سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

28‏/08‏/2026

تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه

 

تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.

     في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر ( وُلد 1970) ، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه ( 1936_ 2024 ). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.

     لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.

     وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما، ليس لأنهما يقولون الشيءَ نفسه، وإنما لأنَّ كُلَّ واحد منهما يكشف جانبًا من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملًا.

     مطر يراقب النظامَ الشمولي وهو يدخل إلى البَيْت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأبَ بعيدًا، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضورًا يوميًّا أكثر كثافة من حضور الأحياء. وكاداريه يراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.

     إنَّ الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفيَّة، قد لا تظهر على الصفحة،لكنها تُحرِّك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناسَ يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحُب مُعَرَّضًا للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.

     وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفردُ من السُّلطة، المطلوب أن يتعلَّم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملةِ التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأدب قادرًا على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.

     أعمالُ مطر تضع القارئ أمام عالَمٍ بشري جرى تشويهه من الداخل. النظامُ لا يظهر دائمًا بوصفه آلة ضخمة تتحرك في الشوارع، أحيانًا يظهر في سؤالٍ صغيرٍ، أو مكالمةٍ هاتفية، أو نظرةِ أُمٍّ قلقة، أوْ أبٍ يعرف أن جُملة واحدة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

     مطر يعرف أن الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يجعل الجميع يتصرفون كما لو أن هناك أُذُنًا تستمع، وهذه الأُذُن هي شبح من أشباح عالَمه الروائي.

     أمَّا عند كاداريه، فإن هذا الخوف يأخذ أحيانًا صورة أكثر اتِّساعًا وغرابة. في أعماله، لا تعود الدولة تراقب الأفعالَ فقط، إنها تريد الوصول إلى الأحلام نفسها. والفكرة تبدو للوهلة الأُولى سريالية أو مستحيلة، لكنها في الحقيقة شديدة الواقعية من ناحية رمزية، ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت السُّلطة مهتمة بما يحدث داخل رأسه قبل أن يحدث في الشارع؟.

     هُنا تبلغ الشمولية أقصى طموحها، لا تكتفي بالسيطرة على جسد الإنسان، وإنما تريد السيطرةَ على احتمالاته الداخلية، تريد أن تعرف ما يَحلم به، وما يتخيَّله، وما يخشاه، وما قد يقوله غدًا، فهذا يعني أن السُّلطة لم تعد تراقب المواطن، لقد أصبحت تريد احتلاله.

     مطر يُذكِّر القارئ بأنَّ التاريخ السياسي يُعَاش داخل أجساد أشخاص محددين. لا توجد عبارة أكثر اختزالًا لقوة السُّلطة من أن يقول المرء: (( اختفى أبي )).

     فقدان الأب في تجربة مطر ليس مُجرَّد حدث سياسي، إنه فراغ يعيد تشكيل حياة كاملة. وأسئلة مطر ليست سياسية فقط، إنها أسئلة وجودية، لذلك تصل إلى القارئ حتى لو لم يكن ليبيًّا، وحتى لو لم يعش تحت نظام شمولي، لأن فقدان الأب، والخوف، والانتظار، وعدم اليقين، كلها تجارب إنسانية تتجاوز الحدود.

     والأدبُ عند مطر يصبح نوعًا من مقاومة المحو. السُّلطةُ تستطيع أن تخفي إنسانًا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنع ابنه من رواية قصته.

     وإذا كان مطر يكتب عن السُّلطة من داخل الجُرح الشخصي، فإن كاداريه يكتب عنها من داخل المتاهة. في عالَمه الروائي، يمكن للدولة أن تكون غامضة، وعبثية، وهائلة، ومخيفة في الوقت نفسه. قد لا تعرف بالضبط أين تبدأ السُّلطة، وأين تنتهي، ومَن يُقَرِّر، ومَن يُراقب، ومَن ينقل الخبر، ومن اخترع التُّهمة، وهذه الضبابية ليست نقصًا في الرواية، إنها جزء من طبيعة النظام الذي يصفه. فالأنظمةُ الشمولية القاسية لا تحتاج إلى أن تكون مفهومة بالكامل لكي تكون فعالة، بلْ رُبَّما يكون غموضها جزءًا من قوتها.

     وإذا كان المواطن يعرف بالضبط ما هو الممنوع، فقد يستطيع أن يبحث عن حدود الممنوع، أمَّا إذا أصبحت الحدود متحركة، وإذا كان من الممكن أن تتحول كلمة بريئة إلى جريمة بحسب اللحظة السياسية، فإن الإنسان يبدأ في مراقبة نفسه بنفسه. وهُنا يصبح الخوف أكثر كفاءة.

     كاداريه بارع في صناعة هذه المساحات الرمادية، وهو يستخدم السخرية والأسطورة والمُفارَقة والتاريخ كي يكشف عبثَ النظام من الداخل. بدل أن يضع القارئَ دائمًا أمام مشهد مباشر من مشاهد القمع،قد يأخذه إلى مؤسسة بيروقراطية، أو مدينةٍ قديمة، أو حدثٍ تاريخي، ثم يجعله يكتشف أن ما يبدو بعيدًا عنه، هو في الواقع حاضرٌ شديد القُرب.

     إنه لا يصرخ في وجه السُّلطة، إنَّه يبتسم لها أحيانًا، وهذه الابتسامة أخطر مِمَّا تبدو، لأن السخرية تسحب من الديكتاتور هالته، والسُّلطة الشمولية تريد أن تبدو قَدَرًا لا يُناقَش، وتريد أن تظهر كأنها ضخمة وأبدية، ولا يمكن تخيُّل العالَم مِن دونها، لكن الروائي يفعل شيئًا بسيطًا ومُدمِّرًا، يجعلها مادة للسخرية، وفجأةً يصبح العملاق كاريكاتيرًا، والطاغية الذي يريد أن يبدو أسطوريًّا، يتحول إلى شخصية بشرية قابلة للرؤية والنقد والتشريح.

     قد يبدو الفرقُ بين مطر وكاداريه كبيرًا في الأسلوب. الأولُ يميل إلى الحساسية الاعترافية، والتفاصيلِ الحميمة، والعلاقةِ بين الذاكرة والعائلة، والثاني يميل إلى البناء الرمزي، والمُفارَقةِ التاريخية ، وعَالَمٍ يبدو أحيانًا كأنه خرج مِن حُلْمٍ ثقيل، أو كابوس بيروقراطي.

     لكن خلف هذا الاختلاف توجد فكرة مشتركة، السُّلطةُ لا تنجح عندما تمنع الإنسانَ من الكلام فقط، بل عندما تجعله غير قادر على معرفة ما إذا كان يحقُّ له الكلام أصلًا.

     في عوالم مطر وكاداريه الأدبية، الصمتُ ليس فراغًا، إنَّه لغة. قد يقول الرجل شيئًا، لكن ما لَم يقله يكون أهم، وقد يتحدث الأب عن الطقس بينما يُفَكِّر في شيء آخَر، وقد تجلس الأم إلى المائدة، لكنَّ جسدها يصغي إلى صوت خارج البَيْت، وقد يلتقي صديقان، لكنَّهما يعرفان أن بعض المواضيع لا ينبغي أن تُفْتَح .

     إنَّ النظام الشمولي يجعل الإنسانَ يتحدث بطبقتَيْن، طبقة ظاهرة تصل إلى الآخرين، وطبقة داخلية يحتفظ بها لنفسه. ومعَ الوقت، قد تصبح الطبقة الظاهرة أقوى من الطبقة الداخلية. وهُنا تقع الكارثة، لأن الإنسان يبدأ بتقمص الرقابة. لا يعود بحاجة إلى شرطي عند الباب، يصبح الشرطي داخل الرأس. هذه الفكرة حاضرة بقوة في الأدب الذي يكتب عن الاستبداد، وهي واحدة من أهم النقاط التي تجعل روايات مطر وكاداريه تتجاوز الحكاية السياسية المباشرة. كلاهما،بطرق مختلفة، يسأل: (( ماذا يفعل النظام بالإنسان بعد أن ينجح في جعله يراقب نفسه؟ )).

     لعلَّ أهم سلاح يمتلكه مطر هو الذاكرة. فالسُّلطةُ قد تكتب تاريخها الرسمي، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بسهولة بذاكرة الفرد، لهذا يصبح التذكر فِعلًا سياسيًّا، حتى عندما لا يبدأ باعتباره كذلك.

     حين يتذكر الابنُ أباه، فهو لا يستعيد شخصًا غائبًا فقط، إنه يستعيد نُسخةً مِن التاريخ حاولت السُّلطة أن تدفنها، وهُنا يصبح السردُ مُقاوَمةً، ومُواجَهةً للأنظمة التي تعتمد على المحو، فالقمعُ لا يقتل الأجسادَ فقط، إنه يحاول أحيانًا قتلَ الأثر، ويُريد جعلَ الضحية بلا قصة ولا اسم ولا صورة.

     كاداريه يتعامل معَ الذاكرة بصورة مختلفة، إذْ يعود إلى التاريخ والأسطورة والماضي الألباني، ليس هروبًا من الحاضر، وإنما من أجل كشف كيف يتكرر القمع، وكيف تتغير أشكاله. التاريخُ عنده ليس متحفًا مغلقًا، إنه مِرآة مشروخة للحاضر.

     وهُنا يلتقي الكاتبان، الماضي ليس وراءنا تمامًا، إنه يعيش في الطريقة التي نتذكر بها أنفسَنا، والوطن يصبح مكانًا محبوبًا ومُخيفًا في آنٍ معًا.

     والديكتاتوريات تحاول أن تقنع الناسَ بأنَّ الدولة بدأتْ معها، والتاريخ الحقيقي يبدأ عند وصولها، وما قبلها مُجرَّد فَوضى، وما بعدها مُستحيل. والأدبُ يفعل العكس، يقول: البلاد أقدم من الطاغية، والناس أقدم من النظام، واللغة أقدم من الشعارات، والذاكرة أطول مِن عُمر السُّلطة.

     من أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية أنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تحاول إدارةَ اللغة التي تصف الواقعَ، فَتُسمِّي القمعَ استقرارًا، والخوفَ يقظةً، والصمتَ انضباطًا، والاختفاءَ إجراءً، والطاعةَ وطنيةً، وهُنا تصبح مهمة الأدب خطيرة للغاية، لأن الروائي يعيد الأشياءَ إلى أسمائها الحقيقية، فالخوفُ يعود خوفًا، والغياب يعود غيابًا، والسجن يعود سجنًا، والفقد يعود فقدًا، والإنسان يعود إنسانًا. في هذا المعنى، الرواية تُفكِّك السُّلطةَ ليس فقط عبر الموضوع، بلْ عبر اللغة نفسها.

     حين يصف مطر انتظارَ شخص لأبيه، لا يحتاج إلى أن يقول لنا إنَّ الاعتقال السياسي جريمة ضد الإنسان، نحن نفهم ذلك من الانتظار نفسه.

     وحين يُصوِّر كاداريه جهازًا بيروقراطيًّا يبتلع الأحلامَ، لا يحتاج إلى كتابة عشر صفحات عن طبيعة النظام الشمولي، الفكرةُ وصلتْ.

     والرواية لا تعطي شعارًا، وإنما تعطي حياةً. وهذه الحياة تجعل الشعارَ أقل ضرورة. السياسة تقول: (( هناك آلاف المعتقلين )). والروايةُ تقول: (( هذا الرجل كان له ابن، وله رائحة في البَيْت، وله عادات، وهُناك امرأة تنتظره، وهُناك طفل لم يفهم لماذا لَم يَعُدْ )). هُنا يتحوَّل الرقمُ إلى إنسان، وهذه إحدى أعظم وظائف الأدب.

     قد يبدو مطر أكثر التصاقًا بالواقعي المباشر، بينما يذهب كاداريه في كثير من الأحيان إلى الغرائبي والأسطوري والسريالي. لكن الغرائبية عند كاداريه ليست هروبًا من الواقع، أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لرؤية الواقع بوضوح.

25‏/08‏/2026

لماذا اشترى مارك زوكربيرج قلعة تاريخية في أيرلندا؟

 

لماذا اشترى مارك زوكربيرج قلعة تاريخية في أيرلندا؟

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

.................

     إن شراء قلعة في حالة رجل مثل الملياردير الأمريكي مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك، والرئيس التنفيذي لشركة " ميتا " ، ليس مجرد شراء منزل، إنَّه شراء مكان وخصوصية واستمرارية.

     وقلعة سترانكالي ليست عقارًا عاديًّا، فهي بُنيت على الطراز القوطي، وتعود إلى القرن التاسع عشر، وتطل على نهر في جنوب شرق أيرلندا على بُعد نحو 200 كم من المقر الأوروبي لشركته.

     وهناك مفارقة هائلة في قصة زوكربيرج، فهذا الرجل صنع واحدةً من أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الحياة الحديثة: فيسبوك، ثم الإمبراطورية التي أصبحت " ميتا "، بما تضم من منصات وشبكات وأنظمة ذكاء اصطناعي وبنى اتصالات تؤثِّر في الطريقة التي يتحدث بها مليارات البشر، ويَرَوْنَ بها السياسة، ويتابعون بها الأخبار، ويُكوِّنون بها علاقاتهم وصورهم عن العالَم.

     ومع ذلك، عندما يقرر أن يشتري مكانًا في أيرلندا، لا يختار شقة ذكية في قلب مدينة مستقبلية، وإنما يختار قلعة تاريخية. وهذه ليست مفارقة عابرة. إنها تكاد تكون صورة مصغرة عن واحدة من أغرب التحولات التي يعيشها عصر التكنولوجيا، أصحاب القوة الرقمية الهائلة بدؤوا يبحثون عن أشياء مادية قديمة جدًّا.

     زوكربيرج لا يشتري قلعة فقط، وإنما يشتري الأبعادَ الزمنية والمكانية . والثروة الحديثة لا تُقَاس بالمال وحده. عندما تصبح الثروة ضخمة بما يكفي، يتحول المال إلى قدرة على شراء المسافة، المسافة عن المدينة والجيران والصحافة والجمهور والضوضاء، وأحيانًا المسافة عن الدولة نفسها.

     في القرنَيْن الماضيَيْن، كان الأغنياء يعيشون غالبًا في قلب المجتمعات التي صنعت ثرواتهم. أمَّا اليوم، فإن الثروة العالمية تسمح للإنسان شديد الثراء بأن يعيش في عدة عوالم في وقت واحد.

     يمكن أن تكون شركاته في دبلن، وأمواله في نيويورك، ومنزله في كاليفورنيا، وأرضه في هاواي، وقصره في أيرلندا، وطائرته الخاصة جاهزة للانتقال بين هذه الأماكن. وهكذا يصبح مفهوم الوطن أكثر مرونة بالنسبة إلى فئة صغيرة جدًّا من البشر. المواطن العادي لديه عنوان، أمَّا الملياردير فلديه شبكة من العناوين، وهذا فارق سياسي هائل.

     والدولة الحديثة بُنيت تاريخيًّا على افتراض بسيط، وهو أن الإنسان يعيش في مكان، وثروته وأعماله وعلاقاته الاجتماعية مرتبطة بهذا المكان، لكن الرأسمالية الرقمية كسرت هذا الافتراض.

     وزوكربيرج مثال صارخ على ذلك. فهو ملياردير أمريكي، لكنه يدير شركة ذات حضور عالمي، ولشركته قاعدة دولية مهمة في أيرلندا، وهو يستطيع أن يتحرك بين عدة أنظمة اقتصادية وقانونية وجغرافية دون أن يصبح أسيرًا بالكامل لأي منها.

     والقلعة بهذا المعنى ليست مجرد مكان للإقامة، إنها جزء من جغرافيا القوة الجديدة. ولماذا أيرلندا تحديدًا؟. هُنا تصبح الإجابة أكثر واقعية، وأقل رومانسية. أيرلندا ليست بلدًا أخضر جميلًا فحسب، ولا مجرد مكان مناسب لعطلات العائلات الثرية. إنها منذ سنوات مركز مهم جدًّا للشركات الأمريكية العملاقة، وخصوصًا شركات التكنولوجيا.

     " ميتا " لديها حضور كبير في أيرلندا، وتستخدم البلاد قاعدة أوروبية ودولية مهمة، لذلك فإن وجود زوكربيرج في أيرلندا ليس وجود سائح ثري يعشق القلاع التاريخية والأماكن الأثرية. إنه رجل أعمال لديه سبب مهني دائم للوجود هناك. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى شراء قلعة سترانكالي بوصفه قرارًا عمليًّا للغاية.

     بدلًا من أن يكون كل وصول إلى أيرلندا إقامة مؤقتة في فندق، أصبح لديه مكان خاص به، بعيد عن الفندق، وبإمكانه استخدامه مع عائلته، وفي الوقت نفسه يظل قريبًا نسبيًّا من المجال الذي تتحرك فيه أعمال شركته. لكن هذا التفسير رغم أهميته لا يكفي.

     حين يستطيع الإنسان شراء أي شيء تقريبًا، يصبح السؤال عن اختياره أكثر أهمية من السؤال عن قدرته على الدفع. القلعة هي عكس فيسبوك. فيسبوك لا يعترف بالحدود، فهي منصة مبنية على فكرة أن الناس يجب أن يتواصلوا عبر الحدود، والمسافة الجغرافية لا تعود عائقًا أمام العلاقات والمعلومات والصور والأفكار. أمَّا القلعة فهي مبنية على الفكرة المعاكسة، فهي جدران، وبوابات، وحدود، وأرض محددة، ونهر، وغابة، ومسافة، وخصوصية، وهذه مفارقة عميقة في شخصية عصرنا. فالأشخاص الذين ساعدوا على إزالة الحدود الرقمية من حياتنا باتوا يمتلكون الإمكانيات المادية لبناء حدود شخصية لا يستطيع معظم البشر الاقتراب منها. ونحن نعيش في زمن اختفت فيه الحدود على الشاشة، بينما عادت أقوى من أي وقت مضى في العالَم المادي.

     كلما أصبح العالَم أسرع احتاجَ أصحابُ القوة والثروة إلى أماكن أبطأ، وكلما أصبح العالَم أكثر انكشافًا احتاجَ الأغنياء إلى جدران أعلى. لذلك إذا أردنا أن نفهم لماذا اشترى زوكربيرج قلعة سترانكالي، فلا يكفي أن نقول: لأنه يستطيع دفع ثمنها. الأدق أن نقول: لأنه في عالَم أصبحت فيه المعلومات أرخص من أي وقت مضى، أصبحت القدرة على امتلاك المكان والوقت والخصوصية أكثر قيمة من أي وقت مضى.

     والقلعة ليست سوى التعبير الأكثر أناقة عن هذه الحقيقة القاسية، في القرن الحادي والعشرين، قد يكون أقوى رمز للثروة ليس أن تملك أحدث شيء في العالَم،بلْ أن تملك مكانًا تستطيع فيه أن تبتعد عن العالَم كُلِّه.

24‏/08‏/2026

مفهوم العبث بين محمود المسعدي وألبير كامو

 

مفهوم العبث بين محمود المسعدي وألبير كامو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ السؤال الذي يُسكنه. هو أن يشعر الإنسانُ بأنَّ حياته تمضي، والموت ينتظره، والعالَم لا يُقَدِّم له تفسيرًا نهائيًّا،ومعَ ذلك يُصِر على أن يعيش، ويبحث، ويُحِب، ويصنع من وجوده شيئًا يستحق أن يُعاش.

     ومِن هُنا تأتي أهمية المقارنة بين الكاتب التونسي محمود المسعدي ( 1911_ 2004 ) والكاتب الفرنسي ألبير كامو ( 1913_ 1960 ). الرَّجلان التقيا، كُلٌّ بطريقته، عند واحدة مِن أعمق مناطق القلق الإنساني: ماذا يفعل الإنسانُ حين يُحَاصَر بين حاجته العارمة إلى المعنى وبين عالَمٍ لا يمنح المعنى جاهزًا؟، وكيف يمكن للحياة أن تستمر حين يصبح الموتُ حاضرًا في كُلِّ لحظة، وحين تبدو الأفعالُ البشرية كُلُّها مُهدَّدة بالسقوط في الفراغ؟.

     التشابهُ بين المسعدي وكامو لا يعني التطابقَ. قيمةُ المقارنة الحقيقية في الاختلاف بينهما. يفتح المسعدي الأسئلةَ على آفاق جديدة، تتداخل فيها الإرادةُ والروح والمصير والبحث عن الحقيقة،بينما يضع كامو الإنسانَ أمام صمت العالَم، ويبحث عن إمكانية العيش رغم هذا الصمت.

     عند المسعدي، لا يكتفي الإنسانُ بأن يكتشف عبثَ وجوده، بلْ يدخل في مواجهة شاقة معَ نَفْسه والقوى التي تتجاوز ذاته، كأنَّه يريد أن يعرف إلى أيِّ مدى يستطيع الإنسانُ أن يكون إنسانًا.

     أمَّا عند كامو فيبدو العبثُ وليد الصدام بين الإنسانِ والعالَم، وهو يَعتبر الإنسانَ ليس مُجرَّد كائن يعيش ثم يموت، إنَّه كائن يعرف أنَّه يعيش وسيموت، وهذه المعرفة هي التي تمنح وجودَه ثقله المأساوي. فالحيوانُ لا يَحمل، بالمعنى نَفْسِه، سؤالَ المصير، أمَّا الإنسان فيستيقظ ذات يوم على حقيقة أنَّه محدود، وأنَّ كُلَّ ما يفعله محكومٌ بحدود الزمن.

     المسعدي كاتبٌ لا يمكن قراءته باعتباره مُجرَّد روائي يحكي حكايات، لأنَّ أعماله الكُبرى تبدو كأنَّها مختبرات للوجود الإنساني. شخصياته لا تتحرك ببساطة داخل أحداث متتابعة، وإنما تدخل في امتحانات قاسية. عَالَمُه الروائي لا يجيب عن أسئلة شخصياته بسهولة. شخصياته تُلْقَى في مواجهة أسئلة أكبر منها، وتجد نفسها مضطرة إلى الاختيار، حتى عندما يكون كُلُّ اختيار محفوفًا بالخسارة.

     والمسعدي، مِثل كامو، يعرف أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون أن يصطدم بحدوده. يَعرف أنَّ الموت لَيس حدثًا بعيدًا يأتي في نهاية الطريق فقط،بلْ قوة حاضرة في الوعي مُنذ البداية. ويعرف أنَّ الإرادة الإنسانية جميلة ومأساوية في الوقت نَفْسِه، لأنَّ الإنسان يريد بلوغَ ما قدْ يتجاوز قدرته. والمسعدي لا يُقَدِّم تصوُّرًا سهلًا للعبث، فشخصياته لا تقف أمام الفراغ مكتوفة الأيدي، إنَّها تريد أن تفعل، وتتجاوز، وتصنع. وقدْ تكون مأساةُ الإنسان هي أنَّه لا يستطيع التوقفَ عن الرغبة حتى حين يعرف أنَّ النهاية قد تكون الهزيمة.

     جاء المسعدي من بيئة ثقافية عربية وإسلامية غنيَّة بالتراث اللغوي والفلسفي والصوفي، واستطاعَ أن يدخل في حِوار عميق معَ هذا التراث دون أن يتحوَّل إلى أسيرٍ له.

     أمَّا كامو فقدْ نشأ في سياق فكري وأوروبي محدد، وتشكلت تجربته في ظِل أزمات القرن العشرين، والحربَيْن العالميتَيْن، والانهيارات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، وصعود أنماط من التفكير جعلت الإنسانَ يُواجه سؤالًا حادًّا حول معنى وجوده، وحدودِ العقل والأخلاق.

     عند المسعدي، هناك إنسان يخوض معركةً داخلية وخارجية معَ معنى يُريد الوصولَ إليه، وقدْ يكون هذا المعنى قريبًا أوْ بعيدًا، وقد يتحوَّل البحث عنه إلى مأساة. عند كامو، هناك عالَم صامت في مواجهة إنسان متعطش للمعنى. إنها ليست المسألة نفسها، وإنْ كان السؤال الإنساني العميق واحدًا: كيف يستطيع الإنسانُ أن يعيش وهو يعرف أنَّ وجوده هَش ويقينه ناقص؟. اللغة نفسها تصبح جُزءًا مِن المعنى. وما يُميِّز المسعدي أنَّ أفكاره لا تأتي في صورة فلسفة مدرسية جافة. لغته تَحمل القلقَ. والجُملةُ عنده ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الحكاية، إنَّها مساحة للتأمل والتوتر والمواجهة. وكامو أيضًا لَم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بلْ كان أديبًا يترك الفكرةَ تتنفس داخل الرواية والمسرحية والمقالة. لَم يُحوِّل الإنسانَ إلى مثال منطقي، وإنما إلى كائن حَي، يُحِب ويخطئ ويتمرَّد ويخاف ويواصل السير.

     إنَّ أفضل طريقة لقراءة العبث عند الكاتبَيْن ليست أن نبحث عن تعريف قاموسي له، بلْ أن نراقب الشخصيات وهي تعيشه.العبثُ يُفْهَم من طريقة سير الإنسان أكثر مِمَّا يُفْهَم مِن التعريفات. نراه في اللحظة التي يتساءل فيها البطلُ عن جدوى ما يفعل، ثم يفعله رغم ذلك.

     كلاهما ينظر إلى الإنسان في لحظة انكشافه، حين يسقط عنه الاطمئنان السهل، وحين يدرك أنَّ الموت حقيقة، والعالَم لا يُقَدِّم له دائمًا جوابًا. يذهبان إلى تجربة أكثر امتلاءً بالتوتر بين الإرادةِ والمصيرِ، بين الإنسان وما يُريده والحدود التي تصطدم بها رغبته. يصبح السعيُ ذاته امتحانًا، وتصبح محاولة الإنسان تجاوز نَفْسِه جُزءًا مِن مأساته وجَماله.

21‏/08‏/2026

مواجهة التغريب الاستعماري بين أحمد ولد عبد القادر وتشينوا أتشيبي

 

مواجهة التغريب الاستعماري بين أحمد ولد عبد القادر وتشينوا أتشيبي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     ليس الاستعمارُ مُجرَّد جندي يهبط من سفينة، أو موظف أجنبي يجلس خلف مكتب، أو علم غريب يُرفَع فوق مبنى حكومي.الاستعمارُ يبدأ حين ينجح الغريبُ في إقناع صاحب الأرض بأنَّ صورته عن نَفْسِه ناقصة، ولُغته متأخرة، وذاكرته لا تستحق الثقة، وأنَّ ما جاء به القادمُ من وراء البحر هو وحده مِعيار العقل والحضارة والمدنية والجَمال. عِند تلك النقطة يتحوَّل الاحتلالُ من سيطرة على الجغرافيا إلى مُحاولة للاستيلاء على الخيال، ومِن إخضاع الجسد إلى إعادة تشكيل الوعي. لهذا كان الأدب، في المجتمعات التي خرجتْ من التجربة الاستعمارية، أكثر مِن ترف ثقافي أو لعبة لغوية. كان محاولة لاسترداد الصوت، وبحثًا عن الإنسان الذي كاد أن يختفي خلف الرواية التي كتبها الآخرون عنه. والكاتبُ في أحيان كثيرة يقف في منطقة شديدة الحساسية، بين ذاكرة محلية مثقلة بالجراح، وصورة استعمارية حاولتْ أن تُقَدِّم تلك الذاكرة باعتبارها ظلامًا كاملًا لا يستحق إلا أن يُستبدَل.

     مِن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الموريتاني أحمد ولد عبد القادر ( وُلد 1941 ) إلى جانب تجربة الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي ( 1930_ 2013 )، ليس لأنَّ الرَّجُلَيْن متطابقان في المشروع أو الأسلوب أو السياق، فلكلِّ واحد منهما عالَمه الخاص، وإنما لأنهما يلتقيان عند سؤال عميق: كيف يستعيد الإنسانُ الذي مَرَّ عليه الاستعمارُ حَقَّه في أن يرى نَفْسَه بعينيه، ولَيس بالمِرآة التي صنعها له المُستعمِر؟.

     إنَّها مواجهة لا تجري بالسلاح، وإنما باللغة والذاكرة والصورة الأدبية. مواجهة بين مَن يريد أن يجعل الماضي صفحة بيضاء لا قيمة لِمَا قبلها، ومَن يُصِر على أنَّ الأُمَّة لا تستطيع أن تبدأ من الصفر، وبين مَن يختزل الشعوبَ في عاداتها التي يصفها بالغريبة والمتخلفة، ومَن يعيد إلى تِلك العادات سياقها الإنساني والتاريخي، وبين كتابةٍ تُريد أن تجعل العالَمَ الاستعماري مركزًا وحيدًا للمعنى، وكتابةٍ تحاول أن تقول: نحنُ هُنا، ولنا حكايتنا أيضًا.

     مِن أخطر ما فعله الاستعمارُ أنَّه لَم يكتفِ بالسيطرة السياسية والاقتصادية، بلْ أنتجَ خطابًا كاملًا عن الشعوب التي استعمرها، ووصفها، وصنَّفها، ودرسها، وكَتَبَ تاريخَها، وحدَّد في كثير مِن الأحيان ما ينبغي أن يُقَال عنها. وحين تتكرر هذه الصورة بما يكفي، فإنَّها قدْ تتسلل إلى وعي أبناء المجتمع نَفْسِه ، فيبدأ الإنسانُ بالنظر إلى ذاته من الخارج.

     هُنا يصبح التغريبُ الاستعماري أعمق مِن مُجرَّد تقليد بعض مظاهر الحياة الأوروبية. إنَّه اغتراب عن الذات، واللغةِ، والذاكرةِ، والإحساسِ الطبيعي بأنَّ للمجتمع حقًّا في أنْ يُعرِّف نَفْسَه بِنَفْسِه. لذلك فإنَّ مقاومة التغريب لَيست دعوة ساذجة إلى إغلاق الأبواب أمام العالَم، ولَيست رفضًا لكلِّ ما يأتي مِن الآخَر. الإنسانُ لا يعيش في جزيرة معزولة، والثقافاتُ لا تنمو في عُزلة مُطْلقة، إنما القضية هي الفرق بين التبادل الحُر والهيمنة، وبين أن تختار مِن الآخَر ما يثري تجربتك، وبين أن يُفْرَض عليك الاعتقاد بأنَّ الآخَر هو الأصل وأنك هامشٌ عابرٌ ليس لك وزن ولا قيمة.

     في السياق الموريتاني، تتخذ هذه المسألة خصوصية واضحة. موريتانيا بلد تشكَّلت هُويته مِن الإسلام واللغة العربية والصحراء والقبيلة والترحال والمدن والذاكرة الشفوية، ثم دخلتْ عليه الدولة الاستعمارية الفرنسية بمنظومة مختلفة في تصوُّرها للسُّلطة والمعرفة والمجتمع.

     مِن داخل هذا الترابط، تأتي تجربة أحمد ولد عبد القادر بوصفها تجربة أدبية مشدودة إلى سؤال الإنسان الموريتاني ومكانه في التحوُّلات الكُبرى. الكتابةُ عنده لا تبدو منفصلة عن سؤال الذاكرة، ومحاولةِ الإمساك بذلك الخيط الذي يصل الحاضرَ بماضٍ لَم يكن مُجرَّد زمن منقضٍ، وإنما كان عالَمًا كاملًا له قِيَمه وأحلامه وتناقضاته.

     مقاومةُ التغريب في هذا السياق لا تعني تمجيدَ الماضي بصورة عمياء. الأدبُ الحقيقي لا يتحوَّل إلى منشور دعائي للماضي، ولا ينظر إلى المجتمع القديم باعتباره فِردوسًا لَم يكن فيه ظُلم ولا فقر ولا تناقض. قوةُ الكتابة تكمن تحديدًا في قُدرتها على أن ترى الماضي بعيون مُحِبَّة وناقدة في آنٍ معًا. والكاتبُ الذي يستعيد ذاكرةَ مجتمعه لا يفعل ذلك لِكَي يَمنع النقدَ، بلْ لِكَي يَمنع الإلغاءَ، وهُنا تتَّضح قيمة الذاكرة الأدبية.

     إنَّ ما لا تحفظه الكُتب الرسمية قدْ تحفظه الرواية، وما لا تقوله الوثائق قدْ تقوله الحكاية، وما يختفي من التاريخ السياسي قدْ يبقى في صورة إنسان، أو مجلس، أو صحراء، أو بيت، أو كلمة دارجة، أو نبرة صوت. الأدبُ يمنح هذه التفاصيل حياةً ثانية، ويقول إنَّ التاريخ لَيس ما تُسجِّله السُّلطة فَحَسْب، بلْ أيضًا ما يبقى في وجدان الناس.

     في تجربة أحمد ولد عبد القادر، تبدو الكتابة محاولة للعودة إلى الإنسان الموريتاني بوصفه كائنًا تاريخيًّا وثقافيًّا، ولَيس مُجرَّد موضوع في سِجل إداري، أو صورة فولكلورية في عين المستشرق.

     أمَّا تشينوا أتشيبي، فقدْ خاض معركة أكثر مباشرة معَ الصورة الاستعمارية عن أفريقيا. كان يدرك أنَّ الأدب الأوروبي لَم يكن دائمًا بريئًا حين تَحَدَّثَ عن القارة الأفريقية. في بعض الكتابات الاستعمارية ظهرتْ أفريقيا وكأنها مكان بلا تاريخ، ولا ترابط إنساني حقيقي، ولا أصوات داخلية قادرة على إنتاج المعنى.

     ومِن هُنا جاءت أهمية روايته " الأشياء تتداعى"، التي لم تكن مُجرَّد حكاية عن مجتمع أفريقي في لحظة التحول الاستعماري، وإنما كانت إعادة ترتيب للمشهد كُلِّه.

     قبل دخول الرجل الأبيض، هناك مجتمع يعيش، ويختلف، ويتصالح، ويتخاصم، ويُحِب، ويَكره، ويُخطئ، ويُصيب، وقوانين وعادات ومعتقدات وعلاقات اجتماعية، وبشرٌ لا يحتاجون إلى وصول أوروبا لكي تبدأ حياتهم. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنَّها شديدة الأهمية: أفريقيا لَم تكن تنتظر مَن يكتشف إنسانيتها.

     أتشيبي لَم يكتب عن المجتمع الأفريقي باعتباره مثاليًّا. على العكس، كان يعرف عيوبه وقسوته وتناقضاته، لكنَّه رفض أن تكون هذه العيوب ذريعة لمحو إنسانيته، لذلك كانت مقاومته أكثر نُضجًا مِن مُجرَّد قلب الأدوار، أي استبدال صورة المُستعمِر بصورة مُضادة تُمجِّد كُلَّ ما هو محلي.

     أرادَ أن يقول إنَّ المجتمع الأفريقي يستحق أن يُفْهَم في سياقه، ويُروَى مِن الداخل، وتُرى تناقضاته باعتبارها تناقضات بشرية، ولَيست دليلًا على أنَّ أهله أقل إنسانية مِن غَيرهم.

     عبد القادر وأتشيبي يرفضان أن يكون المجتمع المحلي مُجرَّد مادَّة خام في قصة يكتبها الآخَر. كلاهما يعيد الاعتبارَ إلى الداخل، والإنسانِ الذي يتكلم من موقعه، والذاكرةِ التي لا تريد أن تموت، والثقافةِ التي لا ينبغي أن تُخْتَزَل في صورة سياحية أو استعمارية. لكنَّ الأهم أنَّ مقاومة التغريب عندهما لَيست مُجرَّد عودة إلى الماضي، وإنما هي استعادة لحق النظر، أن تنظر إلى نفسك بعينيك، ولَيس بعيون الآخرين، وتعرف أنك تستطيع أن تأخذ مِن العالَم دون أن تفقك اسمك، وتتعلَّم لغةَ الآخَر دون أن تشعر أن لغتك عار، وتستفيد من الحداثة دون أن تتعامل معَ تاريخك بوصفه عبئًا يجب التخلص منه، وتنتقد مجتمعك لأنك تُحِبُّه وتريد إصلاحه، ولَيس لأنك تُردِّد حُكمًا جاهزًا عليه. هذه هي المسافة الدقيقة بين التحرر والاستلاب.

     عبد القادر يتحرَّك في فضاء موريتاني عربي صحراوي له حساسيته التاريخية والثقافية، وأتشيبي يتحرَّك في فضاء نيجيري أفريقي متعدد الأعراق واللغات، شهدَ الصدامَ العنيف بين البنى المحلية والاستعمار.

     ولَيست القضية أن عبد القادر هو أتشيبي، ولا أنَّ موريتانيا هي نيجيريا. إنَّ وضع التجربتين في إطار واحد لا يلغي خصوصية أيٍّ مِنهما، بل يكشف عن سؤال مشترك يمرُّ عبر تجارب كثيرة للشعوب التي عرفت الاستعمارَ: كيف نستعيد حَقَّنا في تعريف أنفسنا؟.

18‏/08‏/2026

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

 

فاجعة التاريخ بين واسيني الأعرج وجوزيه ساراماغو

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

....................


     لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.

     مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج ( وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو ( 1922_ 2010 / نوبل 1998 ). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان، خصوصًا في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه.

     التاريخ عند واسيني الأعرج مُشبع بذاكرة المكان العربي، والجزائرِ وهي تَحمل طبقات استعمارها وحروبها وانكساراتها، والإنسانِ الذي وجد نَفْسَه مِرارًا داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق، ثُمَّ طُلب مِنْه أنْ يُصدِّقه.

     أمَّا عند ساراماغو، فإنَّ التاريخ يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب. يفتح الكاتبُ شقًّا في الرواية الرسمية، ثم يترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة، كأنَّ الحقيقة أصبحتْ كائنًا مرتبكًا لا يعرف الطريق إلى خلاصه.

     فاجعة التاريخ لَيست في أنَّ الماضي كان قاسيًا فَحَسْب، بلْ أيضًا في أنَّ القسوة كثيرًا ما تُعاد صياغتها بلغة محترمة. يتحوَّل القاتلُ إلى بطل، والضحية إلى هامش، والخراب إلى مجد قَومي، ويُطلَب مِن الأجيال اللاحقة أن تحفظ أسماءَ المنتصرين بدل أن تصغي إلى أنين الذين سقطوا تحت أقدامهم.

     والروايةُ حين تقترب من هذه المنطقة،تصبح مواجهة معَ هذا الترتيب الظالم للذاكرة. في أعمال واسيني الأعرج، لا يبدو التاريخ بعيدًا عن الجسد، إنَّه يدخل البيوتَ، ويترك أثره في العائلة، والحُب، واللغة، وعلاقة الإنسان بأرضه. الجزائر عنده ليست خلفية روائية جاهزة، بل ذاكرة متوترة،تتصارع فيها الأزمنة، لذلك فإنَّ استعادة التاريخ لَيست فِعلًا بريئًا، إنَّها عَودة إلى مَا لَم يُحسَم، والماضي لا يأتي كي يُروَى، وإنَّما كَي يُحاسَب.

     غَير أنَّ مشكلة هذا الاشتغال تظهر حين يصبح التاريخُ أثقل من الرواية نَفْسِها، ففي بعض التجارب التي تجعل مِن الذاكرة مركزًا مطلقًا،قد تتحوَّل الشخصيات إلى حوامل للأفكار التاريخية، وتفقد شيئًا من ارتباكها الإنساني الطبيعي. والإنسانُ الحقيقي لا يعيش وهو يشرح عَصْرَه، ولا يستيقظ كُلَّ صباح وفي رأسه وعيٌ كامل بموقعه في التاريخ.إنَّه يُحب ويخاف ويخطئ، ثم يفهم متأخرًا ما الذي حدث له. وحين تُحمَّل الشخصية أكثر مِمَّا تحتمل، يصبح السردُ أقرب إلى محاكمة الماضي مِنْه إلى الإصغاء إلى الإنسان.

     أمَّا ساراماغو فيتعامل معَ التاريخ بطريقة أكثر مراوغة. لا يواجهه دائمًا مواجهةً مباشرة، بلْ يزعزع اليقينَ به. يسأل: ماذا لوْ كانت الرواية التي وصلتْ عن الماضي ناقصة؟، ماذا لوْ أنَّ ما يعرفه الإنسان ليس إلا نسخة صاغتها القوة؟، ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أنَّ التاريخ الذي ظَنَّه حقيقة نهائية ليس سِوى تأويل انتصرَ لأنَّه كان الأقوى؟.

     لا يحتاج ساراماغو إلى رفع صوته كي يجعل التاريخَ موضع اتهام. يكفي أن يُغَيِّر زاويةَ النظر قليلًا، ويمنح الهامشي مساحةً لَم يكن يمتلكها، أو يضع الشخصية العادية في مواجهة مؤسسة ضخمة، حتى تبدأ البِنية كُلُّها بالاهتزاز. لكنَّه قد يقع في فخ آخر، فالسخرية الفكرية حين تزداد ثقة بنفسها، يمكن أن تتحوَّل إلى مسافة باردة بين القارئ والمأساة. وحين يصبح العبثُ وسيلة دائمة للنظر إلى العالَم، قد يتراجع الألمُ خلف لعبة الأسلوب.

     واسيني الأعرج يكتب من قلب ذاكرة مجروحة، لذلك تبدو العاطفة عنده أكثر التصاقًا بالمكان والهُوية والتاريخ الجزائري. لكنَّه يواجه خطر الاستغراق في الذاكرة إلى الحد الذي يجعل الروايةَ أسيرةً لها.

     وساراماغو يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المُسلَّمات، لذلك يستطيع أن يفكك التاريخَ، ويسخر من سُلطاته، لكنَّه يواجه خطرَ أن يتحوَّل الإنسانُ إلى فكرة داخل بناء فلسفي شديد الإحكام.

     كلاهما يضع القارئ أمام السؤال نَفْسِه: مَن يملك حق رواية الماضي؟. وهذا السؤال ليس أدبيًّا فقط، إنَّه سؤال عن السُّلطة، والتاريخُ الذي تكتبه الدول المنتصرة لَيس مُجرَّد سرد للأحداث، إنَّه طريقة لتحديد مَن يستحق أنْ يُذكَر، ومَن يُمكن أن يُنسَى. لذلك تبدو الرواية في بعض لحظاتها كأنَّها محاولة لاستعادة صوت سُرق منذ زمن طويل، لكنَّها لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تصلح ما انكسر. كُلُّ ما تستطيع فِعْلَه هو أن تمنع النسيانَ مِن أنْ يصبح انتصارًا ثانيًا للظلم.

     لا تكمن أهمية واسيني الأعرج وساراماغو في أنَّهما يمدحان التاريخَ، أوْ يعيدان تقديمه بصورة أجمل، العكس هو الصحيح، قوتهما حين ينجحان، تأتي من الشك في التاريخ حين يتحوَّل إلى عقيدة، والارتيابِ في الرواية حين تدَّعي امتلاكَ الحقيقة كاملة.

     بين الجزائر وسياقاتها التاريخية،وبين البرتغال وذاكرتها الأوروبية، لا تتطابق التجربتان، ولا ينبغي لهما أن تتطابقا. لكنَّ الرواية في الحالتين تقترب من منطقة واحدة، المنطقة التي يصبح فيها الماضي حاضرًا بطريقة موجعة، ويكتشف الإنسانُ أنَّه لا يستطيع الهربَ مِن الأشياء التي لَم تُدفَن. والتاريخُ، في النهاية، ليس ما حدث فقط، إنَّه أيضًا ما بقي مِن الإنسان بعد أن حدث.

16‏/08‏/2026

الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

 

الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................

     لم يعد الماء والغذاء مُجرَّد حاجتَيْن أساسيتين لبقاء الإنسان، ولا مِلَفَّيْن تقنيين تتولاهما الوزارات والمؤسسات المختصة بعيدًا عن السياسة. في عالَم تتشابك فيه المصالح، وتتصاعد فيه الصراعات، ويتزايد فيه الضغط على الموارد، أصبح التحكم بالماء والغذاء قادرًا على أن يتحول إلى ورقة ضغط سياسية لا تقل خطورة عن السلاح. قد تبدو الفكرة قاسية، لكنها ببساطة تعكس حقيقة يعرفها التاريخُ جيدًا: مَن يملك القدرة على التحكم بما يحتاجه الناس كي يعيشوا، يملك القدرة على التأثير في قراراتهم ومواقفهم ومستقبلهم.

     الماء هو المورد الأكثر حساسية، لأنَّه لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه بسهولة. يستطيع الإنسان أن يؤجل شراء سلعة، أو يستبدل مُنْتَجًا بآخر، لكنه لا يستطيع أن يؤجل حاجته إلى الماء. لهذا فإن السيطرة على مصادر المياه، أو التحكم في الأنهار والسدود، أو التأثير في تدفق المياه إلى دولة أُخرى، يمكن أن تتحول من مسألة فنية إلى قضية سيادية وأمنية وسياسية بامتياز.

     والخطر لا يكمن فقط في قطع المياه بصورة مباشرة. أحيانًا يكفي أن تشعر دولة ما بأنها لا تملك السيطرة على موردها المائي كي تجد نفسها مضطرة إلى تعديل سياساتها، أو الدخول في تفاوض غير متكافئ، أو تقديم تنازلات في ملفات أُخرى. هُنا تحديدًا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي، يصبح أداةَ نفوذ وسيطرة وابتزاز.

     والأمرُ نفسه ينطبق على الغذاء، فالدولةُ التي لا تنتج ما يكفي من غذائها، وتضطر إلى استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها، تصبح أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية. وقد لا تكون المشكلة في نقص الغذاء عالميًّا، بل في قدرة الدولة على الوصول إليه وشرائه ونقله.

     إنَّ الحروب، والأزمات السياسية، وإغلاق طرق التجارة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الإنتاج الزراعي، كلها عوامل يمكن أن تُحوِّل الغذاء من سلعة متاحة إلى ورقة ضغط. وهُنا تظهر خطورة الاعتماد المفرط على الخارج، فإذا كانت دولة ما تستورد معظم قمحها أو زيتها أو أعلافها من عدد محدود من الدول، فإنَّ أيَّة أزمة سياسية أو اقتصادية قد تتحول بسرعة إلى أزمة داخلية تمسُّ حياة الإنسان مباشرة. لهذا فإنَّ الأمن الغذائي لا يعني فقط أن تكون رفوف المتاجر مليئة بالطعام، بل أن تكون الدولة قادرة على ضمان وصول الغذاء إلى شعبها حتى عندما تتغير الظروف مِن حولها. والتاريخُ الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أسعار الغذاء ونقصه ليست شأنًا اقتصاديًّا محضًا.

     والدولة التي تضمن غذاء شعبها في الظروف الطبيعية والصعبة، تمنح نفسها هامشًا أكبر من الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار. أمَّا الدولة التي تستطيع جهة خارجية أن تضغط عليها بمجرد التأثير في وارداتها الغذائية، فهي تملك هامشًا أضيق في سياستها الخارجية. وأخطرُ الأسلحة ما لا يبدو سلاحًا.

     تكمن خطورة سلاح الماء والغذاء في أنَّه لا يأتي دائمًا بصورة واضحة. لا نرى دبابة على الحدود عندما تتعطل شحنة قمح، ولا نسمع صوت انفجار عندما ينخفض منسوب نهر، ولا تبدو المفاوضات حول السدود أو الموانئ أو سلاسل الإمداد مثل معركة عسكرية. لكن نتائجها قد تصل إلى المكان نفسه: الضغط على الدولة، وإنهاك اقتصادها، وزيادة غضب مجتمعها، ودفعها إلى اتخاذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف أكثر استقلالًا.وهذا ما يجعل الأمن المائي والغذائي جزءًا من الأمن الوطني بمعناه الواسع، وليس مجرد ملف خدمي.

     ليس المطلوب أن تتحول كل دولة إلى جزيرة مكتفية ذاتيًّا، هذا أمر غير واقعي، وهو مكلف وغير منطقي اقتصاديًّا. والتجارةُ الدولية جزء أساسي من حياة الدول، والاستيراد ليس ضعفًا في حد ذاته، لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد إلى هشاشة، وتصبح الدولة غير قادرة على تحمل توقف مصدر واحد، أو ارتفاع سعر سلعة أساسية، أو اضطراب طريق تجاري.

     القوةُ هُنا ليست في إنتاج كل شيء، وإنما في امتلاك البدائل، أن يوجد أكثر من مورد، وأكثر من طريق، ومخزون إستراتيجي، وقدرة محلية معقولة على الإنتاج، وشبكات نقل فعالة، ومؤسسات قادرة على التحرك سريعًا عند الأزمات، هذه هي عناصر الأمن الحقيقي. والدول التي تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ التفكير في أمنها المائي والغذائي تكون قد تأخرت كثيرًا.

     والأهم من ذلك أن الأمن المائي والغذائي لا يتحقق بالمشاريع الضخمة وحدها. يبدأ أيضًا من إدارة أفضل للموارد، ومواجهة الهدر والفساد وسوء التخطيط، واستخدام التكنولوجيا بطريقة تخدم الواقع، وليس بطريقة تتحول إلى شعار.

     يبدأ الاستقلال من أبسط الأشياء. قد تبدو السياسة الدولية أحيانًا وكأنها لعبة كبرى بين الدول والقوى العسكرية والاقتصادية، لكن جوهر هذه اللعبة يمكن أن يصل في النهاية إلى أشياء بسيطة جدًّا: كوب ماء، رغيف خبز، محصول قمح، شاحنة تستطيع الوصول إلى الميناء. والدول التي تؤمِّن هذه الأشياء لمواطنيها لا تؤمِّن حياتهم فقط، إنها تحمي قرارها السياسي.

     في عالَم يتغير فيه المناخ، وتزداد فيه الضغوط على الموارد، وتتكرر فيه الحروب والأزمات، ستصبح المنافسة على الماء والغذاء أكثر حدة، وستصبح الدول التي أحسنت إدارة مواردها وتنويع مصادرها أكثر قدرة على الصمود.

     قد لا يكون أخطر سؤال في السياسة الدولية هو: من يملك أقوى جيش؟. إنَّ السؤال الأكثر إلحاحًا: من يستطيع أن يضمن لشعبه الماء والغذاء عندما تتوقف الأشياء عن السير كما اعتاد الناس؟.

14‏/08‏/2026

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي

 

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد

..................


     لَيست الأُبوَّة في الأدب دائمًا ذلك الملجأ الأول الذي يُفْتَرَض أن يعود إليه الابنُ حين تضيق به الحياة، وليست بالضرورة صورة للحماية أو الامتداد أو الحكمة المتوارثة. أحيانًا، تتحوَّل الأبوة إلى جدار، وسُلطة، وذاكرة ثقيلة تلاحق الابنَ حتى بعد أن يغادر البيت. وفي بعض الكتابات السيرية والروائية لا يظهر الأب بوصفه أصل الحياة، بل بوصفه أول خصم للذات، وأول سلطة ينبغي على الابن أن يختبر حدودها، وأن يتمرد عليها كي يكتشف نَفْسَه.

     في هذا السياق، تبرز تجربة الروائي المغربي محمد شكري ( 1935_ 2003 ) والروائي الأمريكي من أصل إيطالي جون فانتي ( 1909_ 1983 )، ليس لأنهما يُقَدِّمان صورةً متطابقة للأب، بل لأن كُلًّا منهما يجعل العلاقة بالأب واحدة من المناطق العميقة التي تتشكل فيها شخصية الابن والكاتب معًا.

     والمقارنة بينهما لا ينبغي أن تقوم على تسوية الفوارق بين التجربتين. فالأبُ عند شكري يدخل حياة الابن من باب العنف المباشر، والفقر، والتخلي، والإذلال، بينهما يظهر الأب عند فانتي في شبكة أكثر تعقيدًا من الفقر والهجرة والهُوية والعار الاجتماعي. لذلك فإنَّ التمرد على الأبوة عند شكري يبدو أقرب إلى محاولة نجاة، في حين يبدو عند فانتي أقرب إلى صراع طويل مع ميراث لا يستطيع الابن أن يرفضه تمامًا، ولا يستطيع أن يقبله بلا مقاومة.

     في تجربة شكري، لا يبدأ التمرد من فكرة فلسفية عن استقلال الفرد، بل من الجسد الذي يتعرض للقسوة. الطفلُ لا يملك في البداية لغةً يواجه بها السلطة الأبوية، يملك الخوف، والجوع، والهرب. وحين تصبح الأسرة مكانًا لا يوفِّر الحد الأدنى من الأمان، تفقد الأبوة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها العاطفي.

     الأبُ الذي يُفْتَرَض أن يكون حارسًا للطفولة يتحوَّل إلى مصدر من مصادر تهديدها. وحين يبلغ العنف هذا الحد، يصبح الانفصال عن الأب شبيهًا بالانفصال عن مصير كامل. هذه النقطة أساسية لفهم شكري. الابنُ لا يتمرد على شخص أبيه وحده، وإنما يتمرد على النموذج الذي يُمثِّله، أبوة تريد الطاعة، ولا تمنح الحماية، وتفرض السلطة، ولا تؤدِّي مسؤولية الرعاية. لهذا فإنَّ الخروج من سلطة الأب ليس مُجرَّد انتقال جغرافي من البَيْت إلى الشارع، بل هو انتقال وجودي من موقع الضحية إلى موقع مَن يحاول امتلاك حياته. لقد عاش شكري طفولة قاسية في الفقر،وتعرَّضت علاقته بالأب إلى عنف شديد،ثم وجد نَفْسَه في فضاءات التشرد، والعمل المبكر والانحراف، قبل أن يتعلم القراءة والكتابة في مرحلة متأخرة من حياته.

     يبدو فِعل الكتابة عند شكري امتدادًا لفِعل الهرب. في الطفولة، كان الهرب بالجسد، وفي الكتابة يصبح الهرب باللغة. الطفلُ الذي لَم يكن قادرًا على مواجهة الأب مباشرةً يستطيع، بعد سنوات، أن يستعيده داخل السرد، وينزع عنه الهالة. والأبُ الذي كان يملك سُلطة الصمت يصبح شخصيةً قابلة للمُساءلة، والابنُ الذي كان مُضطرًّا إلى السُّكوت يُصبح هو صاحبَ الصوت.

     وُلد فانتي في أسرة إيطالية مهاجرة في الولايات المتحدة، وكان والده عاملًا في البناء قَدِمَ مِن إيطاليا. وقد تركَ الفقرُ وشجاراتُ الوالدَيْن والكحولُ وسُلوكُ الأبِ أثرًا عميقًا في تكوينه الأدبي والشخصي، وتَحَوَّلَ الأبُ في عالَمه السردي إلى مادَّة متكررة، مَرَّة بوصفه نموذجًا للغضب والسُّلطة، ومَرَّة بوصفه علامة على الأصل الإيطالي الذي يحاول الابنُ التخلصَ مِن وَصمته، ومَرَّة بوصفه ميراثًا لا يستطيع الابنُ أن يقطع صِلته به تمامًا.

     وهُنا تختلف المسألة عن شكري اختلافًا جوهريًّا. شكري يريد الخروجَ مِن أب يُهدِّده، أمَّا فانتي فيجد نَفْسَه أمام أب يُهدِّده ويُغْريه في الوقت نَفْسِه.الأبُ لَيس مُجرَّد عائق خارجي، إنَّه جزء مِن تكوين الابن. في غضبه شيءٌ مِن غضب الأب، وفي تمرُّده شيءٌ مِن تمرُّد الأب، وفي رغبته في إثبات ذاته شيءٌ مِن الصراع الأبوي نَفْسِه. لهذا فإنَّ الابن عند فانتي لا يستطيع أن يقول ببساطة: " أنا لستُ أبي". المشكلةُ الأعمق هي أنَّه يكتشف مِرارًا أنَّ بعض ما يحاول الفِرارَ مِنْه يسكن داخله.

     هذه الازدواجية تجعل التمردَ عند فانتي أكثر التواءً. الابنُ يريد أن يصبح أمريكيًّا لا إيطاليًّا، فردًا لا تابعًا، كاتبًا لا عاملًا، صاحب مصيره لا امتدادًا لأبيه. لكنَّ الأب يظلُّ حاضرًا في اللغةِ، والذاكرةِ، والخَيال. ومِن هُنا تتشكَّل مُفارَقة قاسية: كلما حاولَ الكاتبُ أن يطرد الأبَ مِن عالَمه، عادَ الأبُ في صورة شخصية، أو ذاكرة، أو صراع، أو عُقدة هُوية.

     إنَّ التمرد عند فانتي لا يؤدِّي بالضرورة إلى التحرر الكامل. إنَّه يعيد إنتاجَ العلاقة في مستوى آخَر. يتحوَّل الأبُ من شخص موجود في البَيْت إلى شخصية موجودة في الكتابة، ويتحوَّل النزاعُ العائلي إلى نزاع سردي، ويصبح الكاتبُ،الذي يظنُّ أنَّه انتصر على أبيه حين حوَّله إلى مادَّة أدبية، مُضطرًّا إلى اكتشاف أنَّ الأب لَم يخرج مِن حياته، لقد انتقلَ فقط مِن الواقع إلى اللغة.

     وهذا ما يجعل الأبوةَ عند فانتي أقل بساطة مِمَّا تبدو عليه. الأبُ ليس شريرًا مطلقًا، والابنُ ليس ضحيةً صافية. هُناك علاقة مِن الحُب والكراهية، والخجل والحنين، والرفض والتشابه. وصورةُ الأب تتغيَّر عبر مسيرة فانتي الأدبية، مِن مَصدر للعار العِرقي والطبقي في البدايات إلى شخصية أكثر قابلية للاحتضان في مراحل لاحقة، غَير أنَّ هذا التطور لا ينبغي أنْ يُقْرَأ بوصفه مصالحة نهائية، فالمصالحةُ معَ الأب، حين تحدث، لا تعني إلغاءَ النقد، بلْ قد تكون أحيانًا نتيجة لاكتشاف الابن أنَّ أباه لَم يكن مُجرَّد جلاد شخصي، وإنما إنسان مهزوم داخل ظروف الهجرة والفقر والتمييز والاقتلاع الثقافي. لكنَّ هذه المعرفة المتأخرة لا تمحو آثارَ الطفولة. الابنُ يستطيع أن يفهم أباه، لكنَّه لا يستطيع أن يعيد كتابة طفولته بحيث لَم يحدث فيها ما حدث.

     وهُنا تتقاطع تجربة فانتي معَ تجربة شكري مِن جهة، وتفترقان مِن جهة أُخرى. كلاهما يضع الأب في مركز أزمة الذات، لكنَّ شكري يميل إلى جعل الأبوة سُلطة ينبغي كسرها، بينما يميل فانتي إلى جعلها إرثًا ينبغي تفكيكه. عند شكري يَكون الخلاص في المسافة، وعند فانتي يصبح الخلاص في محاولة فهم المسافة نَفْسِها: " لماذا أكره أبي؟، لماذا أُشبهه؟، لماذا أهرب مِنْه؟، لماذا أعود إليه في الكتابة كلما ظننتُ أنَّني تجاوزته؟".

     والأبوةُ في التجربتين مرتبطة بنموذج ذكوري يقوم على السيطرة، لكنَّ هذا النموذج لا يعمل بالطريقة نَفْسِها. عند شكري تتحوَّل الرجولةُ الأبوية إلى عُنف صريح، وحق في التأديب والإخضاع والتصرُّف في مصير الابن. أمَّا عند فانتي فترتبط الرجولةُ بالفقر والعمل والغضب وإثبات القدرة على إعالة الأسرة، وبذلك تصبح الأبوة محكومة بفشل اقتصادي واجتماعي ينعكس في صورة غضب داخل البَيْت.

     والأبُ، في هذه الحالة، يحاول إثبات سُلطته، لأنَّه فقد كثيرًا مِن أشكال السُّلطة خارج البَيْت. وهذا لا يُعْفيه، بلْ رُبَّما يزيد مسؤوليته، فالبَيْتُ ليس المكان الذي يحقُّ للرَّجل أن يصب فيه هزيمته. ومِن الأخطاء النقدية الشائعة تحويلُ العُنف الأبوي إلى مأساة تخصُّ الأبَ وحده، وكأنَّ الابن مُجرَّد متفرج على انكسار الرَّجل. والأدبُ الجاد لا يقبل هذه المُعادلة بسهولة، لأنَّ انكسار الأب لا يمنحه حقَّ كسر الطفل.

     في تجربة شكري، تتَّخذ المسألة شكلها الأكثر قسوة: الأبوة التي لا تحمي، تصبح نقيضًا للأبوة، والدمُ الذي يُفْتَرَض أن يكون رابطة، يتحوَّل إلى مصدر خَوف، لهذا فإنَّ التمرد يبدو ضروريًّا مِن أجل البقاء. أمَّا عند فانتي، فإنَّ الأبوة الفاشلة لا تنتهي في لحظة الهروب، لأنَّها متَّصلة بالهُوية نَفْسِها. يستطيع الابنُ أن يغادر البَيْت، لكنَّه لا يستطيع أن يغادر الاسمَ، والملامح، واللغة العائلية، والذاكرة، والفقر الذي صعد مِنْه.

     ومِن هُنا يمكن فهو سبب حضور الأب في أدب فانتي حتى عندما يغيب فعليًّا. الغيابُ يتحوَّل إلى حُضور، فالأبُ قد يكون بعيدًا، أو ميتًا، أو خارج مركز الأحداث، لكنَّه يظلُّ يعمل داخل وعي الابن. وهذا النوع مِن الأبوة أكثر خفاءً مِن الأبوة العنيفة عند شكري، لكنَّه ليس أقل تأثيرًا، إنَّه أب يسكن الذاكرةَ ، لذلك يصعب طرده.