سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

21‏/07‏/2010

أشباح الميناء المهجور/ الفصل الثاني

أشباح الميناء المهجور
( رواية / الفصل الثاني )
تأليف : إبراهيم أبو عواد
دار اليازوري ، عَمان 2009م .
وفي اليوم التالي وقبل انبجاس ضوء الفجر . ها هو الليلُ يسيرُ بثقةٍ نحو نهايته الحتميةِ . وعندما يصطدم بصوت الموج دون موعدٍ مسبق ، تبدو لحظة الاصطدام كما لو كانت أنين طفلٍ هاربٍ من ضوء نجمةٍ بعيدةٍ يشعر أنها تقتربُ منه شيئاً فشيئاً، فيصرخ بعنفٍ لا يماثله سوى صراخ بشرٍ على وشك أن يَذبحوا ويُذبحوا. إنها بلدةٌ ساحليةٌ يغسلُ البحرُ رجليها دون أن يتقاضى أجراً . واسم البحر هو خلاصة تاريخية حافلة . فكل طرف يختاره بما يتناسب مع وجهته وتاريخه ، فالاسم يغدو مخططاً يعكسُ استيلاء حضارةٍ ما على هذا المسطح المائي الجبار . إنها بلدةٌ غرسَ فيها الصمتُ معوله بقسوةٍ ، فالبارحةُ مثل اليوم ، واليوم مثل نفسه. والوقائع الملموسةُ يُستنبطُ منها أن غداً كاليوم ، وهكذا تدور البلدةُ جثةً خرساء في مدار دائري بدايته تقود إلى نهايته التي تقود إلى بدايته . ولكن منذ وقت بسيط صارت هذه البقعة الساكنة المنسية في كتب الجغرافيا والتاريخ مسرحاً يموج بالأحداث الجسيمة والتوجهات المتباينة . أي طارئ هجم عليها فأحال سكوتها القبوري ثورةً من الكلمات والأحلام والأفعال ؟. وما زال الماء يتحرشُ برمال الشطآن التي أَفاقت من عدم اكتراثها ، وبدأت تقتحمُ أسئلتها بصرامةٍ ، وتتساءلُ حول ما يجري حولها . لا بد أن يخرج الرملُ يوماً ما من عباءةِ الخضوع للماءِ، ويثور على طغيان المد المعتاد على اكتساح العناصرِ . وحتى يحين وقت اكتحال الساحلِ بالرطوبة المنتشيةِ ستظل الشواطئ تلبس أجمل ملابسها وتهاجر في مراكب الصيد الملونة . وفي مثل هذا الوقت _ كل يوم_ أي موعد قدوم الفجر معلناً نهاية ليل رطب، يستيقظ الرجل السمين ذو الخامسة والأربعين يعقوب بنيامين. رجل يهودي عربي يفهم عروبته ويهوديته على أنها استبداد وقمع واضطهاد للآخرين . يزيح غطاءه الصوفي المتجعد كوجه زوجته مريانا . يحدق في الغطاء المتجعد ثم ينظر إلى امرأته النائمة إلى جانبه . ثم يبدأ في إيجاد قواسم مشتركة بينهما ، وبالطبع تعكر المقارنة مزاجه ، فيتجهم أيما تجهم ، ويقتنع أكثر من أي وقتٍ مضى بأنه كان غير موفق في اختيار امرأته ، ويستغرب من تلبسه بالفشل الفظيع . ويتعجب أكثر كيف قضى هذا العمر مع زوجته . ولكنه يقنع نفسه أنه كان صغيراً جداً يوم تزوج ، ولم يكن يمتلك الوعي الكافي والنظرة الصائبة . ويقول الرجل في نفسه _كاظماً حنقه رغماً عنه _ : _ الحق عليك يا أبي . أمرتني أن أتزوج ابنة عمي لأحافظ على تماسك العائلة . حتى إنك لم تكلف نفسك أن تأخذ رأيي . كان أمرك نافذاً لا يُعارَض . وكنتُ أصغر وأضعف من أن أعارض رغبتك . لقد دَمَّرْتَني يا أبي ورحلتَ ! . شكراً لك يا أبي لأنك قضيتَ عليَّ ! . هذه الأفكار تختمر في ذهنه كل يوم في هذا الوقت ثم تتبخر عندما تفيق امرأته مُنهية حقبة بائسة من الشخير الذي يعمل ضجيجاً قبيحاً في جو الحجرة ، ويكون مُنبهاً لمن يحاولون النوم كبعض المواد المهيجة في النباتات الطالعة هنا وهناك . تقول مريانا بعد طقوس تثاؤبها الأحمق : _ عِمْتَ صباحاً يا حبيبي . فيرد يعقوب وقد أشاح بوجهه عنها تأففاً : _ عمت صباحاً . _ لماذا تشيح بوجهك عني ؟ . يجيب زوجها مستهزئاً : _ لا أستطيع أن أحدق في لمعان وجهك الوضاء، وخصلات شَعْرك اللازوردية، وعينيك الواسعتين كعيني غزالة على وشك أن تقع فريسة صياد . _ إذاً ، إنك تتمنى قتلي ! . يجيب مازجاً كلماته بتنهيدة عميقة : _ للأسف ، ليست كل أمنية تتحقق ! . ترد وقد استشاطت غضباً ومَلَكَها الحنق : _ يا لك من زوج حاقد ! ، تتمنى هلاك من أعطتك كيانها وكل ما فيه ، ووهبتك عمرها عن طيب نَفْس . اشكر الرب أن رضيت بك ، وقد تقدمتَ إليَّ فتى أرعن لا تملك سوى ثيابك التي اشتراها لك والدي لتبدوَ أمام الناس صهراً محترماً . لا تنس أنك كنتَ أجيراً عند أبي في مخبزه ، وقد التقطك من الشطآن وأنت تطارد السائحات العاريات وهن يسبحن ويتشمسن . حاول أن تُنَشِّطَ ذاكرتك التي سممها الحقد ونكران الجميل . _ لا أحد يعطي عمره لأحد . خذي عمرك ومجد عائلتك ، ولتفرحي بهما ! . هذا النقاش العقيم يتكرر يومياً بصور متباينة وألفاظ جديدة ومعان مختلفة ، حتى إنه غدا افتتاحية لليوم ، وصار أشبه بحركة تلقائية ، أو جزء عفوي يومي . اعتادا عليه وصار من الصعب تجاهله أو القفز فوقه . وكالعادة تستيقظ ابنتهما راحيل على صراع الديك والدجاجة. صراع يضرب جذوره بعنف في فضاء الدار ، وأسمنت الحيطان ، ووجوه البشر الساكنين في هذه المقبرة البعيدة عن عيون سائقي سيارات نقل الموتى . هؤلاء البشر يمشون على آخر ما تبقى من ضوء في عظامهم المترسبة في وديان الانتحار المتسارع والانطفاء الرسمي. أنجبَ يعقوبُ ولدين وثلاث بنات . وقد هاجر الولدان والبنتان إلى فلسطين سراً واستقرا هناك حيث وفَّرت لهما الحكومةُ سكناً في إحدى المستوطنات ، كما وفَّرت للولدين عملاً في أحد مصانع الأسلحة ، أما البنتان فتعملان في إحدى دور النشر المعنية بترجمة الأدب العربي إلى العبرية . وقد أخفى الوالدان قضية الهجرة إلى فلسطين عن الجيران لما في ذلك من حساسية خاصة في المجتمع العربي . أما راحيل فبقيت مع والدَيْها لأنها عمياء وصغيرة ولا يمكن لها أن تتدبر أمرها . وطالما عَيَّر زوجته بأنها أنجبتْ بنتاً عمياء . وقد صارت مثاراً لسخرية والدها على الدوام لكونها لا ترى. والحق يُقال إنها لا تعي معنى الهجرة إلى فلسطين ، وأن يُسرَق وطن في وضح النهار، وأن تحل محل الفلسطينيين السكان الأصليين . ففي ذهنها أن المسألة عبارة عن سَفر إلى مكان والإقامة فيه مثل كل المسافرين في هذا العالَم ، ولأنها لم تذهب في حياتها إلى أية مدرسة فإن ثقافتها تكاد تصل الصفر . كانت راحيل في الثامنة عشرة من العمر . فتاة جميلة شعرها طويل ومسدل على كتفيها ، ووجهها أبيض مستدير ، وهي ممتلئة بشكل يفيض أنوثة ونعومة ، بلا عمليات تجميل أو مكياج . وهي أصلاً لا تملك ثمن هذه المساحيق فكيف ستستخدمها ؟ . وهي بالأساس في غنى عن كل المساحيق لأن الله وهبها جَمالاً طبيعياً لم يتلوث بالمواد التجميلية الكيماوية . أما عيناها اللامعتان فمفتوحتان على احتمالات الصدى الأخرس . وللأسف فقد كانت عمياء لا ترى مُطْلقاً . هكذا وُلِدت ، وقد سبَّب لها هذا العمى اكتئاباً مزمناً وضيقاً ما بعده ضيق . وما زاد الطين بلة هو استهزاء والدها بها على الدوام ، فهو يناديها في غالب الأحيان يا عمياء . تعالي يا عمياء ، واذهبي يا عمياء . ومن النادر أن يناديَها باسمها . منذ ولادتها وهي تعيش في جو موغل في الرعب وعدم الاستقرار الأسري . فمن النادر أن تختلط بالجيران أو الأقارب بسبب خوفها من الناس ونظراتهم إليها ، وعدم قدرتها على بناء علاقات اجتماعية سليمة . إنها مسكونة بالرعب والرعشة . كانت هذه الأسرة تستيقظ باكراً جداً كل يوم بسبب عمل الأب في المخبز ، فهو يذهب إلى مخبزه مبكراً ليجهز العجين وباقي المواد المستخدمة في صناعة الخبز. أما راحيل فكانت تستيقظ رغماً عنها بسبب النقاش الحاد بين وَالِدَيْها . إن غرفتها سجنها الدائم ، فهي لم تذهب إلى مدرسة في حياتها قط . إنها لا تقرأ ولا تكتب . فقد رفض الأب ذهابها إلى المدرسة بذريعة العمى رغم إلحاح الأم على ذهابها ، إلا أن إصرار الأب كان طاغياً . من سيرسلها إلى المدرسة ؟ ومن سَيُحْضرها ؟ وكيف سترى محتويات الكتب ؟ وكيف ستقرأ وتكتب ؟ . هذه الأسئلة مغروسة في فمه على الدوام ، فلم تملك الأم إلا الرضوخ لعنف هذه الأسئلة ، وغياب الأجوبة الحاسمة . ولم يقم الوالدان بالبحث عن طريقة مناسبة لتعليم ابنتهما الوحيدة ، ولو أرادا فعل ذلك لاتصلا بجهات حكومية أو أهلية ذات علاقة بالموضوع ، ولكنهما لم يريدا أن يتكلفا عناء البحث . ذهبت الأم لتحضير طعام الفطور ، أما راحيل فبقيت متجمدة تحت اللحاف ، ولم تذهب لمساعدة أمها لأنها ستكون عبئاً على أمها ، وستفسد الأشياء أكثر من إصلاحها ، هكذا كانت قناعتها المنحوتة على قلبها الضعيف . أحضرت الأم الطعام إلى زوجها المتجهم، فتناوله بشهية شرسة، وزوجته واقفة أمامه خائفة أن تشاركه الطعام ، فقد تعودت أن لا تأكل مع زوجها منذ زواجهما ، وعليها أن تنتظره حتى يفرغ من الأكل ويخرج من المنزل ، وبعدها توقظ ابنتها المستيقظة أصلاً لتأكل المرأتان ما تبقى من الطعام . فرغ الأب من تناول الطعام ، ثم ذهب ليرتديَ ملابسه . وهو لا يرتديها إلا بمساعدة زوجته كإجراء روتيني ، وفعلٍ لا بد منه ليثبت رجولته كما كان يعتقد . أمسكت زوجته حذاءه الممزق ، ومسحته بطرف كمها ، ثم اقتربت من قَدَمَي زوجها ، وأدخلت الحذاء فيهما بصعوبة ، ثم قالت لزوجها : _ لو اشتريتَ حذاءً جديداً لكان أفضل من هذا الحذاء الذي يثير سخرية الناس . فرد بأسلوب ساخر : _ وكيف سأُطعمكما أنتِ وابنتك العمياء ؟! . أحست الأم بعد سماعها لهذا الكلام بإبرٍ تنخر وجهها الراكض في العتمة المنكمشة . أرادت أن تبكيَ لكن الدموع تجمعت في سدود ألمها المتكاثر كوقاحة زوجها . لذا التحفت بالصمت الفظيع ، وبقيت صامتة، ولم تجب على السؤال الاستفزازي لزوجها . غادر الرجل المنزل ، ونزل على الدرجات المهشَّمة التي تصرخ بصوت غير مسموع جراء حملها لتلك الكتلة اللحمية المتراكمة . ينطبع وشم حذائه الممزق على البلاط المنزوي تحت رحمة عوامل البيئة . كأنني أحس البلاط المتآكل يصرخ ويصرخ ، ولكن دون مجيب . هكذا يُخيَّل إِلَيَّ . ولستُ أدري لماذا لا يريد أن يفارقني ذلك الإحساس الغامض . خطواته تنخر خيوط رئة المكان المسحوق تحت بصمات الحذاء التالف . استمر في النزول أو السقوط كأنه خَرَّ من الغيوم المكدسة ، وهوى إلى قاع حلمِ قاتِلٍ قديم لم تتمكن الشرطة من التعرف عليه . ذاب في خطواته واضمحل بصورة شبه نهائية لكنَّ شبحه وصل إلى باب العمارة ، ومضى إلى مخبزه القريب. نعم ! إن جسده كان يمشي أو شبحه المتكرر . بصراحة لا أستطيع التمييز بينهما . كل ما أعرفه أن كتلةً لحمية مشت ومشت إلى حلم جديد أو مقبرة جديدة . أما الأم فذهبت إلى إيقاظ ابنتها ظناً منها أنها نائمة ، وما درت أنها تستيقظ على هذا الصراع اليومي الممل . مشت الأم بخطى وئيدة إلى الحجرة فرأت ابنتها متكومة تحت لحافها فتأكدت أنها نائمة ، وما درت أن ابنتها مستيقظة ولكنها تمثل دور النائم بحرفية عالية. اقتربت الأم من السرير ، ومدت يدها إلى ابنتها قائلاً بحنو: _ راحيل .. راحيل . لم تجب البنت لأنها تريد أن تظل مختبئة تحت اللحاف إلى الأبد ، ولا تخرج إلى النور أبداً . وكيف ستخرج إلى النور وهي مزروعة في قلب الظُّلمة اللانهائية ؟! . أعادت الأم محاولتها بعد أن عززت كلماتها بهز جسد ابنتها المدجج بالخوف والمشاعر المتضاربة : _ راحيل .. راحيل .. استيقظي يا راحيل . مَثَّلت راحيل أنها تستيقظ للتو ، فتصنعت التثاؤب ، وقالت : _ ماذا تريدين يا أمي ؟ . _ قومي لكي نفطر سويةً . _ لا أريد أن أفطر ، افطري أنت لوحدك . _ ما هذا الكلام ؟! ، يجب أن تقومي لتفطري ، وإن لم تفعلي فلن أفطر . نفضت راحيل اللحاف عن بدنها كما تنفض الفراشة المذبوحة ذكرياتِ النار عن أجفانها . وقامت وهي تدعك عينيها . وعندما رأت الأم أنها قد قامت تهللت أساريرها ، لأنها كانت حريصة أن تفطر ابنتها إفطاراً يليق بالإنسان ، ويُنسيه المجاعة أيام الحرب . والعجيب أن راحيل ظَلَّت محتفظة بصحتها حتى في أيام الحرب . فجسمها الممتلئ ليس ناتجاً عن كثرة الأكل ، ولكنه ناتج عن طبيعة القالب الموضوع فيه لحمها المتراص . نهضت البنت لوحدها ، فأمها لم تتدخل لمساعدتها في النهوض لأنها كانت تريد أن ترى قوة ابنتها لكي تطمئن على نفسيتها وصحتها. رَتَّبت البنت سريرها . كل عنصر مُرَتَّب بشكل ينبئ عن ذوق رفيع وإحساس بالجَمال والترتيب والهدوء . إن هذه العناصر كلها احتشدت في سريرها المرتَّب . صحيحٌ أنها لا ترى الأشياء ببصرها ، لكنها كانت تحس بما حولها . تشعر بتنفس سريرها ، بدفء أجزائه ، بتموجات اللحاف ، بقيعانِ وسادتها المتأرجحة بين الصلابة والليونة . إنها تحس بالعناصر المحيطة ببصيرتها التي تعبر هذا المدى اللزج . إحساسها هو عينُها التي لا تُغمِض . ذهبت المرأتان إلى طعام الفطور مسرعتين كحمامتين هاربتين من صياد محترف . في جبينهما أشجارٌ غامضة خائفة من شيء ما . لم تتكلما وإنما اندمجتا كلياً في الطعام. نظرت كل واحدة إلى الأخرى كأنهما تريدان قول شيء عالق في أحلامهما المقموعة . لمعت عينا راحيل المفتوحتان على العمى بشكل غريب. حدَّقت الأم في عيني ابنتها تحديقاً متواصلاً. أرادت أن تبكيَ إشفاقاً على ابنتها لكنها لم تستطع ، وغرقت في الأكل الذي قد يُعوِّضها عن البكاء . وبينما كانتا تأكلان أحستا بوقع أقدام على الدرج . ابتسمت راحيل وقالت بخجل واضح : _ إنه جارنا زياد ذاهب إلى صلاة الفجر . وعندما انتثرت هذه الكلمات في الأفق الأرجواني المرتعش ، برقت عينا البنت مرة أخرى. ولاحظت أمها هذا البريق العميق . بدا بريقاً بريئاً ممزوجاً ببقايا طفولة شريدة . لقد قالت هذا الكلام ببراءة بنت محلقة في طفولة لا تُسافر في قطارات العمر . قالت الأم مُعلِّقة على كلام ابنتها : _ إن زياداً شاب متدين ومحترم، وسيكون بألف خير لو يتركه رجالُ المخابرات الذين يسألون عنه دائماً ، ليتهم يتركونه وشأنه ليعيش مثل باقي الخلق . ارتبكت راحيل لما سمعت هذا الكلام ، وقالت بلهجة الأم الخائفة على ابنها الوحيد : _ وهل سيؤذونه ؟! . شعرت الأم بلهفة غير عادية تتخبط في كينونة هذا السؤال ، فقالت محاولةً إزالة الخوف عن ابنتها : _ لن يستطيعوا أن يؤذوه لأنهم أضعف شخصيةً منه . أُعجبت البنت بجواب أمها ومنطقها ، واطمأنت إلى كلامها المريح ، وعادت إلى الأكل بشراهة أكثر من ذي قبل . كانت وقع الأقدام الموغلة في جسد الزنبق تعود إلى زياد كما قالت راحيل بالضبط . فهو حريصٌ على حضور صلاة الفجر في المسجد كل يوم . توضأَ بالماء النازل من رحم أشجار حُلْمه . هكذا كنتُ أتخيل المشهد رغم أنني أرى الماء نازلاً من الصنبور . أحس ببرودته لكن شعلة الإيمان في قلبه أضاءت تفاحاتِ قلبه الخاشع لله . انبسطت أعضاؤه أمام اجتياحات الماء الناعمة ، واستسلمت دموعه الخفية لسيل ذكريات جدران غرفته الممتلئة ببراويز الآيات القرآنية . كان سعيداً لدرجة لا توصف . وكلما مَرَّ الماء على لحمه شعر أن قلبه يُهاجر إلى خالقه ، تاركاً حقيبة السفر لتراب الغرباء الذين ما زالوا يدبون على هذه الأرض . مضى إلى طريقه حاملاً ظل الغيوم البعيدة على ظهره الضعيف وسار مبتسماً . نزل الدَّرج بخطوات غير قافزة . إنه يتأنى في النزول . فكَّرَ للحظة أن يصرخ في الناس ليوقظهم للصلاة ، أن يناديَ على الطيور والأشجار والبحر. ولكنَّ صورة جيرانه اليهود داهمته بعنف، وأدرك أن هذا ليس أسلوباً جيداً لإشعار الناس بالصلاة ، فأعرض عن هذا الخاطر السريع ، ومضى والابتسامة لا تفارقه . كان الشَّارع يفتقد إلى ملامح الشوارع العادية . الخراب يحيط بهذا الكائن السائر في ظلمة الليل نحو لقاء خالقه . بدا منظر المنازل المهدَّمة في الظلام مُروعاً وبائساً كأشباح تتطفل على رائحة المجاري المجنونة . فقد قُصفت أنابيب الصرف الصحي ، وهذا سبَّب كارثة بيئية فظيعة . بدت هذه الأشياء تحت جنح الظلام أشد إيلاماً . هاجمته الروائحُ الكريهة من كل الأزقة ، إنها تخرج من الحيطان المشققة ، من خلايا الأسمنت المسلح المتهاوي ، من عيون الصَّدى المتوحش . إنها تخرج من كل العناصر المحيطة بالأنقاض الممتدة على مساحات حزن الأرصفة الذي ما زال يُقاتِل رغم كل الكوارث التي تجثم على صدر المكان اللامكان . ورغم كل هذا شعر زياد بنسمة مدوية قادمة من جهة البحر. نعم ، لقد كان يشعر بها بعنف. إنها فرصةٌ حقيقية ليتبختر في هذا الخراب كأنه يتحداه، ويجبره على التحول إلى نوع جديد من الأحلام . إنه التحدي الصارخ ، هكذا كان يُفكِّر . أحس بقوة غريبة تهزه بشدة . استسلمَ لها بمحض إرادته ، وراح يمشي كأنه يريد ان يطبع بصمات ظله على هذه الأرض التي تحب أن ترى ساكنيها أحياء رغم ما فيهم من موت يعشعش في زوايا ظلالهم المقاتِلة . رأى ضوء المئذنة من بعيد، يلمع كنجمة راحلة إلى سجودها لخالقها . قال في نفسه : _ يا الله ! المئذنة سلمت من القصف في وسط كل هذا الخراب . أحس بقلبه يتفطر عندما ذكر لفظ الجلالة، وبوجهه يتصدع من عظمة الكلمة، ثم ما لبث أن سكنت أعضاؤه كزيتونة تقف في وجه الكلاب المسعورة دون أن ترتعش . وصل إلى المسجد ودخله بعد أن وضع حذاءه على إحدى الرفوف الخشبية المخصصة لذلك . خُيِّل إليه أن عظامه تركع على السجاد النظيف. بدا المسجد ممتلئاً بالمصلين على غير العادة في صلاة الفجر. كان هناك فجوة كبيرة في الحائط الغربي للمسجد . لا بد أنها نتيجة قذيفة مدفع . هكذا حلَّل زياد المشهد في ذهنه رغم أنه لا يفهم كثيراً في الأمور العسكرية . إن الهواء النقي يدخل من الفجوة غير حامل للغبار رغم كل الأنقاض المحدقة بالمكان. ولم يكد يُصَلِّي تحية المسجد حتى أُقيمت الصلاة . اندفع باتجاهه خاطرٌ عجيبٌ فقد تَخَيَّل أن الوقت بين الإقامة وتكبيرة الإحرام عاصمةٌ لاستنشاق رائحة المجرات. لم يجد تفسيراً منطقياً لهذا الخاطر الماحي. دخل في الصلاة وفي عينيه أشجارٌ تُصَلِّي . كان صوتُ الشيخ سليمان ثويني إمام المسجد وهو يقرأ القرآن يتسرب إلى خلايا زياد الحية والميتة . إنه صوتٌ يحمل كل ألوان الفراشات المهاجرة في موسم المحبة . استسلم لبكاء خفيف ضربه بلا موعد مسبق . ذرف دمعة إثر دمعة ، ونزيف الدمع لا يريد أن يتوقف ، كأن الدموع تحفر أخاديد البرتقال في وجهه الراكض باتجاه الخشوع . تملكته رِعْدةٌ لا يُعرَف مصدرها . _ إنني قريبٌ من حضرة الله . قال في نفسه . وبدا وكأنه غير قادر على الوقوف على رجليه . لكنه تمالك نفسه بصعوبة وأكمل الصلاة . وبعد أن فرغ من الصلاة لمح آثار دمعه على السجاد. انعكس قلبه على مرايا دمعه ، وأغمض عينيه ، ودخل في الاستغفار والأذكار . ذاب في أذكاره واضمحل قلبُه بين ضلوعه ، وَوَجد قلبه مُعَلَّقاً على الهلال الموضوع في أعلى المنبر . هكذا كان يرى ببصيرته . بدأ المصلون يغادرون المسجد ، لكنه بقي جالساً في مكانه . فكَّر أن يذهب إلى الإمام لِيُسَلِّم عليه، حيث إن الحرب الماضية قطعت العلاقات بينهما ولم يريا بعضهما البعض منذ ذلك الحين . اقترب من الإمام ، وألقى السلامَ عليه، ثم صافحه بحرارة قائلاً : _ كيف حالك يا سَيِّدي الشيخ ؟ . _ الحمد لله ، إنني في أفضل حال . _ أحببتُ أن أُسَلِّم عليك ، وأطمئن على صحتك . _ بارك الله فيك يا زياد ، وشكراً لك على سؤالك . ومضى زياد مغادراً المسجد تاركاً الشيخ جالساً في مكانه . إن الشيخ سليمان ثويني رجل صالح ، وفقيه شافعي ، وهو شيخ إحدى الطرق الصوفية . عندما تراه تشعر بملامحه تفيض أنهاراً من حرارة الإيمان . كل شيء في وجهه أبيض ، وثيابه كذلك . وكل تفاصيله بيضاء ما عدا عِمامته السوداء التي يقول إنها لون عِمامة النَّبي . وهو ممنوعٌ من السفر بسبب خطبه يوم الجمعة التي ينتقد فيها النظام الحاكم وفساد الحكومة ، كما أنه ممنوع من الخطابة . ولكن في المرحلة الأخيرة ضعفت سلطة الدولة وأجهزتها الأمنية ووسائل الاتصالات بسبب الحرب، وانشغال الجيش بالقتال في المناطق الحدودية ، وهذا دفع الشيخَ إلى العودة للخطابة دون إذن حكومي. وعلى الرغم من كل ما حدث إلا أن أجهزة الدولة رجعت للعمل تدريجياً بعد انتهاء الحرب . وكلما مُنع أكثر ازداد التفاف الناس حوله . وفي المرة الأخيرة أرسلت الحكومة خطيباً من علماء السَّلاطين، فكانت خطبته كأنها منشور بيعة للحاكم ، فقضاها في التطبيل والتزمير له . مما جعل الناس يُصابون بالاستياء ، ويُنزلونه عن المنبر . ولولا تَدَخُّل بعض المصلين لإخراجه سالماً، لخرج محمولاً على نقالة ! . في هذه البلاد تتدخل الحكومةُ في كل شيء ، وتتحكم في كل شيء. فوسائل الإعلام تابعة للدولة، ومؤسسات المجتمع المدني تابعة للدولة، ودور النشر تابعة للدولة ، والمساجد والكنائس تابعة للدولة . وفي الفترة الأخيرة سمحت الدولة بإنشاء أماكن عبادة لليهود في مناطق تجمعاتهم ، وحتى هذه الأماكن تابعة للدولة ، لدرجة أن زياداً نشر مقالاً في صحيفة عربية تصدر في الخارج ساخراً من هذه الهيمنة على كل شيء . وقال في مقاله مستهزئاً إنهم نسوا أن يحددوا ألوان الملابس الداخلية للشعب ، وقال في نفس المقال إنه يخشى أن يتذكروا ذلك قريباً ! . خرج زياد من المسجد وفي جبينه تتزاوج الأشجار الباسقات ، وتتمرد الأنهار غير الدموية . مشى إلى مكان منحوت في ذهنه. إنه يعرف أين يذهب . قصدَ الشاطئ ، وزرع أقدامه في الرمال الصفراء التي يظهر لونها بشكل عاصف تحت أشعة القمر الآيل للرحيل. خلع ملابسَه ووضعها على الشاطئ ، وبقي مرتدياً لباس سباحة يُغطي المنطقة بين سُرَّته وركبتيه . وسلَّمَ نفسه للموج الهادئ ، وانصهر في جسد البحر ، وراح يسبح بعشق مثلما تسبح النجوم في مجرة الكلمات الشاعرية . لقد تعود كلَّ يومٍ أن يُصَلِّيَ الفجرَ في المسجد ثم يذهب للسباحة في البحر . كان الماءُ بارداً بعض الشيء، لكن برودته ناعمة وليست قاسية. إنه يُحسن السباحة بصورة لافتة ، فمنذ طفولته هو يسبح في البحر . لقد علَّمه السباحةَ أستاذُ الرياضيات . كان يأخذه إلى منطقة ليس فيها نساء بملابس السباحة ، ويعلمه كيف يسبح في تلك البقعة ، وكان يخبره على الدوام بأن البحر هو التفاضل والتكامل . وهؤلاء النِّساء على شطآن هذا البحر اللواتي يرتدين لباس سباحة من قطعتين لم يَكُنَّ من أهل المنطقة ، لأن أهل المنطقة محافظون إلى حد بعيد ، ولا يسمحون لبناتهم أو نسائهم بفعل ذلك . وإنما كانت النساء غالبيتهن من السائحات الغربيات اللواتي يأتين إلى هذا المكان من أجل الشمس والاستجمام . لذا كان زياد طوال حياته يختار وقت ما بعد صلاة الفجر للسباحة ، حيثُ يكون الشاطئ خالياً تماماً، بلا سائحات عاريات، أو صخب هستيري . إنه يحس أن البحر ينادي عليه . صوتٌ ما يأتي من حنجرة الموج ينادي بأعلى صوته . وزياد لا يملك إلا أن يُلَبِّيَ مختاراً سعيداً باختياره . إن هذا السابح الوحيد في لجة أجنحة الفراشات النائمة مهاجِر باتجاه صوت غامض يأتي من شبابيك البحر المشرعة أمام قدوم ضيوف الإعصار . كان سَبَّاحاً ماهراً وعاشقاً لما يقوم به . عشقه يسبح في ماء أحلامه الشمسية ، ولكن الشمس ما زالت مختبئة لم تظهر بعد . منح للبحر كامل أعضائه ، واخترق العمودَ الفقري للموج الثائر أبداً ، والمنفيِّ أبداً. لقد امتزجت ملوحة دموعه غير المرئية بملوحة البحر. خطر على باله أثناء السباحة أن كل شيء حوله مالِحٌ . صور الرمال المبتعدة عن ناظريه بينما هو يتوغل في الماء . شَعْرُ جارته اليهودية الشابة وهي تحفر موتها على قشر البطيخ الذي لا تستطيع أن ترى لونَه . حقيبة ابنة مدير المخابرات التي تدرس معه في الجامعة ، والمرشحة للفوز بانتخابات مجلس الطلبة بكل وسائل التزوير المعروفة وغير المعروفة . تزوير الانتخابات في كل تفاصيل البلد من رأس الهرم حتى القاعدة .رائحة الخبز المنبعثة من فرن اليهوديِّ وهو يعد الأموال التي جناها من القِمار والرِّبا . رائحة عَرَق أخيه الجندي الذي قد يعود وقد لا يعود. _ كل شيء حولي مالح . قال في نفسه وهو يسبح مغمض العينين . لكنه تدارك إحساسه المؤلم ، وآمنَ أنه سيصعد من بين كل تلال الملح المحدِقة بجسده الوحيد في وسط جبال الموج التي لا ترحم ، سيصعد دماً للرياح لا ينقل على ظهره براميلَ النفط للغزاة . هكذا أكَّد لنفسه بكل حزم. كان يَسْبح لِيُفَرِّغ الكبتَ الجنسي والقهر السياسي الفظيعين اللذين يشعر بهما . يضرب الماء بيديه ورجليه ليعلن انتصاره على اليود البحري والشِّعابِ المرجانية ويومياتِ الحيتان التي لا تأتي إلى رياح القلب وأسماكِ القرش المشغولة بالتقاط فرائسها في مكان ما . انتهى من السِّباحة ، وخرج من الماء . ارتدى ملابسه التي تركها على الشاطئ المهجور في مثل هذه الساعة . إنها ساعة يهجر فيها الناسُ رمالَ الحلم ويغطسون في منام الصخور . وحدها النوارس التي تقضم جسد السواحل التي لا يصلها خفرُ السواحل . عاد إلى العمارة التي يسكن فيها . وبينما هو صاعد على الدرج لمح راحيل نازلةً وهي تمسك كيس القمامة من أجل رميه في الحاوية القريبة التي نجت من القصف بأعجوبة . أخشى أن تكون حاويات القمامة هي التي سَتَرِثُ هذه الأنقاضَ اللانهائية . كانت خطوات راحيل كالنَّمش الخفيف في وجه قطة مبلولة على سور مقبرةٍ تُقاتِل . إنها تزرع خطواتها برفق على هذا الدرج الموحش بالنسبة لها . لقد استوى عندها الليلُ والنهار ، فلا فرق يُذكَر . ولقد اختارت هذا الوقت بالذات لترميَ كيسَ القمامة ، لأن الناس نائمون في هذا الوقت ، وبالتالي لن يسخر منها أحدٌ بسبب العمى، لأنه لا أحد يراها في مثل هذا الوقت. هكذا كانت تعتقد. وقد قامت الأم بتوصيفها المكان الذي توجد فيه حاوية القمامة ، فقالت لها إنه يوجد على بعد عشرين متراً جهة اليسار بعد خروجك من باب العمارة . وهكذا صارت راحيلُ تقوم بهذا الفعل كل يوم . وعندما رآها زياد أشفق عليها ، وشعر بكهرباء عجيبة قادمة من لمعان عينيها المفتوحتين والمغلقتين في الوقت ذاته ، فأسرع إليها وفي جبهته بنادق من نوع خاص تتقاتل . تَوَجَّه إليها قائلاً : _ آنسة راحيل ، هاتي الكيس لأضعه في الحاوية . ردت وقد ارتسمت على شفتيها أشجارُ ابتسامة غامضة ، وأسى يرتدي أقنعةَ الألم : _ لا عليك يا أستاذ زياد، سوف أضعه بنفسي ، فأنا أعرف الطريق. رد زياد وقد ارتدى صوتُه إصرارَ الرجولة : _ لن أدعك تفعلين ذلك . ومد يده وانتزع الكيس منها . وقد كان حريصاً على أن لا تلمس يدُه يدَها ، فهما في غنى عن الإحراج والمشاعر الشهوانية . هكذا كانا يُفكِّران في عقلهما الباطن . أخذ زياد الكيس ومضى لكي يُلقيَه في حاوية القُمامة . أما راحيل فمضت إلى منزلها ، وعندما وصلت تَعَجَّبت الأم من هذه السرعة غير المعقولة ، وشَكَّت أن تكون ابنتها قد ألقت الكيس وعادت ، فقالت لها متعجبة : _ لقد عُدتِ بسرعة جنونية . ردت البنتُ وقد ارتسم على وجهها حياءٌ من نوع خاص : _ لقد أخذ الكيسَ الأستاذُ زياد بعد أن أصر على ذلك ، وهو الذي ذهب ليرميَه . غضبت الأم بصورة واضحة، واستولت على قسمات وجهها سمات حادة جداً، وقالت والغضب واضح في صوتها الذي اعتنق الإزعاج : _ ألم أقل لك إنَّ عليك أن ترميَه بنفسك .. ماذا سيقول الناسُ عنا عندما يُشاهدونك مع رجل غريب أعزب ؟ . وأردفت الأم : _ راحيل ! هل بينكِ وبينه شيء ؟! . ارتبكت راحيل ، وأجابت بسرعة لتدفع عنها أية شبهة : _ ليس بيني وبينه شيء نهائياً . إنه شاب محترم لا يسيء لأحد ، وقد ساعدني بعد أن أصر على ذلك . صَدِّقيني يا أمي لا شيء بيننا . وانهمرت دموع راحيل كأن صخوراً تتساقط من نجوم السماء ، وانصرفت إلى غرفتها وهي تجر أذيال الألم ، وتحمل أشواك الحلم على ظهرها الضعيف . شعرت الأم بأنها ظلمت ابنتها ، وقست عليها بعد أن صَبَّت فوق رأسها سؤالاً طاعناً غير متوقع . وبدلاً من أن تذهب إلى غرفة ابنتها لتخفف عنها مضت إلى المطبخ للقيام ببعض الأعمال . فقد رأت أنه من الأفضل ترك البنت لوحدها في هذا الوقت لعلها تخفف عن نفسها بالبكاء . هكذا كانت تعتقد الأم . وافترقت المرأتان إلى طريقين مختلفتين. كل واحدة ذهبت إلى حلمها المقموع ، حلم يجيء من دموع متكورة على شكل بنادق تفتح النارَ على القلوبِ الكسيرة . وغرقت المرأتان في ذكريات أسماء أحزانهما ، وغابتا في أشلاء لا تزال تتحرك . رجع زياد إلى غرفته بعد أن ألقى كيس القُمامة في الحاوية . استلقى على سريره وعلى جبينه عَرَقُ نجومٍ راحلة . أطلق نظره باتجاه السقف كأنما يريد أن يزرع فيه قمح ذكرياته القادمة . أغمض عينيه ليغرق في تأمل من نوع مختلف. انطفأ العالَم بالنسبة إليه ، وصار هو العالَمَ الجديد. صار حُلْماً لكائنات تعيش في كبده المسافر أبداً على سطوح القطارات البخارية . تَذَكَّر أن عليه كتابة فصول جديدة في كتابه الفلسفي الجديد " الرد على أرسطو" . أظنه قد وصل إلى الصفحة الستين بعد المئتين. كان طوال الفترة السابقة يكتب بنهم شديد . لكنه قال في نفسه إن عليه أن يقرأ وِرْده القرآني قبل أن ينهمك في الكتابة . نهض من تأملاته واستراحته القصيرة جداً. وبالفعل ذهب لإحضار القرآن ، وراح يقرأ من حيث إنتهى في الأمس . إنه يقرأ بأحكام التجويد كاملةً ، فالشيخ سليمان ثويني مجاز من الأزهر ، ودرَّسه أحكام التجويد في المسجد بعد صلاة المغرب . لقد مضى زمنٌ طويل على تلك الدروس . لقد كَبُرَ زياد وصار طالباً في الجامعة ، وانضم لجماعة الإخوان المسلمين مثل العلماء الذين كان يقرأ لهم في صغره . استغرقت تلاوته للقرآن ساعة إلا ربعاً. وبعدها ذهب إلى مكتبه . رتَّب الكتب المنثورة على المكتب. ومضى يكتب ويكتب . والعجيب أنه كان يكتب دون العودة إلى مراجع . لقد قرأ كل مؤلفات أرسطو في مكتبة الجامعة والمكتبات العامة أكثر من مرة . وبعدها صار يرد عليه من إملاء عقله دون الاستعانة بالمراجع . وهذا ما يُحيِّرني في شخصيته . وبينما هو منهمك في كتاباته أحس بحركة على السطح ، فتوقف عن الكتابة ونظر من النافذة ليرى ماذا هناك . فرأى راحيل تنشر الغسيل . أشفق عليها وقرَّر أن يساعدها، لكنه تراجع بسرعة ، إذ إن فِعْلَه سيكون مريباً وشُبهة قبيحة بالنسبة لهما . فقرر أن يعود إلى كتاباته وقبل أن يفعل ذلك وقعت عيناه بدون قصدٍ على صَدْرِ راحيل وهي منحنية لتلتقط الغسيل من الطشت ، فرآى جزءاً من نَهْدَيْها . رمى بصره إلى أرضية غرفته بسرعة، وخر ساجداً لله وهو يسبحه،واحمرت خدوده، وازداد تسارع نبضاته ، واستغفر ربه وعيناه على أهبة الدمع . لقد رأى ما لا يحب أن يراه . جلس على الكرسي وأغرق نفسه في الكتابة لينسى ذلك المشهد المحرَّم عليه . فكَّر أن أفضل وسيلة لنسيان ما حدث هو الانهماك في أكسجين الورق والحِبر. وبالفعل تم ذلك بسرعة كبيرة جداً من أجل النسيان ولا شيء سوى النسيان في هذه اللحظات المرعبة التي يتدفق فيها الحرامُ في ذرات الأسمنت لو استمر في التقاط تفاصيل ذلك المشهد الصعب . ألقى بنفسه في ممالك الحِبر . مسح العرق عن جبينه بظاهر يده اليمنى. أيقن أنه في هذه اللحظة بحاجة إلى القرآن. أمسكه وبدأ يقرأ منه، وتسبح روحه في ملكوت الله كفراشة لم يعرف الصيادُ طريقاً إلى اصطيادها . بدأت شهوته تخبو تدريجياً ، وهو يقرأ الآيات . إنه يتنفس كلامَ الإله ، ويمضي في رحلته إلى خالقه ، ولا يريد العودة إلى تلك البقعة التي رأى فيها ما رأى .

20‏/07‏/2010

أشباح الميناء المهجور/ الفصل الأول

أشباح الميناء المهجور
( رواية / الفصل الأول )
تأليف : إبراهيم أبو عواد
دار اليازوري ، عَمان 2009م .
العصافير مَرْميةٌ على مسرح الذاكرة صوتاً للقمح . الكلاب والقطط والجرذان تحاول بسط النفوذ على الشارع العام رغم ما يحدث بينها من مناوشات . وعمالُ النظافة يجمعون جثث الضحايا في أكياس بلاستيكية ، ويُلقون بها في مقابر جماعية . الأنقاض يتعالى نحيبها كأطفال العشب حين يتركهم ويذهب إلى الصيد . بائع الصحف يتكئ على عمود كهرباء آيل للسقوط . الركام في كل مكان . وصوت الرصاص راح يخفت شيئاً فشيئاً ، حيث طغت عليه أصوات سيارات الهلال والصليب الأحمرين . والأصوات المتشابكة ما زالت تُسمع في النواحي القريبة . البيوتُ تمت تسويتها بالأرض . لقد ورث المكانَ حشراتٌ لا شريعة لها إلا الكوليرا. قال بائع الصحف مخاطباً عمال النظافة : _ أنتم تضيعون وقتكم . اتركوا الأموات ، واذهبوا لإنقاذ الأحياء المحاصَرين تحت ركام المنازل والمحال التجارية . رد عليه واحدٌ منهم بسذاجة ممزوجة بالمأساة : _ إخراج الناس من تحت الأنقاض بحاجة إلى عمال متخصصين وأدوات لا تتوفر لدينا ، كما أننا نأخذ رواتبنا على تنظيف المكان لا إنقاذ البشر ! . فلتنتظر عمال الإنقاذ ليقوموا بتلك المهمة ، أو فلتذهب لإنقاذهم أنت . أحس العجوز أن كلامه ذهب أدراج الرياح ، وأن صوته عاد إليه صفر اليدين كرجع صدى موحش لا يلقى أُذناً تحتويه . بدا المشهد كدور مسرحي يؤديه ممثل مبتدئ يتكلم مع الحيطان المكسرة مثل خصلات شعر ذهبية لرضيع ذبيح ، لكن أحداً لا يعيره انتباهاً لائقاً . كظم العجوز غيظه ومضى في طريقه، وقد امتلأ قلبه حقداً على هؤلاء العمال، لكنه عاد إلى مراجعة نفسه واضعاً المسؤولية على الحكومة التي لم ترسل عمال الإنقاذ حتى الآن . كان العجوز خضر الزاوي بائع الصحف يوزع نظراته بالتساوي بين صور الضحايا على ورق الجرائد وصورهم في الواقع . كانت مقارنة مؤلمة غاية في الألم . ولكن _ على ما يبدو _ أن دخوله في السبعين قد سلبه كثيراً من مخزون المشاعر ، فلم يعد يتأثر بمنظر الجثث ، ولم يعد يخاف من صوت الرصاص والمدافع . فمثلاً ، أنت تراه يشير إلى تلك الجثة وهو يضحك . وربما تسمعه يقول النكات عن القتلى والجرحى. وبالتأكيد هو لا يقصد الإهانة أو الاستهزاء، لكنه تعود على أخذ الأمور من هذا المنظار . فهو أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب . لم يكد يدخل في المدرسة حتى أُخرج منها من أجل إعالة أسرته بعد وفاة أبيه. تعارك مع الحياة بضراوة ، وما زال موغلاً في عراكه الدائم . وهذا جعل منه إنساناً بسيطاً، لا يعطي الأمور قدرها الذي تستحقه من الأهمية. هكذا قضى حياته وهو سعيد بها . وكل المؤشرات تشير إلى أن مشواره سيستمر على هذا النحو . وفي الحقيقة لستُ أدري لمن يبيع الصحف في هذا الخراب المطبق . إلا أن مهنته تأبى أن تفارقه بغض النظر عن الحال المعاشة .كانت أعضاؤه راسخة لا ترتجف . فهو لا يعرف الباركنسون ( الرعاش ) إلا من خلال ملاحظة أقرانه الذين امتد إليهم هذا المرض. مشيته ثابتة بين كل هذا اليباب . يُجيل بصره في العناصر المحيطة، ويستمر في المشي. كان يستمع إلى صرخات الاستغاثة تأتيه من كل حدب وصوب، تطلع له من بين قضبان الحديد المختلط بالأسمنت ، وكل العناصر معجونة بالأحلام المنسية ، تلك الأحلام التي نسي أصحابها أن يحلموا بها . لقد أكلتها الأرض بيدها ، بلا شوكة أو سكين . وكان كلما سمع صرخةً استغفر رَبَّه ، وطلب منه أن يسامحه لأنه غير قادر على إنقاذهم ، ولم يكن يملك غير الدعاء ، لا شيء سوى الدعاء . كان هناك فتاة في العشرين من العمر تبحث عن شيء ما . تتفقد الأشياء التي تحاصرها من كل الجهات . وما إن وقعت عيناها على هذا العجوز حتى هرعت إليه قائلة : _ أبي ! لقد كنتُ أبحث عنك . يجيب بكل برودة أعصاب : _ ما الذي جاء بك يا فاطمة ؟ . _ جئتُ لأقودك إلى المنزل . _ وهل بقي لنا منزل في هذا الخراب ؟ . _ حمداً لله أن سلم منزلنا من القصف . _ عودي وحدك . سوف أتجول قليلاً ، ومن ثم سآتي . تجيب فاطمةُ بحدة : _ لن أتركك يا أبي ، فإما أن نبقى معاً أو نذهب معاً . لم يجد العجوز وسيلةً للتملص من إصرار ابنته، فوافقها على مضض. وفي عينيه شرارة جرح ضاحك رغم النزيف المستمر ، نزيفِ الأخيلة والمشاهدات القاتمة داخل قلبه وخارجه . بدت طريقهما أشبه بوهمٍ مغلف بالأشباح التي تتكاثر في غير موسم التكاثر . احتضار مدينةٍ تسعى إلى الالتصاق بالحياة بأي ثمن . زرعا خطواتهما في صدى المكان لا صوته ، فهما لم يمتزجا بالصوت الذاهب في تقاطيع الأسمنت المتهاوي . عاشا على هامش الصدى في هذا المكان الذي تتكدس فيه كل عناصر الموت . نعم، إنه الموت يطلع من رعشات البشر وذكريات الحطام الذي يعلو ساكنيه السابقين . يعلوهم رغم محبته لهم ، ولكن ما الفائدة من محبة لا تترجم إلى واقع ملموس ؟! . غابت الأزهار الواثقة والفراشات الملونة عن هذا المكان الذي لم يعد يجذب سوى كاميرات وسائل الإعلام التي تلهث وراء سبق يُستخرج من ضوضاء عظام المسحوقين . كان أحد المصورين برفقة مراسلة وكالة الأنباء يعملان على التقاط صورة عينين محاصَرتين تحت الأنقاض . إن الكاميرا تفترس تلك العينين بلا رحمة ، ومراسلة وكالة الأنباء تصلح مكياجها تارةً ، وتُعلِّق على الموضوع تارة أخرى بعبارات تتكلف المأساة والحزن تكلفاً فاضحاً . وفي ذهن هذين الشخصين فرصة سانحة للحصول على سبق قد يرفع أسهمهما لدى صاحب المحطة ، وبالتالي قد يحصلان على مناصب أعلى . لقد كان المحاصَر إنساناً لا يظهر منه غير عينيه الموغلتين في السواد اللامع كبقايا مرآة مهشمة بسبب مشادة كلامية بين زوجين وضعا الفرح على الرف ، وركضا نحو الضياع . لم يفكر المصور والمراسلة أن يساعدا ذلك الشخص بأية وسيلة كانت . إنهما حريصان على اصطياد لحظة المأساة بكل أبعادها المحسوسة وغير المحسوسة . وعندما فرغا من التصوير، نفضت المذيعة الغبار والأتربة عن بنطالها الضيق ، والملتصق التصاقاً جنونياً برجليها النحيلتين كرجلي جرادة متمسكة بهوية المستنقع. وبينما هي مُركزة في نفض الأتربة والغبار رأت العجوزَ وابنته يمشيان في هذا الفراغ الصاخب، ركضت نحوهما كطفلة تريد أن تطلب من أمها شيئاً . والمصور يتبعها هائماً على وجهه ، بعد أن أعطته إشارة فهم منها ضرورة اللحاق بها . إنهما ذاهبان إلى صيد جديد . توقفت المراسلة في طريق الرجل وابنته ، وللأسف فهي لم تجد شيئاً تقف عليه في كل هذا المدى المرعب إلا جريدة فقدت كثيراً من صفحاتها يتلاعب بها الهواء ، استقرت تحت قدميها ، أو قل إن تلك القدمين المغبرتين استقرتا على الجريدة . وما إن رأت فاطمة هذا المشهد حتى اقتربت من حذاء المراسلة، وطلبت منها أن ترفع قدمها حتى تأخذ الجريدة . ظنت المراسلة للوهلة الأولى أن في الجريدة خبر خاص أو شيء من هذا القبيل ، لذا قالت ببساطة مختلطة بغبش الرؤية : _ إنها مجرد جريدة تافهة لا قيمة لها ، ولا تصلح للقراءة . ردت فاطمة مبتسمة وكأنها تسخر من جهل مُحَدِّثتها : _ إن الجرائد تحتوي أسماءً مقدسة ، ولا يجوز امتهانها أو رميها في القاذورات . تدخَّل العجوز عندما سمع هذا الكلام قائلاً : _ كل الشعب يأكل على الجرائد ، ويرميها في القمامةِ ، وهو يعلم بما فيها .. هذا الشعب المذبوح يذبحنا . وأردف قائلاً بعد أن أطلق تنهيدةً مريرة : _ الله يستر علينا .. نحن غاطسون في الحرام غطساً . نظرت المراسلةُ باستخفاف مشوب بعدم الارتياح ، وقالت : _ يا جماعة ، لا تعطوا المسألة أكثر مما تستحق ، دعونا في الكوارث التي نحن فيها . قالت فاطمة بحدة بعد أن أغضبها هذا الكلام : _ الكوارث التي نحن فيها بسبب الاستهانة بمسائل هامة مثل الجرائد، وها نحن ننتقل من كارثة إلى كارثة . كان المصور قد أتعبه حمل الكاميرا ، وهو يراقب هذا الحوار الساخن نوعاً ما. لم يكن يعرف من الحياة سوى التصوير ، هذا هو انطباعي الأول عنه ، وقد أكون مخطئاً . بل إنني أتمنى أن أكون مخطئاً . وعلى الرغم من عدم مشاركته في النقاش إلا أنه كان يحس بأن الحق يقتضي عدم رمي الجرائد. ولكن أين سيذهبون بها ؟ . سؤال جديد هاجمه دون سابق إنذار، لكنه خشي من طرحه خوفاً من الدخول في نقاش جديد ، لا سيما وأنه كان في أقصى درجات الجوع والعطش ، فقد خرج من الصباح الباكر دون إفطار بعكس المراسلةِ التي أفطرت جيداً قبل الخروج . قال المصور مخاطباً العجوز : _ هل يوجد ماء للشرب في هذا المكان ؟ . في واقع الأمر كان المصور يتمنى أن تتم دعوتهما إلى الطعام ، لكنه خجل أن يذكر كلمة " الطعام " ، واكتفى بذكر " ماء الشرب " . رد العجوز وقد أصابه رذاذ الكرم العربي : _ بالطبع هناك مكانٌ ، واعتبرا نفسيكما مدعوين إلى الطعام في بيتي. قال المصور وهو يكاد أن يطير من الفرح ، رغم كتمانه لمشاعره الحقيقية : _ لا نريد أن نزعجكم أو أن نكون عبئاً عليكم . _ لا عليك .. الجود من الموجود ، وعلى أية حال لا أحدٌ يشتري مني الجرائد في هذا المكان المندثر لو بقيتُ مئة سنة أدور . يعني لا يوجد أمامي إلا العودة إلى البيت . وتابع يقول وهو يضحك بحرقة : _ من يراني وأنا أبيع الجرائد في هذا الحطام المخيف يعتقد أنني مخبول.. ولكن يا جماعة لم أعد أتصور يديَّ بدون أن تلمسا صفحات الجرائد .. رائحة الحِبر كأنها عضو من أعضائي . ابتسم الجميع بسبب هذا الإحساس المرهف ، وتدخلت فاطمة قائلة : _ يا أبي ، دعنا نذهبْ إلى البيت كي نجهز الطعام في أسرع وقتٍ . وذهب الجميع في موكب غير رسمي بلا سجاد أحمر ، بلا مصفقين وربطات عنق . إن المشهد شبيه كمقطورة تجر جلود دببة الباندا الصحراوية في مكان لا شيء يتكلم فيه سوى الموت أو الخراب الذي أبدعته الآلة العسكرية الحمقاء . تناست المراسلة والمصور قضية السبق أو اللقاء التلفزيوني الذي كانا يخططان له في غمرة هذه الخطوات المتشظية إلى حِراب تحفر جبين الطريق المحطَّم. مشوا جميعاً محاصرين بالبنايات المحروقة ، والعمائر التي تم تسويتها بالأرض . وحده الحطام كان يُغَنِّي في تلك البقعة . وبعد أن استمروا في المشي لمدة عشر دقائق تقريباً وجدوا مجموعة من الأطفال يلعبون ببقايا مخلفات الحرب . قال العجوز مخاطباً طفلة وحيدة تلعب مع مجموعة أولاد : _ قلتُ لك يا خولة لا تلعبي مع الأولاد ، هؤلاء أولاد وأنتِ بنت . عيب عليك أن تكوني معهم . ردت خولة وفي عينيها دهشةُ قطيع غزلان باغتها منحدر سحيق : _ مع من سألعب ؟! . كل البنات مختبئات في البيوت ، خائفات من الخروج . وهنا تدخلت فاطمة قائلة : _ دعها يا أبي تلعبْ معهم ، هذه بنتٌ عنيدة ، وهي على كل حال ما زالت صغيرة . ركن الأب إلى كلام ابنته فاطمة ، لكنه ظل مشغول البال ، حيث إن تفكيره متعلق بحفيدته خولة. هذه الطفلة التي دخلت للتو إلى المدرسة، لكنها الآن في إجازة مفتوحة هي وباقي الطلاب بسبب الأوضاع السياسية في البلد . فالحرب وضعت أوزارها للتو . وقد تم تعطيل المدارس والجامعات حتى إشعار آخر ، وهذه أوامر حكومية لا أحدٌ يملك معارضتها . كانت خولة طفلة ذكية نحيلة ، ذات شعر أشقر، ملامحها تشي ببراءة تفوق براءة الأطفال المعتادة ، ورغم هذا كانت عنيدة بعض الشيء ، فليس من السهل أن تسيطر عليها ، أو أن توجهها إلى وجهة ترفضها . ربما ورثت العنادَ من أمها ذات الأصول التركية . لا أستطيع أن أؤكد هذا أو أن أنفيَه . المهم أنها كانت عنيدة على الرغم من الحساسية العالية تجاه الأشياء ، فأقل كلمة تدفعها إلى البكاء . قال العجوز للضيفين : _ تفضلا بالدخول إلى بيتنا المتواضع . كان بيته عبارة عن شقة في الطابق الأول ضمن عمارة من خمسة طوابق . والحمد لله أن بيته لم يتضرر ، فقد كان القصف مركزاً على الطوابق العليا في العمائر العالية ، والتي تحيط بهذه العمارة التي يسكن فيها هذا العجوز . وهي التي تضررت بشكل لافت . لا بد أن أصحابها سيعانون كثيراً في ترميمها ، هذا إن كانت أصلاً صالحة للترميم . فالأضرار بالغة إلى حد كارثي. وصاحب هذه العمارة رجلٌ يعمل في أمريكا ، وقد وكَّل أحد أقاربه لاستيفاء أجرة الشقق ، وإنني أرجح أنه لا يعلم شيئاً حول وضع عمارته في هذه الفترة ، فقد انقطعت الاتصالات بينه وبين سكانها أثناء الحرب . وما زالت خطوط الهاتف مقطوعة حتى اللحظة الحالية . إذ إن الحكومة لم تعمل بشكل فعال في تحسين الأوضاع، رغم المساعدات المالية والعينية التي تلقتها من الدول الشقيقة والصديقة. كان الفساد مستشرياً بصورة جنونية في الأوساط الحكومية ، فالمال الذي يأتي من الخارج لا يذهب إلى مشاريع إعادة الإعمار أو مساعدة المتضررين . بل يذهب إلى جيوب المسؤولين ، وهذه الحقيقة معروفة لدى الجميع ، لكن أحداً لا يجرؤ على البوح بها . قرع العجوز جرس الباب ففتحت له زوجة ابنه ، فقال لها : _ معنا ضيوف ، خذوا لنا طريقاً . كانت هذه العبارة كافية كي تترك فايزة الباب، وتذهب إلى إحدى الغرف ، لتضع على رأسها الحجاب . فقد كانت في بيتها متكشفة ، وما إن سمعت كلام عمها حتى أسرعت لتستتر . دخل الجميع إلى المنزل ، وطلب العجوز من المصور أن يتفضل إلى غرفة الضيوف . وبالفعل استجاب له . وعندما سمعت المراسلة هذا الكلام ظنته دعوة ضمنية لها للتفضل ، فحاولت أن تذهب مع الرجلين . لكن العجوز قال لها : _ الرجال لوحدهم ، والنساء لوحدهم . ثم وجَّه نظراته إلى ابنته قائلاً : _ خذي ضيفتنا إلى غرفتك يا فاطمة . كان هذا الكلام جديداً على المراسلة التي تعيش حياتها بالطول والعرض دون حواجز . تخرج مع من تشاء ، وتسهر مع من تشاء ، وتنام خارج البيت بحجة متطلبات العمل . لا أحدٌ يسأل عنها ، أو قل لا أحدٌ يريد إزعاج نفسه بالسؤال عنها . وللأسف فراتبها الذي تأخذه تنفقه على المكياج والملابس الضيقة التي تُفصِّل جسمها كما لو كانت جرادة خارجة من الاستحمام باليورانيوم للتو . ومما زاد الطين بلة أنها مؤخراً أجرت عملية تجميل لتكبير صدرها ، بعد أن قال لها مدير المحطة بكل وقاحة إن حجم صدرها لا يجذب الجمهور ، وهو مضطر إلى الاستغناء عنها إذا لم تفعل شيئاً حيال ذلك ، فما كان منها إلا أن لبت طلبه ، وأجرت عملية التجميل . دخل الرجلان إلى غرفة متواضعة ، أثاثها بسيط بشكل أكثر من اعتيادي . ودهان الحيطان ذابل ومتساقط على جسد الأسمنت . وعلى الحائط برواز لآية الكرسي، وتحته صور خمسة شباب، تظهر على وجوههم مسحة الرجولة والعنفوان. وفي إحدى الزوايا خربشات صبيانية واضحة مثل : أحبك يا بابا... لماذا تتركنا يا بابا ؟ . لاحظ العجوز دهشة الرجل وتعجبه من منظر هذه الخربشات ، فحاول إزالة دهشته قائلاً : _ هذه خربشات حفيدتي خولة ابنة بلال .. كلما أزلناها رجعت تكتب من جديد . قال المصور وفي عينيه بريق التفهم واستيعاب الأمور يمتزجان بحنين من نوع خاص : _ لا بد أنها تحب أباها كثيراً وتشتاق إليه . _ كلامك صحيح ، فأبوها دائماً غائب فهو جندي في الجيش . وأمر جيد إذا رأيناه في الشهر مرة أو مرتين . _ ولكني أعرف أنهم يعاملون المتزوجين معاملة خاصة ، ويسمحون لهم بأخذ إجازات أكثر من الآخرين . _ هذا الكلام لا ينفع مع جيشنا الخارج من حرب والداخل في حرب،ويا ليت أننا نقاتل أعداءنا. الأخ يقاتل أخاه ، والبلد في حرب لا تنتهي مع جيراننا وإخواننا. صار الأب عدو لابنه ، والصديق يقتل صديقه . كل الأمور معقدة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ... وأردف قائلاً : _ بصراحة حكومتنا متخلفة ، ورئيسنا علمه في السياسة مثل علمي في اللغة الصينية. لي ثلاثة أولاد قُتلوا في حروبنا مع جيراننا ، وبصراحة أن خجلان أن أقول استشهدوا لأني لا أعرف هل ماتوا شهداء أم لا .. كيف قُتلوا ومن أجل أي شيء قُتلوا، لا أحدٌ يعرف، إن دولتنا تسير وفق مزاج الحاكم ، هو يُضيعنا ونحن ساكتون ومختبئون مع نسائنا في غرف النوم . ولما سمع المصور هذا الكلام رق قلبه ولمع الملح في دمعتين متجمدتين ومختفيتين في عينيه الغائرتين ، وقال : _ أنا آسف يا عمي أني فتحت باب المواجع ، صدقني لم أكن أقصد أن أذكرك بأحداث حزينة . استجمع العجوز قواه الذهنية ، وتصلبت نظراته محاولاً إخفاء بكاء عارم على وشك الهطول ، وقال متصنعاً الصلابة : _ لا عليك ، كلنا سوف نموت . نحن أموات وأولاد أموات وآباء أموات ، ولكن كنتُ أرجو أن يموتوا في حرب أعدائنا ، على الأقل الواحد منا يلاقي في ميزانه يوم القيامة ابناً شهيداً يشفع له . _ معك حق يا عمي ، لكن الأمور لا تسير مثلما نريد . هذه حال الدنيا ، يوم لك ويوم عليك . كان المصور يعقد علاقات مجنونة وروابط من الهذيان المر بين تجاعيد وجه العجوز ، وبين دهان الغرفة المتهاوي . لا أدري ما الذي جعله يقارن بين الصورتين المدهشتين من وجهة نظره . إنه الحلم المكسور الذي لا يملك إلا أن ينهض كلما وقع ، لأن التاريخ لا يحفل إلا بالمنتصرين . وقد يحكم التاريخ على هذه التجاعيد العميقة ودهان الغرفة وكاميرا المصور ، ولكن ماذا لو فرضوا على التاريخ وجهتهم فرضاً، بحيث يضطر التاريخ أن يذكرهم كفاتحين في براري أحزانهم ومراعي أفراحهم. إن هذه الصور الذهنية كانت موجودة في رأسي الرجلين ، ولكن بتفاوت مختلف. كانا يشعران بها ، يمتصان دهشتها ، لكن كل واحد يراها من زاوية مغايرة. إنه الحلم المتشظي الذي يؤول إلى ثنائية الأبيض والأسود ، خارج مذكرات ألوان الحائط ، أو براويز الأحبة الذين نسوا أن يمسحوا الغبار عن صورهم عندما ذهبوا إلى اللاعودة . لم يحدقوا في رموشهم أو أجفانهم المزروعة في صمت البراويز المخيف. كل شيء يركض إلى صمت الحمائم في خلايا سور المقبرة . البشر والحطيان والبراويز والدهان وخربشات الأطفال على دفاتر الانتظار ، انتظار المقتولين في حروب لا تنتهي ولا معنى لها ، حروب ضد ذاتك المقابِلة . أنتَ تكسر المرآة لأن الصورة فيها لم تعجبك ، وما دريتَ أنها صورتك ! . قال العجوز لضيفه : _ ائذن لي قليلاً لأني سأنادي على حفيدتي خولة . _ افعل ما تريد يا عمي . مشى العجوز بخطى يشوبها تعبٌ مستتر إلى النافذة الواقعة في أقصى الغرفة ، وهي تطل على الشارع . نافذة بلا ستائر ، هكذا عارية من ثيابها وغارقة في عُريها. لم تكن النافذة سوى شكل آخر للاندماج مع صخب الحجارة في الشارع الترابي الذي لم يتم تعبيده بالزفت حتى الآن . وكل مناشدات أهالي المنطقة للمسؤولين الحكوميين ذهبت أدراج الرياح. في المرة الماضية _ أي قبل الحرب _ قَدَّم الأهالي عريضة يطلبون فيها تعبيد هذا الشارع ، لكن المسؤول الحكومي رمى العريضة في سلة المهملات على مرآى من الحضور ، واستمر في شرب القهوة ، وقال لهم بكل وقاحة : _ إذا لم يكن لديكم واسطة قوية مستحيل أن يستمع إليكم أحد .. اذهبوا وابحثوا عن واسطة، ومن ثم عودوا إليَّ. والذي لا يعجبه هذا الكلام فليذهب ويُبَلِّط البحرَ . رد عليه أحد الحضور ساخراً : _ وهل بقي لدينا بحر ، فبوارج أعدائنا تسيطر عليه تحت غطاء حكومتنا ، وتجوبه ليل نهار ولا أحد يفكر أن يعترض . انتفض الموظف الحكومي عندما سمع هذا الكلام كأن قطيعاً من النيران مسَّت قلبَه المكشوف للريح ، وقال غاضباً : _ لا أحد يتكلم في السياسة في مكتبي ، من يظن نفسه سياسياً ذكياً أو محامياً عن الشعب فليتكلم في السياسة في غرفة نومه مع زوجته .. والآن من غير مطرود. كانت هذه العبارة الأخيرة كفيلة بخروج ممثلي الأهالي من مكتبه الذي يتصرف فيه كما لو كان مزرعة شخصية ورثها عن أبيه. لأول مرة يُطردون من دائرة حكومية . لأول مرة يشعرون أن دوائر الدولة صارت بمثابة إسطبلات لخيول عِلْية القوم ، لأول مرة يحسون بضخامة المأزق الحرج الذي يسقطون فيه ، ويزدادون غرقاً كلما حاولوا أن يخرجوا منه بسبب تكالب الآلام والخيانات عليهم من كل النواحي . لا أدري لماذا هجمت هذه الذكريات على رأس العجوز واخْتُصِرَت في لحظة زمنية متكورة على ذاتها أثناء مشيه إلى النافذة مع أن المسافة قصيرة جداً ، كأن الذكريات الحادة استغلت قصر المسافة لتكثيف لحظة الذكرى الأليمة التي غزت تلك الرأس المثقلة بالهواجس والكوارث والآمال . وصل العجوز إلى النافذة . أحس أن المسافة التي قطعها شاسعة إلى حد غير معقول. ربما كان ذلك بسبب ثقل الهاجس الذي تفجر في رأسه. نظر من خلالها فرأى حفيدته ما زالت تلعب مع الصِّبية بكل انشراح ، فنادى عليها قائلاً : _ خولة.. يا خولة، اذهبي إلى عمك زياد، وقولي له تعال سَلِّم على الضيف. ردت خولة بلهجةِ غير المبالية : _ حاضر يا جَدِّي ، ولكن بعد انتهاء اللعبة . أجاب غاضباً : _ يا بنت ، اذهبي الآن .. عيب علينا .. الضيف ينتظر . قطعت خولة اللعبة معتذرة للأولاد بكل كلماتها الطفولية ، ومبدية عدم ارتياحها للموضوع برمته ، لدرجة أن استياءها بدا واضحاً من خلال تأففها المقصود والمسموع ، لكنها في النهاية ذهبت رغماً عنها . قال جَدُّها في نفسه : _ بنات آخر زمن ، هذا ما كان ينقصنا ، بنتٌ تَحْكمني . ذهبت الطفلة لكي تطلب من عمها الحضور . كان عمها يقيم في غرفة على السطح ، وهذا يعني أن عليها أن تصعد درجات كثيرة جداً ، فالعمارة خالية من المصعد. أحست الطفلة بحجم الورطة التي وقعت فيها، لكنها لم تكن تملك أي خيار آخر . بدأت تركض وتقفز قفزات خفيفة على الدرج . ازداد لهاثها اللوزي ، وازداد تسارع دقات قلبي ، شعرت للوهلة الأولى أن وقع النبض المتكاثر كالمسامير غير المستعملة . توغلت في لهاثها . فكرت أن تعد الدرجات لكنها كانت تخطئ كل مرة في العد وتبدأ من جديد ، قبل أن تترك هذه العملية الحسابية غير المجدية بشكل نهائي ، فعقلها لا يتحمل اللهاث والحساب في نفس الوقت . وصلت إلى السطح بعد جهد جهود . كان إحساسها يشبه إحساس المنتصرين الذين وصلوا إلى قمة إيفرست بعد العناء الذي تكبدوه. لستُ أعرف لماذا يُخَيَّل إليَّ أن إحساسها كان شبيهاً بذلك الإحساس الذي يملأ حياة المتسلقين المغامرين الذين قد يدفعون حياتهم ثمناً لهذه المغامرة الطائشة ، وهدفهم أن تكتب عنهم الصحافة ، أو أن يحققوا رقماً قياسياً. هكذا تصير حياة الإنسان بالكامل مخصصة لتحقيق رقم ، مجرد رقم. ويصير الإنسان رقماً بائساً مجرداً من المعنى . إنها لعبة الأرقام التي تَختصر حياةَ الكثيرين . وأنا أكتب هذه السطور أشعر أن تلك الصغيرة صارت رقماً لعدد الدرجات التي صعدتها . لقد كانت تحس بهذا المعنى من زاوية ما ، لكنها بالتأكيد لا تستطيع أن تُعبر عنه بكلماتها الطفولية وقاموسها اللغوي المتواضع كغرفة عمها المتمركزة في إحدى زوايا السطح . كان باب الغرفة مغلقاً.اقتربت منه وفي جبينها ابتسامة سنديانة غامضة لا تاريخ لها غير الدهشة . زرعتْ أصابعها الصغيرة على الباب الحديدي الذي وقع فريسة اجتياح الصدأ . طرقتْه طرقاً خفيفاً يعكس ضآلة قبضتها وانكماش قوتها ، لكن أحداً لم يجب فأدركت أن عليها أن تقرع الباب بشدة . استجمعت قواها ووضعت كامل تركيزها في قبضتها الصغيرة المغروسة في أرجاء الباب. وبعد برهة فتح شاب يرتدي البيجاما، وقال : _ ماذا تريدين يا خولة ؟ . _ جَدِّي يقول لك تعال سَلِّم على الضيف . _ ومن هو الضيف ؟ _ لا أدري . _ سوف أجيء بعد قليل . كان زياد شاباً أعزب في التاسعة عشرة من العمر ، وهو طالب في الجامعة يدرس الفلسفة ، لكنه الآن في إجازة قسرية مفتوحة بسبب الحرب التي وضعت أوزارها في الفترة الأخيرة . إنه شاب مربوع أقرب إلى النحافة منه إلى السمنة ، وبشرته فاتحة فأمه شركسية ، وعيناه عسليتان ، وشَعره بالغ النعومة والغزارة، رغم أنواع الشامبو التي يستعملها من أجل أن يظهر خشناً بعض الشيء ، ولكن دون جدوى . ويؤكد في نفسه على الدوام أن هذه الأنواع لا بد أنها مغشوشة ، فهي ليست ذات فاعلية ، لكنه لا يملك خياراً آخر . وفي الفترة الأخيرة أحجم عن استعمال الشامبو نهائياً ، واتجه إلى وصفات العطارين ، لعله يجد فيها ما يخلصه من منظر شَعره الناعم جداً الذي يشبه شَعر النساء ، ومنظر شَعره يشوش تفكيره ، ويسبب له الإحراج بين زملائه ومعارفه في بعض الأحيان رغم ثقته الكبيرة بنفسه، وفي الفترة الأخيرة توجَّه إلى حلق شَعره بشكل شبه كامل ، مما زاده جاذبية بشكل معقول . وعرض عليه المخرجُ المسؤول عن مسرح الجامعة التمثيل بسبب إمكانياته الهائلة ، لكنه رفض بشدة ، لأن التمثيل يعتمد على العري ، وارتماء الممثلات في أحضان الممثلين ، وهذا ما يرفضه زياد جملة وتفصيلاً . فعندما قال له المخرجُ إنك تتمتع بروح جميلة ، رد عليه زياد إنني لا أحب أن أرميَ روحي في أحضان مَن يعرضون لحومهم في دوامات الجنس على الشاشات المسرطَنة . كان زياد متديناً فهو عضو في حركة الإخوان المسلمين ، وعضو اتحاد الطلبة في الجامعة ، وتدينه دفعه إلى الإقامة في غرفة على السطح بموافقة صاحب العمارة والسكن فيها ، فهو يقول إنه لا يستطيع أن يظل مع زوجة أخيه في نفس المكان ، فهذه فتنة شرسة تداهمه ، والواجب أن يسد الذرائع الموصلة إلى الحرام ، هكذا كان يقول لوالده . وقد احتدم النقاش ذات مرة بينه وبين أبيه حول هذا الموضوع، فقد قال له الأب : _ زوجة أخيك مثل أختك ، لن تأكلك ولن تأكلها ، فلا تُعقد الأمور . فرد عليه زياد قائلاً : _ على عيني ورأسي ، ولكن الشيطان شاطر ، وأنا أريد أن أريح نفسي من الوساوس والحرام . كان الأب ذا ثقافة دينية محدودة للغاية ، وفي أحيان كثيرة تذوب ثنائية الحلال والحرام بالنسبة إليه في العادات المتوارثة والتقاليد البالية . وهذا الأمر الخطير من وجهة نظر زياد لطالما أرقه في الليالي ، ونغص عليه حياته ، حتى إنه فكَّر أن يستأجر منزلاً آخر ، فهو يَعمل ويَدرس ، لكن والده قال له بعد أن رأى إصرار ابنه إنه سيبني له غرفة على السطح بعد موافقة صاحب المنزل ، وسيطلب منه أن يُعفيَه من أجرة الغرفة ، وبالفعل حصل ذلك ، وتم حل الإشكال . بدأ زياد يُغير ملابسه. ارتدى قميصاً وبنطالاً كان قد اشتراهما في العيد الفائت، فهو ليس مغرماً بملاحقة الموضة والشراء الجنوني للأشياء ، إذ إنه يعتبر ثقافة الاستهلاك نتاج العولمة الإمبريالية ، والتي يسميها الأمركة الشيطانية . وبالتالي فهو مناوئ لها جملة وتفصيلاً . وهذه المصطلحات الشخصية لطالما استخدمها في أبحاثه التي يطلبها أساتذته ، وقد سببت له بعض المشكلات ، فأحد الأساتذة وهو الدكتور وائل عَمَّاش ، وهو ليبرالي علماني حتى النخاع ، زوجته أمريكية ويحمل الجنسية الأمريكية، وهو خريج هارفارد ، ما إن قرأ هذه المصطلحات حتى طار عقلُه بشكل كارثي ، ووصم البحث المقدَّم بالصِّفر ، مما قاد زياد إلى الرسوب في المادة بغير وجه حق . وعبثاً ذهبت محاولاته للاعتراض لدى إدارة الجامعة الفاسدة . نظر إلى المرآة ليكون هندامه على أحسن هيئة. وضع قليلاً من العطر المحلي الصنع ، ثم خرج وأغلق الباب وراءه . نزل الدرج على أقل من مهله ليقابل هذا الضيف المجهول بالنسبة إليه . وأثناء نزوله استغرق في خواطر شتى تتعلق بهوية الضيف وهدف مجيئه . واستغرق في الخواطر لدرجة أنه فكر في احتمال أن يكون الضيف هو أستاذ الجامعة العلماني ، وأنه جاء من أجل الاعتذار . كانت خاطرة عابرة سرعان ما أخرجها من رأسه مؤكداً لنفسه أن عنجهية الدكتور تمنعه من المجيء أو الاعتذار . وبعد أن رأى وساوسه تأخذ منحى غير معقول طردها كلياً ، وركَّز في نزول الدرج دون أن تداهمه فكرة عد الدرجات مثلما حدث مع خولة . طرق بابَ منزل أهله ، ثم انتبه إلى أن الباب مفتوح ، فدخل إلى البيت ، وتوجه فوراً إلى غرفة الضيوف . قرع الباب ثم دخل مُسَلِّماً على والده والضيف ، فردا عليه السلام . كان وجه الضيف غير مألوف بالنسبة لزياد ، لكن الكاميرا استرعت انتباهه ، فأيقن في نفسه أن هذا الرجل له علاقة بالتلفاز . وهذه الخاطرة السريعة برقت في ذهنه ، وتركت انطباعاً من نوع ما ثم اضمحلت ، فلم يلمح الأب أو الضيف أي شرود ذهن أو استغراق غير منطقي يعصفان بزياد . تقدم زياد وصافح الضيف مرحباً : _ أهلاً وسهلاً بك في بيتنا . _ شكراً جزيلاً لأنك جئتَ، وأنا آسف إن أزعجتك أو أشغلتك عن أي شيء. _ لا عليك ، لا يوجد أدنى مشكلة . وجلس الجميع وتركوا الصمت يتوسطهم لهنيهة قبل أن يفجره الأب قائلاً للضيف : _ هذا ابني زياد ، طالب فلسفة في الجامعة ، وهو آخر العنقود . ثم أشار إلى الضيف ووجَّه الكلام لابنه : _ هذا الأخ مصور التقيته هو وزميلته يصوران المنازل المدمرة ، وقد دعوتهما إلى المنزل لتناول الطعام . ثم تذكر الأب أنه لم يسأل المصور عن اسمه ، فقال مخاطباً المصور : _ الله يخزي الشيطان ، لقد نسيتُ أن أسألك عن اسمك ، فلا تؤاخذني . _ لا يوجد مشكلة يا عمي ، أنا رشيد الوردي ، اعتبرني مثل ابنك . يجيب الأب وقد تهللت أساريره : _ الآن صار لي ابنان في الغرفة . وضحك الجميع من أعماقهم، كأنهم لم يضحكوا منذ قرون . كانت الضحكات تخرج رغم كل الخراب في الخارج ، والمنازل المدمرة ، والأنقاض التي تخنق رئةَ الجَمال في تلك الدور المسوية بالأرض ، ومذاقَ الحلم المسلوب . كان المصور رشيد قد نسي موضوع شرب الماء في زحمة الأحاديث والمواقف ، والعجوز أيضاً نسي ذلك فلم يحضر لضيفه ماء للشرب . وتذكر المصور عطشه الذي نسيه في تفاصيل أحداث تمر كالدبابيس ، وخجل من طلب الماء من الأب ، فتوجه بالكلام إلى زياد بلهجة الظمآن في صحراء الانهيار الأكيد : _ لو سمحت ، ممكن كأس ماء . وهنا تدخل الأب كالملسوع ، وقال لابنه : _ بسرعة يا زياد ، أحضر الماء والطعام لضيفنا بسرعة ، فقد نسينا الموضوع . والتفتَ الأب إلى المصور قائلاً : _ لا تؤاخذني يا بني فذاكرتي هذه الأيام لا تساعدني ، وقد بدأت تخونني مثل أشياء كثيرة في الحياة . وانطلق زياد بسرعة إلى المطبخ فوجد ثلاث نساء يُحضرن الطعام . وهناك امرأة مجهولة بالنسبة إليه وهي المراسلة الصحفية ، وقد كانت ملابسها ضيقة للغاية لدرجة جعلت زياد يلمس في نفسه وسواساً جنسياً عابراً كومضة البرق لكنه اختفى نهائياً بعدما غض بصره ، وأطرق إلى الأرض . تسلل عنصر المفاجأة إلى صوته فارتبك ، ثم استعاد تماسكه وثقته ، وقال مخاطباً أخته : _ هل الطعام جاهز ؟ . _ نعم جاهز . وانتظر برهة من الزمن قبل أن تناوله أخته الطعام الموضوع على صينية قديمة مع إناء الماء . حمل الصينية بيديه الاثنتين ، ثم سار إلى خارج المطبخ ، وخطواته تكاد تأكل الأرض هرباً من هذا الموقف الذي سبب له إحراجاً وقتياً غير متوقع بينه وبين نفسه . لقد كان شاباً ذا أحاسيس يسهل خدشها ، لكنه يتظاهر على الدوام بالتماسك والصلابة ، وهذه نقطة قوة جعلت منه شخصية لا يمكن استفزازها ، فهو يكظم غيظه ، يلجمه إلجاماً . قد يكون الطفل الذي في داخله يبكي خوفاً من شيء ما ، لكنه لا يسمح لعينيه أن تنهمرا بالدموع أمام الناس ، وقد يكون في بعض الأحيان مكسوراً من الداخل ، لكن خارجه متماسك وصلب أمام الناس لئلا يستغلوا لحظة ضعفه فيجتاحوه . هكذا كانت خطة عمله السرية في كل مراحل حياته مع ازدياد وعيه بها كلما تقدم في العمر . حضر الطعامُ محمولاً على صينية كأنها مثبتة في يدين زجاجيتين ، ووُضع على الطاولة . كانت عينا المصور تنهشان المشهد وتخمشانه بأظافر غير مرئية ، أظافر تبرق في الذهن الظمآن ، وتتوارى عن الأنظار خجلاً من أشياء الجوع والعطش التي تحدق بالكائن من جميع الجهات . وما إن رأى المصور إناء الماء حتى هجم عليه كأن بينهما ثأراً قديماً ، وراح يشرب منه مباشرة دون كأس ماء ، وبعد أن ارتوى خجل من فِعلته التي تنم عن سوء أدب بالغ ، فاعتذر قائلاً : _ يا جماعة سامحوني ، الجوع كافرٌ والعطش كذلك ، أول ما رأيتُ الماء نسيتُ كل شيء ، فأرجوكم لا تؤاخذوني . رد العجوز بصورة فيها رِفق ولين وقبول للاعتذار : _ لا عليك ، لو كنتُ مكانك لفعلتُ نفس الشيء ، والآن قل باسم الله ولتأكل كما تشاء . _ لن آكل حتى تأكلا معي . رد العجوز وقد ارتسمت على محياه ابتسامة عابرة : _ وهو كذلك . ثم التفتَ إلى ابنه قائلاً : _ مد يدك . وغاص الجميع في الأكل كأنهم لم يأكلوا منذ قرون.ففي فترة الحرب عانى الناس الأَمَرَّين ، وجاعوا وعطشوا وتشرد كثير منهم ، بسبب انقطاع الإمدادات الغذائية نتيجة حصار شرس ضُرب على المدينة، وقصف جوي وبحري مكثفين أحرق اليابس قبل الأخضر . حتى إن هذه العمارة التي تقطن فيها عائلة خضر الزاوي هجرها سكانها إلا سكان الطابق الثاني ، وهم عائلة يعقوب بنيامين ، وهي عائلة يهودية عربية ترجع أصولها إلى قبائل يمنية اعتنقت اليهودية قبل قرون بعيدة . وهذه المدينة الساحلية عانت أكثر من غيرها بسبب موقعها الإستراتيجي، فهي بمثابة ميناء كامل التجهيزات ، كان كذلك قبل الحرب ، أما الآن فصار الميناء فاقداً لمعناه ، هذا إن بقي ميناء أصلاً. لقد قُصف من البوارج الحربية بصورة وحشية ألغت وجوده ، وتركته رملاً يلامس الشاطئ باستحياء شديد . لقد كانوا منهمكين في الأكل ، غارقين في رائحة الطعام ومنظره اللذين يَعبران آفاق أحلامهم السليبة . هم أنفسهم لم يكونوا يعرفون هل هذا فطور أم غداء ، وإن كنتُ أرجح أنه فطور يتقمص أحلام غداء طالما تبخرت في أجواء حرب طاحنة، حَوَّلت الناس من أحلام خلاقة إلى عيون ذابلة تجوع وتعرى في كل الأزقة الذي لا تجد فيه إلا المسلحين وأكياس الرمل والبنادق الآلية . كانوا يأكلون ويأكلون . أرجو أن تعذرهم لأن حلمهم صار معدةً خاوية قرب هذا الدمار الرهيب، الذي يصدر ضجيجاً يهز أركان النفس القلقة كصحراء تجلس في مقهى لا يرتاده إلا المخبرون المخلصون ! . أيديهم غاصت في هذه الحفلة التي قد لا تتكرر ، من يدري ؟!. قد تشبع اليوم وتجوع غداً ، ويصير تحصيل كسرة الخبز مهمة وطنية جليلة تلهث وراءها بكل الأساليب الديمقراطية وفق منظور تجار الرقيق الأبيض والأسود، هذا هو الانفتاح في عصر الإبادة الشرعية . مثلما يقول زياد طالب الفلسفة في أحد أبحاثه الذي نال عنه علامة صفر لأن أستاذه ليبرالي حتى النخاع لم يعجبه هذا الأسلوب الذي يتهمه بالرجعية وعض اليد التي تمتد لك بالقمح المسرطَن . إن هناك جياعاً حتى النخاع ، ومصابين بالتخمة حتى النخاع . لستُ أدري كيف سَيُعبِّر زياد عن هذه المفارقة في أبحاثه ، لكنني أرجو أن لا ينال عليها صفراً كما حدث في المرة الماضية مع أستاذه العلماني . كانت النساء يقمن بدورهن في الأكل بكل شهية . في عيونهن ذكريات سلسلة متصلة من الحروب المتكررة التي لا تنتهي في هذا المكان الذي كلما تم ترميمه أُعيد تحطيمه ، وللأسف فنسبة كبيرة من السكان هجروه إلى غير رجعة . إنها الحرب ، يا لها من كلمة قاسية ! . لقد كُنَّ يشعرن بهذه الكلمة، كل واحدة منهن تشعر بها من زاوية مختلفة. ففاطمة مثلاً تعرف الحرب من خلال غياب ساعي البريد ، بمعنى آخر غياب رسائل خطيبها أنس الصَّواني الذي يعمل في الخليج كمهندس بترول ، والذي انقطعت رسائلُه منذ بدء الحرب ، أو بالأحرى أنه لم يعد يبعث رسائل لعلمه أنها لن تصل . شيء مؤسف وصادم أن يعرف الإنسان أن رسائله لن تصل ، كأن الأمر يشبه مشاعر رائد الفضاء الذي يعلم أن رحلته القادمة ستكون رحلته الأخيرة لأنه سوف يموت ، أو كأحاسيس لاعب السيرك الذي يوقن في قرارة نفسه أنه سيسقط يوماً ما ، ولن يجد شبكة تنتظره في الأسفل لكي تحميَه . لا أدري لماذا بدت المشاعر مختلطة، ربما لأن الحياة مزيج من السم والترياق ، من الحزن والفرح . هكذا يخرج الحزن من الفرح ، ويخرج الفرح من الحزن ، تماماً كما يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي . ولكن المشكلة أن هناك موتى سائرين في الشوارع لا يعلمون أنهم موتى ، والسؤال المؤلم هل نصعقهم ليعودوا إلى الحياة ، أم نتركهم سعداء في موتهم الذي يظنونه ذروة الحياة ؟!. هكذا تختلط المشاعر في نفسية فاطمة، وبالتأكيد هي نفسها لا تعرف التفسير الفلسفي لمشاعرها ، لأنها تعيشها لحظة بلحظة ، فمن يعش مشاعرَه لا يملك الوقت لكي يُفلسفها . نحن الروائيين الوحيدين الذين نُفلسف حياة الشخوص لأننا لا نعيشها ، فمن كان مندمجاً في الحياة فهو يحياها ، ومن كان خارجاً عن نسقها الرتيب فهو يكتبها ، هكذا بدت لي الأمور ، وقد أكون مخطئاً ، من يدري ؟! . أما فايزة فكانت تأكل بشراهة ممزوجة بالأدب، أما عقلها فهو مع زوجها الذي يُقاتِل على الجبهة ، ولم يعد منذ ثمانية أشهر . نعم ، ثمانية أشهر لم ير زوجته وابنته الوحيدة ، ولا يملك الوقت الكافي لكتابة رسالة، وحتى لو كتبها فمن سيوصلها ؟ . محال أن تجد ساعي بريد يتنقل على دراجة في هذا الخراب المجنون ، لكي يوصل رسائل المتحابين ، أو رسائل الجنود إلى زوجاتهم . إنهم جنود قد يعودون ولا يعودون . إن الجبهات المفتوحة على القتال تكون فيها الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات . وحمداً لله أن الحرب قد انتهت ، فهذا يعني أنها قد تشاهد زوجَها من جديد ، قد تعانقه أو تشمه ، أو ربما ترتمي في أحضانه باكية ، ولكن لماذا البكاء ؟ وماذا ستشم فيه ؟. رائحة البارود ؟ ، أم عرق المحارِب الذي لا يتقاعد ؟. لستُ أدري ماذا ستشم فيه . المهم أنها ستشمه لأنه زوجها ، كلاهما مشى في دم الآخر دون أن يذبحه ، هكذا يُفترض . إنني أتخيل منظر ابنته خولة وهي ترى أباها ، لا بد أنها ستقفز عليه كغزالة هاربة من عيود صياد لا يملك إلا أن يَقتل من أجل أسرته الجائعة التي تنتظره خلف ستائر الانتظار في كوخ غامض عند أطراف غابة خرافية . لا بد أن الصغيرة قد كبرت في هذه الثمانية أشهر ، بالتأكيد ربما ازداد طولها سنتيمتر أو أكثر ، أو ربما ازداد وزنها . لكنني بصراحة أشك أنها نمت ، وكيف تنمو وعائلتها كادت أن تموت جوعاً خلال الحرب ؟! . فلنحذف مفردة النمو من قاموس هذه الصغيرة ، على الأقل في هذه المرحلة . إن المشاعر المتطايرة في الأرجاء تشبه مشاعر لاعب تنس أرضي هُزم في مبارة نهائية ، لكنه لا يملك إلا أن يُقاتِل . كانت فايزة شابة جميلة مكتنزة اللحم في السابعة والعشرين من العمر، وهي من أصول تركية، وغالبية أقاربها يقطنون في أنقرة . وهي تتقن اللغتين العربية والتركية. وفي المرة الأخيرة التي زارت فيها تركيا برفقة زوجها وابنتها ، أي قبل الحرب ، أحست بضيق شديد بعد أن تعرضت لمضايقات شديدة نتيجة ارتدائها للحجاب . لقد كانت قوات الأمن تنظر إليها بعين الاحتقار بعد أن رأوا الحجاب على رأسها ، ولم يستطع زوجها أن يفعل شيئاً إلا أن يُبعد زوجته عن الأماكن التي يُحظَر فيها ارتداء الحجاب. أحست فايزة بغربة ما بعدها غربة ، فقد بدا وطنها مقبرة لا نهائية، وثقوباً كونية سوداء تمتص أية بقعة ضوء قد تبزغ هنا أو هناك. إن الدموع تحجرت في عينيها ، وتأسفت في قلبها على هذا الوضع المميت في مسقط رأسها ، ذلك المكان الذي قدمها للعالَم يقرر في لحظة جنون أن يئدها لأنها اختارت طريقها وفق قناعاتها الداخلية . إنها ندمت أشد الندم على تلك الزيارة ، وأقسمتْ بالله أن لا ترجع إلى وطنها مرة أخرى . لستُ أعرف لماذا هجمت عليها هذه الأفكار في تلك اللحظة التي تحلَّقت فيها النسوة حول المائدة الخشبية المنخفضة . وضع غريب للغاية يحفر في صيغ الغياب حضوراً للأسى . ربما يكون منظر الطعام دافعاً لاجترار ذكريات من نوع خاص . في واقع الأمر لا أستطيع أن أجزم بذلك أو أنفيَه . أما المراسلة ديالا ، وبالمناسبة هذا ليس اسمها الحقيقي فاسمها الأصلي فاطمة الزهراء ، لكنها غيرت اسمها اعتقاداً منها أن اسمها الأصلي ليس فنياً ، ولا يناسب الخروج على الشاشة بالملابس الفاضحة لجذب أكبر قدر من الجمهور المكبوت جنسياً . وللإنصاف فإن فكرة تغيير الاسم هي من اختراع صاحب المحطة الذي يبدو أنه يتحكم بكل شيء أمامه ، بدءاً من البشر الذين يعتبرهم مُلْكاً شخصياً لسعادته ، وانتهاء بالمعدات التي اشتراها من ماله غير الحلال. والأمر عنده سيان ، سواء حصل على المال من طريق مشروعة أو غير ذلك ، فكثرة المال الذي يفيض في يديه أعمى عينيه فلم يعد يعرف الحلال من الحرام ، أو بالأحرى قل إنه يراوغ ويمثل دور الجاهل المستسلم للأمر الواقع بحرفية عالية ، وما درى أن جهله المقصود يحاصره كالهاوية الأنيقة. لكنه يعتقد أن ربطات العنق التي يسرق ثمنها من الشعب الطريد سوف تحميه هو وأتباعه من الملاحقة والمسؤولية ، خاصةً أنه مدعوم من قبل رجال متنفذين في الدولة . إنها كتل الحزن في موسم الاتجار بمشاعر البشر وشهواتهم السجينة . عَرَّفتْ ديالا نفسها للمرأتين باسمها الفني ، بعد أن خلعت اسمها الحقيقي للأبد ، هكذا كانت تتصور . تذكرتْ وهي في غمرة الطعام التحرشاتِ الجنسية التي تعرضت لها من صاحب المحطة . _ تباً له ! إنه شيطان . هكذا أكدت في نفسها . شعرتْ أنها لا تختلف كثيراً عن الطعام الموضوع أمامها ، فهي تُؤكل تدريجياً وتُستنزَف شيئاً شيئاً . أكدت لنفسها أنها طعامٌ من نوع خاص، وأن ما تظهره من لحمها لِتُثْبِت وجودَها في المحطة لا يختلف عن أفخاذ الدجاج المطبوخ جيداً على مائدة ذئاب بشرية . لقد نقلها منظر الطعام إلى جسدها المكشوف أمام الأعين . إنها تحتقر نفسها لكنها تُكابِر وتخدع نفسها بدعوى الحرية والتمدن . تعرف أنها صارت دمية مزركشة يُلعب بها ثم تُلقى في أيدي أناس يمزقونها لأنهم سئموا من اللعب بها ، ويريدون الانتقال إلى لعبة جديدة وبراقة أكثر . لكنها عملت عملية التجميل لتكبير صدرها ، وتستعمل أغلى أنواع المكياج ، ماذا يريد الجمهور أكثر من هذا ؟ . هل سيكون مصيرها كالدجاجة المقلية على نار هادئة ؟ . ألقتْ هذا السؤال في قاع نفسها، بيد أنها تهربت من الإجابة كالعادة. لماذا لم أتزوج إلى الآن ؟ . سألتْ نفسها لتغير الموضوع . ما الذي ينقصني ؟ . راحت الأسئلة تتكالب عليها وتفترسها ، فأحست بصداع لاسع وسريع، فوضعت يدها على رأسها . لاحظت المرأتان فعلها، فسألتها فاطمةُ : _ هل أنتِ بخير ؟ . _ نعم بخير ، ولكن صداعاً خفيفاً قد أصابني ... على أية حال شكراً لكم على الطعام ، فقد شبعتُ . لم تأكل بشكل جيد . ربما لأنها خرجت من بيتها بعد أن أفطرت ، أو ربما لأنها متعكرة المزاج بدرجة كبيرة ، ولكنْ هل من يتعكر مزاجه لا يفقد الشهية في الأكل؟ . لستُ أعرف ، ولكنْ ما أعرفه أنها غرقت في قاع حطامها غير المنظور ، ولم تحاول الصعود إلى السطح . هكذا هو شعورها الذي تراوغه وتطمح إلى طمسه لئلا تعترف بالحقيقة العارية أمام وجهها العاري من الأقنعة . قالت فاطمة محاولةً أن تحثها على الأكل : _ ولكنك لم تأكلي شيئاً ، وما زال الطعام كما هو ... إذا كان الطعام لا يعجبك قولي لنا وسنُحضر بدلاً منه . _ يا جماعة ، الأكل كان رائعاً، وشكراً لكما ، وحقيقةً أنا شبعتُ لأنني أفطرتُ جيداً اليوم ، هذا كل ما في الأمر . لم تُرد فاطمةُ أن تضغط عليها أكثر من ذلك ، فتركَتْها وشأنها . أما بالنسبة للطعام فلم يكن في البيت سواه . نعم ، صَدِّقوني لم يكن في البيت سواه ، فالحرب انتهت للتو ، ولم يتسن لكثير من الأُسر أن تُحضر مؤونة كاملة من الأسواق ، وكيف ستحضر مؤونة وهي بالكاد تملك المال الذي يوصلها إلى حالة الكفاف ؟! . فالأسواق قُصفت، والمحلات مغلقة من أجل الصيانة وإعادة البناء ، والمحلات التي سَلِمت من القصف معدودة ، وهذه هي التي تزود الناس بحاجياتهم الأساسية ، فقط الأساسية . فالناس خارجون من حرب ، ولم يستعدوا ما فيه الكفاية للتأقلم مع الوضعية الجديدة ، وضعية السِّلم الذي لم يتعودوا عليه ، بسبب كثرة الحروب في هذه البقعة التي حَوَّلها الساسةُ إلى خراب فظيع . انتهى الجميع من الأكل رغم أن فاطمة وفايزة لم تشبعا ، لكنهما معتادتان أن لا تأكلا أمام ضيف انتهى من الأكل . هذه هي العادات والتقاليد التي تربى الناسُ عليها في هذه الأحياء الشعبية . وقد لاحظتْ ديالا هذا الأمر ، فقالت : _ يا جماعة ، استمرا في الأكل ، ولا تلتفتا إليَّ . أجابتا بصوت واحد كأنهما حفظتا دورهما في مسرحية من نوع خاص : _ لقد شبعنا . ثم تداركت فايزة وكأنها تغرد خارج السِّرب : _ على أية حال سوف نأكل فيما بعد . ردت ديالا متصنعة الأسى وعدم الارتياح : _ أنا آسفة بسبب هذا الموقف السخيف الذي تسببت به . ردت فاطمة وكأنها أخذت الكلام من فم فايزة : _ لا عليك ، الطعام لن يطير .. وما دامت الحرب انتهت ، فسوف يعود الطعام يملأ بيوتنا مثل أيام زمان . وضحك الجميع ضحكة خارجة من أعماق قلوبهم المتعلقة بأشياء مختلفة ، وكلٌّ يُغَنِّي على ليلاه. وفي واقع الأمر لم أكن أعرف لماذا داهمهم جيش الذكريات عندما التفوا حول مائدة الطعام . إن الذكريات حين ضربتهن بقسوة غاب التفكير في نوعية الطعام ، فلم يعد شكل الطعام إلا ظلاً لطعام من نوع خاص اسمه الإنسان ، وما أكثر الأشياء التي تُفضِّل التهامَ صنف الإنسان، بدءاً من الهموم والذكريات وانتهاء بآكلي اللحوم البشرية الذين يلبسون لكل حفلة قناعها الخاص بها . لاحظت فايزة بروز عدة شعرات خارج حجابها، فعَدَّلت وضعية حجابها ليشمل كامل شَعْرها . أثار هذا المشهد غير المألوف بالنسبة لديالا أسئلة متفتحة على كل الاحتمالات ، وبرق في ذهنها سؤال من نوع خاص ، فقالت وعلامات التعجب تَرُجُّها : _ ألا يسبب لك الحجاب ضيقاً في هذه الحرارة العالية ؟ . ردت فايزة والابتسامة تعلو سحنتها : _ لا يوجد أية مشكلة يسببها الحِجاب .. صَدِّقيني لو ارْتَدَيْتِه لأحببته من كل قلبك . وعندئذ تدخلت فاطمة قائلةً بحزم : _ إذا كانت الحرارة عالية ، فنار جهنم أشد حراً . هبطت هذه العبارة على رأس ديالا كالمطرقة . لم تتعود أن تسمع كلاماً ذا علاقة بجهنم . جهنم ! إنه اسم مرعب ، لكنها لا تسمع هذه اللفظة إلا في الأفلام الأجنبية أثناء تناولها للمشروبات الغازية أو الكحول مع المكسرات . فقد كانت ديالا لا تجد غضاضة في شرب الخمر ، وهي معتادة على معاقرتها . إنها نشأت في بيتٍ مفكَّك ، وما زالت إلى اليوم تتذكر بداية تعرفها على هذا الوباء المسعور المدعو خمراً ، فوالدها كان يعود إلى المنزل في آخر الليل مترنحاً يمسك بزجاجة خمر من النوع الرخيص ، ومن شدة سُكْره لا يدرك أن هناك بقية في الزجاجة . وكان يضع الزجاجة على الطاولة الخشبية الوضيعة ويرتمي على الأرض ويغطس في نوم سحيق . وهذه البنت الجاهلة حينئذ لما تستيقظ تجد أباها ممدداً على الأرض بشكل مثير للشفقة والاحتقار في آن . لمحتِ الزجاجةَ. منظرها يختلف عن زجاجات العصير التي تشتريها من الدكان المجاور لبيتها الذي صار فيما بعد سوبر ماركت لا تستطيع أن تدخله بسبب غلاء أسعاره . منظر السائل الملون في الزجاجة يغريها ، تقترب منه شيئاً فشيئاً . إنها تقترب رغم تردد خطواتها . لقد شربت ما تبقى من خمر بالكامل . أحست تلك الطفلة أن ما شَرِبَتْه شيء مقرف ، وفكرت للحظة كيف أن والدها يشرب هذا الشيء المقرِف . لم تكن تعرف ساعتئذ أن هذا المادة تدعى خمراً، لكنها بالتأكيد عرفت فيما بعد ، وصارت تلتمس أعذاراً مجنونة لوالدها السكير ، كأن تاريخ الجثث الراكضة في الضياع قرب المحاكم العسكرية التي تحاكم القططَ الشريدة يُعيد نفسه ، ولكنْ بأشكال مختلفة . إنها كَبُرت بما فيه الكفاية ، وصارت تشتري خمراً بنفسها من خمارة هاكوب الأرمني المقابِلة لمكان سكنها . إنها سلسلة الضياع تتكاثر كالطحالب في رئة العَفن . وما زاد الطين بِلَّة أن والدَيْها مُطلقان ، وقد كانت تقضي يوماً عند أمها ويوماً عند أبيها بموافقة أمها . وفي حين علمت الأم أن الأب يعود إلى بيته سكران ، منعته من رؤية ابنته بشكل نهائي . كم مضى على تلك الأحداث ؟!. سنة ؟سنتان ؟ عشر سنين؟ مئة سنة ؟. ما أهمية الزمان إذا كنتَ غائباً عن المكان الذي يحضنك ويقتلك وأنت مبتسم في وجه الدمار الشامل ؟ . لم تكن لفظة "جهنم" في قاموسها اليومي الخالي من المواعظ والإرشادات الدينية. إنها تسمع هذه الكلمة بين الفينة والأخرى من خلال التلفاز ، فهي امتنعت عن الذهاب إلى السينما ، فالمرة الوحيدة التي ذهبت إليها لم تسلم من التحرشات الجنسية التي تتلقاها من الشباب وكلماتهم النابية وهم يصفون المشاهد الجنسية في الفيلم بأصوات عالية بعد انتهاء العرض بكل وقاحة. وبالطبع ما درت أن لفظة مثل هذه ستفتح عليها باب الذكريات الأليمة على مصراعيه، تلك الذكريات التي كلما طَرَدَتْها عادت أشد قوةً وألماً . قالت فاطمةُ وعلامات التعجب المختلط بالاستياء بادية على ملامحها وكأنها تعرف الجواب غير المقنع مسبقاً : _ اسمحي لي أن أسألك سؤالاً مُحرجاً بعض الشيء ، هل تقضين كامل اليوم مع المصور لوحدكما تدوران في الشوارع ؟ . تفاجأت ديالا بصيغة السؤال ، حيث إنها لم تتوقعه البتة . ظهرت أمارات الضِّيق على وجهها الذاهب في الانكماش التدريجي . لم تعرف كيف تَبدأ إجابتها . فكرتْ أن يكون جوابها اللاجواب ، لكنها عادت إلى مكابرتها قائلة : _ نحن في عصر الحضارة والتقدم والرقي ، وأنا أخرج مع مَن أشاء ، والمصور أولاً وأخيراً زميلي في العمل ، وواحد من أصدقائي . تعجبت فاطمة من هذا الاعتراف القادم من امرأة حول صداقات رجالية ، وشاركتها في التعجب فايزة، فهاتان المرأتان نشأتا في محيط ديني مُحافِظ يُحَرِّم الصداقاتِ بين الرَّجل والمرأة . وبعد أن قامت فاطمة برمي صمتها في دهشتها قالت مستنكرة : _ لا يجوز للمرأة أن تصادق الرِّجال ، يجب أن تعيش بشرف ، لأن الإنسان عموماً والمرأة خصوصاً ليس لهما إلا السمعة الحسنة . لم يعجب هذا الكلامُ ديالا ، فقررت أن تُغَيِّر الموضوعَ لتخرج من الحرج الذي وقعت فيه ، فقالت : _ لقد تأخرنا كثيراً ، وعلينا أنا والمصور أن نقوم بأعمال كثيرة .. اعذراني يا جماعة، ولكن الوقت ضيق ، وشكراً لكم على حسن الضيافة. وقامت ديالا بعد أن نفضت عن ملابسها الغبار ، ولكن من أين جاء الغبار ؟!. لستُ أعرف ، وما أعرفه أنها كانت متعودة على نفض ملابسها أولاً بأول سواء وُجد غبار أم لم يوجد، ولم أعرف في تلك اللحظة ماذا كان يدور في خلدها. وقامت المرأتان لترافقها إلى خارج المنزل . وقبل الخروج اقتربت فاطمة من باب غرفة الضيوف ، وقَرعَتْه قرعاً خفيفاً ، وبعد برهة خرج أخوها زياد قائلاً : _ ماذا تريدين ؟ . _ الأخت ديالا تريد المغادرة فأخبرْ المصور برغبتها . ودخل زياد إلى الغرفة ، وأخبر المصور برغبة المراسلة ، فاستأذن من صاحب المنزل بالانصراف ، وسَلَّم على الرَّجلين مُوَدِّعاً ، وحمل الكاميرا الخاصة به ، والتقى بالمراسلة المتجهمة عند باب المنزل الخارجي بعد أن دخلت فاطمة وفايزة إلى الداخل، وانصرفا بعد أن ألقيا تحية الوداع . إن المهمة التي قادت المراسلةَ إلى هذا المكان تبخرت واندثرت . فقد كانت تهدف إلى عمل لقاء تلفزيوني مع أحد السكان المحليين الشاهدين على الدمار المذهل، لكنها بصراحة قررت أن تبحث عن أناس آخرين بعد أن حصل هذا النقاش الذي لم يعجبها . فمزاجها تعكر بصورة عنيفة، أضف إلى هذا مزاجيتها المتقلبة. كانت متجهمة. وجهها كأنه قُدَّ من بارود طازج . حاجباها الرفيعان كأنهما نورسان قتيلان . وجسمها أشبه بمنجم فحم هجره العمال إلى الأبد . قالت في نفسها : _ حَسَنٌ أنهما لم ينتبها إلى أنني أقوم بنمص حواجبي ، فلو انتبهتا لقامتا بإعطاء محاضرة دينية حول هذا الموضوع . كانت ديالا امرأة ذات ملامح طفولية ومتوحشة في آن معاً ، وهي وقحة وخجولة في نفس الوقت . إنها كتلة متحركة من المتناقضات ، ما تُثبته في لحظة تُلغيه في اللحظة التي بعدها . لا تطلب مني تفسيراً منطقياً لطبيعة شخصيتها ، لأنها هي نفسها لا تعرف نفسها ، ولا تعرف ما تريد. فشخصيتها تتبدل مثلما تتبدل ثيابها الفاضحة حسب بوصلة الضياع. إنها تائهة في شِعاب قلبها الخشبي . ولكنْ هل لها قلب ؟. أظنها تملك قلباً ، لكنه تحصيل حاصل ، لا يشعر بحقيقة الأشياء الجميلة في الحياة . فقط يظن الجَمال في أطنان المكياج المسكوب على وجهها الذاهب في الاضمحلال الحتمي . إنها رجعُ الصدى ولم تكن في يوم من الأيام صوتاً . هي نداءٌ لغريق قديم لم يتمكن خفر السواحل من إنقاذه لأنه أَحب غرقَه ، وأَحب انتحاره بكل ما في الجسد المغبر من جنون ووقاحة . لاحظ المصورُ انزعاجها الشديد الواضح على ملامحها ، فخاف أن يسألها . فقد كانت شخصيتها تطغى على شخصية المصور الذي يمثل دور التابع الصامت بكل اقتدار . ها هو خوفه من السؤال يصير سؤالاً وجودياً جديداً، ومحفوراً في صدره المنكمش في هذا المكان المفعم بالدمار، فحيثما وَلَّيْتَ وجهك فَثَمَّ جثة أو أنقاض منزل مهدوم أو استغاثة شخص لا تقدر على إنقاذه . مضيا إلى حيث أُريد لهما والخراب يلبس ذكرياتهما بصعوبة . إنهما ميتان لكنهما على الأقل يمشيان في هذا المدى اللامدى . أما فاطمة وفايزة فذهبتا إلى الطعام مسرعتين لتكملا الأكل ، فالجوع ضرب أوتاده في وجهيهما ، فبدت على الملامح آثار جوع ظامئ مثلما تبرز أخاديد الذكريات الأليمة على خدود عمال الإنقاذ الذين يتأخرون دائماً في هذه البقعة الساحلية المنبوذة ، والتي يبنيها الجرحُ قصراً رملياً ثم يهدمه بصورة هستيرية ، ومع هذا فالبحر المجاور للذكريات يأبى أن يرحل كما رحل الشباب الباحثون عن العمل إلى أمريكا وأوروبا ، بعد أن صارت بلادهم أخشاباً لموقدة قديمة ينام قربها كلابُ السلطان الوفية ، والمستحمة للتو بدماء الشعوب التي صارت شامبو ذات نوعية فاخرة ونادرة . التهمت المرأتان كامل الطعام فلم تُبقيا شيئاً ، فأيام الحرب علَّمت الناسَ قيمة الطعام الذي يُلقى في النفايات أيام الرخاء . لقد بحث الناس في أيام الحرب عن الخبز في حاويات القمامة ، ومع هذا لم يجدوه . إنهم نافسوا القطط الشريدة النحيلة والكلاب الضالة في البحث عن الطعام في كل مكان ، وللأسف فقد كانوا يشبعون يوماً ويجوعون أياماً . إنها الحرب المجاعة الألم البحارة الذين لم يعودوا . كانت الصغيرة خولة قد أكلت قبل قدوم المصور والمراسلة ، لذا فإن أمها لم تُخبرها عن الطعام لكي تَحضر ، فهي منهمكة في اللعب ، وتركز في تفاصيله بكل دقة لأن معدتها ممتلئة ، ومسألة الجوع بالنسبة إليها صارت جزءاً من الماضي السحيق ، جزءاً من تاريخ جريح محمول على ظهر جَمل عجوز تقاعد عن العمل كسفينة صحراء ، وذهب إلى البحر ولم يعد . صدقوني إنها كانت تحس بما قلتُه بَيْدَ أنها تعجز عن التعبير، وهكذا تصير الأحاسيس هي الأخرى جزءاً من تاريخ ماضوي سحيق لا يعود مثل كثير من الأشياء . لا أدري لماذا يخيل إليَّ أن أشياء هذا المكان لا تعود . شيء غريب فعلاً أن ترى كل شيء يذهب بدون استئذان ولا يعود . والمشكلة أن كثيرين ينتظرون قدوم الشيء الذي لا يأتي، ربما لأنهم لا يملكون إلا الأمل والانتظار. إنه الانتظار، تأملات وجوه جريحة خارجة للتو من حرب عبثية لا أحدٌ يعرف هدفها ، ولا حتى أولئك الذين يُقاتِلون فيها . شيء مؤسف أن تُقاتِل ولا تعرف لماذا تُقاتِل .

19‏/07‏/2010

ظهر كالشمس ولم يغب

ظَهَرَ كالشمس ولم يَغِب
( إلى بطل معركة الكرامة مشهور حديثة )
للشاعر/ إبراهيم أبو عواد
من مجموعة " القرميد والإعصار "
دار اليازوري ، عَمان 2009م .
قُل لي يا لون المطر
كيف أرجعتَ للصحراء لونَ دمها ؟
للنهار ضوء عظام الفهود
فاعبرْ كما كنتَ
تاريخاً من الأحجار الكريمة
ليتذكر الليلُ ظله في حناجر البط
كُنْ للذاكرة كياناً
لأنكَ رئة النسر
حينما بسط عينيه مدافع
فاقصفهم من جرش
لترى جرشُ حروفَ اسمها
خارج ملاقط الغسيل
أيها الرعد الملثَّم
باحمرار تواريخ كل النوارس
التي تمص حليبَ الرمال
في دمي كل شيء سوى دمي
فكنْ دمي لأعرف حدودَ جنازير الدبابات
وهي تدخل في خرافة التلمود
مشيتَ لكي تمشيَ
فاتركْ للغزاة سعال ذكريات قتلاهم
وامشِ
لا تنتظر أوسمةً لا تحمل لونَ جِلدكَ
لم يبق من بزتكَ العسكرية
سوى بزتكَ العسكرية
وأقواسِ النصر
وأعاصيرِ القلب المصبوغ
بنشيد الرصاص الحي
وأنتَ حي
ولقطاع الطريق الموت
يا فجراً صاعقاً ثورياً
عارياً من الضباب المر
فلتكن الكرامةُ محرقتهم الحقيقية
لكي ينسوا خرافةَ الهولوكوست
فاحرقهم مثلما تحرق حنجرةَ خنزير بري
يعتنق أساطيرَ زوجته العمياء
ضَع الهلالَ في كل الأماكن
التي تحتلها النجمة
واذهبْ إلى النجوم
أعلى من رتبكَ العسكرية
وصافِحْ كواكبَ البارود
خارج نفوذ المجرات
ولا تنسَ أن تنصب راية الجهاد
على الشِّعرى اليمانية
يا مَن كتبتَ اسمكَ
بذكريات أُسود الله
كيف نصل إلى اسمكَ
الذي تجاوز حدودَ كوكب زحل ؟
أعلى من نظريات آينشتاين
أعلى من خطابات الأمم المفكَّكة
أعلى من رايات الغزاة
أعلى من الأغنيات الرومانسية
أعلى من القصص الغرامية
في المدارس الأجنبية
أعلى من دمنا المتحجر
في بطاطا مطاعم الوجبات السريعة
فلتولَدْ دماؤنا من شجرة مبارَكة
لا شرقية ولا غربية .