سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

18‏/03‏/2026

المقالات الممنوعة / إبراهيم أبو عواد

 

المقالات الممنوعة

تأليف : إبراهيم أبو عواد

جريدة القدس العربي ، لندن ، 2009 _ 2013

...................

إبراهيم أبو عواد

المقالات الممنوعة

( جريدة القدس العربي . لندن ، 2009م _ 2013م )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اتفاقية وادي عربة المشؤومة

 

     تبرز في هذه الأيام الذكرى الخامسة عشرة لتوقيع اتفاقية وادي عربة المشؤومة. ولا يخفى أن اتفاقيات السلام مع العدو الصهيوني عبارة عن صفقات تجارية لا أكثر ولا أقل . فاليهود الذين يسيطرون على مثلث الشهوات الأرضي ( المال ، الجنس ، الإعلام ) قادرون على إيجاد نخبة لديها الاستعداد لاحتضانهم ، وتثبيت وجودهم مقابل بعض المزايا .

     وفي هذا السياق تأتي اتفاقية وادي عربة المشؤومة لتمنح شرعية وهمية لاغتصاب فلسطين ، والتنازل عن حق العودة، وإتاحة الفرصة لغزو يهودي للمشرق العربي الإسلامي عبر بوابة الأردن. وبالطبع فإن ثقافة معاهدات السلام عبارة عن حلقات متواصلة من الضياع العربي ، والانتحار التدريجي للأمة ، وتمزقها على كل المستويات . بحيث صارت رجع صدى لتاريخ مجيد سابق . وتتلقى الصفعة إثر الصفعة دون وجود بشائر بتغيير شامل على الرغم من وجود بؤر مقاومة في العالم العربي تتركز في فلسطين والعراق ولبنان . وللأسف فالتآمر على حركات المقاومة صارت موضة عند غالبية الأنظمة العربية .

     وإذا عدنا إلى تحليل الخطاب السيكولوجي لمعاهدة وادي عربة سنجد أنها تكريس لشريعة الغاب ، فالقوي يفرض شروطه على الضعيف . فالأردن لم يحصل على الحد الأدنى من حقوقه . فموارده المائية مصادرة ، وأراضيه ما زالت محتلة . وفي واقع الأمر لم يحصل على أية فوائد من هذه الاتفاقية التي فصَّلها اليهود على مقاسهم _ كعادتهم _ بما يضمن امتدادهم السرطاني في الجسد العربي ، ووصولهم إلى مناطق كانوا يحلمون بها منذ أمد بعيد .

     والبعض قد يعتقد أن الأردن باعتباره الطرف الأضعف لا يملك أوراقاً للضغط على هذا الكيان السرطاني . والواقع يخالف هذه القناعة المغلوطة . فالذي فرض على السلطات الصهيونية إحضار الدواء للسيد خالد مشعل إثر محاولة اغتياله ( 1997م ) قادر على فرض شروطه عبر امتلاك أدوات ضغط .

     وبالتالي فإن فرضية الاستسلام للأمر الواقع ، ومحاولة تسويق هذه المعاهدة الميتة في مهدها على أنها خيار الشعب الأردني كله ، وأنها الخلاص السياسي ، والحل الاقتصادي السحري ، والدواء المذهل لكل أمراض المجتمع . كل ذلك قد سقط ، وانتهى الحلم الوهمي المؤقت في حينه ، وظهر الكابوس الذي أظهر أن تلك المعاهدة الخديعة لعبة يهودية مبنية على الأخذ دون العطاء ، والحصول على السلام من العرب مقابل الحرب عليهم .

     والحق يقال إن كل الأنظمة العربية بدون استثناء تؤمن بأن السلام مع الكيان الصهيوني وهم، ولكن الإنسان قد يعشق الوهم طمعاً في بعض المكاسب الشخصية، وسيارات المرسيدس ، وربطات العنق ، والأبواب المفتوحة في المحافل الدولية ، واللقطات التلفزيونية في وسائل الإعلام العالمية .

     وتظهر الحاجة الماسة _ وأكثر من أي وقت مضى_ إلى إلغاء هذه المعاهدة البائسة التي كانت وبالاً على الشعب الأردني الواقع تحت ضغوطات الحياة اليومية بشكل شرس للغاية ، ولا نعرف لماذا لم يأت " أبناء عمنا اليهود " الذين ألقوا على مسامعنا رومانسية السلام والأخوة البشرية والتعاون الإستراتيجي لإنقاذ الميزانية الأردنية من هذا العجز المذهل ، أو حل مشكلة العنوسة ، أو إيجاد فرص عمل للشباب الأردني في المصانع الأردنية_ الإسرائيلية المشتركة التي تعكس الشراكة الاقتصادية الأخوية ! .

     لذلك علينا العمل جاهدين على الانعتاق من هذا الوهم الكابوسي ، وبناء الدولة الأردنية مستغلين طاقة أبنائها، وعدم التعويل على هذا العدو الغاصب الذي ينظر إلى الأردن كوطن بديل . ولنتعلم من اتفاقية كامب ديفيد التي جلبت الشقاء للشعب للمصري ، وانتحار دور مصر السياسي إقليمياً وعالمياً. وفوق كل ذلك لم يسلم الرئيس المصري من تهجم وزير الخارجية المتطرف ليبرمان ، وتهديده بضرب السد العالي . فأين ذهبت اتفاقيات السلام مع أبناء العمومة ؟! .

 

27/10/2009م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انهيار فلسفة الأنظمة الحاكمة

 

     في هذه اللحظات الحالكة التي تعيشها الأمة العاجزة عن حماية مقدساتها. وفي ظل احتضار الأنظمة الحاكمة المشغولة بتزوير الانتخابات وتوريث الحكم، ولهاث الشعوب العربية وراء كسرة الخبز، وانتحار علماء السلاطين وفقهاء البلاط ، وتقاعد القادة الثوار ، وانتهاء ضجيج الثورات ، وأخذ الجيوش العربية إجازة مفتوحة بدون راتب ، حيث الجعجعة بلا طحن ، وذهاب ما جاءت به الرياح مع الزوابع ، يجد المرء نفسه أمام تحديات جسيمة تهدد وجود الأمة كوحدة متجانسة لها تواجد حي وحر على رقعة الخريطة .

     ولكي يحافظ المرء على توازنه ، وتحافظ البلاد على وجودها ، لا بد من البحث عن مراكز القوة في الشارع العربي، ومؤسسات المجتمع المدني، والقوى الشعبية المختلفة، وذلك من أجل الحفاظ على كيان الدولة العربية ضمن منهجية إنقاذ ما يمكن إنقاذه . وللأسف فإن الدولة العربية ككيان سياسي صارت مزرعةً للحاكم وأسرته وحاشيته، وهي بذلك تكون قد فقدت مقومات المعنى السياسي ، وخسرت أبعادها الوظيفية في المحافظة على ذاكرة التاريخ ، وتحقيق آمال الشعب. لذلك ينبغي التنقيب عن القيادات الكاريزمية في المجتمع من أجل حشد الطاقات ، وانتشال الوعي الإنساني الشعبي من مستنقع الجهل والاستهلاكية الفجة . أما التعويل على المستوى الرسمي العربي فهو تعويل على قبر ساكن ، لأن انتظار النظام الرسمي لكي يتحرك إيجابياً هو بمثابة إجراء تنفس اصطناعي لجثة هامدة .

     وهذا المنطق السياسي في الحراك الاجتماعي عقلاني للغاية في زمن تبدل مراكز القوى، وتغير مواطن صنع القرار. فتأثير إفرازات النظام الحاكم على أرض الواقع يكاد لا يُذكر ، لأن الناس سئمت الخطاباتِ الرنانة ، وارتداء الأقنعة الزائفة من قبل الكيانات السياسية التي تاجرت بكل شيء ، بدءاً من مصير شعوبها ، وحتى الشعارات الثورية التي تغطي الكثير من الأنظمة التي خلعت ثوريتها كالمعطف البالي مع هبوب رائحة عطر العم سام .

     كما أن الأثر الإستراتيجي لتحرك الشارع بشكل عقلاني مضاد للفوضى من شأنه توجيه دفة قيادة الجماعة البشرية نحو بر الأمان خارج نطاق نفوذ الإملاءات الخارجية . كما يتطلب الموقف العربي الصعب تجذير عملية التنقيب عن المواهب القيادية الجديدة للخروج من حالة الموات السياسي الضارب جذوره في أدبيات القمع السُّلطوي .

     فخطة الإنقاذ العقلانية هي التفتيش عن مالكي صنع القرار ، وصانعي التأثير الجماهيري ، من أجل إحداث عملية انتشال كبرى للمجتمعات العربية التي تغرق وهي تضحك غير عابئة بالتهديدات الجذرية التي تمس مصيرها . لذلك فمواصلة النوم وانتظار قدوم خالد بن الوليد على فرس وبيده سيف لا يجدي نفعاً ، واختراع الأناشيد الوطنية من أجل نشرها في الهواء بدون حاضنة واقعية تطبيقية لا يمكن أن يقود مسيرة التحرير . والتطبيل والتزمير للزعيم وحاشيته سوف يذهب أدراج الرياح، لأن الحاكم العربي لن يتحرك إلا إذا تم تهديد نظام حكمه، أما إذا هُدم الأقصى أو تم تقسيمه _ على سبيل المثال_، فهذا أمر يمكن تعويضه حسب العقلية الاستبدادية الحاكمة . وإن عاش الشعب أو مات ، فهذه مسألة يمكن دراستها بهدوء على طاولة البحث. أما إن وجد خطر على النظام فعندئذ تقوم الدنيا ولا تقعد ، لأن ذلك مسألة أمن قومي مصيري . فالجيوش موجودة لتثبيت العروش وليس للدفاع عن البلاد والعباد . وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون واضحة لئلا نعيش في الوهم الذي تصنعه الآلة الإعلامية الرسمية .

     والتمزق العربي نتيجة طبيعية لرسوخ الدولة البوليسية العربية ، حيث تم تحويل الأنساق الاجتماعية إلى متاهة الأضداد ، فانتقلت الحياة المجتمعية من المد الثوري التحريري إلى المد الرومانسي التخديري ، وتحولت بندقية الثائر إلى سيارة المرسيدس لرجل الأعمال ، لأن الطواغيت الأعراب حشروا شعوبهم في زاوية رغيف الخبز ، وجاذبية الشهوات الاستهلاكية، فلم يعد المواطن العربي تعنيه الأمور السياسية والقضايا الكبرى ، لأنه محصور في الاستهلاكية الفجة ، وإطعام الأفواه الجائعة التي تنتظره نهاية اليوم . وهكذا تحولت القضايا المصيرية من مسائل وجودية حاسمة إلى مسائل في جدلية العرض والطلب ، لأن الثابت هو رغيف الخبز ، وباقي العناصر متحولات يمكن تعويضها أو تغييرها . وهذه هي فلسفة أدبيات الأنظمة القمعية التي تخاف أن يشبع الشعب ، فلا بد أن يظل جائعاً ، لأنه إذا شبع سيفكر ، وإذا فكر سينقد الأوضاع الراهنة . والأجهزة الأمنية لا تريد وجع الرأس ، فالمركب سائر ، ولا يهم إن كان سائراً إلى القمة أو الهاوية.

     وفي ظل هذه الانتكاسات المتوالية تغيرت ماهية القدوة ، واختلفت أدوات العمل السياسي . فأضحت المقاومة إرهاباً مذموماً ، وصار التآمر على حركات المقاومة محاولة لوقف المد الإيراني ، والمضحك المبكي أن التآمر على أهل غزة من قبل بعض الأنظمة العربية جاء لوقف النفوذ الإيراني!، فصار قتل أهل السُّنة ضرورة لوقف المد الشيعي _ حسب عقلية تلك الأنظمة العربية المتواطئة مع الاحتلال الصهيوني _ .

     وهكذا تكرست أدوات الواقع المرير بحكم منطق القوة لا قوة المنطق . ووفق هذه الرؤية تم تقديم محور "الاعتدال" المتهاوي حاملاً لتاريخ الأمة ، ومعبراً عن حقوقها المشروعة بعد أن سقط الثوار في متاهة الراتب الشهري ، وذهبت خطابات الزعماء الفاتحين أدراج الرياح .

     إن تشظي العقل العربي التحريري نابع من غياب المنهجية الواعية لاحتضان المستويات الثورية، فصار الفعل التحريري أشبه بحركة عشائرية ارتجالية مستندة إلى العصبية القبلية ، فلا منهج فكري واضح ، ولا أدوات واقعية تجعل الحلم حقيقة . وفي تفاصيل هذا التخبط يظهر أمراء الحرب، وسماسرة الوحدة الوطنية، وتجار الثورات، وكلهم حققوا منافع مادية شخصية على حساب تضحيات شعوبهم . فصار التساؤل المرعب : ما الفرق بين الأنظمة الحاكمة التي تحمل أسماءنا وبين الاحتلال البريطاني أو الفرنسي على سبيل المثال ؟! .

     وفي خضم هذه الأسئلة المخيفة يعاد تشكيل العقل السياسي ليصبح أكثر تدجيناً ، فتؤول القيم الدينية والوطنية إلى شعارات مفرغة من محتواها ، فيصبح التمسك بالإسلام رجعية ، وتصير الوطنية شعاراً للعصور الحجرية ، ومقاومة المحتل إرهاباً مذموماً . ولعبة المصطلحات هي لعبة قديمة جديدة، ومن مصلحة من يلعبون هذه اللعبة أن تظل ماهية المصطلح عائمة ليسهل إسقاطها على كل وضع يتعارض مع فلسفة القوي في شريعة الغاب . فأمريكا مثلاً لم تقل لنا إلى الآن ما هو الإرهاب ، فمن مصلحتها أن يظل تعريفاً غامضاً عائماً ليسهل تطبيقه على " الدول المارقة" أو " محور الشر" أو " أعداء العالم الحر".

     وهذه اللعبة تكريس أيديولوجي لشريعة الغاب ، لأنها تمنح القاتل حق تصنيف الناس إلى مجرمين وضحايا ، وبالطبع سوف يصفق الناس له ، لأن الصولجان بيده . وهناك مقولة لرئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو : (( إن العالم قد يتعاطف مع الضعيف بعض الوقت ، لكنه يحترم القوي كل الوقت )) . وهذا صحيح في شريعة الغاب حيث تنتحر قيم العدالة والأمم المتحدة ، ويموت القانون الدولي ، فتظهر شريعة البندقية ، وقانون الدبابة ، ورومانسية طائرات التجسس بدون طيار . وبعد كل ذلك يختفي _ في العقل الاجتماعي _ صلاح الدين الأيوبي القادر على حشد الجماهير لممارسة فعل التحرير ، ويظهر الحاكم العربي الصوري القادر على حشد قوى الأمن للحفاظ على الكرسي بغض النظر عن حياة الشعب أو موته .

 

9/12/2009 م .

 

أمراض العم سام !


     إن نظرة سريعة على خارطة المشهد السياسي العالمي تشير إلى الاضمحلال المتسارع للحضارة الأمريكية، حيث الاقتصاد مبني على أسس غير سليمة، والحالة الاجتماعية مبنية على إجهاض الروح والجسد، واضطهاد الأقليات، والتمييز العنصري المتجذر في الثقافة المجتمعية، والمستوى الثقافي متمركز في دائرة الاستهلاك والشهوات، والوعي السياسي عاجز عن اختراع دور حقيقي لشرطي العالم العاطل عن العمل . والنظر إلى العالم بدون سيطرة القطب الواحد ليس لعبة خيالية لزراعة الوهم، وتسويق الخديعة في أوساط الناس. بل هي نتيجة طبيعية لنظرية تداول الحضارات وانهيارها، وقد بدت آثار هذه الانهيار على أرض الواقع. لكن العجب، كل العجب، أن تجد بعض المثقفين يعتقدون أن الإمبراطورية الأمريكية مستمرة حتى نهاية التاريخ، وهذا السراب الخادع الجاثم على عقول البعض جاء بسبب الحملة الإعلامية الشرسة التي تحرص على تصوير أمريكا بوصفها الحضارة النهائية الحاسمة على سطح الأرض . وفي زحمة اندلاع الوهم لا تجد الجامعات الأمريكية العريقة، أو مراكز الأبحاث تتحدث عن انتهاء حلم خلود الإمبراطورية الأمريكية بشكل واضح ومباشر. مع أن الدلائل الظاهرية واضحة للعيان، والمؤشرات حول انكسار حلم التوسع والسيطرة في ذهن " العم سام" باتت تُلمَح في الأفق. لكن منطق القوة، وسياسة الأمر الواقع، والتموضع في بؤرة المجد الوهمي، والآلة الإعلامية الجبارة، وغيرها من العوامل، ساهمت في اختراع صورة أسطورية للحضارة الأمريكية تماماً كما تفعل هوليوود مع الممثلين عبر اختراع هالة خرافية لهم بواسطة المكياج والأقنعة والمؤثرات البصرية والصوتية. وكلها عوامل سرعان ما تذوب مع ظهور شمس الصباح خارج الأستديوهات . وهذه الأفكار إنما هي تدقيق فلسفي تأصيلي ينحو منحىً سياسياً استشرافياً لنهاية أحلام هذه الكتلة الجغرافية الجبارة التي تقمصت خدعة "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ". وبما أن الحضارة الأمريكية قامت وفق قاعدة إبادة السكان الأصليين ( الهنود الحمر )،فهي لا ترى وجوداً حقيقياً خارج نطاق وجودها، فمن الطبيعي أن تنظر إلى الآخر على أنه بشر درجة ثانية أو ثالثة، لأن أدبيات الأنظمة السياسية الأمريكية على مدار التاريخ تنتهج سياسة الأنانية، والتمركز حول الذات، وإقصاء الآخر بكل وحشية، وتجريده من قيم الحضارة والمعاني الإنسانية الراقية .

     فالانكسار الحضاري المتقـــوقع على شكل فقــــاعة صابون ، أو بالون منتفخ يُسَمَّى القطــــب السياسي الأوحد ، ما هو إلا تشكيل خيالي وهمي يشتمل على بذور انهياره في أنويتـــه الداخلية، لكن الذي يطيل عمر الجثة الهامدة هو الأجهزة الصـــناعية المحيطة بسرير الميت، وهذا بالضبط ما يحصل في حالة الإمبراطورية الأمريكية . وبالتالي فإن السقوط الحتمي لهذه الإمبراطورية سوف يتكرس بكل دينامية، وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي. وما الأزمة المالية الخانقة إلا عملية قرع جرس الإنذار. والسقوط المعرفي الذي تعاني منه حضارة انكسار الحلم، واضمحلال المعنى لصالح عقيدة الأخذ المتكرر، هو السقوط الشامل للاستهلاك الجنوني لمتع الجسد على حساب متع الروح. وهذه نقطة ضعف حرجة نابعة من التأسيس الذهني السياسي لحالة الحراك الاجتماعي داخل الأنساق البشرية.

     فالمجتمع الأمريكي الأمي من ناحية الثقافة السياسية لا يهتم بالسياسة الخارجية، وإنما كل تفكيره منصب حول نظامه الاستهلاكي العنيف، ومدى قدرته على تطويع الأداء الكلي لخدمة أنانية فرديته السائرة باتجاه مضاد للروح الإنسانية والبيئة بكل تجلياتها المعنوية والمادية. وإن أية دراسة تتناول المستوى المعرفي للتشريح الدلالي في بنية التراكيب الاجتماعية للأداء السياسي الأمريكي ينبغي أن تعتمد منهجية اعتبار السياسة الأمريكية جزءاً من المشكلة، لأن الدولة التي تعتبر أكبر ملوث للبيئة في العالم، وأكبر مصدِّر للسلاح، وأكثر دولة استخدمت الفيتو لصالح الجلاد على حساب الضحية، لن تكون جزءاً من الحل.

     وكما أن انحسار صيغة التفكير المنطقي في عالم مجنون وجامح وسائر نحو الهاوية صار منطقاً رسمياً للكثير من الأنظمة القمعية المدعومة أمريكياً، فإن قدرة الفرد على مواجهة مشاريع استئصال إنسانيته صارت تياراً مقاوِماً رامياً إلى بعث الإنسان من قبره العالمي من جديد، وإحياء المعاني الميتة في النفوس بشكل إنساني راق. ولا يخفى أن الانتكاسات المتكررة في أداء اجتماعيات السياسة على الصعيد العالمي ساهمت - إلى حد بعيد- في تجذير أنطقة التخلف الاجتماعي وفق صور إنسانية أكثر أنانية، وأكثر توغلاً في هوس الأخذ المتواصل . وللأسف فقد تحول الفرد الذي يفترض به أن يعمر الأرض إلى معول هدم في هذه الأرض، وهذا نابع من الاختلاط المريع في مفهوم الإنسان كوحدة وجودية راقية. كما أنه نتاج طبيعي لحالة الاحتقان الفكري المأزقي العمومي التي كرَّسها النظامُ الرأسمالي المتوحش الذي أحال الفرد إلى كومة شهوات متضاربة موغلة في الاستهلاكية الفجة . وهذا التحول في المنهجية الإنسانية متزامن مع التحول الجدلي في الفكر السياسي العالمي الذي صار يضع الرصاصة أمام الكلمة وليس العكس. وكل هذه العوامل قادت إلى الانهيار المرعب في تقاطعات المنحى الإنساني التجريدي، فصار الإنسان سائراً باتجاه مضاد لإنسانيته ، حتى إنه أضحى مســـتعداً لسحق ذاته في سبيل نيل مكتسبات وقتية .

     وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تحول العالَم الى قطب واحد وهو أمريكا، وهذه المعلومة الواضحة صارت مفروغاً منها من فرط تكرارها. وعلى الرغم من صحة المعلومة السابقة جزئياً إلا أن مفهوم القطب يحمل عدة طبقات من صياغات المفاهيم. فأمريكا هي حجر الرَّحى الذي يدور حوله النظام السياسي العالمي ضمن واحدية الاستقطاب المنهجي النَّفعي. ومع هذا فإن التصدعات العميقة في وجه أمريكا ككيان داخلي متواصل مع الظواهر الخارجية تمتاز بالانهيار الشامل، أي سقوط السياسات كأحجار الدومينو ضمن مسلسل فشل سياسي واقتصادي واجتماعي، خصوصاً مع عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية التي تقودها الدبابات بدلاً من الدبلوماسية.

     ومهما يكن من أمر فإن التوغل في بنائية الرمز التكويني لحالة القطب الواحد لا بد أن يصل إلى لحظة زمنية فارقة تمنعه من مواصلة التقدم، أي إن استمرارية الحفر في العمق ستتوقف لا محالة، ولن تستمر إلى ما لانهاية، لأن طاقة الحلم الأمريكي الظاهرية سوف تنتهي بسبب غياب القوة الإنسانية الجوهرية، وتآكل قوة الدفع الداخلية، حيث الأزمات الاقتصادية تعصف بالكيان الأمريكي، وتهدد النسيج الاجتماعي الذي لم يكن في يوم من الأيام متجانساً، وإنما هو خليط من أصول شتى مختلفة في كل شيء، لكنها مجتمعة حول هوية الدولار. لذلك فإن مصطلح " الأمة الأمريكية " يأتي في سياق تلميع إعلامي، لكنه مصطلح لا أساس له من الصحة. وتأتي هذه الصور الفكرية في سياق تشريح رمزي واقعي واضح يستشرف المستقبل، ويضعه في إطار المعنى الرسمي لانهيار حلم خلود الإمبراطورية الأمريكية. وقد بدأت بوادر هذا الانهيار بكل وضوح. فالتآكل الحقيقي في هذه الإمبراطورية التي ابتلعت المسارَ الحضاري للإنسان العالمي يُبرز لنا فلسفة بدء العد التنازلي للحضارة الأمريكية. لكن الأمر ليس بالسهولة التي قد يتخيلها البعض، فالأنظمة التداخلية في الولايات المتحدة شكلياً، والمتناحرة واقعياً، أنظمة مفتوحة تمتاز بحرية الاختيار، وهذا يعني أنها قادرة على إجراء تصحيح ذاتي لمسارها في كل أزمة. لكن المرحلة المتقدمة من مرض أمريكا في هذا الوقت لا يمكن علاجها نهائياً. وقد توضع بعض الأدوية لتأخير السقوط النهائي للمريض بينما يتمدد على فراشه. لكن الفتق اتسع على الراتق، ووصل الطبيب إلى المريض دون وجود دواء .

24/12/2009م .

دور النظام المصري في تدمير الأزهر


     مما لا شك فيه أن مصر كدولة بوليسية خاضعة للإملاءات الخارجية لا تقابل الضغوطات الأمريكية إلا بالخضوع لها تماماً وحرفياً دون أية محاولة للمقاومة الحقيقة أو حتى الوهمية ، لأن ضغوطات القمح الأمريكي والمساعدات المالية والعسكرية قادرة على فروض شروطها على النظام.

     وفي ظل هذا الجو الكئيب الذي أدى إلى تحول الدولة المصرية التاريخية العريقة إلى كيان مفرغ من معناه، وتحول مركز الثقل العربي إلى شبح دولة فقيرة متهالكة ، وصارت أكبر دولة عربية كياناً عائشاً على المساعدات الخارجية ، وتحولت الأخت الكبرى للعرب الراعية لمصالحهم إلى كيان غريب عن المنطقة ليس له علاقة بقضاياها المصيرية، وصارت الدولة التي خاضت حروباً شرسة دفاعاً عن الهوية العربية وكرامتها فراغاً سياسياً عبثياً يحاصر غزة وغيرها . ونحن هنا نفرق بين النظام المصري المعادي لأحلام شعبه ، وبين الشعب المصري العظيم الرافض للتدجين .

     وكُل هذه الحلقات المرعبة في مسلسل التحولات المنهجية القاتلة إنما جاءت نتيجة سياسية ممنهجة يلعبها أعداء الخارج مع تلاميذهم في الداخل . وقد كان العدو الصهيوني بالغ الذكاء عندما قرر إخراج مصر من الحظيرة العربية عبر التلويح بالعصا والجزرة . وقد حصل على ما أراد عبر اختراع كذبة "كامب ديفيد " ضمن سيناريو وهم السلام الذي تم ترويجه على عرَّابي معاهدة السلام التي هي وثيقة استسلام بلا شروط.فتم الطلب من مصر التنحي جانباً عن قضايا الإسلام والعروبة ، وعدم التدخل إلا بموافقة الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني ضمن مساحة محدودة وإطار زمني متفق عليه مسبقاً ، وكل هذا مقابل بعض المساعدات المالية ، وحفنة من القمح ، وبعض المناصب الدولية ، والمزايا العالمية المحدودة . وهذه الحقيقة تجيب عن سؤال : لماذا لم يتم اختيار مسؤول مصري لتولي منصب عالمي في عهد عبد الناصر _ على سبيل المثال _ مع أن الساحة كانت مليئة برجال السياسة والأدب أصحاب الأسماء الرنانة والعيار الثقيل ؟! .
     وهذه التوطئة لا بد منها لربط الحلقات المنهارة في هذا المسلسل الطويل من الانتكاسات . وبما أن الانهيار يحمل في بنيته الفلسفية صفة انسحابية جمعية، بمعنى أن تراجع الأمم شامل لكل المجالات. فالانكسار السياسي له انعكاسات مدمرة على المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، وهذا ماثل للعيان على أرض الواقع .

     وضمن هذا المسلسل تم الوصول إلى الأزهر الشريف الذي كان على مدار تاريخه قلعة الصمود ضد الغزاة والطغاة . فساهم النظام المصري بكل إفرازاته ، وتحت وطأة الإملاءات الأمريكية ، في تحويل هذه المؤسسة العلمية العريقة إلى كيان هش ، وصدى لتاريخ مجيد .

     وفلسفة النظام المصري في هذا السياق تتجلى في رفض وجود أزهر قوي ومستقل، لئلا تظهر دولتان على الساحة المصرية ، وهذا الفهم القاصر أدى إلى إضعاف الأزهر ، فانهار دور مصر العروبي والإسلامي . فقوة الأزهر هي قوة لمصر ودورها ، لكن هذه الحقيقة غائبة أو مغيبة عن صناع القرار في هرم السلطة الذين يخضعون للإملاءات الخارجية التي تنتهج سياسة تهميش الأزهر، لئلا يقوم بدوره المركزي في تبني قضايا العالمين العربي والإسلامي المصيرية ، وحشد الشارع لمواجهة مخططات أعداء الأمة ، وقيادة مشاريع النهضة والتحديث . فالخطة الأساسية في هذه اللعبة هي تغييب أية مرجعية للمسلمين يعودون إليها ، ويلتفون حولها ، لكي يظلوا أيتاماً ضائعين على موائد اللئام . فإذا كان للكاثوليك مرجعية تتمثل في البابا، فإن المسلمين ليس لهم بابا ولا ماما .

     وقد برزت محاولات الاختراق في هذه المؤسسة الإسلامية الأولى عالمياً ، فالكيان الصهيوني في محاولة منه للحصول على شرعية من أي نوع، والتأثير على الرأي العام في الشارع العربي والمسلم، وتسهيل التطبيع بعد تنحية المعارضة المستمدة من الهوية الدينية للوطن العربي ، سعى للاتصال بشيخ الأزهر بأية وسيلة . وفي هذا السياق جاءت مصافحة شمعون بيريز لشيخ الأزهر ، والحرص على تسريب هذه الصورة لوسائل الإعلام ، من أجل الحصول على تلميع إعلامي ، وإظهار رئس الكيان الصهيوني في ثوب الحمل الوديع. وللأسف الشديد فقد وقع شيخ الأزهر في هذه المصيدة عمداً أو سهواً ، وأحلاهما مر .

     والتدمير المنهجي للأزهر يتضمن كثيراً من الجوانب ، من أبرزها : محاصرة الأزهر اقتصادياً لكي يظل تحت رحمة الحكومة التي تنفق عليه ، وتدفع الرواتب الشهرية للعلماء . فصار العالم صاحب المكانة السامية مجرد موظف خاضع للراتب آخر الشهر . وبالتالي فإنه يفكر ألف مرة في مصير أسرته قبل أن يعترض على سياسة النظام الحاكم ، أو ينتقد الأوضاع المصرية البائسة على جميع الأصعدة . والغالبية الساحقة من العلماء تؤثر الصمت خوفاً من فقدان الوظيفة ، أو الملاحقة الأمنية ، أو التضييق البوليسي الذي يطال كل ما يرتبط بالعالم مثل أسرته وأبنائه الدارسين في الجامعات ، وأصهاره ، ودور النشر التي يتعامل معها ، والمساجد التي يرتادها . وكل ذلك ساهم في صناعة الفتاوى حسب مزاج النظام الحاكم .

     والعلماء الذين يقولون كلمةَ الحق يتم تحييدهم ، ومحاصرتهم ، وإبعادهم عن الوظائف ذات العلاقة بالاتصال الجماهيري ، وصنع القرار الديني ، والتأثير في الشعب . ويتم تطويقهم اقتصادياً عن طريق تجفيف مصادر دخلهم .

     أما المناهج فقد تم التلاعب بها كثيراً بحجة محاربة التطرف ، ومكافحة ما يسمى بالإرهاب ، مما أنتج جيلاً غير متمكن في العلوم الشرعية. ولكي تدرك هذه الحقيقة لاحظ اختفاء بريق الأزهريين مقارنةً مع السابقين . ولاحظ حجم المعارضة لشيخ الأزهر من الداخل والخارج بدلاً من الالتفاف الشعبي . وهذا كله ليس مصادفة، ولم يأت من فراغ . ولا دخان بدون نار .

     وما ظهور جبهة علماء الأزهر إلا مؤشر واضح لحجم الرفض والاعتراض في المؤسسة الدينية. ولم نسمع في تاريخ الأزهر كله عن انشقاق طائفة من علمائه لتكوين كيان مستقل عن الأزهر الأم إلا في هذا العصر ، مما يدل على حجم الرفض ، وضرورة اختيار درب آخر مضاد لنوايا الحكومة السيئة المفروضة على شيخ الأزهر الذي لا يملك أن يعترض خوفاً من عدم التجديد له من قبل رئيس الجمهورية . وهنا تبرز أهمية انتخاب شيخ الأزهر من قبل العلماء ، لا اختياره حسب مزاج الحاكم .

     ولو عدنا إلى المواقف المشرفة للأزهر عبر التاريخ لوجدنا صفحات مشرقة وبالغة التأثير . فقد كان للأزهر مواقفه التاريخية في مقاومة ظلم الحكام والسلاطين على مدار التاريخ ، والتصدي للأنظمة الإقطاعية . أما الآن فقد رأينا التحولات المرعبة في مصر ، حيث الزواج غير الشرعي بين السلطة والثروة، واستعادة تاريخ الإقطاعيات، وطبقة العبيد والسادة ، ضمن أشكال معاصرة ومخادعة .كما أن دور الأزهر في مقاومة الاحتلال الفرنسي واضحة وحاسمة ، عبر تجييش الشارع للدفاع عن الأمة وهويتها ووجودها . أما الآن فأين صوت الأزهر تجاه حصار غزة ، وإبادة شعب بأكمله في فلسطين المحتلة ، والعراق المحتل ... إلى آخر هذه القائمة من البلاد والشعوب ؟! .

     والفرق مذهل بين الأمس واليوم . فقد سطعت نماذج مشرقة لصمود العلماء في وجه الإغراءات المختلفة . فعلى سبيل المثال ، اعترض شيخ الأزهر الراحل عبد المجيد سليم على الحكومة عندما خفضت من ميزانية الأزهر ، فأعفي من منصبه سنة 1951م . ثم تولى مشيخة الأزهر سنة 1952م ، لكنه استقال بعد سبعة أشهر ، مما يدل على ترفعه عن المناصب ، وعدم رضوخه لإغراءات الكرسي . أما الشيخ المراغي فقد رفض الانحناء للملك جورج الخامس عندما قابله بكل عزة وترفع . والشيخ عبد الحليم محمود له مواقف رائعة في حشد الرأي العام ضد العدو الصهيوني في حرب 1973م . وقد قدم استقالته عام 1974م احتجاجاً على سياسة السادات تجاه الأزهر ، مما اضطر السادات إلى التراجع . كما أن الشيخ ساهم بفاعلية في حل الخلاف بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغربية التي كادت أن تتحول إلى حرب في سبعينات القرن العشرين .

     وفي ظل هذا التفاوت المذهل بين الماضي والحاضر ، وتفشي الوضع الكارثي ، والمحاصرة الاقتصادية للمؤسسات الدينية ، لا يمكن للأزهر أن يقف على قدميه من تلقاء نفسه . لذلك فهو محتاج إلى الحكومة لكي تسنده . والحكومة تلعب هذه الورقة بحرفية عالية ، وتقدم دعمها الجزئي وفق شروط خانقة مسبقة ، وليس من أجل سواد عيون علماء الأزهر .

     وهكذا أضحى الأزهر مثل أية دائرة حكومية مخنوقة في قبضة الراتب الشهري، لا تتمتع بالاستقلالية في أخذ القرارات. بل تظل خاضعة للإملاءات من هنا وهناك. فلا يمكن تعيين أي عالم أزهري إلا بموافقة مسبقة من الدوائر الأمنية، ولا يقدر على الحديث في السياسة إلا بمقدار ما تسمح له الحكومة ، ولا يمكنه الدفاع عن العرب والمسلمين المضطهدين في أمريكا وأوروبا خوفاً من إفساد العلاقات الدبلوماسية .

     لذلك فعلى الرجال المخلصين في الأزهر إيجاد طريقة لإعادة البريق لهذه المؤسسة الدينية العالمية، والتفكير بشكل جدي في سبل تخليصها من قبضة الحكومة وحصارها الشرس المدفوع بأجندة خارجية .

 

8/1/2010م .

 

 

انكسار منظومة المخابرات الأمريكية


     إن أي جهاز مخابرات في العالم يعتمد بشكل أساسي على الهالة الإعلامية ، والحرب الدعائية التي تصوره على أنه الجهاز الأعظم القادر على الاختراق والعصي على الاختراق . فالسمعة هي المبدأ الرئيسي في تشكيل الصورة المخابراتية في الوعي الشعبي . وعلى مدار عقود قامت المخابرات الأمريكية بتسويق نفسها كأعظم جهاز في العالم ضمن الحرب الدعائية الخالية من المعنى . لكن هذه الهيبة الوهمية ذهبت أدراج الرياح بسبب تحول ال "سي آي إيه" إلى دائرة حكومية بيروقراطية فاشلة في إدارة نفسها ، وينخرها الفساد والروتين الوظيفي من كل الاتجاهات . لكن السؤال الدقيق الذي يطرح نفسه هو : ما أسباب انكسار منظومة العمل المخابراتي الأمريكي رغم مليارات الدولارات المرصودة والتقنيات الإلكترونية المتطورة وجيش العملاء من العرب والعجم ؟ . والإجابة متشعبة ، ولكن يمكن تلخيصها في عدة نقاط :

     1) تآكل الحضارة الأمريكية التي تعاني من مشاكل جمة على كافة الأصعدة ، مما انعكس سلباً على الأجهزة الأمنية الأمريكية التي صارت فريسة للروتين الوظيفي، وغياب التنسيق فيما بينها ، وعدم الانضباط ، وفقدان روح الانتماء للإمبراطورية الأمريكية المفككة ، واختفاء المواهب الخارقة ، وانتهاء منظومة العقول المفكرة القادرة على العمل تحت الضغط ، وفي ظروف بالغة الصعوبة .

     2 ) اعتماد المخابرات الأمريكية على الوسائل الإلكترونية في التجسس والاستهداف، بسبب عدم وجود عناصر بشرية مؤهلة للقيام بأدوار العمالة والتجسس . خصوصاً أن العناصر البشرية مخترقة من قبل أعداء أمريكا . وهذا ما يجعل المنظومة الأمنية فوضوية ، ومحصورة بين نار الأجهزة الإلكترونية التي لم تحقق نتائج حاسمة ، وبين نار العملاء المخترقين من قبل القاعدة وطالبان . خصوصاً أن غياب الثقة بين أمريكا وعملائها ، سواءٌ كانوا أفراداً أو دولاً ، جعل منها فريسة سهلة في أنحاء العالم ، مع عجزها التام عن صناعة الانتصار على الأرض . فصارت القوات الأمريكية محصورة في زاوية ردة الفعل ، وتتلقى الضربة إثر الضربة ، وهذا جعل صورتها هشة للغاية ، فغابت الهيبة ، وغاب النصر ، وتوالت الهزائم ، على الرغم من الإمكانيات المالية الهائلة التي تذهب كرواتب وعلاوات للمديرين العاجزين عن بناء منظومة متكاملة من العمل المخابراتي الفعال ، والفاشلين في إدارة عشرات الآلاف من الموظفين والجواسيس . فالجهود مبعثرة ، والتنسيق بين المعطيات لا يتم بالصورة السليمة .

     3 ) اختفاء المواهب الأمنية القادرة على التخيل والابتكار . إذ إن خلاصة العمل المخابراتي هو الخيال واختراع النماذج الافتراضية لتطبيق مبدأ المحاكاة والإسقاط على الواقع. ويمكن إسناد سبب عزوف المواهب الأمنية الخارقة على الالتحاق بال " سي آي إيه " للروتين الوظيفي ، والفساد الإداري . فصارت العقول المفكرة تفضل العمل في الجامعات ومراكز الأبحاث والاستشارات على العمل في دائرة مخابراتية عاجزة لا تقدر على الدفاع عن نفسها .

     4) عدم اعتياد أمريكا على الحروب غير التقليدية مثل حرب العصابات ، وقتال عدو غامض ليس له مقرات . وهذه نقطة قوة القاعدة وطالبان . فالقوات الأمريكية تملك جيشاً منهكاً مبعثراً في القواعد العسكرية على كوكبنا ، وهذا الجيش تم تدريبه على مواجهة جيش مدعوماً بغطاء جوي كثيف ، لكن المأزق الأمريكي يكمن في عدم وجود جيش للقاعدة أو طالبان يمكن سحقه ، أو قصف مقراته ، وكسر شوكته إلى الأبد . وحروب العصابات لم يتعود عليها الجيش الأمريكي وقوات الناتو ، لذلك توالت هزائمهم باعتراف قادتهم العسكريين .

     5) تحول الأجهزة الأمنية إلى جامعي معلومات بشكل منفصل عن ربطها ، وإيجاد علاقات بينها . وهذه النقطة مضحكة للغاية . فصارت المخابرات الأمريكية كتلميذ يحفظ الكتاب المدرسي كاملاً، لكنه لا يقدر أن يصنع علاقات بين المواضيع، وإيجاد تنسيق بين الصفحات والفصول ، وبالتالي رسب في الامتحان رغم إتقانه للحفظ .

     6) ضعف أجهزة المخابرات العربية التي تقدم خدماتها المجانية للبيت الأبيض ، وهذا عائد إلى أن أجهزة الأمن العربية لا تزال محصورة في دائرة الهواة لا المحترفين ، وهي عاجزة تماماً عن صناعة عمل مخابراتي حقيقي، لعدم قدرتها على القيام بعمليات نوعية . فلم نسمع طوال القرن العشرين كاملاً أن جهاز مخابرات عربياً قام بعملية عابرة للحدود أو اختراق عالمي حاسم تجاه أي جهة، على غرار ما كان يقوم به الموساد في العواصم العربية والأوروبية ، أو المخابرات الأمريكية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والدول العربية . ومن خلال هذه النقاط السريعة يمكن تشكيل خارطة التحولات في العمل المخابراتي الأمريكي الذي يعيش أزمة حقيقية ، لا سيما بعد زوال هيبته الوهمية ، وانكسار سمعته التي صنعتها الآلة الإعلامية غير الحقيقية .

 

9/1/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

بدائية أجهزة المخابرات العربية

 

     إن العمل المخابراتي العربي يعاني من مشاكل كثيرة قادت إلى ضعفه وعدم فاعليته. فهو عبارة عن وظيفة حكومية روتينية مترهلة محاطة بالغموض العبثي لنشر الحرب النفسية المتهاوية ، وبث الرعب غير المجدي ، وزيادة التشويق كما في أفلام جيمس بوند . وهذه الأجهزة المخابراتية البدائية لا تعدو عن كونها تياراً محصوراً بين الغيبة والنميمة ضمن مفاهيم بسيطة للهواة، وأبعد ما تكون عن العمل الاحترافي الخارق للعادة .

     فالأسس التي قام عليها العمل المخابراتي في العالم العربي ركيكة للغاية، وتعكس غياب العقول المدبرة التي تمتلك موهبة التخطيط . فالارتجال ما زال ينخر في بنية العمل المخابراتي مع انعدام التخطيط ، وغيابِ الكفاءات المحورية القادرة على صناعة التاريخ .

     فالركن الأساسي في طريقة عمل المخابرات البدائية هو نشر المخبرين بين أوساط الشعب لنقل تحركات الأفراد والجماعات وأقوالهم ، وكتابة التقارير عنهم. وهذه الطريقة صورة مسرحية هزلية ، ولا تملك فاعليةً كبيرة ، لأنها تستهدف الناس البسطاء الذين يندفعون باتجاه عواطفهم . فقد ينتقدون الحاكم بدافع فورة الغضب ، أو الانسياق وراء المشاعر الجياشة ، وليس بحكم انتمائهم إلى جماعات مسلحة ترمي إلى قلب نظام الحكم ، أو إسقاط كيان الدولة العربية . وقد يهاجمون عِلْية القوم بسبب الأمراض الاجتماعية الضاغطة على حياتهم اليومية مثل انتشار الفقر بشكل هستيري ، ونهب ثروات البلاد من قبل المتنفذين الذين هم فوق القانون، وازدياد البطالة في أوساط الشباب الذين لا يجدون حاضنة اجتماعية تدفعهم إلى العمل الإبداعي ، واستثمار طاقاتهم الخلاقة ، وتكريس الظلم الاجتماعي ، والشطط الطبقي ، وغياب دولة القانون والمؤسسات . فحينما يرون أقليةً تعيش في القصور ، والغالبية تعيش في الوحل ، سوف يندفعون إلى النقد بشكل عفوي للتنفيس عن كبتهم وشعورهم بالظلم . 

     وكل هذه الأسباب قد تدفعهم إلى مهاجمة المسؤولين الكبار لفظياً ، ليس لأنهم ينتمون إلى جماعات تؤمن بالعنف سبيلاً وحيداً للتغيير ، أو أنهم يخططون للقيام بعمليات اغتيال أو اختطاف ، بل لأنهم مقهورون في مجتمع ظالم لا يحمي حقوق أبنائه . وهؤلاء البسطاء يكون ما في قلوبهم على ألسنتهم دون دبلوماسية ، أو تلميع للعبارات . والواحد منهم لا يملك ثمن مسدس ، فهل أمثال هؤلاء يشكلون خطراً على النظام الحاكم ؟! .

     وقد تكون فلسفة المخابرات أن هؤلاء البسطاء قد يتم توظيفهم من قبل الجماعات المسلحة، وتوجيههم نحو سلوك عنيف ضد الدولة وأجهزتها . وهذه وجهة نظر قوية . ولكن ماذا عن الرؤوس الكبيرة في التخطيط التي ترمي إلى إزالة الدولة العربية ، وإسقاط الأنظمة. لماذا لم يتم الوصول إليهم ؟! .

     فتنظيم القاعدة يسرح ويمرح في الوطن العربي ، ويعبر حدود القارات ، وذو تواجد على الأرض ، وفي مواقع الإنترنت . وتكفير الحكام صار النشيد الوطني للقاعدة . فحينما يختفي التنظيم في شمال أفريقيا يظهر في الصومال ، وحينما يضعف صوته في العراق يخرج في اليمن ضمن خطب علنية. وإذا تلقى ضربةً في مكان ما، يثأر في مكان آخر . فلماذا فشلت المخابرات العربية المدعومة أمريكياً في اختراق تنظيم القاعدة ؟. وأين تذهب ملايين الدولارت التي تدفعها أمريكا لأجهزة المخابرات العربية من أجل القيام بحرب بالوكالة ضد تنظيم القاعدة ؟ ، وهل ستراجع أمريكا سياستها في التعامل مع المخابرات العربية التي لا تؤدي عملها بكفاءة ؟ .

     هذه الأسئلة عميقة للغاية ، وتحتاج إلى إجابات بالغة الدقة . فالمخابرات العربية ما زالت تقليدية، وعملها مكشوف لا يتمتع بالغطاء اللازم، أو الدعم اللوجستي المتماسك. وعملها يشابه ما يحدث في الأفلام السينمائية ، حيث المخبِر بمعطف سميك ، ونظارات سوداء ، ويخفي وجهه خلف جريدة ، ويلحق الشخص المطلوب من شارع إلى شارع . وهذه الصورة الدرامية المضحكة تسيطر على عمل المخابرات العربية التي لا تزال محصورة في عقلية العصور الغابرة ، وغياب بوصلة التخطيط والأداء الإستراتيجي الفعال . ومثل هذه الطريقة الهزلية لا تجدي نفعاً في ملاحقة أعضاء تنظيم القاعدة .

     أما ملايين الدولارات المدفوعة فهي تذوب في جيوب المسؤولين ، وتختفي في فوضى الفساد الإداري . والوطن العربي هو أفضل نموذج عالمي لتبديد الثروة ، والفساد المالي والإداري الذي يضرب الهرم الاجتماعي عبر كل طبقاته. وبالطبع فهو يحتل صدارة المشهد الدولي في انعدام الشفافية . وبعد هذه المتاهات لن يتبقى أموال كافية لتمويل عمليات ملاحقة القاعدة التي تجاوزت عقبةَ تجفيف مصادر تمويلها عبر إيجاد مصادر بديلة أكثر غموضاً والتفافاً . 

     وفي ظل هذه الانتكاسات المتوالية ستراجع أمريكا سياستها في التعامل مع المخابرات العربية ، وتقلل من حجم دعمها المالي إن لم تقطعه نهائياً ، لأن الإدارة الأمريكية ليست غبية لكي ترميَ أموالها في الهواء دون نتائج ملموسة ، خصوصاً وأن أي إخفاق سيبصبح نقطة سوداء في سجل البيت الأبيض ، وسيدخل في بورصة المزايدات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري . وبالطبع فلا أحد يريد التضحية بمنصبه من أجل عمليات مخابراتية فاشلة تنعكس سلباً على تصويت الناخب الأمريكي الذي يحدد اسمَ الرئيس ، والحزبَ المفضل . وهذا سوف يخلق مشكلة عميقة في أجهزة المخابرات العربية بسبب فقدانها للدعم المالي الأمريكي ، مما يزيدها ضعفاً في مواجهة القاعدة التي تزداد قوة بسبب الدعم المالي الكثيف الذي تتلقاه، وأدائها اللامركزي العابر للقارات ، وعملياتها النوعية ذات السمعة العالمية . وهذه النقطة الأخيرة بالغة الأهمية لأن الحرب بالأساس بين أمريكا وتنظيم القاعدة حرب إعلامية لتحقيق اختراقات يتردد صداها في أنحاء العالم .

     وكما هو معلوم فإن دوائر المخابرات العربية الضعيفة هي فروع للمخابرات الأمريكية في المنطقة، لذلك فأي اختراق يصيب أحد الفروع سينعكس سلباً على المصدر الأم "سي آي إيه " ، وهذا سيدفع الإدارة الأمريكية إلى عدم التعويل على المخابرات العربية ، والبحث عن طرق أخرى أكثر نجاعة ، وذلك من أجل الحفاظ على صوت الناخب الأمريكي ، والأموال المهدورة في مشاريع فاشلة ، والتي يتحملها دافعو الضرائب، دون أية عوائد ملموسة ، أو بشائر نجاح تلوح في الأفق .

 

12/1/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل تعود الدولة العثمانية ؟

 

     إن العالم العربي يعيش فترة ضياع كارثية بفعل الأنظمة القمعية التي تحكمه ، حيث أعادته إلى العصر الحجري. وهذا ليس غريباً لأن الحاكم العربي غير مؤهل للقيادة ، فهو لا يمتلك الشخصية القيادية القادرة على تحقيق آمال الجماهير ، وليس عنده من الخبرة ما يمكنه من وضع خطة لانتشال البلاد من المستنقع العميق ، فهو ليس بأكثر من شيخ قبيلة مغلوب على أمرها، وهو _ أيضاً _ موظف في الخارجية الأمريكية يقوم بتنفيذ الإملاءات الخارجية حرفياً ، والالتزام بأوامر أسياده في البيت الأبيض الذين أحضروه إلى الحكم ، وفرضوه على رقاب العباد . فلا انتخابات نزيهة ، ولا حرية اختيار شعبي .  

     وهذا الوباء السياسي المتفشي في الأمة العربية التي استقالت من التاريخ المعاصر، وخرجت من الحضارة العالمية الحالية ، قد أدى إلى فراغ موحش في النظام العربي الرسمي. فصارت الشعوب أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام ، فالسفينة بدون ربان ، والقطار يسير خارج السكة . والحاكم متحصن في قصره وحوله آلاف الحراس ، حيث الدولة البوليسية في أبهى صور هلوستها .   

     والطبيعة الفكرية للكيانات السياسية ترفض الفراغ ، لذلك ستبحث عمن يقوم بملئه . ولا يمكن لأي دولة أن تملأ الفراغ السياسي إلا إذا كانت ذات ثقل نوعي ، ووزن إقليمي ، وحضور دولي . والدول الكبرى في الشرق الأوسط القادرة على تجاوز حدودها ، والتأثير في محيطها بفاعلية كبيرة هي : تركيا وإيران والعدو الصهيوني .

     وقد رأينا قدرة العدو الصهيوني على التحرك بأريحية في المحيط العربي ، فهو يسرح ويمرح من الخليج إلى المحيط، ويفرض أوامره على الأنظمة السياسية العربية . ومنتجاته تباع في الأسواق العربية إما بأسلوب مباشر أو باللف والدوران عبر تغطية عربية . وهذه الاختراقات إن لم تكن تحدث فوق الطاولة فهي تحدث تحت الطاولة ، وإن لم تكن أمام كاميرات وسائل الإعلام فخلف الكواليس ، وما خَفِيَ أعظم .

     أما إيران فنفوذها يتجلى في ابتلاع العراق الذي صار لقمة سائغة على طبق من ذهب . فلا الجيش العراقي البدائي قادر على تأمين حدوده ، وحماية حقول نفطه ( مثل حقل الفكة ) ، ولا الحكومة العراقية التي ترضع الحليبَ الإيراني قادرة على رفع صوتها بالاحتجاج ، حتى لو كان شكلياً أمام شعبها ووسائل الإعلام. وهنا تبرز فلسفة " أطعم الفم تستحِ العين " . كما أن الاختلاف المذهبي بين الدول العربية وإيران يشكل عائقاً أمام التقارب، ويثير كثيراً من الشكوك ، ويطرح العديد من الأسئلة ، خصوصاً مع اتهام إيران بدعم المتمردين الشيعة في اليمن ، ودخول السعودية على خط المواجهة المسلحة معهم. كما أن الطموحات النووية الإيرانية قد أثارت حالة من الرعب في أوساط دول الخليج ، وليس أدل على ذلك من إنفاق أموال النفط الخليجي على شراء الأسلحة وتكديسها لتكون فريسة للصدأ في المستودعات .

     أما تركيا فليست غريبة على المنطقة، وتاريخها المشترك مع العرب يعود إلى قرون عدة . فالدولة العثمانية حكمت الوطن العربي لفترة طويلة . وعلى الرغم من الأخطاء التي ارتكبها العثمانيون في حكم العرب إلا أنهم أحاطوا العالم العربي بالحماية والأمان ، وحرسوه من القوى المتربصة به كبريطانيا وفرنسا ، ولم يسمحوا لأحد بالاعتداء عليه ، بل إنهم خاضوا حروباً دفاعاً عنه ، ودفعوا من دماء الجنود الأتراك ثمناً لحراسة الدم العربي . 

     والمضحك المبكي أن تآمر بعض العرب مع الإنجليز ضد الدولة العثمانية إنما جاء لكي يحقق العرب استقلالهم وإقامة دولتهم المنشودة . لكن هذا لم يحدث ، فذهبت الدولة العثمانية وجاء الإنجليز الذين ضحكوا على العرب ، وسرقوا ثرواتهم ، ومزَّقوا البلاد والعباد ، وزرعوا الكيان الصهيوني في قلب هذه الأمة . وهذا يعود إلى غياب بعد النظر في المنظومة العربية ، وعدم قراءة التاريخ السياسي للعالم ، وحسن الظن بالإنجليز الذين لم يخدموا إلا أنفسهم . والحقيقة المرعبة في هذا السياق هي أن الأمة العربية لم تنجح في إقامة دولة منذ سقوط الخلافة العثمانية . وهي تعيش حالة يُتم مستمرة منذ وفاة الأم ( الدولة العثمانية ) . 

     لذلك فالطريق تبدو مفتوحة بكل سلاسة أمام عودة الدولة العثمانية المعاصرة ، لأن العرب غرقى وبحاجة إلى طوق النجاة . ومن غير المنطقي التعويل على عبقرية الحاكم العربي الصوري الذي وجوده لعنة على البلاد والعباد . فالوطن العربي هو محميات أمريكية ، والذي يحكم من الخليج إلى المحيط هو السفير الأمريكي ، ولا يقدر الحاكم العربي أن يختار لون ربطة عنقه إلا بإذن مسبق من السفير الأمريكي .

     وتركيا دولة متماسكة ذات سيادة بعكس الدول العربية . كما أنها قوة اقتصادية عالمية ضمن قائمة العشرين، وهي قوة عسكرية ضاربة تأتي في المرتبة الثانية بعد أمريكا في قوات حلف الناتو . وهي كذلك قادرة أن تقول : (( لا )) في وجه الدول العظمى . فقد رفضت السماح لأمريكا باستخدام قواعدها الجوية لضرب العراق في حرب 2003م . وهذا يعيدنا إلى تاريخ الإنزال العسكري التركي في قبرص ، حيث أدى إلى تقسيم الجزيرة رغم أنف الغرب كاملاً ، لدرجة أن الكونجرس الأمريكي فرض حظر الأسلحة لتركيا منذ شباط 1975م لإرغامها على الانسحاب ، لكنها لم تنسحب ، وبدأت بالاعتماد على قواها الذاتية في صناعة الأسلحة بمساعدة دول أخرى عن طريق إدخال الوسائل التكنولوجية المتقدمة إلى صناعاتها .     

     ومنذ فترة قصيرة أجبرت تركيا الكيانَ الصهيوني على تقديم اعتذار خطي بسبب إهانة السفير التركي . وقد تم تقديمه بكل خزي صبغ صورة " إسرائيل" . في حين أن وزير خارجية الكيان الصهيوني المتطرف ليبرمان قد شتم الرئيس المصري، وهدد بضرب السد العالي ، أمام وسائل الإعلام . ومع هذا لم تطلب مصر اعتذاراً ، ولم تقدم " إسرائيل" أي اعتذار، وذلك لأن مصر هي محمية أمريكية يحكمها السفير الأمريكي ، وفاقدة تماماً لأي معنى للسيادة .

     وما دبلوماسية الإهانة التي اعتمدتها " إسرائيل " إلا دليل واضح على ضعفها ، واحتراقها الداخلي ، وغيظها المكبوت ، وأنها قاعدة عسكرية متقدمة للغرب ، وليست دولة ذات حضارة أو تاريخ ، ملتزمة بالأعراف الدبلوماسية .

     ومن نقاط قوة تركيا أن أوروبا رافضة لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي لأنه نادي المسيحيين ، ودخول دولة مسلمة بحجم تركيا ذات العدد السكاني الهائل سوف يجعل للمسلمين موطئ قدم راسخاً في أوروبا ، وهذا يرفضه الاتحاد الأوروبي جملةً وتفصيلاً ، خصوصاً أن الدولة العثمانية وصلت في يوم من الأيام إلى بوابات فيينا ، وقامت بتثبيت الإسلام في قلب أوروبا ( ألبانيا ، البوسنة والهرسك ، ... ) . فلا يريد الغرب أن يرفرف الهلال في علم تركيا في قلب أعلام أوروبا الحاملة للصلبان . فهم يريدون فقط استثمار مخالب تركيا العسكرية في حلف الناتو ، لا أن تدخل الثقافة الإسلامية في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وشعوبه ، فهم لا يريدون استعادة كابوس محمد الفاتح _ بالنسبة لهم _ والذي يطاردهم في اليقظة والمنام . لذلك جاء الانفتاح التركي على الجنوب ( سوريا ، إيران ) من أجل نقل التأثير التركي إلى خارج حدودها ، ولعب دور حيوي إقليمياً ودولياً يتناسب مع حجمها، وهذا كله يعطي إشارات واضحة على عودة الدولة العثمانية بشكل معاصر للدفاع عن قضايا المنطقة ، وقيادة الأمة العربية العاجزة عن قيادة نفسها . وهنا يبرز معنى وجود شخص تركي على رأس منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي هذا إشارة إلى قبول شعبي ورسمي بأن تكون الدولة العثمانية الجديدة هي قائدة الأمة ، والراعية لمصالحهم .

22/1/2010م.

أوباما : بائع الأوهام في عصر الظلام

 

     إن الرئيس الأمريكي أوباما يمثل ظاهرة غريبة في السياسة الأمريكية ، فهو أول رئيس من أصول إفريقية، كما أنه الوحيد بين كل رؤساء أمريكا الذي يملك خلفية مسلمة، فقد درس في مدرسة إسلامية في أندونيسيا لمدة عامين، ووالده اسمه حسين.

     والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة : كيف قام الناخب الأمريكي العائش في عوالم التمييز العنصري ضد السود والأقليات ، والغاطس إلى شحمة أذنيه في " الإسلاموفوبيا" بانتخاب أوباما الذي يملك المواصفات السابقة ؟ .

     والجواب يمكن أخذه من حجم الكوارث التي ارتكبها الرئيس السابق جورج بوش الصغير ، وليس بسبب عبقرية أوباما . فالناخب الأمريكي أراد معاقبة الجمهوريين وعلى رأسهم بوش الصغير الذي حشر أمريكا في الزاوية ، ووضعها على خارطة التلاشي ، وقام بمساعدة أعداء أمريكا من حيث لا يدري، فأعطى العراق لإيران كهدية مجانية ، وأعطى أفغانستان لطالبان والقاعدة لكي يعيدوا تنظيم صفوفهم ، وأدخل اقتصاد بلاده في مأزق حرج ، وأضاع أموال دافعي الضرائب في الهواء بدون مكاسب سياسية ، أو أرباح مادية . وحتى لو قامت أمريكا بنهب نفط العراق بمساعدة عملائها الذين جاؤوا على ظهور دباباتها ، فلن تقدر على تعويض الخسائر الجسيمة التي تكبدتها ، سواءٌ من دماء أبنائها القتلى ، أو الدولارات الطائلة التي تُحسَب بالأرقام الفلكية .  

     وكل هذه السياسات نتيجة طبيعية لتخبط إدارة البيت الأبيض التي اخترعت مصطلح" الحرب على الإرهاب " لخدمة مصالحها التوسعية ، وشرعنة احتلالها للعراق وأفغانستان ، لكن هذا المصطلح ارتد عليها سلباً ، وانقلب السحر على الساحر . فازدادت إيران قوة وتوسعاً في محيطها الجغرافي الحيوي ، وأعاد تنظيم القاعدة ترتيب أوراقه، وازدادت فروعه في البلاد العربية . ومن يدرس سياسات الرئيس السابق بوش الصغير ، سيكتشف أنه تصرف كما لو كان الذراع اليمنى لابن لادن ، أو أحد الموالين لولاية الفقيه في إيران .

     وفي ظل هذا الوضع الكارثي الذي حوَّل المواطن الأمريكي إلى متسول أمام الجمعيات الخيرية التي تمنح بعض أرغفة الخبز ، ومشرد في الشوارع بعد أزمات الرهن العقاري ، ومنبوذ في مجتمع يتخذ من الدولار عقيدةً رأسمالية لا محيد عنها ، تم تقديم أوباما كصاحب مشروع الخلاص ، ومالك طوق النجاة ، وجورج واشنطن الجديد الذي سيبني المجد الأمريكي لجعله في صدارة المشهد العالمي .

     وقد استفاد أوباما كثيراً من تركة بوش الصغير التي وضعت سمعة الجمهوريين في الحضيض ، فأضحت كلمة " جمهوري " مرادفة للضياع السياسي والهزائم العسكرية والكوارث المالية . وبالتالي صار المواطن الأمريكي مؤيداً قلباً وقالباً للديمقراطيين قبل أن يعرف مرشحهم  ، لأن الغريق يتعلق بقشة . وهذا ما شجع الحزب الديمقراطي وأعطاه الجرأة على ترشيخ شخص أسود في مجتمع قائم _ بالأساس _ على التمييز العنصري ، واضطهاد الأقليات، لعلم الحزب المسبق أن الأمريكيين يريدون أي رئيس لا يُذكرهم بكابوس الجمهوريين وعلى رأسهم بوش الصغير ، وأن الفوز مضمون في جيب الديمقراطيين .  

     وأيضاً أراد الحزب الديمقراطي استغلال الكوارث الجمهورية _ وفق قاعدة مصائب قوم عند قوم فوائد _ من أجل خداع الرأي العالمي ، وممارسة التضليل المنهجي ، واختراع خدع سياسية سينمائية ، وذلك عبر ترشيخ شخص أسود لإظهار صورة المجتمع الأمريكي كمجتمع متماسك لا فرق بين أبيض وأسود ، وأن حضارة العم سام الرومانسية تتسع لكل أبنائها ، وأن التفرقة العنصرية أضحت من مخلفات الماضي البائسة التي لن تعود ، وأن حقوق الإنسان في أمريكا بلغت حداً عظيماً لدرجة ترشيح شخص أسود لدخول البيت الأبيض .

     وهذه الخدع السينمائية تم تنسيقها بحرفية عالية ، فقاموا بإحضار أوباما ذلك السناتور الفصيح خريج هارفارد الذي يتقن فن الخطابة ، ولا يفهم في السياسة الخارجية شيئاً ، ولا يعرف دهاليز السياسة الداخلية ، وهذا هو المطلوب ، لكي يظل أوباما دمية في مسرح للعرائس يتم تحريكه من خلف الستار بأصابع جهات خفية ومتنفذة حريصة على إبقاء نفوذها ، والمحافظة على مصالحها عبر توظيف شخصية الرجل الأسود الذي لا يملك من أمره شيئاً ، وإنما ينصاع لأوامر من أحضروه إلى البيت الأبيض ، وأوباما يعترف بهذا الدَّيْن في عنقه، ويريد سداده للسادة البيض الذين لَمَّعوه لإخفاء معاناة السود في أمريكا، وإظهار إمبراطورية العم سام باعتبارها أملاً للبشرية المعذَّبة بغض النظر عن الدِّين أو الجنس أو اللون . 

     وأوباما لا يملك شخصية كاريزمية قيادية قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة واختراقات كبرى ، وهو يعرف أنه ألعوبة جاهلة محصورة في كتب القانون الذي كان يدرِّسه في جامعة شيكاغو ، ولا يدرك كواليس بناء وحشية الفعل السياسي الأمريكي ، لأن العدالة التي في كتب القانون ليست هي العدالة في فلسفة البيت الأبيض ، لذلك تم إحضار بايدن كنائب للرئيس _ ذلك السناتور المخضرم صاحب التاريخ الطويل في العمل السياسي_ ، لكي تظهر إدارة البيت الأبيض الجديدة كخبيرة في العلاقات الدولية ، وضليعة في رسم السياسات وتطبيقها ، وكل هذا مكياج وهمي سرعان ما تبخر مع تفجر الأزمات العاصفة المحيطة بأمريكا .

     وفي ظل هذا الانكسار الأمريكي المتسارع لا يجد أوباما وسيلة أفضل من استعراض مهاراته في الخطابة ، واختراع العبارات الرنانة ، وتنميق الكلمات التي تذهب أدراج الرياح ، لأن كلام الليل يمحوه النهار ، والجعجعة بلا طحن لا تجدي نفعاً .

     وبعد عام من حكم الرجل الأسود للبيت الأبيض يُلاحظ أن الشيء الوحيد الذي تغير في السياسة الأمريكية هو لون بشرة الرئيس فقط . فأوباما الذي مُنح جائزة نوبل للسلام من أجل كلامه المعسول ، ونواياه الرومانسية الرقيقة ! ، ونكايةً في سياسة بوش الصغير ، قرر إرسال ثلاثين ألف جندي إلى أفغانستان لقتل المدنيين كما تفعل الطائرات بدون طيار ، في الوقت الذي تسيطر فيه طالبان على ثلاثة أرباع أفغانستان، وتنظيم القاعدة يسرح ويمرح في الشرق والغرب ، فماذا تفعل أمريكا في أفغانستان طيلة عقد من الزمان وهي تدفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائها القتلى وأموال دافعي الضرائب ؟ .  

     كما أن الخطة الاقتصادية للإدارة الأمريكية فشلت بكل المقاييس لأنها عبارة عن مخدرات سياسية ، فنسبة البطالة تواصل صعودها ، والمواطنون عاجزون عن إيجاد فرص عمل ، والبنوك ما زالت تنهار ، وتتردد أخبار إفلاسها في كل وسائل الإعلام حتى هذه اللحظة ، كما أن الصعود الصاروخي للصين كقوة ضاربة يدل على أنها لم تجد في طريقها منافسين حقيقيين في الغرب أجمع ، خصوصاً أن الصين _ في الآونة الأخيرة_ أزاحت ألمانيا عن عرش أكبر مُصدِّر للبضائع في العالم .

     وكل هذه المؤشرات تدل على أن خطة الإدارة الأمريكية في ضخ الأموال هي بمثابة وضع جهاز تنفس اصطناعي للمريض في غرفة العناية المركزة ، وليس مساعدة المريض على الشفاء ، والنهوض ، والانطلاق نحو الفضاء الرحب .

     والرئيس أوباما شخصية مهزوزة لا تملك تاريخاً من الإنجازات التي يمكن أن يُعوَّل عليها . فلو عقدنا مقارنة بين الزعماء السود كمالك شباز ( مالكولم إكس سابقاً ) ، ومارتن لوثر كنج رائد الدفاع عن الحقوق المدنية ، وحتى محمد علي كلاي الذي أعطى درساً في فلسفة السياسة حينما رفض الذهاب إلى فيتنام والقتال فيها ، وبين أوباما كزعيم أسود ، لوجدنا فروقات شاسعة . فالقادة السود الذين سبقوا أوباما كانت لديهم قضايا كبرى يؤمنون بها ، وقد دفعوا ثمناً باهظاً دفاعاً عنها ، ووصل الأمر إلى التصفية الجسدية كما في حالة مالك شباز ومارتن لوثر كنج . أما أوباما فلا يملك قضية يؤمن بها ويدافع عنها ، فهو يميل مع الرياح حيث مالت . ففي البداية قرر إحلال السلام في منطقة " الشرق الأوسط " ، وبعد أن رأى عناد نتنياهو الذي لا يرسل ولا يستقبل ، مدعوماً باللوبي اليهودي في واشنطن، نسي خطة السلام كلها ، وأرسل ميتشل لإضاعة وقته في المنطقة العربية ، والسياحة في بلادنا ، وشرب القهوة العربية ، وتبادل القبلات مع المسؤولين العرب الحريصين على إحياء عملية السلام من قبرها إرضاء لأسيادهم الأمريكان .

     والمضحك المبكي أنه لم يعد هناك أرض فلسطينية للتفاوض عليها، فالمستوطنات بلعت الضفة الغربية المحكومة من قبل الجنرال دايتون، ولن يتوقف التهويد إلا بعد الإجهاز النهائي على الضفة، وعندها سيتوقف الاستيطان تلقائياً ، مما يسمح بعودة رئيس سلطة أوسلو محمود عباس إلى طاولة المفاوضات من أجل إقامة دولة فلسطينية في الهواء والذكريات وقصائد الشعراء .   

     أما قضية محاربة القاعدة والحرب على ما يسمى بالإرهاب ، فلم يحقق أوباما أي نجاح يُذكر ، فرسائل ابن لادن تتواصل ، وفروع القاعدة في البلاد العربية تتكاثر، لأن أفضل من يجند الشباب في صفوف القاعدة هو الحاكم العربي ، وذلك لأن سياساته الطائشة حوَّلت الدولة العربية الكرتونية إلى كيان فاشل على كل الأصعدة ، فتساوت الحياة مع الموت ، فصار كثير من الشباب ينضمون إلى القاعدة تلقائياً _ بغض النظر عن مقاومة الاحتلال أو قتل المدنيين _ ، لأن حجم الانهيار الكارثي في الوطن العربي أفقد كثيراً من الشباب القدرة على التمييز بين الغث والسمين .

     كما أن سياسات أمريكا المعادية للإسلام والمسلمين كرَّست عقلية الانتقام من أمريكا والثأر منها بأي وسيلة. ولو بقينا ننعت تنظيم القاعدة بالإرهابي حتى يوم القيامة، فلن تهتز شعرة في رأس ابن لادن ، ولن نوقف شخصاً يريد تفجير نفسه دفاعاً عن قضية يؤمن بها ، ويرى أنها الوسيلة الصحيحة للانتقام من أمريكا ، بعد أن شاهد تخاذل الحكام العرب في حماية البلاد ، وتقاعد الجيوش العربية الجرارة النائمة في المعسكرات ، ونفاق علماء السلاطين الذين حذفوا مقاومة الاحتلال من قاموسهم إرضاء لأسيادهم دافعي الرواتب آخر الشهر .

     وعلى صعيد حقوق الإنسان فشل أوباما فشلاً ذريعاً . والغريب أن أوباما باعتباره أسود البشرة يُفترض به أنه عانى شخصياً من الظلم والاحتقار والتمييز العنصري بسبب انتمائه للسود الذين كانوا ضحايا الوحشية الأمريكية عبر التاريخ ، فالمنطق يقول إن معاناة الظلم ستدفعه إلى العدالة والمحبة ، لكن هذا لم يحدث ، وكأن الضحية تتقمص قاتلها ، وتقوم بنفس دوره حينما تمتلك القدرة .

     وعلى أية حال فإن أوباما سيواصل بيع الكلام المجاني، وتوزيع الأوهام في كل مكان، وستظل عينه على انتخابات التجديد النصفي للتشبث بالكرسي بالأظافر والأسنان كما يفعل الحاكم العربي، وسيتم ترحيل الملفات العالقة والتركة الثقيلة إلى الرئيس المقبل، وسيدفع المواطن الأمريكي الثمن الباهظ في كل الأحوال .

 

2/2/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعاون بين الموساد والمخابرات العربية

 

     لا يخفى أن أجهزة المخابرات العربية هي فروع للمخابرات الأمريكية ، لأن ال"سي آي إيه " عبارة عن شركة استثمارية غير محدودة يهمها أن يكون لها فروع في المنطقة لتنفيذ أجندات معينة مثل : تصفية القضية الفلسطينية مقابل بقاء الأنظمة الحاكمة على رأس السلطة ، واستئصال الحركات المقاومة ضمن منهجية مصادرة حقوق مقاومة الاحتلال المكفولة في المواثيق السماوية والأرضية، وذلك من أجل كتم كل الأصوات المعارضة لسياسات العم سام التوسعية والابتزازية .

     وقد انكشفت خطط البيت الأبيض لمحاولة كتم صوت الفضائيات المقاومة ، وتشجيع فضائيات الإباحية والرقص والطرب من أجل منع الضحية من رفع صوتها بالشكوى ، وكأن المطلوب من القتيل أن لا يعترض على قاتله ، فعليه أن يموت في صمت رافعاً القبعة لحضارة العم سام التي تنشر الديمقراطية الرومانسية المزعومة على جثث القتلى الملقاة في الشوارع ، وتعزز حقوق الإنسان بعد ذبح الإنسان .

     ومن أجل تنفيذ سياسات البيض الأبيض الاحتلالية لا بد من أدوات على الأرض العربية ، وهذه الأدوات هي النظام العربي الرسمي الذي يقدم أوراق الطاعة من أجل ضمان استمراره ، ويعرض خدماته المجانية مقابل نيل رضا سادة البيت الأبيض القادرين على تقديم القمح والمعونات الاقتصادية ، والتغطية السياسية في المحافل الدولية ، والتغاضي عن القمع والاستبداد ، ونشر التخلف الشامل في الدولة العربية الوهمية . وكما هو معلوم فإن أقصر طريق إلى قلب العم سام هو رضا طفله المدلل ( إسرائيل ) . فصارت النظرية الأساسية في العلوم السياسية الأعرابية هي أن اليد التي لا تقدر على قطعها قم بتقبيلها . لذلك تسعى الأنظمة العربية جاهدة إلى إظهار صوت الاعتدال_ من وجهة نظرها _ الرامي إلى دعم ما يسمى بعملية السلام، وإبراز وجه عربي يعتمد على موالاة الغرب قلباً وقالباً ، وكل هذا يعتمد على تقديم خدمات للكيان الصهيوني للحصول على شرعية الاستمرار القادمة من الغرب .

     وعلى الرغم من أن الأمة العربية تخسر أراضيها تباعاً ، ومقتنعة بأن عملية السلام ماتت في مهدها إلى غير رجعة ، إلا أن السلوك الرسمي ما زال سائراً في الدرب الخاطئ عن سبق الإصرار والترصد . فالضغط العربي المرعب على رئيس سلطة أوسلو محمود عباس للعودة للمفاوضات يتم بأوامر أمريكية مباشرة ، فينبغي مواصلة تخدير الفلسطينيين بأكذوبة عملية السلام حتى يتمكن الاحتلال الصهيوني من ابتلاع كامل التراب الفلسطيني ، وإظهار صورة " إسرائيل " أمام الرأي العالمي بوجه مشرق داعم للسلام والإخوة بين الشعوب وحوار الأديان في وسط عربي متطرف وبدوي متخلف .

     وهذه الخطط الجهنمية تتمتع بغطاء عربي رسمي، فالفكرة السائدة في أوساط صانعي القرار العرب هي أن الارتماء في حضن الكيان الصهيوني يوفر الحماية للنظام الرسمي العربي. وهذه البيئة السياسية الكارثية المحقونة بالمخدرات السياسية ساهمت في اختراق منظومة الأمن القومي العربي الهش ، فاستطاع الموساد توسيع دائرة نفوذه ، والتنسيق مع أجهزة المخابرات العربية مقابل بعض الأرباح الآنية ، لأن القوي يفرض شروطه على الضعيف، ومن يتحكم في مصادر الرزق قادر على إلزام الآخرين بما يريد . فلا يمكن للموساد أن يقوم بأية عملية في الوطن العربي إلا بالتنسيق الدقيق مع أيدي عربية شعبية ورسمية . فاغتيال القائد عماد مغنية في قلب دمشق ، واغتيال القائد المبحوح في دبي ، وغير ذلك من العمليات في قلب الوطن العربي، كلها تحمل بصمات جهات عربية، ليس هذا فحسب ، بل إنها تحمل لمسات أجهزة مخابرات عربية ، وذلك لعدة أسباب من أهمها :

     1) حاجة الموساد إلى اللغة العربية في اصطياد أهدافه الموجودة على قائمة الاغتيال ، وهذا لا يتأتى حدوثه بالكفاءة المطلوبة إلا من خلال أجهزة عربية على اطلاع باللغة الفصحى والدارجة ، وقادرة على تحليل الكلام العربي بكل أبعاده الحقيقية والمجازية ، والموجود في الخطابات وجوازات السفر وباقي الوثائق ، فمهما تمكن الأجانب من إتقان اللغة العربية ، سيظل هناك ثغرات في مستواهم اللغوي ، وهذه مجازفة كبيرة في عمل الموساد، وهو منتبه لذلك. وبالطبع فالأجانب الذين يحملون جوازات غربية هم العمود الفقري للموساد ، فلا يوجد عاقل يتوقع إشهار عميل الموساد لجواز سفر إسرائيلي .

     2) الحاجة إلى معرفة التفاصيل الجغرافية للمكان العربي ، والطبيعة السكانية ، والمداخل والمخارج ، والدعم اللوجستي ، لأن صور الأقمار الصناعية تظل عاجزة عن فعل ذلك بدليل أن أمريكا فشلت طوال سنوات في تحديد مكان ابن لادن أو الظواهري رغم امتلاكها لأحدث الأقمار الصناعية وأجهزة التجسس الإلكترونية الخارقة . وهذه المعلومات لا تأتي إلا من أجهزة مخابرات عربية تملك سهولة الحركة في الوسط الشعبي العربي دون أن تثير الشبهات . فمثلاً اغتيال القائد عماد مغنية في حي كفر سوسة في دمشق بتفخيخ سيارته عبر استبدال مسند رأس مقعد السائق ، لا يمكن أن يحدث بهذه الدقة وتحديد الهدف لولا التعاون الوثيق مع أجهزة استخبارات عربية .

     3) وجود ثغرات حقيقية في عمل الموساد الذي لا يملك طاقات ذاتية في بعض المجالات لاختلاف البيئة الفكرية والجغرافية ، وهذه الثغرات لا يمكن ردمها إلا بمعلومات المخابرات العربية عن طبيعة المجتمع العربية زمنياً ومكانياً .

     وجهاز الموساد يعتمد على الدعاية الإعلامية التي تصوره على أن خارق للعادة ، لكنه_ في حقيقة الأمر_ جهاز متواضع يعج بالفساد الإداري والإخفاقات ، لكن الذي رفع أسهمه انفتاح البيئة العربية أمامه بدون حراسة أو حدود ، وانبطاح الأنظمة العربية أمام إملاءات الغرب ، وقوة الإعلام الصهيوني .

     فالموساد فشل في اغتيال السيد خالد مشعل ( 1997م ) ، وقُبض على عملاء الموساد في وضح النهار بكل سهولة ، كما فشل في اغتيال مسؤول حماس في لبنان السيد أسامة حمدان ، وفشل كذلك في تحديد مكان الأسير شاليط رغم مساعدة الأجهزة الأمنية المصرية . بل إن القائد الفتحاوي علي حسن سلامة المعروف ب ( أبو حسن ) الذي تولى قيادة العمليات الخاصة ضد المخابرات الإسرائيلية في العالم من لبنان في عام 1970م استطاع بكل سهولة إرسال الطرود الناسفة من أمستردام إلى العديد من عملاء الموساد في أوروبا ، ومن الذين قُتلوا بالطرود ضابط الموساد في لندن أمير شيشوري.

     وكل ذلك يعكس تواضع عمل الموساد ، وضعف بنيته الأساسية ، وبدائية نمط تفكيره، لكن الشيء قد يبدو عملاقاً ، ليس لأنه عملاق ، بل لأنه في وسط أقزام .

 

4/2/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ديكور الديمقراطية ومهزلة الانتخابات

 

     إن الأنظمة القمعية العائشة على جماجم الشعوب الصامتة التي لا تعترض على انتحارها اليومي المتكرر، تنظر إلى الشعب على أنه فئران تجارب، وأعضاء في جوقة تقديس الحاكم، وتمجيد الحكومة التي وجودها كعدمه. وهي لا تتوجه إلى الشعب إلا إذا كانت تريد منه شيئاً، فتعمل على تمثيل دور الراعي المخلص للأمة، وتسوق شعارات الوحدة الوطنية وحقوق المواطنة، وتقوم بصناعة مستقبل افتراضي مشرق في عوالم الأحلام، تختفي فيه العنوسة، ويجد العاطلون عن العمل وظائف مناسبة، وتتعزز الوحدة الوطنية، وتلاحم قوى الشعب، ويحب الشعب الحاكم، ويحترم الحاكم الشعب.

     وهذه الدعاوى العريضة المستهلكة محاولات بائسة لذر الرماد في العيون، لأن الشعارات المرفوعة من قبل الأنظمة الاستبدادية هي مجرد كلام في الهواء لتلميع صورة النظام أمام الرأي العام في الداخل والخارج .

     لكن الشعب يعلم أن لا أحد يخطب وده إلا في زمن الانتخابات. فالمواطن العاطل عن الوطن مجرد رقم بين الأرقام، حيث يتم اختزال أهميته الوجودية في صوته الذي يمنحه، وبعد أن تنتهيَ مهزلة " العرس الديمقراطي " يذهب الساسة برفقة الحاشية إلى حفلات العشاء في الفنادق الفخمة بسيارات المرسيدس ابتهاجاً بنجاح " المسيرة الديمقراطية " ، أما المواطن فيعود إلى بؤسه، واللهاث وراء كسرة الخبز، وإطعام أبنائه الجياع، والتفكير في موعد نهاية الشهر لاستلام الراتب. وهذه اللعبة المملة من فرط تكرارها إنما تدل على أن الديمقراطية في الوطن العربي مجرد ديكور لا أكثر ولا أقل، وأن عقلية الحاكم العربي البدوية ما زالت تقود البلاد والعباد إلى الهاوية السحيقة.

     فالحكومة تريد أن يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع أمام وسائل الإعلام، خصوصاً الأجنبية، لكي يبدوَ النظام الحاكم ديمقراطياً ورومانسياً ويحترم حقوق الإنسان، مع أن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً، إذ إن التزوير هو النشيد الوطني للمستبدين .

     أما المرشحون فهم يريدون اكتساب الأصوات ليزداد نفوذهم، وتتعمق شهرتهم، ويتصدروا المجالس الرسمية أمام الكاميرات، ونراهم على شاشات الفضائيات يلقون النظريات السياسية الجديدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لأن الشعب الجائع الذي يقوم بعملية الانتخاب، سيزداد جوعاً بعد الانتخابات، وتذهب الوعود أدراج الرياح، ويختفي نواب الشعب في أبراجهم العاجية ، لأن الديمقراطية في الوطن العربي عبارة عن تقليد أعمى فاقد للمعنى، لأن الحقوق السياسية للمواطن العربي ضائعة بحكم الدستور الذي تم تفصيله حسب مصلحة عِلية القوم .

     ولم يعد يكفي شراء أصوات الناخبين عبر التلويح بالمال والعصا. بل تعدى ذلك إلى نظرية قديمة جديدة في السياسة، وهي استثمار الدماء في صناديق الاقتراع من أجل تحقيق مكاسب سياسية. ونجد العديد من تطبيقات هذه النظرية .

     فمثلاً اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية بينظير بوتو تم استــــثماره بحرفية عالية لجمع أصوات الناخبين ، وحشد المؤيدين الداعمـــين لحزب الشعب (حزب بوتو) الذي حقق فوزاً ساحقاً رغم أنه لا يــملك رؤية إستراتيجية لانتشال البلاد من مأزقها الخطير .

     واللافت للنظر أن حزب الشعب قد عارض بشدة تأجيل الانتخابات، وذلك لكي يستغل حدث الاغتيال في قمة لمعانه قبل أن ينطــــفئ ، ويستثمر سياسياً في الدماء الســاخنة لرئيسة الوزراء القتــــيلة قبل أن تبرد ويتفرق الناخبون وقد فترت عواطفـــهم . لذلك فإن حرارة الدم هي العاطفة الجياشة التي بوسعها جمع أكبر عدد من الأصوات .

     وهذه اللعبة أفضل من يتقنها هي الحكومة العراقية التي صارت تستثمر سياسياً في المناسبات الدينية، حيث أقامت مشروعها السياسي لجمع الأصوات الانتخابية حول الحسين _ رضي اللَّهُ عنه_ ، فأضحت عاشوراء، و"أربعينية الحسين" استعراضاً لنفوذ الأحزاب الشيعية المتصارعة على الكراسي الوهمية، وقدرتها على تجييش الشارع الذي يُعتبَر كنزاً من الأصوات .

     أما الذين يموتون في هذه الأحداث الدينية بفعل عجز الحكومة العراقية وفشلها في تحقيق الأمن، فلن يذهبوا سدى، فهم يتحولون إلى أصوات انتخابية تصب في صناديق الاقتراع، وتعيد الشارع العراقي إلى المربع الأول عبر التخندق الطائفي .

     وهكذا تتحول دماء الشعب إلى مكاسب سياسية، وتصبح قيمة المواطن الذي لا يجد ما يأكله محصورة في قدرته على التصويت، فالإنسان في الدول البوليسية عبارة عن رقم بين الأرقام، وسلعة داخلة في عالم الحسابات السياسية لصالح من يملك المال والصولجان .

     لذلك تغدو الانتخابات في الدول الفاقدة للسيادة عملية احتيال لشرعنة الأنظمة السياسية القائمة بحكم الأمر الواقع، والمستندة إلى الوصاية الأجنبية المتحكمة في موارد البلاد، والممسكة بهرم القرار السياسي من الرأس حتى القاعدة. أما التصفيق والحملات الانتخابية فهي مشروع تجاري، وعملية صراع على السراب، واختراع للشعارات المفرغة من معناها، وعملية مكياج سياسي أمام وسائل الإعلام، لأن الانتماء إلى الكرسي قد حل مكان الانتماء إلى الوطن .

 

18/2/2010م .

 

 

هل تتكرر ثورة يوليو 52 في مصر ؟

 

     إن الناظر في أحوال مصر هذه الأيام يرى حراكاً سياسياً شديد الزخم ، فيبدو أن الشعب الغريق صار يستشعر عمق المستنقع الذي يحيا فيه حياة البؤس والفساد الضارب جذوره من رأس هرم السلطة حتى القاعدة .

     لذلك فإن الناس راحوا يتعلقون بأي طوق نجاة سواءٌ كان صالحاً أو غير صالح ، لأن الغريق لا يقدر أن يفرض شروطه على الآخرين ، فهو في موقف ضعيف لا يؤهله لأن يحدد نوعية طوق النجاة .

     وفي ظل هذه الأجواء المشحونة تم تصوير مجيء البرادعي إلى مصر كمجيء مالك الحلول السحرية ، وصاحب الخلاص السياسي القادر على نقل مصر إلى العالم الأول، وإيجاد الوصفة الخارقة التي تنقل المجتمع من الانهيار الشامل إلى التقدم الحتمي .

     وهذه الصورة السينمائية طبيعية في مجتمع عربي عاطفي اعتاد على تحكيم الأحاسيس المرهفة في العمل السياسي ، والتصفيق للحق والباطل ، والهتاف للزعيم الفاتح بسبب ودون سبب . فالبنية الاجتماعية العربية المتخلفة غير مستعدة لتداول سلمي للسلطة ، وتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ، وتعزيز مبدأ المشاركة السياسية ، وإنشاء دولة القانون والمؤسسات ، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع عبر انتخابات حرة ونزيهة .

     ونحن هنا لا نقلل من قيمة البرادعي كعالم ومفكر وسياسي دولي وصاحب كفاءة وخبرة في الإدارة. ولكن من قال إن الوطن العربي مستعد لاستقبال الكفاءات وأصحاب العقول اللامعة ؟. فمن يطالع نسب تهجير الأدمغة العربية إلى أمريكا وأوروبا سيصاب بالذهول المرعب ، وسيتأكد أن هناك خطة منهجية من قبل الأنظمة العربية الحاكمة لطرد أصحاب الكفاءات لكي يظل الشعب غارقاً في جهله كقطيع الغنم يُساق إلى الذبح دون أن يعترض . فالنظرية الفلسفية التي يعتنقها الحاكم العربي ولا يحيد عنها هي : إن العقل المفكر يشكل خطراً على نظام الحكم، وبالتالي ينبغي التخلص منه .

     ونظرة سريعة إلى وزن العلماء العرب والمسلمين في الغرب تؤكد هذه الحقيقة . فعلى سبيل المثال لا الحصر : إن الدكتور أحمد زويل ( مصري يحمل الجنسية الأمريكية ) من أهم العلماء في العالم ويحمل جائزة نوبل في الكيمياء ( 1999م ) . وأشهر جراح قلب في العالم هو الدكتور مجدي يعقوب ( مصري يحمل الجنسية البريطانية ).وأشهر مهندسة معمارية في العالم هي زها حديد ( عراقية تحمل الجنسية البريطانية ) . ومن أبرز علماء الجيولوجيا في العالم الدكتور فاروق الباز الذي ساهم في وصول الإنسان إلى القمر ، وهو أيضاً مدير معهد الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن ( وهو مصري يحمل الجنسية الأمريكية ) .

     وما أود أن أصل إليه من خلال الأمثلة السابقة هو عدم قدرة الوطن العربي على احتضان أصحاب الكفاءات القادرين على الإدارة وإحداث التغيير، لأن النظام السياسي العربي تم تصميمه وفق العقلية البدوية العشائرية والعصبية القبلية والارتماء في أحضان أمريكا التي تمنح القمح ، وتفرض شروطها ، وتدير شؤون الأمة العربية بأجهزة التحكم عن بعد .

     فالهتاف للبرادعي يأتي في إطار صرخة الغريق ولا يأتي في إطار العمل السياسي الواعي ، لأن البرادعي لا مكان له في النظام السياسي المصري . فالدستور المصري تم تفصيله لتكريس الحكم الفرعوني حتى يوم القيامة، وتعزيز سلطة الزعيم الأوحد الحاكم بأمر اللَّه المدعوم خارجياً . خصوصاً أن هذه التوجهات البوليسية تنال القبول في أمريكا وإسرائيل اللتين توفران الغطاء الشرعي للنظام المصري في المحافل الدولية مقابل خدماته الجليلة مثل : القيام بعمليات التطهير العِرقي بحق أهل غزة ومحاصرتهم لكي يموتوا في صمت دون إزعاج ضمير الشرعية الدولية والعالم الحر ، وإهداء الغاز المصري لإسرائيل مجاناً أو بسعر رمزي كعربون محبة وسلام ، وتجويع الشعب المصري الذي يموت على طوابير الخبز ، وفتح المنتجعات السياحية للسياح الإسرائيليين وإغلاقها في وجه المصريين ، وتحويل الدولة المصرية إلى بلدية تابعة لتل أبيب . 

     لكن السؤال الحاسم الذي يفرض نفسه : لماذا يقوم الرئيس المصري بكل هذه الخدمات المجانية مع أنه على حافة قبره ( 82 سنة )، ومستقبله السياسي أضحى وراءه، وفقد كل أوراقه ، ولا يعرف ماذا يحدث حوله ، فهو يعيش على الإبر المقوية لكي يقدر على المشي ، ويصبغ شَعره لكي يبدوَ في عنفوان الشباب.

     والجواب يتمحور حول سعي الرئيس المصري لنيل رضا أمريكا وإسرائيل لكي تسمحا بتولي جمال مبارك الحكم بعد وفاة أبيه . لكن المفاجأة غير السعيدة بالنسبة لأصحاب مشروع التوريث هي أن جمال مبارك _ رغم تلميعه وتقديمه للأمريكان كرجل المرحلة _ لا يقدر أن يحكم مصر لانعدام خبرته ، وعدم وجود غطاء شعبي مستمد من الجماهير ، وعدم امتلاكه خلفية عسكرية كرؤساء مصر بعد ثورة يوليو 52 .

     وهذه النقطة الأخيرة تقلق أمريكا وإسرائيل بشكل بالغ ، لأن مصر هي الدولة العربية المركزية . فهي إذا تحركت تحرك العرب ، وإذا ماتت مات العرب . ووجود قيادة ضعيفة مهزوزة مثل السيد جمال مبارك في سدة الحكم قد يعرض المصالح الصهيوأمريكية للخطر. والوضع في المنطقة العربية لا يحتمل مغامرات غير محسوبة ، أو عمليات تجريب .

     وفي ظل هذا الأفق المسدود يظهر الحل الأكثر رومانسية في دول العالم الثالث البدائية وهو قلب نظام الحكم عسكرياً. وهذا ليس غريباً على مصر وباقي الأقطار العربية ، فتاريخها حافل في الانقلابات العسكرية .

     لكن البعض قد يستبعد حدوث انقلاب عسكري في مصر بسبب هدوء الجيش وابتعاده عن التجاذبات السياسية ومشاريع تأييد التوريث ومعارضته . وهذه هي مركز الخطورة لأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، والنار التي تحت الرماد ، فالصمت هو المخيف لا الجعجعة .

     وكل انقلاب عسكري إنما يتأسس على عنصر المفاجأة والمباغتة، خصوصاً أن الوضع المصري قد يمهد الطريق لحدوث عمل ضخم على غرار ثورة يوليو 1952م لعدة أسباب من أهمها : ضعف قبضة الرئيس المصري بحكم الشيخوخة والانهيار الصحي ، وانفتاح شهية الطامعين في الحكم المقتنعين بقرب نهاية حقبة مبارك، وفق مبدأ " إذا وقع الجمل كثرت السكاكين " ، ووفق نظرية تمرد التلميذ على الأستاذ . فقد رأينا الرئيس التونسي الحالي زين العابدين بن علي كيف انقلب على أستاذه العجوز المريض بورقيبة في عام 1987م عندما سنحت له الفرصة لتنحيته واستلام زمام المبادرة .

     وهذا الدور قد يلعبه في مصر مدير المخابرات عمر سليمان أو قائد القوات المسلحة أو حتى رئيس مباحث أمن الدولة بحكم كثرة الأوراق في أيديهم ، وخبرتهم الأمنية في تجذير الدولة البوليسية ، وقمع الحركات الإسلامية التي تشكل خطراً على الاحتلال الصهيوني ومشاريع الهيمنة الغربية، واتساع دائرة نفوذهم وأتباعهم ، وارتباطهم بعلاقات وثيقة مع الغرب وإسرائيل .

     بل إن أتباع هذه المؤسسات الأمنية من الصف الثاني والثالث قادرون _ بحكم خبرتهم _ على قلب نظام الحكم رغم رتبهم العسكرية المتدنية نسبياً . وأمامنا ثورة يوليو التي قادها ضباط شباب من رتب عسكرية منخفضة . فجمال عبد الناصر وأنور السادات _ على سبيل المثال _ كانا في بداية الثلاثينات من العمر . لذلك فمن المؤكد أن حقبة الرئيس مبارك قد انتهت ، وأن الانقلاب العسكري _ على الأرجح _ قادم على غرار ثورة يوليو 1952م ، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لتحديد لحظة الانقضاض ، والانتهاء من حبك خيوط اللعبة .

     وهذا سيدشن عودة الوطن العربي إلى عصر الانقلابات في الدول المركزية ذات الثقل . والذي يدعم هذه الرؤية الإستراتيجية فشل الدولة العربية في تحقيق أي نجاح، وسير المجتمع بأسره إلى الدرب المغلق ، وغياب أي أفق لعلاج مشاكل الناس الذين سيتحركون حين يتساوى عندهم الحياة والموت. وهذا ما نشاهده في جنوب اليمن ، وشاهدناه في دارفور سابقاً ، وما خُفي أعظم .

 

4/3/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكيانات الصهيونية في الوطن العربي

 

     كلنا يعلم أن الوطن العربي ذو موقع إستراتيجي عالمي . وهذه الحقيقة الجيوسياسية المفروغ منها أدت إلى هجمة غربية شرسة على هذه البقعة العربية الهامة على خارطة تشكيلات السياسة والطاقة والأمن .

     ومن هنا نفهم الخلفية الفكرية لاحتلال فلسطين والعراق ، ومحاولة تفكيك دول المنطقة على أسس طائفية وعِرقية ليسهل السيطرة عليها. فالشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة ، أما الشجرة الميتة فلا أحد يعيرها انتباهاً . وهذا يدل على حيوية المنطقة العربية وأهميتها ، مما جعل الغزاة يحلمون بها في كل الأوقات ، ويخططون بكل جهد للسيطرة على مفاصلها السياسية ، وثرواتها الطبيعية وعلى رأسها النفط .

     لذلك جاءت فكرة زراعة قاعدة عسكرية ( العدو الصهيوني ) في المنطقة ليكون رأس حربة متقدمة للاحتلال الغربي التوسعي ، حيث يفصل آسيا العربية عن إفريقيا العربية للحيلولة دون تكوين وحدة اتصال جغرافية متماسكة من الخليج إلى المحيط ، وأيضاً تكون هذه القاعدة العسكرية الصهيونية قريبةً من منابع النفط ليسهل الوصول إلى المنطقة في حال حدوث أمر طارئ.

     لكن قوى الاحتلال الغربي التقليدية ( بريطانيا وفرنسا ) برفقة أمريكا وريثة إمبراطوريات الهيمنة والابتزاز السياسي والتوسع الهستيري أدركت منذ مدة بعيدة التكلفة الباهظة لوجود قوات عسكرية غازية على الأرض العربية ، فاخترعت أنظمةً عميلة لها ، عربية الملامح صهيونية الباطن والولاء ، تحمل أسماء عربية ومسلمة تقوم بتنفيذ الأجندات الغربية الاحتلالية حرفياً باسم الحضارة والتحديث والازدهار والديمقراطية وحقوق الإنسان .

     وهذه اللعبة موجودة عبر أطوار التاريخ ، وتختلف تفاصيلها باختلاف الثقافات والتقاليد . فالنازيون _ مثلاً_ حينما احتلوا فرنسا ، لم يقوموا بحكمها مباشرة ، بل أقاموا حكومة فيشي الفرنسية الموالية للنازيين . وقد قامت أمريكا بنفس الفعل في أفغانستان ، فقد أحضرت كرزاي الأفغاني البشتوني كدمية في يد أسياده ، وحاكم شكلي لأفغانستان التي تم تقديمها " واحة للديمقراطية قامت بتحرير المرأة من طالبان المتوحشة المضادة لحقوق الإنسان والمرأة " . فصار كشف وجه المرأة الأفغانية هو القضية الإستراتيجية العالمية التي تقلق عباقرة التنظير السياسي في الأمم المتحدة. ولم يتحدث أحد عن خمس الأمريكيات اللواتي تعرضن للاغتصاب، وأن المومسات في الغرب صارت لهن نقابات تدافع عن حقوقهن ، وأن مهنة البغاء مكفولة في الدساتير الغربية ، وتدعم الاقتصاد الوطني عبر دفع الضرائب في موعدها ! .

     وكل هذا النفاق والكيل بمكيالين يتم تأطيره وفق إفرازات سياسية لشرعنة الاحتلال، وإيجاد شرعية للتدخلات الخارجية ، وتحويل الحكام المرتزقة الموالين للاحتلال إلى دمى في مسرح للعرائس يتم تحريكها من وراء الستار .  

     ووفق هذه الألاعيب التي يقوم بها الغزاة يمكن إدراك فلسفة خروج المحتلين من الباب ، ودخولهم من النافذة مصبوغين بمكياج الحضارة وأقنعة المدنية . وهذا الدخول عبر النافذة تم تجسيده على شكل أنظمة عربية متصهينة تؤدي خدماتها لأسيادها نظير بقائها في سدة الحكم، وأن تظل حاكمة على رقاب العباد حتى يوم القيامة، وتتحكم بكل موارد البلاد وفق نظام آلهة وحاشية مقدسة ينهبون الثروات بالطول والعرض، ولا يُسألون عما يفعلون . وهم مرتاحون لهذه "التنمية الوطنية" لأن الغرب يوفر لهم غطاءً في المحافل الدولية ، ويمنع الاعتراض عليهم ، أو تعريضهم للنقد ، ضمن خطة نفاق سياسي مدفوعة الثمن مسبقاً . وهذا يبرز أكاذيب الغرب في الترويج للديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات ، واحترام حقوق الإنسان .

     فالغرب أكبر داعم للأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي. والطواغيت الأعراب الذين يبيدون شعوبهم يتجولون بكل أريحية في أمريكا وأوروبا ، ويتم استقبالهم على أعلى المستويات ، ليس حباً فيهم أو من أجل سواد عيونهم وملامحهم العربية التي تُذكر بعوالم ألف ليلة وليلة ، وإنما من أجل استمرارهم في أداء المهام الموكلة إليهم في تجذير العالم العربي كدمية في يد الاحتلال الغربي الجاثم على الصدور . 

     وفي ظل هذا الانكسار ليس غريباً أن تتكرس الصهيونية الأعرابية ( النسخة العربية من المحافظين الجدد ) وفق كيانات عربية متصهينة أشد خطراً من الكيان الصهيوني في فلسطين ، لأنها هي التي دعمت الاحتلال لفلسطين، وقامت بحمايته عبر المراحل الزمنية المختلفة ، وقامت بإمداده بكل وسائل الحياة والاستمرارية . ولم يكن الاحتلال ليجد له موطئ قدم في أرض ترفضه لولا مساعدة الكيانات الصهيونية الأعرابية التي خيَّرت نفسها بين قِبلة النبي الأولى وبين الكرسي ، فاختارت الكرسي .

     فالقاعدة الأساسية في هذا السياق السياسي المجنون هي : إن أقصر طريق لنيل رضا السيد الأمريكي يمر عبر رضا طفله المدلل " الكيان الصهيوني ". وبالتالي فلا بد من تقديم التنازلات _ حسب عقلية التخلف العربي _ لهذا الطفل المؤدب المتحضر المتعلم الديمقراطي ابن الحسب والنسب ! ، من أجل استمرار أنظمة الحكم العربية الرائعة في مسيرة النهضة والتحديث والتنمية والارتقاء بالوطن والمواطن بعد أن مات الوطن والمواطن !. وكما قيل : لا تلم الذئب إذا كان الراعي عدو الغنم .

 

11/3/2010م .

 

 

 

مشاريع التهويد والغطاء الرسمي العربي

 

     كل مشاريع التهويد التي تجري في القدس المحتلة إنما تتم وفق غطاء رسمي عربي غير مباشر . فرئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو يعرف مسبقاً أن الحاكم العربي عائش في دنيا الأحلام ، ولن يعترض مطلقاً على مشاريع التهويد وضم المساجد إلى التراث اليهودي سواءٌ طالت المسجد الإبراهيمي ، أو الأقصى ، أو حتى الكعبة .

     وكما يقال : من أَمِن العقوبة أساء الأدب . وهذه هي المرجعية الفكرية لسياسة الاحتلال الصهيوني الذي يعتدي على مقدسات رُبع البشرية من المسلمين دون أن يعبأ بهم في ظل تغييب منهجي لأصوات العلماء الحقيقيين والمؤسسات الدينية الكبرى. فالأزهر الشريف الذي يقمعه النظام المصري ويحاصره ويجعله بوقاً إعلامياً لتبرير سياسات الحزب الحاكم يتم تعيين شيخه من قبل رئيس عاجز في ألمانيا عن طريق الفيديو وأزرار التحكم عن بعد .

     ولم يتوقف الأمر عند استباحة المقدسات الإسلامية ، بل إن الاعتداءات على المقدسات المسيحية في فلسطين المحتلة متواصلة دون سماع كلمة عتاب أو نقد من الدول التي تضع الصلبان على أعلامها ، وتقول إنها متمسكة بتراثها المسيحي . حتى الفاتيكان المشغول بقضايا التحرش الجنسي بالراهبات والأطفال لم يجد الوقت لكي يدافع عن أماكنه المقدسة . وهذا يعكس نفاق الغرب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها عندما هُدمت تماثيل بوذا في أفغانستان في حين أنه لم يحرك ساكناً حينما قصف الاحتلال الصهيوني تمثال السيدة مريم في بيت لحم .

     إن المشكلة الأساسية التي تجعل الأمة العربية عاجزة عن حماية نفسها ترجع إلى قيام النظام الرسمي العربي بحشر نفسه في ثنائية ( إما السلام أو السلام ) على الرغم من أن الجميع يعلم أن اتفاقيات السلام حِبر على ورق لا أكثر ولا أقل . ولا يوجد بلد _ في تاريخ الوجود البشري _ نال الاستقلال والحرية من المحتل باتفاقيات السلام. ونحن نعرف كيف تحررت الجزائر من فرنسا ، وكيف تحررت مصر من بريطانيا،وكيف تحررت فرنسا من ألمانيا، وكيف تحررت أمريكا اللاتينية من إسبانيا.

     لكن انعدام البدائل والخيارات الإستراتيجية في المنظومة الرسمية العربية جعل الوطن العربي عائشاً تحت صدقات المحتلين ، ولقمة سائغة في أفواه الطامعين . تماماً كالمرأة المغتصبة التي لم تجد رجلاً يدافع عنها .

     وهنا تظهر أهمية الجماهير في قيادة فعل المقاومة، لأن التعويل على النظام الرسمي لقيادة الأداء التحريري إنما هو مضيعة للوقت وتعويل على جثة هامدة . فالحاكم العربي حسم خياره باتجاه تقديس الكرسي والحفاظ عليه حتى الرمق الأخير سواءٌ هُدم الأقصى أو هُدمت الكعبة .

     وحينما يأتي الحديث عن الفعل الشعبي يتبادر إلى الذهن مشروع الانتفاضة كحالة شعبية سامية رافضة للاحتلال تأخذ زمام المبادرة دون انتظار الخطب الرنانة الجوفاء القادمة من هنا وهناك، وبيانات الشجب والإدانة من سماسرة السياسة والمتاجرين بدماء الشعوب المنطفئة .

     وقد شاهد العالم أجمع عبر أطوار الانتفاضة الفلسطينية شعباً رافضاً للاحتلال يفضح سياسات الكيان الصهيوني الذي يصور نفسه كواحة ديمقراطية متحضرة في وسط صحراء رعيان الغنم . كما يفضح الأنظمة العربية المتواطئة مع الاحتلال التي ترصف الطريق أمام الغزاة لكي يمروا .

     لكن الوضع الحالي في الضفة المحتلة قد يعيق قيام انتفاضة لعدة أسباب من أهمها:

     1) إن الجنرال دايتون هو الحاكم الفعلي للضفة وهو موجود لكي يحافظ على أمن "إسرائيل" عن طريق تدجين قوى الأمن الفلسطينية وتوجيهها نحو حماية المحتل واستئصال المقاومة نظير بعض الامتيازات وبطاقات ال V.I.P ، ودفع رواتب أكثر من مئة ألف موظف في السلطة، ووعود كاذبة بإقامة دولة فلسطينية لن تأتي ، والسماح بحرية السفر والحركة لمسؤولي السلطة بإذن الاحتلال .

     2) غياب الآباء المؤسسين عن حركة فتح الذين قادوا مسيرة النضال والكفاح المسلح مثل (  أبو عمار ، أبو جهاد ، أبو إياد ). كما أن حركة فتح التي تسيطر_ شكلياً _ على الضفة المحتلة خلعت المبادئ الثورية التي تزامنت مع إطلاق الرصاصة الأولى عام 1965م ، خصوصاً أن قادة السلطة الحاليين من الصف الثاني والثالث في حركة فتح التاريخية ، ولم يُعرف عنهم ممارسة الكفاح المسلح أو التأثير في تاريخ الثورة الفلسطينية عبر العقود الماضية . ومن لم يعرف مسك المسدس في الحروب لن يعرف التوقيع على معاهدات السلام .  

     3) خوف حركة فتح من سيطرة حركة حماس على أية انتفاضة قادمة بما لها من ثقل إسلامي، وتواجد في المساجد القادرة على حشد الجماهير ، وتجييش الشارع للدفاع عن المقدسات ، والتعبئة الشعبية للانتفاضة والتحرك الفاعل .  

     4) غياب الإسناد العربي والإسلامي لأي فعل مقاوِم، فأمريكا تحرك الأنظمة العربية بالريموت كنترول ، ولا يمكن لجامعة الدول العربية أن تعقد اجتماعاً إلا بموافقة أمريكية ضمنية تضمن عدم المساس بمصالح العدو الصهيوني ومن يقف وراءه. وفي ظل هذا الوضع البائس قد تتم التضحية بالمسجد الأقصى مقابل البقاء في سدة الحكم كما تمت التضحية بالأندلس من قبل .

     ومسؤولية حركة فتح في هذه اللحظة الزمنية أكبر بكثير من مسؤولية حركة حماس ، لأن حركة حماس _ بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها _ حافظت على إبقاء قطاع غزة كأرض فلسطينية نقية بدون مستوطنات أو تواجد صهيوني ، في حين أن حركة فتح المتواجدة في هرم السلطة في الضفة لم تقدر على حماية القدس الشرقية التي هي عاصمة الدولة الموعودة . مع العلم أن كلا الحركتين عصفوران يتقاتلان في نفس القفص .

     وفي هذا السياق ينبغي إعطاء الجماهير الفرصة الحقيقية لحمل عبء التحرر والتحرير عبر انتفاضة جديدة تكسر ثنائية الاختيار الموجودة في أذهان بعض المتخاذلين ( المسجد الأقصى أو سيارة المرسيدس ) ، لأن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تساوم على حريتها وكرامتها ، بل تندفع باتجاه هدف محدد وهو التحرر . وهذا لن يحدث إلا بحل السلطة الفلسطينية التي كانت اختراعاً هلامياً ومضيعة للوقت ، ووصفة سحرية لتلميع وجه الاحتلال ، وزيادة التهويد ، وقضم الأرض طيلة عقدين من الزمن ضمن فوضى مفاوضات عبثية .

     أما الهروب من التحديات المصيرية فلن يجدي نفعاً. وكان حرياً برئيس السلطة ألا يغادر إلى عمان في هذا الوقت الحساس هروباً من الاستحقاق على الأرض كما كان يفعل الرئيس المصري الذي يترك مصر تحترق ثم يذهب إلى شرم الشيخ للرفاهية .

     لذلك فإن حل السلطة الفلسطينية سيحفظ ماء وجه حركة فتح ، ويعيد لها كثيراً من الحس الثوري الغائب، ولن يخسر الفلسطينيون شيئاً بإعلان الانتفاضة الشاملة، فلا دولة يخافون عليها ، فالأرض يتم بلعها شبراً شبراً . ففي الواقع لن يخسروا سوى قيودهم . وإذا لم تحدث حركة شعبية عارمة، فإن احتمالات الترانسفير، وتأسيس الوطن البديل، ومحاصرة قادة السلطة كما حدث مع عرفات ، وضياع القِبلة الأولى بالكامل ، سوف تتضاعف بشكل مخيف . فعلى الفلسطينيين أن يقودوا معركتهم بأنفسهم ضد الاحتلال ، فلا أحد سيأتي لكي يدافع عنهم .

     كما إن إجراءات حل السلطة هي اتفاقية المصالحة الحقيقية التي ستعمل على توحيد الشعب الفلسطيني بكل أطيافه ، وتوحيد حماس وفتح وباقي الفصائل ضمن قالب تحريري واحد ذي مسار فاعل وهدف مصيري مشترك ، وعودة غزة إلى الضفة ، وعودة الضفة إلى غزة .

     فالشعب الفلسطيني بكل أطيافه لا يمكن أن يتوحد إلا حول المقاومة . وقد رأينا عرفات وجورج حبش كيف اتفقا على فعل المقاومة ضمن منظمة التحرير على الرغم من الاختلاف العقائدي بين فتح والجبهة الشعبية . فالمقاومة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، وسوى ذلك ستصبح فلسطين هي الأندلس الثانية ، ولن ينفع البكاء عندئذ ، أو العتاب بين مشعل وعباس ، أو التسول على أبواب مجلس الأمن ، واستجداء سماسرة الشرعية الدولية .

 

22/3/2010م .   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سيرك القمة العربية

 

     لا توجد أمة في العالم تدمر نفسها بنفسها مثلما تفعل الأمة العربية المحكومة من قبل أنظمة عاجزة عن تحقيق أي نجاح .

     فغياب الإصلاح والعدالة الاجتماعي أدى إلى انهيار الجبهة الداخلية، وتفكك المجتمع، وتكاثر الأزمات التي تهدد السلم الاجتماعي، وتنذر بعواقب كارثية سيدفع ثمنها الحاكم والمحكوم على السواء .

     وتأصيل الفساد وسوء الإدارة في البلاد العربية من رأس الهرم السياسي وحتى القاعدة جعل من العلاقة بين المواطن والوطن مجرد زواج متعة دون شعور بالانتماء أو الارتباط الحتمي المصيري.

     واختفاء مشروع التحرر والتحرير أقنع الفرد العادي بأنه لا توجد دولة تدافع عنه وترعى مصالحه، ولا يوجد جيش قادر على حماية المقدسات والحدود، وتأمين حياة المواطنين .

     وهذا العجز الشامل أدى إلى تحويل المشهد العربي إلى كوميديا سوداء تثير الضحك، وكما يقال : "شر البلية ما يضحك". وللأسف فإن هذا العجز أخذ منحى هستيرياً وصل إلى كل المرافق الحيوية، وانعكس سلباً على صورة العرب الذين يظهرون غير قادرين على الدفاع عن هويتهم ومقدساتهم وشعوبهم .

     وفي ظل هذه الأجواء الكارثية الهزلية يفترض بالقمة العربية أن تكون طوق النجاة الذي ينتظره الغريق بفارغ الصبر من أجل خلاصه. لكن الواقع يقول غير هذا. فالقمة العربية هي عبارة عن سيرك للترفيه، ومسرحية لرفع العتب، وتجميع شيوخ القبائل لاستعراض إنجازات كل قبيلة في هذا الأفق المفتوح للغزاة الذين يسرحون ويمرحون. فصار مؤتمر القمة أشبه بسوق عكاظ في الجاهلية، حيث الشعراء يتبارون لإظهار محاسن كل قبيلة ، وتلميع صورتها ، من أجل تحقيق بعض

المكاسب الشخصية وزيادة النفوذ .

     فالوطن العربي مثل امرأة مات زوجها القوي، فصارت محل نظر الرجال الطامعين فيها، فلا هي قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا يوجد رجل يحميها من نظرات الآخرين . ولا يأتي هذا الكلام في سياق التشاؤم أو السوداوية ، فالنظام الرسمي العربي جعجعة بلا طحن .

     فالذي يريد التحرك بفاعلية وصدق عليه أن يتخذ خطوات عملية على الأرض. وفي تاريخنا العربي المعاصر نماذج حية على تحركات حقيقية. فملك السعودية الراحل فيصل بن عبد العزيز (1906م - 1975م) كان قد هدد الغربَ بإغلاق جميع آبار النفط إذا لم تعد القدس للمسلمين،

وفي عام 1973م قاد حملة قوية ترمي إلى قطع النفط عن أمريكا والدول التي تدعم " إسرائيل"، وقامت مجلة 'التايم' الأمريكية بتسميته "رجل العام" .

     وملك الأردن الراحل حسين بن طلال (1935م - 1999م) أجبر نتنياهو على إحضار الدواء للسيد خالد مشعل بعد محاولة اغتياله في عَمان على أيدي عملاء الموساد (1997م)، وهدد بإلغاء معاهدة وادي عربة، مما اضطر نتنياهو المتعجرف إلى الخضوع والاستسلام .

     حتى الزعيم الليبي معمر القذافي استخدم ورقة العلاقات الاقتصادية للضغط على أمريكا بعد تصريحاتها المستهزئة بإعلانه الجهاد على سويسرا. والعجيب أن الزعيم الليبي أعلن الجهاد بسبب خلافات شخصية لكنه لم يفكر في اتخاذ أي قرار حاسم بشأن احتلال قِبلة النبي الأولى .

     أما في هذا الزمن المعاصر فلم يعد الحاكم العربي مستعداً للتضحية من أجل قضايا الأمة، فعاد سيناريو ضياع الأندلس واقعاً ملموساً، وعادت شخصية آخر ملوك الأندلس المسلمين أبي عبد اللَّه الصغير (1460م - 1527م) على شكل حكام أعراب معاصرين سَلَّموا مفاتيح القدس لأعدائهم مجاناً، والكل يتغنى بالدفاع عن المقدسات. ففي كل زاوية أمير للمؤمنين، والمؤمنون يتم ذبحهم بدم بارد. لذلك صار الشعار الرسمي للواقع العربي المعاصر " ابكِ كالنساء مُلكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال" .

     أما غياب ثمانية زعماء عرب عن مؤتمر القمة فهو دليل باهر على عدم أخذ شأن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية بالجدية المطلوبة، في حين أن الاجتماعات العربية التي تستهدف محاربة ما يسمى بالإرهاب لا يتخلف عنها أي مسؤول، بل يأتي قبل الموعد للاستعداد الذهني والبدني .

     فالحقيقة الصادمة التي يتهرب منها الكثيرون أن غالبية الحكام العرب مستعدون للتضحية بالمسجد الأقصى والقدس كاملة مقابل البقاء على الكرسي. لكن هؤلاء لا يعلمون أن ضياع القدس سيعرض كراسي الحكم إلى الاهتزاز والزوال. ومهما حاولوا وأد الانتفاضة في مهدها لضمان استمرار حكمهم، فهذا دفن النار تحت الرماد، وموعد التفجير غير مضمون، لأن المشكلة لم يتم حلها جذرياً .

     والقاعدة الأساسية في العمل العربي المشترك أن مصر هي القائدة، لكن المشكلة تحييد مصر تماماً عن القضايا العربية بعد اتفاقية الاستسلام في كامب ديفيد، لذا يجب الضغط على مصر (القاطرة الأولى) من أجل التحرك لكي يسير القطار العربي. وفي حال رفض مصر للقيام بدورها القومي والديني ينبغي نقل مقر الجامعة العربية من مصر كما حدث بعد " كامب ديفيد"، وتأسيس منظومة إقليمية جديدة تتضمن تركيا وإيران ودول الممانعة وحركات المقاومة، مدعومة من أحرار العالم مثل فنزويلا، وذلك للحفاظ على هوية هذه المنطقة قبل أن تصبح الأندلس الثانية، لأن الفلسطينيين لوحدهم لن يقدروا على تحقيق شيء خصوصاً بعد تقزيم قضية فلسطين وجعلها قُطرية، ومجردة من بعدها العربي والإسلامي .

30/3/2010م .

علماء السلاطين

 

     إن الأنظمة البوليسية في كل مراحل التاريخ تنظر إلى الدين باعتباره الأساس القادر على حشد الجماهير وتوجيههم. ولأن الحكام العرب حريصون على تثبيت عروشهم حتى يوم القيامة ، فإنهم يحرصون على السيطرة على المؤسسات الدينية ، واستقطاب علماء السلاطين الذي يُفصِّلون الفتاوى حسب مزاج الطغاة والعصابة الحاكمة بالحديد والنار ، ويوجِّهون الآراء الفقهية نحو بوصلة الراتب الشهري . 

     ونحن نجد في الوطن العربي أن المؤسسات الدينية تابعة للحكومة ليس لها صوت مستقل ، بل هي تتكلم بأمر السلطة السياسية . وقد فهم الحكام أهمية توظيف الدين لصالح تثبيت سلطتهم ، وأهمية ارتباطهم بالقيم الدينية _ ظاهرياً _ لجذب الرأي العام ، وحشدِ الجماهير حولهم .

     ولدينا أمثلة باهرة من الشرق والغرب. فقد ظهر في ثقافتنا ألقاب من قبيل: الحاكم بأمر اللَّه ، والواثق باللَّه ، ... إلخ . وفي الغرب ظهر الإمبراطور شارل الخامس بلقبه " حامي الكنيسة الكاثوليكية " . حتى إن الملكة إليزابيث رأس النظام السياسي في بريطانيا هي ذاتها رأس الكنيسة على الرغم من علمانية النظام البريطاني _ شكلياً _ .

     وتوظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية إنما يأتي في سياق توفير شرعية للحكام، وتبرير أفعالهم ، وإقناع الناس بأهمية وجودهم كحماة للحضارة والتاريخ .

     وفي هذا السياق ظهر الصراع على الأزهر الشريف باعتباره أعلى مؤسسة إسلامية في العالم . فقام النظام المصري بتوجيه سياسة الأزهر نحو شرعنة أفعال الحزب الحاكم ، واختراع غطاء شرعي لها . وخضوعاً لتوجهات السلطة السياسية فقد وُلد أزهر جديد بعد اتفاقية كامب ديفيد لكي يجاريَ المرحلة السياسية الجديدة من " السلام الإستراتيجي مع أبناء العم " .  

     فشيخ الأزهر الراحل طنطاوي استطاع في نصف ساعة أن يلم شمل مجمع البحوث لتأييد بناء الجدار الفولاذي الرامي إلى إبادة سكان غزة ، لكنه لم يتفوه بكلمة طوال تاريخه حول تحرير المسجد الأقصى الذي هو آية من القرآن الكريم، رغم أن طنطاوي يحمل الدكتوراة في التفسير !.

     ومؤخراً قامت هيئة كبار العلماء في السعودية بإيعاز من السلطات بتجريم تمويل ما يسمى بالإرهاب ، لكننا لم نسمع عن تجريم احتلال بلاد المسلمين ، ولم يتحدث أصحاب الفضيلة عن تحرير القِبلة الأولى ، وعن مليون قتيل في العراق ، وقتل المدنيين في أفغانستان ، ونهب ثروات المسلمين في الشرق والغرب ، والأنظمة القمعية التي باعت البلاد والعباد في سوق النخاسة .

     إن علماء البلاط الذين أداروا ظهورهم لقضايا الأمة المصيرية ، واكتفوا بفتاوى الحيض والنفاس ، وبأي رِجل تدخل دورة المياه ، هم انعكاس طبيعي لتخلف الأمة ، وانهيارها على كافة الأصعدة . ووجود هؤلاء العلماء المرتزقة في أماكن صنع القرار في العالم الإسلامي يُعتبر أفضل تجنيد للشباب في تنظيم القاعدة ، وباقي التنظيمات المسلحة المؤمنة بحمل السلاح ضد الدولة .

     فالشباب العربي والمسلم فقدوا ثقتهم بأكاذيب الديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، والمستقبل المزدهر ، واختفاء البطالة ، والتنمية البشرية ، ودولة القانون والمؤسسات ، والرجل المناسب في المكان المناسب . واقتنعوا بأن هذه الخرافات مجرد مخدرات سياسية لكسب الوقت من قبل النظام الحاكم واستمراره حتى يوم القيامة .

     كما أنهم فقدوا الثقة بعلماء السلاطين أصحاب أجندة المصالح الشخصية ، والذين يستخدمون الدين لشرعنة وجود الطغاة وعدم معارضتهم ، وتخدير الناس ليسهل ذبحهم . وهذا دفع الشباب إلى شيوخهم الخصوصيين ، واعتناق فكر التكفير ، وقلبِ أنظمة الحكم بقوة السلاح ، وعدم التمييز بين الجهاد والإرهاب ، فلم يعد يعنيهم التمييز بين عسكري ومدني .

     ولو كان الأزهر صاحب كلمة مستقلة لرأيتَ الجميع يخضعون لما يصدر عنه ، ولكن الكل يعلم أن الأزهر تم إعادة تفصيله حسب مقاس الحزب الحاكم ، والرؤيةِ الإستراتيجية العبقرية لجمال مبارك وأحمد عز ! .

     وليس أدل على ذلك من كَوْن شيخ الأزهر غير المنتخَب الدكتور أحمد الطيب عضواً في لجنة سياسات الحزب الحاكم . وبفعل الضغط عليه استقال من الحزب ضمن مسرحية مكشوفة لا تنطلي على أحد . وهذا يدل _ بلا شك _ أن الأزهر تم اختطافه من الحزب الحاكم ، وتم إدخاله شاهداً على زواج الثروة بالسلطة .

     ولأن مصر الآن هي إيران الشاه ، بلا وزن عربي أو إسلامي ، فلا بد من التفكير جدياً في عملية نقل الأزهر من مصر ، لكي يتحرر من سُلطة الدولة البوليسية الخاضعة للإملاءات الصهيوأمريكية ، ويقوم بدوره القومي والديني نحو التحرر والتحرير .

     أما التغني بأمجاد الماضي فلا يمكن أن يؤثر في مسار الحاضر . فلم تعد تنفع المقارنة بين شيخ الأزهر الراحل عبد الحليم محمود الذي كان يحشد الرأي العام ضد العدو الصهيوني في حرب 1973م ، وبين شيخ الأزهر الراحل طنطاوي الذي صافح رئيس الكيان الصهيوني ، وأيد جدار التطهير العرقي بحق أهل غزة ، لأن الواجب هو الخروج من دائرة الكلام التاريخي إلى الفعل الواقعي المعاصر .

 

19/4/2010 م .

 

 

 

 

إيران ستمتلك القنبلة النووية

 

     لا يملك المتابع لملف إيران النووي إلا أن يعترف بعبقرية السياسة الإيرانية في المناورة ، وكسب الوقت ، والقدرة على التحرك في أكثر الزوايا ضيقاً ، وإتقان أساليب اللعب من الدول الكبرى . وهذا الأداء السياسي ينبع من القوة الذاتية لإيران التي استطاعت الاعتماد على نفسها في تطوير صناعاتها العسكرية، وقوتها الصاروخية . 

     ولا يخفى أن إيران تستغل غرق أمريكا في العراق وأفغانستان لتعلن استمرار برنامجها النووي، ضاربةً بعرض الحائط قرارات الأمم المتحدة ولهاث المسؤولين الغربيين. ولو كان الغربُ قادراً على لوي عنق إيران وقمعها لفعل ذلك مباشرة دون الحاجة إلى مفاوضات وتنازلات ومشاريع بديلة مقدَّمة لإيران . فما يجري هو كسبٌ للوقتِ من جهة إيران التي تتقن اللعبة بحرفية عالية .

     وهناك قانونٌ أساسي عام في كل مكان وزمان ، وهو أن الغرب لا يُقدِم على مفاوضات  وتقديم عروض وحوافز إلا إذا كان موقفه ضعيفاً ، فلو كان قوياً بما فيه الكفاية لأوقف أي جهة معارِضة له فوراً دون الحاجة إلى طاولة مفاوضات، وتقديم بعض الأطعمة والأشربة على طاولات غداء العمل أو العشاء ، ونشر بعض الضحكات والابتسامات الصفراء أمام كاميرات وسائل الإعلام ، فهذا كله يعكس المأزق الغربي عموماً، والأمريكي خصوصاً ، ويطرح السؤال المتكرر : من الذي أعطى الحق لأمريكا وأذنابها بامتلاك عشرات آلاف الرؤوس النووية ، وإبادة اليابانيين بالأسلحة النووية ، ومنع باقي الدول من التسلح نووياً ؟! .

     ويرافق الارتباك الغربي صعودُ نجم إيران كقوة نووية ضاربة في المنطقة وقلعة ضد الإمبريالية ، في ظل إحالة الدول العربية إلى التقاعد ، والتي صارت عاطلة عن العمل ، نتيجة السياسات الاستبدادية للحكام الأعراب الذين أعادوا البلاد إلى العصر الحجري ، وجعلوا منها ظلاً باهتاً لما يسمى بإسرائيل . فأضحت الدول العربية الكرتونية مزرعة للحاكم وعائلته المعصومة وحاشيته المقدسة ، حيث الفشل الشامل في السياسة والاقتصاد والتعليم وباقي المجالات . وهذا خلق فراغاً هائلاً في المنطقة أَفسح المجالَ لإيران كي تكون اللاعب الأساسي .

     فالفوضى الخلاقة في الوطن العربي منحت إيران كل الأوراق على طبق من ذهب ، خصوصاً بعد تآمر بعض العرب على العراق الذي كان البوابة الشرقية للعالَم العربي . وبانتحار العراق كُسرت هذه البوابة. فدخلت إيران لكي تلعب دور الأب للأمة العربية اليتيمة.ولو وجدت إيران في طريقها دولاً سيادية ذات وزن إقليمي وعالمي لما قدرت على زراعة نفسها في المحيط العربي.

     وعلى الرغم من هذه الحقائق فلا فائدة للعرب في تصنيف إيران كعدو ، فمن مصلحتهم وجود إيران قوية لا توسعية . ومن مصلحتهم كذلك الدخول مع إيران في مظلة أمنية واحدة ، لأنها القلعة الأخيرة التي تملك أن تقول : (( لا )) . لكن البعض يتخوف من سيطرة إيران على الخليج وابتلاعه . وهذا تحليل مبالغ فيه . فباكستان دولة نووية سُنِّية مجاورة لإيران، ومع هذا لم تسيطر على الشيعة ، وتفرض نفوذها عليهم .

     وعندما تمتلك إيران السلاح النووي لن تقدر على ابتلاع الخليج ، لأنه بحر النفط . وكما هو معلوم فإن النفط هو العمود الفقري للحضارة الغربية . وإذا حدث تهديد لمنابع النفط فإن الغرب وأوله أمريكا سوف يتدخل فوراً ، ليس حباً في دول الخليج ، بل حباً للنفط . وهذا ما حصل عندما غزا صدام الكويتَ ، فقد تدخل الغرب ليس حباً في الكويت ، بل تقديساً للنفط .

     وأيضاً وجود إيران نووية سيدفع دول المنطقة مثل مصر والسعودية لدخول النادي النووي من أجل صناعة معادلة الردع النووي المتبادل وفق منظومة سباق التسلح . فمثلاً ما كان لباكستان أن تصبح دولة نووية لولا ظهور الهند كقوة نووية، مما اضطر باكستان لإيجاد قود ردع، فكرَّست وقتَها لامتلاك السلاح النووي، وهذا ما حصل . فالحاجة أم الاختراع .

     أما مبالغة أمريكا في رسم إيران كفزاعة فيهدف بالدرجة الأولى إلى بيع دول الخليج أسلحة ، لكي تزدهر مصانع السلاح الأمريكية ، ومحاولة دفع دول المنطقة إلى التكفل بتمويل الحرب على إيران ، كما تكفلت بتمويل الحرب على العراق ، لأن الحاكم العربي مستعد أن يُضَحِّيَ بأي شيء مقابل بقائه على الكرسي . وهذا هو دَيْدَن الأنظمة الدكتاتورية في العالَم كله .

     إن الأمة العربية تقامر بمستقبلها ، والأمم قد تقامر بأي شيء إلا مستقبلها . ولكن غياب القائد الرمز المحوري في العالَم العربي جعل منه مساحةً جغرافية لا وزن لها دولياً ولا إقليمياً . ونحن بحاجة إلى تجمع عربي إقليمي مُنَظَّم وفاعل يضم تركيا وإيران لإعطاء زخم للوطن العربي المهزوم ، وإلقاءِ طوق النجاة لهذه الكتلة الجغرافية الضخمة الضائعة في الصحاري ، وإنقاذِ ما يمكن إنقاذه ، وتحسينِ صورته في المحافل الدولية ، لأن الدول العربية التي انضوت في المحور الصهيوأمريكي تُنفِّذ أجندةً خارجية مرسومة في أروقة الخارجية الأمريكية معادية للمشروع العربي الإسلامي، وهذا سيقضي على الحلم العربي في التحرر والتحرير . فالتحالف مع إيران هو الخيار الإستراتيجي للدول العربية إذا أرادت التخلصَ من قيود عبوديتها لأمريكا ، مع وجود مسافة وقائية تردع إيران من تنفيذ مخططاتها التوسعية .

     والمؤسف حقاً أن الدول العربية تُلدغ من نفس الجحر مئات المرات ، فهي تتعرض لعملية نصب سياسي كما حدث في " سايكس بيكو " ، وتغرق في خدعة " الحرب على الإرهاب " التي كانت عملية احتيال واضحة لترسيخ عودة الاحتلال الغربي وتجذيره بشكل متزامن مع تواطؤ رسمي عربي .

     ومن المؤكد أن أمريكا لن تأتي لإنقاذ العرب ، وسوف تخلف وعودها للعرب كما فعلت بريطانيا أيام الشريف حسين بن علي . فأمريكا التي أقنعت دول الخليج بأهمية إزاحة صدام حسين الذي تم تصويره كخطر داهم ، قد سلَّمت العراق لإيران، وها هي تستعد للهرب منه _ بعد أن أعادت تصميمه وفق الطراز اللبناني _ ، كما هربت من الصومال في بداية تسعينات القرن العشرين ، وبالطبع ستترك العرب يواجهون مصيرهم المجهول .

     أضف إلى ما سبق أن إيران قد وصلت في الطريق النووي إلى نقطة اللاعودة ، وسوف تستمر حتى امتلاك السلاح النووي ، ولو استطاع الغرب إيقافها لأوقفها منذ مدة طويلة ، لكنه لا يملك الأوراق اللازمة لكبح طموحها النووي . فالغرب كاملاً برفقة " إسرائيل " لم يقدروا على منع باكستان ( الدولة الفقيرة ) من التسلح نووياً، فكيف سيكبحون جماح إيران ( الدولة الغنية ) ؟!.

     فعلى العرب أن يتحالفوا مع إيران قبل أن يخرجوا " من المولد بلا حمص " ، وتصبح دول الخليج مثل العراق حيث القبائل والطوائف تتناحر ، وتتصارع على احتكار الكراسي الوهمية . ولن تحميَهم القواعد الأمريكية في الخليج لأنها في مرمى الصواريخ الإيرانية . ولا تنفع المشاريع النووية العربية التي نسمع عنها هنا وهناك بمساعدة دول غربية ، لأنها مسرحية مكشوفة لاختراع حالة توازن فاشلة مع إيران . ولا ينفع الرهان على ضرب المواقع الإيرانية النووية لأنها ليست مفاعل تموز العراقي ، كما أن إيران قادرة على امتصاص الضربة الأولى _ في حال وقوعها _ ، وقادرة كذلك على إعادة بناء قدراتها الذرية، لأن التقنية النووية موجودة ، والإمكانيات موجودة، وأسس الصناعة النووية ثابتة . فلن تتأثر الشجرة بسقوط أغصانها إذا كانت جذورها راسخة ، وكل ضربة سطحية لا تمس العمود الفقري للمشروع النووي يمكن استيعابها بسهولة ، ناهيك عن ردة الفعل الإيرانية العنيفة التي تتضمن إغلاق مضيق هرمز تحت الغطاء الصاروخي الكثيف ، وهو أهم طريق لإمدادات النفط العالمية ، إذ تعبره ناقلة نفط كل ست دقائق تقريباً . بالإضافة إلى قصف القواعد الأمريكية في الخليج ، وتحرك رجال إيران المؤثرين في العراق ، واندفاع المقاومة اللبنانية في عمق فلسطين المحتلة .

     فينبغي على العرب عدم تكرار سيناريو التآمر على الدولة العثمانية لصالح القوى الغربية ، لأنهم بذلك يقامرون بمستقبلهم ، ويرمون أنفسهم في قيود العبودية عن سبق الإصرار والترصد . وعلى الحاكم العربي أن يستيقظ قبل أن يلاقيَ نفس مصير الرئيس العراقي السابق صدام حسين .

 

24/ 4/ 2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الديمقراطية البدوية

 

     ما زالت العقلية السياسية العربية محصورة في بدائية ردود الأفعال الارتجالية دون وجود منظومة تخطيط متكاملة . وهذا يعود إلى عدم وجود دولة عربية على الأرض الواقع . فهذه الكيانات السياسية المنتشرة من الخليج إلى المحيط عبارة عن قبائل تتقمص قناعَ الدولة المدنية المتحضرة .

     وفي ظل هذه التداعيات السياسية السلبية يتكرس الحاكم العربي كشيخ قبيلة معصوم محاط بالحاشية المنافقة الموالية له . مما أدى إلى فراغ موحش في المناصب الحكومية ، وغياب الكفاءات القادرة على خدمة الأمة ، لأن التعيين يتم اعتماداً على الولاء الأعمى وليس الكفاءة والإخلاص. فأضحت الدولة العربية الكرتونية مزرعة للحاكم وأتباعه العائشين في الأبراج العاجية ، والمعزولين عن الشعب اللاهث وراء كسرة الخبز . فانتقل الفكر السياسي البدائي من الحزب الحاكم إلى العصابة الحاكمة ، ومن النظام الحاكم إلى الفوضى الحاكمة . ومن دولة القانون والمؤسسات إلى حكم القبيلة ، ومن البرلمان المشتمل على المعارضة إلى بيت الشَّعر الذي لا يقبل إلا بالموالين للعصبية القبلية دون تمييز بين الحق والباطل . وبالتالي فالدولة تُدار كإقطاعية للحاكم الذي يتصرف في موارد الدولة على أنها مُلْك شخصي . فتصبح مسألة إطعام الشعب أو تجويعه حقاً طبيعاً لرأس الهرم السياسي _ من وجهة نظره _ .

     فالسلطة السياسية تريد مجتمعاً من الأغنام يُقاد معصوب العينين إلى الذبح دون أن يعترض . وفي هذا السياق الاجتماعي المتزامِن مع انهيار مركَّبات الوعي الحتمي ، اعتاد المواطن العاطل عن الوطن على فوضوية المؤسسات الرسمية الغارقة في الفساد والنفاق والروتين الوظيفي، فدخل الفردُ في التدجين الرسمي الشامل ، فأمسى كائناً فارغاً مُجَوَّفاً لا تاريخ له سوى الخضوع والاستسلام ، يحلم بمستقبل مجهول شديد المخاطر ، لأن سياسة الأنظمة الحاكمة محصورة في اللحظة الآنية ، أي تثبيت حكم الزعيم القائد حتى الرمق الأخير ، وليكن الطوفان بعد ذلك . وهذه مسألة بالغة الخطورة لأنها تشتمل على ترحيل مشكلات الشعب المصيرية لا حلها ، ودفنِ النار تحت الرماد لا إطفائها .

     لذلك ظهر المواطن العربي بلا حول ولا قوة . كأنه كائن مُعَدَّل وراثياً . فصار انتحاره البطيء هو النواة المركزية والغلاف الفلسفي لحياته ، فهو لا يتخيل حياته بدون موت بطيء . وهكذا حصل النظام الحاكم على مراده بأن صنع كائناً خائفاً من الحرية والشورى ، مما جعل الفرد عدو نفسه ، وضد الآخرين . وهذا هو هدف الديمقراطية البدوية التي ترسم السياسة العامة للبلاد حول مركزية رأس العشيرة الحاكم المطلق .

     والإشكالية الصادمة في الفوضى السياسية العربية أن الدولة الشكلية تم نقلها إلى القبيلة . فلم تعد القبيلة وحدة اجتماعية فحسب ، بل صارت نظاماً سياسياً له دستوره الخاص المفروض على كل أنساق المجتمع . وهذا التسييس القاتل للمكونات الاجتماعية أدى إلى تغييب عناصر الولاء والانتماء للدولة الأم الحاضنة لجميع أطياف الشعب .

     فالمواطن يشعر بغربة شرسة في بلاده، لأنه يعتقد أن وجوده كعدمه، وأنه موضوع في الهامش، وسواءٌ حضر أما غاب فلن يعبأ به أحد . فصوته مصادَر في مسرحيات تزوير الانتخابات، وحياته الاجتماعية محصورة في عوالم رغيف الخبز ، وحقوقه السياسية مهدورة لأنه تربى على عدم الكلام في السياسة خوفاً من المشاكل الأمنية في ظل الدول العربية البوليسية .

     فصار الشباب العربي طوابير طويلة أمام السفارات الأجنبية هروباً من مجتمعاتهم الفاسدة من الرأس حتى القاعدة . والبعض يحاول الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر فيصبحون طعاماً للأسماك . وهذا يعكس حجم التحولات الكارثية في البلاد العربية . فمثلاً ، أثناء الحربين العالميتين كان الأوروبيون يهربون من جحيم بلادهم لكي يأتوا إلى مدينة كالإسكندرية لكي ينعموا بالثقافة والرفاهية والأمان . أما الآن فصار الشباب العربي يضع الهجرة على رأس أولوياته ، فهو ينظر إلى بلاده كسفينة تغرق ويريد أن يقفز منها ، أو كشقة مفروشة سرعان ما يغادرها دون شعور بالانتماء الحقيقي ، لأن السياسات الرسمية الفاشلة تقوم بالقتل المنهجي لروح الانتماء والمواطنة . فلا يمكن إقناع الفرد بحب الوطن وهو لا يجد رغيف الخبز. وبالتالي فقد تكرس الخلاص الفردي ، فكل مواطن يريد أن ينجوَ بنفسه .

     إن الأنظمة المخابراتية في الوطن العربي أسَّست مجتمعاً متخلفاً ، ومنهاراً على جميع الأصعدة . فالمجتمعات التي تعاني من القمع السياسي والكبت الجنسي هي نتاج الأنظمة البوليسية التي تنتهج سياسة " جَوِّع كلبَكَ يتبعك "، فهي لا تحترم آدمية المواطنين، بل تعتبرهم مجرد كلاب حراسة لحماية قصور شيوخ القبائل الحاكمين ، وحماية الحاشية العائشة كالذباب على نزيف الشعوب اللانهائي .

     لذلك تكرست فوضى المصطلحات . فصار ما يسمى بالوطن عبارة عن شعارات جوفاء ، وأغنيات في الأعياد ، واختراع إنجازات في الهواء . فمصطلح " الوطن " تم أدلجته لترسيخ حكم الطغاة، وشرعنة الفساد المتجذر، وإضفاء غطاء شرعي على عمليات استغلال الشعوب وسحقهم لصالح الطبقات المتنفذة في ظل غياب العدالة الاجتماعية . مما أدى إلى صناعة مجتمع الكراهية والعنف وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم . وهذه المجتمعات المفرغة من المعنى ، والمصابة بالشطط الطبقي ، تصنع عوالم اللاانتماء ، حيث يصير الأمين خائناً ، والخائن أميناً . ويصبح ما يسمى بالدولة إسطبلاً لعلية القوم الذين يذبحون الوطن باسم الوطن ، ويتاجرون بشعارات الوحدة الوطنية ، ودولةِ القانون والمؤسسات ، والتنمية الشاملة .

     أضف إلى هذا أن النظام السياسي القمعي في أي مجتمع إنما يعمل من أجل تثبيت وجوده لا وجود الشعب ، وزيادة دخله لا زيادة دخل الشعب ، وتحسين مستواه وحماية أرصدته البنكية عن طريق توظيف المؤسسات الأمنية لقمع الشعب لا حمايته . وهكذا تتأسس الدولة البوليسية البدوية التي تفكر نيابةً عن الشعب ، وتتخذ قراراتها باسم الشعب ، والشعب آخر من يعلم ! .

 

10/5/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قانون طوارئ أم تزوير إرادة الشعب ؟

 

     تقوم فلسفة قوانين الطوارئ وفق قاعدة سياسية ضد أحلام الشعب ، وهي تثبيت وجود النظام الحاكم وإفرازاته حتى الرمق الأخير ، وترحيل القضايا الكبرى العالقة إلى الأجيال القادمة لكي تغرق في معاناتها الشخصية ، وتقلع شوكها بيدها ، وتواجه مصيرها المحتوم المفتوح على المجهول والمغامرات الخطيرة .

     وفي هذا السياق تأتي عملية تمديد قانون الطوارئ في مصر الذي أدى إلى صناعة الدولة البوليسية القامعة لحرية الجماهير ، وعسكرةِ المجتمع بشكل خانق للحريات . فأضحت مفاصل الدولة كلها محكومة بقبضة حديدية، وكل الوظائف الحكومية لا بد أن تمر عبر البوابة الأمنية ، وهذا يعكس الطبيعة الأمنية المخابراتية للنظام السياسي الذي اتخذ من عملية اغتيال السادات ذريعة لتحويل مصر إلى كيان مخنوق في قبضة أمنية شديدة على الرغم من سياسة الانفتاح الوهمية التي بشَّر بها صانعو اتفاقية كامب ديفيد . وقد قال السادات في البرلمان المصري في نهاية سبعينات القرن العشرين _ في معرض تسويقه لمعاهدة السلام _ إن المليارات ستنزل على الشعب المصري. لكن المليارات لم تنزل ، بل نزل عليهم قانون الطوارئ ! .

     وقيام الأنظمة السياسية بتوظيف الذرائع ، وانتهاز الفرص ، واختراع الظروف التاريخية ، شائع للغاية في الدول السائرة بدون بوصلة ، لأنها تؤمن بأهمية توظيف كل لحظة زمنية لتثبيت نظام الحكم وإقصاء المعارضة .

     فتوظيف اغتيال السادات لشرعنة قانون الطوارئ في عهد حسني مبارك ، توظيف مغرض بدون سند قانوني أو أخلاقي . فقد تم اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي ( 1963م ) في ذروة المواجهة بين الشرق والغرب ( الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي ) ، ومع هذا لم تقم أمريكا بسن قانون طوارئ رغم الأحداث السياسية الجسام التي كانت في تلك الفترة مثل قضية خليج الخنازير ، وأزمة الصواريخ الكوبية ، وبناء جدار برلين .

     وقد يعتقد البعض أن أمريكا زعيمة العالم الأول تختلف عن مصر ( دولة في العالم الثالث ) من ناحية التشريعات الديمقراطية وثبات النظام السياسي ، وبالتالي لا تجوز المقارنة . لكن هذه الفكرة لا تعني شرعنة قوانين الطوارئ والالتفاف حول حرية الشعب . فقد حدثت اغتيالات في دول أقل شأناً من مصر ، فقد تم اغتيال ملك الأردن عبد اللَّه الأول بن الحسين ( 1951م ) ، وملك السعودية فيصل بن عبد العزيز ( 1975م ) . ومع هذا لم نسمع بسن قوانين طوارئ أو إجراءات خاصة لقمع الشعب بخصوص هذه الأحداث .    

     وهذا يدل على أن النظام المصري يتخذ من اغتيال السادات ذريعة لإضفاء طابع أخلاقي على قانون الطوارئ ، وذلك من أجل تصفية المعارضة ، ومصادرة الحقوق السياسية لأفراد الشعب ، ومحاولة الالتفاف حول الإرادة الشعبية الرافضة للتوريث ، والتمهيد لتزوير الانتخابات عبر كل أطوارها الزمنية ، وبكافة أشكالها .

     وقد تم تقديم هذا القانون المثير للجدل كسياج يحمي أمن المصريين ، ويحافظ على حياتهم ضد الأخطار المختلفة . وهذه دعوى عريضة فارغة . فهذا القانون لم يقدر على منع تعاطي المخدرات أو الاتجار بها . بل على العكس ، فقد زاد من تعاطي الشباب لهذه السموم هروباً من الواقع السياسي المصري الخانق ، والأوضاع الاجتماعية الخاضعة للقبضة الحديدية المخابراتية .

     كما أن هذا القانون الجائر لم يستطع مكافحة " الإرهاب " . فهناك أحداث قتل جسيمة حدثت أثناء التطبيق الفعلي لهذا القانون . فقد تم اغتيال الدكتور رفعت المحجوب ( 1990م ) رئيس مجلس الشعب المصري الأسبق . كما حدثت مذبحة الأقصر ( 1997م ) التي أسفرت عن مصرع عشرات السياح . وفي ( أكتوبر 2004م ) وقعت تفجيرات طابا في سيناء التي قتلت 34 شخصاً . وحدثت تفجيرات شرم الشيخ ( 2005م ) التي ضربت قلب السياحة المصرية في أهم منتجع سياحي بالمنطقة، وتفجيرات منتجع دهب على البحر الأحمر ( 2006م )، وتفجير في حي الحسين بالقاهرة ( 2009م ) . فلماذا لم يقدر قانون الطوارئ على منع هذه العمليات ، وحماية أرواح المصريين والأجانب ؟! .

     إن النظام الذي لا يقدر على الحكم إلا من خلال قانون الطوارئ ، هو نظام غير مؤهل لقيادة البلاد والشعب نحر بر الأمان ، وعاجز عن صناعة مجتمع المواطنة الصالحة ودولة القانون والمؤسسات . كما أن النظام السياسي الذي لم يقم بأية عملية إصلاح طيلة ثلاثين سنة ، لن يقدر على الإصلاح في الوقت الضائع .

     ومما يثير الضحك أن أمريكا أعلنت عن " خيبة أملها " تجاه تمديد قانون الطوارئ سنتين إضافيتين ، وذلك لخداع الرأي العام العالمي عبر تصوير أمريكا كداعمة للديمقراطية في البلاد العربية ، مع العلم أن أمريكا أكبر داعم للأنظمة العربية القمعية . ولو أرادت أمريكا أن تلغيَ قانون الطوارئ المصري لقامت بذلك بجرة قلم ، وضغطت على الحكومة المصرية كما ضغطت عليها في موضوع الجذار الفولاذي الخانق لقطاع غزة . لكن لعبة القمع السياسي متبادلة بين أمريكا والأنظمة السياسية الدائرة في فلكها .

     وترمي عملية تمديد قانون الطوارئ إلى تزوير الانتخابات المقبلة _ كالعادة _ ، واستخدام شعار "الحرب على الإرهاب " من أجل تصفية المعارضة ، خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين ( الجماعة المعارضة الأولى ) . وذلك عبر شَيْطنتها ، ووصفها باللاشرعية والتطرف ، واتخاذها فزاعةً لبث الخوف في نفوس الآخرين على عدة مستويات .

     فالنظام المصري يُقدم الإخوان المسلمين كصانعي الدولة الدينية لإخافة الأقباط وجعلهم يلتفون حول الحزب الحاكم، وكأعداء لحرية الفكر والتعبير لإخافة المثقفين اليساريين والعلمانيين، وكأعداء للمصالح الأجنبية لإخافة الغرب، وكمجاهدين يحملون السيوف لإخافة الصهاينة المحتلين لفلسطين . ورغم هذه الهالة الإعلامية الشعواء فالحكومة تسمح بنسبة من الإخوان المسلمين في البرلمان لصناعة ديكور ديمقراطي ، وتصوير الدولة كحاضنة لأبنائها كلهم ، موالاة ومعارضة.

     وكل هذه الأحداث تحدث تحت مظلة قوانين الطوارئ الضاغطة على مناحي الحياة المصرية ، ضمن فوضى سياسية عارمة محصورة في قبضة العسكر ، لأن النظام السياسي تم نقله إلى المخفر ، والبرلمان تم نقله إلى مباحث أمن الدولة . وهكذا أصبح الاستثناء هو القاعدة ، والقاعدة هي الاستثناء .

 

14/5/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نكبة الضحية و" استقلال " الجلاد

 

     تمر في هذه الأيام ذكرى النكبة ( 15 أيار 1948م ) التي كانت وصمة العار في جبين الأمة العربية والإسلامية ، وأدَّت إلى تعرية الأنظمة الرسمية ، وإثبات عجزها التام _ بل وتواطؤها أحياناً _ حيال قضية فلسطين المركزية ، وكشفت عن هشاشة البنى الاجتماعية العربية الغارقة في الشعارات والأغاني الوطنية دون تطبيقات على أرض الواقع .

     وقد ارتكبت مؤسسات الحكم العربية خطايا كارثية عبر مراحل القضية الفلسطينية المختلفة بدءاً بنكبة 1948م وانتهاءً بنكبة أوسلو 1993م،من أهمها:

     1) عدم تسليح الشعب الفلسطيني لكي يدافع عن أرضه بنفسه، ويثبِّت وجوده . فهي اكتفت بإرسال بعض الجيوش من باب العصبية القبلية ورفع العتب ، وحماية صورة الأنظمة أمام شعوبها . فهذه الجيوش _ بالأصل _ غير مؤهلة لخوض حروب ، وغير قادرة على مجاراة العصابات الصهيونية المدربة بشكل احترافي. وبعد كل ما جرى بدأ كل جيش يقدم إنجازاتِه " الأسطورية " في الدفاع عن فلسطين ، وصونِ شرف الأمة . لكن هذه الإنجازات الوهمية تظل جعجعة بلا طحن رغم تضحيات الشرفاء الصادقة .

     2) تحويل القضية الفلسطينية إلى فلكلور شعبي ، واختزال الثقافة الفلسطينية التاريخية في الدبكات الشعبية في الأعراس والمهرجانات الخطابية. ونحن لا نقلِّل من أهمية الرموز الثقافية العليا، ولكنْ ينبغي أن توضع في إطار الصراع الشامل بين قوة احتلال مدعومة غربياً ، وبين شعب تحت الاحتلال يتآمر عليها القريب قبل البعيد ، ومن حقه الشرعي أن يقاوم الاحتلال بكل الوسائل .

     3) النظر إلى الشعب الفلسطيني في الشتات على أنهم خلايا نائمة وقنابل موقوتة في المجتمعات الحاضنة لهم، والتعامل معهم بالعقلية الأمنية المخابراتية القامعة. فيجب أن يعيشوا ويموتوا في مخيمات بائسة بحجة عدم التوطين ، وأن يُحرَموا من العيش بكرامة بدعوى حق العودة ، وأن يتم استغلال معاناتهم لتحقيق مكاسب شخصية للزعماء العرب السائرين على خطى صلاح الدين الأيوبي ! .

     4) قيام الحكام العرب بالاختباء وراء قُدسية القضية الفلسطينية ، لكي يُلمِّعوا صورتهم ، ويُقدِّموا أنفسهم كحارسين لشرف العروبة ومجد الإسلام . مع أن الجميع يعلم أن الكيان الصهيوني ما كان ليجد له موطئ قدم في فلسطين لولا الخدمات الجليلة من بعض الحكام العرب الذين ساهموا في بيع فلسطين لتثبيت أنظمة حكمهم . خاصةً أن المتاجرة بقضية فلسطين تدر أرباحاً مادية طائلة تُمكِّنهم من العيش في القصور الفخمة ، وسيارات المرسيدس الفارهة ، والتصدق على الشعب بحفنة قمح أمريكي . وكما هو معلوم فالصهاينة ومن زرعهم في فلسطين قادرون على الدفع فوراً وبدون تقسيط ، وبالعملة الصعبة أيضاً .

     ولو جئنا إلى الجهة الأخرى من الصورة لوجدنا أن ما يسمى بدولة إسرائيل تحتفل في يوم النكبة بِ "عيد استقلالها " . وهذه المسرحية الكوميدية تنطوي على جوانب فلسفية عميقة في الفكر الصهيوني متماهية مع الإبادة الجماعية والتطهير العِرقي الذي مارسه الصهاينة بكل رومانسية وحضارة . كما أن تعبير "عيد الاستقلال" في الكيان الصهيوني يثير عدة ملاحظات :

     1) الكيان الصهيوني ليس دولة، بل هو قاعدة عسكرية تابعة للغرب الإمبريالي ( أمريكا ، بريطانيا ، ... ) . وتعبير "عيد الاستقلال " لا ينطبق على القواعد العسكرية. فلم نسمع_ مثلاً_ أن القاعدة العسكرية الأمريكية في اليابان قد احتفلت بعيد استقلالها . حتى الصهاينة أنفسهم لا يعترفون بدولتهم المزعومة ، لأنهم لم يُثبِّتوا لها حدوداً ، وكل كيان سياسي ليس له حدود لا يُعتبر دولةً ، فلا داعي لكي يطلبوا من حماس أو الدول العربية الاعتراف بهم، فهم _ أصلاً _ لا يعترفون بأنفسهم . 

     2) الصهانية لا يتمتعون برومانسية الوفاء والإخلاص ، فهم يعضون اليد التي ساعدتهم . فبدلاً من أن يشكروا بريطانيا التي زرعتهم في فلسطين لكي تتخلص أوروبا منهم، ها هم يعتبرونها قوة احتلال كانت تسيطر عليهم ، لكنهم استطاعوا أن يتحرروا منها ، ويعلنوا "استقلالهم" بعد تضحيات عصابات الإجرام والتطهير العِرقي والإبادة الجماعية مثل الإرجون والهاجاناه .

     3) قيام بعض أبناء جلدتنا عبر كل طبقات هرم السلطة بتهنئة الكيان الصهيوني بمناسبة " عيد استقلاله " . وهذا يدل على وفاء العبد لأسياده الذين أحضروه إلى الحكم .

     وفي ظل هذه الأحداث الجسام التي تحدث في دنيا الغاب ، حيث " العالم الحر" يشرب الأنخاب مع الجلاد ، ويحاكم الضحية ، لا بد من الاعتماد على الكفاءات الداخلية في ممارسة فعل التحرر من قوى الاحتلال ، وعدم التعويل على مساعدة الأنظمة الغربية وراء البحار ، لأنها جزء من المشكلة لا الحل ، ولن تساعد إلا نفسها في عالم محكوم بمنطق القوة لا قوة المنطق .

 

19/5/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

عصابات القرصنة الإسرائيلية

 

     لم يكن مفاجئاً قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلية بعملية قرصنة مكشوفة في عرض البحر ضد أسطول الحرية الهادف إلى كسر الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من ألف يوم . فما تسمى بإسرائيل عبارة عن قاعدة عسكرية تمارس القرصنة براً وبحراً وجواً منذ وجودها حتى هذه اللحظة. وهذه القاعدة العسكرية مبنية على غطرسة القوة العمياء بدون تاريخ دبلوماسي أو التزام بالأعراف الدولية .

     وقد قام الكيان الصهيوني وفق منهج فكر العصابات مثل البلماخ والإرجون والهاجاناه ، والتطهيرِ العِرقي بحق الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين ، والإبادةِ الجماعية ضد المدنيين والعُزل . وفي هذا السياق تأتي عملية القتل المنهجي ضد الأبرياء في أسطول الحرية ، وممارسة إرهاب الدولة بأبشع صورة أمام عدسات التصوير ، وذلك لمنع أية قوافل جديدة ، وردع الآخرين الذين يفكرون بإنقاذ أهل غزة الذين يحاصرهم إخوانهم قبل أعدائهم . مما يشير إلى نية مسبقة لإطالة حصار غزة ، وإحكام الخناق عليها في محاولة يائسة لتركيعها .

     وهذه المجزرة الإسرائيلية الجديدة تضاف إلى القائمة الطويلة من الجرائم ضد الإنسانية والمذابح المتكررة مثلما حدث في بحر البقر وصبرا وشاتيلا ومخيم جنين والحرب على غزة . وكل هذه القائمة السوداء تعكس الوجه الحقيقي لكيان الاحتلال الذي فُضح أمام وسائل الإعلام في أنحاء العالم .

     وعلى الرغم من كل محاولات تجميل وجه الاحتلال وصبغه بمكياج الحضارة وحقوق الإنسان، إلا أنها سقطت مع ساعات الفجر الأولى ، وهو الموعد الذي اختاره قراصنة الاحتلال لتنفيذ هذه الجريمة المروعة بحق مدنيين لا يحملون أسلحة .

     وبالتزامن مع هذا السقوط الأخلاقي لما يسمى بإسرائيل ، سقط _ أيضاً _ النفاق الغربي . فهذا الغرب المتشدق بالديمقراطية أقام الدنيا ولم يقعدها بخصوص قيام القراصنة الصوماليين الذين لا يجدون قوت يومهم باختطاف بعض السفن . وقد حرَّك أساطيلَه نحو المحيط الهندي لتأمين الممرات المائية _ على حد زعمه _ ، مع أن الهدف هو السيطرة على المنافذ البحرية الحساسة ، وزيادة رقعة الهيمنة والاحتلال . لكنه في ذات الوقت يتجاهل القرصنة الإسرائيلية وأخذ الرهائن وقتلهم بدم بارد في عرض البحر أمام عدسات التصوير . فعلى الغرب أن يكف عن لعب دور الواعظ الشريف الذي يسدي النصائح للآخرين وهو غارق في مأزقه الأخلاقي الكارثي .

     وهذا التواطؤ الغربي يدل على ضوء أخضر لتنفيذ هذه الجريمة النكراء، ويعكس تشابه الفكر المنهجي بين الكيان الإسرائيلي والكيانات الغربية . فالغرب _ كما الاحتلال الإسرائيلي _ قام على الإبادة الجماعية وجرائم الحرب كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين حصدتا 80 مليون قتيل بدون تمييز بين مدني وعسكري . وإنك لتجد دولة مثل إسبانيا قامت على أكتاف محاكم التفتيش ، والتنكيل بالمخالفين في العقيدة ، والاضطهاد باسم الدين . كما أن التاريخ الاستعماري الحافل لبريطانيا وفرنسا يقف دليلاً على تجذر فكر التطهير العرقي في العقلية السياسية الأوروبية .

     أما الدعم الأمريكي للقرصنة الإسرائيلية في المياه الدولية فليس غريباً ، لأن أمريكا هي القرصان العالمي ، وأستاذة القتل المنهجي ، فقد قامت وفق فلسفة إبادة الهنود الحمر ، وتأسيس ناطحات السحاب على جماجم السكان الأصليين بعد أن تم صبغهم بالهمجية والتخلف لتسهل تصفيتهم . وهي الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت السلاح النووي بكل بشاعة ضد الأبرياء في هيروشيما وناغازاكي .

     لذلك فلا مكان للمفاجأة حينما يدعم الغربُ القرصنة الإسرائيلية ، ويوفر لها الغطاء الأخلاقي في المحافل الدولية . كما أن العالم لم يتفاجئ حين علم بالتنسيق الأمني المسبق بين المخابرات الغربية والموساد لاستخدام  جوازات سفر غربية في اغتيال القيادي محمود المبحوح .

     أما الحراك العربي المتزامن مع مجزرة أسطول الحرية فجاء باهتاً كالعادة على شكل ردود أفعال ميتة في مهدها . فالنظام الرسمي العربي مثل رجال الأمن في الأفلام العربية ، يصلون بعد الجريمة لرفع العتب ، وهم آخر من يعلم . لكن هناك مسألتين في الحراك العربي :

     الأولى _ قيام النظام المصري الذي يحاصر غزة بفتح معبر رفح لامتصاص الغضب الجماهيري العارم، والإفلات من اللوم الدولي وتوجيه أصابع الاتهام. فهذه مسرحية لتحسين صورة النظام المصري أمام الرأي العام ووسائل الإعلام . وإذا كان النظام صادقاً وذا سيادة _ كما يزعم _ فليعمل على إبقاء معبر رفح مفتوحاً على الدوام .

     أما المسألة الثانية _ فهي رفع وزراء الخارجية العرب قضية فك حصار غزة إلى الأمم المتحدة، وهذا هروب من تحمل المسؤولية . فقد كانت الدبلوماسية العربية مطالبة بحث القاهرة على فك حصار غزة باعتبار أن القاهرة مركز الجامعة العربية التي تلم شمل العرب وتحافظ على مصالحهم!.

     ومهما يكن من أمر فإن هؤلاء الأتراك أُسود الأبيض المتوسط قد رصفوا الطريق البحري إلى غزة بدمائهم الطاهرة. وهذه الدماءُ التركية هي التي فكَّت حصار أنفسنا حول أنفسنا ، وستكون شمس الخلاص لقطاع غزة من الحصار العربي والصهيوني .

 

9/6/2010م .

 

 

إحالة العم سام إلى التقاعد

 

     إن أية قوة في التاريخ البشري تفتقد إلى الغطاء الأخلاقي الشَّرعي ، تؤسس منطقاً سياسياً جديداً وهو اللامنطق . إذ إن دخول السياسة المعبَّأة بالأيديولوجية المتطرفة ضمن إطار حياتي منفعي، من شأنه دعم وجهة نظر المحافظين الجدد ( سواء كانوا أصحاب بشرة بيضاء أو سوداء )، والذين يقودون الغرب ( وعلى رأسه أمريكا ) إلى بؤرة الصدام مع نفسه. وهذا يتنافى مع قيمة حوار الحضارات ، والأخوةِ البشرية بغض النظر عن الدين أو العِرق . فلا يجوز السماح للمتطرفين من أتباع الديانات أن يعيدوا تشكيل الدِّين من وجهة نظرهم ، ومصالحهم الشخصية . فالانكماش الحضاري هو صورة المتوازِيات المتطرفة، والعدميةُ المجازية الموغلة في هلامية الأكذوبة الحضارية. فغيابُ الأخلاق عن المسار البشري العالمي من شأنه نفي قيم الحقيقة عن الكيانات السياسية ، فتصبح الحضارة كقيمة تاريخية لا تملك وجوداً حقيقياً على أرض الواقع ، بسبب تحولها إلى كيان مصطنَع ، وقطارٍ منحرف عن السكة .

     إن نفي الخديعة المرتدية قناع الحضارة هو أساس فكري إنساني ضروري من أجل تفتيت المتمركِزات الوجودية لهالة الانبعاث الحضاري الوهمي المكرَّس. ونحن إذ ندعو إلى خارطة جديدة للأرض متعددة الأقطاب ، فإننا نهدف إلى إعادة أنسنة الإنسان ، وانتشاله من قاع التوحش والسادية الذي دخلت فيه الحواسُ البشرية بفعل حجم الاستهلاك الضاغط على حياة الكائن الحي المدجَّن الذي كرَّسته الأمركة ( العولمة ) كمرحلة وجودية مستمرة حتى نهاية التاريخ المحاصَر في قبضة القوة العمياء . وهذا الوهم المتراكِب الذي يفترض استمرارية الفوضى الرأسمالية التوسعية حتى نهاية التاريخ، ما هو إلا حِراك انتكاسي لصيغ متوازيات انكسار الوعي العلمي ، وانتحارِ المنهجية المعرفية الشاملة. وبالقطع فمثل هذا الوهم قد نتج بفعل غياب القراءة الواعية لأنساق الحِراك التاريخي ، وطبيعةِ التحرك الأفقي والعمودي للحضارات ( الولادة ، الشباب ، الشيخوخة ، الموت ) . والإشكالية الحقيقية في عقول المفكرين الداعمين لمشاريع المحافظين الجدد الأيديولوجية الفكرية ذات الخلفية النفطية هي التموضع في ذروة النشوة الإمبراطورية الوقتية ، والتخندقِ في بؤرة اللذة الآنية ، ونسيانِ النار الكامنة تحت الرماد نتيجة عدم إيجاد حلول جذرية للقضايا الإنسانية، وعدمِ التفكير في تموضعات المسؤولية المترتبة على إشكالية اللذة . فغياب تشريح نسقية " الهدوء الذي يسبق العاصفة " ، والاكتفاء بالتموضع في ذاتية الهدوء المرحلي المؤقَّت قاد الإمبراطورية الأمريكية إلى أزمات وجودية حرجة . وهذا يظهر جلياً في انعدام الاستعداد للأزمات الشرسة بمختلف مستوياتها، فصارت ثنائية الروح _ المادة هي إشكالية الأضداد والتمزق والفراغ الموحش . فالكيان الأمريكي الإمبراطوري تنعدم فيه المرونة شيئاً فشيئاً من خلال أبعاده السوسيولوجية المتضاربة ، لذا تتوالى الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل صادم ذي تأثير قاتل للروح والمادة ، لكن النسق الاجتماعي قد يحيا _ بعد الأزمات _ في فترة حلاوة الروح ، لكن هذه الحياة تكون مضطربة ، وسائرة نحو الطريق المسدود . ونحن نعلم أن النظام السياسي الأمريكي _ رغم كل السلبيات_ نظام مفتوح قادر على إعادة تصحيح مساره _ نظرياً على الورق_ ، لكن الواقع ضاغط في مركزية الصميم ، لذلك فإن القطار انحرف عن السكة ، مما أدى إلى ضعف قبضة أمريكا بدليل وجود دول متمردة على الإرادة الأمريكية مثل تركيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا . وهذا تهديد مباشر للفكر الأمريكي الرامي إلى بسط نفوذه على العالم . ومن خلال التنظير الفلسفي للسياق التاريخي ، نجد أن غياب الوعي الإنساني حصر مشاريعَ الاحتلال الأمريكي في خانة ردة الفعل لا الفعل .

     وبما أن تأسيس متواليات المعرفة الجزئية في بنائية التجريد الانسحابي يتماهى مع الفوضى الخلاقة التي صنعتها الآلةُ العسكرية الأمريكية، فإن نتائج السياسة التوسعية تتماهى مع تكثيف الخرافة السياسية . وبالتالي فإن التجسيد الدلالي لمدى تطابق معارف السياسة الإمبراطورية مع أنسنة المعاني المجتمعية قد أُصيب بانتكاسة شرسة تتمثل في تعرية أمريكا أمام نفسها والآخرين . وهكذا فقدت الغطاءَ الذي كانت تتخذه لشَرْعنة أفعالها غير القانونية . فمع تزايد الأزمات العاصفة بالكيان الأمريكي، تكرس مأزق الوجود التأسيسي المقنَّع . فالعم سام تشظى إلى أعمام قبيل تقاعده ، فلم يعد النظام الحياتي الأمريكي سوى مركزية استهلاكية ، لأنه قائم على استنزاف الموارد ، ومصادرِ الطاقة ، وتأطيرِ الآلة الإعلامية القوية في دغدغة مشاعر الناس .

     فالإعلام _ كأيديولوجية_ يعمل على إحالة المعنى التأصيلي إلى مستويات معيشة هلامية في عوالم الأحلام والخيال والحب والثراء والمجد . وهذا التأطير الوهمي نتاج طبيعي لتكثيف اللامنطق كنسق حياتي . ومن خلال مفاهيم انكسار الحاجات المرحلية لوجودية التمركز العاطفي حول المعنى ، صارت الأنساق المجتمعية في الأطر الجغرافية السياسية تنتج كائناً مسخاً ، وهو المجتمع المتشكل على صورة إقطاعيات ، ولا يستند إلى النماء والانتماء . لكن المسألة لم تقف عند حدود تجذير الإقطاعيات في المجتمع المسيَّس المبني على متواليات الفراغ العدمي وفق أشكال المستوى المادي الرأسمالي فحسب ، بل تكرَّست الإقطاعيات في عوالم الأنسنة المعرفية . فصار هناك بشر درجة ثانية وثالثة وعاشرة ضمن إطار كياناتٍ جسدية منبوذة لا تاريخ لها . فلم يعد الأمر مسألة من يملك ومن لا يملك . بل وصل الأمر إلى مقاومة أنسنة الإنسان بصورة تعكس اضمحلال التفكير الإنساني الراشد . وهذا زرع في قلب المجتمع تاريخاً من الانكسار والتمييز العنصري بدءاً من لون البشرة حتى الشطط الطبقي .

7/7/2010م .

نتائج عسكرة السياسة

 

     تبقى الإرهاصات في الفكر السياسي الأمريكي تياراً تكوينياً لسياسات شخصية نفعية متضاربة . إذ إن تكرار المتواليات البؤرية في محيطات هندسة الأسطورة يحيل الفردَ المؤدلَج في سراديب الأمركة الداخلية أو الخارجية إلى جسم ذي قطبَيْن       ( قامع _ مقموع ) .

     فالعائش في الجحور سوف يصعقه الضوء ويدمر حياته ، لذا فهو يتأقلم تدريجياً مع الظلام حتى يصير الوهمُ المعتم جزءاً إنسانياً أصيلاً في الذات الكيانية للأفراد . ومن ثم تنعكس هذه الصيغة الشخصية لتصل إلى مستويات مجتمعية عمومية ، الأمر الذي يقلب الموازين ، فيتحول الفردُ إلى رافض لذاته ، وعدوٍّ لخلاصه . وفي ظل هذا الغبش المتداعي في مجالات توارث أنسنة الخديعة فإن المخيال المتصوَّر يغدو واقعاً هامشياً لسياسة إمبراطورية تشبه الإمبراطورية الرومانية القديمة من حيث تقسيم الناس إلى سادة وعبيد .

     وللأسف فإن جاهلية القرن الحادي والعشرين بكل ما تحمله من انتكاساتٍ على جميع الأصعدة تتمحور حول فلسفة السادة والعبيد في التعاملات بين أجزاء النظام السياسي العالمي ، مما يُشكِّل عائقاً حقيقياً أمام نهوض الإنسان وحريته . ومن خلال كسر أدلجة التحولات الإدارية في هندسة الخراب الشامل نستطيع إيقاف آلة القتل في المجال الروحي . فوأد الروح هو الدرب الأقصر نحو التحطيم الشامل للمنجزات الإنسانية في مجالات الحياة الفاضلة، لكن قيمة الحياة الفاضلة كتيار فكري نظامي يتعارض مع الفوضى الخلاقة التي تنتهجها كثير من الأنظمة السياسية الكَوْنية من أجل تفكيك العالَم ، وتقسيمه على أسس الصراعات الدينية والعِرقية ، وإعادة تركيبه بما يضمن بسط سيادة الأوهام على كل تقاطعات الحياة المفصلية للأنا والآخر والذات الشخصانية والذات المقابِلة والمجتمعات في شتى صور حياتها .

     إن تقوقع السُّلطوية المركزية في أية حضارة تقوم على استنزاف الضحايا حتى الرمق الأخير ، سيحصر الدلالاتِ في زوايا الظلام الدامس ، فصارت الشمس جزءاً لا يتجزأ من منظومة العتمة . وهذا الانعكاس ذو المنحى التأسيسي في متواليات هندسة الانكسار أخذ بعداً إنسانياً في صميم المشروع التكويني للفرد فصار الفردُ قامعاً آلياً لذاته بفعل الضغط الهستيري الخارجي المكثَّف من كل الجهات ، الأمر الذي أَنتج ضغطاً تلقائياً نابعاً من إفرازات التداعي الانسحابي في الذات الإنسانية ، فأضحت العلاقة بين الإنسان والمجتمع العالمي علاقة نفعية مادية مع تبادل فظيع للأدوار بصورة ميكانيكية دامية . والانهيار التكريسي في صيغه العنيفة هذه إنما هو حصيلة توحش المجتمعات المادية ضد ذاتها الفلسفية والواقعية . وما التمزق الاجتماعي والتفكك الأسري في محيطات العناصر المنسية الدالة على تفتيت القيم الإنسانية إلا حالة شَعْبَوِيَّة في نطاق التداعي اللامنطقي لانتكاسة الروح في أكثر صور التحطيم الفردي على مستوى الجماعة شراسةً . لكن المجتمع المادي الاستهلاكي بوصفه تجمعاً هجيناً من كيانات إنسانية شتى لا رابط بينها سوى المنفعة المتبادلة سائر إلى الاضمحلال ، لأن البناءات في ذاتية انكسار الحلم هي التشكيل المضاد للعقلانية ، مدعوماً بخلفية دينية مشوَّشة ، لأن التوظيف الأيديولوجي هو صيغ بشرية للتبادل المادي النَّفعي المغرِض . والإشكالية القاسية في السياقات السابقة هي أن سياسة أدلجة التراث الديني هي مأزق المعنى السياسي الغربي .

     وهكذا يتضح أن العلمانية مجرد شعار لا وزن له عند التمحيص، وغربلة الأفكار . فالأداء العلماني هو صيغ خفية للأداء الديني . فوحدة الانتقال السياسي الفوضوي من غبش الأمية السياسية إلى جدلية الآلة العسكرية تتكرس أكثر فأكثر كوحدة وجودية تحل مكان التنظيم العقلاني للقيم الإنسانية . فذهنية الأنساق كلما ابتعدتْ عن مركزية القوة المادية لشريعة الرصاصة اقتربتْ من التفكير الحالم الدائر في أفلاك الكلمة . لكن الأدلجة في محيطات عسكرة كوكب الأرض عن طريق انتهاج فلسفة القطب الأوحد ، ستؤدي إلى تكريس الشرخ بين الشرق والغرب . فالمشكلة الفلسفية في صميم نواة المركزية الفكرية للسياسات المأزومة هي عدم فهم ثنائية التفريغ والإحلال . فالنظام العالمي الجديد المتشكل من القطب الواحد الأوحد يعاني من أزمة التلاشي المتسارع ، لأن أمريكا متأثرة بالفراغ في جوفها ، أو مركزية منبع سطوتها ، بفعل التآكل في النظام الاجتماعي الهش الضاغط على أنظمة مالية منكسرة .

     وفي زحمة هذا التسارع المتداعي في التفريغ ستجد الحضارة الأمريكية نفسها قناعاً بلا وجه، فتدخل في سباق مرعب مع الزمن الطائر بلا انتظار ، وعندها تختلط الأوراق فيبدأ نظام الدولة الأمريكية بمحاولة إحلال قيم المنطق في قوالب اللامنطق داخل أدق تفاصيل التقاطعات المجتمعية ، أي إنه يحاول ضخ القيم الفكرية والمالية والعسكرية في بؤر مركزية مثقوبة من كل الجهات ، وهذه الصدمة ستزيد من حجم المأزق الوجودي الأمريكي .

     وهناك رواية للكاتب الأمريكي الحائز على جائزة نوبل وليم فوكنر بعنوان " حينما أرقد محتضراً " . وهذا العنوان نتاج الإفرازات الاجتماعية المأزومة في ملابسات المجتمع الأمريكي الذي يعاني من انكسار القيم . وإننا نقرأ في رواياته انهيارَ المجتمع الأمريكي المنتكس في المجال الوجداني، وانهيارَ الإنسان في معاناته اليومية في مجتمع عنصري رافض له . وكل هذه الإشكاليات الشرسة أسَّست لمفهوم اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والتفرقة العنصرية، وخرافاتِ نقاء العِرْق المدعومة بنظام أيديولوجي يستند إلى لون البشرة كمبدأ إستراتيجي وهمي . فالاحتضار الجمعي الذي يختزله المجتمعُ في دوائر عزلة الفردية الرهيبة ، ويختزله الفردُ في إشكاليات المجتمع المتشنج الموغل في التضييق على أبنائه ، هو احتضار المأزق الوجودي الشرس المنتفخ في متواليات المشاعر الإنسانية بصورة يصعب معها علاجه . وعلى الرغم من ضخامة هذا البالون الأمريكي المتعاظم ظاهرياً ، والذي منظره قد يُفزِع من يراه، إلا أنه سيظل في مهب الريح تتحكم فيه كيفما تشاء ، ومصيره في يد دبوس صغير يقضي على الحلم المتمرد على شريعة الأنسنة الأخلاقية.

 

14/7/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنظيم القاعدة وأمريكا

( مَن يَضحك أخيراً يَضحك كثيراً )

 

     إن الأداء الاجتماعي الأمريكي المنهار والخالي من نطاق التفكير الحر ، والمحصورَ في الشهوانية الاستهلاكية، ساهم بشكل كبير في تحمل دافعي الضرائب عبء الأخطاء السياسية الفادحة للإدارات الأمريكية المتعاقبة. وقد استغلت التنظيمات المعادية لأمريكا كل أخطاء إدارات البيت الأبيض ، وقامت باستخدام أخطاء أمريكا لتبرير ضربها ، كما حصل في الملابسات المرافقة لأحداث 11/9 . فتنظيم القاعدة استند إلى كثير من الدوافع، وقام بتوظيف خطايا الإدارات الأمريكية من أجل شَرْعنة قتل المدنيين ، واستهداف الأبرياء . وفي ضوء جدلية الأفكار الداعية للصدام، تقوم التنظيمات المعادية لأمريكا مثل " القاعدة " بتثبيت أفكارها وفق الحرب الاستباقية .

     ويمكننا تأطير فهم أبعاد فلسفة تنظيم القاعدة في حروبه الفكرية والعسكرية ضمن عدة مستويات عامة :

     1) تأسيس الوعي السياسي الهجومي في مواجهة أمريكا ، عبر الوصول إلى ذروة الحدث المندفع انطلاقاً من نقطة الصفر في مدة زمنية قصيرة للغاية لا تسمح للخصم باتخاذ إجراءات دفاعية . والمعنى التطبيقي لهذا المبدأ هو الوصول إلى رأس القطب الأمريكي الأحادي داخل النظام العالمي الجديد بشكل مباشر ومُوَجَّه . والوصول إلى ذروة الفاعلية القطبية الشاملة يستلزم تسليط مبدأ الهجوم في الداخل الأمريكي عن طريق استهداف الناس ، والمرافقِ الحيوية ، دون أي تمييز للأهداف المدنية أو العسكرية. وهذا يعني أن تنظيم القاعدة _ عبر إيمانه بالحرب الاستباقية _ سينقل المواجهة مع أمريكا في عقر دارها كي تفقد توازنَها في محيطاتها الاجتماعية الذاتية. وهذا بالقطع ينسف جغرافيةَ الامتداد الأمريكي الكلاسيكي ، ويمنع كلَّ الروافد التي تغذِّيه .

     2) حشر النظامِ الأمريكي في زاوية السقوط العناصري الشامل بحيث يتم استئصال احتمالات الطفرة الناهضة ، ومنعُ مشاريع عودة القطار المنحرف إلى السكة. وهذا يتطلب إبعاد القطار عن السكة أو إبعاد السكة عن القطار. والوسيلة الأكثر نجاعة_ حسب معتقدات تنظيم القاعدة_ في تشريح جسد الدولة الأمريكية، هي إقامة حاجز معنوي مادي هائل يقف سداً منيعاً بين قطار الأمركة كنظام سياسي ذي استعارات ضاغطة على محيطات الأنسنة ، وبين سكة التواجد الحقيقي العالمي . وتنظيمُ القاعدة يرمي من وراء هذه العملية إلى إتمام عملية فصل أمريكا عن العالَم ، لكي تفقد هذه الإمبراطورية قدرتها على الامتداد والإمداد ، فتتآكل ، فتسقط نهائياً لأن الهواء والماء قد قُطِع عنها معرفياً . وإذا سقط العقلُ المدبِّر سقط الجسدُ نهائياً ، حتى لو كان منقوعاً في الطعام والشراب والثروة. وهذه _ بالضبط_ فلسفةُ تنظيم القاعدة في تنويع عملياته داخل أمريكا وخارجها ، حيث يهدف إلى حصر الأداء الأيديولوجي للسياسة الأمريكية في خانة رد الفعل لا الفعل ، وهذا هو الفخ الشمولي الذي تنصبه " القاعدة " من أجل تحقيق حلم السيطرة والنفوذ . كما أن أعداء أمريكا في الشرق والغرب سيعملون _ بكل طاقة _ على إدخال النظام الرأسمالي الأمريكي في فوضى العقلية الذاتية ، مما سيؤدي حتماً إلى شروخ هائلة في الجسد الأمريكي الذي يبدو أمام وسائل الإعلام متماسكاً ، لكنه _ في الحقيقة _ يعاني من احتراق داخلي في مدار مغلق .

     3) تأسيس البؤر الفكرية المحيطة برمزية الدلالة الصاعقة ، من أجل ضرب الحصار الشامل على العقيدة الأمريكية التفكيكية . فنظام الذهنية الهادفة إلى تعرية النظام الرأسمالي من رمزية الوعي الكلي ، سيُنْشِئ تياراً رافضاً لمشروع الأمركة     ( العولمة ) ، مما يؤدي إلى انتكاسة في المشروع الخارجي لصالح التقوقع الذاتي حول الداخل . وإذا استمر تنظيم القاعدة في نقل المعركة إلى الداخل البؤري الأمريكي ، سيتكرس المشهد الواعي الضاغط على سوسيولوجيا الأداء السياسي الركيك، الأمر الذي يدفع باتجاه تقليص حركة الإدارة الأمريكية على مستوى سياساتها . ومع استمرار عملية الضغط المنهجي على صورة أمريكا ، ستتدفق فضاءات أكثر اتساعاً ضد مسار الوهم الأيديولوجي لعسكرة السياسة. فصورة أمريكا ركيكة للغاية في أنحاء العالم . فإيران مثلاً تصف أمريكا بالشيطان الأكبر ، الذي يغوي الآخرين ويوقعهم في الهاوية . وابن لادن زعيم تنظيم القاعدة يسمِّيها هُبَل العصر ، وهو الصَّنم الأكبر المعبود في الجاهلية ، ويتوجه الناس إليه لنيل حاجاتهم. والزعيمُ الشيوعي ماوتسي أطلق على أمريكا وصف " نمر من ورق " .

     4) محاصرة الإدارة الأمريكية في مناطق نفوذها من العالَم بكل الطرق المدنية والعسكرية ، وهذا يقطع الخطوطَ المتوازية التي تعتمد عليها الرأسمالية في لعبة العصا والجزرة على الصعيدين : ميكانيكا السياسة العسكرية ، وانكسار الرؤى الإنسانية الأخلاقية لقيمة الحرب . وإذا أرادت البشرية تفعيل منهجية العيش المشترك على كوكب الأرض ، فلا بد من إيقاظ كيان الإنسان الاستقلالي المندفع الحر كقيمة رفض ثابتة لا مفر من تكريسها ، وذلك من أجل القضاء تماماً على التكريس الأسطوري لإشكالية الوهم . لكن أشكال البناء الذاتي لمشاريع عسكرة السياسة تتمحور حول شخصانية انكسارها . فالطاقة الخارجة من الجسد الهزيل لا يمكن تعويضها . والمشكلة الأساسية في الفعل الدبلوماسي الأمريكي أن إدارات البيت الأبيض المتعاقبة بعثرت طاقتها في العالَم يمنةً ويسرة . كما أنها قامت بشن حروب مفتوحة لم تعرف كيفية إغلاقها ، مما استنزف طاقتها المالية والبشرية . ومهما استولت على النفط ، فإنه لن يغطيَ خسائرها الفادحة . كما أن أمريكا كرَّست تشتيت قواتها وقواعدها العسكرية في كل أصقاع العالَم دون تنظيم ، وكل هذه العوامل امتصت طاقة الدولة الإمبراطورية المريضة . ولأن الجسم هزيل ، لم يعد قادراً على إنتاج طاقة ذاتية تقوم بسد حجم المخرَجات ، أي إن عدم قدرتها على تأسيس مدخَلات تكافئ أو تتجاوز المخرجاتِ سيجعل منها مثل البناية الضخمة التي يتم إسقاطها عن طريق تفريغها من الهواء ، فيصير الضغطُ الخارجي أكبر من الداخلي، فتنطبق الجدران على بعضها ، وتهوي البناية الضخمة .

 

24/7/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقاطعة الإسلاميين للانتخابات هي الحل

 

     إن الأداء السياسي العربي ما زال منكمشاً في ردود الأفعال دون وجود فعل حقيقي على الأرض من أجل التغيير وحل أزمات الشعب المتفاقمة وتنمية المجتمع بشكل فعلي لا شعاراتي . فالتعيين في المناصب الحكومية يتم استناداً إلى الولاء الأعمى وليس الكفاءة العلمية والقدرة على الإبداع والتخطيط والتنفيذ ، لذلك من الطبيعي أن تكون المناصب الحكومية تعاني فراغاً رهيباً .

     فالسياسات محصورة في اللحظة الآنية وترحيل الملفات إلى المستقبل الغامض الخطير ، ودفن النار تحت الرماد دون إطفائها. وفي ظل هذا الأفق المسدود والمجالات السياسية المغلقة تصبح مسألة التغيير عن طريق الانتخابات ضرباً من المستحيل، وهذا مرجعه إلى عدة عوامل من أبرزها:

1) إن الانتخابات العربية هي ديكور ديمقراطي مفرغ من المعنى تماماً ، وهي إجراء شكلي لا وزن له ، وذلك من أجل اختراع صورة ديمقراطية وشكل من التعدد السياسي والحزبي أمام الرأي العام الداخلي والخارجي . ( والخارجي بالطبع هو الأهم ) .

2) تقوم الحكومات بتفصيل القوانين الانتخابية على مقاسها لتضمن تحجيم الإسلاميين خصوصاً ، والمعارضة عموماً . والحكومات العربية لسان حالها يقول " ديمقراطية بدون إسلاميين ". لكنها تسمح بنسبة معينة من المعارضة لإضفاء شرعية تعددية على هذا الكائن المسخ المشلول الذي يسمى بالبرلمان . تماماً كما حدث في مصر ، حيث يُشكل الإخوان المسلمون خمس مقاعد البرلمان مع أنهم جماعة محظورة حسب الدستور المصري الذي تم تفصيله على مقاس الأجهزة الأمنية . وكما حدث في انتخابات 2007م في الأردن حيث سمحت الحكومة بنسبة ضئيلة من المعارضة رغم تزوير الانتخابات في وضح النهار ( وعلى عينك يا تاجر ) . فالحكومات الأردنية في تعاملها مع الإخوان المسلمين تلعب لعبة مزدوجة وتتخبط بشكل أعمى . فمن جهة تحرص على مشاركة الإسلاميين في الانتخابات لصناعة الديكور الديمقراطي ، ومن جهة تحاصرهم لتحجيمهم والضغط عليهم ، وهذا يتجلى في وضع اليد على جمعية المركز الإسلامي التي تساهم في تنمية المجتمع الأردني أكثر من الحكومة عشرات المرات . ويتجلى كذلك في تقديم بعض رموز الحركة الإسلامية للمحاكمة واتهامهم بالفساد كالمرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور همام سعيد . وكل ذلك لأهداف سياسية .

3) الأنظمة البرلمانية في الوطن العربي أنظمة مغلقة مشلولة عاجزة تنتج برلماناً مسخاً يصفِّق ولا يعرف لماذا يصفِّق ، ويبصم على القرارات والقوانين دون أن يقرأها . وفي هذا الجو الكئيب القاتل للحياة السياسية يصبح التغيير والتنمية حِبراً على ورق لا أكثر .

4) الحياة السياسية العربية هي وجاهة عشائرية ، والتقاط الصور التذكارية مع عِلية القوم ، واقتسام أماكن النفوذ ، وتتويج لزواج الثروة بالسلطة ، وصراع على الظهور التلفزيوني، وإعطاء تصريحات للصحافة . أما خدمة المواطنين والقيام بمصالح الشعب ، ودفع عجلة التقدم ، فمجرد كلام في الهواء للاستهلاك المحلي . فالشعب تزداد أزماته ، والسادة النواب يتقاتلون على اقتسام غنائم سيارات المرسيدس .

5) كل حكومة عربية هي التي تخترع قوانين الانتخابات حسب مصلحتها الشخصية ، وهي التي تنظِّمها ، وتنتخب نفسها ، وفي النهاية تفوز لوحدها . وهذا يعكس التخطيط المنهجي لإقصاء الشعب عن المشاركة. فالحكومة تطبخ الكعكة وتأكلها لوحدها ، ولا تريد من أحد أن يشاركها، لأنها ترى نفسها الوصية على الشعب ، وتنظر إلى الشعب كفاقد لأهلية التصرف .

     وفي ظل هذا المناخ السياسي الموبوء ، والحالةِ الاجتماعية المحصورة دون وجود أفق ، كان قرار مقاطعة الإسلاميين لانتخابات 2010م في الأردن هو عين العقل. فالمشاركة في وضع مكياج على عملية انتخابية تشوبها مئات علامات الاستفهام والغموض وعدم الشفافية ، هو بمثابة رش السُّكر على الموت ، وتزيين الجثة بالورود . فهذه الانتخابات فقدتْ شرعيتها قبل أن تبدأ .

     ولا ينبغي المشاركة في أية انتخابات مقبلة إلا تحت الإشراف المباشر للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي . فكلنا يعلم كيف تجري الانتخابات في الوطن العربي العائش في المراهقة السياسية دون أن يصل إلى مرحلة الرشد .

     والأفضلُ في الحالة العربية أن تُلغى كل البرلمانات نهائياً ، وأن تُوزَّع الأموال _ التي تُنفق على تنظيمها وتُدفع كرواتب وامتيازات للنواب _ على الفقراء والأرامل الذين يعتبرون كسرة الخبز أهم من كل البرلمانات والحياةِ السياسية المكياجية .

 

4/8/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كيف استفاد تنظيم القاعدة من القطبية الواحدة ؟

 

     إن البعض يعتقد أن القطبية الواحدة المتجسدة في الكيان الأمريكي تعني سيطرة مجانية على العالم ، وبسط النفوذ المطلق بكل أريحية دون مخاطر . وهذه نظرة قاصرة، لأن القطبية الواحدة لها ضريبة عالية جداً يتم دفعها من الأمن القومي والقوة الاقتصادية والترابط الاجتماعي . فهناك انعكاسات سلبية للقطبية الواحدة . فقيامُ أمريكا باختراع هالة القداسة حول نفسها كسُلطة اعتبارية مطلقة تتقمص شرطي العالم جعل من الكيان الأمريكي المفكَّك في مرمى كل السهام وفق نقطة مركزية واضحة للعيان . وطبعاً هذا يحد من قوتها لأن الظهور يقصم الظهورَ . ووجود الكيان الأمريكي كقطب أوحد علني ساهم في إفقاد أمريكا القدرة على التنظيم والتنفيذ داخل مشاريع الاحتلال الأمريكي ضمن الفوضى الإمبراطورية. وما الوجود الأمريكي العلني إلا وجود هدف واضح لكل أولئك الذين يجيدون تصويب السهام ، ولديهم مشكلة مع أمريكا يريدون تصفيتها مرتين ، أي تصفية المشكلة عبر تصفية أمريكا .

     والخطأ الإستراتيجي الخطير الذي ارتكبته الإدارات الأمريكية المتعاقبة يتركز في عدم تقدير ردة الفعل. وأدق مثال على هذا المبدأ هو ما قامت به أمريكا من دعم المجاهدين في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي، وبعد أن هزموا الاتحاد السوفييتي، توجَّهوا للقضاء على أمريكا، واتخاذها كعدو في مرمى النيران ، وصار يُنظَر إليهم كإرهابيين . فجاءت تفجيرات السفارات الأمريكية في أنحاء متفرقة من العالَم ، وأحداث 11/9 ، والهزيمة المرة في العراق وأفغانستان دون أية رائحة للنصر . والذي ينظر إلى مسرح الأحداث العالمي يجد أن الخاسر هو أمريكا التي تدفع الثمن من أعصاب شعبها ، وأموالِ دافعي الضرائب ، وأرواحِ جنودها القتلى، واقتصادِها المحتضر، وصورتها السيئة ، في حين أن تنظيم القاعدة ليس لديه ما يخسره لأنه ليس دولة ذات سيادة على أراضٍ وممتلكات وموارد قومية ، بل هو منظمة لا مركزية أينما هَبَطَتْ قامت بأداء ما تراه صحيحاً دون أن تثق بأية رؤية شرعية سوى رؤية منظِّريها . ومهما تلقَّت "القاعدة " من ضربات فهي قادرة على بناء ذاتها لأنها خلايا نائمة لا مركزية ، ولا تنتظر قدوم أوامر ابن لادن أو الظواهري . بل إن كل مسؤول قادر على إصدار أوامر ورسم سياسات وتحالفات لوحده دون الرجوع إلى النواة الأساسية . والجدير بالذكر أن تنظيم القاعدة ليس منظمةً تقصفها بعدة صواريخ من طائرة بلا طيار وتعود فرحاً بأنك قضيتَ عليها . فالأمر ليس بهذه البساطة. فالقاعدة جيش من الخلايا غير نظامي يعتمد على تمويل ضخم لا يمر بالطرق التقليدية ، ولا يمكن محاصرته لأنه لا يملك معسكرات محدَّدة تقصفها وترتاح منها ، كما لا يمكن قطع المساعدات عنه من البنك الدولي على سبيل المثال، ولا يمكن وضع عقوبات عليها من مجلس الأمن الدولي . وهذه هي الصعوبة في الأمر لأن أمريكا تقاتِل شبحاً ، تحارِب شيئاً كأنه بلا وجود حقيقي على أرض الواقع . وإنما تعرف بوجوده من خلال التفجيرات على مسرح الأحداث العالمية . كما أن تنظيم القاعدة استفاد_ مجاناً _ من حملة دعائية عالمية في كل وسائل الإعلام بشتى أشكالها ، فصار كالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس . وأنا على ثقة أن تنظيم القاعدة قد أخذ أكثر من قَدْره بكثير ، لكن الذي ساهم في ترسيخ صورته كتنظيم عابر للقارات هو أحداث 11/ 9 التي كانت _ رغم الإدانة الشديدة لها _ حدثاً أسطورياً سينمائياً استعراضياً وضع ابن لادن ومنظمته في قلب كل بيت على سطح المعمورة .

     وقد نجح تنظيم القاعدة في استقطاب أمريكا إلى أفغانستان لكي يقوم بقتالها على أرضه وبين مؤيديه . فابنُ لادن لا يستطيع مقاتلة أمريكا في الأراضي الأمريكية، وبالتالي فقد قام بسحبها إلى أفغانستان ليقاتلها على أرضه. وهذا يعكس أبعاد المصيدة التي نصبها ابن لادن لأمريكا عن طريق استقطابها إلى الفخ ، واستدراجها إلى أرضه التي يعرفها شبراً شبراً لكل يقاتلها بكل تركيز . ولأن المصائب لا تأتي فرادى نجد أن أمريكا تعاني من تصدع الحلف الذي تقوده تحت مسمى" مكافحة الإرهاب" لأن الدول الأوروبية الشريكة في هذا المشروع اكتشفت أنها تورطت مع أمريكا. فتنظيم القاعدة صار له فروع في عدة بلدان يصول ويجول فيها .

     كما أن الملابسات المحيطة بهذه الحرب رسَّخت لدى أذهان الكثيرين أنها حرب على الإسلام والمسلمين بالمقام الأول. فقد وجدنا الكثيرين من الأبرياء والمدنيين يُقتَلون على يد القوات الأمريكية بذريعة أنهم إرهابيون ، وهذا زاد الكراهية لأمريكا . كما أن هذه الحرب تم استغلالها للتضييق على الأقليات المسلمة في الغرب ، والتجسس عليهم ، ومنعهم من حقوقهم وممارسة شعائرهم الدينية ، والتطاول على مقدَّساتهم مع أنهم يعيشون في الغرب دون أية علاقة بتنظيم القاعدة . أضف إلى هذا أن صورة أمريكا في العالَم سيئة للغاية ، فقد كانت تُقدِّم نفسها على أنها واحة الأمن والسلام والحرية وحقوق الإنسان لكنها أدارت ظهرها لهذه القيم . وحينما سقط القناع عن وجه أمريكا رأى العالمُ الوجه الحقيقي المتمثل في معتقل غوانتانامو المبني على شكل أقفاص تتعارض مع الكرامة الإنسانية . فقد ضمَّ الأفرادَ بلا محاكمة ، والمتَّهم بريء حتى تثبت إدانته . فالوجود العلني الظاهري للقطب الواحد جعل أعداءَ الحضارة الأمريكية يُركِّزون في تحديد الهدف المعادي ( أمريكا ) بدقة ، دون تشتيت قواهم تجاه عدة أقطاب مبعثرين هنا وهناك . وبسبب انعدام وجود أقطاب مُكرَّسة على مسرح السياسة العالمية صار تركيز استهداف أمريكا عالياً للغاية . ومع ازدياد التشظي في بؤر الصراع العالمي ، وتأججِ الأزمات الداخلية والخارجية ، سوف يعاد تشكيل كوكب الأرض على صورة كيانات متعددة الأقطاب . ونحن نجد أن الجهات المضادة للاتجاه الأمريكي آخذة في التشكل كأقطاب لها وجود فاعل. ومن أبرز هذه الجهات المناوئة للمشروع الأمريكي هو تنظيم القاعدة الذي صار _ بسبب معادته لأمريكا _ قطباً عالمياً يتردد اسمه في كل العالَم بدون استثناء ، وكأنه قد حلَّ مكان الاتحاد السوفييتي .

 

25/8/2010 م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لماذا باعت الأنظمة العربية فلسطين ؟

 

     إن النظام العربي الرسمي الكرتوني صار محصوراً في ذاته ، ولا يرى أي شيء خارج وجوده . فالأساسُ السياسي في العقلية الحاكمة هي ترسيخ وجود السلطة ، والعمل على استمرارها حتى يوم القيامة بأي ثمن ، والتضحية بأي شيء في سبيل بقاء الحاكم على الكرسي وأبنائه من بعده . وهذا لا يتأتى إلا بموافقة أمريكية مسبقة باعتبار أن الحاكم العربي موظف في الخارجية الأمريكية لا يمكنه تجاوز الهرمَ الوظيفي أو تجاوز الأوامر العليا القادمة من وراء الأطلسي ، فالعبدُ لا يمكنه الاعتراض على سيِّده .  

     وفي ظل هذا الأداء السياسي المنهار ، قامت الأنظمة العربية بشطب مصطلحات التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال والتصدي لقوى الهيمنة من قاموسها، كما قامت بإدخال فكر التحرر والتحرير في متحف تاريخها الشخصي . وذلك خضوعاً للإملاءات الخارجية ، وتجنباً " لوجع الرأس "، ونزولاً عند إرادة " المجتمع الدولي / العالم الحر " الذي يمنح الحرية لشعوب الدول القوية ويحجبها عن الشعوب الضعيفة التي لم تجد حاكماً يحقق مصالحها ولا حكومة تنهض بالمصالح الوطنية العليا.

     وبما أن الدول العربية مفكَّكة لا رابط بينها سوى الشعارات البراقة ، فهي تفتفد إلى البوصلة الواحدة والاتجاه الواحد . فصار من الطبيعي أن يظهر التضارب في الداخل العربي . وأبرز مثال على ذلك تعارض مصالح سوريا مع مصالح مصر ، وسير الدولتين الكبيرتين في خطين متوازيين دون أية إمكانية _ حتى هذه اللحظة _ للالتقاء . وهذا بالتأكيد يقتل العمل العربي المشترك ، ويجعل منه شعاراً فضفاضاً للتسلية في أروقة جامعة الدول العربية التي صارت كوفي شوب لشيوخ القبائل ، ولا تعبِّر عن طموحات الشعوب العربية التواقة إلى الحرية والتخلص من أعداء الداخل والخارج . فالجامعة العربية كيانٌ مشلول تم إلحاقه بالخارجية المصرية التي لديها توجهات مضادة لفكر المقاومة والتحرر ، إذ إنها ما زالت تعيش في عقلية كامب ديفيد التي أعادت مصر إلى العصر الحجري . 

     أضف إلى هذا غياب قيادات الصف الأول في سدة الحكم على مستوى الوطن العربي . الأمر الذي جاء كنتيجة حتمية للتوريث ، وتزوير إرادة الشعب ، وتفصيل الدستور حسب مزاج العصابة الحاكمة ، وإحكام القبضة الأمنية على مفاصل البلاد من الألف إلى الياء تكريساً للدولة البوليسية .

     ومن خلال العناصر السياسية السابقة يتضح لنا استحالة حفاظ هذه الأنظمة المنهارة على الأمن القومي العربي . وقد رأينا تآمر بعض الدول العربية على العراق، والعمل على إسقاطه ، وتحويله إلى كيان مفرغ من المعنى ، حيث ضاعت سبعة آلاف سنة من الحضارة في نسب المحاصصة الطائفية ، واقتسام الكراسي بين القادمين على ظهور الدبابات الأمريكية . والأمرُ تكرر بصيغة أخرى في التآمر على غزة وحصارها من أجل إسقاط المقاومة ، وإسكات صوت المعارِضين لمشاريع الهيمنة الصهيوأمريكية . وهكذا نجد أن الحاكم العربي يشكل خطراً على الأمن القومي العربي ، وهو جزء من المشكلة لا الحل .

     وآخر حلقة في مسلسل المؤامرات تجلت على شكل " المفاوضات المباشرة " الرامية إلى بيع فلسطين بالتقسيط المريح . وقد حصلت هذه المفاوضات العبثية على غطاء من جامعة الدول العربية التي لا تملك من أمرها شيئاً ، لأنها فرع للخارجية الأمريكية . وقد رأينا فيما مضى كيف أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس كانت تختار وزراء الخارجية العرب من أجل لقائها حسب مزاجها. فتحضر من تشاء وتستثني من تشاء . حتى إنها استثنت لقاء السيد عمرو موسى رأس الدبلوماسية العربية في إهانة بالغة للجامعة العربية التي يُفترض أنها تمثِّل الأمة العربية. كما أن السيد عمرو موسى قضى جزءاً من حياته وزيراً للخارجية المصرية، حيث كان يجلس مع المسؤولين الإسرائيليين _ بمختلف درجاتهم الوظيفية _ لتناول طعام الغداء وتبادل الضحكات والهدايا ومناقشة عملية السلام الرومانسية . وقد رأينا كيف انسحب رئيس الوزراء التركي أردوغان من منتدى دافوس احتجاجاً على كلام رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز في حين أن السيد عمرو موسى حامل المصالح العربية بقي في الجلسة دون أن ينبس ببنت شفة كأن شيئاً لم يكن . لذلك فانتظار النظام الرسمي العربي أو جامعة الدول العربية لإنقاذ فلسطين هو انتظار ما لا يأتي .

     وهذا الجو القاتم يرشدنا إلى وضع إجابات عن السؤال المصيري : لماذا باعت الأنظمة العربية فلسطين ؟ .

     1) إن هناك أنظمة عربية تستمد شرعية وجودها المصطنع من ضياع فلسطين ، والمتاجرة بالقضية لكسب الرأي العام ، وبناء الاقتصاد الوطني على التسول وأخذ المساعدات باسم اللاجئين . فصار ضياع فلسطين دجاجةً تبيض ذهباً ، وهذه الأنظمة لا تريد التفريط بالذهب . 

     2) الحاكمُ العربي هو ربان سفينة تغرق بسبب كثرة الأحمال على هذه السفينة ( الانهيار السياسي، التفكك الاجتماعي ، الفقر ، البطالة ، العنوسة ، ضياع الدخل القومي في الفساد ، ضعف الولاء والانتماء ، ازدياد المعارضة الشعبية ) . والحاكمُ صار مقتنعاً بضرورة التخلص من القضايا القومية ليخف الحمل _ حسب وجهة نظره القاصرة _ فألغى فلسطين من حساباته كمن يلقي ثقلاً في البحر لإنقاذ السفينة . وهذه هي الفلسفة الجنونية للحاكم وبطانته . 

     3) كل الأنظمة العربية تعلم أن رضا أمريكا _ التي تمنح المال والقمح والحماية والغطاء السياسي _ يمر عبر نيل رضا "إسرائيل" . وبالتالي صارت فلسطين هي القربان وكبش الفداء لنيل رضا الأمريكان والصهاينة ، فصارت التضحية بفلسطين أمراً عادياً يتم أمام الكاميرات دون شعور بالخجل أو الخيانة . فالمصالح الشخصية للطبقة الحاكمة صارت تنظر إلى القضية الفلسطينية كعبء ثقيل وخطر عليها وبالتالي لا بد التخلص منه . وقد رأينا كيف هرول الرئيس المصري حسني مبارك ( 82 سنة ) إلى واشنطن بدون تأخر ، ليس حباً في المفاوضات المباشرة أو تحقيق حلم الدولة الفلسطينية ، بل من أجل تقديم أوراق اعتماد نجله جمال مبارك لكي تسمح له الإدارة الأمريكية باستلام الحكم خلفاً لأبيه .   

     وهكذا نخلص إلى قناعة مفادها أن الحاكم العربي باع فلسطين ليحتفظ بالكرسي تماماً كما باع أبو عبد اللَّه الصغير الأندلس . وعلى الشعوب العربية أن تغسل يدها من حكامها لأنهم جزء من المشكلة لا الحل ، وعليها كذلك أن تبحث عن طريق خلاصها بنفسها دون انتظار أحد .

 

8/9/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أزمة الوعي في الحروب التقليدية

 

     إن الإشكالية الكبرى في الأداء السياسي الأمريكي هي غياب دلالات الوعي عن محيط الأداء الفكري الإمبراطوري . مما أدى إلى إدخال أمريكا في حروب متعددة الأشكال دون أن تفكر في كيفية الخروج منها. وهذا يعكس سوء التخطيط المعتمد على الارتجال والاستعجال . والغريب أن دولة كأمريكا تملك أقوى جامعات العالَم، وأقوى مراكز البحوث والإحصاءات ، وأعظم علماء الدنيا ، لم تقدر على ضبط حساباتها على الأصعدة : الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية . وهذا يعكس حجم المأزق الوجودي . وربما ظنَّت أمريكا أنها بغزو العراق وأفغانستان توجِّه رسالةً تحذيرية لباقي الدول أن ارتدعوا وإلا سيؤول مصيركم مثل العراق وأفغانستان . والذي حدث هو عكس هذا تماماً لأن أمريكا بعد غزوها للعراق وأفغانستان لم تعد قادرةً على أي عمل عسكري آخر ، على الأقل حتى تبنيَ قواتها العسكرية من جديد ، وتعيد حساباتها ، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً إن لم يكن مستحيلاً . فغرق أمريكا في العراق وأفغانستان هو غرق حقيقي ، وليس حرباً إعلامياً يشنها أعداء أمريكا . وعدم قدرتها على الحسم العسكري صار العنوان الرئيسي في كثير من الدوائر، حتى لو لم يتم الإعلان عن ذلك من أجل الحفاظ على ماء وجهها. فأمريكا إن بقيت على الأرض سوف تظل تنزف أرواحاً وأموالاً ، وإن انسحبت فهذه خسارة لأنها لم تحقق الأهدافَ المرجوة من الحرب ، فتكون قد دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها ، وأموالاً طائلةً من دافعي الضرائب دون أي مردود . فتكون بذلك كمن يرمي ممتلكاته في البحر ، ثم يعود إلى بيته رافعاً راية النصر . ففي كلا الحالتين أمريكا في مأزق ، وتعاني من أزمة حقيقية تتعلق بأهدافها وهيبتها ومكانتها وقوتها . وبسبب التورط الحقيقي لأمريكا وعدم قدرتها على شن حروب أخرى لأن قواتها العسكرية منهكة تجرأت كثير من الدول على تحدي أمريكا جهاراً نهاراً ، ولستُ أعني الدول الكبرى كروسيا والصين . فهاتان الدولتان لهما ثقل عالمي يجبر الغربَ على احترامهما ، وليس مفاجئاً أن يعارضا . ولكني أقصد الدول الصغيرة نسبياً ( بالنسبة لحجم الثقل على المسرح الدولي ) كإيران ، سوريا ، فنزويلا ، كوريا الشمالية ، والمنظمات مثل حماس، و"حزب اللَّه" وغيرها . ونحن لا نقلِّل من قوة أمريكا العسكرية ، ولا نريد أن نصورها كدولة فقيرة لا تملك معدات عسكرية ، إلا أننا نقول إن أمريكا بعثرت قوتها في أرجاء العالَم ، وتورَّطت في حروب غير محسوبة ، كما أنها تخوض حروباً غير تقليدية، ففي العراق الذين يقاومون الاحتلالَ الأمريكي ليست " الدولة العراقية " ، وإنما حركات تخوض حرباً غير تقليدية ، والأمر كذلك في أفغانستان، وهذا بحد ذاته صعوبة بالغة ، لأن الجيش الأمريكي جيش نظامي مدعوم بسلاح جوي مُدمِّر، ينسف المرافقَ الحيوية لأية دولة من أجل تركيعها ، والضغط عليها لتستسلم . لكن الأمر في العراق وأفغانستان مختلف تماماً . فلا توجد دولة _ بمفهوم الكيان السياسي _ تقاوِم القواتِ الأمريكية . وهذا ينقل المشهد إلى مشاهد الحروب غير التقليدية ، وحروب العصابات والشوارع والكر والفر،خصوصاً أن المعارك تجري في بيئة قاسية للغاية من حيث شدة الحرارة أو وعورة التضاريس في حالة أفغانستان . وأمريكا غير معتادة على هذا الأنظمة الحربية. فبدت وكأنها تقاتل شبحاً يظهر هنا ويختفي هناك . كما أن هذه النوعية من الحروب تشتمل على اشتباكات مسلحة بين الطرفين وجهاً لوجه ضمن منظومة الاحتدام والاشتباك ، وهذا يُحيِّد سلاحَ الجوي تماماً فيصبح بلا فائدة ، لأنه لا يريد أن يقصف أهدافاً مخلوطة فيقتل جنوداً أمريكيين مشتبكين مع المقاوَمة . ومكمن الخطر في هذه الحرب عدم وجود أهداف ثابتة ليتم قصفها. فمثلاً لا يوجد قصر جمهوري للملا محمد عمر، ولا توجد وزارة داخلية للمقاومة العراقية . كما أن مصادر تمويل المقاومة غير معلومة ، فالأمر أشبه بالوقوف في غرفة معتمة لا ترى شيئاً ، وتتوقع ضربةً تأتيك في أي وقت دون معرفة مصدرها . وفلسفة التشتت وتفريق القوى من الأخطاء الكبرى التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة ظناً منها أن نشر القواعد العسكرية في العالَم سيضمن تواجداً أمريكياً أمنياً في كل بقعة ، وبالتالي هذا يضمن سلامة أمريكا وعدم تعرضها لسوء . وهذه الفلسفة غير المنطقية مبنية في بعض أجزائها على فكرة الحرب الاستباقية، لكن الإشكالية الحقيقية في التعامل الجيوسياسي أن أمريكا تخوض حرباً غير تقليدية، فليست حربها ضد جيش نظامي مستند إلى نظام سياسي متواجد في كيان محدود على شكل دولة . وهذا ما لا تدركه أمريكا ، أو تدركه لكنها تُكابِر لكي تبدوَ في صورة القائد المنتصر الواثق من نفسه في كل الأوقات دون الحاجة إلى معرفة العدو، وأسلوبه ، وحجم قوته. وهذا سبَّب تراخياً في الأداء الاستخباراتي الأمريكي عبر طائفة من التقارير غير الدقيقة التي انعكست سلباً على صورة أمريكا، وقاد ذلك إلى أحداث 11/9 . فلأول مرةً في التاريخ تتلقى أمريكا ضربةً في عقر دارها،وهي غير معتادة على ذلك. فكل الحروب التي خاضتها، وكل الضربات التي تعرضت لها ، كانت خارج حدودها . فالموقع الإستراتيجي لأمريكا جعلها محصنةً جداً ، فهي أشبه ما تكون بجزيرة في وسط المحيط . فلم تتوقع أن يتم نقل المعركة إليها في قلبها النابض ، وهذا يكشف لنا أن المأزق الأمريكي الحقيقي يأتي من داخلها عبر أزمات خانقة تنبع من ذاتها تعصف بها . ومن هنا يتضح لنا أن أحداث 11/9 أَدخلت العالَمَ في حروب من نوع خاص بلا أهداف محددة ، بلا كيانات سياسية على شكل دول ، بلا ميزانيات مكشوفة للحرب . لذلك فإن سمة القرن الحادي والعشرين ستكون حروباً أمريكية ضد المجهول ، وهذا ينهش في الجسد الأمريكي . وأعداء أمريكا يعملون في الظلام دون وجود كيان سياسي أو جيش نظامي، وهنا تكمن نقطة قوتهم، لأن العامل في الظلام أقدر على إنجاز عمله . وفي هذا السياق يقول العالم الشهير أحمد زويل في كتابه عصر العلم ( ص 225) : (( وقد جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتقود إلى المزيد من اللانظام . فقد اهتزت الولايات المتحدة لما جرى ، اهتزت الحكومة كما اهتز الفرد الأمريكي نفسه ، ولم تكن الهزة لشدة وفداحة ما حدث فقط بل كانت _ وبالأساس _ لأن الشعب الأمريكي لم يشهد حرباً حديثة داخل أرضه ، فالولايات المتحدة أشبه بجزيرة تقع بين محيطين ، وقد خاضت كل حروبها خارج أراضيها ، في فيتنام والعراق والبلقان وأفغانستان ، وفي عملياتها العسكرية المحدودة كالتي جرت في ليبيا والصومال . لقد اهتز الشعب الأمريكي من جراء أحداث 11سبتمبر التي أطاحت بإحساسه بالأمن )) . ومن خلال الاتجاهات المبنية على دراسة المشروع الأمريكي نستطيع استشراف الأسس العامة لعسكرة السياسة في الأطر التطبيقية، حيث إن أهم أساس في هذه الصيغ الفكرية هو لعبة التعميم المتعمد ، حيث يتم صبغ كل المخالفين للسياسة الأمريكية بالإرهاب دون تمييز ، وذلك وفق فلسفة " خير وسيلة للدفاع الهجوم"، وهذا يؤدي إلى إحداث حالة من اللامنطق عبر تفعيل التهم دون أدلة . والمتهم بريء حتى تثبت إدانته. وهكذا نكتشف أن قوانين الحرب قد تغيرت بخروجها من الإطار التقليدي الرسمي المعتاد إلى الإطار غير التقليدي الذي أسَّسه أعداء أمريكا في الشرق والغرب. فمثلاً وظيفة الطائرات الأمريكية أن تقصف أهدافاً محددة ( حرب تقليدية ، فمع اختفاء الأهداف ( حرب غير تقليدية ) غابت فاعلية الطائرات . ووظيفة طائرات التجسس والأقمار الصناعية وأجهزة التنصت أن تلتقط أي تذبذب ، أو تلتقط أي إشارات من جهاز معدني لتقبض على الهدف ( حرب تقليدية ) ، لكن زعماء تنظيم القاعدة وحركة طالبان لا يضعون في ثيابهم أجزاء معدنية، ولا يستخدمون وسائل الاتصالات التقليدية خوفاً من اكتشاف أمرهم ( حرب غير تقليدية ) ، وبالتالي غابت فاعلية الأجهزة الأمريكية المتقدمة . وهكذا نجد أن " الصندل" الذي يضعه المقاتِلون في أرجلهم قد تفوق على أكثر وسائل الاتصالات تقدماً ، لأن الصندل المصنوع من الخشب أو مواد بدائية أخرى لا يمكن التقاط أي إشارة تصدر منه، ولا يمكن التجسس عليه لأنه من مادة لا ترسل ولا تستقبل. وهذه هي نقطة قوة الحرب غير التقليدية. وهذا يعكس المنعطف الحساس في الانتقالة النوعية للحروب غير التقليدية التي ستكون بصمةً مؤثرة في القرن الحادي والعشرين . فأمريكا متقدمة تكنولوجياً ولا يمكن مواجهتها تكنولوجياً لأنها هي المتفوقة . فلا ينفع معها فكرة تكسير العظام لأنها القوة الضاربة في هذا السياق ، ولكن أعداءها يواجهونها بالأساليب غير التقليدية ، وهذه نقطة ضعفها . فالطائرة العسكرية تُهزَم بالطائرة الورقية، والبريد الإلكتروني لا يتفوق عليه إلا الحمام الزاجل .

 

5/10/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل الحاكم العربي عضو في " القاعدة " ؟

 

     إن الحاكم العربي الذي يحكم منذ عصر الديناصورات هو أفضل من يُجنِّد الشباب في تنظيم القاعدة . فقد حوَّل البلاد إلى مزرعة شخصية وإسطبل لحضرته وعائلته وحاشيته ضمن منظومة فساد استبدادية شاملة . فلسانُ حاله يقول : (( أنا الدولة والدولة أنا )) . وهذه الدكتاتورية أنتجت واقعاً عربياً منهاراً على كافة الأصعدة . فنصفُ الشباب العربي عاطل عن العمل ، وثلث العالم العربي أُمي لا يقرأ ولا يكتب ، وهذا الأفقُ المخنوق يدفع الشباب إلى التطرف وتبني أفكار العنف ورفض الآخر سواءٌ كان شرقياً أم غربياً. وبالتالي صار إرهابُ الأنظمة الحاكمة ضد شعوبها بيئةً خصبة لتكاثر الآراء المتطرفة، والأفكار التكفيرية ، والجماعات المسلحة التي لا تؤمن إلا برفع السلاح ضد الجميع .

     ولم يقف النظام الرسمي العربي عند هذا الحد ، بل صار يستثمر في تنظيم القاعدة لابتزاز الغرب والحصول منه على مساعدات مالية وعسكرية وقمع المعارضة باسم مكافحة " الإرهاب ".وهذه هي الفلسفة المعتمدة في العقلية الحاكمة.

     فعلى سبيل المثال ، كانت اليمن دولةً منسية في عوالم الإهمال ، ولكن بمجرد ظهور القاعدة فيها ، صارت محط أنظار العالم، وتُعقَد المؤتمرات لدعمها وخطب ودها . وبدأت مئات الملايين من الدولارات تهبط عليها ، والمساعدات العسكرية تأتيها من كل الجهات. وكأن تنظيم القاعدة صار الداعم الأكبر للاقتصاد اليمني .

     والأمر ذاته يتكرر في شمال أفريقيا . فتنظيمُ القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي جعل أمريكا وأوروبا تقدِّمان كل المساعدات المعنوية والمادية للجزائر ومالي وموريتانيا ... إلخ . ليس من أجل سواد عيون شعوب المنطقة ، ولكن من أجل مكافحة " القاعدة " . وصارت مؤتمرات الاتحاد الأوروبي تضع قضايا شمال أفريقيا على رأس القائمة ، وهي التي كانت منبوذة طوال عقود، ولا أحد ينظر إليها. فمثلاً، صار الرئيس الفرنسي في منامه يحلم بالقاعدة ورهائنها في شمال أفريقيا ، فهو يُصرِّح بأنه لن يخضع لمن سمَّاهم بالإرهابيين ، في حين أنه يدفع الملايين للقاعدة للإفراج عن المحتجَزين لديها .

     ولو انتقلنا لباكستان لرأينا أن أمنها القومي واقتصادها الوطني صار مبنياً على الاستثمار في مكافحة " الإرهاب ". فتنظيمُ القاعدة صار _ بالنسبة لباكستان _ منجم ذهب ، لولاه لن تحصل على مليارات الدولارات سنوياً ، وأحدث الأسلحة الأمريكية . وهذا يُقوِّي موقفها أمام الهند ، ويجعل منها دولةً قوية تمسك بأوراق ضغط كثيرة في المنطقة . وقد رأينا كيف أن حلف الناتو هرول إلى باكستان طالباً رضاها بعد حرق شاحنات الوقود المتوجهة إلى أفغانستان .

     والمضحك المبكي أن تنظيم القاعدة صار أحد أركان بناء الاقتصاد الوطني في كثير من الدول. وهذا سيؤدي في المرحلة القادمة إلى افتتاح فروع له في كل الدول العربية بمساعدة السُّلطات ، وذلك للحصول على كل أنواع المساعدات الغربية، وامتلاك أدوات ضغط على أمريكا وأوروبا . وستشهد المرحلة المقبلة صدور إعلانات وهمية من قبل الأنظمة الرسمية العربية عن إحباط عمليات إرهابية ، وذلك لخداع العالم بوجود تنظيم القاعدة ، الأمر الذي يستدعي الدعم المالي والعسكري وفتح الأبواب في المحافل الدولية والتسول بعين قوية .

     وسيدرك الغربُ بعد فوات الأوان أن خادمه في المنطقة ( الحاكم العربي ) يلعب بذيله ، ويتصرف كما لو كان عضواً في "القاعدة " . وسيصل الغربُ _ بعد أن يخسر في حروب الاستنزاف_ إلى قناعة مفادها أن تنظيم القاعدة لو لم يكن موجوداً لقامت الأنظمة العربية باختراعه لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية واقتصادية .                                                         3/11/2010م .

انتحار الديمقراطية في الأردن

 

     إن الطبخة السياسية التي قامت بها الحكومة الأردنية لإنتاج مجلس نيابي موالٍ لها، يبصم على قراراتها بالأصابع العشرة دون أن يقرأها قد ظهرت للعلن في مسرحية انتخابات 2010م . فعلى الرغم من الإخراج السيئ لهذه اللعبة السياسية المكشوفة للجميع ، إلا أننا نجد الحكومة تتصنع عبقرية التنظيم وتواصل مدح نفسها أمام وسائل الإعلام بأنها نجحت في إقامة هذا " العُرس الديمقراطي " مع أنه كان مأتماً بكل المقاييس ، حيث قضى على إنجازات الأجيال المتعاقبة في التاريخ السياسي الأردني ، وأعاد الدولة إلى العصر الحجري ، وحوَّل البرلمان إلى مجلس عشائري شكلي لا علم له بأصول السياسة وتطبيقاتها الاجتماعية والاقتصادية .

     وما يثير الاستغراب حرص الحكومة على الزج بالعشائر في مجلس النواب ، مع أن البنية العشائرية هي بنية اجتماعية وعلاقات إنسانية لا بنية سياسية ذات برامج فكرية وأهداف تطبيقية. وإذا كانت الحكومة تريد تمرير قراراتها دون معارضة ، فكان بإمكانها أن تفعل ذلك وفق أساليب التزوير المعتادة وتفصيل القوانين على مقاسها ومصادرة صوت الناخب والالتفاف على الدستور واللف والدوران ، ولا حاجة لتدمير البنية الاجتماعية الأردنية، وبث العصبية القبلية، وإشاعة الفتن بين أبناء العشيرة الواحدة. لكن الحكومة تنتهج سياسة " فَرِّقْ تَسُد " ، وهذا اللعب بالنار من شأنه تفتيت أوصال المجتمع ، وبث الكراهية بين أبنائه ، وانهيار منظومة الولاء والانتماء .

     وهذه الخطايا الكارثية التي تقترفها الحكومة عن سبق الإصرار والترصد غير مستغربة ، فالحكومةُ ذات مستوى ضحل في السياسة ، ولا توجد لها أية إنجازات اجتماعية أو اقتصادية . فهي عاجزة عن علاج أية أزمة مجتمعية ، ولا يوجد أي ملف نجحت في إدارته ، ومن يعارض هذا الكلام عليه أن يُعطيَنا اسم ملف أدارته الحكومة ببراعة . وبالطبع لن يجد ذلك مهما بحث . وهذه المسرحية الانتخابية الميتة في مهدها أزاحت القناع عن وجه الحكومة ، وأظهرت عجزها التام عن إدارة القضايا الساخنة والباردة على السواء. وهذا التخبط الحكومي أساء إلى سمعة الأردن ، وشوَّه صورتها في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية ، حيث قدَّمها على أنها كيان عشائري بدائي محصور في منظومة شيوخ القبائل والأتباع الموالين لهم دون وجود أفكار سياسية ، وبرامج تنفيذية على أرض الواقع .

     وهذه الفوضى الحكومية عرَّضت الأردن لانتقادات واسعة من منظمات دولية مثل منظمة " هيومن رايتس ووتش " . وصدق المثل القائل : (( لا يذهب بعيداً من لا يعرف إلى أين هو ذاهب )) . وهذا ينطبق على الحكومة العاجزة اللاهثة وراء الأحداث دون الوصول إليها، والتي تثبت الشيء وتنفيه في الوقت نفسه ضمن فوضى سياسية شاملة .

     وبسبب فشل هذه الانتخابات الصورية على كافة الأصعدة راحت الحكومة تخترع نجاحاتٍ وهمية ، فزعمت أن نسبة المشاركة 53 % ، وهذا الرقم من بنات أفكار الساسة ولا علاقة له بالواقع، فنسبةُ المشاركة أقل من ذلك بكثير لكن الحكومة تخجل من ذكرها لئلا توصف بالفشل.

     فمثلاً ، مدينتا عمان والزرقاء _ اللتان تشتملان على أكثر من نصف سكان الأردن _ قاطعتا الانتخابات بشكل كثيف للغاية عن سبق الإصرار والترصد لعلمهما بأنها تحصيل حاصل ، وأن أسماء الفائزين في الانتخابات معروفة مسبقاً ، ومحسومة سلفاً ، ولكن تبقى ضرورة إخراج المسرحية لخداع الرأي العام الداخلي والخارجي .

     أما تخصيص مقاعد نيابية للمرأة / الكوتا النسائية ( 12 مقعداً ) ، فيأتي ضمن موضة حقوق المرأة ، وتقديم المرأة على أنها تتمتع بحقوقها السياسية ، وأنها شاركت رغم كل الصعوبات ... إلى آخر هذه الأسطوانة المشروخة التي ترددها حكومات العالم الثالث لنيل رضا الغرب. والأمرُ يشبه ما يحدث في الحالة الأفغانية ، وذلك بإحضار عدة نساء إلى المجلس لإقناع الغرب أن المرأة الأفغانية تحررت بعد سقوط حكم طالبان ! . والجميعُ يعرف أن المجتمعات العربية ذكورية بامتياز، فالمرأة العربية تُصوِّت ضد المرأة. وفي تاريخ الأردن كله لا أعتقد أن امرأة نجحت في تنافس حر سوى السيدة توجان فيصل ، والنساءُ اللواتي جِئْنَ بعدها يحاولن تقليدها بشكل أو بآخر .

     لذلك كان قرارُ المقاطعة حلاً جذرياً ممتازاً ذا تأثير بالغ لكي تعرف الحكومةُ حجمَ الكوارث التي ترتكبها، وخطورة المستنقع الذي دخلتْ فيه. وعلى أية حال، فالانتخابات الأردنية 2010م فقدت شرعيتها قبل أن تبدأ ، وبعد انتهائها تكرس فقدانها للشرعية . فقد فشلت بامتياز ، وهذا غير مفاجئ، فلم يتوقع أحد نجاحها ، ولو حتى الذين فصَّلوها على مقاسهم . وسيكون المجلس القادم عبئاً على نفسه والشعب والحكومة. ولا يُنتظر منه أية إنجازات. وكما قال الشاعر : (( فما في النار للظمآن ماءُ )) .

 

13/11/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عبقرية الحاكم العربي في تزوير الانتخابات

 

إن الحاكم العربي الصوري يستمد شرعيته المزعومة من أسياده في البيت الأبيض . فهم الذين أحضروه وفرضوه على الشعب دون استشارة . فهذا الحاكم غير الشرعي لم يأت عبر صناديق الاقتراع ، وإنما نزل إلى سُدة الحكم بمنطاد أمريكي لتنفيذ أجندة محددة تتمثل في تأسيس الدويلات العربية المتناحرة كمحميات أمريكية تصمت مقابل القمح ، ولا تعترض مقابل راتب آخر الشهر .

     وعملية تزوير الانتخابات في الوطن العربي ما كانت لتحدث لولا موافقة ضمنية من الإدارة الأمريكية التي تتحكم بالأنظمة العربية من الألف إلى الياء ، فتثبت من تشاء وتعزل من تشاء لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : لماذا صار التزوير يتم في وضح النهار أمام عيون الناس وكاميرات وسائل الإعلام دون خجل أو محاولة إخفاء ؟ . والجواب له مظاهر متعددة من أبرزها :

1) وجود ضوء أخضر أمريكي لمصادرة إرادة الشعب ، وإبقائه مقموعاً لا يرفع رأسه ، لاهثاً وراء كسرة الخبز من أجل ضمان خنوعه واستسلامه للذبح دون اعتراض . وهذا جعل النظام السياسي العربي واثقاً تماماً من موت الشعب ، وأنه لن يتحرك مهما حصل ، لأن الجثة الساكنة لا يُنتظر منها الحركة والاعتراض . فقديماً كان النظام السياسي يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته لخداع الرأي العام ، وتصوير الحاكم العربي كحمل وديع ذي مشاعر مرهفة ، ودموع صادقة ، وحرص على البلاد والعباد . أما الآن فيتم القتل في وضح النهار ، ويعترف القاتل بجريمته ، ويتم تحميل الضحية كامل المسؤولية ، ولا أحد يمشي في جنازة أحد .

2) إن الأنظمة الحاكمة تعلم تماماً أنها غير شرعية ، ولم ينتخبها أحد ، فهي استمرار للاحتلال البريطاني والفرنسي . وهذا يجعلها تخاف من الديمقراطية والحرية وصوت المواطن ، لأن هذه المفاهيم تعني زوال الحاكم عن الكرسي ، وهذا خط أحمر . فالحاكم يبني مشروعه السياسي المنهار على الحفاظ على حكمه حتى الرمق الأخير . ولكن الطوفان بعد ذلك . فلا يهم هل عاش الشعب أم مات.المهم أن يظل الزعيم الأوحد والقائد الملهَم والأخ المناضل في سُدة الحكم.

3) لقد أضحى النظام السياسي مسعوراً يأكل نفسه ويلتهم الآخرين ، فقد أُصيب بجنون العظمة ، وهوس المحافظة على الكرسي ، مما أدى إلى نبذ العقلانية ، وانتهاج أسلوب القمع والعنف ضد الجميع . وهذه نتيجة متوقعة للدولة البوليسية العربية .

     لكن الأمور لن تستمر على هذا النحو ، فالحاكم العربي الذي يقود البلاد نحو الهاوية سيزول لا محالة مثلما زال هتلر وموسوليني ، وسيظل الشعب ليقول كلمته ويقود مسيرة إعادة بناء ما دمره الحاكم الذي ينخر في جسد البلاد كالسوس ، ويقود الشعب نحو الذل والضياع .

 

2/12/2010م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخلفية السياسية لكرة القدم

 

     لا يمكن النظر للرياضة بمعزل عن الخلفيات السياسية التي تلعب خلف اللاعبين، لأن السياسة هي أداء تراكمي متشعب يتغلغل في كل أوساط الجماعة البشرية من القمة حتى القاع ، ويتداخل مع كل المجالات الحياتية . ولا يخفى أن كرة القدم هي الرياضة الأولى في العالم ، وهذا يجعلها معبأة بالأبعاد السياسية والاقتصادية والتاريخية . وهذه أمر منتشر في أنحاء العالم .

     فعلى سبيل المثال ، يظهر فريقا ريال مدريد وبرشلونة في إسبانيا بشكل متداخل مع الحرب الأهلية الإسبانية ( 1936م _ 1939م ) ، إذ كان الجنرال فرانكو من مؤيدي ريال مدريد في مواجهة برشلونة الذي يُنظر إليه كممثل لإقليم كاتالونيا المتمرد الطامح للاستقلال ، وإيجاد هوية ذاتية منفصلة عن إسبانيا . وفي بريطانيا يبرز نادي أرسنال كممثل لنصف لندن الفقير في حين أن نادي تشلسي يمثل نصف لندن الثري. وفي الأرجنتين يظهر نادي ريفر بلات كنادي الأرستقراطيين أما بوكا جونيورز كفريق الطبقة العاملة الفقيرة .

     وإذا جئنا إلى المنطقة العربية ، سنجد أن أكثر الخلفيات السياسية الواقفة وراء كواليس كرة القدم تتجلى في الأردن ، حيث نادي الوحدات يمثل الأردنيين من أصل فلسطيني ، أما الفيصلي فيمثل الشرق الأردنيين . وهذه الحقيقة معروفة للجميع منذ عقود . لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ظهرت هذه الحالة على السطح بهذه الحدة أمام جميع وسائل الإعلام في هذا الوقت ؟.

     والإجابة بالغة التعقيد ، لكنها تتمحور بشكل أساسي حول فشل الحكومة في بناء العلاقات الاجتماعية وفق مبدأ المواطنة ، وتعميقِ روح الانتماء والولاء في نفوس الأردنيين " من شتى المنابت والأصول " . وهذه العبارة الأخيرة كانت على الدوام موجودة في خطابات الملك الراحل الحسين بن طلال( 1935م _ 1999م ) . لكن الحكومات المتعاقبة فشلت عن سبق الإصرار والترصد في تطبيق هذا الكلام على الأرض ، لذا ظلت شعارات الوحدة الوطنية وأخوة الدم حِبراً على ورق، يتم نشرها من حين لآخر للاستهلاك المحلي، واختراع هالة التماسك الاجتماعي.

     فهناك تهميش منهجي للأردنيين من أصل فلسطيني ، فهم لا يشكلون سوى عُشر مجلس النواب الحالي ( 2010م ) ، وهذه نتيجة متوقعة لقيام الحكومة بتزوير الانتخابات ، وتفتيت المجتمع على أسس عشائرية وولاءات لا تمت للوطن بصلة . وفي واقع الأمر فإن التمييز في المجتمع الأردني ظهر بعد أحداث أيلول 1970م ، حيث الاقتتال بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية، وهذه الأحداث المؤسفة انعكس تأثيرها على الأوضاع الاجتماعية بشكل كارثي ، فصار يُنظر إلى الأردني ذي الأصل الفلسطيني بريبة وأنه نغمة نشاز . وهذا يكشف الفشل الحكومي في بناء الدولة الأردنية الحاضنة لأبنائها جميعاً . وللأسف فما زلنا في عقلية القبيلة وشراء الولاء والانتماء بالمال السياسي دون تكوين كيان سياسي صلب يُوحِّد ولا يُفرِّق. وبعض الساسة المتنفذين الذين يلعبون بمصير الوحدة الوطنية غير مقتنعين بأن الشعب بمختلف أصوله في سفنية واحدة ، فإما النجاة معاً أو الغرق معاً دون حل وسط، وذلك لأن ولاءهم حيث أرصدتهم البنكية في جنيف ولندن، فحقائبُ السفر جاهزة في بيوتهم ، وتذاكر السفر محجوزة سلفاً ، وهذه هي عادة المرتزقة في كل العصور .

     وبسبب عجز الحكومة عن بناء النظام العام ودولة المواطنة والسِّلم الاجتماعي ، وفشلها الذريع في تكوين مجلس نيابي قوي ذي أفق سياسي مبدع ، واعتمادها على سياسة أمنية قاسية وفاشلة، حيث صارت العقيدة الأمنية تنظر إلى المواطنين العُزَّل كأعداء محارِبين ينبغي إبادتهم،  فقد انتقلت الخلافات إلى شوارع المدن لأنه لا يوجد مكان للحوار والمناقشة و"الفضفضة"، فصار إحراق الإطارات والاشتباكات بين المواطنين ورجال الأمن أمراً روتينياً في أنحاء البلاد كأن الأمر فيلم أكشن. وانتقلت الجامعات من كَوْنها مراكز علمية وثقافية إلى تجمعات عشائرية تتكرس فيها العصبية القبلية ، والحقد المجتمعي ، والتفرقة العنصرية، وهذا أدى إلى انتشار العنف الجامعي، في ظل عجز حكومي واضح .

     وبما أن العنف المجتمعي ذو صفة انسحابية ، فقد انتقل إلى ملاعب كرة القدم التي صارت كابوساً للجميع ، حيث يتجلى اعتداء قوات الدرك على المشجعين العُزَّل ضمن فوضى أمنية تعكس غياب بعد النظر عن واضعي السياسة الأمنية ، فصارت الثقة مفقودة بين رَجل الأمن والمواطن العادي . فقواتُ الدرك تتصرف كسُلطة فوق القانون ، وما كانت لتقدم على بعث الفوضى في الملاعب لولا معرفتها بأنها لن تُسأل عما تَفعل .

     وفي ظل هذه الانهيارات المتواصلة والكوارث المتكررة ، نجد أن الحكومة غاطسة في العسل ، موجودة في واد ، والشعب في واد آخر . وفي أحسن الأحوال يتم عقد مؤتمر شكلي لعلاج قضايا العنف الاجتماعي ، حيث يتناول المشاركون الحلوى والمشروبات الغازية ثم يذهبون إلى بيوتهم ، ويتركون الشعب ضائعاً بلا بوصلة .

     وإن لم يتم حل هذه المشكلات من جذورها عبر إصلاح سياسي حقيقي وشامل ، فإن المجتمع مقبل على أزمات كارثية شاملة ، لأن دفن النار تحت الرماد ليس الحل لإطفاء نار الفتن والتناقضات الاجتماعية .

 

14/12/2010م

 

 

 

ذكرى انتصار المقاومة في غزة

 

     إن الحرب على غزة نهاية عام 2008م أزاحت القناع عن وجه " إسرائيل " وأعراب النفاق المساندين لها فوق الطاولة وتحتها . كما أنها كشفت عجز الآلة العسكرية الصهيونية في حسم الأمور ، وجاءت بنتائج عكسية حيث ارتد السحر على الساحر . فمحاولة إنهاء حكم حماس باءت بالفشل ، وصارت حركة حماس أقوى من ذي قبل بسبب نجاحها في امتصاص الضربة الأولى ، وكما يقال إن الضربة التي لا تقتلك تُحييك وتزيدك قوة . ومحاولة تحرير الأسير جلعاد شاليط ذهبت أدراج الرياح، وهذا أدى إلى تمسك حماس بمطالبها بعين قوية واعتراف الغرب بذلك، وليس أدل على هذا من وجود وسيط ألماني كان يسعى في الموضوع بدلاً من الوسيط المصري ذي الدور المشبوه . كما أنها أظهرت الصورة الحقيقية للكيان الصهيوني التي كانت لفترة طويلة مختبئة وراء مكياج الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان ، وصارت المظاهرات الرافضة للحرب في عواصم الدنيا هي الشرعية الجديدة بعد وفاة ما يسمى بالشرعية الدولية في أحضان الفيتو الأمريكي الذي يُستخدم كسيف على رقبة الضحية .

     والبعض يعتقد أن انتصار المقاومة هو دعاية إعلامية لرفع المعنويات لا أكثر . لكن الناظر في الواقع بعين بصيرة يؤمن تماماً أن غزة كانت مقبرة للغزاة ، وأن المقاومة حققت انتصاراً على الورق وفي الواقع قبل الحرب وبعدها . فبعد فوز " حماس " في الانتخابات  ، قام الغرب والعرب مجتمعين بمقاطعة الحكومة ، وأَمَرَتْ أمريكا بالقضاء على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية عبر زرع العقبات في الطريق ضمن مسار تواطؤ الأنظمة العربية الكرتونية التي تتلقى الأوامر من البيت الأبيض . ومع هذا فقد استمرت حكومة حماس في غزة كأن شيئاً لم يكن ، وهذا هو الانتصار المعنوي .

     وبسبب هذا الصمود انتقلت فكرة القضاء على حماس من حرب المقاطعة إلى الحرب العسكرية . وفي هذا السياق ينبغي أن نعلم أن الجيوش العربية قد هُزِمَت عام 1967م في عدة ساعات ، وهي جيوش نظامية يُنفَق عليها بالمليارات ، لكن عقيدتها العسكرية غارقة في الأوسمة الصدئة والشعارات الفارغة . أما المقاومة الفلسطينية الخارجة من المخيَّمات فقد صمدت لأكثر من 500 ساعة من القصف الهستيري الذي أَنهك سلاحَ الطيران الصهيوني فصار يطلب الإمدادات من أمريكا. وقد تناقلت وسائل الإعلام في حرب 1967م صور جنود عرب بالملابس الداخلية وهم يرفعون أيديهم استسلاماً لعدوهم ، في حين أننا لم نشاهد أي رَجل من المقاومة يرفع الراية البيضاء . وهذا يشير إلى الفرق بين القتال عن إيمان ويقين، والقتالِ بسبب الراتب الشهري ولرفع العتب .

     وليكن معلوماً أن المقاومة الفلسطينية في غزة كانت محاصرة من ثماني جهات [ الأمام، والخلف، والميمنة، والميسرة، والوسط( العملاء ) ، وتحت الأرض ( تدمير الأنفاق ) ، وفوق الأرض ( قصف الطائرات الحربية )، ومن البحر ( قصف البوارج الحربية ) ] . وهذا لم يحدث في تاريخ الوجود البشري ، ولو حتى في حصار ستالينغراد الذي سقط فيه مليون ونصف قتيل . وهكذا تكرست عقلية جديدة في الوعي الفلسطيني ، وهي المقاوَمة تحت الحصار الشامل، حصار الإخوة قبل الأعداء.

     وقد وردت تصريحات عديدة أثناء الحرب . مثل تصريح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي اعتبر أن حماس تقامر بدماء الشعب. وهذا تصريح في غير محله ، لأن المقاومين الذين يضحون بحياتهم في سبيل تحرير بلادهم ليسوا مقامرين ، فحركةُ فتح التي يرأسها محمود عباس كانت أول من أطلق الرصاصة الأولى ( عام 1965م) وبدأت المقاومة المسلحة ، ولم نسمع أحداً قال يومها إنها تقامر بدماء الشعب .

     وجاء تصريح وزير الخارجية المصري أبو الغيط الذي وصف حركة حماس بالانقلابية ، لكنه نسي أن النظام السياسي المصري الحديث منذ عام 1952م كانت نتيجة انقلاب الضباط الأحرار على الملك فاروق ، وكان الراحل أنور السادات أحد أولئك الضباط ، وكان الرئيس المصري حسني مبارك نائباً له . فلماذا يصبح المصريون في عام 1952م ثواراً أبطالاً شرفاء ، وتصبح " حماس " انقلابية مجرمة تقامر بدماء الشعب وجاهلة في السياسة ؟! . وينبغي أن يتذكر السيد أبو الغيط أنه طوال الحرب على غزة لم نسمع أن أحداً مات على طوابير الخبز ، لكن الفقراء في مصر كانوا يموتون على طوابير الخبز في قلب القاهرة وفي زمن السلام وخيراتِ كامب ديفيد ! .

     وتأتي بعض الأصوات " المعتدلة " التي تقول إن حماس أحد أذرع إيران . فعندما يقوم خالد مشعل بزيارة إيران يصبح عميلاً لها وخادماً لخامنئي ، لكننا لم نسمع شيئاً عندما قام عرفات وخليل الوزير بزيارة الخميني والجلوس إلى جانبه على الفراش الأرضي ، ولم يتهمهما أحد عندئذ بأنهم من عملاء إيران الذين يأتمرون بأوامر الولي الفقيه ! .

     والمؤسف أن النظام الرسمي العربي قد اعتاد على الهزائم والانكسارات ، فصار عاجزاً عن تصديق انتصار المقاومة اللبنانية ( 2006م ) أو انتصار المقاومة الفلسطينية ( 2009م ). لكن هذه الأنظمة المتواطئة ينبغي أن تدرك أن "إسرائيل " قد توقفت انتصاراتها منذ العام 1982م ، لأن الذي يقود معركة التحرير ليس الجيويش العربية المهزومة بل المقاومة الشريفة .

 

27/12/2010م .

 

 

متى تحاكم الشعوب العربية حكامها ؟

 

     إن محاكمة الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف بتهمة الاغتصاب والتحرش الجنسي تشير بوضوح إلى أن " إسرائيل " _ رغم كونها كيان احتلال _ ذات دستور يخضع له الكبير والصغير دون تمييز . وهذا جعل الساسة الإسرائيليين يتفاخرون أمام وسائل الإعلام بهذا الإنجاز، حيث يحاكم رأس النظام السياسي أمام القضاة ، ويتعرض للتحقيق والاستجواب ، ويُمنع من السفر في انتظار صدور الحكم . ومثل هذه المحاكمة سبق أن حدثت مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في فضيحة مونيكا لوينسكي ، حيث تم إخضاعه للتحقيق تحت القَسَم . وهذا الأمر متكرر في الأنظمة السياسية الغربية التي تنظر إلى رأس الدولة كخادم للشعب وليس الشعب خادماً له .

     وإذا كان الرئيس الإسرائيلي السابق أُدين بالاغتصاب والتحرش الجنسي بحق بعض الموظفات، فإن الحاكم العربي قد اغتصب بلاداً وشعوباً بأكملها ، واختطف الدولة بكل ما فيها ، وحوَّلها إلى بقرة حلوب تدر المكاسب عليه وحاشيته دون وصول أية منفعة للشعب . فلماذا لا يتم تقديمه للمحاكمة كما يحدث في إسرائيل ودول الغرب ؟ .

     والإجابة على هذا السؤال متشعبة للغاية بسبب تعقيد الحالة العربية . فالحاكم العربي _ في حقيقة الأمر _ غير شرعي ، إذ إنه يستمد شرعيته الوهمية من الإسناد الخارجي له لقاء التزامه بأوامر من نصَّبوه . فهو لم يأت عبر صناديق الاقتراع ، ولم يات بإرادة شعبية أو مباركة وطنية ، إنما نزل إلى سدة الحكم بمنطاد سياسي دون وجود أية قاعدة شعبية له . لذلك فالحاكم العربي هو عنصر شاذ عن مسار الشعب وهوية الوطن . وهو يعرف هذه الحقيقة ، لذلك نراه يتشبث بالسلطة بأظافره وأسنانه _ مدعوماً بالقوى الغربية _ حتى الرمق الأخير ، فهو يعرف أنه إذا تنازل عن الحكم أو تم إقصاؤه من السلطة سوف يُسأل عن كل أمواله وسياساته وأرصدة عائلته والمقربين منه . وهذا يزيده تمسكاً بالكرسي حتى وفاته . وهذا يفسر حرص الحاكم على الإنفاق الهستيري على حراسه الشخصيين وأجهزة الأمن ، وتخصيص ميزانية هائلة للتسلح ، مع أن الجيوش العربية نائمة لا تخوض حروباً خارجية ، فكل حروبها ضد الشعب المسكين المغلوب على أمره . كما أن الدساتير العربية يتم تفصيلها حسب مزاج الحاكم ، وبما يضمن استمراره في السلطة ، وجعله فوق مستوى النقد . لذلك فالدستور والشعب وكل عناصر الوطن في خدمة الحاكم " الملهَم " . والدساتير العربية مثل شباك العنكبوت لا يقع فيها سوى الكائنات الصغيرة ، أما الكائنات الكبيرة فلا تعرف غير تمزيقها .

     والشعوبُ العربية تتحمل دوراً كبيراً في تقديس الحاكم . فهي مولعة بتصنيم الذوات ، أي جعلها أصناماً مُطاعة بلا نقاش ، وذلك من أجل تحقيق مصالحها الآنية ، والإفلات من ملاحقات رجال الأمن المتكاثرين كالفطر السام. وفلسفةُ الشعوب العربية هي تقبيل اليد التي لا يمكن قطعها.

     وهذا الانهيار الكارثي على مستوى الوطن والشعب أدى إلى تمادي الحاكم وعصابته ، فصار الدستور لعبةً في يده ، وصار الشعب خادماً له يتسول على أبواب قصوره لقاء بعض الأعطيات ، وصارت أجهزة الإعلام الرسمية تُطبِّل وتُزمِّر ليلاً نهاراً لهذا القائد العظيم ( الزعيم الأوحد ) الذي لم يُحرِّر ذبابة ، ومع هذا يتم تقديمه كخليفة لخالد بين الوليد .

     لكن بشائر التغيير باتت ملموسة على أرض الواقع ، فهناك قوى شعبية عديدة صارت تنزل إلى الشارع ، والمعارضة العربية صارت أشد تماسكاً ووعياً ، كما أن النخب المثقفة الشريفة بدأت تفتح عيون الجماهير وتقودها نحو التغيير المنطقي الواعي بلا فوضى أو شغب . وهذا كله يساهم بشكل كبير في تعرية الحاكم العربي أمام شعبه ، وتجريده من صفات القداسة ، وتعريضه للمساءلة أمام شعبه ، فالحاكمُ العربي يجب أن يتذكر أنه ليس إلهاً ، فهو يجيء ويذهب ، والشعب يبقى وسيقول كلمته .

 

4/1/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حكومات الملاهي الليلية

 

     لا يخفى أن الاستبداد والفساد الأخلاقي متلازمان بلا انفصال. وذلك لأن السياسات القمعية في العالم كله تحاول إشغال الشعب بالشهوات والمناحي الاستهلاكية لئلا ينتبه إلى الحياة السياسية فينقد الظواهر السلبية ويوجع رأس الحكومات وواضعي السياسات بالمساءلة والمحاسبة. فمن المهم جداً في الدول الفاشلة أن يظل الشعب غاطساً في الأوهام والملذات ، ومخدَّراً بالشعارات البراقة ، ولاهثاً وراء المتعة الآنية . مما يبعده عن التفكير المنهجي في مصير الشعب ومسار الوطن . وهذا هو هدف حراس الاستبداد والفساد الإداري في كل الأنظمة السياسية .

     ففي الفترة الأخيرة تم افتتاح كازينو للعب القمار قرب العاصمة السورية مع أن الدستور السوري يُجرِّم لعب القمار . وفي نفس الفترة قامت الحكومة الأردنية بتحقيق إنجاز تاريخي غير مسبوق ، وهو السماح للأردنيات _ لأول مرة _ بالعمل في الملاهي الليلية . وهذان النموذجان غيض من فيض، وهما يعكسان الانهيار العربي من الخليج إلى المحيط . فالوطنُ العربي _ الذي هو ضحية تخبط السياسات وفشل المسؤولين في الإدارة _ صار ينافس لاس فيجاس وخليج أكابولكو في الانحراف الأخلاقي . فمنتجع شرم الشيخ _ مثلاً _ غطى على أشهر منتجعات العالم . وقد رأينا كيف أن الرئيس الفرنسي ساركوزي اصطحب عشيقته كارلا بروني _ قبل أن يتزوجا _ في رحلة إلى مصر والأردن، وكأن الأمر روتيني، فلم يذهب إلى منتجعات أمريكا اللاتينية أو أوروبا ، بل جاء إلى الوطن العربي وهو يعلم أنه سيسرح ويمرح بلا نكير من هذه الحكومات العربية المتهاوية .

     وهذه الأمور تشير إلى أن الحكومات العربية الفاسدة مالياً وأخلاقياً بدأت تستثمر في الأجساد البشرية ، ليس بمعنى التنمية البشرية وتعزيز قدرات الشعوب ومعالجة مشكلات البطالة والعنوسة، بل بمعنى المتاجرة بأجساد الشعوب والتلاعب بمصيرهم، وإغراقهم في عمليات الكسب غير المشروع . وهذه نتيجة طبيعية لغياب مناهج الإصلاح والتنمية والتطوير الإداري .

     فحينما تعجز الحكومات عن تحقيق تنمية عبر بناء الإنسان والوطن ، وتفشل في زيادة الدخل القومي، وتفقد بوصلة الاقتصاد ، وتتقاعس أمام معدلات العجز المذهل في الميزانيات ، وغلاء الأسعار، وتفشل في منع النهب المنهجي لمقدَّرات الدولة ، فعندئذ سوف تلجأ _ الحكومات_ إلى جني الأرباح من خلال تحويل الإنسان إلى سلعة في موضع البيع والشراء ، فتخترع القوانين لتنظيم لعب القمار والحصول على عوائد ضريبية مرتفعة ، وتزيد من رقعة الملاهي الليلية وجنسيات المشاركين فيها من القاعدة حتى الرأس . والحكومات تعتقد أنها بهذا العمل تحفظ رأس المال المحلي من الهجرة للخارج ، وتزيد من فرص العمل ، وبالتالي الحد من البطالة ، وتستقطب القادرين على الدفع في الداخل والخارج . وهذه كلها أوهام سرعان ما تذهب أدراج الرياح .

     ولو أن هذه الأموال الضخمة التي تُصرَف على هذا الضياع الهستيري تم استثمارها في بناء الجامعات المحلية وفق أعلى المستويات ، ورعاية مواهب الشباب ، وإنشاء مراكز بحث علمي متقدمة ، وتزويج الشباب العاجز عن تحمل التكاليف الباهظة ، وإنقاذ ملايين العوانس من الخليج إلى المحيط ، من أجل إنشاء نظام أُسري قوي يصنع مجتمعاتٍ متقدمة قادرة على الإبداع وصناعة المستقبل المزدهر في مواجهة التحديات الشرسة المتكاثرة ، لكانت المجتمعات العربية حقَّقت أرباحاً مذهلة على كل الأصعدة ، وصنعت معدلات تنمية عالمية ، وصارت في مصاف أرقى مجتمعات العالم في العلم والحرية والديمقراطية وارتفاع الدخل القومي والتداول السلمي للسلطة .

     لكن الحكومات العربية التي تنظر إلى الشعب باعتباره قطيع غنم قابل للذبح في أي وقت ، سوف تضحِّي به عند أية أزمة ، وسيجد الشعب نفسه وحيداً في معركة تحقيق الذات وصناعة الوطن ، فكل حكومة تبيع شعبها من أجل الدولارات لا يمكن الوثوق بها . وللأسف فهذا حال جميع الحكومات العربية بلا استثناء .

 

13/1/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحاكم العربي هو شاه إيران

 

     إن المشكلة الأساسية في عقلية الحاكم العربي أنه لا يتعظ بغيره ، ولا يأخذ الدروس والعِبر من حركة التاريخ وتقلبات السياسة . فهو يعتقد أن تقبيل يد الغرب واختباءه في قصره المحاط بجنوده المرتزقة كفيلٌ بجلب الأمن له وضمان استقرار حُكمه حتى يوم القيامة ، لكن هذه النظرة لا أساس لها من الصحة لأن كل الثورات التاريخية التي تضمنت إسقاط أنظمة الحكم حدثت ضد حكام مدعومين بقوة عسكرية كبيرة داخلياً وخارجياً ، ومع هذا سقطوا ، وتخلى عنهم الجميع . فلماذا لم ينتفع الحاكم العربي بهذا التاريخ ليعرف أن الحكم لو دام لغيره ما وصل إليه؟.ولماذا لم يأخذ العِبرة من تعاقب الدول والحكام عبر الأطوار الزمنية المختلفة؟.

     والإجابة تتمحور حول ثلاثة أبعاد :

1_ البعد السياسي : فالحاكم العربي لم يبنِ دولة القانون والمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني لاعتقاده أن هذه الحياة السياسية ستسحب البساط من تحت قدميه ، وبالتالي قام بعسكرة المجتمع وتكوين الدولة البوليسية المنتشرة في كل تفاصيل المجتمع . وهذا أدى إلى حدوث فراغ رهيب في الكيان السياسي العربي ، ولا يمكن للحضارة أن تزدهر في فراغ ، لذلك غابت التنمية وانتشرت البطالة ، وتكاثرت الأزمات المجتمعية بشكل هستيري دون وجود حلول . فالفراغُ هو قاتل المواهب ، لذلك لم تستفد الحكومات العربية من الشهادات العلمية للوزراء من أكسفورد وهارفارد ، فصار المسؤولون الحكوميون غارقين في الروتين الوظيفي ، والحفلات الاجتماعية ، والولائم العامرة بأشهى المأكولات ، وهكذا غابت الثقة بين الشعب والطبقة الحاكمة ، فكل طرف في واد يُغنِّي على ليلاه ، وكلاهما يسيران وفق خطين متوازيين دون فرصة للالتقاء وتضافر الجهود. أضف إلى هذا أن الدول العربية تم تحويلها إلى كيانات مفرغة من المعنى ، فالمجتمعات أضحت إقطاعياتٍ طبقية على غرار كيانات السادة والعبيد ، وازدادت الفجوة بين الحاكم المشغول بسرقة الشعب وبين المحكوم المشغول بتحصيل كسرة الخبز. وهكذا نشأ مجتمع الكراهية والحقد والانتقام، فصار الشعبُ مستعداً للثورة لأنه حُشر في الزاوية ، وصارت الحياة والموت عنده سيان .

2_ البعد الاجتماعي : إن سلوك النخب الحاكمة أنتج مجتمع النفاق والتطبيل والتزمير والثناء على الحاكم الفاشل، ليس حباً فيه، ولكن من أجل تحصيل بعض المنافع المادية . والكارثة الحقيقية أن الحاكم صدَّق هذه الأكاذيب والألاعيب ، فنفخ ريشه كالطاووس ، وصار يعربد بالطول العرض اعتقاداً منه أنه فوق القانون والوطن والشعب ، ولا يُسأل عما يَفعل . فقد أُصيب بالغرور والنشوة نتيجة المواكب الكاذبة التي تصنعها الأجهزة الأمنية لبيان التفاف الشعب حول القائد ، وهذه المسرحيات الكوميدية لم تعد تنطلي إلا على الساذجين . والغريبُ أن هذه الأساليب انطلت على الحاكم نفسه ، وبدأ ينظر إلى نفسه كشريف رغم معرفته في قرارة نفسه أنه لص . وهنا تمكن خطورة النفاق الاجتماعي في صناعة الأصنام البشرية .

3_ البعد النفسي ( السيكولوجي ) : إن رؤوس الأنظمة السياسية العربية هم من المرضى النفسيين المصابين بآلاف العقد النفسية والأمراض الداخلية الخطيرة . فهم ينظرون إلى الدولة ومرافقها كأملاك شخصية يريد الشعبُ أن يسرقها منهم.لذلك هم دائمو الخوف والشك في كل ما حولهم، فينظرون إلى أفراد عائلاتهم على أنهم طامحون في السلطة ، وقد ينقضون على الحكم في أية لحظة ، وينظرون إلى الشعب كعدو ينبغي مقاومته . وهذا الاضطراب النفسي ينعكس على تفكيرهم وسلوكهم ، فتصبح قراراتهم مضطربة ينقض بعضها بعضاً، وتصبح سياساتهم فوضوية على شكل ردود أفعال ساذجة تفتقد إلى المنطق والاتزان ، ويتحول الدستور إلى كومة مواد متغيرة باستمرار يتم تعديلها حسب مزاج الحاكم غير السوي .

     والشعوبُ العربية واعية لهذه الأبعاد ، وقد تجاوزت ثقافة الرعب ، وصارت تسعى إلى اختيار حكامها بأنفسها وصناعة مستقبلها بأيديها ، فهي لا تقبل أن يحكمها اللصوص والمرضى النفسيون والأصنام البشرية . فهي تصنع حياتها كما تريد لا كما يريد أزلام الدولة البوليسية . وهذا المارد الشعبي الذي استيقظ لم يعد بالإمكان الضحك عليه أو تخديره أو تنويمه مغناطيسياً .

 

18/1/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحكومة الأردنية صارت تعشق الشعب !

 

     إن الفوضى التي تعيشها الحكومات العربية الواقعة تحت صدمة الأحداث الدراماتيكية في العالم العربي على كافة الأصعدة تشير إلى عدم وجود بنية سياسية متماسكة ، فالقرارات تأتي كردود أفعال وقتية وإجراءات ارتجالية دون وعي استباقي أو تخطيط عابر للأزمات . فالحكومات تلهث وراء الأحداث حيث تنتظر وقوع الكوارث ثم تبدأ في البحث عن حلول ، فهي غير مقتنعة بمبدأ " الوقاية خير من العلاج " .

     والحكومةُ الأردنية _ باعتبارها جزءاً من حالة الانهيار السياسي العربي _ تعتمد على المكياج السياسي لتلميع وجهها أمام الرأي العام ، كما أنها أضحت تروِّج " المخدرات السياسية " المعتمدة على صناعة مسرحيات العشق والهيام بينها وبين الشعب . فعمدت إلى زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين بواقع 28 دولاراً في الشهر ، وهذا زيادة لا تسمن ولا تغني من جوع ، لكنها تجيء لامتصاص الغضب الشعبي وتخدير الناس وحقنهم بالمسكِّنات . وهذه التمثيلية الكوميدية لا تنطلي على أحد ، لأن السياسة الوطنية ينبغي أن يتم تأسيسها وفق خطط مدروسة تقتلع المشكلات الحياتية المتفاقمة من جذورها ، فالحلول لا تكون على شكل هِبات أو رشى لإسكات الشعب والضحك عليه . فالشعبُ لا يمكن استغفاله أو تمرير البرامج الحكومية الكارثية على حسابه .

     أما قيامُ أجهزة الأمن بتوزيع المياه المعدنية والعصير على المتظاهرين ضد رفع الأسعار وغلاء المعيشة والاحتقان السياسي وتزوير الانتخابات ، فهذا العمل لا يوفر للعاطل عن العمل وظيفة ، ولا يجلب عريساً للفتاة العانس ، ولا ينقل البلاد إلى مصاف دول العالم الأول، ولا يؤهل المنتخب لكأس العالم أو نهائي  بطولة آسيا . فالمطلوبُ عمل حقيقي على أرض الواقع ، وتشخيص الأزمات المجتمعية واستئصالها ضمن منظومة علاج ناجعة ، وعدم الاكتفاء بعقد المؤتمرات الشكلية أو عقد مناظرة بين الحكومة والمعارضة في التلفاز الحكومي الذي يُطبِّل ويُزمِّر لعبقرية الحكومة والأداء المذهل للسادة الوزراء والتضحيات العظيمة للسادة النواب ! . فكل وزير أو نائب يُقصِّر في عمله ويفشل في أداء متطلبات وظيفته عليه أن يُقدَّم لمحاكمة بتهمة خيانة الأمانة ، وكل من يرى نفسه عاجزاً عن أداء المهمات الحكومية والاجتماعية ينبغي أن يجلس في بيته ، ويريح الناسَ من شرِّه ، ويرتاح الشعبُ من دفع راتبه آخر الشهر .

     والسيد سمير الرفاعي رئيس الوزراء لا يملك خبرةً سياسية أو اقتصادية لصياغة مستقبل وطن وشعب،وإذا كان والده السيد زيد الرفاعي _ وهو المتبحر في السياسة والخبير في كواليسها_ لم ينجح في قيادة الاقتصاد الأردني ، وانهار الدينار الأردني في عهده ، فماذا سيفعل الابن الذي لا يملك عُشر خبرة والده ؟!.

     لذلك فالحل يكمن في إقالة الحكومة ، والبحث عن حكومة جديدة يتم تشكيلها بإرادة شعبية، وذلك لا يتأتى إلا بتعديل الدستور ، وحل مجلس النواب الحالي باعتباره غير شرعي ، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة ، وقيام رئيس الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة . أما أن تظل الحكومات الأردنية المتعاقبة تختبئ في عباءة الملك، وتخفي فشلها المتكرر عبر الاختباء وراء مؤسسة القصر ، فهذا من شأنه أن يقود البلاد إلى أزمات حقيقية شاملة، ويوسِّع الفجوة بين الحاكم والمحكوم.

 

26/1/2011م .

 

 

 

آخر الفراعنة في محكمة الشعب

 

     يبدو أن الرئيس المرفوض شعبياً حسني مبارك لم يستفد من تاريخ الحضارة المصرية في تعلم دروس تعاقب أنظمة الحكم . فهو ما زال يعيش في عقلية الدولة البوليسية / القبضة الأمنية ، ويعتقد أن نظام حكمه المتهاوي قادر على الوقوف في وجه كلمة الشعب . وهذه النظرة القاصرة تشير إلى الغرق في النظرة الأمنية الضيقة التي تنظر إلى الشعب كعدو داخلي ينبغي سحقه لئلا يرفع رأسه .

     لكن الشعب المصري الذي حفر قناة السويس وأوصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر ، وصنع انتصار 1973م عبر تدمير خط بارليف ، وصنع حضارة عمرها أكثر من سبعة آلاف سنة ، لا يمكن اعتباره صفراً على الشمال ، فهو رقم صعب لا يمكن تجاوزه. وهذا ما رأيناه على أرض الواقع . فالمظاهرات الشعبية التي ترفع شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " هي صرخة الولادة لهذا الجنين الجديد القادم إلى الحاضر بقلوب مليئة بالإيمان بحياة كريمة، وعيون مفتوحة على الوعي الحضاري . فهذه ليست ثورة جياع أو متسولين ، إنها ثورة الكرام الذين يرفضون المهانة ، ويريدون صناعة حاضرهم بأيديهم ، والدخول في مستقبل مشرق لا مكان فيه للاستبداد والقمع . وصدق القائل : احذر الكريم إذا أهنته .

     وقد تجلت وحدة كلمة الشعب في تلاحم الشعب والجيش ضمن سمفونية الثورة الناصعة ، ورفض الظلم . فالشعب والجيش وجهان لعملة واحدة اسمها الشرف ، ووجودهما في خندق واحد من أجل التغيير واستعادة دور مصر الحضاري إقليمياً ودولياً يشير إلى التطلع الشعبي إلى شمس الحرية ، فالجيش لم يجيء من أدغال أفريقيا، إنه ابن الشعب وحارس أحلام الأمة .

     وفي الجهة المقابلة نجد أن أزلام النظام الحاكم المرفوض شعبياً يهربون تباعاً ، وذلك لأنهم يعتبرون مصر سفينة تغرق ، والأسلم الهروب من السفينة . وهذا يدل على نظرتهم إلى مصر كبورصة مالية يتمسكون فيها ما دامت تدر أرباحاً ، ويهربون منها في وقت الأزمات . لكن مصر لن تكون سفينة تغرق ، فالربانُ يعرف نفسه ويعرف هدفه بدقة ، ومن يعرف مساره لا يلتفت أثناء سيره ، ولا بد أن يصل ولو بعد حين .

     وقوةُ هذه الثورة الشعبية كامنة في انبعاثها من الداخل المصري ، فهي لا تستقوي بالخارج ، وليس لها أجندات خارجية . وفي المقابل نرى أن النظام المصري المحتضر يحاول الاستنجاد بأمريكا لكي تمنحه الشرعية ، وتسمح له بسحق المتظاهرين وإنهاء هذه الثورة ، وذلك عبر التلويح " بفزاعة " الإخوان المسلمين لإخافة الغرب من حكم الإسلاميين الذين يتم تصويرهم كوحوش قادمة للقفز على سدة الحكم،وأكل " إسرائيل " والقضاء على مصالح الغرب ، وتدمير استقرار المنطقة . وهذه اللعبة المكشوفة للجميع والتي تم استهلاكها طوال الأعوام الماضية لا تجدي نفعاً . فالجميع يعلم أن هذه ثورة شعبية تشمل كل أطياف الشعب بلا استثناء . فلا فائدة من بحث النظام عن طوق نجاة في البيت الأبيض ، لأن الشعب قال كلمته وسيقولها .

     فلا بد للرئيس المرفوض شعبياً أن يُسلِّم السلطة بشكل سلمي ، ويُجنِّب البلاد والعباد إراقة الدماء إذا كان حريصاً على مصالح شعبه _ كما يقول في كل خطاباته _. مع ضرورة توفير محاكمة عادلة له ولفريقه ومحاسبتهم عن الثلاثين سنة الماضية ، وطوي هذه الصفحة ، وبدء كتابة فصل جديد من تاريخ مصر ، يكتبه أبناؤها الشرفاء الذين لم يهربوا إلى واشنطن أو لندن بالحقائب الدبلوماسية .

 

31/1/2011م .

 

 

مشكلة مصر : عدم وجود رشيد بن عمار

 

     لا يخفى أن الثورة التونسية المجيدة ما كانت لتتحقق لولا وجود قيادة حرة ونبيلة في قمة الجيش التونسي وهو الجنرال رشيد بن عمار الذي رفض إطلاق النار على شعبه نزولاً عند أمر الطاغية المخلوع ، وانحاز إلى أحلام أبناء بلده ومعاناتهم وحريتهم . مما جعل بن علي يهرب بجِلده خائفاً مرعوباً على الرغم من كونه ابن المؤسسة العسكرية التي تعلم فيها الصلابة والثقة بالنفس والروح القتالية . وفي واقع الأمر فإن هروب بن علي لم يكن بسبب ضعفه ، بل بسبب قوة القيادة العسكرية التي كانت عملاقاً أجبر الرئيس المخلوع على استصغار نفسه والفرار مع أخذ ما غلا ثمنه وسهل حمله . وهذا لا يقلل من ثورة الشعب وكلمته الصارخة في وجه الظلم ، لكن الشعب لوحده لا يقدر على إزالة عروش الطغاة ، ولا بد من وجود قيادة تملك القوة لكي تضغط على الحكام الظالمين لكي يتنازلوا . إذ إن الطواغيت الذين اعتادوا على استعمال القوة والقمع ضد الشعب الأعزل لا يفهمون إلا لغة القوة ، فهم لا ينظرون إلى اليد التي تحمل علماً أو لافتة تنديد رغم أهميتها ، ولكنهم ينظرون إلى اليد التي تحمل مسدساً .

     ومن خلال هذا المنظور يمكننا فهم أهمية قيادة الجيش المصري في حسم خيارات المرحلة. فالموقف الرمادي للجيش جعل من الرئيس غير الشرعي حسني مبارك يبدو متماسكاً وواثقاً على الرغم من أن تماسكه شكلي ومجرد مسرحية لا تمت للواقع بصلة . فالرئيس مبارك المرفوض شعبياً منهار تماماً من داخله ونظامه يتهاوى، لكن المكابرة وتصنع الثبات عند الشدائد تُظهرانه بمظهر الواثق والزعيم الذي لا يهتز. وهذا مرجعه إلى هلامية قيادة الجيش وعدم انحيازها إلى متطلبات الشعب .

     وكل ثورة لا بد أن يكون لها جناحان لكي تنجح وتحلق بكل عزة : الشعب والجيش . والشعب المصري قام بواجبه وقدم الكثير من الشهداء في سبيل نيل حريته والانعتاق من النظام الحاكم الفاسد الذي أحال البلاد إلى كومة أنقاض عبر تكوين عصابة حاكمة من الساسة الفاسدين ورجال الأعمال المرتزقة وقطاع الطرق والزعران ( البلطجية ). وقد كسر الشعب حاجز الخوف وتفوق على ذاته طالباً حريته بدمائه ، فقدم التضحيات الجليلة مستنداً إلى إرادة حديدية لا تلين ولا تنخدع بالكلام المعسول لرجال مبارك .

     أما الجناح الثاني ( الجيش ) فعليه واجب الحرية والتحرير، وأن يوقف الرئيس غير الشرعي عند حده ، فلا يمكن تدمير البلاد والقضاء على شعبها من أجل عيون زعيم سياسي لم يحقق أي نجاح طيلة ثلاثين سنة. فالشعب والجيش يد واحدة في مركب واحد، أما شخصية الرئيس فتأتي وتذهب، ومصر ليست عاقراً ، فهي قادرة على إنجاب الكثير من القادة القادرين على انتشال البلاد من مستنقع الضياع .

     فعلى قيادة الجيش المصري أن تتعلم من الدرس التونسي ، وأن تنحاز إلى طموحات الشعب فوراً . فرهانُ الجيش المصري على مبارك رهان خاسر سينعكس سلباً على المؤسسة العسكرية ويفقدها كل الاحترام . أما رهان الجيش على الشعب وإسقاط النظام الفاسد نزولاً عند الرغبة الشعبية فهو الذي سيحفظ للجيش المصري مكانته وسمعته والتحامه بالناس . فلا بد من ظهور رشيد بن عمار ، ولكن هذه المرة بشكل مصري . فالتاريخ لا يرحم أحداً ، ومن أراد أن لا تصيبه لعنة الأجيال فعليه الوقوف في صف الشعب ، فهو الرهان الناجح على الدوام .

 

11/2/2011م .

 

 

 

 

هل يتشمس الطغاة المخلوعون على البحر الأحمر ؟!

 

     يبدو أن منطقة البحر الأحمر صارت مقراً لانعقاد القمة العربية ، ولكن هذه القمة من نوع خاص . فهي ملتقى الحكام المخلوعين الذين تم إخراجهم وهم يجرون أذيال الخيبة والحسرة . فالرئيس التونسي المخلوع هرب إلى جدة ( وهي عروس البحر الأحمر ) ، والرئيس المصري المخلوع هرب إلى شرم الشيخ ( أكبر منتجعات البحر الأحمر ) . وكأن هناك اتفاقاً ضمنياً على قضاء سنوات الذل أمام البحر . ربما كنوع من النقاهة والاستجمام ، ومحاولة نسيان الجرائم التي ارتكبها هؤلاء الطغاة .

     ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:كيف يقضي هؤلاء القادة الفاتحون أيامهم ؟!. هل يتشمسون على الشاطئ مع استخدام مستحضرات التجميل لحفظ لون البشرة وحراستها من التجاعيد ، أم يشكون للبحر عدم وفاء الشعب الذي لم يُقدِّر حكمة السيد الرئيس وتضحياته الجسيمة وعبقريته السياسية ودوره المحوري في تحرير فلسطين والأندلس ! . وهل هناك وقت لصبغ الشعر لكي يبدوَ الزعيم العجوز في قمة الشباب والعنفوان والتألق كنجوم السينما ؟ .

     بالتأكيد سوف يجدون وقت فراغ كبيراً ، فلا توجد مؤتمرات لمكافحة " الإرهاب " وحفظ حقوق الإنسان والتنمية البشرية والدفاع عن حقوق الشعب ، ولا توجد وسائل إعلام من أجل التقاط الصور التذكارية والتطبيل والتزمير لهؤلاء الأصنام ، ولن يُسمَح لهم بعد الآن بدخول البيت الأبيض أو دعوتهم لإلقاء الكلمات المؤثرة في الأمم المتحدة . ولن يتمكنوا من زيادة أرصدتهم البنكية عبر نهب البلاد والعباد ! .

     أما السيدة الأولى فلن تقدر _ بعد الآن _ على رعاية المؤتمرات وإقامة الاحتفالات على شرفها والإدلاء بالتصريحات العبقرية الداعمة لحقوق المرأة وتحررها ومشاركتها في الحياة السياسية . وبالطبع سوف تصبح النساء يتيمات ووحيدات بعد هروب السيدة الأولى رائدة الحركة النسائية وصانعة أمجاد المرأة العربية مع زوجها القائد الرمز ! .

     وهؤلاء الجنرالات الذين رفضتهم شعوبهم ينبغي أن يعلموا أن دخول قاعة الحكم ليس كالخروج منها . فلا يكفي أن يُطرَد الزعماء المخلوعون إلى تلك المنطقة أو غيرها . بل يجب محاكمتهم واسترداد كافة الممتلكات التي استولوا عليها، وإعادتها إلى خزينة الدولة الجديدة المولودة للتو ، وذلك لصناعة مجتمع العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ، وتقديم كامل الدعم المعنوي والمادي لأفراد الشعب من أجل تحقيق رفاهيتهم وعيشهم في مستوى كريم يليق بهم .

     فالثورةُ التي قدمت التضحيات الجسيمة لم تكن تهدف إلى إرسال الحكام إلى الشطآن لكي يتشمسوا أو يعيشوا مراهقتهم المتأخرة . وإنما كانت ترمي إلى إحقاق الحق وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح عبر محاكمة المسؤولين الذين خانوا الأمانة ، وإعادة الشرعية إلى الشعب القادر على اختيار من يحكمه أو خلعه بمنتهى الحرية والسلاسة ودون ضغط من أحد .

     إن الشعوب التي ترفض أن تعيش كقطيع الغنم هي شرارة النهضة والعنفوان والتقدم ، وقد عرفت طريقها الذي لا رجعة عنه ، وهو طريق البناء الحضاري وصناعة الإنسان في بيئة الكرامة والحرية والإبداع . وإذا عاد القطار إلى السكة سوف يمضي بأقصى سرعة إلى وجهته دون انحراف أو تردد .

 

19/2/2011م .

 

 

 

 

إصلاح مؤسسة العرش في الأردن

 

     إن المتأمل في الثورات العربية التي بدأت من تونس وانتقلت إلى باقي البلاد سيدرك أنها نابعة من الإقصاء المنهجي للشعب وتكريس المواطنين كأرقام لا وزن لها ، مما جعل الشعب يأخذ على عاتقه تغيير واقعه البائس والتحرك في سبيل استعادة حريته ودوره المفقود. فحينما يشعر الأفراد أن وجودهم كعدمه فهذا يعني أن الثورة على الأبواب ، لأن الشعب ليس صفحة تُطوى أو نزوة عابرة ، إنه الركيزة الأساسية في كل النظم السياسية ، ولا يمكن تهميشه أو بناء الدولة بدونه .

     ومن خلال هذا المنظور ندرك أهمية مشاركة الشعب في صنع القرار السياسي ، وضرورة أن يشعر بأن كلمته مسموعة سواءٌ قال نعم أم لا ، وأنه يملك سُلطة فعالة على أرض الواقع لا سلطة شعاراتية أو حبراً على ورق دستور لا يقرأه أحد . فلا يوجد شعب حي يقبل أن يلعب دور المتفرج على الأحداث أو الكومبارس في صناعة القرارات .

     وهكذا تتضح أهمية إصلاح مؤسسة العرش الأردنية عبر تطهيرها من المتسلقين عليها والمختئبين وراءها مثل رؤساء الحكومات المتعاقبة الذين يحرسون فشلهم عن طريق الاختباء في عباءة الملك والاحتماء بمؤسسة القصر . فينبغي أن يتحملوا مسؤولية الكوارث التي قاموا بها بحق البلاد والعباد ، وهذا لا يتأتى إلا برفع يد الملك عنهم لكي يقفوا أمام الشعب لمحاسبتهم على الخطايا والأخطاء المتراكمة .

     ومن أجل تحقيق هذا الهدف ينبغي القيام بخطوات منطقية متسلسلة على الأرض مثل حل مجلس النواب غير الشرعي الذي نتج عن تزوير الانتخابات والتلاعب بالقوانين ومصادرة أصوات المواطنين ، وتعديل الدستور ، وإجراء انتخابات جديدة حرة ونزيهة ، وبعدها يقوم رئيس الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة .

     فمن المهم أن يتخلى الملك عن اختيار رئيس الوزراء ويترك هذه المهمة للشعب ، فهذه هي المشاركة الحقيقية في صنع القرار . والشعب حينما يطالب بتقليص صلاحيات الملك فهو لا يرتكب إثماً ، ولا يتطاول على رأس النظام الحاكم . وهذه ليست وقاحة تستدعي الاعتذار أو الأسف ، بل هي حق شرعي للشعب ، لأن الملك هو خادم للشعب. وهذا ليس كلامي .  بل كلام الملك الراحل حسين بن طلال ( 1935م _ 1999م ) الذي قال : (( فلنبنِ هذا البلد ولنخدم هذه الأمة )) . فقد سمَّى نفسه خادماً للأمة ، وهذه وظيفة أي نظام حاكم.

     لكن بعض المرتزقة يحاولون أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك ، فيعملون على توسيع الفجوة بين الحاكم والمحكوم لتحقيق مصالحهم الشخصية ، وهؤلاء هم فئران السفينة الذين يهربون منها عند الأزمات ، لأن ولاءهم _ في واقع الأمر _ لأرصدتهم البنكية ، وليس للوطن أو الملك ، وإن هتفوا وصنعوا الشعارات البراقة وعبارات الولاء والانتماء .

     والمخلصون _ حقيقةً_ هم الذين يريدون إصلاح النظام من الرأس حتى القاعدة ، لأن صديقك من صَدَقك لا من صدَّقك . وقد كان بإمكان الشرفاء أن يُطبِّلوا ويُزمِّروا للنظام والحكومة مثلما يفعل الكثيرون ، لكن هذا النفاق بالغ الخطورة لأنه يُخفي الأخطاء ولا يعالجها ، مما يؤدي إلى تفجر الأوضاع . وهنا تبرز أهمية وضع الأصبع على الجرح ومعالجته قبل أن يتفشى في الجسد كله فيقضي عليه . وعندئذ لا ينفع الندم .

 

25/2/2011م .

 

 

كيف صارت الأردن دولة بوليسية ؟

 

     إن تخبط النظام السياسي الأردني وفشله في تحقيق الإنجازات طوال العقود الماضية أدى إلى إنتاج كوابيس سياسية تحاصر الحياة الاجتماعية بكل فروعها . ومن أخطر هذه الكوابيس التي تقض مضجع الشعب هو إعادة صناعة الأردن كدولة بوليسية خاضعة لإدارة فاسدة محصورة في العقلية البوليسية القمعية . وهذه الحالة الموبوءة لها مظاهر متعددة واضحة للعيان . فاختيار رئيس الوزراء الحالي الدكتور معروف البخيت ذي الخلفية العسكرية والذي يفتقد سجله إلى أية إنجازات عسكرية أو مدنية ، يشير بلا ريب إلى خطة مسبقة لدى صناع القرار إلى عسكرة الحياة الاجتماعية عبر الضغط عليها وتحجيمها وقمعها بشتى الوسائل . فالدكتور البخيت سبق أن تولى رئاسة الوزراء في الفترة ما بين ( 24/ 11/ 2005م _ 22/11/ 2007م ) ، ولم يحقق أي نجاح ، فقد شهدت فترة رئاسته للوزراء صداماً عنيفاً مع الحركة الإسلامية ومحاولة إقصائها وتهميشها ، وهذا غير مستغرب ، فقد كان سفيراً في الكيان الصهيوني ( 2005م ) ، وهذه وصمة عار بحد ذاتها في تاريخه المهني . كما أن فترته شهدت تزويراً للانتخابات ، ومحاولات منهجية لإقصاء الأردنيين من أصل فلسطيني. لذا فإن عودته إلى رئاسة الوزراء هي من باب       " تجريب المجرَّب " وإعادة صناعة العجلة ، والبدء من الصفر .

     والمثير للضحك في النظام السياسي الأردني الفوضوي أن مجلس النواب غير الشرعي ، والذي جاء بفعل التزوير الذي شهد به القريب والبعيد على السواء ، قد منح الثقة لرئيس الوزراء ، أي إن فاقد الشرعية صار يمنح الشرعية ، وهذه المهزلة من إبداعات السياسة الأردنية . فمجلسُ النواب غير شرعي وما يصدر عنه لا يتمتع بأية شرعية ، فما بُنِيَ على باطل فهو باطل ، كما أن فاقد الشيء لا يُعطيه.

     ومن مظاهر عسكرة المجتمع ما يحدث في المظاهرات ، حيث يقوم رجال الأمن بارتداء زي مدني ، والاعتداء على المتظاهرين أو تنظيم مظاهرات مضادة ، وهذه الألاعيب الصبيانية عفى عليها الزمن ، وصارت مكشوفة من كثرة تكرارها في المحيط السياسي العربي الذي وظَّف قاعدة " الحاجة أم الاختراع " في سبيل تكريس القمع ، ونشر الفساد ، وحماية المفسدين المتحصنين خلف الكراسي الحكومية .

     ولم تقف الإجراءات البوليسية القمعية في المحيط الاجتماعي المكشوف ، بل امتدت إلى السجون ، حيث التعذيب المنهجي للقوى المعارضة يزداد ويتفشى دون رقيب . وهذا عرَّض الأردن لانتقادات منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية . فنحن نرى الاعتقال التعسفي لأعضاء التنظيمات الإسلامية ( مثل السلفية الجهادية وغيرها ) ، وتعذيبهم ، واحتجازهم بدون محاكمة ضمن ظروف وحشية . ولم تفكر الحكومات المتعاقبة في عقد مراجعات فكرية أو حلقات إرشاد ومناصحة ودعوة العلماء لمعالجة الفكر المنحرف إن وُجد ، ومقارعة الحجَّة بالحجة ، وإرشاد الشباب إلى الطريق المستقيم. فالفكرُ لا يمكن مواجهته بالتعذيب والقمع والأساليب اللاإنسانية ، وإنما يُواجَه بالفكر والتحليل العقلاني والمناقشة الواعية للوصول إلى بر الأمان . وللأسف فهذا غائب تماماً عن المؤسسة الأمنية القمعية في الأردن .

     ومن إبداعات الحكومات الأردنية المارقة_ التي تقتل القتيل وتمشي في جنازته _ تلك التهديدات التي يتم توجيهها لقادة الإصلاح في البلاد وتجييش الرأي العام ضدهم ، ووصفهم بأصحاب أجندات خارجية ، وذلك للتضييق عليهم وتخويفهم من أجل أن يبتعدوا عن مسيرة الإصلاح وتنظيم المظاهرات المطالبة بالحقوق المشروعة. وهذا ما رأيناه أخيراً في التهديدات الموجهة ضد الشيخ حمزة منصور الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي . وبالطبع فهذه لعبة حكومية مكشوفة لردع المعارضة .

     وللأسف الشديد فإن الحياة السياسية في الأردن صارت كابوساً مفتوحاً على كل الاحتمالات، ولكن _ برغم كل شيء _ ينبغي عدم التخلي عن المطالبات المشروعة لإصلاح النظام السياسي في محاولة لتحويل الكوابيس إلى أحلام وردية . وهذا يتطلب وجود مدة زمنية محددة لبدء الإصلاحات على الأرض التي تشمل تحقيق الملكية الدستورية كاملة غير منقوصة، ومحاربة الفساد واقعاً ملموساً لا شعاراً، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، وتوزيع الدخل القومي بكل عدالة ، وعلاج مشكلة البطالة . فطريقُ الألف ميل يبدأ بخطوة ، ولا بد من تجذير هذه الخطوة ضمن مدة زمنية واضحة وسريعة. وعدا ذلك ينبغي البحث عن وسائل احتجاج فعالة مثل العصيان المدني والكفاح السلمي لإيصال كلمة الشعب للذين لا يعترفون بوجود الشعب  .

 

16/3/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطغاة في الداخل والغزاة في الخارج

 

     إن شرعية الثورات العربية مستمدة من كونها صناعة محلية بامتياز ، فهي لم تجيء على ظهور الدبابات الأجنبية أو تستقوي بالخارج . فالشعبُ هو الذي صنع بدمائه ثورته المجيدة ولم يفتح الباب لتدخلات الآخرين في شؤونه ، وهذا ما رأيناه في ثورَتَي تونس ومصر .

     لكننا رأينا وضعاً مختلفاً في ثورة ليبيا ، حيث فُتح الباب على مصراعيه أمام القوى الغربية للإدلاء بدلوها ، وتم تدويل المسألة في المحافل الدولية . وهذا يثير مجموعة كبيرة من القضايا حول مسار الثورات العربية وشرعية وجودها وحاضرها الأخلاقي ومستقبلها السياسي .

     ولو قمنا بدراسة فلسفة الثورة كمسار حياتي ، لوجدنا أن الشعب العربي له الحق الكامل في مقاومة الظلم والثورة ضد الحاكم العربي المستبد . ولكن ينبغي الانتباه إلى أهمية نقاء هذه الحركة من الأيادي الأجنبية لئلا تؤول الأمور إلى نوع جديد من الاحتلال وفقدان السيادة والخضوع لرحمة الغرب وشروطه ، ويصبح الشعب كالمستجير من الرمضاء بالنار .

     وفي تاريخنا المعاصر حدثٌ بالغ الأهمية يشير إلى هذا القضية ، وهو الثورة العربية الكبرى ، حيث استعان الشريف حسين بن علي بالإنجليز ضد الأتراك ، فكانت النتيجة أن العرب خرجوا   " من المولد بلا حمص " ، وأضحت ثورتهم وبالاً عليهم بعد أن ضُحك عليهم في وضح النهار ، ووجدوا أنفسهم خارج سياق الحياة . فالقوى الغربية لا تقدم شيئاً مجانياً من أجل سواد عيون الشعوب وعشقاً لها واحتراماً لهويتها ، فكل دولار تدفعه الآلة العسكرية الغربية سيتم تعويضه أضعافاً مضاعفة على شكل أماكن نفوذ ومحميات والحصول على عقود استثمارية هائلة .

     والغربُ يحاول تصوير نفسه كمنقذ للبشرية ومدافع عن حقوق الإنسان . ووفق هذه الخدعة فسَّر تدخله في البوسنة ثم ليبيا . ولو كان حريصاً _ كما يزعم _ على دماء الأبرياء وحياة المدنيين لتدخل في البوسنة قبل وقوع المجازر وعمليات التطهير العِرقي والاغتصاب التي استمرت مدة طويلة ، وتناقلتها كاميرات وسائل الإعلام في مختلف العالم . ولو كان الغربُ صادقاً في دعواه لأنقذ الأبرياء في رواندا التي شهدت مجازر مرعبة في تسعينات القرن العشرين ، وأنقذ _ كذلك _ الليبيين الذين تعرَّضوا للإبادة طيلة شهر كامل أمام عيون العالم دون تدخل غربي . فهل كان الغرب ناسياً حقوق الإنسان أثناء هذا الشهر العصيب وتذكرها بعد انتهاء الشهر ووصول كتائب القذافي على مشارف بنغازي ؟! .

     إن الغرب يعمل وفق خطة منهجية لضمان مصالحه لا حياة الآخرين . فأسلوبُ عمله يشبه شخصاً يمسك بطائرة ورقية ويتركها تطير إلى أبعد مدى ، وحينما يشعر أن الخيط سيفلت من يده يتشبث به ويلجم هذه الطائرة. وهذه العملية ترمي إلى استشكاف أكبر مساحة ممكنة لتحقيق المصالح الشخصية وزيادة رقعة النفوذ . 

     كما أن الغرب صار يعمل جاهداً على استثمار الثورات العربية لصالحه وركوب الموجة لكي يصل إلى أبعد نقطة . وقد تعلمت فرنسا درساً قاسياً من ثورة تونس ، حيث إن تأخرها في اتخاذ رد فعل مناسب وسريع جعلها خارج الصورة ، وهذا أثَّر سلباً على مكانتها ومصالحها ، لذلك تحاول تعويض الأمر في ليبيا ، وكلٌّ يُغنِّي على ليلاه .

     وهذه المسألة الحساسة تضاعف مسؤولية صناع الثورة ، إذ إنهم مُطالَبون بحمايتها من سماسرة الثورات داخلياً وخارجياً . لذلك وجدنا أن شباب ثورة ميدان التحرير في مصر قد رفضوا لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ، وهذا يشير إلى مستوى الوعي المرتفع ، والانتباه إلى المصائد الغربية .   

     والدعوةُ إلى اعتماد الشعوب على نفسها في الثورات ليست دعوة للموت المجاني، واستسلام الشعوب لآلة القتل الخاصة بالحاكم العربي وعصابته . ولكن ينبغي على هذه الشعوب أن تقلع شَوْكها بيدها ، وترسم خطةَ عمل واقعية للتحرر من العبودية عبر دراسة كل الاحتمالات الممكنة للحفاظ على النقاء الثوري ، أي عدم تلوث دماء الشعب العربي بدماء الغزاة القادمين من وراء البحار. فالثوراتُ ليست رحلات ترفيهية أو عملاً فوضوياً بلا مسار ، إنها منهجية متكاملة متفجرة في وجه أنظمة إرهابية بوليسية حكمت بالحديد والنار طوال فترة تاريخية طويلة . وهذه المنهجيةُ تتطلب الكثير من التضحيات والصبر ، فهي مثل لعبة العض على الأصابع ، الذي يصبر ويوزِّع طاقته عبر أجزاء المرحلة سوف ينجح .

     وعلى الرغم من مراهنة الأنظمة على القتل العشوائي واغتيال المتظاهرين سلمياً كما حدث في تونس ومصر وصولاً إلى سوريا والأردن ، إلا أن الشعب قادر على إيجاد الحلول الفعالة النابعة من ذاته وإمكانياته دون فتح الباب للدول الغربية صاحبة الأجندات الدنيئة .

     وكل رصاصة تُطلَق على المتظاهرين العُزَّل ستكون مسماراً في نعش الدول العربية البوليسية المحكومة من قبل الميليشيات الأمنية القمعية . فالقوةُ العسكرية لا تبني دولاً حقيقية ، فقد انهار الاتحاد السوفييتي رغم امتلاكه كل أنواع الأسلحة بدءاً من الرصاص الحي حتى الرؤوس النووية . وهذا الدرس ينبغي أن تفهمه الأنظمة وعصاباتها ، وتفهم _كذلك _ أن شباب الثورة اخترعوا طريقهم الخاص ، وكوَّنوا نظريتهم الخاصة في السياسة. وهذا الأفق الجديد لا مكان فيه لطغاة الداخل ولا غزاة الخارج . وهذه هي الشرعية الثورية الحقيقية. 

 

1/4/2011م .

 

 

 

خدعة الإصلاح في الأردن

 

     إن هستيريا الإصلاح الزائف الذي يتفشى في الأردن يشبه إلى حد بعيد موضة الأزياء التي تسبب ضجة وقتية ثم تذهب أدراج الرياح بلا تأثير حقيقي ، لأن كلام الليل يمحوه النهار ، وما تأتي به الرياح تأخذه الزوابع . والمشكلة الجذرية في النظام السياسي الأردني أن القرارات الحساسة تأتي كردود أفعال وإجراءات ارتجالية بدون تخطيط . وهذه أزمة عربية بامتياز . فالفكر السياسي عند الأنظمة العربية المتهاوية يعتمد على أسلوب الفزعة العشائرية والجعجعة بلا طحن، وهذا يجعل الإصلاح شعاراً براقاً للاستهلاك المحلي وتلميع صورة النظام ، وامتصاص السخط الشعبي ، والقفز فوق ثورات المنطقة الضاغطة على بنية النظام السياسي .

     والدلائل المشيرة إلى عدم جدية النظام السياسي في قضية الإصلاح تتجلى في أمور متعددة من أبرزها : اختيار رئيس وزراء ذي خلفية عسكرية ( الدكتور معروف البخيت ) ، ولا يتمتع بأية كفاءة في الإدارة التنموية ، ولم يُعرَف عنه بأنه مفكر سياسي أو واضع سياسات إستراتيجية ، ولا تاريخ له على المستوى العسكري أو المدني . وهذا أدى إلى فوضى عارمة في أركان الحكومة وتخبط في وضع السياسات والعجز عن تطبيقها .

     كما أن القبضة الأمنية البوليسية عادت لتضرب من جديد(وعادت حليمة إلى عادتها القديمة)، فلم يقف الأمر عند مجزرة ميدان جمال عبد الناصر ، بل تعداها لتقديم شباب ( 24 آذار ) إلى المحاكمة . وهذا يشير إلى غياب ثقافة الحوار ، وتغلغل الأداء البوليسي القمعي في أوصال الدولة الأردنية .

     ومن أخطر القضايا التي تنسف فكرة الإصلاح من أساسها هي عدم إعادة النظر في الدستور . فالدستورُ الحالي يُركِّز الصلاحيات في يد الملك ويجعل الشعب مجرد متفرج على الأحداث ، لذلك يشعر المواطنون بأن وجودهم كعدمه ، وأنهم أحجار شطرنج على رقعة دولة لا تعترف بهم، وهكذا تكرسَ المنفى في قلب الوطن، فصار المواطن غريباً ورقماً هامشياً بلا وزن . ولا يخفى أن التنمية الحقيقية تدور رحاها حول الإنسان ، وإذا مات الإنسان أثناء حياته ، وفقد ثقته بنفسه ، وحُشر في الزاوية نتيجة إجراءات الدولة البوليسية ، فعندئذ يختفي الولاء والانتماء ، ويصبح المجتمع كالشقة المفروشة ، يتم قضاء بعض الوقت فيها ، ثم يأتي الرحيل بلا أدنى إحساس بالانتماء.

     وفي هذا المنحى تبرز إشكالية من نوع خاص، وهي غياب رأس الهرم السياسي. فالملكُ صار جزءاً من نظام وليس رأس النظام . وهذه العملية لها تداعيات خطيرة تؤدي إلى تحكم الحاشية بمسار الأمور ، وتوريط الملك في إرهاب الحكومة البوليسية التي تختبئ خلف مؤسسة العرش. فالحكوماتُ الأردنية المتعاقبة التي تفتعل الأزمات ، وتخترع الحركات الصبيانية المتهورة إنما تشطب صورة الأردن ، وتجعل من الملك ظلاً للأزمات ، وذا موقف مهزوز ضعيف .

     وأركانُ النظام السياسي الفاسد يسعون للمحافظة على مصالحهم الشخصية وتثبيت وجودهم ونفوذهم على حساب بلادهم وشعبهم ، وبالتالي فهم أكثر المتضررين من عمليات التغيير والإصلاح ، الأمر الذي يدفعهم إلى محاربة كل الخطوات الإصلاحية . كما أنهم لا يتمتعون بالأفق الفكري والسياسي لإحداث نهضة مجتمعية ، وفاقد الشيء لا يعطيه . وإذا كان النظام السياسي الأردني طيلة تسعين سنة ( منذ تأسيس إمارة شرق الأردن 1921م ) لم يشهد نهضة إصلاحية حقيقية ، وإنما كانت المشكلات تُعالج بدفنها وترحيلها إلى القادمين الجدد ، فهل ستأتي المعجزة في هذا الوقت في ظل الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟! .

13/4/2011م .

 

الجيش السوري ينسى الجولان ويحرر درعا !

 

     يبدو أن الجيوش العربية ما زالت محصورة في عقليتها القمعية البدائية ، فهي تستقوي على أبناء جِلدتها العُزَّل من السلاح في حين أن الأراضي العربية واقعة تحت الاحتلال الأجنبي دون أن يفكر أي نظام حاكم في تحريرها . وقد رأينا في تاريخنا العربي المعاصر نماذج سيئة توضع فيها الجيوش في غير موضعها . فالجيش العراقي احتل الكويت بكل قوة وسرعة ولم يفكر في التحرك لإنقاذ فلسطين . والجيش الأردني أرسل الدبابات وحاصر مدينة معان التي تبعد أكثر من 200 كم جنوب العاصمة عمَّان، ولم يفكر في تحرير القدس التي تبعد عن عمَّان 80 كم فقط. والجيش المصري في عهد مبارك كان يحاصر غزة بكل كفاءة بدلاً من مساعدتها على الصمود والمقاومة . والجيش المغربي يصول ويجول أمام عيون الصحراويين ، ولم يتخذ أي إجراء لتحرير سبتة ومليلية الواقعتين تحت الاحتلال الإسباني. والجيش السوري يستعرض عضلاته في درعا ضد المدنيين ويقوم بعمليات إبادة وفوضى وترويع للمواطنين في حين أن الجولان هادئ تماماً لم تُطلق فيه رصاصة طيلة عقود ، وأعصاب اليهود مرتاحة . ومخابراتُ النظام السوري تعتقل الناس من بيوتهم ، وتزج بهم في سجون التعذيب دون محاكمة أو احترام لحقوق الناس ، لكن هذه المخابرات لم تقدر على حماية القائد عماد مغنية الذي تم اغتياله في كَفر سوسة قرب العاصمة دمشق، وأُغلق الملف بطريقة مشبوهة دون القيام بأي تحقيق في اغتيال هذا الزعيم العسكري.

     والجيوش العربية ينطبق عليها قول القائل: (( أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة )) . وهذه الميليشيات العسكرية المهزومة الحارسة لفساد الحكام والمفتقدة لشرف العسكرية والتحرير ، هي انعكاس لحالة التخلف المتجذر في عقلية الأنظمة الحاكمة التي هُزمت أمام إسرائيل في عدة أيام . ومع هذا فهي تمثِّل _ طيلة عقود _ في مسرحية الحرية والمجد والانتصار، وهي تنتقل من هزيمة إلى هزيمة . فهذه الجيوشُ البائسة التي تحرس عروش الاستبداد خسرت في الحرب ، وخسرت في السلام ، وفقدت احترام شعوبها ، وخسرت الرأي العام العالمي. فظهرها إلى الحائط ، وهي تقاتل أبناء جِلدتها بدافع الحقد والحفاظ على منافعها الشخصية ، وليس بدافع حفظ الأمن ومنع الفوضى وحماية حاضر الشعوب ومستقبلها .

     ونحن نرى أن النظام السوري ما زال يعيش في عقلية الاتحاد السوفييتي البوليسية ، حيث القبضة الأمنية متجذرة في كل مفاصل الدولة وأوصال المجتمع. لكن المنظِّرين لفلسفة قمع الشعوب ينبغي أن يُدركوا أن ممارسة إرهاب الدولة المنظم ضد المواطنين سيكون مسماراً في نعش النظام الحاكم _ عاجلاً أو آجلاً _. وأمامنا قصص حياة ستالين( الاتحاد السوفييتي ) وهتلر( ألمانيا ) وموسوليني ( إيطاليا )وفرانكو ( إسبانيا ) وبينوشيه ( التشيلي ). وفي الفترة الأخيرة رأينا بأم أعيننا ما حدث للزعماء المستبدين في عالمنا العربي . والذي لا يستفيد من دروس التاريخ ، فإن التاريخ سيقضي عليه ويتجاوزه .

 

29/4/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظات حول جريمة اغتيال بن لادن

 

 

     [1] إن أمريكا لا تزال تعيش في عقلية رعاة البقر وشريعةِ الغاب البدائية . فعلى الرغم من تصويرها لنفسها بأنها أم الحضارة والمدنية والتقدم إلا أنها تمارس أسلوب العصابات ورجال المافيا ، حيث القتل الهمجي ، وتنفيذ عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية وانتهاك سيادة الدول الأخرى . فأين ذهب القانون الدولي وحقوق الإنسان والأعراف الدبلوماسية بين الدول واحترام السيادة وتوفير المحاكمات العادلة وقواعد الاستماع للمتهمين والشهود والمحامين والقضاة ؟ . فأمريكا تُمثِّل دور القاضي والمحامي والجلاد ، وهي لا تسمح لغيرها بالكلام . إنها تصدر الحكمَ وتنفِّذه معتبرةً أن أفعالها هي العدالة المطلقة ، وهذا إرهابٌ _ بحد ذاته _ يتعارض مع الحقوق الأساسية للإنسان . ولا يحق لأمريكا أن تأتيَ من وراء البحار لتفرض قانونها على بلادنا، وتقوم بعمليات قتل وإبادة وجرائم اغتيال على أراضينا ، وتصول وتجول فيها دون نكير . إنه منطق القوة لا قوة المنطق .

     [2]ابن لادن هو فكرة وليس شخصاً. والأفكارُ لا تموت بموت صاحبها_سواءٌ كانت صالحة أم فاسدة _. كما أن الأفكار لا يمكن مجابهتها بالقبضة العسكرية ، بل تُواجَه بالحجَّة والبرهان . ولو كان الكلامُ يمكن خنقه بالحديد والنار والتصفية الجسدية لاختفى من تاريخ الحركات الإسلامية حسن البنا وسيد قطب ، وذهبت أفكارهم إلى النسيان . ولكن هذا لم يحدث ، بل حدث العكس تماماً . مما يشير إلى أن العقل لا يمكن مواجهته إلا بالعقل .

     [3] لقد انتهى ابن لادن_ عملياً _ بعد أحداث 11 سبتمبر . فهذه العملية الأسطورية السينمائية _ رغم إدانتنا لها _ كانت ذروة عمليات تنظيم القاعدة ، وكل العمليات التي بعدها جاءت دون مستواها . وهذا أمر متوقع . فالمرءُ حينما يصل إلى أعلى نقطة ممكنة لا يعود أمامه سوى النزول . وعلماءُ المقذوفات ( فيزياء ) يقولون إنك إذا رميتَ حجراً إلى أعلى فسوف يواصل صعوده ثم يصل إلى نقطة معينة تصبح عندها السرعة والتسارع صفراً، وبعدها يبدأ الحجر في العودة للأرض .

     [4] لقد انتقل ابن لادن من القيمة الشخصية إلى القيمة الرمزية ، فصار رمزاً مُلهِماً للكثيرين الذين يؤمنون بأفكاره . وهو _ بالنسبة إليهم _ عاش كأسطورة وسقط شهيداً . فهو يُجسِّد رمزيةً شديدة المركزية . وكل الحركات في العالم _ بعض النظر عن مجال عملها _ تبحث عن رمز تلتف حوله ليصبح هو المثال والقدوة. وبالتالي فموتُ ابن لادن هو ولادة جديدة لتنظيم القاعدة وانعطافة حساسة في تاريخه ستؤدي إلى تشدد أكثر، وكراهية لأمريكا أشد، وظهور أجيال جديدة تعتنق أفكار الثأر والانتقام ، وبروز عمليات نوعية ، فالقاعدةُ تنظيم لا مركزي ، وكلُّ فرد فيه هو رأس . وهذا يُعقِّد مهمة أمريكا والدول التابعة لها ، ويُفسد فرحتهم المصطنعة التي يتم توظيفها لتحقيق منافع سياسية .  

     [5] إن الأشخاص الذين عاشوا حياتهم كأساطير لا تكتمل مغامرتهم إلا بالموت الذي يُخلِّدهم ويُكمِل الدائرة . وكلما كانت طريقةُ الموت مختلفة عن المعتاد ازداد اللمعان والغموض والبعد الأسطوري . فاغتيالُ غيفارا حوَّله إلى رمز ثوري ، واغتيال عبد اللَّه عزام حوَّله إلى رمز جهادي عالمي . وموتُ الأميرة ديانا الغامض جعل منها مثالاً مُلهِماً. وكأن الموت يوجد حياةً جديدة لهؤلاء الأساطير ، وغيرهم كثير . 

     [6] لا يمكن اعتبار اغتيال ابن لادن نصراً لأمريكا وعملائها ، بل هو هزيمة لهم. فالشخصُ الذي يجعل أمريكا وكلَّ العالم مشغولين به ، وغير قادرين على الوصول إليه طيلة أكثر من عقد _ رغم كل ما يملكونه من تكنولوجيا متقدمة _ ، إنما يفضح ضعفَ أمريكا وأعوانها وعجزهم التام . كما أن عملية الاغتيال ليست نتاج عبقرية المخابرات الأمريكية كما يُراد تصوير الأمر ، بل هي نتيجة اختراق في المخابرات الباكستانية ، وتسريب معلومة وجود ابن لادن في تلك البقعة . ولو كانت المخابرات الأمريكية فعالةً لاستطاعت أن تقبض على ابن لادن طيلة سنوات الملاحقة ، ولما ضُحك عليها من قبل شاب مبتدئ ( همام البلوي ) .

     [7] سيقوم الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الفترة القادمة بتوظيف اغتيال ابن لادن من أجل زيادة شعبيته المنهارة والفوز في الانتخابات المقبلة ، وتقديم نفسه كقائد عظيم قادر على حماية أمريكا ، وتدعيم موقف الديمقراطيين المتداعي . فالساسةُ الغربيون أفضل من يستثمر في الدماء ، ولا مشكلة لديهم إذا كان طريقهم إلى صناديق الاقتراع معبَّدة بالجماجم والكذب على شعوبهم . 

 

5/5/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا إصلاح في الأردن بدون الإفراج عن الدقامسة

 

     إن النظام السياسي الأردني إذا أراد الخروج من مأزقه الوجودي فعليه أن يبدأ خطواتِ الإصلاح الحقيقي على أرض الواقع ويبتعد عن الشعارات البراقة والكلام المعسول . والخطوةُ الإصلاحية الكبرى تتمثل في فك الارتباط مع الكيان الصهيوني والكف عن رعاية مصالحه وحماية حدوده والسهر على راحته مجاناً . وهذا لا يتأتى إلا بإلغاء معاهدة وادي عربة التي جعلت من الأردن كومةَ أنقاض ، وحوَّلته إلى كيان هامشي تابع وصفر على الشمال ، بلا وزن ولا تأثير . فها هو يتسول المساعداتِ المالية من دول الخليج وأمريكا ، ويغرق في قروض المؤسسات المالية الدولية ، ويتم جَرُّه إلى محاور إقليمية جديدة .

     ولو كانت اتفاقية وادي عربة جاءت لمصلحة الشعب الأردني لارتفع الدخل القومي ، وازدادت القوة المالية والشرائية للأفراد ، وغطس الشعب في السمن والعسل والوظائف الجاهزة ورغد العيش . ولكن الذي حصل هو العكس تماماً . وإذا كان الأردن لا يجد ماءً للشرب في فصل الصيف فأين الحقوق المائية للأردن التي نصَّت عليها هذه الاتفاقية العبقرية ؟! ، وما فائدة التمسك باتفاقية متهاوية لا تساوي قيمةَ الحِبر الذي كُتبت به ؟! .  

     وهذا كله يشير إلى أن هذه الاتفاقية المشؤومة جاءت لصالح طبقة المتنفذين المرتزقة لزيادة أرصدتهم البنكية على حساب البلاد والشعب والمتاجرة بمصيره وجعله عائشاً في الأوهام . وكأن عَرَّابي اتفاقية وادي عربة قد تعلموا الخداعَ من الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي قال  _ في نهاية سبعينات القرن العشرين في معرض تسويقه لاتفاقية كامب ديفيد _ إن المليارات ستنزل على الشعب المصري . وبالطبع فالمليارات لم تنزل ! . والذين وقَّعوا على اتفاقية وادي عربة لا يُمثِّلون إلا أنفسهم ، حتى إن مجلس النواب الغابر الذي صادق على الاتفاقية لا يتمتع بالشرعية ، فهو مُعيَّن وفق سياسة الأمر الواقع ، ويمتثل للأوامر التي تأتيه من خلف الكواليس ، فهو يُمثِّل المصالح الفردية الآنية لا مصلحة الشعب . وكلنا يعلم أن المؤسسات السياسية في العالم العربي هي ديكور وأكذوبة متبخرة في فضاء زواج الثروة بالسُّلطة . وهذا الكلام ضروري لمعرفة أسباب انهيار الدولة الأردنية وتحولها إلى كيان فاشل على جميع الأصعدة .

     وهذا التحدي الوجودي الشرس ينبغي أن يدفعنا إلى تبني الإصلاح كمظومة خلاص وطنية وليس الاستسلام لليأس وندب الحظ والبكاء على الأطلال . فالوصولُ متأخراً أفضل من عدم الوصول . وما زالت الفرصة سانحة للنظام الأردني لكي ينتشل نفسه من المستنقع وينقذ البلاد والعباد . وهنا تتجلى أهمية توبة النظام السياسي النصوح والتكفير عن ذنب اتفاقية وادي عربة ، وذلك عبر إطلاق سراح الجندي أحمد الدقامسة المعتقَل ظلماً منذ العام ( 1997م ) ، والذي رفض المهانة وأبى أن يكون حارساً لحدود أعدائه ، ففتح النار على الغزاة الذين انتهكوا السيادة الأردنية ، ودافع عن شرف المؤسسة العسكرية التي تم تهميشها تحت ضغوطات خدعة السلام . ولو كان الدقامسة الذي تصدى للغزاة الصهاينة الذين انتهكوا السيادة الأردنية مجرماً لكان الجيش الأردني الذي قاتل بشرف إلى جانب الفدائيين في معركة الكرامة ( 1968م ) مجرماً، ولكان شهداء الأردن الذين سقطوا دفاعاً عن فلسطين مجرمين ، وهذا لا يقول به عاقل .

     وقد يتساءل أحدهم باستغراب : هل مصير الدولة الأردنية بأكملها يتوقف على مصير جندي سجين ؟ . فنقول إن الدقامسة هو رمزٌ وطني شامل . فهو يُجسِّد _ بشكل فعلي _ قيمةَ الرفض والتحدي والدفاع عن السيادة حتى الرمق الأخير . والإفراجُ عنه هو المحك الأساسي الذي يدل على استقلالية القرار الأردني ، وانعتاقه من الهيمنة الصهيونية ، وإقامة قطيعة مع الماضي المخزي المتمثل في مهزلة عملية السلام ، وقدرة الأردن على الوقوف على قدميه اعتماداً على قدراته الذاتية وأوراق الضغط التي يملكها، خاصةً أنه يملك أطول حدود مع "إسرائيل". ولا يمكن للدولة أن تقود مسيرةَ الإصلاح إلا إذا امتلكت قرارَها بيدها ، لذلك فالامتحانُ الحقيقي هو الإفراج عن الدقامسة . وإذا عجز النظام السياسي عن ذلك ، فهذا دليلٌ على أنه لا يملك قرارَه ، وبالتالي فلا فائدة من شعارات الإصلاح . فالسادةُ _ وَحْدَهم _ هم القادرون على التغيير وليس العبيد. ومن المخزي أن تقوم السلطات الأردنية بتهريب رَجل الأعمال المحكوم بقضايا فساد ( خالد شاهين ) إلى الخارج بكل براعة مثلما هَرَّبت من قبله أحمد الجلبي المحكوم في قضية بنك البتراء الذي تم نهبه في وضح النهار ، في حين أن الدقامسة محكومٌ بالمؤبَّد ، وما زال في السجن منذ عام 1997م .

     لذا فالعفو الملكي عن السجناء غير مقبول لأنه جاء ناقصاً ومليئاً بالثغرات ، وهو عملية تجميلية ترقيعية . وما استثناء الدقامسة من العفو الملكي إلا مؤشر سلبي بالغ الخطورة، مع العلم أن الدقامسة لا يحتاج عفواً من أحد ، لأنه قام بما يمليه عليه ضميره ، ودافع عن شرف الأردن الذي باعه سماسرة اتفاقية وادي عربة.

  

14/6/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

الفن الشريف موقف وليس صفقة

(بين سلاف فواخرجي وأنجلينا جولي ) !

 

     لا يمكن إنكار أهمية الفنون في إيصال الرسائل السياسية والاجتماعية . ومن أشد أنواع الفنون تأثيراً في الجماهير التمثيلُ، وذلك لأنه يستند إلى قوة بصرية واسعة الانتشار ، وقادرة على اختراق اختراق الحواجز، والوصول إلى كل البيوت دون عوائق. وقد انتبهت _ مبكراً _ السلطات السياسية في أنحاء العالم إلى خطورة هذا الفن البصري في توجيه قوى الشعب، وزرع الأفكار، ونشر الفلسفات الاجتماعية والمذاهب السياسية، لذلك اتَّجهت إلى احتضان نجوم التلفاز والسينما، واستيعابهم ، وتكريمهم ، ومنحهم الأوسمة والرتب الشَّرفية العليا ، وجعلهم من عِلية القوم بسبب إمكانياتهم الهائلة في التأثير داخل مجتمعاتهم . فالمؤسسةُ الحاكمة في كل دولة تنظر إلى الممثلين كأدوات يمكن استخدامها لتثبيت دعائم الحكم، وكسب تعاطف الناس، واستقطاب المؤيِّدين ، وتوجيه الرأي العام .

     وقد رأينا منذ بداية الثورة السورية حرص الرئيس السوري بشار الأسد على الالتقاء بالممثلين، وإبراز صورته بينهم في وسائل الإعلام ، وذلك لاختراع هالة من الإعجاب وتوظيف شعبيتهم لصالح وجوده وزيادة رصيده الشعبي، وتلميع صورة النظام . وما وجود الممثلة السورية سلاف فواخرجي إلى جانبه إلا محاولة لاستقطاب الرأي العام . فهناك قاعدةٌ في علم النفس تسمى قاعدة الاقتران ، وتقول إنه إذا اقترن شيء بشيء آخر محبَّب للنفس صار الشيءُ الأول محبَّباً للنفس .

     وقد قرأنا تصريحاتٍ للممثلة سلاف فواخرجي داعمة للرئيس الأسد وواثقة بقدرته على قيادة مسيرة الإصلاح والخروج من البلاد من المأزق ، وكل هذا يأتي في سياق التلميع الإعلامي لنظام دموي ، وتجميل وجه الدولة البوليسية ، ومحاولة لرش السُّكر على الموت ، وذر الرماد في العيون .

     وقد سبق أن استخدمَ نظامُ الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي هذه اللعبة لحشد التأييد الشعبي . وقد ذكرت الممثلة التونسية هند صبري أنه تم إرغامها على توقيع عريضة تطالب الرئيس التونسي المخلوع بالبقاء لفترة رئاسية جديدة. وهذا الأمر يشمل العديد من نجوم التمثيل والغناء. وبالطبع فهذه ليست حركة عفوية ساذجة من قبل النظام السياسي ، بل إنها أمرٌ تم حبكه يعتمد على توظيف الفن لتحقيق أغراض سياسية . وهذه اللعبةُ مارسها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك ، فقد نزل إلى ميدان التحرير عدة نجوم ، وطالبوا الشباب بالرجوع إلى بيوتهم . وهذه رسالة سياسية مرَّرها النظام السياسي إلى مشاهير الفن لثني الجماهير عن ثورتهم . فلا يمكن تفسير نزول المطرب تامر حسني وغيره ومطالبتهم بعودة المحتجين إلى بيوتهم بأنها جاءت بمحض الصدفة أو سوء الفهم . وللأسف الشديد فقد نجحت الأنظمةُ العربية القمعية في تدجين غالبية نجوم الفن وتوظيفهم وتمرير الرسائل السياسية من خلالهم .

     ولكن على الجهة المقابلة نجد أن الممثلين الأجانب يتمتعون بقدرة فائقة على الحراك الاجتماعي ومعارضة أنظمة الحكم وبث الأفكار التي يؤمنون بها دون إملاء من أحد. وهذا طبيعي في ظل أنظمة ديمقراطية تحترم شعوبها ، ولا تقدر على تجاوز حركة الجماهير أو الاستخفاف بهم . فالممثلُ الأمريكي جورج كلوني قد تبنَّى قضية دارفور ، وجعلها من أهم أولوياته ، لكننا لم نسمع أن الممثل عادل إمام _ مثلاً_ بما له من شهرة قد فكَّر بزيارة الجارة السودان أو السؤال عن أهل دارفور أو أهل غزة، بل على العكس ، فقد كان عادل إمام يُحرِّض ضد المقاومة في غزة ، ويسير في ركب النظام المصري المخلوع الذي أحكم الحصار على القِطاع .

     وعندما تقوم الممثلة العالمية أنجلينا جولي بزيارة اللاجئين السوريين في تركيا وتفقد أوضاعهم الصعبة ، فإنها تعطي درساً لكل النجوم العرب الذين يسيرون في ركب الأنظمة الحاكمة ، ويعيشون في عوالم الأحلام . فهل فكَّرت السيدة سلاف فواخرجي بتفقد أحوال أهل بلدها بدلاً من تلميع صورة النظام البوليسي ؟ . وما شعورُها حينما ترى ممثلةً أمريكية تأتي من وراء البحار لتقوم بمهمة إنسانية كان على نجوم سوريا أن يقوموا بها ؟! .

     وقد يقول قائل إن الممثلين السوريين محاصَرون ضمن دائرة حكومية قمعية، فلا يقدرون على تبني قضايا الحرية والعدالة ونقد النظام السياسي خوفاً من اضطهادهم وتعريض حياتهم وأُسرهم للخطر. فنقول إن دماء مشاهير الفن ليست أعظم من دماء الشعوب الثائرة التي تُضحِّي بحياتها في سبيل حريتها. فهؤلاء النجوم عليهم أن يساهموا في قيادة حركة الجماهير نحو التحرر لا العبودية . فالفنُّ الشريف هو موقف، وله ضريبة ينبغي دفعها. وهذا ليس كلاماً إنشائياً في الهواء. فهذا المعنى جسَّدته الممثلة المصرية فاتن حمامة واقعاً ملموساً، وقد دفعت ثمن مواقفها السياسية المعارضة ، مما اضطرها إلى مغادرة مصر عام 1966م لكي تظل عصيةً على التدجين . والكثيرون أَبوا أن يكونوا أبواقاً جوفاء، وقد دفعوا ثمن مواقفهم ، لأن الفن _أولاً وأخيراً_ هو التزام فكري أخلاقي وليس صفقة انتهازية . 

 

25/6/2011م .

 

 

 

 

 

 

هل توجد دولة في الأردن ؟!

 

     لا يخفى أن وعود الإصلاح في الأردن هي كلام في الهواء لذر الرماد في العيون وكسب الوقت. فلا توجد إرادة سياسية لبدء عملية الإصلاح ومكافحة الفساد ، وذلك لأن الفاسدين يسيطرون على مفاصل النظام السياسي، ويتحكمون بمصير البلاد من الألف إلى الياء . وهؤلاء المتنفذون فوق القانون ، فلا يمكن أن تطالهم يد العدالة أو يتعرضوا للمساءلة والمحاسبة . وحتى لو أراد الملكُ أن يقود الإصلاح فعلياً ، فهو لا يستطيع تنفيذه على أرض الواقع، لأنه _ حينئذ _ سيصطدم بالحرس القديم الذين حَوَّلوا البلد إلى مزارع شخصية لهم ، وسيُدافعون عن مراكز نفوذهم حتى الرمق الأخير ، إذ إنهم يعتمدون على وزن عشائرهم ، أو قوة رأس المال ، أو علاقاتهم المتشابكة مع مراكز صنع القرار . لذا فإن الإصلاح خطرٌ حقيقي على هؤلاء الحيتان المستعدين للتضحية بالأردن _ من الرأس حتى القاعدة _ من أجل الحفاظ على أرصدتهم البنكية ونفوذهم الأخطبوطي . فولاؤهم لمقدار أرباحهم ، وانتماؤهم لسُلطتهم المتشعبة . وإذا شعروا بأي خطر عليهم فسيكشفون وجوههم الحقيقية ، وتسقط الأقنعة ، وتذوب الأغاني الوطنية ، وتختفي هتافات الولاء التي يتشدقون بها .

     وهذه الحفنةُ ما كانت لتظهر لو كان في الأردن دولةٌ قادرة على بسط نفوذها على الكبير والصغير ، واحتضان أبنائها من شتى الأصول والمنابت . فالنظامُ السياسي فشل في صناعة الدولة ، إذ إن شرعية وجوده واستمراره مستمدة من تحالف القبائل الكبرى معه لقاء منافع متبادلة. ومثل هذه التحالفات البدائية لعبٌ بالنار، لأنها تتكون بدافع المصلحة لا الانتماء، وبدافع بسط سيادة القبيلة وتحقيق مكاسب لأبنائها لا تكريس الدولة كسُلطة عليا ذات سيادة وتتمتع بالديمومة .

     إن عدم وجود دولة في الأردن أدى إلى ظهور مراكز قوى مدعومة بالميليشيات الأمنية البوليسية المستعدة لقمع المطالبين بالإصلاح ، ووأد نشاطاتهم السلمية . وهذا سيؤدي إلى عودة الأفراد إلى قواعدهم العشائرية لكي تدافع عنهم . فالفردُ حينما لا يجد دولةً تدافع عنه ، فسوف يعود إلى قبيلته ( النواة الاجتماعية الأولى ) لتُوفِّر له الأمان . وهذه عملية بالغة الخطورة ، فغيابُ الدولة من أذهان المواطنين سوف يقضي على روح الولاء، واختفاءُ الحاضنة الشعبية الكبرى( الدولة ) سيجعل كل قبيلة دولةً مستقلة بذاتها، وهذا يشكل تهديداً للسِّلم الأهلي والوحدة الوطنية .

     والنظامُ الأردني يتخبط طيلة عقود طويلة دون بوصلة ، وعاجز عن الاستجابة لعملية الإصلاح ، تماماً مثل شخص يعيش في كهف مدة طويلة ، فإذا أراد الخروج من عزلته فإن نور الشمس سوف يصعقه . وبسبب تغلغل الأمراض في جسد الدولة الأردنية الوهمية لفترة زمنية طويلة _ شأنها شأن باقي الدول العربية _ فإن استجابتها للدواء غير مضمونة . لذلك فمهمةُ الإصلاح شاقة للغاية ، وبحاجة إلى جهود مخلصة من شرفاء الأردن وليس أزلام الحكومات الفاسدة المتعاقبة .

     ومن هنا تنبع أهمية تكوين حكومة إنقاذ وطني تتكون من أبرز الكفاءات الأردنية القادرة على انتشال البلاد من المستنقع العميق . فمن غير المعقول عدم وجود عقول خارقة في الإدارة والتنمية من بين ستة ملايين أردني . وإذا رفض النظامُ السياسي هذا الإجراء فينبغي تأسيس حكومة ظل من أجل الدفع باتجاه الإصلاح . أما أن تظل البلاد تغرق دون طوق نجاة، ونواصل الضحك على أنفسنا بهيئات حوار شكلية لا وزن لها ، قد فَصَّلها أزلامُ النظام السياسي على مقاسهم ، فهذا لعبٌ في الوقت الضائع . وإن الوقت الذي نستغرقه لتبرير أخطائنا والكذب على الشعب يكفي لإصلاح الأخطاء وإنقاذ الشعب . ومن العبث انتظار الإصلاح من هذه الحكومات المتعاقبة، فهي لا تملك من أمرها شيئاً ، ولا تعرف ما هو خط سيرها . وكما قيل: لا يذهب بعيداً من لا يعرف إلى أين هو ذاهب .

25/7/2011م .

هل أصابت لعنةُ بن لادن قاتليه ؟

 

     كان من اللافت للنظر نجاح حركة طالبان في إسقاط المروحية الأمريكية التي تضم نخبةً من القوات الخاصة ، لكنَّ اللافت أكثر أن الجنود القتلى كانوا ضمن الوحدة الخاصة التي قَتلت بن لادن _ وفق مصادر أمريكية مطلعة _ . مما يدفعنا إلى التساؤل : هل تحول مقتل بن لادن إلى لعنة تطارد قاتليه وتلاحق أعداءه ؟. وقد يبدو السؤال غارقاً في الخرافة أو الشعوذة . لكن الواقع يشير إلى تحول بن لادن _ بعد مماته _ إلى كابوس حقيقي يقض مضاجعَ أمريكا ، ويقضي على مستقبل خططها ، ويهدد مصيرَ جنودها .

     فقد مضى على اغتيال بن لادن أكثر من ثلاثة أشهر ، أي إن أمريكا عاشت أكثر من تسعين يوماً بدون بن لادن . فهل يمكن اعتبار هذه المدة الزمنية فترة ازدهار وأحلام وردية بلا كوابيس وثلاثة أشهر عسل بدلاً من شهر واحد ؟ .

     وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من تتبع الكوارث التي جلبها مقتل بن لادن . فقد كانت هناك أنباء عن مصالحة بين طالبان وحكومة كرزاي ، ومساعٍ حثيثة لاحتضان حركة طالبان لقاء إغراءات عديدة وعروض جذابة . فجاءت عملية الاغتيال لتقضيَ على فكرة المصالحة تماماً ، وتزيد طالبان إصراراً على القتال ومحاولة الثأر بكل الوسائل . فمقتلُ بن لادن سكب الزيت على النار . فبدلاً من ذهاب طالبان إلى أحضان الرئيس الأفغاني كرزاي ، قامت بقتل شقيقه الأصغر بعملية خاطفة مع عجز القوات الأفغانية والأمريكية عن حمايته . ومنذ ذلك الحين وحركة طالبان تُصعِّد قتالها بشراسة كأنها تثأر لابن لادن ، وتسير وفق وصيته ، وتحترم ذكراه . 

     أما تنظيمُ القاعدة فقد صار يحمل السلاح جهاراً نهاراً في إقليم زنجبار اليمني ، ويصول ويجول في أماكن عديدة على رقعة الخريطة مستفيداً من ضعف قبضة الدول. كما أنه افتتح فرعاً له في جزيرة سيناء للمرة الأولى ، فصارت هناك بيانات تصدر باسم " تنظيم القاعدة في جزيرة سيناء " . فبدلاً من موت التنظيم ازدادت فروعه .

     كما ساهم اغتيال بن لادن في توتير علاقة أمريكا مع باكستان التي صارت_ بالنسبة للغرب_ ورقةً محروقة انتهت صلاحيتها. وليس أدل على ذلك من انخفاض المساعدات الأمريكية لباكستان، فقد بدأت تتبخر المليارات التي كان الكونغرس يقرُّها كمساعدات لباكستان لقاء مساهمتها في مكافحة ما يسمى بالإرهاب . مما اضطر باكستان لأن تضغط بدورها على أمريكا وحلف الناتو ، فصار المسلحون يحرقون شاحنات إمداد الوقود المتوجهة لقوات الاحتلال في أفغانستان ويهددون طريق الإمدادات بشكل واقعي ، وهذا يخنق القوات الأجنبية ويشل حركتها . 

     لذلك من الواضح أن بن لادن ما زال يحارب أمريكا من قبره ، وكأن دماءه أضحت حريقاً شاملاً يكتسح أماكن عديدة في العالم . وهذا متوقع . إذ إن الأشخاص الذين يملكون بعداً أسطورياً قادرون على الظهور ضمن أشكال مختلفة _ بعد موتهم _ ، ليس ضمن إطار خُرافي ، ولكن ضمن إطار عمليات الثأر والانتقام والآثار الجيوسياسية الهائلة التي تنبع من غيابهم ، وكأن موتهم يفتح الباب أمام الأعاصير الشاملة .

     وكما أن اغتيال ولي عهد النمسا قد أغرق أوروبا في الحرب العالمية الأولى     ( 1914م _ 1918م ) ، ولم يتوقع أحد أن اغتيال شخص سيقود إلى حرب شاملة حصدت الملايين ، فإن اغتيال بن لادن له تبعات كبيرة لا يمكن لأحد أن يدرك مداها الزمني وبُعدها الجغرافي ، وها هي آثارها ماثلة للعيان في أماكن عديدة على وجه الأرض . 

 

12/8/2011م .

إمكانية انتقال الثورات العربية إلى إيران

 

     لا يمكن إخفاء القلق الإيراني من الثورات العربية ، على الرغم من تأييد القيادة الإيرانية لما حدث في تونس ومصر . وقد تجلى هذا القلق في تصريحات مرشد الثورة علي خامنئي حول الانتخابات الإيرانية المقبلة وإمكانية حدوث اضطرابات فيها . فهناك تخوف حقيقي من حِراك شعبي قد يخرج عن السيطرة مستمداً أفكاره من ثورة الجماهير العربية. كما أن التصعيد العسكري الإيراني ضد الأكراد في هذا الوقت بالذات يعطي أكثر من رسالة للداخل والخارج . وكأنه يقول إن إيران لن تتوانى عن استخدام القوة العسكرية لإنهاء أي تهديد، ولن يوقفها أحد. فاستعراض القوة عبارة عن رسالة ردع للمعارضة الإيرانية في الداخل التي قد تفكر في استلهام السيناريو الثوري العربي.

     وفي واقع الأمر فإن إيران ليست غريبة عن المنطقة ، ومشكلاتها الاجتماعية متشابهة إلى حد بعيد مع مشكلات المجتمع العربي. فانعدامُ الحريات السياسية ، والتضييق على حرية التعبير ، ومنع نقد المؤسسة الحاكمة، وعدم السماح بتشكيل الأحزاب السياسية ، وحالة الاستقطاب الشديد بين المحافظين والإصلاحيين ، وتدخل المؤسسة العسكرية ( مثل الحرس الثوري ) في رسم السياسات الحكومية ، وارتفاع نسب البطالة والفقر رغم ثروات النفط والغاز المحاصرة بالعقوبات الدولية ، وتفشي حالة الإحباط في أوساط الشباب ، حيث تزايد نسب تعاطي المخدرات والطلاق ، وعدم تمكين المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية . كل هذه المشكلات تضغط على العمود الفقري للنظام السياسي ، وتشكل تهديداً حقيقياً لوجوده .

     وهذه المشكلات المتشعبة يمكن إرجاعها إلى ثلاثة مصادر رئيسية . فالمشكلة السياسية مردها إلى إقحام عقيدة " ولاية الفقيه " في صميم الحياة السياسية ، مما أدى إلى توفير حصانة لرأس النظام والمؤسسات المرتبطة به ، واستمرار حكمهم إلى الأبد . وهذا قَسم المجتمع إلى سادة فوق مستوى النقد وعبيدٍ يتوجب عليهم الطاعية العمياء انطلاقاً من القناعة الدينية " ولاية الفقيه ". وهنا تتجلى قضية توظيف الدِّين لضمان ولاء الأتباع وخضوعهم وعدم معارضتهم . أما المشكلة الاجتماعية فمرجعها إلى الضغوطات المعيشية الهائلة على كاهل الشباب ، وعجزهم عن تحقيق أحلامهم ، ورفض تمكينهم من المشاركة في الحياة السياسية وصناعة مستقبلهم ورسم معالم مجتمعهم بسبب انعدام الثقة بهم . مما اضطر قِسماً منهم إلى الهروب من واقعهم عبر المخدرات وإدارة الظهر للمجتمع بكل قِيَمه بسبب الإحباط وفقدان الانتماء. والقِسمُ الآخر يهرب من واقعه المر إلى مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت والمدونات للتعبير عن آرائهم ، وإحداث ثورتهم الخاصة بهم في العالم الافتراضي ثم نقلها إلى الشارع _ رغم القيود الشديدة على الإنترنت ومنع العديد من المواقع_ . كما أن المرأة الإيرانية مستثناة من صناعة الفعل الاجتماعي . وما زالت إيران حتى هذه اللحظة تبحث في لون الشادور ( عباءة المرأة ) ، وهل يُسمح بالألوان الفاتحة أم يتوجب اعتماد اللون الأسود والبني الغامق كخيار وحيد ! . والمشكلة الاقتصادية يمكن إرجاعها إلى عدم تنويع مصادر الدَّخل ، والاعتماد بالكلية على النفط والغاز ، مع وجود جهاز اقتصادي بيروقراطي للغاية طارد للاستثمارات ، كما أن العقوبات الاقتصادية الدولية فاقمت الأزمة الاقتصادية .

     ومن المؤسف رؤية الدول التي ترفع لواء المقاومة وتتبنى القضية الفلسطينية ، قامعةً لشعوبها ، غير واثقة بقدرات أبنائها ، ومتشككة في نواياهم وانتمائهم . وتُفصِّل القوانين التي تُضيِّق على الأفراد والجماعات وتحشرهم في الزاوية . وقد رأينا أمريكا التي تخوض حروباً في كل مكان ، وتتعرض للتهديد من كل الجهات ، لم تفرض قانون الطوارئ _ مثلاً _ على شعبها ، أو تُقيِّد حرية التعبير تحت شعار الحرب والمقاومة . وفي هذا درسٌ بليغ لكل الأنظمة التي تتخذ من المقاومة ذريعةً للقمع والاضطهاد وخنق الناس .

     وما يثير التعجب أن القيادة الإيرانية لم تتخذ خطوات حقيقية لإزالة حالة الاحتقان ، وتجنب تكرار الربيع العربي على أراضيها مثلما فعلت دول الخليج التي صارت تنفق الأموال يمنةً ويسرة على شعوبها لإبعاد فكرة الثورة عن أذهانها وفق نظرية " أطعم الفم تستحِ العين " . وهذا مؤشر بالغ الخطورة يعكس غياب الرؤية الإستراتيجية للأحداث ، والاعتماد بالكلية على القبضة البوليسية .

     فعلى إيران أن تعيد حساباتها ، وتبني دولتها على الحق والحرية واحترام الكرامة الإنسانية ، وتقف إلى جانب الشعوب المقهورة ، ولا تدعم الأنظمة القمعية التي تظلم المواطنين . خصوصاً أن صانعي السياسة الإيرانية قد رسموا شرعيتهم الثورية والاجتماعية حول الإمام الحسين الذي ينظرون إليه على أنه الشهيد المظلوم الذي وقف في وجه الظلم ، وأن الدم انتصر على السيف .

 

23/9/2011 م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل يريد الإخوان المسلمون إسقاط النظام الأردني ؟

 

     ليس سراً أن القوة الرئيسية في الساحة الأردنية المحرِّكة للتظاهرات هي الحركة الإسلامية . وما زالت شعاراتها _ حتى الآن _ تتمحور حول الإصلاح ومحاربة الفساد. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سياق هذه الاحتجاجات التي تعم المدن الأردنية من الشمال إلى الجنوب : هل سترفع المعارَضة شعار " إسقاط النظام " أسوةً بباقي الدول التي اجتاحها الربيع العربي ؟! .

     والجواب شديد التعقيد لحساسية الوضع الأردني. فكل المعارِضين السياسيين على اختلاف أطيافهم لا يريدون إسقاط نظام الحكم، لعلمهم أن النظام _ رغم فساده _ هو الضمانة الأكيدة لاستمرار وجود الأردن. والإخوان المسلمون _ رأس المعارضة _ يدركون أن زوال الحكم الملكي سيكون كارثياً بامتياز . وهذه النقطة متفق عليها بين الجميع ، ليس استجابةً لضغوطات أجهزة الأمن البوليسية ، وإنما وفق معايير النظر إلى ما وراء الأحداث .

     فالأردن لا توجد فيه قاعدة سياسية متينة بسبب احتكار العمل السياسي من قبل السُّلطة ومنافقيها . وهذا أدى إلى إقصاء منهجي للشعب وإخراجه من الساحة السياسية . خصوصاً أن الدستور الأردني الذي تم تفصيله على مقاس مُحتكري السُّلطة يُرَكِّز كافة الصلاحيات في يد الملك ويجعل الشعب ضيوفاً في بلادهم وأحجارَ شطرنج في مهب الريح . ومن هنا يتوجب الضغط على مؤسسة الحكم من أجل الانتقال إلى مَلكية دستورية تجعل الملك خادماً للشعب وليس الشعبُ عبيداً على أعتاب القصر .

     وعلى الرغم من فساد النظام الأردني إلا أنه لم يُبْنَ على جماجم الشعب كما هو الحال في غالبية الدول العربية ، وهذا جعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست ثأريةً أو ملطخة بالدماء أو مليئة بعناصر الانتقام والانقضاض . أضف إلى هذا أن الأجهزة البوليسية في الأردن لم تدخل في دوامة الإجرام والقتل المنهجي والإبادة   _ كما نرى في دول عربية كثيرة _ .    

     كما أن المجتمع الأردني ذو طبيعة عشائرية يصعب تجميع عناصرها إذا تبعثرت، ويصعب السيطرة عليها إذا سقط النظامُ، لأن الأطماع الفئوية _ عندئذ _ ستكون هي الحافز للانقضاض على السُّلطة. ولا يخفى مسألة قضية الأصول الفلسطينية والشركسية وغيرها. لذا فإن وجود النظام الملكي يُعطي قَدراً مقبولاً ( كحد أدنى ) من التجانس الظاهري بين مكونات الشعب الأردني المختلفة، رغم أن سياسات الحكم مبنية على التفرقة العنصرية والتمييز الطبقي وفق نظرية " فَرِّقْ تَسُدْ".

     والجسمُ السياسي الأردني هو كيان اصطناعي يعيش على المساعدات الخليجية والأمريكية والأوروبية ، ولا يقدر أن يقف على قدميه بسبب غياب الموارد ، وقيام الحكومات المتعاقبة بتدمير منهجي لقوى الشعب ، وتهجير الكفاءات ، ومصادرة أحلام الشباب وأملهم في التغيير ، وزراعة الفساد في أوصال المجتمع على كافة المستويات . وهذا أظهر الأردن كجسد مريض يعيش على التنفس الاصطناعي .

     ومن خلال هذا المنظور يتضح أن لا فائدة من إسقاط النظام الأردني.ويتوجب على "الإخوان" _ باعتبارهم المعارضة الحقيقية _ أن يُكَرِّسوا وجودهم كشَوْكة في حلق النظام لئلا يستمر في ابتلاع أحلام الشعب وهضم المال العام ، والدفع الحثيث باتجاه الإصلاح ومكافحة الفساد وتصعيد الاحتجاجات الشعبية المنادية بالحرية والعدالة الاجتماعية ومستقبل أفضل .

 

28/9/2011م .

 

توكل كرمان وأدونيس

 

     يجيء فوز الناشطة اليمنية توكل كرمان بجائزة نوبل للسلام 2011م كتتويج لكفاحها السلمي ضد الاستبداد السياسي والطغيان المسلح . وهذه الجائزة قد كسرت النظرةَ النمطية السلبية للمرأة المسلمة لدى شرائح واسعة في الغرب . فالغربُ ينظر للنساء المسلمات كخادمات لأزواجهن لا أكثر، قابعات خلف أسوار الجهل والاضطهاد، وخاضعات للسُّلطة الذكورية المطلقة.  لذلك فإن هذه الجائزة تحمل أهميةً قصوى ، لأنها اعتراف عالمي بقدرة المرأة المسلمة في العالم الثالث على لعب أدوار سياسية حساسة في أحلك الظروف ، والخروج من الشرنقة المغلقة نحو صناعة مجتمعات الحرية والعدالة الاجتماعية ، وإلهام الجماهير ، والتصدي للقمع السياسي والاجتماعي .

     وفي واقع الأمر فإن العالم يحترم مَن يدفع ثمنَ مبادئه ويدافع عنها حتى النهاية ، ولا يَعرض مواقفه في سوق النخاسة الدولية حيث المقامرة بدماء الشعوب في بورصة النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية . فهذه المرأةُ النحيلة القادمة من النسيان والمجتمعِ المنبوذ المقهور قد أخرجت نفسَها من عزلتها، وكانت صوتَ مَن لا صوت له في المحافل الإقليمية والدولية. وبالتالي فقد فَرضت اسمها واحترامها على لجنة الجائزة . فهي لم تلهث وراء الجائزة ، أو تعتمد على شبكة علاقات عامة لتسويق اسمها والترويج لدورها واستثمار صورتها الإعلامية لتحقيق منافع ذاتية . فقد وصل إليها خبر فوزها المفاجئ وهي معتصمة في خيمة منذ عدة أشهر، وليست في فندق خمس نجوم استعداداً لعقد المؤتمرات الصحفية وتلميع صورتها كنصيرة المظلومين والمتاجرة بمعاناة الضحايا .

     وعلى الجهة المقابلة نجد أن الشاعر أدونيس ما زال يلهث وراء الجائزة منذ سنوات عديدة ، وقاد حملة علاقات عامة في كل الجهات لإقناع لجنة الجائزة باستحقاقه لها . وقد رأيناه قبل عام أو أكثر يدخل إلى أحد الملتقيات الثقافية برفقة أحد سفراء إسرائيل في أوروبا ، وذلك لإقناع لجنة الجائزة بأنه نصير السلام والتعايش السِّلمي، وأنه لا مشكلة له مع إسرائيل مثل "العرب المعقَّدين". ولجنةُ جائزة نوبل ليست ساذجة لتنطليَ عليها هذه الألاعيب المكشوفة . كما أن مواقف الشاعر أدونيس المعادية لقيم الحضارة العربية الإسلامية ، والتي يبثها في كتاباته وتحركاته، لنيل تأييد الغرب وتكريس احتضان المؤسسات الأجنبية له ، لن تخدع أعضاء الجائزة ، أو تجعلهم يُهرولون لمنحه الجائزة نظير خدماته الجليلة .

     لذلك ، فعلى الشاعر أدونيس أن يتعلم من الناشطة اليمنية توكل كرمان الثابتة على مواقفها ، والتي تُضحِّي بعمرها في سبيل نهضة شعبها وأمتها دون الحاجة إلى إعطاء الظهر لحضارتها ، والانسلاخ من جِلدها والتنكر لهويتها .

     وفي هذا المقام تحضرني نصيحة الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البياتي عندما قال : (( أنا أنصح أدونيس إذا كان يريد أن يدافع عن الإنسان العربي ضد الظلم والجهل ، أن يضحيَ بالقليل من راحته ويواجه الظلم والشر الذي نواجهه في المشرق العربي ، لا أن يُجدف ضد التيار وهو جالس في باريس ، ولا يتحدث عما يحل بنا من مظالم . لا يدافع عن حقوق الناس ))[ مجلة العربي، العدد 460 مارس 1997 ] .

 

العرب اللندنية

18/10/2011 م .

 

 

 

 

تصريحات ملك الأردن بخصوص سوريا هل هي أردنية ؟

 

     لا يمكن اعتبار مطالبة الملك عبد اللَّه الثاني بتنحي الرئيس السوري زلةَ لسان أو موقف عفوي عابر . بل هو سياسة رسمية مبنية على معطيات مفادها أن الرئيس السوري صار ورقةً محروقة ، وأنه أضحى جزءاً من المشكلة وليس الحل . وهذه التصريحات التي تأتي من رأس النظام الأردني تُعبِّر _ ضمنياً _ عن موقف دول الجوار ، كما تُعبِّر عن موقف دول الخليج غير المعلَن خوفاً من انتقام محتمل للنظام السوري ضد هذه الدول ، تقوم به إيران نيابةً عن حُكام دمشق ، وذلك بإثارة النعرات الطائفية ، وتحريك الشيعة في منطقة الخليج ، وإيقاظ الخلايا النائمة التي قد تُسبِّب مشكلات أمنية واجتماعية لدول الخليج التي تفتقد للقدرات الأمنية الفائقة . والدول العربية صارت تدرك أن وجود نظام دموي في دمشق يُشكِّل عبئاً عليها ، وقد يُغرق المنطقة بأسرها . وهذا يُفسِّر القرارَ القوي لجامعة الدول العربية بتجميد عضوية سوريا في هيئات الجامعة العربية ، والذي يعتبره الكثيرون تمهيداً لتدويل الأزمة السورية، وفتح المجال لتدخل غربي بمختلف الأشكال.

     لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : لماذا صَمَتَ الأردن الرسمي على مدار أشهر عديدة ولم يُعلِّق على أحداث الثورة السورية ثم انفتحت شهيته _ فجأةً _ للإدلاء بدَلْوه في الموضوع تلميحاً وتصريحاً ؟! . والجواب هو أن الدول تعتمد على مراقبة الأزمات ، وتترك كرةَ النار تتدحرج أمامها دون استبقاء الأحداث ، وفي ضوء المواقف الدولية تأتي الردود العربية . فالعربُ لا يَقدرون على اتخاذ فعل حقيقي بسبب ضعف تأثيرهم الإقليمي والعالمي ، لذلك ينتظرون الأفعال الأمريكية والأوروبية ، ثم تأتي المواقف العربية كرد فعل تابع لمواقف القوى الكبرى . ولأن الغرب قد رفع الغطاء والشرعية عن الرئيس السوري ، فقد صارت المواقف العربية أكثر تحرراً وانطلاقاً . فقامت دول الخليج بسحب سفرائها من دمشق ، ثم رفعت جامعة الدول العربية الغطاءَ عن النظام السوري ، وقامت بحشره في الزاوية ، وتجريده من الاحتضان العربي ، وتعريته من عُمقه العربي . وبعدها جاءت تصريحات العاهل الأردني غير المسبوقة بضرورة تنحي بشار الأسد ، وقبل ذلك تمهيد انتقال السُّلطة بشكل سلمي وسلس .

     ومن الجدير بالذِّكر أن التصريحات الملكية قد جاءت بعد قيام أحد المسؤولين الأمريكيين بزيارة المنطقة للتأكد من أن الأردن ولبنان يُطبِّقان خطة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا على سوريا . وهذا يُعطينا مؤشراً مهماً على أن الأردن _ بما يملكه من حدود طويلة مع سوريا وعلاقات اقتصادية ومشاريع مشتركة _ قد صار رأسَ الحربة العربية في مشروع إسقاط النظام السوري . ومن الدلائل على ذلك أيضاً احتضان المعارِضين السوريين في الأردن ومنحهم حرية الحركة والتحدث مع وسائل الإعلام المختلفة ومهاجمة نظام بشار الأسد بشكل علني . كما أن المظاهرات المناوئة لنظام بشار تجري أمام السفارة السورية في عَمان على مرآى ومسمع من القوى الأمنية دون نكير ، بل إن الرئيس السوري يُشتَم في هذه المظاهرات التي تعرضها كافة وسائل الإعلام . كما كثر الحديث عن إقامة مناطق عازلة بين سوريا ودول الجوار لتسهيل انشقاقات الجيش السوري وتوفير الحماية لهم لكي يصبحوا شوكةً في خاصرة النظام السوري . ولا تخفى أهمية الحدود الأردنية مع سوريا في مثل هذه الخطة .

     وبالتالي فإن الأيام القادمة حُبلى بالمفاجآت غير السارة لنظام بشار ، إذ إن مستقبله السياسي صار وراء ظهره ، ولا يمكن لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء . لذلك فإن السؤال لم يعد حول إمكانية سقوط الرئيس السوري، فقد صار السؤال: ماذا بعد بشار ؟ .

 

18/11/2011م .

النظام السوري يريد تدويل أزمته

 

     إن التصعيد الخطير الذي تمارسه قوى الأمن السورية الموالية للنظام دون رادع أخلاقي أو أفق سياسي يشير إلى وجود خطة مسبقة لدى أركان القيادة السورية تتمحور حول جَر المنطقة إلى فوضى شاملة ، وتحدي العالَم ، ودفعه إلى التدخل في الأزمة السورية . فالنظام السوري يعتقد أن التدويل يصب في مصلحته ، ويَكسر عزلته ، ويعيد خلط الأوراق ، ويَسحب البساط من تحت أقدام المعارضة، ويُصوِّرها كحفنة من المرتزقة المأجورين الذين يتآمرون على بلدهم لصالح الغرب ويستقوون بالخارج ، ويريدون دخول دمشق على ظهور الدبابات الأجنبية ، تماماً كما فعلت المعارضة العراقية عام 2003م .

     ومن مصلحة النظام السوري_ الذي يُقدِّم نفسَه على أنه حامي الشرف العربي وقلب العروبة النابض _ ، أن يتلقى ضربة عسكرية غربية، لأنه_ حينئذ_ سَيُصوِّر الأمر على أنه حملة استعمارية جديدة تستهدف مواقف سوريا القومية، وأن هؤلاء المتظاهرين السلميين هم طابور خامس وعملاء للاستعمار . وهذا سيجلب متعاطفين معه ويفتح المنطقة على المجهول ويخلط الحابل بالنابل . مع أن النظام الأسدي _ أباً وابناً _ أفضل مَن حافظ على هدوء جبهة الجولان، مما وَفَّر الراحة للكيان الصهيوني طيلة عقود .

     وهذه اللعبة التي يتبناها النظام السوري سبق وأن مارسها نظام معمر القذافي الذي كان يُسلِّم الإسلاميين لأمريكا وبريطانيا للتحقيق معهم وتعذيبهم ، ودفع المليارات لضحايا طائرة لوكربي، وفتح حقول النفط أمام كبريات الشركات الغربية ، وبعد كل هذا صار ينعت الغربيين بالصليبيين وقادة الاستعمار . وفي هذا إشارة واضحة إلى أن بشار الأسد سائر على خطى القذافي، وأن الطغاة لا يتعظون بغيرهم، فهم لا يَرَوْن أبعد من ذواتهم التي نفختها وسائل النفاق الإعلامية .

     والمضحك المبكي أن النظام السوري الذي يصف_ صراحةً أو ضمنياً _ الجامعة العربية بأنها أداة في يد أمريكا، وأن الدول العربية محميات أمريكية ، ينسى أنه حَوَّل سوريا إلى محمية روسية_ صينية ، تمد يدها لنيل المساعدات من هنا وهناك . فها هي روسيا قد تحولت إلى المتحدث الرسمي باسم سوريا في المحافل الدولية تمنحه الأسلحة والدعم المعنوي ، وصارت إيران تنفق على النظام السوري . فأين السيادة السورية والشرف العربي وقلعة الصمود والمقاومة وباقي المصطلحات التي أعطاني النظامُ السوري محاضراتٍ فيها طيلة عقود ؟! . وإذا كان الماءُ والكهرباء يأتي إلى سوريا من تركيا ، والأسلحة تأتي من روسيا والصين ، والأموال تأتي من إيران ، والمقاتلون يأتون من جيش المهدي وحزب اللَّه ، فأين نظريات الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس التي عَلَّمَتْنا إياها سوريا طوال هذا العمر ؟! .

     إن شرعية أي نظام مستمدة من قدرته على حماية المواطنين وضمان حياة كريمة لهم ومستقبل مزدهر ، فإن عجز عن ذلك فهو فاقد للشرعية ، وعليه أن يَرحل لإفساح المجال للأفضل . فلا مكان تحت الشمس لسياسة  " أنا الدولة والدولة أنا " ، أو " أنا وليكن الطوفان من بعدي " . فالذين يجيئون بالدم ، بالدم سيذهبون . ولا تقدر دولةٌ_ بمفردها_ على تحدي العالَم. فألمانيا النازية التي كانت تملك اقتصاداً جباراً وجيشاً أسطورياً وبنيةً صناعية خارقة ، لم تصمد أمام باقي القوى الدولية، فما بالك بسوريا التي تعيش على المساعدات الخارجية ولا تقدر على صناعة مسدس ؟!.

     فينبغي على النظام السوري أن يستوعب مساراتِ الربيع العربي، فالشعبُ هو المنتصر_ عاجلاً أو آجلاً_، أم محاولات كسب الوقت واللف والدوران فلا تجدي نفعاً في عالَم مفتوح ومكشوف.  والمشكلة الحقيقية أن النظام السوري المغلق ما زال يعيش في عقلية مجزرة حماة 1982م،فهو يظن أن بإمكانه قطع وسائل الاتصالات وضرب طوق من العزلة والتعتيم الإعلامي، ثم القيام بما يحلو له دون حساب أو نكير . وهذا الزمنُ قد ذهب إلى غير رجعة . والعاقلُ من اتعظ بغيره ، والجاهل من اتعظ بنفسه . 

 

12/12/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مغامرات ملوك الطوائف في العراق

 

     لا يخفى أن عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي قد تم تصميمه وفق الطريقة اللبنانية ، حيث الزعماء السياسيون يختبئون وراء طوائفهم ويتقاتلون على المناصب الحكومية في ظل انتحار الدولة وغياب الحكومة . وهؤلاء الزعماء _ من خلال تناحرهم وتنافسهم على الوهم_ يَجُرُّون طوائفهم معهم إلى الصدام الحتمي وصناعة مجتمع الكراهية والتفرفة على أساس الدِّين والمذهب والعِرق .

     وما يحدث في العراق الآن أشبه بلعبة طفولية ، حيث يتم بناء القصور على الرمال ثم هدمها بكل عنف . فالعمليةُ السياسية الكرتونية بالغة الهشاشة، لذلك تنهار _كحجارة الدومينو _ بسبب أدنى هزة ، ثم يعاد بناؤها من جديد بنفس الأخطاء السابقة . وهذا يدل على التخبط وانعدام الرؤية وسيطرة المصالح الفردية والحزبية على العملية السياسية برمتها .

     والقطرةُ التي أفاضت الكأسَ في هذه المرحلة هي مذكرة اعتقال نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي . وهذا الأمر شديد الغرابة لأنه يأتي في توقيت مشبوه . لذلك فقد تساءل الكثيرون لماذا جاءت هذه المذكرة بعد انسحاب القوات الأمريكية مباشرةً ؟ . والجواب هو أن رئيس الوزراء نوري المالكي شخصية وسواسية تعيش في ذهنية الانقلابات ، وفقدان السُّلطة ، وكوابيس حزب البعث التي تطارده في اليقظة والمنام . لذلك فهو يتشبث بالكرسي بأظافره وأسنانه ويعتقد أن خصومه السياسيين سيزدادون قوةً ونفوذاً ويهجمون عليه بعد رحيل الأمريكان حُماة عرشه. لذا فقد قرَّر أن يتغدى بهم _ وفق خطته المبيَّتة سلفاً _ قبل أن يتعشوا به .

     وإذا كان الهاشمي متهماً بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء أو تفجير مقر البرلمان ، فلماذا بقي حُرَّاً طليقاً طيلة هذه المدة ما دام أنه " إرهابي خطير " لهذه الدرجة ؟ . وإذا كان المالكي حريصاً على أمن العراق وسلامة " الديمقراطية العراقية الرائعة " فلماذا لم يقبض على الهاشمي " مُخطِّط العمليات الإرهابية " مبكراً لكي يحميَ الشعبَ العراقي ويحقن دماءه ؟!. والجميع يعلم أن كثيراً من العراقيين يتم القبض عليهم بتهم الإرهاب والبعثية والصَّدامية بدون قوانين ولا احترام لحقوق الإنسان . وقد يقول أحدهم إن التحقيقات الجنائية استغرقت وقتاً كي تصل إلى الهاشمي . وهذا الأمر يثير الضحك. فالأجهزةُ الأمنية العراقية قاصرة ، وتعيش في العصر الحجري، وما زالت بعيدة جداً عن الاحتراف والمهنية ، فكيف تقدر هذه الأجهزة المتهاوية على اكتشاف هذه الجريمة المزعومة بينما القوات الأمريكية بكل وحداتها المخابراتية المتقدمة لم تكتشفها ؟! . وإذا كانت الأجهزة الأمنية العراقية عبقرية لهذا الحد فحبَّذا لو تكشف لنا خيوط عمليات الاغتيال وأسرار التفجيرات والقتل المنهجي الذي طال شرائح واسعة من الشعب العراقي منذ 2003م حتى الآن.

     إن اتهام طارق الهاشمي يحمل رائحة سياسية وطائفية ، خصوصاً أنه يأتي بعد إعلان بعض المحافظات السُّنية نفسها كأقاليم مستقلة مثل محافظة ديالى وغيرها . الأمر الذي فسَّره البعض على أنه محاولة للضغط على الحكومة المركزية بزعامة المالكي . وهذا الأمر أثار حفيظة المالكي الذي يَعتقد أن إعلان أقاليم سُنِّية مستقلة يتلقى الدعم من القائمة العراقية ( السُّنية ) ، فأراد أن يقلب الطاولةَ ويعيد خلط الأوراق لكي تظل زعامته الوهمية محفوظة ولا يمكن المساس بها أو تهديدها. 

     وهناك قضية أساسية لا يمكن إغفالها في هذا السياق ، وهي عدم نزاهة القضاء العراقي بسبب خصوعه للسلطة التنفيذية ، لذلك فهو لا يتمتع بالاستقلالية والعدالة ، كما أنه مُختَرَق سياسياً وطائفياً . وهذا دفع الهاشمي إلى الاحتماء بإقليم كردستان والاستعداد للمثول أمام المحاكم الكردية وليس محاكم بغداد المسيَّسة. وهذه حقيقة لا يمكن إخفاؤها، فالقضاء العراقي الذي أَخرج مسرحية محاكمة الرئيس السابق صدام حسين بشكل ركيك ومكشوف ، لا يمكن الوثوق به أو الاطمئنان إلى أحكامه . فمثلاً كان القيادي في ائتلاف العراقية صالح المطلك متَّهماً بالانتماء للبعث من قبل القضاء العراقي وتم منعه_ في فترة ما _ من الترشح للانتخابات وممارسة السياسة، ثم صار فيما بعد نائباً لرئيس الوزراء ! . وفي هذا مؤشر بالغ على أن القضاء العراقي ألعوبة بيد الساسة المتنفذين وصفقاتهم فوق الطاولة وتحت الطاولة .   

     إن ما يحدث في العراق هو إعادة إنتاج الدكتاتورية وفق موديلات تختلف باختلاف الشخوص والمسرحيات، حيث تتغير الأقنعة والوجوه لكنَّ الاستبداد واحد . والمضحك المبكي أن الرئيس العراقي جلال الطالباني لم يعلم بمذكرة توقيف نائبه إلا متأخراً ، وهذا يشير إلى حجم المأساة في العراق الذي انتهى كدولة ، وصار ريشةً في مهب الريح ، وصفقةً سياسية تُبحَث على طاولات الساسة المتصارعين على السراب .

 

العرب اللندنية

30/12/2011م .

 

 

 

 

 

 

 

 

النظام الأردني وحماس : من المستفيد من الآخر ؟

 

     لا يخفى أن زيارة السيد خالد مشعل للأردن ولقاءه برأس النظام الأردني ، لم تجيء صدفةً أو من أجل تبادل القبلات والتقاط الصور التذكارية . فهذه الزيارة تأتي في وقت شديد الحساسية بالنسبة للوطن العربي الذي يعيش مناخاً ثورياً غير مسبوق انبثق من الربيع العربي الذي صنعه المواطن العادي الذي كان عبداً فصار سَيِّداً .

     وقد بدأ التمهيد لهذه الزيارة بتصريحات رئيس الوزراء الأردني عون الخصاونة الذي اعتبر أن إغلاق مكتب حماس في عَمَّان وإبعاد قادتها لم يكن قانونياً . وفي واقع الأمر فلا شيء يَحدث في الأردن استناداً إلى القانون . فالقوانين في العالَم العربي عبارة عن علكة تُمضَغ في وسائل الإعلام ، ثم تُرمَى في الأرشيف. ولا يوجد دستورٌ معتمد سوى مزاج الحاكم العربي .

     ويمكن القول إن أفضل تفسير لاقتراب النظام الأردني من حماس هو المثل الشهير " مُكرَه أخوك لا بطل ". فالأردنُّ الرسمي وجد نفسه محشوراً في الزاوية في ظل الربيع العربي ، ومعزولاً في جزيرة تحيط بها الأعاصير من كل الجهات ، بالإضافة إلى ضغوطات الشارع المتصاعدة ، فأراد أن يكسر إحدى حلقات هذه العزلة ، فقرر أن ينفتح على حركة حماس ( الإخوان المسلمين ) من أجل تحقيق مكاسب ذاتية تساعده على الوقوف في وجه رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة .

     ومن أبرز هذه المكاسب خطب ود الحركة الإسلامية في الأردن_ التي تتزعم المعارضةَ وتسيطر على الحراك الشعبي _ ، وتلطيف الأجواء معها لكي تخف حدة مطالبها ، وتهدأ وتيرة تجييشها للشارع . وكما يقال : اليد التي لا تقدر على قطعها قَبِّلْها .

     كما أن النظام الأردني قد استوعب مسارات الربيع العربي التي أوصلت الإسلاميين إلى سُدَّة الحكم . خصوصاً سيطرة الإخوان المسلمين على مقاليد السُّلطة في أكبر دولة عربية ( مصر ). لذا فإن النظام الأردني يريد بعث رسائل الانفتاح والتعاون مع الحكَّام الجدد في الوطن العربي ، الذين انتقلوا من كراسي التعذيب في السجون إلى كراسي السُّلطة في مؤسسات الدولة .

     ولا شك أن انفتاح الأردن الرسمي على حركة حماس من شأنه الضغط على إسرائيل والسُّلطة الفلسطينية. فإسرائيل التي تصنف حركة حماس كمنظمة إرهابية، تسعى جاهدة إلى تهميشها وإقصائها وضرب طوق من العزلة حولها. ومدُّ الأردن لجسور التعاون مع هذه "المنظمة الإرهابية" يجعل الأردن مالكاً لورقة ضغط على إسرائيل يستخدمها متى أراد . لكنها لن تكون ورقة ضغط كبيرة . فالنظام الأردني لم يُقدم على هذه الخطوة إلا بعد أن أخذ ضوءاً أخضر وإذناً مسبقاً من الإدارة الأمريكية .

     ولا يمكن تجاهل أن العلاقة بين الأردن وحماس _ رغم أنها مُقنَّنة _ ، تزيد الضغط على السُّلطة الفلسطينية ( حركة فتح ) ، وتجعلها تحسب للأردن ألف حساب . ولا ينبغي الاستخفاف بقدرة الأردن على محاصرة السُّلطة الفلسطينية إذا أراد ذلك . ولنتذكر أن التصريحات النارية للسيد فاروق القدومي ، والتي هاجمت رئيسَ السُّلطة الفلسطينية واتهمته بقتل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قد انطلقت من الأردن . وبالطبع ، فلا يمكن للقدومي أن يتكلم بهذه اللغة النارية التي تحمل سَيْلاً من الاتهامات لولا وجود تنسيق مسبق مع السُّلطات الأردنية . وقد أحدثت تلك التصريحات دوياً هائلاً في أنحاء العالَم ، وخلطت الأوراق ، وجعلت السيد محمود عباس مرتبكاً ، وفي موقف الدفاع عن النفس. إذن، الأردن قادر على توجيه الرسائل ، ويريد إمساك العصا من المنتصف ، وفتح كل الأبواب . وفي النهاية سيختار ما فيه مصلحته ، وسيقف مع الطرف الذي يُوفِّر له أعلى قَدْر من الأرباح .

     وإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر ، وجدنا أن حركة حماس قد أحرزت نقاطاً عديدة نابعة من تحسين العلاقات مع الأردن . فهي قد وَسَّعت دائرة تواجدها من الخليج إلى المحيط ، وكَرَّست اسمها أكثر فأكثر . فصار السيد مشعل يُستقبَل استقبال رؤساء الدول ، وقد رأيناه في مصر يقوم بوساطة بين الجامعة العربية والرئيس السوري. وسبق أن رأينا السيد إسماعيل هنية يتجول في تونس ويُلقي خطبة الجمعة. فحلقةُ الأردن تضاف إلى باقي الحلقات العربية .

     وبالطبع، فإن حركة حماس قد عَزَّزت موقفها أمام حركة فتح، فلم يعد السيد عباس_ وحده_ يُستقبَل من قِبَل ملك الأردن، بل أيضاً السيد مشعل صار في نفس الرتبة .

     وفي ضوء هذه التغييرات الديناميكية نخلص إلى أن تحسين العلاقات بين النظام الأردني وحماس سيعود بالنفع على الطرفين على الرغم من الإبقاء على منطقة عازلة بين الطرفين، يمكن أن نُسَمِّيها منطقة أمان . فالنظامُ الأردني لا يريد تطبيعاً كاملاً مع حماس خوفاً من التماهي مع الحركة الإسلامية الأردنية المسيطرة على الشارع،وبالتالي تشكيل خطر على وجود النظام الأردني_ حسب اعتقاد صناع القرار الذين يعتبرون أنفسهم حُماة العرش وملكيين أكثر من الملك _ . وأيضاً فإن حركة حماس تعرف أن الأردن محمية أمريكية، ومرتبط مباشرةً بالسياسات الإسرائيلية والأمريكية . لذلك فإن الطرفين سيُبقيان على حاجز فاصل بينهما ، ويحفظان خط الرجعة .

 

 6/2/2012م.

 

 

جودي فوستر وميريل ستريب وأشياء أخرى

 

1

 

     عندما كنتُ مراهقاً شاهدت فيلماً أمريكياً بمحض الصدفة. وكان عنوانه " صمت الحِملان " بطولة جودي فوستر وأنتوني هوبكنز . وعرفتُ فيما بعد أن الفيلم حصد خمس جوائز أوسكار . وقد أدهشني الفيلم بسبب قصته المعتمدة على التحليل النفسي ، والعلاقة بين العبقرية والأمراض النفسية من جهة ، والعبقرية والجريمة من جهة أخرى . فالنظرةُ النمطية السائدة عن الأفلام السينمائية أنها تعتمد على الغريزة والعُري وتخاطب الجسد لا العقل. أمَّا هذا الفيلم فكان فكرياً بامتياز .

     وفي تلك الفترة بدأتُ جمع المعلومات عن جودي فوستر ( وُلدت عام 1962م /فازت بالأوسكار مرتين )، وقررتُ أني سأتزوج جودي فوستر عندما أكبر من أجل الوصول إلى العالمية  _ رغم أنها تكبرني بعشرين عاماً _. فقد كنتُ أعتبر نفسي خليفة دودي الفايد وحامل لواء الرومانسية العربية في المحافل الدولية. وبالطبع كنتُ ساذجاً وغارقاً في أوهام فترة المراهقة والانبهار بأضواء الشهرة والمجد . ورغم كل هذا لم أفكر في مطاردة جودي فوستر بأي شكل، لأنها كانت تطاردني في المنام.

 

2

 

     وقد اكتشفتُ أن الطريق إلى العالمية لن يتم بالسير على خطى دودي الفايد ، بل بالسير في درب العلم والفكر والفنون الإبداعية الراقية . فالكاتب اللبناني الشهير جبران خليل جبران يقول إنه رأى صورة الإمام الغزالي في إحدى كنائس فينيسيا لأنهم يعتبرون الغزالي من أعمدة الفكر الإنساني الروحي . وفي إحدى المقابلات التلفزيونية قال الروائي البرازيلي العالمي باولو كويليو إن أفضل وسيلة لتعريف العالم بالحضارة العربية الإسلامية إنما تكون من خلال فنون هذه الحضارة . وهذا الكلام صحيح تماماً ، فالفن هو القوة الناعمة التي تفتح قلوب وعقول الآخرين بلا حرب ولا قتال .

3

 

     إن هذه الخواطر تداعت على ذهني بعد حفل الأوسكار الأخير . فحصول الممثلة السِّتينية ميريل ستريب على جائزة الأوسكار الثالثة في مسيرتها عن تجسيدها لشخصية المرأة الحديدية مارغريت تاتشر ( رئيسة وزراء بريطانيا بين عامي 1979م _ 1990م ) ، جعلني أفكر في زعمائنا السياسيين وعلمائنا وأدبائنا الذين صنعوا حضارتنا على مر العصور، لكنهم لم يجدوا من يُجسِّدهم في التلفاز والسينما، فظلت إنجازاتهم بعيدة عن الجماهير .

     وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فإن المخرج العالمي مصطفى العقاد قد جاب عدة دول عربية باحثاً عن تمويل لفيلمه "صلاح الدين" لكنه عاد صِفر اليدين، لأن العقلية العربية لم تجد في هذا الموضوع وسيلة لجني الأرباح !، ولم تهتم بالأبعاد الحضارية لهذا الموضوع وتعريف العالَم بإنجازات القادة العرب والمسلمين . وهكذا نجد أن حضارتنا تنعى حظها بين أهلها العاجزين عن تقديرها ومواكبة تأثيرها .

 

4

 

     إن الأمة العربية عاجزة عن تقديم حضارتها وقضاياها وثقافتها للعالَم لأنها لم تهتم بتمويل المشاريع الإبداعية، فهي تنظر إلى الثقافة والفنون على أنها تسلية ومضيعة للوقت ، وهي تتجاهل الرسالة الحضارية الكَوْنية الموجودة في الثقافة بكافة أشكالها.

     وهذا يُفسِّر الغياب الكارثي للأمة العربية عن الساحة العالمية ، في الوقت الذي نجد فيه أن السينما الإيرانية _ رغم كل القيود _ تحصد جوائز عالمية في أكبر مهرجانات العالَم . فالفيلم الإيراني " انفصال " حصل على جائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل الأوسكار ( 2012م ) . والفيلم الوثائقي الباكستاني الذي يتحدث عن سكب الأحماض على وجوه النساء ، قد حصد جائزة كبرى هو الآخر في نفس الحفل . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : أين السينما العربية التي تُعرِّف العالَم بقضايا العرب وتفتح العيونَ على حضارتهم ؟! .

 

5

 

     إن السينما العربية مشغولة بالقشور دون اللباب ، وبالضرب على السطح دون الغوص في الأعماق . فنحن نجد مخرجين كخالد يوسف وإيناس الدغيدي يملآن الدنيا تصريحاتٍ نارية ، وتنظيراً فلسفياً ، ويتصدران وسائل الإعلام . لكنهما عاجزان عن التواجد والتأثير في المهرجانات الدولية ، فلا وجود لهما على الساحة الدولية . مع أن العلم أن خالد يوسف هو تلميذ يوسف شاهين ، وإيناس الدغيدي تلميذة صلاح أبو سيف . وهذان المخرجان الراحلان قد حقَّقا بعض الإنجازات العالمية .

 

6

 

     لقد قال الممثل المصري نور الشريف في أحد اللقاءات التلفزيونية إن عدد أفلامه يقترب من مئة وسبعين ، وإن عدد أفلام محمود ياسين مئة وخمسون ، أمَّا حسين فهمي فتجاوزت أفلامه المئة. وهذا المنطق الحسابي يعكس الانهيار في الفكر السينمائي العربي المعتمد على الكَم لا النوع . والسؤال الذي ينبغي طرحه : ما وزن هؤلاء الممثلين على الساحة العالمية ؟ . إنهم بلا تأثير ، فهم محصورون في دائرة ضيقة ، ويتحركون بمعزل عن الحركة السينمائية العالمية . وإذا كان نور الشريف يفتخر بالأعداد ، فعليه أن يَعلم أن الممثل المصري الراحل أحمد زكي هو صاحب المركز الأول في السينما المصرية _ رغم أن أفلامه لم تصل إلى الستين _، وذلك بسبب اختيار ستة أفلام من أفلامه ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري في القرن العشرين . وقد قال عمر الشريف في إحدى المناسبات إن أحمد زكي لو كان يتقن الإنجليزية لاستطاع اقتحام الساحة العالمية بكل قوة .

     والسينما العربية ليس لها تأثير عالمي أو تواجد يجلب انتباه الآخرين. فالممثل الأمريكي مورغن فريمان عندما زار القاهرة قبل عدة سنوات لم يتمكن من معرفة أي ممثل مصري على الإطلاق ، على الرغم من أن الممثلين المصريين هم أشهر الفنانين العرب دون منازع ! . وهذا يؤشر على انهيار السينما العربية .

 

7

 

     إن السينما الشبابية المسيطرة على الساحة العربية هي مجرد وسيلة استهلاكية مثل الوجبات السريعة دون أي عمق فكري أو قضايا مهمة . فهي تعتمد على الإضحاك بأي وسيلة ، والترفيه عن الجمهور بدون أي نوع من إعمال العقل . إنها سينما هادفة إلى إراحة العقل من التفكير ، والتركيز على الجسد والإغراء والمشاهد الساخنة لجذب أكبر عدد من المشاهدين . وهذا أدخل صناعة السينما في مأزق كارثي شديد الخطورة ، وجعل صُنَّاع الفيلم خاضعين لسياسة " الجمهور عايز كده " . مما أدى إلى انتحار ثقافة الصورة ، وعجز الأمة العربية _ وعلى رأسها مصر _ عن صناعة التأثير ، والاضطلاع بدور القيادة .

8

 

     يُفترض أن أحوال السينما العربية ستتغير بعد الربيع العربي . وقد اتضحت بعض ملامح هذا التغيير في مصر عندما أعلن الإخوان المسلمون ( الحكام الجدد ) عن نيتهم دخول مجال صناعة السينما وإنتاج "السينما النظيفة" . وهم يقصدون بهذا التعبير السينما الخالية من العري والإغراء، والمعتمدة على مخاطبة العقل لا الغرائز . ونحن بانتظار هذه التجربة لكي نحكم عليها .

 

9

 

     إن السينما مجرد وعاء ، والعِبرةُ بالأفكار المطروحة في هذا الوعاء . لذلك ينبغي أن تتأسس السينما وفق مبدأ الفكر الإبداعي الذي يبث الوعي في الجماهير ، ويحترم عقولهم ، ولا يؤجج شهواتهم . إنها سلاح ذو حدين ، ينبغي التعامل معه بحذر لئلا يصبح لعنةً تطارد أصحابها .

 

6/3/2012م .

 

 

 

 

لماذا تخاف دول الخليج من الإخوان المسلمين ؟

 

     إن المجتمعات الخليجية لا زالت محصورة في دائرة الخوف، الخوف من الخارج والداخل على حَدٍّ سواء . وعقدةُ الشعور بالنقص المسيطرة على مراكز صنع القرار الخليجية لا تزال تتحكم في رسم السياسات . فصانعُ القرار يُدرك ضعفه الشخصي وهشاشة مجتمعه على كافة الأصعدة . وحينما ينظر إلى الخارج فإنه يرى إيران كوحش مفترس قادم لابتلاع المنطقة ، لذا يحتمي بأمريكا ويستقطب قواعدها العسكرية من أجل توفير الحماية . كما أنه _ في الوقت ذاته _ يخشى تخلي الأمريكان عنه وقطع الحبل به ، أو توصل أمريكا وإيران إلى صيغة توافقية تكون فيها الضحية هي دول الخليج . وحينما ينظر إلى الداخل فإنه يخشى تحركات الشارع أو ثورة الشعب لأي سبب كان . وهذا الرعبُ المتواصل _ خارجياً وداخلياً_ يُقحم دوائر صنع القرار بأكملها في حسابات كابوسية ، خصوصاً أن المجتمعات الخليجية لا تتمتع بأنظمة سياسية متجذرة ، ولا تملك مؤسساتٍ عسكرية أو مدنية قوية ، أو قواعد عمل سياسي منظَّم ، أو بنية اجتماعية متماسكة . فهي مجتمعات في مهب العاصفة على الدوام بسبب ضعفها الذاتي ، وسيطرة الخوف عليها ، والذي يمنعها من التحرك بثقة نحو المستقبل . كما أن منطقة الخليج بأسرها قد وقعت منذ زمن بعيد ضحيةً لما يُمكن تسميته " لعنة النفط " . فالنفط _ هذه النعمة العظيمة _ قد صارت نقمةً بسبب سوء التصرف الذي أدى إلى تكالب القوى الكبرى على المنطقة ، حيث تصول وتجول دون رادع .

     والإشكالية الكبرى في النسق السياسي الخليجي تتجلى في التعامل مع المشكلات عبر إغداق المال وشراء ولاء الآخرين ، وليس حل هذه المشكلات جذرياً ، وصناعة الإنسان القادر على الإبداع ، والوقوف على قدميه دون مساعدة أحد ، واكتشاف مصادر دخل غير النفط . فهذا التقدمُ الملحوظ في منطقة الخليج هو تقدم وهمي لأنه يعتمد بالكلية على عقول غربية وسواعد أجنبية وليس قدرات أبناء البلد . فعلى سبيل المثال لا الحصر ، نجد أن برج خليفة في إمارة دبي    ( أعلى بُرج في العالم ) قد تم تصميمه وبناؤه حسب العقول والطاقات الأجنبية . والإماراتيون والعرب ليس لهم علاقة بالأمر ، لا من قريب ولا بعيد . ومتحف الفن الإسلامي في الدوحة قد صَمَّمه المعماري إيو مينغ بي ( أمريكي من أصل صيني ). حتى إن الساعة العملاقة في مكة المكرمة قد تم صنعها في ألمانيا . إذن، نحن أمام معضلة حقيقية ، ونهضة براقة لكنها مخادِعة . لذلك أَطلق الروائي الراحل عبد الرحمن منيف ( 1933م _ 2003م ) على المدن التي أنشأها النفطُ لا العقلُ العربي اسم " مدن الملح" في إشارة إلى التبخر والتلاشي .

     وهذا الضعف المتجذر في المجتمعات الخليجية _ فوقياً وتحتياً _ جعل حكامَها مقتنعين بأن عروشهم غير راسخة ، ويمكن أن تزول بسهولة بسبب غياب المناعة الداخلية وعدم التمتع بالحصانة الرادعة . ومن هنا بدأ البحث عن العدو الذي يمكنه تهديد وجود الأنظمة السياسية في الخليج عدا إيران وأمريكا . وبالطبع كان هذا العدو هو جماعة الإخوان المسلمين لأسباب كثيرة من أبرزها : _

[1] إن " الإخوان " هي الجماعة السياسية الأولى في العالَم الإسلامي برمته ، وأذرعها ممتدة في دول كثيرة . وهي تملك رصيداً في ممارسة العمل السياسي لا تملكه جميع دول الخليج مجتمعةً . فالإخوان المسلمون يمارسون السياسة قبل ظهور النفط . وبعبارة أخرى ، إن " الجماعة " كانت منخرطة في التنظير السياسي والعمل الحزبي والمشاركة الاجتماعية عندما كان أهلُ الخليج يمارسون مهنة صيد اللؤلؤ ، ومزاولة الحرف اليدوية البسيطة. وهذا بحد ذاته يشكل ضغطاً على النظام السياسي الخليجي الذي ما زال يحبو . فالذي لا يملك تاريخاً سياسياً سيشعر بالخوف من الذي يملكه . 

[2] إن دوائر صنع القرار الخليجية محصورة في فكرة شيخ القبيلة الذي يُكرِم أتباعه بالمال مقابل الالتفاف حول زعامته، وتقديم الولاء له، والتعهد بحمايته والحفاظ على منصبه . وهذا المنظومة لا تناسب عصرنا الحالي . وفي المقابل نجد أن "الإخوان "_ بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معهم _ يبذلون جهوداً حثيثة للتوفيق بين الشريعة والديمقراطية ، وبين الأصالة والمعاصرة ، آخذين بعين الاعتبار قضايا حساسة مثل حقوق الإنسان ، وحقوق المرأة ، وحرية التعبير ، ومسألة الأقليات ، وقبول الآخر ... إلخ . وهذا الخطاب يُشكِّل تهديداً مباشراً للأنظمة الخليجية المعتمدة على الانغلاق الفكري تحت ذريعة الحفاظ على الهوية والخصوصية . وما يثير العجب أن الأنظمة السياسية في البيئة الخليجية _ رغم تحجرها الفكري _ نجدها تفتح البلادَ أمام طوفان العمالة الوافدة من ثقافات مضادة للقيم العربية . وهذا أدى إلى اختلال كارثي في القضية الديمغرافية شديدة الحساسية . حتى إن دولة كالإمارات صار فيها الوافدون أكثر عدداً من الإماراتيين  ( السكان الأصليين ) .

[3] إن وصول "الإخوان " إلى سدة الحكم في أكبر دولة عربية ( مصر ) سيجعلهم على اتصال مباشر مع أمريكا والاتحاد الأوروبي وباقي القوى العالمية والإقليمية. ودول الخليج تخشى من تعزيز العلاقات الإخوانية _ الأمريكية ، أو الإخوانية _ الإيرانية ، فيكون الخاسر الأكبر هو الخليج . فالمخاوفُ المسيطرة على صانع القرار الخليجي تجعله يخترع الكوابيس ، ويبتكر المؤامرات الافتراضية ، ويشك في كل شيء ، وفق قاعدة " كاد المريب أن يقول خذوني " ! .

[4] إن دول الخليج حريصة على تفسير الإسلام وفق رؤيتها الشخصية ، أي السمع والطاعة العمياء للحاكم ( ولي الأمر ) لأنه القائم بأمور البلاد والعباد ، فالاعتراض عليه أو محاولة نصحه أو نقد أفعاله أو محاسبته ، كل هذه الأمور تُعتبر خروجاً على الحاكم ، وتُسبِّب فتنةً كبرى . فينبغي التطبيل والتزمير للحاكم بغض النظر عن عدله أو ظلمه . وهكذا انتشر علماء البلاط الذين ترتبط مصالحهم مباشرة بالنخبة الحاكمة. كما ظهر مبدأ التزاوج بين السُّلطة الدينية والسُّلطة السياسية . وهذا تجلى في العلاقة المتشابكة بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من جهة وبين آل سعود  ( العائلة الحاكمة في أغلب الجزيرة العربية ) عبر مراحل التاريخ المختلفة . كما أن الحكام قد حرصوا على نيل شرعية دينية من أجل الحصول على قبول الناس وولائهم . فنجد أن الملك الراحل فهد بن عبد العزيز    ( 1920م _ 2005م ) قد اتخذ لقب "خادم الحرمين الشريفين " عام 1986م . وقد سبقه إلى هذا اللقب المماليك المصريون ثم السلطان العثماني سليم الأول . وبروزُ " الإخوان " كقوة دينية وسياسية تحمل تفسيرها الخاص للإسلام سيسحب البساطَ من تحت أقدام حكام الخليج ، ويُهدِّد منظومتهم الفكرية المعتمدة على تفسير منغلق للإسلام . ولَيْتَ الحاكم الخليجي قد سار على قاعدة معاوية بن أبي سفيان _ على أقل تقدير _ حينما قال : (( إني لا أَحول بين الناس وألسنتهم ما لم يَحولوا بيننا وبين مُلكنا )) .

[5] إن أهم دولتين خليجيتين ( السعودية وقطر ) تريدان زعامةَ العالَم العربي بعد الثورات التي أطاحت بأنظمة الاستبداد. فمصر بحاجة إلى وقت كي تقف على قدميها وتعود إلى قيادة الأمة العربية، وسوريا غارقة في الدماء. لذا فالجو مناسب لاضطلاع هاتين الدولتين أو واحدة منهما بمركز القيادة . وفي واقع الأمر فهما اللتان تديران الجامعة العربية في الوقت الراهن ، وترميان بكامل ثقلهما خلف الثورة السورية. فهما تناديان _علانيةً _ بضرورة تسليح المعارضة السورية ، كما أن ملك السعودية قد انتقد مجلس الأمن الدولي في فترة سابقة . وهذه اللهجة غير معهودة في الدبلوماسية الخليجية ، مما يدل على السعي الدؤوب لقيادة الأمة العربية . ولا توجد قوة يمكن أن تنازعهما على القيادة غير " الإخوان " أصحاب الامتداد التاريخي والجغرافي ، لذلك يُنظَر إليهم على أنهم تهديد لطموح دول الخليج في بسط نفوذها عربياً وإقليمياً .                                  22/3/2012م . 

إيران لن تحميَ المالكي

 

     إن المراهقة السياسية التي تتفشى في أوساط النخبة الحاكمة في العراق تعكس حجم الانهيار في المجتمع العراقي على كافة الصعد . فالهروبُ من الأزمات صار سمةً لازمة لفلسفة الحُكم ، وأضحى البحثُ عن غطاء سياسي خارج الحدود فلسفةً مكرَّرة . فها نحن نجد رئيس الوزراء نوري المالكي حريصاً على موسم الحج إلى طهران لنيل مباركة مرشد الثورة خامنئي ، وكأنه هو الحاكم الفعلي للعراق الذي يُحدِّد الحقوقَ والواجبات للساسة ، ويرسم المواقف السياسية الواجب اتباعها .

     وقد أراد المالكي من وراء هذه الزيارة بعث رسالة إلى خصومه في العملية السياسية بأن له ظهراً يحميه ويسنده ، ويمنحه شرعيةَ الاستمرار ، ويبارك خطواته . لكنَّ المالكي ينبغي أن يدرك أن الكرة ليست في ملعب إيران على الرغم من النفوذ الإيراني الهائل في العراق . فمشكلاتُ العراق لا يمكن حلها خارج الحدود ، وإنما في الداخل . فعلى الفرقاء السياسيين بحث كل الملفات العالقة على الطاولة بكل صراحة وبدون مجاملات مبتعدين عن سياسة " تبويس اللحى" . فهذا هو الحل الوحيد لانتشال العراق من المستنقع العميق . ولا يمكن لأية قوة خارجية _ مهما بلغ تأثيرها _ أن ترسم مستقبل الشعب العراق بكل تنوعه المذهبي والعِرْقي . إذ إن الشعب هو صاحب الكلمة العليا لأن الأمر متعلق بمصيره . وأصحاب الأرض هم _وَحْدَهم _ القادرون على إنقاذ العراق أو إغراقه. وكما يقال : أهلُ مكة أدرى بشعابها . أما المراهنة على القوى الخارجية من أجل تثبيت سياسة الأمر الواقع في الداخل فقد ثبت فشله عبر مراحل التاريخ . والتاريخُ مفتوحٌ أمامنا ، وهو سِجِل لا يَكذب .

     فإذا انقسم العراق ، وصارت كردستان دولةً مستقلة ، وقام العرب السُّنة بإعلان الأقاليم في محافظاتهم أو تكوين دولتهم الخاصة أًُسوةً بالأكراد . فهل سَيَقدر خامنئي على إعادة تجميع شظايا العراق ؟ . وما موقف المالكي عندئذ ؟ . بالطبع سيجد نفسه مسيطراً على محافظات الجنوب ضمن رُقعة جغرافية ضيقة تتنازعها الصراعات بين المرجعيات الدينية والسياسية ولديه بعض آبار النفط . وما الفائدةُ حينئذ من احتكار السُّلطة وقد انتهت الدولةُ العراقية وذهبت إلى الأرشيف ؟ . وما الفائدةُ إذا حقَّق الساسةُ أرباحاً شخصية وخسروا العراقَ بأكمله وذهبت الحضارة العريقة إلى غبار الماضي ؟ .

     وإذا كان المالكي سعيداً بالسيطرة على وزارتي الداخلية والدفاع ، والقواتِ المسلحة ، والبنك المركزي ، وعقود النفط ( المال السياسي ). فعليه أن يعلم أن باقي الأطراف لها أوراق ضغط . وإذا زال الولاء والانتماء من نفوس العراقيين ، وتعاظم الإقصاء والتهميش ، وساءت الخدمات أكثر فأكثر ، فإن الثورة الشعبية قادمة لا محالة ، وعندئذ يختفي الفرقُ بين السُّني والشيعي ، والعربي والكردي . فاحتكارُ السُّلطات لا يمكن أن يحميَ الحاكم من صوت الشعب ، والأدلة على ذلك ماثلة للعيان ، ولا تحتاج إلى عبقرية البحث والتقصي . أمَّا فكرة ( القائد الرمز الملهَم / والزعيم الضرورة / والحزب الأوحد ) فقد أكل عليها الزمنُ وشرب . وكانت نتائجها كارثية بامتياز .

     ومن تجليات المراهقة السياسية أن المالكي يزيد أعداءه، ويُقلِّل من أصدقائه . فنراه يهاجم تركيا ويذهب إلى إيران . وهذا يدل على ضيق الأفق السياسي . فإذا كانت إيران تملك النفوذ في المشهد العراقي ، فإن تركيا تسيطر على نهرَي دِجلة والفرات . والعراقُ يعاني من حالة جفاف خصوصاً في المحافظات الجنوبية . وإذا عطش العراقيون فلن يَشربوا من آبار النفط ، وإذا أرادوا تكوين نهضة زراعية فلن تنفعهم تعليمات الولي الفقيه . بل هُم في أمس الحاجة للموارد المائية التي تتحكم بها تركيا. فلا مصلحة للعراق المهيض الجناح أن يزيد من خصوماته الإقليمية ، فهو الطرف الأضعف .

     وينبغي إدراك أن ماهية الحضارة أكبر من البندقية وبرميل النفط . فإيرانُ تواصل الغرق في غرور القوة ، وتنتهج أسلوب المكابرة وعدم الاعتراف. والأَوْلى أن تحل مشكلاتها الاقتصادية المتفاقمة نتيجة العقوبات الدولية، وتعالج أزمات البطالة والعنوسة التي تعصف بالمجتمع عامةً ، وأحلام الشباب خاصة. فالانفجارُ الداخلي أخطر من التهديد الأمريكي والإسرائيلي. أمَّا سياسة الإنكار فلا تجدي نفعاً ، فالمريضُ ينبغي أن يعترف بمرضه أولاً إذا أراد العلاج .

     وما يثير الاستغراب هو حالة التخبط في مراكز صنع القرار في إيران . فنجد الرئيس الإيراني يزور جزيرة  " أبو موسى " ، ويُسبِّب أزمةً مجانية مع دولة الإمارات مع أن الإمارات هي المتنفَّس الاقتصادي لإيران . ونرى إيران تنفق أموالاً هائلة على التسلح في حين أن الفقر والمشكلات الاجتماعية في ازدياد مطَّرد في المجتمع الإيراني. فَحُكام إيران يعتقدون أن مجد الحضارة الفارسية لن يعود إلا بالقوة العسكرية . وهذه القوةُ غير كافية لصناعة حضارة . فالاتحادُ السوفييتي قد انهار وهو يملك ترسانةً مرعبة من الأسلحة النووية وغيرها . وها هي كوريا الشمالية تملك جيشاً يزيد تعداده عن المليون ، أما الاحتياط فعِدَّة ملايين ، ومع هذا فالشعبُ يعاني من مجاعة غذائية حقيقية ، ويعيش تحت المساعدات من الصين وغيرها . وإننا لنجد دولاً إفريقية عديدة لديها النفط ومناجم الذهب والمعادن الثمينة ، ومع هذا فالشعبُ يعيش في فقر مدقع .

     فعلى الساسة أن يعيدوا حساباتهم إذا أرادوا بناء دول عصرية وقوية ، ويوازنوا بين القوة الروحية والقوة المادية ، أمَّا اللهاث وراء السراب فلا يبني مجتمعاتٍ متماسكة . فالسفينةُ إمَّا أن تنجوَ بكل ركابها أو تغرق بهم جميعاً .

 

العرب اللندنية

4/5/2012م .

أطالب الرئيس الفرنسي أن يتزوج عشيقته

 

     إن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد منح نفسه حق العيش مع عشيقة لا زوجة ، بحجة أن هذه حياته الخاصة وهو حر التصرف فيها كيفما يشاء . وهذه النظرة القاصرة لمفهوم الحقوق تعكس الفوضى العارمة في بنية المجتمعات الغربية ، والأخطار الوجودية التي تهدد مفهوم الأسرة ومصيرها. لذلك نجد الفاتيكان في مناسبات عديدة يشدد على أهمية الأسرة المسيحية وضرورة المحافظة عليها في وجه تحديات الحداثة الغربية الجارفة والهوس المادي العنيف. وهذا غير مستغرب، إذ إن الكاثوليكية تُقدِّس الزواج الأبدي ، وتُحرِّم الطلاقَ تحريماً باتاً ، حتى إنها لا تعتبر الخيانة الزوجية سبباً وجيهاً للطلاق ، وكل ما يحصل في حالة الخيانة الزوجية هو التفريق جسدياً بين الزوجين مع اعتبار العلاقة الزوجية قائمة. وفرنسا هي أكبر دولة كاثوليكية في أوروبا على الرغم من شعارات العلمانية التي تُوظَّف جزئياً بين الحين والآخر من أجل مصالح سياسية بالمقام الأول .

     والرئيس الفرنسي _ منذ انفصاله عن زوجته عام 2007م _ يعيش مع الصحفية فاليري تريروالار بدون زواج . فهل يعاني الرئيس الفرنسي الذي يتجاوز راتبه الشهري 10 آلاف يورو من عدم القدرة على فتح بيت وتكوين أسرة مثل الشباب العاطل عن العمل ؟! . أم أن عدم الزواج له علاقة بمرجعيته الاشتراكية ونضاله الحزبي ؟! . أم أن هولاند متأثر بأستاذه في الاشتراكية الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران ( 1916م _ 1996م ) الذي كانت له عشيقة لأكثر من ربع قرن وأنجبت منه ابنة ؟!. وقد رأى العالَم بأسره المشهدَ الفريد للزوجة إلى جوار العشيقة في جنازة ميتران ! .

     وهذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمع الغربي. لكنها تكون ظاهرة حيناً ، ومختفية في أحيان أخرى . فالرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي ( 1917م _ 1963م ) كانت له علاقات نسائية ، وكان يُنظَر إليه على أنه زير نساء . وهناك تقارير عديدة متضافرة على وجود علاقة بينه وبين ممثلة الإغراء الشهيرة مارلين مونرو ( 1927_ 1963م ) التي انتحرت أو " نُحرت " . وبالطبع ، فلا يوجد دخان بدون نار. وقد غَنَّت مارلين مونرو للرئيس كيندي في عيد ميلاده على أحد المسارح ، وأمام الشاسات . وهذا العملُ يعكس العلاقة الوثيقة بينهما . لكن كيندي _ في حياته _ كان شديد التحفظ والكتمان حيال هذه القضايا. ويبدو أن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون انتهج نفس الأسلوب . فالكثيرون يؤكدون وجود نساء كثيرات في حياته معروفات بالاسم عند الصحفيين والمتابعين ، وما مونيكا لوينسكي إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد .

     والأمرُ لا يقتصر على عالم السياسة . فعلى سبيل المثال ، نجد _ في عالم الفن _ أن الممثل الأمريكي براد بيت عاش مع الممثلة أنجلينا جولي بدون زواج لمدة طويلة ، ولديهم أطفال بالتبني . وقد تداولت وسائل الإعلام مؤخراً أنهما سيتزوجان ، ولا أعرف هل تم ذلك أم لا ! . وفي عالم الرياضة نجد أسطورة التنس الأرضي السويسري روجر فيديرر قد التقى بعشيقته ميركا فافرينيتش في أولمبياد سيدني عام 2000 م ، وعاشا معاً ، لكنهما تزوَّجا في عام 2009 م .

     ثم جاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليساهم في هذه الفوضى ، فيُعبِّر عن دعمه لزواج المثليين . وهو بالطبع يستثمر هذه القضية للحصول على أصوات الناخبين . فقد صارت القضايا الجنسية وسيلةً لخداع الرأي العام ، وملء صناديق الاقتراع بأصوات المؤيدين . 

     إن هذا الأسلوب من الحياة يشير إلى انتحار القيم الاجتماعية ، وسيطرة البعد الاستهلاكي الفج على مسار الإنسانية ، ويدل على نزعة التمرد والرفض لكل الأعراف تحت ذريعة حماية الخصوصية ، والعلاقات المتحررة من القيود .

     والغريب أن الرئيس الفرنسي اختار نصف حكومته من النساء ( 17 وزيرة ) من أجل تقديم نفسه كمدافع عن حقوق المرأة وإدماجها في نظام الحكم والمجتمع ، لكنه لم يُعِر التماسك الاجتماعي وبناء الأسرة القوية أدنى اهتمام . كما أن حملته الانتخابية كانت مبنية على شعارات النمو المالي والتحفيز الاقتصادي وإعادة بناء أوروبا على أسس جديدة، لكنه لم يفكر في إعادة بناء النظام الأسري المنهار .

     فعلى الرئيس الفرنسي إصلاح حياته الخاصة قبل أن يُقدِّم نفسه كقائد لمسيرة الإصلاح ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه . وهنا تبرز ضرورة زواجه من عشيقته لإعطاء الانطباع الجيد عن مساره الأخلاقي ، ويتفادى إحراج نفسه وفرنسا في زياراته الخارجية ، خصوصاً إلى الدول العربية والإسلامية _ إن كان يفكر أصلاً في زيارتها _ .

 

العرب اللندنية

26/5/2012م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النظام الأردني يراهن على الجواد الخاسر

 

     إن السؤال الذي يبرز على الساحة الأردنية في هذا الوقت : ما هي التغيرات الإيجابية التي حدثت في الأردن منذ اندلاع شرارة الربيع العربي ؟ . وقد يبدو الجواب متشائماً ومغرقاً في السوداوية ، لكن التغيرات هزيلة للغاية لا تتعدى زيادة رواتب بعض الفئات ، وإنشاء نقابة هنا أو هناك . وهذه الإجراءات لا تسمن ولا تغني من جوع ، لأن ماهية الإصلاح أكبر من الرواتب والنقابات . إنها متعلقة بإيجاد صيغة منطقية للتعايش بين الشعب والنظام وفق أسس واضحة بعيدة عن المجاملات وتبويس اللحى . فلا بد من إيجاد عَقد سياسي بين الشعب الأردني والملك يقوم على الاحترام المتبادل، ومعرفة واجبات وحقوق كل طرف . أمَّا مهرجانات الولاء والانتماء وقصائد المديح والتطبيل والتزمير فهي موضة عابرة لتحقيق مكاسب شخصية ، وهي لا تصنع وطناً ، ولا تقيم حضارةً .

     والمشكلةُ الحقيقية في النظام السياسي العربي أن الحاكم العربي يعتبر الشعبَ والوطنَ مُلكاً شخصياً له ، وأن من حقه إطعام من يشاء ، وتجويع من يشاء . كما أنه يعتبر أي معارض لسياسته خائناً وعميلاً ، وضمن قائمة المندسِّين. وهذه النزعة المتطرفة تزيدها حدةً الحاشية الملتفة حول الحاكم التي تُضلِّله من أجل تحقيق منافع ذاتية ، وتوسيع دائرة نفوذها على حساب البلاد والعباد .

     وإذا أردنا بناء دولة القانون والمؤسسات في العالم العربي فلا بد من إنهاء هذه الهلوسة السياسية، والشروع فوراً في تجذير قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسُّلطة . وهذا لا يتحقق إلا بإجراء إصلاح حقيقي في رأس الهرم السياسي لأن " شطف الدرج يبدأ من أعلى " ، فلا بد من اعتبار الحاكم موظفاً عند الشعب يأخذ راتبه نظير رعاية مصالح الشعب لا الاستيلاء على ثرواته .

     وللإنصاف فإن الحالة السياسية الأردنية متقدمة جداً على باقي الدول العربية ، ويمكن اعتبار الأردن سويسرا العرب ، لكن هذه المقارنة خطرة ، فمن غير اللائق مقارنة الأعور بالأعمى ، لأنه عندئذ ستختل الموازين ، وتدخل القضايا المصيرية في النسبية واللايقين .

     والإشكالية الصادمة في الحياة السياسية الأردنية هي سيطرة فئة معدودة على مقاليد السُّلطة طيلة عقود ، فالوجوهُ لا تتغير ، لكن الأقنعة تتغير . وهؤلاء الحرسُ القديم ينبغي محاسبتهم على السنوات الخالية ، وتقديم المقصِّرين إلى المحاكمة ، وإعادة الباقين إلى بيوتهم، وبدء رحلة البحث عن كفاءات خارقة وقيادات موهوبة قادرة على إدارة البلاد بصورة مبدعة .

     وهذا الأمر لا يتأتى إلا باعتماد الملكية الدستورية ، ووضع قانون انتخابات عصري يتيح للبرلمان أن يمارس دوره التشريعي والرقابي بكفاءة عالية . ووفقاً لهذه المعادلة الجديدة يتم اختيار رئيس الوزراء من قبل البرلمان لا الملك . وهذه القضية لا ينبغي المساومة عليها إطلاقاً . فعلى الملك أن يتحول إلى رمز سياسي جامع لمكوِّنات الشعب دون أن يمارس السياسة .

     وقد يعتقد كثيرون أن هذا الأمر يُشكِّل خطراً على النظام الملكي . لكن الأمر عكس ذلك تماماً . إذ إن تسليم السُّلطة للشعب بحيث يختارون مُمثِّليهم في البرلمان الذين يختارون_ بدورهم _ رئيس الوزراء ، يُبعد الملكَ عن التجاذبات السياسية والسخط الشعبي . ففي بريطانيا _ مثلاً _ عندما تسوء ظروف الشعب لا أحد يصف الملكة إليزابيث بأنها فاشلة ، بل يعتبرون رئيس الوزراء هو سبب الكوارث، ويَطمحون إلى تغييره لا تغيير النظام الملكي. وهذا الأمر ليس مختصاً بالغرب ، ففي الحالة العربية الراهنة نجد أن النظام السياسي في المغرب قد منح البرلمان حق اختيار رئيس الحكومة ، وعليه فإن أي سخط شعبي سَيُوَجَّه ضد رئيس الوزراء لا الملك .

     ومن هذا المنطلق ينبغي الاستفادة من تجارب الآخرين لئلا ندخل في دوامة العنف والفوضى الموجودة في المحيط العربي . فينبغي الحفاظ على النظام الملكي باعتباره الضمانة لاستمرار الكيان السياسي الأردني ، ووحدة التراب الوطني، وتماسك أبنائه من شتى المنابت والأصول. وفي نفس الوقت ينبغي أن يتقاعد الملك من السياسة، ويُسلِّم سُلطاته لرئيس وزراء منتخب من قِبَل الشعب ، فتصبح علاقة المد والجزر بين الشعب ورئيس الوزراء ، وعندئذ يصبح الشعب قادراً على محاسبة رئيس الوزراء وعزله إذا فشل في إدارة البلاد . وهذا الأمر يحفظ مكانةَ الملك ويُبعده عن النقد ، ويُجنِّب الأردن الفوضى السياسية. فالملكُ إذا اتخذ قراراً سياسياً خاطئاً يجب أن يُحاسَب أمام الشعب ، لأن السُّلطة الشعبية أعلى من السُّلطة الملكية. وهذا سَيُحدث بلبلةً في الأردن . لذا فالحل يكمن في تحويل العرش الأردني إلى مؤسسة معنوية لا تَحكم ، ولا تتدخل في الحياة السياسية التي يصنعها الشعبُ الأردني وفق رؤيته واختياراته . فمن مصلحة الملك أن يُرجع السُّلطةَ إلى الشعب لكي يَحكم نفسَه بنفسه دون وصاية من أحد ، وعندئذ يحتضن الشعبُ النظامَ الملكي ، ويتمسك به ، ولا يَنقم عليه .

     وقد يقول أحدهم : إن هذا التحول سوف يُحضر الإسلاميين إلى السُّلطة . ونحن نقول له : وأين المشكلة في ذلك ؟ . إذا جاء الإسلاميون إلى السُّلطة بطريق سِلمي وفق صناديق الاقتراع ، فسوف نتقبَّلهم ثم نحكم على أفعالهم ، فإن نجحوا في الحُكم سوف نعيد انتخابهم ، وإن فشلوا سوف نعزلهم ونبحث عن آخرين . أمَّا اتخاذ الإسلاميين فزاعةً وذريعةً لمواصلة الاستبداد ، فهذه ورقة مكشوفة ومحروقة في آن معاً .

     وعلى النظام الأردني أن يتحرر من الخوف من الإسلاميين وتخويف الآخرين منهم ، ويكف عن اختراع الكوابيس . وعليه _ كذلك _ أن يتذكر أن الإسلاميين في الأردن لم يحاولوا قلبَ نظام الحُكم ، أو الاستيلاء على السُّلطة ، ولم يتورَّطوا في حمل السلاح ضد السُّلطات _ رغم قدرتهم على ذلك _ . وهذا التاريخُ يَشهد لهم، خصوصاً أن الأردن مَرَّ في ظروف صعبة للغاية ، وحالات ضعف شديدة ، واضطرابات عديدة ، وكان يَسهل استغلالها وتوظيفها لإسقاط النظام الحاكم ، والقفز على سُدَّة الحُكم .

     إذن ، يتوجب على النظام الأردني الكف عن المراوغة ، وكسب الوقت ، والمماطلة في الإصلاح ، والشروع في صناعة برلمان حضاري قادر على إفراز طبقة حاكمة شريفة ذات كفاءة لا طبقة من المرتزقة والمنافقين وسماسرة الوحدة الوطنية.

     والمؤسف أن النظام الأردني يراهن على انتهاء زخم الثورات العربية . لذلك نراه يقوم بخطوات تجميلية وترقيعية لامتصاص غضب الشعب ، والهروب إلى الأمام . وبعد أن تهدأ الأجواء ، تعود حليمة إلى عادتها القديمة . وهذه لعبة خطرة للغاية لأن تجاوز الإرادة الشعبية له عواقب كارثية . وهذا النفق المظلم الذي يسير فيه النظام الأردني لا ضوء في آخره . لذا فإن الحل يتجلى في اختيار الطريق الصحيح، والاستثمار في الموارد البشرية الهائلة. أمَّا التعويل على الحلول الأمنية ، والخطب الرنانة ، وبرقيات الولاء ، فلا يجدي نفعاً . وكما قيل : صديقك مَن صَدَقك لا مَن صَدَّقك ، ومَن خَوَّفك حتى تلقى الأمن أفضل ممن أَمَّنك حتى تلقى الخوف .

 

9/6/2012م .

 

 

 

 

 

 

 

هل يقدر الرئيس مرسي على إقالة المشير طنطاوي ؟

 

     لم يعد خافياً على أحد أن العسكر ممسكون بزمام السُّلطة في مصر ، ومتشبثون بمفاصل الدولة بأظافرهم وأسنانهم . ومن الواضح أن الواقع المصري الذي تمت عسكرته لم يكن وليد الصدفة أو اللحظة الآنية ، بل هو امتداد لثورة يوليو 1952م _ بإيجابياتها وسلبياتها _ ، والتي أحضرت العسكر إلى سدة الحكم ، وحَوَّلت مصر إلى دولة بوليسية . ولا يظهر في الحالة المصرية الراهنة أي مؤشر على استعداد العسكر للتنحي أو العودة إلى الثكنات بالمعنى الفعلي . وهذا الواقع المعاش ينبغي التكيف معه والوصول إلى نقطة ما في منتصف الطريق لئلا تنقطع العلاقة بين السَّاسة والعسكر . فمن غير المنطقي العيش في رومانسية الثورة ، وأن الأوضاع ستتغير للأفضل في ليلة وضحاها ، وأن الرئيس يملك عصا سحرية ليجعل مصر مثل بريطانيا أو فرنسا . فالفعل الحضاري فعل تراكمي تمارسه أجيال متتابعة وفق خطة مدروسة وواضحة لا ارتجال فيها ولا تضارب .

     وإن نقطة انطلاق الجمهورية المصرية الثانية نحو التقدم والازدهار ينبغي أن تتجذر في النفوس لإصلاح النوايا واعتبار الشعب المصري بكل أطيافه السياسية وطبقاته الاجتماعية كتلةً متماسكة في مركب واحد . فالإسلاميون لم يهبطوا على كرسي الحُكم بالبراشوت ولم يأتوا على ظهور الدبابات الأمريكية ، كما أن العسكر لم يأتوا من كوكب آخر . فالجميعُ قد نبعوا من الشعب المصري ، ورضعوا حليب هذه الأرض . فلا فائدة من اختراع ثنائيات وهمية مثل : " الدولة الدينية والدولة المدنية " ، أو " الإخوان والعسكر " ، أو " الإسلاميون والعلمانيون "، أو " الثوار والفلول ". فكل هذه الثنائيات سوف تستنزف مصر، وتثير لغطاً هائلاً بين الجماهير، وتقضي على وحدة الصف ، وتحوِّل المجتمع إلى جُزر معزولة متناحرة ، غارقة في الجعجعة دون طحن ، ودون تحقيق أي إنجاز على الأرض ، وفي النهاية سوف يخسر الجميع .

     وينبغي الإيمان بأن ثورة 25 يناير قد نجحت _ بالمعنى الإجمالي _ بغض النظر عن اعتبارها ثورة كاملة أو نصف ثورة . وقد حان الوقت لتنقية هذه الثورة المجيدة من الشوائب والانطلاق نحو المستقبل بما يتوفر من موارد بشرية ومادية . ولا يمكن للقطار المصري أن يتحرك إلا بالتعاون الحقيقي بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري بحُكم الأمر الواقع . فالإخوانُ الآن في الحُكم ، كما أن المجلس العسكري يسيطر على مفاصل الدولة مستنداً إلى تاريخ الجيش المصري في ممارسة السياسة وخوض الحروب . فلا مصلحة لأحد في إحداث صِدام بين الإخوان والعسكر ، فكلا الطرفين لا يمكن إقصاؤهما . فعلى الرئيس مرسي والمشير طنطاوي أن يَكُفَّا عن استعراض العضلات لأنهما زائلان وسيبقى الشعب المصري، والتاريخُ سيحكم على الجميع بما لهم وما عليهم.

     والإشكاليةُ الكبرى في الحياة السياسية المصرية وجود جهات متنفذة تخشى على مصالحها من حُكم "الإخوان " مثل المجلس العسكري وغيره . وهذه الجهات لا تتورع عن وضع العصيِّ في الدواليب لمنع التحرك والانطلاق في محاولة لإفشال الرئيس مرسي وتصويره كرَجل عاجز لا يصلح للقيادة ، وتصوير " الإخوان " كمجموعة غير قادرة على إدارة دولة وقيادتها إلى بر الأمان . وهذه الإجراءات التعقيدية تتجلى في الانفلات الأمني المتعمَّد والمخطَّط له مسبقاً . فلا يُعقَل أن مئات آلاف رجال الأمن في مصر غير قادرين على ضبط الأوضاع. فهذه القبضة الأمنية المتراخية لا يمكن أن تتكرس كمنهجية دون أوامر عليا . والدليلُ على ذلك أن الانتخابات المصرية جرت بكل سلاسة وانضباط رغم تحرك ملايين المصريين المنتشرين في البلاد في وقت واحد. فالقادرُ على توفير الأمن لهذه الجماهير العريضة قادرٌ على ضبط الأوضاع ، وإنهاء أعمال البلطجة وقطع الطرقات والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة . لكن المجلس العسكري يضبط الوضعَ الأمني متى يريد ويُفلته متى يريد لتحقيق مصالح شخصية . وأيضاً من هذه الإجراءات التعقيدية تسييس القضاء ، وإقحامه في الخصومات السياسية ، واستخدامه كورقة ضغط على الرئيس مرسي ، وذلك من أجل قص  أجنحته ومحاصرته في زاوية ضيقة .  

     وقد يفرح البعضُ بهذه الإجراءات ، ويرى فيها تحجيماً للتيار الإسلامي ، وحشره في دائرة الإخفاق والعجز . وهذه نظرة قاصرة تماماً ، لأن عسكرة السياسة لن تستثنيَ أحداً ، وسوف يأتي الدور على الجميع . فالاستبدادُ العسكري أعمى لا يُميِّز بين إسلامي وغير إسلامي . وإذا رجعنا إلى التاريخ المصري في النصف الثاني من القرن العشرين رأينا أن التعذيب في السجون كان شاملاً للإسلاميين واليساريين وغيرهم دون تفرقة ، وأن الإقصاء والتهميش كان شاملاً للمعارِضين بغض النظر عن انتمائهم الفكري .

     والجدير بالذِّكر أن الرئيس مرسي إذا فشل في قيادة مصر فهذا فشلٌ للشعب المصري بكل أطيافه، وتحطيم لصورة مصر في العالم، وتدمير لهذه الحضارة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ . لذلك ينبغي منح الرئيس كامل سُلطاته من أجل تحقيق مشروعه بكل سلاسة ، وإذا أخفق في ذلك فليتم إسقاطه في الانتخابات المقبلة . أمَّا وضع العربة أمام الحصان بذريعة كراهية " الإخوان " وحماية الدولة المدنية، فهذه مقامرة بمستقبل مصر وشعبها، وليست إيقافاً للمد الإسلامي( الإخوان والسلفيين ) _كما يتخيل البعض _ .

     وعسكرةُ الدولة والمجتمع هي سمة بارزة في العالم الثالث ، فهذا العالَم المتخلف عن ركب الحضارة لا توجد فيه دول حقيقية ، بل كيانات سياسية تجميعية تعيش على المساعدات الخارجية . وهذه الدول الوهمية لا توجد فيها مؤسسات متماسكة سوى الجيش . فالأنظمةُ الاستبدادية المنتشرة في العالم الثالث تعتني بجيوشها من أجل حماية مصالح النخبة الحاكمة وقمع الشعوب. فهذه الأنظمة البدائية لا تثق بالشعب ، وإنما تعتبره حفنة من العبيد العاجزين عن إدارة شؤونهم ، لذلك تَحجر عليهم ، وتتكلم باسمهم ، وهم آخر من يعلم .

     وبعبارة أخرى ، إن جيوش العالم الثالث موجودة لتثبيت العروش لا حماية الوطن والمواطن . كما أن الديمقراطية والعقلية العسكرية ضدان لا يجتمعان . وإذا أخفقت أية دولة في امتحان الديمقراطية فهذا يعني أن أجهزة الأمن هي التي تدير الدولة بكل مفاصلها .

     وإذا أراد الساسة المصريون إرجاع العسكر إلى الثكنات وإبعادهم عن الحياة السياسية ، فعليهم الاستفادة من التجربة التركية التي قادها حزب العدالة والتنمية . وهذا الأمر لن ينجح إلا بإعلان الحرب على الفقر والجهل في المجتمع المصري ، ورفع مستوى المعيشة للأفراد ، وزيادة الدخل القومي . فإذا تم هذا الأمر فإن الشعب سوف يلتف حول القيادة المصرية ، ويساندها في أي قرار تتخذه . فالطريق إلى قلب الشعب يمر عبر الاقتصاد . وقد رأينا في تركيا كيف نجح رجب طيب أردوغان _ عندما كان رئيس بلدية إسطنبول _ في تحويل هذه المدينة المتواضعة إلى مدينة عالمية بكل المقاييس . ويكفي أن نعلم أن إسطنبول تأتي في المرتبة الرابعة بين مدن العالم من حيث عدد الأثرياء . وهذا النجاح الباهر هو الذي أقنع الشعب التركي بانتخاب حزب العدالة والتنمية أكثر من مرة . فلا بد للقيادة المصرية من إحداث تغيير إيجابي على أرض الواقع يلمسه المواطن بكل حواسه ، مع ضرورة مراعاة التدرج وعدم الدخول في معارك جانبية تستهلك الطاقات ، وتبعثر الجهود .

     وفي واقع الأمر ، إن الكثيرين يعتبرون أن الإخوان والعسكر قد اختطفوا الثورة المصرية من أصحابها ، وأن الثوار الحقيقيين خرجوا " من المولد بلا حمص " . وهذا كلام غير دقيق ، لأن الذي قاد الثورة المصرية هم الشعب ، وكرسي الحُكم لا يتسع لكل هذه الجماهير . كما أن ثورة 25 يناير كانت بلا زعيم ، فهي جسم بلا رأس ، بعكس ثورة أحمد عرابي ، أو ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول ، أو ثورة 1952م بقيادة الضباط الأحرار. وعليه كان لا بد من الاحتكام إلى صناديق الاقتراع للحصول على رئيس واعتباره رأساً لجسم الثورة. وهذا أمر ليس غريباً ، فالفعلُ الثوري يختلف جذرياً عن الفعل السياسي . فالثوارُ ليسوا _ بالضرورة _ أن يكونوا سياسيين ناجحين . ولنتذكر أن رئيس الوزراء البريطاني الراحل تشرشل قد قاد بريطانيا إلى الانتصار في الحرب العالمية الثانية ، ورغم هذا فإن الشعب البريطاني قد أسقطه في الانتخابات . فلكل مقامٍ مقال . فقانونُ مجلس الشعب يختلف عن قانون ميدان التحرير، وعقليةُ الشاب الثائر تختلف عن عقلية السياسي.

     وسيظل السؤال الجدلي الذي سيرسم مستقبل مصر هو : هل يقدر الرئيس مرسي على إقالة المشير طنطاوي ؟ . أو : هل سيقدر الرئيس المصري على إقالة وزير الدفاع _ بغض النظر عن الشخوص لأن مرسي وطنطاوي زائلان _ ؟. وإن الإجابة هي التي ستحدد ملامح مصر إلى الأبد .

 

27/7/2012م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل يفكر الغربُ في اغتيال الرئيس السوري ؟

 

     لا يخفى أن الأزمة السورية دخلت في مرحلة كسر العظم ، ووصلت إلى نقطة اللاعودة . وفي الواقع إن النظام السوري هو الذي يتحمل مسؤولية إيصال الأمور إلى هذا الحد ، لأن الأوضاع كانت تحت سيطرته ، وكان بإمكانه أن يعالج قضية الاحتجاجات الشعبية التي بدأت بسيطةً وخجولة وذات سقف منخفض تنادي ببعض الإصلاحات وقليل من الحرية . لكن اللجوء إلى الخيار العسكري العنيف رفع سقفَ الاحتجاجات التي وصلت إلى المطالبة بإسقاط النظام ، ودفع الكثيرين إلى حمل السلاح ، وأوصل البلاد إلى الهاوية ، فصارت سوريا تواجه تحديات حقيقية مثل الحرب الطائفية أو التقسيم .

     والمضحك المبكي أن الوضع السوري الراهن قد خرج عن سيطرة النظام والمعارضة معاً ، فأضحت سوريا ساحة للحرب بين قوى إقليمية ودولية . فإيران تدعم النظام السوري بالمال والرجال ، وروسيا تدعمه بالسلاح والغطاء السياسي في المحافل الدولية ، وفي الجهة المقابلة نجد قطر والسعودية تدعمان المعارضة بالمال والسلاح ، وتركيا تدعمها بالدعم اللوجستي ، أمَّا أمريكا وبريطانيا فتدعمانها بأجهزة الاتصال الحديثة . وهكذا صارت " الحرب بالوكالة " هي العنوان الرئيسي للوضع السوري . وبذلك يكون النظام السوري قد شرب من نفس الكأس الذي أذاقه للآخرين . فطالما خاض النظامُ السوري حروبه على أرض لبنان باعتبارها خاصرة ضعيفة ، وجاء الوقتُ كي يخوض الآخرون حروبهم على أرض سوريا . وصارت سوريا اليوم مثل لبنان الأمس .  

     إن سوريا اليوم باتت مكشوفة للغاية، فهي مسرح لعمليات أجهزة المخابرات الإقليمية والعالمية ، وما سَهَّل هذا الموضوع خروج مناطق شاسعة من قبضة النظام . وكل الدول صارت تدلي بدلوها في القضية السورية ، وبالتالي لا معنى للحديث عن " السيادة السورية " لأن سوريا دولة فاشلة فقدت سيادتها ، وأضاعت هَيْبتها ، وها نحن نجد الدول الكبرى تتحدث باسم سوريا جهاراً نهاراً ، وترسم مستقبلها ، وسوريا آخر من يَعلم .

     لقد دخلت الأزمة السورية في مسارات شديدة التعقيد ، بحيث صار من المستحيل على النظام والمعارضة أن يحسما الحرب . فالنظامُ السوري بما يملكه من ترسانة عسكرية هائلة قد فشل طيلة سنة ونصف تقريباً أن يخمد الثورة، وقد عجز عن إخماد المعارضة عندما كانت ضعيفة ، فكيف سيخمدها الآن وقد اشتد عودها ، وصارت تسيطر على مساحات واسعة وتحقق العديد من المكتسبات على أرض الواقع ؟ . وعلى الرغم من ازدياد قوة المعارضة فهي لا تقدر على هزيمة الجيش النظامي بشكل تام ، وذلك لاختلال موازين القوة العسكرية بشكل واضح . ويكفي أن نعرف أن الدفاعات الجوية السورية أقوى من دفاعات باكستان ، وهي دولة نووية .

     وهذه الحالة المعقَّدة ستفتح الباب واسعاً أمام العمل المخابراتي الذي سيكون بيضة القبَّان لترجيح كفة المعارضة على النظام . وآثار العمل المخابراتي واضحة ، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة . وقد تجلَّت في اغتيال أعضاء " خلية الأزمة " الذين يُعتبرون العقل الأمني للنظام السوري . فهذه العملية الدقيقة أكبر من قدرات المعارضة بكل أطيافها ، وهي تحمل بصمات أجهزة مخابرات غربية. فالتكنولوجيا المتفوقة التي تم استخدامها في عملية الاغتيال أكبر من قدرات الجيش الحر . وقد تكون أكبر من قدرات أجهزة المخابرات العربية أيضاً . وهذا لا يمنع من وجود تنسيق مع عناصر سورية قريبة من دائرة صنع القرار .  

     كما أن حالات انشقاق المسؤولين الكبار تكشف دوراً مخابراتياً هائلاً . فالعميد المنشق مناف طلاس أو رئيس الوزراء المنشق رياض حجاب لَيْسا شخصَيْن من عامة الشعب ، فهما تحت نظر عَين النظام ، وتحت المراقبة والحراسة المشددة، وما خروجهما بهذا الشكل إلا دليل باهر على أن النظام السوري مخترق من الداخل، وأن العمل المخابراتي يؤتي ثماره . 

     ولا شك أن عمليات الاغتيال وانشقاق المسؤولين الكبار وتهريبهم إلى الخارج ، تبعث برسائل للنظام السوري بأن يد الثورة السورية طويلة ، وأن الداعمين لها قادرون على الوصول إلى أي مكان في الوقت الذي يريدونه، وأن لا أحد في مأمن بما فيهم رأس النظام الحاكم . وفي واقع الأمر، إن القادر على الوصول إلى خلية الأزمة ( داود راجحة ، آصف شوكت ، حسن تركماني ، ... ) قادر على الوصول إلى بشار الأسد أو شقيقه أو غيرهما من صُنَّاع القرار .

     والمرحلةُ القادمة في سوريا سوف تكون مخابراتية بامتياز ، تعتمد _ بالأساس _ على وجود منشقين ما زالوا على رأس عملهم، أي أن قلوبهم مع الثورة وألسنتهم مع النظام. وهؤلاء أخطر أنواع المنشقين ، لأنهم يُضعفون النظام من الداخل فيتآكل ويضمحل . وكما قيل : مِن مَأمنه يُؤتى الحَذِر . فالنظامُ السوري البوليسي الذي يعتمد على الولاء الأعمى لا الكفاءة سوف يُنخَر من الداخل ، وسوف تأتيه الضرباتُ من بعض العناصر التي يثق بها ثقة مُطْلقة .

     إن الغرب يدرك أن الصراع في سوريا قد يدوم لسنوات عديدة ، مما يؤثر سلباً على بُنية سوريا التحتية والفوقية ، ويُسبِّب أزماتٍ كارثية لدول الجوار . وقد تشتعل المنطقة برمتها ، وتدخل في حروب إقليمية ذات طابع عِرقي أو مذهبي ، مما يهدِّد مصالح الغرب نفسه . والغربُ ليس لديه وقت ليُضيِّعه في انتظار تنحي الرئيس السوري المتشبث بالكرسي بأظافره وأسنانه دفاعاً عن مصلحته الشخصية ومصالح طائفته . لذلك فإن التخلص من الرئيس السوري سوف يكون شعارَ المرحلة المقبلة في دوائر المخابرات الغربية ، خصوصاً الأمريكية . فالمخابراتُ الأمريكية دَخلت على خط الأزمة السورية بقوة بعد أن قام الرئيس الأمريكي أوباما بتوقيع قرار يسمح لها بتقديم الدعم اللوجستي ، وتوفير معدات الاتصال الحديثة للمعارضة . وما خَفِيَ أعظم .

     ومن الواضح أن الرئيس السوري يشعر بالخطر الذي يقترب منه خصوصاً بعد اغتيال " خلية الأزمة " ( الحلقة الضيقة المحيطة به ) ، لذا صار ظهوره نادراً ، ويُغيِّر مكان إقامته باستمرار . وهذا ساهم في انتشار أخبار هروبه إلى اللاذقية ، أو لجوء زوجته إلى موسكو .

     إن النظام السوري المتآكل أضاع فرصاً ذهبية عديدة لإنقاذ نفسه والشعب والوطن . لكن الجاهل عدو نفسه . وقد اتسع الفتق على الراتق ، وخرجت الأمور عن السيطرة ، وإن مستقبل سوريا ضبابي للغاية بغض النظر عن الجهة التي ستصل إلى سُدَّة الحُكم .

 

العرب اللندنية

16/8/2012م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخيار الإيراني الصعب : النظام السوري أو مصر

 

     إن قمة عدم الانحياز التي عُقدت في إيران لا تستمد أهميتها من فكرة " عدم الانحياز " التي صارت شعاراً براقاً لا وجود له على أرض الواقع . فكل الدول منخرطة في المحاور السياسية والانحياز إلى الشرق أو الغرب ، وإيران جزءٌ من هذه القاعدة ولن تكون استثناءً . ولكن أهمية هذه القمة مستمدة من الأحداث التي تَعصف بالمنطقة ، وتعيد رسم خريطة السياسات الداخلية والخارجية. فهذه القمةُ جاءت بعد أحداث الربيع العربي الذي لا يزال مستمراً ، كما أن توقيتها متزامن مع الثورة السورية ، والتهديدات الغربية لإيران والتلويح بالخيار العسكري بسبب برنامجها النووي . وهذه الأحداث المتأججة كفيلة بمنح الزخم لهذه القمة ، وتسليط الأضواء عليها رغم معرفة الجميع مسبقاً أن قراراتها حِبر على ورق ، لا تقدِّم شيئاً ولا تؤخِّره .

     وبما أن إيران هي الحاضنة لهذه القمة التي تحضرها عشرات الدول ، فمن الطبيعي أن تسعى إلى استثمار هذا الحدث الذي لا يأتي كل يوم . وهذا الاستثمار السياسي له عدة جوانب من أبرزها : حصول إيران على الدعم الدولي في مواجهة الغرب بزعامة أمريكا ، وكسر طوق العزلة المفروض على إيران . وكأن إيران تقول للغرب إنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن تهميش الدور الإيراني أو عزله عن الساحة الإقليمية والدولية.

     ولا يخفى الجهد الإيراني الدؤوب الساعي إلى انتشال النظام السوري من عزلته المتفاقمة، وذلك عبر إقحامه في المنظومة الدولية . فالوفدُ السوري الذي حضر القمة كان يطمح إلى إعادة الاعتبار للنظام السوري المعزول دولياً . ففي واقع الأمر لا أحد يستقبل الوفود الرسمية السورية سوى روسيا والصين وإيران ! . وقد وجد النظام السوري في هذه القمة فرصةً سانحة لإنهاء حالة الحصار التي يَغرق فيها .

     ولكن الضربة القاصمة غير المتوقعة قد جاءت من الرئيس المصري محمد مرسي الذي أَفسد الفرحةَ الإيرانيةَ وقضى على آمال النظام السوري الذي وقع تحت مرمى سهام النقد والاتهام ، فآثر الوفدُ السوري الانسحاب من الجلسة لكي يَحفظ ما تبقى من ماء وجهه .

     وقد كان خطاب الرئيس المصري هو الحدث الأبرز في القمة ، وخطف الأضواء من الجميع. وصار حديث الصحف العربية والعالمية. فليس من السهل أن تهاجم النظام السوري وأنتَ في قلب طهران وإلى جانبك الرئيس الإيراني ! . فالجميع يَعلم أن إيران تحتضن النظام السوري قَوْلاً وفِعلاً ، وتنظر إلى سوريا على أنها جزء من المشروع الإيراني ، سواءٌ كان مُقاوِماً أو يتغطى بالمقاومة لأهداف أخرى .

     وخطابُ الرئيس المصري له أبعاد رمزية عديدة ، فقد دَشَّن عودة مصر كقوة إقليمية تتحدث بكل ثقة ، وتخوض في القضايا المصيرية دون خوف أو انتظار موافقة البيت الأبيض أو مراعاة المشاعر الإسرائيلية . فمن الواضح أن السياسة المصرية الجديدة صارت تتحرك ضمن دوائر عربية وإقليمية ودولية ، وهذا يُذكِّرنا بعصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وخطاباته الحاسمة التي يَحرص على سماعها الأعداء قبل الأشقاء .

     وفي الواقع، إن واضعي السياسة الإيرانية سَقطوا في فخ " السذاجة السياسية "، فقد اعتقدوا أن مصر الجديدة " الإخوانية " يمكن جذبها إلى المحور الإيراني بسهولة لقاء مساعدات اقتصادية أو دعم سياسي ، ولكنهم اكتشفوا أن القضية أصعب من ذلك بكثير . فالسعي الإيراني الحثيث لإعادة العلاقة مع مصر لن يكون مجانياً ، بل له ضريبة باهظة ينبغي على إيران دفعها إذا كانت حريصةً على كسب ود مصر    ( قلب العروبة والإسلام ). ويبدو أن إيران أدركت أن الجمع بين النظام السوري ومصر كالجمع بين النار والماء . وأن أمامَها خياراً بالغ الصعوبة . فإذا اختارت النظامَ السوري فسوف تنتحر معه سياسياً ، وتفقد أية فرصة للدخول في المنظومة الإقليمية الجديدة التي تقودها مصر باعتبارها مركز الثقل التاريخي للأمة العربية ، كما أنها لن تجد لها موطئ قَدَم في المنظومة السياسية الجديدة التي يقودها الإسلاميون ( الإخوان المسلمون ) . وإذا اختارت تكوين علاقاتٍ متينة مع مصر فلا بد أن تتخلى عن النظام السوري ، وهذا يُفقد إيران دورَها الإقليمي وطموحها التوسعي . وهكذا فإن إيران تجد نفسها بين نارَيْن .

     لكنَّ عالَم السياسة ليس دائماً أبيض أو أَسْود ، فهو يحتوي على مناطق رمادية عديدة ونقاط مشتركة وتقاطعات شديدة التعقيد، وكل الدول تبحث عن مصالحها، وهذا أمر منطقي . فكما أن العرب يَريدون  صناعة حاضرهم ومستقبلهم بلا تهديدات ، وإحداث نهضتهم الخاصة التي تدخلهم في الحضارة الكَوْنية ، فكذلك إيران تريد تثبيت وجودها ونفوذها بما يضمن مصالحها ، وإعادة أمجاد الحضارة الفارسية . وهنا تظهر أهمية الالتقاء في منتصف الطريق ، والوصول إلى نقاط مشتركة لضمان أمن المنطقة، وإنقاذها من الحروب ذات الصبغة المذهبية أو القَوْمية. فهذه الحروب خسارة للجميع بلا استثناء .

     ولا مفر من التقارب المصري الإيراني لتحقيق مصالح شعوب المنطقة . فإيران لم تنزل إلى هذه المنطقة بالبراشوت . وكما أن مصر ذات حضارة عمرها آلاف السنين ، فكذلك إيران ذات حضارة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ . أضف إلى هذا أن العرب لا يَقدرون على مسح إيران من الخارطة ، وإيران لا تستطيع إلغاء العرب من الوجود . إذن ، لا بد من الوصول إلى حَلول وسطية . وعلى العرب أن يؤسسوا مشروعَهم الحضاري ويَسعوا إلى نشره من أجل إحداث توازن مع المشروع الإيراني . أمَّا تبادل الشتائم والاتهامات فلن يؤديَ إلا إلى مزيد من سفك الدماء ، وتأسيس مجتمعات الكراهية والحقد ، وتعميق جذور الطائفية ، والنزعات القومية المتطرفة لدى الجانبَيْن .

     وما يثير الاستغراب أن عودة العلاقات بين مصر وإيران يُنظَر إليها على أنها قضية عالمية شائكة تثير اللغط واتهامات الخيانة في حين أن الدول الخليجية المتخوفة من إيران تقيم علاقاتٍ دبلوماسية طبيعية مع إيران دون نكير . فمثلاً نجد أن السعودية _ التي تقدِّم نفسها على أنها قائدة المشروع السُّني في المنطقة _ تقيم علاقاتٍ دبلوماسية مع إيران ، وتستقبل الحجَّاجَ الإيرانيين ، ويتبادل الملك السعودي القُبلات مع الرئيس الإيراني بكل أريحية أمام وسائل الإعلام . ونجد دولةً كالإمارات _ تتهم إيران باحتلال جزء من أراضيها ( الجزرُ الثلاث ) _ تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع إيران جهاراً نهاراً . فلماذا حرامٌ على مصر أن تتقارب مع إيران وحلالٌ على دول الخليج أن تقيم علاقات مع إيران ؟! .

     وعلى الرغم من كل التناقضات الصارخة بين العرب وإيران ، فإن بينهما تاريخاً مشتركاً بِحُكم العقيدة والتاريخ والجغرافيا ، وعليهما أن يَجدا حلولاً لمشكلاتهم المتفاقمة، أمَّا سياسة الهروب إلى الأمام وتبادل الشتائم من تحت الطاولة فسوف توصل الجميعَ إلى طريق مسدود .

 

8/9/2012م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النظام الأردني ينتخب نفسه

 

     إن سلوك النظام الأردني منذ بدء الثورات العربية يشير إلى أنه لا يعترف بوجود الشعب، وغير مستعد للتعاطي بإيجابية مع المطالبات الشعبية بالإصلاح والعدالة ومحاربة الفساد . فالنظام يرى أن المظاهرات التي تعم البلاد مجرد زوبعة في فنجان لا بد أن تنتهيَ بعد أن يُفرِّغ الناس ما بأنفسهم من مشاعر مكبوتة ، ويذهبوا إلى بيوتهم مصابين بالتعب والملل من كثرة الشعارات واللافتات . وهذا التفكير القاصر شديد الخطورة لأنه يحمل استهانة بقوة الشعب وقدرته على مواصلة مسيرته لنيل حريته المستلبة وصناعة مستقبله الخالي من الأزمات . كما أنه يغض الطرف عن الجمر الملتهب تحت الرماد .

     وفي واقع الأمر إن الشعب يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنه لم يُقدِّم نفسه كلاعب أساسي في هرم السُّلطة الأردنية، فبقي خارج دائرة صنع القرار ، فهو ضيفٌ ثقيل الظل غير مرغوب فيه . فالنظامُ يُفكِّر نيابةً عن الشعب ويتخذ القرارات باسم الشعب، وعلى الشعب السمع والطاعة والتطبيل والتزمير للزمرة الحاكمة ، وتقديم الولاء الأعمى لقاء حصوله على رغيف الخبز . وعلى المواطنين أن يَشكروا النظامَ الحاكم ليلاً نهاراً لأن الأردن لم تصبح مثل العراق أو سوريا ! . وهذا الخضوعُ الشعبي جعل النظامَ الأردني يتمادى في انحرافاته لعلمه المسبق بعدم وجود من يحاسبه ويعاقبه . ومَن أَمِنَ العقوبةَ أساءَ الأدبَ .

     إن الشعب الأردني قد قبل _ سابقاً _ بدور الضحية المستسلمة لمصيرها وأدواتِ ذبحها ، وهذا رسَّخ القناعة في عقلية النظام الحاكم بأن الشعب غير مؤهل لنيل الحرية والحصول على حقوقه المشروعة ، ولا بد من الحجْر عليه ، وإقصائه من المشهد السياسي العام ، وإتاحة الفرصة للمرتزقة الذين يعيشون كالطفيليات حول النظام الحاكم لكي يتحكموا بالأردن ، أرضاً وشعباً وثروةً. لذلك صار النظامُ الأردني جزءاً من منظومة الفساد في ظل غياب الوازع الوطني أو الرقيب الشعبي. وكما قيل: (( مَن عَوَّدْتَه على أكلكَ كلما نظرَ إليكَ جاع )). وهذا بالضبط حال الشعب الذي أهان نفسه_ عبر عقود_ على أعتاب القصر طمعاً في مكرمة ملكية _ من أي نوعٍ كانت _. وهذا جعل النظامَ أكثر تغوُّلاً في قوتِ الشعب وثرواتِ الوطن .

     كما أن النظام يرى في المعارضة السياسية ظاهرةً صوتية لا تقدر أن تفعل أكثر مما فَعلتْ . وهذا يبعث برسالة طمأنينة للنظام بأنه اجتاز مرحلة الأعاصير التي ضَربت وتضرب دولَ الإقليم . وهذا الانطباع الخادع له عواقب وخيمة وتأثيرات سلبية للغاية على الكيان السياسي الأردني . فالقوةُ الشعبية ليست مجموعة مظاهرات في الشوارع ، إنها قوة شاملة متغلغلة في أدق تفاصيل النسيج الاجتماعي للفرد والجماعة والوطن ، وإهمالها سيؤدي _ حتماً _ إلى تفكك النسيج المجتمعي ، وانتحار روح الولاء والانتماء إلى الوطن ، وتناحر مكونات الشعب ، ودخول البلاد في فوضى عارمة . والمضحك المبكي أن النظام الأردني لا يرى نفسه مضطراً لإحداث تغيير جذري في فلسفته ومساره ، فالضغوطُ الشعبية عليه ما زالت دون المستوى المطلوب، فلماذا يُقدِّم تنازلاتٍ مجانية ؟!. وهذا بالضبط لسانُ حاله . ولا يخفى أن الحرية تُنْتَزَع ولا تُمنَح على شكل مكرمات ملكية أو تعديلات دستورية شكلية تجيء على صورة صدقات يرميها النظامُ على الشعب .

     والمشكلة الأساسية في النظام السياسي الأردني أن ما يسمى بالدولة الأردنية لا تقوم بواجباتها تجاه المواطنين، فقد أضحت عبئاً ثقيلاً عليهم ، تتسول باسمهم ، وتستغلهم في وضح النهار حتى الرمق الأخير . وهذه "الدولة" لا تثق بنفسها ولا بالشعب ، لذلك صَنعت مجتمع الكراهية والخوف والتمييز والشطط الطبقي عبر اللعب على أوتار الأصول والمنابت ( فلسطيني ، شرق أردني ، شركسي ، ... ) ، وقامت بتوظيف سياسة " فَرِّقْ تَسُدْ " ، والتخويف من الإصلاح بحجَّة أن الإصلاح قد يأتي بأردنيين من أصول فلسطينية فيُجرِّدون الشرق أردنيين من امتيازاتهم ويذبحونهم ، أو قد يأتي بشرق أردنيين فيذبحون أصحابَ الأصول الفلسطينية . وهذه اللعبة يستخدمها النظامُ لإطالة عملية التنفس الاصطناعي التي يعيش عليها  .

     إن هناك قناعةً راسخة عند أركان النظام الأردني وعلى رأسهم الملك بأن نظام الحكم غير قابل للإصلاح ، وإصلاحه يعني زواله ، على الرغم من كل عمليات التجميل التي يتم إجراؤها لوجه النظام السياسي . فالإصلاحُ خطرٌ حقيقي على الطغمة الحاكمة التي تخاف من النور، تماماً كالخفافيش التي تخاف من أشعة الشمس. لكن الشعب لا يطلب أن تصبح الأردن مثل سويسرا، فينبغي إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والوصول إلى نقطة ما في منتصف الطريق تحفظ كرامةَ المواطن ، ووحدةَ الوطن ، وهَيْبة المؤسسات الحكومية المبنية من عَرَقِ الشعب .

     لقد أضاع النظامُ الفرصةَ تلو الأخرى ، ومَن لا يستغل الفرص السانحة سيندم على إضاعتها يوم لا يَنفع الندم ، وعقاربُ الساعة لا يمكن أن تعود للوراء. وللأسف فإن قطار السياسة الأردنية سائر نحو الاصطدام بالحائط ، وكل راكبٍ يحاول أن ينجوَ بنفسه قبل أن تدق ساعة الحقيقة .

 

23/10/2012م .

 

 

 

 

 

 

 

 

الفراغ العاطفي والفراغ السياسي

 

     إن التخبط الحاصل في العالم العربي خصوصاً في دول الربيع العربي لا يمكن اعتباره مفاجأة أو صدمة مباغتة، فهذا أمرٌ متوقع نتيجة التركة الثقيلة المتراكمة عبر حقب زمنية طويلة . فمثلاً ، إن الرئيس المصري محمد مرسي هو أول رئيس منتخب في تاريخ مصر الممتد لأكثر من سبعة آلاف سنة، وفي هذا دلالة واضحة على حجم العقبات التي تواجه مصر في طريقها نحو التقدم والازدهار. فالنظامُ السياسي المصري ما زال في مرحلة الطفولة وكذلك المعارضة، وهما بحاجة إلى وقت كي يستوعبا شروط " اللعبة الديمقراطية" وأصولها وتفاصيلها الممتلئة بالتحديات الجسيمة . والحال ينطبق على باقي دول الربيع العربي مع اختلاف الأشكال . فالثوراتُ العربية المعاصرة كانت ولادةً قيصرية قاسية ، فهي عمل جماهيري عفوي يفتقد إلى التنظيم الهرمي والتسلسل الوظيفي . فغيابُ رأس القيادة وعدم وجود هيكل تنظيمي للثورات جعلا الأمور أكثر خطورةً ، ومرحلةَ البناء أكثر صعوبة ، مما أدى إلى حدوث فوضى في الأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية . وهذا ليس أمراً غريباً أو مقتصراً على الحالة العربية . فعلى سبيل المثال ، بعد الثورة الفرنسية بقيت فرنسا في حالة فوضى وعدم استقرار لأكثر من عشر سنوات . وبالطبع ، فهذا ليس تبريراً للفوضى في البيئة العربية أو شرعنة للتخبط الشامل في أشكال الحياة العامة ، فلا وقت للتقاعس ، أو البكاء على الأطلال ، أو التقصير في بناء الإنسانِ وتشييد دولة الحق والعدالة والمساواة . فعلى الذين غُيِّبوا في كهوف الظلم والاستبداد ثم خرجوا إلى النور أن يتأقلموا سريعاً مع نور الشمس لئلا يحترقوا به، ويقودوا مسيرة التقدم عن طريق البناء على إيجابيات الماضي ، وتطهير المجتمع من تراكمات الخوف والكراهية والشطط الطبقي ، فلا يمكن أن تتحقق النهضة في مجتمع متناحر مبني على الحقد ، وذلك لأن الانقسام يعمل على تفتيت الجهود الإنسانية وتقطيع أوصال المجتمع ، فيصبح الكلُّ ضد الكل ، وتغدو مفاهيم التربص والانقضاض والابتزاز السياسي أصولاً للحياة الإنسانية ، وهذا يمنع بناء قاعدة اجتماعية تحضن النظام السياسي ، وتمنحه الشرعية والدافعية . وهكذا تخسر السُّلطة والمعارَضة معاً .

     إن تاريخ الأنظمة السياسية في الحضارة العربية الإسلامية شديد الالتباس ، وينبغي إعادة دراسته بأسلوب علمي يوضِّح نقاطَ القوة ونقاطَ الضعف ، وذلك من أجل الاستفادة من عناصر النهضة وتجاوز عوامل الانهيار، وعدم الوقوع في فخ " تجريب المجرَّب " . فلا ينبغي للعاقل أن يُلدَغ من جُحرٍ مرَّتين ، خصوصاً إذا كان سياسياً تسير خلفه الجماهير . وعندما يظهر في تاريخنا مصطلح " المستبد العادل " ، فهذا مؤشر على وجود أزمة حقيقية في تاريخ الفكر السياسي تستلزم إعادة تقييم دور الأنظمة الحاكمة المتعاقبة بما لها وما عليها . وجميعُ أسباب الانهيار السياسي مرجعها إلى غياب فكرة " التداول السلمي للسُّلطة " .

     ويمكن تلخيص أهم عوامل سقوط الأنظمة الحاكمة وانكسار الحضارات على الشكل التالي :

     1_ غياب سياسة الحوار وعدم تعميمها بين طبقات الشعب ، وأيضاً غياب التواصل بين قاعدة الهرم الاجتماعي ورأسه . فحينما تتشبث السُّلطة برأيها وتفرضه على الشعب ، فإنها بذلك تخسر الشعبَ ، وتحشره في زاوية الحقد . وهذا الاستبدادُ بالرأي يؤدي _ بالضرورة _ إلى إقصاء الشعب من المشاركة السياسية ، وتحويل الدولة إلى شركة تجارية تدر أرباحاً على منافقيها دون النظر إلى الغالبية المسحوقة .    

     2_ ظهور مفاهيم طائشة تتعلق بضرورة سيطرة الأغلبية على الأقليات وقمعها وإقصائها من المشهد العام بكل حيثياته . وهذا يقابله سعي الأقليات إلى التوحد لإسقاط الأغلبية بالتعاون مع جهات خارجية داعمة .

     3_ اعتماد النظام السياسي على القهر والبطش والغلبة . وهذا جعل الفكر السياسي يتمحور حول ثنائية ( الغالب / المغلوب ) . وهذه نتيجة منطقية لشرعية السيف بدلاً من شرعية صناديق الاقتراع . وبما أن الحياة يومٌ لك ويومٌ عليك ، إذن فلا بد للغالب أن يصبح مغلوباً والعكس صحيح ، وعندئذ يحدث الانتقام وتصفية الحسابات ، ويدخل المجتمع في دوامة الثأر بلا نهاية . 

     إن الأمة العربية لن تنجح إلا إذا درست تاريخها واستفادت منه ، واستوعبت تجارب الأمم الأخرى. ومهما حصل من أزمات وفوضى وحروب في الجسد العربي فلن تتوقف عقارب الساعة ، وستشرق الشمسُ مرةً أخرى. فكثير من دول العالم عانت أكثر بكثير من الأمة العربية ، ومع هذا قامت من الحضيض . فمثلاً ، قد خسرت إسبانيا نصف مليون قتيل في الحرب الأهلية ( 1936م _ 1939م ) ، وخسرت أمريكا ستمائة ألف من أبنائها في الحرب الأهلية( 1861م _ 1865م ) عدا عن الجروح النفسية العميقة بين الشمال والجنوب . ولا يمكن نسيان الحربين العالميتين اللتين مسحتا أوروبا ، ومع هذا قامت أوروبا لتصبح قوةً عظمى ، وعلى رأسها ألمانيا ! .

     لقد ولى الزمن الذي كان فيه الحاكم العربي يسوق شعبَه بالصولجان . وقد ثبت فشل هذه السياسة ، ولم تنفع في تثبيت العروش . فبإمكانك أن تجبر الحصانَ على الذهاب إلى النبع ، ولكن لا يمكنك أن تجبره على الشرب . وهذا يشير إلى أهمية الإرادة الداخلية . فالحاكمُ العربي المستبد قد يشتري ولاء الناس بأمواله فيتحكم بألسنتهم وأجسامهم ، لكنه لا يقدر على امتلاك قلوبهم إلا بالحب الحقيقي والتضحية من أجلهم . وهذا الكلام ليس قصيدةً رومانسية لملء الفراغ العاطفي الذي صار خندقاً بين الحاكم والمحكوم ، وإنما كلام واقعي في بُنية الفكر السياسي . فما الذي يجعل نظاماً سياسياً كالنظام الملكي البريطاني مستمراً منذ ألف عام حتى اليوم ؟! . وما هي السُّلطة التي تملكها الملكة إليزابيث الثانية لكي تنضوي دولٌ عديدة مثل كندا وأستراليا تحت التاج البريطاني وهما دولتان في آخر العالم ؟! . هل تملك إليزابيث الثانية ميليشيات خاصة بها وأساطيل بحرية وأسلحة كيماوية لكي تجبر شعبها وشعوب الدول الأخرى على المحافظة على عرشها وتاجها ؟! . إنها عاطفة الحب والمصلحة والتاريخ .

     إذن ، على الأنظمة السياسية العربية أن تعلِّم نفسها وشعوبها الحبَّ ، وتردم الفجوة الوجدانية بين مكونات الشعب ، وتملأ الفراغَ العاطفي بالإنجازات الحقيقية ، ليس بمعنى أن يحب الشاب ابنة الجيران ، أو نشر ثقافة الفيديو كليب بين أوساط الجماهير، ولكن بمعنى أن يسيطر النظام السياسي على قلوب الناس ، وذلك بخدمتهم وإنقاذهم من مشكلاتهم المتفاقمة ، وبناء دول حقيقية لا يهرب منها أبناؤها ليصبحوا طعاماً لأسماك القرش في عُرض البحر . وهنا تكمن منفعة الحاكم والمحكوم ، فلا يمكن لأي نظام حاكم أن يسقط إذا كان الشعب يحبه .

     وإذا اختفى الحبُّ بين مكونات الهرم السياسي فإن المنطقة العربية ستغرق في حروب طاحنة على أساس ديني ومذهبي وعِرقي ، ليس لها آخر . فموضوع السُّلطة شديد الحساسية . ولنتذكر ما قاله الشهرستاني ( _ 548 هـ ) في كتابه الملل والنِّحَل ( 1/ 20 ) : (( ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان )). ولتكن هذه المقولة جرس إنذار للشعوب العربية على اختلاف عقائدها الدينية والسياسية .

 

مقال لم يُنشَر في جريدة

8/1/2013م .

 

 

 

المخابرات الأردنية هي الفائز في الانتخابات

 

     إن الحياة السياسية في الأردن عبارة عن دمية في يد جهاز المخابرات يتلاعب بها كيفما يشاء ، وذلك بسبب اعتقاده أنه الجهاز الوحيد المخوَّل _ شرعاً وقانوناً _ بحماية الكيان الأردني من معارضي السياسات الطائشة لنظام الحكم . وبالطبع فهؤلاء المعارِضون يتم تصويرهم كخونة ومندسين وأصحاب أجندات خارجية . ومشكلة المخابرات الأردنية أنها تريد أن تكون ملكية أكثر من الملك، فهي ترسم السياسة الأردنية داخلياً وخارجياً، وتحاول عقد الصفقات السياسية ، وأبرز مثال على ذلك مفاوضاتها مع الحركة الإسلامية لزيادة عدد مقاعدها في البرلمان نظير مشاركتها في الانتخابات . وهذا كله يشير إلى حالة أمنية مهووسة تسيطر على المشهد السياسي ، وغياب تام لدور الملك الذي أضحى أداةً في يد المخابرات ، يرى من خلال عيونها لا عيونه ، ويتحرك في ظل التقارير الأمنية المفروضة عليه ، والمجمِعة على أهمية كبح الحريات ، ورفض مطالب الشارع بالإصلاح . فالحرية من منظور المخابرات تعني وصول المعارضة إلى الحكم واختطاف عرش الملك . وهذه الفكرة المغلوطة قامت المخابرات بزرعها في ذهن الملك الذي خضع لها ، واستسلم للإرادة الأمنية الضاغطة .

     ومن العبث الحديث عن نزاهة الانتخابات الأردنية ، لأن السلطات ذات تاريخ عريق في التزوير ، وقادرة على اللف والدوران ، والتحايل على المراقبين الذين كانوا محصورين في أماكن محددة وضيقة، كما أن عددهم الضئيل لا يسمح لهم بمراقبة العملية الانتخابية من الألف إلى الياء. والقضية الأساسية لا تكمن في نزاهة الانتخابات أو تزويرها ، بل تكمن في طبيعة النظام الانتخابي ( نظام الصوت الواحد ) الذي اخترعته المخابرات الأردنية لمنع حصول المعارضة على مقاعد كثيرة في البرلمان . فبعد برلمان 1989م الذي كان بالغ القوة ، خاف النظام الأردني على نفسه ، واعتقد أن الحرية وحش يهدد عرشه ، وأنها لا تتناسب مع المجتمع الأردني الخاضع لسلطة الاستبداد . وعندئذ بدأت عملية تفصيل القوانين لتحجيم المعارضة وحشرها في الزاوية ، وتقليم أظافرها ، وتوظيفها كقناع تجميلي براق للعملية الديمقراطية الوهمية .

     إن الانتخابات الأردنية مخدِّر سياسي . فالبلاد تغرق في أزمات كارثية بينما يتصارع النظام والإخوان على بقايا وطنٍ تمت سرقته في وضح النهار . فالنظام والإخوان عصفوران يتقاتلان في قفص واحد ، وكلاهما قد فشل في تحقيق أحلام الجماهير . وهذا أعاد الأردن إلى عصر الوصاية العسكرية، وأدخل المجتمع في القبضة الأمنية مجدداً . وفي الدول البدائية ( دول العالم الثالث ) تكون كل المؤسسات منهارة ومفكَّكة ما عدا المؤسسات الأمنية ، فهي وحدها التي تحافظ على تماسكها وبطشها . وها هي المخابرات الأردنية تقود العملية السياسية إلى الهاوية في ظل عجز النظام السياسي والمعارضة . ويظل الأردن سفينة بلا ربان . 

 

مقال لم يُنشَر في جريدة

31/1/2013م .

 

 

 

 

 

 

 

 

حزب اللَّه سقط في الفخ

 

     يبدو أن مغامرة حزب اللَّه في سوريا لن تتوقف في القصير ، ولا يمكن اختزالها في بلدة هنا أو بلدة هناك . فالقضية السورية أكبر من الحزب بكثير ، وليس هو بأكثر من لاعب صغير تحركه مصالح إقليمية أكبر منه . ولكن السؤال المحوري: هل يدرك حزب اللَّه أبعاد تدخله في سوريا ؟! .

     إن تتابع الأحداث يشير إلى أن حزب اللَّه قد انساق وراء شعارات دينية أو سياسية بكل تهور، وها هو يكتفي بالنظر إلى الجزء البسيط الظاهر من جبل الجليد دون التفكير في الجزء الكبير المختفي تحت الماء. وقد تم استدراجه إلى المستنقع السوري، ووقع في الفخ الذي نصبته له أمريكا . فلا يمكن لحزب صغير أن يدخل في لعبة الأمم على الأرض السورية دون ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية. فأمريكا التي سَمحت للرئيس العراقي الراحل صدام حسين بغزو الكويت لتجد مبرراً لإقحام نفسها في المنطقة، والسيطرة على مقدراتها ، ها هي تعيد نفس السيناريو بشكل آخر . فهي سمحت لحزب اللَّه بدخول سوريا والقتال إلى جانب النظام السوري لكي تقلب الطاولة عليهما معاً ( حزب اللَّه والنظام السوري )، مرة واحدة وللأبد ، مثلما سمحت إسرائيل لقوات النظام السوري بدخول المنطقة منزوعة السلاح لاستعادة حاجز القنيطرة . وإذا نظرنا إلى الموضوع بالتفصيل سنجد أن أمريكا تضرب عِدَّة عصافير بحجر واحد .

     ففي البداية سَمحت لتنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة بدخول سوريا عبر تركيا وغيرها . فمن مصلحة أمريكا تجميع كل الجماعات المعادية لأمريكا في سوريا ، وذلك لحصرهم في مكان واحد . فبدلاً من تشتيت الجهود الأمريكية في ملاحقة التنظيمات المتطرفة ( القاعدة وأخواتها ) في أصقاع العالَم ، وبعثرة الطائرات بدون طيار في كل جهات المعمورة ، يمكن لأمريكا الآن أن تراقب جميع تصرفات الحركات المتطرفة في بقعة واحدة . وهذه الحركات التي تحارب النظامَ السوري أراحت أمريكا ، كما أن النظام السوري الذي يحاربها أراح إسرائيل. ثم بعد ذلك يأتي دور حزب اللَّه وسحبه إلى المصيدة السورية، وليصطدمْ بهذه الجماعات، ويتوغل في الدم السوري . فكلا الجانبين سيضعفان حتماً، وسوف تكون إسرائيل في قمة السعادة لأن هذا الحزب قد ابتعد عن حدودها ، وغرق في المحافظات السورية ، وهكذا يتم القضاء على شعبيته التي صنعها عبر مقاومته للاحتلال الإسرائيلي ، وحصره في نطاق طائفي ضيِّق ، كما يتم القضاء على جزء كبير من قوته وإمكانياته .

     إن الدول الكبرى والإقليمية التي تغذي الحرب الدائرة في سوريا تنظر إلى المشهد السوري على أنه مباراة  مصيرية ( ذهاباً وإياباً ) تعتمد على تسجيل الأهداف في مرمى الخصم ، وسوف تنتهي مع صفارة الحكم . وكلُّ طرف يعتقد أنه سيخرج فائزاً ، ويضحك في النهاية . وبالطبع فإن الشعب السوري والحضارة السورية تدفعان الثمن غالياً .

     والخطأ الكارثي الذي ارتكبه حزب اللَّه هو أنه ذهب إلى سوريا لكنه لم يفكر في كيفية العودة. فمن السهل أن تشعل ناراً عظيمة لكن الصعب هو كيفية إطفائها . وكلُّ حربٍ إنما تعتمد على حفظ خط الرجعة ، وهذا ما لم يفكر فيه حزب اللَّه . لذلك صار الحزب مكشوفاً بلا غطاء عسكري أو سياسي . وبالتالي صار من الطبيعي أن نسمع عن إطلاق صواريخ على الضاحية الجنوبية ( المربع الأمني لحزب اللَّه ) ، أو قصف بعلبك التي تُعتبر أحد معاقل الحزب . وهذا يُنذر بنقل المعركة إلى لبنان ، وهو ما نراه فعلاً في طرابلس وغيرها . وهناك قناعة لدى الجيش الحر أن ضرب حزب اللَّه داخل لبنان هو السبيل الأمثل لجعل الحزب يتقوقع على ذاته ، ويتراجع لحماية ظَهْره المكشوف . لذا فإن الأيام القادمة سوف تشهد توغل حزب اللَّه في المشهد السوري ، وتوغل الجيش الحر في المشهد اللبناني . وهذا يعني أن لبنان دخل في الحرب رسمياً . وسوف يختلط الحابل بالنابل ، وتشتعل المنطقة برمتها كما هدَّد الرئيس السوري أكثر من مرة . وعندئذ تزداد فرصة التدخل العسكري الغربي في سوريا للحفاظ على المصالح الغربية في المنطقة ، وعلى رأسها النفط .

     وفي واقع الأمر إن انخراط حزب اللَّه في الأزمة السورية هو أمر عبثي لا طائل من ورائه . فالجيش السوري الذي تزيد قواته البرية عن مئتي ألف يدعمهم طيران حربي لم يقدر على إخماد الثورة السورية منذ أكثر من عامين ، كما أنه عاجز عن استعادة المناطق الشاسعة التي خسرها النظام . وبالتالي فلن يَقدر عدة آلاف مقاتل قادمون من لبنان والعراق لأسباب دينية أو سياسية على كسر شَوْكة المعارضة وإعادة الأرض إلى يد النظام، مهما كانوا متمرسين في حرب الشوارع . صحيحٌ أنهم قد يُسيطرون على بلدة أو أكثر ، ولكن مساحة سوريا كبيرة جداً ، سوف يَذوبون فيها ، خصوصاً أنهم يُقاتِلون في مناطق غامضة بالنسبة إليهم لا يَعرفون تفاصيلها . ولا يمكن القياس على بلدة القصير ، لأن القصير قريبة جداً من الحدود اللبنانية ، ويسهل فيها تلقي الإمدادات من الداخل اللبناني . كما أن الحروب لا تُحسَم بالسيطرة على بلدة أو مدينة . فالجيش النازي الأسطوري في الحرب العالمية الثانية قد احتل فرنسا ، ووصل إلى أبواب موسكو ، ومع هذا خسر الحرب ! .

     إن الأزمة السورية شديدة التعقيد سوف تستغرق سنوات طويلة ما لم تقرر أمريكا وروسيا إيجاد حل لها . وقد رأينا لبنان( البلد الصغير) الذي هو بحجم محافظة سورية دامت فيه الحرب 15 سنة ( 1975_ 1990)، فما بالك بسوريا التي تُعتبر إمبراطورية مقارنةً مع حجم لبنان ؟! .

 

الزمان اللندنية

11/6/2013م .

دلالات تنازل أمير قطر لابنه

 

     إن الدول العربية تفتقد إلى وجود مؤسسات حُكم قوية تعتمد على الشفافية والبناء التراكمي. فصيغةُ الحُكم عبارة عن مشروع عائلي ، وسُلطات متجمعة في يد الحاكم الذي يُنظَر إليه على أنه الدولة بأكملها ، واللاعب الوحيد على الساحة ، والباقي عبارة عن جوقة المنشِدين والمصفِّقين والمتفرجين . والدولُ العربية كلها في الهواءِ سَواء ، لكن التفاوت يَظهر في نسبة الاستبداد ، وصناعةِ الأحداث فوق الطاولة أو تحتها .

     والنظامُ القطري _ رغم الخطوات الجبارة التي قَفَزَها _ لا يمكن أن يخرج عن دائرة الأنظمة العربية . فنحن نجد أن تنازل أمير قطر لابنه مسألة عائلية بحتة لا شأن للشعب بها. ومن أجل صناعة زخم شعبي شُورِي وهمي يتم استدعاء ما يُسمى بأهل الحَل والعَقْد ، وهذه التسمية مضلِّلة للغاية ، لأن القرار تم أخذه مسبقاً ضمن نطاق عائلي ضيِّق ( الأمير وزوجته وابنهما ) ، ثم بعد ذلك تَظهر الحاجة إلى تعميمه ، والتصفيق له ، وتأييده من قبل الآخرين بغض النظر عن آرائهم . لذلك فإن " أهل الحل والعقد " ليس لديهم ما يحلونه ولا ما يَعْقدونه . وهذه المجموعة شبيهة بما يسمى هيئة البَيْعة التي نجدها في السعودية . فالمراد منها تكوين رأي عام بأن أمر الحُكم يعتمد على الشُّورى وتضافر آراء الشعب ، وليس حُكماً استبدادياً مُغْلقاً .

     وما يثير الأسف هو أن الأمة العربية ( حكاماً ومحكومين ) ما زالت تعتمد على التقليد والمحاكاة، واستيراد النماذج الغربية باعتبار أن المغلوب مُولَع بتقليد الغالب . وإنني أجزم أن تنازل أمير قطر لابنه في هذه المرحلة بالذات إنما جاء متأثراً _ بصورة مباشرة أو غير مباشرة _ بما حصل في هولندا قبل وقت ليس بالبعيد ، وهو تنازل الملكة بياتريكس عن العرش لصالح ابنها . فهذا الحدث العالمي الذي تم تناقله على نطاق واسع ، وجرى بكل سلاسة دون مشكلات ، أصبح ضمن أبجديات توريث الحُكم في العالَم العربي ، ولو بشكل خفي .

     ومما لا شك فيه أن الشيخ حمد بن خليفة ( وُلد عام 1952م ) ، الذي جاء إلى السُّلطة عام 1995م بعد انقلاب أبيض على والده هو المؤسس الفعلي لهذه الدولة الصغيرة ، وقد استطاع هُوَ وذراعه اليمنى الشيخ حمد بن جاسم أن ينقلا قطر خارج حدودها الضيقة . فالتأثير القطري صار واضحاً للعَيان في أنحاء العالَم ، بحيث يُخيَّل للشخص أن قطر إمبراطورية عُظمى ، فهي ترعى أنظمةً سياسية بأكملها ، وتقوم بتوريد السلاح إلى جهات متعددة ، وتقوم باستثمارات مذهلة عابرة للقارات . وهذه المكانة التي وَصلت إليها قطر لم تجيء بشكل ارتجالي أو بمحض الصُّدفة ، فهناك تخطيط جيوسياسي بعيد المدى من قبل صُنَّاع القرار في هذه الإمارة الصغيرة _ بغض النظر عن المؤيِّدين والمعارِضين _ .

     إن دولة قطر قَد وَضعت قَدمها على سُلَّم العالمية عندما أَنشأت قناة الجزيرة التي تُعتبَر بحق هي القوة الضاربة لهذه الإمارة . فهذه الترسانة الإعلامية الناعمة استطاعت تعويض قطر عن غياب الترسانة العسكرية الخشنة. أضف إلى هذا الإمكانيات المالية الهائلة التي تتحلى بها قطر باعتبارها أكبر مُصدِّر للغاز المسال في العالَم. وهذه القوة المالية ساهمت بشكل فعال في تحقيق الاستقرار ، ورفع مستوى دخل الفرد ، وتحقيق نهضة حضارية لافتة سواءٌ كانت حقيقيةً أم شكلية .

     ومع قدوم الشيخ تميم بن حمد ( وُلد عام 1980م ) إلى السُّلطة سيجد نفسه واقفاً على أرضية ثابتة _ حَسْبَ الظاهر _، فقواعدُ السياسة القطرية موضوعة سلفاً ، واتجاه الاستثمارات القطرية تم تحديده مسبقاً ، والأُطر العامة للحُكم غير قابلة للتغيير ، خصوصاً أن قطر تلعب دوراً محورياً في المنطقة ، وتمثِّل أهمية بالغة لواشنطن، إذ إن قاعدة العديد الجوية في قطر تحتضن مقر القيادة المركزية الأمريكية. لذلك فلن يَحدث أي تغيير جوهري في عهد الشيخ تميم ، وهو _ أصلاً _ غير قادر على إحداث تغييرات جوهرية ، لأن والدَيْه سَيَحْكمان من وراء الستار إلى أن يشتد عُوده في عالَم السياسة ، ويَعرف أسرارها ومتاهاتها . كما أن أمريكا لن تسمح بالمغامرة السياسية في منطقة الخليج الحيوية بالنسبة إليها بسبب وجود النفط وإيران ومناطق التوتر والنزاع.

     أمَّا الشيخان حمد بن خليفة وحمد بن جاسم ، فقد جاءا معاً وذهبا معاً ، وسوف يُركِّزان في المرحلة القادمة على إدارة الاستثمارات القطرية الضخمة في أنحاء المعمورة . فالشيخ حمد بن خليفة صَنَّفته مجلة فوربس عام 2010م ضمن قائمة أغنى ملوك العالم ، كما أن الشيخ حمد بن جاسم مسؤول عن وحدة الاستثمار الخارجي .

     ويبقى القول إن التاريخ لا يَسير بحركة خطية بسيطة ، بل إن مساره شديد التعقيد والاضطراب . والحساباتُ على الورق ليست بالضرورة أن تنطبق على حسابات الواقع المعاش . وكما يقال إن الشيطان كامن في التفاصيل .

 

مقال لم يُنشَر في جريدة

28/6/2013م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مصر ما بعد " الإخوان "

 

     إن نهاية تجربة " الإخوان " في حُكم مصر جاءت درامية ومتسارعة الأحداث وقصيرة للغاية . ولكنْ ينبغي تحليل هذه الظاهرة بعيداً عن فكرة حب الإخوان أو كرههم  . بدايةً ، ينبغي أن نَعرف أن وصول " الإخوان " [ القوة الأكثر تنظيماً في ساحة العمل السياسي الإسلامي ] إلى سُدَّة الحُكم هو خط أحمر . وإذا حصل في بعض الحالات فيجب إفشالهم من اليوم الأول بغض النظر عن كَوْنهم ملائكة أو شياطين ، ودون اعتبار للإنجازات أو الإخفاقات . فوجودُهم تهديد حقيقي لمصالح الغرب وأمريكا خصوصاً . فالمشروعُ الإسلامي يستند إلى عقيدة مبنية على العِزَّة ، والكرامة ، والاكتفاء الذاتي ، والجهاد ضد المحتلين ، وتحرير الأراضي المغتصَبة. وهذه القيم تتعارض جُملةً وتفصيلاً مع قيم الغرب الذي يحتل الوطن العربي احتلالاً غير مباشر ، وتشكل خطراً على وجوده ومصالحه . فيجب شَيْطنة المشروع الإسلامي ، واعتباره عدواً يجب التصدي له بكل حُزم . فالغربُ لا يَسمح لأحد أن يتحداه ويرفع رأسَه ، وإلا فإن الحصار ينتظره . وهذا مبدأ غربي عام وثابت يشمل جميع الأمم والأشخاص _ مهما كانت العقيدة أو العِرق أو الثقافة _ . وقد يعتقد البعض أن هذا الكلام يخضع لنظرية المؤامرة ، فنقول إنه فِعلاً كذلك . والأمثلة التاريخية صادقة لا شك فيها . فالزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر            ( 1918م _ 1970م ) تحدى أمريكا فحاصره الغربُ بالكامل، وتمت مهاجمة مصر في عام 1956م ، وتخلت أمريكا عن تمويل السد العالي . وملك السعودية الراحل فيصل بن عبد العزيز (1906م - 1975م) كان قد هدد الغربَ بإغلاق جميع آبار النفط إذا لم تعد القدس للمسلمين ، وفي عام 1973م قاد حملة قوية ترمي إلى قطع النفط عن أمريكا والدول التي تدعم " إسرائيل"، وقامت مجلة " التايم " الأمريكية بتسميته "رَجل العام" ، فتم قتلُه والتخلص منه . والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ( 1929م _ 2004م ) رفض الإملاءات الأمريكية فحُوصِر في مقره ، وتخلى عنه الأشقاء قبل الأعداء ، وتم قتلُه بالسُّم . كما أن الدول التي تتحدى الغربَ وترفض أوامرَه مصيرها الحصار الخانق والتجويع، مثل : إيران ، كوريا الشمالية ، كوبا ...إلخ .

     وما حَدث في الحالة المصرية إبَّان حُكم "الإخوان "_ رغم أخطائهم الكارثية _، هو حصار مصر من الداخل والخارج . فالكثيرُ من القنوات التلفزيونية المصرية شَنَّت ولا تزال حرباً على مدار الساعة على " الإخوان "، حتى إن الرئيس الشرعي المنتخَب محمد مرسي كان يُشتَم في قنوات بلاده ، وهذا لم يَحصل في أية دولة في العالَم . كما أن رجال الأعمال النافذين نَجحوا في تهريب المليارات إلى الخارج ، عدا عن آلاف الاعتصامات والإضرابات ، وفي هذا الجو من الطبيعي أن ينهار الاقتصاد ، ويَهرب المستثمرون ، ويزداد السخط الشعبي ، وينهار القطاع السياحي الذي يُعتبَر أحد دعامات الاقتصاد . أمَّا الحصارُ الخارجي ، فكان أشده على الإطلاق حصار دول الخليج ، ونخص بالذِّكر ( السعودية ، الإمارات ، الكويت ) التي تركت مصر تواجه مصيرها لوحدها دون مد يد العون لها ، كما أن صندوق النقد الدولي المسيطر عليه من قبل أمريكا ، ماطل كثيراً في منح القروض لمصر على عكس ما كان يَحدث قبل مجيء " الإخوان " إلى السُّلطة . وهذا كله مؤشر باهر على وضع العربة أمام الحصان ، ووجود نيَّة مبيَّتة لإفشال " المشروع الإسلامي " مع الاعتراف بأخطاء أتباع هذا المشروع ، وعدم تبرير هذه الأخطاء .

     وهذا الحصار الخانق يعيدنا إلى حصار حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات عام 2006م بشكل نزيه وشفاف باعتراف العالَم . فكانت النتيجة أن حُوصِر قطاع غزة ، وتم تجويعه ، ولا يزال . فلا يوجد موقف يمر دون ثمن ، والصمودُ له ضريبة يجب دفعُها .

     إن الأمم التي لا تَقدر على إطعام نفسها ، لا تَقدر على حُكم نفسها . ومصر هي أكبر مستورد للقمح في العالَم ، وتعاني من أزمات متكاثرة لا حصر لها على كافة الصُّعد. وهذه المشكلات لا يمكن حلها بقراءة القرآن أو الإنجيل ، أو دعاء الله تعالى بقلوب صادقة . ونحن لا نقلِّل من الجانب التعبدي ، ولكن السماء لا تُمطِر ذهباً ولا فضة ، ولو كانت الأدعيةُ لوحدها قادرة على التغيير لتحرَّرت فلسطين منذ عقود ! . فلا بد من العمل على أرض الواقع لإيجاد حلول حقيقية للمشكلات .

     وإنني أدعو " الإخوان " والحركات الإسلامية عموماً إلى استيعاب هذا الدرس القاسي ، ومعرفة موازين القوى العالمية والإقليمية ، والانخراط في العمل السياسي مع الاستفادة من أخطاء الماضي ، وتغليبُ مصلحة البلاد على المصلحة الشخصية ، وتقدير قوة الخصوم وعدم العيش في عالَم الأمنيات، فالعالَمُ تسوده شريعة الغابُ، والقويُّ يأكل الضعيفَ ، والغايةُ تبرِّر الوسيلةَ، والغرب يَكيل بمكيالَيْن ، ويميل مع الرياح حيث مالت ، وهو يلهث وراء مصلحته بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية . وللأسف ، لا توجد في السياسة أخلاق .

     وبعد إنهاء حُكم " الإخوان " في مصر ، سوف يُكسَر الحصارُ على مصر ، وتَهبط المليارات عليها ، فها هي دول الخليج التي تكاد تطير فرحاً بسبب التخلص من " كابوس الإخوان " تعد حُزمة مساعدات عاجلة لتقديمها إلى مصر. وسوف ترمي بكامل ثقلها في مصر لانتشال الاقتصاد، وقيادة الاستثمارات ، وتوفير الدعم السياسي لها . ولا أستبعد أن تقوم بتسديد ديون مصر أو جزء كبير منها . إذن ، فالكرمُ العربي القادم من الخليج سوف يحل في أرض الكنانة . كما أن الغرب سوف يندفع إلى مساعدة مصر، فتزدهر الحياة، وتعود السياحة إلى سابق عهدها أو أفضل ، ويرجع رجالُ الأعمال مع مشاريعهم الجديدة . والأقباط الذين يُسيطرون على ثلث الاقتصاد المصري سوف يضخون الدماءَ في شرايين الاقتصاد ، وتدور العجلةُ من جديد . والآن .. كل طلبات مصر مُجابة بعد التخلص من " الإخوان " الذين تتم شَيْطنتهم ونعتهم بالجهل والغباء وعدم القدرة على إدارة مفاصل الدولة . هذا هو قانون اللعبة .

 

الزمان اللندنية

9/7/2013 م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المؤسسة العسكرية المصرية ومشكلات سيناء

 

     إن السلطة العسكرية في مصر لم تستوعب دروس الماضي. فهي تنتهج سياسة   " كسر العظم " دون وجود أي أفق للحوار، أو جمع الأطراف على كلمة سواء . وهذه الخطيئة تتضح بشكل صارخ في سيناء . حيث يَدفع الجيشُ المصري بتعزيزات عسكرية إلى هذه المنطقة الحساسة في ظل غياب تام للحلول السياسية . ومن الواضح أن الجيش المصري _ يرمي من وراء هذه العملية الأمنية _ إلى إظهار قبضته الحديدية في رسالة واضحة إلى الأطراف الداخلية . وهذه الرسالة مفادها أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على فرض الأمن ، وإحلال السلام ، وإدارة البلاد من الألف إلى الياء. وهذه رسالة بالغة الخطورة لأنها تنسف النظام السياسي المصري برمته ، وتجعل الأطرافَ السياسية متفرجين_ لا أكثر ولا أقل _. مما يؤدي إلى عسكرة السياسة بالكامل، وتولي الجنرالات إدارة البلاد ، ورسم حاضرها ومستقبلها . وهنا تكمن مشكلة مصر الحقيقية ، وتظهر حالة الانفصام في شخصية صانع القرار .

     فالمؤسسة العسكرية التي تَحكم مصر هي بُنية تراتبية ذات طبقات متماسكة تخضع للأوامر واللوائح بشكل صارم ، وكل طبقة تتلقى الأوامر من الطبقة التي تعلوها دون نقاش . وهذا النظام الصارم معتمد لدى جميع المؤسسات العسكرية في العالَم . إذ إن أساس العمل العسكري لا يعترف بالحوار أو المناقشة أو الاستدراك على أوامر القادة. فيجب السمعُ والطاعة وتلقي الأوامر وتنفيذها دون تأخير، وكل معارَضة تُعتبر خيانة ، وكل رأي آخر يُعتبر محاولة انشقاق . وهذه الفلسفة العسكرية تتعارض _ جُملة وتفصيلاً _ مع العمل السياسي . فالسياسةُ تعتمد على الأخذ والعطاء وتنازل الأطراف للوصول إلى حلول وسط ، والجلوس على طاولة المفاوضات ، وانتهاج مبدأ الحوار ، والاستماع للرأي والرأي الآخر ، ووجودُ سُلطة ومعارَضة دون اللجوء إلى التخوين أو الطعن في وطنية الموالين أو المعارِضين .

     والخطأ الكارثي أن المؤسسة العسكرية المصرية تريد لعب الدورَيْن معاً ، وهذا مستحيل نظرياً وواقعياً ، لأن الضِّدين لا يجتمعان . فالجيشُ المصري المسؤول عن حماية البلاد من أي عدوان خارجي ، اقتحم عالَم السياسة على غير بصيرة ، فأعلن خارطة الطريق ، ونصَّب رئيساً مؤقتاً وحكومةً ، ونشر الدبابات والجنود في الشوارع . وهذه الانتقال من الخارج إلى الداخل ، ومن الثكنات إلى الطرقات ، سيلغي دورَ الجيش الوطني ، ويَسحبه إلى حرب استنزاف داخلية طويلة الأمد ، تكلِّفه الكثير من الأرواح والوقت والجهد والمال . ولا يخفى أن مصر في أمس الحاجة للموارد من أجل الوقوف على قدمَيْها .

     والمؤسف أننا نسمع عن إجراءات عسكرية في سيناء ، دون وجود أية مبادرات سياسية . وهنا يختفي صوتُ العقل تماماً ، ويعلو صوتُ الرصاص . والواجبُ أن تتولى الحكومةُ المصرية موضوع سيناء ، وتطرح مبادرة سياسية تعتمد على الحوار مع شيوخ القبائل ، والوقوف على حاجات أبناء المنطقة الذين تم تهميشهم لمدة طويلة ، وتنفيذ مشروعات تنموية عاجلة لاجتثاث التطرف من جذوره .

     ولا يمكن القضاء على الفكر المتطرف بالبنادق والطائرات ، بل يتم القضاء عليه بإزالة أسبابه ( الفقر / الجهل / المرض ) . فالفكرُ لا يُجابَه إلا بالفكر . والتطرفُ فكرٌ منحرف لن يُهزَم إلا أمام فكر التنمية الحقيقية لا الشعاراتية . أمَّا معالجة أعراض المرض ونسيان أصل المرض ، فهو مضيعة للوقت ، وتبذير للموارد الوطنية .

     وينبغي الانتباه إلى أن سيناء ذات بُنية عشائرية ، ولا بد من احترام هذه البنية الاجتماعية ، وإشراكها في منظومة المواطنة . ولا ننسى أن سكان سيناء هم مواطنون مصريون ، ولم يتم استيرادهم من الخارج ، ولم يأتوا من كوكب آخر . وبالتالي فإن الحكومة المصرية تتحمل مسؤولية حمايتهم، وتوفير الحياة الكريمة لهم ، ودمجهم بشكل كامل في النسيج الشعبي ، وعدم تصنيفهم كمواطنين درجة ثانية .

     أمَّا اعتماد الحل الأمني فلا فائدة منه ، وهو _ في واقع الأمر _ مشكلة وليس حلاً ، لأنه يُدمِّر الاقتصاد بالكامل ، فرؤوس الأموال تهرب من أماكن النزاعات ، والمناطق غير المستقرة . كما أنه يقضي على السياحة التي تُعتبر من أبرز الموارد المالية لمصر ، وهو تشويه لصورة مصر في الداخل والخارج . ففي الداخل ، يَنظر الكثيرون إلى أن الجيش يَقتل أبناء جِلدته. وفي الخارج ، يتم تصوير مصر كدولة فاشلة غير مستقرة . فعلى قادة مصر أن يتعلموا من أخطاء الآخرين ، وألا يحاولوا إعادة اختراع العجلة . والعاقلُ من اتعظ بغيره .

 

16/9/2013م .

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مصر بين العم سام والدب الروسي

 

     إن السلطة العسكرية الحاكمة في مصر عاجزة تماماً عن إيجاد الحلول الجذرية لمشكلات مصر المتفاقمة في كل المجالات.ومنذ أن طُويت صفحة "حُكم الإخوان" لم تحدث إنجازات على أرض الواقع. وإذا كان" الإخوان" عقبةً في طريق نهضة مصر وازدهارها ، فيُفترض أن هذه العقبة زالت بزوال حُكمهم . فلماذا لا تَدور عجلةُ التقدم في مصر ويتحرك قطارُ الإنجازات ؟! . والجواب يتمحور حول اعتماد ردود الأفعال وغياب الفعل الحقيقي . فلا توجد مبادرات حقيقية لانتشال مصر من مأزقها الخطير . كلُّ طرفٍ يُخوِّن الطرفَ الآخر ، وكلُّ طرفٍ يدَّعي امتلاك الحقيقة المطْلقة . وهذا أدى إلى إحداث شرخ رهيب في المجتمع المصري ، وشق الصفوف بصورة مرعبة . كما أن العمل السياسي الذي يسيطر عليه العسكر غارق في الارتجالية ، وعاجز عن امتلاك روح المبادرة والإبداع . وهذه نتيجة متوقعة لسياسة التخبط التي تضرب جذورها في أعماق الدولة المصرية الواقعة تحت تهديد التاريخ وضغطِ الجغرافيا .

     ومن إفرازات التخبط المسيطر على السلطة العسكرية المصرية ، الاتجاه نحو أحضان الدب الروسي بعد قيام الإدارة الأمريكية بتعليق جزء من المساعدات المخصصة لمصر . وهذه الهرولة نحو الحضن الروسي يمكن إدراجها تحت شعار " الحرد السياسي " ، وهي محاولة لوضع البَيض المصري في أكثر من سلة ، وهي ردة فعل عمياء ومؤقَّتة ، لا وزن لها في عالم السياسة الدولية . وهذه اللعبة قديمة جديدة ، ففي عهد عبد الناصر تم الاتجاه إلى الاتحاد السوفييتي ( المعسكر الشرقي ) بشكل كامل بعد أن أغلقت أمريكا وأوروبا الأبوابَ أمام مصر . أمَّا في عهد السادات فتم التوجه بالكلية إلى أمريكا وأوروبا ( المعسكر الغربي ) ، وبقي هذا التوجه قائماً ، وتم تتويجه بمعاهدة كامب ديفيد ، واستمر طيلة عهد مبارك ومرسي ، إلى أن جاء السيسي الذي قرَّر أن يَتَّجه إلى روسيا البوتينية ( نسبة إلى الرئيس فلاديمير بوتين ) بعد أن أغلقت أمريكا بعض الأبواب في وجه مصر . وكأن التاريخ يُعيد نَفْسَه بأدوات عصرية ، ويعود من حيث بدأ . فهل يمكن أن تنجح خطة المؤسسة العسكرية الحاكمة في إدارة الظهر لأمريكا والتوجه إلى روسيا ؟! .

     هذه الخطةُ المصرية محكومة بالفشل قطعاً . فمصر رَبطت مصيرها بمصير المساعدات الأمريكية منذ عدة عقود، وأية محاولة للفِطام _ إن جاز التعبير _ ستُحدِث زلزالاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في مصر ، لأنها غير قادرة على الوقوف على قدميها في الوقت الحالي ، وغير مستعدة لتحدي الغرب ، خصوصاً أمريكا . فإظهارُ القوةِ ينبغي أن يكون بعد اكتمال القوة . ومصر _ الآن _ دولة ضعيفة ، ممزَّقة اجتماعياً ، ومنهارة اقتصادياً ، ومتخبطة سياسياً ، وليس هذا سراً . وهذه الحالة المزرية تتطلب التعامل مع الغرب بحكمة وعقلانية وإمساك العصا من المنتصف . فالموقفُ الضعيف لمصر لا يَسمح لها بفرض شروطها ، أو إعلاء صوتها في وجه الغرب .

     كما أن مصر ما زالت أسيرة معاهدة كامب ديفيد التي رعتها أمريكا لا روسيا . وهذه المعاهدة تتضمن التزامات قاسية تقيِّد مصر ، وتلغي دورَها المحوري إقليمياً ودولياً . وبما أن مصر ملتزمة بهذه المعاهدة ، فهي مضطرة إلى التعامل مع عَرَّاب هذه الاتفاقية ( العم سام وليس الدب الروسي ) . إذن ، ستظل مصر في أحضان أمريكا _ بإرادتها ورغماً عنها _ .

     ولا يَخفى أن أمريكا تسيطر على المؤسسات الدولية الكبرى مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي . ومصر مضطرة إلى التعامل مع هذه المؤسسات ، وبالتالي فهي مضطرة إلى التعامل مع أمريكا ومغازلتها ، ومكرهٌ أخاك لا بَطل ! . ويجب ألا ننسى أن أمريكا هي التي سَمحت بتولي مصري للأمانة العامة للأمم المتحدة ( الدكتور بطرس غالي ) ، وأمريكا هي التي سَمحت بتولي مصري للأمانة العامة لوكالة الطاقة الذرية ( الدكتور محمد البرادعي ) . وكان بإمكانها وضع العقبات في طريقهما ، ومنع مصر من الوصول إلى هذين المنصبَيْن الخطيرين .

     وإذا جئنا إلى الجيش المصري سنجد أنه غارق إلى شحمة أذنيه في المساعدات الأمريكية . فآلافُ الضباط يتلقون تدريباتهم في أمريكا، حتى إن السيسي شخصياً خضع لدورات تدريبية في أمريكا . كما أن نظام التسليح في الجيش المصري أمريكيٌّ مئة بالمئة ، بدءاً بالأسلحة الخفيفة حتى الأسلحة الثقيلة . وسلاح الجو المصري يتكون من طائرات أمريكية الصنع مثل الأباتشي وإف 16. ومصر تمتلك مئات طائرات إف 16،وهذا الحجمُ الهائل لا يتوفر في المنطقة إلا عند تركيا وإسرائيل . كما أن الجيش المصري يتلقى سنوياً معونة قَدْرها 3و1 مليار دولار .

     إن الدول الحريصة على نهضتها وتقدمها لا تضع بَيْضها في أية سلة خارجية ، وإنما تضعه في سلة أبنائها القادرين على انتشال بلادهم من الهاوية ، وحمل رايتها في العالَم . أمَّا الانتقال من حضن إلى حضن ، فهي عملية انتحارية ، ومَن يَترك مصيره في أيدي الآخرين فسوفَ يَلعبون به لا محالة . وإذا اعتقدت السلطاتُ المصرية أن الانتقال من الحضن الأمريكي إلى الحضن الروسي هو الحل لمشكلاتها ، فهي مخطئة تماماً ، ولا تتمتع ببعد النظر ، وهي بذلك تكون كالمستجير من الرمضاء بالنار .

 

الزمان اللندنية

16/11/2013م .

 

 

 

الجيوش عندما تحارب البعوض

 

     إن العالم المضطرب الذي نعيش فيه ، لم يُغيِّر الأنماط السياسية فَحَسْب ، بل أيضاً غيَّر السلوكَ الإنساني ، وبدَّل الوظائفَ المجتمعية . وصار الانتقال من الضد إلى الضد ، أو من النقيض إلى النقيض ، أمراً عادياً في ظل الانهيار الاجتماعي ، والانكسار السياسي ، والمأزق الوجودي الذي يعيشه الفردُ والجماعة على حَدٍّ سَواء .

     ومن أبرز التحديات التي طَفَت على السطح مؤخراً ، انتشار فيروس"زِيكا "، وهو فيروس جديد ينتقل بواسطة لسع البعوض ، ويُسبِّب مرضاً غامضاً ، لا يزال العلماء يحاولون جاهدين فك شيفرته ، ومعرفة كيفية التعامل معه . ويعتقد البعض أن الأمر عادي ، ولا يَدعو إلى القلق ، حيث إِن البشرية تعوَّدت على ظهور أمراض غامضة بين الحين والآخر . وقد يكون هذا الاعتقاد صحيحاً . لكن المقلق في الموضوع عِندما تُجنِّد دولة عظمى مثل البرازيل ( خامس أكبر دولة في العالم ) قواتها المسلحة لمحاربة البعوض . فالجيشُ البرازيلي في أقصى حالات التأهب ، وأفراده يستعدون لخوض حرب غير تقليدية . إنها حرب من نوع خاص ضد البعوض الناقل لفيروس " زيكا " . حوالي 220 ألف جندي برازيلي بشاركون في حملة حكومية من أجل التوعية ضد الفيروس الفتاك، وذلك من خلال طرق أبواب المنازل، وتوزيع ملايين المنشورات لإخبار السكان عن أفضل وسيلة للتصدي لهذا الفيروس الذي لم يكن في الحُسبان . صحيحٌ أن هذا الجيش يقوم بمهمة إنسانية سامية لإنقاذ أبناء بلده . لكن السؤال الذي يطرح نفسه : أين مؤسسات الدولة المختصة بشؤون الصحة والسلامة العامة ؟ .

     لقد تغيَّرت تفاصيل البُنى الاجتماعية ، واختلفت طبيعةُ الإنسان المعاصر ، وتبدَّلت وظائف المكوِّنات المركزية في المجتمع. فالجيشُ الذي يتم بناؤه للدفاع عن حدود الوطن ضد الأعداء، ويتم تدريبه على خوض الحروب، صار يحارب الحشرات، ويخوض حرباً غامضة غير تقليدية ، لا تُدرَّس في الكليات والمعاهد العسكرية. وهذا التغيير الجذري في وظيفة المؤسسة العسكرية يُشير إلى تعقيدات العالم المعاصر ، والتحديات المصيرية المفروضة على النظام الإنساني بِرُمَّته ، وأن الوجود البشري دخل في مرحلة حرجة للغاية ، لا قانون يَضبطها ، ولا قاعدة تُنظِّم عملها .

     ولوْ جِئنا إلى المنطقة العربية لوجدنا الجيش المصري في أواخر عهد مبارك ، قد تدخل لحل مشكلة الخبز ( العيش )، فعندما صار الناس يموتون في طوابير الخبز ، وتظهر فتاوى تعتبر الشخص الذي يموت في طابور الخبز شهيداً ، حدثت ضجة هائلة داخل مصر وخارجها ، مِمَّا اضطر الجيش أن يتدخل بنفْسه في هذه القضية الغذائية ، وقام بفصل المخابز عن أماكن توزيع الطحين ، وساهم في حل هذه المشكلة . وقد قام بمهمة إنسانية جليلة . لكن السؤال الخطير : هل وظيفة الجيوش توزيع الخبز على الناس ؟ ، وأين مؤسسات الدولة المختصة بالغذاء والتموين ؟ .

     إن هناك فلسفة شديدة الخطورة يمكن استنباطها من هذا الأمر . فالعالم الذي نعيش فيه شديد التعقيد ، وهذا يعني أن الحروب ستنتقل من المعنى التقليدي إلى المعنى غير التقليدي ، وأن وظيفة الإنسان تتغير بحسب شدة المأزق الوجودي الذي يتفشى في الأنساق الاجتماعية. كما أن الدول التي تفتقد إلى مؤسسات المجتمع المدني القوية ، ولا توجد فيها مؤسسات سيادية راسخة ، سوف تلجأ إلى الاستثمار في المؤسسة العسكرية ، وسوف تضع كل بَيضها في سلة الجيش ، باعتبار أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بالتماسك والنفوذ في مجتمع مُفكَّك ومنهار . وهذه الثقة المفرِطة في المنظومة العسكرية لها جوانب سلبية ، فهي تجعل الجيش فوق مؤسسات الدولة ، وفوق المساءلة والحساب. مما يؤدي إلى عسكرة المجتمع ، وبث الروح العسكرية في الروح الإنسانية ، وأنساقِ المجتمع المدني . كما أنها تُعطي رسالة خاطئة وغير مباشرة لأفراد الشعب ، مفادها أن الجيش يسيطر على كل المجالات ( السياسة ، الاقتصاد ، الثقافة ، الإعلام ، ... إلخ ) ، ولا داعي أن يَعمل الناس أو يَجتهدوا ، لأن وجودهم كعدمه بسبب عجزهم عن التغيير ، لأن التغيير بيد الجيش وَحْدَه . وهكذا تنتشر فكرة " انتظار الْمُخَلِّص " . وهذه الفكرة تتجلى في انتظار الجيش القادر على عمل كل شيء . فإذا انهار الاقتصاد فانتظروا الجيش لأنه يسيطر على المجالات الاقتصادية ، وسيجد حلولاً فعال لمشكلة الاقتصاد . وإذا انهار التعليم ، فانتظروا الجيش ، لأنه مثال للعِلْم والشرف والوطنية ، وسيجد الحل لمشكلة التعليم . وإذا انهار النظام الصحي ، فانتظروا الجيش ، لأنه يملك الخبرة بما لديه من مستشفيات وأطباء وعلماء ، وسيجد الحل لكافة الأمراض . وإذا انهيار النظام السياسي ، فانتظروا الجيش ، لأنه حريص على الوطن ، ولا يطمع في ثرواته ، وسيجد نظاماً سياسياً مناسباً للشعب .

     إن هذه الأفكار شديدة الخطورة، ولها تأثيرات سلبية على مسار الوجودي الإنساني بكل تفاصيله. صحيحٌ أن الجيوش لها مهمات إنسانية جليلة ، ولكن ينبغي وضع الأمور في سياقها الطبيعي، والإيمان بأنه ليس بالجيش وَحْدَه يحيا المجتمع . 

 

 

 

 

 

 

 

 

النظام الأردني يعتبر القمة مشروعاً تجارياً

 

     لقد انتهت القمة العربية الثامنة والعشرون ، التي اشتملت على خطابات مفعمة بالأمل على الورق ، لكنها بعيدة كُل البُعد عن الواقع ، ولا يمكن تطبيقها . وهذا هو حال الأمم الضعيفة في كُل العصور، فهي لا تَملك إلا الكلام. فالكلامُ مجاني، ولا يَحتاج إلى موارد ولا تخطيط. ولا أريد أن أبدأ حفلة التشاؤم المجاني، فالجميع يعرف أن القمم العربية مُجرَّد خطابات وشِعارات لا أكثر . ومعَ هذا ، فالقمم العربية شَر لا بُدَّ مِنه . فحين يغيب الفِعل لا بُدَّ من الكلام . وحين تنعدم فرصة الطحن ، لا بُدَّ من الجعجعة . الكلامُ والجعجعة أفضل من الصمت ! . وعلى الأقل ، نُذكِّر العالَم أن هناك شيئاً اسمه الأمة العربية ، لا تزال تعيش في هذه المنطقة ، وأن هناك أملاً _ وَلَوْ ضئيلاً _ لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه .

     وقد اعتادت الشعوب العربية على خطابات القمم وشعاراتها والصور التذكارية للملوك والرؤساء ، واعتاد الحكام العرب عليها ، فلا داعي لجلد الذات ، فلم يعد هناك ذات كَي نَجلدها في ظل انهيار الدول ، وتشرُّد الشعوب، وانتشار الصراعات المذهبية والعِرقية ، واحتكار القوى العالمية لقضايا الأمة العربية، وتَفَشِّي المنظمات الإرهابية التي تستخدم الإسلام ولا تَخدمه .

     والنظام الأردني يعرف أكثر من غَيره أن القمم العربية لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر ، لكنه يُحاول جاهداً تقديم نَفْسه كزعيم للأمة العربية ، يَقود مسيرةَ العمل العربي المشترك ، ويستطيع جمع الملوك والرؤساء العرب ( ملوك الطوائف وشيوخ القبائل). وهذا يُقوِّي موقعه أمام القوى العالمية.

     وهناك سؤالان يطرحان نَفْسيهما بقوة : لماذا عرض النظام الأردني خدماته لاستضافة القمة بعد اعتذار اليمن ؟! . وماذا عن ملايين الدولارات التي أنفقها النظام من أموال الشعب _ دون استشارته_ لاستضافة هذه القمة في ظل الانهيار الاقتصادي الشامل في الأردن ؟ .

     إِنَّ النظام الأردني غير معني بقضايا العرب والعروبة . فالعلاقات بين النظام الأردني وإسرائيل تاريخية ومصيرية وأفضل من كل العلاقات بين النظام الأردني والأنظمة العربية . ولكنَّ النظام الأردني يستثمر في القمة العربية باعتبارها مشروعاً تجارياً و"بزنس"، وهذا الأمر يتجلى في النقاط التالية : 

     1_ الاستقبال الأسطوري لملك السعودية، وذلك طمعاً في حفنة مليارات ومشاريع مشتركة، لكنَّ هذا الأمر غير مضمون ، لأن السعودية تعيش أزمة مالية خانقة ، كما أنها وَعدت لبنان بعدة مليارات ولم تدفع . ولو افترضنا جدلاً أن السعودية ستدفع للنظام الأردني مليارين أو ثلاثة " لسواد عيونه "، فماذا يَفعل هذا المبلغ الضئيل إذا علمنا أن ديون الأردن قد تجاوزت 35 مليار دولار ، وأن فوائد ديون الأردن تتضاعف كل خمس سنوات ( وهي بالمليارات ) ، وأن الفساد يضرب كل القطاعات في الأردن من القمة حتى القاع ؟ .

     2_ التركيز في بيانات القمة على وجوب دعم الدول المستضيفة للاجئين السوريين ، وعلى رأسها الأردن . معَ العِلم أن جميع الدول العربية شريكة في قتل السوريين وتشريدهم ، إمَّا بالصمت ، وإمَّا بالتخاذل ، وإمَّا بالتواطؤ ( تحت الطاولة أو فوق الطاولة ) .

     3_ الترويج السياحي للأردن ، وهذا يتَّضح في عقد القمة في منطقة البحر الميت السياحية .

     لقد اعتبرَ النظام الأردني هذه القمة طَوق النجاة للأردن الذي تَمَّ إغراقُه في الفساد ، والتباكي عليه . ولكن ينبغي أن يُعلَم أن استغاثة النظام الأردني بالأنظمة العربية كاستغاثة الغريق بالغريق . ولا فائدة من الاستجداء والتَّسول ، ولا معنى للعب في الوقت الضائع .

     لقد دمَّرت الأنظمةُ العربية بلادها ، وأحاطت نفسها بالمنافقين والفاسدين ، وقضت على مستقبل شعوبها ، ولم تستغل سنوات الرخاء والهدوء . والآن جاء وقت دفع الثمن ، تماماً كطالب المدرسة الذي قضى السنة الدراسية وهو يَلعب ، وهو الآن أمام الامتحان الصعب .

     ورُبَّما يكون التناقض الكامن في انعقاد القمة العربية في منطقة البحر الميت ( أخفض نقطة على سطح الكرة الأرضية ) هو خُلاصة الحالة العربية بالكامل، فهذه الأمة التي أضاعت مُقدَّساتها وبلادها بلداً بلداً ، صارت قِمَّتُها في القاع ، وأحلامها في الحضيض ، ومصيرها بين أقدام الدول العظمى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدم الأردني الرخيص

 

   إن جريمة قتل الشاب محمد الجواودة والدكتور بشار الحمارنة مِن قِبَل حارس الأمن في السفارة الإسرائيلية بِعَمَّان ، لها تداعيات شديدة الخطورة على شرعية النظام الأردني وسياساته . فالنظام الأردني على مدار تاريخه، قَدَّمَ نَفْسَه باعتباره صاحب الشرعية الدينية ، والحريص على حماية أمن الأردن ، ورعاية مصالح الأردنيين من شتى المنابت والأصول .

     لذلك تفاءلَ الأردنيون خيراً حين تَمَّ الإعلان عن منع طاقم السفارة الإسرائيلية من السفر ، وعدم السماح لهم بالمغادرة إلا بعد انتهاء التحقيقات . وبعد يوم أو يومين ، عاد طاقم السفارة كاملاً إلى إسرائيل بلا تحقيق ولا استجواب،بما فيهم القاتل.مِمَّا يُشير بوضوح إلى وجود ضغوطات على النظام الأردني وتهديدات حقيقية له.

     ولا نريد في هذا السياق أن نُلقيَ محاضرات السيادة والكرامة الوطنية على النظام الأردني ، ونُنظِّر عليه ، ونُذكِّره بمنظومة الحقوق والواجبات . ولكنَّنا نريد تحليل الأحداث التي أدَّت إلى التفريط بدماء الأردنيين ، التي ذهبت هدراً ، ولَم تجد مَن يُطالِب بها .

     وفي الحقيقة ، إِن القضية بِرُمَّتها قد لَخَّصها عضو الكنيست الإسرائيلي أورن حزان ، فقد شَنَّ هجوماً على الأردن في أعقاب قيام حارس السفارة الإسرائيلية بجريمته ، ورفض إسرائيل تسليم القاتل للسُّلطات الأردنية . وكتب حزان المنتمي لحرب الليكود الذي يَتزعَّمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على حسابه في " تويتر " : (( يبدو أن جيراننا في شرق الأردن ، أولئك الذين نسقيهم الماء ، ونحمي لهم "خلفياتهم" في الليل والنهار ، يحتاجون لإعادة تربيتهم من جديد ، يبدو هذا كأنه سلام من دون لقاء )) .

     وهذه الكلمات تبدو جارحة وذات وقع شديد على نفوس الأردنيين ، ولكنَّها تُلخِّص الحقيقة بعيداً عن التَّزويق الإعلامي والأغاني الوطنية وشعارات السيادة والكرامة .

     إن إسرائيل تُمسِك النظامَ الأردني من اليد التي تُوجعه . فالنظامُ الأردني يعيش على التنفس الاصطناعي ، ولا يستطيع الوقوف على قدميه لوحده ، في ظل انهيار الاقتصاد الوطني ، وارتفاع مُعدَّلات الفقر والبطالة ، وانتشار الفساد في كُل مفاصل الدولة، وتخلِّي دول الخليج ( المشغولة بمشكلاتها ) عن مساعدة الأردن. لذلك ، تُرِكَ الأردن في الساحة وحيداً ، كَي يُواجِه مصيرَه بنفْسه ، وهو مُحاصَر بحزام ناري ، ومنكمش في منطقة ملتهبة . وعقيدةُ النظام الأردني السياسية قائمة على الخضوع التام للإملاءات الإسرائيلية ، وحماية حدود إسرائيل ( طول الحدود بين الأردن وإسرائيل 238 كم ) . وهذا كُلُّه مُقابل الحصول على الماء والغذاء، والمساعداتِ الاقتصادية من أمريكا وغَيرها . ووفق هذه المعادلة الصعبة ، لا معنى للكرامة الوطنية وسيادة الدَّولة ، لأنَّ الكرامة والسيادة تعنيان خسارة الماء ورغيف الخبز . وهذا هو المنطق الفكري للنظام الأردني .

     ولا يَخفى أن الدولة العاجزة عن إطعام شَعبها ، لا تَقْدِر أن تَحكم نَفْسَها بنفْسها . وهذا يُفسِّر خُضوع النظام الأردني لتهديدات نتنياهو ، والاستجابة الفَورية لطلبه بإخلاء طاقم السفارة كاملاً دُون قيد ولا شَرْط ولا تحقيق ولا سُؤال . وقد صدق المتنبي حِينَ قال : ومِن نَكَدِ الدُّنيا على الْحُرِّ أن يرى ... عَدُوَّاً لَهُ ما مِن صداقته بُدُّ .

     ومشكلة النظام الأردني أنَّه لَم يَبْنِ دولةً حقيقيةً ، فهو عاجز عن استثمار طاقات الأردنيين ، وغَير قادر على استغلال موارد البلاد ، ولا يَعرِف كيف يَلعب بالأوراق السياسية ، لذلكَ قَبِلَ أن يَلعب دور الضَّحية ، وأن يَكون في موقع رَدَّة الفِعل لا الفِعْل . ونحن نَعلم أن الأردن دولة ضعيفة وفقيرة وشبه منهارة ، ولكن حتى الدول الضعيفة لديها هامش من المُناوَرة ، ولديها أوراق ضغط . والبعض يعتقد أن الأردن باعتباره الطرف الأضعف لا يملك أوراقاً للضغط على إسرائيل ، والواقع يُخالف هذه القناعة المغلوطة . فالذي فرض على السُّلطات الإسرائيلية إحضار الدواء للسيد خالد مشعل إثر محاولة اغتياله ( 1997م ) ، والإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ، قادر على فرض شروطه عبر امتلاك أدوات ضغط . وبالتالي فإن فرضية الاستسلام للأمر الواقع ، التي يُؤمِن بها النظام الأردني غير صحيحة ولا منطقية .

     لقد حاولَ النظام الأردني الحفاظ على ماء وجهه في التعامل مع هذه الجريمة، وذلك حين قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إِنَّ البطاقة التي تُثبِت بأن القاتل الإسرائيلي في حادثة السفارة "دبلوماسي" في جَيبه ، وذلك بقصد تبرير القرار الذي سمح له بمغادرة الأردن بدون خضوعه للتحقيق .

     وهذه المحاولة مُضحكة ومُبكية في آنٍ معاً ، فلا توجد مُعاهَدة في العالَم تنص على أنَّ الدبلوماسي الذي يتمتَّع بحصانة إذا ارتكب جريمة جنائية ، يتم الإفراج عنه فَوراً بلا تحقيق . لقد وقعت جريمة قتل لمواطنَيْن أردنِيَّيْن على أرض أردنية ، ومعَ هذا تَمَّ الإفراج عن الجاني بدون تحقيق ، وذهب الدَّمُ الأردني هدراً ، لأنه لَم يجد من يُطالِب بِه . وهذا جعل النظام الأردني يَفقد ماء وجهه أمام شعبه ، ويخسر جزءاً كبيراً من شعبيته ، وتُصبح شرعيته على المِحَك ، لأنَّه عجز عن حماية الأردنيين ، والدفاع عنهم ، وفَرَّطَ بدمائهم في وضح النهار .

     إنَّ النظام الأردني بإفراجه عن قاتل المواطنَيْن الأردنِيَّيْن ، قد وَجَّهَ رسالةً خاطئة وشديدة الخطورة ، وهي أن القوة فوق العدالة ، وأن منطق القوة هو الذي يَتحكَّم بالعلاقات الاجتماعية والسياسية ، وليست قوة المنطق .

     وهذه الرسالة جاءت في توقيت قاتل . فقد عَلَّقت قبيلة الحويطات بخصوص السماح للقاتل الإسرائيلي بمغادرة الأردن بلا تحقيق ، بِحُجَّة أن قُوى عُظمى تَدَخَّلت في سبيل ذلك،" فإن الحويطات قوة عُظمى وسيخرج معارك " ، في إشارة إلى الجندي الأردني معارك أبو تايه الذي قتل ثلاثة جنود أمريكيين، وأشارت القبيلة إلى تزامن بث الفيديو الخاص بحادثة الجفر ، والسماح بسفر طاقم السفارة الإسرائيلية بما فيهم القاتل دون أيِّ إجراء . وكَتبت قبيلة الحويطات على صفحتها الرسمية:" إذا كانت هكذا سياستكم ، الحويطات قُوة عُظمى ، وسيخرج معارك " .

     إنَّ النظام الأردني بإفراجه عن القاتل الإسرائيلي، قد أسَّس سياسة شديدة الخطورة، وهي"أخذ الحق باليد"، فالقويُّ فوق القانون والعدالةِ . والقانون لا يَسري إلا على الضعفاء والفقراء . وهذا الأمر سوف ينسحب على التركيبة الاجتماعية في البلاد ، وتُصبح كُل قبيلة كبيرة فوق القانون ، وقادرة على لَي ذِراع الدولة وتركيعها ، وفرض الشروط عليها .

     وهنا تبرز مقولة شهيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو : (( إنَّ العالَم قد يتعاطف مع الضعيف بعض الوقت ، لكنه يحترم القوي كل الوقت )) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطة محمد بن سلمان لمواجهة تركيا

 

     إن المشكلة الأساسية التي يُعاني مِنها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ، هي اعتباره السياسة شكلًا للثأر والانتقام وكسر العظام . وهذه المعاني أبعد ما تكون عن السياسة ، لأن السياسة لَيست لُغة العنف، وإنما هي لغة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة . وفي السياسة ، لا توجد مشاعر رومانسية ، ولا أحاسيس دافئة، بَل يُوجد حوار ونقاش وابتسامات ( حقيقية أو مُصْطَنَعَة ) للوصول إلى نُقطة مشتركة في مُنتصف الطريق، تُحقِّق مصالح الطرفين .

     والمُرَاهَقَة السياسية ذات تكلفة عالية ، ولها ضريبة باهظة يجب دفعها. والعربُ تقول : آخِر الدَّواء الكَي . أي إن كَي الجُرح بالنار هو الخيار الأخير لا الأوَّل . وفي السياسة ، تكون الحربُ هي الخيار الأخير لا الأوَّل. ومعرفةُ الأولويات ضرورة أساسية في عِلْم السياسة، لكيلا تَختلط الأمور، وتَخرج عن السيطرة ، ويفوت الأوان، وعندئذ ، لا يَنفع الندم . والعِنادُ والمُكَابَرَة ورفض مَشورة أهل الخِبرة والاختصاص مِن عوامل انهيار الدُّوَل وسُقوط الأنظمة . والدولةُ إذا ذَهَبَتْ لا تَعُود ، وإنما يَحُل مكانها دَولة أُخرى . وهذا التعاقب يمكن مُلاحظته بسهولة أثناء دراسة تاريخ الأمم والشعوب والدُّوَل والحضارات .

     وفي هذا السياق ، تبرز عبارة لمعاوية بن أبي سُفيان في غاية الأهمية، تُعبِّر عن فهم الأولويات ، وتُعْتَبَر مِن أركان عِلْم السياسة ، حيث يقول : (( لا أضع سَيفي حيث يكفيني صَوْتي، ولا أضع سَوْطي حيث يَكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين الناس شَعْرة ما انقطعت ، كُنتُ إذا مَدُّوها خَلَّيْتُها ، وإذا خَلَّوْها مَددتها )) .

     وفي الآونة الأخيرة ، تداولت وسائل الإعلام خبرًا يتعلَّق بوجود خُطة سعودية إستراتيجية ترمي إلى إسقاط الرئيس التركي أردوغان ، وإنهاء النفوذ التركي في المنطقة . ومِن الواضح أن محمد بن سلمان يُريد الانتقام مِن أردوغان شخصيًّا، والثأر لكرامته ، ورد الصاع صاعَيْن ، بسبب هُجوم أردوغان عليه بعد عملية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول .

     وقد امتصَّ النظامُ السعودي الصدمةَ ، ولم يَستطع أردوغان تدويل قضية خاشقجي ، ولم يَستطع الكونغرس الأمريكي مُحاسبة محمد بن سلمان المسؤول الأول عن قتله ، وذلك بسبب فيتو الرئيس الأمريكي ترامب ، وحمايته للنظام السعودي ، وتبنِّيه لمحمد بن سلمان ، مُقابل مليارات الدولارات وصفقات الأسلحة . وقد استنتجت المخابرات الأمريكية أن مِن المُؤكَّد أن محمد بن سلمان اطَّلَعَ على عملية اغتيال خاشقجي ، وأجازها ، ولا يُمكن أن تقع هذه العملية دُون عِلْمه أو مُشاركته .

     كما أن أغنيس كالامارد مُقرِّرة الأمم المتحدة المعنية بالإعدامات خارج نطاق القضاء ، خلصت بشكل مستقل إلى أن ولي العهد السعودي هو الذي أمر بقتل خاشقجي . 

     والنظامُ السعودي المُخْتَزَل في شَخْص محمد بن سلمان ، يَلعب بالنار ، ويَدخل في مُغامرة مجهولة العواقب أقرب إلى المُقامَرة ، حيث إنه يتحدَّى دولة مهمة في المنطقة ، ذات وزن كبير . وتركيا ليست دولةً عربية يُمكن تَجويعها ، أو قطع المساعدات المالية السعودية عنها ، أو منع تزويدها بالنفط السعودي .

     إن تركيا التي تَحَدَّت أمريكا ، واشترت منظومة إس _ 400 الروسية ، ولم تستطع أمريكا تركيعها ولا فرض عقوبات عليها ، ليست مِثل السعودية التي يتلقَّى ملكها الإهانات والشتائم مِن ترامب أمام وسائل الإعلام التي يُشاهدها الملايين ، وعلى الهواء مُباشرة، ولا يَستطيع المَلِك ولا ولي العهد أن يُدافعا عن هَيبة النظام السعودي أو مكانة العائلة الحاكمة . 

     وخُطة النظام السعودي بسيطة وبدائية وساذجة إلى حد بعيد ، ويُمكن تخليصها كالتالي : أ _ إشغال أردوغان بالأزمات الداخلية . ب _ دعم المعارضة التركية لإسقاط أردوغان . ج _ إنهاء الاستثمارات السعودية في تركيا ، والتي لا تزيد عن مليارَي دولار . د _ عدم استيراد الخضار والفواكه والمنسوجات من تركيا . ه _ منع السُّياح السعوديين من الذهاب إلى تركيا .

     إن السعودية الغارقة في مشكلاتها الداخلية والخارجية ، تحاول الهروب إلى الأمام ، باختراع صراع وهمي معَ تركيا ، فلماذا لا تُحاول السعودية التعاون مع تركيا ( الدولة الكبيرة ذات الوزن الإقليمي ) ، وجذبها إلى صفِّها ، وتشكيل محور سياسي معها ، لتحقيق فوائد مشتركة، في ظِل الأزمات السعودية المُتكاثرة ؟ .

     إن الاقتصاد السعودي يُعاني من الانكماش وهروب رُؤوس الأموال ، والعائلة الحاكمة مُنقسمة ، والمؤسسة الدينية منبوذة ومُهمَّشة، والشعب السعودي مُنقسم بين المُحافظين والليبراليين المُؤيِّدين لسياسة الانفتاح ( الرقص والغناء والحفلات الموسيقية والمُصارعة ... إلخ ) . وإيران تتحكَّم بمضيق هُرمُز ، وتُسيطر على مياه الخليج ، والحوثيون يقصفون السعودية بالصواريخ . وبعد خمس سنوات من الحرب السعودية على اليمن واليمنيين ، كانت النتيجة انتصار الحوثيين ، وعَجْز السعودية عن حماية نفْسها ، وطلبها الحماية مِن الرئيس الأمريكي ترامب الذي أرسلَ 500 جندي أمريكي ، إلى قاعدة الأمير سلطان بن عبد العزيز جنوب شرق الرياض . وهل 500 جندي أمريكي سَيَحْمُون السعودية التي يَبلغ عدد قواتها المُسلَّحة رُبع مليون جندي ؟ .

     إن النظام السعودي يُدمِّر نفْسه بنفْسه بانتهاج سياسات طائشة تُشكِّل خطرًا عليه في المقام الأول ، وقد خَسرت السعودية مكانتها بين العرب والمسلمين ، وصار يُنظَر إليها كعَدُوَّة للعرب وصديقة لإسرائيل ، التي صار يُنظَر إليها كدولة سُنِّية مُعتدلة ضمن المحور السعودي الإماراتي لمُواجهة إيران ، معَ أن الإمارات تركت السعودية وَحْدَها في اليمن ، وذَهبت كي تتقارب مع إيران ! .

     وبعد كُل هذه المشكلات السعودية التي ليس لها حَل ، يُخطِّط محمد بن سلمان لمواجهة تُركيا ( ثاني أكبر قُوة عسكرية في حِلْف الناتو بعد أمريكا ) ، وهو عاجز عن حماية الأراضي السعودية من صواريخ الحوثيين بدائية الصُّنع ! . فهل هذه هي الإستراتيجية السياسية والخُطَّة الإقليمية المناسبة كَي تُصبح السعودية قُوَّة عُظمى والمُتحدِّثة الوحيدة باسم الإسلام والمسلمين ؟ .

     لو كانت السعودية دولة عُظمى لَمَا طَلبت إرسال 500 جندي أمريكي إلى قاعدة عسكرية في الصحراء . إن السعودية دولة تتآكل، وقد اتَّسع الفَتْق على الراتق. وهي دولة تفقد مكانتها العالمية والإقليمية شيئًا فشيئًا . وليس أدل على ذلك مِن تصريح رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ، الذي قال إنه يمكن النهوض بالحضارة الإسلامية مُجَدَّدًا بالتعاون بين ماليزيا وتركيا وباكستان ، في ظل التحديات التي تُواجه الدول الإسلامية . ولم يَأتِ على ذِكر السعودية إطلاقًا . وهذا يعني أنه يراها دولة ضعيفة وبسيطة، غير مُؤهَّلة لقيادة العالَم الإسلاميِّ ، وليس لديها مشروع فكري ، ولا وزن في المنطقة ، يُمكِّنها مِن المُساهمة في إعادة أمجاد الحضارة الإسلامية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حقيقة السياسة في المجتمعات المتخلفة

 

     إن الهدف الأساسي من السياسة هو تحقيق مصالح الناس ، وبناء منظومة إنسانية اجتماعية توازن بين الحقوق والواجبات. ووفق هذا المعنى، تكون السياسة وسيلة لا غاية .

     والمشكلة الجذرية في المجتمعات المتخلفة أن السياسة فيها غاية بحد ذاتها،لذلك يتكرَّس معنى العنف والصدام والصراع على الكرسي ، ومحاولة المحافظة عليه بأي ثمن .

     وفي هذا المناخ الموبوء يظهر الطاغية ( الحاكم ) ، ويتكرَّس وجوده باعتباره المركز الذي تدور حوله كل تفاصيل المجتمع ، وتختفي الدولة شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى مرحلة " شِبه دولة " ، وتنهار الطبيعة الإنسانية ، فيتحوَّل المواطنون إلى أشباح مُدجَّنة لاهثة وراء رغيف الخبز ، ورُبَّما لا تحصل عليه . ففي أشباه الدول لا شيء مضمونًا ، بسبب غياب الحرية ، وانهيار القيم الأخلاقية ، وتحوُّل السياسة إلى لعبة للأغنياء المتحالفين مع رموز السُّلطة القمعية .

     والطاغية _ في كل زمان ومكان _ في عداوة متبادلة مع الشعب . وسبب هذه العداوة أن الطاغية يعتبر الشعب متخلفًا وبدائيًّا وهمجيًّا وسفيهًا وجاهلاً ، وبالتالي يجب الحجر عليه ، لأن الشعب لا يستحق الحرية ، ولا يفهم الديمقراطية . أي إن الشعب عاجز عن قيادة نفسه بنفسه ، ولا يستطيع اختيار مَن يَحكمه، وهنا يبرز مفهوم الوصاية . فالطاغيةُ " العبقري " هو الوصيُّ على الشعب " الجاهل " والمسؤول عنه ، كما أن الأب "العاقل " هو الوصي والمسؤول عن أطفاله الصغار " غير العاقلين " .

     والشعبُ يعتبر الطاغية مجرمًا وسفَّاحًا ولصًّا ، نهب ثروات البلاد ، ودمَّر حياة الشعب ، وفتح السجون للشرفاء والأحرار ، وترك الفاسدين يعيثون في الأرض فسادًا ، دون حساب ولا عقاب .

     وهذه العلاقة الجدلية بين الطاغية والشعب شديدة الخطورة ، لأنها تُحطِّم منظومة الولاء والانتماء ، فيصبح الفرد باحثًا عن حاجاته اليومية ضمن دائرة الاستهلاك الخانقة، دون النظر إلى ماهية الوطن وأهمية الدفاع عنه ، لأن الغريق يتعلق بحبال الهواء ، ويبحث عن قشة لإنقاذه ، وهذا يَمنعه من مُشاهدة بَر الأمان ، أو التخطيط للحاضر والمستقبل . إذ إن البقاء على الحياة يصبح هو الهم الوحيد، والهدف الأسمى بحد ذاته . وانحصار التفكير في البقاء حيًّا هو حاجز يمنع من التفكير في صناعة الإنجازات في الحياة. وهكذا، يتم تدمير الفرد معنويًّا وماديًّا ، فيتحوَّل إلى عنصر منبوذ بلا قيمة في المجتمع ، وإذا شعر الفرد أن وجوده كعدمه ، سيفقد إحساسه بالعناصر من حوله ، ويخسر يقينه بالمستقبل المشرق . وعندئذٍ ، يتكرَّس مبدأ " اللهم نفْسي " أو " أنا وليكن الطوفان مِن بَعْدي " . ومعَ اضمحلال الولاء في نفوس الأفراد، يتلاشى معنى الانتماء، وتحتفي حقيقته . وتظهر معاني النفاق والمديح الزائف . فالفردُ يُدرِك أنه لَن يحصل على أي شيء في وطنه إلا بمديح الحاكم ، والتسبيح بحمده ، والإشادة بإنجازات النظام السياسي الوهمية . ولا يخفى أن العنصر الفاعل في المجتمعات البدائية المتخلفة هو الولاء للحاكم ، وليس الكفاءة . فلا يَهُم إذا كان الفرد عَالِمًا أو جاهلاً ، المهم أن" يبصم بالعشرة " للحاكم وحاشيته ، ويكيل لهم المديح ليلاً ونهارًا ، على أمل الحصول على جزء يسير من الغنائم التي يجمعها الحاكم وعصابته .

     إن الطاغية يعتبر السُّلطة مغنمًا ، وينظر إلى " الدولة " باعتبارها شركة تجارية استثمارية ، ومِلْكًا له ولعائلته وأتباعه. وهذه النظرة المنحرفة، تجعل الحاكم بالضرورة تاجرًا وسمسارًا ، وعليه أن يجمع أكبر قَدْر من الأرباح ، ويحصد أكبر كمية من الغنائم .

     وهذا التفكير القاصر والقاتل ، يُشكِّل خطرًا على الحاكم نفْسه ، لأنه يلعب بالنار ، ويُكثِّر عدد أعدائه والمتربِّصين بِه ، ويُقلِّل عدد أصدقائه المخلصين. فالكثيرون يلتفون حوله لمنافع مادية ، ومصالح شخصية، وليس حُبًّا له ، أو عِشْقًا لسياسته الحكيمة وإنجازاته العظيمة . وهؤلاء هُم فئران السفينة ، ومُستعدون للهرب منها في أيَّة لحظة ، لأنهم يعتبرون السفينة مصدرًا لجني الأرباح والمكاسب ، وليس وطنًا لهم . فهُم لا يشعرون بالولاء والانتماء إلى المكان الذي يعيشون فيه . تمامًا كالشخص الذي يستأجر شقة مفروشة ، أو يحجز غرفة في فندق . إنه يعلم في قرارة نفْسه أن وجوده مُؤقَّت ، لأنه لا ينتمي إلى المكان ، ولا يشعر بالولاء له ، بسبب غياب الروابط النفسية والأخلاقية والفكرية بينه وبين مكان وجوده .

     والسياسة القمعية للسُّلطة الحاكمة هي بداية نهاية " الدولة " ، إذ إن المواطنين الذين يُعانون من الفقر والجهل والحرمان والظلم ، سيتحوَّلون إلى أعداء مُستترين للنظام الحاكم ، ينتظرون لحظة الانقضاض ، ويفكرون في كيفية الانتقام والثأر من هذا النظام الذي حرمهم من الحياة الكريمة . وهذا يعني أن النار مختفية تحت الرماد ، ولا أحد يعرف متى تحين لحظة الانفجار ، وكثرة الضغط تُولِّد الانفجار . وقد قِيل : لا تَدخل في مواجهة مع شخص ليس لديه ما يَخسره .

     إن الخطيئة العُظمى التي سقط فيها الطاغية هي عدم تفريقه بين السيطرة والقيادة . فهو يعتقد _ بكل جهل وغرور واستكبار _ أن القبضة الحديدية وفتح السجون وتكميم الأفواه والاحتكام إلى الحديد والنار هو الحل الأمثل للسيطرة . وهذه نظرة قاصرة ، لأن الاستبداد قد يضمن السيطرة لبعض الوقت،ولكنْ لا يَستطيع توفير الحماية على المدى الطويل بسبب كثرة الأعداء،وزيادة الأعباء الحياتية،وتفاقم المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، كما أن الاستبداد عائق أمام التقدم وصناعة الإنجازات.وأيُّ مليونير يستطيع أن يشتريَ طائرة بأمواله ، ويحميَها بنفوذه وسُلطته ، ولكنْ ليس أي شخص يقدر على قيادتها والطيران بها .

 

فِهْرِس

 

اتفاقية وادي عربة المشؤومة...................................................

انهيار فلسفة الأنظمة الحاكمة............................................

أمراض العم سام..................................................

دور النظام المصري في تدمير الأزهر.........................................

انكسار منظومة المخابرات الأمريكية............................................

بدائية أجهزة المخابرات العربية.......................................

هل تعود الدولة العثمانية ؟..............................................

أوباما : بائع الأوهام في عصر الظلام...................................

التعاون بين الموساد والمخابرات العربية..................................

ديكور الديمقراطية ومهزلة الانتخابات..................................

هل تتكرر ثورة يوليو 52 في مصر ؟......................................

الكيانات الصهيونية في الوطن العربي......................................

مشاريع التهويد والغطاء الرسمي العربي.....................................

سيرك القمة العربية...................................................

علماء السلاطين......................................................

إيران ستمتلك القنبلة النووية.............................................

الديمقراطية البدوية.................................................

قانون طوارئ أم تزوير إرادة الشعب ؟...............................

نكبة الضحية و" استقلال " الجلاد..........................................

عصابات القرصنة الإسرائيلية..........................................

إحالة العم سام إلى التقاعد.......................

نتائج عسكرة السياسة.............................

تنظيم القاعدة وأمريكا ( مَن يَضحك أخيراً يَضحك كثيراً ).....

مقاطعة الإسلاميين للانتخابات هي الحل...............................

كيف استفاد تنظيم القاعدة من القطبية الواحدة ؟...........

لماذا باعت الأنظمة العربية فلسطين ؟ .......................................

أزمة الوعي في الحروب التقليدية........................

هل الحاكم العربي عضو في "القاعدة " ؟.....................................

انتحار الديمقراطية في الأردن.................................................

عبقرية الحاكم العربي في تزوير الانتخابات....................................

الخلفية السياسية لكرة القدم............................................

ذكرى انتصار المقاومة في غزة..............................................

متى تحاكم الشعوب العربية حكامها ؟.....................................

حكومات الملاهي الليلية.................................................

الحاكم العربي هو شاه إيران...........................................

الحكومة الأردنية صارت تعشق الشعب !....................................

آخر الفراعنة في محكمة الشعب.........................................

مشكلة مصر : عدم وجود رشيد بن عمار....................................

هل يتشمس الطغاة المخلوعون على البحر الأحمر ؟!..........................

إصلاح مؤسسة العرش في الأردن.......................................

كيف صارت الأردن دولة بوليسية ؟.....................................

الطغاة في الداخل والغزاة في الخارج...................................

خدعة الإصلاح في الأردن................................................

الجيش السوري ينسى الجولان ويحرر درعا !...............................

ملاحظات حول جريمة اغتيال بن لادن.....................................

لا إصلاح في الأردن بدون الإفراج عن الدقامسة..........................

الفن الشريف موقف وليس صفقة ( بين سلاف فواخرجي وأنجلينا جولي )!......

هل توجد دولة في الأردن ؟!..............................................

هل أصابت لعنةُ بن لادن قاتليه ؟.........................................

إمكانية انتقال الثورات العربية إلى إيران..................................

هل يريد الإخوان المسلمون إسقاط النظام الأردني ؟.........................

توكل كرمان وأدونيس...................................

تصريحات ملك الأردن بخصوص سوريا هل هي أردنية ؟.........................

النظام السوري يريد تدويل أزمته ...................................

مغامرات ملوك الطوائف في العراق........................

النظام الأردني وحماس : من المستفيد من الآخر ؟...............................

جودي فوستر وميريل ستريب وأشياء أخرى................................

لماذا تخاف دول الخليج من الإخوان المسلمين ؟...............................

إيران لن تحميَ المالكي...........................

أطالب الرئيس الفرنسي أن يتزوج عشيقته..............

النظام الأردني يراهن على الجواد الخاسر................................

هل يقدر الرئيس مرسي على إقالة المشير طنطاوي ؟.............................

هل يفكر الغربُ في اغتيال الرئيس السوري ؟.................

الخيار الإيراني الصعب : النظام السوري أو مصر ................................

النظام الأردني ينتخب نفسه.....................................................

الفراغ العاطفي والفراغ السياسي.................

المخابرات الأردنية هي الفائز في الانتخابات................

حزب اللَّه سقط في الفخ................

دلالات تنازل أمير قطر لابنه..................

مصر ما بعد "الإخوان"...............................

المؤسسة العسكرية المصرية ومشكلات سيناء.......................

مصر بين العم سام والدب الروسي.......................

الجيوش عندما تحارب البعوض....................

النظام الأردني يعتبر القمة مشروعاً تجارياً..........

الدم الأردني الرخيص.................

خطة محمد بن سلمان لمواجهة تركيا.....................

حقيقة السياسة في المجتمعات المتخلفة...................