في آب / أغسطس 2019، فجَّر الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب جدلًا دوليًّا واسعًا عندما أبدى اهتمامه بشراء جزيرة جرينلاند ،
الإقليم الذاتي التابع لمملكة الدنمارك ، في خُطوة أثارتْ موجة من السخرية والجدل
السياسي في جميع أنحاء العالم .
جرينلاند أكبر جزيرة في العالم ، تتميز
بموقع جغرافي إستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا ، وتطل على المحيط الأطلسي
والقطب الشمالي . تاريخيًّا ، كانت الجزيرة مُستعمَرة دنماركية ، ومُنِحَتْ حُكمًا
ذاتيًّا واسعًا مُنذ عام 1979 ، مع استمرار الدنمارك في السيطرة على الدفاع
والسياسةِ الخارجية . الجزيرة غنية بالموارد الطبيعية مثل المعادن النادرة ،
والنفط ، والغاز الطبيعي ، والمياه العذبة ، مِمَّا يزيد من أهميتها الإستراتيجية
على مُستوى العالم .
في سِياق الحرب الباردة ، كانت جرينلاند
موقعًا مُهِمًّا للقواعد الأمريكية ، مثل قاعدة ثول الجوية ، التي تُستخدَم في
مُراقبة الصواريخ الباليستية . هذه الخلفية تجعل أي حديث عن شراء الجزيرة أكثر من
مُجرَّد نَزوة سياسية ، فهو يتعلق بمصالح أمنية وإستراتيجية أمريكية قديمة. وترامب
المعروف بأسلوبه غير التقليدي في السياسة الخارجية ، والاهتمامِ بالصفقات
الاقتصادية الكبيرة ، اعتبرَ شراء جرينلاند فرصة اقتصادية وعسكرية للولايات
المتحدة ، وبالنسبة إليه ، فإنَّ شراء الأراضي الأجنبية ليس فِكرةً مُستحيلة .
من الناحية الدستورية والسياسية ، لا يُمكن
للرئيس الأمريكي أن يقوم بشراء أراضٍ أجنبية بشكل أُحادي . أيَّة عملية من هذا
النوع تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي ، وهو ما يجعل تنفيذ هذه الخُطوة مُعَقَّدًا
للغاية . علاوة على ذلك ، سَتُواجِه الإدارة الأمريكية مُعارَضةً دُبلوماسية قوية
من الدنمارك ، ورفضًا مُطْلَقًا من الشعب الجرينلندي ، الذي يَعتز بهويته الثقافية
، ويعتبر نفسه مُستقلًّا داخليًّا عن الدنمارك .
مُحاولة السيطرة على جرينلاند لا يمكن النظر
إليها بمعزل عن المنافسة الدولية في القطب الشمالي . روسيا والصين أبدت اهتمامًا
متزايدًا بهذه المنطقة نظرًا لمواردها الطبيعية ، والمساراتِ البحرية الجديدة
الناتجة عن ذوبان الجليد . وأيَّة مُحاولة أمريكية للاستحواذ على الجزيرة
سَتُعْتَبَر تصعيدًا جيوسياسيًّا كبيرًا ، مما قد يؤدي إلى توترات دولية غير
مسبوقة .
الدنمارك كَعُضْو في حِلْف شمال الأطلسي (
الناتو ) لها علاقات إستراتيجية قوية مع أمريكا ، وأيَّة محاولة أمريكية للسيطرة
على الجزيرة ستضر بعلاقات التحالف ، وتضع واشنطن في موقف دُبلوماسي مُحرِج أمام
الحُلَفاء الأوروبيين .
بينما كانت تصريحات ترامب حول شراء جرينلاند
تبدو جادَّة في التصريحات الإعلامية ، فإن الواقع السياسي والقانوني يجعل السيطرة
الأمريكية على الجزيرة شِبْه مُستحيلة . هناك ثلاث عقبات رئيسية :
1_ الشرعية الدولية : لا يَسْمح القانون
الدولي لأي دولة بشراء أراضٍ من دولة ذات سِيادة دون موافقتها الكاملة ، بما في
ذلك موافقة الشعب المحلي .
2_ الدستور الأمريكي : أيَّة عملية شراء
كهذه تتطلب تصديق الكونغرس الأمريكي ، وهو ما يُعْتَبَر أمرًا بعيد الاحتمال نظرًا
للطبيعة السياسية المثيرة للجدل لهذه الصفقة .
3_ الديناميات الدولية : مُواجهة ردود فِعْل
روسية وصينية قوية ، بالإضافة إلى المُعارَضة الأوروبية ، تجعل أيَّة محاولة
للاستحواذ عملية محفوفة بالمخاطر .
الحديث عن سيطرة الرئيس الأمريكي ترامب على
جزيرة جرينلاند يجب أن يُفْهَمَ أكثر كاستعراض للنفوذ الأمريكي ، والاهتمامِ
الإستراتيجي بالقُطب الشمالي ، وليس كَخُطوة عملية واقعية . وبينما يعكس هذا الطرح
رؤية ترامب الفريدة للسياسة الخارجية ، والصفقاتِ الكُبرى ، فإنَّه يظل بعيدًا عن
التطبيق العملي بسبب العوائق القانونية والدبلوماسية .
إنَّ ما تحمله هذه الفِكْرة من قيمة تحليلية
ليس في إمكانية تحقيقها ، بل في كشف العلاقات المُعقَّدة بين المصالحِ الاقتصاديةِ
والإستراتيجيةِ والسياسيةِ في العالم الحديث . جرينلاند رغم بُعْدها عن الساحة
السياسية اليومية ، تظل رمزًا للنفوذ العالمي ، والصراعاتِ المُستقبلية حول
الموارد والسيادة في منطقة القُطب الشمالي .


