سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

31‏/07‏/2026

صوت المهمشين بين ناظم حكمت وفيض أحمد فيض

 

صوت المهمشين بين ناظم حكمت وفيض أحمد فيض

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     القصيدة لَيست بناءً لغويًّا جميلًا فَحَسْب، بل هي أيضًا صرخة في وجه الظلم، ونداء للحرية، ومرآة تعكس آلامَ البشر وآمالهم. والشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالَم،بل يسعى إلى تغييره، ويجعل من صوته امتدادًا لأصوات الذين حُرموا من حق الكلام.

     مِن بين أهم الشعراء الذين حملوا هَمَّ الإنسان، وجعلوا من الشعر رسالةً للتحرر والكرامة والإنسانية، يبرز الشاعر التركي ناظم حكمت ( 1902_ 1963 )، والشاعر الباكستاني فيض أحمد فيض ( 1911_ 1984 ) اللذان التقيا _ رغم اختلاف الجغرافيا والثقافة _ في الدفاع عن الإنسان المُهمَّش، والإيمان بأن الشعر يمكن أن يكون قوة تقاوم الاستبدادَ، وتوقظ الضمائرَ.

     عاش حكمت في بيئة مضطربة سياسيًّا واجتماعيًّا، وشهد التحولات العنيفة التي عرفتها تركيا في القرن العشرين. ولم يكن شاعرًا منعزلًا في برجٍ عاجيٍّ، بل انخرط في قضايا شعبه، ودفع ثمنَ مواقفه سجنًا ونفيًا وحرمانًا. لذلك جاءت قصائده مشبعة بصوت العمال والفلاحين والمظلومين، الذين وَجد فيهم جوهرَ الإنسانية الحقيقية. لم يكن يتحدث عنهم من بعيد، بل كان يتحدث معهم وباسمهم، حتى أصبحت قصيدته وطنًا لكل مَن سُلب وطنه، وأملًا لكل مَن حاصره اليأس.

     في المقابل، عاش فيض تجربة مشابهة في شبه القارة الهندية، حيث شهد آثارَ الاستعمار والانقسام والصراعات السياسية والاجتماعية، فآمنَ بأن الشعر لا يكتمل إلا إذا انحاز إلى الإنسان المقهور، وجعل من الكلمة جسرًا يصل بين الحب والثورة، وبين الجمال والعدالة. وقد استطاع أن يمنح المُهمَّشين لغة جديدة، لا تقوم على الشكوى وحدها، بل على الإيمان بأن الفجر لا بد أن يُولَد من رحم الليل، وأن الحرية _ مهما تأخرت _ ستنتصر في النهاية.

     المُهَمَّشُ في شعرهما لَيس فردًا معزولًا، بل هو رمز لكل إنسان سُلب حقه في الحياة الكريمة. الفقيرُ،والعامل،والسجين،والمنفي، واللاجئ، والمرأة المُضطهَدة، جميعهم يحضرون في قصائدهما بوصفهم وجوهًا متعددة لمعاناةٍ إنسانية واحدة. ومِن هُنا تجاوزَ شعرُهما حدودَ الوطنية الضيقة ليصبح شعرًا إنسانيًّا عالميًّا، يخاطب الإنسانَ أينما كان، مهما اختلفتْ لغته أو ثقافته.

     مِن أبرز ما يُميِّز تجربة حكمت أنَّه منح البسطاءَ مكانة الأبطال، فلم يكن المجد في نظره حكرًا على القادة أو الزعماء، وإنما كان للعامل الذي يكدح في المصنع، وللفلاح الذي يزرع الأرضَ، وللأم التي تنتظر ابنَها المُعتقَل، وللطفل الذي يحلم بغد أفضل.

     أعادَ تعريفَ البطولة، وجعلها مرتبطة بالعمل والصبر والمقاومة، وليس بالقوة والسُّلطة. لذلك جاءت لغته واضحة، ونابضة بالحياة، وبعيدة عن التعقيد، حتى تصل إلى عامة الناس قبل خاصتهم.

     أمَّا فيض، فقد امتلكَ قدرةً فريدة على الجمع بين الرقة الثورية والعمق الإنساني، فهو يبدأ قصيدته أحيانًا بلغة الحُب، ثم يتحوَّل هذا الحُب تدريجيًّا إلى حُب الوطن والناس والحرية، وكأن العاطفة الفردية لا تكتمل إلا عندما تصبح عاطفةً جماعية. لذلك لم يكن شعره خطابًا سياسيًّا فَحَسْب، بلْ أيضًا كان تجربة وجدانية تجعل القارئ يشعر بأن قضية المظلومين قضيته الشخصية، وأن الألم الإنساني واحد مهما اختلفت الأمكنة.

     ولئن اختلفت الأساليب الفنية بين الشاعرَيْن، فإنهما يلتقيان في الإيمان بأن الشعر موقف قبل أن يكون صناعة لفظية. الصورةُ الشعرية عندهما لم تكن غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لكشف الحقيقة، وإثارةِ الوعي. كما أن الموسيقى الداخلية في قصائدهما جاءت من صدق التجربة أكثر مما جاءت من الزخرفة البلاغية، فكانت الكلمات تنبض بالحياة، لأنها خرجتْ مِن مُعاناة حقيقية، ولَم تخرج من خيالٍ مُجرَّد أو وهمٍ ذهني.

     تعرَّضَ حكمت وفيض للسجن والملاحقة بسبب أفكارهما، لكن السجن لم يكسر إرادتهما، بل زاد قصائدهما إشراقًا وإيمانًا بالحرية. وقد أثبتا أن الجدران تستطيع أن تحاصر الجسدَ، لكنها لا تستطيع أن تسجن الفكرةَ، أو تمنع القصيدةَ من الوصول إلى الناس. وهكذا تحوَّلت تجربتهما الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة، وأصبحا رمزَيْن للمقاومة الثقافية في مواجهة القمع.

     ولم يقتصر تأثيرهما على عصرهما، بل امتدَّ إلى أجيال متعاقبة من الشعراء والمثقفين الذين وَجدوا في تجربتيهما نموذجًا للشاعر الملتزم بقضايا مجتمعه. وقد أثبتا أن الأدب الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان، وأن الكلمة التي لا تنحاز إلى الحق، تفقد كثيرًا من قيمتها. كما أن حضورهما في الأدب العالمي يؤكد أن الشعر الصادق قادر على تجاوز الحدود السياسية واللغوية، ليصل إلى وجدان الإنسانية كُلِّها.

     إنَّ صوت المُهمَّشين في شعر حكمت وفيض ليس مُجرَّد موضوع شعري، بل هو رؤية أخلاقية وإنسانية للعالَم، فقد آمنَ الشاعران بأن الإنسان _ مهما كان فقيرًا أو ضعيفًا _ يمتلك كرامة لا يجوز انتهاكها، وأن العدالة ليست حُلْمًا مستحيلًا، بل هي حَق ينبغي أن تناضل الشعوب من أجله. لهذا بقي شعرهما حيًّا، يتردد في كل زمان يشهد ظلمًا أو استبدادًا، ويمنح الأملَ لكل مَن يبحث عن الحرية والكرامة.

27‏/07‏/2026

كبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس

كبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...................


     ليس الألمُ في الشعر مُجرَّد شكوى، ولا هو انكسار عابر أمام قسوة الحياة، بلْ هو قيمة إنسانية تتجاوز حدودَ الفرد لتصبح لغةً كَونية يتعرَّف فيها الإنسان إلى ذاته.

     وعندما نقرأ تجربة الشاعر الإيراني أحمد شاملو ( 1925_ 2000 )، وتجربة الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس (1909_ 1990 )، نجد أنفسَنا أمام شاعرَيْن لَم يكتبا عن الألم بوصفه نهاية، وإنما بوصفه بداية جديدة للكرامة الإنسانية. لقد كان الألم عندهما طريقًا إلى الحرية، وكانت الكبرياء هي الوجه الآخَر للجِراح، حتى بدا شِعرهما أشبه بسيرة الإنسان وهو يقاوم الانكسارَ دون أن يفقد إنسانيته.

     وُلد شاملو في إيران، وعاش زمنًا مضطربًا امتلأ بالاستبداد والرقابة والسجون، فكانت حياته امتدادًا لصراعه معَ السُّلطة والقمع. أمَّا ريتسوس فقد وُلد في اليونان، وعانى الفقر، وفقدَ أفرادًا من أسرته، ثم عاش سنوات طويلة من الاعتقال والنفي بسبب مواقفه السياسية.

     وعلى الرغم من اختلاف الجغرافيا واللغة والثقافة، فإنَّ القَدَرَ جمع بين الشاعرَيْن في تجربة إنسانية واحدة، هي تجربة الإنسان الذي يحاول أن يحمي روحه من السقوط وسط عالم يزداد قسوة.

     في شِعر شاملو لا يظهر الألم باكيًا أو متوسلًا، بل يقف شامخًا كجبل يرفض أن تهزمه العواصف. كان الشاعرُ يؤمن بأنَّ الإنسان يُولَد حُرًّا، والكلمة هي السلاح الأخير الذي لا تستطيع السجون مصادرته.لذلك جاءت قصائده مفعمة بالإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز العتمة. إنه لا يُمجِّد المعاناةَ لذاتها، بل يمنحها معنى، ويُحوِّلها إلى قوة روحية تصنع الأملَ.

     حِين يكتب عن الحُب، يبدو الحُب مقاومة، وحين يكتب عن الوطن، يصبح الوطنُ حُلْمًا أخلاقيًّا لا مُجرَّد حدود جغرافية، وحين يكتب عن الموت، يتحوَّل الموت إلى امتحان لكرامة الإنسان، وليس نهاية وجوده.

     أمَّا ريتسوس، فقد حمل الألمَ بطريقة مختلفة. إنه شاعر التفاصيل الصغيرة التي تتحوَّل إلى رموز كُبرى. في قصائده قد نجد نافذةً، أو حجرًا، أو شجرة زيتون، أو امرأة عجوزًا تنتظر ابنها، لكن هذه الصور البسيطة تتَّسع لتحتضن مأساة وطن بأكمله. لقد استطاع أن يجعل الأشياءَ اليومية تنطق بالحزن والكبرياء في آن واحد، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الإنسانَ مقاومته. كان يؤمن بأنَّ البطولة الحقيقية ليست في الانتصارات الصاخبة، بل في القدرة على الاستمرار رغم الخسارات المتكررة.

     يلتقي الشاعران عند نقطة جوهرية،وهي أنَّ الألم لا يسلب الإنسانَ كرامته،وإنما يكشف عنها. كلاهما يرفض صورة الضحية المستسلمة، ويُقَدِّم الإنسانَ بوصفه كائنًا قادرًا على الوقوف بعد كُلِّ سقوط. لهذا لا نجد في قصائدهما يأسًا مطلقًا، بل نجد حزنًا عميقًا يَحمل في داخله بذورَ الرجاء. إنهما يَعلمان أنَّ الليل طويل، لكنهما لا يتوقفان عن انتظار الفجر.

     من أبرز ملامح كبرياء الألم عند شاملو أنه يمنح الإنسانَ مكانة تتجاوز كُلَّ سُلطة. السُّلطة قد تمتلك السلاحَ والسجن والمنفى، لكنها لا تستطيع أن تمتلك الضميرَ. لهذا تبدو قصائده كأنها خطاب دائم إلى الإنسان الحُر، تدعوه إلى عدم المساومة على كرامته مهما كانت التضحيات.

     أمَّا ريتسوس، فيجعل الكبرياءَ أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، فهو لا يصرخ كثيرًا، لكنه يزرع في كُلِّ صورة شعرية إحساسًا خفيًّا بأنَّ الإنسان أقوى من جلاده، وأنَّ الزمن سيُنصِف الذين صبروا.

     يختلف الأسلوب الفني بين الشاعرَيْن، وإن اتفقَ الهدف الإنساني. شاملو يميل إلى اللغة العالية ذات الإيقاع الداخلي والصور الواسعة التي تمتزج فيها الأسطورةُ بالتاريخِ والواقع، فتبدو قصيدته أشبه بنشيد إنساني كبير. أمَّا ريتسوس، فيختار الاقتصادَ اللغوي والرمز الهادئ، فيصنع من الكلمات القليلة عوالم كاملة من الدلالات. وإذا كان شاملو يشبه النارَ المُتَّقدة التي تواجه الريحَ، فإنَّ ريتسوس يشبه الجذورَ العميقة التي تتحدى العواصفَ بصمتها.

     والحُب عند الشاعرَيْن ليس تجربة شخصية ضيقة، بل قيمة معرفية تقاوم العنفَ. الحبيب عند شاملو قد يتحوَّل إلى صورة للوطن أو الحرية، والمرأة عند ريتسوس تصبح أحيانًا رمزًا للأرض أو الذاكرةِ أو الأملِ الذي لا يموت. وهكذا يمتزج الخاص بالعام، ويتحوَّل الشعورُ الفردي إلى وجدان جَماعي يشعر به كُلُّ قارئ، مهما اختلفتْ لغته أو ثقافته.

     أدركَ الشاعران أنَّ الشعر لا يُغَيِّر العالَمَ بالسلاح، لكنَّه يُغَيِّر الإنسانَ الذي يصنع العالَمَ. لذلك لَم يكن هدفهما تسجيل الأحداث بِقَدْرِ ما كانا يسعيان إلى حماية المعنى الإنساني من الضياع. فكلُّ قصيدة عندهما هي محاولة لإنقاذ شيء من النُّور وسط الظلام، وقطرة من الكرامة وسط بحر الإهانة، وصوت من الحرية وسط ضجيج القمع.

     ومِن هُنا فإنَّ كبرياء الألم عند شاملو وريتسوس لَيست موقفًا عاطفيًّا عابرًا، بلْ فلسفة وجود كاملة. إنها فلسفة تؤمن بأنَّ الإنسان لا يُقَاس بعدد انتصاراته، وإنما بقدرته على الحفاظ على إنسانيته في أشد لحظات الانكسار. وهذا ما جعل شِعرهما يتجاوز حدودَ إيران واليونان، ليصبح جزءًا من التراث الإنساني العالمي. والقارئ لا يَرى فيهما شاعرَيْن فقط، بل يَرى صورةَ الإنسان الذي يرفض أنْ يُهْزَم من الداخل.

24‏/07‏/2026

الحوار الحضاري بين محمد إقبال ويوهان غوته

 

الحوار الحضاري بين محمد إقبال ويوهان غوته

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...................


     إنَّ الحوار الحضاري بين الأممِ والشعوب ضرورة حياتية، ورسالة وجودية، ولَيس ترفًا أو فكرة عابرة. وفي تاريخ الفكر الإنساني يبرز نموذجان عظيمان جَسَّدا هذا الحوارَ بأرقى صوره : الشاعر الباكستاني محمد إقبال ( 1877_ 1938)، والشاعر الألماني يوهان غوته (1749_ 1832). ولم يكن اللقاء بينهما لقاء زمان أو مكان، بل كان لقاء الأرواح التي تتجاوز حدودَ الجغرافيا، وتؤمن بأنَّ الحقيقة أكبر من أن يحتكرها شعب، أو حضارة واحدة.

     بدأ إقبال رحلته الفكرية وهو يَحمل في قلبه هَمَّ الأمة الإسلامية، ويؤمن بأن نهضتها لا يمكن أن تتحقق إلا إذا استعادت ثقتها بذاتها، وانفتحت في الوقت نفسه على منجزات الإنسانية كُلِّها.

     لم يكن إقبال من دعاة الانغلاق، ولم يرَ في الحضارة الغربية عدوًّا مطلقًا، كما لم يعتبر الحضارةَ الإسلامية ماضيًا يُبكَى عليه، بل رأى أن الحضارات تتكامل عندما يتحاور أبناؤها بصدق، ويتبادلون المعرفة والاحترام.

     وجد إقبال في غوته شخصيةً استثنائية بين مفكري الغرب، فهو الشاعر الذي لم يكتفِ بالنظر إلى الإسلام من بعيد، وإنما قرأ القرآنَ الكريم، وتأمَّلَ شخصيةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأُعْجِبَ بما يَحمله الإسلام من قيم التوحيد والعدل والسمو الروحي. وقد انعكسَ ذلك في ديوان غوته الشهير " الديوان الغربي الشرقي" الذي جعله جسرًا ثقافيًّا بين الشرق والغرب، معلنًا أن الأدب قادر على هدم الأسوار التي تعجز السياسة عن إسقاطها.

     وكان إقبال شديدَ الإعجاب بهذا الانفتاح الفكري، فقد رأى في غوته مثالًا للمثقف الذي يبحث عن الحقيقة أينما كانت، ولا يخضع للتعصب أو الأحكام المسبقة. لذلك لم يكن إقبال يقرأ غوته بوصفه شاعرًا ألمانيًّا فَحَسْب،بل بوصفه إنسانًا عالميًّا استطاع أن يفتح قلبه لثقافة أُخرى، وأن يتعامل معها بعين الباحث لا بعين الخصم.

     ومِن هُنا بدأ الحوار الحضاري بين الرَّجلين، حوار لم تُسمَع فيه الأصوات، ولكن سُمعت فيه الأفكار. كان غوته يقترب من الشرق بإعجاب واحترام، وكان إقبال يقترب من الغرب بعقل ناقد وقلب منفتح، فلا أحد منهما دعا إلى ذوبان حضارة في أُخرى، بل دعا كُلٌّ منهما إلى التفاعل الخلاق الذي يحفظ الهوية، ويُثْري الإنسانية.

     أدركَ إقبال أن الغرب حقَّق إنجازات عظيمة في ميادين العلم والتنظيم والبحث، لكنه كان يرى أن هذه القوة المادية تحتاج إلى روح تُهذِّبها، وقيم تُوجِّهها. وكان يؤمن أن الإسلام قادر على أن يُقَدِّم هذه الروحَ بما يَحمله من مبادئ العدل والرحمة والكرامة. وفي المقابل، لم يكن يرفض الأخذ بأسباب التقدم العلمي، بل كان يحث المسلمين على الاستفادة منها دون أن يفقدوا شخصيتهم الحضارية.

     أمَّا غوته، فقد كان يرى في الشرق مصدرًا للحكمة والإلهام والجمال الروحي. لقد أبهره القرآن الكريم بلغته وإيقاعه وقوة تأثيره، وأدركَ أن الإسلام ليس مُجرَّد دِين غريب عن أوروبا، بل حضارة إنسانية عريقة تمتلك رؤية متكاملة للوجود والإنسان. لذلك جاءت كتاباته خالية من روح الكراهية، ومليئة بالتقدير والإنصاف، في زمن كانت الصور النمطية عن الإسلام منتشرة في كثير من الأوساط الأوروبية.

     إنَّ أجمل ما يَجمع بين إقبال وغوته هو إيمانهما بأن الإنسان لا يكتمل إلا بالحوار، وأن الثقافة الحقيقية لا تعرف الحدودَ المغلقة، فقد كانا يرفضان التعصبَ الذي يعمي الأبصار، ويؤمنان بأن الاختلاف لا ينبغي أن يقود إلى الصراع، بل إلى التعارف والتكامل. وفي هذا تتجلى القيمة الخالدة للحوار الحضاري، فهو لا يلغي الخصوصيات، وإنما يجعلها مصدرًا للإثراء المتبادل.

     واليوم، في عالم تمزقه الحروب، وتؤججه خطابات الكراهية، تبدو تجربة إقبال وغوته أكثر حضورًا من أي وقت مضى. والإنسانيةُ لا تحتاج إلى مزيد من الجدران، بل إلى مزيد من الجسور، ولا تحتاج إلى أصوات تزرع الخوف، بل إلى عقول تؤمن بأن الحضارة تنمو حين تتلاقى الخبرات، وتتبادل الشعوبُ المعرفة والاحترام.

     أثبتَ إقبال أن المسلم الواثق بدينه يستطيع أن يتحاور مع الآخَر دون أن يتنازل عن مبادئه، كما أثبت غوته أن المفكر الأوروبي يستطيع أن يُنصِف الإسلامَ دون أن يتخلى عن انتمائه الثقافي. وهكذا أصبحَ كلاهما رمزًا لإنسانية راقية تؤمن بأن الحقيقة لا تُولَد من التعصب، وإنما تُولَد من اللقاء الصادق بين العقول والقلوب.

     يبقى الحوار بين إقبال وغوته شاهدًا على أن الأدب والفكر قادران على صُنع ما تعجز عنه السياسة، فقد التقى شاعرٌ من لاهور ( باكستان ) بشاعر من فايمار ( ألمانيا ) في فضاء الإنسانية الرحب، فأنشآ حوارًا خالدًا لا يزال يلهم الأجيال بأن الاختلاف ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وأن الحضارات لا تزدهر بالصدام، وإنما تزدهر بالتعارف، والتفاهم، والاحترام المتبادل.

     وهكذا يظل إقبال وغوته منارتَيْن مضيئتين في تاريخ الحوار الإنساني، ودليلًا حيًّا على أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تجمع بين الشرق والغرب في الإطار الإنساني الذي يُمثِّل جسرًا حضاريًّا معرفيًّا متينًا.

20‏/07‏/2026

صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

 

صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان


للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..............


     ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ هي صناعة للمعنى، وبناء للوعي، وتشكيل للذاكرة الجماعية.

     ومِن أهم أدوات هذه الصناعة " المصطلح السياسي "، فهو الكلمة التي تختزل مرحلةً، والعبارة التي تُلخِّص مشروعًا، والتسمية التي تعيد ترتيب العلاقات بين القوى والأحداث. وكثيرًا ما كانت المصطلحات أكثر بقاءً من الوقائع نفسها، إذْ تمضي الأحداث، ويبقى اللفظُ شاهدًا عليها، يُوجِّه فهمها، ويُؤَثِّر في تأويلها.

     وفي التاريخ الصحفي العربي الحديث، يبرز اسمان تركا أثرًا واضحًا في تشكيل اللغة السياسية والإعلامية، هُما الكاتب المِصري محمد حسنين هيكل (1923_ 2016) والكاتب الفِلَسطيني عبد الباري عطوان ( وُلد 1950 ). ولكل واحد منهما منهج خاص في صياغة المصطلحات وتوظفيها، يعكس تكوينه الثقافي، ومدرسته الصحفية، ورؤيته للعالَم، وأسلوبه في قراءة التحولات الدولية والإقليمية.

     أدركَ هيكل أنَّ اللغة ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الخبر، وإنما هي أداة لفهم التاريخ وصناعته. لذلك جاءت كتاباته مشبعة بالمفاهيم المُركَّبة، التي تمزج بين التحليل السياسي والرؤيةِ التاريخية.وكان يميل إلى صياغة تعبيرات ذات طابع إستراتيجي، لا تستهدف الإثارةَ العابرة، وإنما تسعى إلى تفسير الظواهر الكبرى، وربطها بسياقاتها العميقة. ففي مقالاته وكتبه تبدو المصطلحات جُزءًا من بناء فكري متكامل، لا مُجرَّد زخارف لغوية، أو عناوين صحفية.

     وكان هيكل شديد العناية بدقة اللفظ، لأن الكلمة عنده مسؤولية معرفية قبل أن تكون وسيلة إعلامية. لذلك كثيرًا ما كان يشرح المصطلحَ، ويُبَيِّن ظروفَ نشأته، ويُوضِّح حدوده الدلالية، حتى لا يتحوَّل إلى شعار فارغ أو أداة للتضليل. ومِن هُنا اكتسبت مصطلحاته قدرة على الاستمرار، لأنها وُلدت من قراءة واسعة للتاريخ والسياسة والعلاقات الدولية، لا مِن انفعال لحظة، أو تأثير حدث عابر.

     أمَّا عطوان فقد جاء من مدرسة صحفية مختلفة، تقوم على القرب من الحدث، والاحتكاكِ المباشر بتفاصيل الصراع، ومخاطبة جمهور واسع بلغة تَجمع بين الفصاحة والوضوح. لهذا اتَّجه إلى إنتاج مصطلحات أكثر التصاقًا بالإعلام اليومي، وأكثر قدرة على الانتشار في الفضاء العام، مستفيدًا من قوة الصورة البلاغية، وسرعةِ الإيقاع، وحيويةِ الأسلوب.

     وفي كتابات عطوان نجد المصطلحَ يولد غالبًا من رحم الحدث الساخن، ثم يتوسع استعماله حتى يصبح جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي. وهو يميل إلى التعبيرات التي تستفز الذهنَ، وتثير النقاش، وتختزل موازين القوى في صورة لغوية مكثفة. لهذا استطاعت كثير من عباراته أن تجد طريقها إلى المقالات والبرامج الحوارية ومِنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تخاطب المتلقي بلغة مباشرة دون أن تتخلى عن بُعدها السياسي.

     غَير أنَّ الفرق بين الكاتبَيْن لا يكمن في القدرة على ابتكار المصطلحات، وإنما في الفلسفة الكامنة وراء هذا الابتكار. هيكل ينطلق من رؤية المؤرخ الذي يفسر حركة التاريخ، لذلك تأتي مصطلحاته أشبه بالمفاتيح الفكرية لفهم التحولات الكبرى. أمَّا عطوان فينطلق من رؤية الصحفي المتابع للصراع اليومي، فتأتي مصطلحاته أكثر ارتباطًا بإيقاع الأحداث، وتقلباتِ الواقع السياسي.

     وليس من الإنصاف أن تُقَاس تجربة أحدهما بمعايير الآخر، لأن لكل مدرسة غايتها وأدواتها. مدرسة هيكل تسعى إلى تأسيس الوعي التاريخي والسياسي عبر لغة دقيقة ذات نَفَس تحليلي طويل، بينما تسعى مدرسة عطوان إلى مرافقة الحدث، وقراءته لحظة بلحظة، وصياغة خطاب إعلامي قادر على الوصول إلى جمهور واسع في زمن السرعة وتدفقِ المعلومات.

     ومعَ ذلك، فإن العنصر الجامع بينهما هو الإيمان بأن المصطلح ليس كلمة عابرة، بلْ قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام. وحين ينجح الكاتبُ في تسمية ظاهرة سياسية تسميةً دقيقة، فإنه يمنح القارئ إطارًا ذهنيًّا لفهمها، ورُبَّما يُوجِّه النقاشَ العام نحو زاوية مُعيَّنة دون غيرها. لهذا كانت معركة المصطلحات دائمًا جزءًا من معركة السياسة نفسها، إذْ تتنافس الدول والمؤسسات ووسائل الإعلام والمفكرون على فرض اللغة التي يُقْرأ بها الواقع.

     إنَّ المقارنة بين هيكل وعطوان ليست منافسة بين صَحَفِيَّيْن، بلْ هي مقارنة بين مدرستَيْن في التفكير السياسي والإعلامي، مدرسة تؤمن بأن المصطلح ثمرة للتاريخ، ومدرسة ترى أنَّه ابن اللحظة السياسية المتحركة. وكلتاهما أسهمتْ،بطريقتها الخاصة،في إثراء المعجم السياسي العربي، وتوسيعِ قدرة اللغة العربية على التعبير عن قضايا العصر، وتعقيداتِ العلاقات الدولية.

     وتبقى الكلمة هي أول أدوات السياسة وآخرها. ومن يملك القدرةَ على تسمية الأشياء يملك القدرةَ على توجيه الوعي بها. لهذا سيظل صانع المصطلحات حاضرًا في ذاكرة الأمم، لأن التاريخ لا يُكتَب بالأحداث وحدها، وإنما يُكتَب أيضًا بالأسماء التي تُطلَق عليها، وبالمفاهيم التي تُفَسَّر بها حركتها، وباللغة التي تمنحها معناها الباقي عبر الزمن.

17‏/07‏/2026

تمرد الأنثى بين جمانة حداد وفروغ فرخزاد

 

تمرد الأنثى بين جمانة حداد وفروغ فرخزاد

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     لم يكن الشعر النسوي في الشرق مجرد انفعال وجداني أو تعبير عن عاطفة شخصية، بل كان في كثير من محطاته التاريخية مشروعًا لمساءلة الواقع، وكشفًا للمشكلات الاجتماعية التي أحاطت بالمرأة.

     ومن بين الأصوات التي استطاعت أن تُحوِّل القصيدةَ إلى مساحة للمواجهة الفكرية والوجودية، تبرز الشاعرة اللبنانية جمانة حداد ( وُلدت 1970 ) والشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد ( 1934_ 1967 ) بوصفهما تجربتين مختلفتين في البيئة والثقافة، ومتقاربتين في الجرأة والتمرد والسعي إلى تحرير الذات الأنثوية من القيود الاجتماعية والثقافية.

     التمردُ عند الشاعرتين يرتبط بالفوضى، ونقضِ القيم الإنسانية، ويُمثِّل احتجاجًا على كُلِّ سُلطة تصادر حق المرأة في التفكير، والحُب، والإبداع، والاختيار. لقد أرادتا أن تسترد الأنثى صوتها بعد أن ظلَّ طويلًا مُحاصَرًا بخطابات الآخرين، وأن تتحوَّل من موضوع يُكتَب عنه إلى ذات تكتب نفسها بنفسها.

     جمانة حداد جاءت من بيئة عربية مختلفة، لكنها اصطدمت بالأسئلة ذاتها. اختارت منذ بداياتها أن تكتب بلغة صادمة لإثارة الجدل،وكسرِ الصمت الذي أحاطَ بالجسد الأنثوي، والرغبةِ، والحريةِ الفكرية. وهي ترى أن الثقافة الذكورية لا تهيمن بالقوة وحدها، وإنما تهيمن أيضًا باللغة، لذلك حاولتْ أن تعيد تشكيلَ اللغة الشعرية بحيث تصبح أكثر قدرة على التعبير عن التجربة النسوية بعيدًا عن القوالب التقليدية.

     في قصائد جمانة حداد، لا تبدو المرأة ضحية تنتظر الإنقاذ، بل ذاتًا واعية تعيد تعريفَ نفسها باستمرار. إنها امرأة تبحث عن هُويتها خارج التصنيفات الجاهرة، وترفض أن تكون مرآة لرغبات الآخرين. ومن هُنا جاءت قصيدتها مزيجًا من الحس الفلسفي، والتمردِ الوجودي، والاحتجاجِ الثقافي، حتى أصبحت الكتابة لديها فعلًا من أفعال المقاومة.

     أمَّا تجربة فروغ فرخزاد، فهي تُمثِّل واحدة من أكثر التجارب الشعرية إثارةً في الأدب الفارسي الحديث. خرجتْ من مجتمع محافظ يفرض على المرأة أدوارًا محددة، ورفضتْ أن تكون مجرد صورة تقليدية للأم أو الزوجة، وأعلنتْ في قصائدها أن المرأة كائن كامل يمتلك حقه في الحُلْمِ والرغبةِ والألمِ والحرية. لذلك جاءتْ لغتها الشعرية شفافة وعارية من الزخرفة، لكنها مشحونة بآلامِ التجربة الإنسانية. وكانت قصائدها أقرب إلى اعترافات تواجه العالَم بلا أقنعة، وتكشف هشاشتها وقوتها في آن واحد.

     لم يكن تمرد فروغ فرخزاد على المجتمع وحده، بل كان تمردًا على الخوف نفسه. آمنتْ بأن الإنسان لا يولد حُرًّا إلا عندما يتصالح معَ صوته الداخلي، لذلك حمل شعرُها بُعدًا وجوديًّا عميقًا تجاوزَ قضيةَ المرأة، ليصبح سؤالًا عن الإنسان في مواجهة العزلة والموت والزمن. لهذا بقي شعرُها حيًّا رغم رحيلها المبكر، لأن القضايا التي طرحتها لم تكن آنية، وإنما كانت تمس جوهرَ الإنسانِ.

     وعلى الرغم من اختلاف المرجعيتين الثقافيتين بين الشاعرتين، إلا أنهما تلتقيان عند نقطة مركزية، وهي أن الحرية تبدأ من الكلمة. الكلمةُ بالنسبة إليهما ليست وسيلة للتعبير فقط، وإنما هي فعل وجود، ووسيلة لاستعادة الذات. لذلك تحوَّلت القصيدةُ إلى مساحة للمساءلة، وكسرِ المحرمات،ومحاولةِ إعادة بناء صورة المرأة بعيدًا عن الصور النمطية التي رسختها الثقافة التقليدية.

     يختلف أسلوبُ التمرد بين الشاعرتين في بعض الجوانب. تعتمد جمانة حداد خطابًا أكثر مباشرة وصدامية، يستخدم المفارقةَ والرمز واللغة المكثفة لإحداث صدمة فكرية لدى القارئ. بينما تميل فروغ فرخزاد إلى البوح الهادئ الذي يخفي تحت بساطته عاصفةً من الأسئلة الوجودية. ومعَ ذلك،فالهدف النهائي يبقى واحدًا: تحرير الإنسان، والمرأة خصوصًا، من كل أشكال الوصاية.

     كما أن صورة الحُب عندهما تتجاوز المفهومَ الرومانسي التقليدي. الحب ليس نهاية الحكاية، بل بداية لاكتشاف الذات،وهو تجربة وجودية تكشف للمرأة قدرتها على الاختيار،وتحمُّلِ المسؤولية. لذلك لم يكن الحُب في شعرهما خضوعًا للرجل، وإنما علاقة بين ذاتَيْن حُرَّتَيْن بلا هيمنة.

     ولعلَّ أكثر ما يُميِّز تجربتيهما أن التمرد لم يكن شعارًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا مجردًا، بل كان تجربة شخصية عاشتها كُلُّ واحدة منهما بكل ما فيها من ألم وعزلة ونقد ومواجهة.

     تعرَّضت جمانة حداد لكثير من الانتقادات بسبب أفكارها الفوضوية وكتاباتها الحادة، ودفعتْ فروغ فرخزاد ثمنَ جُرأتها وتهوُّرها من حياتها الخاصة، ونظرةِ المجتمع إليها.

     إن التمرد والتجربة الاحتجاجية لدى الشاعرتين، مَثَّلا حالةً صارخة من الصدام معَ الموروث الاجتماعي والديني والثقافي. كما أن مشروعهما الاحتجاجي عبارة عن أداة للاغتراب والقطيعة، بدلًا من كَونه وسيلة للتغيير والتنويرِ الفَعَّال.

     اتخذ تمرُّد جمانة حداد طابعًا هجوميًّا مباشرًا، ولكنه سقط في فخاخ معرفية وأسلوبية واضحة: تغليب الاستفزاز على العمق الفكري، والتقليدِ الأعمى، والتبعيةِ الحرفية للنموذج الغربي.

     ورغم القوة العاطفية في لغة فروغ فرخزاد، إلا أن تمردها الفكري عانى من نقاط ضعف جوهرية حدَّت من فاعليته: الانكفاء على الذات، والغرق في المأساوية، والقطيعة، والنخبوية، والاغتراب التام عن واقع المرأة الشرقية.

13‏/07‏/2026

مأساة المنفى بين شيركو بيكس وبي داو

 

مأساة المنفى بين شيركو بيكس وبي داو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.......................


     يُعَد المنفى من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً وتعقيدًا، فهو ليس انتقالًا جغرافيًّا من مكان إلى آخر فَحَسْب، وإنما اقتلاع للروح من تربتها، وانفصال مؤلم بين الإنسان وذاكرته وهُويته. فالمنفيُّ يَحمل وطنه في قلبه كما يَحمل الجرحُ ألَمَه، ويعيش بين مكان لا ينتمي إليه، ووطنٍ لا يستطيع العودة إليه. ومِن هُنا أصبح المنفى أحد أبرز الموضوعات التي شغلت الأدبَ العالمي، إذْ وجد فيه الشعراءُ مساحةً للتعبير عن الحنين والاغتراب والمقاومة والأمل.

     ويبرز من بين هؤلاء الشاعر الكردي شيركو بيكس ( 1940 السليمانية/ كردستان العراق_ 2013 السويد )، والشاعر الصيني بي داو، اسمه الحقيقي زاو زينكاي ( وُلد 1949 بكين )، اللذان جسَّدا في قصائدهما مأساة الإنسان الذي حُرم من وطنه، وإن اختلفت الظروفُ السياسية والثقافية التي أفضتْ إلى هذه التجربة.

     عاش شيركو بيكس تجربة المنفى بوصفها امتدادًا لمعاناة الشعب الكردي الذي طالما كافحَ من أجل حُريته وهُويته، فكانتْ قصائده مرآةً لجبال كردستان ووديانها ومدنها، كما كانت سِجلًّا للألم الإنساني الذي خلَّفته الحروب والصراعات والاضطهاد. ولم يكن الوطن عنده مُجرَّد حدود سياسية، بل كان الأم والطفولة والأصدقاء والأشجار والأنهار واللغة والذاكرة. لذلك تحوَّل المنفى في شعره إلى حالة من الاشتياق الدائم، حتى بدا وكأن كُلَّ قصيدة يكتبها هي محاولة للعودة إلى الوطن بالكلمات بعدما استعصت العودة بالخطوات.

     استطاعَ شيركو بيكس أن يُحوِّل الحزنَ إلى طاقة شعرية خلاقة، فلم يكن يستسلم لليأس، بل كان يجعل من القصيدة وطنًا بديلًا يحتمي به من الغربة. في نصوصه تتداخل الطبيعة معَ الإنسان، وتتحول الجبال إلى رموز للصمود، والغيوم إلى شواهد على الغياب الطويل، وتصبح الطيورُ رسائل تحمل الحنين. وهكذا أصبحت اللغة عنده وسيلة لمقاومة النسيان، لأن المنفى الحقيقي في نظره ليس الابتعاد عن الأرض، وإنما فقدان القدرة على تذكرها.

     أمَّا الشاعر الصيني بي داو، فقد جاءت تجربة منفاه في سياق سياسي مختلف، إذ ارتبطت بالقيود التي فرضتها السُّلطة على حرية الفكر والتعبير.وقد وجد نفسه بعيدًا عن وطنه بعد الأحداث السياسية التي غيَّرت مسارَ حياته، فأصبح يعيش في بلدان متعددة، يَحمل الصين في ذاكرته بينما يحاول أن يبني حياةً جديدة خارج حدودها. ومِن هُنا اكتسب شعره طابعًا فلسفيًّا تأمُّليًّا، إذْ لم يكن المنفى عنده مُجرَّد فقدان للمكان، وإنما كان سؤالًا عميقًا عن الحرية والهُوية والوجود.

     تتميز لغة بي داو بكثافتها ورمزيتها، فهو لا يُصرِّح بالألم تصريحًا مباشرًا، وإنما يتركه يتسلل بين الصور الشعرية والإشارات والإيحاءات. لذلك يشعر القارئ وهو يقرأ قصائده بأن الغربة ليست حالةً خارجية، بل هي شعور داخلي يرافق الإنسانَ أينما ذهب. فالمدينةُ الجديدة لا تمحو المدينةَ القديمة، والوجوهُ الجديدة لا تستطيع أن تحل محل الوجوه التي تركها خلفه، والزمنُ لا ينجح في محو آثار الذاكرة مهما امتد.

     وعلى الرغم من اختلاف البيئة التي نشأ فيها كُلٌّ من شيركو بيكس وبي داو، فإنَّ بينهما قواسم إنسانية مشتركة عديدة. كلاهما عاش تجربة الابتعاد القسري عن الوطن، وكلاهما جعل من الشعر وسيلةً للحفاظ على الهُوية، والدفاعِ عن الحرية. كما أنَّهما رَفَضَا أن يتحوَّل المنفى إلى استسلام، بلْ جَعَلاه فضاءً للتأمُّل والإبداعِ وإعادةِ اكتشاف الذات.

     غَير أن الفارق بين التجربتين يبدو واضحًا في طبيعة الصورة الشعرية. شيركو بيكس أكثر ارتباطًا بالطبيعة، إذْ تتكرر في شعره الجبالُ والأنهار والطيور والأشجار بوصفها رموزًا للوطن والمقاومة. أمَّا بي داو فيميل إلى التجريد والرمزية، ويعتمد على الصور الفكرية التي تمنح قصيدته أبعادًا فلسفية تتجاوز حدودَ التجربة الشخصية. لذلك تبدو قصيدة شيركو بيكس أكثر دفئًا وعاطفةً، بينما تبدو قصيدة بي داو أكثر هدوءًا وتأمُّلًا، وإنْ كان الحنين يسكنهما معًا.

     ويبرز الاختلافُ أيضًا في طبيعة العلاقة معَ الوطن. الوطنُ عند شيركو بيكس كائن حَي يتنفس في تفاصيل الحياة اليومية، لذلك يظلُّ حاضرًا في كُلِّ صورة شعرية تقريبًا. أمَّا عند بي داو، فإنَّ الوطن يتحوَّل إلى فكرة مُجرَّدة تتداخل معَ أسئلة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، فيصبح البحثُ عن الوطن بحثًا عن عالَم أكثر إنصافًا للإنسان.

     ومعَ ذلك، فإنَّهما يلتقيان عند حقيقة واحدة، وهي أنَّ المنفى لا يستطيع أن يهزم الذاكرةَ. فالإنسانُ قد يغادر أرضه، لكنَّه لا يغادرها وجدانيًّا. لذلك تتحوَّل القصيدةُ إلى بيت جديد، وتصبح اللغة وطنًا بديلًا يحفظ ملامحَ الهُوية من الضياع. ومِن هُنا كانت الكتابة عند الشاعرَيْن فِعل مقاومة، لأنها تقف في وجه النسيان، وتمنح المنفيَّ قدرةً على استعادة وطنه بالكلمات.

     إنَّ مأساة المنفى في شعر شيركو بيكس وبي داو ليست حكاية فردية، وإنما هي صورة لمعاناة الإنسان حين يُحرَم من حقه في الأمن والانتماء والحرية. المنفى يترك أثرَه في النَّفْس كما يترك الزمنُ أثرَه في الحجر، لكنَّه في الوقت نفسه يكشف قدرةَ الإنسان على تحويل الألم إلى إبداع، والخسارة إلى معنى، والغياب إلى حضور دائم في الوجدان.

لماذا تجامل الفيفا اللاعب ميسي؟

 

لماذا تجامل الفيفا اللاعب ميسي؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

................

     لطالما كان عالم كرة القدم أرضًا خضبة للقصص الملهمة، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من الجدل والاتهامات. ولعل السؤال الذي يتردد بانتظام في المقاهي الرياضية، والإستديوهات التحليلية، ومنصات التواصل الاجتماعي هو: لماذا تجامل الفيفا ( الاتحاد الدولي لكرة القدم ) اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي؟.

     هذا السؤال لم يأتِ من فراغ، بل يغذيه شعور قطاع واسع من الجماهير بأن " البرغوث " الأرجنتيني يحظى بمعاملة تفضيلية، وسلطة معنوية داخل المستطيل الأخضر وخارجه، توجت بالعديد من الجوائز الفردية التي يرى البعض أن غيره كان أولى بها في سنوات معينة. ولكن، هل هي مجاملة حقًّا أمْ أنها معادلة معقدة تشتبك فيها العاطفة بالصناعة والاستثمار؟.

     الفيفا ليست مجرد اتحاد رياضي، بل هي مؤسسة تجارية عملاقة تدير صناعة بمليارات الدولارات. وفي عالم المال والأعمال، يحتاج كل منتج إلى علامة تجارية براقة تجذب المستثمرين، والرعاة، والجماهير.

     ميسي ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل هو أكبر علامة تجارية حية في تاريخ الرياضة. وجود ميسي في أي محفل، أو تتويجه بأية جائزة، يعني ملايين المشاهدات الإضافية، وتضاعُف عقود الرعاية والإعلانات، وشغف جيل كامل من الشباب بمتابعة اللعبة وشراء قمصانها. بالنسبة للفيفا، استمرار ميسي على القمة هو استمرار لتدفق الأرباح، وضمانِ جاذبية اللعبة عالميًّا.

     تبحث كرة القدم دائمًا عن الملك، الذي يتربع على عرشها ليصبح واجهة اللعبة عبر الأجيال، ( مثل بيليه ومارادونا سابقًا ). ميسي _ بأسلوبه الساحر وشخصيته الهادئة نسبيًّا بعيدًا عن الفضائح _ يُمثِّل العنوان المثالي الذي ترغب الفيفا في تصديره للعالم كقدوة رياضية.

     تتويج ميسي بلقب كأس العالم في قطر ( 2022 ) منح كرة القدم النهاية الهوليودية المثالية التي حلم بها عشاق اللعبة والمسؤولون عنها. هذه الصورة الأسطورية هي ما تحاول الفيفا الحفاظ عليه، وإظهاره دائمًا، لأنها ترفع من القيمة الروحية والتاريخية لبطولات الاتحاد الدولي.

     يخلط المنتقدون بين مجاملة الفيفا، وتصويتِ المنظومة الكروية. جوائز مثل الأفضل، أو الكرة الذهبية، أو جوائز الفيفا عمومًا، تعتمد في جزء كبير منها على تصويت مدربي وقادة المنتخبات الوطنية، بالإضافة إلى الصحفيين. هؤلاء المصوتون بشر، يتأثرون بالهالة التاريخية للاعب. عندما يوضع اسم ميسي في قائمة المرشحين، فإن المصوت لا ينظر فقط إلى إحصائيات الموسم الحالي، بل يصوت أحيانًا لـ " ميسي التاريخ والتراث ". هذا الاحترام الجارف من زملائه ومدربيه في الملاعب يتحول تلقائيًّا إلى نقاط تصويتية تظهره وكأنه يفوز بالمجاملة، بينما هو يفوز بسطوة اسمه وتاريخه.

     لا يمكن إنكار أن هذا الدعم المعنوي والترويجي الهائل لميسي قد ألقى بظلاله على لاعبين آخرين قدَّموا مواسم استثنائية. في تلك اللحظات، يرى المشجع المحايد غيابًا لمعايير العدالة الصارمة لصالح الكاريزما والتأثير الجماهيري.

     ما يُسمِّيه البعض مجاملة، يراه خبراء التسويق والاستثمار ذكاءً تسويقيًّا، وعبقرية البيع، ويراه عشاق الرومانسية الكروية تتويجًا عادلًا للموهبة الأرقى في التاريخ. والفيفا لا تجامل ميسي لشخصه فقط، بل تجامل فيه صورتها، وأرباحها، والقصة الجميلة التي تريد لمليارات البشر أن يواصلوا تصديقها، وشغفهم بها، قصة أن كرة القدم ما زالت قادرة على إنجاب السحرة والمبدعين والنجوم.

10‏/07‏/2026

الوعي بالتاريخ بين حسن النعمة وتشيسواف ميووش

 

الوعي بالتاريخ بين حسن النعمة وتشيسواف ميووش

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.....................


     ليس التاريخ في الشعر مُجرَّد وقائع تُروَى أو أحداث تُستعاد، بلْ هو ذاكرة الوجود الإنساني، والمِرآةُ التي يرى فيها الإنسانُ مصيرَه، ويختبر من خلالها علاقته بالزمن والحضارة والهُوية. وكلما ازداد وعي الشاعر بالتاريخ، تحوَّل شعره من التعبير عن اللحظة العابرة إلى مساءلة المصير الإنساني بأبعاده العميقة. ومن هُنا تلتقي تجارب شعرية متباعدة في الجغرافيا والثقافة، لكنَّها تتقاطع في إدراكها أنَّ التاريخ ليس ماضيًا منتهيًا، بلْ قوة حية تتدخَّل في تشكيل الحاضر، واستشرافِ المستقبل.

     مِن أبرز هذه التجارب، تجربة الشاعر القطري حسن النعمة ( وُلد 1943 ) الذي ينطلق من تاريخ الأمة العربية والإسلامية، ومن ذاكرة الخليج العربي، ليستخرج منها أسئلة الهُوية والانتماء والنهضة، وتجربة الشاعر البولندي تشيسواف ميووش ( 1911_ 2004 ) الذي عاش أهوالَ القرن العشرين، وشهد الاحتلالات والحروب والأنظمة الشمولية، فجعل من التاريخ مادة للتأمل الفلسفي، والبحثِ الأخلاقي عن معنى الإنسان وسط الخراب.

     ورغم اختلاف البيئة الثقافية واللغوية بين الشاعرَيْن، فإنَّهما يدركان أن الشعر لا يستطيع أن ينفصل عن التاريخ، وأن القصيدة الحقيقية ليست وصفًا للأحداث، وإنما هي محاولة لفهمها، وكشفِ أثرها في الروح الإنسانية.

     النعمة لا يتعامل مع التاريخ بوصفه زخرفة ثقافية أو استدعاء للتراث من أجل التجميل البلاغي، وإنما يجعله عنصرًا بنائيًّا في تشكيل رؤيته الشعرية، فهو يستحضر الشخصيات والأماكن والرموز الحضارية باعتبارها علامات على استمرارية الأمة، ووسائل لاستنهاض الوعي الجمعي. فالماضي عنده ليس زمنًا منقطعًا، بلْ هو امتداد للحاضر، والحاضرُ لا يمكن فهمه إلا من خلال جذوره التاريخية. لذلك تبدو قصائده مشبعة بروح الوفاء للمكان، والذاكرةِ العربية، والإرثِ الإسلامي، حيث تتداخل الصحراء والبحر، والمدينة القديمة، وصوت الأجداد، معَ هموم الإنسان المعاصر. والتاريخُ في شعره ليس متحفًا للبطولات، بلْ هو تجربة حية تدعو إلى مراجعة الذات، واستعادةِ القدرة على الفعل الحضاري.

     أمَّا ميووش، فقدْ وُلد في قلب أوروبا المضطربة، وعاش انهيار القيم تحت وطأة الحروب العالمية، والاحتلال النازي، ثم الحكم الشيوعي، والمنفى الطويل. ولهذا أصبحَ التاريخُ عنده سؤالًا وجوديًّا لا ينفصل عن معاناة الإنسان الفرد، فهو لا يكتب عن التاريخ بوصفه انتصارًا للأمم، بلْ بوصفه امتحانًا للأخلاق، ومَيدانًا تتصارع فيه الحقيقة معَ السُّلطة، والحرية معَ القمع، والذاكرة معَ النسيان.

     وتتجلى خصوصية ميووش في رفضه لاختزال الإنسان في الشعارات السياسية، وتأكيده على أن الفرد هو الضحية الأولى عندما يتحول التاريخ إلى أداة للقوة المجردة. لذلك تمتزج في شعره الحكمةُ الفلسفية بالتجربة الشخصية، ويغدو الماضي وسيلة لاكتشاف هشاشة الإنسان، وفي الوقت نفسه قدرته على المقاومة.

     ويلتقي الشاعران في إيمانهما بأن الذاكرة مسؤولية أخلاقية. النعمة يرى أن نسيان التاريخ يؤدي إلى ضياع الهُوية، بينما يرى ميووش أن نسيان التاريخ يسمح بتكرار المآسي. ومِن هُنا يصبح الشعرُ عندهما فعلًا من أفعال المقاومة، لا بالسلاح، وإنما بالكلمة التي تحفظ الذاكرة من التآكل. غَير أن طبيعة هذه المقاومة تختلف بينهما. النعمة يتَّجه نحو التاريخ ليعيد بناءَ الثقة بالمستقبل، ويستنهض رُوحَ الأمة، ويؤكد أن الحضارات التي صنعت مجدها قادرة على النهوض من جديد إذا امتلكت الوعي والإرادة. أمَّا ميووش فيتَّجه إلى التاريخ ليُحذِّر الإنسانَ من الغرور الحضاري، ويكشف أن التقدم المادي لا يضمن بالضرورة التقدم الأخلاقي، وأن الحضارة قد تتحول إلى آلة للدمار إذا فقدتْ قيمها الإنسانية.

     كما يختلف البناء الشعري في معالجة التاريخ لدى الشاعرَيْن. قصيدةُ النعمة تميل إلى النبرة الخطابية الرصينة، والصور المشرقة، والرموز المستمدة من التراث العربي والإسلامي، معَ حضور واضح للإيقاع، واللغةِ الفخمة التي تستمد قوتها من البلاغة العربية. أمَّا ميووش، فيُفضِّل اللغة التأملية الهادئة، التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي عمقًا فلسفيًّا كبيرًا، حيث تتجاور التفاصيل اليومية معَ الأسئلة الكبرى حول الزمن والموت والعدالة والخلود.

     ومعَ ذلك، فإنَّهما يرفضان أن يكون التاريخ سجنًا للماضي. التاريخ عند النعمة طاقة تبعث الأمل، وعند ميووش تجربة تمنح الحكمة. الأول ينظر إلى الوراء ليستعيد أسبابَ القوة، والثاني ينظر إلى الوراء كي يمنع تكرار الكارثة. وفي الحالتَيْن، يصبح الشعر وسيلة لتجاوز الزمن، ولَيس الخضوع له.

     ومن اللافت أن الشاعرَيْن يمنحان الإنسان مكانة مركزية في رؤيتهما للتاريخ. التاريخُ ليس حركة جيوش، ولا تبدُّل أنظمة فَحَسْب، بل هو حياة البشر، وآلامهم، وأحلامهم، وانكساراتهم، وقدرتهم الدائمة على البدء من جديد. ومِن هُنا تتجاوز قصائدهما الحدود القومية لتلامس التجربة الإنسانية المشتركة، حيث يصبح الألم لغة عالمية، والحرية قيمة لا تخصُّ شعبًا دون آخَر.

07‏/07‏/2026

التحديات العالمية أمام قمة الناتو في تركيا

 

التحديات العالمية أمام قمة الناتو في تركيا

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

...............

     تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) في تركيا في مرحلة تُعَد من أكثر المراحل تعقيدًا في النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، فلم تعد أجندة الحلف تقتصر على الدفاع الجماعي، وردع التهديدات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تشمل طيفًا واسعًا من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد رسم موازين القوة العالمية، وتفرض على الحلف مراجعة أولوياته وإستراتيجياته.

     في مقدمة هذه التحديات تأتي الحرب الروسية الأوكرانية، التي ما تزال تلقي بظلالها على الأمن الأوروبي، فاستمرار الصراع يفرض على دول الناتو المحافظة على وحدة موقفها السياسي والعسكري، مع ضمان استمرار الدعم لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه تجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. ويظل تحقيق هذا التوازن من أكثر الملفات حساسية داخل الحلف، خاصة في ظل اختلاف الرؤى بين بعض الدول الأعضاء بشأن حجم الدعم العسكري، ومستقبل التسوية السياسية.

     كما تواجه القمة تحديًا آخر يتمثل في تصاعد المنافسة الإستراتيجية مع الصين، التي أصبحت لاعبًا رئيسًّا في الاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد. ورغم أن الصين ليست خصمًا عسكريًّا مباشرًا للناتو، إلا أن توسع نفوذها الاقتصادي والعسكري يثير قلقًا متزايدًا داخل الحلف، خاصة فيما يتعلق بأمن الفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، وأمن البنية التحتية الحيوية، وحماية التقنيات المتقدمة.

     ولا تقل التحديات الداخلية أهمية عن التهديدات الخارجية، إذْ يواجه الناتو ضغوطًا للحفاظ على تماسكه السياسي في ظل تباين المصالح الوطنية بين أعضائه، فملفات الإنفاق الدفاعي، وتقاسم الأعباء العسكرية، والهجرة، وأمن الطاقة، والعلاقات مع الشرق الأوسط، كلها قضايا تكشف اختلاف الأولويات بين دول الحلف، الأمر الذي يتطلب توافقًا سياسيًّا يحافظ على وحدة القرار الإستراتيجي.

     ويبرز الإرهاب بوصفه تهديدًا مستمرًّا رغم تراجع حضوره الإعلامي مقارنة بالحروب التقليدية. فالتنظيمات المتطرفة ما تزال تستغل مناطق النزاعات والهشاشة الأمنية في بعض الدول لإعادة تنظيم صفوفها، وهو ما يجعل مكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي أحد المحاور الأساسية لأية رؤية أمنية مستقبلية للحلف.

     وفي الجانب الاقتصادي، تمثل تداعيات التضخم العالمي، وتقلبات أسواق الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، تحديات غير مباشرة تؤثر في قدرة الدول الأعضاء على زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير صناعاتها العسكرية. كما أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا المتقدمة يفرضان على الحلف الاستثمار بصورة أكبر في الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الرقمية.

     أمَّا تركيا، بصفتها الدولة المستضيفة، فتحتل موقعًا إستراتيجيًّا بالغ الأهمية داخل الناتو، إذْ تمثل حلقة وصل بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط والبحر الأسود. ويمنحها هذا الموقع دورًا محوريًّا في مناقشة قضايا الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة والطاقة، وإدارة الأزمات في المناطق المجاورة. كما تسعى أنقرة إلى توظيف استضافتها للقمة لتعزيز مكانتها الدبلوماسية، وإبراز دورها بوصفها شريكًا لا غنى عنه في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

     لن تكون قمة الناتو في تركيا مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بل محطة مفصلية لاختبار قدرة الحلف على التكيف مع عالم سريع التحول، تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.

     وسوف يُقَاس نجاح القمة بمدى قدرتها على بلورة رؤية إستراتيجية موحدة تعزز الأمن الجماعي، وتحافظ على تماسك الحلف، وتؤسس لاستجابة أكثر فاعلية للتحديات العالمية المتسارعة، في ظل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس وعدم اليقين.

06‏/07‏/2026

قلق القصيدة بين قاسم حداد ولويس أراغون

 

قلق القصيدة بين قاسم حداد ولويس أراغون

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن واحد، حيث تتصارع اللغة معَ المعنى، والذات معَ العالَم، والحُلْم معَ الواقع.

     في هذا السياق، تتجلى تجربة الشاعر البحريني قاسم حداد ( وُلد 1948) والشاعر الفرنسي لويس أراغون ( 1897_ 1982 ) بوصفهما نموذجَيْن بارزَيْن لقلق الكتابة الشعرية، وإن اختلفت منابعهما الثقافية والفكرية والجَمالية.

     آمنَ قاسم حداد بأنَّ القصيدة ليست شكلًا لغويًّا مغلقًا، وإنما كائن حَي يتجدد معَ كُلِّ قراءة، ويعيد اكتشافَ نفسه معَ كُلِّ تجربة إنسانية، لذلك جاءت قصيدته متمردةً على القوالب الجاهزة، ورافضةً الاستسلام للمألوف، ومنفتحةً على الأسطورة والفلسفة والفنون البصرية والموسيقى. فالقصيدةُ عنده ليست وصفًا للعالَم، وإنما محاولة لإعادة صياغته، لذلك تبدو لغته مشحونة بالتوتر والرمزية والانزياح، وكأن الكلمات تبحث عن معناها وهي تُكتَب. وهذا القلقُ هو أساس تجربته الشعرية، والشاعرُ يدرك أن الحقيقة أكبر مِن أن تُقَال دفعة واحدة، وأن اللغة الشعرية مهما اتَّسعت ستظلُّ عاجزة عن احتواء الوجود كُلِّه.

     ولا ينفصل هذا القلق عند قاسم حداد عن هاجس الحرية، فالحريةُ لديه ليست شعارًا سياسيًّا فَحَسْب، وإنما ممارسة جَمالية أيضًا. فهو يُحرِّر القصيدةَ مِن سلطان الوزن التقليدي حين يقتضي الأمر، ويُحرِّر الصورةَ من العلاقات المألوفة، ويمنح الكلمة حقها في أن تتجاوز معناها القاموسي إلى آفاق أكثر رحابة،لذلك تبدو قصائده وكأنها رحلة دائمة نحو المجهول، حيث لا نهاية للبحث، ولا اكتمال للمعنى.

     أمَّا لويس أراغون، فقدْ عاش قَلَقًا من نوع آخر، وإن كان يلتقي معَ قاسم حداد في الجَوهر الإبداعي. فقدْ شهد أراغون تحولات القرن العشرين الكبرى، مِن الحروب العالمية إلى الثورات الفكرية والسياسية، وكان شاهدًا على انهيار كثير من اليقينيات التي بنت عليها أوروبا الحديثة تصوُّرها للإنسان والعالَم، لذلك جاءت قصيدته مُحمَّلة بأسئلة الهُوية والحرية والحُب والوطن، وجعل من الشعر وسيلة لمقاومة القُبح والعُنف والنسيان.

     بدأ أراغون متأثرًا بالحركة السريالية التي دعت إلى تحرير المُخيِّلة من قيود العقل، لكنَّه سُرعان ما اكتشف أن الشعر لا يكتفي بالهروب إلى الأحلام، بل ينبغي أن يواجه الواقعَ أيضًا. وهُنا نشأ قلقه الفني، إذْ وجد نفسه مُوزَّعًا بين الوفاء للجَمال والالتزام بقضايا الإنسان. ولَم يكن هذا التوتر عائقًا أمام تجربته، بلْ أصبح مصدر ثرائها، فاستطاع أن يصنع لغةً تَجمع بين الرهافة العاطفية والعُمق الفكري، وبين الموسيقى الشعرية والرسالة الإنسانية.

     ويَبْلغ قلقُ القصيدة عند أراغون ذِروته في تجربته معَ الحُب، لا سِيَّما في قصائده التي كتبها لزوجته إلسا، حيث يتحول الحُب إلى وطن، والوطن إلى قصيدة، والقصيدة إلى فِعل مقاومة. الحُب عنده ليس انفعالًا فرديًّا معزولًا، وإنما طاقة روحية تواجه الخرابَ، وتمنح الإنسانَ القُدرةَ على الاستمرار. ومِن هُنا تتجاوز قصيدته حدودَ الذات لتصبح خِطابًا إنسانيًّا عامًّا.

     عِند المقارنة بين قاسم حداد ولويس أراغون، نجد أنهما يَرَيَان القصيدةَ مشروعًا مفتوحًا لا ينتهي. فالقصيدةُ ليست نصًّا مكتفيًا بنفسه، وإنما مغامرة مستمرة في اكتشاف الإنسانِ والعالَم. غَير أن اختلاف المرجعيات الثقافية أضفى على تجربة كُلٍّ منهما خصوصيتها. قاسم حداد يستمد كثيرًا من صوره من التراث العربي، والأسطورةِ الشرقية، والبيئةِ الخليجية، بينما يستند أراغون إلى الإرث الأوروبي، والفكرِ الفلسفي الحديث، وتجاربِ المقاومة الفرنسية. ومعَ ذلك، فإنهما يلتقيان في الإيمان بأن الشعر فِعل حرية، وأن اللغة لا تكتسب قيمتها إلا بقدرتها على تجاوز المألوف.

     كما يتجلى الفرقُ بينهما في طبيعة العلاقة معَ الواقع. لويس أراغون يميل إلى جعل القصيدة شاهدة على الأحداثِ التاريخية، والتحولاتِ الاجتماعية، بينما ينزع قاسم حداد إلى تعميق التجربة الداخلية، والبحثِ عن الأبعاد الوجودية للإنسان، غَير أن هذا الاختلاف لا يلغي وَحدةَ الرؤية، فَكِلاهما يَجعل من الشعر وسيلة لاكتشاف الحقيقة، وليس تقديمها في صورة جاهزة.

     إنَّ قلق القصيدة عند الشاعرَيْن لَيس قلقًا نفسيًّا عابرًا، بلْ هو وعي عميق بأن الشعر الحقيقي يُولَد من الصراع بين الممكن والمستحيل، وبين ما تستطيع اللغةُ أن تقوله وما تعجز عنه، ولهذا تبدو القصيدةُ عندهما مساحةً للأسئلة أكثر منها مُستودعًا للأجوبة، ومِنبرًا للبحث أكثر مِنها إعلانًا لليقين. وكُلُّ قصيدة جديدة تعني بداية رحلة جديدة، وكُلُّ كلمة تفتح بابًا إلى كلمات أُخرى، وكأن الشعر وجود لا يختفي، وحياة لا تزول.

     وإذا كانَ كُلُّ شاعر قد سلك طريقًا مختلفًا في التعبير، فإنهما التقيا عند حقيقة واحدة، وهي أن القصيدة لا تَبْلغ عظمتها إلا حِين تظلُّ قلقة، وباحثة، ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي،لأن اكتمال القصيدة هو بداية موتها، أمَّا قلقها فهو سِر خلودها.