سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا.له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

27‏/01‏/2026

التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

 

التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     يَقُومُ التشاؤمُ الوُجودي على رُؤيةٍ فلسفية تَتَّسم بالشُّكوكِ العميقة حَوْلَ مَعنى الحياةِ ، ووجودِ الإنسانِ في هذا العَالَم .

     يُعَدُّ أبو العَلاء المَعَرِّي ( 363 ه _ 449 ه / 973 م _ 1057 م ) واحدًا مِنْ أعظمِ شُعراءِ وفَلاسفةِ العَصْرِ العَبَّاسي ، وله بَصْمة فِكرية واضحة في الأدبِ العربيِّ والفلسفةِ .

     كانَ المَعَرِّي شخصيةً مُتفرِّدة في تفكيره ، فَقَدْ عُرِفَ عَنْد تَمَرُّدُه على الواقعِ ، وَرَفْضُه للأنظمةِ الاجتماعية التقليدية التي كانتْ تَحْكُم مُجْتَمَعَه . وفلسفته التشاؤميةُ تأثَّرَتْ بشكلٍ كبير بحياته المَليئةِ بالمُعاناةِ ، على الصَّعِيدَيْن الشخصي والثقافي .

     فَقَدَ المَعَرِّي بَصَرَه في سِن مُبكِّرة ، فكانتْ مُعاناته الجسدية والروحية سببًا رئيسيًّا لتشكيلِ نَظْرته العميقةِ والمُتشائمة تجاه الحياة . في شِعْره وأدبه ، نَجِدُ أنَّه يَتأمَّل في مَصيرِ الإنسانِ ، ويُعبِّر عَنْ يأسِه مِنَ الحياة ، ويُشيد بالمَوْتِ ، ويَعْتبره نِهايةً مأمونة مِنَ الألمِ والضَّياع . وَالحياةُ _ بالنِّسْبةِ إلَيْه _ سِلْسلة مِنَ المُعاناةِ التي لا تَنْتهي ، والإنسانُ يعيشُ في صِراعٍ مُستمر معَ نَفْسِه ، ومعَ الواقعِ الذي لا يَرْحَم . وَهُوَ يَرى الحياةَ طريقًا مَسْدودًا ، لا شَيْء فيه سِوى الهُمومِ والآلامِ التي لا مَفَرَّ مِنْها . والمَعَرِّي يُعَدُّ بذلك رمزًا للتشاؤمِ الوُجوديِّ في الأدبِ العربيِّ ، حَيْثُ يُقَاوِمُ بِشِدَّةٍ مفاهيمَ السعادةِ والخُلودِ في الحياة .

     الفَيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ( 1788 م _ 1860 ) يُعْتَبَر أحدَ أبرزِ مُمَثِّلي التشاؤم الفلسفيِّ . وَهُوَ يَعتقد أنَّ الحياة في جَوْهرها تَتَّسم بالألمِ والمُعاناة ، وأنَّ الوجودَ البشري مَحكومٌ بالألمِ المُستمر. وَقَدْ وَضَّحَ في كِتاباته كَيْفَ أنَّ الإنسان يَتمنَّى بشكلٍ دائم أنْ يَتحقق مُرادُه ، لكنَّه في النِّهاية يُصاب بالخَيبة ، فالرغباتُ لا تَتوقَّف ، وأيُّ إشباعٍ للرَّغْبة يَعْقُبُه شُعورٌ آخَر بالنقص .

     يَعْتبر شوبنهاور الحياةَ ساحة صِراعٍ دائم بَيْنَ الإرادةِ والواقعِ . فالإرادةُ البشرية لا تَشْبَعُ أبدًا ، وكُلُّ رَغْبةٍ يَتِمُّ تحقيقُها تَقُود إلى ألمٍ جديد ، وهذا الألمُ لا يَنتهي إلا بالمَوْت . إذًا ، المَوْتُ هُوَ النِّهاية الوحيدة التي تضعُ حَدًّا لهذه المُعاناة المُستمرة . هذا التشاؤمُ الوجوديُّ الذي يَراه شوبنهاور في حياته لا يَتعلَّق فَقَط بالمُعاناةِ الفَرْدية ، بَلْ يَمتدُّ لِيَشملَ الكَوْنَ بِرُمَّتِه ، الذي يَراه مليئًا بالعبثية .

     تأثَّرَ شوبنهاور بالفَلسفةِ الهندوسيةِ والبُوذية ، حَيْثُ يَعتقد أنَّ الحَلَّ الوحيد لتجاوزِ هذه المُعاناة هُوَ الانسحاب مِنَ الحياة مِنْ خِلال مُمارسةِ الزُّهْدِ والتَّأمُّلِ العميق ، ولكنْ ، حتى في هذا الحَلِّ ، يَبْقى السُّؤالُ قائمًا : هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَتخلَّص فِعْلًا مِنْ هذه الإرادةِ التي تَسْحبه نَحْوَ الألمِ ، أَمْ أنَّ الإنسانَ مَحكومٌ بالمأساةِ الوُجوديةِ إلى الأبد ؟ .

     رَغْمَ الفُروقِ الجُغْرافيةِ والفِكرية بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور، فإنَّ هُناك نِقاطًا مُشتركة بَينهما في تَصَوُّرهما للعَالَم. كِلاهُما يُشكِّك في قِيمةِ الحياةِ ، ويَعْتبرها مَليئةً بالمُعاناة . المَعَرِّي يَرى الحياةَ مَليئةً بالتفاهةِ والألم ، ويُشدِّد على فِكرةِ المَوْتِ كَحَلٍّ وحيد للانتهاء مِنَ الألم . أمَّا شوبنهاور ، فَيَرى أنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بالعَجْزِ والفشل ، ويَعكِس ذلك في فلسفته عن الإرادةِ والشَّهوةِ التي لا تَنتهي.

     كذلك ، نَجِدُ في فِكْرِ المَعَرِّي وفَلسفةِ شوبنهاور رفضًا واضحًا للمثاليةِ التي تُقَدِّمُها الأديانُ أو الأنظمةُ الاجتماعية . المَعَرِّي يَرفضُ المُعْتَقَدَاتِ الدينية السائدة في عَصْرِه ، ويُظْهِر في أعماله شُعورًا بالعَدَمِيَّة تجاه هذه المُعْتَقَدَات . وشوبنهاور ينتقد الأديانَ ، حَيْثُ اعتبرَ أنَّ الوَعْدَ بالخَلاصِ الدِّينيِّ هُوَ وَهْمٌ ومَلاذٌ للتَّهَرُّبِ مِنْ مُواجهةِ حقيقةِ المُعاناة .

     وعلى الرَّغْمِ مِنْ هذه التشابهات ، هُناك فَرْقَ جَوْهري بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور في تفسيرِهما للألَمِ والوُجودِ . المَعَرِّي يَرى في المَوْتِ نِهايةً مُريحة للمُعاناة ، لذلك يَعْتبره جُزْءًا مِنْ دَورةِ الحياةِ الطبيعية ، بَينما شوبنهاور يَرى في الألَمِ جُزْءًا مِنْ طبيعةِ الحياةِ التي لا يُمكِن الهُروب مِنها بشكلٍ كامل إلا عَنْ طريقِ رفض الرَّغَبَاتِ ، والعَيْشِ في حالةٍ مِنَ الزُّهْدِ ، أو الانسحابِ التام مِنَ الواقع .

     يَلْتقي المَعَرِّي وشوبنهاور عِنْدَ مُفْتَرَقِ التشاؤمِ الوُجوديِّ ، بِوَصْفِهِ مَوقفًا مَعْرفيًّا مِنَ العَالَمِ . فالحياةُ عِندهما تَجْرِبة مُثْقَلَة بالألمِ ، والعقلُ مِرْآتها الصافية التي تَكشِف خِدَاعَ اللذةِ ، وَوَهْمَ الخَلاصِ السَّهْلِ . إلا أنَّ المَعَرِّي _ ابن العُزلةِ والزُّهْدِ _ يَرى التشاؤمَ ثَمَرَةَ وَعْيٍ أخلاقيٍّ صارم ، إذْ يُخَاصِم العَالَمَ لا لِيَهْدِمَه، بَلْ لِيُحاكمه بِلُغَةِ الشَّكِّ، فَيَنتهي إلى التَّقَشُّفِ الذي يُخفِّف أذى الوُجودِ بالانصرافِ عَنْه . أمَّا شوبنهاور فَيُؤسِّس تشاؤمه على ميتافيزيقا الإرادةِ العَمْياء، حَيْثُ الألَم قانون كَوْني ، والرَّغْبَة أصْلُ الشقاء ، ولا مَفَرَّ إلا بِتَعليقِ الإرادةِ عَبْرَ الفَنِّ والتَّأمُّلِ .

     ويَتقاطعُ المَعَرِّي وشوبنهاور في نقدِ التفاؤلِ الساذَجِ ، وتَعْريةِ خِطابِ السَّعادةِ السريعة . المَعَرِّي يُقَوِّضُ مُسلَّمات عَصْرِه بالشِّعْرِ ، ويَسْتبدل اليقينَ بالتساؤل، بَينما يُشيِّد شوبنهاور نَسَقًا فلسفيًّا صارمًا يَجْعل التشاؤمَ نتيجةً مَنطقية للمَعْرفة . وكِلاهُما يَرفضُ التصالحَ السَّهْلَ معَ العَالَم ، ويَقْترح بَدَلًا مِنْه تهذيبًا للوَعْي . وهَكذا يَغْدو التشاؤمُ الوجوديُّ عِندهما فضيلةً فِكرية لا هُروبًا .

     إنَّ الألمَ جُزْءٌ مِنَ الحياة ، لكنَّ الأملَ يَكْمُن في قُدرةِ الإنسانِ على التفكير ، والنَّقْدِ ، والتحليل ، حَتَّى وإنْ كانَ في مُواجهةٍ معَ المُعاناةِ الوُجودية التي لا مَفَرَّ مِنها .

15‏/01‏/2026

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

 

التجديد الشعري الرمزي بين أبي تمام وإليوت

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

......................


     يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية ، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات . وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام  ( 188 ه _ 231 ه / 803 م _ 845 م ) ، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت ( 1888 م _ 1965 م ) . وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن ، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة ، والأفكارِ المُعقَّدة ، والعواطفِ المُكثَّفة .

     أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي ، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري ، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة ، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها . وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ ، والتجديدِ في الصُّوَرِ ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي ، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية .

     اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية ، مِثْلَ : الليل ، والقَمَر ، والرِّيح ، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية ، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة. الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي ، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي ، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة . كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية ، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا ، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة ، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط .

     وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد،مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي ، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية ، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة . هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى ، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي .

     على الجانبِ الآخَرِ مِنَ التاريخِ والجُغرافيا، يَبْرُزُ تي إس إليوت شاعر الحَداثةِ في القرنِ العِشرين،الذي شَكَّلَ رمَزيةً شِعريةً مُعقَّدة ، تَنْبُعُ مِنْ صِراعِ الإنسانِ الحديثِ معَ زَمَنِه ، واغترابِ الرُّوحِ عَنْ عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ بِسُرعة . في أعمالِه نَجِدُ رَمزيةً مُتعددةَ الطَّبَقَاتِ ، حَيْثُ تتشابكُ الأساطيرُ القديمةُ معَ الواقعِ الحديثِ، وتَختلِط اللغةُ اليَوميةُ بالشِّعْريةِ الكلاسيكية، ويُولَد المَعْنى مِنْ تَصَادُمِ الأزمنةِ ، وتُصْبحُ الأمكنةُ جُسورًا للذكرياتِ والحِكايات ، ويتشابكُ الماضي مع الحاضرِ في هَمْسٍ صامت .

     اعتمدَ إليوت على الرُّموزِ لِيَعْكِسَ أزْمَةَ الإنسانِ الحديث ، مُستخدمًا صُوَرًا مألوفةً ومُعَاصِرَةً : المَدينة ، والخَرَاب ، والمَاء ، والرُّمُوز الدِّينية والأُسطورية . ومِنْ خِلال هذا التداخلِ بَيْنَ الرَّمزيِّ والواقعيِّ، صَنَعَ إليوت شُعورًا بالاغترابِ والحَنينِ ، وأتاحَ للقارئِ مَساحاتٍ واسعة للتأويلِ والتَّفْسيرِ ، وهَذا جَعَلَ النَّصَّ الشِّعْرِيَّ غنيًّا ومُتَعَدِّدَ الأبعادِ .

     وعَلى غِرَارِ أبي تَمَّام ، لَمْ يَكُنْ إليوت مُقَيَّدًا بالأُسلوبِ التقليدي ، بَل ابتكرَ أشكالًا جَديدةً مِنَ القَصيدةِ المَقْطعية ، وَدَمَجَ بَيْنَ الشِّعْرِ النَّثْرِيِّ والمُوسيقى الداخليَّةِ للكَلِمات ، مِمَّا أتاحَ له تَوظيف الرُّموزِ بشكلٍ أكثر تعقيدًا وحَداثة ، لِتُصبح تَجْرِبة القِراءةِ مُغَامَرَةً فِكْرِيَّة وجَمَالِيَّة .

     رَغْمَ الفارقِ الزمنيِّ والثقافيِّ بين أبي تَمَّام وإليوت ، إلا أنَّ هُناك نِقاطًا مُشترَكة في رُؤيتهما للشِّعْرِ الرَّمزيِّ :

     1_ التركيز على الرُّموزِ المُعقَّدة : كِلا الشاعرَيْن يَستخدمُ الرُّموزَ لَيْسَ فَقَط للزِّينةِ أو الوَصْفِ، بَلْ لِتَوصيلِ طَبَقَاتٍ مِنَ المَعْنى العَميقِ ، سواءٌ كانَ ذلك أخلاقيًّا وفلسفيًّا عِندَ أبي تَمَّام ، أوْ نَفْسِيًّا واجتماعيًّا عِندَ إليوت .

     2_ التَّجديد الأُسلوبي : أبو تَمَّام وَسَّعَ حُدودَ القصيدةِ العربيةِ التقليدية ، وإليوت كَسَرَ نَمَطَ القصيدةِ التقليديةِ الأُوروبية ، وابتكرَ تِقنيات الحداثة .

     3_ التفاعل مع القارئ : الرَّمزية عِندهما لَيْسَتْ أُحاديةَ البُعْدِ ، بَلْ تَتطلَّب مِنَ القارئِ المُشاركة الفِكرية والعاطفية لفهمِ المَعاني المَخْفِيَّة .

     أمَّا الفارقُ الأبرز ، فَهُوَ في طبيعةِ الرَّمزيةِ نَفْسِها . يَمِيلُ أبو تَمَّام إلى الرَّمزيةِ الجَمَالِيَّةِ والفِكريةِ المُرتبطةِ بالقِيَمِ العَرَبيةِ والإسلاميةِ ، بَيْنَما يَتَّجِه إليوت نَحْوَ الرَّمزيةِ التي تَعكِس أزمةَ الإنسانِ الحديثِ وتناقضاته ، مُستفيدًا مِنَ التاريخِ والأُسطورةِ والثقافة الغَرْبية .

     إنَّ التَّجديدَ الشِّعْري الرَّمْزي لَيْسَ تِقنيةً فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا فِعْلٌ وُجودي ، وَسَعْيٌ لإعادةِ تَشكيلِ اللغةِ كَيْ تَعْكِسَ أبعادَ الوَعْيِ البَشَرِيِّ . أبو تَمَّام يَستخدمُ الرَّمْزَ لِتَوسيعِ فَضَاءَاتِ الجَمَالِ والتأمُّلِ ، وإليوت يَسْتخدمُ الرَّمْزَ لِتَحليلِ الذاتِ والوُجودِ . وَالقاسمُ المُشترَكُ بَيْنَهما هُوَ القُوَّةُ التَّحْويلية للكَلِمَة التي تَتجاوزُ الصَّوْتَ والمَعْنى المُباشر،لِتَصيرَ وسيلةً لاستكشافِ الإنسانِ والزمانِ والمَكانِ. والتَّجْرِبةُ الشِّعْريةُ لِكُلٍّ مِنهما تُمثِّل حالةً فريدةً مِنَ التَّجديد،حَيْثُ استطاعا بفضلِ الرمزيةِ أنْ يُضِيفا عُمْقًا وثَرَاءً للنَّصِّ الشِّعْرِيِّ ، ويَفْتَحَا آفاقًا جديدةً أمامَ القارئِ للتفكيرِ والتأمُّل . وَسَوْفَ يَظَلُّ الشِّعْرُ الرَّمزيُّ جِسْرًا بَيْنَ الثقافات ، وَوَسيلةً خالدةً للتَّعبيرِ عَن الرُّوحِ الإنسانيَّةِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها وجَمَالياتها .

12‏/01‏/2026

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

 

هل تستغل أمريكا مظاهرات إيران لتوجيه ضربة عسكرية لها ؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................

     تُعَدُّ العلاقاتُ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في السياسة الدولية خِلال العُقود الأخيرة . ومُنذ قِيام الثورة الإيرانية عام 1979 ، لَمْ تَنْفَك هذه العلاقة عن التوترات والاختلافاتِ العميقة ، سواءٌ على المُستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي . لكنْ ، في الآونة الأخيرة ، ومعَ تَصاعُد التظاهرات الشعبية في إيران ضِد النظام الحاكم ، قد تكون هُناك مَخاوف وتحليلات : هل تستغل أمريكا هذه المُظاهرات كَفُرصة لتوجيه ضَربة عسكرية لإيران ؟ .

     شهدتْ إيران في السنوات الأخيرة مَوجات مُتتالية من الاحتجاجات الشعبية ، كانَ أبرزها تِلْكَ التي اندلعتْ في عام 2022 ، احتجاجًا على وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني عَقِب إلقاء القبض عليها مِنْ قِبَل شُرطة الأخلاق التي تَتْبَع الحُكومة الإيرانية ، والتي تَحوَّلتْ إلى تظاهرات شعبية واسعة النطاق مُطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية . وَقَدْ عَبَّرَتْ هذه الاحتجاجات عن سخط واسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الإيراني ، خاصَّة في ظِلِّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والعقوبات الدولية المُستمرة .

     السياسة الأمريكية تجاه إيران محكومة بالعديد من العوامل الإستراتيجية ، ويُعتبَر البرنامج النووي الإيراني أولوية أساسية في السياسة الأمريكية في المنطقة . واشنطن تَرى في هذا البرنامج تهديدًا لأمنها القومي ولأمنِ حُلفائها ، خاصَّة إسرائيل . لذلك ، كانتْ أمريكا تعمل على احتواء إيران مِنْ خِلال العقوبات الاقتصادية والضغطِ الدُّبلوماسي ، كما سَعَتْ إلى تَحجيم نفوذها في المنطقة ، سواءٌ عبر دعم الحُلفاء أوْ مِنْ خِلال تدخلاتها العسكرية المُباشرة في بعضِ الأحيان كما حدث في العِراق وسُوريا .

     والأوضاعُ على الأرض في إيران ، وخاصَّة المُظاهرات الشعبية، قَدْ تُوفِّر لأمريكا فُرصة لاستغلال الاضطرابات الداخلية لصالحها . وَمِنَ المعروف أن التظاهرات في إيران غالبًا ما تَترافق مع دعوات لتحسين الأوضاع الاقتصادية ، إضافة إلى تَنديد بقمع الحريات وحُقوق الإنسان مِنْ قِبَل النظام الإيراني . وهذه الظروف يُمكِن أنْ تُشكِّل ضغطًا داخليًّا على الحكومة الإيرانية .

     أمريكا كانتْ قَدْ فكَّرت في إمكانية توجيه ضَربة عسكرية إلى إيران مِرَارًا ، سواءٌ في عهد الرئيس جورج بوش الابن عندما كان برنامج إيران النووي في ذروته ، أوْ حتى في عهد الرئيس باراك أوباما الذي اكتفى في نهاية المطاف بالمسار الدُّبلوماسي المتمثل في اتفاقية " خطة العمل الشاملة المشتركة " ( الاتفاق النووي الإيراني 2015 ) . لكنَّ التحولات في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة قد تعيد طرح هذا الخيار مَرَّةً أُخْرَى ، خاصَّة في ظِلِّ التوترات المُتزايدة بين طهران وواشنطن .

     إدارة الرئيس دونالد ترامب _ على سبيل المثال _ انسحبتْ من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 ، وزادتْ من الضغوط على إيران عبر سياسة الضغوط القُصوى ، التي استهدفت الاقتصاد الإيراني من خِلال فرض عقوبات مُشدَّدة ، كما قُوبلَ اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سُلَيْماني في يناير 2020 بتنديد واسع من طهران ، مِمَّا زاد من تعقيد العلاقة بين البلدين . إلا أن الوضع الحالي ، ومع انشغال أمريكا في قضايا أُخرى مثل التوترات في أوكرانيا ، والتحديات الاقتصادية الداخلية ، يَطرح تساؤلات جديدة حول ما إذا كانتْ واشنطن مستعدة لاتخاذ خُطوة عسكرية ضد إيران .

    مِن الناحة الإستراتيجية،هُناك مجموعة من العوامل التي تجعل من الضَّربة العسكرية خيارًا مَحفوفًا بالمخاطر:

     1 _ المخاطر العسكرية : أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي حتمًا إلى تصعيد هائل في المنطقة ، ويُهدِّد باندلاع صراع إقليمي واسع . إيران تتمتع بِقُدرات عسكرية قوية ، خاصَّة في مجالات الحرب بالوكالة ، حيث تُدير شبكة واسعة من الفصائل المُسلَّحة في العراق ولبنان واليمن . هذه الميليشيات يُمكِن أن تُنفِّذ هجمات انتقامية ضد مصالح أمريكية أو حُلفاء واشنطن في المنطقة .

     2 _ ردود الفِعْل الدولية : قَدْ تُؤَدِّي أيَّة خُطوة عسكرية ضد إيران إلى تصعيد الأزمة في الشرق الأوسط بشكل يُعمِّق انقسامات المجتمع الدولي . هُناك دُوَل مِثْل روسيا والصين التي تدعم إيران سياسيًّا واقتصاديًّا ، وقد تُعارض أيَّ تدخُّل عسكري أمريكي ، كما أن العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا قد يكونون حَذِرين من اتخاذ هذا النوع من الإجراءات ، نظرًا لتداعياته السلبية على الاستقرار الإقليمي .

     3_ المصالح الاقتصادية : تمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز ، وأي تصعيد عسكري قد يُؤَدِّي إلى إغلاق مضيق هرمز ، الذي يُعتبَر شِريانًا رئيسيًّا لتجارة النفط العالمية . هذا قد يُسبِّ قفزات حادَّة في أسعار النفط ، مِمَّا يُؤَثِّر بشكل غير مباشر على الاقتصاد العالمي ، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي .

     لا يُمكِن الجزم بأن أمريكا سوف تستغل المظاهرات كذريعة لضربة عسكرية ، لكنْ لا شك أن واشنطن قد تستغل هذه الاحتجاجات كأداة ضغط سياسي على النظام الإيراني . التظاهرات في إيران تشير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي ، وهذا قد يكون بِمَثابة فُرصة لأمريكا لتعزيز الدعم السياسي لِمُعارضي النظام الإيراني داخل البلاد . وهذا يشمل دعم الحركات السياسية المُعارضة ، أو زيادة الضغط على النظام مِن خِلال عقوبات اقتصادية إضافية .