الروحية المحلِّقة .
     ويترافق مع عملية نقض التكريس المادي الميكانيكي تحطيمُ الخيال المكرِّس للخيال . فالخيالُ الواعي لا بد أن يكون خطوةً في طريق العمل الواقعي الفعال ، وهكذا نكتشف أن الخيالَ هو اجتماعيةُ الواقع، اجتماعيةُ المنظور المعرفي الملموس الطامح إلى جمهرة الشِّعر، أي إيداعه في أحضان الجماهير ، وجعله خبزاً يومياً للإنسان العادي. وهذا الأمرُ لا يعني إلغاء البُنى الشعرية النخبوية، فهذه البُنى لها سياقُها الخصوصيّ البعيدُ عن الجماهير ، والمتّصفُ بالرمزية الكاسرة للأحكام الاجتماعية المعلّبة .
     وهذه الرمزيةُ الثائرة هي النواة الملتهبة التي تذوِّب الفروقاتِ بين الشِّعر والنثر. ففي بركان الحرارة العاطفية الجياشة تغيب الفروقاتُ بين المدلول الشِّعري والدلالة النثرية ضمن ثنائية واعية وليست عَدمية أو عبثية . وإذا أدركْنا هذا المنحَى جيداً ، أدركْنا قدرةَ القصيدة على فرض شروطها على المتلقي كما تفرض الذاكرةُ شروطَها على النِّسيان .
     وفي كل الحالات ، سوف يستمر الدعمُ الذي تقدمه الصورةُ الشعرية لعناصر الشرعية البؤرية في سياق الكلام . وهذه العناصرُ تساهم في خلق متوالية تكاثرية تصنع قانونها الخاص بها ، انطلاقاً من حركات معرفية دائمة البحث عن معنى .
     والشّاعر هو مَلِكٌ لا ينفك يبحث عن عرشه المفقود ، وهذا هو القَلَق اللذيذ . إنه قَلَقٌ ينقل الأبجديةَ العقلية من نمذجة المصطلَح الجاهز إلى صناعة مصطلَحات دائمة الاكتشاف . وهذا يعني الانتقالَ من صناعة النمذجة ( تشكيل النماذج الجاهزة على صور مسلّمات ) إلى صناعة تعابير مسكونة بهاجس التنقيب عن مواطن الإبداع . والجدير بالذِّكر أن صانعَ النّص الإبداعي يَكتشف ذاته في مشروعه الأدبي من أجل أن يكتشفَ هذا المشروعُ ملامحَ وجه الشّاعر واتجاهاتِه .
     ويمكن اكتشاف الذات الإنسانية الجوانية عن طريق اكتشاف ذوات الآخرين ، لأن الكلمة تخرج من الفرد الذاتي ، وتعيش في كيانات إنسانية متعددة ، وهكذا نفهم عملية التقمص التلقائي المتبادل بين الشاعر والمتلقِّي . وهنا تتعدد الأنا الواحدة لتشمل ذوات الآخرين .
     فالشِّعر صوتٌ ، والمجتمعُ الكلامي صدى لهذا الصوت الصاعق . ولو اتجهنا إلى علاقات النصوص المتقابلة داخل النّص الشِّعري المكثّف ، لأدركْنا حتميةَ الصدام بين مكوِّنات القصيدة ، وهذا الصِّدامُ يَنقل الرؤيةَ التعبيرية من خَط الموازاة مع الذات إلى دائرة مُعادَلة الذات .
     وفي حقيقة الأمر ، إن الكلام هو الذي يُقولنا ولا نَقوله. والشِّعرُ لا يُعطيكَ إحدى مفرداته إلا إذا أعطيتَه كُلَّكَ . وبالتأكيد فهذا لا يعني أن يتقوقع الشّاعرُ على نَفْسه ويبتعد عن باقي العلوم والمعارف. لكنّ المقصودَ هو أن تَهب نَفْسَكَ للشِّعر في لحظة التقاء عينيكَ بجيش الحروف الذي يهاجمك بلا إنذار مسبق. وتُشبه الحروفُ في هذا السياق الثوري نوابضَ مغناطيسية تلسعك لأنها تحبك وتريدك قريباً منها .
     ويجب أن نلاحظ الأدوار التعبيرية التي تجسِّد طموحاتِ سياسة الشِّعر في تكوين جيل مؤمن بالحقيقة رافض للأوهام المتكاثرة ، لأن الإيمان لا ينفصل عن الثورة بأية حال من الأحوال . ولا يخفى أن تسييس المدرسة الشِّعرية لا يستلزم بالضرورة تقييد حرية حركة الصور الفنية والتعابير الرمزية ، لأن القضية الحقيقية تُحضِر معها خَيالَها الخاص عندما تزوركَ أو تفرض نَفْسها عليكَ .
     وفي هذا المضمار تبرز حتميةُ التحويل الجغرافي في بنائية التاريخ الشِّعري ، أي تحول المكان إلى زمان، وتحول القصيدة إلى تاريخ جديد ، وجزء من رواية عجائبية لا تعتمد على السّرد ، بل تعتمد على التقاط اللحظة ، وتثويرها ، وإحاطتها بهالة رمزية ذات هدف واضح .
     وفي زحمة الاشتعالات الرمزية ، تتجذر القيمُ الشِّعرية من أجل قلب نظم حُكم القصيدة ، وتكوينِ نظام جديد نابع من صيرورة المتحوِّلات البنائية العامة والخاصة . وبعبارة أخرى ، إن الشِّعرية تنقلب على الشِّعرية من أجل نيل شَرعية النظام القصائدي المتمتع بالثورية والديمومة والشباب الدائم . الأمرُ الذي يَقود إلى حقن المركَّبات الاجتماعية بالمعاني الإنسانية ، وتأجيجِ عنف اللغة ذهنياً . واستناداً إلى هذا الحِراك الفكري ، فإن كثيراً من النماذج الاجتماعية سوفَ تنشأ من الوعي المعرفي ، وتسيطر على النسق الشِّعري . وهذا الأمرُ يمثِّل ركيزةً أساسية في مجال تشكيل الوعي الموجب ، وتعبئته ضد الوعي السُّلطوي المفروض على النَّص من خارج النَّص . والمقصودُ بهذا الكلام هو ألا تَخضع القصيدةُ لابتزاز خارجي متمثل في إفرازات السُّلطات القمعية الأبوية التي تصيغ الثقافةَ والحياةَ وفق منظور يُرسِّخ سيادةَ الوهمِ البوليسي. وهكذا ، يجب أن يقف الشِّعرُ موقفاً مناوئاً لأيديولوجية الثقافة القامعة المقموعة المتعارضة مع المبادئ العامة لحرية الفكر والتعبير.
     إن إدارةَ موارد الصيغة الكلامية ينبغي أن تتمتع باستقلالية بؤرية لكي تصير موقفاً سياسياً مناصِراً للمعاني الإنسانية . وبالتالي ، فليس غريباً أن تكون القصيدةُ موقفاً سياسياً ملتزماً. ولا نعني بالالتزام هنا أن يتحجر الشخصُ ولا يُغيِّر أفكارَه إذا ظهر له الحق على الجانب الآخر ، بل نعني الالتزام بقضايا الحق والعدل، وأن تقف القصيدةُ وصانعُها إلى جانب الحق بغض النظر عن مصدره. فالحق أحق أن يُتَّبع ، وهو بحد ذاته قيمة مستقلة عن الابتزاز السياسي ، والابتذالِ المتغطي بالأدب المخصَّص لمديح الجلاد ، والارتماءِ على أعتاب السلاطين من أجل استجداء المال أو المنصب .
............الحاشية..................
[(1)] عملية العَقْلنة في كل سياقات العلوم الإنسانية تعني جعل الطبيعة الأبجدية للمعنى البشري الثقافي عقلانياً، ومحسوباً بعناية فائقة ، بعيداً عن الارتجال العاطفي ، وفورةِ الحماس الشعاراتي المفرغ من معناه . فالمشروع الثقافي هو منهاج حياتي ذو مسار واضح ، ومعلوم البداية والنهاية وطبيعة المسار .

[(2)] إن سوسيولوجيا الإبداع تتجلى في الاختلاف التكاملي لا التطابق التماثلي . فالذَّكر يجد نصفَه الآخر مع الأنثى لا الذَّكر ، من أجل تكوين منظومة التكاملية التجاذبية لا التنافرية . فلا بد من النظر إلى ماهية التطابق كإجراء تكاملي مع الاختلاف ، لا كإجراء متماثل متنافر . فمن شأن التنافر إضاعة الوقت في اختراع ثنائيات افتراضية لا تلتقي ، مما يؤدي إلى تفشي ظاهرة المستحيل . وعندئذ تصبح التكاملية شعاراً بلا معنى ، ومضيعةً للوقت ، وحالةً عَدمية مستحيلة الحدوث على أرض الواقع .