سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

17‏/05‏/2025

الأسس الفكرية في رواية مئة عام من العزلة لماركيز

 

الأسس الفكرية في رواية مئة عام من العزلة لماركيز

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     تُعْتَبَر رواية مِئة عام مِن العُزلة (1967) للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز ( 1927_ 2014 / نوبل 1982 ) مِن أهَمِّ الأعمالِ الأدبية العالمية على الإطلاق ، حَيْثُ يَرْوي سِيرةَ عائلة بوينديا على مَدى عِدَّة أجيال في مَدينة خيالية تُدْعَى ماكوندو . وَتَعتمد الرِّوايةُ على أُسلوب الواقعية السِّحْرية، حَيْثُ يَمتزج الواقعُ بالخَيالِ ضِمْنَ إطارٍ أدبيٍّ حَالِمٍ .

     تُمثِّل الرِّوايةُ إعادةَ تَفْسيرٍ للتاريخِ الكُولومبي، حَيْثُ تَطْرَح أفكارًا جديدةً في كَيفيةِ تأويلِ الأحداثِ اليومية ، وَالوَقائعِ الحياتية ، وَرَبْطِ البُنى المَعِيشية الخُرافية بِالدَّهْشَةِ العَقليةِ والانبهارِ الوِجْدَانيِّ ، وَالهُروبِ مِنْ ضَغْطِ الواقعِ الماديِّ إلى صِناعةِ عَالَمٍ غَرائبيٍّ قادر على إثارةِ الأسئلةِ المصيرية، وتَكوينِ التَّأمُّلاتِ العميقة . وهَكذا يَتِمُّ تَشييدُ فَلسفةِ الحِكاياتِ عَلى الذُّهُولِ وخَلْطِ السِّحْرِ بالواقعِ، والانتقالِ مِنْ حُلْمٍ إلى حُلْمٍ في فَضَاءَاتٍ لُغَوِيَّة ، والقَلَقِ مِنْ خَسَارَةِ الحُلْمِ في ظِلِّ التَّغَيُّرَاتِ المُتَسَارِعَةِ في الزَّمَانِ الافتراضيِّ والمَكَانِ الخَيَالِيِّ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى نَقْلِ الأحكامِ العقليةِ والأفعالِ الاجتماعيةِ مِنْ رَتَابَةِ الحَياةِ اليومية إلى الحَقيقةِ الكَامنةِ في التَّأمُّلِ الرُّوحِيِّ والتَّفسيرِ المَادِيِّ والتَّجْرِبَةِ الإنسانية .

     إنَّ القَضايا المُخْتَلِطَةَ في التاريخِ ، وَالمَسَائِلَ المُتَشَابِكَةَ في الحَضَارَةِ ، تُشكِّل سُلطةً ذات طبيعة تَرَاتُبِيَّة عَلى الصَّعِيدَيْن: العائليِّ والمُجْتَمَعِيِّ، وتُمثِّل هُوِيَّةً ذات طبيعة مَركزية عَلى المُسْتَوَيَيْن: المَعنويِّ والماديِّ . وهَذه الأمُورُ مُجْتَمِعَةً تَتَجَسَّدُ في عائلة بوينديا في كُلِّ أجيالِها ، وتَفاصيلِ حَيَاتِهَا ، وَتَحَوُّلاتِ أفكارِها ، ومَسَارَاتِ أحلامِها . وهَذه العَائِلَةُ الخَيَالِيَّةُ المُتَصَوَّرَةُ ذِهْنِيًّا وأدَبِيًّا، صَنَعَتْ أُسْطُورَتَهَا الخَاصَّة في اللغةِ المُدْهِشَةِ السَّاحِرَةِ ، والأُسْلُوبِ المُحْكَمِ الجَذَّابِ . واللغةُ كَمَادَّةٍ خَام ، والأُسْلُوبُ كَتَيَّارٍ حَامِلٍ للحِكَايَاتِ المُتَشَعِّبَةِ ، كِلاهُمَا يَقُومُ عَلى دِقَّةِ الوَصْفِ وَالبَرَاعَةِ في اقْتِنَاصِ اللحظةِ الإبداعية .

     والمَلحمةُ السَّرديةُ التي قَدَّمَهَا ماركيز تَستند إلى إضفاءِ السِّحْرِ عَلى عناصر الواقع ، بشكلٍ مُستمِر ودائم ، وُصُولًا إلى مَنظومةٍ أدبية خُرافية تَبتكِر الخَيَالَ ، وتَجْعَلُهُ حَيَاةً مُعَاشَةً ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى صِناعةِ عَالَمٍ أُسْطُورِيٍّ ، يُنتج الأوهامَ ، ويُصَدِّقُهَا ،  وَيَدْفَع القارئَ إلى التعاملِ مَعَهَا بِوَصْفِهَا حَقَائق تَجَسَّدَتْ يَوْمًا مَا عَلى أرضِ الواقعِ . وهَكذا تُصبح الأخْيِلَةُ حَيَوَاتٍ مَحسوسةً ، وتُصبح الأساطيرُ وَقَائع مَلْمُوسة. وكُلُّ هَذا مِنْ أجْلِ تَفكيكِ هَياكلِ الطبيعة البشرية، وإرجاعِها إلى الجُذورِ الفَلْسفيةِ الأوَّلِيَّة، والأنْوِيَةِ التاريخية البِدائية ، والمَاضِي الذي لا يَمْضِي ، وَالأحلامِ المَقموعةِ ، والذكرياتِ المَنْسِيَّة ، وَالرَّغَبَاتِ المَكبوتة .

     وَطَرَائقُ السَّرْدِ المُتَشَعِّبِ ، وَالتَّسَلْسُلُ الزَّمَنِيُّ المُعَقَّدُ ، وَشَبَكَةُ الشَّخصياتِ المُتَدَاخِلَةِ ، هِيَ الأُسُسُ الفِكرية في الرِّواية ، التي تُرَتِّب الفَوْضَى، فَوْضَى المَشاعرِ ، وَفَوْضَى الصِّرَاعاتِ التاريخية، وَفَوْضَى الأحلامِ غَيْرِ الواقعية ، وَفَوْضَى خَيْبَاتِ الأمَلِ ، وَفَوْضَى الأحزانِ التي تَرْبِطُ المَاضِي بالحاضرِ . وكَمَا أنَّ طبيعةَ الأحكامِ تُحدِّد مَاهِيَّةَ الأفعال، كذلك تَرتيب الفَوْضَى في العَمَلِ الأدبيِّ يُحدِّد الأدوارَ الاجتماعية، ويُعِيد تَعْرِيفَها إبداعيًّا ، مِنْ أجْلِ كَسْرِ العُزلةِ المَفروضة عَلى مَشاعرِ الألَمِ ، والتَّمَرُّدِ عَلى الواقعِ . وكَمَا أنَّ الإنسانَ لا يَختار أبَوَيْه ،  كذلك لا يَختار الزَّمَانَ والمَكَانَ اللَّذَيْن يَعِيش فيهما ، وهذا يَعْكِسُ أهميةَ الانقلابِ عَلى الواقعِ ، وصِناعةِ واقعٍ جَديد ، عَن طَريقِ تَفْعِيلِ الأحلامِ، وتَجذيرِ الخَيَالِ ، وَبَعْثِ السِّحْرِ في الكَلِمَاتِ وَالأحداثِ والمَوَاقِفِ . وهذه هِيَ فَلسفةَ الواقعية السِّحْرية التي انْتَشَرَتْ في أدبِ أمريكا اللاتينية خِلال السِّتينيات والسَّبعينيات مِنَ القَرْن العِشْرين ، وَشَكَّلَت الحركةُ حَدَثًا أدبيًّا هامًّا ، وَنَقْلَةً نَوْعِيَّة جَديدة في عَالَمِ الإبداعِ الأدبيِّ ، وَقَدْ قَادَهَا كُتَّابٌ حَطَّمُوا القواعدَ التقليدية للكِتابةِ ، وامتازوا بالجُرأةِ والزَّخرفةِ والتَّنميقِ وإطلاقِ العِنَانِ لِحُرِّيةِ الخَيَالِ ، والمَيْلِ إلى كُلِّ مَا هُوَ تَجْريبي وذُو طَابَع سِيَاسِي،مِثْل:غابرييل غارسيا ماركيز مِنْ كُولومبيا، وماريو فارغاس يوسا مِنَ بيرو ، وخوليو كورتاثر مِنَ الأرجنتين ، وكارلوس فوينتس مِنَ المَكسيك .

     وَمِثْلَمَا اخْتَرَعَ الروائيُّ الأمريكيُّ ويليام فوكنر ( 1897 _ 1962 / نوبل 1949 ) مدينة جيفرسون الخَيَالِيَّة ، للحَديثِ عَنْ مَسْقَطِ رَأسِه في الجُنوبِ الأمريكيِّ ، وَوَصَفَ مِنْ خِلالِهَا تَوَالي الأجيالِ التي شَهِدَتْهَا ، اخترعَ ماركيز مَدينةَ ماكوندو الخَيَالِيَّة ، لِتَكُونَ شَبيهةً بِمَدينة أراكاتاكا ، التي وُلِدَ فِيها في شَمالِ كولومبيا،لِيَجْعَلَ مِنها صُورةً لِكُولومبيا ، بَلْ وَحَتَّى لِدُوَلِ قَارَّة أمريكا اللاتينية . وهذا يَقُودُ إلى مَوضوع مُهِم ، وَهُوَ تأثير فوكنر في ماركيز،فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ماركيز عَلَنًا في خِطاب قَبوله لجائزة نوبل للآداب(1982) بالإشارةِ إلَيْهِ قَائِلًا: (( أُسْتَاذي ويليام فوكنر )) . وَمَثَّلَتْ بعضُ المُفْرَدَاتِ والمواضيع في أعمال فوكنر ، مِثْلَ الغُمُوضِ والبَحْرِ وَثَقَافَةِ الكاريبي والعُزْلةِ ، قِيَمًا أسَاسِيَّة في روايات ماركيز . وَقَدْ قال ماركيز في حديث صَحَفِيٍّ : (( إنَّ مُشْكلتي لَمْ تَكُنْ في كَيفيةِ تَقْلِيدِ فوكنر ، لكنْ في كَيفيةِ تَدْميره ، كانَ تأثيرُه يَشُلُّ حَرَكَتي )) . وفي حَديثٍ آخَر : (( إذا كانتْ رِوَاياتي جَيِّدة ، فذلكَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، هُوَ أنَّني حاولتُ أنْ أتجاوزَ فوكنر في كِتابةِ مَا هُوَ مُستحيل ، وَتَقْدِيم عوالم وانفعالات ، يَستحيل أنْ تُقَدِّمَهَا الكِتابةُ والكَلِمَات مِثْل فوكنر، ولكنْ لَمْ أستطعْ أنْ أتجاوزَ فوكنر أبدًا ، إلا أنَّني اقتربتُ مِنْه )) .

10‏/05‏/2025

حقيقة المنفى بين شعر محمود درويش وفكر إدوارد سعيد

 

حقيقة المنفى بين شعر محمود درويش وفكر إدوارد سعيد

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................

     إنَّ المَنْفَى لَيْسَ مَحصورًا في إطارٍ زَمَانيٍّ ، أوْ حَيِّزٍ مَكَانيٍّ ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تأثيرِهِ العَمِيقِ في الشُّعُورِ والوِجْدَانِ ، واشتمالِهِ عَلى آلامِ الغُربةِ وَالحَنِينِ إلى الوَطَنِ ، واحتوائِهِ عَلى مَعَاني الاستلابِ والاغترابِ ، رُوحًا ومَادَّةً ، فِكْرًا ومُمَارَسَةً . وَالمَنْفَى لا يَحْمِلُ فَلسفةَ الانتقالِ في الزَّمَانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يَصْنَعُ زَمَانَهُ الخاص الذي يَقُومُ عَلى صُوَرِ الذاكرةِ المُحَاصَرَةِ . وَالمَنْفَى لا يُمَثِّلُ فِكْرَةَ الاقتلاعِ مِنَ المَكَانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يَصَنَعُ مَكَانَه الخاص الذي يَقُومُ عَلى أحلامِ الوَطَنِ المَفْقُودِ . وهَكذا يُصبح المَنْفَى هُوِيَّةَ مَنْ لا هُوِيَّة لَه ، ويُصبح التاريخُ عِبْئًا عَلى الحَضَارةِ ، وتُصبح الحَضَارَةُ إعادةَ تأويلٍ للتاريخ . فالتاريخُ الشَّخْصِيُّ للفَرْدِ يَطْرَحُ تَساؤلاتٍ عَن قِيمَةِ الإنسانِ بِدُون وَطَنٍ ، والتاريخُ العَامُّ للمُجْتَمَعِ يَطْرَحُ تَسَاؤلاتٍ عَن مَعْنَى الزَّمَانِ بِلا مَكَانٍ . لذلكَ صَارَ المَنْفَى نَوَاةً مَركزيةً في الشِّعْرِ والفِكْرِ عَلى حَدٍّ سَوَاء ، فالشاعرُ الفِلَسْطِينيُّ محمود دَرْويش ( 1941 _ 2008 ) وَظَّفَ المَنْفَى في شِعْرِهِ كَقِيمَةٍ لُغويةٍ وَحَقيقةٍ مُتَشَظِّيَةٍ . يَقُولُ درويش في قصيدته ( رسالة مِنَ المَنْفَى ) : (( مِنْ أيْنَ أبْتَدِي ؟ / وَأيْنَ أنْتَهِي ؟ / وَدَوْرَةُ الزَّمَانِ دُونَ حَد )) .

     صَارَ المَنْفَى عَمليةَ دَوَرَان في حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ ، لا تُعرَف البِدَايةُ ، ولا تُعرَف النِّهَايَةُ . إنَّهُ مَتَاهَةٌ وُجودية ، والإنسانُ فِيهَا ضَائعٌ وحَائِرٌ ، وَدَوْرَةُ الزَّمَانِ مَفتوحةٌ بِلا حُدُودٍ ، وَتَضْغَطُ عَلى المَشاعرِ والأفكارِ ، وَالوَقْتُ دائمًا طَوِيلٌ عَلى الشخصِ المُعَذَّبِ ، حَيْثُ إنَّهُ يُعَاني في كُلِّ لَحْظَةٍ، وَيَتَمَنَّى لَوْ يَمَرُّ الوَقْتُ سريعًا وَيَنْقَضِي كَي يَرتاحَ مِنَ الألَمِ والعَذابِ ، فالثَّوَاني بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالدَّبَابيسِ المَغروسةِ في جِلْدِه . وَشِدَّةُ الوَخْزِ تَمْنَعُهُ مِنَ الاستمتاعِ بِعُمْرِهِ ، وَشِدَّةُ الألَمِ تَجْعَلُهُ عَاجِزًا عَن قَضَاءِ الوَقْتِ مَعَ أحْبَابِه . حَتَّى هَؤلاء الأحباب لَيْسَ لَهُمْ وُجُود في الواقعِ، فَهُمْ غَائبونَ أوْ مُغَيَّبُون . وَالمَنْفَى قَادِرٌ عَلى تَوليدِ الاغترابِ بشكلٍ مُستمر في الإطارِ الزَّمَانيِّ ، وإنتاجِ الغِيَابِ بشكلٍ دائم في الحَيِّزِ المَكَانيِّ. لذلك ، كانَ المَنْفَى هُوَ الغِيَاب الذي لا يَغِيب ، والمَاضِي الذي لا يَمْضِي .

     يَقُول درويش : (( مَاذَا جَنَيْنَا نَحْنُ يَا أُمَّاه ؟ / حَتَّى نَمُوتَ مَرَّتَيْن / فَمَرَّةً نَمُوتُ في الحَيَاةِ/ وَمَرَّةً نَمُوتُ عِنْدَ المَوْتِ ! )) .

     إنَّ المَنْفَى صِنَاعَةٌ مُستمرة لِلْمَوْتِ ، فَالمَنْفِيُّ يَمُوتُ في الحَيَاةِ ، وحَيَاتُهُ مَوْتٌ في انتظارِ المَوْتِ النِّهَائيِّ الحَاسِمِ ، لذلكَ كانَ عُمْرُهُ مَوْتًا مُتَّصِلًا بلا انقطاعٍ ، وَفَنَاءً مُتَوَاصِلًا بِلا وُجُودٍ ، وغِيَابًا دائمًا بِلا حُضورٍ .

     يَقُولُ درويش: (( مَا قِيمَةُ الإنْسَانِ/ بِلا وَطَنٍ/ بِلا عَلَمٍ/ وَدُونَمَا عُنْوَان/ مَا قِيمَةُ الإنْسَانِ ؟ )) .

     يَسْتَمِدُّ الإنسانُ قِيمَتَهُ مِنْ أرْضِهِ وَوَطَنِهِ وَرُمُوزِ دَوْلَتِه ، فَهِيَ التي تَمْنَحُ الشَّرعيةَ الوُجوديةَ لَه ، وَهِيَ التي تُوَفِّرُ لَهُ المَشروعيةَ الأخلاقيةَ كَكَائِنٍ حَيٍّ وحُرٍّ، قادرٍ عَلى الحَيَاةِ والتَّفكيرِ والإبداعِ .

     وَعَلى الصَّعيدِ الفِكْرِيِّ نَجِدُ أنَّ المَنْفَى صَارَ حُضُورًا مَركزيًّا وَوَعْيًا قائمًا بِذَاتِه ، فَالمُفَكِّرُ الفِلَسْطِينيُّ الأمريكيُّ إدوارد سعيد ( 1935 القُدْس _ 2003 نيويورك) في سِيرته الذاتية (خارج المكان ) قامَ بِأنْسَنَةِ المَاضِي في اللامَكَان ، وَتَحويلِ أحلامِ الطفولةِ السَّحيقةِ إلى تَيَّارِ وَعْيٍ دَائِمِ الجَرَيَانِ ، وَدَمْجِ المَنْفَى الداخليِّ معَ المَنْفَى الخارجيِّ . المَنْفَى الداخليُّ هُوَ الغُرْبَةُ عَن العَناصرِ المُحيطةِ ، وَالغَرَقُ في مُحْتَوَى الذاتِ والهُوِيَّةِ ، وَتَكْوينُ رُؤيةٍ وُجوديةٍ للعَالَمِ تَخْتَلِفُ عَن السَّائِدِ . وَالمَنْفَى الخارجيُّ هُوَ الانفصالُ عَن التاريخِ والجُغرافيا ، وَمُغَادَرَةُ حُدودِ الزَّمَانِ والمَكَانِ في مُحاولةٍ لإيجادِ فَضَاءٍ مَفتوح بَيْنَ الانتماءِ والذاكرةِ، وَصِناعةِ أُفُقٍ وَاسعٍ بَيْنَ الأرضِ السَّلِيبةِ وَوُجُوهِ الضَّحَايا.

     أعادَ سعيد بِنَاءَ تَجْرِبته الشَّخصية الشُّعُورية في الكَلِمَاتِ باعتبارها وَسيلةً ثقافيةً للاندماجِ بالأرضِ البَعِيدَةِ ( الفِرْدَوْس المَفقود ) ، وطَريقةً مَعنويةً لِجَمْعِ شَظَايا المَكَانِ المَنثورةِ في ضَبَابِ الطُّفُولَةِ ، ومَنهجيةً مَعرفيةً لِوِلادةِ الإنسانِ مِنْ نَفْسِه ، ومُوَاجِهَةِ مَصِيرِه وَحِيدًا .

     ومَشروعُ سعيد قائمٌ عَلى إعادةِ صِياغةِ المَنْفَى بِوَصْفِه أرشيفًا هُلاميًّا للأحلامِ المَنْسِيَّةِ والذكرياتِ المَقموعةِ والأزمنةِ الوِجْدَانِيَّة الضائعة ، مِنْ أجْلِ رَبْطِ المَكَانِ بالإنسانِ ، فالمَكَانُ كِيَانٌ وُجوديٌّ مُستقِر في كَينونةِ الإنْسَانِ، وَلَيْسَ وَاقِعًا مَادِيًّا مُنْفَصِلًا عَن الوَعْي وَالحُلْمِ والفِكْرِ .

     وإذا كانَ سعيد يَتَعَذَّبُ شُعوريًّا وِوِجْدَانِيًّا خارجَ المَكَانِ،فَإنَّهُ اكْتَشَفَ مَكَانًا جَدِيدًا في ذَاتِهِ الإنسانيةِ وَهُوِيَّتِهِ الحَضَارِيَّةِ . وَهَذا المَكَانُ الجَدِيدُ يُحَاوِلُ تَطهيرَ المَنْفَى مِنْ حُدُودِ الجُغرافيا ، وَتَنْقِيَةَ المُدُنَ الأسْمَنْتِيَّةَ الكَئيبةَ مِنْ شَوَائبِ النظامِ الاستهلاكيِّ الماديِّ الذي يَكْسِرُ رُوحَ الإنسانِ ، وَيُحَوِّلُهُ إلى سِلْعَةٍ ضِمْنَ ثُنائيةِ العَرْضِ والطَّلَبِ . وَالمَنْفَى رِحْلَةُ اكتشافِ الذاتِ بِكُلِّ تَنَاقُضَاتِهَا، وإعادةُ تأويلِ بَرَاءَةِ الطُّفُولِةِ وَبَكَارَةِ الأفكارِ وطَهَارَةِ الأمْكِنَةِ .

     وَشُعُورُ المَنْفِيِّ بِأنَّهُ في غَيْرِ مَكَانِهِ يَفْرِضُ عَلَيْهِ أنْ يُعِيدُ اختراعَ المَكَانِ وَتَرْمِيمَ الذاكرةِ بَعِيدًا عَن الهُوِيَّاتِ المُزَوَّرَةِ والأيديولوجيَّاتِ المُزَيَّفَةِ . ولا شَكَّ أنَّ إحساس سعيد بالاقتلاعِ مِنَ المَكَانِ ، وعَدَم القُدرة على العَوْدَةِ إلَيْه ، قَدْ سَبَّبَ لَهُ شُعورًا بأنَّهُ وَحِيدٌ وأعْزَل ، وأنَّ الوَقْتَ يَتَسَارَعُ ويَضْغَطُ عَلَيْه بِلا نِهَايَةٍ. لذلك لَيْسَ غريبًا أن تَكُونَ سِيرَتُهُ الذاتيةُ استعادةً لِتَجْرِبَةِ المُغَادَرَةِ وَالفِرَاقِ وَالشُّعُورِ بِالخَسَارَةِ: (( وَلَمَّا كُنْتُ قَدْ عِشْتُ في نيويورك بإحساسٍ مُؤقَّت عَلى الرَّغْمِ مِنْ إقامةٍ دَامَتْ سبعة وثلاثين عامًا ، فَقَدْ فَاقَمَ ذلك مِنْ ضَياعي المُتَرَاكِم ، بَدَلًا مِنْ مُرَاكَمَةِ الفَوائدِ )) .

03‏/05‏/2025

تحولات الأفكار في الإنسان والمجتمع والحياة

 

تحولات الأفكار في الإنسان والمجتمع والحياة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................

     الأفكارُ المُتكاثرةُ في المنظومة الثقافية تُمثِّل إنتاجًا مُستمرًّا للعلاقاتِ الاجتماعية،وَتَوْليدًا دائمًا للعملية الإبداعية على الصَّعِيدَيْن : الإنسانيِّ والماديِّ ، مِمَّا يَدْفَع باتِّجاه تَطوير رُؤيةِ الإنسانِ لذاته ، ورُؤيته لِمُجْتَمَعِه . وَهَذه الرُّؤيةُ المُزْدَوَجَةُ للذاتِ وَالمُحِيطِ تُؤَسِّس نظامًا فلسفيًّا تَراكميًّا يَفْحَصُ التَّصَوُّرَاتِ الحَيَاتِيَّة ، ويَخْتَبِر التأمُّلاتِ الوُجودية ، وَيَمْتَحِن الظُّروفَ المَعيشية. وهَذا يُؤَدِّي إلى تَقْويةِ الصِّلَةِ بَيْنَ الفِكْرِ والتَّطبيقِ مِنْ جِهَة ، وَتَفْعِيلِ الوَعْي بأهمية الحَياة الثقافية للفردِ والجَماعةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى .

     وإذا كانت الأفكارُ تَتَحَوَّلُ مَعَ مُرورِ الوَقْت إلى مَواقف حَياتية وحَالاتٍ إبداعية ، فَإنَّ عَناصر الحياة الثقافية تَتَحَوَّلُ مَعَ ضَغْطِ الواقع الاستهلاكيِّ إلى رُموز كامنة في المَشَاعِرِ المَقموعةِ ، والأحلامِ المَكبوتة ، والذكرياتِ المُسْتَتِرَة . وَوَظيفةُ الإنسانِ الأسَاسِيَّةُ هِيَ استخراجُ هَذه الرُّموزِ الكَامنةِ ، وحَقْنُها بالحُرِّيةِ والحَيويةِ ، وإعادةُ بَعْثِها إلى الحَياةِ ، وهَذا يَعْني تَحَوُّلَ الثقافةِ إلى حَياةٍ دَاخِلَ الحَياةِ ، وانتقالَ القِيَمِ الإبداعيةِ مِنَ الهَامِشِ إلى المَركَز ، مِمَّا يَحْمِي المُجْتَمَعَ مِنَ الفَجَوَاتِ المَعرفية، وَالثَّغَرَاتِ المَخْفِيَّة في مَصادر الوَعْي الاجتماعيِّ .

     إنَّ الوَعْي الاجتماعيَّ لا يُحرِّر الإنسانَ مِنَ الخَوْفِ والعَجْزِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يَمْنَعُ المُجْتَمَعَ مِنَ الوُقُوعِ في الفَراغِ ، ويَحْمِي الحَضَارَةَ مِن انتحارِ المَعْنَى ، وَيَحْرُسُ التَّنَوُّعَ الثقافيَّ مِنَ العَدَمِ ، وَيَحْفَظُ الشُّعُورَ مِنَ الاستلابِ ، وَيُبْعِد الشخصيةَ الفرديةَ والسُّلطةَ الاعتبارية للكَينونةِ الإنسانيةِ عَن الاغترابِ .

     وَالوَعْيُ الاجتماعيُّ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ اللغة ، وَيَتَشَكَّلُ في الأُطُرِ المَرجعيةِ لِمَصادرِ المَعرفةِ تاريخيًّا وحَضاريًّا . وإذا كانَ التاريخُ يَكتبه المُنتصِر ، والحَضارةُ يُهَيْمِن عَلَيْهَا الطَّرَفُ الأقْوَى ، فَإنَّ اللغة يُفَجِّرُ طَاقَتَهَا الرَّمزيةَ الطَّرَفُ الأكثرُ إبداعًا . والإبداعُ لا يَتَكَرَّسُ كَحقيقةٍ واقعية إلا إذا تَخَلَّصَ مِنَ الجُمودِ ، وَتَحَرَّرَ مِنَ الانكماشِ ، وَأَفْلَتَ مِنَ الانغلاقِ . والإبداعُ لا يَتَجَذَّرُ كَمعرفةٍ جَمَاعِيَّة خَلَاصِيَّة إلا في ظِلِّ الانفتاحِ المَدروسِ ، والتواصلِ المَنطقيِّ ، وتَلاقُحِ الأفكار معَ التَّطبيقات، مِمَّا يُسَاهِمُ في تَشْييدِ الهُوِيَّةِ الإبداعية عَلى الخُصوصيةِ ، وتأسيسِ السُّلطةِ المَعرفية عَلى الذاتيةِ الثقافية، بعيدًا عَن الحُلولِ المُسْتَوْرَدَةِ ، وَعُقْدَةِ الشُّعُورِ بِالنَّقْصِ، والشُّعُورِ بِالدُّونِيَّةِ.

     وَالحِفَاظُ عَلى مَفاهيمِ الهُوِيَّة والسُّلطةِ والذاتيةِ في المَنظومةِ الثقافية ذات التطبيقات الاجتماعية ، لا يَعْني العُزلةَ والتَّقَوْقُعَ عَلى الذاتِ وَالخَوْفَ مِنَ الآخَرِين،بَلْ يَعْني اعتمادَ الثقافة المُجتمعية كَنِظَامِ حَيَاةٍ مُمَيَّز وأُسلوبِ عَيْشٍ فَعَّال ، انطلاقًا مِنْ مَبْدَأ الخُصوصيةِ ، وَالمَعاييرِ الأخلاقيةِ ، وَالتَّكَيُّفِ مَعَ القُدراتِ الفردية وَخَصَائصِ الجَماعةِ الإنسانية ، وَالتَّأقْلُمِ مَعَ الفِعْلِ الحَضَاريِّ المُنْبَثِق مِنَ الواقعِ المُعَاشِ ، وَالمَضمونِ التاريخيِّ النابعِ مِنْ أدواتِ اللغةِ وآلِيَّاتِهَا .

     واللغةُ بِوَصْفِهَا حَرَكَةً فِكرية ، وباعتبارِها تَيَّارًا مَعرفيًّا ، تَمْنَحُ الحَيَاةَ الإبداعية للعلاقاتِ الاجتماعية ، وَتُعْطِي العُمْقَ الإنسانيَّ للأحداثِ التاريخية. وإذا كانَ التاريخُ يُعَاد تَفْسِيرُه بشكلٍ مُستمِر في المَنظومةِ الثقافية التُّراثية ، والمَناهجِ الحَياتية المُعَاصِرَة ، فَإنَّ اللغة يُعَاد اكتشافُها بشكل دائم في أنماطِ السَّيطرة الوجودية ، وأبعادِ الفِعْلِ الاجتماعيِّ .

     وإعادةُ تَفْسيرِ التاريخِ وإعادةُ اكتشافِ اللغةِ تُمثِّلان خَطَّيْنِ مُتَقَاطِعَيْن في بُؤْرَة مَركزية واحدة ، هِيَ كَينونة المُجْتَمَع ، وتُجسِّدان نَسَقَيْنِ مُتَكَامِلَيْن في إطارٍ مَرجعيٍّ واحد، هُوَ كِيَان الإنسان . وَالوَعْيُ الاجتماعيُّ هُوَ نُقْطَة التَّوَازُنِ بَيْنَ كِيَانِ الإنسانِ وكَينونةِ المُجْتَمَعِ ، وَهُوَ أداةُ الحَفْرِ في أعماقِ الشَّخصيةِ الإنسانيةِ ، وأبعادِ السُّلطةِ المُجتمعية ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تَكريسِ اللغةِ كحالةٍ إنسانية ضِمْنَ شُروطِ تَفْسيرِ التاريخ ، وإخراجِ الفِعْلِ اللغويِّ مِنَ تَرَاكُمِ الألفاظِ إلى رِحْلَةِ البَحْثِ عَن المَعْنَى في الفِكْرِ والوُجودِ .

     وكُلَّمَا تَعَزَّزَ دَوْرُ اللغةِ في سَبْرِ أغوارِ النَّفْسِ الإنسانية ، وَرَصْدِ التَّحَوُّلاتِ العميقة في بُنْيَةِ العَلاقاتِ الاجتماعية ، تَجَذَّرَ دَوْرُ الثقافةِ في عَقْلَنَةِ اللامَعقول، وَأنْسَنَةِ إفرازاتِ المَاضِي وَمُعْطَيَاتِ الحَاضِرِ وَقِيَمِ المُسْتَقْبَلِ، وَتَحويلِ التَّجَارِبِ الإنسانية إلى مَصادر مَعرفية عَلى تَمَاس مُبَاشِر مَعَ الفِعْلِ التاريخيِّ والفَاعليَّةِ الحَضارية . وهَذا النَّشَاطُ اللغويُّ والثقافيُّ يُخَلِّصُ الإنسانَ مِنْ عِبْءِ التأويلاتِ المَصلحية للتاريخِ، ويُحَرِّرُ الذاكرةَ الحَضارية مِنْ جَلْدِ الذاتِ وَالخَوْفِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ ، ويُطَهِّرُ العَلاقاتِ الاجتماعية مِن احتكارِ الحقيقةِ المُطْلَقَةِ وَالوِصَايَةِ عَلى الآخَرِين .

     واللغةُ تَسْتَمِدُّ حَيَاتَهَا مِنْ حَركتها المُستمرة نَحْوَ المَعْنَى ، والثقافةُ تَسْتَمِدُّ حَيَوِيَّتَهَا مِن اندفاعها الدائم باتِّجَاه الهُوِيَّة . والحَيَاةُ والحَيَوِيَّةُ وَجْهَان لِعُمْلة واحدة ، يُوجَدان مَعًا ، ويَغِيبان مَعًا . وحَرَكَةُ اللغةِ لَيْسَتْ نَقْلَةً مِيكانيكية في الزَّمَانِ والمَكَانِ ، وإنَّما هِيَ نَقْلَةٌ في الشُّعُورِ والوِجْدَانِ،واندفاعُ الثقافةِ لَيْسَ وَظيفةً رُوتينية، وإنَّمَا هُوَ تَوْظِيفٌ للشُّعُورِ والوِجْدَانِ في الوَعْي التاريخيِّ والذاكرةِ الحَضارية ، مِنْ أجْلِ إعادةِ الإنسانِ إلى إنسانيته ، بِوَصْفِهِ كائنًا حَيًّا وكِيَانًا حُرًّا وكَينونةً إبداعيةً ، والإنسانُ هُوَ مَركَزُ التاريخِ والحَضارةِ ، ومِحْوَرُ العَمليةِ الإبداعية في الزَّمَانِ والمَكَانِ . وَبِدُون إنسانيةِ الإنسانِ لا يُمْكِن أنْسَنَةُ التاريخِ القائمِ على الصِّرَاعِ ، وَبِدُون إبداعِ الإنسانِ لا يُمْكِن عَقْلَنَةُ الحَضارةِ القائمةِ عَلى الاستهلاكِ .