سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

14‏/04‏/2016

تخلف المثقفين الأعراب

تخلف المثقفين الأعراب

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

......................

إن خارطة الثقافة غارقة في العُقَد النفسية ، والإشكالياتِ السياسية والحضارية الضاغطة على صياغة النصوص الثقافية. فعُقدة " المركز والأطراف" تضرب _ بشراسة_ العمودَ الفقري للجسد الثقافي الإنساني . فجائزة نوبل العالمية هي جائزة غربية _ في حقيقتها_ ، وخاضعة لاعتبارات سياسية بامتياز ، ومسيطر عليها من قبل الدول الغربية المتنفذة ( أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، ألمانيا ) . فالغالبية الساحقة من الحاصلين على نوبل في كل المجالات ينتمون إلى هذه الدول الأربع ، لأنها هي المركز السياسي العالمي ، مما يجعلها المركز الثقافي العالمي ، وباقي الدول أطراف . وحينما يحصل على الجائزة شخص من خارج هذه الدول ، فهو يحصل عليها لأسباب سياسية _ بالدرجة الأولى _ ، ومن أجل تصوير الجائزة كأنها جائزة عالمية كَوْنية . وهناك عُقد نفسية أخرى تصيب الأمم المهزومة مثل" المغلوب مُولَع بتقليد الغالب " ، وعُقدة " الخواجة" . وهاتان الإشكاليتان منتشرتان بقوة في الأمة العربية باعتبارها أُمَّةً منهارة خارج سياق التاريخ، وخارج الإطار الطبيعي للحضارة. فغالبيةُ المثقفين العرب هم مهزومون داخلياً، لذلك يرمون أنفسهم في حضارات الوهم ذات القوة المادية ، ويديرون ظهورَهم للحضارة العربية الإسلامية التي نشرت الحضارةَ في العالَم طِيلة ألف سنة . وهؤلاء المصابون بعقدة النقص ينسخون الآخرَ، ويقومون بتضليل الرأي العام الشِّعري، وإبعادِ الناس عن رُوح الشِّعر، = = وتغييبِ مرجعية هوية المعنى ، وتحويلِ القصيدة إلى غثاء وعدمية ضد المسار الحضاري للإنسان الطبيعي. فقد حوَّلوا الشِّعرَ إلى مشروع استثماري لزيادة أرصدتهم البنكية، متاجرين بالقضايا الإنسانية والقومية ، ودماءِ الفقراء ، وأحلامِ الشعوب المكبوتة. ولم تكن شهرتهم إلا لأسباب سياسية واجتماعية لا علاقة لها بالإبداع أو الكفاءةِ اللغوية الخلاقة . فأشهر الشعراء العرب يستمدون شهرتهم من الفوضى الخلاقة لا إبداعهم الكَوْني العالمي ، فهم أصلاً كُتاب محدودون ، يكتبون ضمن بيئة مغلقة ، ولا وزن لهم على الصعيد العالمي مُطْلقاً . فنزار قباني هو أكثر شاعر عربي مقروء . لكن هذا الأمر لا يعود إلى عبقريته الشعرية ، أو نصوصه الإبداعية الخارقة . وإنما يعود إلى المواضيع الجنسية التي يقذفها بين كلماته ، فيجذب بذلك الجمهور العربي المقموع سياسياً والمكبوت جنسياً. خاصةً أن أغلب قراء قباني هُم من المراهِقين والمراهِقات الغارقين في العطش الجنسي . ولو ظهر نزار قباني في الغرب لما قرأه أحد ، لأن الكبت الجنسي مشكلة عربية لا غربية . والمضحك المبكي أن الكثيرين يعتبرون قباني شاعرَ المرأة، وهذا خطأ منهجي فادح ، فهو شاعر جسد المرأة الذي حَوَّل المرأة إلى سلعة تجارية ، وماركة مُسجَّلة في أسواق النخاسة، من أجل استمتاع النخاسين ، والمتاجرين بالرقيق الأبيض بالألفاظ والمعاني . وهذا الانهيار الاجتماعي الاضمحلالي يقودنا إلى أن المرأة الضائعة في كل زمان ومكان تعشق مغتصبها وجلادها وقاتلها ومُحتقِرها . وهذا ما يحصل مع اللواتي يعشقن شعر نزار قباني المناوئ لحقوق المرأة . أما محمود درويش فقد استمد شهرته من الحزب الشيوعي الذي كان الرافعة لنشر إسهامات أنصاف المثقفين، كما رَفع عبدَ الوهاب البياتي _ رغم ضحالته وعدم قدرته على الخروج من عباءة السَّياب _. وعندما نال درويش الشهرةَ اللازمة صار متاجراً بالقضية الفلسطينية ، ويتغنى بالمقاوَمة لتحقيق أرباح مادية إضافية تمكنه من تناول الخمر في الفنادق الفخمة التي لا يدخلها إلا الأثرياء . فحبذا لو تبرع درويش بثمن زجاجة شمبانيا أو ويسكي لفقراء المخيَّمات والأرامل واللاجئين . فعن أي وطن يتحدث محمود درويش ؟ . عن المخصَّصات المالية التي يقبضها من سُلطة أوسلو نظير خدماته الجليلة في التطبيل والتزمير للأصنام البشرية ؟ . والأدهى من هذا أنه كان يُقدِّم نفْسَه كمعارِض لاتفاقية أوسلو . فأي تناقض في هذا المشهد الكوميدي البائس ؟. وأدونيس ليس أحسن حالاً، فقد تم تلميعه من قبل جهات غربية لإعطائه جائزة نوبل نظير خدماته الجليلة في مهاجمة العروبة والإسلام دون دليل منطقي واحد . وهو على استعداد لبيع كل شيء من أجل جائزة نوبل . فهؤلاء الشعراء العرب هم مجرد دُمى في مسرح للعرائس ، قضوا حياتهم مقلِّدين لشعراء الغرب ، ولم يتمكنوا أن يثبتوا أقدامَهم في الساحة العالمية لأنهم نائمون في عباءة ت.إس. إيليوت ونيرودا ولوركا وعزرا باوند ... إلخ، فالمغلوب مُولَع = = بتقليد الغالب ، وعُقدة الخواجة تلعب لعبتَها القديمة الجديدة . والقائمة التي ذكرناها آنفاً لا تحوي شعراء في الحقيقة ، بل تحوي أنصاف مثقفين ، وهم بالأساس رجال أعمال يتاجرون بالشِّعر مثلما تاجروا بأحلام شعوبهم ، وطموحات أمتهم التي خلعوها من قاموس شِعْرهم الناتج بفعل عملية النسخ والتقليد والتبعية .
     وتزداد صعوبة الحصول على جائزة نوبل إذا كان الشخص عربياً أو مُسْلماً . وذلك بسبب وجود الكيان الصهيوني في أرض عربية إسلامية . فنجيب محفوظ مثلاً لم يحصل عليها إلا بعد أن قدَّم تنازلاتٍ مرعبة تنسجم مع التوجهات الغربية بشكل مضاد للهوية العربية الإسلامية الحضارية . وعلى الرغم من كَوْن نجيب محفوظ كاتباً تقليدياً ذا أسلوب متحجر غير انسيابي ، إلا أنه حصل عليها لأسباب سياسية بعد تقديم مواقف مخجلة وتنازلاتٍ جمة نالت استحسان لجنة الجائزة ، مع العِلم أن هناك من يتفوق عليه بالأسلوب والقيمة الأدبية ، ولكن جائزة نوبل مسيَّسة ذات أغراض خفية وأجندات مشبوهة . ولم تُمنَح لكاتب مصري إلا بعد اتفاقية كامب ديفيد . وبعِبارة أخرى ، إِن فَوْز نجيب محفوظ بنوبل مكافأة لمصر بسبب استسلامها المخزي في كامب ديفيد . وعلى الجانب الآخر نجد أن الروائي التركي أورهان باموك ليس ذا مكانة رفيعة في المشهد الروائي العالمي ، بل هو كاتب مهزوز ذو إنتاج بسيط ، ولكن بعد انتقاده لما سمَّاه مذابح الأرمن علانية ارتفعت أسهمه بشكل كبير، ومُنِح الجائزة لأغراض سياسية بحتة . فلو انتقد مذابحَ الفرنسيين في الجزائر أو مذابح الأمريكيين في العراق وأفغانستان، فهل سيحصل على نوبل ؟ . بالطبع لا ، إذن ، أدرك الكاتب الوسيلة التي تحمله إلى الشهرة عبر السير في المنهجية الغربية تماماً ، وتبنِّي المنظور الغربي بحذافيره . حتى أدونيس ( علي أحمد سعيد) الذي انضم لعرب الخدمات الفرنسية الذين يُقدِّمون خدماتهم للقادرين على الدفع والتلميع ومنح الجوائز الدولية ، قدَّم كل التنازلات الممكنة ، ونفَّذ كل الأجندات الغربية ضد الإسلام والعروبة ، وأجرى كل الاتصالات الممكنة ، وقدَّم الولاءَ والانتماء للقادرين على منحه جائزة نوبل ، وقدَّم كل الخدمات الممكنة للصهيونية السياسية والثقافية على أمل أن يحصل على الجائزة ، ومع هذا أدركت اللجنة أن مستواه ضعيف لا يؤهله للحصول عليها . وعلى فرض أنه حصل عليها فهذا يعود بالطبع إلى خدماته الجليلة التي قدَّمها للمؤسسات الغربية الحاضنة له التي وجَّهَتْه ضد الإسلام والعروبة بشكل ذي أغراض مسبقة. معَ العِلم أن جائزة نوبل للآداب تختلف عن باقي فروع الجائزة. فالأدب هو كلام ، والكلام يَحمل فكراً واتجاهاتٍ دينية وسياسية قد تلقى القبول أو الرفض حَسَب المتلقي . أمَّا جوائز نوبل في مجال العلوم كالفيزياء والكيمياء ، فهي قيمة علمية دون النظر إلى الإسلام أو النصرانية أو  اليهودية = = أو الإلحاد. فالمسلم واليهودي _ مثلاً _ يتوصلان إلى نفس النتيجة العلمية في العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء إذا استندا إلى منهج علمي متماسك ، أمَّا في العقيدة والفكر والكلام فيظهر الفرقُ واضحاً ، وهذا ما يجعل جائزة نوبل للآداب أكثر عُرضة للتسييس والشُّبهات .
     والغربُ يلعب مع الأدباء العرب نفسَ اللعبة التي لعبها مع المنشقين في الاتحاد السوفييتي ( سابقاً )، أي إن الغرب يحتضن كل كاتب عربي مناهض للإسلام والعروبة، ويقوم بترجمة أعماله والاحتفاء بها ، ومنحه الجوائز ، وترتيب اللقاءات الصحفية والتلفزيونية معه لشرح آرائه ونشرها . وكل كاتب عربي تُترجم أعماله إلى لغات عديدة هو شخص مُدان حتى يثبت العكس ، لأن الغرب ينظر إلى الأمة العربية باعتبارها أمة بدوية بدائية متخلفة لا حضارة لها ، ولن يهتم بأي شيء ذي صفة عربية إلا إذا وجد فيه ما يدعم وجهة النظر الغربية ، ويناهض وجهةَ النظر العربية . لذلك تتم ترجمة الكتب العربية التي تطعن في الإسلام ، وتنتقد الحضارةَ العربية ، وتُقدِّم المرأةَ المسلمة مُضطهَدَةً خلف الحجاب ، ومقهورة نتيجة تعدد الزوجات . وهذه هي المواضيع التي تهم الغرب الذي لديه موقف مسبق ضد العرب والمسلمين بغض النظر عن أفعالهم . 
     أمَّا النقاد العرب فليسوا أحسن حالاً من الشعراء . فالنقد العربي الحديث لا يملك أية نظرية خاصة به، فهو يعيش في ظل " النظريات " الغربية . فطه حسين _ مثلاً_ بنى أفكاره على آراء المستشرقين وأساتذته الفرنسيين، ولم يكن لديه أية نظرية خاصة به مصنوعة بيديه . حتى مشاهير النقاد العرب كجابر عصفور ، وفيصل درَّاج ، والغذامي ، وإحسان عباس ، ليس لديهم أي نظرية خاصة ، بل إنهم يأكلون فتات بنيوية كلود ليفي شتراوس ، وتفكيكية جاك دريدا ، وإسهامات رولان بارت وجوليا كريستيفا وغيرهم . وهذا يعكس حالة تخلف الثقافة العربية العائشة على التسول الفكري ونسخِ الآخرين .

     وتظهر في الأنساق الثقافية العربية نظرية " الحامل والمحمول " ، أي إن الكُتاب العرب لا يمكن أن يصلوا إلى مستويات رفيعة إلا بركوب مَوْجة ما ، وهي التي تحملهم إلى مجدهم الأدبي الوهمي . فالكُتاب في الخليج العربي هم نتاج ثقافةِ رُعاة الأغنام والبدوِ الرُّحل . فهم تجسيد لأدب البترول القادر على تقديم الجوائز ذات القيمة المادية العالية ، وتلميعِ أنصاف الكُتاب . والشعراءُ الفلسطينيون ركبوا مَوْجةَ الثورة الفلسطينية لكي يَصلوا إلى شاطئ الشهرة والجوائز . وعندما ماتت الثورةُ غاب صوتُ كُتاب فلسطين ، ولم يقدروا على الوصول إلى شُهرة محمود درويش وسميح القاسم اللذين تاجرا بقضية فلسطين عن طريق ركوب موجة الثورة ، والالتصاق بمشاهير القادة السياسيين أصحاب السُّلطة =    = والنفوذ كياسر عرفات وجورج حبش وغيرهم . وقد كانت القضيةُ الفلسطينية هي الرَّافعة التي أوْصلت الكثيرين من الساسة والأدباء إلى الشُّهرة والنفوذ الهائل رغم ضحالة إنتاجاتهم، وذلك لأن الأضواء كانت مُسلَّطةً على هذه القضية وما يَقْترن بها . وعلى سبيل المثال ، لو ظَهَرَ شاعرٌ لتنظيم القاعدة أو داعش ، لصارَ أكثر شعراء العالَم شُهرةً ونفوذاً ومَبيعاً ، ليس بسبب القوة اللغوية والعبقريةِ الشِّعرية ، ولكنْ لأن العالَم بأسْره يُسلِّط الضوءَ على القاعدة وداعش وما يرتبط بهما . وهكذا تتَّضح فكرةُ الاقترانِ والقوةِ الحاملة للمشروع الأدبي . أمَّا أدباء مصر فقد استغلوا مكانة مصر ( مركز الوطن العربي ) لتحقيق مكاسب شخصية عبر ركوب موجة نفوذ مصر _ عربياً _. ورغم هذا فلم يظهر أي شاعر مصري حقيقي بعد أحمد شوقي . أمَّا في المغرب العربي فكثيرٌ من الكُتاب ركبوا موجةَ الفرنكوفونية ، وراحوا يكتبون بالفرنسية لتحقيق شهرة ومكانة ، وهذا جعلهم يقدمون تنازلاتٍ مرعبة ضد حضارتهم مقابل بعض الصدقات من هنا وهناك على شكل جوائز وتكريمات ولقاءات صحفية . وبشكل عام ، إن كثيراً من الأدباء استغلوا إشرافهم على الملاحق الثقافية في الجرائد لتلميع صورتهم ، وصناعة شهرة ونفوذ عبر استغلال الوظيفة . ونسبةٌ كبيرة من الكاتبات العربيات رَكِبْنَ موجةَ الجنس المبتذَل وكتابةِ الجسد لزيادة عدد القراء ، ومن أجل أن تصبح كتبهن في قائمة الأكثر مبيعاً . وهؤلاء مُصابات بعُقد نفسية جنسية عبر مراحل حياتهن ، ويفتقدن إلى الإشباع الجنسي، فيلجأنَ إلى الثورة على التقاليد في محاولة لإيجاد الذات بعد انكسارها وتشظيها . وهُنَّ مجرَّد زوجاتٍ فاشلاتٍ في حياتهن الزوجية، يتاجرنَ بحقوق المرأة، ويَتَصَنَّعْنَ التمردَ والاستقلالية ، أو هنَّ مجرَّد عوانس يَلهثنَ وراء ظِل رَجل ، وكما يُقال : ظِل رَجل ولا ظِل حائط . وهكذا تتعزز عُقدة خضوع الجارية للنخاس ، واستسلام المرأة المغتصَبة ( معنوياً ) لجلادها. لذلك فالثقافة في الوطن العربي هي عصبية قَبَلية بدون فعل حقيقي، ومجرد كلام في الهواء منقول من الحضارات الأخرى ، وأفكارٌ فَوْضوية شعاراتية موضوعة على هامش المجتمع بلا تأثير . فالدولةُ منهارةٌ ، والمثقفُ عاجز ، والثقافةُ مُغيَّبة . والشعوبُ تَلهث وراء رغيف الخبز .    

06‏/04‏/2016

هربرت ماركوز واحتجاجات الطلاب

هربرت ماركوز واحتجاجات الطلاب

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

جريدة رأي اليوم الإلكترونية

لندن ، 5/4/2016

..........................

     هناك قاعدة أساسية ومُسلَّمة لا تَقبل الشَّك ، وهي أنَّ ألمانيا هي أُم الفلاسفة . فهي أكثر دولة في التاريخ أنجبت فلاسفة عالميين . والسببُ الرئيسي في ذلك يعود إلى المزاج الشعبي ذي الصِّبغة الفلسفية ، فالشعبُ هو الحاضنةُ الأساسية لكل الأفكار ، وبدونه يَفقد الفكرُ معناه وجَدواه .
     ومن الفلاسفة الألمان الْمُنظِّرين ( سيحصل بعد ذلك على الجنسية الأمريكية ) ، هِربرت ماركوز           ( 1898_ 1979) . وُلد في برلين لعائلة يهودية ، وانضمَّ إلى الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى      ( 1914_ 1918) التي انتهت بهزيمة مُذِلَّة لألمانيا. وحصل على الدكتوراه من جامعة فرايبورغ عام 1922.
     وتبرز في حياته ثلاث محطات أساسية ساهمت في تكوينه العاطفي والعقلي : الأولى _ عمله في مجال بيع الكتب ، وكان ذلك في بداية حياته العملية ، مِمَّا أكسبَه القُدرةَ على التعامل مع الثقافة والمثقَّفين ، ومَكَّنه مِن الحصول على نصيب وافر من المعارف والمعلومات . والثانية _ مساعدة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في أبحاثه، وهذا يعني اطِّلاعه على أفكار هايدغر ، وطريقةِ تفكيره، وأسلوب كتابته ، وأسرارِ فلسفته الوجودية . والثالثة _ عمله كباحث في معهد الدراسات الاجتماعية في فرانكفورت ( الذي سَيُعرَف فيما بعد بمدرسة فرانكفورت ) .
     وبعد وصول الحزب النازي إلى السُّلطة ، اعتبرَ هذا المعهد خطراً على النظام السياسي ، فقامَ بإغلاقه . كما أنَّهُ اعتبرَ المفكرين اليهود خَوَنةً وعُملاء ، ويُشكِّلون خطراً على المجتمع ، فقامَ بالتَّضييق عليهم . وأُغلقت الأبواب أمام ماركوز ، مِمَّا اضطرَّه إلى الهجرة إلى أمريكا .
     وفي أمريكا ، راحَ يَصنع لنفْسه حياةً جديدةً ، فاستأنفَ نشاطَه الفكري ، وانضمَّ إلى معهد الدراسات الاجتماعية في جامعة كولومبيا عام 1934. وعمل أثناء الحرب العالمية الثانية ( 1939_1945) في أجهزة الاستخبارات الحربية الأمريكية ، وكانت وظيفته هي تقديم المعلومات والأفكار الإستراتيجية من أجل مقاومة الدعاية النازية ، وتحطيم آلتها الإعلامية ، وتفكيك المشروع النازي بكامله تمهيداً للقضاء عليه واجتثاثه .
     وفي الخمسينات قام ماركوز بتدريس الفلسفة والسياسة في عدة جامعات أمريكية، مِن أبرزها: هارفارد وكولومبيا . ومعَ أنَّه انخرطَ بالكُلِّية في الحياة الأمريكية ، واعتبرَ نفْسَه مواطناً أمريكياً ، إلا أنه لَم ينقطع عن الحياة الفكرية في بلده الأم ( ألمانيا ) ، فبقيَ عضواً في جماعة فرانكفورت الثقافية، وكان يُمثِّل الجناحَ اليساري فيها .
     إِنَّ قوة ماركوز الفلسفية تتجلى في تأثيره الهائل على القيادات الطلابية . وهذا التأثير ظهر بشكل واضح في الاحتجاجات الطلابية التي اجتاحت جامعات أمريكا وأوروبا في نهاية الستينات. وهنا برزَ الطلابُ كقوة ضاربة في المجتمع ، وليس مجموعة من الشباب الطائش . الأمر الذي كَوَّنَ قناعةً لدى ماركوز بأنَّ الخطر الحقيقي على النُّظم السياسية القائمة سيأتي من الطلاب والأقليات الذي يملكون القدرة على التَّحرر والتحرير والحراك الاجتماعي ، ولن يَأتِيَ مِن طبقة العُمَّال التي اعتبرها طبقةً مُنتهية الصلاحية والفاعلية ، تَمَّ إغراقُها في النظام الاستهلاكي المغلَق ، وإخضاعُها للوضع القائم عبر التحايل على متطلباتها ، والالتفاف على حقوقها ، وَرَمْي الفُتات لها ، وتحقيق احتياجاتها البسيطة من أجل تحييدها وشراء سُكوتها وعدم مُعارَضتها للأمر الواقع . وهذا يَعني أن طبقة العُمَّال جرى تطويعُها وتقليمُ أظافرها ، فلم تَعُد تُشكِّل أيَّ خطر على النُّظم القائمة .
     لقد استغلَّ ماركوز الاحتجاجات الطلابية ، ليبنيَ عليها شُهرته كفيلسوف ، ويَصنع مَجْدَه الفكري ، فصارت هذه الاحتجاجات هي الحامل لأفكاره والناشر لها ، وصارَ في نهاية الستينات والسبعينات الْمُنظِّر الأبرز للحركات الطلابية في ألمانيا وفرنسا وأمريكا .
     وهذه القُدرة على التنظير جَعَلَتْهُ يُركِّز في كتاباته على نقد الرأسمالية ، ونقد الأنظمة القائمة ، وتجديد الأطروحات الماركسية ، وتَمَّ النظر إليه باعتباره الأب الروحي لليسار الجديد . وقد أثَّرت دراساته الماركسية في الكثير من المفكرين اليساريين والناشطين السياسيين في الستينات والسبعينات. وقد تُوُفِّيَ عام 1979 أثناء زيارته لبلده الأم ( ألمانيا ) .
     إِنَّ أفكار ماركوز السياسية تدور حول ثلاثة محاور أساسية : دور الطلاب في العالَم الرأسمالي ، والحركة الطلابية في فرنسا عام 1968 ، ودور الطبقة العاملة الحديثة في الغرب.

     مِن أشهر مؤلفاته: 1_العقل والثورة ( 1941)، وهو بحث جدلي في أفكار هيغل الاجتماعية، وإعادة تفسيرها ، وتوضيح أثر هيغل في النظريات الاجتماعية خلال الثلاثينات وربطها بنشوء الأفكار الفاشية . 2_ الحضارة والرغبة ( 1955) . ومَوضوعه التأليف بين فرويد وماركس . 3_الماركسية السوفيتية(1958). وقد انتقد فيه التطبيق السوفياتي للماركسية.4_الإنسان أحادي البُعد ( 1964). وهو أهم أعماله على الإطلاق . وقد انتقدَ فيه المجتمعات الرأسمالية والشيوعية على السواء، ورأى أن المجتمعات الصناعية سَحقت الإنسانَ، وأخْضَعَتْهُ للآلةِ الإعلامية، والتقنيةِ المتوحشة، فصارَ آلةً إنتاجيةً، وكائناً استهلاكياً، مِمَّا أدى إلى ضياع الإنسان واغترابه في مجتمعه.

05‏/04‏/2016

مقدمة كتاب/ النظام الاجتماعي في القصيدة

مقدمة كتاب/ النظام الاجتماعي في القصيدة

( المأزق الاجتماعي للثقافة.كلام في فلسفة الشعر)

تأليف: إبراهيم أبو عواد

دار الأيام للنشر والتوزيع/ الأردن

الطبعة الأولى 2016/ عدد الصفحات 426

............................

     إِن هذا الكتاب بأركانه الثلاثة عبارة عن محاولة شخصية لكشفِ البُنى الاجتماعية _ بكل تفاصيلها _ في القصيدة والثقافةِ ، واكتشافِ الأنساق اللغوية المعتمِدة على التجريد والتعرية ، والذهابِ إلى ماوراء النَّص بُغية الحصول على صيغة معرفية متكاملة . والأفكارُ الموجودة في هذا الكتاب هي أفكار ذاتية وخواطر شخصية ، دون العودة إلى أي مَرْجع أو مَصْدر . وهذه الأفكارُ عِبارة عن بذرة تَنتظر مَن يأتي ليَسقيَها ويُنَمِّيَها. وهذه هي متعة التراكم المعرفي . وكما هو معلوم ،   لَيس شرطاً أن يَكون الزارع هو الحاصد. والعِلْمُ هو تراكمات مستمرة تتحرك في الأزمنة المختلفة، والأمكنةِ المتغيِّرة . وليس بِوُسْعِ أحدٍ بمفرده تشكيل عِلْمٍ قائم بذاته . ففي أحسن الأحوال ، يَستطيع المبدِعُ وَضْعَ الأصول ، أو الفروع ، أو إيجاد روابط بين الفروع والأصول . وقد حاولتُ _في هذا الكتاب_ تأصيلَ القضية الشِّعرية، وَوَضْعَ الأسسِ المعرفية للنظام الاجتماعي في القصيدة، وترسيخَ جُذور عِلْم اجتماع القصيدة ، وإظهارَ العلاقات المتشابكة في المأزق الاجتماعي للثقافة ، وإبرازَ معالم فلسفة الشِّعر . وكلُّ هذه المحاولات الحثيثة هي شرارة معرفية ، أو عملية رمي حَجَر في الماء الراكد .
     ولا يخفَى أن الإيمان بالقضايا الكبرى هو المنطلق الحقيقي لأنسنةِ السلوك الاجتماعي، وتوضيحِ القيم العاطفية الثورية . وقد آن الأوان لإرجاع الأدب إلى إنسانية المجتمع المتحرك في ماديةٍ عمياء شرسة . ويمكن القول إِن الأدبَ هو القوةُ الفاعلة في حياة الفرد ، والمحرِّكُ الحقيقي للجماعة . فهو المعبِّر عن الطموحات الكبرى، والآمالِ العريضة، والتاريخِ الحضاري. وإِنَّ إقصاءه من الحياة العامة من شأنه توسيع الفَجْوة بين الإنسان وإنسانيته ، وقتل الهوية الجماعية للحضارة البشرية ، وتحويل الإنسان إلى وحش .
     ومن خلال هذا المنظور الكُلِّي ، يَبْرز النظامُ الاجتماعي في القصيدة كحالة معرفية شاملة ، وتَبْرز _كذلك_ القوةُ الضاربة لهذا النظام، ألا وهي " عِلْم اجتماع القصيدة ". فالنظامُ الاجتماعي في القصيدة بمثابة حاسة البصر، وعِلْم اجتماع القصيدة بمثابة عملية النَّظر. وبالتالي ، فهما كيان واحد متكامل لا مكان فيه للانفصال أو التعارض. و"عِلْم اجتماع القصيدة" هو العِلْم الذي يَدْرس القصيدةَ على أنها مجتمعٌ متحركٌ ذهنياً وواقعياً، ويقومُ بتشريحه إلى أنويته الأساسية انطلاقاً من فكرة الانبعاث المتجدِّد ، ويُحدِّد قيمَ الاندماجِ والتمايزِ والحقيقةِ والمجازِ في بؤرة الْحُلْم الشِّعري .
     و"عِلْمُ اجتماع القصيدة " إذا لم تُرافقه نزعةٌ إنسانية تضع يدَها على أحاسيس الكائنات الحية، فَسَوْف يغدو عِلْماً فلسفياً غارقاً في التنظير والتجريد والعُقم والملل . والتعويلُ في هذا السياق إِنما هو على اللغة الشِّعرية، والرِّهانُ الحقيقي يَكون على فلسفة اللغة. فاللغةُ تؤسس عِلْمَ اقتصاد خاصاً بها ، حيث يتمُّ وَضْعُ الألفاظ في ذاكرة المعاني، وَوَضْعُ المعاني في فضاء الألفاظ ، وَوَضْعُ الألفاظِ والمعاني في أقصى مدى ممكن. ويمكن القول إِن اللغةَ هي اقتصادُ الوعي ، واختزالُ الذِّهن . وهذان المفهومان يَضَعَان الذاكرةَ الإنسانية في أقصى مداها الشِّعري .
     وكلُّ الفلسفات الذهنية التثويرية كامنةٌُ في اللغة ، فاللغةُ هي العوالِمُ الملموسة ، والعوالِمُ المتخيَّلة في آنٍ معاً. ونحن _ عِندما نتعامل مع رمزية اللغة _ لا نَهْرب من واقعية الأنساق الواقعية، ولا نَخترع لحظاتِ صِدام بين اللفظ والمعنى ، وإِنما نَقْذف ذواتنا في فوهة الكلمة من أجل تشكيل المشاعرِ الإنسانية والعناصرِ الطبيعية على صورة ثورات معرفية مستمرة. وهذا التثويرُ المتواصل يَحْقِنُ القصيدةَ بالحراكِ الاجتماعي وانفجاراتِ الأبجدية . ومهما يكن من أمر ، فالكتابةُ الشِّعرية ستظل واقعيةَ الوجود البشري الذي يتحرك باتجاه حُلْمٍ لا تأكله إحباطاتُ السياسة ، وانهياراتُ العناصر الاجتماعية ، ومَوْروثُ الوهمِ ، وميراثُ القمع . وسَوْفَ تظل اللغةُ نداءَ غريزةِ البقاء في تضاريس الْحُلْم الاجتماعي الكُلِّي . وفي ظل هذا الزخم الفكري ، سيصبح جسدُ القصيدةِ تجسيداً للمعرفة الإنسانية، وصورةً حيَّة للمعنى المتمركز في مدارات الوجود الحالم. وهذا يَمنع نشوءَ عداوة بين الشاعر ولُغته .
     والقصيدةُ هي الثورة الذهنية الواقعية الأكثر قدرة على استشراف الواقع المتخيَّل، ذلك الواقع المعجون بالطموح الإنساني الواعي . وحريٌّ بنا أن نَدْرس القصيدةَ بوصْفها كائناً حَيَّاً يَسْتشرف أحلامَ المستقبَل، ويُحوِّلها إلى مسارٍ فكري وطريقةٍ معرفية لفهم تحولات الذات الإنسانية ، والغَوْصِ في أعماقها الشِّعرية . والقصيدةُ كَيْنونةُ شُعورية قائمة بذاتها، تَجْمع قِيَمَ الموتِ والحياةِ ، ولَيست مَعنيةً بتأريخ الوقائع الاجتماعية. فهذه مهمةُ المؤرِّخ لا الشاعر . فالشاعرُ يَسعى _ بكل ما أُوتي من مهارة وثقافة _ إلى إعادةِ تشكيل الواقع وَفق منظور سِحري ، وصناعةِ القصيدة ( السَّبيكة الوجودية المتميِّزة ) باعتبارها ظاهرةً شُمولية تعتمد على صياغة الأبعاد المعرفية في قوالب كاسرة للقَوْلبة والتقليدية . وهكذا ، يُوضَع النَّصُّ الشِّعري في أقصى مداه الإنساني ، فيُصبح من الصعب اجتثاثُ الطموحِ الفردي أو اقتلاعُ الْحُلْمِ الجماعي . ولا بُدَّ من كسر الحواجز التي تُوضَع بين الشاعر وجنينه الشِّعري ، وبين الشاعر والمتلقي ، وبين الجنين الشِّعري والمتلقي . وهذا لا يتأتى إلا بالعمل الجاد من أجل صناعة منظور فكري يَسْتلهم الأبعادَ الرمزية للحضارةِ واللغةِ . والقصيدةُ هي ثورةُ المجتمع المثالي العابرة لحدود الزمكان ( الزمان _ المكان ). وحِين يتمُّ بناءُ الفلسفة الشِّعرية على رمزية اللغة، فإِن النَّص سَوْف يُسيطر على مفاصل المجتمع شُعورياً وواقعياً. وهذا ليس غريباً ، فالشِّعرُ كيمياء خاصة . والفلسفةُ الشِّعرية قائمة على اللغة ، واللغةُ هي المرجعية الفلسفية للشِّعر .
     إِن القصيدةَ تَحْفظ شبابَ اللغة ، وتؤسس مجتمعاً كلماتياً خاصاً بها . وهذا المجتمعُ يُمثِّل فِعلاً اجتماعياً يُزاوج بين الرمزِ اللغوي والتاريخِ الحضاري للإنسان. والقصيدةُ تَموت في ولادة الشاعر، وتُولَد مِن مَوْتها كي تحيا حاملةً معها حياةَ العناصر . كما أن الكتابةَ الشِّعريةَ مَوْتٌ مُتتابِع لكي يُولَد المعنى . أمَّا العاطفةُ الشِّعرية فهي حفلة زواج بين الزمان والمكان . وفي ظل هذه المعطيات، تَظْهر حقائق أساسية تتعلق بمسار القصيدة ومصيرها ، من أبرزها : القصيدةُ هي الوعاء الإنساني الأكثر قدرةً على تجسيد بَراعةِ اللغة ولمعانِها الصاعق . والقصيدةُ هي انتقام الضحية من العالَم ، وهي تعويضٌ معنوي للمظلومين في عالَم ظالم . والقصيدةُ وطنُ مَن لا وطن له . وكما هو معلوم ، لا تُوجَد معركة من أجل المعركة ، وكذلك ، لا توجد قصيدة من أجل القصيدة .
     إِن الأدبَ حياةٌ إنسانية شديدة التكثيف تتدفق في فضاءات الرُّوح والمادة ، وأساسٌ رُوحي للنهضة والاندفاع، وخلفيةٌ حضارية للوجود الإنساني. وللأسف ، فهناك أدباء كثيرون لم يَسْتوعبوا هذا المعنى السَّامي . فمِنهم مَن يُتاجر بجسد المرأة تحت راية الدفاع عن حقوق المرأة . ومِنهم مَن يُتاجر باسم الوطن والمنافي ، وهو يَقْضي وَقْتَه في الفنادق الفخمة . ومِنهم مَن يتَّخذ مِن الإلحاد فلسفةً ومنهجاً ، ويُروِّجه على أنه الحداثة والتجديد في دنيا الشِّعر . وهو لَيس بأكثر مِن مُقلِّد ناسخ مُصاب بِعُقْدة الخواجة ، وغارق في جدلية " المغلوب مُولَع بتقليد الغالب " . وهذا النَّسخُ الأعمى أبْعد ما يَكون عن الإبداع . فلا يمكن للببغاء الأعمى أن يُنتِج أدباً راقياً ، وفلسفةً ساميةً ، ففاقدُ الشيء لا يُعطيه ، ولا يمكن جَنْي العنب من الشَّوْك . 
     والحداثةُ في الأدب لا تَعني نسخَ الأدبَ الغربي ، وتقديمه للقارئ العربي بعد تغليفه بوهم التجديد. وللأسف، فهذا ما يَفْعله المتغرِّبون مِن أبناء جِلْدتنا الذين خَلعوا جِلْدتهم ، لأنهم مهزومون نفسياً، ومُصابون بعُقدة الخواجة . فالحداثةُ الحقيقيةُ في السِّياق العربي إِنما تَنْبع من قِيَم الحضارة العربية الإسلامية . والطريقُ إلى الفضاء الخارجي إِنما يَنْبع من الغَوْص في الذات ، والطريقُ إلى العالمية يبدأ من الحارة الشعبية، ولا يبدأ مِن نسخ التجارب الشاذة عن المسار الحضاري ، والتي نالت الشُّهرةَ والمجدَ الوهمي بسبب التكريس الإعلامي، وقوةِ الآلة الدِّعائية لا قوةِ المنطق الذاتي .
     والجديرُ بالذِّكر أن التاريخَ لا تَكْتبه الأرصدةُ البنكية والقصور والسيارات ، وإنما يَكْتبه المثقفون الذين هُم نُخبةُ المجتمع ، وحُرَّاسُ مَوْروثه الحضاري ، وصُنَّاعُ أحلامه . وهذه الرؤيةُ المصيرية ينبغي اعتمادها في كل المؤسسات بسبب حجم المسؤولية الهائل. ولا يخفَى أن الجهدَ المؤسسي الضخم يحتاج إلى تضافر الطاقات، ولا يمكن للفرد_ مهما علا كَعْبُه_ أن يَقوم بِه وَحيداً.  
     إن البعض يعتقد أن تطور المجتمعات الإنسانية يستند إلى نهضة تكنولوجية مادية مُجَرَّدة من الآداب والفنون. وهذا اعتقادٌ وهمي. فالأممُ المتقدِّمة تكنولوجياً لا بُد أن تكون متقدمة أدبياً وفنياً، والعكس غير صحيح . فعلى سبيل المثال ، نجد أن الأمة العربية تعيش أزمة معرفية شديدة الوطأة ، وهي مُحاصَرة بأشباح التخلف التقني، لكن هذا لا يعني أنها متخلفة حضارياً أو أدبياً . إنها تعجُّ بالمبدِعين والعلماء والفلاسفة والأدباء الذين يستطيعون مُقارعة أكبر المبدِعين في العالَم ، والتفوق عليهم بسهولة . لكنَّ المشكلة الأساسية أن الأنظمة السياسية في العالَم العربي منهارة ، وبالتالي لا تستطيع حمايةَ إنجازات المبدِعين ، أو إيصالهم إلى العالمية . وهذا يُساهم في إقصاء المبدِع العربي ، وتصنيفه كدرجة ثانية أو ثالثة بسبب انتمائه إلى العالَم الثالث . وللأسف ، يُصبح المِعيارُ الحاكمُ هو قوةَ النظام السياسي لا قوة النَّص الإبداعي. إذن، فالمبدِعُ العربي يَدْفع ثمنَ الانكسار السياسي للنظام الذي يَحْكمه . وعندما نقول _ مَثَلاً _ : مُبدِع أمريكي أو بريطاني أو فرنسي .. إلخ ، ندرك أنه ينتمي إلى دولة قوية قادرة على تقديمه للعالَم . وهذا ما يَنقص المبدِع العربي .
     لقد فَشِلْنا في صناعة السيارات والطائرات، أي فَشِلْنا في النواحي المادية المحضة، لكننا ما زِلنا نصنع مجداً أدبياً لافتاً . ومن الخطأ تصنيف أُمتنا في الآداب والفنون كأُمة مُتخلفة ، لأننا متخلفون في مجال التكنولوجيا . فلا توجد مُعادلة عِلْمية تقضي بأنَّ الذي لا يُتقن صُنعَ الحديد لا يُتقن صُنعَ الإنسان . وهذا يَدْفعنا إلى العمل بجِد لتشكيل حالة من التوازن بين الناحيتين المعنوية والمادية. فالمجتمعُ الذي يُنجب فلاسفة بارزين وأدباء متمكنين وعلماء أفذاذاً ، لا بد أن يَشحذ همته من أجل صناعة السيارة والطائرة .. إلخ .
     وأخيراً وليس آخِراً ، إِن هذا الكتاب يَرْبط البُنيةَ الاجتماعية بالكيان الشِّعري ، ويُنقِّب عن العلاقات الاجتماعية في بُنية القصيدة وبُنيةِ الثقافة . وهذا الأمرُ لَيس تَرفاً أو إضاعةً للوقت ، فالفِكرُ حِياةٌ للفرد وإحياءٌ للجماعةِ . ولَيس بالخبز وَحْدَه يَحيا الإنسان .
واللهُ مِن وَراءِ القَصْد .

إبراهيم أبو عواد