سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا.له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

15‏/01‏/2026

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

 

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................


     يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية ، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات . وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام  ( 188 ه _ 231 ه / 803 م _ 845 م ) ، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت ( 1888 م _ 1965 م ) . وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن ، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة ، والأفكارِ المُعقَّدة ، والعواطفِ المُكثَّفة .

     أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي ، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري ، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة ، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها . وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ ، والتجديدِ في الصُّوَرِ ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي ، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية .

     اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية ، مِثْلَ : الليل ، والقَمَر ، والرِّيح ، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية ، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة. الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي ، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي ، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة . كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية ، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا ، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة ، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط .

     وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد،مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي ، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية ، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة . هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى ، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي .

     على الجانبِ الآخَرِ مِنَ التاريخِ والجُغرافيا، يَبْرُزُ تي إس إليوت شاعر الحَداثةِ في القرنِ العِشرين،الذي شَكَّلَ رمَزيةً شِعريةً مُعقَّدة ، تَنْبُعُ مِنْ صِراعِ الإنسانِ الحديثِ معَ زَمَنِه ، واغترابِ الرُّوحِ عَنْ عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ بِسُرعة . في أعمالِه نَجِدُ رَمزيةً مُتعددةَ الطَّبَقَاتِ ، حَيْثُ تتشابكُ الأساطيرُ القديمةُ معَ الواقعِ الحديثِ، وتَختلِط اللغةُ اليَوميةُ بالشِّعْريةِ الكلاسيكية، ويُولَد المَعْنى مِنْ تَصَادُمِ الأزمنةِ ، وتُصْبحُ الأمكنةُ جُسورًا للذكرياتِ والحِكايات ، ويتشابكُ الماضي مع الحاضرِ في هَمْسٍ صامت .

     اعتمدَ إليوت على الرُّموزِ لِيَعْكِسَ أزْمَةَ الإنسانِ الحديث ، مُستخدمًا صُوَرًا مألوفةً ومُعَاصِرَةً : المَدينة ، والخَرَاب ، والمَاء ، والرُّمُوز الدِّينية والأُسطورية . ومِنْ خِلال هذا التداخلِ بَيْنَ الرَّمزيِّ والواقعيِّ، صَنَعَ إليوت شُعورًا بالاغترابِ والحَنينِ ، وأتاحَ للقارئِ مَساحاتٍ واسعة للتأويلِ والتَّفْسيرِ ، وهَذا جَعَلَ النَّصَّ الشِّعْرِيَّ غنيًّا ومُتَعَدِّدَ الأبعادِ .

     وعَلى غِرَارِ أبي تَمَّام ، لَمْ يَكُنْ إليوت مُقَيَّدًا بالأُسلوبِ التقليدي ، بَل ابتكرَ أشكالًا جَديدةً مِنَ القَصيدةِ المَقْطعية ، وَدَمَجَ بَيْنَ الشِّعْرِ النَّثْرِيِّ والمُوسيقى الداخليَّةِ للكَلِمات ، مِمَّا أتاحَ له تَوظيف الرُّموزِ بشكلٍ أكثر تعقيدًا وحَداثة ، لِتُصبح تَجْرِبة القِراءةِ مُغَامَرَةً فِكْرِيَّة وجَمَالِيَّة .

     رَغْمَ الفارقِ الزمنيِّ والثقافيِّ بين أبي تَمَّام وإليوت ، إلا أنَّ هُناك نِقاطًا مُشترَكة في رُؤيتهما للشِّعْرِ الرَّمزيِّ :

     1_ التركيز على الرُّموزِ المُعقَّدة : كِلا الشاعرَيْن يَستخدمُ الرُّموزَ لَيْسَ فَقَط للزِّينةِ أو الوَصْفِ، بَلْ لِتَوصيلِ طَبَقَاتٍ مِنَ المَعْنى العَميقِ ، سواءٌ كانَ ذلك أخلاقيًّا وفلسفيًّا عِندَ أبي تَمَّام ، أوْ نَفْسِيًّا واجتماعيًّا عِندَ إليوت .

     2_ التَّجديد الأُسلوبي : أبو تَمَّام وَسَّعَ حُدودَ القصيدةِ العربيةِ التقليدية ، وإليوت كَسَرَ نَمَطَ القصيدةِ التقليديةِ الأُوروبية ، وابتكرَ تِقنيات الحداثة .

     3_ التفاعل مع القارئ : الرَّمزية عِندهما لَيْسَتْ أُحاديةَ البُعْدِ ، بَلْ تَتطلَّب مِنَ القارئِ المُشاركة الفِكرية والعاطفية لفهمِ المَعاني المَخْفِيَّة .

     أمَّا الفارقُ الأبرز ، فَهُوَ في طبيعةِ الرَّمزيةِ نَفْسِها . يَمِيلُ أبو تَمَّام إلى الرَّمزيةِ الجَمَالِيَّةِ والفِكريةِ المُرتبطةِ بالقِيَمِ العَرَبيةِ والإسلاميةِ ، بَيْنَما يَتَّجِه إليوت نَحْوَ الرَّمزيةِ التي تَعكِس أزمةَ الإنسانِ الحديثِ وتناقضاته ، مُستفيدًا مِنَ التاريخِ والأُسطورةِ والثقافة الغَرْبية .

     إنَّ التَّجديدَ الشِّعْري الرَّمْزي لَيْسَ تِقنيةً فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا فِعْلٌ وُجودي ، وَسَعْيٌ لإعادةِ تَشكيلِ اللغةِ كَيْ تَعْكِسَ أبعادَ الوَعْيِ البَشَرِيِّ . أبو تَمَّام يَستخدمُ الرَّمْزَ لِتَوسيعِ فَضَاءَاتِ الجَمَالِ والتأمُّلِ ، وإليوت يَسْتخدمُ الرَّمْزَ لِتَحليلِ الذاتِ والوُجودِ . وَالقاسمُ المُشترَكُ بَيْنَهما هُوَ القُوَّةُ التَّحْويلية للكَلِمَة التي تَتجاوزُ الصَّوْتَ والمَعْنى المُباشر،لِتَصيرَ وسيلةً لاستكشافِ الإنسانِ والزمانِ والمَكانِ. والتَّجْرِبةُ الشِّعْريةُ لِكُلٍّ مِنهما تُمثِّل حالةً فريدةً مِنَ التَّجديد،حَيْثُ استطاعا بفضلِ الرمزيةِ أنْ يُضِيفا عُمْقًا وثَرَاءً للنَّصِّ الشِّعْرِيِّ ، ويَفْتَحَا آفاقًا جديدةً أمامَ القارئِ للتفكيرِ والتأمُّل . وَسَوْفَ يَظَلُّ الشِّعْرُ الرَّمزيُّ جِسْرًا بَيْنَ الثقافات ، وَوَسيلةً خالدةً للتَّعبيرِ عَن الرُّوحِ الإنسانيَّةِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها وجَمَالياتها .

12‏/01‏/2026

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

 

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     تُعَدُّ العلاقاتُ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في السياسة الدولية خِلال العُقود الأخيرة . ومُنذ قِيام الثورة الإيرانية عام 1979 ، لَمْ تَنْفَك هذه العلاقة عن التوترات والاختلافاتِ العميقة ، سواءٌ على المُستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي . لكنْ ، في الآونة الأخيرة ، ومعَ تَصاعُد التظاهرات الشعبية في إيران ضِد النظام الحاكم ، قد تكون هُناك مَخاوف وتحليلات : هل تستغل أمريكا هذه المُظاهرات كَفُرصة لتوجيه ضَربة عسكرية لإيران ؟ .

     شهدتْ إيران في السنوات الأخيرة مَوجات مُتتالية من الاحتجاجات الشعبية ، كانَ أبرزها تِلْكَ التي اندلعتْ في عام 2022 ، احتجاجًا على وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني عَقِب إلقاء القبض عليها مِنْ قِبَل شُرطة الأخلاق التي تَتْبَع الحُكومة الإيرانية ، والتي تَحوَّلتْ إلى تظاهرات شعبية واسعة النطاق مُطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية . وَقَدْ عَبَّرَتْ هذه الاحتجاجات عن سخط واسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الإيراني ، خاصَّة في ظِلِّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والعقوبات الدولية المُستمرة .

     السياسة الأمريكية تجاه إيران محكومة بالعديد من العوامل الإستراتيجية ، ويُعتبَر البرنامج النووي الإيراني أولوية أساسية في السياسة الأمريكية في المنطقة . واشنطن تَرى في هذا البرنامج تهديدًا لأمنها القومي ولأمنِ حُلفائها ، خاصَّة إسرائيل . لذلك ، كانتْ أمريكا تعمل على احتواء إيران مِنْ خِلال العقوبات الاقتصادية والضغطِ الدُّبلوماسي ، كما سَعَتْ إلى تَحجيم نفوذها في المنطقة ، سواءٌ عبر دعم الحُلفاء أوْ مِنْ خِلال تدخلاتها العسكرية المُباشرة في بعضِ الأحيان كما حدث في العِراق وسُوريا .

     والأوضاعُ على الأرض في إيران ، وخاصَّة المُظاهرات الشعبية، قَدْ تُوفِّر لأمريكا فُرصة لاستغلال الاضطرابات الداخلية لصالحها . وَمِنَ المعروف أن التظاهرات في إيران غالبًا ما تَترافق مع دعوات لتحسين الأوضاع الاقتصادية ، إضافة إلى تَنديد بقمع الحريات وحُقوق الإنسان مِنْ قِبَل النظام الإيراني . وهذه الظروف يُمكِن أنْ تُشكِّل ضغطًا داخليًّا على الحكومة الإيرانية .

     أمريكا كانتْ قَدْ فكَّرت في إمكانية توجيه ضَربة عسكرية إلى إيران مِرَارًا ، سواءٌ في عهد الرئيس جورج بوش الابن عندما كان برنامج إيران النووي في ذروته ، أوْ حتى في عهد الرئيس باراك أوباما الذي اكتفى في نهاية المطاف بالمسار الدُّبلوماسي المتمثل في اتفاقية " خطة العمل الشاملة المشتركة " ( الاتفاق النووي الإيراني 2015 ) . لكنَّ التحولات في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة قد تعيد طرح هذا الخيار مَرَّةً أُخْرَى ، خاصَّة في ظِلِّ التوترات المُتزايدة بين طهران وواشنطن .

     إدارة الرئيس دونالد ترامب _ على سبيل المثال _ انسحبتْ من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 ، وزادتْ من الضغوط على إيران عبر سياسة الضغوط القُصوى ، التي استهدفت الاقتصاد الإيراني من خِلال فرض عقوبات مُشدَّدة ، كما قُوبلَ اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سُلَيْماني في يناير 2020 بتنديد واسع من طهران ، مِمَّا زاد من تعقيد العلاقة بين البلدين . إلا أن الوضع الحالي ، ومع انشغال أمريكا في قضايا أُخرى مثل التوترات في أوكرانيا ، والتحديات الاقتصادية الداخلية ، يَطرح تساؤلات جديدة حول ما إذا كانتْ واشنطن مستعدة لاتخاذ خُطوة عسكرية ضد إيران .

    مِن الناحة الإستراتيجية،هُناك مجموعة من العوامل التي تجعل من الضَّربة العسكرية خيارًا مَحفوفًا بالمخاطر:

     1 _ المخاطر العسكرية : أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي حتمًا إلى تصعيد هائل في المنطقة ، ويُهدِّد باندلاع صراع إقليمي واسع . إيران تتمتع بِقُدرات عسكرية قوية ، خاصَّة في مجالات الحرب بالوكالة ، حيث تُدير شبكة واسعة من الفصائل المُسلَّحة في العراق ولبنان واليمن . هذه الميليشيات يُمكِن أن تُنفِّذ هجمات انتقامية ضد مصالح أمريكية أو حُلفاء واشنطن في المنطقة .

     2 _ ردود الفِعْل الدولية : قَدْ تُؤَدِّي أيَّة خُطوة عسكرية ضد إيران إلى تصعيد الأزمة في الشرق الأوسط بشكل يُعمِّق انقسامات المجتمع الدولي . هُناك دُوَل مِثْل روسيا والصين التي تدعم إيران سياسيًّا واقتصاديًّا ، وقد تُعارض أيَّ تدخُّل عسكري أمريكي ، كما أن العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا قد يكونون حَذِرين من اتخاذ هذا النوع من الإجراءات ، نظرًا لتداعياته السلبية على الاستقرار الإقليمي .

     3_ المصالح الاقتصادية : تمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز ، وأي تصعيد عسكري قد يُؤَدِّي إلى إغلاق مضيق هرمز ، الذي يُعتبَر شِريانًا رئيسيًّا لتجارة النفط العالمية . هذا قد يُسبِّ قفزات حادَّة في أسعار النفط ، مِمَّا يُؤَثِّر بشكل غير مباشر على الاقتصاد العالمي ، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي .

     لا يُمكِن الجزم بأن أمريكا سوف تستغل المظاهرات كذريعة لضربة عسكرية ، لكنْ لا شك أن واشنطن قد تستغل هذه الاحتجاجات كأداة ضغط سياسي على النظام الإيراني . التظاهرات في إيران تشير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي ، وهذا قد يكون بِمَثابة فُرصة لأمريكا لتعزيز الدعم السياسي لِمُعارضي النظام الإيراني داخل البلاد . وهذا يشمل دعم الحركات السياسية المُعارضة ، أو زيادة الضغط على النظام مِن خِلال عقوبات اقتصادية إضافية .

09‏/01‏/2026

مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

 

مفهوم المديح بين البحتري وميلتون

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     يُعْتَبَرُ المَدِيحُ في الأدبِ شُعاعًا مُضيئًا يَكشِف طُموحاتِ الشُّعَراءِ وَقِيَمَ المُجتمعِ الذي يَعيشون فيه ، فَهُوَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تَصْطَفُّ على السُّطورِ لِتَجميلِ اسْمِ شَخْصٍ ، أوْ رَفْعِ مَقَامِه ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ تَعكِس فلسفةَ الحياةِ، وَمَوازينَ الجَمالِ والأخلاقِ التي يُقَدِّرُهَا الشاعر. والمَدِيحُ قَدْ أَخَذَ أشكالًا مُتباينة بَيْنَ الثقافاتِ والأزمنةِ، وكانَ لِكُلِّ شاعرٍ رُؤيته الخاصَّة التي تَعكِس شخصيته وبيئته الثقافية والفِكرية .

     في الشِّعْرِ العَرَبيِّ الكلاسيكي ، كانَ البُحْتُرِيُّ ( 206 ه _ 284 ه / 821 م _ 897 م ) مِنْ أبرزِ شُعراءِ المَديح. اتَّسَمَتْ أشعارُه بِدِقَّةِ اللغةِ، وعُمْقِ المَشاعرِ، وبَلاغةِ التَّصويرِ. بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، لَمْ يَكُن المَديحُ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تُزيِّن الحاكمَ أو الأميرَ ، بَلْ كانَ فَنًّا راقيًا يُبْرِزُ القِيَمَ الاجتماعيةَ والأخلاقية للمَمْدُوح . في مَدائحِه ، نَجِدُ صُورةَ الشاعرِ كَمُرَاقِبٍ للفضائل ، يَنْقُلُها بِلُغَةٍ شِعْرية تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّقَّةِ والفَخْرِ والاعتزاز ، وَيُبْرِزُ مِنْ خِلالِها البُطولةَ والشجاعةَ والكَرَم .

     البُحْتُرِيُّ يَرى في المَديحِ وَسيلةً لإعلاءِ شأنِ القِيَمِ الإنسانيةِ النبيلة ، فَهُوَ يَعكِس الدَّوْرَ الاجتماعيَّ للشاعرِ كَوَسيطٍ بَيْنَ الحُكَّامِ والمُجتمعِ . فالشاعرُ _ مِنْ خِلالِ المَديحِ _ يُصْبحُ شاهدًا على التاريخِ ، وَمُوَثِّقًا للأفعالِ العظيمة ، وَصَوْتًا يُخلِّد أسماءَ المَمْدُوحين في ذاكرةِ الأجيال .

     واللغةُ عِنْدَ البُحْتُرِيِّ لَيْسَتْ أداةً فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا آلَةٌ دَقيقة لإيصالِ الإحساسِ بالرَّهْبْةِ والجَلالِ، واستحضارِ الصُّوَرِ التي تُبهِر القارئَ أو المُستمِعَ، فَتَجْعَل مِنَ المَديحِ تَجْرِبَةً فَنِّيةً مُتكاملة، تُلبِس المَعْنى ثَوْبًا مِنَ الإيقاعِ والخَيَالِ ، فَتَغْدو القَصيدةُ فِعْلًا إبداعيًّا يُخَاطِبُ الحِسَّ والعَقْلَ .

     في الشِّعْرِ الإنجليزيِّ ، نَجِدُ تَجْرِبَةً مُختلفةً معَ المَديحِ عِندَ جون ميلتون ( 1608 م _ 1674 م ) ، شاعر الثَّورةِ الفِكرية والدينية في القَرْنِ السابعِ عَشَر . بالنِّسْبَةِ إلَيْه ، المَديحُ لَيْسَ وَسيلةً لِتَمجيدِ الحاكمِ بشكلٍ مُباشِر ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ تأمُّلِيٌّ يَعكِس القِيَمَ العُلْيا والعَدالةَ والحُرِّيةَ الرُّوحية . وَهُوَ يَرى أنَّ المَديحَ يُمكِن أنْ يَكُون أداةً أخلاقية وفلسفية ، يَتجاوزُ حُدودَ السُّلْطةِ السِّياسية ، لِيُصْبحَ رِسالةً للتَّأمُّلِ والوَعْيِ ، وَهُوَ يَمْدَحُ القِيَمَ الكَوْنِيَّةَ والجَمالَ الأخلاقيَّ، وَيَحُثُّ القارئَ على التَّفَكُّرِ في العَلاقةِ بَيْنَ الإنسانِ والخالقِ ، بَيْنَ الحَقِّ والباطلِ ، بَيْنَ الطُّموحِ والسُّقوطِ. وهُنا ، يُصْبحُ المَديحُ أداةً تَحْريرية أكثرَ مِنْ كَوْنِهِ وَسيلةً لِتَلميعِ الشخصيات ، وَهُوَ يَعكِس تَحَرُّرَ الشِّعْرِ مِنْ قُيودِ المُجامَلةِ السِّياسيةِ لِيُصْبحَ صَوْتًا أخلاقيًّا وفِكريًّا .

     رَغْمَ أنَّ البُحْتُرِيَّ وميلتون عاشا في بيئاتٍ ثقافية مُختلفة تَمامًا ، إلا أنَّ المَدِيحَ عِنْدَ كُلٍّ مِنهُما يَعكِس رُؤيةَ الشاعرِ للعَالَمِ والإنسانِ . البُحْتُرِيُّ يُمجِّد الفَرْدَ كَرَمْزٍ للقِيَمِ المُجتمعية ، ويَسْتثمر في جَمالِ اللغةِ وَصُوَرِها لِتَخليدِ أفعالِ المَمدوحِ ، بَيْنَما ميلتون يَمْدَحُ القِيَمَ نَفْسَها ، ولَيْسَ بالضَّرورةِ الأشخاص، وَيَسْتخدم المَديحَ كَوَسيلةٍ تأمُّلِيَّة تَتجاوزُ الفَرْدِيَّةَ لِتَصِلَ إلى المُثُلِ العُلْيا والعَدالةِ الإلهيَّة .

     يُعبِّر البُحْتُرِيُّ عَن المَديحِ في بُعْدِه الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، في حِينَ أنَّ ميلتون يُعبِّر عَن المَديحِ في بُعْدِه الأخلاقيِّ والفلسفيِّ . وهذا يَعكِس الفَرْقَ بَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على المُجامَلةِ ، وَبَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على الحُرِّيةِ الفِكرية . إلا أنَّ القاسمَ المُشترَك بَينهما هُوَ قُدرة الشِّعْرِ على رَفْعِ الإنسانِ إلى مَا هُوَ أسْمَى ، سَواءٌ مِنْ خِلالِ صُوَرِ البُطولةِ والشجاعةِ عِندَ البُحْتُرِيِّ ، أوْ مِنْ خِلالِ التأمُّلِ في الفَضيلةِ والعَدالةِ عِندَ ميلتون .

     إنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ ثقافية وفلسفية ، تَعكِس القِيَمَ التي يُقَدِّرُها الشاعرُ والمُجتمعُ معًا . وَبَيْنما يُركِّز البُحْتُرِيُّ على الأبعادِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ للشخصياتِ المَمْدوحة ، يُسلِّط ميلتون الضَّوْءَ على البُعْدِ الأخلاقيِّ والفلسفيِّ للمَديحِ . وهكذا نَجِدُ أنَّ المَديحَ قَدْ يَتحوَّل مِنْ وَسيلةٍ سِياسية إلى رسالةٍ إنسانية ، وَمِن احتفاءٍ بالمَظْهَرِ الخارجيِّ إلى تَمجيدٍ للجَوْهَرِ الداخليِّ، لِيَظَلَّ الشِّعْرُ دائمًا أداةً لإلهامِ الإنسانِ ، وإثراءِ رُوحِه .

     والبُحْتُرِيُّ في إطارِ الأدبِ العَرَبيِّ ، يُجسِّد المَديحَ كوسيلةٍ للتَّكريمِ الاجتماعيِّ والشخصيِّ . وميلتون في إطارِ الأدبِ الإنجليزيِّ ، يَستعمل المَديحَ كأداةٍ للتفكيرِ في المسائلِ الكَوْنِيَّةِ والوُجوديةِ . وَيَتلاقى الشاعران في جَمالِ التَّعْبيرِ وقُوَّةِ الصُّورةِ ، وَيَظَلُّ الفارقُ بَيْنَهما في المَعْنى الذي يُضْفِيانه على هَذه الأداةِ الشِّعْرية . والمَدِيحُ لَيْسَ كَلِمَات مَدْحٍ عابرة ، بَلْ هُوَ تعبيرٌ حَيٌّ عَنْ رُؤَى وَمُعْتَقَدَاتِ الشُّعوبِ ، وَلِكُلِّ شاعرٍ مَعاييرُه الخاصَّة في رَسْمِ هذا المَعْنى .

     عِندَ البُحْتُرِيِّ ، المَديحُ فَنُّ السَّيطرةِ على اللحْظَةِ ، والمَمدوحُ يَتقدَّم في القصيدةِ مَهِيبًا مُكْتَمِلًا بِلا عُيوبٍ ، والمَديحُ هُنا إيمانٌ بالجَمالِ حِينَ يَخْدُمُ القُوَّةَ ، واحتفالٌ باللغةِ حِينَ تَنْجَحُ في إخفاءِ هَشَاشَةِ الواقعِ . أمَّا ميلتون ، فَيَكتبُ المَديحَ وَهُوَ يَنظُر إلى الإنسانِ العاديِّ ، لا يُمجِّد الكَمَالَ ، بَلْ يُحَاكِمُ النَّقْصَ . مَديحُه لَيْسَ تَمْجيدًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اعتراف ، وَصَرْخَةُ رُوحٍ تَطْلُبُ الغُفْرَانَ ، وتَبْحَثُ عَنْ مَعْنى الخَلاصِ . في مَديحِ البُحْتُرِيِّ طُمَأنينةُ السُّلطةِ ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُقْنِعُ . وفي مَديحِ ميلتون قَلَقُ المَصيرِ ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُعذِّب . وبَيْنَهما يَتجلَّى المَديحُ بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا : هَلْ نَمْدَحُ العَالَمَ كَيْ نُزَيِّنَه أَمْ نُنْقِذَه ؟ .