سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

20‏/07‏/2012

القصيدة وصناعة المستقبل


القصيدة وصناعة المستقبل


للمفكر/ إبراهيم أبو عواد .


جريدة العرب اللندنية 19/7/2012



     لا يمكن اعتبار القصيدة نظاماً لغوياً مغلقاً يخلو من الأبعاد السياسية والاجتماعية . فاللغةُ الشعرية هي وعاء حاضن لأبعاد المجتمع الأفقية والعمودية ، الذهنية والواقعية . وهذه الحقيقة تشير إلى مدى تغلغل الفكر الشعري في النسيج الاجتماعي ، وتحوُّل القصيدة إلى قَوْمية قائمة بذاتها ، ذات خصائص متميزة ، وامتدادات شعورية متفردة .
     ومن خلال هذا المنظور يتضح دور النص الشعري في تعميق فرص الالتقاء بين الأضداد ، وتجميع العناصر الاجتماعية المتنافرة من أجل بناء مجتمع متنوع ومتجانس . وهكذا تبرز الوظيفة الشعرية باعتبارها كشفاً للأقنعة ، ومشروع تعرية للأوهام المتجذرة في البنية المجتمعية . فلا يمكن للمجتمع الإنساني أن يتجذر في القيم الحضارية في ظل وجود الأقنعة والأوهام ، فلا بد من تطهير النسق الاجتماعي من نقاط الضعف قبل الانطلاق نحو المستقبل . وهذه المهمة المصيرية لن تنجح بدون مشروع ثقافي مندمج مع حياة الإنسان وتطلعاته . 
     وإذا تجذرت الثقافة كجوهر للحياة الإنسانية ، فإن المستقبل يصبح ذا تماس مباشر مع حياة الفرد والجماعة ، وليس حلماً بعيد المنال أو شعاراً رومانسياً في الهواء . وهنا تظهر ضرورة نقل الفرد من الحالة الاعتيادية إلى الأفق التثويري ، وذلك من أجل إضفاء المعنى والشرعية على الحلم الإنساني وسُبل تحقيقه . وبالتالي لا مفر من جعل القصيدة شبكةً متشعبة تصل بين العوامل السيكولوجية للكيانات البشرية .
     وبالإضافة إلى كَوْن القصيدة حلقة وصل بين الإنسان وإنسانيته ، فإنها أيضاً حكومة موالية للمعنى، تتفاعل فيها كل الأبجديات السياسية والاقتصادية، السكونية والديناميكية . وهذه التفاعلات تشكِّل خطوةً أولى في درب التحرير المعنوي، أي تحرير المعنى من ثقل الألفاظ . ومع هذا فيجب حشد المعاني الصارخة في اللفظة للوصول إلى مرحلة تثوير المعنى .
     ولا يخفى أن المفاهيم الثورية الطامحة إلى تنمية ثقافة المجتمع ومجتمع الثقافة بحاجة إلى تنظيم دقيق لئلا يسقط المجتمع في الفوضى والارتجال . فكل نسق حضاري لا يعرف نقطتَي البداية والنهاية سوف ينهار سريعاً ، وكل مجتمع لا يعرف مساره ومصيره سوف يضيع في الطرق المتشعبة . ومن هنا تبرز أهمية العالَم الشعري الافتراضي في تحديد اتجاهات العالَم البشري الواقعي ومنحه البوصلة ودفة القيادة .

18‏/07‏/2012

الإخلاص في الدين


الإخلاص في الدين 


للمفكر/ إبراهيم أبو عواد .



    الإخلاص هو أساس الدين ، ويعني التوجه الكامل نحو الله تعالى، بحيث يكون قصدُ كل أعمال الإنسان هو وجه الله وَحْدَه . وبدونه لا تُقبَل العبادات . والإخلاصُ هو القوة الروحية الهائلة التي تنعكس على سلوك المرء وطبيعة تفكيره ونظرته إلى الأفعال الحياتية على كافة الصُّعد . كما أن الإخلاص يُحرِّر الفردَ من شوائب العلاقات الدنيوية الوضيعة ، ويجعل تَوجُّهه نحو الخالق العظيم بلا شريك. وبذلك يتجذر شرفُ العبادة في أسمى معانيها في الذات الإنسانية المتحررة من قيود المصالح الدنيوية ونيلِ الحظوة عند الناس . فالناسُ لا يملكون من أمرهم شيئاً . والأمرُ كله بيد الله تعالى . وإذا استقرت هذه العقيدة في النفس فإنها تُورِث المرءَ أماناً وسعادة ولذةً في أداء العبادات مع إدارة الظهر لكل أوهام الدنيا وإغراءاتها الشكلية . ولا يمكن للمرء أن يتوجه إلى سَيِّدَيْن ، لذلك على الإنسان أن يُسقِط الناسَ من حساباته ، ولا يُعير بالاً لأحكامهم عليه ، بل يتوجه بالكلية إلى الخالق تعالى ، فهو _ وَحْدَه _ الذي يَحكم له أو عليه .
     قال الله تعالى : (( فاعبدِ اللهَ مخلِصاً له الدين )) [ الزمر : 2] .
     قال الطبري في تفسيره ( 10/ 610 ) : (( يقول تعالى ذِكره : فاخشع لله يا محمد بالطاعة ، وأخلص له الأُلوهة ، وأفرده بالعبادة ، ولا تجعل له في عبادتك إياه شريكاً ، كما فعلت عبدة الأوثان )) اهـ .
     إن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الناس إلى عبادة الله وحده الذي لا ند له ، ولا شريك له . فلا خالق إلا الله تعالى ، وعلى الخلق أن يتوجهوا إليه وفق طريق التوحيد المستقيم بلا شوائب شِركية مهما كانت صغيرة أو خفية .
     وفي الواقع فإن العربي كان غارقاً في الشِّركيات بفعل علاقته مع الأصنام المنتشرة في البيئة الجاهلية . وقد اخترع أهلُ الأوثان علاقاتٍ بين الأصنام والله تعالى ، فزعموا أنها تُقرِّبهم إلى الله تعالى . مما يشير إلى تغلغل الجاهليِّ في هذه العقلية البدائية الوهمية . وقد جاء الإخلاصُ لانتشال الفرد من عبودية الأشياء ، وتوجيه كل الطاقات البشرية للخضوع لله تعالى بلا شريك . فالإنسانُ لا يكون إلا عبداً . فمن ليس عبداً لله الإلهِ الحق فهو عبدٌ لإله معبود بغير حق. وبالتالي فالإخلاصُ إنقاذٌ للبشر من الوقوع في مستنقع الباطل ، ومسارٌ مضيء لاعتناق الحق ورفض الباطل . وهكذا يلتقي الإنسان بإنسانيته ، ويعرف خالقَه تعالى الذي أوجده من العَدَم وسيُعيده إلى التراب .
     وقال الله تعالى : (( فإذا ركبوا في الفُلْك دَعَوُا اللهَ مخلِصِين له الدين فلما نجاهم إلى البَر إذا هم يشركون )) [ العنكبوت : 65] .
     وهذا يشير إلى أن الإنسان في الشدائد يعود إلى الأصل الثابت الكامن في نفسه وهو توحيد الله تعالى . فحينما يوقن الفردُ بالهلاك يتوجه _ بكل جوارحه _ إلى خالقه وحده . لكنه حينما يشعر بالأمان يعود إلى طبعه الأول وهو الشرك بالله تعالى افتراءً عليه . فالفِطرةُ الإنسانية خاضعة لإلهٍ واحد لا شريك له ، لكن المصالح الشخصية وغياب الهداية وتزيين الشيطان تؤدي إلى الشِّرك .
     قال الشوكاني في فتح القدير ( 4/ 301 ) : (( إذا انقطع رجاؤهم من الحياة ، وخافوا الغرق، رجعوا إلى الفِطرة فدعوا اللهَ وحده ، كائنين على صورة المخلِصين له الدين بصدق نياتهم ، وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام ، لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله _ سبحانه _ )) اهـ .
     والإخلاصُ والتوحيد يشيران إلى خطورة الشِّرك الأكبر ( المخرج من الملة )، والشركِ الأصغر ( غير المخرج من الملة ) . فالمقارنةُ بين الأضداد تقود إلى فهم أكثر تماسكاً . 
     فعن شداد بن أوس _ رضي الله عنه_ قال : (( كنا نَعُد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر )).
[رواه الحاكم في المستدرك ( 4/ 365 ) برقم ( 7937 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ].
     والرياءُ أن لا يُقصَد بالعمل وجه الله تعالى ، وهذا محبط للعمل وفق درجات متفاوتة . كما أنه أمر بالغ الخطورة ، لأنه يُفقد العباداتِ معناها الحقيقي عبر توجيهها إلى غير الله تعالى ، كما يُفقد الإنسانَ متعة الإخلاص وحسن أداء الشعائر الدينية ، ويُعرِّض الإنسان لغضب الله في الدارَيْن .
     فينبغي أن تُترَك ملاحظة العمل لا العمل . فعلى المرء أن يسعى بكل جوارحه إلى عبادة الله تعالى دون النظر إلى تعليقات الناس ، أو التوقف عن رأيهم . أي إنه يُقبِل على العمل ويُهمِل ملاحظة العمل التي قد تنشأ في كلام الناس ورؤيتهم له . فمن يَعرف طريقَه لا يلتف أثناءَ سَيْره . فالعابدُ لا يهتم بالأحكام البشرية ، نفياً أو إثباتاً ، سلباً أو إيجاباً ، لأنه لا يرى إلا الله تعالى .
     وفي صحيح مسلم ( 3/ 1513) : عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  (( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رَجل استشهد، فأُتِيَ به فعرفه نعمه فعرفها. قال : فما عملت فيها ؟، قال : قاتلتُ فيكَ حتى استشهدتُ . قال : كذبتَ، ولكنك قاتلتَ لأن يقال جريء فقد قيل ، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقيَ في النار . ورجلٌ تعلم العلمَ وعلمه وقرأ القرآنَ فأُتِيَ به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملتَ فيها ؟ ، قال : تعلمتُ العلمَ وعلمْتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال : كذبتَ ولكنك تعلمتَ العلم ليقال عالِم، وقرأتَ القرآنَ ليقال هو قارئ فقد قيل ، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقيَ في النار . ورَجلٌ وسع اللهُ عليه وأعطاه من أصناف المال كله ، فأُتِيَ به فعرفه نعمه فعرفها . قال : فما عملتَ فيها ؟ ، قال : ما تركتُ من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك . قال : كذبتَ ولكنك فعلتَ ليقال هو جواد فقد قيل ، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقيَ في النار )) .
     وهكذا نرى خطورة الرياء ، وانعدامِ الإخلاص لله تعالى . فالمرائي شخصٌ يريد بعمله أن ينال ثناءَ الناس والحظوةَ عندهم . وقد تم مدحه والإطراء عليه ووصفه بالجرأة والعلم والكرم ، لكنه قد أخذ نصيبَه في الدنيا ، وما له في الآخرة من خَلاق .
     فالمقاتِلُ الذي مارس فعل القتال في المعركة بكل بسالة وإقدام كان يقصد نيل مديح الآخرين ، والإعجاب به ، والثناء عليه بأنه شجاعٌ مِقدام ، وجريء لا يخاف الموتَ . فهذا القصدُ الوضيع كان الدافع لعمله ، فلم يُقاتِل لتكون كلمةُ الله هي العليا ، إذ إن هَمَّه محصور في لفت أنظار الناس والحصول على الإطراء منهم .
     ونحن نرى كثيراً من القادة العسكريين الذين يتبخترون أمام وسائل الإعلام مع أنهم لم يُحرِّروا ذبابةً . نراهم وقد امتلأوا فخراً زائفاً ، وبريقاً وهمياً . ويُحبون أن يُحمَدوا بما لم يَفعلوا . وحتى لو قاتلوا فإنهم يُقاتِلون دفاعاً عن الحاكم الفلاني ، أو تعصباً لقومية معينة أو عِرْق محدد أو مذهب سياسي منحرف . وهؤلاء أبعد ما يكونون عن الإخلاص ومعرفةِ القصد الحقيقي وراء التضحية بالنفس التي هي أغلى ما يملكه الإنسان .
     فقبل أن يُضحِّيَ الفرد بنفسه ، عليه أن يسأل ذاته عن سبب التضحية . فإن كان يُقاتِل من أجل الله تعالى فليتقدم واثقاً بالموعود الإلهي ، إما النصر أو الشهادة . أما إن كانت نيته غير ذلك ، فينبغي أن يعيد تقييم الموقف . فالتضحيةُ بالنفس ذهابٌ بلا عودة ، ولا توجد فرصة للتعويض . فلا بد أن يكون هدف التضحية سامياً . ولا يوجد أسمى من الإخلاص لله تعالى كهدف وحيد .
     والذي تعلَّم العلمَ ، وزاحم العلماء في مجالسهم . وقام بقضاء الليالي في الدراسة ، وأعطى الدروس للطلاب ، ونشر العلمَ في كل الاتجاهات . كلُّ ذلك لا فائدة منه إذا كانت النيةُ غير خالصة لله تعالى . فكثيرٌ من طلبة العلم إنما يهدفون لنيل مكانة اجتماعية مرموقة ، وأن يُوَسَّع لهم في المجالس ، ويُوصفوا بالعلماء . فترى الواحد منهم يقضي حياته طالباً للعلم من أجل شهادة ورقية تزيد راتبَه الشهري أو تضمن له ترقية جامعية ، أو منزلة سامية بين أقرانه . فصار العلمُ للأسف من أجل إضافة حرف " د " إلى بداية الاسم . فصار الواحدُ يطلب العلمَ لكي يُوصف بالدكتور أو البروفسور أو العلامة ، فيتصدر المجالس ، ويقتحم عالم اللقاءات التلفزيونية ، ويجلس مع عِلية القوم من السياسيين ورجال الأعمال لتحقيق منافع شخصية لا تمتُّ للحياة العلمية بصلة . وهؤلاء خاب مسعاهم ، ولم يذوقوا حلاوة الإخلاص في طلب العلم ، لأنهم غرقوا في الألقاب العلمية ، فشُغلوا بها عن القيمة الشريفة للعلم . وصدق القائل :
ولم أَقضِ حَق العلم إن كان كُلما              
بدا طَمعٌ صَيرْتُه لِي سُلمـــا
     أما الذي تصدق بأمواله رياءً وسمعة ، وأنفق في دروب الخير ليُقال إنه جواد ومحسن . فإنفاقُه سيكون وبالاً عليه ، لأنه لم يقصد وجهَ الله تعالى، ولم يعرف حقَّ خالقه الرزاق الذي منحه الأموال فأنفقها للفت انتباه الناس ، والحصول على إعجابهم وتقديرهم ، وكَيْل المديح له . وبالتالي فإن نيته الفاسدة سوف تورده المهالك لأنه حصر هَمَّه في أغراض دنيوية بائسة وزائلة ، ولم ينظر إلى النعيم المقيم ، لذلك فقد أخذ نصيبه من الدنيا ، مديحاً زائلاً وإعجاباً مؤقتاً وإطراءاً لا يدوم . وفي الآخرة سيأتي صفر اليدين مأزوراً لا مأجوراً .
     فعلى الإنسان أن يُسقط الناسَ من حساباته ، ليس بمعنى احتقارهم . بل بمعنى الإيمان بأنهم لا يملكون من أمورهم شيئاً ، وليس بيدهم الضر أو النفع . وبالتالي يركِّز جهودَه على تنقية عبادته من أية شائبة رياء معتصماً بالإخلاص في أدق التفاصيل، لأن مديح الناس سرعان ما يذهب أدراج الرياح ، إذ إن إرضاءهم غاية لا تُدرَك . وكما قال أحدهم : (( نظرتُ إلى الناس فرأيتُهم موتى فكبرتُ عليهم أربع تكبيرات )) .
http://www.facebook.com/abuawwad1982

16‏/07‏/2012

أدلجة عسكرة السياسة في الحضارة الأمريكية

أدلجة عسكرة السياسة في الحضارة الأمريكية


للمفكر/ إبراهيم أبو عواد .



    تبقى الإرهاصات في الفكر السياسي الأمريكي تياراً تكوينياً لسياسات شخصية نفعية متضاربة . إذ إن تكرار المتواليات البؤرية في محيطات هندسة الأسطورة يحيل الفردَ المؤدلَج في سراديب الأمركة الداخلية أو الخارجية إلى جسم ذي قطبَيْن ( قامع _ مقموع ) .
     فالعائش في الجحور سوف يصعقه الضوء ويدمر حياته ، لذا فهو يتأقلم تدريجياً مع الظلام حتى يصير الوهمُ المعتم جزءاً إنسانياً أصيلاً في الذات الكيانية الشخصانية للأفراد. ومن ثم تنعكس هذه الصيغة الشخصية لتصل إلى مستويات مجتمعية عمومية ، الأمر الذي يقلب الموازين ، فيتحول الفردُ إلى رافض لذاته ، وعدوٍّ لخلاصه .
     وفي ظل هذا الغبش المتداعي في مجالات توارث أنسنة الخديعة فإن المخيال المتصوَّر يغدو واقعاً هامشياً لسياسة إمبراطورية تشبه الإمبراطورية الرومانية القديمة من حيث تقسيم الناس إلى سادة وعبيد . وللأسف فإن جاهلية القرن الحادي والعشرين بكل ما تحمله من انتكاساتٍ على جميع الأصعدة تتمحور حول فلسفة السادة والعبيد في التعاملات بين أجزاء النظام السياسي العالمي ، مما يُشكِّل عائقاً حقيقياً أمام نهوض الإنسان وحريته .
     ومن خلال كسر متوازِيات أدلجة التحولات الإدارية في هندسة الخراب الشامل نستطيع إيقاف آلة القتل في المجال الروحي . فوأد الروح هو الدرب الأقصر نحو التحطيم الشامل للمنجزات الإنسانية في مجالات الحياة الفاضلة، لكن قيمة الحياة الفاضلة كتيار فكري نظامي يتعارض مع الفوضى الخلاقة التي تنتهجها كثير من الأنظمة السياسية الكَوْنية من أجل تفكيك العالَم ، وتقسيمه على أسس الصراعات الدينية والعِرقية ، وإعادة تركيبه بما يضمن بسط سيادة الأوهام على كل تقاطعات الحياة المفصلية للأنا والآخر والذات الشخصانية والذات المقابِلة والمجتمعات في شتى صور حياتها .
     إن تقوقع السُّلطوية المركزية في أية حضارة تقوم على استنزاف الضحايا حتى الرمق الأخير، سيحصر الدلالاتِ في زوايا الظلام الدامس، فصارت الشمس جزءاً لا يتجزأ من منظومة العتمة . وهذا الانعكاس ذو المنحى التأسيسي في متواليات هندسة الانكسار أخذ بعداً إنسانياً في صميم المشروع التكويني للفرد فصار الفردُ قامعاً آلياً لذاته بفعل الضغط الهستيري الخارجي المكثَّف من كل الجهات ، الأمر الذي أَنتج ضغطاً تلقائياً نابعاً من إفرازات التداعي الانسحابي في الذات الإنسانية ، فأضحت العلاقة بين الإنسان والمجتمع العالمي علاقة نفعية مادية  مع تبادل فظيع للأدوار بصورة ميكانيكية دامية .  
     والانهيار التكريسي في صيغه العنيفة هذه إنما هو حصيلة توحش المجتمعات المادية ضد ذاتها الفلسفية والواقعية . وما التمزق الاجتماعي والتفكك الأسري في محيطات العناصر المنسية الدالة على تفتيت القيم الإنسانية إلا حالة شَعْبَوِيَّة في نطاق التداعي اللامنطقي لانتكاسة الروح في أكثر صور التحطيم الفردي على مستوى الجماعة شراسةً .
     لكن المجتمع المادي الاستهلاكي بوصفه  تجمعاً هجيناً من كيانات إنسانية شتى لا رابط بينها سوى المنفعة المتبادلة سائر إلى الاضمحلال ، لأن البناءات في ذاتية انكسار الحلم هي التشكيل المضاد للعقلانية ، مدعوماً بخلفية دينية مشوَّشة ، لأن التوظيف الأيديولوجي هو صيغ بشرية التبادل المادي النَّفعي المغرِض .
     وعدم وضوح المعنى الإنساني في ثنائية الدال والمدلول ، وافتقاده إلى الاكتفاء الذاتي بالنسبة للتعاليم المجتمعية المنظِّمة لسير الحياة السوسيولوجية، دفعا بالإنسان إلى زاوية الاشتباك مع جدليات الفوضى التي تأخذ صفةَ القداسة الواهمة .
     والإشكالية القاسية في السياقات السابقة هي أن سياسة أدلجة التراث الديني الميكانيكي هي مأزق المعنى السياسي الغربي . وهكذا يتضح أن العلمانية مجرد شعار لا وزن له عند التمحيص، وغربلة الأفكار. فالأداء العلماني هو صيغ خفية للأداء الديني . فمن خلال التوالي الصادم في تضمين المستويات النسقية داخل تكثيف الوحدات الاستبعادية ، قامت الكيانات البوليسية المتغطية بحقوق الإنسان ، والمختبئة وراء أقنعة الأنسنة الطاهرة بانتهاج سياسة " احتراف الانحراف" ضمن تأطير الانغلاق المعرفي الشامل .
     فوحدة الانتقال السياسي الفوضوي من غبش الأمية السياسية إلى جدلية الآلة العسكرية تتكرس أكثر فأكثر كوحدة وجودية تحل مكان التنظيم العقلاني للقيم الإنسانية . فذهنية الأنساق كلما ابتعدتْ عن مركزية القوة المادية لشريعة الرصاصة اقتربتْ من التفكير الحالم الدائر في أفلاك الكلمة . لكن الأدلجة في محيطات عسكرة كوكب الأرض عن طريق انتهاج فلسفة القطب الأوحد ، ستؤدي إلى تكريس الشرخ بين الشرق والغرب .
     فالمشكلة الفلسفية في صميم نواة المركزية الفكرية للسياسات المأزومة هي عدم فهم ثنائية التفريغ والإحلال . فالنظام العالمي الجديد المتشكل من القطب الواحد الأوحد يعاني من أزمة التلاشي المتسارع ، لأن أمريكا متأثرة بالفراغ في جوفها ، أو مركزية منبع سطوتها ، بفعل التآكل في النظام الاجتماعي الهش الضاغط على أنظمة مالية منكسرة .
     وفي زحمة هذا التسارع المتداعي في التفريغ ستجد الحضارة الأمريكية نفسها قناعاً بلا وجه فتدخل في سباق مرعب مع الزمن الطائر بلا انتظار، وعندها تختلط الأوراق فيبدأ نظام الدولة الأمريكية بمحاولة إحلال قيم المنطق في قوالب اللامنطق داخل أدق تفاصيل التقاطعات المجتمعية ، أي إنه يحاول ضخ القيم الفكرية والمالية والعسكرية في بؤر مركزية مثقوبة من كل الجهات ، وهذه الصدمة ستزيد من حجم المأزق الأمريكي.
     [ هناك رواية للكاتب الأمريكي الحائز على جائزة نوبل وليم فوكنر بعنوان"بينما كنتُ أُحْتَضَر ". وهذا العنوان نتاج الإفرازات الاجتماعية المأزومة في ملابسات المجتمع الأمريكي الذي يعاني من انكسار القيم . ونقرأ في أعمال هذا الكاتب انهيارَ المجتمع الأمريكي المنتكس في المجال الوجداني، وانهيارَ الإنسان في معاناته اليومية في مجتمع عنصري رافض له . وكل هذه الإشكاليات الشرسة أسَّست مفاهيم الشطط الطبقي، والتفرقة العنصرية، وخرافاتِ نقاء العِرْق المدعومة بنظام أيديولوجي يستند إلى لون البشرة كمبدأ إستراتيجي وهمي . فالاحتضار الجمعي الذي يختزله المجتمعُ في دوائر عزلة الفردية الجمعية ، ويختزله الفردُ في إشكاليات المجتمع المتشنج الموغل في التضييق على أبنائه ، هو احتضار المأزق الوجودي الحاد المنتفخ في متواليات المشاعر الإنسانية بصورة يصعب معها علاجه . وعلى الرغم من ضخامة هذا البالون المتعاظم ظاهرياً ، والذي منظره قد يُفزِع من يراه إلا أنه سيظل في مهب الريح تتحكم فيه كيفما تشاء ، ومصيره في يد دبوس صغير يقضي على الحلم المتمرد على شريعة الأنسنة الأخلاقية].
     ولكن ينبغي أن نشير إلى أن الحضارة الأمريكية _ رغم أزماتها المتكاثرة _ ما زالت تمسك بخيوط اللعبة . لكن قبضتها تضعف بشكل عنيف للغاية داخلةً في العد التنازلي الرسمي في ظل صعود الصين وروسيا .
     وإذا أردنا تأصيل تحركات العناصر المنسية المشيرة إلى التمركز العبثي، يجب أن ننتبه إلى الوجه المختفي خلف أقنعة المدلول السالبي المحض . فالعناصرُ المنسية في دوامة المجتمع مثل السود والفقراء ، والتمييزُ ضد الأقليات ، واختزالُ الجسد الأنثوي في بؤرة الجنس الاستقطابي . كل هذه العوامل تعكس صيغَ الحلم المتكسر في أزمة المعنى الاجتماعي .
     وتتجلى المشكلات الاجتماعية الأمريكية في ازدياد نسبة الفقر والبطالة والجريمة، وانتشارِ تعاطي المخدرات ، وارتفاعِ نسبة الاغتصاب، وتشتيتِ القوة العسكرية في أنحاء العالم ، والتفرقةِ العنصرية بين البيض والسود التي تجلت مظاهرها في اغتيال دعاة الحقوق المدنية السود مثل مالك شباز ( مالكولم إكس سابقاً ) ، ومارتن لوثر كنج ، وعدمِ قدرة السود على دخول كنائس البيض ، والأزماتِ الاقتصادية العنيفة ، والتفككِ الأسري الناتج عن عدة أسباب ، منها : ارتفاع نسب أرامل الجنود الأمريكيين الذين يُقتَلون في حروب أمريكا .
     فهذه العناصر في دائرة التجريد الفكري تشير إلى حجم المشكلات المصيرية . وكما أن زلات اللسان تكشف عن خفايا القلب في الغالب فإن العناصر المنبوذة في المجتمع هي الدالة المركزية المشيرة إلى نواة العقلية السياسية .
     ويظل الانهيار الشامل يطرح نفسه كتيار فكري مؤطَّر ضمن سياقات التمركز السياسي . فالتتابع غير المنطقي لأدلجة علم اجتماع السياسي ينبع من الوِحْدَوِيَّة النفعية الشخصانية للكيانات المشتَّتة. فالمنظور الأمريكي للوهم هو ذات المنظور غير الواعي لما يحيط به من إجراءات ميكانيكية تقود دلالةَ المعاني إلى فوضوية الأفكار المعبِّرة عن الحلم لفظياً .
     ومع تنامي حواجز الاستعلاء الوظيفي ينتاب التجريدَ السياسي لمحاور النظام الاجتماعي رغبةٌ ملحة تفرض على الأنساق المجتمعية شروطَ الدلالة النمطية القاتلة لحراك سوسيولوجيا الاقتصاد البنائي ، فيغدو النظام الدينامي إجراءً جدلياً بحتاً في مجتمع نافٍ للنواحي الاجتماعية ، مدعوماً بالتطرف السياسي . ولا مفر من دراسة الظواهر المحدِّدة لمسارات الالتقاء بين الانكسار الاجتماعي المستند إلى جدلية المعنى ، وبين الانكسار الاقتصادي المعتمد على نمط إسرافي هستيري ينحو منحى العلاقات التفاخرية بين طبقات مجتمعات تضمحل لصالح سيطرة الفوضى الخلاقة المقنَّعة ، وتكريسِ زواج الثروة بالسلطة .
     وكلما استمر الاتجاه نحو تراكيب التسييس الطاغي، امتدت في أوصال الحضارة _كنظام وهمي مؤقَّت_ ظلالُ الأنطقة الاقتصادية التي تتقمص أنسنةَ الكيانات البشرية من أجل تحويل الذاتية الفردية إلى مشروع استثماري مُدجَّن يتماهى مع التفكير الاقتصادي الشرس .
     وإذا فهمنا التركيب الوظيفي للهاجس الأمني ، أدركنا حجمَ المعاناة في بؤرية تثوير السلوك الإنساني . فالإنسان صار ظلاً باهتاً لحزن يعبر الوجوهَ ، فهو يدخل في هاجس الوهم ، ويخرج من دوائر الانكسار الفكري ، لأن القيمة الحضارية الشكلية عاجزة عن زرعه في محيطات الأنسنة المعرفية العامة التي تقود إلى الحلم بمستقبل أقل وحشيةً . كما أن الإنسان _ وحيداً _ لا يقدر على قيادة نفسه إلى بر الأمان من خلال المنظورَيْن الروحي والمادي .
     فالإشكالياتُ الحضارية دجَّنت الفردَ ، وقامت بالحجر عليه ، لأنه في نظرها إنسان فاقد لأهلية الاضطلاع بالمسؤولية السياسية الخارجة على أنساق التنميط الوهمي ، فصار التشظي العابثُ هو الذاكرة السيكولوجية لإرهاصاتِ الوهم المتطابق مع مأزق التحول الاجتماعي المسيطر عليه لصالح الأبيض ضد الأسود .
     فالتكثيف الدلالي في عمليات نمذجة التمايز المتشعب إلى انتكاسات شعب غارق في الأمية السياسية نتيجةٌ طبيعية لحجم الضغط الإعلامي الموجِّه لمسار المجتمع برمته ، لأن المعرفة السياسية في ذهن الإنسان الغربي هي حصيلة وسائل الإعلام السائرة نحو أداء اجتماعي انعزالي صارم وقمعي ، يرتدي لكل جريمةٍ قناعها . فالأقنعة الإعلامية هي الدلالة الوهمية لانكسار المعنى التكويني للهاجس الحالم ، حيث يتحول الحلم إلى كابوس حقيقي ، وتؤول التراكيب الإنسانية إلى بناءات غارقة في سادية كاميرات التصوير ، ووسائلِ الإعلام المشبوهة .
     فالآلة الإعلامية الصارمة والصادمة في آن معاً تحول الحقَّ إلى باطل ، والباطل إلى حق ، منتهزةً انكماش المجتمع الإنساني ، وتقوقعه حول بؤرية السلوك السياسي المغلق ، لذلك فالمجتمع الأمريكي محصور في ثقافة البطاطا المقلية والمشروبات الغازية في مطاعم الوجبات السريعة .
     وبعبارة أخرى إن الأمريكي _كفرد _ متخندق في نطاق استحواذي ضيق . وقد سلَّم نفسه تماماً لوسائل الإعلام المؤدلَجة ، حيث تسيطر على عقله وحواسه وثقافته ، وتقوده إلى الوجهة المرسومة مسبقاً . فغدا المجتمع ظلالاً محصورة في ردة الفعل .
http://www.facebook.com/abuawwad1982