سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

20‏/06‏/2017

المرأة التي تكرهني تُحرّرني

المرأة التي تَكرهني تُحرِّرني

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

جريدة رأي اليوم ، لندن ، 20/6/2017

................

(1) المرأةُ التي تَكْرَهُني تُحرِّرني .

     الْحُبُّ نوعٌ من الاستسلام والخضوع . إنه الانكسار أمام القوة الناعمة . والمرأةُ التي تُحِبُّني تُحمِّلني فَوْقَ طَاقتي ، وتضغطُ على أعصابي ، وتفرضُ عليَّ شُروطَها بدافع الحب والتهذيبِ . وهذا يَجعلني خاضعاً لإملاءاتها ونظامِ حياتها . وبالتالي ، أخسرُ إيقاعي الشخصيَّ ، وأَخْرجُ مِن جِلدي شَيئاً فشيئاً، وأفقدُ هُوِيَّتي المميَّزة ، ونظامَ حياتي . وبعبارة أخرى ، سَأُسَلِّمُ أسلحتي لها ، وأُضحِّي بنقاطِ قُوَّتي في سَبيل أوهامٍ عاطفية عابرة . والبقاءُ على الشاطئِ أفضلُ من الإِبحار بلا بوصلة . أمَّا المرأةُ التي تَكْرهني فهي تُسدي إِلَيَّ مَعْروفاً ، تُريحني وتُريح نَفْسَها . تُريحني مِن الضَّغطِ والتَّضحيةِ ، وتُريحُ نَفْسَها مِن ذِكرياتي وأحزانِ طفولتي ، فَنَصِلُ إلى حالة التعادل ، فلا أَفرضُ عليها شُروطي ، ولا تفرضُ عليَّ شُروطَها ، وهذه العمليةُ هِيَ جَوهرُ الحرية والتَّحرر والتحرير . حيث لا غالب ولا مغلوب .

(2) البَشرُ يَخْترعون حَواجز وهميةً ثم يُضيِّعون وَقْتهم مُفكِّرين في تجاوزها .

     إِنهم مَرْضى بالوَهْم . خَيالُهم المريضُ يَبْني لهم قُصوراً مِن الرِّمال . يَخْدَعُهم السَّرابُ فَيَخْدَعون أَنْفُسَهم وَيُصَدِّقون الأُكذوبةَ . الحياةُ كُلُّها أُكذوبة. وَبَعْدَ ذَلكَ يَمْضون في حَياتهم تَائِهين ، يُضيِّعون وَقْتَهم وَجُهْدَهم مُفكِّرين في كَيْفيةِ الانتصار على السَّرابِ ، وسَحْقِ الهواء ، وتفسيرِ الماءِ بالماء .

(3) يُولَدُ الإِنسانُ عِدَّة مَرَّاتٍ ، ويموتُ عِدَّة مرات .

     الإنسانُ هُوَ الخرافةُ المركزيةُ في هذا العالَمِ . جَاءَ مِن التُّرابِ وَسَيَعودُ إلى الترابِ كأنه لم يأتِ أصلاً. له وِلاداتٌ عديدة، وَهِيَ انبعاثاتٌ وإشراقاتٌ وَقْتيةٌ ، لَيْتها كَانت دائمةً . وفي نَفْسِ الوقتِ يَموتُ أكثر مِن مَرَّة . وحالاتُ مَوْته هِيَ نِقاطُ ضَعْفه ، ولحظاتُ انكساره ، وضَياعُ أحلامه . وَسَوْفَ يَظلُّ الإنسانُ حُلْماً هُلامياً ضائعاً في بحر متلاطم الأمواج .

(4) أشتاقُ إلى الأزمنةِ التي أَنبعثُ فيها .

     هذا أنا أشتاقُ إلى حَركةِ الزَّمن التي تتفجَّرُ فِيها أحلامي ، وتتدفَّقُ على سَطْحها ذِكْرياتي . وأشتاقُ أيضاً إلى تضاريسِ التراب ، تِلْكَ الأمكنة التي أُذبَح فيها مبتسماً كالأبله . لَقد صَدَرَ الْحُكْمُ قَبْلَ المحاكَمةِ. انبعاثِي مَوْتي . إِنَّهُ الصُّعودُ إلى الهاويةِ . إِنَّه عَوْدةُ التُّرابِ إلى التراب ، وَرُجوعُ الطِّفلِ إلى حِضن أُمِّه .
(5) الانكماشُ في الأنا العُليا أَساسُ كُلِّ جَريمةٍِ .

     عِنْدما يَتَقَوْقَعُ الشَّخصُ في ذَاته ، ويُعْلِي قَدْرَ نَفْسِه على حَسابِ الآخرين ، سَوْفَ يَسقطُ في حُبِّ الذاتِ وازدراءِ غَيْره . وهذه الأنانيةُ المفرِطةُ هِيَ الأساسُ الفكريُّ للجريمةِ . فالجريمةُ هِيَ مُنتهى الأنانية ، والحقدُ على الآخرين ، والطمعُ الجنوني . المجرِمُ جَعلَ لَذَّته هِيَ مَركز الدائرة ، وجعلَ مُتعته فَوْقَ شُعورِ الآخرين وحياتهم ، فَسَقَطَ في الهاويةِ السَّحيقة ، وهُوَ يظنُّ أنه يَصعد إلى القمة .

(6) وَراءَ كُلِّ طاغية فَيْلسوفٌ مُنْحَرِفٌ .

     الانهيارُ الأخلاقيُّ لم يجئ بِمَحْض الصُّدفةِ . إنه نتاجٌ تراكمي ، وبناءٌ طبقي شديد التعقيد ، وجذورٌ مسمومة ضاربة في الأعماق . وما كان لهذه الجذور أن تجد أرضاً خصبة لولا وجود الفلاسفة المنحرِفِين الذين يَجعلون النهارَ لَيْلاً ، والليلَ نهاراً . يَستخدمون المنطقَ لِشَرعنة الأوهام ، ويتلاعبون بالكلماتِ الرَّنانة لتزيين القُبحِ ، وتحويلِ الرائحةِ الكريهة إلى عِطر فَوَّاح .

(7) يَتخلَّى الفردُ عن انتمائه الوطنيِّ حين تُشْعِرُهُ حكومتُه أنَّ وُجودَه كَعَدَمِه .


     حِينَ يَشعر الفردُ أنه رَقْمٌ تافه في أرشيف ذاكرة المجتمع ، فسوفَ يَنسحب من مجتمعه لِيَسقطَ في بِئر ذاته ، فينسلخ عن هويته، ويتخلى عن الانتماء ، لأن الانتماء _ حينئذٍ _ يُصبح عِبئاً عليه ، وحِملاً ثقيلاً . وهكذا يَفقدُ الفَردُ ظِلَّه ، ويُصبحُ عاطلاً عن الوطن ، ويَخسرُ اسْمَه ، فيكتسبُ اسماً جديداً قاتلاً هُوَ " اللامنتمي " .

17‏/06‏/2017

قلوبنا معك وسيوفنا عليك / قصيدة

قلوبنا معك وسيوفنا عليك / قصيدة

للشاعر/ إبراهيم أبو عواد

...................

     إِنَّنِي السَّفَرُ حِينَ قُتِلَ الْمُسَافِرُ / أَطَاحَ الْغُرُوبُ بِمَمْلَكَةِ الْجَسَدِ الْمُحَمَّصِ / وَأَبْرَاجُ دَمْعٍ يَذْبَحُ عِشْقَ الْجِبَالِ / الصَّحَارِي تَنْتَهِي مِنْ مُمَارَسَةِ الْجِنْسِ / ثُمَّ تُصْدِرُ أَحْكَامَ الإِعْدَامِ بِحَقِّ فَرَاشَاتِي / اتْرُكُونِي لأَتَّحِدَ مَعَ اللازَوَرْدِ الْعَاشِقِ / وَتَبْقَى رَائِحَةُ الْمَجَرَّاتِ عَلَى شَوَاهِدِ الْقُبُورِ / الْمَوْتَى جِلْدُ الرِّمَالِ / وَجِرَاحُ الضَّبَابِ تَحْمِلُهَا الْخِيَامُ عَلَى ظَهْرِ طَاوُوسٍ مَيِّتٍ / يَمْتَطِي عُكَّازَتَيْنِ لإِيهَامِ الشَّجَرَاتِ أَنَّهُ حَيٌّ ! /

     الليلُ أَضَاءَ نَخِيلَ كُهُوفِ رِئَتِي مِنْ مَجَرَّاتِ الْكَلِمَةِ حَتَّى حُفْرَتِي الْمَثْقُوبَةِ / بَلَدِي ذَلِكَ الارْتِعَاشُ النَّازِفُ فِي أَكْوَاخِ وَرِيدِي / مَاذَا سَتَفْعَلُونَ بِمَا تَبَقَّى مِنْ شَكْلِي ؟/ أَخِي حَجَرَ الرَّحَى الْبُرُونزِيَّ/ تَكَاثَرْ فِي أَحَاسِيسِ الْقَرَنْفُلِ غَيْرِ الْمُسْتَوْرَدِ/ وَشَارِكْنِي صَمْتَ حُرُوفِ الْوَرْدَةِ الْمُتَفَجِّرَ / وَحَفْرَ أَخَادِيدِ وَجْهِ الطُّوفَانِ / رَأْسُ الْحُسَيْنِ تَدُورُ فِي دَوَرَانِي حَوْلَ رَأْسِي الْمَقْطُوعِ / وَالأَرْضُ تَفْتَحُ فِي كَتِفِي شُبَّاكَاً صَغِيرَاً لِعَابِرِي السَّبِيلِ / لِيُطِلَّ الزِّئْبَقُ عَلَى أُذُنِ الرَّصَاصَةِ / وَهِيَ تَمُصُّ الْغُصُونَ على شِفَاهِ حَضَارَةِ الْقَنَابِلِ / قَبْرِي دَمَارٌ لِلدَّمَارِ / وَلَيْلِي نَهَارٌ لِلنَّهَارِ / فَاقْتُلِينِي يَا ذِكْرَيَاتِي كَيْ أُولَدَ نَقِيَّاً / خَسِرْتُكِ وَخَسِرْتِنِي / وَفَازَ الدُّودُ بِجَسَدِي / وَالْمَسَاءُ قِطْعَةُ لَحْمٍ عَابِرَةٌ فِي خَاصِرَةِ الْعِنَبِ /
     ثَلاجَةُ الْمَوْتِى الضَّيِّقَةُ / وَآخِرُ عَذَابَاتِ الْحَمَامِ / حَبْلٌ يَتَدَلَّى مِنْ سُرَّةِ جُثَّةِ الشَّلالِ / إِلَى قَاعِ ظِلِّي فِي الأَنَاشِيدِ الْمُرَاقَبَةِ / أُحِبُّ أَشْيَاءَ الْوَادِي حِينَ تَحْيَا وَتَمُوتُ / لأَنَّ الصَّخَبَ حَفَّارُ قُبُورٍ ثَائِرَةٍ/ كَرَجْفَةِ الرَّاهِبَاتِ الْمَصْلُوبَاتِ عَلَى أَبْرَاجِ الْكَنَائِسِ / فَلْنَهْبِطْ إِلَى ضَوْضَاءِ دَمِنَا يَا جَدَّتِي / هَذِي رِحْلَتُنَا / نَجُرُّ أضْرِحةَ العَصَافيرِ / وَنُفَرِّغُ أَكْتَافَنَا مِنْ صَرَخَاتِ الْقَشِّ / فِي ضِحْكَةِ الْغِيَابِ غَيْرِ الْغَائِبِ / أَنَا السُّجَنَاءُ وَالسُّجُونُ / فَكَيْفَ تَسْجُنُونَنِي ؟!/ لا رَعْدٌ حَوْلَ دَمِي يُذَكِّرُنِي بِذَاكِرَتِي/ وَلا مَطَرٌ فِي قَلْبِي يَحْتَلُّ مَأْسَاتِي/ كُنْتُ الْحُبَّ الأَوَّلَ فِي حَيَاةِ الْمَقَاصِلِ / تَنْشُرُ النِّساءُ أحزانَهُنَّ على حَبْلِ الغَسيلِ/والعَاصِفةُ الرَّمْليةُ تَدْهَنُ ثِيابَ الحِدَادِ بالقُشَعريرةِ / أَدْرِكْنِي حَيْثُ تَتَفَتَّحُ قَبْضَةُ الضَّجَرِ أَبْوَابَاً لِلْمَسَالِخِ / وَتَطْلُعُ أَشْتَالُ التَّبْغِ مِنْ بُطُونِ الأَطْفَالِ الْمُقَطَّعَةِ / أُوَزِّعُ هُمُومِي عَلَى بَرَاعِمِ مَقَابِرِنَا الطَّرِيدَةِ / أَيْنَ الذِّكْرَيَاتُ الْهَنْدَسِيَّةُ يَا حَفَّارِي الْقُبُورِ الْكِلْسِيَّةِ ؟ /
     مُشَرَّدُونَ وَسَمَاسِرَةُ وَذُبَابٌ خَشَبِيٌّ / وَفِي ضِحْكَتِي أَثْمَرَ زَوَاجُ السُّلِّ مِنَ الْمِدْخَنَةِ أَرْبَعِينَ سِكِّينَاً / تَمْتَصُّ أُرْجُوانَ الْحَدِيقَةِ / نَزْفِي انْتِخَابُ مَلِكِ التَّشَرُّدِ / وَجَوَازُ سَفَرِي نَخْلٌ خَجُولٌ / أَتَتْ وُجُوهٌ / لا جِنْسِيَّةٌ ولا مَطَارٌ / وَأَلْقَابُ الصَّقْرِ لِلْمَجَاعَةِ حُقُولٌ / طَابُورُ بَنَاتٍ أَمَامَ قَصْدِيرِ الْمَذْبَحِ / الْجَرْجِيرُ قَبِيلَةُ السُّيُوفِ / أَلْصِقْنِي عَلَى وَجْهِي / أَنَا تَوْأَمُ الرَّحيلِ / أُشْبِهُ ذُرِّيةَ الزَّيْتُونِ / وَالزَّعْفَرَانُ الصَّرِيعُ عَلَى لافِتَاتِ الْعَاصِفَةِ / هَذَا الْخُبْزُ وُجُوهُ الْمَطَرِ / كَأَنَّكَ أَنَا / مَنْ دَمِي ؟ / وَأَيْنَ أَيْنِي كَيْ أَرَى ؟ / أَشْبَاحُ قِطَطٍ فِي مُحَاكَمَةِ الْجَسَدِ / مُوَظَّفُونَ يَجْلِسُونَ ضَاحِكِينَ فِي أَدْمِغَةِ ثَعَالِبِ مَحَاكِمِ الْعَارِ / رَحِيلُنَا عِنْدَ الْفَجْرِ يَا أُخْتَاهُ/ وَمَلابِسُنَا تَصْطَادُ الأَرَانِبَ الْمَنْفِيَّةَ فِي أَنِينِ الْبَسَاتِينِ/ الشَّمْسُ أَقَلُّ صَفَاءً مِنْ تَوْبَةِ الْمُرَابِينَ / ضَيَّعَنِي التِّرْحَالُ فِي عُكَّازَاتِ الْمَهَا/ فَوَجَدْتُ نَفْسِي صَدِيقَاً لِلْبُرُوقِ / كَأَنَّنِي أَلْمَحُ الرَّعْدَ تُضِيءُ ابْتِسَامَاتُهُ شُمُوعَ غُرْبَتِنَا / فِي أَدْغَالِ عُيُونِ الظِّبَاءِ / تَنْتَصِبُ الْخَنَاجِرُ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَنَوِيَّةِ الْمَنْشُورَةِ فِي أَجْسَادِ الْيَنْبُوعِ الثَّوْرِيِّ / كُنْتُ الْجَسَدَ أَقْوَاسَهُ الْبَيْضَاءَ عَلَى الْحَرِيرِ الأَسْوَدِ / إِنَّ أبراجَ الكنيسةِ مِثْلُ حَواجِبِ الرَّاهباتِ / والقِرْميدُ أجراسُ الخريفِ القاتِلِ /
     مُحَاصَرٌ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ / سَأُفَجِّرُ ظِلَّ الْخَطِيئَةِ / وَأَحْرِقُ الْخَطَايَا بِالنَّدَمِ / وَأُمَزِّقُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ عَلَى ثَوْبِ الرَّصاصةِ / وَيَكْسِرُ لَحْمُ كَلامِي أَقْفَاصَاً تَخْمِشُنِي / سَأَحْفِرُ قَبْرِي بِأَنْيَابِ مِلْحٍ مُسْتَعَارَةٍ / وَأُهَاجِرُ ضَوْءَاً لِلْيَدِ الْجَرِيحَةِ / الأَسْلاكُ الشَّائِكَةُ تَنْمُو عَلَى جِدَارِيَّاتِ أَنْفِي / وَحُجُرَاتُ الْمُعْتَقَلِ تَرْكُضُ نَحْوِي/ أُغْلِقَ عَلَيَّ/ أُرْسِلُ وَجْهِيَ الثَّانِي وَسَجَّانِي إِلَى أَرْشِيفٍ مَا/ وَأَذْهَبُ إِلَى مَالِكِ رُوحِي/
     يَا ضَوْءُ / هَل الْبَرَاعِمُ اعْتِذَارِي الْمُهَذَّبُ عَنْ حُضُورِ مَذْبَحَتِي ؟ / مِنْ كُتُبٍ تَفْتَرِسُ بَرِيقَ عَيْنِ الذِّئْبِ / يَخْرُجُ قِطَارُ الْحِبْرِ / وَيَذُوبُ فِي بِلادٍ تَبْذُرُ فِي نَظَرَاتِ الضِّبَاعِ / دُكَّانَاً لاسْتِثْمَارِ أَفْخَاذِ الْمَلِكَاتِ / أَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ فَأَرَى غَيْرِي / أَوْسِمَةُ بَشَرٍ نُسَمِّيهِمْ مُلُوكَاً / وَتُسَمِّيهِمُ الأَغْصَانُ الْبُرْكَانِيَّةُ ضَفَادِعَ / وُلِدَ غَزَالٌ أَعْوَرُ فِي الْمَقْبَرَةِ الرَّمْلِيَّةِ / وَمَاتَ فِي الْمَقْبَرَةِ الرَّصَاصِيَّةِ / وَقَضَى حَيَاتَهُ مَاشِيَاً بَيْنَ الْقُبُورِ الْمَاشِيَةِ /
     سَلامٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ / ضَحُّوا مِنْ أَجْلِنَا / نَحْنُ الْمُسْتَلْقِينَ سَجَّادَاً رَخِيصَاً فِي الْمَخْفَرِ الْوَحْشِيِّ / مَنْ سَيُصَلِّي عَلَيَّ صَلاةَ الْجِنَازة ؟ / الْمُرَاهِقَاتُ الْخَارِجَاتُ مِنَ الْمَسَابِحِ الْمُخْتَلَطَةِ ؟ / الْجَوَارِي الْمُسْتَحِمَّاتُ بِالْبَارُودِ الْمَغْشُوشِ لاسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ الْعَائِدِ مِنَ الْهَزِيمَةِ ؟ / عُلَمَاءُ الْبَلاطِ الَّذِينَ يُجَهِّزُونَ الْفَتَاوَى حَسْبَ أَمْزِجَةِ الشَّيْطَانِ ؟/ أَصْدِقَائِي الْمُعَلَّقُونَ عَلَى مَشَانِقِ شُرُفَاتِ الْخَوْخِ فِي حَدَائِقِ الْقَصْرِ الْمُتَفَشِّيَةِ فِي الْجَمَاجِمِ ؟ / جَارِي الْقَدِيمُ الَّذِي مَاتَ بَاحِثَاً عَنِ الْخُبْزِ النُّحَاسِيِّ وَرَأْسِ زَوْجَتِهِ فِي سِلالِ الْقُمَامَةِ ؟ / نَجْمَةُ السِّينَمَا الَّتِي تَعِيشُ عَلَى مُضَادَّاتِ الاكْتِئَابِ ؟ / رِجَالُ الأَمْنِ الْمُبَعْثَرُونَ فِي خُيُوطِ قَمِيصِي الْمُتَآكِلِ ؟ /
     أَشْرَبُ يَوْمِيَّاتِ الرَّعْدِ فَأَنْسَى هُمُومِي / مَغَارَاتُ يَدِي خُبْزٌ لِلْحَمَامِ الْمَسْلُوقِ / رَائِحَةُ الْكُلُورِ فِي قُبَّعَةِ الْمَاءِ / تَخْطُبُ دَرَجَ الْمَذْبَحِ / وَتَمَوُّجَاتِ إِبْهَامِ السَّجَّانَةِ الْعَزْبَاءِ / وَالْبَاعَةُ الْمُتَجَوِّلُونَ يَحْمِلُونَ ضَرِيحَ الْبَنَفْسَجِ / فِي أَكْيَاسٍ بِلاستِيكِيَّةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ / وَيَطُوفُونَ بِهِ عَلَى الْكَوَاكِبِ / حَيْثُ تَأْكُلُ الْوُرُودُ لَحْمَ الزَّهَايمرِ / الزَّهْرُ لُغَةُ الثَّوْرَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ أَسْنَانِي / وَتَرْقُصُ فِي سِينَاريُو مُحْتَمَلٍ لِتَشْرِيحِي / مِنْ أَيِّ رَحِمٍ خَرَجَتْ أَرْبِطَةُ الْجُرُوحِ ؟ / الْبَرْقُ عَلَى صَدْرِ الرَّعْدِ / يَا طِفْلَ حُفَرِ الْمَجَارِي النَّائِمَ فِي إِبْطِ مُسَدَّسٍ / دُلَّنِي عَلَى اسْمِ أُمِّي / فِي قَائِمَةِ الضَّحَايَا أَوِ الْمَفْقُودِينَ / أَنَا الْمَاءُ الْجَالِسُ فِي حِجْرِ الْيَانسُونِ / فِي مَوْسِمِ بَيْعِ نِسَاءِ الْقَبِيلَةِ / رَسَائِلُ بِالْحِبْرِ السِّرِّي إِلَى حَبِيبَتِي كَشْمِيرَ / غِيَابُ أُسْتَاذِ الرِّيَاضِيَّاتِ فِي الْمَدَافِنِ الْمُرَتَّبَةِ / جُودي فُوستر تِلْكَ الطِّفْلَةُ الضَّائِعَةُ / أَحْزَانُ فَتَاةٍ خَارِجَةٍ لِلتَّو مِنْ جَثَامِينِ الليْلِ الأَخْضَرِ / الْحَيَاةُ فِي وَطَنٍ مَيْتٍ /
     أَمِيرَ الأَنْقَاضِ / وَأَنْتَ تَتَعَشَّى مَعَ عَشِيقَتِكَ / فِي مَسَاءَاتِ كَوْكَبِ الزُّهْرَةِ / انْسَ الْبَشَرَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ غَيْرَ حِيطَانِ الزِّنْزَانَةِ لِيَمْضُغُوهَا / الْقُرَى الْمَنْحُوتَةُ عَلَى وَجْهِ الْقَمَرِ وَجْنَةٌ لِلْكَهْرَمَانِ/ قَافِلَةُ الْمَقَاصِلِ تُخَيِّمُ فِي سُرَّتِي/ فَيَضْحَكُ زِنْدُ الشَّمْسِ مِنْ نَزِيفِي الْمُنْهَمِرِ عَلَى جَبِينِ الزَّيْتون/ كُلَّمَا حَمَّلَنِي الْغُرُوبُ مَسْؤُولِيَّةَ الأَخْذِ بِثَأْرِهِ/ اكْتَشَفْتُ أَنَّ ظَهْرِي غِمْدُ سَيْفٍ / احْتِضَارُ غَابَاتٍ مَلْفُوفٌ بِالسُّيوفِ دَاخِلَ سَجَاجِيدَ فَاخِرَةٍ فِي الْكُهُوفِ/ تَجِيءُ دِمَاءُ الشُّموسِ مِنْ بَطْنِ حَبَّةِ الرَّمْلِ /
     يَا أَنَا / أَنَا وَأَنْتَ سَوْفَ يَلْبَسُنَا مَوْجُ الأَكْفَانِ / وَنَفْتَحُ جُلُودَنَا أَمَامَ سُلالَةِ الْمَجَرَّاتِ / دَعْنِي أَتَخَنْدَقْ فِي رَقَبَةِ أَبِي / حَيْثُ وَرَّثَنِي زَهْرَ مِشْنَقَتِهِ / مَاذَا طَبَخْتِ يَا رُعُودُ لِضُيُوفِكِ الْحَامِلِينَ لِجُثَّةِ الأَرْضِ / فِي لَيَالِي الشِّتَاءِ الصَّيْفِيِّ / قُرْبَ الغاباتِ السَّائِلةِ كَعَصِيرِ الدَّمِ فِي القِلاعِ ؟ /

     وَيَخْتَفِي الْعَسَسُ فِي أَكْوَابِ الشَّايِ الْمُتَجَمِّدِ / وَيَتَبَوَّلُ نِسْيَانُ القُبُّرَاتِ عَلَى قُبُورِ الْمُلُوكِ / أَجْسَادُ الْمَوْجِ تُقَايِضُنِي / وَلا قَمْحٌ فِي أَنْفِي / تَفِرُّ السُّنْبُلَةُ مِنْ ثِقَلِ قِنَاعِهَا مُتَدَاخِلَةً مَعَ الأعاصيرِ / شَوارعُ البَحْرِ اليتيمِ / أَدُورُ في عَرَقِ النَّيازكِ / بَاحِثَاً عَن الخبزِ وَمَرَقِ الْعَوَاصِفِ / أَنَا وَالْقِطَطُ الضَّالَّةُ نُفَتِّشُ عَنْ أَشْبَاهِ الطَّعَامِ / بَيْنَ الْجُثَثِ الْمَغْلِيَّةِ جَيِّدَاً/ الْمِدْفَأَةُ الْمُكَسَّرَةُ/ والزَّمْهَرِيرُ يَقْضِمُنِي عَلَى أَغْصَانِ الذَّاكِرَةِ/ فَتاةٌ فِي قَمِيصِ نَوْمِهَا الْقُطْنِيِّ / تَدْرُسُ الْكِيميَاءَ وَفْقَ الْمِنْهَاجِ الأَجْنَبِيِّ / وأنا أَدْرُسُ كِيمياءَ دَمي في الخِيَامِ / وَأَظَلُّ أَدُورُ عَلَى جَوارِحي / أُوَزِّعُ سُخُونَةَ دَمْعِي عَلى الأغرابِ / لأَنَّ صَبِيَّ الضَّوْءِ يَرْكُضُ فِي نُخَاعِ تُفَّاحَةٍ / وَيُفَتِّشُ عَنْ جُثَّةِ أُمِّهِ فِي جُثَّةِ أَبِيهِ / ثُمَّ يَذْهَبُ إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ / قَتَلَنِي رَمْلُ الشُّهُبِ فِي رَقْصَةِ الْحِجَارَةِ / فَرَثَانِي اسْتِسْلامُ الأَمْوَاجِ لِذِكْرَيَاتِ الصَّاعِقَةِ / سَتُضَيِّعُ وَقْتَكَ إِنْ حَفَرْتَ قَبْرَكَ / وَانْتَظَرْتَ مَلَكَ الْمَوْتِ كَيْ يَأْتِيَكَ .

14‏/06‏/2017

الوردة التي لا تدوسها الأقدام

الوردة التي لا تدوسها الأقدام

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

جريدة رأي اليوم ، لندن ، 14/6/2017

....................

(1) كُن وَردةً تَنشر عِطْرَها ، ولا يُمكن سَحْقُها تَحْتَ الأقدام .
     التَّسامحُ لا يَعْني الضَّعفَ والخضوعَ . فالتسامحُ قوةٌ وانتصار . والقيمُ النبيلة لا تَصْدرُ من الضُّعفاء ، بل تَصْدر من الأقوياء . فالضعيفُ يتحرك رَغْمَ أنفه لأنه مُضْطر وخاضع لقوى خارجية، أمَّا القويُّ فيتحرك انطلاقاً من الوازع الداخلي بدون ضغوطات خارجية . والضعيفُ يَعتبر الخيرَ سِلاحاً دفاعياً ، أمَّا القويُّ فَيَعتبر الخيرَ سلاحاً هجومياً . والضعيفُ يَنظر إلى الخير بِوَصْفه نسقاً حياتياً، أمَّا القويُّ فَيَنظر إلى الخير بوصفه حياةً قائمة بذاتها. القويُّ يُسامِح الآخرين ، ولا يَسْمحُ لأحدٍ بالتطاول عليه أو كَسْره. المحبةُ تُحيطه بهالةٍ واقية وسِياجٍ مُكَهْرَبٍ . وللأسف الشديد، فقد ارتبطَ الاحترامُ بالسَّذاجة ، وارتبطَ التسامح بالضَّعف ، وارتبطَ الإجرامُ بالقوة .
(2) الدَّمارُ أَحدُ أركانِ الحضارةِ .
     " لَوْ " لا مَعْنَى لها في سياق الانكسارِ الإنسانِيِّ والانهيار الحضاريِّ . لَوْ فَعَلَ الإنسانُ كَذا لَمَا مات . لَوْ فَعَلْنا كذا لَمَا قَامَت الحربُ . لَوْ عَمِلْنا كَذا لَمَا انهارت الحضارةُ . الإنسانُ يَمشي إلى الهاويةِ بِرِجْلَيْهِ ، والحضارةُ تَسيرُ إلى الخرابِ عَلى قَدَمَيْها. تَمُرُّ الحضارةُ بِنَفْسِ الأطوارِ التي يَمُرُّ بِها الإنسانُ : الولادة ، الطفولة ، الشباب ، الكُهولة ، الشَّيخوخةِ ، الموت . والمسافةُ بَيْنَ الانبعاثِ والانطفاءِ هي الفُسحة الزَّمنية لصناعةِ الأحلامِ أوْ إضاعتها . والدَّمارُ واقعٌ عمليٌّ ، لأنَّ الإنسانَ كائنٌ ناقصٌ . ومَهْما بَلَغَ مِنَ الذكاءِ والعَبقرِيَّةِ سيظلُّ عَقْلُه محدوداً . والبشريةُ لن تتعلم من التاريخ حتى لو حفظت التاريخَ عن ظَهْر قلب . لَم تَستفِد البشريةُ مِن أخطائها ، لأنَّ كُلَّ فَرْدٍ يعتقد أنَّه استثناء ، وَكُلَّ حضارةٍ تعتقد أنها استثناء . إنَّ الدمارَ لا يُفَرِّق بين القاعدة والاستثناء . التاريخُ يُعيد نَفْسَه بأدوات العَصْرِ الْمُعاش، والحضارةُ الإنسانيةُ مَحكومة بالفناء ، وتَتحرَّك في دائرة مُغلَقة. سَوْفَ تُكرِّر البشريةُ نَفْسَ الأخطاء ، كما يُكرِّر السياسيون نَفْسَ الأخطاء ، وَيَقُودون بلادهم إلى الدمار، لأن الإنسان والحضارة لا يتحركان بمفردهما في هذا الوجود . هناك عوامل خارجة عن إرادة الإنسان، وهناك ظروف مفروضة على الحضارة ، لا شأن للحضارة بها . لذلك ، تصبح رَدَّةُ الفِعل في أحيان كثيرة هي فِعلاً قائماً بذاته. ومهما كان حارسُ المرمى واثقاً مِن نفْسه ومن قدراته ، فلا بد أن تدخل الأهداف في مرماه ، لأنه لا يملك القدرة على صد كُل الكرات. إن الدمار والحضارة وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما . وكل حضارة تشتمل على عوامل انهيارها في داخلها ، كما أن الذبول جزء لا يتجزأ من حياة الوردة . والعبقريةُ لا تَستطيع مَنْعَ الدمارِ ، لكنها تَستطيع إدارة الدمار ، والتقليل مِن آثاره وأضراره .
(3) هُناكَ أشخاصٌ يَبْحَثُونَ عَن الكَرَاهِيَةِ لِيَتَمَسَّكُوا بالْحُبِّ .
     بِضِدِّها تتبيَّن الأشياءُ . كأننا نبحث عن ضوء الحب في الليل المظلم . ندرس الأمراض كي نتجنبها . دِرهم وِقاية خَيرٌ مِن قِنطار علاج . نعرف حدود الْحُفَر لئلا نسقط فيها . لن نعرف قيمة الشمس إلا عندما نرى القمر ، ولن نعرف قيمة القمر إلا عندما نرى الشمس . لا بد من التوازن بين العناصر . لا بد من الوقوف بين الأضداد مُتَأمِّلين ، وخاشعين لِعَظَمَةِ اللهِ . ولَن تَعْرِفَ التأمُّلَ الحقيقيَّ إلا عِندَما تَمشي في الليلِ وَحيداً . وهذا سَيَقُودُكَ إلى مَعرفةِ عَظَمَةِ الخالق تعالى . مَن أرادَ أن يُصْبِحَ فَيْلَسُوفاً فَلْيَمْشِ في الليل وَحيداً . سَيَتَّحِدُ بالأشجارِ ، وَيُعيدُ اكتشافَ ذاته ، ويَرى عَناصرَ الطبيعةِ بِقَلْبه . يُعيد بناءَ العالَم . سَيَرى الكَوْنَ الذي لا يُرَى . سَيَمْشي الأمواتُ مَعَهُ . يُعيدُ رُؤيةَ حياته كَشريطٍ سينمائيٍّ . يَعيشُ مَعَ الأمواتِ ، ويُولَد مِن جَديد . والْمُبْدِعُ هُوَ الذي يَرَى ما لا يُرى .