تُعَدُّ العلاقاتُ بين
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في
السياسة الدولية خِلال العُقود الأخيرة . ومُنذ قِيام الثورة الإيرانية عام 1979 ،
لَمْ تَنْفَك هذه العلاقة عن التوترات والاختلافاتِ العميقة ، سواءٌ على المُستوى
السياسي أو العسكري أو الاقتصادي . لكنْ ، في الآونة الأخيرة ، ومعَ تَصاعُد
التظاهرات الشعبية في إيران ضِد النظام الحاكم ، قد تكون هُناك مَخاوف وتحليلات :
هل تستغل أمريكا هذه المُظاهرات كَفُرصة لتوجيه ضَربة عسكرية لإيران ؟ .
شهدتْ إيران
في السنوات الأخيرة مَوجات مُتتالية من الاحتجاجات الشعبية ، كانَ أبرزها تِلْكَ
التي اندلعتْ في عام 2022 ، احتجاجًا على وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني عَقِب
إلقاء القبض عليها مِنْ قِبَل شُرطة الأخلاق التي تَتْبَع الحُكومة الإيرانية ، والتي
تَحوَّلتْ إلى تظاهرات شعبية واسعة النطاق مُطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية .
وَقَدْ عَبَّرَتْ هذه الاحتجاجات عن سخط واسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية
للنظام الإيراني ، خاصَّة في ظِلِّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والعقوبات الدولية
المُستمرة .
السياسة
الأمريكية تجاه إيران محكومة بالعديد من العوامل الإستراتيجية ، ويُعتبَر البرنامج
النووي الإيراني أولوية أساسية في السياسة الأمريكية في المنطقة . واشنطن تَرى في
هذا البرنامج تهديدًا لأمنها القومي ولأمنِ حُلفائها ، خاصَّة إسرائيل . لذلك ،
كانتْ أمريكا تعمل على احتواء إيران مِنْ خِلال العقوبات الاقتصادية والضغطِ
الدُّبلوماسي ، كما سَعَتْ إلى تَحجيم نفوذها في المنطقة ، سواءٌ عبر دعم الحُلفاء
أوْ مِنْ خِلال تدخلاتها العسكرية المُباشرة في بعضِ الأحيان كما حدث في العِراق
وسُوريا .
والأوضاعُ على الأرض في إيران ، وخاصَّة
المُظاهرات الشعبية، قَدْ تُوفِّر لأمريكا فُرصة لاستغلال الاضطرابات الداخلية
لصالحها . وَمِنَ المعروف أن التظاهرات في إيران غالبًا ما تَترافق مع دعوات
لتحسين الأوضاع الاقتصادية ، إضافة إلى تَنديد بقمع الحريات وحُقوق الإنسان مِنْ
قِبَل النظام الإيراني . وهذه الظروف يُمكِن أنْ تُشكِّل ضغطًا داخليًّا على
الحكومة الإيرانية .
أمريكا
كانتْ قَدْ فكَّرت في إمكانية توجيه ضَربة عسكرية إلى إيران مِرَارًا ، سواءٌ في
عهد الرئيس جورج بوش الابن عندما كان برنامج إيران النووي في ذروته ، أوْ حتى في
عهد الرئيس باراك أوباما الذي اكتفى في نهاية المطاف بالمسار الدُّبلوماسي المتمثل
في اتفاقية " خطة العمل الشاملة المشتركة " ( الاتفاق النووي الإيراني
2015 ) . لكنَّ التحولات في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة قد تعيد طرح هذا
الخيار مَرَّةً أُخْرَى ، خاصَّة في ظِلِّ التوترات المُتزايدة بين طهران وواشنطن
.
إدارة
الرئيس دونالد ترامب _ على سبيل المثال _ انسحبتْ من الاتفاق النووي الإيراني في
عام 2018 ، وزادتْ من الضغوط على إيران عبر سياسة الضغوط القُصوى ، التي استهدفت
الاقتصاد الإيراني من خِلال فرض عقوبات مُشدَّدة ، كما قُوبلَ اغتيال القائد
العسكري الإيراني قاسم سُلَيْماني في يناير 2020 بتنديد واسع من طهران ، مِمَّا
زاد من تعقيد العلاقة بين البلدين . إلا أن الوضع الحالي ، ومع انشغال أمريكا في
قضايا أُخرى مثل التوترات في أوكرانيا ، والتحديات الاقتصادية الداخلية ، يَطرح
تساؤلات جديدة حول ما إذا كانتْ واشنطن مستعدة لاتخاذ خُطوة عسكرية ضد إيران .
مِن الناحة
الإستراتيجية،هُناك مجموعة من العوامل التي تجعل من الضَّربة العسكرية خيارًا
مَحفوفًا بالمخاطر:
1 _ المخاطر
العسكرية : أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي حتمًا إلى تصعيد هائل في المنطقة ،
ويُهدِّد باندلاع صراع إقليمي واسع . إيران تتمتع بِقُدرات عسكرية قوية ، خاصَّة
في مجالات الحرب بالوكالة ، حيث تُدير شبكة واسعة من الفصائل المُسلَّحة في العراق
ولبنان واليمن . هذه الميليشيات يُمكِن أن تُنفِّذ هجمات انتقامية ضد مصالح
أمريكية أو حُلفاء واشنطن في المنطقة .
2 _ ردود
الفِعْل الدولية : قَدْ تُؤَدِّي أيَّة خُطوة عسكرية ضد إيران إلى تصعيد الأزمة في
الشرق الأوسط بشكل يُعمِّق انقسامات المجتمع الدولي . هُناك دُوَل مِثْل روسيا
والصين التي تدعم إيران سياسيًّا واقتصاديًّا ، وقد تُعارض أيَّ تدخُّل عسكري
أمريكي ، كما أن العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا قد يكونون حَذِرين من اتخاذ هذا
النوع من الإجراءات ، نظرًا لتداعياته السلبية على الاستقرار الإقليمي .
3_ المصالح
الاقتصادية : تمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز ، وأي تصعيد عسكري قد
يُؤَدِّي إلى إغلاق مضيق هرمز ، الذي يُعتبَر شِريانًا رئيسيًّا لتجارة النفط
العالمية . هذا قد يُسبِّ قفزات حادَّة في أسعار النفط ، مِمَّا يُؤَثِّر بشكل غير
مباشر على الاقتصاد العالمي ، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي .
لا يُمكِن الجزم بأن أمريكا سوف تستغل المظاهرات كذريعة لضربة عسكرية ، لكنْ لا شك أن واشنطن قد تستغل هذه الاحتجاجات كأداة ضغط سياسي على النظام الإيراني . التظاهرات في إيران تشير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي ، وهذا قد يكون بِمَثابة فُرصة لأمريكا لتعزيز الدعم السياسي لِمُعارضي النظام الإيراني داخل البلاد . وهذا يشمل دعم الحركات السياسية المُعارضة ، أو زيادة الضغط على النظام مِن خِلال عقوبات اقتصادية إضافية .
