سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

14‏/09‏/2026

ذاكرة التاريخ الجريحة بين حجي جابر وبرنهارد شلينك

 

ذاكرة التاريخ الجريحة بين حجي جابر وبرنهارد شلينك

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.

     ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.

     من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر ( وُلد 1976 ) إلى جانب تجربة الروائي الألماني برنهارد شلينك ( وُلد 1944 ). كاتبان يأتي كُل واحد منهما من جغرافيا مختلفة، وتاريخٍ شديد الخصوصية، وذاكرةٍ جماعية ليست هي ذاكرة الآخَر. ومعَ ذلك، ثمَّة خيط خفي يجمع بينهما، كلاهما يعرف أنَّ الماضي ليس ماضيًا تمامًا، وأنَّ ما حدث ذات يوم يستطيع أن يواصل حياتَه داخل الأحياء، وأنَّ الإنسان قد يرثُ تاريخًا لَم يصنعه، ثم يقضي عُمره كُلَّه في محاولة فهم ما الذي يفعله به هذا الإرث.

     حجي جابر يقترب من التاريخ من جهة الذاكرة الأفريقية والإريترية، ومن جهة المنفى والهُوية والاقتلاع والبحث عن وطن يبدو قريبًا في الخيال، وبعيدًا في الواقع.

     أمَّا شلينك فيدخل إلى التاريخ الألماني من باب آخَر، باب المسؤولية والذنب والصمت، وما تفعله الجرائم الكبرى حين تنتقل من جيل إلى جيل، وتصل إلى أولئك الذين لَم يرتكبوها.

     يحبُّ الناسُ أن يتعاملوا معَ التاريخ باعتباره شيئًا انتهى. يضعون له التواريخ، ويُرتِّبون أحداثَه، ويحفظون أسماءَ مراحله، ثم ينتقلون إلى الحاضر كأنَّ الماضي غرفة أُغلقتْ بالمفتاح. لكنَّ الرواية تعرف أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة.

     الماضي لا يغادرنا لأنَّنا نُقَرِّر أنَّه غادرَ. قد يختبئ، وندفنه تحت طبقات من النسيان، ونتعلَّم كيف نتحدث عن أشياء أُخرى، وتنشغل الأجيالُ الجديدة بحياتها اليومية، لكنَّ شيئًا ما يبقى في الداخل. كلمة، أو صورة، أو رائحة، أو اسم مدينة، أو حكاية ناقصة، أو خوف غامض، أو صمت عائلي لا نفهم سببَه. وهُنا تبدأ الرواية.

     حجي جابر يعرف هذه المنطقة جيدًا. في عالَمه الروائي لا تبدو الهُوية بطاقة تعريف بسيطة، ولا يكون الوطنُ مكانًا جغرافيًّا يمكن الإشارة إليه على الخريطة ثم الانتهاء من الأمر. الوطن تجربة نفسية، وذاكرة، ولغة، وفقدان، وسؤال مؤلم، ماذا يبقى من الإنسان حين يُنْتَزَع من المكان الذي كان يظنُّه جزءًا من تعريفه لنفسه؟.

     في المقابل، يذهب شلينك إلى سؤال آخر، لكنَّه لا يقلُّ قسوةً، ماذا يحدث حين يكون الماضي الذي نرثُه مرتبطًا بجريمة تاريخية؟، هل يكفي أن نقول: لَم نفعل شيئًا؟، وهل يستطيع جيل لَم يرتكب الجريمة أن يعيش خارج ظِلِّها؟، وما هي حدود المسؤولية؟، ومتى يتحول الاعترافُ بالذنب إلى عبء لا يعرف صاحبُه كيف يَحمله؟. هُنا يصبح التاريخُ أشبه بأب غائب، لكنَّه حاضر في كل شيء. لا نراه، لكنه يحدد كثيرًا من تفاصيل حياتنا.

     في تجربة حجي جابر، تبدو الجغرافيا في كثير من الأحيان أقل ثباتًا مِمَّا نظن. الإنسانُ قد يَعبر الحدودَ، لكن الحدود لا تَعبره بالضرورة. وقد يغادر المكانَ، لكنه لا يستطيع أن يغادر ما صنعه المكان فيه. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تجربة المنفى، أن تصل إلى مكان جديد بجسدك، بينما تظلُّ رُوحك مُعلَّقة في مكان آخر.

     ليس المنفى مُجرَّد انتقال من بلد إلى بلد، إنَّه اضطراب في العلاقة بين الإنسان وذاكرته. فجأةً، تصبح الأشياءُ التي كانت عادية ثمينة. والشوارعُ القديمة تتحوَّل إلى أساطير شخصية، والأسماء التي لم نكن نلتفت إليها تصبح أبوابًا لزمن كامل. واللغة تصبح مأوى، وتتحوَّل في الوقت نفسه إلى تذكير دائم بما فُقد.

     عند حجي جابر، لا يظهر التاريخُ بوصفه محاضرةً سياسية، بلْ بوصفه أثرًا على مصائر الأفراد. الروايةُ لا تقول لنا فقط إنَّ بلدًا عاش الحربَ أو الاستعمار أو القمع أو الانقسام. الروايةُ الحقيقية تسأل: ماذا فعل كُلُّ ذلك بامرأةٍ واحدة، أو برجلٍ واحد، أو بعائلة، أو بطفل، أو بحبيب، أو بإنسان وجد نفسه ذات صباح مضطرًا إلى أن يختار بين ذاكرته وحياته؟. هُنا تتحول الأحداث الكبرى إلى تفاصيل صغيرة، وهذه التفاصيل هي التي تؤلم.

     والإنسانُ لا يعيش التاريخ في الكتب، بل يعيشه في الأشياء اليومية، في حقيبة سفر، أو اسم مُستعار، أو صورة قديمة، أو رسالة لَم تصل، أو شخص لَم يعد، أو بيت لا يستطيع صاحبُه العودةَ إليه، أو وطن صار أكثر حضورًا كلما ابتعد عنه الإنسان. لذلك تبدو رواية حجي جابر، في جوهرها، محاولة للإنصات إلى الإنسان حين يصبح الوطنُ سؤالًا بدل أن يكون جوابًا.

     وإذا كان حجي جابر يكتب كثيرًا عن التاريخ من جهة مَن اقْتُلِعُوا منه، أو وَجدوا أنفسهم في مواجهته، فإنَّ شلينك يقترب منه من جهة أُخرى، من جهة الذين ورثوا تاريخًا مثقلًا بالعارِ والمسؤولية، حيث يَحمل الأبناءُ خطايا الآباء. وهذه زاوية شديدة التعقيد، فالجيلُ اللاحق لا يستطيع أن يتحمل المسؤوليةَ عن جريمة لَم يرتكبها، لكنَّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتصرف كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث.هُنا ينشأ السؤالُ الأخلاقي المُربك:ما علاقة الإنسان بما فعله أسلافُه؟.

     رُبَّما يقول العقل: لا علاقة له، لكن الذاكرة تقول: هُناك علاقة. ليس لأنَّ الابن مذنب بما فعله الأب، وإنما لأنَّ الماضي دخل بالفعل في تشكيل العالَم الذي يعيش فيه الابن. لقد تركت الجريمةُ وراءها قوانين وخرابًا وصمتًا وعلاقات مكسورة، وَرُبَّما تركتْ أيضًا طريقة في النظر إلى الذات والآخَر. ومِن هُنا تصبح مواجهة الماضي فِعلًا أخلاقيًّا، وليس اهتمامًا بالتاريخ فحسب.

     شلينك لا يترك شخصياته في منطقة مريحة، لا يمنحها أجوبة سهلة، إنَّه يدفعها إلى مواجهة الأسئلة التي نُفَضِّل عادةً أن نهرب منها: هل الحُب قادر على تجاوز التاريخ؟، وهل المعرفة تُبرِّئنا أمْ تُعذِّبنا؟، وهل الاعتراف يكفي، وهل يمكن أن يكون الإنسان في الوقت نفسه ضحيةً وجلادًا، أو مُحِبًّا ومشاركًا في الصمت، أو بريئًا من الفعل لكنَّه متورط في نتائجه؟. إنها أسئلة لا تنتهي، لأن التاريخ لا يُقَدِّم لها نهاية نظيفة.

     هناك فرقٌ عميق بين أن نتذكر وأن نفهم. قد نتذكر شيئًا سنوات طويلة دون أن نعرف كيف نضعه في مكانه الصحيح داخل حياتنا. الذاكرةُ ليست أرشيفًا محايدًا، إنها كائن حي، تنتقي، وتُخفي، وتُضخِّم، وتنسى، وتستعيد ما ظنناه مات، وقد تفعل ذلك كُلَّه دون إذن مِنَّا. وهذا ما يجعل التعاملَ معَ الذاكرة في الأدب شديد الحساسية.

     عند حجي جابر، تتحوَّل الذاكرةُ إلى محاولة لاستعادة معنى ما، ورُبَّما لاستعادة ذات تاهتْ بين الأمكنة والتاريخ والتحولات. وعند شلينك، تتحول الذاكرةُ إلى محكمة داخلية لا يعرف الإنسانُ كيف يخرج مِنها.

     في التجربتين، هُناك رغبة في العدالة، لكنَّ الأدب لا يُقَدِّم العدالةَ بطريقة قانونية. إنَّه يبحث عن عدالة أُخرى، عدالة أن يُروَى ما حدث، ويُسمَع صوت مَن لَم يَسمعه أحد، ونعرف أنَّ وراء الحدث الكبير إنسانًا صغيرًا كان يعيش يَوْمَه، ويُحب، ويخاف، ويَحلم، ثم جاء التاريخ، وأفسدَ عليه ترتيبَ الأشياء.

     مِن السهل أن نقول إنَّ علينا مواجهة الماضي، لكن ماذا يعني ذلك فِعلًا؟. هل يكفي أن نعترف بأنَّ الماضي كان مؤلمًا؟، وهل يكفي أن نُسمِّي الجريمةَ باسمها؟، وهل تكفي الكُتب والمتاحف والنُّصب التذكارية؟. الجُرحُ التاريخي ليس جُرحًا في ورقة، إنَّه جُرح في أشخاص.

     حين يكتب حجي جابر عن آثار التاريخ في الوجود الإريتري، وحين يضع شلينك الإنسانَ أمام ثقل الماضي الألماني، فإنَّهما لا يتعاملان معَ الذاكرة باعتبارها واجبًا ثقافيًّا فحسب، بل باعتبارها اختبارًا للإنسان.

     ماذا نفعل بما نعرفه؟. هذا واحد من أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرحها الرواية. المعرفةُ ليست بريئةً دائمًا. حين نعرف، يصبح علينا أن نعيد النظرَ في أشياء كثيرة، في أنفسنا وعائلاتنا وبلادنا، والصورةِ التي صنعناها عن الخير والشر، والقصصِ التي اعتدنا أن نُصدِّقها دون أن نسأل مَن الذي كتبها ومَن الذي غاب عنها.

     وهُنا يصبح الأدبُ خطرًا بطريقة جميلة، إنَّه يزعزع الروايةَ المريحة، ويمنعنا من تحويل الضحية إلى رمز جامد. التاريخُ الرسمي يُحب الأرقام، والروايةُ تُحب الوجوه، والتاريخ يقول: مات الآلاف، والرواية تسأل: كيف عاش واحد منهم يومَه الأخير؟، والتاريخ يقول: هاجرَ الناسُ، والرواية تسأل: ماذا حدث للأم التي أغلقتْ بابَ بيتها وهي لا تعرف إن كانت ستراه مَرَّةً أُخرى؟، والتاريخ يقول: وقعت الجريمة، والرواية تسأل: ماذا حدث بعد ذلك داخل رأس الشخص الذي عرف الحقيقةَ متأخرًا؟. وهذه النقلة من الرقم إلى الإنسان هي إحدى أعظم وظائف الأدب.

     حجي جابر لا يترك الذاكرةَ في مستوى الشعارات. حين يقترب من الوطنِ والاقتلاع والهُوية، فإنَّه يجعل هذه المفاهيم تمرُّ عبر الجسدِ والحياة اليومية. وشلينك، من جهته، لا يسمح للذنب التاريخي بأن يبقى مفهومًا مُجَرَّدًا، يضعه داخل علاقات بشرية، داخل الحُبِّ والأسرة والصداقة والرغبة والشك. كأنَّهما يقولان لنا بطريقة مختلفة: التاريخُ لا يؤلم لأنه حدث فقط، بلْ لأنه حدث لأشخاص. واختلافُ الجُرح لا يلغي وحدةَ الإنسان.

     إنَّ تجربة الاستعمار والاقتلاع والهُوية والمنفى ليست هي تجربة مواجهة إرث النازية والذنبِ التاريخي. لكلِّ مجتمع ذاكرته، ولكلِّ جُرح لغته، ولكلِّ ضحية سياقها، ولكلِّ تاريخ شروطه التي لا يجوز محوها باسم التشابه.

     ومعَ ذلك، فإنَّ الإنسان يظلُّ هو الحَلْقة التي تصل بين التجارب. الخوفُ واحد حين يدخل الجسد، والفقدُ واحد حين يصبح الغائب حاضرًا في كل شيء، والحنينُ واحد حين يتحوَّل المكانُ إلى شيء لا يمكن الوصول إليه، والعارُ واحد حين يكتشف الإنسانُ أن الصورة التي حملها عن نفسه ليست كاملة. لهذا يمكن للأدب أن يَعبر الحدودَ التي لا تستطيع السياسةُ عبورها بسهولة.

     من أكثر الأسئلة إلحاحًا في أدب الذاكرة سؤالُ الأجيال.ماذا يفعل الأبناءُ بتاريخ لَم يصنعوه؟، وهل يحق لهم أن يبدؤوا من الصفر؟، رُبَّما لا يوجد بدء من الصفر أصلًا.

     كُلُّ جيل يصل إلى العالَم ولديه أشياء لَم يخترها: لغة، وعائلة، وبلد، وذاكرة، ومعتقدات، وصور عن الآخَر، ومخاوف قديمة، وأسرار.

     وهُنا يلتقي حجي جابر وشلينك، رغم اختلاف المسارات، في منطقة شديدة الحساسية: الإنسان ليس ابن الحاضر وحده. إنَّه ابنُ ما سبقه أيضًا، لكن أن تكون ابنًا للتاريخ لا يعني أن تكون أسيرَه، وهذا هو التحدي الحقيقي، أن نتذكر دون أن نتحول إلى سجناء للذاكرة، ونعترف بالماضي دون أن نُقَدِّسَه، ونُحاسِب دون أن نرثَ الكراهية، ونحب الوطنَ دون أن نُحوِّله إلى صنم، ونعرف الجريمةَ دون أن نعيش إلى الأبد داخل دور الجلاد أو الضحية. هذه الموازنة صعبة، لهذا تبدو الرواية المكان الأنسب لطرحها. الروايةُ لا تحتاج إلى إصدار حُكم نهائي، يكفيها أن تتركنا أمام السؤال.

     في عالَم شلينك، يصبح الصمتُ شيئًا لا يقل أهمية عن الكلام. وفي تجربة حجي جابر، لا تكون الأشياءُ التي لا تُقَال أقل حضورًا من الأشياء التي تُقَال.

     والصمتُ ليس فراغًا، أحيانًا يكون الصمتُ أكثر الأشياء امتلاءً، لأنه يَحمل ما لم نستطع قولَه، أو ما لم نرد قولَه، أو ما لم نَعرف كيف نقوله، لهذا تبدو الروايةُ كأنها عملية تفكيك لهذا الصمت المتراكم.

     شلينك يجعل المسؤوليةَ الأخلاقية حاضرة حتى حين يصبح تحديدها مُعَقَّدًا، وحجي جابر يَجعل آثارَ الماضي قائمة حتى حين يحاول الإنسانُ أن يجد لنفسه مكانًا جديدًا في الحياة.

     حجي جابر وشلينك لا يكتبان كَي يمنحا القارئَ راحةً سهلة، إنهما يضعانه أمام تاريخ غير مريح، وأسئلةٍ لا يمكن الإجابة عنها بجملة واحدة. والروايةُ ليست عيادةً تعطي الماضي دواءً، إنها غرفة يضيء فيها القارئُ مصباحًا، وينظر إلى ما كان يخاف أن يَراه.

     حين يعطي حجي جابر مساحة للذاكرة الإريترية، فإنه لا يكتب عن بلد فحسب، بل يفتح نافذةً على إنسان قد لا يجد مكانَه في الرواية الكبرى التي تكتبها السياسة.

     وحين يعيد شلينك فتحَ ملفات الماضي الألماني داخل العلاقات الشخصية، فإنه يُذكِّرنا بأن التاريخ لا ينتهي حين تنتهي المحاكم. هناك محاكم أُخرى: الضمير والذاكرة والعلاقات الإنسانية.

11‏/09‏/2026

شعر المنصات والجماهير بين محمد إبراهيم ورسمي ويفغيني يفتوشينكو

 

شعر المنصات والجماهير بين محمد إبراهيم ورسمي ويفغيني يفتوشينكو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

................


     هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان، للوهلة الأُولَى، بعيدتين كُلَّ البُعد، تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي ( 1943_ 2022 ) المعروف باسم هدراوي ، وتجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو (1932_ 2017 ). أحدهما خرج من فضاء القرن الأفريقي، حيث للكلمة المنطوقة وزنٌ هائل في الثقافة الشفوية، والآخر خرج من روسيا السوفييتية في زمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصبح حدثًا عامًّا، وأن يتحوَّل الشاعرُ إلى ظاهرة جماهيرية.

     ومعَ ذلك، حين نضع الشاعرَيْن جنبًا إلى جنب، نشعر بأن بينهما قرابة خفيَّة. ليست قرابة في اللغة والتاريخ والجغرافيا، ولا حتى في البنية الفنية المباشرة للقصيدة، وإنما في شيء أعمق، وهو الإيمان بأن الشاعر لا يعيش وحده داخل قصيدته، وأن القصيدة إذا خرجتْ من فم صاحبها تستطيع أن تصبح جزءًا من الوعي الجمعي.

     كان محمد إبراهيم ورسمي واحدًا من أبرز شعراء الصومال، حتى عُدَّ من أعلام الشعر الصومالي، ولُقِّبَ أحيانًا بـ " شكسبير الصومالي". أمَّا يفتوشينكو، فقد كان من أبرز أصوات  الشعر الروسي في القرن العشرين، وارتبط اسمُه بالجيل الذي وَجد في الشعر وسيلة للتعبير عن أسئلته الأخلاقية والسياسية والإنسانية.

     لكن الأهم من السيرة هُنا هو المشهد، حيث يكون الشاعر على منصة، والجمهور أمامه، والقصيدة بينهما. هذا المشهد البسيط يكشف الكثيرَ، ويدل على أنَّ الشاعر لا يريد أن يكون وحده.

     وإحدى مشكلات الشعر الحديث أنه انفصل كثيرًا عن صوته الأول. صار النص في الديوان، والديوان على الرف، والرف في مكتبة، والمكتبة في غرفة، والقارئ وحده أمام الورق. لا مشكلة في ذلك طبعًا، فالشعرُ العظيم يستطيع أن يعيش في الصمت، ورُبَّما يحتاج إليه، لكنَّ ثَمَّة شِعْرًا آخَر يفقد شيئًا من طاقته حين يُنْتَزَع من الصوتِ والجمهور والإيقاع الحي.

     القصيدة عند محمد إبراهيم ورسمي ( هدراوي ) ليست مجرد ترتيب جميل للكلمات، إنها صوتٌ اجتماعي، وذاكرةُ مجتمع، وقلقُه، ونظرته إلى نفسه، وأسئلته الأخلاقية والوطنية. وتكشف نصوصُه عن تصوُّر واضح للشعر بوصفه أكثر من زخرفة لغوية، فهو إحساس ومعنى وصوت للمُجتمع وذاكرة وهُوية.

     والشاعرُ حين يرى نَفْسَه صوتًا للجماعة، لا يعود يتعامل مع القصيدة باعتبارها مِلْكًا شخصيًّا خالصًا. القصيدةُ تصبح شيئًا يحدث بينه وبين الآخرين. هو يقول، والناسُ يَرُدُّون، وقد لا يكون الرد كلامًا، رُبَّما يكون صمتًا، أو دمعةً، أو هتافًا، أو تصفيقًا مفاجئًا يجعل الشاعرَ يدرك أن الكلمات التي ظنَّ أنها خرجتْ منه وحده، كانت تسكن في الآخرين أيضًا.

     الشعرُ الصومالي ارتبط تاريخيًّا بقوة الأداء الشفهي، والحفظِ، والمجالسِ، والمناسبةِ، والحضورِ الاجتماعي للشاعر، لذلك فإنَّ القصيدة لا تكون مكتملة تمامًا إلا حين تستعيد صوتَها. وهذا يُفَسِّر إلى حد بعيد لماذا يمكن لشاعر مثل هدراوي أن يصبح أكثر من مجرد صاحب دواوين، إنَّه يصبح ذاكرةً ناطقة. حين يقول الشاعرُ شيئًا عن الوطن، لا يعود الوطنُ فكرةً مُجرَّدة، يصبح هو المكانَ الذي يعرفه السامعون، والوجوهَ التي تركوها خلفهم، والقبيلةَ، والمجتمعَ، واللغةَ، والأرضَ، والغيابَ، والأيامَ التي عاشوها بالفِعْل. لذلك فإنَّ شعر هدراوي لا يمكن فهمه بالكامل إذا حُصر في الكلمات المكتوبة وحدها. الكلمةُ عنده لها ظِل، ونبرة، ومقام، وجمهور، والشعرُ بالنسبة إليه هو مِرآة المجتمع وصرخته ودليله وتراثه. وهذه الرؤية ليست تفصيلًا هامشيًّا، بل هي مفتاح لفهم العلاقة بين الشاعر والجمهور في تجربته.

     الشاعرُ هُنا لا يقف فوق الناس، إنَّه يقف بينهم. وقد يكون أحيانًا في مقدمتهم، لكنَّه لا يتعالى عليهم، وهذا بالضبط ما يجعل الشاعرَ الشعبي الكبير مختلفًا عن شاعر الشهرة. الأول تصنعه الجماعة، لأنه استطاع أن يُعبِّر عنها، أمَّا الثاني فيحاول أن يصنع جماعةً حَول اسمه.

     يفتوشينكو استطاع أن يصل إلى جمهور واسع جدًّا، خصوصًا بين الشباب والطلاب، وأمسياته الشعرية كانت أحداثًا جماهيرية حقيقية، حيث يتجمع آلاف المستمعين في القاعات والساحات والملاعب، بسبب ارتباطه بأسئلة الحرية والعدالة والإصلاح وهمومِ الجيل الذي عاش التحولات السوفييتية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

     هدراوي كان يتحدث من قلب مجتمع له لغته وذاكرته وتحوُّلاته وصراعاته، لذلك لَم تكن القصيدة عنده ترفًا ثقافيًّا مستوردًا، وإنما جُزء من نسيج الحياة نفسها. وهُنا يصبح الشعرُ وسيلةً للتعرف إلى الذات.

     لكن السؤال الأصعب هو: هل الشاعر يقود الجمهور أم الجمهور يقود الشاعر؟. رُبَّما الاثنان معًا. الشاعرُ يلتقط شيئًا في الهواء، أو إحساسًا غير واضح، أو غضبًا لَم يجد لغةً، أو خوفًا لا يعرف الناسُ كيف يُسَمُّونه، أو حنينًا منتشرًا بين البيوت، ثم يصنع منه قصيدةً. وعندما يسمعها الناسُ يقولون: نعم، هذا ما كُنَّا نشعر به. وهُنا يبدو الشاعرُ كأنه قائد، لكنه في الحقيقة كان مستمعًا بارعًا، وهذه هي قوة الشعر الجماهيري حين يكون صادقًا، إنَّه لا يفرض على الناس شعورًا من الخارج، بلْ يمنحهم لغةً لشعورٍ موجودٍ أصلًا في داخلهم. رُبَّما لهذا السبب استطاع هدراوي أن يحتل مكانةً خاصة في الوجدان الصومالي، ورُبَّما لهذا السبب أيضًا كانت قصائد يفتوشينكو الاحتجاجية تجذب أعدادًا كبيرةً من الشباب.

     عَرَفَ الشاعران أن الشعر يمكن أن يكون فِعلًا اجتماعيًّا، ولَم يتعاملا معَ القصيدة باعتبارها لعبةً لغوية معزولة، واستطاعا أن يصنعا علاقةً مع الجمهور تتجاوز الإعجابَ الجمالي إلى الإحساس بالانتماء.

     هُناك شِعرٌ يصف الحياةَ، وشِعرٌ آخَر يحاول أن يحاسبها. يفتوشينكو كان كثيرًا ما يقف في المساحة الحرجة بين الاثنين. شِعرُه يرفض القمعَ والتمييز، ويمتلئ بالأسئلة الأخلاقية والوطنية والإنسانية التي شغلتْ مُجتمعه. وهذا يُفَسِّر جزءًا من حضوره.

     والجمهورُ لا يحتاج دائمًا إلى شاعر يُطمئنه، أحيانًا يحتاج إلى شاعر يُزعجه، ويُوقظه، ويجعله يفكر، ويضع أمامه مِرآةً لا يستطيع الهربَ منها، وهُنا يصبح التصفيق شيئًا مُعقَّدًا. هل صَفَّقَ الجمهور لأن الشاعر قال كلامًا جميلًا أمْ صَفَّقَ لأن الكلام أصابَ جُرحًا؟. رُبَّما لهذا كان تصفيق الجمهور في أمسيات يفتوشينكو أقرب إلى رد فِعل سياسي وأخلاقي مِنْه إلى إعجاب أدبي فقط. وهُنا تتحول القصيدةُ إلى موقف، والمنصة إلى ساحة عامَّة، والتصفيق إلى لغة.

     أمَّا عند هدراوي، فإن العلاقة بين الشعر والجماعة تأخذ بُعدًا آخر شديد الحساسية ( الهُوية). حين يكتب الشاعرُ عن لغته الأم، والمجتمعِ، والوطنِ، فهو لا يكتب عن أشياء خارجية عنه، إنَّه يكتب عن البيت الداخلي للإنسان.

     والجماهيريةُ عند يفتوشينكو ليست مُجرَّد شهرة إعلامية، إنها نتيجة تفاعل بين شخصيته الأدائية، وقوةِ حضوره، والأسئلةِ التاريخيةِ التي حَمَلَها، ورغبةِ جيلٍ كاملٍ في العثور على صوت يُعبِّر عن تطلعاته.

     قوةُ الشاعرَيْن جاءتْ من قدرتهما على تحويل التجربة الفردية إلى إحساس مشترك، وهذا أصعب ما يمكن أن يفعله الشعر. أن تبدأ من "أنا" وتنتهي عند"نحن". سوف تنطفئ المنصة، ويتفرَّق الجمهور، وتُطوَى المقاعد، وتنتهي الأمسية. لكن إذا بقيتْ جُملة واحدة من القصيدة في رأس إنسان، فشيء من الشاعر ما زال حيًّا.

     هدراوي رحل، لكن حضوره الشعري لَم يرحل بالطريقة نفسها، وما زالت نصوصُه تُقْرَأ، ويُستعاد صوتُه في سياق الحديث عن الشعر الصومالي والهُويةِ والمجتمع.

     ويفتوشينكو رحل أيضًا، لكن ظاهرة الشاعر الذي يقف أمام آلاف الناس، ويجعل القصيدةَ قضية عامَّة بقيتْ واحدةً من الصور اللافتة في تاريخ الشعر الروسي الحديث.

     وهذا هو الاختبارُ الأخير للشاعر، ليس كَم شخصًا صفَّق له في حياته، بلْ كم شخصًا ظلَّ يسمعه بعد أن انتهى التصفيق.

08‏/09‏/2026

إشكالية الانتماء المزدوج بين عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو

 

إشكالية الانتماء المزدوج بين عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................


     ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

     الكاتبُ الذي وُلد في أفريقيا، وتعلَّمَ في مدارس تركتْ فيها فرنسا لغتها وثقافتها، ثم غادرَ إلى أوروبا، وعاش فيها، وكتبَ بلغة المُستعمِر، لا يستطيع أن يتعامل معَ الهُوية بوصفها بطاقة تعريف إدارية. لا يكفي أن يقول: أنا جيبوتي، أو أنا كونغولي، أو أنا فرنسي، وكأن المسألة انتهت. فالهُويةُ في هذه الحالة ليست خانة في جواز سفر، وإنما ذاكرة تتجاذبها أمكنة متعددة، ولغات متعددة، وتواريخ لا تزال آثارُها حاضرةً في الجسدِ واللغة والخيال.

     مِن هُنا تبدو تجربة الكاتب الجيبوتي عبد الرحمن وابيري ( وُلد 1965 )، وتجربة الكاتب الكونغولي آلان مابانكو ( وُلد 1966 ) جديرتين بالقراءة معًا. كلاهما كاتب أفريقي يكتب بالفرنسية، وغادرَ فضاءه الأفريقي إلى الغرب، ووجدَ نفسه أمام سؤال الانتماء، لكنَّهما لا يُقَدِّمان الجوابَ نفسه. إنهما يكشفان وجهين مختلفين للمأزق نفسه: كيف يمكن للكاتب أن ينتمي إلى مكان وُلد فيه، وإلى مكان آخَر أعادَ تشكيلَ وعيه، من دون أن يتحوَّل إلى سجين لأحدهما؟.

     هناك وهمٌ شائع يقول إنَّ المهاجر يغادر وطنه كما يغادر المرءُ بيتًا قديمًا، يغلق البابَ وراءه، ويمضي إلى مكان جديد، ويبدأ حياته من الصفر. لكن الكاتب لا يستطيع أن يفعل ذلك، إنَّه يحمل البيت معه، يحمل رائحة الشوارع، وأصوات الأمهات، وأسماء الأماكن، والخوف القديم، واللغة الأُولَى، وصور الطفولة، وحكايات الجدات، وتفاصيل الجغرافيا، وحتى الأشياء التي كان يظنُّ أنه نسيها، لهذا لَم تكن الكتابة عند وابيري مُجرَّد نشاط أدبي بعيد عن الوطن، وإنما كانت مُحاولة لاستعادة بلده أو استملاكه من جديد عبر الكتابة. وهُنا تظهر المفارقةُ الجميلة والمؤلمة معًا: قد يغادر الإنسانُ وطنه لكي يعيش، لكنَّه قد يكتب لكي يعود.

     يعود وابيري إلى جيبوتي، ليس بوصفها بطاقة بريدية أفريقية جاهزة للاستهلاك الغربي، وإنما بوصفها مكانًا حيًّا، ومتناقضًا، وقاسيًا وحميمًا في آنٍ واحد. وكتابته عن جيبوتي تَجمع بين الأفريقي والعربي والإسلامي والفرنسي والإنجليزي، أي إنَّها تنطلق من جغرافيا هجينة أصلًا قبل أن يصبح الكاتبُ مهاجرًا.وابيري لم يولد في هُوية " صافية " ثم جاء إلى المنفى ليخلطها، الهُوية كانت مختلطة منذ البداية.

     جيبوتي تقع في منطقة تلتقي فيها أفريقيا بالعالَم العربي والبحر الأحمر، وتحمل آثار الاستعمار الفرنسي، وتعيش داخل شبكة من اللغات والثقافات والتاريخ البحري والتجاري والديني، لذلك فإنَّ فكرة " الانتماء الواحد " تبدو منذ البداية أضيق من الواقع الذي خرج منه الكاتب. رُبَّما لهذا يبدو الرحيلُ عند وابيري امتدادًا للأفكار التي تسكن ذاكرةَ المكان. إنَّه لا يخرج من وطن مستقر إلى عالَم غريب تمامًا، بل يخرج من فضاء كان يَحمل في داخله منذ زمن طويل معنى العبور.

     أمَّا عند مابانكو، فإنَّ المسألة تأخذ شكلًا آخَر. الكونغو ليست مُجرَّد مكان طفولة بعيد، إنَّها تتحوَّل في أعماله إلى ذاكرة سردية، يعود إليها، ويستعيدها من خلال الشخصيات واللغة والسخرية والحكايات الشعبية والمدينة والأصدقاء والأهل، لذلك فإن الهجرة عنده لا تعني قطعَ الحبل، بلْ تعني تغييرَ المسافة بينه وبين الحبل.

     في أعماله التي تستعيد الكونغو أو أفريقيا من موقع المهاجر، نجد كاتبًا لا يريد أن يكتب عن وطنه بالطريقة التي يتوقعها منه الآخرون. لا يريد أن يكون " صوت أفريقيا " بالمعنى النمطي، ولا يريد أن يصبح موظفًا لدى صورة جاهزة عن القارَّة، إنَّه يريد أن يكون كاتبًا أوَّلًا. وهذا التفصيل يبدو بسيطًا، لكنه ثَوري، لأن الكاتب الأفريقي كثيرًا ما يجد نفسه مُطَالَبًا بأن يشرح أفريقيا، ويُمثِّلها، ويدافع عنها، ويروي مآسيها، ويثبت أصالته، وكأن الأدب لا يسمح له بأن يكون حُرًّا مثل أي كاتب آخَر.

     مابانكو يقاوم هذا القيد بالسخرية. يسخر من السياسيين، والنُّخبِ، والمثقفين، والمهاجرين، والأوروبيين، والأفارقة، وأحيانًا من نفسه. وهذه السخرية ليست هروبًا من الهُوية، وإنما طريقة لتحرير الهُوية من التحنيط. وعندما يسخر مِن هُويته، لا يتخلى عنها بالضرورة، رُبَّما يكون فقط قد رفض أن يُحوِّلها الآخرون إلى تمثال.

     اللغة الفرنسية بالنسبة إلى وابيري ومابانكو ليست مُجرَّد لغة أجنبية دخلت حياتهما من الخارج. إنها لغة التعليم، والثقافة، والجامعة، والنشر، والفضاء الأدبي الذي صارا جزءًا منه. بلْ إنَّ مابانكو أوضح أن الفرنسية لم يكتشفها في فرنسا، لقد وجدها في الكونغو، أي إن اللغة الاستعمارية كانت قد أصبحت جزءًا من واقعه قبل رحيله. كما أكَّد أنه يكتب بها محاولًا أن يجعلها قادرةً على العيش إلى جوار اللغات المحلية. وهُنا تكمن المفارقة الكبرى، المُستعمِر رحل، لكن لغته بقيتْ، كيف يرفض لغةً أصبحت جزءًا من تعليمه وذاكرته؟، وكيف يقبل لغةً تحمل تاريخَ الهيمنة من دون أن يعيد تشكيلها؟.

     الجوابُ الذي تُقَدِّمه تجربة وابيري وتجربة مابانكو ليس في الهرب من اللغة الفرنسية، بل في امتلاكها. فاللغة حين تدخل قلمَ الكاتب لا تبقى مِلْكًا للتاريخ وحده، يمكن للكاتب أن ينتزعها من سياقها القديم، ويضع فيها إيقاعَ مدينته، ونَفَسَ أهله، وسخريته، وأحلامه، وأسماءه، وذاكرته. وهكذا يصبح السؤالُ أقل تعلُّقًا بـ " مَن يملك اللغة؟"، وأكثر تعلُّقًا بـ " ماذا أفعل أنا باللغة؟".

     وإذا كان مابانكو يميل إلى تحويل المنفى إلى مادة للسخرية واستعادةِ الذاكرة، فإنَّ وابيري يبدو أكثر اقترابًا من صورة الكاتب الرَّحَّال. وليس غريبًا أن تتكرر في دراسة تجربته مفردات مثل: الرحيل، والمنفى، والترحال، والبدوي ، والمهاجر الكوزموبوليتاني. لكن الترحال عنده ليس انتقالًا جغرافيًّا فَحَسْب، إنَّه طريقة في النظر.

     والكاتبُ الذي يعيش في أكثر من مكان،لا يرى العالَمَ من نافذة واحدة. تتعدَّد النوافذ داخله، وتتنازع الصور، ويصبح الوطنُ بعيدًا وقريبًا في الوقت نفسه، والغربُ لا يعود مُجرَّد " آخَر"، وإنما يصبح جزءًا من التجربة الشخصية، بما له من جمال وعُنصرية، وفُرص واستلاب، وحرية وذاكرة استعمارية. وشخصية الكاتب عند وابيري ليست شخصية رَجل يقف على ضفة، ويشير إلى ضفة أُخرى، إنَّه يقف بين الضفتين. وهذا " البَيْن" هو المكان الحقيقي الذي يكتب منه. إنَّه ليس فرنسيًّا تمامًا، وليس خارج فرنسا تمامًا،ليس مُجرَّد جيبوتي يعيش في المنفى، ولا مُجرَّد أفريقي يكتب للغرب، إنَّه كاتبٌ تشكلت هُويته من الحركة بين هذه الأمكنة.

     مابانكو لا يخجل من أن يَكون كونغوليًّا وفرنسيًّا، ولا يتعامل مع الأمر باعتباه خطأ ينبغي إصلاحه. وفي حديثه عن الهُوية، يرفض النظرَ إلى المهاجر بوصفه شخصًا جاء من الخارج بصورة مُبسَّطة، ويشير إلى أنَّ العلاقة بين فرنسا وأفريقيا لا يمكن فصلها عن التاريخ الاستعماري واللغة والتعليم. والإنسانُ في النهاية ليس صندوقًا يمكن وضعه في رَف واحد. يمكن أن تحب الكونغو، وتنتقدها، ويمكن أن تعيش في فرنسا، وتنتقدها، ويمكن أن تكتب بالفرنسية، وتحمل داخلها إيقاعًا أفريقيًّا. وهُنا تُصبح الهُوية فِعلًا يوميًّا لا حُكمًا نهائيًّا.

     ثمَّة فرق دقيق بين الكاتبين في علاقتهما بالوطن. عند وابيري يبدو الوطن أحيانًا كأنَّه شيء تجب استعادته عبر الكتابة، وهذا مفهوم تمامًا في تجربة كاتب غادرَ جيبوتي شابًّا، ثُمَّ ظلَّ يكتب عنها مِن الخارج.

     أمَّا عند مابانكو، فإنَّ العودة إلى الكونغو تظهر في صور متعددة، جسدية وذاكرية وسردية. تصبح العودة إلى الوطن بعد غياب طويل مادَّةً لاستعادة المدينةِ والأهل والذاكرة، وليست رحلةً سياحية إلى الماضي.

     كلاهما يصل في النهاية إلى الحقيقة نفسها: لا توجد عَودة كاملة، فالذي يعود بعد سنوات لا يجد المكانَ الذي تركه، والأهم: لا يجد نَفْسَه القديمة أيضًا. لقد تغيَّرَ المكانُ، وتغيَّرَ هو، لهذا لا تكون العَودة رجوعًا إلى نقطة البداية، وإنما لقاء بين شخصين: الشخص الذي غادر، والشخص الذي عاد. وفي هذه المسافة بالذات يولد الأدب.

     اهتمَّ وابيري نظريًّا بمسألة الأدب الأفريقي العابر للحدود، وكتبَ عن الأجيال الجديدة من الكُتَّاب الأفارقة الفرنكوفونيين، فيما ارتبطت تجربته النقدية والأدبية بمسائل ما بعد الاستعمار والهجرة والتعدد الثقافي.

     أمَّا مابانكو، فمشروعه الأدبي والنقدي يتحرَّك في فضاء الأدب الأفريقي والفرنكوفوني والعالمي، وهو ما يُفَسِّر لماذا لا يمكن اختزاله بسهولة في " كاتب كونغولي" بالمعنى الجغرافي الضَّيق.

     كلاهما أصبحَ،بطريقة أو بأُخرى،جزءًا من أدب لا يعترف كثيرًا بالحدود التي رسمتها الخرائط. إنَّهما يَعرفان أنَّ اللغة يمكن أن تَحمل تاريخًا من القهر، لكنَّها تستطيع في الوقت نفسه أن تصبح أداةً للتحرر، والوطن يمكن أن يكون محبوبًا ومؤلمًا، والمنفى ليس جَنَّة، والعَودة ليست خلاصًا، والآخَر ليس شيطانًا، والذات ليست بريئة دائمًا. وهذه المعرفة المُركَّبة هي بالضبط ما يحتاجه الأدب. فالأدبُ لا يعيش في اليقين الكامل، وإنما يعيش في المسافة بين الأشياء.

     وابيري يحمل إلى الأدب جغرافيا البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بتداخلاته العربية والأفريقية والإسلامية والاستعمارية، أمَّا مابانكو فيحمل معه الكونغو، والذاكرة الوجودية، واللغة الشعبية، وتجربة الهجرة الأفريقية في فرنسا وأوروبا. والكاتبُ الذي لَم يجد نَفْسَه كاملًا في الوطن، ولا كاملًا في المهجر، يستطيع أن يبني بيتًا ثالثًا، وهو الكتابة. في الكتابة لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا أن يثبت أنَّه أفريقي بما يكفي، ولا أن يثبت أنَّه فرنسي بما يكفي،ولا أن يُقَرِّر أين ينتهي الوطن، وأين يبدأ المنفى. في الكتابة يستطيع أن يكون الاثنين معًا، وأكثر مِن الاثنين.

     يستطيع وابيري أن يحمل معه جيبوتي إلى الغرب، ويعيد تشكيلها في النص. ويستطيع مابانكو أن يحمل الكونغو معه إلى الغرب، ثم يعود إليها أدبيًّا كلما شاء. وكلاهما، بهذا المعنى، لا يهرب من الوطن حين يكتب من الخارج، بلْ يعيد اختراعَه. وهذا رُبَّما هو سِر الأدب، فنحن لا نكتب فقط عن الأماكن التي نعيش فيها، بلْ أيضًا عن الأماكن التي تعيش فينا. وهل الوطن هو المكان الذي وُلِدْتُ فيه، أم المكان الذي صَنَعْتُ فيه وَعْيي، أم المكان الذي أحنُّ إليه، أم المكان الذي أخشاه، أم المكان الذي أعود إليه في الخيال؟.