سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

16‏/11‏/2017

نساء في الجنازة العسكرية / قصيدة

نساء في الجِنازة العسكرية / قصيدة

للشاعر / إبراهيم أبو عواد

................

    سَيِّدَتي / لا تَنتظِرِيني في أُغْنِيَاتِ النَّصْرِ / أنا مَهزومٌ كالشَّايِ الأخضرِ في بَنْكِرْيَاسِ الثلجِ / والأمواجُ تُعَبِّئُ رَمَادَ الْجُثَثِ في قَارورةِ الحِبْرِ الأخيرةِ/ لَسْتُ فَارِسَ أحْلامِكِ/ أنا جُثةٌ مَنْسِيَّةٌ عَلى رَصيفِ المِيناءِ / لَكِنَّهَا مُتَحَرِّرَةٌ مِنْ جَاذبيةِ الْحُزْنِ في عَيْنَيْكِ / فَلا تَثِقِي بالسَّرابِ القتيلِ / ولا تَثِقِي بالقَتيلِ الجميلِ / لا تَنتظِرِيني في حَديقةِ الشِّتاءِ / سَتَنْقُلُ القِطَاراتُ الكَهْرَبائِيَّةُ نُعُوشَنا الْمُزَرْكَشَةَ / وتَنْقُلُ البَنادقُ الآلِيَّةُ بَرِيدَنا الإلكترونِيَّ /
     يَحْمِلُ الليلُ جُثمانَ أُمِّهِ عَلى ظَهْرِهِ / وَأَحْمِلُ جُثمانَ أبي عَلى ظَهْري / كُلُّنَا قَتْلَى في الأمطارِ الأُرْجُوَانِيَّةِ / وقُلوبُ النِّساءِ المكسورةُ تُولَدُ في الثأرِ / وَالقَبَائِلُ تُقَاتِلُ أعمدةَ الكَهْرباءِ وطَواحينَ الهواءِ / أَمُوتُ في رُموشِ العاصفةِ / وأَظَلُّ حَيَّاً في قَلْبِ المساءِ / سَأظلُّ حَيَّاً في قَلْبِ امرأةٍ مَا/ وَذَلِكَ قَلْبي أرشيفٌ لِضَحِكَاتِ الموتى في الْمَمَرِّ البَاردِ / وَحِينَ يَرْحَلُ الشِّتاءُ الشَّمْعِيُّ / يَرْحَلُ القَتْلَى إِلى خُيوطِ ثِيَابي / يَا جَسَدَ الأحزانِ الْمَزْرُوعَ بِكَامِيرَاتِ الْمُرَاقَبَةِ / لا يَزَالُ الوَشْمُ القَديمُ عَلى ذِرَاعِ المطَرِ / تَعَالَ أيُّها الطوفانُ / أنا أَحْتَرِقُ وَحيداً في المساءِ المكسورِ / أيُّها الليلُ الطويلُ / اكْرَهْنِي لِتَعْشَقَ الْحُبُوبَ الْمُنَوِّمَةَ / نَمْ في سَريري / وَاحْرُسْ أحلامَ الطفولةِ الضَّائعةَ / وامْلأْ فَرَاغِي العَاطِفِيَّ بِدُسْتُورِ العِشْقِ الذي كَتَبَهُ البَدْوُ الرُّحَّلُ / آثارُ الرَّصَاصِ عَلى حِيطَانِ غُرفةِ النَّوْمِ / لَكِنَّ الأرَقَ هُوَ الرَّصاصةُ الأخيرةُ في جَسَدِ البُحَيرةِ / سَآكُلُ جُثمانَ الزَّوبعةِ / وَأَحْرُسُ مُدُنَ الكُوليرا / أرْكُضُ في شَوارعِ الطاعونِ كالذبابةِ المذعورةِ / وأخافُ أن أَعُودَ إلى بَيْتي / فَأَرَى ضَريحي مَصْلُوباً عَلى سَاعةِ الحائطِ / أَزُورُ حُطَامَ قَلْبي في نِهَايةِ الصَّيفِ / وأَزُورُ حُطَامَ السُّفُنِ في نِهَايةِ الشِّتاءِ / أنا التَّوَازُنُ بَيْنَ النِّهاياتِ / أنا مُعَادَلَةُ الرِّياضياتِ الضَّائعةُ بَيْنَ الذِّكرياتِ والأمطارِ / وأنا الْحَدُّ الفاصلُ بَيْنَ الرُّومانسِيَّةِ والكِفَاحِ الْمُسَلَّحِ /
     أيَّتُها البُحَيرةُ التي تُمْسِكُ كَأْسَ السُّمِّ بِيَدٍ لا تَرتعِشُ / يَكْتَشِفُ الموْتُ حَيَاتي في أضواءَ السَّياراتِ / فَلا تَحْزَنْ عَلَيَّ أيُّها البَحْرُ الأعرجُ / سَأَكُونُ مُوَاطِنَاً صَالِحَاً عِندَما يُصْبِحُ مِكْيَاجُ الأميراتِ السَّبايا أقلَّ خُشونةً مِن حَبْلِ مِشْنَقتي / سَأَتَحَرَّرُ مِن عُقَدي عِندَما تُصْبِحُ خارطةُ الزَّوجاتِ الخائناتِ أقلَّ تَعقيداً مِن مُعَادَلاتِ الرِّياضياتِ / أيَّتُها السَّنابلُ التي تَلْمَعُ في ضَوْءِ القَمَرِ / فُكِّي قُيودي لأُمَجِّدَ الموْتَ قَبْلَ الموْتِ / أركضُ في جَبينِ الليلِ كَي أَهْرُبَ مِن وَجْهي في الخريفِ الدَّامي/ والذبابةُ العَمْيَاءُ تَتَوَكَّأُ عَلى بُنْدُقِيَّتي /
     البُيُوتُ مَهْجُورةٌ/ والقُلوبُ مَهجورةٌ/ وَالجماجمُ في صُحُونِ المطْبَخِ/ والتَّوابيتُ عَلى الرَّصيفِ مُرَتَّبَةٌ كَصَناديقِ الْخُضَارِ / والبَاعَةُ الْمُتَجَوِّلُونَ يَبيعُونَ الأكفانَ عَلى إشاراتِ الْمُرُورِ / لا تَقْلَقْ أيُّها البَحَّارُ الغريقُ/ تَصِيرُ أكوامُ الْجُثَثِ مَنَارَةً للسُّفُنِ الْمُحَطَّمَةِ / تَصيرُ أعلامُ القَراصنةِ دُستوراً للوَحْدةِ الوَطنيةِ / يُرْشِدُ النَّوارسَ إلى بُكَاءِ أُمِّكَ في مَأْتَمِ الأقمارِ / يُصْبِحُ صَنَوْبَرُ الْمَدَافِنِ بُوصَلَةً تَحْرُسُكَ مِن دُوَارِ البَحْرِ / سَتَكْسِرُ الدَّلافِينُ قَلْبَكَ كَقَارُورةِ الحِبْرِ / فَاحْرِقْ ظِلالَكَ بأحلامِ الطفولةِ / لِتُطَهِّرَ جَسَدَكَ مِنَ الثلجِ الفُسْفُورِيِّ / كُنْ أنيقاً أيُّها المذبوحُ العاطفِيُّ / وَاخْتَرْ لَوْنَ رَبطةِ عُنُقِكَ حَسَبَ لَوْنِ ضَريحِكَ / سَقَطَ مِكْيَاجُ النِّساءِ في أنابيبِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ / وأكَلَ الدُّودُ أجْسَادَهُنَّ النَّاعِمَةَ /
     أخافُ أن أنامَ/ كُلَّمَا نِمْتُ رَأَيْتُكِ مَقتولةً في الْمَنَامِ/ تَمُوتُ العَناصرُ حَوْلَ أشلائي / وَلَم أجِدْ يَمَامَةً أبكي عَلى صَدْرِهَا / السَّبايا في العَرَبَاتِ الخشَبِيَّةِ / التي تَجُرُّهَا السَّنَاجِبُ النَّحيلةُ / أحلامي قُصُورٌ رَمْلِيَّةٌ / يَغْتَصِبُهَا الموْجُ الغريبُ / وَيَسْتَمْتِعُ بِها الأغرابُ / وَيَقْتُلُونَ اللمَعَانَ في رِمَالِ قَلْبي / كُلُّ دَمْعَةٍ شَاطِئٌ / وَكُلُّ غُرْبَةٍ وَصِيَّةٌ للغريقِ / الطيورُ تَحُومُ حَوْلَ جُثتي / وأنا المسافِرُ بَيْنَ عِظَامِ الغَرْقَى وحُطَامِ السُّفُنِ / أنا غُرْبَةُ السَّنابلِ بَيْنَ الْمُسَدَّسَاتِ والأُغْنِيَاتِ الوَطنيةِ / طُفُولَتِي بَرِيئَةٌ كالبَنادقِ الآلِيَّةِ / والرَّاهبةُ العَمْياءُ تَعيشُ بَيْنَ قَلْبِهَا المهجورِ والدَّيْرِ المهجورِ /
     دُمُوعُ أُمِّي تَمْنَعُنِي مِن اقتحامِ جَسَدِ البَحْرِ / وَدَمْعُ الرِّياحِ عَلى قَميصي/ وَقَمِيصي لَيْسَ قَمِيصَ عُثْمَان / رَأَيْتُكِ يَا زَنابِقَ الضَّحِكِ في أغاني القَتْلَى / رَأَيْتُ نُبَاحَ الدِّمَاءِ اللزِجَةِ في هِجْرَةِ الفُقَرَاءِ / مِن ذَاكرةِ القَمْحِ إلى قَانونِ الطوارئِ / أَخْرُجُ مِنْ لَحْمِي / وَأَدْخُلُ في لَحْمِ الأنهارِ/ سُعَالي غَابةٌ مِنَ الليْمُونِ الْمُعَدَّلِ وِرَاثِيَّاً/ وَكَانَ مِيلادُ الرِّيَاحِ سِفْرَ الْخُرُوجِ مِن أظافري/ رُفاتي مَنثورٌ عَلى الحواجزِ العَسكرِيَّةِ / وَأُمِّي تَنتظِرُ استلامَ جُثماني / خَرَجَت البَدَوِيَّاتُ وَالغَجَرِيَّاتُ مِن شَوَارِعِ قُرْطُبَة / وَدَخَلْنَ في مِلْحِ دُمُوعي النُّحَاسِيَّةِ / وَكَانَ الشِّتَاءُ سَحَابَةَ صَيْفٍ / لَكِنَّ المطَرَ لَم يَأْتِ /
     في دَمِي تَصُبُّ أنابيبُ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ / تَرْقُصُ الجواري في دِمَاءِ الحيْضِ / كالرِّماحِ المكسورةِ تَحْتَ رَاياتِ القَبائلِ اللقِيطَةِ / والوَطَنُ ضَائعٌ بَيْنَ أشجارِ الْحُزْنِ وصَفَّاراتِ الإِنذارِ / أصواتُ الرَّصاصِ سَكَنَتْ في الْمَزْهَرِيَّاتِ / وَدُمُوعُ الرَّاهباتِ في قَاعِ الذِّكرياتِ تُفَجِّرُ جَسَدَ الأمواجِ / وَكُلُّ امرأةٍ يَغْتَصِبُهَا زَوْجُهَا / سَيُصْبِحُ صُرَاخُهَا غَابَةً مَعْدَنِيَّةً في أرشيفِ السَّنابلِ الْمُضِيئةِ/ كُنَّا في العِشْقِ كالبَدْوِ الرُّحَّلِ/ لا رَاياتُ القَبائلِ أمَامَنَا في طَريقِ البَحْرِ / ولا دُستورُ الأغنامِ وَرَاءَنا في حُطَامِ السُّفُنِ .

13‏/11‏/2017

القصيدة هي روح التنمية الاجتماعية

القصيدة هي روح التنمية الاجتماعية

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

جريدة رأي اليوم ، لندن ،13/11/2017

.....................

   إن تكثيف الدلالات الصاعقة في طبقات القصيدة ، يَقودنا إلى إنتاج اقتصاديات جديدة في الوعي الشعري. وهذه الاقتصاديات لا تمتُّ لمبدأ الربح والخسارة بِصِلة، لكنها تعني وضعَ المعنى في أقصى مداه ، ووضعَ اللفظ في البنية الفكرية الملائمة. فالشِّعر ليس بورصة أو سِلعة في مَوْضع البيع والشراء ، وإنما هو مجتمع مُكثَّف له جانب اقتصادي تُشَكِّله الانفعالاتُ المعنوية .
     وإذا تكرَّسَ الفِكرُ القصائدي كمجتمع إنساني وسياسي واقتصادي، فإن المنظور السيكولوجي للوُجهة الكلامية المترابطة ، سيصل إلى حالة من الوعي المعرفي الماورائي، الذي يَستشرف مُستقبلَ البشرية ضمن منظومة من التوقعات الشِّعرية ذات الطبيعة الفلسفية .
     وهذا يشير إلى عمل القصيدة الدؤوب من أجل توليد نقد متواصل للصيغ الفكرية والقوالب الاجتماعية. والقيمةُ اللغوية في النَّص الشِّعري لا تؤمن بوجود قالب نهائي وحاسم في الرؤية الأدبية أو المجتمع الإنساني . والأدب يُغَيِّر جِلْدَه باستمرار عن طريق تنويع الولادات الوجدانية . وماهيةُ تغيير الجِلد لا تعني الانسلاخ من قيم الهوية ، أو تبديل المواقف بشكل انتهازي ، أو نقل البندقية من كتف إلى كتف ، بل تعني القدرة على التجدد والانبعاث والخروج من حصار القيم المجتمعية الضاغطة على الفرد والجماعة .
     والكلمةُ هي تكثيفٌ للجهاتِ التي تتدفق في أحلام الناس كالأعاصير. ومن خلال هذا التعريف  نُدرِك أبعادَ التاريخ الأدبي،وتحولاتِ جغرافيا النص الشعري ، حيث تتولد أبجديات مخيالية جديدة صاعدة من الأبجدية الأم . وهذه الأبجديات المخيالية تستمد قوتها من قدرتها على التكاثر والتوالد  ،  من أجل ترسيخ الرموز الشعرية كأشكال عابرةٍ للتجنيس ، وكاسرةٍ للقوالب الأدبية الجاهزة التي تُعيق تدفقَ الكلام ، وتُحيل القصيدةَ إلى روتين وظيفي مُفرغ من قيمة التفجر . وهذا الاتجاه المعرفي يَتَّكِئُ على قوة المفاهيم ، وتفجُّرها ، ودَوْرها في إعادة رسم خارطة اللغة ، لتسهيل ولادة الجنين الشِّعري.
     وفي هذا السياق ، تظهر أهميةُ اللغة بوَصْفها كائنًا حيًّا في قلب الفلسفة الاجتماعية ، يَرفض الأشكالَ الاجتماعية التي تتمُّ أدلجتُها بصورة قامعة لحرية الإبداع . وهكذا تجد القصيدةُ نفْسَها في مواجهة العقل الخرافي للأشكال الاجتماعية السُّلطوية القمعية  . وهذه المواجَهةُ الشَّاملة نتيجةٌ للعقلانيةِ الراشدة التي تتصدى لأيديولوجيات الشَّهْوة المجنونة ، مِمَّا يؤدي إلى تصحيح القيمة المعنوية للبناء الكلامي ، وفَضِّ الاشتباك بين المستويات اللغوية للعوالم الأدبية . ولا يمكن بلوغ المستوى المخيالي الواقعي للفكر الإنساني ، إلا عن طريق رسم سياسات انتخاب المعنى وتثويرِ اللفظ،  حيث تتحول العواطفُ إلى قصائد، وتتحول القصائدُ إلى أنظمة اجتماعية تَكبح التوحشَ البشري .

     وتبنِّي القصيدة كمنظومة حياتية ليس ترفًا اجتماعيًّا ، أو هوايةً لملء وقت الفراغ . فالقصيدةُ هي الضمانة الأكيدة لأنسنة التيارات الاجتماعية ، والاستثمارِ الفعال في الذات البشرية ، وتنميةِ الأفكار المجتمعية ، وإتاحةِ الفرصة للإنسان كي يلتقيَ بإنسانيته في مجتمع إنساني يَسُوده العدل لا قانون الغاب . والتنميةُ الشاملة يَقودها البشر لا الوحوش المختبئون خلف أقنعة البشر . وهذه هي فلسفة القصيدة روحيًّا وماديًّا .

02‏/11‏/2017

ديريك والكوت واتهامات التحرش الجنسي

ديريك والكوت واتهامات التحرش الجنسي

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

جريدة رأي اليوم ، لندن ، 2/11/2017

..............

   وُلد الشاعر والكاتب المسرحي الكاريبي ديريك والكوت ( 1930_ 2017) في سانت لوسيا، إحدى جُزر الهند الغربية . تنحدر عائلته من أصول مختلطة ، فأجداده لأبيه أوروبيون بِيض، وأجداده لأُمِّه أفارقة سُود ، مِمَّا يعكس التاريخ الاستعماري المعقَّد للجزيرة ، الذي ترك تأثيرًا واضحًا في شِعره .
     كانت والدته مُعلِّمة وخيَّاطة ، تحب الفنون ، وتقرأ الشِّعر. ووالده كان رَسَّامًا وشاعرًا ، وَتُوُفِّيَ في سن الحادية والثلاثين ، بينما كانت زوجته حاملاً بابنها ديريك .
     اقترضَ تكلفة طباعة ديوانه الأول مِن أُمِّه ، حيث ذهب إِلَيها وأخبرها أنه يُريد نشر مجموعة شِعرية،تُكلِّف طباعتها تقريبًا مئتي دُولار.وقد شَعرت أُمُّه بالضِّيق لأنها كانت مُجرَّد مُعلِّمة وخيَّاطة. وقد أعطته المالَ ، وتَمَّت طباعة الكتاب ، ووعدها بأنه سَيَبيعه لأصدقائه ، ويُعيد لها المال .
     تلقَّى تعليمه الجامعي في جامعة الكولدج في جُزر الهند الغربية ، وعشق اللغة الإنجليزية ، ورسم حياته ككاتب وشاعر ، مُتأثِّرًا بشعراء الحداثة الإنجليز مِثْل : تي إس إليوت وإزرا باوند .
     بعد التخرج ، انتقلَ والكوت إلى ترينيداد عام 1953، حيث عمل ناقدًا ومُعلِّمًا وصحفيًّا ، ثُمَّ ذهب للعمل في جامعة بوسطن في الولايات المتحدة ، لتدريس الأدب والكتابة الإبداعية ، وأسَّسَ هناك مسرح بوسطن للمؤلفين المسرحيين ، وعقد صداقة أدبية مع الشاعرين : الروسي جوزيف برودسكي والإيرلندي شيموس هيني ، اللذين كانا يعملان في بوسطن .
     تعكس أشعاره ومسرحياته اهتمامه بالهوية الوطنية لجزر الهند الغربية ، وآدابها ، والصراع بين الميراث الأوروبي والثقافة الوطنية . كما أنه يُركِّز على قضية اكتشاف منطقة البحر الكاريبي وتاريخها في سياق الاستعمار وما بعد الاستعمار . وفي هذا السياق يتجلى الاختيار بين الوطن أو المنفى ، وتتَّضح المفاضَلة بين تحقيق الذات والخيانة الروحية للوطن .
     يمزج والكوت في مسرحياته الشِّعْرَ بالنثر ، ويستخدم مفردات لغة التفاهم اليومي الشائعة في منطقة البحر الكاريبي . أمَّا قصائده فهي في معظمها غنية بالتلميحات الكلاسيكية ، وهي تتناول الطبيعة في كُلٍّ من أوروبا ومنطقة الكاريبي بِقَدْرٍ مُتساوٍ من الوضوح .
     تُعتبَر قصيدته الملحمية أوميروس ( 1990) ، أعظم إنجازات والكوت الشِّعرية ، وكانت سَبَبًا رئيسيًّا في حصوله على جائزة نوبل للآداب ( 1992) . وهو ثاني كاريبي يحصل على هذه الجائزة العالمية بعد سان جون بيرس . وقد وصفت لجنة نوبل عمل والكوت بأنه " مهرجان الشِّعرية عظيم اللمعان ، يمتاز برؤية تاريخية نتيجة تعدد الثقافات ".
     وَمِن المفارَقات اللافتة للنظر أن يتزامن حصول والكوت على الجائزة مع الذكرة نِصف الألفية لوصول كريستوفر كولومبس إلى الأرض الجديدة ( الأمريكيتين ) . فالشاعر والكوت له انتماءات وطنية قوية . وقد أوضح مِرارًا وتكرارًا أن الهنود في الأمريكيتين يُحاولون استعادة هويتهم التي عمل الاستعمار على طمسها .
     يُعتبَر والكوت أفضل مَن كَتب باللغة الإنجليزية مِن خارج منطقتها ، فهو يجمع بين الرقة والرصانة في الأسلوب ، كما يمتاز بأناقة الأسلوب وروعته ، والإحساس اللغوي المرهَف ، وتنوُّع موضوعاته الشِّعرية ، معَ تَنَقُّله بين مُختلف الثقافات التي تُعتبَر عُنصرًا جوهريًّا في سيرة حياته .
     في عام 1982 ، اتَّهمت طالبة في جامعة هارفارد والكوت بالتحرش الجنسي في سبتمبر 1981. وزَعمت أنها بعد رفضها ، أُعِطَيت علامة " C " فقط . وفي عام 1996، تَمَّ اتهامه  بالتحرش الجنسي ، وتَمَّ التوصل إلى تسوية .
     في عام 2009، كان والكوت مُرَشَّحًا قَوِيًّا لمنصب أستاذ الشِّعر في جامعة أكسفورد ، وسُحِبَ ترشيحه لهذا المنصب بسبب اتهامات ضده بالتحرش الجنسي في الفترة ( 1981_ 1996).
     مِن أبرز مجموعاته الشِّعرية : في ليل أخضر ( 1962) . المنبوذ وقصائد أخرى ( 1965) . مملكة التفاح النجمي ( 1979). منتصف الصَّيف ( 1984). طائر البلشون الأبيض( 2010).

     مِن أبرز مسرحياته : الطبول والألوان ( 1958). حلم على جبل القرد ( 1967) . يا بابل ( 1976). ذِكرى ( 1977). الجزيرة مليئة بالضوضاء ( 1982). البائع المتجوِّل ( 2002).