سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

15‏/08‏/2012

أزمة الوعي الأمريكي وعسكرة المعنى

أزمة الوعي الأمريكي وعسكرة المعنى

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد


     إن الإشكالية الكبرى في الأداء السياسي الأمريكي هي غياب دلالات الوعي عن محيط الأداء الفكري الإمبراطوري . مما أدى إلى إدخال أمريكا في حروب متعددة الأشكال دون أن تفكر في كيفية الخروج منها. وهذا يعكس سوء التخطيط المعتمد على الارتجال والاستعجال .
     والغريب أن دولة كأمريكا تملك أقوى جامعات العالَم، وأقوى مراكز البحوث والإحصاءات ، وأعظم علماء الدنيا ، لم تقدر على ضبط حساباتها على الأصعدة : الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية . وهذا يعكس حجم المأزق الوجودي .
     وربما ظنَّت أمريكا أنها بغزو العراق وأفغانستان توجِّه رسالةً تحذيرية لباقي الدول أن ارتدعوا وإلا سيؤول مصيركم مثل العراق وأفغانستان . والذي حدث هو عكس هذا تماماً لأن أمريكا بعد غزوها للعراق وأفغانستان لم تعد قادرةً على أي عمل عسكري آخر ، على الأقل حتى تبنيَ قواتها العسكرية من جديد ، وتعيد حساباتها ، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً .
     فانكسارُ أمريكا في العراق وأفغانستان هو انكسار حقيقي، وليس حرباً إعلامياً يشنها أعداء أمريكا . وعدم قدرتها على الحسم العسكري صار العنوان الرئيسي في كثير من الدوائر، حتى لو لم يتم الإعلان عن ذلك من أجل الحفاظ على ماء وجهها.
     فأمريكا إن بقيت على الأرض سوف تظل تنزف حتى الموتِ ، وإن انسحبت فهذه خسارة لأنها لم تحقق الأهدافَ المرجوة من الحرب، فتكون قد دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها ، وأموالاً طائلةً من دافعي الضرائب دون أي مردود . فتكون بذلك كمن يرمي ممتلكاته في البحر ، ثم يعود إلى بيته رافعاً راية النصر . ففي كلا الحالتين أمريكا في مأزق ، وتعاني من أزمة حقيقية تتعلق بأهدافها وهيبتها ومكانتها وقوتها .
     وبسبب التورط الحقيقي لأمريكا وعدم قدرتها على شن حروب أخرى لأن قواتها العسكرية منهكة ، تجرأت كثير من الدول على تحدي أمريكا جهاراً نهاراً، ولستُ أعني الدول الكبرى كروسيا والصين . فهاتان الدولتان لهما ثقل عالمي يجبر الغربَ على احترامهما ، وليس مفاجئاً أن يعارضا . ولكني أقصد الدول الصغيرة نسبياً ( بالنسبة لحجم الثقل على المسرح الدولي ) كإيران ، سوريا ، فنزويلا ، كوريا الشمالية، والمنظمات مثل حماس ، و"حزب الله" وغيرها .
     ونحن لا نقلِّل من قوة أمريكا العسكرية ، ولا نريد أن نصورها كدولة فقيرة لا تملك معدات عسكرية ، إلا أننا نقول إن أمريكا بعثرت قوتها في أرجاء العالَم ، وتورَّطت في حروب غير محسوبة ، كما أنها خاضت حروباً غير تقليدية ، ففي العراق كان الذين يقاومون الاحتلالَ الأمريكي ليسوا " الدولة العراقية " ، وإنما حركات تخوض حرباً غير تقليدية ، والأمر كذلك في أفغانستان، وهذا بحد ذاته صعوبة بالغة ، لأن الجيش الأمريكي جيش نظامي مدعوم بسلاح جوي مُدمِّر، ينسف المرافقَ الحيوية لأية دولة من أجل تركيعها ، والضغط عليها لتستسلم . لكن الأمر في العراق وأفغانستان كان مختلفاً تماماً . فلا توجد دولة _ بمفهوم الكيان السياسي _ تقاوِم القواتِ الأمريكية. وهذا ينقل المشهد إلى مشاهد الحروب غير التقليدية ، وحروب العصابات والشوارع والكر والفر،خصوصاً أن المعارك كانت تجري في بيئة قاسية للغاية من حيث شدة الحرارة أو وعورة التضاريس . وأمريكا غير معتادة على هذا الأنظمة الحربية. فبدت وكأنها تقاتل شبحاً يظهر هنا ويختفي هناك . كما أن هذه النوعية من الحروب تشتمل على اشتباكات مسلحة بين الطرفين وجهاً لوجه ضمن منظومة الاحتدام والاشتباك ، وهذا يُحيِّد سلاحَ الجوي تماماً فيصبح بلا فائدة ، لأنه لا يريد أن يقصف أهدافاً مخلوطة فيقتل جنوداً أمريكيين مشتبكين مع المقاوَمة . ومكمن الخطر في هذه الحرب عدم وجود أهداف ثابتة ليتم قصفها. فمثلاً لا يوجد قصر جمهوري للملا محمد عمر، ولا توجد وزارة داخلية للمقاومة العراقية . كما أن مصادر تمويل المقاومة غير معلومة ، فالأمر أشبه بالوقوف في غرفة معتمة لا ترى شيئاً ، وتتوقع ضربةً تأتيك في أي وقت دون معرفة مصدرها .
     وفلسفة التشتت وتفريق القوى من الأخطاء الكبرى التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة ظناً منها أن نشر القواعد العسكرية في العالَم سيضمن  تواجداً  أمريكياً أمنياً في كل بقعة  ، وبالتالي هذا يضمن سلامة أمريكا وعدم تعرضها لسوء.
     وهذه الفلسفة غير المنطقية مبنية في بعض أجزائها على أرضية الحرب الاستباقية، لكن الإشكالية الحقيقية في التعامل الجيوسياسي أن أمريكا تخوض حرباً غير تقليدية، فليست حربها ضد جيش نظامي مستند إلى نظام سياسي متواجد في كيان محدود على شكل دولة . وهذا ما لا تدركه أمريكا ، أو تدركه لكنها تُكابِر لكي تبدوَ في صورة القائد المنتصر الواثق من نفسه في كل الأوقات دون الحاجة إلى معرفة العدو، وأسلوبه ، وحجم قوته . وهذا سبَّب تراخياً في الأداء الاستخباراتي الأمريكي عبر طائفة من التقارير غير الدقيقة التي انعكست سلباً على صورة أمريكا، وقاد ذلك إلى أحداث 11/9 .
     فلأول مرةً في التاريخ تتلقى أمريكا ضربةً في عقر دارها،وهي غير معتادة على ذلك. فكل الحروب التي خاضتها، وكل الضربات التي تعرضت لها ، كانت خارج حدودها . فالموقع الإستراتيجي لأمريكا جعلها محصنةً جداً ، فهي أشبه ما تكون بجزيرة في وسط المحيط . فلم تتوقع أن يتم نقل المعركة إليها في قلبها النابض ، وهذا يكشف لنا أن المأزق الأمريكي الحقيقي يأتي من داخلها عبر أزمات خانقة تنبع من ذاتها تعصف بها .
     ومن هنا يتضح لنا أن أحداث 11/9 أَدخلت العالَمَ في حروب من نوع خاص بلا أهداف محددة ، بلا كيانات سياسية على شكل دول ، بلا ميزانيات مكشوفة للحرب. لذلك فإن سمة القرن الحادي والعشرين ستكون حروباً أمريكية ضد المجهول، وهذا ينهش في الجسد الأمريكي . وأعداء أمريكا يعملون في الظلام دون وجود كيان سياسي أو جيش نظامي، وهنا تكمن نقطة قوتهم، لأن العامل في الظلام أقدر على إنجاز عمله ، فالظهور يقصم الظهورَ . وهناك نظرية يستعملها أعداء أمريكا في مواطن محددة : " لا تُظهر قوتك إلا حينما تكتمل قوتك " .
     يقول عالم الكيمياء الشهير الدكتور أحمد زويل في كتابه عصر العلم ( ص 225) : (( وقد جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتقود إلى المزيد من اللانظام . فقد اهتزت الولايات المتحدة لما جرى ، اهتزت الحكومة كما اهتز الفرد الأمريكي نفسه ، ولم تكن الهزة لشدة وفداحة ما حدث فقط بل كانت _ وبالأساس _ لأن الشعب الأمريكي لم يشهد حرباً حديثة داخل أرضه، فالولايات المتحدة أشبه بجزيرة تقع بين محيطين ، وقد خاضت كل حروبها خارج أراضيها ، في فيتنام والعراق والبلقان وأفغانستان ، وفي عملياتها العسكرية المحدودة كالتي جرت في ليبيا والصومال . لقد اهتز الشعب الأمريكي من جراء أحداث 11سبتمبر التي أطاحت بإحساسه بالأمن، ومن أجل ذلك أعطى الناخب الأمريكي صوته مرة ثانية للرئيس بوش تأكيداً لاستمرار إحساسه بالقلق ورغبته في الشعور بالأمن ، ولو كان على حساب أمن الآخرين )) اهـ .
     ومن خلال الاتجاهات المبنية على دراسة المشروع الأمريكي نستطيع استشراف الأسس العامة لعسكرة السياسة في الأطر التطبيقية، حيث إن أهم أساس في هذه الصيغ الفكرية هو لعبة التعميم المتعمد ، حيث يتم صبغ كل المخالفين للسياسة الأمريكية بالإرهاب دون تمييز ، وذلك وفق فلسفة " خير وسيلة للدفاع الهجوم"، وهذا يؤدي إلى إحداث حالة من اللامنطق عبر تفعيل التهم دون أدلة . والمتهم بريء حتى تثبت إدانته. وقد تبدو هذه الشعارات ذات تطبيقات في الشارع العادي للمواطن البسيط ذي التعليم المتدني ، إلا أن بعض السياسات قائمة عليها تماماً ، وتطبقها بكل حرفية .
     وهكذا نكتشف أن قوانين الحرب قد تغيرت بخروجها من الإطار التقليدي الرسمي المعتاد إلى الإطار غير التقليدي. ومن  هنا تتكشف متواليات التعرية المستدامة في الأداء الفكري العالمي ، وتظهر صعوبة أنساق حروب القرن الحادي والعشرين . فهذه الحروب مفتوحة على جميع الأصعدة ، ولا يمكن توقع طبيعة حركتها .
     وفي أطوار بناء القوالب التاريخية زمنياً ومكانياً ، والقيام بعمليات الإفراغ والإحلال ،تتكشف مصاعب جمة من أبرزها :
     1) تحويل الإنسان العالمي إلى مجرد دجاجة تبيض ذهباً ، وهذا الأداء البؤري في يسلخ الفردَ من قيمته كإنسان يؤدي دوراً محورياً لخدمة كيان سياسي ينتمي إليه. وفي ظل هذا الغبش الفوضوي تزول قيم الانتماء للمجتمع الكَوْني ، لأن الرابط المادي صار عبئاً على المواطن ، والفرد بدأ يخلع وطنَه المادي المشوَّش ، لأن الأزمات الدولية صارت عبئاً على كاهل الإنسان . وهذا يفسر غياب الانتماء الحقيقي . فتتابع عمليات اختزال الفرد في إطار ما يدفعه ويقدمه للخزينة ما هو إلا إجراء صادم لطموحات الفرد الراكض في مدارات الانشقاق الظاهري والباطني ، فقيمة اللاانتماء أضحت المرادف الحقيقي للمواطنة في المجتمع العالمي الذي يأخذ ولا يعطي . وحينما تصبح السياسات الرسمية غير المحسوبة ، والمغامرات الصبيانية الطائشة ، عبئاً على كاهل الإنسان ، فالطبع سوف يؤول الانتماء إلى قيمة فردية عبثية ، خصوصاً في محيط اجتماعي مادي استقطابي يدور في حلقة مفرغة . وبغياب قيم الانتماء سوف تتصدع كيانات الدول ، لأن طموحات الفرد العالية لم يواكبها مشروع  حضاري  نهضوي  حقيقي  .  وهذا مسمار حقيقي وعميق يُدَق في نعش
الحضارات المخالفة للمعنى الإنساني الكوني الشامل . 
     2) إن نقل الماضَوِيَّة إلى الحاضر التطبيقي مع اختلاف الظروف البيئية الحاضنة للتفكير المنطقي المحيط بدلالات وحدة الملابَسَة السياسية يتطلب بنيةً ديناميةً في القوالب المعاصرة لكي تقدر على احتضان المعنى الماضوي السابق . والإشكالية في العقلية العسكرية الدولية هي زيادة الأعداء والمخاطر ، وتقليل الموالين ، لأن الدبابة لا يمكن أن تكسب قلوبَ الناس. وقد ورد في الحكم : (( بإمكانك أن تجبر الحصان على الذهاب إلى النبع ، ولكنك لا تقدر أن تجبره على الشرب )) .
     وكل خطايا السياسة ستنعكس سلباً على مصير الحضارات . وهذه هي فلسفة عسكرة الأنساق الفكرية ذات الأطر اللامنطقية في أفق ذاهب إلى عالَم متعدد الأقطاب . حيث إن حقبة القطب الأوحد الأمريكي تكرست بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . وقد كانت هذه المدة هي الطور التاريخي لوجود القطب الأحادي المتفرِّد الذاهب إلى تعددية القطبية .
     وعلى الرغم من متواليات الفلسفة العسكرية في المنظور الدبلوماسي إلا أن الأبنية المتآكلة في هاجس الحلم الإمبراطوري ما زالت ضمن صور الإطارات العبثية لسياسة غير عقلانية تولد من فوهات المدافع . وما الارتباط الصارم بين هواجس العدم الفراغي الجزئي والكلي إلا مأزق الانحسار الكوكبي ، أي ذهاب كوكب الأرض إلى الطريق المسدودة .

13‏/08‏/2012

افتراء الكافرين على الله


افتراء الكافرين على الله

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد


   إن الكذب على الله تعالى هو نتيجة لانكسار الروح الإنسانية ، وانتكاسةِ الفرد في قاع الضلال ، وتمردِ المخلوق على الخالق . فالإنسان يلجأ إلى اختراع الافتراءات وإسنادها إلى الله تعالى من أجل تحقيق منفعة شخصية ، وإشباع غرور اتباع الهوى بالباطل ، وتضليلِ الآخرين عبر نقلهم من الحق إلى الباطل ، وتثبيت سُلطة رجال الدِّين الضالين المتحالفين مع السادة من أجل ضمان استعباد الناس وإخضاعهم عبر التلاعب بالنصوص الدينية وتوجيهها لخدمة أغراض مادية .
     قال الله تعالى : (( فويلٌ للذين يكتبون الكتابَ بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً )) [ البقرة : 79] .
     وهؤلاء صنفٌ من اليهود الذين حرّفوا التوراةَ، وغيّروا كلامَ الله تعالى ، حيث أضافوا وحذفوا وفق أهوائهم ومصالحهم الشخصية ، ونسبوا هذه التحريفات إلى الله تعالى من أجل الحصول على بعض المكاسب الدنيوية الوضيعة . وقد توعّدهم اللهُ تعالى بالعذاب الشديد جزاء كذبهم على خالقهم تعالى ، وتحريفهم للكلام الإلهي المقدّس ، ولن ينفعهم ما كسبوه من متاع الدنيا الزائل .
     إنهم أصحاب نظرة قاصرة ، فلم يَعرفوا المكانةَ الرفيعة للكلام الإلهي ، لذلك تَاجروا به ، واتّخذوا من العقائد الدينية وسيلةً للثراء السريع ، والحصول على منافع شخصية . فكانت الدنيا هي الركيزة الأساسية في حياتهم ، فضحُّوا بالغالي والنفيس من أجلها دون النظر إلى ما وراء الزينة البراقة الخادعة . 
     وعن أبي سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الويل واد في جهنم ، يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعرَه )) .
[رواه الحاكم في المستدرك ( 2/ 551 ) برقم ( 3873 ) وصححه ، ووافقه الذهبي .].
     وفي صحيح البخاري ( 6/ 2679 ) : أن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : (( كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث ، تقرؤونه محضاً لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتابَ الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ؟ ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ ، لا والله ما رأينا منهم رَجلاً يسألكم عن الذي أُنزل عليكم )) .
     والمعنى : كيف تسألون اليهود والنصارى عن الأمور الدينية والقرآنُ الكريم هو خاتم الكتب السماوية ، وهو محضٌ ، أي خالص لا تشوبه شائبة فلم يتم تغييره أو التلاعب به . ولم يُشب ، أي لم يُخلَط . والقرآنُ الكريم أخبر أن أهل الكتاب حرّفوا التوراةَ والإنجيلَ وتلاعبوا بهما ، وذلك لتحقيق مكاسب آنية زائلة . فيُفتَرَض بأهل الكتاب أن يأتوا لسؤال المسلمين عن القرآن ، لأن القرآن كتابٌ محفوظ من كل تغيير بعكس التوراة والإنجيل . لكن أهل الكتاب محشورون في غرور اللحظة الراهنة ، ولا يُعمِلون عقولَهم في نقد المعطيات التوراتية والإنجيلية المتلاعب بها .
     وقال الله تعالى : (( ألم ترَ إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً )) [ النساء : 51] .
     إنهم لم ينتفعوا بالعلم الذي حصلوا عليه لأن مصالحهم المادية قد طغت على شرف العلم والإخلاص في تحصيله ونشره . فمع أنهم أُوتوا نصيباً من كتاب الله تعالى وأدركوا ما فيه إلا أنهم انحرفوا عن جادة الطريق ، فآمنوا بالجبت والطاغوت ، وانزلقوا في وحل الكفر والعصيان .
     قال الطبري في تفسيره ( 4/ 133 ) : (( يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله فعلموه ... يُصدقون بالجبت والطاغوت ، ويكفرون بالله ، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر ، والتصديق بهما شِرك )) اهـ .
     وسبب النزول : عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة أتوه ، فقالوا : نحن أهل السقاية والسدانة ، وأنت سيد أهل يثرب ، فنحن خير أم هذا الصنيبير المنبتر من قومه _ يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم _ يزعم أنه خير منا، فقال : أنتم خير منه. فنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم   (( إن شانئك هو الأبتر )) ، ونزلت (( ألم ترَ إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً )) .
[رواه ابن حبان في صحيحه ( 14/ 534 ) برقم( 6572)واللفظ له . قلتُ : وفي تفسير ابن كثير ( 4/ 560 ) : رواه البزار بسند صحيح .]
     فالطاغوت ( كعب بن الأشرف ) الذي كان من زعماء اليهود استغل مكانته وعلمه بوصفه من أهل الكتاب للتدليس والتلبيس على أهل الجاهلية الوثنيين ، فكانت النتيجة أن قام بهذه الخيانة الشنيعة مفضلاً عبدة الأصنام على إمام الموحِّدين الأنقياء رسولِ الله صلى الله عليه وسلم . وهو _ بذلك _ ينطلق من حاكمية الأهواء بدون تقديم دليل علمي أو حُجّةٍ منطقية ساطعة .
     وتفضيلُ الباطل على الحق مرجعه إلى نيل رضا عِلْية القوم المتنفذين بُغية تحقيق مكاسب ذاتية تشتمل على توسيع دائرة النفوذ والهيمنة والقبول في مجتمع المنحرفين عن الصراط المستقيم، وإبعادِ الناس عن الحق الذي يفتح العيونَ على الإيجابيات والسلبيات ، وهذا لا يريده المتنفذون ، لأنه يهدد مصالحهم وسيطرتهم .
     وفي واقع الأمر فإن الكفر مشروع استثماري مادي لتكريس سطوة السادة على العبيد ، والحفاظِ على مصالح أصحاب القرار ، والحيلولةِ دون نقد الأوضاع السيئة . فمن مصلحة الطغاة في كل العصور أن يظل الناسُ بدون عقول مفكرة ، لأن العقلَ المفكر يقود إلى النقد والنقض ، وهذا يشكل خطراً داهماً على نفوذ عِلْية القوم في المجتمعات القائمة على تجذير الباطل وحراسته . وبالتالي فإن الأنظمة الطاغوتية المنتشرة في العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية تخشى من رياح التغيير. فمن مصلحتها أن يظل الوضعُ ثابتاً على ما هو عليه ، وأن يظل الماء راكداً وآسناً لكي تقدر على مواصلة العيش في المستنقعات . وبما أن الإسلام قد قام بتثوير المجتمع وزرعِ القيم الانقلابية ، حيث انقلاب العدل على الظلم ، وأحدث حركةَ تصحيح للمسار والمفاهيم والسلوكيات ، فسوف يُحارَب بكل شراسة لأنه تهديد حقيقي لنفوذ الفاسدين وحراسِ الأساطير .
     وقال الله تعالى في وصف أهل الضلال : (( وإذا تُتلى عليهم آياتنا قالوا قد سَمِعْنا لو نشاء لقُلنا مثلَ هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين )) [ الأنفال : 31] .
     فإذا سمعوا الآياتِ الربانية الباهرة فإنهم يزعمون أن بإمكانهم الإتيان بكلام مشابه ، وذلك تنقيصاً منهم لكلام الله تعالى ومحاولة طمس نوره والاستخفاف به . وبالطبع فهم عاجزون تماماً عن الإتيان بمثله، ولو كانوا صادقين لقَدّموا شيئاً يُشبه القرآن أو يتفوق عليه . فهم يعتمدون منهجيةَ الطعن والتنقيص لإحداث شرخ في المجتمع الإيماني وتشكيك الناس بعقائدهم، مؤمنين بقاعدة " خير وسيلة للدفاع الهجوم ". ولو كانوا صادقين في دعواهم لَقَدّموا البراهين الملموسة وأثبتوا أن القرآن كلامٌ بشري بالحجج، لكنهم عجزوا عن فعل ذلك . مما يشير إلى اتباع أهوائهم في غياب تام لقواعد المنهج العلمي .
     فمن صفات الكافرين أنهم يطلقون الأحكام بدون أدلة واقعية ملموسة . فهم يتحركون بدافع الهوى والحقد لا بدافع مقارعة الحجة بالحجة . وهذا ليس بغريب ، فهم لا يملكون الأهليةَ العلمية للجدال والحوار والمناظرة . لذلك نرى أن اتهام القرآن الكريم بأنه أساطير الأولين لا تقوم له قائمة لأنه بدون دليل . وكما قال الشاعر :
والدعاوى إنْ لم  تُقيموا عليها 
بيِّناتٍ أبناؤُها أدعيــــاءُ
     قال الطبري في تفسيره ( 6/ 229 ) : [ يقول تعالى ذِكْره : وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آيات كتاب الله الواضحة ...(( قالوا )) جهلاً منهم وعناداً للحق وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم (( لو نشاء لقُلنا مثلَ هذا )) الذي تُلِيَ علينا (( إنْ هذا إلا أساطير الأولين )) . يعني : أنهم يقولون : ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين ... سطّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم ! ]  اهـ .

11‏/08‏/2012

بذور نهاية الحلم الأمريكي

بذور نهاية الحلم الأمريكي

للمفكر/ إبراهيم أبو عواد


    في ظل انبثاق حركة سياسية لتفسير متطلبات الوجود البشري حسب أجندة الاحتلال القامع لمستويات الحرية المجتمعية العالمية نجد أن طبيعة الأنساق في بنية سياسات الهيمنة والتوسع قائمة على اجتياح منظومة الحلم البشري العمومي وإبادته.
     ولم تكن حملات الإبادة والتطهير العِرقي عبر أطوار التاريخ إلا تياراً مؤدلَجاً ، لا يقبل القسمة على اثنين ، لأن مشروع الاحتلال شديد القطبية الجاذبة ، ويمتاز باستقطاب حاد للغاية .
     فالإمبراطورياتُ التي تعاقبت على حكم كوكب الأرض تتأسس سياستها وفق منظور إدخال باقي الدول في فلك الولاء لها ، من أجل دعم المشاريع التفكيكية للمعارَضة بكل أطيافها ، وتكريسِ القبضة الحديدية النابعة من مصدرية استثمار المعاناة البشرية لتحقيق مكاسب مادية شخصية .
     لكن الحضارات تختلف جيوسياسياً تبعاً لتعدد الأقطاب في العالم . فقديماً كانت إمبراطوريتا الروم والفُرس تتقاسمان النفوذ ضمن عالم ثنائي القطبية. وكذلك أمريكا والاتحاد السوفييتي . ومع مرور الزمن تكرست القطبية الواحدة وفق الشكل الأمريكي . ويمكننا تأريخ ظهور القطب الأمريكي الأوحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ( 1991م ). لكن القطبية الواحدة لها مخاطر كثيرة للغاية.
     يمكننا تلخيص مخاطر القطبية الواحدية المتمثلة في أمريكا كالآتي :
     أ ) التجريد الموغل في تقديس الذات كسُلطة اعتبارية مطلقة تتقمص شرطي العالم وهذا جعل أمريكا في مرمى كل السهام وفق نقطة بؤرية مركزية واضحة للعيان ، وطبعاً هذا يحد من قوتها لأن الظهور يقصم الظهورَ، ووجودك ككيان واضح وعلني يعمل جهاراً نهاراً يسلبك القدرة على التنظيم والتنفيذ داخل التطبيقات الاحتلالية ، لأن من يعمل في السر أقدر على تنفيذ أعماله. وما الوجود الأمريكي العلني إلا وجود هدف علني واضح لكل أولئك الذين يجيدون تصويب السهام ، ولديهم مشكلة مع أمريكا يريدون تصفيتها مرتين ، أي تصفية المشكلة عبر تصفية أمريكا . والخطأ الإستراتيجي الخطير الذي ارتكبته الإدارات الأمريكية المتعاقبة يتركز في عدم تقدير ردة الفعل . وأدق مثال على هذا المبدأ هو ما قامت به أمريكا من دعم المجاهدين في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي ، وبعد أن هَزَمَ الشيوعيةَ المجاهدون ، توجَّهوا للقضاء على أمريكا ، واتخاذها كعدو في مرمى النيران ، وصار يُنظَر إليهم كإرهابيين . فجاءت تفجيرات السفارات الأمريكية في أنحاء متفرقة من العالَم ، وأحداث 11/9 ، والغرق في مستنقع العراق وأفغانستان دون تحقيق النصر . والذي ينظر إلى مسرح الأحداث العالمي يجد أن الخاسر هو أمريكا التي تدفع الثمن من أعصاب شعبها ، وأموالِ دافعي الضرائب، وأرواحِ أبنائها القتلى، واقتصادِها المحتضر ، وصورتها السيئة ، في حين أن تنظيم القاعدة ليس لديه ما يخسره لأنه ليس دولة ذات سيادة على أراضٍ وممتلكات وموارد قومية ، بل هو منظمة لا مركزية أينما هَبَطَتْ قامت بأداء ما تراه صحيحاً ، مع أن استهداف المدنيين غير شرعي . ومهما تلقَّت "القاعدة " من ضربات فهي قادرة على بناء ذاتها لأنها خلايا نائمة لا مركزية ، ولا تنتظر قدوم أوامر من قيادات التنظيم ، بل إن كل عضو قادرٌ على إصدار أوامر ورسم سياسات وتحالفات لوحده دون الرجوع إلى النواة الأساسية . والجدير بالذكر أن تنظيم القاعدة صار فكراً متشعباً عند بعض المنظمات . صار مشروعاً حياتياً خلط الحابل بالنابل، وهذا أخطر ما في الأمر. فليس هو منظمة تقصفها بعدة صواريخ من طائرة بلا طيار ، وتعود فرحاً بأنك قضيتَ عليها . فالأمر ليس بهذه البساطة. فالقاعدة جيش من الخلايا غير نظامي يعتمد على تمويل ضخم لا يمر بالطرق التقليدية ، ولا يمكن محاصرته لأنه لا يملك= =معسكرات محدَّدة تقصفها وترتاح منها ، كما لا يمكن قطع المساعدات من البنك الدولي عنه على سبيل المثال، ولا يمكن وضع عقوبات من مجلس الأمن الدولي عليه. وهذه هي الصعوبة في الأمر لأن أمريكا تقاتِل شبحاً، تحارِب شيئاً كأنه بلا وجود حقيقي على أرض الواقع . وإنما تعرف بوجوده من خلال التفجيرات على مسرح الأحداث العالمية . كما أن تنظيم القاعدة استفاد_ مجاناً _ من حملة دعائية عالمية في كل وسائل الإعلام بشتى أشكالها ، فصار كالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس . وأنا على ثقة أن تنظيم القاعدة قد أخذ أكثر من قَدْره بكثير ، لكن الذي ساهم في ترسيخ صورته كتنظيم عابر للقارات هو أحداث 11/ 9 التي كانت_ رغم الإدانة الشديدة لها _ حدثاً أسطورياً سينمائياً استعراضياً وضع ابن لادن ومنظمته في قلب كل بيت على سطح المعمورة. لكننا نقول إن تنظيم القاعدة خلط الحق بالباطل نتيجة التأويل المشوَّش للنصوص الدينية المقدَّسة . والواجب علاج أفكار "القاعدة" المتطرفة بالحجة والبرهان لا السجون والتعذيب ، لأن الفكر لا يمكن مواجهته إلا بالفكر، مع التشديد على حُرمة استهداف الأبرياء . ونحن لا نشكِّك في نوايا أتباع القاعدة ، ولكنهم ضلوا الطريقَ . وكما هو معلوم فالنية الصالحة لا تصلح العملَ الفاسد . كما أن الطريق إلى جهنم معبَّدة بكثير من النوايا الحسنة .
     ب) نجاح تنظيم القاعدة في استقطاب أمريكا إلى أفغانستان لكي يقوم بقتالها على أرضه ، وبين مؤيديه . وقد استمعتُ إلى مقابلة تلفزيونية مع عبد الباري عطوان رئيس تحرير جريدة القدس العربي اللندنية ، وهو من الأشخاص الذين قابلوا ابن لادن وجهاً لوجه ، فذكر عطوان أن ابن لادن قال له إنه لا يستطيع مقاتلة أمريكا في الأراضي الأمريكية ، وبالتالي سيحاول سحبها إلى أفغانستان ليقاتلها على أرضه وبين أنصاره . وهذا يعكس أبعاد المصيدة التي نصبها ابن لادن لأمريكا عن طريق استقطابها إلى الفخ ، واستدراجها إلى أرضه التي يعرفها شبراً شبراً لكل يقاتلها بكل تركيز .          
     ج) تصدع الحلف الذي تقوده أمريكا تحت مسمى"مكافحة الإرهاب" لأن الدول الأوروبية الشريكة في هذا المشروع اكتشفت أنها تورطت مع أمريكا ، فتنظيم القاعدة صار له فروع في عدة بلدان يصول ويجول فيها . كما أن الملابسات المحيطة بهذه الحرب رسَّخت لدى أذهان الكثيرين أنها حرب على الإسلام والمسلمين بالمقام الأول . فقد وجدنا الكثيرين من الأبرياء يُقتَلون على يد القوات الأمريكية بذريعة أنهم إرهابيون، وهذا زاد الكراهية لأمريكا في دول عديدة شرقية وغربية . كما أن هذه الحرب تم استغلالها للتضييق على الأقليات المسلمة في الغرب ، والتجسس عليهم ، ومنعهم من حقوقهم وممارسة شعائرهم الدينية ، والتطاول على مقدَّساتهم مع أنهم يعيشون في الغرب دون أية علاقة بتنظيم القاعدة . أضف إلى هذا أن صورة أمريكا في العالَم سيئة للغاية ، فهذه البلاد التي كانت تُقدِّم نفسها على أنها واحة الأمن والسلام والحرية وحقوق الإنسان نجدها قد أدارت ظهرها لهذه القيم ، فمعسكر غوانتانامو ضم  الكثيرين من الأبرياء بلا محاكمة ، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته .
     وتبادلية الاستقطاب تُفهَم من خلال المنظور النسقي التفجيري لخلايا اللغة العسكرية الخشبية التي تحكم مسار العقلية البوليسية للسياسات الدولية . فالوجود العلني الظاهري للقطب الواحد جعل أعداءَ الحضارة الأمريكية يُركِّزون في تحديد الهدف المعادي ( أمريكا ) بدقة ، دون تشتيت قواهم تجاه عدة أقطاب مبعثرين هنا وهناك .
     وكما قلنا فإن وجودها كقطب أوحد علني جعلها مركزاً لتلقي سهام الجهات المناوئة لها بشكل مكثَّف ، لأن السائل كلما قلَّت كميته ازداد تركيز العناصر فيه ، وبسبب انعدام وجود أقطاب على مسرح السياسة العالمية صار تركيز استهداف أمريكا عالياً للغاية . ومع ازدياد التشظي في بؤر الصراع العالم ، وتأججِ الأزمات الداخلية والخارجية ، سوف يعاد تشكيل كوكب الأرض على صورة كيانات متعددة الأقطاب . وفي الجهة  الأخرى  لمبدأ  القطبية  نجد  أن  الجهات  المضادة  للاتجاه الأمريكي صارت هي الأخرى أقطاباً لها وجود فاعل، فتنظيم القاعدة صار _ بفضل معاداته لأمريكا_ قطباً عالمياً يتردد اسمه في كل العالَم بدون استثناء ، وكأنه قد حلَّ مكان الاتحاد السوفييتي . وبالتالي فإننا نخلص إلى نظرية تبادل القطبية وأبعادها النسقية وغير النسقية في خضم التأصيل الدقيق لخرائط السياسة العالمية المستندة إلى الاندفاع العسكري العنيف. وكلما تنافرت أقطاب الانتكاسة الجزئية في المشهد العسكري ، تجمَّعت تشكيلات أكثر حدة في التعامل مع هالة المتواليات المعرفية الدينامية ، إذ إن غياب البؤر الممزوجة بالمعنى الإنساني الحضاري يجعل من التحولات الهامشية تشكيلاً بصرياً عنيفاً يمتزج بانهيار الزمن الإمبراطوري العالمي ، وظهور أطوار زمنية جديدة تعيد تشكيلَ فكرة القطبية ، وتُنتِج نظاماً متوازناً بعض الشيء بين أقطاب متعددة ( الصين، روسيا، الهند، البرازيل، النمور الآسيوية، أمريكا ، أوروبا ) .
     وفي ظل التعقيدات السياسية ستظهر نظريات جديدة تساهم في فهم الحراك الإنساني بكل تشعباته : السياسية والاجتماعية والاقتصادية . والأمرُ كلما ضاق اتَّسع، وهذا يُولِّد نظرياتٍ جديدة في المنهج السياسي.
     ومن هنا تنبثق نظرية جديدة يمكن تسميتها " المنسي الدال على التمركز" ، وهي منهاج يتضمن ماهية المراكز والأطراف .
     وهذه النظرية تتلخص في أنها تركز على العناصر المنسية العميقة ( الأطراف ) في الأنساق الفكرية للكتل المعرفية بغية الوصول إلى النقطة المركزية الأولية التي هي بمثابة النبع الأصلي ( المركز ) . وهذه النظرية تعتمد على قراءة التاريخ عبر تسليط الضوء على العناصر التي تم إقصاؤها في المسار التاريخي ، وترتيبِ التطبيقات وفق مبدأ منطقية أصل الأنوية. فنظرية " المنسي الدال على التمركز" تعتمد في وجودها النظري التأصيلي على عناصر فلسفية عميقة مُفَصَّلة نوجزها على النحو التالي :                    
    أ ) التركيز على فكرة الإقصاء لتوظيفها من أجل الكشف عن العناصر المنبوذة   _ عمداً _ والجهاتِ الواقفة وراء هذه العملية ، وهذا يعكس لنا عِلَّةَ النفي والإقصاء ، ومدى الأخطار المحدقة بالسياق الفكري ، والتي استلزمت إبعاداً من التكوين العمومي للمعنى. فأية جهة إنما تقوم بنفي العناصر وإقصائها إذا شعرت أن العناصر تُشكِّل خطراً عليها . وفي خضم ملاحقتنا لهذه العناصر المنسية _ عن سبق الإصرار والترصد _ نستطيع إقامة علاقات كاشفة تُوضِّح مدى خطر العناصر ، وأبعادها المؤثرة على مسار القوى الفاعلة التي أَقْصَتْها لتبعدها عن طريقها . ومن هنا تتكشف الخيوط الأولى التي تقود إلى واحدية المركز ( نبع النواة الأولى ). أما تطبيقات هذه النظرية في الأنطقة السياسية فتتركز على دراسة المسارات التي أَبْعَدَتْها الإمبراطورياتُ من طريقها، وقامت بتهميشها بشكل منهجي مبرمَج ، مما يدفع باتجاه فهم طريقة التفكير السياسي الإقصائي ، ونقاطِ القوة ، وبؤرِ الضعف ، وطرقِ التعامل مع العناصر المناوئة للاتجاه العام . وهذا يؤدي إلى فهم فلسفة بناء التعاملات الإنسانية التي تم تشييدها وفق تصورات الأدلجة الأحادية العابثة، وبالتالي معرفة الجهات الواقفة وراء عمليات الإقصاء ومدى قوتها ، والعلاقات المستترة الرابطة بين  الجهات المخطِّطة والجهاتِ المنفِّذة .
     ب) التراجع الواضح في مسارات رمزية النواة الحاملة لجيناتِ الفكر الموجَّه ،حيث إن تغييب الامتداد الرمزي للسياسات جعل الأداء الإمبراطوري فاقداً للغطاء الذي يُقَدَّم على أنه شرعي ، ويتم تصويره كنظام متواليات من هندسة هوية الشرعية المنطقية .
     ج) تكريس الخديعة في أداء فلسفة السياسة ، حيث التبادلية العبثية بين المركز والأطراف، لكن السؤال الإشكالي الذي يطرح نفسه بقسوة : ما الدافع لقيام النظام الأيديولوجي بإجراء تبادلات شرسة بين المركز والأطراف ؟. الجواب : إن النظام الرأسمالي نظام متغير بصورة كبيرة جداً ، يشتمل على متواليات عنيفة جداً من الحراك الاجتماعي الطبقي، وانتقالِ الأموال ، والتحولاتِ الاقتصادية المسيَّسة، والتغيراتِ الجيوسياسية في التركيبة المعرفية ذات التطبيقات على أرض الواقع . فيدخل المركز والأطراف في دوامة تبادلية ، حيث يتم تبادل الأدوار داخل أطوار محددة وفق متغيرات السوق والعوامل المالية. وفي ظل الأزمة المالية الخانقة التي ضربت العالَم عموماً، وأمريكا خصوصاً في الربع الرابع من عام 2008م جرى تغيير جذري بالنسبة لتبادلية المركز والأطراف ، فأمريكا المركز ستصير طرفاً من الأطراف ، ويدخل الكوكب في عالَم متغير الأقطاب، خصوصاً مع الصعود القوي للصين والهند والبرازيل، واستعادة روسيا نبرة التمرد والمواجهة مع الغرب ( حلف شمال الأطلسي) خاصةً أن الترسانة العسكرية الروسية التي ورثت الاتحادَ السوفييتي ما زالت مصدر خطر وقلق بالغَيْن للغرب كاملاً. وستحدث تبادلية في المركز والأطراف لتنشأ حالة جديدة من استقطاب المركزيات ، وصيرورة الأطراف إلى مراكز ضمن منظومة المراكز مع حِراك اجتماعي شامل لعناصر السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية . وحريٌّ بنا أن ننتبه إلى أن النظام الرأسمالي _ رغم انفتاحه الكبير واعتماده على اقتصادِ السوق المتغير في كل لحظة _ هو نظام مغلق إذا نظرتَ له من الجانب الآخر، لأن الرأسمالية مع دوران محرِّكاتها وأفلاكها بشكل سريع للغاية مكرِّساً عصر السرعة الإلكتروني العنيف فإنها تقترب شيئاً فشيئاً من النواة المركزية بفعل الفقدان الهائل لطاقتها الحركية، وهذا سيجرح النظامَ الرأسمالي بشكل شديد، فيبدأ النزيف المجتمعي في التداعي، وهذا ما حصل في أمريكا في أواخر عام 2008م . حيث ارتفعت نسبة البطالة بصورة كارثية ، وتلاشت مئات آلاف الوظائف ، وازداد الفقر ، وازداد عدد المعتمدين على المساعدات الحكومية ، وبدأ النسيج الاجتماعي يتفسخ. وهذا ليس غريباً لأن النظام الرأسمالي في جانبه الخفي نظامٌ مغلق تماماً لأنه يعمل على تكديس الثروة في يد طبقة محددة من المجتمع الذين يملكون أساليبهم الخاصة في استغلال نفوذهم لجمع أكبر قَدْر ممكن من المال بالطرق المشروعة وغير المشروعة ، مما يحرم باقي طبقات المجتمع من حقوقها. ومع تجمع الثروة في يد طبقة صغيرة متنفذة في المجتمع دون وصول الامتيازات والمكاسب إلى العامة سيحدث شرخٌ خطير في التركيبة الاجتماعية للطبقات ، فيولد مجتمع الكراهية والحقد والشطط الطبقي ،حيث التفاوت العنيف بين المجتمعات الداخلية يصير واضحاً ومثيراً للضغائن . فمثلاً هناك ولايات أمريكية غنية تعتمد على الصناعات المتقدمة تكنولوجياً وهي العمود الفقري لاقتصاد أمريكا ، وهناك ولايات فقيرة ما زالت تزرع القطن وبعض المحاصيل، وذات إنتاجات زراعية متواضعة. وهذا سيصنع نظاماً إقطاعياً طبقياً عنيفاً قد يقود إلى استعادة ذكريات الحرب بين الشمال والجنوب التي أكلت اليابسَ والأخضر. وقد تنشأ حروب مستقبلية بين الولايات ضمن الصراع على المصالح والامتيازات والمواد الخام . ولعبة تبادل الكراسي بين المركز ( المراكز ) والأطراف إشكالية عظمى، ولعبة مميتة ستفضي مع مرور الوقت إلى حالة من الغبش الأحادي الفاقد للسيادة على مكوِّنات أنساقه، خصوصاً أنساقه الخارجية ذات الصبغة الغارقة في عقلية الاحتلال وأماكنِ النفوذ والثروة والمواد الخام والأسواق ، التي كانت تنتهجها الدول الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. لكن الحقيقة أن أمريكا ذات خبرة متواضعة في الاحتلال . وهي بالطبع في هذا المجال أقل ذكاءً بكثير من بريطانيا وفرنسا اللتين تمتلكان تاريخاً حافلاً في الاحتلال . ومشكلة أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية أنها تعرف كيف تدخل حرباً ، لكنها لا تعرف كيف تخرج منها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على لحظة تهور مندفعة للسيطرة على النفط والموارد والمواقع الجغرافية الحساسة دون التفكير في ثمن هذه المغامرات .
     لكن الإشكالية الحقيقية في التركيبة السوسيولوجية المجتمعية في أمريكا ، هي عدم وصول الفرد الأمريكي إلى الوعي الكامل لفحص أداء حكومته وسياساتها العاجزة . فالأزمات على جميع الأصعدة تتوالى على أمريكا منذرةً بأخطار جسيمة محدقة ، ليكتشف المجتمعُ الأمريكي أنه هو المحاصَر لا المحاصِر .
     وهذه الملابسات الخطيرة لعملية التراجع القاسي في مستويات القوة في الداخل الأمريكي انعكست سلباً على سياسة الهيمنة الخارجية. وصارت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مجرد حكومات تصريف أعمال ، تعمل على ترحيل مشاكلها إلى القادم بعدها ، مثل الطبيب العاجز عن معالجة مريضه فيخبره بأن دوامه انتهى، وسيأتي طبيبٌ آخر بعده لكي يعالجه ، وعندما يأتي الطبيب الآخر يعيد سيناريو الخديعة، لكن الوقت يداهم المريض ، ويصبح الانتظارُ مسماراً في نعش المريض الذي يدفع الثمنَ غالياً من أعصابه وعمره .
     وسياسة ترحيل الملفات بين الإدارات المتعاقبة هي سياسة متبعة لأن التصدعات في بنية التركيبة الجيوسياسية في أنظمة العولمة ( الأمركة ) سرعان ما تطفو على السطح حاملةً معها انكسار المجتمع في مجالات دينامية التفتيت الاجتماعي لانعدام شرعية الوجود المتجانس . فأمريكا أشبه ما تكون بسلة تحوي كل الأصنافِ دون وجود رابط حيوي وحقيقي بين تلك الأصناف .
     وبالطبع فإن مصطلح " الأُمَّة الأمريكية " الذي يُسمَع هنا وهناك ليس بأكثر من وهم طبقي تركيبي مكشوف للجميع ، لكنه يُستخدَم كدعاية براقة تحاول إبراز وجه مشرق لحالة افتراضية خيالية ، من أجل إظهار هذه الإمبراطورية التجميعية وكأنها مجتمع متجانس متراص ومتماسك في وجه التحديات، وهذه دعاية إعلامية لا أكثر ، تقوم بتصوير الشروخ في جذور بنية التكوين المجتمعي الأمريكي وكأنها مجتمع التعدد والتنوع المصهور في بوتقة واحدة متماسكة أمام الأحداث الجسام.
     ومن هنا نكتشف أن تعريف " الأُمَّة" لا ينطبق على المجتمع الأمريكي الذي هو في واقع الأمر مجموعة مجتمعات وأمم موجودة لتحقيق مصلحة مادية باعتبار أن أمريكا يوجد فيها فرص عمل ، أو كان يوجد فيها فرص عمل وأحلام وثروة ومجد وتقدم . فبات الأمرُ شبيهاً بمجموعة من البحارة الذين ركبوا سفينةً لا علاقة لهم بها من قريب أو بعيد ، فقط من أجل الحصول على مكاسب مادية بحتة ، وحينما تبدأ السفينة في الغرق فإن كل بحار سيقفز منها وينجو بنفسه بحثاً عن مشروع استثماري آخر ، ولن يفكِّر أحد ما في إنقاذها لأنها لا تخصهم نهائياً . وهذا هو الأمرُ المضحك المبكي .
     وأمريكا هي السفينة التي جمعت هؤلاء الأضداد فقط لأنها مشروع استثماري مربح ، أو بالأحرى كان مربحاً مادياً فقيراً روحياً ، ومع ظهور بدايات التصدع ، في هذه السفينة سوف يتركونها تغرق وينجو كل واحد بنفسه ، وهذا بدأ يحصل الآن من قبل كثير من الفئات .
     إن عمر أمريكا كقطب أوحد أقل من عشرين سنة ، وقد بدأت تترنح بشدة جراء تكالب الأزمات عليها ، كالأزمة المالية العنيفة( الربع الرابع 2008م)، والهزائم العسكرية في العراق وأفغانستان في مطلع القرن الحادي والعشرين ، والمصاعب الاقتصادية في الداخل من حيث انهيارات الصناعات ، وفقدان فرص العمل ، وازدياد معدلات البطالة ، وانتشار الجريمة ، وتفكك النسيج الاجتماعي .
     وهذا يدحض ما ذهب إليه بعض المفكِّرين المبتدئين من أن أمريكا هي الخاتمة للتاريخ ، وأنها الحضارة السائدة حتى نهاية العالَم . لكن العصر الإلكتروني السريع جداً لا يحمل معه علامات التقدم السريع ، والظهور الإمبراطوري الصاعق، وسرعة نقل المعلومات ، والتغير في نقل مراكز الثروات والأموال فحسب . فهو يحمل أيضاً السرعة في الانهيار والسقوط، وفقدان مراكز الثقل ، وصعود دول وسقوط دول .
     فالعالَم أضحى كالدوامة في سرعة دورانها وجذبها وتدميرها. فأمريكا بعد أقل من عشرين سنة _ كقطب أوحد_ ها هي تعاني صعوباتٍ جمة تؤثر على مركزها كقطب أوحد، حيث إن سرعة التغيرات في النطاق السياسي يشتمل على اتجاهاتٍ تدميرية عنيفة من ناحية شدة التأثيرات المناوئة للإمبراطورية الأمريكية ، حيث تتزايد عوامل الحت والتعرية التي تقف سداً منيعاً أمام توغل هذه الإمبراطورية .
     والعناصر المكوِّنة لتعريف سرعة التغيرات في النطاق السياسي تتمحور حول نقطتين رئيسيتين :
     أ ) جدلية المركز والأطراف تختلط بشدة في مركز تكون الدوامة الحضارية التي تعمل على تجريد مستوياتِ المعرفة الإنسانية من امتدادها الطبيعي ، والحيلولة دون نمو إمبراطوري متواصل في الصعود والسيطرة والهيمنة . والانكسار المعنوي في صعود الحضارة المادي يتركز في غياب الطاقة اللازمة لإمداد البنية بالتأسيس الفكري الخلاق، وهذا يدفع باتجاه تكوينات أكثر حدة وشراسة في التعامل مع هذه الانعطافة التاريخية التي من شأنها تجريد أمريكا من عرش القطبية الوحيدة ، وجعلها قطباً ضمن عدة أقطاب .
     ب) قيام الإدارات الأمريكية بمغامرات غير محسوبة على الصعيد العسكري والمالي أوجدت بنيةً تحتية لانتكاسة المتواليات التكاثرية للحلم الإمبراطوري التوسعي الاحتلالي بفعل غياب الغطاء الواعي للقدرة الحالمة على الديمومة.
     فهذه الانطلاقة العنيفة في الصعود والتمدد لم يرافقها غطاء أخلاقي مشتمل على العناصر الروحية والمادية من شأنه حمايتها من التفسخ . فحصل المحظور ، مما أدَّى إلى تبعثر الجهود وتفرقها على أكثر من صعيد، ولا يمكن لأمريكا أن تفتح أكثر من جبهة للقتال ، فقواتها العسكرية منهكة للغاية ، ومتفرقة في قواعد عسكرية مشتَّتة في أصقاع الأرض . كما أن زيادة عدد الطباخين الملتفين حول نفس القِدْر سيؤدي حتماً إلى فساد الطعام ، وهذا ما يحصل الآن في العالَم .
     فلم تكن أمريكا في يوم من الأيام إلا بيئةً اصطناعية ذات صبغة استثمارية ميكانيكية ، وتعاني من غياب جذور حضارية حقيقية تشتمل على الروح والمادة ، وفقدانِ الهوية المتجانسة المتحدة في سياق ثقافي واحد ، وتآكلِ البنية الاجتماعية ، وضعفِ حركة الوحدة الشعبية .
     لذلك فإن التماسك المعنوي المعرفي غائب بالكلية عن أمريكا التي نشأت كبيت زجاجي اصطناعي موجود لأداء أهداف مادية بحتة، وإذا زالت هذه الأهداف المادية ذهب المستثمِرون إلى بيئة استثمارية مربحة أخرى بحثاً عن المال .
     من العبارات السائدة أن رأس المال جبان. وهذه العبارة تعني أن المستثمِر _ في هذا العصر المادي الانعزالي على مستوى العاطفة الشعورية _ يهدف إلى الربح قبل كل شيء ، فإذا شعر بأي خطر يهدد مسار أرباحه فإنه سرعان ما يبحث عن مكان آخر فيرحل إليه خوفاً من خسارة أمواله ، لأن شدة الحرص على الشيء تُولِّد في الذوات البشرية وسواساً يتمحور حول ذلك الشيء الذي يُعَضُّ عليه بالأسنان والأظافر . فيصبح الإنسان عبداً في مواجهة المال الذي صار سيداً . وهذه حالة فريدة في التكوينات النسقية المعرفية ، لأنها تعني أن السيد يصنع بيديه سيداً عليه، فيصبح الأول عبداً والثاني سيداً. وإذا حصل خطر على الأداء المالي الأمريكي فإن هروب رؤوس الأموال من أمريكا سيصبح سمة العصر الحالي ، وهذا ما سيضاعف شراسة العد التنازلي للإمبراطورية الأمريكية . ونحن لا نعني بهذا السقوط أن تصير أمريكا من دول العالَم الثالث، بل هي دولة قوية جبارة، لكنها فقدت ذراعَيْها في حادث سير،فما زالت تأمر وتنهى، لكنها أُصيبت بمرض متجذر، وهذا ما سيجعل الدول الصاعدة تؤسس عالَماً متعدد الأقطاب، لا عالَم التابع والمتبوع . 
     وفي ظل تكاثر الأزمات الأمريكية وتحدياتِ الهوية ، فإن أعداء أمريكا _ وعلى رأسهم تنظيم القاعدة _ سيعملون على إسقاط أمريكا بسرعة ، وتفعيلِ الخلايا النائمة لضرب الأهداف المنتقاة _ المدنية والعسكرية  ،  وتفتيتِ  أذرع  الإدارة  الإمبراطورية عبر تكريس الحرب الاستباقية .
     إن تنظيم القاعدة يؤمن أن الحوار مع أمريكا مضيعة للوقت، لاعتقاده أن أمريكا خصم يتقمص دور القاضي ، ويحمل فكرةً مسبقة ثابتة يتخذها مُسلَّمة إستراتيجية لحماية أمنه الوطني غير قابلة للتغيير . لذا تقوم فلسفة "القاعدة" على تجذير الحرب الاستباقية عبر التركيز على صيغ الأهداف المختبئة وراء التحركات العسكرية الأمريكية، ومحاولة التصدي لها في عقر دارها، قبل أن تتشظى في أنحاء العالَم ، فخير وسيلة للدفاع الهجوم ، وخير وسيلة للتصدي للحرب الاستباقية الأمريكية هو إشغال أمريكا بحرب استباقية مضادة تكون الفعلَ لا رد الفعل ، وعندها ستتخبط إستراتيجية أمريكا المخطط لها مسبقاً في مواجهة عناصر المفاجأة والفاعلية الاستباقية، مما يحشر أمريكا في زاوية رد الفعل لا الفعل، وإذا وصلت الإمبراطورية الأمريكية إلى هذا الأداء المرحلي فستكون رقماً سهل التجاوز ، وورقةً متآكلة في مهب الريح ، ريحِ المقاومة والتغيير والمباغتة ونقل المعركة في عقر ديار التخطيط الإستراتيجي لخطط الاحتلال الأمريكي . وهذه هي الخطة الإستراتيجية الثابتة لتنظيم القاعدة .