سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

24‏/02‏/2026

الإحداثيات البحرية واعتداء العراق على سيادة الكويت

 

الإحداثيات البحرية واعتداء العراق على سيادة الكويت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     تُعَدُّ قضية الإحداثيات البحرية وترسيم الحدود من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الدولية ، لأنها ترتبط مُباشرة بمفهوم السيادة وحقوقِ الدولة في أرضها ومياهها الإقليمية . وفي منطقة الخليج العربي ، شكَّلت هذه القضية أحد العناوين البارزة في العلاقة بين العراق والكويت .

     السيادة في القانون الدولي ليست مُجرَّد شعار سياسي، بل هي مبدأ قانوني راسخ يقوم على احترام الحدود المُعترَف بها دوليًّا ، سواءٌ كانتْ برية أَمْ بحرية . والإحداثيات البحرية ليست خطوطًا عشوائية ، بَلْ تُحدَّد وفق قواعد قانون البحار والاتفاقيات الدولية ، لضمان وضوح المجال البحري لكل دولة ، ومنعِ التداخل أو النزاع .

     حين أقدمَ النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين على غزو الكويت عام 1990 ، لم يكن ذلك مُجرَّد خلاف حدودي قابل للتفاوض ، بل كان انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدولة ، ومُحاولة لفرض أمر واقع بالقوة . وقد مثَّل هذا الغزو خرقًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة ، الذي يُحرِّم استخدامَ القوة ضد سلامة أراضي أيَّة دولة أو استقلالها السياسي .

     بعد تحرير الكويت في عام 1991 ، اضطلع مجلس الأمن بدور أساسي في تثبيت الحدود الدولية بين البلدين ، بما في ذلك ترسيم الحدود البحرية وفق أسس قانونية واضحة . وقد جاء هذا الإحراء في إطار تثبيت الاستقرار الإقليمي ، ومنع تكرار النزاعات ، وترسيخ مبدأ أن الحدود لا تُغيَّر بالقوة ، بل عبر الآليات القانونية المُعترَف بها دوليًّا .

     الإحداثيات البحرية لا تُمثِّل فقط حدودًا جُغرافية ، بل تعكس حقَّ الدولة في إدارة مواردها البحرية ، وحمايةِ أمنها وموانئها وممراتها الملاحية . وأي مساس بها يُعَدُّ مساسًا مباشرًا بالسيادة . ومن هُنا ، فإنَّ الغزو العراقي للكويت لم يكن مُجرَّد تحرك عسكري عابر ، بَلْ مَسَّ جوهر الدولة ، وكيانها القانوني .

     ومع أن العلاقات بين العراق والكويت شهدتْ لاحقًا مسارًا نحو التهدئة ، وإعادة بناء الثقة ، إلا أن تجربة الغزو وما تبعها من ترتيبات دولية أكَّدت درسًا مهمًّا في السياسة الدولية ، وهو أن احترام الإحداثيات والحدود ليس خيارًا سياسيًّا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا التزام قانوني وأخلاقي يحفظ الاستقرار ، ويمنع الانزلاق إلى الفوضى .

     إن معالجة القضايا الحدودية ، برية كانتْ أَمْ بحرية ، يجب أن تتم عبر الحوار والقانون الدولي والمُؤسَّسات الشرعية ، لا عبر القوة ، أو فرض الأمر الواقع . فالدول الصغيرة والكبيرة على السواء ، تتساوى في حقها في السيادة ، وأي إخلال بهذا المبدأ يُهدِّد منظومة الأمن الإقليمي والدولي بأسره .

     وقضية الإحداثيات البحرية بين العراق والكويت تُمثِّل مثالًا واضحًا على أهمية وضوح الحدود ، واحترامها، وضرورة تحقيق الاستقرار باحترام السيادة ، والالتزام بالقانون الدولي ، وتغليب منطق الدولة على منطق القوة .

23‏/02‏/2026

الصراع الحضاري بين الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز

 

الصراع الحضاري بين الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................

     يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات ، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي . وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي .

     الروائي السوداني الطيب صالح ( 1929 _ 2009 ) ، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز ( 1927 _ 2014 ) ، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري ، والصِّدام بين القديم والحديث ، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص ، ومَنظوره المُتميز .

     عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ جِهة ، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى ، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة الخرطوم ، وعمله في الخارج . هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية ، التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي تجتاح المجتمعات ، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي والمعرفة الغربية .

     مِنْ جِهة أُخرى ، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني ، وأزماتِ التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية. استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث ، وبين الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع .

     في أعمال الطيب صالح ، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة ، حيث يَكُون البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ .

     أمَّا ماركيز ، فَيُقَدِّم الصِّراعَ الحضاري كقضية تاريخية ومُجتمعية ، وليس قصية شخصية فَحَسْب . ويَظهر الصراعُ في العُزلة التقليدية للمجتمع ، وتتَّضح الضغوطُ الحديثة التي تَفْرضها التحوُّلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهو يَستخدم السِّحْرَ والخيالَ لإظهار كيف أنَّ الصِّدام بين القديم والحديث لَيْسَ مُجرَّد صِراع فِكري، بَلْ هُوَ صِراع وجودي يُهدِّد استمراريةَ الثقافةِ نَفْسِها .

     يَعتمد الطيب صالح على الواقعية النَّفْسية ، والتحليلِ العميق للشخصيات ، معَ لُغةٍ دقيقة وَسَلِسَة ، تَحْمِل رَمزيةً ثقافية قوية ، فَهُوَ يُعالج الصِّراعَ الحضاري مِنْ خِلال العلاقات الشخصية والوِجْدانية ، مُستعينًا برمزية المكان ( مِثْل نهر النيل ) والزمانِ ، ليعكس الانقسامَ الداخلي بين المَوْروث الثقافي والانفتاح على الآخَر .

     بَينما يَستخدم ماركيز الواقعيةَ السِّحْرية ، حيث تختلط الأحداثُ الواقعية بالخيال ، ليعكس الصراعَ الحضاري على مُستوى المُجتمع بأكمله . وقوةُ ماركيز تكمن في تصويره للتحوُّلاتِ الكُبرى عبر الزمن ، حيث تُصبح الشخصياتُ والأساطير جُزءًا من التاريخ الجَمَاعي ، ولَيْسَ فقط تَجْرِبة فردية . هُنا يَكُون الصِّراعُ الحضاري شاملًا ومَلْحَمِيًّا ، وليس شخصيًّا فقط .

     يَتمحور صِراعُ الطيب صالح حول الهُوية والانتماء ، حيث يُظهِر كيف أنَّ الإنسان في مُواجهة الحضارة الغربية الحديثة يعيش حالةً مِن الاغترابِ النَّفْسي والاجتماعي ، مِمَّا يَجعله يُعيد النظرَ في جُذوره وقِيَمِه . وهذه الرُّؤية تَحْمِل نَقْدًا ضِمْنِيًّا للاستعمارِ الثقافي ، معَ تسليط الضوء على أهمية الحِوار بين الثقافات دُون الانصهار الكامل .

     أمَّا ماركيز ، فَيتطرَّق إلى الحُرية الفردية والجَمَاعية والتاريخ والذاكرة ، ويُظهِر كيف أنَّ الصِّراع الحضاري يُشكِّل جُزءًا مِن مصير المُجتمعات . السِّحْرُ في أعماله ليس هُروبًا من الواقع ، بَلْ وسيلة لتكثيف الصراع الحضاري ، وجَعْلِ القُرَّاء يُدرِكون تعقيدَ التغيُّرات الاجتماعية والسياسية ، وتأثيرها على الفردِ والمُجتمع على حَد سَواء .

     رَغْمَ أنَّ الكاتبَيْن يُعالجان الصِّراعَ الحضاري ، إلا أنَّ هُناك فُروقات واضحة بينهما :

     1_ الطيب صالح يُركِّز على الفردِ وانكساره أمام التحوُّلات الثقافية ، معَ اهتمام بالبُعْدِ النَّفْسي والاجتماعي العميق .

     2_ ماركيز يُركِّز على المُجتمعِ والتاريخ ، ويَجعل الصراعَ الحضاري جُزءًا مِن النسيج الأُسطوري والتاريخي لأمريكا اللاتينية .

     3_ أُسلوب الطيب صالح واقعي دقيق ، بَينما أُسلوب ماركيز يَجمع بين الواقع والخَيالِ في تَكوين أدبي ساحر ومَلْحمي .

     إنَّ دراسة الصِّراع الحضاري بين أعمال الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز تكشف عن أبعاد مُختلفة لتفاعل الإنسانِ مع التحوُّلاتِ التاريخية والثقافية . الطيب صالح يُقَدِّم الصراعَ كأزمة هُوِيَّة فردية ومُجتمعية في قلبِ العَالَمِ العربي والأفريقي ، بَينما يُقَدِّم ماركيز الصراعَ كَمَلْحمة تاريخية واجتماعية في أمريكا اللاتينية ، حيث تتشابك الأُسطورة والتاريخ والواقع .

     في كِلا الحالتَيْن ، يظلُّ الأدبُ مِرْآةً صادقة لِمُعاناةِ الإنسانِ أمام التغيُّرات والتحوُّلات ، مُسَاهِمًا في تَعزيزِ فهم العلاقة المُعقَّدة بين الفردِ والمُجتمع ، وبين التقليدِ والحداثة ، وبين الشرقِ والغرب، وبين الحُلْمِ والواقع .

22‏/02‏/2026

تحميل روايتي الممنوعة / أرشيف القرابين

 

تحميل روايتي الممنوعة / أرشيف القرابين

تأليف : إبراهيم أبو عواد

الطبعة 2026 م

من أجل التحميل المجاني للرواية ، اضغط على هذا الرابط

https://drive.google.com/file/d/1wld99_rjhFojx2n-Kpxdj0pZO-uWTEQw/view?usp=sharing

21‏/02‏/2026

تحميل مجاني لكتابي / المقالات الممنوعة

 


تحميل مجاني لكتابي / المقالات الممنوعة


تأليف : إبراهيم أبو عواد


جريدة القدس العربي ، لندن ، 2009 _ 2013


رئيس التحرير : عبد الباري عطوان

......

هذا الكتاب يتضمن مقالات إبراهيم أبو عواد في جريدة القدس العربي اللندنية خلال الفترة ( 2009 _ 2013 ) حيث كان رئيس التحرير عبد الباري عطوان ، علمًا بأنه لم يتم نشر جميع المقالات في الجريدة، حيث إن هناك مقالات نُشرت في صحف أُخرى ومواقع إلكترونية.

..........

اضغط على هذا الرابط لتحميل الكتاب مجانًا 

https://drive.google.com/file/d/1y3Rdv8_RUHr44pOfhwuusHyyio6-4iLT/view?usp=sharing


19‏/02‏/2026

ما هي أسلحة إيران وأمريكا في الحرب المحتملة ؟

 

ما هي أسلحة إيران وأمريكا في الحرب المحتملة ؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     تتجدد بين الحين والآخر التكهنات حول احتمال مواجة مباشرة بين إيران وأمريكا ، في ظِل توترات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ، والوُجودِ العسكري الأمريكي في الخليج ، وشبكةِ التحالفات الإقليمية المتشابكة . ودراسةُ أدوات القوة العسكرية لكل مِنهما تكشف اختلافًا عميقًا في العقيدةِ القتالية،وطبيعةِ الاستعدادِ للحرب.

     في سِلاح الجو ، تمتلك واشنطن مُقاتِلات شبحية متقدمة ، إضافةً إلى قاذفات إستراتيجية بعيدة المدى ، وقادرة على اختراق الدفاعات الجوية ، وتنفيذِ ضربات دقيقة ضد أهداف محصنة .

     بحريًّا ، ترتكز القوة الأمريكية على حاملات الطائرات الضخمة ، التي تُشكِّل قواعد جوية عائمة تُتيح شن عمليات عسكرية دون الحاجة إلى أراضٍ قريبة.كما تعتمد المدمرات والطرادات على أنظمة الدفاع الصاروخي، إلى جانب صواريخ كروز القادرة على إصابة أهدف بدقة من مسافات بعيدة .

     في المقابل ، إيران غير قادرة على منافسة أمريكا من حيث التكنولوجيا أو الانتشار العالمي ، لكنَّها طوَّرتْ نموذجًا عسكريًّا مختلفًا يقوم على " الحرب غير المتكافئة " ، أي : تعويض الفجوة النوعية عبر الكَم ، والمُرونة ، وتعدد الجبهات .

     الركيزة الأساسية في العقيدة الإيرانية هي الصواريخ الباليستية ، إضافة إلى الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى . هذه الصواريخ تمنح طهران قُدرةً على استهداف قواعد عسكرية أمريكية في الخليج ، واستهدافِ إسرائيل أيضًا . كما طوَّرت إيران برنامجًا واسعًا للطائرات المُسيَّرة ، التي أثبتتْ فعاليتها في النزاعات الحديثة عبر تكلفتها المنخفضة ، وصعوبة اعتراضها .

     في المجال البحري ، تعتمد طهران على زوارق سريعة مسلحة ، وألغام بحرية ، وصواريخ مُضادة للسفن ، بهدف تهديد الملاحة في مضيق هرمز ، أو حتى إغلاقه ، وهو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم . كما عزَّزت دفاعاتها الجوية بأنظمة محلية إلى جانب منظومات روسية .

     أيَّة مُواجَهة مُباشرة لن تكون تقليدية على الأرجح . أمريكا قد تسعى إلى ضربات جوية وصاروخية مُركَّزة تستهدف البُنية العسكرية الإيرانية ، ومخازنَ الصواريخ ، ومُنشآت القيادة . وإيران سوف تعتمد على إطلاق كثيف للصواريخ والمُسيَّرات ، وفتح جبهات إقليمية عبر حلفائها ، واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج ، وقصف إسرائيل .

     المُعادلة الأساسية هُنا ليست في " مَن الأقوى عسكريًّا ؟ " ، إذْ يتفوق الميزان بوضوح لصالح واشنطن ، بَلْ في " مَنْ يستطيع تحمُّل كُلفة التصعيد ؟ " . إيران تُراهن على قُدرتها على إطالة أمد الصراع ، ورفع كُلفته السياسية والاقتصادية ، بَينما تُراهن أمريكا على حسم سريع يُقَلِّل الخسائرَ ، ويُعيدُ فرضَ الردع .

     المُواجهة المحتملة بين إيران وأمريكا لن تكون مُجرَّد صراع عسكري تقليدي ، وإنما اختبار لإرادتَيْن مُختلفتَيْن سياسيًّا وإستراتيجيًّا : قُوَّة عُظمى تعتمد التفوقَ التكنولوجي والحسم السريع ، وقوة إقليمية تُراهن على الصبر الإستراتيجي ، وإدارةِ حرب غير مُتكافئة .

16‏/02‏/2026

القلق الوجودي بين سنية صالح وسيلفيا بلاث

 

القلق الوجودي بين سنية صالح وسيلفيا بلاث

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

................

     القلقُ الوجودي لَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة ، بَلْ هو سُؤال الكائنِ حين يضعُ رأسَه على حَافةِ المَعنى ، وينظر في هُوَّةِ الوجودِ دُون وسائط مُطمئنة . وفي الشِّعْرِ ، يتحوَّل هذا القلقُ إلى لُغةٍ ، ونَبْرَةٍ ، وجسدٍ لُغوي يَرتجف وهو يُحاول تسميةَ مَا لا يُسَمَّى .

     في هذا الأُفق ، تلتقي تَجْرِبتان شِعْريتان مُتباعدتان جُغرافيًّا وثقافيًّا ، لكنَّهما مُتجاورتان رُوحيًّا : تَجْرِبة الشاعرةِ السُّوريةِ سَنِيَّة صالح ( 1935_ 1985 )، وتَجْرِبة الشاعرةِ الأمريكية سيلفيا بلاث ( 1932 _ 1963 انتحار ) . كِلْتاهُما كَتَبَتَا مِن قلبِ القلقِ ، لا بِوَصْفِه فِكرةً فلسفية مُجرَّدة ، بَلْ بِوَصْفِه مُعاناة يَومية ، وجُرْحًا مَفتوحًا في الذات .

     عِند سَنِيَّة صالح، يَنْبُع القلقُ مِن هَشاشةِ الكائنِ في عَالَمٍ عَرَبيٍّ مُضطرب ، وشُعورٍ عميق بالاغترابِ داخل الجسدِ واللغةِ والمصير. هِيَ لا تكتب عَن القلق ، بَلْ تَكتُب بِه ، كأنَّ القصيدة نَفْسَها كائنٌ قَلِق ، يتقدَّم ويتراجع . يَتلعثم أحيانًا، ويَصرخ أحيانًا أُخْرَى . وَشِعْرُها لا يبحثُ عَن خَلاصٍ نِهائي ، بَلْ يكتفي بِتَعريةِ الجُرْح ، والوُقوفِ طويلًا أمامَ الأسئلةِ الكُبرى : المَوْت ، الوَحْدة، الحُب ، الأُمُومة ، الزمن الذي يَنهش الرُّوحَ بصمت .

     أمَّا سيلفيا بلاث ، فيتخذ القلقُ عِندها طابعًا أكثر حِدَّةً واندفاعًا أقرب إلى الانفجارِ الداخلي . قلقُها وُجودي لكنَّه أيضًا نَفْسي ، يتشابك معَ الاكتئابِ والهُوِيَّةِ الأُنثويةِ والضغطِ الاجتماعي . قصيدتها لا تَمْشي على حافةِ الهاوية فقط ، بَلْ تقفز أحيانًا داخلها مُحاوِلةً أن تفهم السقوطَ ذاتَه . الذاتُ عِندها ساحةُ صِراعٍ عنيف بين الرغبةِ في الحياةِ والرغبةِ في التلاشي ، بين الصوتِ والرغبةِ في الصمتِ الأبدي .

     يُشكِّل الجسدُ مِحْوَرًا أساسيًّا في تَجْرِبةِ الشاعرتَيْن . عِند سَنِيَّة صالح ، الجسدُ كائنٌ مُتعَب ، ومريض ، ومُحاصَر بالانتظارِ والخَسارات.إنَّه جسدٌ أُنثوي يعيشُ القلقَ بصمتٍ نبيل،قَلَق لا يَصرخ كثيرًا،بَلْ يتآكل بِبُطْء. يَظهر الجسدُ بِوَصْفِه مَكانًا للألمِ والذاكرةِ، لا كَمَوضوع للزينةِ أو الاحتفاءِ ، بَلْ كحقيقة ثقيلة لا مَهرَب مِنها .

     في المُقابِل ، يَتحوَّل جسدُ سيلفيا بلاث إلى ساحة مُواجَهة مُباشرة معَ العدم . جسدٌ يَتكلَّم ، ويَحْتَج ، وينكسر، ويُعاد تَركيبُه لُغويًّا بِقَسوة . القلقُ هُنا لَيْسَ ساكنًا ، وإنَّما عنيف ، يَضرب الجسدَ ، ويُعيد تَعريفَه باعتباره شيئًا هَشًّا ، وقابلًا للفَنَاءِ في كُلِّ لَحْظة .

     تكتبُ سَنِيَّة صالح بِلُغَةٍ شفيفة ومُقتصدة ، لكنَّها مشحونة بطاقةٍ داخلية عالية . لُغتها تُشبِه حَياةً مَكسورة، أو اعترافًا يُقَال بصوتٍ مُنخفض خَوْفًا مِن انكساره . القلقُ في لُغتها يَتجلَّى عَبْرَ الفَرَاغات ، والمَيْلِ الواضحِ إلى التأمُّلِ الداخلي .

     سيلفيا بلاث تلجأ إلى لُغةٍ صادمة ، ومليئة بالصُّوَرِ الحادَّة ، والاستعاراتِ القاسية . لُغَتُها لا تَخشى العُنْفَ الرمزي، ولا تَخجل مِنْ تَعريةِ الذاتِ حتى أقصى دَرَجَاتِ الهَشَاشة . القلقُ هُنا يُتَرْجَمُ إلى صُوَرٍ قوية ، وإيقاعٍ مُتوتِّر ، وقصيدةٍ تكادُ تَكُون صَرخةً وُجودية مُكتملة .

     يَلتقي صَوْتَا الشاعرتَيْن عِند سُؤالِ الأُنوثة ، لَيْسَ باعتباره هُوِيَّةً بيولوجية فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وُجودية مُركَّبة. سَنِيَّة صالح تعيشُ أُنوثتها في ظِلِّ مُجتمع يُثْقِلُها بالتوقعاتِ والقُيود ، فَتتحوَّل الأُنوثةُ إلى عِبْءٍ وُجودي ، وسُؤالٍ مُؤلِم عن الحُرِّيةِ والمَعنى . القلقُ هُنا مُرتبط بالإحساس بالاختناقِ داخل أدوارٍ جاهزة . وسيلفيا بلاث تَخوضُ صِراعًا عنيفًا معَ صُورةِ المرأة كما يَرسمها المُجتمعُ الغَرْبيُّ الحديث. وهذا التَّمَزُّقُ يُولِّد قَلَقًا مُضَاعَفًا ، لا يَجِد مَخرجًا سهلًا ، ويَتحوَّل إلى رَغبةٍ في مَحْوِ الذات ، أوْ إعادةِ صِناعتها مِنَ الصِّفْر .

     المَوْتُ حاضرٌ بقوة في تَجْرِبَتَي الشاعرتَيْن، لكنَّ حُضوره يَختلف في النَّبْرَةِ والوظيفة . عِند سَنِيَّة صالح ، المَوْتُ ظِلٌّ بعيدٌ نِسْبِيًّا ، يُستدعَى بِوَصفه نِهايةً مُحتمَلة ، أوْ كحقيقةٍ صامتةٍ تُراقِب الحياةَ مِنَ الخَلْف . إنَّه جُزْءٌ مِنَ التأمُّلِ الوُجودي لا ذِرْوَة درامية . وَعِند سيلفيا بلاث ، المَوْتُ يَكاد يَكُون شخصيةً مَركزية، وَحِوارًا مَفتوحًا ، وهاجسًا دائمًا. القلقُ الوجودي هُنا يصلُ إلى ذِروته ، حيث تُصبح الحياةُ سُؤالًا ثقيلًا ، ويَغدو المَوْتُ إغراءً فلسفيًّا ونَفْسِيًّا في آنٍ معًا .

     لا يُقْرَأ شِعْرُ سَنِيَّة صالح وسيلفيا بلاث بِوَصفه تعبيرًا ذاتيًّا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا شهادة وجودية على هَشاشةِ الكائنِ في مُواجهةِ العَالَمِ والذاتِ والمصير . كِلْتاهُما جَعَلَتْ مِن القلقِ مادَّةً شِعْرية مَركزية ، وَوَعْيًا حادًّا بالوُجودِ وحُدودِه القُصْوى ، ولَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة .

     تَلْتقي الشاعرتان في إدراكهما العميقِ لاغترابِ الإنسانِ الحديثِ ، وتَحويلِ التَّجْرِبَة الشخصية إلى سُؤالٍ كَوْني ، وتفترقان في نَبْرَةِ المُواجَهة . سَنِيَّة صالح تُصْغي إلى القلقِ وتَحْتويه ، بَينما سيلفيا بلاث تُهاجمه وتشتبك معه حتى الاحتراقِ .

     بَيْنَ الهمسِ والصَّرخةِ، يَتشكَّل شِعْرُهما كَوَثيقةٍ إنسانية عالية الكُلْفَة ، تُثْبِتُ أنَّ القلقَ الوُجودي أحدُ أشكالِ الوَعْي ، يَنبُع مِنْ شُعورٍ دائم بالانفصال ، انفصال المَرأةِ عن جسدها ، والعَالَمِ الذي يفرض صَمْتَه الثقيل ، ويتعامل معَ المَوْتِ كَحَقيقةٍ تَسْكُنُ الحياةَ ذَاتَها ، وَلَيْسَ شيئًا خارجيًّا .

14‏/02‏/2026

مؤلفات إبراهيم أبو عواد

 

مؤلفات إبراهيم أبو عواد

...............

الدراسات الدِّينية :

1_ حقيقة القرآن . 2_ أركان الإسلام . 3_ أركان الإيمان . 4_النَّبِيُّ مُحَمَّد ، صَلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسَلَّم. 5_ دراسات منهجية في القرآن والسُّنَّة. 6_ العُلوم والفُنون في القُرآن. 7_ العمل في القُرآن . 8_ العلاقات الأخلاقية في القرآن . 9_ العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن . 10_ القصص والتاريخ في القرآن . 11_ الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن . 12_ الدَّعوة الإسلامية . 13_ دراسات منهجية في القُرآن والتوراة والإنجيل. 14_ بحوث في الفكر الإسلاميِّ . 15_ منهج الكافرين في القرآن. 16_ الديانات في القرآن. 17_ التناقض في التوراة والإنجيل . 18_صورة اليهود في القرآن والسُّنَّة والإنجيل. 19_ عقائد العرب في الجاهليَّة . 20_ نقض عقائد ابن تَيْمِيَّة المُخَالِفة للقُرآن والسُّنَّة .

الأدب والثقافة والفِكْر :

21_ فلسفة المُعلَّقات العَشْر. 22_ النظام الاجتماعي في القصيدة ( المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشِّعْر ) . 23_ صرخة الأزمنة ( سِفْر الاعتراف ) . 24_ مشكلات الحضارة الأمريكية . 25_ حياة الأدباء والفلاسفة العالميين . 26_ خواطر في زمن السراب . 27_ فلسفة المتنبي الشعرية . 28_ المقالات الممنوعة .

الشِّعْر :

29_ الأعمال الشعرية الكاملة ( مجلد واحد )

30_ سيناميس ( الساكنة في عيوني )

الرواية ( جميع هذه الروايات ممنوعة )

31_ أكفان مغسولة جيدًا

32_ أشباح الميناء المهجور

33_ جبل النظيف

34 _ أرشيف القرابين .

12‏/02‏/2026

غزة بين الإعمار وإعادة رسم السلطة

 

غزة بين الإعمار وإعادة رسم السلطة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     تعيش غزة اليوم لحظة فاصلة بين الانقسام السياسي الداخلي والضغط الدولي والإقليمي ، لإعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من الحصار المتكرر والصراعات المسلحة . المدينة التي دُمِّرَتْ بُنيتها التحتية مَرَّات عِدَّة ، تُواجِه اليوم تحديًا مزدوجًا : ضرورة إعادة بنا ما تهدَّم ، وإعادة رسم موازين السُّلطة على الأرض ، بما يتوافق مع الواقع السياسي الجديد .

     الإعمار في غزة ليس مُجرَّد إعادة للبيوت والمستشفيات والمدارس ، بل هو مشروع سياسي في جَوهره . المجتمع الدولي _ من خلال التمويل والمساعدات _ يسعى إلى إعادة استقرار المنطقة ، لكنَّه في الوقت نَفْسِه يستخدم هذه المساعدات كأداة ضغط لإحداث تغييرات سياسية ، سواء على مستوى سِياسات حركة حماس ، أو على مستوى السُّلطة الفِلَسْطينية في رام اللَّه . والمواردُ المحدودة والاحتياجات الهائلة تجعل من عملية الإعمار اختبارًا لقدرة الفصائل الفلسطينية على إدارة مواردها ، ومُواجهةِ الضغوط الخارجية .

     مُنذ الانقسام الفلسطيني عام 2007 ، صارتْ غزة تحت حُكم حركة حماس ، بَيْنما السُّلطة الفلسطينية تمارس نفوذها في الضفة الغربية . اليوم ، الإعمار يُطرَح كأداة لإعادة صياغة هذا الانقسام . التمويل الخارجي والمتطلبات الفنية والإدارية لمشاريع الإعمار ، تفرض على حركة حماس التعاملَ مع السُّلطة الفلسطينية ، ورُبَّما مع فصائل أُخرى،في إطار من التفاوض على الصلاحيات والمشاريع . هذا يُعيد فتحَ النقاش حول إمكانية توحيد مؤسسات الدولة ، أوْ على الأقل إعادة التوازن بين القوى على الأرض .

     إعادة الإعمار لا تُدار بمعزل عن المحيط الإقليمي والمُجتمعِ الدولي . هناك دُوَل عديدة تلعب دَورًا في تحديد مَن يستفيد مِن الموارد ، ومَنْ يَخسر النفوذ . مشاريعُ البُنى التحتية والقُروض والمِنَح ، تتحوَّل إلى رهان سياسي حول مَنْ يُسيطر على القرار في غزة ، ومَنْ يملك القُدرةَ على التأثير على مستقبل القطاع .

     إنَّ التحدي الأكبر أمام غزة هو الموازنة بين الحاجة الإنسانية المُلِحَّة ، وبين المناورات السياسية التي قد تُعيد رسمَ السُّلطة دون ضمان مصالح المواطنين . وبَينما يُمثِّل الإعمارُ فرصةً لتخفيف المُعاناة ، فإنَّه في الوقتِ نَفْسِه يَحْمِل خطر تحويل الموارد إلى أدوات سياسية ، بدلًا من أنْ تكون في خدمة الفقراء والمحتاجين والمُتضررين .

     غزة اليوم بين المِطرقة والسندان : الإعمار كضرورة إنسانية عاجلة ، وإعادة رسم السُّلطة في المدى القريب. النجاح في مواجهة هذا التحدي يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة ، ومقاومة الاستقطاب السياسي الداخلي والخارجي ، مع الحرص على أن يكون المواطن الفلسطيني في قلب أيِّ قرار ، فالإعمار الحقيقي لا يكتمل إلا إذا جاء مصحوبًا بإعادة بناء الثقة بين السُّلطة الفلسطينية والفصائل ، وبين المسؤولين والمواطنين ، وليس كأداة لإعادة توزيع النفوذ ، واقتسامِ الغنائم .

10‏/02‏/2026

تأثيرات علاقة الدبلوماسية الإماراتية هند العويس مع جيفري إبستين

 

تأثيرات علاقة الدبلوماسية الإماراتية هند العويس مع جيفري إبستين

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     تُمثِّل علاقة الدبلوماسية الإماراتية هند العويس مع المجرم المُدان بجرائم جنسية جيفري إبستين إحراجًا شديدًا لِسُلطةِ أبو ظبي ، وتتجاوز حدودَ السياسية التقليدية ، وتمسُّ السُّمعة الدَّولية ، والثقة العامَّة .

     والسُّمعةُ رأس مال سياسي لا يقلُّ أهمية عن القوة الاقتصادية أو العسكرية . ولا شك أنَّ كشف علاقة هند العويس مع جيفري إبستين ، يُضعف الصورةَ الذهنية لإمارة أبو ظبي ، ويُشكِّك في التزامها بالقيم والمعايير الدولية .

     والدُّبلوماسية تقوم على الثقة ، سواءٌ بين الدول أو بين الحكومات وشعوبها . وعِندما تُربَط القنوات بالدُّبلوماسية بأسماء مثيرة للفضائح الجنسية ، تتآكل الثقة في نزاهة القرار السياسي ، وآلِيَّاتِ التواصل الخارجي . وهذا التقويض ينعكس على استعداد الشركاء الدوليين للتعاون .

     والارتباط بشخصية ارتكبتْ جرائم جسيمة يفتح البابَ أمام أسئلة أخلاقية وقانونية حول معايير التدقيق والاختيار في العلاقات العامة وغير الرسمية . كما قد يُعرِّض الدولة لمطالبات بالتحقيق ، أو لضغوط حقوقية وإعلامية مُستمرة ، مِمَّا يستهلك موارد سياسية وقانونية كان يُمكن توجيهها لأهداف أكثر نفعًا .

     القوة الناعمة تُبْنَى عبر الثقافة ، والتعليم ، والعمل الإنساني ، والالتزام بالقيم العالمية . وأيُّ تشكيك في هذه القيم يُضعف أدوات التأثير غير المباشر ، ويُقَلِّل من جاذبية النموذج الذي تَسعى الدولة لتقديمه للعالم .

     داخليًّا ، قد تُؤَدِّي العلاقةُ المشبوهة بين هند العويس وجيفري إبستين إلى تساؤلات شعبية حول الشفافية والمُساءلة ، وتغذيةِ حالة من الشك العام . والحفاظُ على الثقة الداخلية يتطلب وضوحًا ، وإدارة فَعَّالة للأزمات الاتصالية ، والتأكيد على أن السياسة الخارجية تخضع لمعايير صارمة .

     إنَّ العلاقات الشخصية للدُّبلوماسيين مسألة ذات حساسية خاصَّة لِمَا تَحْمله من انعكاسات أخلاقية وقانونية وسياسية . وعندما تكون العلاقة بين امرأة دُبلوماسية ومُجرم مُحترف ، فإنَّ التداعيات تتجاوز الإطار الشخصي لِتُلامس الثقةَ العامَّة ، والأمنَ المُؤسَّسي ، وصورةَ الدَّولة التي تُمثِّلها .

     والدُّبلوماسي يُتوقَّع منه الالتزام بمعايير أخلاقية عالية ، ليس فقط في عمله الرسمي ، بَلْ أيضًا في سُلوكه العام.والارتباطُ بشخص مُدان بجرائم جنسية سَوْفَ يُفَسَّر على أنَّه تساهُل مع سلُوك إجرامي خطير ، أو تجاهل لِمُعاناة الضحايا ، مِمَّا يُضْعِف الثقةَ في نزاهة الدُّبلوماسية وقُدرتها على تمثيل قيم العدالة وحقوق الإنسان .

     مِن الناحية القانونية ، تُثير هذه العلاقة المشبوهة تساؤلات حول تضارب المصالح أو المخاطر الأمنية . فالتعاملُ القريب مع شخص له سِجل إجرامي قد يفتح بابًا للابتزاز ، أو تسريب المعلومات . وهو أمر بالغ الخطورة في العمل الدُّبلوماسي الذي يعتمد على السِّرية والثقة .

     على المُستوى الاجتماعي ، قد تُواجه الدُّبلوماسية الإماراتية هند العويس ضغوطًا نفسية كبيرة نتيجة الوَصْم أو الانتقادات العلنية ، بغضِّ النظر عن دوافعها الشخصية أو قناعاتها ، كما أنَّ هذه العلاقة قد تُعيد فتحَ جِراح ضحايا الجرائم الجنسية ، إذْ قَدْ تُفْهَم كنوع من التطبيع معَ المُجرم الجاني ، أو التقليل من فداحة جرائمه .

09‏/02‏/2026

الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

 

الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها ، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني ، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة .

     في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت ( 1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري ، والمَرجعيةِ الدِّينية ، واللغةِ الفَلْسفية . كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية ، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات . والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل ، وحُدودِ المَعرفة ، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة .

     نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب: المُتكلمون ، والفلاسفة ، والباطنية ، والصُّوفية . وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة . هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها . هَل الحِس صادق ؟ ، وهَل العَقْل يَقيني ؟ ، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد ؟ . لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا ، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل .

     أمَّا ديكارت ، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث ، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو ، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية ، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر ، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه .

     يَشترك الغَزَالي ودِيكارت في نقدِ المعرفة الحِسِّية ، فالغَزَالي يَرى أنَّ الحواس تَخدع ، فالظِّلُّ يَبدو ساكنًا وهو مُتحرِّك ، والكَوكبُ يَبدو صغيرًا وهو أعظم مِنَ الأرض . وَمِنْ هُنا يُقَرِّر أنَّ الحِسَّ لا يَصْلُح أساسًا لليقينِ المُطْلَق، غَيْر أنَّه لا يقف عِند هذا الحد ، بَلْ يَتَّجه إلى العقلِ ذَاتِه مُتسائلًا: إذا كُنْتُ قد شككتُ في الحِسِّ بِحُكم العقل ، فما الذي يَمْنع أنْ يَكُون وراء العقل حاكمٌ آخَر يُكذِّبه كما كَذَّبَ العقلُ الحِسَّ ؟ .

     دِيكارت بِدَوْرِه يَجعل مِنْ خِداعِ الحواس نُقْطَةَ انطلاق لِشَكِّه المَنهجي ، ثُمَّ يُوسِّع دائرةَ الشَّكِّ لِيَشمل العقلَ نَفْسَه ، وهُنا يَبْلُغ الشَّكُّ عِند دِيكارت أقصاه ، إذْ لا يَترك حَجَرًا على حجر في بِناء المَعروفةِ المَوْروثة .

     على الرَّغْمِ مِنْ جَذريةِ الشَّكِّ ، فإنَّ الغاية عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَت الهدمَ الدائم ، بَل الوُصول إلى يقين لا يَتَزَعْزَع ، غَيْر أنَّ طريقَ الخُروجِ مِنَ الشَّكِّ يَختلف اختلافًا جَوهريًّا .

     يَصِلُ الغَزَالي إلى قناعة بأنَّ اليقين لا يُنال بالعقلِ المُجرَّد وَحْدَه،بَلْ بِنُورٍ يَقْذفه اللَّهُ في القلب. وهذا لا يَعني إلغاءَ العقل ، بَلْ وَضْعه في حُدوده الطبيعية ، والاعتراف بأنَّ أسمى الحقائقِ تحتاجُ إلى تَطهيرٍ باطني ، وتَجْرِبَةٍ رُوحيَّة. وَمِنْ هُنا كانت الصُّوفية عِند الغَزَالي ذِرْوَةَ طريقِ اليقين، لا باعتبارها نقيضًا للعقل، بَلْ مُكمِّلة له .

     أمَّا دِيكارت ، فيجد نُقْطَةَ اليقينِ الأُولَى في العِبارة : " أنا أُفكِّر ، إذًا أنا مَوجود " . وحتى لَوْ شككتُ في كُلِّ شَيْء، لا أستطيعُ الشَّكَّ في أنَّني أشُكُّ، ولا في أنَّني أُفكِّر . وهَكذا يَبْني دِيكارت نَسَقَه المَعرفي ، مُستندًا إلى بُنيةِ الأفكار ، وإلى إثباتِ وُجود اللَّه بِوَصْفِه الضامن لصدقِ المعرفة ، وعدمِ وُقوعِ العقل في الخِداع الدائم.

     يُعبِّر الشَّكُّ المَنهجي عِند الغَزَالي عَنْ رُؤية تكاملية للعقلِ والواقعِ ، فالعقلُ أداةٌ ضرورية ، لكنَّه لَيْسَ مَصْدَرَ الحقيقةِ النهائية . واليقينُ الأسمى لا يَتحقق إلا بالهِدايةِ الإلهيَّة ، لذلك يَنتهي الغَزَالي إلى مَوقف نَقْدي مِنَ الفلاسفة الذين غَلَّبُوا العقلَ في مسائل تتجاوز حُدودَه ، كما في الإلهيَّات .

     وديكارت يُمثِّل لحظةً مِفْصَلية في تاريخ الفلسفة الغَرْبية ، حيث أصبحَ العقلُ هُوَ نُقْطَةَ الارتكاز الأساسيَّة . صحيحٌ أنَّ دِيكارت لَمْ يُقْصِ الإيمانَ باللَّهِ ، بَلْ جَعَلَه عُنْصُرًا مَركزيًّا في نَسَقِه، غَيْر أنَّ العلاقة بين العقلِ والإيمانِ عِنده تَمُرُّ عَبْرَ البُرهانِ العقليِّ لا التَّجْرِبة الرُّوحيَّة .

     يَلتقي الغَزَالي ودِيكارت في اعتبارِ الشَّكِّ مَنهجًا لا غاية، ونقدِ المَعرفةِ الحِسِّيةِ ، ورفضِ التَّسليمِ للمَوْرُوث، والبحثِ عَنْ يقين أوَّلي تُبْنَى عَلَيْه المَعرفة .

     ويَفْترقان في مَصدرِ اليقين النهائي ، فَهُوَ نُورٌ إلهيٌّ وتَجْرِبة رُوحيَّة عِند الغَزَالي ، مُقَابِل بَداهة عَقْلية عِند دِيكارت. وفي طبيعةِ المَشروع ، فهو رُوحي إصلاحي عِند الغَزَالي ، وعِلْمي فَلْسفي تأسيسي عِند دِيكارت. وفي المَوقفِ مِنَ العقل، فَهُوَ عقلٌ مَحدود يَحتاج إلى تجاوُز عِند الغَزَالي، وعَقْل مُؤسِّس للمعرفة عِند دِيكارت.

     إنَّ الشَّكَّ المَنهجي عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَ مُجرَّد تَمْرين ذِهْني ، بَلْ هُوَ فِعْل فِكْري في مُواجهةِ الزَّيْفِ واليقينِ السهل . كِلاهما يَرى أنَّ الحقيقة لا تُورَث ، بَلْ تُنال بالكِفاحِ العقلي ، والصِّدْقِ الداخلي ، إلا أنَّ الغَزَالي يَعْتبر أنَّ العقل _ مَهْمَا بَلَغَ _ يَظَلُّ مُحتاجًا إلى نُورٍ أعلى ، بَيْنما يُصِرُّ دِيكارت على أنَّ في العقلِ ذَاتِه بَذْرَةَ الخَلاصِ المَعرفي .

04‏/02‏/2026

فضيحة إبستين حين تعجز الدولة عن محاسبة النخبة

 

فضيحة إبستين حين تعجز الدولة عن محاسبة النخبة

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..............

     لَم تَكُن قضية جيفري إبستين مُجرَّد فضية أخلاقية عابرة ، بل تحوَّلتْ إلى مِرْآة كاشفة لخلل عميق في بُنية العدالة داخل الدولة الحديثة ، حين تتقاطع الثروة والنفوذ مع السياسة والأمن والإعلام . والقضية _ بما حملته من اتهامات بالاتجار الجنسي بالقاصرات واستغلال النفوذ _ كشفتْ حدودَ قُدرة الدَّولة في محاسبة النخبة عندما تكون هي المُتَّهَمَة .

     مُنذ بداية التحقيقات،بدا واضحًا أنَّ إبستين لم يكن فردًا معزولًا . شبكة علاقاته شملتْ سياسيين ، ورجال أعمال ، وأكاديميين ، وشخصيات نافذة داخل مؤسسات يُفْتَرَض أنها حارسة للقانون . ومعَ ذلك ، حصل على صفقات قضائية مُخفَّفة بصورة استثنائية ، سمحتْ له بالإفلات من العقاب لسنوات،في سابقة تُقَوِّض مبدأ المُساواة أمام القانون .  هُنا لا تَكمُن الفضيحة في الجريمة وحدها ، بل في النظام الذي سَهَّلَ التغطيةَ عليها .

     تَعكِس هذه القضيةُ نمطًا مُتكررًا في أنظمة ديمقراطية تَدَّعي الشفافية ، حِين يكون المُتَّهَمُون مِنَ الداخل ، تتباطأ العدالة ، وتُفَكَّك القضايا ، وتُعاد صياغة السرديات عبر الإعلام ، ويُخْتَزَل النقاش في تفاصيل ثانوية ، بَينما يُهمَّش جَوهر المُساءلة .

     ومعَ موت إبستين في السجن في ظروف غامضة ، تحوَّلت الحقيقةُ إلى ضحية ثانية ، إذْ أُغْلِقَ باب المُحاكمة ، وبقيتْ أسماء كثيرة خارج دائرة الاتهام .

     الأخطر من ذلك أن هذا العجز لا يَبْدو تقنيًّا بِقَدْرِ ما هو بُنْيوي، فالدَّولة الحديثة _ رغم امتلاكها أجهزة رقابية وقضائية متقدمة _ تبقى أسيرة توازنات القوة . وحين تتداخل المصالح السياسية مع رأس المال ، تُصبح العدالة انتقائية ، ويَغْدو القانون أداةً تُستخدَم ضِد الضعفاء ، وتُعطَّل أمام الأقوياء . وهُنا يتآكل العَقْدُ الاجتماعي ، لأنَّ المواطن يَرى بعينيه أن القواعد لا تُطبَّق على الجميع .

     فضيحة إبستين تطرح سؤالًا جَوهريًّا:هل تستطيع الدولةُ محاسبة النُّخبة حقًّا أَمْ أنَّ النخبة بِحُكْمِ نفوذها تقف فوق الدولة ذاتها ؟. الإجابة لا تتعلق بشخص واحد ، بل بقدرة المجتمعات على فرض الشفافية ، وحماية استقلال القضاء ، وتحرير الإعلام من سَطوة المال والسياسة . من دون ذلك ، ستبقى الفضائح تُدفَن ، وتبقى العدالةُ وعدًا مُؤجَّلًا .

     لَيست فضيحة إبستين استثناءً ، بَلْ هي إنذار شديد الخُطورة ، إنذار بأنَّ دولة القانون لا تُقَاس بِنُصوص الدساتير ، بَلْ بِقُدرتها الفِعْلية على مُحاسبة الأقوياء قبل الضعفاء . وحِين تعجز عن ذلك ، تتحوَّل مِنْ حَكَمٍ عادلٍ إلى شاهدٍ صامتٍ على فسادٍ مُنظَّم ، يَدفع ثَمَنَه المُجتمعُ بأسْره .

03‏/02‏/2026

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

 

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................

     لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية ، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها . وفي الأدب ، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى .

     في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير ، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة . الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936_ 1972 ) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي ، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه . ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ ، وتَبحثُ عَن العَدالة .

     لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ . فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها ، والأسماءُ التي تتلاشى ، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز ، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ ، وتَشَظِّي هُوِيَّته . والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ . إنَّه تاريخٌ يَنْزِف ، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي .

     على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي ، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر ( 1897 _ 1962 ) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية ، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية .

     في أعماله ، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة . التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ المُتقاطعة ، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي .

     يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية : تَعَدُّد الأصوات ، الانسياب الحُر للوَعْي ، التداخل بين الماضي والحاضر . هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه ، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا ، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ . حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع .

     مِثْل كنفاني ، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية ، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ ، والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق .

     رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر ، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ :

     1_ التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي : في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة ، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط ، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع .

     2_ التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة : كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة ، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ ، لكنَّ النتيجة واحدة : جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ .

     3_ الهُوِيَّة والانتماء : في نُصوصِ الكاتبَيْن ، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة ، وهذا يُشكِّل الفردَ ، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه .

     أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي . كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم ، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه ، ومعَ الآخَرين ، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ .

     مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق ، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية . كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ ، ويَجْعله مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.

     كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية ، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية . والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا عابرة ، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ ، وذاكرةُ الشعب ، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم .

     والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان ، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة . فوكنر في جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية ، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة ، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ .

     يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية ، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ المُهَجَّرِين واللاجئين ، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية ، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ .

     وفي رِواياتِ فوكنر ، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية .

     وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث ، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.