1
كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ أنَّ
أسرارَ حَيَاتي دُفِنَتْ مَعِي . لا أُريدُ أنْ أُعَرِّيَ نَفْسِي أمامَ الآخَرِين
، وَأكْشِفَ تاريخي وتاريخَ عائلتي ، ولكنَّ قُوَّةً غامضةً تَدْفَعُني إلى ذلك ،
وتُجْبِرُني على البَوْحِ ، ولَيْسَ أمَامِي إلا رَمْي أوراقي كاملةً ، فَلَمْ
يَعُدْ هُناك شَيْء أخافُ عَلَيْه أوْ أخافُ مِنْه ، ولا بُدَّ مِمَّا لَيْسَ
مِنْهُ بُد . إنَّني أَحْسُدُ الأمواتَ الذينَ ماتتْ مَعَهُمْ ذُنوبُهم وأسرارُهم
. ولكنْ كُلُّ شَخص لَهُ طريقٌ في الحَياةِ ، وطَريقةٌ في المَوْتِ . والبَشَرُ
كَبَصَمَاتِ الأصابعِ ، مُختلفون ، ويَتَمَيَّزُون عن بَعْضِهِم البَعْض .
لَمْ أَرْسُمْ حَياتي كَعَالِمٍ كَبير أوْ
أديبٍ شَهير ، وَلَمْ أتوقَّعْ في يَوْمٍ مِنَ الأيامِ أنَّني سَأُؤلِّف كِتَابًا
، فأنا بعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عَن مَجالِ التأليفِ وطِبَاعَةِ الكُتُبِ ونَشْرِهَا
، رَغْمَ مَوْهبتي في الكِتابةِ ، وإبداعي في دَرْسِ التَّعبيرِ والإنشاءِ في
جَميعِ المَراحلِ الدِّراسية ، وَلَكِنَّني كُنْتُ أكْتُبُ لِنَفْسِي ،
وَأُخَبِّئُ كِتَاباتي في الخِزَانَةِ أوْ دُرْجِ المَكْتَبِ ، وَقَدْ كَتَبْتُ
مَقالاتٍ فِكرية وَدِراساتٍ أدبية في الصُّحُفِ والمَجلاتِ بأسماء مُستعارة ،
وتَمَنَّيْتُ لَوْ كَانَتْ لِي روايات مَطبوعة مِثْل نجيب مَحفوظ ، أوْ مَجموعات
شِعرية مِثْل محمود درويش ، أوْ كُتُب فِكرية مِثْل عَبَّاس محمود العَقَّاد .
وَهَذه مُجَرَّد أُمْنِيَّة بعيدة عن الواقع، ولَمْ أسْعَ إلى تنفيذها لِتُصبح
حَقيقةً مَلموسة .
والإنسانُ لا يَعْرِفُ ما
يَنتظره ، ولا يُدْرِكُ مَا يُخَبِّئُ لَهُ القَدَرُ . وهُناك أمْرٌ غَريبٌ حَصَلَ
مَعِي دَفَعَني إلى التفكير بشكلٍ جِدِّيٍّ في تأليفِ كِتَابٍ ، وهَذا الأمْرُ
الغريبُ لَمْ يَكُنْ في الحِسْبَان ، وَلَمْ يَخْطُرْ لِي عَلى بال . كُنْتُ
أشْعُرُ بِصُداعٍ مُستمر بَيْنَ الحِين والآخَر ، وَقَدْ أهْمَلْتُهُ ظَنًّا
مِنِّي أنَّه نتيجة طبيعية للتعبِ والإرهاقِ . وفي إحْدَى المَرَّاتِ ، اشْتَدَّ
الصُّدَاعُ بِصُورةٍ رَهيبة معَ ألَمٍ شَديد ، فَقَرَّرْتُ الذهابَ إلى عِيَادَةِ
الطَّبيبِ الإنجليزيِّ في آخِرِ الشارع الذي أسْكُنُ فيه ، فأنا لاجِئٌ سِيَاسِيٌّ
أعيشُ في بريطانيا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَويلة . شَرَحْتُ لَهُ مُشكلتي ، وقَامَ
بِفَحْصِي ، وحَدَّقَ في وَجْهِي وَعَيْنَيَّ . وبنظرةِ الطبيبِ الخبير أخْبَرَني
أنَّني مُصَابٌ بالسَّرَطَانِ . أطلقتُ ضِحْكَةً عاليةً ، وشَكَرْتُهُ ، ودَفَعْتُ
الأُجْرَةَ ، وخَرَجْتُ مِنْ عِيَادَتِه . رُبَّمَا اعتبرَ تَصَرُّفي وَقاحةً
وَسُوءَ أدبٍ . مَشَيْتُ في الشارعِ وأنا أضْحُكُ وأُغَنِّي ، وأقول بِصَوْتٍ عالٍ
:
_ هذا الطبيبُ الإنجليزيُّ
مَجنون ، بلا سَرَطَان بلا بطيخ . إنَّهُ طبيب عَجُوز لا بُدَّ أنَّهُ مُصَابٌ
بالخَرَفِ والزَّهَايمر ، ونَسِيَ الطِّبَّ الذي تَعَلَّمَه ، أوْ أنَّهُ يُريد
سرقةَ أموالي بإجراء الفُحوصات والعمليات. بالتأكيدِ ، هُوَ يُريد ابتزازي
واستغلالي باعتباري زَبُونًا لا مَريضًا . أنا جَاهِلٌ لأنَّني ذَهَبْتُ إلى
طَبيبٍ عَجوز لا يَفْهَمُ في الطِّبِّ شيئًا . هَلْ يَظُنني آتِيًا مِنْ أدغالِ
أفريقيا كَيْ يَضْحَكَ عَلَيَّ ؟، هَلْ يَعتبرني بَدَوِيًّا قادمًا مِنَ
الصَّحراءِ عَلى ظَهْرِ جَمَلٍ ؟ . هَذا الإنجليزيُّ العَجُوزُ يَتَذاكى عَلَيَّ .
وَعُدْتُ إلى شَقَّتي وأنا
أكَادُ أطِيرُ مِنَ الفَرَحِ ، لأنَّني انتصرتُ عَلى هَذا الطبيبِ الإنجليزيِّ
العَجُوز ، وكَشَفْتُ جَهْلَه ، وَسَخِرْتُ مِنْه ، وَأَعْطَيْتُهُ درسًا لَنْ
يَنْسَاه . وَنِمْتُ لَيْلَتي بِعُمْقٍ وسَعادةٍ لَمْ أشْعُرْ بِهَا مُنْذُ زَمَنٍ
بَعيد . وفي الصَّبَاحِ ، استيقظتُ وتناولتُ طَعَامَ الإفطارِ ، ثُمَّ بَدأتُ
أشعرُ بِصُداعٍ رَهيبٍ أشد مِنْ ذِي قَبْل . وهَذه المَرَّةُ قَرَّرْتُ أنْ أذهبَ
إلى أكبرِ مُستشفى في المَدينةِ التي أُقيمُ فيها ، فالصِّحَّةُ غاليةٌ لا
تُقَدَّرُ بثمنٍ ، وأُريدُ أن أستمتع بحياتي مِثْل باقي الناسِ ، فالإنسانُ لا
يَعِيشُ إلا مَرَّةً واحدة .
بَدَأ الطبيبُ بِتَحَسُّسِ
مناطق مِن جِسْمِي بحثًا عَنْ كُتَلٍ قَدْ تُشيرُ إلى الإصابةِ بالسَّرَطَانِ ،
وَبَحَثَ عَنْ أُمور غَيْرِ طبيعية مِثْل تَغَيُّرات في لَوْنِ الجِلْدِ ، أوْ
تَضَخُّم أحد الأعضاء ، وَأَخَذَ عَيِّنةً مِنَ البَوْلِ والدَّمِ ، وأجرى فُحوصَ
التَّصوير ، وجَمَعَ عَيِّنةً مِنَ الخَلايا لاختبارها في المُخْتَبَر ،
وأخْبَرَني بِضَرورةِ مُراجعته بَعْدَ أُسبوع .
كانَ هَذا الأُسبوعُ
المُرْعِبُ هُوَ الأطْوَلَ في حَيَاتي . لَمْ أشعُرْ أنَّهُ سبعة أيَّام ، بَلْ
سَبْع سَنَوَات . عَجَزْتُ عَن النَّوْمِ بشكل جَيِّد. تَقَلَّبْتُ عَلى الجَمْرِ،
وسيطرتْ عَلَيَّ الكوابيسُ والأوهامُ . فَقَدْتُ شَهِيَّتي ، وصارَ الطَّعَامُ
مُرًّا في فَمِي ، وصارَ المَاءُ مَالِحًا في حَلْقِي . هَلْ أنا أنا أَمْ أنا
غَيْرِي ؟ . هَلْ مَا زِلْتُ حَيًّا في اللامكان ؟ ، هَلْ مَا زِلْتُ عائشًا في
اللازمان ؟ . قَدْ تَكُون نِهَايتي اقتربتْ، وَرُبَّمَا ابتعدتْ . هَلْ سَأمُوت
وحيدًا مِثْلَمَا عِشْتُ وَحِيدًا في ضَبَابِ المُدُنِ الغريبة ؟ .
عُدْتُ بَعْدَ أُسبوع إلى
الطبيبِ المُشْرِفِ على حَالَتي ، وبَدَا هادئًا خَلْفَ مَكتبه . وَقَفْتُ أمَامَه
، وحَوَاسِّي مُشَتَّتَة ، وأعضائي مُرتجفة ، وجَوَارحي مَجروحة ، وَطَلَبَ مِنِّي
الجُلُوسَ عَلى الكُرْسِيِّ أمامَ مَكتبه . جَلَسْتُ مِثْلَ السَّجِينِ الذي
يَنتظر الحُكْمَ بالبَراءةِ أو الإعدامِ. عَيْنَا الطَّبيبِ خَلْفَ نَظَّارته
السَّميكة تَلْمَعَان بِشِدَّة . لا يُمْكِن أنْ أنسى ذلك اللمعانَ العميقَ ،
وكأنَّه مَسامير في عَظْمِي وأوتادٌ في جِلْدِي . نَظَرَ في التقارير، وقالَ
بِنَبرةٍ خافتة وواثقة :
_ يُؤْسِفُني يا صديقي أنْ
أقولَ لَكَ إنَّكَ مُصاب بالسَّرَطَان .
وَقَعَتْ هَذه الكلماتُ مِثْلَ
المِطْرَقةِ على رَأسِي ، وأفْقَدَتْني صَوَابي وتَركيزي ، وَشَعَرْتُ أنَّني
خَرَجْتُ مِنْ جِلْدِي ، وأنَّ وَحْشًا كانَ نائمًا في دَاخِلي ثُمَّ استيقظَ
فَجْأةً ، وأنَّ بُركانًا كانَ خامدًا في أعماقي ثُمَّ ثارَ بِدُون سَابِق إنذار .
وَقَفْتُ بِحَرَكَةٍ لا إرادية ، وَضَرَبْتُ سَطْحَ المَكتبِ بِقَبْضَةِ يَدِي .
ارتعبَ الطبيبُ ، وأمْسَكَ نَظَّارته السَّميكةَ ، رُبَّمَا خَافَ أنْ
أُحَطِّمَهَا ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِه ، وَرَجَعَ بالكُرْسِيِّ إلى الوَراءِ
مَذعورًا .
سَقَطْتُ على الأرضِ ،
وَصِرْتُ أبْكِي مِثْلَ الطِّفْلِ الذي أضَاعَ لُعْبَتَه . اقتربَ مِنِّي الطبيبُ
، وَوَضَعَ يَدَه على كَتِفي ، وقالَ مُهَدِّئًا لِي :
_ لا تَبْكِ يا صديقي . يجب
أنْ تكون ثِقتك بِنَفْسِكَ عالية ، ومَعنوياتك مُرتفعة ، وهَذا يُسَاهِمُ في
مُقاومة المَرَضِ .
رُبَّمَا استعملَ لفظةَ "
صديقي " للتَّخفيفِ عَنِّي ، وَبَثِّ رُوحِ الأُلفةِ فِيما بَيْنَنَا ،
وإشاعةِ جَوٍّ مِنَ الرَّاحةِ النَّفْسِيَّة والثِّقَةِ المُتبادَلة .
قُلْتُ لَهُ بِصَوْتٍ واهنٍ
كأنَّه يَأتي مِن بِئر عميقة :
_ أرجوكَ يا دكتور أن تُعيد
الفُحوصات والإجراءات وأخذ العَيِّنات ، قَدْ يَكُون هُناك خطأ . أرجوكَ اقْرَأ
التقارير مَرَّةً ثانية ، قَدْ تَكُون هُناك كلمات لَمْ تنتبه إلَيْهَا في
السُّطور أوْ أشياء بَين السُّطُور . الخطأ البشريُّ واردٌ .
أردتُ التَّعَلُّقَ بأيِّ أملٍ
مَهْمَا كانَ كاذبًا ، وأردتُ التَّمَسُّكَ بأيِّ وَهْمٍ مَهْمَا كانَ واضحًا .
قالَ الطبيب وَوَجْهُهُ
يَكَادُ يَقْفِز مِنْ مَكَانِه :
_ للأسفِ الشديد ، إنَّ
التقارير صحيحة ودقيقة، وقَدْ قَرَأتُها وَرَاجَعْتُها أكثرَ مِن أربع مَرَّات . ولَيْسَ
أمَامَكَ الآن إلا عِدَّة أشهُر ، هِيَ كُلُّ مَا بَقِيَ لَكَ في الحَياةِ .
وَقَدْ تَزيد هذه الأشهُر أوْ تَنْقُص حَسَب صَلابتك الذِّهنية ، وقُوَّةِ إرادتك
، ومَعنوياتك ، ومشاعرك الدَّاخلية ، وقُدرتك على المُقاومة . حَاوِلْ أن تعيشَ
مَا بَقِيَ مِنْ حَياتك بِثِقَةٍ وهُدوء ، والجَزَعُ لا يُفيد شيئًا ، والبُكاءُ
لا يُعيدُ عَقاربَ السَّاعَةِ إلى الوَراء ، والخَوْفُ مِنَ المَوْتِ لا يَمْنَعُ
مِنَ المَوْتِ ، وإنَّما يَمْنَعُ مِنَ الحَياة .
قُلْتُ لهُ والدُّمُوعُ
تَحْفِرُ في خُدودي أخاديد لا نِهاية لها :
_ هَلْ تَنصحني بِشَيْءٍ
أقُومُ بِهِ خِلال هذه المُدَّة ؟ .
وكُنْتُ أقْصِدُ الأشهُر
المُتَبَقِّيَة لِي في الحَيَاةِ ، فَهِيَ فُرصتي الأخيرة .
قالَ لِي والحُروفُ تَخْرُجُ
مِنْ فَمِهِ كَالمَطَارِقِ الحَديدية :
_ اكْتُبْ وَصِيَّتَكَ .
وتَرَكَني على الأرضِ،
وَخَرَجَ مِنْ مَكتبه. رُبَّمَا لَمْ يُرِدْ أن يُخبرني بانتهاء المُقابلة ،
وَتَفَضَّلْ مَعَ السَّلامةِ . خَرَجَ مِنْ مَكتبه ، وَبَقِيتُ فِيه كَأنَّني
صاحبُ المَكتب ، ثُمَّ أدركتُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ انتهى ، وأنَّ عَلَيَّ المُغادرة.
ذَهَبْتُ إلى أقرب دَورةِ مِيَاهٍ ، وقُمْتُ بِغَسْلِ وَجْهِي ، ثُمَّ خَرَجْتُ
مِنَ المُستشفى، وَصُوَرُ الناسِ تَظْهَر وتَخْتفي أمَامِي . وَخُيِّلَ إلَيَّ
أنَّ عِبارته " اكْتُبْ وَصِيَّتَكَ " مَكتوبة على كُلِّ الحِيطانِ والشَّوارعِ
وسُطوحِ المَنازلِ وزُجَاجِ السَّيَّارَاتِ . كُنْتُ أراها في كُلِّ شَيْءٍ حَوْلي
، فَهِيَ النِّهَاية الأكيدة ، وَلِكُلِّ بِدايةٍ نِهَايةٌ . عُدْتُ إلى شَقَّتي ،
وَجَلَسْتُ إلى طاولةِ المَكتبِ ، وكَتَبْتُ عَلى ورقة بَيضاء : " اكْتُبْ
وَصِيَّتَكَ " . وَقَرَّرْتُ أنْ أكتبَ سِيرةَ حَيَاتي ، فَحَيَاتي هِيَ
مَوْتي المُتَكَرِّر ، وسِيرةُ حَيَاتي هِيَ وَصِيَّتي . لا أبحثُ عَنْ مَجْدٍ
أدبيٍّ ، ولا شُهرة في عَالَمِ الكِتابة ، ولا أهْدِفُ إلى جَمْعِ المُعْجَبِين
والمُعْجَبَاتِ ، ولا أطْمَحُ إلى المَشْي عَلى السَّجَّادِ الأحمرِ ، لَقَدْ
رَحَلَت الأمكنةُ ، وانكسرت الأزمنةُ ، ولَكِنَّ الأمْرَ يُشْبِهُ الأُمْنِيَّةَ
الأخيرةَ للمَحكومِ بالإعدامِ . وكَمَا قالَ الشاعرُ الفِلَسْطِينيُّ الراحل محمود
درويش:((مَنْ يَكْتُبْ حِكَايَتَهُ يَرِثْ أرْضَ الكَلامِ وَيَمْلِكِ المَعْنَى
تَمَامًا )).
2
هَلْ كُنْتُ شاهدًا أَمْ
شَهيدًا ؟ . لَمْ يَطْلُبْني أَحَدٌ للشَّهَادَةِ في مَحكمةِ الذاكرة ، وَلَمْ أرَ
إمامَ مَسْجِدٍ يُصَلِّي عَلَيَّ صَلاةَ الجِنازة . هَلْ عِشْتُ قَبْلَ الآن ؟ . لَمْ
تَكْشِف الطُّيورُ الجارحةُ أسراري في شَهادةِ المِيلادِ . هَلْ مِتُّ قَبْلَ الآن
؟ . لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ مِنِّي أنْ أدْفَعَ نَفَقَاتِ جِنَازتي ، وَلَمْ أقْرَأ
نَعْيي في أيَّة جريدة .
كَثيرةٌ هي الأسئلة المَفتوحة
على احتمالات الصَّدى، وأنا حتى هذه اللحظةِ لا أُصَدِّقُ أنَّ ذلك حَدَثَ . مَا الذي
حَدَثَ ؟ . بَشَرٌ يَمُوتون ، وَبَشَرٌ يُولَدُون ، لا جَدِيدَ تَحْتَ الشَّمْسِ .
رَحَى التاريخِ تَطْحَنُ بِلا تَوَقُّفٍ ، كَأنَّ شيئًا لَمْ يَكُنْ. كُلُّ حُلْمٍ
سَيَنْتَهِي ، والنِّهَايةُ لا تَرْحَمُ ، ولا تُجَامِل أحَدًا .
سَوْفَ أكْشِفُ هُوِيَّتي
واسْمِي الحقيقيَّ . أنا هِشام سَلْمان رَجَب محمود . والدي هو اللواء سَلْمَان رَجَب
، نائب رئيس جُمهورية الأحلامِ الوردية سابقًا . وبالتأكيد، هذا لَيْسَ الاسمَ
الرَّسميَّ للجُمهورية، وإنَّما هُوَ اللقب الذي عُرِفَتْ بِه في وَسائلِ الإعلام،
باعتبارها جُمهورية قَوْمِيَّة اشتراكيَّة دِيمقراطيَّة رُومانسيَّة ، وجَنَّة
اللَّهِ على الأرضِ، حَيْثُ تَنتشر الوَحدةُ الوطنية ، وحُقوقُ الإنسانِ ، وحُقوق
المَرْأة ، ويَحْصُل كُلُّ مَواطن على التعليمِ والصِّحَّة بشكل مَجَّانيٍّ ، دُون
تَمييز على أساسٍ دِينيٍّ أوْ طائفيٍّ أوْ عِرْقِيٍّ أوْ جِنْسِيٍّ، وتَلتزم
الدَّولةُ بِتَوفيرِ فُرَصِ عَمَلٍ لجميعِ المواطنين المُتساوين في الحُقوق وَفْقَ
أحكامِ الدُّستور الرائع الذي تَمَّ استيراده مِنْ فرنسا أوْ سويسرا ، والغنيُّ يَتَصَدَّق على الفقير، والقويُّ
يُسَاعِد الضعيفَ، والكبيرُ يَعْطِفُ على الصَّغيرِ ، والصَّغيرُ يَحترم الكبيرَ .
شِعاراتُ الجُمهوريةِ رائعةٌ وجميلة . المَاضِي العريق ، والحاضر الجميل،
والمُستقبَل المُشرِق ، لذلك سُمِّيَتْ جُمهورية الأحلامِ الوردية ، وتَمَّ
تَعميمُ هَذا اللقبِ على جَميعِ وَسائلِ الإعلامِ المَرئية والمَسموعة والمَقْروءة
.
لَسْتُ مُؤرِّخًا مُحترِفًا ،
ولَمْ أَكُنْ مَعْنِيًّا بتاريخِ عائلتي ، ولَمْ أهْتَم بتواريخ الوِلادةِ
والمَوْتِ للأشخاصِ ، فأنا أنتمي إلى عائلة مَقطوعة مِنْ شَجَرَةٍ ، بلا أصْلٍ ولا
فَصْلٍ ، ولا حَسَبٍ ولا نَسَبٍ ، لذلك كان التاريخُ بالنِّسبةِ إلَيَّ مُجرَّد
شَيْء هُلامي يَسْبَح في المَاضِي بِلا كِيَانٍ حَقيقيٍّ ، والتاريخُ يَنْزِلُ
كَالمِطْرَقَةِ عَلى رُؤوسِ الأشخاصِ الذينَ لَيْسَ لَهُمْ تاريخ . ولا أَحَدَ
يَخْتَارُ نَسَبَه أوْ أُسْرَتَه .
وبِسَبَبِ أنَّني بِلا تاريخٍ
، قَرَّرْتُ أنْ أكُونَ حريصًا على التاريخِ وتَسجيلِ التواريخ . وللأسفِ الشديد،
إنَّ أكثرَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَن الشَّرَفِ هِيَ العاهرة ، وأكثر مَنْ يَتَكَلَّمُ
عَن الأمانةِ هُوَ اللصُّ ، وأبْلَغُ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَن الكَرامةِ هُوَ
الذَّليلُ ، وأبْلَغُ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَن الحُرِّيةِ هُوَ السَّجِينُ ، وأفضلُ
مَنْ يَتَكَلَّمُ عَن التاريخ هُوَ الشخصُ الذي لَيْسَ لَهُ تاريخٌ ، وأحْسَنُ مَنْ
يَتَكَلَّمُ عَن القَبائلِ هُوَ المَقطوعُ مِنْ شَجَرَةٍ الذي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ .
إنَّ فاقدَ الشَّيْءِ بَليغٌ في وَصْفِه ، وكُلٌّ مِنَّا يَبْحَثُ عَمَّا
يَنْقُصُه .
وُلِدَ أبي في عام 1948 ، في
قَريةٍ صَحراوية فقيرة مَنْسِيَّة مَعزولة عَن العَالَمِ ، وأتوقَّع أنَّكَ لَنْ
تَجِدَها عَلى أيَّة خريطة مِهْمَا بَحَثْتَ عنها . عاشَ طُفولةً تعيسةً في ظِلِّ
ظُروفٍ صَعْبَة ، حَيْثُ الفَقْر والحِرْمَان والعَطَش والجُوع. لَمْ يَكُنْ في
القَريةِ مَدرسةٌ، فَدَرَسَ في الكُتَّابِ عَلى يَدِ الشَّيْخِ هِشَام عبد الهادي ،
حَيْثُ كانَ الأطفالُ يَجْلِسُونَ عَلى حَصيرة مُمَزَّقَة في خَيْمَةٍ رثَّة ، وفي
أيديهم ألواح وطباشير . حَفِظَ أبي بعضُ قِصَارِ السُّوَرِ القُرْآنِيَّة ،
وجَدْوَلَ الضَّرْبِ ، وتَعَلَّمَ مَبادئَ القِراءةِ والكِتابةِ. وعِندما صارَ
قادرًا على فَكِّ الخَطِّ ، أخْرَجَتْهُ أُمُّهُ ( جَدَّتي ) مِنَ الكُتَّابِ مِنْ
أجْلِ البحثِ عَن عَمَلٍ. وأبي وُلِدَ يَتيمًا وحيدًا، وَلَمْ يَرَ أبَاه ( جَدِّي
) إطلاقًا ، ولا يَعْرِفُ شَكْلَه ولا مَلامِحَه . وفي ذلك الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ
في القَريةِ تَصوير فوتوغرافي، ولا لَوْحَات رَسْمٍ يَدَوِيٍّ .
رَعَى أبي الأغنامَ كَيْ
يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ وأُمِّه ، وَاعْتَبَرَ قَطِيعَ الأغنامِ عَائِلَتَه
الجَدِيدةَ ، فَلا إخْوَةَ حَوْلَه ولا أخَوَات . يَتَخَيَّرُ للأغنامِ أوفرَ
المَراعي وَأطْيَبَهَا ، مِنْ أجْلِ الاستفادةِ مِنْ لُحومِها وألبانِها أوْ
بَيْعها، بإذْنِ أصحابِها ، وبَعْدَ التَّنسيق مَعَهُم. وَقَد انْحَسَرَتْ أعدادُ
الرُّعَاةِ في القَريةِ بسبب هَجْرِهِم لَهَا ، والتَّوَجُّهِ إلى المُدُنِ
للعَمَلِ في المَصانع .
اعْتَبَرَتْ جَدَّتي
الأُمِّيَّةُ التي لا تَقْرَأ ولا تَكْتُبُ ، وِلادةَ أبي في عام 1948 شُؤمًا
ونَحْسًا ، بسبب نَكبةِ فِلَسْطِين ، وخَسارةِ العَرَبِ لها، وَسَمَّتْهُ نَحْسَان
، مِنَ النَّحْسِ ، ولكنَّ نِسَاءَ القَريةِ جِئْنَ إلَيْهَا ، وقُلْنَ لها :
_ حَرَام عَلَيْكِ يا أنيسة ،
لا تُغْضِبي اللَّهَ سُبحانَه وتَعَالى ، ولا تُدَمِّري حَياةَ ابْنِك ، فَهُوَ
طِفْلٌ بَرِيء لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ . لا تُعقِّديه ، وتَجْعليه يَكْرَه الحَياةَ
والبَشَرَ . ابْنُكِ سَلْمَان ولَيْسَ نَحْسَان .
في الواقعِ،إنَّ نِساءَ
القَريةِ هُنَّ اللواتي قُمْنَ بِتَسميةِ أبي سَلْمَان ، وَمَعْناه: السَّالِم
مِنْ كُلِّ عَيْبٍ.
والوَقْتُ في القَريةِ بَطِيءٌ،والحَياةُ
رتيبة، بِلا أحداث مُهِمَّة، ولا تفاصيل مُدْهِشَة ، ولا إنجازات عظيمة .
والشَّخْصُ مُجرَّد رَقْمٍ ، يُولَد ويَعيش ويَتزوَّج ويُنْجِبُ ويَمُوت ، ويَذهَب
إلى النِّسْيَانِ ، كَأنَّه لَمْ يَكُنْ ، نَكِرَةٌ بلا تاريخ ولا حَضَارة ،
لَيْسَ له ماضٍ ولا حاضر ولا مُستقبَل . النِّسَاءُ يَحْبَلْنَ ويَلِدْنَ كُلَّ
سَنَةٍ بِلا إشرافٍ طِبِّيٍّ،إذْ إنَّ أقرب عِيادة طِبِّية تَبْعُد 15 كم عن
القرية. وجَميعُ الأدوية شَعْبِيَّة ، وعِبارة عَنْ أعشاب بَرِّية . والناسُ
يَعيشون على البَرَكَةِ ، وَرِزْقُ الوَلَدِ يَأتي مَعَه ، واصْرِفْ مَا في الجَيْبِ
يَأتِكَ مَا في الغَيْبِ. وفي أحيانٍ كثيرة، يَتَسَاوَى الوُجودُ معَ العَدَمِ في
هَذا المَكَانِ المَنْسِيِّ ، ويَتَعَادَل الحُضُورُ معَ الغِيابِ في هَذا
الزَّمَانِ البَطِيءِ. والجَمِيعُ عائشون في المَوْتِ، وسائرون إلى المَوْتِ . يَعيشُ
الشخصُ ويَمُوتُ كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في هَذا الحَياةِ ، وَلَمْ يَمْشِ عَلى هذه
الأرض .
عَمِلَ أبي في رَعْي الأغنامِ
حَتَّى سِنِّ الثامنة عَشْرَة ، وقَرَّرَتْ أُمُّهُ أنْ تُزَوِّجَه وتَفْرَحَ بِهِ
أثناءَ حَياتِها. فالوَلَدُ كَبِرَ، ولا يَجُوز أن يَظَلَّ بِلا زَواجٍ ،
وَتَمَنَّتْ أن تَرى أولادَه يَلْعَبُونَ حَوْلَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا ، مِثْل
كُلِّ الجَدَّاتِ . في البِداية ، اختارتْ لَهُ سَمَاح ابنةَ مَسعود صاحبِ
الدُّكَّانة ، ولكنَّ سَمَاح كانتْ مَغرورة ومُتكبِّرة ومُتعجرِفة ، قالتْ
لِجَدَّتي بِصَوْتٍ مُرتفع ونَبْرَةٍ مُتعالية :
_ أنا سَمَاح مَسعود ، أبي
صاحب دُكَّانة ، ونَمْلِك قِطعة أرض ، وَمِنْ عَشيرة مَعروفة ، لا أقْبَل
الزَّوَاجَ مِنْ رَاعي غَنَمٍ مَقطوع مِنْ شَجَرَةٍ، لَيْسَ لَهُ عَشِيرة ولا
قَبيلة .
كانتْ تَتحدَّث وكأنَّها أميرة
مِنْ عائلة حاكمة ، أو ابنة رَجُل أعمال ، أوْ أنَّ عائلتها تَمْلِك شَرِكَةً
عابرة للقَارَّاتِ . وبصراحة ، مَنْ يَمْلِك دُكَّانة وقِطعة أرض في هَذه القَريةِ
الفقيرة البائسة يُعْتَبَر مِنَ الأغنياءِ أصحابِ رُؤوسِ الأموالِ الضَّخْمَة ،
وكأنَّه بَلَغَ الحَدَّ الأعلى مِنَ الثَّرَاءِ ، وَوَصَلَ إلى قِمَّة المَجْدِ ،
والأعورُ في بَلَدِ العُمْيَانِ مَلِكٌ . لذلك كانتْ سَمَاح تَتحدَّث بِهُدوءٍ
مُطْلَقٍ بِلا خَوْفٍ ولا تَرَدُّدٍ ، وَبَدَتْ واثقةً مِنْ نَفْسِهَا إلى أبْعَدِ
حَدٍّ .
تَضَايَقَ أبي عِندما عَلِمَ
بالأمْرِ ، فَقَدْ كانَ حريصًا على الزَّواجِ مِنْهَا ، لَيْسَ حُبًّا لَهَا أوْ
هُيَامًا بِهَا ، كَمَا تُصوِّره القِصَصُ الغَرَامِيَّة ، وإنَّما زَواج مَصْلَحَة
، وكانتْ عَيْنُ أبي على الدُّكَّانة وقِطعةِ الأرض ، وانحصرَ تفكيرُه في كَيفيةِ
السَّيطرةِ عَلَيهما. وللأسفِ الشَّديد ، فَشِلَت الخُطَّةُ المَرسومة بِدِقَّة ،
ولا بُدَّ مِن اختيار عَرُوسٍ أُخْرَى . وإذا أخْفَقَت الخُطَّةُ الأساسيَّة لا
بُدَّ مِن استخدامِ الخُطَّةِ الاحتياطيَّة .
اختارتْ جَدَّتي سَميحة غَزْوان ، فَهِيَ
بِنْت يَتيمة ومِسْكِينَة وعاقلة ، والقِطُّ يَأكُل عَشَاءَهَا . وعِندما سَمِعَ
أبي باسْمِهَا جُنَّ جُنُونُه ، وطارَ عَقْلُه ، وَصَرَخَ بأعلى صَوْتِه :
_ أنا سَلْمان راعي الغَنَم ،
أتزوَّج خَدَّامة عِند الناسِ ، تَنْتقل مِنْ بَيْتٍ إلى بَيْت .
امْتَصَّتْ جَدَّتي غَضَبَه ،
وَرَدَّتْ عَلَيْه بِهُدوء :
_ اهْدَأ يا سَلْمَان،أنتَ شاب
جاهل وطائش ، لا تَعْرِفُ قِصَصَ الحَريمِ ، ولا تَفْهَم مَواضيعَ النِّسوانِ . أنتَ
فَقَط تَركضُ وَراءَ المِكياجِ والحُومرة والبُودرة والكُحْل ، وكُلُّ هذه الأشياء
نِهايتها إلى المَجَاري مَعَ الأوساخِ والفَضَلاتِ .
وابتلعتْ رِيقَها ، وقالتْ وَقَدْ
جَحَظَتْ عَيْناها ، وَتَدَفَّقَ الدَّمُ في خُدودِها اليابسة :
_ سَميحة غَزْوان أفضل خَدَّامة في القَريةِ ،
بَلْ في المَنطقةِ كُلِّهَا . صحيحٌ أنَّها لَيْسَتْ جَميلةً ، ولكنَّ الجَمَالَ زائلٌ
، والمَرأةُ بَعْدَ الزَّواجِ وَالحَمْلِ وَالوِلادةِ يَتَغَيَّر جِسْمُهَا ،
وتَفْقِد بَرِيقَها ، وَيَزُول جَمَالُها . المالُ أهَمُّ مِنَ الجَمَالِ .
رَكِّزْ يا سَلْمَان ، ولا تَكُنْ حِمَارًا مِثْلَ المَرحومِ والدك الذي عاشَ راعي
غَنَمٍ ومَاتَ رَاعي غَنَمٍ ، أنا أُريدُ مَصْلحتك ومَنْفعتك، وَسَوْفَ يَتحسَّن
وَضْعُكَ وَحَالُكَ .
هَدَأتْ أعصابُ أبي ،
وَزَالَتْ ثَوْرَتُه ، وصارَ قادرًا على التفكيرِ والحِوار ، وازدادَ تَركيزُه
عِندَما سَمِعَ لَفظةَ " المال " ، وقالَ لِجَدَّتي بلهفةٍ واضحة :
_ وَهَلْ سَميحة الخَدَّامة
لَدَيْهَا مال ؟ .
ضَحِكَتْ جَدَّتي ضِحكةً
صَفْراء ، وَفَرِحَتْ لأنَّ كَلامَها أثَّرَ في ابْنِهَا ، وقالتْ :
_ سَميحة مَنْجَم ذَهَبٍ. هذه
خَدَّامة تَعْرِفُ كُلَّ العائلاتِ والبُيُوت، وَتَحْصُلُ عَلى أُجْرَةٍ
يَوْمِيَّة ، والناسُ يَحْزَنُون عَلَيها بسبب وَضْعِهَا ، ويُشْفِقُون عَلَيْهَا
لأنَّها يَتيمة ، ويَتَصَدَّقُون عَلَيْهَا بالمَالِ وَالملابسِ والأرُزِّ
والسُّكَّرِ والمِلْحِ والسَّمْنِ والشَّايِ . كما أنَّها شاطرةٌ في الطَّبْخِ
وشُغْلِ البَيْتِ ، والغسيلِ والتنظيفِ ، ومُتعوِّدة على تَلَقِّي الأوامرِ
والتَّعليماتِ ، وبالتالي سَتَكُون خَاتَمًا في إصبعك ، وخَدَّامتك المُطيعة ، وَسَتَكُون
السَّيِّدَ الآمِرَ الناهي ، وَهِيَ عَبْدتك الذليلة التي تُريدُ رِضَاك . ولَنْ
تَتَمَرَّد عَلَيْكَ ، وَلَنْ تَتكبَّر عَلَيْكَ مِثْلَ سَمَاح العَانِسِ ابنةِ
مَسعود صاحب الدُّكَّانة . والخَدَّامة تَدْخُلُ إلى بُيوتِ الناسِ ، وتَطَّلِع
على تفاصيلِ حَياتِهم ، وتَكْشِف جَميعَ أسرارِهم ، يَعْني أنَّكَ سَتَعْرِف كُلَّ
أسرارِ رِجَالِ القَريةِ ونِسائِهَا ، وسَوْفَ يَخافون مِنْكَ ويَحْترمونك خَوْفًا
مِنْ أنْ تَكْشِفَ أسرارَهم وتَفْضَحَهُم ، ويُمكن أن تَسْتَغِلَّ هَذا الأمرَ
لصالحك ، وَتَطْلُب مِنْهُمْ مالًا مُقَابِل السَّتْرِ عَلَيْهِم والتَّغطيةِ على
فَضائحِهم ، وإذا رَفَضُوا يُمكِن أنْ تُهدِّدهم بِنَشْرِ غَسيلِهم الوَسِخ أمامَ
الناسِ . وهذه فَضيحة مَا بَعْدَها فَضيحة ، خُصوصًا أنَّنا في بِيئة عشائرية ،
والسُّمعةُ مُهِمَّة ، ولا يُوجَد عاقلٌ يُرِيدُ أنْ تَتَشَوَّه سُمْعَتُه ، ويَتَلَوَّث
شَرَفُه ، وتَنفضح عَشيرتُه .
فَرِحَ أبي بهذا الكَلامِ ،
وطارَ مِنَ السَّعَادَةِ ، وقالَ وَقَد ارتفعتْ مَعنوياته ، وتَهَلَّلَتْ أساريرُه
:
_ هَذه سميحة كَنْزٌ ، أحسنُ
مِنَ الدُّكَّانة ، وأفضلُ مِنْ قِطعةِ الأرضِ .
قالتْ جَدَّتي وَهِيَ في
غَايةِ السُّرورِ :
_ لَيْسَ هَذا فَقَط ، إنَّ
صَدْرَ سميحة مَلْيَان ، وَثَدْيَيْهَا كَبيران ، يَعْني أنَّها قادرةٌ على إرضاعِ
أطفالِ القَريةِ بالأُجْرَةِ،احْسُبْ كَمْ طِفْلًا سَتُرضعه في اليَوْمِ، وكَمْ
سَتَرْبَح مِنَ الأموالِ.ويُمكِن أنْ تَضَعَ عَلى كُلِّ ثَدْيٍ طِفْلًا، وتُرْضِع
طِفْلَيْن معًا في نَفْسِ اللحظةِ.صَدْرُ سَميحة أفضل من مَصنعِ الحَليبِ.
قَفَزَ أبي في الهَواءِ عِندما
سَمِعَ هَذا الكَلامَ ، وتساءلَ هَلْ هَذا حُلْمٌ أوْ واقع ؟ . لأوَّلِ مَرَّةٍ في
حَياتِه ، يَشْعُرُ أنَّه سَيُصبح غَنِيًّا ، ويُودِّع عَالَمَ الفَقْرِ وَدَاعًا
أبَدِيًّا . إنَّ المَالَ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلَ المَطَرِ، وَسَوْفَ يُحقِّق
كُلَّ أحلامِه . أيْنَ كُنْتِ يا سميحة ؟ ، لماذا لَمْ تَظْهَري في حَياتي
مُبَكِّرًا ؟ . أنتِ جَوْهَرتي وخَلاصِي وحَبيبتي . سَأكُونَ عَبْدَكِ وخَادِمَكِ وأنتِ
سَيِّدِتي وتاجَ رأسي . سَوْفَ أَحْلِبُكَ كَما تُحْلَب البَقَرَةُ ، وسَأكونُ
الدِّيكَ الذي يَحْرُسُكِ أيَّتُهَا الدَّجَاجَةُ التي تَبِيضُ ذَهَبًا . وأخيرًا
، سَوْفَ يَبتسِم لِيَ الحَظُّ ، وألْعَبُ بالمَالِ والذَّهَبِ كَمَا يَلْعَبُ الأطفالُ
بالكُرَةِ .
قالَ أبي لِجَدَّتي وَهُوَ
يَلْهَثُ كأنَّه قَادِمٌ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ :
_ أبُوس يَدَيْكِ
وَرِجْلَيْكِ،الآنَ سَوْفَ تَذهَبين لِخِطْبَتِهَا لِي،والزَّوَاجُ بَعْدَ يَوْمٍ
أوْ يَوْمَيْن. لا أستطيعُ الانتظارَ ، وأخافُ أنْ يَخْطِفَهَا أحَدٌ غَيْرِي ،
وتَضِيع الثَّروةُ مِنِّي ، وتَنهار أحلامي . إذا ضَاعَتْ سَميحة مِنِّي سَوْفَ
أنتحِر. هذه فُرصة لا تَتكرَّر، وإذا ذَهَبَتْ لَنْ تَعُود . أرجوكِ أنْ تَقُومِي
الآنَ مَعِي.
سَالَ لُعَابُ أبي ، وصارَ
يَتصرَّف كالشَّخْصِ الجَائعِ مُنْذُ عِدَّة أيَّام ، ثُمَّ وَجَدَ فَجْأةً
وَليمةً عَلَيْهَا أشهى أنواعِ الطَّعَامِ . كانَ الزَّواجُ بالنِّسبةِ إلَيْه
مَشروعًا تِجَارِيًّا ، بِلا حُبٍّ ولا مَشاعر ولا أحاسيس . غَريزةُ حُبِّ المَالِ
قَتَلَتْ غَريزةَ الجِنْسِ ، وحَتَّى لَوْ كانَ عَاجِزًا جِنْسِيًّا فلا مُشكلة ،
المُهِمُّ أن لا يَكُونَ عاجزًا عَنْ جَمْعِ المَال . صَارَتْ لَيلةُ الدُّخلةِ
مَغَارَةَ علي بابا ، وَلَمْ يَعُدْ يَهْتَمُّ بإنجاحِ العَلاقةِ الجسديةِ معَ
زَوْجَتِه ، المُهِمُّ أنْ يَفْتَحَ الكَهْفَ السِّحْرِيَّ بكلمةِ السِّرِّ :
" افْتَحْ يا سِمْسِم " .
3
كانَ زواجُ وَالِدَيَّ سَلْمَان
رَجَب وسميحة غَزْوان أكبرَ فَضيحة في القَريةِ . زَواجُهما كانَ مَهْزَلَةً
بِكُلِّ مَا تَحْمِلُه الكلمةُ مِنْ مَعْنى ، وعُرْسُهما كانَ مَسْخَرَةً بِكُلِّ
الألوانِ . رَفَضَ وُجَهَاءُ القَريةِ وكِبَارُها حُضورَ عُرْسِهما لأنَّه شُبْهَة،
حَيْثُ إنَّهُم اعْتَبَرُوا زواجَ راعي غَنَمٍ وخَادمةٍ سَابقةً خَطيرةً ، ونَذيرَ
شُؤْمٍ، وأمْرًا مَشبوهًا ، ويَجْلِبُ النَّحْسَ إلى القَريةِ .
ذَهَبَ أبي لِدَعوةِ المُختارِ
" أبو حَسَن " إلى العُرْسِ، باعتباره صاحب السُّلطة السِّيَاسِيَّة في
القرية ، فاعتذرَ قائلًا إنَّ مَكانته الاجتماعية والعشائرية لا تَسْمَحُ لَهُ
بِحُضورِ عُرْسٍ شَخْص لَيْسَ له أصْلٌ ولا فَصْلٌ ، ولا يَعْرِفُ أحَدٌ مِنْ
أيْنَ جاء . وَذَهَبَ أبي إلى دُكَّانة مَسعود لِدَعوته إلى العُرْسِ ، باعتباره
صاحبَ السُّلطة الاقتصادية في القَريةِ،فاعتذرَ قائلًا إنَّ مَكانته الماليَّة لا
تَسْمَحُ لَهُ بِحُضورِ عُرْسٍ لا يَحْضُرُه أصحابُ الدَّكَاكينِ ومُلَّاكُ
الأراضي.وعِندما رَأتْ سَمَاح أبي أدارتْ وَجْهَهَا باحتقار، وَقالتْ بِصَوْتٍ
عالٍ وكأنَّها تُوجِّه الكَلامَ إلى شَخْصٍ آخَر :
_ مَنْ لا يَستطيع الزَّواجَ
مِنْ صَاحبةِ البَيْتِ سَيَتَزَوَّج الخَدَّامةَ الذليلة ، وَمَنْ لا يَقْدِرُ على
الزَّواجِ مِنَ السَّيِّدَةِ سَيَتَزَوَّج العَبْدَةَ الحَقِيرة .
حاولَ أبي أنْ يَرُدَّ عَلَيها، ولكنَّ الكلمات
اختنقتْ في جَوْفِه ، والدُّمُوع تَجمَّدتْ في عَيْنَيْه ، بَلْ إنَّهُ أرادَ أنْ
يَضْرِبَهَا، ولَكِنَّه خَشِيَ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِ أبيها ورِجالِ القَريةِ ،
عِندما يَعْلَمُون أنَّ رَجُلًا مَدَّ يَدَه على امرأة .
وتَكرَّرت الاعتذاراتُ مِنَ الشَّخصياتِ
المَرموقة في القَرية. وصارَ الناسُ يَتناقلون النِّكَاتِ عَنْ هَذا العُرْسِ ،
ويَسْخَرُون مِنْه ، ويَستهزئون بِوَالِدَيَّ . بَعْضُهُم قالَ : طَنجرة ولقتْ
غَطَاها . وَبَعْضُهُم قالَ: التمَّ المَتعوس على خايب الرَّجَا . وَبَعْضُهُم
قالَ: راعي غَنَمٍ وخَادمة تَزَوَّجَا ، ماذا سَيُنْجِبَان ؟، لا بُدَّ أنَّهما
سَيُنْجِبَان شَحَّاذِين وَمُتَسَوِّلين.وهَكذا تَلَقَّيْتُ السُّخريةَ والاستهزاءَ
والإهانةَ قَبْلَ أنْ أُولَد.
لَمْ يَحْضُرْ عُرْسَ
وَالِدَيَّ غَيْرُ الفُقراءِ والمُشَرَّدِين والمَنبوذين والغَجَر ( النَّوَر ) ، وغَنَّى
النَّوَرُ ، وَرَقَصَت النَّوَرِيَّاتُ بِمَلابِسِهِنَّ المُلوَّنة ، وَعَمَّ
الفَرَحُ والسُّرُورُ ، وانتشرت البَهجةُ في الأرجاءِ .
انتهى العُرْسُ بِلا مُشكلاتٍ
عشائرية ولا صِرَاعات قَبَلِيَّة ، وَتَفَرَّقَ الحُضورُ ، وانقَضَى كُلُّ شَيْء،
وَذَهَبَ كُلُّ شَخْصٍ إلى حَالِ سَبيلِه . العَرُوسُ للعَريس ، والجَرْيُ
للمَتاعيس . انتهى الحَفْلُ السَّاهِرُ، وغَابت الزَّغَاريدُ ، وذَابَ الرَّقْصُ
في جَسَدِ المَكَانِ، وَعَادَ الناسُ مِنْ حَيْثُ أَتَوْا ، مُصَابين بالتَّعَبِ
والإرهاقِ ، وفازَ العَرِيسُ بالعَرُوسِ . وَمَنْ حَضَرَ العُرْسَ لَمْ يَكْسِبْ
شَيْئًا .
لا يُوجَد فَنادق في القَريةِ،
ولا مُنْتَجَعَات سِيَاحِيَّة. كانَ أبي قَدْ خَطَّطَ لِقَضَاءِ لَيلةِ الدُّخلةِ
( لَيلةِ العُمْر ) في مَكَانٍ هادئ ورُومانسيٍّ ، فَهَذه الليلةُ الرَّائعة لا
تَتَكَرَّر ، ولا بُدَّ أن تَظَلَّ ذِكْراها مَحفورةً في الوِجْدَانِ إلى الأبَدِ.
في البِداية ، حاولَ استئجارَ غُرفةٍ فَوْقَ سَطْحِ أحَدِ المَنازلِ ، ولكنَّ
صَاحِبَ المَنْزِلِ رَفَضَ ، مَعَ أنَّ أبي عَرَضَ عَلَيْه مَبْلَغًا كبيرًا
كانَتْ جَدَّتي قَدْ أعْطَتْهُ إيَّاه . وَفَشِلَتْ جميعُ مُحاولاتِ أبي لاستئجار
غُرفة لِقَضاءِ هذه الليلة . وَجَدَّتي كانتْ تَعيشُ في غُرفةٍ صَغيرةٍ بائسة ، فلا تَسْتطيع استقبالَ ابْنِهَا وَعَرُوسِه .
خَطَرَتْ عَلى بَالِ أبي فِكْرَةٌ عَبقرية . كانَ هُناك زريبة أبقار مَهجورة خارجَ
القَرْيَة ، رُبَّمَا أرادَ صاحبُها أن تَكُونَ أساسًا لِمَزرعة ، ولكنَّه فَشِلَ
في هَذا المَشروع ، بسبب الطبيعةِ الصَّحْراوية للمَكَانِ، وأهْمَلَ الزَّريبةَ ،
ولَمْ يَعُدْ إلَيْهَا، وكانَ بَعْضُ الرُّعَاةِ يَسْتخدمونها لِتَخزينِ أعلافِ
المَاشِيَةِ . اسْتَوْلَى أبي عَلى الزَّريبة ، وَزَعَمَ أنَّهُ وكَيلٌ لِصَاحِبِهَا
، وأنَّه وكَّله بالعِنايةِ بِهَا والإشرافِ عَلَيْها لِحِينِ عَوْدَتِه.
نَظَّفَهَا أبي ، وأزالَ كَافَّة الأوساخِ وَبَقايا الأعلافِ ، ونَثَرَ فِيها
بَعْضَ الأعشابِ ذات الرَّائحة العِطْرِيَّة ، وَفَرَشَ فِيهَا حَصِيرَةً ، وأحضرَ
بَعْضَ المَتَاعِ البَسِيطِ ، حَتَّى إنَّه اشترى شُموعًا مِنَ دُكَّانة مَسعود ، وأشْعَلَهَا
في زَوايا المَكَانِ ، كَي يُصبح الجَوُّ عَاطِفِيًّا ومَلِيئًا بالأحاسيسِ
والمَشاعرِ. وهَكذا صَارتْ زَريبةُ الأبقارِ هِيَ بَيْتَ الزَّوجية السَّعيد ، والشَّاهِدَة
عَلى لَيْلَةِ العُمْرِ . وهَذا الأمْرُ لَيْسَ غريبًا، فأبي يَنظُر إلى أُمِّي باعتبارها
بَقَرَةً حَلُوبًا ، ودَجَاجَةً تَبِيضُ ذَهَبًا ، لذلكَ كانَ هَذا المَكَانُ هُوَ
حَجَرَ الأساسِ في إمبراطوريته المَاليَّة المُتَخَيَّلَة .
تَزَوَّجَ وَالِدَيَّ في
حَزِيران 1966 ، وكانت السَّنَةُ الأُولَى لزواجهما مَلِيئةً بالمُشكلاتِ والصِّرَاعاتِ
واختلافِ الأمزجةِ . بَعْدَ الزَّواجِ ، صَارَ أبي عَاطِلًا عَن العَمَلِ ،
ويَقْضِي أيَّامَهُ مُتَسَكِّعًا ، وقالَ إنَّ مكانته الاجتماعية الجديدة لا
تَسْمَحُ لَهُ بالعَودةِ إلى رَعْي الغَنَمِ . وَكانتْ أُمِّي هِيَ التي تَعْمَلُ
وَتُنْفِقُ عَلى البَيْتِ ( زَريبة الأبقارِ ) ، وكُلُّ المَالِ الذي تَحْصُلُ
عَلَيْهِ مِنَ الخِدمةِ في البُيوتِ وإرضاعِ أطفالِ القَريةِ كانتْ تُعْطِيه لأبي ،
وإنْ أخْفَتْ عَنْهُ شيئًا مِنَ المَالِ كانَ يَضْرِبُها ويُهينها ، ويَصْرُخُ في
وَجْهِها قائلًا :
_ احْمَدِي رَبَّكِ أنَّكِ
وَجَدْتِ رَجُلًا يَقْبَل بِكَ زَوْجَةً وأنتِ خَدَّامة ذليلة في البُيوتِ . ألْفُ
امرأةٍ تَتَمَنَّى رِضَايَ ، وَتَتَمَّنَى أن أنظُرَ إلَيْهَا .
كانَ أبي يَتَكَلَّم وكأنَّه
أمير مِنْ عائلة حاكمة ، أوْ مليونير يَمْلِكُ عَشَرَاتِ الشَّرِكَات . معَ أنَّه
هُوَ وأُمِّي كِلاهُمَا في الهَوَا سَوَا .
تَرُدُّ عَلَيْهِ أُمِّي
بِصَوْتٍ مَكسورٍ ونَبرةٍ خافتة :
_ لماذا تَزَوَّجْتَني يا
سَلْمَان وأنتَ تَعْرِفُ أنَّني خَدَّامة في البُيوتِ ؟ .
_ تَزَوَّجْتُكِ لأسْتُرَ
عَلَيْكِ ، وأُنْقِذَكِ مِنَ العُنوسةِ . النِّسْوَانُ عَلى قَفا مَنْ يشيل .
_ لَوْ وافقتْ عَلَيْكَ سَمَاح
لَمَا نَظَرْتَ إلَيَّ ، لَمْ تَقْبَلْ أنْ تَتَزَوَّجَ رَاعِي غَنَمٍ .
_ راعي الغَنَمِ أشْرَفُ
مِنْهَا وَمِنْ أبيها مَسعود الحرامي صاحب الدُّكَّانة ، الذي كُلُّ بِضاعته
مَغشوشة ومَضروبة .
_ ولا تَنْسَ يا سلمان باشا
أنَّ الخَدَّامة التي لا تُعْجِبُكَ هي التي تُنْفِقُ عَلَيْكَ ، وَتَصْرِفُ على
البَيْت، أقْصِدُ زريبتك،وحَضْرتك نائمٌ على الحَصِيرةِ،تَهُشُّ الذِّبَّانَ،وتَلْعَب
بأصابعِك،وتأكل أظافرَك.
_ صَدَقَ مَنْ قالَ : لا
تُحَاوِر امرأةً ، ولا تُنَاقِشْ حُرْمة ، عُقُولُ النِّسَاءِ صَغيرةٌ ، ولا أُريدُ
أنْ أُضَيِّعَ وَقْتي مَعَكِ .
يُطْلِقُ أبي هَذه الكَلِمَاتِ
وكأنَّها رصاصة الرَّحمة ، ثُمَّ يَخْرُج مِنَ الزَّريبةِ ، ويَمْشِي هائمًا على
وَجْهِه إلى المَجهول .
مَعَ مُرورِ الوَقْتِ،
فَهِمَتْ أُمِّي شَخصيةَ أبي، وأدركتْ أبعادَ نَفْسِيَّتِه ، وَوَصَلَتْ إلى
قَناعةٍ مُفَادها أنَّهُ شخصٌ عَنِيدٌ ، لا يَستجيب لِنُصْحٍ ولا إرشاد ، ولا
يَعْمَل إلا مَا هُوَ مُقْتَنِع بِه ، ولا يُنفِّذ إلا الأفكارَ الكامنة في رَأسِه
، وأنَّهُ ثَوْرٌ هائجٌ لا يَهْدَأ إلا بالمَالِ. إذا أعْطَتْهُ المَالَ هَدَأَ
وسَكَنَ ، وصارَ إنسانًا طَبيعيًّا وراقيًا ، وإذا لَمْ تُعْطِهِ المَالَ صَارَ
وَحْشًا كاسرًا ، يُمكِن أن يَفْعَلَ أيَّ شَيْءٍ . لذلك قَرَّرَتْ أُمِّي أن تَشتري
راحةَ بَالِهَا بِمَالِهَا. وكُلُّ مَبْلَغٍ تَحْصُلُ عَلَيْهِ صغيرًا أوْ كبيرًا،
كانتْ تُعْطِيه لأبي.
أُمِّي تَتْعَبُ كثيرًا في عَمَلِهَا ، فَهِيَ
تَخْدُمُ في عِدَّة بُيُوت في اليَوْمِ ، وتُرضِع أطفالًا كثيرين صَبَاحًا
وَمَسَاءً ، وَأُجرة الرَّضَاعَة تَختلف حَسَب الإمكانيَّات الماديَّة لأُسْرَةِ
الطِّفْلِ . وكانتْ أُمِّي تَتَحَكَّمُ بالأهالي ، وتَفْرِض الأُجْرَةَ التي
تُريدُها ، فَهُمْ لا يَستطيعون الاستغناءَ عَنْها ، ولا يَقْدِرُون عَلى
التَّفريط بِهَا . وإذا غابتْ عَنْهُمْ يُصَابُون بالجُنونِ ، ولا يَعْرِفُون
مَاذا يَفْعَلون في حَياتهم . وكانتْ أُمِّي تَحْصُلُ عَلى مَالٍ كَثيرٍ ، لذلك
حَرَصَتْ على أداءِ عَمَلِهَا ، وعَدَمِ الغِيَابِ عَنْه ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَن
الظُّرُوفِ . حتى إنَّها في صباحية عُرْسِها ذَهَبَتْ إلى أحَدِ بُيوتِ القَريةِ
للخِدمةِ فِيه ، فقد أرادتْ أنْ تَكْسِبَ الوَقْتَ ، وتَستغلَّ يَوْمَها أحسنَ
استغلالٍ ، خُصوصًا أنَّهُ لَمْ يَزُرْهَا أحَدٌ ، ولَمْ يُبَارِكْ لها أحَدٌ، وَلَمْ
يَدْخُلْ بَيْتَهَا ( زَريبة الأبقارِ ) رَجُلٌ ولا امرأة، وَلَمْ يَأتِ
إلَيْهِمَا قَريبٌ ولا غَريبٌ.
وكَمَا أنَّ أُمِّي كانتْ
تَحْصُلُ على مالٍ كَثيرٍ ، كذلك كانتْ تَحْصُلُ على طَعامٍ جَيِّد مِنَ الأهالي.
وحَرَصَتْ على التَّغذيةِ الجَيِّدةِ لأنَّها تَعْلَمُ أنَّه القُوَّة الدافعة
لِعَمَلِهَا ، وبِدُونِه سَوْفَ تَنهار ، وتُصبح عاجزةً عَن العَمَلِ ، وتَفْقِد
مَصْدَرَ رِزْقِها . وأحيانًا ، كانتْ تَتناول سَبْعَ وَجبَات طَعامٍ في اليَوْمِ
، والناسُ لَمْ يَبْخَلُوا عَلَيْهَا بالمَالِ والطَّعَامِ ، لَيْسَ حُبًّا لَهَا
وحِرْصًا عَلى صِحَّتها ، بَلْ حِرْصًا عَلى استمراريةِ عَمَلِهَا .
أبي يَسأل أُمِّي عَن أدَقِّ
تَفَاصِيلِ حَياةِ العائلاتِ التي تَخْدُمُ عِنْدَهَا. يَسألُها بِخُبْثٍ ودَهَاء
عَن رِجَالِهَا ونِسائِها وأولادِها وبَناتِها . يَستدرج أُمِّي في الكَلامِ ،
وأُمِّي تُجِيب بِحُسْنِ نِيَّةٍ وطِيبةِ قَلْبٍ، كَنَوْعٍ مِنَ الفَضْفَضَةِ
والثَّرثرةِ ، وَفْقَ أُسلوبِ النِّسَاءِ في نَقْلِ الأحاديثِ والحِكَاياتِ
والقِصَص. فَمَثَلًا يَسألُها مُظْهِرًا الحِرْص على أهْلِ القَريةِ :
_ كَيْفَ حالُ عائلةِ " أبو
زَيْد " ؟ .
_ أنتَ آخِر مَنْ يَعْلَم يا
سَلْمان، أبو زَيْد يَضْرِبُ زَوْجَتَه، لأنَّهَا تُفَتِّشُ مَلابِسَه بحثًا عَن
المَالِ.
_ ودار " أبو عَزْمي
" ؟ ، إن شاء اللَّه يَكُونون بِخَيْر .
_ عَزْمي ذَهَبَ يَدْرُس في
مِصْر ، وتزوَّج مِصْرِيَّة .
_ مَا هِيَ أخبارُ كَوْثَر
الأرملة وبناتِهَا ؟ .
_ ابْنَتُهَا فَوزية
حَرْدَانَة ، لأنَّ زَوْجَهَا يأتيها مِنَ الخَلْفِ ، وتَقُول لَهُ : هَذا حَرَامٌ
شرعًا ، وتَعتقد أنَّ هَذا طَلاق .
_ مِنْ زَمَانٍ لَمْ نَسْمَعْ
أخبارًا عَنْ رَشْدَان ؟ .
_ رَشْدَان باعَ أراضي أبيه ،
ويَقُولون إنَّهُ يَلْعَب القِمَارَ في العَاصِمَةِ ، وَيَصْرِفُ أموالَه على
الرَّاقصاتِ في المَلاهي الليلية .
_ أُفَكِّر أنْ أزُورَ "
أبو طارق " ، مَا هِيَ أحوالُه ؟ ، وكَيْفَ أوضاعُه ؟ .
_ ابْتَعِدْ عَنْهُ في هَذه
الفَترةِ ، هُناك مُشكلات بَيْنَه وبَيْنَ إخْوَتِه بسبب تَوزيعِ المِيرَاثِ ،
حَتَّى إنَّهُ رَفَعَ المُسَدَّسَ في وَجْهِ أخيه الكَبِير .
_ مَا هِيَ أخبارُ نُوفَة ،
كُنَّا نَلْعَبُ معًا ونَحْنُ أطفال صِغَار .
_ زَوْجُهَا تَزَوَّجَ
عَلَيْهَا في السِّرِّ ، وهُناك مُشكلات بَيْنَهَا وبَيْنَ ضَرَّتِهَا .
_ ألَمْ تَعْرِفي لِمَاذا راضِي
طَلَّقَ زَوْجَتَه فاطمة ؟ .
_ فاطمة قالتْ لِي إنَّ راضي
عَاجِز جِنسيًّا ، وخَرْبَان ، ولا يُوجِد فائدة مِنْه .
_ لَقَدْ سَمِعْتُ " أبو
وائل " يَشكو مِنْ كَنَّتِهِ ميسَّر ، لَكِنَّني لَمْ أفْهَم المَوضوعَ .
_ يا سَلْمَان ، أنتَ كالأطرشِ
في الزَّفَّةِ ، ميسَّر عَمِلَتْ " حِجَاب " لأهْلِ زَوْجِها ، وَوَجَدُوه
داخل مَخَدَّة غُرفةِ النَّوْمِ . فَتَحُوا المَخَدَّةَ، وَوَجَدُوا الحِجَابَ ،
طلاسم مَكتوبة بأحرف مُتَفَرِّقَة .
_ ألَمْ يَقُل الناسُ إنَّ
أُمَّ عامر مُصَابَة بِسَرَطَانِ الثَّدْيِ ، لَقَدْ رَأيْتُهَا عِنْدَ دُكَّانَة
مَسعود ، وَهِيَ بِصِحَّة وعافية ، وسَلَّمَتْ عَلَيَّ بِكُلِّ حَيَوِيَّةٍ
وَنَشَاط .
_ أنا جَلَسْتُ معَ أُمِّ عامر
جَلْسَة نِسْوَان في بَيْتِهَا ، قالتْ إنَّهَا كَانَتْ تَشْعُرُ أثناءَ النَّوْمِ
بِضِيقٍ في التَّنَفُّسِ ، وتَهَيُّجٍ في جِلْدِهَا، وآلامٍ في صَدْرِهَا ،
وأخبرتْ زَوْجَهَا أنَّهَا قَدْ تَكُون مُصَابَة بِسَرَطَانِ الثَّدْيِ ، فَأخَذَهَا
إلى أشهر طبيبة أمراض نِسَائِيَّة في العاصمة ، وَفَحَصَتْهَا فَوَجَدَتْهَا
سليمةً ، لَكِنَّهَا طَلَبَتْ مِنها أن تَنَامَ بِدُون صدريَّة ، لإزالةِ
الضَّغْطِ ، وتَحسينِ الدَّورةِ الدَّمَوِيَّة .
أُمِّي تَكْشِفُ أسرارَ العائلاتِ لأبي بِكُلِّ
سَعَادَةٍ وبَرَاءَةٍ وَسَذَاجَةٍ وطِيبةِ قَلْبٍ ، كَنَوْعِ مِنْ أحاديثِ
النِّسْوَانِ ، وَهِيَ فَرْحَانَة بِضَحِكَاتِ أبي وابتساماتِه عَلى غَيْرِ
عَادَتِه، أمَّا أبي الخَبِيثُ فكانَ عَقْلُه قاعدةَ بَيانات، يُسجِّل كُلَّ
المَعلومات في عَقْلِه ، فَقَدْ يَحتاجها في يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ ، ويَسْتفيد
مِنْهَا ، ويَسْتخدمها لابتزازِ الناسِ واستغلالِهم ، وتَحقيقِ مَصالحِه الشَّخصية
.
لَمْ يَكْتَفِ أبي بالاستماعِ
العَمِيقِ ، والانتباهِ الكاملِ ، بَلْ كانَ يُعلِّق بِعَبَارَاتٍ دِينيَّة كَيْ
يَبْدُوَ في هَيئةِ المُصْلِحِ الحَريصِ عَلى أسرارِ البُيوتِ وعَلاجِ مُشكلاتِ
العائلاتِ : لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللَّهِ . حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ
الوَكِيل . إنَّا للَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجعون . اللَّهُ هُوَ الشَّافي ،
اللَّهُ يَسْتُرُ عَلى الوَلايا . اللهُمَّ لا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ
السُّفَهَاءُ مِنَّا. وَهُوَ يَذكُر كُلَّ عِبَارَةٍ في مَوْقِعِهَا المُنَاسِبِ في
سِيَاقِ الكَلامِ.
4
حَمَلَتْ أُمِّي بِجَنِينِها
الأوَّلِ في السَّنَةِ الأُولَى لزواجِها . حَتَّى وَهِيَ حَامِلٌ لَمْ تَنْقَطِعْ
عَن العمل ، وكانَ الناسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا ، ويُعْطُونَهَا مَلابس قَديمة
للجَنينِ سَوَاءٌ كانَ وَلَدًا أمْ بِنْتًا، ويُقَدِّمُون لَهَا الطعامَ
والشَّرَابَ والفواكه والخُضَار ، كَيْ يَأتيَ الجَنينُ بِصِحَّةٍ جَيِّدَة ،
فَهُوَ يَتغذَّى مِنْ أُمِّه .
وَلَّدَتْهَا أُمُّ حامد
زَوجةُ الشَّيْخِ هِشام عبد الهادي الذي دَرَّسَ أبي في الكُتَّابِ . وَهِيَ
المَرْأةُ الأكثرُ إنجابًا في القَرْيَةِ ، وَصاحبةُ المَركزِ الأوَّلِ في
الحَمْلِ والوِلادةِ ، حَيْثُ أنْجَبَتْ عِشْرِين طِفْلًا خِلالَ ثلاثين سَنَة، مِنْ
سِنِّ الخامسة عَشْرَة حتى سِنِّ الخامسة والأربعين. وَهِيَ أُمٌّ لثلاثة عَشَر وَلَدًا
وسَبْعِ بَنَاتٍ . لذلك ، يَتَفَاءَل الناسُ بِهَا ، ويَتَبَرَّكُون بِهَا ، ويُحْضِرُونَها
لِتَوليدِ نِسَائِهِم .
أنْجَبَتْ أُمِّي مَوْلُودًا
ذَكَرًا في أيَّار 1967 ، وفَرِحَ بِهِ أبي فَرَحًا عَظيمًا ، وَوَزَّعَ الحلويات
البسيطة على أهْلِ القَرْيَةِ ، معَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَأتِ إلى البَيْتِ ( زَريبة
الأبقارِ ) للتَّهنئةِ أو المُبَارَكَة .
في البِدايةِ ، أرادَ أبي
تَسْمِيَتَه " رَجَب " عَلى اسْمِ أبيه ، وَلَكِنَّ أُمِّي أرادتْ
تَسْمِيَتَه " غَزْوَان " عَلى اسْمِ أبيها. وَحَدَثَ خِلافٌ بَيْنَهُمَا
استمرَّ فَترةً لَيْسَتْ بالقصيرة، وبَقِيَ المَولودُ بِلا اسْمٍ .
كانتْ تِلْكَ الفَتْرَةُ
مُشتعلةً اجتماعيًّا ومُلتهبةً سِيَاسِيًّا ، فالناسُ يَقُولُون إنَّ الحَرْبَ على
الأبوابِ. وَقَدْ صَرَّحَ رئيس وزراء إسرائيل ليفي إشكول أنَّه في حَالِ استمرار
العمليَّات الفِدائيَّة ، فإنَّ تَل أبيب سَتَرُدُّ بوسائل عنيفة على مَصادرِ
الإرهاب . وَصَرَّحَ رئيسُ أركانِ الجَيْشِ الإسرائيليِّ أنَّه إنْ لَمْ
يَتَوَقَّف النشاطُ الفِدائيُّ الفِلَسْطِينيُّ في الجليلِ ، فإنَّ الجَيْشَ
سَيَزْحَفُ نَحْوَ دِمَشْق .
كانت الأخبارُ تَصِلُ إلى
قَرْيتنا المَعزولةِ مِنَ القُرى المُجَاوِرَة ، وكُنَّا نُسَمِّيها مُجَاوِرَة
مَجَازًا ، إذْ إنَّ أقربَ قَرية تَبْعُد عَن قريتنا 15 كم . والأخبارُ مُخيفةٌ
ومُقْلِقَة ، وتَنْشُر الهَلَعَ في نُفُوسِ الناسِ ، وَهُمْ أُنَاسٌ بُسَطَاء
غَيْرُ مُتَعَوِّدِين عَلى الحُروبِ ، وغَيْرُ مُدَرَّبين على استعمالِ الأسلحةِ .
وانتشرت الشائعاتُ بشكلٍ هِستيري ، وقالَ البعضُ إنَّ اليَهُودَ سَيَهْجُمُون على
الدُّوَلِ العَربيَّةِ ، وَلَنْ يَجِدَ الناسُ الطَّعَامَ والمَاءَ ، وسَيَمُوتون
مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ . وخافَ الناسُ خَوْفًا شديدًا ، وقالوا إنَّ اللَّهَ لَنْ
يَتْرُكَنَا ، وَسَوْفَ يَرْحَمُنَا ، وإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِرِزْقِ عِبَادِه
. ومَنْ يَمْلِك المالَ بدأ بتخرينِ القَمْحِ والشَّعِير وغَيْرِهما، وَغَرِقَت
القَريةُ في الشَّكِّ والفَوْضَى والاضطرابِ .
اسْتَغَلَّ مَسعود صاحبُ
الدُّكَّانَة هَذه الظُّرُوفَ،وَحَاوَلَ أن يَكُونَ مِنْ أثرياءِ الحَرْبِ قَبْلَ
أن تَبْدَأ ، وَقَرَّرَ أن يَجْنِيَ ثَرْوَةً عَلى حِسَابِ حَاجَاتِ الناسِ
ومَشاعرِهم وخَوْفِهم وقَلَقِهم ، فاشترى مِذيَاعًا ضَخْمَ الحَجْمِ ، ألمانيَّ
الصُّنْع نِكَايَةً في بريطانيا ، وَوَضَعَه على رَفٍّ عالٍ في دُكَّانته ، وكانَ
أوَّلَ مِذياع يَدْخُل قَرْيتنا . حَتَّى العائلات المَيسورة لَمْ يَكُنْ
لَدَيْهَا مِذياع ، وكانت الأخبارُ تَنْتَقِل مِنْ شَخْصٍ إلى آخَر . مَنْ يَذهب
إلى العاصمةِ يَحْصُل على أخبار كثيرة ، ثُمَّ يأتي ويُلْقِيها عَلى مَسامعِ أهْلِ
قَرْيتنا ، وَمَنْ يَذهب إلى قَريةٍ مُجَاوِرَة يَحْفَظ كَلامَ الناسِ فِيهَا ،
ويَعْرِف أفكارَهم ، ثُمَّ يأتي وَيَنْثُرها في قَرْيتنا . وهَذه الوسيلةُ
البِدائية كانتْ مَصْدَرَ الحُصولِ على المَعلومات .
صارَ كُلُّ زَبُون يأتي إلَى
الدُّكَّانة ، يَستمع إلى المِذياع مُقَابِل مَبْلَغٍ مِنَ المَالِ ، فَهُوَ
يُريدُ مَعرفةَ آخِر الأخبار ، وسَمَاعَ صَوْتِ الزَّعيمِ المِصْرِيِّ جمال عبد
الناصر ، وَتَصْريحاتِه الناريَّة ، وخِطَابَاتِه الحَمَاسِيَّة ، ويُرِيدُ
سَمَاعَ أيَّ شَيْءٍ مِنْ أيِّ شَخْصٍ كَيْ يُصَفِّقُوا لَهُ ، سَوَاءٌ كانَ
حَقًّا أمْ باطلًا .
الأحلامُ كبيرةٌ، والآمالُ
عَظيمةٌ، والبُسَطَاءُ يُريدون مَنْ يَحْقِنُهُم بالأملِ، حَتَّى لَوْ كانَ أمَلًا
كاذبًا ، والفُقَراءُ يُريدون مَنْ يَعِدُهُم بالمُستقبَلِ المُشرِق ، حَتَّى لَوْ
كانَ وَهْمًا خادعًا . والجَمِيعُ يُريدُ مَنْ يُدَغْدِغ عواطفَه ، ويَتلاعب بمشاعرِه
وأحاسيسِه ، كَيْ يَستطيع العَيْشَ في بيئةٍ صَعبة قاتلة للإبداعِ والمَواهبِ .
والحَقُّ ثقيلٌ على النُّفُوسِ ، ولَيْسَ كُلُّ شَخْصٍ يَقْبَلُه ، والحَقيقةُ
مُرَّةٌ ومُؤلِمة ، وصَعبةُ القَبُولِ ، ولكنَّها في النِّهايةِ أفضلُ مِنَ
الخِدَاعِ اللذيذِ أوْ الكَذِبِ الحُلْوِ . الحقيقةُ المُرَّةُ أفضلُ مِنَ
الوَهْمِ المُرِيحِ . والكثيرون يُبَرِّرُون الكَذِبَ بِحُجَّةِ حِمايةِ مَشاعرِ
الآخرين ، وهَذه كِذبةٌ كبيرة ، يُقْنِعُون بِها ذَوَاتَهُم ، لِيَسْهُلَ على
أنفُسِهِم عَدَمُ قَوْلِ الحَقيقةِ ، معَ أنَّ الكَذِبَ يُكَبِّدُ قَائِلَه
جُهْدًا عقليًّا ونَفْسِيًّا أكبر بكثير مِنْ قَوْلِ الحقيقةِ . وعِندما تَتصادم
مُعَانَاةُ الواقعِ معَ وُعودِ المُستقبَلِ ، يَتَكَرَّس المَثَلُ الشَّعْبيُّ :
" أحْيِني اليَوْمَ وَمَوَّتْني بُكْرَة "، كَشِعَارٍ وُجوديٍّ ،
وقاعدةٍ فلسفية .
ازدادَ إقبالُ الناسِ عَلى
دُكَّانَة مَسعود للاستماعِ إلى المِذيَاعِ ، فَقَرَّرَ إنشاءَ مَقْهى على قِطعةِ
الأرضِ الصَّغيرةِ بجانبِ الدُّكَّانة، فالدُّكَّانَةُ والأرضُ يَمْلِكُهما
مَسعود، ويُريدُ زِيادةَ استثماراتِه وأرباحِه. صارَ المَقهى حقيقةً واقعيةً، وأسْمَاه
مَسعود " مَقْهَى القَوْمِيَّة العربية " ، دَعْمًا لِجُهُودِ قَائِدِ
القَوْمِيَّةِ العربية جمال عبد الناصر في الكِفَاحِ المُسَلَّحِ وتَحريرِ الأراضي
العربية مِنَ الاستعمارِ .
اسْتَدْعَى مَسعود أبي ، وقالَ
لَهُ بأدبٍ واحترامٍ عَلى غَيْرِ عادته :
_ نَحْنُ يا أخي سَلْمَان
نَنْتَمي إلى قَريةٍ واحدةٍ ، ومَصيرُنا مُشترَك ، والذي فات مات ، ونَحْنُ أولاد
اليَوْم ، وأرجوكَ أن تَنْسَى مَوضوع سَمَاح ، والزَّواج قِسْمَة ونَصِيب ،
والرِّجالُ لا يَخْسَرُون بَعْضَهم البَعْض مِنْ أجْلِ النِّسْوَان . وأنتَ الآن
أبٌ ، وتَبْحَثُ عَن حَياةٍ كريمة لأُسرتك ، ومُستقبَلٍ جميل لها ، وأُحِبُّ أنْ
أعْرِضَ عَلَيْكَ العَمَلَ في المَقهى، وأنْ تَكُونَ المُشْرِفَ عَلَيْه بشكلٍ
كاملٍ، وَلَنْ أتدخَّل في عَمَلِك ، وَلَنْ أُضايقك بأيِّ شكل .
كانَ أبي عاطلًا عَن العَمَلِ
، يَقْضِي يَوْمَه في النَّوْمِ ، أو التَّسَكُّعِ في طُرُقَاتِ القَريةِ أو
القُرى المُجَاورة ، ويَشْعُر بأنَّ الفَرَاغَ سَيَقْتُلُه ، فَهُوَ لا يَفْعَلُ
شيئًا ، ولا يُنْفِق على بَيْتِه ( زَريبته ) ، وَأُمِّي هِيَ التي تَعْمَلُ
وتُنْفِقُ وتأتي وتَذهب .
شَعَرَ أبي بأنَّ مَصلحته معَ
مَسعود ، وأنَّه كانَ غريقًا فَألْقَى إلَيْه طَوْقَ النَّجَاةِ . وَمِنَ الواضحِ
أنَّ أُسلوبَ تَعَامُل مسعود معَ أبي قَدْ تَغَيَّرَ. رُبَّمَا يَكُون أُسلوب
مَصلحة ، ولكنَّ الحَياة مصالح مُتبادَلة، ومَنافع مُشترَكة . ومَا يَهُمُّ أبي في
النِّهايةِ هُوَ الحُصول على المَالِ .
قالَ أبي بلهجةِ الواثقِ مِنْ
نَفْسِه والمُتسامِحِ الذي نَسِيَ المَاضِي :
_ يا أخي مَسعود ، أنا خادمُك
المُطيع ، وَسَوْفَ أُحافِظ على المَقهى كُرسيًّا كُرسيًّا وطاولةً طاولةً ، كَمَا
لَوْ كانِ مِلْكًا لِي . وسَوْفَ أخْدُمُ الزَّبائنَ بِعُيوني ، وأُحْضِر لَهُمْ
كُلَّ مَا يُريدون مِنْ شَايٍ وقَهوةٍ ، وَلَنْ أُغْضِبَ أحدًا مِنْهُم . أمَّا
سَمَاح ابنةُ حَضرتك ، فَهِيَ أُختي الغالية عَلَيَّ ، واللَّه يَرْزقها الزَّوْجَ
الصالحَ الذي يَسْتُر عَلَيْه وَيُسْعِدها .
انْتَقَى أبي كَلِمَاتِه
بِعِنايةٍ فائقةٍ كَيْ يَظْهَرَ أمامَ مَسعود كَأجيرٍ أمينٍ وصادقٍ ومُحترم ،
وَرُبَّمَا حَاجَة أبي إلى العَمَلِ وَالمَالِ ، بَعْدَ أنْ مَلَّ مِنَ الكَسَلِ
والبَطَالَةِ وكَثرةِ النَّوْمِ والتَّسَكُّعِ ، جَعَلَتْهُ يَتَصَرَّف كَأبٍ
صالحٍ ، وإنسانٍ مُهذَّب ، عَلى غَيْرِ عادته ، فالمالُ لَهُ بَرِيقٌ هائلٌ
ومَفعولٌ سِحْرِيٌّ ، ويَبَدُو أنَّه رَوَّضَ الوَحْشَ المُختبئ في أعماقِ أبي
السَّحيقةِ . وأبي مُسْتَعِد أنْ يَفْعَلَ أيَّ شَيْءٍ مِنْ أجْلِ المَالِ ،
وَمُستعِد أنْ يَنْتقل مِنَ الضِّدِّ إلى الضِّدِّ ، وَمِنَ النَّقِيضِ إلى
النَّقِيضِ . المالُ هُوَ المُخَدِّرُ الذي أدْمَنَ أبي على تَعَاطِيه ، فَهُوَ
يُريحُ أعصابَه ، حَتَّى لَوْ كانَ تأثيرُه مُؤقَّتًا.وإنْ كانَ لَكَ حَاجَة عِنْد
الكَلْبِ ، فَقُلْ لَهُ : يا سَيِّدي . وللأسفِ الشَّديدِ ، لَقَدْ صَدَّقَ
الكِلابُ أنَّهُم سَادَةٌ حَقًّا .
صارَ أبي المُشْرِفَ العام على
مَقهى القَوْمِيَّة العربية والعاملَ الوَحِيدَ فِيه ، معَ أنَّه لا يَعْرِفُ
مَعنى كَلِمَة القَوْمِيَّة . وصارَ يُقَدِّمُ الشَّايَ والقَهْوَةَ والمُرطِّبات
حَسَب رَغبةِ الزَّبائن ، وحاولَ مَسعود بِوَصْفِهِ مَالِكًا للمَقهى إدخالَ
الشِّيشةِ في قائمةِ الطَّلَبَاتِ ، ولكنَّ الشَّيْخَ هِشام عبد الهادي اعترضَ ،
وقالَ إنَّ الشِّيشة حَرَامٌ شَرْعًا ، وتُسبِّب الضَّعْفَ الجِنْسِيَّ عِند
الرِّجالِ ، لذلك لَعَنَ الناسُ الشِّيشةَ ، وخَافُوا مِنْهَا ، وَلَمْ تَدْخُل
المَقهى إطلاقًا .
نَقَلَ أبي المِذياعَ الكَبير
مِنْ الدُّكَّانةِ إلى المَقهى، وَثَبَّتَه في زاوية مُرتفعة، وتَحْتَه قاعدة خَشَبِيَّة،
وَوَضَعَ عَلَيْهِ غِطَاءً أبْيَض طَرَّزَتْهُ سَمَاح ، ومَزهريةً زَرْقَاء فِيها
أربع وَرْدَات ، ولا أعْرِفُ كَيْفَ حَصَلَ عَلى الوَرْدَاتِ في هذه البيئة
الصَّحْراوية . وقَدْ أرادَ مَسعود اعتمادَ كَلِمَة " مِذياع " ،
ونَشْرَها بَيْنَ الناس ، وحَثَّهُ عَلى ذلك الشَّيْخُ هِشام عبد الهادي حِرْصًا
على اللغةِ العربيةِ لُغَةِ القُرآنِ الكريمِ . لكنَّ أبي الجاهلَ انقلبَ على
شَيْخِهِ العَالِمِ، وَطَلَبَ مِنْ مَسعود اعتمادَ كَلِمَة " راديو "
الأجْنَبِيَّة ، كَيْ يَشْعُرَ الزَّبائنُ أنَّ مَقهى القَوميةِ العَربيةِ
مُتَحَضِّرٌ ومُتَطَوِّرٌ وَرَاقٍ ، فَيُقْبِلُوا عَلَيْهِ بكثرةٍ ، وتَزْداد
الطَّلباتُ ، ويَكْثُر المَالُ والأرباحُ . وكانَ أبي وَمَسعود مُخْتَلِفَيْن في
كُلِّ شَيْءٍ إلا في عِشْقِ المَالِ ، فهذا هُوَ العَامِلُ المُشترَك الوحيد
بَيْنَهُما ، لذلك أُعْجِبَ مَسعود بِفِكرةِ أبي ، وقالَ لَهُ وعَيْنَاهُ
تَلْمَعَان بِشِدَّةٍ :
_ أنتَ عَبقري يا سَلْمان،
ولَدَيْكَ عَقْلِيَّة تِجاريَّة ، وَسَوْفَ نَكْسِبُ الكثيرَ مِنَ المَالِ . وإذا
قامت الحَرْبُ فَسَوْفَ نَرْفَعُ الأسعارَ في المَقهى ، وَتَزْداد أرباحُنا ،
ونَتقاسمها مَعًا .
أَقْبَلَ الناسُ عَلى المَقهى
لِسَمَاعِ الرَّاديو ، وتَنَاوُلِ المَشروباتِ المُختلفةِ . وكُلَّمَا سَمِعُوا في
الراديو أُغْنِيَةً وَطنيةً حَمَاسِية ، أوْ تَصْريحًا ناريًّا ، أوْ بَيَانًا
هُجُوميًّا ، أوْ خَبَرًا عَن الحَرْبِ ، هَاجُوا ومَاجُوا ، وَوَقَفُوا كَيْ
يُصَفِّقوا ويُصَفِّروا ويَدْبِكُوا ، ويَهْتِفُوا لقائدِ الأُمَّةِ العربية جمال
عبد الناصر ، باعتباره البطل المُخلِّص الذي سَيْقْضِي على اليَهُودِ في
فِلَسْطِين، ويُحرِّرها مِنَ الاحتلالِ الصَّهْيُوني.
كانت الأغاني التي تَمَّ
إنتاجُها تَعْكِسُ المَشاعرَ الوَطنيةَ والقَوْمِيَّة ، وبَعْضُهُا كانَ يَحْمِلُ
رسائل تَحْذيرية أوْ تَحْريضية . وخِلال أيَّار 1967 ، سَجَّلَت المُطْرِبَةُ
أُمُّ كُلْثُوم في الإذاعةِ المِصْرِيَّة سَبْعَةَ نِداءاتٍ حَمَاسِيَّة ، استمرَّ
بَثُّهَا حَتَّى نِهايةِ أيَّار والأيَّامِ الأُولَى مِنْ شَهْرِ حَزِيران 1967 .
كانت النِّداءاتُ مُوجَّهة بشكل مُباشِر للجُنودِ على جَبْهَةِ القِتَالِ ، بَعْدَ
قَرارِ التَّعبئةِ العَامَّةِ ، وظُهورِ بَوادرِ الحَرْبِ بَعْدَ غَلْقِ مَضِيقِ
العَقَبَةِ ، وكانَ الهَدَفُ مِنها بَثَّ الحَمَاسَةِ فِيهِم ، ورَفْعَ رُوحِهِم
المَعنوية ، وتَشجيعَهم على القِتَالِ .
في تِلْكَ الفَترةِ المُلتهبة
أقنعَ أبي أُمِّي أنْ يُسَمِّيَ المَولود " ناصر " ، مِنْ شِدَّةِ
إعجابِه بالزَّعيمِ جمال عبد الناصر . وكانَ أبي يَشْعُرُ بِحَماسةٍ عظيمةٍ في
أجواءِ الحَرْبِ ، والخِطَابَاتِ الرَّنَّانَة ، والتَّهديداتِ الناريَّة . وأكثرُ
مَا كَان يُعْجِبُه ويُسْعِدُه ويَجْعله يَطِير مِنَ السَّعَادة هُوَ أنَّ الزعيم
جمال عبد الناصر أَخَذَ أراضي الأغنياءِ والإقطاعيين والأرستقراطيين ،
وَوَزَّعَهَا على الفُقراءِ والفلاحين ، ضِمْن سِياسة " الإصلاح الزِّراعيِّ
" ، حَيْثُ شَمِلَتْ هذه السِّياسةُ إعادةَ تَوزيعِ الأراضي المَملوكة
للأعيانِ وَذَوِي النُّفُوذِ على الفلاحين الذي لا يَمْلِكُون أراضي ، لِتَحقيقِ
العَدالةِ الاجتماعيَّة ، وتَحسينِ الظُّروفِ المَعيشية للفلاحين . تَمَنَّى أبي
لَوْ يَحْصُل على قِطعة أرض كبيرة ، ويَنتقل مِنْ رَعْي الغَنَمِ إلى الزِّراعةِ ،
لأنَّه كانَ يَعتبر الفَلَّاحَ أرْقَى وأعْلَى مِنْ رَاعِي الغَنَمِ . حَتَّى إنَّ
أبي فَكَّرَ أنْ يَذهب إلى مِصْر، ويَقُومُ بِسَرقةِ أراضي الأغنياءِ ، ويَسْتَوْلي
عَلَيْهَا، فَقَد اعْتَبَرَ أنَّ الأغنياءَ لُصُوص، إنْ لَمْ تَسْرِقْهُم فَسَوْفَ
يَسْرقونك ، وكانَ يَرى أنَّ الحُكَّامَ لُصُوصٌ ، والمَحكومين لُصُوص ، والجميع
لُصُوص ، وأنَّ الشاطر مَنْ يَستطيع سَرِقَةَ الآخَر ، والاستيلاءَ على مُمتلكاته
، وعِندما يَغِيب القانونُ يُصبح كُلُّ شَخْصٍ هُوَ القانونَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ
ذِئبًا أَكَلَتْكَ الذِّئَابُ . هَذه هِيَ فَلسفةُ أبي في الحَيَاةِ ، وَهُوَ
مُسْتَعِد أنْ يُضَحِّيَ بأيِّ شَيْءٍ مِنْ أجْلِ المَالِ .
صَارَ أبي يَتَرَدَّد على
بَيْتِ مَسعود ، يَجْلِسَان مَعًا سَاعَاتٍ طَويلة ، للتَّخطيطِ كَيْفَ
يَحْصُلُونَ على أموالِ الزَّبائنِ، ويَستغلونهم ، وَيَجذبونهم إلى سَمَاعِ
الراديو ، وَتَنَاوُلِ أكبرِ كَمِّيَّةٍ مُمْكِنَة مِنَ المَشروباتِ . يَنْبغي أنْ
يَستغلوا أجواءَ الحَرْبِ والخَوْفِ والقَلَقِ لِتَحقيقِ أكْبَرِ الأرباحِ
والمكاسب .
حاولتْ سَمَاح التَّقَرُّبَ إلى
أبي أثناءَ زيارته لِبَيْتِهِم . تَتَكَلَّم مَعَهُ بِغُنْجٍ وَدَلَعٍ وَدَلالٍ ، وتَرتدي
مَلابس ذات ألوان زاهية ، تُظهِر مَفاتنَها ، فَقَدْ دَبَّتْ فِيها الغَيْرَةُ
بَعْدَ إنجابه ابْنه " ناصر" ، وَتَمَنَّتْ لَوْ كانتْ هِيَ أُمَّه . صحيحٌ
أنَّ أبي لَمْ يَكُنْ وسيمًا مِثْلَ نُجومِ السِّينما ، ولَمْ يَكُنْ غنيًّا
مِثْلَ رِجَالِ الأعمالِ، ولكنَّه ذُو بُنيةٍ جسدية قوية، أسمرُ البَشَرَةِ، وكثيف
الشَّعْر ، ومَلامحُ وَجْهِه حادَّة وقاسية ، وَرَعْيُ الأغنامِ تحت أشِعَّةِ
الشمس الحارقة لسنواتٍ طويلة أكْسَبَهُ قُدرةً فائقةً على التَّحَمُّلِ والصَّبْرِ
، رَغْمَ عَصبيته ومِزَاجِه المُتَقَلِّب .
وَمِنَ الواضحِ أنَّ خَوْفَ
سَمَاح مِنَ العُنوسةِ أفْقَدَهَا التركيزَ ، وحَطَّمَ غُرورَها ، ودَمَّرَ
كِبرياءَها . لَقَدْ رَفَضَت الزَّواجَ مِنْ أبي لأنَّه رَاعِي غَنَمٍ فقيرٌ
وَمُعْدَمٌ ، لَيْسَ لَهُ عَشيرة ولا قَبيلة ، حَتَّى إنَّ بَعْضَ أهْلِ القَريةِ
كانوا يَقُولُون إنَّ أبي ابْنُ حَرَامٍ ، جاءَ إلى القَريةِ مِنْ خَارِجِهَا ،
ولا يَنْتَمي إلَيْهَا، ولا أحَدَ يَعْرِف مَنْ هُوَ أبُوه وَجَدُّه . لَقَدْ
فَكَّرَتْ سَمَاح أنَّها سَتَحْظَى بِعَريسٍ مُمتاز ، يَمْلِكُ المَالَ ،
وَيَنْتَمي إلى عَائلةٍ مَعروفة أوْ عَشيرةٍ كبيرة، ولكنَّ أحَدًا لَمْ
يَتَقَدَّمْ لطلبِ يَدِها للزَّواجِ، لأنَّها مَغرورة ومُتَكَبِّرة، كما أنَّ
عَدَدًا كبيرًا مِنْ شَبابِ القَريةِ القادرين على الزَّواجِ هاجروا إلى العَاصمةِ
بَحْثًا عَن فُرَص في الدَّرَاسَةِ والعَمَلِ . يَبدو أنَّ سماح وَقَعَتْ في
الفَخِّ القاتلِ ، والمِصْيَدَةِ المُؤلِمَةِ ، وَسَيْطَرَ عَلَيْهَا الخَوْفُ
الرَّهيبُ . خَافَتْ أنْ يَفُوتَهَا قِطَارُ الزَّواجِ ، وتُصبح " عانس
" بشكلٍ رَسميٍّ .
عِندَمَا أرادَ أبي مُغادرةَ
بَيْتِهِم في إحدى المَرَّاتِ ، أوْصَلَتْهُ سَمَاح إلى الباب ، وَوَقَفَتْ مَعَه
، وقالتْ وَهِيَ تَمُطُّ الكَلامِ مَطًّا ، وتَتَعَمَّد الدَّلَعَ والدَّلالَ،
وَتَلْعَب بِخُصَلاتِ شَعْرِهَا :
_ لَوْ تَزَوَّجْنَا يا
سَلْمَان ، لَكَانَ ناصر ابني ، وَلَيْسَ ابْنَ سَميحة الخَدَّامة التي تَتَلَقَّى
الأوامرَ مِنْ أسيادِها الذينَ تَعْمَل عِنْدَهُم .
_ الزَّواجُ قِسْمَة ونَصِيب
يا سماح ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إلَيْكِ ، ولكنَّكِ رَفَضْتِني .
_ كُنْتُ أمْزَحُ مَعَكَ يا " أبو ناصر
" ، وأتَدَلَّلُ عَلَيْكَ لأعْرِفَ مَعَزَّتي عِنْدَكَ ، وأتَحَقَّق مِنْ
صِدْقِ مَشاعرِكَ نَحْوِي .
وأرْدَفَتْ قائلةً بِنَبْرَةٍ
مُتعالية :
_ لا أعْرِفُ كَيْفَ تَنَامُ
معَ زَوجتك سَميحة الخَدَّامة ، أكيد رائحتها مُقْرِفة مِنْ كَثرةِ الشُّغلِ
والتَّنظيفِ في البُيوتِ . إنَّ أبي أحْضَرَ لِي عِشرين زُجَاجَة عِطْر مِنَ
العَاصِمَة ، كُلُّهَا ماركات أجنبيَّة .
_ عَلى قَد لِحافك مد
رِجْلَيْك ، وكُلُّ إنسانٍ يأخُذ نصيبَه في هَذه الحَياة يا سَمَاح ، وسَميحة تتعب
كثيرًا في العَمَلِ لِتَحصيلِ لُقمةِ العَيْشِ ، وَهِيَ أُمٌّ وزَوْجة وَرَبَّة
بَيْتٍ .
ضَحِكَتْ سَمَاح ضِحْكَةً
عاليةً ، وقالت ساخرةً :
_ رَبَّة بَيْتٍ أَمْ رَبَّة
زريبة ؟ .
تَضَايَقَ أبي مِنْ هَذا
الكلامِ ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِه ، وَرَمَى نَظَرَه إلى الأرضِ شاعرًا
بالخِزْيِ والعارِ . لاحظتْ سَمَاح هَذا التَّغَيُّرَ ، وقالتْ مُتَدَارِكَةً
المَوْقِف ، وَمُحَاوِلَةً تَغييرَ الجَوِّ :
_ لا تزعل مِنِّي يا "
أبو ناصر " ، كُنْتُ أمزح مَعَك ، وأُحَاوِل إضحاكَك ، وَلَمْ أقْصِدْ جَرْحَ
شُعورِك .
وعَمَّ الصَّمْتُ الجارحُ
بَيْنَهُما،وَلَمْ يَعْرِفْ أبي مَاذا يَقُول. أَخَذَتْ سَمَاح زِمَامَ المُبَادَرَة
، وقالتْ:
_ جَاوِبْني بِصَراحةٍ يا
سَلْمَان ، اسْمُ سَمَاح أحْلَى أَم اسم سميحة ؟ .
_ سَمَاح حُلْو ، وسميحة حُلْو
.
_ ولكنَّ سَمَاح لَيْسَتْ
خَدَّامة في البُيوتِ . واسمُ سَمَاح يَدُلُّ على ابنةِ العِزِّ ، بِعَكْسِ سَميحة
.
وتابعت الكلامَ وكأنَّها
انتصرتْ في هَذا الحِوار ، وتَفَوَّقَتْ على أبي ، وأفْحَمَتْه :
_ انتظِرْني قليلًا يا سلمان ،
هُناك أشياء أُريدُ إحضارَها مِنْ دَاخِلِ البَيْتِ :
وغَابتْ مُدَّةً قصيرة ، ثُمَّ
عادتْ وفي يَدِهَا مَبْلَغ مِنَ المَالِ ، وكِيس أسْوَد ، وقالتْ بلهجةِ القائدِ
الواثقِ مِنْ نَفْسِه ، والمُنتصِر في مَعاركه :
_ هَذا المَبْلَغُ نقوط ناصر ،
وهَدِيَّة مِنِّي لَه ، فأنا بِمَثابةِ أُمِّه ، وَهُوَ مِثْل ابني . وهَذا الكِيسُ
الأسْوَدُ فِيه فستان أحْمَر وزُجَاجَة عِطْر لأُخْتي أُمِّ ناصر، كَيْ
تَتَزَيَّنَ لَكَ ، وَتُغَيِّر رائحةَ جِسْمِهَا، ولكن اطْلُبْ مِنها أنْ
تَسْتَحِمَّ جَيِّدًا قَبْلَ أنْ تَلبسه . " وإنْ كان حبيبك ثور البسْ له
أحمر " .
5
يَوْم الخامس مِنْ حَزِيران
1967 ، كانَ يَوْمًا شَديد الحَرارةِ ، والصَّيْفُ بدأ يَشْتَدُّ ، والتَّعَبُ يُسيطر
على عُقولِ الناسِ وأبدانِهم. تَجَمَّعَ رِجَالُ القَريةِ في مَقهى القَوْمِيَّةِ
العربية ، وازدادَ الطَّلَبُ عَلى المُرطِّبات . الرَّاديو بُركان ثائرٌ يَقْذِفُ
الكَلِمَاتِ الناريَّة في كُلِّ الاتِّجاهات . فِعْلًا إنَّها الحَرْبُ، ولا شَيْء
غَيْر الحَرْبِ. الأغاني الحَمَاسِيَّةُ تَنطلق مِنْ إذاعةِ عَمَّان، وإذاعةِ
دِمَشْق ، وَصَوْتِ العَرَبِ .
رِجَالُ القَريةِ يَسْمَعُون
الأخبارَ ، وَهُمْ يَكَادُون يَطِيرُون مِنَ السَّعادةِ . وُجُوهُهُمْ تَعْلُوها
الفَرْحَةُ بالنصرِ القادمِ لا مَحَالَة، وَبَياناتُ المُذيعِ اللامعِ أحمد سعيد
مِنْ إذاعةِ صَوْتِ العَرَبِ تَهْدِرُ كالرَّعْدِ، وتَنطلق كالزِّلزالِ، وتَبُثُّ
الحَمَاسَ والإثارةَ في نُفُوسِ المُستمعين ، وتَزرع النَّشْوَةَ العارمةَ في
قُلوبِهم.
أحضرَ مَسعود بَعْضَ أنواعِ
الحَلْوَى والشُّوكولاتةِ ، وبدأ يُوزِّعها على رجال القَريةِ الذينَ كانوا
يَرقصون ويُغَنُّون ويَدْبِكُون فَرَحًا بالانتصارِ العظيمِ والسَّريعِ . وكانَ
المُختارُ أبو حَسَن كُلَّمَا سَمِعَ عَنْ إسقاطِ طائرةٍ أمْسَكَ مُسَدَّسَه ،
وأطْلَقَ رَصَاصَةَ فَرَحٍ في الهَوَاءِ ، والأطفالُ يَبْحَثُونَ عَن الطَّلْقَةِ
الفارغةِ ( الفشكة ) . حَتَّى إنَّ أبي الذي لا يُفَكِّر إلا بالمالِ وكَيفيةِ
جَمْعِهِ وتَخْزينِه ، وَضَعَ على جَنْبِه خَنْجَرًا حَديديًّا صَدِئًا وَجَدَه
مَرْمِيًّا في إحدى الزَّرائبِ ، وارتدى ثِيابًا بَالِيَةً شَبيهةً بالمَلابسِ
العَسكرية ، فَهُوَ يُريدُ أنْ يَعيشَ عَلى أرْضِ المَعركة ، ويَدْخُل في جَوِّ
الحَرْبِ .
انفردَ مَسعود بأبي ، وقالَ لَهُ
وَهُوَ يَتَلَفَّتُ حَوْلَه :
_ إذا اسْتَمَرَّت الحَرْبُ يا
" أبو ناصر" سَنَةً أوْ سَنَتَيْن ، فَسَوْفَ نُصبح أنا وأنتَ أغنى مِنْ
تُجَّارِ العاصمةِ، وَسَوْفَ أُزَوِّجُكَ سَمَاح كَي تَظَلَّ الثَّروةَ مَحصورةً
في العائلةِ، ولا تَنتقل إلى شَخْصٍ غَريب.
فَرِحَ أبي بِهَذا الكَلام ،
وقالَ بِلَهْجَةِ الواثقِ :
_ مِنَ الضَّروريِّ تَوسيعُ
الدُّكَّانةِ والمَقهى، وإدخالُ الشِّيشةِ،وبَيْعُ صُورِ الزَّعيمِ جمال عبد
الناصر لِتَحقيقِ أكبر رِبْح مُمْكِن .
_ التِّجارةُ خُطوةٌ خُطوةٌ يا
" أبو ناصر" ، وَسَوْفَ نَرى كَمْ تَستمر الحَرْبُ ، ثُمَّ نَجْلِسُ أنا
وأنتَ للتَّخطيطِ وَدِراسةِ المَشروعاتِ .
كانَ أبي ومَسعود يُشكِّلان
فَرِيقَ عَمَلٍ وَاحِدًا ، ولا يُفَكِّران إلا بالمَالِ ، وَقَد اعْتَبَرَا هذه
الحَرْبَ فُرصةً ذهبية لِتَحقيقِ الثَّرَاءِ السَّريعِ ، وَسَوْفَ يَنْزِل
عَلَيهما المالُ كَالمَطَرِ ، ويُصبحان مِنَ الأغنياءِ . المُهِمُّ عَدَمُ الاستعجالِ
، وصُعُودُ السُّلَّمِ دَرَجَةً دَرَجَةً .
في حَرْبِ 1967 ، بَرَزَ اسْمُ
المُذيعِ اللامع أحمد سعيد ، فَهُوَ بالنِّسبةِ لِمُستمعي الرَّاديو وإذاعةِ
صَوْتِ العَرَبِ عَلامةٌ مُسَجَّلَةٌ لِحَرَكَةِ العُروبةِ . تَمَتَّعَ بِصَوْتٍ
مُمَيَّز جَذَبَ الكثيرَ مِنَ المُستمعين ، وأصبحَ نَجْمًا إذاعيًّا ، وتَزَايدتْ
شُهْرَتُه وَشَعْبيته. وكانَ يَنْقُلُ بَياناتِ الجَيْشِ المِصْرِيِّ ، ولكنَّ
أحَدًا لَمْ يَعْلَمْ بِهَزيمةِ الجَيْشِ المِصْرِيِّ وَرِجَالِهِم ، وسُقُوطِ
طائراتِهم في الحَرْبِ ، فكانَ للراديو دَوْرٌ كبيرٌ في مُحاولةِ بَثِّ الحَمَاسِ
في نُفُوسِ الناسِ . أذاعَ أحمد سعيد بيانًا كاذبًا ، وأعْلَنَ انتصارَ الجَيْشِ
المِصْرِيِّ في 1967 ، وأعْلَنَ انتصارَ مِصْر الساحقَ ، وإسقاطَ عَشَرَاتِ
الطائراتِ الإسرائيليَّة في الوَقْتِ الذي شَهِدَتْ فِيه جَميعُ الجَبَهَاتِ
هَزيمةً ساحقةً للجَيْشِ المِصْرِيِّ مِنْ قِبَلِ الجَيْشِ الإسرائيليِّ ، وَتَمَّ
قَصْفُ الطائراتِ المِصْرِيَّة وتَدميرُها . واستيقظَ الناسُ في هَذا اليَوْمِ على
حالةٍ مِنَ الفَرَحِ والسَّعَادَةِ والنَّشْوَةِ ، ثُمَّ استمعوا إلى بَيانِ أحمد
سعيد بِسُقوطِ المِئاتِ مِنْ طَائراتِ العَدُوِّ الإسرائيليِّ ، وكأنَّ الجَيْشَ
المِصْرِيَّ يُطْلِقُ نِيرانَه عَلى أسرابِ حَمَامٍ لا أسرابِ طَائراتٍ .
في مَسَاءِ التاسعِ مِنْ
حَزِيران 1967 ، خَيَّمَ الصَّمْتُ الثقيل على بُيوتِ القَرْيةِ وأزِقَّتِهَا
المُعْتِمَةِ، وكانَ مَقهى القومية العربية مُمْتَلِئًا عَنْ آخِرِه ، لا يُوجَد
مَكَانٌ فارغٌ فِيه ، الناسُ جالسون على الكَرَاسِيِّ والطاولاتِ والأرْضِ،
والكثيرون كانوا واقفين في الخارجِ على أقْدَامِهِم مِنْ شِدَّةِ الازدحامِ.
الناسُ مَذهولون أمامَ جِهَازِ الراديو، يُنْصِتُون إلى خِطَابِ الزَّعيمِ جمال
عبد الناصر ، حَيْثُ أعْلَنَ فِيه هَزيمةَ الجَيْشِ المِصْرِيِّ ، وَتَحَمُّلَه
المسؤولية ، وأعْلَنَ تَنَحِّيه عَن رِئاسةِ الجُمهورية .
استمعَ الناسُ إلى خِطَابِهِ
مِنْ بِدايته إلى أنْ قالَ : (( نَصِلُ الآنَ إلى نُقْطَةٍ
هامَّة في هَذه المُكَاشَفَةِ بِسُؤال أنفُسِنَا : هَلْ مَعنى ذلك أنَّنا لا نَتَحَمَّل
مَسؤوليةً في تَبِعَاتِ هَذه النَّكْسَةِ ؟ ، وَأقُولُ لَكُم بِصِدْقٍ ،
وَبِرَغْمِ أيَّة عوامل قَدْ أكُون بَنَيْتُ عَلَيها مَوْقفي في الأزمةِ ، فَإنَّني
على استعداد لِتَحَمُّلِ المَسؤوليةِ كُلِّهَا ، وَلَقَد اتَّخَذْتُ قَرَارًا أُريدُكُم
جَمِيعًا أنْ تُسَاعِدُوني عَلَيْه ، لَقَدْ قَرَّرْتُ أنْ أتَنَحَّى تَمَامًا ونِهائيًّا
عَنْ أيِّ مَنْصِبٍ رَسْمِيٍّ ، وأيِّ دَوْرٍ سِيَاسِيٍّ ، وأنْ أعُودَ إلى صُفوفِ
الجَمَاهير ، أُؤَدِّي وَاجِبي مَعَهَا كَأيِّ مُوَاطِنٍ آخَر )) .
وَمَا إنْ أنهى كَلامَه حَتَّى
عَمَّ الصُّراخُ والفَوضى في المَقهى ، وَهَجَمَ أحدُهم على الراديو ، وقامَ
بِتَحطيمِه، وَتَمَّ تَكسيرُ الطاولاتِ ، وتقاذفَ الناسُ بالكراسيِّ ، وَسَكَبُوا
الشَّايَ والقَهوةَ على الأرْضِ، ومَسعود يَركضُ في المَكَانِ، وأبي يَدُورُ في
حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ، ولا يَعْرِفَان ماذا يَفْعلان في هَذه الفَوضى.
صَرَخَ مَسعود بأعلى صَوْتِه :
_ اتركوا الكراسي والطاولات ، اللَّه
يخرب بُيوتكم كما خربتم بُيوتنا . المَقهى انتهى ، والبِضاعةُ ضاعتْ ، والراديو
تَحَطَّمَ . لَقَدْ خَسِرْتُ كُلَّ أموالي ، وضاعتْ جميعُ مُمْتلكاتي .
الْتَفَتَ مَسعود إلى أبي ،
وقالَ لَهُ وَهُوَ في حالة هِستيرية :
_ المالُ رَاحَ يا سَلْمَان ،
كُلُّ أحلامِنا سَرَابٌ ، ومَشاريعُنا التِّجارية انتهتْ . قَضَيْنَا حَيَاتَنا
نَكذِب على بَعْضِنا البَعْض ، أنا وأنتَ سَنُصبح مِنَ الشَّحَّاذِين بَعْدَ أنْ
خَسِرْنَا المَقهى . لَمْ يَكُنْ حُلْمًا بَلْ كانَ كابوسًا .
وَرَاحَ يُردِّد هَذه العِبارة
الأخيرة كأنَّه رَجُلٌ آلِيٌّ يَتَحَدَّث مَعَ نَفْسِهِ بشكلٍ لا إراديٍّ :
_ لَمْ يَكُنْ حُلْمًا بَلْ
كانَ كابوسًا، لَمْ يَكُنْ حُلْمًا بَلْ كانَ كابوسًا ، لَمْ يَكُنْ حُلْمًا بَلْ
كانَ كابوسًا.
غادرَ الزَّبائنُ المَقهى
بَعْدَ أنْ قاموا بِتَكسيرِه وتَخريبِ مُحتوياتِه وتَحطيمِ الراديو . كأنَّ شيئًا
لَمْ يَكُنْ . غابوا في جَسَدِ الليلِ ، وذابوا في العَتَمَةِ الجارحة ، وتَبَخَّرَتْ
أحلامُهم في الظلامِ الحامضِ، وكُلُّ شَيْءٍ ضاعَ . الأزقةُ المُعْتِمَة تَمْتَصُّ
خُطُواتِهم الذابلة ، وتُمزِّق أجسادَهم المُنهارة ، وَتُحْرِقُ أرواحَهم الذابلة
.
عَمَّ الفَرَاغُ في المَقهى الذي
كانَ مُمتلئًا بالناسِ ، وخَيَّمَ السُّكُونُ الرَّهيبُ على هَذه البُقْعَةِ .
كانَ المَقهى خَرَابًا كاملًا، ودَمَارًا شاملًا.ومَنْ رَآه يَظُن أنَّ زِلزالًا
ضَرَبَ المَكَانَ، وتَرَكَه أثَرًا إثْرَ عَيْنٍ.
كانَ مَسعود جَالِسًا على
الأرْضِ ، ويُغَطِّي وَجْهَه بِيَدَيْه ، فَهُوَ لا يُريدُ رُؤيةَ حُلْمِه الضائع
. لَقَد اشترى الرَّاديو بِمَبلغٍ كبير ، واستثمرَ مالًا كثيرًا في المَقهى ، عَلى
أمَلِ أنْ يُصبح غنيًّا ، وَمِنْ أثرياءِ الحَرْبِ . وأبي كانَ جالسًا إلى جَنْبِ
مَسعود ، يُحدِّق في الراديو المُحَطَّم الذي كانَ يُمثِّل الأمَلَ الأخيرَ لأهْلِ
القَريةِ ، ويُوزِّع نَظراتِه على الكراسي المُتناثرة ، والطاولاتِ المَكسورةِ .
ورائحةُ الشَّايِ والقَهوةِ تَمْلأ المَكَانَ .
أدركَ أبي أنَّ حُلْمَ
الثَّروةِ ضَاعَ إلى الأبدِ ، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ انتهى ، وأنَّ الحُلْمَ الرائعَ
صَارَ كَابُوسًا مُخِيفًا. استجمعَ قُوَاه ، وقالَ بِصَوْتٍ حَزين :
_ جمال عبد الناصر سَبَبُ
المَصائبِ والهَزائمِ ، بَيَّاع كلام ، وبتاع الثلاث وَرَقَات . اللَّه يخرب بيتك
يا جمال عبد الناصر كما خربت بيوتَنا ، وَدَمَّرْتَ المَقهى. إذا كُنْتَ عاجزًا
عَن الحربِ، لماذا تُحَارِب ؟ . ابْقَ نائمًا معَ زَوجتك ، ومُخْتِبئًا في غُرفةِ
النَّوْمِ ، وافطرْ " فُول وطَعْمِيَّة " . واتْرُكْنا لمصيرنا ، واتْرُك الحَرْبَ
لأصحابِهَا ورِجَالِهَا .
ضَحِكَ مَسعود ضِحكةً سَوداء ،
وقال بِسُخريةٍ واستهزاء :
_ عَدَدِ الراقصاتِ في مِصْر
أكثر مِنْ جُنودِ الجَيْشِ المِصْرِيِّ .
قالَ أبي وَهُوَ يَضْحَك مِنْ
شِدَّةِ الألَمِ :
_ ولكنَّ الراقصات مَنصورات ،
ولا يَرْفَعْنَ الراياتِ البَيضاء . والجُنودُ مَهزومون ، وَرَفَعُوا الراياتِ
البَيضاءِ .
قالَ مَسعود بِلَهجةِ
المُحلِّل السِّيَاسِيِّ والمُصْلِحِ الاجتماعيِّ الذي يُفَسِّر ظواهرَ المُجتمع :
_ الراقصاتُ دائمًا مَنصورات،
لأنَّهُنَّ يَرْفَعْنَ الأفخاذَ البَيضاء .
قالَ أبي وَوَجْهُهُ يَزداد صَلابَةً
وخُشونةً ، وفَمُهُ يَعِجُّ بالزَّبَدِ :
_ سَمِعْتُ شَابًّا مُثَقَّفًا
يَبْدُو أنَّهُ مُتَعَلِّم ويَقْرَأ الكُتُبَ كثيرًا ، يَقُول والأسى ظَاهِرٌ عَلى
مَلامِحِه : أُمَّةٌ بدوية باعتْ شَرَفَها مِنْ أجْلِ بَراميلِ النِّفْطِ ،
وَبَحَثَتْ عَن الشَّرَفِ بَيْنَ أفخاذِ النِّسَاءِ . الراياتُ مُنَكَّسَةٌ
ومُلَوَّنةٌ مِثْل المَلابسِ الداخلية النِّسائية. دُوَيْلاتٌ لَقِيطَةٌ
اخْتَرَعَتْهَا اتِّفَاقية سايكس بيكو .
_ هَذا شاب حِمَار ، لَوْ كانَ
مُثَقَّفًا لَهَاجَرَ مِنْ هَذه القَريةِ التافهةِ . هَذه القَريةُ عِبارة عَنْ
مَقبرةٍ، لَيْسَ فِيها مَكَانٌ للعُلماءِ والمُفكِّرين والمُثَقَّفِين . مِسْكين
هَذا الشَّاب ، لَيْسَ لَهُ مُستقبَل في هذه القرية . لَقَدْ ضاعَ مُستقبَله مِنْ
زَمَانٍ ، وَسَوْفَ يَتْعَب في حَياته . الجُنونُ الذي يُوصِلُكَ إلى الرَّاحَةِ
أفضلُ مِنَ العَقْلِ الذي يُوصِلُكَ إلى التَّعَبِ .
قالَ أبي بِنَبرةٍ خافتةٍ
وَالبَرِيقُ يَذبُل في حَوَاسِّه :
_ أخي مَسعود ، هُناك مَوضوع
كُنْتُ أُريدُ أنْ أطرحه عَلَيْك ، وأنا خَجْلان مِنْك . أنا لَمْ أحْصُلْ عَلى
أيَّة أُجْرَة طِيلة فَترةِ عَمَلي في المَقهى، وأنا الآنَ أبٌ ، وأحتاجُ إلى المَالِ
كَيْ أُنفِقَ عَلى أُسْرتي.
مَا إنْ سَمِعَ مَسعود هَذا
الكَلامَ حَتَّى هَبَّ واقفًا كالمَلسوعِ ، وقالَ كَالمجنونِ الذي خَسِرَ عَقْلَه،
وَفَقَدَ السَّيطرةَ عَلى أعْضَائِهِ وحَرَكَاتِه :
_ عَنْ أيَّة أُجْرَة
تَتَحَدَّث يا سَلْمَان ؟، الجُيوشُ مَهزومةٌ، والجُنودُ مُستسلمون ، والبِلادُ
ضائعة، وأنتَ تُريدُ أُجْرة ؟. خُذْ أُجْرَتَكَ مِنْ جَمال عبد الناصر ، اطْلُبْ
مِنْهُ قِطعة أرض مِنَ التي سَرَقَهَا مِنَ الأغنياء . احْمَدْ رَبَّكَ أنَّني
قَبِلْتُ بِكَ أجيرًا في المَقهى . الدُّنيا مَقلوبة ، وأنتَ عَقْلُكَ في المَالِ
. لماذا تَحتاج المالَ يا سَلْمان ؟ ، ألَيْسَتْ زَوجتك الخَدَّامة هي التي تُنفِق
عَلى البَيْتِ ؟ . ارْجَعْ ونَمْ في البَيْتِ، وَاقْضِ حَيَاتَكَ مُتَسَكِّعًا في
طُرُقاتِ القَريةِ.الحُكوماتُ تُحِبُّ النائمين والمَسْطُولين ، لأنَّ المُستيقظين
يُشَكِّلون خَطَرًا عَلَيها.ولا تزعل يا سَلْمان،أنتَ وجمال عبد الناصر عَاطِلان
عن العَمَل.
صارَ الدَّمُ يَغْلي في جَسَدِ
أبي ، واحْمَرَّتْ عَيْنَاه ، وَبَحَثَ عَنْ أيَّة قِطْعة في المَقهى المُدمَّر
كَيْ يُحَطِّمَهَا عَلى رَأس مَسعود ، ولكنَّ المَقهى كانَ خَرَابًا ، وكُلُّ
شَيْءٍ فِيه مُكسَّر ومُحطَّم .
لَمْ يَكْتَفِ مَسعود بِمَا
قالَه ، بَلْ زادَ عَلَيْه قائلًا :
_ أنتَ مَنحوس يا سلمان، أنتَ
شُؤمٌ عَلَيْنَا وعَلى القَريةِ ، لا يُوجَد مَجَالٌ دَخَلْتَ فيه إلا انهارَ،
وصارَ دَمَارًا. كُلَّمَا فَكَّرْتَ في شَيْء وَقَعَتْ مُصيبة وَحَصَلَتْ كارثة ،
أبوس يَدَيْك لا تُفَكِّرْ في أيِّ شَيْء ، ولا تُخطِّط لأيِّ شَيْء ، وأعْطِ
عَقْلَكَ إجازةً طويلة ، ولا تُشغِّل عَقْلَكَ مِنَ الآن فصاعدًا . حاولتُ أنْ
أجعلك رَجُلًا مِثْل باقي الرِّجَالِ ، ولكنَّ الشَّحَّاذ سَيَظَلُّ شَحَّاذًا ، وَرَاعِي
الغَنَمِ لا يَعْرِفُ إلا التعاملَ معَ الغَنَمِ ، والنَّوْمَ في زَريبةِ الأبقارِ
. مَنْ لَيْسَ لَهُ مَاضٍ لَيْسَ لَهُ حَاضِر ، والذي لَيْسَ لَهُ حَظ لا يَتعب
ولا يَشقى .
كانَ أبي يَتَلَقَّى الإهاناتِ،
الواحدة تِلْو الأُخْرَى ، وَهُوَ صَامِتٌ ، يُحدِّق في تفاصيل الخَرَابِ التي
تُحاصره مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ . لَمْ يُحَاوِلْ أنْ يَجْعَلَ مِنَ الذُّلِّ
فَلسفةً . أدركَ في قَرارةِ نَفْسِهِ أنَّه لَيْسَ الشَّخْص الوحيد في هَذه
الدُّنيا الذي يَشْعُر بالخِزْيِ والعَارِ . دُوَلٌ مارقةٌ تَنهارٌ ، ومُجتمعاتٌ مُتخلِّفة
تَتَفَكَّك ، وجُيوشٌ جَرَّارة مَهزومة ، وَرَاياتٌ بَيضاء مَرفوعة كأفخاذ
الراقصات . حط رأسَك بَين الرُّؤوس ، وقُلْ : يا قَطَّاعَ الرُّؤوس . وَجَّهَ
نَظَرَه إلى بَقَايا الراديو المُحَطَّم ، كَأنَّما يَستعيد بَقَايا حَيَاتِه
المُحَطَّمة . رَمَى جَوَارِحَه المَجروحةَ في المَكَانِ الجريح ، ولَمْ يَنظُر في
وَجْهِ مَسعود، وغادرَ المَقهى، أوْ بالأحرى مَا تَبَقَّى مِنَ المَقهى ، وعادَ إلى
بَيْتِه ( زَريبته ) مِثْلَ نَعْجَةٍ تُسَاق إلى الذبح ، وَهِيَ صامتةٌ مُستسلمة
لِقَدَرِهَا ، بِلا أحلامٍ ولا ذِكريات .
كَأنَّ هذه الليلة الرَّهيبة
لا تُريد أنْ تنقضي ، وكَأنَّ فَضيحة الجُيوشِ المَهزومة لا تَكْفي . لَقَدْ
حَدَثَتْ فَضيحة كَبيرة في القَريةِ في تِلْك الليلة الطويلة، وَعَلِمَ الجَميعُ
بِهَا، وَصَارَتْ على كُلِّ لِسَانٍ. فضيحة شَوَّهَتْ سُمعةَ القَريةِ بَين القُرى
المُجاورة .
عَادَ المُختارُ أبو حَسَن إلى
بَيْتِهِ حَزينًا وغاضبًا ، وفي حالةِ انهيارٍ شامل ، بَعْدَ سَمَاعِهِ خِطَاب
جمال عبد الناصر في المَقهى . شَعَرَ أنَّ حُزْنَ العَالَمِ نُثِرَ في قَلْبِه ،
وأنَّ هُموم الدُّنيا تَنهمر عَلى كَتِفَيْه كأزيزِ الرَّصَاصِ . وكانَ طِيلة
أيَّام الحَرْبِ مَشغولًا بالمَقهى والراديو والبَياناتِ والخِطَابات ، يُحلِّل
الأحداثَ، ويُناقِش وُجَهَاءَ القَريةِ في سَيْرِ المَعاركِ، ويَتَحَدَّثُون في
السِّياسَةِ، وَهُمْ لا يَفْهمون فيها ، ويَتكلَّمون في الإستراتيجيَّات العَسكرية
، وَهُمْ لا يَفْهمون فيها . المُهِمُّ أنْ يَستمر الحِوارُ والنِّقَاشُ ،
ويَنْقَضِيَ الوَقْتُ الذي بَدَا بطيئًا وثقيلًا وجارحًا .
طَرَقَ المُختارُ أبو حَسَن
بابَ بَيْتِهِ في سَاعةِ مُتأخِّرة مِنَ الليلِ ، وبَدَا كأنَّه عَاجِزٌ عن فَتْحِ
البابِ بالمِفتاحِ الذي يُخبِّئه في جَيْبِه . فَتَحَتْ لَهُ زَوْجَتُه أُمُّ
حَسَن البابَ ، وَهِيَ في قِمَّةِ أُنوثتها . تَلبس قَميصَ نَوْمٍ شَفَّافًا
وَقَصيرًا ، وَتَضَع عِطْرًا فَوَّاحًا ، والكُحْلُ في عَيْنَيْهَا كالبارُودِ ،
وفي كُلِّ رِجْلٌ خَلْخَالٌ ذَهبيٌّ . دَخَلَ أبو حَسَن إلى بَيْتِهِ وَهُوَ في
غَايَةِ الحُزْنِ والتَّعاسةِ . رِجْلاه غَيْرُ قادرتَيْن عَلى حَمْلِه .
خُطُواتُه ثقيلة . جَسَدُه غارقٌ اللامكان ، وَرُوحُه مُحَطَّمَة في اللازمان .
نَظَرَتْ إلَيْه زَوْجَتُه ،
وقالتْ وَهِيَ تَتصنَّع الأُنوثةَ والنُّعومةَ والدَّلعَ :
_ نَيَّمْتُ الأولادَ ، وَلَمْ
أَنَمْ . بَقِيَتُ أنتظركَ ، أنتَ مَشغولٌ عَنْ عائلتك طِيلة الأيَّام الماضية
بِشؤُون الحَرْبِ ، وقصصِ القِتال .
قالَ أبو حَسَن بعصبيةٍ واضحة
:
_ الجُنودُ ماتوا ، والجُيوشُ
مَهزومة ، والبِلادُ ضاعتْ ، وأنتِ مشلَّحة في نص الليل .
تَجَمَّدَتْ أُمُّ حَسَن في
مَكانِها، وأظلمَ وَجْهُها، وَسَقَطَتْ عِظَامُها في جِسْمِها،وانهارتْ أحلامُها،
ولَمْ تَعْرِفْ ماذا تَقُول . لاذتْ بالصَّمْتِ الحامضِ ، وكأنَّها نَسِيَتْ
الكَلِمَاتِ والمَعَاني .
ازدادتْ عَصبية " أبو
حَسَن "، لأنَّه يَرى زَوْجَتَه واقفةً كَالتِّمثالِ العاري في المُتْحَفِ ،
وَصَرَخَ بأعلى صَوْتِه :
_ أُريدُ أنْ أعْرِفَ الكَلْبَ
ابْنَ الكَلْبِ الذي اخترعَ قُمصانَ النَّوْمِ . المَصانعُ لا تَعْرِفُ صِناعةَ
الأسلحةِ ، ولكنَّها تَعْرِفُ صِناعةَ قُمْصَانِ النَّوْمِ . ومِيزانيةُ الدُّوَلِ
بَدَلًا مِنْ أنْ تَذهب إلى الفُقَرَاءِ والشَّحَّاذين ، تَذهَب لِشَراءِ قُمصانِ
النَّوْمِ والمَلابسِ الدَّاخلية . الجَميعُ يُريدُ أن يَشْلح ملابسَه .
وَازدادَ صُرَاخُه بشكلٍ
هِستيريٍّ ، وقالَ وَعَيْنَاهُ صَارَتَا جَمْرَتَيْن :
_ أنتِ طَالِق إنْ لَمْ
تَرْمِي جَميعَ قُمصانِ النَّوْمِ في الزبالة . مِنَ الآنَ فصاعدًا أُريدُ أن
أراكِ لابسةً ثِياب الحِدَاد السَّوداء مِنْ رَأسِكِ حتى رِجْلَيْكِ . أُريدكِ
كالغُرابِ، أسْوَد في أسْوَد .
استيقظَ الأولادُ على صُراخِ
أبيهم ، وَرَأَوْا أُمَّهُم وَهِيَ شِبه عارية . أوَّل مَرَّة يُشاهدونها بهذا
الشكل . المَوْقِفُ شديدُ الإحراجِ ، والخَجَلُ اغتصبَ ملامحَ وُجوهِهم . الأُمُّ
مُتَجَمِّدَة في مَكانِها كالجاريةِ الواقفةِ أمامَ النَّخَّاسِ في سُوقِ الرَّقيقِ
الأبيضِ في انتظارِ البَيْعِ .
ذَهَبَتْ ابْنَتُهَا خُلود،
وأحضرتْ عَباءةً سَوْدَاء ، وسَتَرَتْ أُمَّهَا . دَخَلَ أبو حَسَن إلى غُرفةِ
النَّوْمِ، وأغْلَقَ البابَ بالمِفتاحِ . طَلَبَتْ أُمُّ حَسَن مِنْ أولادِها أنْ
يَعُودوا إلى النَّوْمِ . بَقِيَتْ في سَاحَةِ البَيْتِ وَحِيدةً في مَهَبِّ
الذِّكْرَى ، وكانَ الليلُ الطويل يُحطِّم قَلْبَها حَجَرًا حَجَرًا .
جاءَ الصَّباحُ مِثْلَ
المُسافر الذي كانَ غائبًا لِفَترةٍ طَويلة ، ولا أمَلَ في عَوْدَتِه ، ولكنَّه
عادَ . تَجَمَّعَ رِجَالُ القَريةِ في أَحَدِ البُيوتِ ، وأغْلَبُهُم أُمِيُّون لا
يَقْرَؤُونَ ولا يَكْتبون ، يَشْربون الشَّايَ ، ويَتَحاورون ، ويُنَاقشون
الأسبابَ التي أدَّتْ إلى هَزيمةِ حَزِيران ، ويُحَلِّلُونَ المَعركةَ على
الصَّعِيدَيْن السِّيَاسِيِّ والإستراتيجيِّ .
قالَ مَسعود بِلَهجةِ الخَبيرِ
السِّيَاسِيِّ والمُفَكِّرِ الذي يَعْرِفُ الأيديولوجيات :
_ جمال عبد الناصر اشتراكي ،
وهذا سبب الهَزيمة .
قال فَلَاح ، وَهُوَ لا
يَعْرِفُ مَعنى الاشتراكيِّ :
_ أعُوذُ باللَّهِ مِنَ
الشَّيطانِ الرَّجيم . اللهُمَّ لا تُضِلَّنا بعد إذْ هَدَيْتَنا .
كانَ أبي جالسًا مَعَهُم ،
وأرادَ أن يُثْبِتَ وُجودَه ، ويُشارك في الكَلامِ ، فقالَ بِثِقَةٍ :
_ وَيَقُولون إنَّ جمال عبد
الناصر شُيوعيٌّ تابع للاتِّحاد السوفييتي .
قالَ الشَّيْخُ هِشام عبد
الهادي بِحَذَرٍ :
_ يَجِبُ التأكُّد مِنْ هَذا
الكَلامِ ، والاتِّحادُ السوفييتي مُلْحِدُون ، يُنكِرُون وُجودَ اللَّهَ ، اللَّه
يَغضب عَلَيهم ، ويُدمِّر دَوْلَتَهُم . يُحاربون اللَّهَ ورسولَه عَلَيْه
الصَّلاةُ والسَّلام .
وأردفَ قائلًا :
_ جمال عبد الناصر بَيَّاع
كلام ، سَحَرَ الناسَ بِخِطَاباته ، هُوَ سَاحِرٌ ، ولكنَّه لَيْسَ مِنْ سَحَرَةِ
فِرْعَوْن ، لأنَّه هُوَ فِرْعَوْن شخصيًّا . لَقَدْ جاءَ بانقلابٍ عَسكريٍّ ،
وداسَ على الشَّعبِ المِصْرِيِّ الشقيقِ . أنا زُرْتُ الأزهرَ الشريفَ في مَطْلَعِ
شَبابي ، وحاولتُ الدِّراسةَ فيه ، ولكنَّهم لَمْ يَقْبَلُوني . وَصَلَّيْتُ في
الجَامعِ الأزهرِ ، كَمَا صَلَّيْتُ في مَسجِد الإمام الحُسَيْن ، رَضِيَ اللَّهُ
عنه . وَبَقِيتُ عِدَّة أشهُر في مِصْر ، وَلِي أصدقاء كُثُر مِنَ المِصْريين .
قاطعَ صَخْر كلامَ الشَّيْخِ
هِشام ، وقالَ :
_ يا لَيْتَني أزُور مِصْر، كَيْ أُشَاهِدَ
الأهراماتِ ونَهْرَ النِّيلِ، وأسْمَع أُمَّ كُلثوم وعبد الحليم حافظ.
سَوْفَ أتزوَّج أربع مِصْريَّات في لَيْلَةٍ واحدة ، يَقُولُون إنَّ
الحَياة في مِصْر رَخيصة ، ومُهور النِّسَاء مُنخفضة ، والزَّوجاتُ المِصْريَّات
كُل سَنَة يَحْبَلْنَ وَيَلِدْنَ بِلا تَوَقُّف .
ضَحِكَ الحُضورُ بعد سَماعِ
كلامِ صَخْر ، وقالَ سُلطان بِحَماسةٍ شديدة :
_ صَدَقَ مَنْ سَمَّاكَ "
صَخْر " ، نَحْن وين ، وأنتَ وين . نَحْنُ نُناقش الحُروبَ والمَعاركَ ،
وعقلك في النِّسوانِ والحوامل. المِصْرِيَّاتُ بناتُ بَلَدٍ ، وبَنَاتُ أُصُولٍ
وعائلاتٍ كَريمة ، لا يَقْبَلْنَ الزَّواجَ مِنْ بائعِ مُتَجَوِّل مِثْلك يا صَخْر
، الناسُ مقامات . خَلِّيك على قدك ، وابْحَثْ لَك عَن نَوَرِيَّةٍ تَقْبَل بِكَ
زَوْجًا .
وانفجرَ الجميعُ مِنَ
الضَّحَكِ ، ولَمْ يَسْتطيعوا السَّيطرةَ على أصواتِهم العالية .
قالَ الشَّيْخُ هِشام :
_ إنَّ أكرمكم عِندَ اللَّهِ
أتقاكم، اللَّه يَستر عَلى الوَلايا، يَجِب احترام الناس وعَدَم الإساءة لَهُم.
ثُمَّ تابعَ قائلًا :
_ يا جَماعة الخَيْرِ ، اضحكوا
على هَذه المَهزلةِ والمَسْخرةِ ، جمال عبد الناصر فَكَّكَ دَوْلَةَ مِصْر
والسُّودان ، وعملَ وَحدةً بَين مِصْر وسُوريا .
قالَ ظافر وَقَدْ أرادَ أنْ
يَترك بَصْمته الخَاصَّة في مَسارِ الكَلام :
_ ولماذا التَّعَجُّب
والاستغراب ؟ ، هَذا شَيْء طبيعي، لأنَّ السُّوريات أجْمَل مِنَ السُّودانيات .
عِندما تَفْهمون طَبيعةَ النِّسوانِ سَتَفْهمون طَبيعةَ السِّيَاسَة .
وانتشرَ الضَّحِكُ في
المَكَانِ انتشارَ النارِ في الهَشِيم .
شَعَرَ فَيْصَل أنَّ الجميع
يَتحدَّثون ويُشاركون في الكَلام مَا عَدَاه ، فأرادَ أنْ يُثْبِت وُجودَه ، فقالَ
بِسُخريةٍ واضحة :
_ أنتَ عبقري يا ظافر ،
وتَفْهَم السِّياسةَ بشكل صحيح . المَفروض يَضعونك أُستاذًا للعُلومِ السِّياسية
في إحدى جَامعاتِ العاصمةِ .
اقتحمَ حَيْدَر الكَلامَ ،
وقالَ مُستهزئًا :
_ ظافر لا يُناسبه إلا كُلِّية
الطِّبِّ البَيْطري ، فَهُوَ مُتَخَصِّص في الحَمِيرِ والغَنَمِ وَسَرَقَةِ
الخُيولِ مِنَ القُرى المُجاورة .
وانفجرَ بُركانُ الضَّحِكِ في
المَكَانِ ، وَلَمْ يَستطع أحدٌ السَّيطرةِ على انبعاثاته .
قالَ الشَّيْخُ هِشام :
_ رَجَاءً يا إخْوَة ، لا أحَد
يُقَاطُعني ، فالكَلامُ جِد ، ولا يَحْتمل الضَّحِكَ والمِزاحَ . صحيحٌ أنَّ شَرَّ
البَلِيَّة مَا يُضْحك،ولكنْ يَجِب أن نَفْهم كَيْفَ تَسِير الأحداثُ مِنْ
حَوْلِنا،لأنَّنا كُلنا في الهَوَا سَوَا.
وأردفَ قائلًا :
_ أحلى نُكتة في المَوضوعِ
قانونُ الإصلاحِ الزِّراعيِّ ، فَتَّتَ الأراضي الزِّراعية ، وخَفَضَ الإنتاجَ
الزِّراعيَّ ، وَدَمَّرَ الاقتصادَ المِصْرِيَّ . ولا تَنسوا آلافَ الأبرياءِ
الذينَ رَمَاهُم في السُّجُونِ ، وعَذَّبَهُم بِصُورةٍ وَحشية حتى المَوْتِ،
وأطْلَقَ كَلابَ مُخابراتِه ، فمارست التَّوَحُّشَ والفَظاعة بِحَقِّ المُعارِضين،
وقامتْ بإعدامِ الكثيرين مِنْهُم . ولَمْ يَكتفِ جمال عبد الناصر بِتَدميرِ مِصْر
، بَلْ تَدَخَّلَ في الدُّوَلِ العربية ، في لُبنان وسُوريا والعِراقِ واليَمَنِ ،
فدعمَ مسؤولًا على حِسَابِ آخَر ، وقَدَّمَ السِّلاحَ لفصائل على حِسَابِ أُخْرَى
. وقامت الجَماعاتُ المُوالية لعبد الناصر بالوقوفِ وراءَ اغتيالِ العَديد مِنَ
الشَّخصياتِ الفِكرية في الوطنِ العربيِّ تَحْتَ ذَريعةِ الوَلاء للغرب .
قالَ شاكر وَقَدْ أُعْجِبَ
بهذا الكلامِ أشدَّ الإعجابِ :
_ مَا شَاءَ اللَّهُ عَنْكَ يا
شَيْخ هِشام ، فَهْمَان في السِّياسة ، وتَفْهَم الوَضْعَ بِكُلِّ تفاصيلِه .
خسارة أنْ تَكُون في هَذه القَريةِ المَعزولة ، يَجِب أن تَكُون في العاصمةِ كَيْ يَستفيدوا
مِنْ عِلْمِكَ وثقافتك.عقلك كبير،ولكنْ للأسفِ لا أحَد يُقَدِّرك ويُعْطيك حَقَّك.إذا
جن رَبْعك عقلك مَا يَنفعك.
وتابعَ شاكر قائلًا :
_ السِّياسةُ وَجَع رأس ،
اتركوها لأصحابِها ، الكلامُ فيها يسم البدن ، ويَرفع الضغط .
ثُمَّ تَلَفَّتَ يَمْنَةً
وَيَسْرَةً ، وقالَ بصوتٍ مُنخفض :
_ هَلْ سَمِعْتُمْ صُراخَ
المُختارِ " أبو حَسَن " في نص الليلِ ؟ .
قالَ مَسعود :
_ المُختارُ أبو حسن عَديم
الشَّرَف ، هَلْ يُوجَد زَوْجٌ مُحترم يَفْضَح زَوْجَتَه ، سَمِعْتُهُ يَقُول :
قُمصان النَّوْم، أكثر مِنْ مَرَّةٍ. ولستُ أنا فقط مَنْ سَمِعَه، بَلْ كُل الناسِ
. وَرَمَى عَلَيها يَمِينَ الطَّلاقِ .
قالَ شاكر ضاحكًا :
_ مِنَ الواضحِ أنَّ لَوْنَ قميصِ
النَّوْمِ لَمْ يُعْجِبْه ، يَبدو أنَّ أُمَّ حسن كَبِرَتْ في العُمر ، وَلَمْ
تَعُدْ قادرةً على إغراءِ زَوْجِها ، أوْ أنَّها نَسِيَتْ دَلَعَ الزَّوجاتِ
الشَّابَّات .
قالَ فَيْصَل بِخُبْثٍ وبِصَوْتٍ
مُنخفض أقرب إلى الهمس :
_ أخْشَى مَا أخْشَاه أنَّ
أُمَّ حَسَن تَخُون زَوْجَها ، وأنَّها اسْتَغَلَّتْ فَترةَ غِيَابِه وانشغاله بأخبار
الحرب ، وَأحْضَرَتْ رَجُلًا إلى بَيْتِها . المَرأةُ إذا أهْمَلَها زَوْجُها
سَتَبْحَث عَمَّنْ يَهْتَم بِها ، أوْ أنَّها أرادتْ أن تنتقم مِنْه بسبب سُوء
مُعاملته لها . وأبو حسن كَبِرَ في السِّنِّ ، وَلَمْ يَعُدْ شَابًّا نَشيطًا .
قالَ الشَّيْخُ هِشام :
_ أعُوذُ باللَّهِ مِنْ هَذا
الكلامِ ، يا جَمَاعة الخَير ، هذا حَرَامٌ لا يَجُوز ، لا تَخُوضوا في أعراضِ
النِّسَاءِ ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ مِنْ كَبائرِ الذُّنُوبِ . واللَّه يَستر
عَلَينا وعلى الوَلايا . مَنْ أرادَ فَضْحَ أخيه المُسْلِم ، فإنَّ اللَّه
سَيَفْضَحُه ، وَلَوْ كانَ مُختبئًا في بَيْتِه .
وانتهى المَجْلِسُ، وَتَفَرَّقَ
الحُضُورُ ، وَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ إلى حَالِ سَبيلِه ، وغابوا في فُوَّهَةِ
الزَّمَنِ، وَعَمَّ الفَرَاغُ الرهيبُ ، كَأنَّهُم لَمْ يَجتمعوا أصلًا .
في المَسَاءِ ذَهَبَتْ أُمُّ
حَسَن إلى بَيْتِ الشَّيْخِ هِشام عبد الهادي ، وَهِيَ تَتَلَفَّت حَوْلَها .
تَلبس عَباءةً سَوْداء فَضْفاضة ، وَتَرتدي الخِمَارَ ، وتُغَطِّي وَجْهَها
لِكَيْلا يَعْرِفَها أحَدٌ .
طَرَقَت أُمُّ حَسَن البابَ ،
فجاءها صَوْتُ أُمِّ حامد زَوجة الشَّيْخ كأنَّه رَجْع صَدى نابع مِن بِئر عميقة :
_ مَنْ بالبابِ ؟ .
_ أنا أُمُّ حَسَن زوجة
المُختار يا أُختي يا أُمَّ حامد .
فَتَحَتْ لَهَا البابَ مُرحِّبةً
بِها . رَفَعَتْ أُمُّ حَسَن الخِمَارَ عَنْ وَجْهِهَا ، وتعانقت المَرأتانُ ،
وذَابَتَا في الأحضانِ الدافئةِ والقُبُلاتِ الحميمة . قالتْ أُمُّ حَسن والقلقُ
يأكلُ أطرافَها ، ويَحتل حَوَاسَّهَا :
_ سيدنا الشَّيْخ مَوجود .
_ نَعَم مَوجود ، ولكنَّه
يَستحم . عَشْر دقائق ويَكُون جاهزًا . تفضلي إلى غُرفةِ الضُّيوفِ .
كانتْ غُرفةُ الضُّيوفِ
بَسيطةً وصَغيرةً ، وَلَكِنَّها نَظيفة . يُوجَد فِيها بعضُ الكراسيِّ الخشبية ،
وهُناك فِرَاشٌ أرضيٌّ . جَلَسَتْ أُمُّ حَسَن على أحَدِ الكراسيِّ ، لأنَّ هَذا
يُريحُ رِجْلَيْهَا أكثر مِنَ الفِرَاشِ الأرضيِّ . القلقُ يتلاعب بِها ،
والانتظارُ يُحرِق أعصابَها . راحتْ تُحدِّق في الحِيطان ، وتتأمَّل البراويزَ
المُعلَّقة التي تَحتوي على شَهاداتِ الشَّيْخِ وإجازاتِهِ مِنَ العُلماءِ
والمَشايخِ الذينَ دَرَّسُوه في سَنَوَاتِ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ ، وكُلُّهَا
شَهاداتٌ مُوقَّعة ومَختومة . تَمَنَّتْ لَوْ أنَّ زَوجها كانَ لَدَيه مِثْل هَذه
الشَّهَاداتِ اللامعة، ولكنَّ زَوْجَها كالثَّوْرِ الهائجِ ، أكْلٌ ، ونَوْمٌ ،
وإعطاءُ الأوامرِ ، وتَخْزين المَالِ ، واستغلال الناس بِكُلِّ الوسائل .
أحضرتْ أُمُّ حامد الشَّايَ
بالنَّعناعِ . انتشرتْ رائحته في الغُرفةِ ، وأنعشَ أُمَّ حَسَن كأنَّه أيْقَظَهَا
مِنْ غَيبوبة . قالتْ أُمُّ حامد والسُّرُورُ ظاهرٌ على قَسَمَاتِ وَجْهِها :
_ تَفَضَّلي الشَّايَ يا أُختي
يا أُمَّ حَسَن ، خطوة عزيزة ، زارتنا البَرَكَة ، شَرَّفْتِنَا وَنَوَّرْتِنَا
وأسْعَدْتِنَا بِحُضُورِك .
_ اللَّه يزيدك شرفًا يا أُختي
يا أُمَّ حامد ، ويَرفع قَدْرَ سيدنا الشَّيْخ في الدُّنيا والآخرةِ .
دَخَلَ الشَّيْخُ قائلًا :
_ السَّلامُ عَلَيْكم .
_ وعَلَيكم السَّلامُ .
جَلَسَ الشَّيْخُ على كُرسيٍّ
خاص بِه ، وقالَ :
_ كيف الحالُ يا أُختي أُمَّ
حسن ، إنْ شاءَ تَكُونين بِخَيْرٍ وصِحَّةٍ وعافية .
_ الحمدُ للَّهِ على كُلِّ
حالٍ . وبصراحة يا شَيْخ ، الحال مِنْ سَيِّئ إلى أسْوَأ ، والدُّنيا مُغلَقة في
وَجْهِي ، ويَبدو أنَّ واحدةً مِنَ النِّسوانِ عملتْ لِي " عمل وحِجَاب
" .
كثيرٌ مِنَ النِّساءِ ونِسَاءِ
القُرى المُجاورة يَزُرْنَ الشَّيْخَ في بَيْتِه طلبًا لِفَتوى ، أوْ مُساعدة ، أو
للشَّكوى مِنْ زَوْجِها وأولادِها والحالةِ الاجتماعيَّة ، أوْ لِقِراءةِ
القُرْآنِ عَلَيها لإبطالِ السِّحْرِ ، أوْ إخراجِ الجِنِّ ، أوْ إزالةِ الحَسَدِ
. وَهُوَ يَفْعَل ذلك لِوَجْهِ اللَّهِ الكريمِ ، دُون أن يَتقاضى أيَّ مَبلغٍ
مِنَ المالِ . وَلَوْ أرادَ أنْ يَجْمَعَ المَالَ مِنْ هَذه الأعمالِ ، ويَسْتغل
النِّسَاءَ ، لصارَ غنيًّا ، وأكثر ثَرَاءً مِنْ تُجَّارِ العاصمةِ . وَلَوْ أرادَ
أنْ " يَلعب بِذِيلِه " ويُقيم عَلاقات مع النِّسَاءِ ، لصارَ زِيرَ
نِساء مُنْذُ زَمَنٍ بَعيد ، وَأدخلَ النِّسَاءَ إلى فِرَاشِه واحدةً تِلْوَ
الأُخْرَى . ولكنَّه كانَ شَيْخًا شريفًا عَفِيفًا طاهرًا ، لَيْسَ عِنده لَف ولا
دَوَرَان . وَلَمْ يَكُن الشَّيْخُ يَخْتلي بأيَّة امرأةٍ في الغُرفةِ . يَطْلُب
مِنْ زَوْجته البقاءَ في الغُرفةِ مَعَ المَرأةِ الزائرةِ . ودائمًا يَقُول: لا
يَجتمع رَجُلٌ وامرأةٌ إلا والشَّيْطَانُ ثالثُهما . ولا تُجَالِس امرأةً
وَحْدَهَا ، وَلَوْ كُنْتَ تُدرِّسها القُرْآنَ الكريمَ .
وَمِنْ كَثرةِ تعامله مَعَ
النِّسَاءِ ، كانَ يُعاني مِن زِيادةِ الرَّغبةِ الجِنسية والتَّهَيُّجِ
المُفْرِطِ ، خُصوصًا أنَّ كثيرًا مِنَ النِّسَاءِ يَتَمَتَّعْنَ بالجَمَالِ
والدَّلَعِ والدَّلالِ والصُّدورِ العارمةِ والأجسامِ المربربة . معَ أنَّهُ
يَطْلُبُ مِنْهُنَّ الالتزامَ بالزَّيِّ الشَّرعيِّ كاملًا ، وارتداءَ ملابس واسعة
فَضْفَاضة ، لا تُبْرِز المَفاتنَ ، ولا تَصِف ولا تَشِف ولا تُجسِّم ولا تُحدِّد .
كَما أنَّهُ لا يَستطيع إغلاقَ بابَ بَيْتِهِ في وَجْهِ أيِّ إنسانٍ يَطْلُب
المُساعدةَ ، سَوَاءٌ كانَ رَجُلًا أَم امرأة .
وزَوْجَةُ الشَّيْخِ عَالِمَةٌ
بِحَالِه ، وعارفةٌ بِوَضْعِه، وحَريصةٌ عَلى أنْ تُعِفَّه لإبعادِهِ عَن
الحَرَامِ والزِّنا بِكُلِّ أشكالِه وَصُوَرِه ، لذلك لا تَمْنَعُهُ مِنْ نَفْسِهَا
مَهْمَا طَلَبَهَا للفِرَاشِ ، ولا تَلُومُه، ولا تُظْهِر التَّعَبَ أو
التَّذَمُّرَ . وكانَ الشَّيْخُ كَثِيرَ الجِمَاعِ ، يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ كُلَّ
يَوْمٍ ، لَيْلًا ونهارًا ، وهَذا الأمْرُ قائمٌ على التَّوَافُقِ وَالرَّغْبَةِ
المُشْتَرَكَة . وَقَدْ أنْجَبَ مِنها عِشرين طِفْلًا ، ثلاثة عَشَر وَلَدًا
وسَبْعِ بَنَاتٍ .
وَقَدْ كانَ الشَّيْخُ يَقُولُ
في دُروسِه ومَواعظِه : [ قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورةِ شَيْطَان ، وَتُدْبِرُ في صُورةِ شَيْطَان ،
فَإذَا رَأى أَحَدُكُمُ امرأةً فَأعْجَبَتْه ، فَلْيَأتِ أَهْلَه ، فَإنَّ ذَاكَ يَرُدُّ
مِمَّا في نَفْسِه )) . وفي رِواية : (( فَإنَّ مَعَهَا مِثْلَ الذي مَعَهَا )) .
يُشيرُ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الهَوى والدُّعاءِ إلى الفِتْنَةِ بِالمَرْأةِ ،
لِمَا جَعَلَه اللَّهُ تعالى في نُفُوسِ الرِّجالِ مِنَ المَيْلِ إلى النِّساءِ ،
والالتذاذِ بالنَّظَرِ إلَيْهِنَّ ، ومَا يَتعلَّق بِهِنَّ ، فَهِيَ شَبيهةٌ
بالشَّيطانِ في دُعائه إلى الشَّرِّ بِوَسوسته وتَزيينِه له ، لأنَّ إقبالَ
المَرْأةِ داعٍ للإنسانِ إلى استراقِ النَّظَرِ إلَيْهَا ، كالشَّيطانِ الدَّاعي
إلى الشَّرِّ والوَسْوَاسِ . وعلى هذا إدبارُها ، لأنَّ النَّظَرَ رائدُ القَلْبِ
، فَيَتَعَلَّق بِها عِند الإدبار ، فَيَتَحَيَّل للوُصولِ إلَيْهَا ، وإنَّ رُؤيتها
مِنْ جَميعِ الجِهَاتِ دَاعيةٌ للفَسادِ .
وإذا اسْتَحْسَنَ الرَّجُلُ
امرأةً وأعْجَبَتْه ، فَلْيُجَامِعْ زَوْجَتَه، فإنَّ جِمَاعَه لِزَوجته يَرُدُّ
مَا وَقَعَ في نَفْسِه، فَيَدْفَع شَهْوَتَه ، وَتَسْكُن بِهِ نَفْسُه .
وَرُبَّمَا غَلَبَتْ عَلى الرَّجُلِ شَهْوَةٌ يَتضرَّر بالتأخيرِ في بَدَنِه، أوْ
في قَلْبِه وَبَصَرِه . والمُؤمنُ يَنْزِعُ عَنْهُ وَساوسَ الشَّيطانِ ، بأنْ
يَأتيَ الحَلالَ بَدَلًا مِنَ الحَرَامِ .
وإنَّ مَعَ زَوجةِ الرَّجُلِ
فَرْجًا مِثْلَ فَرْجِ المَرْأةِ الأجنبيةِ ، ولا مَزِيَّة لِفَرْجِ الأجنبيَّة ،
والتَّمييزُ بَينهما مِنْ وَساوسِ الشَّيطانِ وتَزْيينِه . وكُلُّ مْن كانَ أتْقَى
للَّهِ تعالى ، فَشَهْوَتُهُ أشَدُّ ، لأنَّ الذي لا يَتَّقِي يَتَفَرَّج
بالنَّظَرِ وَنَحْوِه .
وقالَ الإمامُ القُرطبي في
تفسيره: " فإذا كان في
النَّظَر والمَسِّ نَوْع مِنْ قَضَاء الشَّهْوَة ، قَلَّ الجِمَاع ، والمُتَّقي لا
يَنظُر ولا يَمَسُّ ، فتكون الشَّهْوَةُ مُجْتَمِعَةً في نَفْسِه ، فَيَكُون أكثرَ
جِمَاعًا . وقال أبو بَكْر الوَرَّاق: كُلُّ شَهْوَةٍ تُقَسِّي القلبَ إلا الجِمَاع
، فَإنَّه يُصَفِّي القَلْبَ ، ولهذا كان الأنبياءُ يَفْعَلُون ذلك
" .
وقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: (( إذا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأتِه
، وَإنْ كانتْ عَلى التَّنُّورِ )) .
إذا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَه للجِمَاعِ ،
فَلْتُجِبْ دَعْوَتَه ، وإنْ كانتْ تَخْبِزُ عَلى المَوْقِد ، وهَذا مِنَ
التَّحَرُّزِ والمُبالغةِ لِحِفْظِ الفُروجِ ، وعَدَمِ الوُقوعِ في الحَرَامِ،
فَتَلَفُ بعضِ المَالِ ، الذي هُوَ الخُبْزُ وغَيْرُه ، أسهلُ مِنْ وُقوعِ
الزَّوْجِ في الزِّنا ، فالرَّجُلُ مَأمورٌ ألا يُدَافِعَ نَفْسَه إذا رَغِبَ في
زَوْجَتِه ، بَلْ يَقْضِي حَاجَتَه مِنها ، وَهِيَ مَأمورةٌ ألا تَمْنَعَ نَفْسَه
عَنْهُ بحالٍ مِنَ الأحوالِ ، إلا إذا كانَ عِندها عُذْرٌ شَرْعِيٌّ ، فَيَكْفِيه
مَعَهَا المُبَاشَرَة دُون جِمَاعٍ . وَيَجِبُ حِفْظُ الفُروجِ مِنَ الوُقوعِ في
الحَرَامِ ، بِقَضَاءِ الوَطَرِ في الحَلالِ ] .
قالتْ أُمُّ حَسَن
وَهِيَ في حَالةٍ انكسارٍ واضح :
_ أنا مِثْل أُخْتِك يا سيدنا الشَّيْخ .
وأبو حَسَن فَضَحَني في القَرية ، واستيقظَ الناسُ في نص الليلِ عَلى صُراخِه . وَرَمَى
عَلَيَّ يَمِينَ الطَّلاقِ ، وأنا خائفةٌ أنْ تَكُونَ العَلاقةُ الزَّوجيةُ
الشَّرعيةُ بَيْنَنَا انقطعتْ ، وَصِرْتُ أعيش مَعَهُ بالحَرَامِ . أنا أخافُ
اللَّهَ سُبحانَه وتعالى، ولا أُريدُ أنْ أكُون زانيةً .
_ أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفَضيحةِ
والحَرَامِ والزِّنا ، اللهُمَّ ارْزُقْنَا الحَلالَ ، وَاسْتُرْ عَلَينا وعَلى
أعراضِنا .
وأردفَ الشَّيْخُ قائلًا :
_ ماذا قالَ لَكِ أبو حَسَن بالضَّبْطِ بِلا
زيادة ولا نُقْصَان ؟ . كُوني صادقةً وإيَّاكِ والكَذِب ، فالعَلاقةُ الزَّوجيةُ
الشَّرعيةُ تَبدأ بِكلمةٍ، وتَنْتهي بكلمة . والفَتْوَى سَتَكُون عَلى حَسَب
كَلامِك يا أُمَّ حَسَن ، فَاحْذَري مِنَ تَغييرِ الكلامِ ، لِكَيْلا تَقَعي في
الحَرَامِ . هُناك شَعْرة تَفْصِل بَيْن الزَّواجِ والزِّنا .
_ قالَ لِي بالحَرْفِ الواحدِ: أنتِ طَالِق إنْ لَمْ تَرْمِي جَميعَ قُمصانِ النَّوْمِ
في الزبالة .
وهُنا تَدَخَّلَتْ زَوجةُ الشَّيْخِ قائلًا
:
_ رَجُلٌ ناقصٌ،عَقْلُه صغير كَعُقولِ
الأطفالِ. المَفروضُ أنْ يَفْرَحَ أنَّ زَوْجَتَه تَتَزَيَّن له، وتَهْتَم بِه ،
وتَحْرِص عَلَيْه.الإنسانُ لا يَعْرِفُ قِيمةَ الشَّيْءِ الذي بَيْنَ يَدَيْه،ولا
يَعْرِف قَدْرَ النِّعْمَةِ إلا عِند فَقْدِها.
قالَ الشَّيْخُ :
_ يا أُختي أُمَّ حَسَن ، إنَّ الطَّلاقَ
المُعَلَّقَ يَقَعُ بِحُصولِ المُعَلَّقِ عَلَيْه ، والطَّلاق المُعَلَّق على
شَرْطٍ يَقَع بِحُصولِه ، ولا عِبْرَة بِنِيَّةِ زَوْجِكِ أوْ قَصْدِه ، سَوَاءٌ
قَصَدَ التَّهديدَ أوْ غَيْرَه. ويَجِب عَلَيْكِ أنْ تَرْمي جَميعَ قُمصانِ
النَّوْمِ في الزبالة ، وهَذه يُبْقِيكِ زَوجةً شرعية ، ولا يَقَع الطَّلاق .
أمَّا إنْ لَمْ تَفْعلي ذلك ، فَإنَّ الطَّلاقَ يَقَع . تَقَعُ طَلْقَة واحدة
رَجْعِيَّة ، وَلِزَوْجِكِ أنْ يُرْجِعَكِ قَبْلَ انقضاءِ عِدَّتِكِ .
_ باركَ اللَّهُ فِيكَ يا سيدنا الشَّيْخ ، وجزاكَ
كُلَّ خَيْرٍ . ويا خسارة أنَّني وَصَلْتُ إلى هَذا المُستوى بعد هَذا العُمرِ ،
وانفضحتُ بَيْنَ الناسِ ، وأنا أُمٌّ وَزَوْجَة ، وأنتمي إلى عَائلةٍ مُحترمة ،
وعَشيرةٍ كَبيرة . ولكنْ على رَأيِ المَثَلِ: " مَجنون رَمَى حجر في البير ،
ألف عاقل مَا طَلَّعوه " .
عَادَتْ أُمُّ حَسَن إلى بَيْتِها ،
وَهَجَمَتْ عَلى خِزَانَةِ غُرفةِ النَّوْمِ كالمَجنونة ، وَجَمَعَتْ قُمصانَ
النَّوْمِ ، وَوَضَعَتْهَا في أكياس قُمَامَة سَوْداء كبيرة وَاحِدًا وَاحِدًا . خَمْسَة
وَسَبْعُون قَميصًا مِنْ كُلِّ الألوانِ والأشكالِ . وَهِيَ تَدْعُو عَلى مَنْ
كانَ السَّبَب في هذا الأمْرِ ، وَتَقُول في نَفْسِهَا :
_ مَا فائدةُ أنْ تَتَزَيَّنَ المَرْأةُ
لِزَوْجٍ أعمى؟،مَا فائدةُ قَميصِ النَّوْمِ إذا كانتْ جُثَّةُ المَرْأةِ
مُتَفَحِّمَة؟. مَا فائدةُ الأكْفَانِ إذا كانتْ مُلَوَّنَةً وَمُسْتَوْرَدَةً ؟ .
اسْتَغَلَّتْ غِيابَ زَوْجِها عَن البَيْتِ
في هَذه الليلةِ المُوحِشة ، وَحَمَلَتْ أكياسَ القُمامةِ عَلى شكل دَفَعَاتٍ ،
وَرَمَتْهَا في مَكَبِّ القُمَامَةِ المَوجودِ على أطرافِ القَريةِ . لَمْ تَشعر
بالخَوْفِ مِنَ الظَّلام ، وَلَمْ تُصَبْ بالذُّعْرِ مِنْ نُباحِ الكِلابِ
الضَّالَّة ، الذي يأتيها مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ . كانتْ تَتمنَّى في قَرارةِ
نَفْسِها لَوْ يُهَاجمها وَحْشٌ ، ويَفْترسها ، وتُصبح جُثَّةً هامدةً ، ونَسْيًا
مَنْسِيًّا ، وَيَنْساها الناسُ ولا يَذكُرونها . تَمَنَّتْ أنْ تَخرُج ولا تَرْجع
، وتَذهَب ولا تَعُود .
قُمصانُ النَّوْمِ تَحْمِلُ رائحتها
وأحلامَها وذِكرياتها وشَظَايا رُوحِها وأجزاءَ قَلْبِها وأسرارَ أُنوثتها ، وَهَا
هِيَ الآنَ تُلْقيها في مَكَبِّ القُمَامَةِ عَنْ سَبْقِ الإصرارِ ، وبكاملِ
وَعْيِها وقُواها العقلية . شَعَرَتْ أنَّها لَمْ تَعُدْ أُنثى . صارتْ شَبَحًا
أوْ كائنًا مَسْخًا ، بِلا هُوِيَّة ولا سُلطة . ضاعتْ أحلامُها ، وانكسرتْ ذِكرياتُها
، وَتَحَطَّمَتْ حَوَاسُّها ، وَانهارتْ أعضاؤُها ، وسَقَطَتْ جوارحُها في أعماقِ
جَسَدِهَا المُتَداعي .
في الصَّبَاحِ البَاكِرِ ، كانت الفَقِيراتُ
والمُشَرَّدَاتُ والمَنبوذاتُ والنَّوَرِيَّاتُ ( الغَجَرِيَّات ) مُسَيْطِرَاتٍ
عَلى مَكَبِّ القُمَامَةِ ، ومُتَحَكِّمَاتٍ بِكُلِّ شُؤونِ المَزبلة . يَبْحَثْنَ
عَنْ أيِّ شَيْءٍ يُمْكِن بَيْعُه أو استخدامُه ، أوْ بقايا طَعَامٍ لِسَدِّ
جُوعِهِنَّ وَجُوعِ أطفالِهِنَّ ، وَهُنَّ مُضطرات إلى البَحْثِ في القُمَامَةِ
بسبب عَدَمِ قُدرتهنَّ على تَوفيرِ لُقمةِ العَيْشِ ، خُصُوصًا أنَّهُنَّ بِلا
مُعِيل . يُفَتِّشْنَ في أكوامِ القُمَامَةِ بأيديهنَّ المَجروحةِ ، ولا يَعْبَأنَ
بالأمراضِ والجَراثيمِ والتَّلَوُّثِ وفِقدانِ الكَرامةِ الإنسانيَّة . مَكَبُّ
القُمَامَةِ بالنِّسبةِ إلَيْهَنَّ هُوَ مَصْدَرُ العَيْشِ . وقُمَامَةُ قَوْمٍ
عِندَ قَوْمٍ فوائد . تَحْمِلُ كُلُّ وَاحدةٍ مِنْهُنَّ قَضيبًا حَديديًّا تَستعين
بِه لِنَبْشِ أكوامِ القُمَامَةِ بَحْثًا عَن المَوَادِّ التي يُمْكِنها بَيعها أو
الاستفادة مِنها، وتَحْمِلُ عَلى ظَهْرِها كِيسًا بلاستيكيًّا تَضَعُ فيه مَا
تَجْمَعُه ، لِتُوَفِّر قليلًا مِنَ المَالِ لِشِرَاءِ بعضِ الطَّعَامِ لعائلتها
التي تَنْتظرها عَلى أحَرِّ مِنَ الجَمْرِ في آخِرِ النَّهَار . كانَ مَنظرُ
أكياسِ القُمامةِ السَّوداءِ الكبيرة التي رَمَتْهَا أُمُّ حَسَن مُثيرًا
للدَّهشةِ والاستغرابِ والفُضُولِ ، فالأكياسُ جَديدةٌ غَيْرُ مَفتوحة ،
وَلَيْسَتْ مُمَزَّقة ، وَمِنَ الواضحِ أنَّ أحدًا لَمْ يَعْبَثْ بِهَا ، أوْ
يُفَرِّغها مِنْ مُحتوياتها .
هَجَمَت النِّسَاءُ المَسْحُوقاتُ عَلى
الأكياسِ وكأنَّها تِلالٌ مِنَ الكُنُوزِ ، أوْ قُبورٌ تَضُمُّ عِظَامَ أمواتٍ
ذهبية، أوْ مُومياوات مُحَنَّطَة في الدَّمْعِ البَرَّاق . فَتَحَت امرأةٌ أَحَدَ
الأكياسِ بِنُعومةٍ وسَلاسةٍ للحِفَاظِ عَلى مُحْتواه ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ رهيب
سَمِعَتْهُ كُلُّ النِّسَاءِ في المَزبلةِ :
_ هَذه قُمصان نَوْمٍ نظيفة وأنيقة مِنْ
كُلِّ الألوانِ والأشكالِ .
تَجَمَّعَت النِّسَاءُ حَوْلَ الأكياسِ وَهُنَّ
في غَايةِ الذُّهُولِ والانبهارِ ، وقالتْ إحداهُنَّ وكَأنَّها تَعْقِدُ
اتِّفاقيةً دَوْلية ، أوْ تَضَع قانونًا عالميًّا لِتَنظيمِ شُؤونِ العَمَلِ
واقتسامِ الأرباحِ والمَكاسِب :
_ يا نِسْوَان ، لا دَاعِي للمُشكلاتِ
والصِّرَاعِ على الأكياسِ . هَذه قُمصان نَوْمٍ ناعمة ورقيقة وشَفَّافَة ، يُمكِن
أنْ تَتَّسِخ أوْ تَتَمَزَّق بِسُهولة ، وأصغر حركة تُؤَثِّر بِها ، والأظافر سَوْفَ
تَخْدِشُهَا ، " وكأنَّك يا أبو زيد
ما غزيت "،وكُلُّنَا سَنَخْسَر،وَلَنْ نَستفيد شيئًا،" وَسَنَخْرُج مِنَ
المُولد بلا حُمص". يَجِب أنْ نَفْتَح الأكياسَ لِمَعرفةِ مُحتوياتها كاملةً
، ونتقاسمها بالعَدلِ والمُساواةِ ، وكُلُّ امرأةٍ تأخذ حِصَّتَهَا وَنَصِيبَها .
نَحْسُبُ كَمْ عَدَد القِطَع ونَقُوم بعملية التَّوزيع . هَذه حَفلةٌ كبيرةٌ
بالألوانِ ، وَرُبَمَّا نَجِد فساتين ودشاديش وأساور وخواتم ، ونَبِيع الفائضَ عَن
الحَاجَةِ لنسوان القُرى المُجاورة .
وانتهتْ الحَفلةُ بَعْد عِدَّة ساعات ،
وَخَلَت المَزبلةُ مِنْ أصابعِ النِّسَاءِ الخَشِنَةِ ، وَعَمَّ السُّكُونُ
المُتَوَحِّشُ ، وصارَ الغِيَابُ نشيدًا للمَدَى المَفتوحِ للأحزانِ والجِرَاحِ
والآلامِ . وَانتشرتْ في القَريةِ نُكْتَة تَنَاقَلَهَا الرِّجَالُ والنِّسَاءُ
وَالكِبَارُ والصِّغَارُ : جمال عبد
الناصر هُوَ سَبَبُ ضَياع قُمصان نَوْم زَوْجة المُختار أُمِّ حَسَن، وَسَوْفَ
يَطْلُبُ المُختارُ مِنْهُ تَعْويضًا ! .
6
سَعَادَةُ أبي وأُمِّي لا
تُوصَف بسببِ وُجودِ أخي ناصر ، فَقَد مَلأ حَيَاتَهما بالأملِ وانتظارِ الغَدِ المُشْرِقِ
والمُستقبَلِ الباهرِ. يَتَغَذَّى بشكلٍ جَيِّد، وَيَلْبَس أجملَ المَلابسِ ،
مَلابس مُلَوَّنة ومُزركشة ، يَتَصَدَّق بِها الناسُ عَلى أُمِّي رَأفةً بِها ،
وحُزْنًا عَلَيْهَا ، وإكرامًا لَهَا . أمَّا أبي فَرَفَضَ العَودةَ إلى رَعْي
الغَنمِ نِهائيًّا ، وَقَضَى وقتًا طويلًا في التَّسَكُّعِ في طُرُقَاتِ القَريةِ .
شِعارُه الرَّسميُّ : " الذي لَيْسَ
لَهُ حَظ لا يَتعب ولا يَشقى "، كَمَا أنَّه اكتشفَ أهميةَ النَّوْمِ وَضَرُورَتَه
، فكانَ يَنَام في البَيْتِ ( الزَّريبة ) ساعاتٍ طَويلة ، فلا فائدة مِنَ
اليَقَظَةِ في قَريةٍ بائسةٍ مَعزولةٍ عَن العَالَمِ ، ومَاذا يَفْعَل
المُسْتَيْقِظُون في المَقْبرةِ ؟ ، لا يُوجَد في المَقْبرةِ غَيْرُ الأمواتِ .
وعِندَما كانتْ أُمِّي تُعَاتِبُه قائلةً إنَّها تَعْمَل في بُيُوتِ الناسِ
خَدَّامةً لِتأمينِ لُقْمَةِ العَيْشِ ، وَهُوَ نائمٌ في البَيْتِ أوْ مُتَسَكِّعٌ
في طُرُقَاتِ القَريةِ ، كانَ يَقُولُ لَهَا إنَّ الشَّيْخَ هِشام عبد الهادي كانَ
يَطْلُبُ مِنَ الناسِ أنْ يَناموا ، ويُشدِّد على أهميةِ النَّوْمِ ، وَسَوْفَ
يَلْتزم بكلامِ شَيْخِه ، فَهُوَ أعْرَفُ بأحوالِ الناسِ ، وأعْلَمُ بأوضاعِ
القَريةِ . ولإثباتِ صِحَّة كَلامِه كانَ يَقُولُ : إنَّ الشَّيْخَ يُردِّد دائمًا
:
يَا قَوْمُ لا تَتَكَلَّمُوا إنَّ
الكَلامَ مُحَرَّمُ
نَامُوا ولا تَسْتَيْقِظُوا مَا
فَازَ إلا النُّوَّمُ
تَمُرُّ الأيامُ بَطيئةً فَي
هذه القَريةِ المَنبوذةِ ، التي لا تَعترف بِها أيَّةُ خَريطةٍ ، ولا تَهْتدي
إلَيها أيَّةُ بُوصَلة . وَشْمُ السَّنَوَاتِ مَحفورٌ عَلى جُلُودِ الناسِ
اليابسةِ ، الذينَ اعتادوا على الهَزائمِ والانكساراتِ ، وَتَعَوَّدُوا على
تَسميةِ الانهياراتِ بأسماء جميلة وبَرَّاقة ، كَي يَخدعوا أنفسَهم ، ويُعيدوا
تَرميمَ حَياتِهم في دَائرةِ الأوهامِ . وكانَ أبي وأُمِّي جُزْءًا مِنَ المَلَلِ والرُّوتينِ
والرَّتَابة ، ولكنَّ وُجود أخي ناصر بَينهما أشاعَ جَوًّا مِنَ المَرَحِ
والنَّشَاطِ والحَيوية .
بَدَا الزَّمَنِ في الفَترة (
1967_ 1970 ) مُتَجَمِّدًا لا يَتَحَرَّك ، وكَأنَّ الضَّحَايا قَد استسلموا
لِمَصِيرِهم المَحتوم ، وأدركوا أنَّه لا فائدة مِنَ الأوضاعِ السِّياسية ، ولا
جَدْوَى مِنَ البُكاءِ على أطلالِ المَاضِي وذِكرياتِ الأمسِ ، وَمَا مَضَى لَنْ
يَعُود .
في يَوْمٍ مِنْ أيَّامِ أيَّار
1970 ، قَرَّرَ أبي أنْ يَلتقط صُورةً تَذكارية لأخي ناصر في عِيدِ مِيلادِه
الثالث . سَمِعَ مِنَ الناسِ أنَّ هُناك شخصًا مِنَ الأرمنِ قَد افتتحَ إستوديو
للتَّصوير في إحدى القُرى المُجاورة ، وَهِيَ بالتأكيدِ أكثرُ تَقَدُّمًا
وَتَحَضُّرًا مِنْ قَرْيتنا البائسةِ . طَلَبَ أبي مِنْ أُمِّي أنْ تُلْبِسَ أخي "
ناصر " أجملَ المَلابسِ، وَحَمَلَه إلى القَريةِ المُجاورةِ ، وبحثَ عَن
إستوديو التَّصوير للمُصَوِّر الأرمنيِّ، حَتَّى وَجَدَه . والأرمنُ مَشهورون
بالتَّصويرِ ، وَهُمْ أوَّلُ مَنْ أدخلَ التَّصويرَ الفوتوغرافي إلى المَنطقة .
وَتَعِبَ المُصَوِّرُ في التقاطِ الصُّورةِ بسبب كثرة حركة ناصر ، وعدمِ ثَبَاتِه
، ولكنَّه نَجَحَ في النِّهايةِ ، وطلبَ مِنْ أبي أن يَرجع بعد أُسبوعٍ لأخذِ
الصُّورةِ معَ بِروازٍ خشبيٍّ كهديةٍ مَجَّانية .
عَلَّقَ أبي البِروازَ على
الحَائطِ في بَيْتِنا ( الزريبة ) ، وَثَبَّتَه بِمِسْمَارَيْن مِنْ أعلى وأسْفَل
، وكانَ دائمَ التَّحديق في صُورةِ أخي ناصر ، وكُلَّمَا رَآها قالَ لأُمِّي :
_ إنْ شاءَ اللَّه ، يَكْبَر
ناصر ، ويُصبح شَابًّا طويلًا وعريضًا ، ويَجِد وَظيفةً في العاصمةِ ، ويُخْرِجنا
مِنْ هذه الزريبة ، ونُصبح عائلةً مُحترمةً مِثْل باقي الناسِ ذَات مكانة اجتماعية
عالية ، بَدَلًا مِنْ حَياةِ الشَّقاءِ والتَّعاسةِ التي نعيشها . نَحْنُ مَدفونون
في الحَياة ، والحيواناتُ تعيش أفضل مِنَّا .
مِنَ الوَاضحِ أنَّ أبي يتعامل
معَ أخي ناصر باعتبارِه الأمل الأخير ، أو الأُمْنِيَّة الأخيرة للمَحكوم بالإعدام
. وكُلُّ أحلامِ أبي صَبَّهَا على ناصر . أحلامُ أبي الضائعة عادتْ إلى الحَياةِ ،
وتَجَسَّدَتْ في كِيَانِ ناصر ، والأحلامُ لا تَزَال قائمةً ، وأبي يَستطيع أن
يَنْتزع مِنَ الدُّنيا مَا حُرِمَ مِنْه باستخدام أداةٍ اسْمُها ناصر . وكُلُّ
الأشياءِ التي فَشِلَ فِيها أبي يُريدُ مِنْ ناصر أنْ يُحقِّقها ويَنجح فيها .
هَلْ هَذا الطِّفْلُ الصغير ناصر مَسؤول عَن فشلِ أبي ؟ ، هَلْ ناصر مسؤول عَن
تحقيقِ أحلام أبي الشَّخْصية ؟ . هَلْ حَياةُ الابنِ هِيَ امتدادٌ لِحَياةِ الأبِ
واستمرارٌ لآمالِهِ وطُموحاتِه وَعُقَدِهِ النَّفْسية ؟.
كثيرٌ مِنَ الآباءِ يَعْتبرون
أبناءَهُم امتدادًا لأحلامِهم هُمْ ، وَيَسْطُونَ على أحلامِهم البسيطة ،
ويُوجِّهونها لِتَعويضِ فشلهم الشخصيِّ في الحَياة ، ويُصبح الأبناءُ أدواتٍ أوْ
وسائل بِلا رُوحٍ ولا مَشاعر ولا أحلام ، ويتمُّ تَصميمُ الابنِ كَرَجُلٍ آليٍّ
لِتَعويضِ أحلامِ أبيه المَكسورةِ .
المَاضِي مَضَى ، والحاضرُ
سَيُصبح مَاضِيًا عَمَّا قليل ، والمُستقبَلُ مَجهولٌ ، لا نَمْلِكُ إلا اللحظة
الآنيَّة . طَيْفُ المَاضِي وَهَاجِسُ المُستقبَلِ يَجتمعان لابتلاعِ الحاضرِ الذي
لا نَمْلِكُ سِوَاه . اللحظةُ الحاضرةُ وَحْدَها هِيَ الحَقيقة ، المَاضِي
مُجَرَّد ذِكْرَى ، والمُستقبَلُ مُجَرَّد حُلْم . الماضي والمُستقبَلُ مَوْجُودان
فَقَط بالنِّسبةِ إلى الحَاضِر .
والعَجِيبُ أنَّ أبي ، بعد أن
صار أبًا ، كانَ يَقُول : إنَّ شَيْخي هِشام عبد الهادي يُردِّد دائمًا : " لا تُكْرِهُوا أولادَكم على آثاركم ، فَإنَّهُم
مَخْلُوقون لِزَمَانٍ غَيْرِ زَمَانِكُم " . وأبي يَعتقد أنَّ هَذه العِبارة
مِنْ تأليفِ شَيْخِه . ومعَ هَذا فَهُوَ لا يَعْمَلُ بِهَا ولا يُطبِّقها ،
وإنَّما يَفْعَل الشَّيْءَ الذي في رَأسِه ، ويَتحرَّك حَسَب هَوَاه ومَصْلحته
ومِزَاجِه .
القَريةُ هادئةٌ كالحِجارةِ
الخَرساء ، وساكنةٌ سُكونَ الأضرحةِ المُرتَّبة . لا جديد تَحْتَ الشمس ، ولا
إنجازات تُذكَر في هَذه القَريةِ المَنسية . وفَجأةً ، انفجرت الأشياءُ ، وانتشرَ
الصُّراخُ ، وَعَمَّ الاضطرابُ والفَوضى ، وَعَلَتْ أصواتُ الناس . كأنَّ زِلزالًا
رهيبًا ضَرَبَ القَريةَ ، وأحالَ سُكونَها العَميق إلى حَركةٍ مَجنونة ، أوْ كأنَّ
بُركانًا كانَ خامدًا ثُمَّ ثارَ نافثًا حِمَمَه في كُلِّ الاتجاهات .
كانَ ذلك اليَوْم الرَّهيب
الذي لا يُنْسَى هُوَ 28 أيلول 1970 . وَصَلَ خَبَرٌ إلى القَريةِ أنَّ الرئيس
جمال عبد الناصر ماتَ ، وانتشرَ الخَبَرُ بِسُرعةٍ هائلة كأنَّ هُناك آلَة
إعلاميَّة جَبَّارة خَلْفَه ، وتَعْمل على تَرْويجِه . تَجَمَّعَ رجالُ القريةِ
أمامَ دُكَّانة مَسعود ، يَشربون المُرطِّباتِ في هَذا الحَرِّ الخانقِ ، ويأكلون
الفُسْتُقَ والقضامة .
قالَ سُلطان وعَلاماتُ
الذُّهُولُ تَلتهم خُدودَه :
_ جمال عبد الناصر ماتَ .
رَدَّ عَلَيْه مَسعود بِثِقَةٍ
مُطْلَقَة :
_ إشَاعَة مِنْ إشاعاتِ
الأعداءِ . جمال عبد الناصر زعيمٌ خالدٌ ، والزعيمُ الخالدُ لا يَمُوت .
قالَ الشَّيْخُ هِشام بِصَوْتٍ
قويٍّ :
_ كُلُّ مَنْ عَلَيها فان ،
ويَبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكرامِ . سُبحانَ اللَّهِ الذي قَهَرَ
عِبَادَه بالمَوْتِ ، سُبحانَ الحَيِّ القَيُّومِ الذي خَلَقَ المَوْتَ ولا يَمُوت
.
وأقْبَلَ فَيصل مُسْرِعًا ،
وقالَ لاهثًا ناسيًا أنْ يُلْقِيَ السَّلامَ :
_ يا جَماعة الخَيْر ، الجميعُ
يَقُول إنَّ جمال عبد الناصر ماتَ إثْرَ تَعَرُّضِه لِنَوبةٍ قَلْبية بعد اختتام
قِمَّة جامعة الدُّوَلِ العربية . عَلَيَّ الطَّلاق إنَّ الخَبَر صادق ، وإحساسي
دائمًا صحيح ، وَظَنِّي لا يَخِيب .
كانَ فَيصل يَعتمد على أحاسيسه
، ويَعتقد أنَّ حَدْسَه أوْ شُعورَه الداخليَّ دائمًا مَا يَكُون دقيقًا ، ولا
يُخطِئ ، وأنَّ تَقْديراته دقيقة وصائبة دائمًا . وهو يَثِقُ بِنَفْسِه وقُدرتها
على استشعار الأُمور بشكل صحيح .
قالَ الشَّيْخُ هِشام
مُستنكِرًا :
_ لا تَحْلِفْ بالطَّلاقِ يا
فَيصل ، المَوضوع بسيطٌ لا تُعْطِه أهميةً أكبر مِنْ حَجْمِه .
وغَيَّرَ لَهْجَتَهُ مِنَ
الاستنكارِ إلى الاستهزاءِ ، وقالَ مُبتسِمًا :
_ القِصَّةُ ومَا فِيها أنَّ
الدِّكتاتور المُستبِد جمال عبد الناصر نَبِيَّ العُروبةِ الكاذب ماتَ بَعْدَ أنْ
خَسِرَ جَمِيعَ مَعاركِه وحُروبِه ، وَوَعَدَ بِتَحريرِ المَسجدِ الأقصى .
قالَ أبي وَهُوَ يَشعر
بِمَرارةِ الأحداثِ وصُعوبةِ الحَياةِ :
_ جمال عبد الناصر بَيَّاع
كلام ، خِطَابات نارية فارغة رَفَعَتْ شِعارَ القَوميةِ العربية ، وانتهت
القَوْمِيَّةُ ، وضاعَ العَرَبُ . وانقلبَ على أوَّل رئيس مِصْري مُحَمَّد نجيب ،
وَفَقَدَتْ مِصْر في عَهْدِهِ سِيَادَتَهَا على السُّودانِ وقِطاعِ غَزَّة ، وقادَ
المِصْريين إلى نَكْسَةِ 1967 ، وَتَمَّ احتلالُ سَيناء .
قالَ صَخْر وَهُوَ يُحَاوِل تَلطيفَ الجَوِّ
:
_ هُناك مَثَل شَعْبي مِصْري
يَقُول: " يا خبر النهارده بفلوس بُكره يبقى ببلاش " . يَعْني قِيمة
الخَبَر تَقِلُّ معَ مُرور الوَقْت ، تَكُون له أهمية كَبيرة في البِداية ، ثُمَّ
يُصبح شيئًا عاديًّا بِلا قِيمة معَ مُرور الوقت .
قالَ سُلطان مازحًا :
_ أنا عارفك وكاشفك يا صَخْر
مِنْ زَمان، أنتَ عَقْلك في مِصْر والمِصْرِيَّات . المَرْأةُ المِصْرِيَّة
مُسيطِرة على تَفكيرِك .
وَضَحِكَ الجميعُ مِنْ أعماقِ
قُلوبِهم ، والمُرطِّباتُ تَسِيل في حُلوقِهم كالشَّلالاتِ ، وأسنانُهم تَطْحَنُ
الفُسْتُقَ والقضامة بِصَوْتٍ مُرتفع .
قالَ صَخْر وَقَدْ تَهَلَّلَتْ
أساريرُه، وَظَهَرَ الانشراحُ على مَلامحِه، وَشَعَرَ أنَّهُ مُسيطِر على
الجَلْسَة:
_ المَرأةُ المِصْريةُ على
عيني ورأسي ، ومُميَّزة عن نِسَاءِ العَالَمِ ، سِت جدعة وأصيلة ، ودمها خفيف ،
ودَلُّوعة ، وَصَبُورة ، وحنونة ، ومُضحية ، وَلَديها قُدرة على التَّحَمُّل ،
وتَعْمل ، وتَطْبخ ، وتكنس ، وتَعْتني بِزَوْجِها ، وستر وغطا عَلَيه، وتُربِّي
أولادَها ، وتَتحمَّل مسؤولةَ بَيتها .
قالَ مَسعود ضاحكًا :
_ صِرْتَ خبيرًا في صِفَاتِ
المَرأة المِصْريَّة يا صَخْر ، اذهبْ إلى مِصْر ، وتَزَوَّجْ مِصْرِيَّة ،
وأحْضِرْها إلى قَرْيتنا ، كَي تَغَار مِنْهَا نِساؤُنا وبناتُنا .
قالَ صَخْر وكأنَّه فَيْلسوف
يُقَدِّم النصائحَ والتَّعليمات :
_ النِّسْوان أجمل مِنَ
السِّياسة مليون مَرَّة . المَرأةُ تُريحك ، والسِّياسة تُتْعبك ، والمَرأةُ
تُنْجِب لَكَ الأولادَ ، والسِّياسةُ تُدمِّر مُستقبَلَ الأولاد، والمَرأةُ
تَطْبَخ لَكَ وتُطْعمك ، والسِّياسة تَقْطع عَنْكَ القَمْحَ والغِذاءَ . اتركوا
السِّياسةَ لأصحابِها ، السِّياسةُ تسم البدن . الحياةُ مُستمرة ، ونُريدُ أنْ
نعيش حياتنا ، جمال عبد الناصر لَيْسَ أوَّلَ مَنْ يَمُوت ، ولا آخِر مَنْ يَمُوت .
قالَ مَسعود بابتسامةٍ عريضة :
_ ولا تَنْسَ يا صَخْر أنَّ
المَرأة حُكومة قائمة بذاتها ، والمَرأةُ تُدْخِلك القفصَ ، والسِّياسةُ تُدْخِلك
السِّجْنَ .
وَضَحِكَ الجَمِيعُ ، كأنَّهُم
في حَفلةٍ عائلية ، ولكنَّ قَلَقًا غامضًا كانَ يَنهمر في أعصابِهم كَصَوْتِ
الرَّعْدِ ، وَلِسَانُ حَالِهِم يَقُول :
_ نَعُوذُ باللَّهِ مِنْ
كَثرةِ الضَّحِكِ ، اللهمَّ اجعله خَيْرًا يا رَبَّ العَالَمِين .
7
بَعْدَ يَوْمٍ واحد مِنْ
وَفاةِ الرئيس جمال عبد الناصر ، بَدَا أنَّ الناسَ نَسُوه . عادوا إلى مُمارسة
شُؤونِهم الحياتية بِكُلِّ رَتَابَةٍ وَرُوتين، مِثْل رِجَال آلِيِّين خَرجوا مِنْ
مَتاحف مَهجورة. عادَ الأمواتُ إلى قُبورِهم ، وَغَرِقُوا في تفاصيلِ الأحداثِ
اليومية ، بِلا مَشاعر ولا أحاسيس . " دَعِ المَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُم
" .
أخي ناصر ذُو الثلاث سَنَوَات
يَلعب أمامَ البابِ المَخلوعِ للبَيْتِ ( الزريبة ) . وفَجأةً ، ودُون سابقِ إنذار
، هَاجَمَه دِيك بشراسة ، مَا أدَّى إلى جُروحِ عميقة في سَاقِه اليُسرى ، ونزيفٍ
حاد في أوردته المُتمددة ، تَسَبَّب بِتَوَقُّفِ عَضَلَةِ القلبِ عَن العَمَلِ ،
وسُقوطِه على الأرضِ . آثارُ الدِّماءِ على الأرض ، والدِّيكُ مُلطَّخ بالدِّماءِ
، وخُصوصًا مَخَالبه . وعِندما رَأتْ أُمِّي المَنْظَرَ طارَ عَقْلُها ،
وَمَزَّقَتْ خُدودَها بأظافرِها الخَشِنَة ، وَحَمَلَتْ طِفْلَها المَقتولَ بَيْنَ
يَدَيْهَا ، وَلَمْ تَعْرِفْ أيْنَ تَذهَب بِه ، فلا يُوجَد أطباء في القَرية ،
ولا عِيَادات طِبية . رَكَضَتْ في طُرُقاتِ القَريةِ وَهِيَ تَصْرُخ بأعلى
صَوْتِها كَالمَجنونةِ :
_ ابْنِي مَاتَ ، خَسِرْنا
الوَلَدَ ، ذَهَبَ ناصر إلى غَيْرِ رَجْعَة .
حاولَ بَعْضُ الرِّجَالِ
مُساعدتها ، ولكنْ بلا فائدة . كانَ أخي ناصر مَيْتًا. فارقَ الحَيَاةَ قَبْلَ أنْ
تَحْمِلَه أُمِّي بَيْنَ يَدَيْهَا ، وَهُوَ الآن جُثَّة هامدة . لَمْ يَبْقَ
مِنْهُ غَيْرُ صُورةٍ في بِروازٍ أخْرَس على حائطٍ قَذِر . إنَّهُ ابْنُ النِّهَايَةِ
. حَمَلَ في أعْمِاقِهِ بَذْرَةَ الفَنَاءِ . لَحْمُهُ الطَّرِيُّ أصبحَ تابوتًا
حديديًّا ، وَجِلْدُهُ الناعمُ أصبحَ كَفَنًا مَعْدِنِيًّا . غابتْ ابتسامته إلى
الأبد . وَجْهُهُ ذَابلٌ ، وَجَسَدُه وَرْدَةٌ قَطَفَهَا المَوْتُ ، احتلَّ
الصَّمْتُ حَوَاسَّهُ قِطعةً قِطعةً . وأصابعُهُ الصَّغيرةُ شُموعٌ مُنهارة .
والنَّشَاطُ صَارَ فَرَاغًا ، والحَيَويةُ صَارتْ عَدَمًا ، وَلَنْ نَسمع
ضَحِكَاتِه بَعْدَ اليَوْمِ . كُلُّ الأحلامِ ضاعتْ ، وَتَحَطَّمَت الآمالُ
العريضة عَلى صَخْرةِ الوَدَاعِ . والعَصَافيرُ فَرَشَتْ ثِيَابَ الحِدَادِ
السَّوْدَاءَ في الآفاقِ .
عِندَما عَلِمَ أبي بالمَوضوعِ
فَقَدَ قُدْرَتَه على النُّطْقِ لِسَاعَاتٍ طويلة . غَرِقَ وَجْهُهُ في مُستنقَعٍ
مِنَ الأحزانِ السائلة . عَيْنَاه زائغتان ، وَرُمُوشُهُ أسلاكٌ شائكة . الضَّجِيجُ
يَتَفَجَّر في أعماقِهِ السَّحيقةِ ، لكنَّه ساكتٌ ، وعاجزٌ عَن الكَلام . لَمْ
يَفْعَلْ أيَّ شَيْء سِوى التَّحديقِ في صُورةِ أخي ناصر السَّجينة في بِرواز
خشبيٍّ عَلى حائط قَذِر . الحُزْنُ والمَوْتُ يَنْدمجان في جَسَدِ أبي المُحَطَّمِ
. يَشْعُرُ بألَمٍ شَديد ، وفَرَاغٍ هائلٍ ، وشَوْقٍ كَبير لأخي ناصر ، كَمَا
يَشْعُرُ بالغضبِ والذَّنْبِ والنَّدَمِ . لَقَدْ سَلَبَهُ الحُزْنُ القُدرةَ على
التَّركيز ، وأفْقَدَه الرَّغبةَ في الحَيَاةِ .
لَمْ يَجِئْ أيُّ شَخْصٍ إلى
بَيْتِنا للتَّعْزية ، باعتباره زَريبة أبقار لعائلة ضعيفة وبائسة ومَقطوعة مِنْ
شَجَرَةٍ لا أصْل لها ولا فَصْل ، ولا حَسَب لها ولا نَسَب . الوحيدُ الذي جاءَ
للتَّعزية هُوَ الشَّيْخُ هِشام عبد الهادي . وَقَدْ كانَ بِحَقٍّ شخصًا مُتواضعًا
وبسيطًا وزاهدًا في مَتَاعِ الحَياةِ الدُّنيا .
وما زالتْ تَعْزيةُ الشَّيْخِ
هِشام تَتَرَدَّد في عَقْلِ أبي وقَلْبِهِ وَوِجْدَانِه :
_ أحسنَ اللَّهُ عَزَاءَكُم ،
وَعَظَّمَ اللَّهُ أجْرَكُم ، لِلَّهِ مَا أعْطَى ، ولِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وكُلُّ
شَيْءٍ عِنْدَه بأجَلٍ مُسَمى ، إنَّا للَّهِ وإنَّا إلَيْهِ راجعون ، رَحِمَ
اللَّهُ ابْنَكُمَا ، وَجَعَلَهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ ، وألْهَمكما الصَّبْرَ
والسُّلْوَان .
في المَسَاءِ ، كانت أُمِّي
تَلْطِمُ خُدودَها ، وتَضْرِبُ وَجْهَها ، وَتَنُوحُ على ابْنِها الوحيد ،
وتَبْكيه بِحُرْقَةٍ ومَرَارةٍ ، وأبي ساكتٌ يُحَدِّقُ في صُورة ابْنِه ،
ويَتَمَنَّى لَوْ يَسْتطيع أنْ يُحَرِّرَها مِنَ البِروازِ الخَشَبِيِّ الذي كانَ
يَرَاه سِجْنًا مُظْلِمًا .
فَجْأةً ، وبِلا مُقَدِّمَاتٍ
، انْحَلَّتْ عُقْدَةُ لِسَانِ أبي ، وانفجرَ قائلًا :
_ أنتِ قَتَلْتِ الوَلَدَ يا
سميحة ، تَعْتنين بأولاد الناس لأنَّهُم يَدْفَعُون لَكِ المَالَ ، وَتَرَكْتِ
ابْنَكِ مِنْ لَحْمِكِ وَدَمِكِ للمَوْتِ . أنا أعْرِفُكِ جَيِّدًا ، وأفْهَمُ
طَريقةَ تفكيركِ ، لا تُريدين ابْنًا يَحْمِلُ اسْمِي، لأنَّني عَدِيم الأصل ،
ومَقْطوع مِنْ شَجَرَةٍ ، وَمِنْ قَاعِ المُجتمع .
وأردفَ قائلًا :
_ أنا حِمَار ابنُ حِمَار ،
لأنَّني تَزَوَّجْتُ امرأةً أُمِّية جاهلةً ، وخَدَّامة في البُيوتِ ، وخَيْرُها
لِغَيْرِها. ولكنْ يا خَسَارة ، هَذا اختيارُ أُمِّي ، لأنَّها أُمِّية جاهلةٌ
مِثْلُكِ ، والطُّيورُ على أشكالِها تَقَع .
حِينَ سَمِعَتْ أُمِّي هَذا
الكلامَ ، تَدَفَّقَ الضَّيَاعِ في مَلامحِها ، وصارَ رأسُها جُمرةً مُشتعلة ،
وَتَوَحَّشَتْ حَوَاسُّهَا ، وصارتْ جَوارحُها طُيورًا جارحة ، وقالتْ بِكُلِّ
غَضَبٍ وحِدَّةٍ ، وَبِصَوْتٍ رهيب:
_ أنتَ زَوْجٌ فاشل يا
سَلْمَان، وأبٌ نائمٌ في البَيْتِ ، يا لَيْتَني لَمْ أتزوَّجْ ، وَبَقِيتُ
عَانِسًا مِنَ العَوانسِ.ضَحَّيْتُ بِصِحَّتي ومالي مِنْ أجْلِكَ، ولكنَّكَ
عَدِيمُ الأصْلِ، لا تَعْرِفُ الاحترامَ ولا التَّقدير . يَوْم أسْوَد يَوْم تَزَوَّجْنَا،
والمَكتوبُ ظَاهِرٌ مِنْ عُنوانِه . أنتَ مَنْحُوسٌ ومَشْؤومٌ ، سَمَّيْتَ الوَلَد"
ناصر"، مِنْ أجْلِ عُيونِ حَبيبك جمال عبد الناصر ، ماتَ جمال عبد الناصر ،
وتَبِعَهُ الوَلَدُ بَعْدَ يَوْمٍ واحدٍ . يَا لَيَتْنَا سَمَّيْنَاهُ باسمٍ آخَر
. أنتَ راعي غَنَمٍ يا سَلْمَان ، مَا علاقتك بالسِّياسة ؟ ، ماذا تَفْهَم في
القَوْمِيَّةِ ؟ ، الزُّعَمَاءُ فاشلون ومَهْزومون ، وأنتَ الرَّاعي الذي تَلْهَثُ
وَراءَ الغَنَمِ تُريدُ أنْ تَكُون ناجحًا وشُجَاعًا .
وَصَمَتَ الاثنان ، كأنَّهما
عَقَدَا اتِّفَاقيةَ سَلامٍ بَينهما ، أوْ نَجَحَا في إتمامِ اتِّفَاقية الهُدنة
بَينهما . لَقَدْ خَسِرَا ابْنَهما الوحيدَ ، ولَنْ يَعُود ، ولا فائدة مِنَ
البُكاءِ والصُّراخِ والشِّجَارِ . كُلُّ شَيْءٍ انتهى ، وكُلُّ يَوْمٍ بِدايةٌ
جديدةٌ، وَرَحَى المَوْتِ تَطْحَنُ، والنِّسيانُ يَطْوي الجميعَ ، وَيَسْرِقُ
أحزانَهم وأفراحَهم.
حَدَّقَا في صُورةِ ناصر على
الحَائطِ . شَعْرُهُ الناعم ، وَعَيْنَاهُ اللامعتان ، وخُدُودُه الطَّرِيَّة ،
وابتسامته البريئة ، وَقَمِيصُهُ الأزرق الذي أعْطَوْهُ لأُمِّي صَدَقَةً ،
وَشَفَقَةً عَلَيْهَا ، وعلى ابْنِها الوحيدِ الذي وُلِدَ في عائلة فقيرة بائسة
لَيْسَ لَهَا جُذور ولا أغصان .
8
قَرَّرَتْ أُمِّي أنْ تُنْجِبَ
مَرَّةً ثانية في أسرعِ وقت مُمكِن ، كَتَعويض عَنْ فِقدانِ أخي ناصر ، وغِيابِه
إلى الأبدِ . ولكنَّ الحُزْنَ مَزَّقَ جِسْمَها ، وَجَعَلَهَا ضَعيفةً واهنةً
مُنهارة . خافتْ أنْ تُصبح عاجزةً عَن الحَمْلِ والوِلادةِ . وَمَا زادَ مِنْ
خَوْفِها أنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ قُلْنَ لَهَا إنَّ جِنِّيًّا يَسْكُنُ في
جَسَدِهَا ، وَسَيَقْتُل كُلَّ جَنينٍ يَتَشَكَّل في رَحِمِهَا ، وَلَنْ تُنْجِبَ
بَعْدَ اليَوْمِ إطلاقًا . غَرِقَتْ أُمِّي في حُزْنِهَا، واستسلمتْ
للخَوْفِ،وصارتْ تَتَصَرَّف كالمَمْسُوسَةِ أو المَجنونة التي فَقَدَتْ قُوَاها
العقلية .
أحْضَرَ أبي لَهَا الشَّيْخَ
هِشَام عبد الهادي ، فَهُوَ رَجُلٌ مُبَارَكٌ ، ويَدُهُ بَرَكَةٌ ، يَقْرَأ
القُرآنَ على المَسْحُورين ، فَيَبْطُلُ السِّحْرُ ، وإذا كانَ هُناكَ حَسَدٌ ،
فإنَّهُ يَزُولُ ويَتلاشَى ، ويَأمُرُ الجِنَّ بالخُروجِ مِنْ جَسَدِ الإنسانِ ،
فَيَخْرُجُ بِلا إبطاء ولا تأخير . وكُلُّ ذلك بإذْنِ اللَّهِ وَفَضْلِه وكَرَمِه
. والشَّيْخُ يَفْعَلُ ذلك لِوَجْهِ اللَّهِ تعالى ، لا يَتَقَاضَى أجْرًا .
إنَّهُ يُسَاعِد الناسَ طالبًا الأجْرَ مِنَ اللَّهِ وَحْدَه ، والإنسانُ فَانٍ ،
والدُّنيا زائلة ، ومالُ الدُّنيا في الدُّنيا ، والكَفَنُ لَيْسَ لَهُ جُيوب .
هَكَذا يَقُولُ دائمًا.
طَلَبَ الشَّيْخُ أنْ تَضَعَ
أُمِّي على بَطْنِهَا المُصْحَفَ الشَّريفَ ، وَقَرَأَ عَلَيْهَا سُورةَ الفاتحةِ
وآيةَ الكُرْسِيِّ وسُورةَ الإخلاصِ والمُعَوِّذَتَيْن ، ثُمَّ قَرَأ سُورةَ
الفاتحةِ عَلى مَاءٍ ، وقالَ لأُمِّي :
_ يا أُخْتي أُمَّ ناصر ، هَذا
المَاءُ مَقْرُوءٌ عَلَيْه ، اشربي مِنْهُ مَرَّتَيْن يَوْمِيًّا ، مَرَّةً في
الصَّبَاحِ على الرِّيقِ ، عِندما تَسْتيقظين مِنَ النَّوْمِ ، ومَرَّةً قَبْلَ
أنْ تَنَامي ، ولا تأكُلي بَعْدَه شيئًا . وإنْ شاءَ اللَّهُ ، إذا نَفَّذْتِ هَذه
التَّعليماتِ بِدِقَّة، بِلا زِيَادة ولا نُقْصَان، سَوْفَ تَتَحَسَّن صِحَّتُكِ،
وتَرتفع مَعْنوياتك .
دَعَا أبي وأُمِّي للشَّيْخِ ،
وَقَامَا بِشُكْرِهِ على جُهودِه الطَّيبة ، ومُساعدته للناسِ ، خُصوصًا طَبَقَة
الفُقراء والمُحتاجين والمساكين . حَتَّى إنَّ أبي قَبَّلَ يَدَهُ باعتبارِه
أُستاذًا له ، وشَيْخَه في الكُتَّابِ .
خَرَجَ الشَّيْخُ مِنْ
بَيْتِنا البائس ، الذي يُسمَّى بَيْتًا مَجَازًا ، وَسَارَ في طُرُقَاتِ القَريةِ
عائدًا إلى بَيْتِه . وَحَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ في الحِسْبَانِ .
في نَفْسِ طَريقِ الشَّيْخِ،كانتْ
تَمْشِي بناتٌ مُراهِقَاتٌ مَعروفاتٌ بالجُرأةِ والوَقَاحَةِ ، في
مُقَدِّمَتِهِنَّ البِنْتُ رَهِيفة ، التي تَبْلُغُ مِنَ العُمْرِ سِتَّة عَشَر
عامًا ، وَهِيَ مَشهورةٌ بعدمِ احترامِ الآخرين ، وَرَفْضِ الامتثال للمعايير
الاجتماعية، وحُبِّ الظُّهُورِ ، والتَّصَرُّفِ بشكلٍ طائش، واستخدامِ الألفاظ
البذيئة .
قالتْ رَهِيفة لصديقاتِها ،
وكأنَّها عَثَرَتْ عَلى كَنْزٍ أثريٍّ كانتْ تَبْحَثُ عَنْهُ مُنْذُ مُدَّةٍ بعيدة
، أوْ وَجَدَتْ صَيْدًا ثَمِينًا لا يَتَكَرَّر :
_ يا بَنَات ، هَذا الشَّيْخُ
هِشام عبد الهادي قادم مِنْ بَعيدٍ ، سَوْفَ نَتَحَرَّشُ بِه ، ونَسْتفزه بالكلام
، وَنَتَسَلَّى مَعَه ، دَمُهُ خَفِيفٌ ، وأحيانًا يَنْسَى نَفْسَه ، وَاتْرُكْنَ
هَذه المُهِمَّة عَلَيَّ .
وعِندَمَا اقْتَرَبْنَ مِنْه ،
قالتْ رَهِيفة وَهِيَ تَتَعَمَّد الدَّلَعَ وَالضَّحِكَ وتَرْقِيقَ الكَلامِ :
_ صِحَّتُكَ حَدِيد يا شَيْخ
هِشام ، كُلَّمَا كَبِرْتَ ازددتَ شَبَابًا ، لا تَمْرَض ولا تَتْعَب ، أنْتَ
كالأسَدِ ، لا تَنَامُ ولا تَتْرُك اللبُؤَةَ كَي تَنَام . المَفروضُ أنْ تَتَزَوَّجَ
أرْبَعَ زَوْجَات ، لأنَّ طاقتك طَاقَة أربعة رِجَال ، زَوْجَتُكَ الشَّيْخَةُ أُمُّ
حامد تَتَحَمَّل مَا تَتَحَمَّلُه أرْبَعُ زَوْجَات . خَفِّفْ عَنْهَا يَا شَيْخ ،
وَارْحَمْهَا . الفارسُ يُريحُ الفَرَسَ ، ولا يَركبها لَيْلًا ونهارًا .
وَغَرِقَت البَنَاتُ في الضَّحِكِ ، وَصِرْنَ
يَغْمِزْنَ بَعْضَهُنَّ البَعْض .
صَدَرَتْ مِنَ الشَّيْخِ
عِبارةٌ تِلْقائية بِلا تَفكير ، وكأنَّها انطلقتْ مِنْ رَجُلٍ آلِيٍّ بشكلٍ لا إرادي
:
_ إذا كانت البِئْرُ مَفتوحةً
، يَجِبُ أنْ تَظَلَّ مِضَخَّةُ المَاءِ شَغَّالة .
احْمَرَّتْ خُدُودُ البَناتِ ،
وَسَيْطَرَ الخَجَلُ عَلى قَسَمَاتِ وُجُوهِهِنَّ ، وقالتْ رَهِيفة بِغُنْجٍ واضح
:
_ قَلْبُكَ شَبَاب يا شَيْخ
هِشام .
أدركَ الشَّيْخُ فَدَاحَةَ
المَوْقِفِ ، وَنَدِمَ على فَلْتَةِ لِسَانِه ، وقالَ بِصَوْتٍ كَسير :
_ أستغفرُ اللَّهَ العظيمَ
وأتوبُ إلَيْه، يا رَبِّي سَامِحْنَا . اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا ، وتَقْصِيرَنا وإسْرَافَنَا في أمْرِنا
. اذْكُرْنَ اللَّهَ يا بَنَات ، ذِكْرُ اللَّهِ أحْسَنُ
مِنَ الكَلامِ الفَاضِي ، واللَّهُ يَرزقكنَّ الأزواجَ الصالحين ، ويَسْتُر عَلَيكنَّ
في الدُّنيا والآخرة .
وَمَضَى إلى بَيْتِهِ بِخُطُواتٍ
ثقيلةٍ. قَرَعَ البابَ، ومَا إنْ فَتَحَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ حَتَّى سَقَطَ على
الأرضِ. وَتَجَمَّعَ أولادُه وبَنَاتُه حَوْلَه ، وَتَمَّ نَقْلُهُ إلى غُرْفته ، وَوَضْعُهُ
عَلى الفِرَاشِ كَالسِّلْعَةِ الكاسدةِ أو البِضَاعَة مُنْتَهية الصَّلاحِيَّة .
انهارتْ صِحَّةُ الشَّيْخِ . جَسَدُهُ
يَذُوبُ شيئًا فشيئًا ، وَعِظَامُهُ تتآكل ، وعَضَلاتُه يابسةٌ كأنَّها حِجَارة
لَيْسَ لها تاريخٌ ولا جُغرافيا ، وَأعضاؤُهُ يأكُلُ بَعْضُها البَعْض . فَقَدَ
القُدرةَ على الكَلامِ ، وَهُوَ الخَطيبُ المُفَوَّه ، والواعظُ المُؤثِّر . لَمْ
يَستطعْ تناولَ الطَّعَامِ ولا شُرْبَ المَاءِ . فَتَحُوا فَمَهُ رَغْمًا عَنْه ،
وَهُمْ يُحاولون إدخالَ الطعامِ والشَّرابِ فِيه . اختلطَ الزَّمانُ والمَكَانُ ، وامتزجَ
الليلُ والنهارُ . لَمْ يَعُدْ يُميِّز بَيْنَ زَوْجَتِهِ وابْنَتِه ، وَلَمْ
يَعُدْ يَعْرِفُ أبناءه . الجليدُ يَلتهمُ ذِرَاعَيْه وَسَاقَيْه ، والبُرودةُ
تَتَسَلَّل في جِسْمِه ، واللَّوْنُ الأزرقُ يَغْتَصِبُ شَفَتَيْه وأصابعَ
يَدَيْهِ وَقَدَمَيْه . وَفَقَدَ القُدرةَ على التَّحَكُّمِ بعمليةِ التَّبَوُّلِ
والتَّبَرُّزِ .
في مُنْتَصَفِ الليلِ، ماتَ
الشَّيْخُ هِشام عبد الهادي . أَسْلَمَ الرُّوحَ إلى بارئها ، والسِّرُّ الإلهيُّ
طَلَعَ . وسالتْ دُمُوعُ أهْلِه ، وانتشرَ البُكَاءُ في بَيْتِه المُتواضع . كانَ
أهْلُهُ يَظُنون أنَّهُمْ في حُلْمٍ ، سُرْعَان مَا يَفِيقُون مِنْه . ولكنَّ
الحُلْمَ تَحَوَّلَ إلى كابوس، والجَسَدُ صَارَ شَبَحًا غارقًا في قاعِ الليلِ .
لَمْ يُصَدِّقْ أهلُ القَريةِ
أنَّ الشَّيْخَ هِشام عبد الهادي مات ، ومعَ أنَّ المَوْتَ حَقٌّ ومَكتوبٌ على
الجميع ، إلا أنَّهُمْ لَمْ يَتَخَيَّلُوا أنَّهُمْ سَوْفَ يَسْتيقظون يَوْمًا مَا
، ولا يَجِدُون الشَّيْخَ مَوجودًا ، فَقَدْ كانَ واحدًا مِنْهُم ، وَدائمًا
مَعَهُم وَبَيْنَهُم .
عَمَّ الحُزْنُ القَريةَ ،
وَظَهَرَ الناسُ ضائعين في مَتَاهة لا نِهَاية لها . الذُّهُولُ يُسيطر على
حَرَكاتهم وسَكَناتهم ، والدَّهشةُ تُهَيْمِن عَلى خُطُواتِهم ، والذُّعْرُ يأكلُ
أعصابَهم ومَشاعرَهم .
كانَ أبي واقفًا معَ مسعود في
دُكَّانته ، وكِلاهُما عاجزٌ عَن الجُلوسِ مِنْ شِدَّة القَلَقِ والاضطرابِ
والضَّغْطِ العَصَبيِّ والخَوْفِ مِنَ المُستقبَلِ المَجهول .
قالَ أبي وَالحُزْنُ يَخْمِشُ
جِلْدَه :
_ اللَّه يَرْحمك يا شَيْخ
هِشام، كانَ مَوجودًا في بَيْتي في نَفْسِ يَوْمِ وَفَاتِه ، وَهُوَ بِصِحَّةٍ
وعافية، ويَتَكَلَّم بِثِقَةٍ وقُوَّةٍ واتِّزَان .
قالَ مَسعود ساخرًا مِنْ أبي
ومُستهزئًا بِه :
_ وَهَلْ لَكَ بَيْت يا
سَلْمَان ؟ ، هَلْ تُسَمِّي زَريبةَ الأبقارِ بَيْتًا ؟ ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ
جَوَّ الزَّريبة المُلَوَّث قَدْ أثَّرَ على صِحَّةِ الشَّيْخِ ، وَقَضَى عَلَيْه
.
خَجِلَ أبي مِنْ نَفْسِه ،
وَشَعَرَ بالخِزْيِ والعَارِ ، وزاغتْ عَيْنَاه ، والمَشاعرُ المُتناقضة تتصارع
على احتكارِ عَقْلِهِ وَقَلْبِه .
وحَلَّ الصَّمْتُ بَيْنَهُما ،
وَلَمْ يَعْرِفَا مَاذا يَقُولان . وجاءَ فَلَاح مِنْ بَعيدٍ ، وَدَخَلَ
الدُّكَّانةَ مَذهولًا، وقالَ بِصَوْتٍ مَذعور :
_ كُنْتُ عِندَ حَيْدَر ،
وأخْبَرَني أنَّ الشَّيْخَ هِشَام ماتَ لأنَّهُ فَرِحَ بِوَفَاةِ جمال عبد الناصر
، وتضايقتُ مِنْ كَلامِه ، وَلَمْ يُعْجِبْني أُسْلُوبُهُ في الحَدِيثِ .
وأردفَ قائلًا :
_ بَقِيتُ أبْحَثُ في
تَفَاصيلِ المَوضوعِ ، حَتَّى عَرَفْتُ السِّرَّ الخطير .
قالَ مَسعود واللهفةُ تَزيد
عَيْنَيْهِ بَرِيقًا وحُمْرَةً :
_ مَا هُوَ السِّرُّ الخطير يا
فَلَاح ؟، ادْخُلْ في المَوضوعِ مُبَاشَرَةً ، ولا تَلْعَبْ بأعصابِنا . وكُنْ
صادقًا وواضحًا بِدُون لَف ولا دَوَرَان .
_ رَهِيفة سببُ المُصيبةِ . أوْقَفَت
الشَّيْخَ في الطَّرِيقِ ، وتَكَلَّمَتْ مَعَه ، وَقَتَلَتْهُ بِالعَيْن . هَكَذا
يَقُولُ الناسُ ، واللَّهُ أعْلَم .
انتفضَ مَسعود كالمَلسوعِ ،
وقالَ :
_ أعُوذُ باللَّهِ مِنَ
الشَّيطانِ الرَّجيمِ . أنا أعْرِفُ رَهِيفة جَيِّدًا ، هَذه بِنْت وَقِحَة
وَدَلُّوعة وصايعة وَلِسَانُها وَسِخ . جَاءَتْ قَبْلَ شَهْر إلى الدُّكَّانَةِ
كَيْ تَشتري كِيلو فُسْتُق حلبي . وكانَ على الرَّفِّ إبريقٌ زُجاجي، نَظَرَتْ
إلَيْه ، فَانكَسَرَ فَوْرًا . سَمِعْتُ صَوْتَ انكسارِه كالقُنبلةِ ، لَقَدْ
شَقَّتْهُ شَقًّا بِنَظَرَاتِ عُيونِها ، كأنَّها أمسكتْ سِكِّينًا وَقَسَمَتْهُ
نِصْفَيْن .
وأردفَ قائلًا :
_ هذه البِنْتُ عَيْنُها نار
حارقة وقاتلة ، يَجِبُ حَبْسُها في البَيْتِ ، ومَنْعُها مِنْ مُخالطةِ الناسِ
لدفعِ الضَّرَرِ عَنْ أهْلِ القرية ، وعَدَمِ إيذائِهم . مِنَ الواضحِ أنَّ
البِنْتَ مَكْبوتة ، وتَحْتاج إلى زَوْجٍ يُعيدُ تَرْبيتها ، ولكنَّ السُّؤال :
مَنْ هُوَ العريسُ الغبيُّ الذي يَقْبَلُ بِها زَوجةً ؟ .
قالَ أبي ومَلامِحُهُ تَزداد
قَسْوَةً وَحِدَّةً :
_ رَهيفة ابنةُ أخِ المُختارِ
. المُختارُ أبو حسن عَمُّهَا ، وعائلتها مَيْسُورة وكثيرة العَدَد ، لذلك لا أحَد يُحاسبها .
قالَ فَلَاح والقَرَفُ ظاهرٌ عَلى
وَجْهِه :
_ كُنَّا في قِصَّةِ المُختارِ
وَزَوْجَتِهِ أُمِّ حَسَن ، والآنَ صِرْنَا في قِصَّة رَهِيفة ابنة أخ المُختار . عائلة
فاشلة وسَيِّئة السُّمْعَة ، ابتلانا اللَّهُ بِهَا في هذه القَريةِ التَّعيسة ،
اللَّه يأخذ هَذه العائلةَ ، ويُريحنا مِنْهَا. لَوْلا المال والذَّهَب والأرض
لَبَصَقَ الناسُ على رِجَالِهِم ونِسْوَانِهِم .
قالَ أبي والألَمُ يُجفِّف دَمْعَ
عَيْنَيْه :
_ إذا تُرِكَتْ رَهِيفة
حُرَّةً طَلِيقة ، سَوْفَ تَقْتُل أهْلَ القَريةِ بِعَيْنِهَا واحدًا واحدًا ،
الآنَ الشَّيْخ هِشام عبد الهادي ، واللَّهُ أعْلَم مَنْ سَيَكُون الضَّحِيَّة
الجديدة القادمة . اللَّه يخرب بَيْتك يا رَهِيفة ، قَتَلْتِ أفضلَ رَجُلٍ في
القَرية ، تَرَكْتِ كُلَّ الرِّجال الفاسدين ، وقَتَلْتِ سيدنا الشَّيْخ الرَّجُلَ
الصالح .
قالَ فَلَاح :
_ عِندَما كُنْتُ عِنْدَ
حَيْدَر لَمْ يَقتنع بموضوع العَيْنِ ، ولَمْ يُصَدِّقْ قِصَّة رَهِيفة ،
وأخْبَرَني أنَّ سَبَب وفاةِ الشَّيْخ هُوَ شَمَاتته بوفاةِ جمال عبد الناصر .
قالَ أبي بِلَهجةٍ صُلبةٍ ،
وَصَوْتٍ مُرتفع :
_ الشَّيْخُ هِشَام عبد الهادي
أُستاذي وشَيْخي في الكُتَّابِ، وطالما سَمِعْتُ سيدنا الشَّيْخ يَقُولُ في أكثر
مِنْ مَجْلِسٍ : قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( العَيْنُ
حَقٌّ ، وَلَوْ كانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ )) ، وقالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( العَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ ،
وَتُدْخِلُ الجَمَلَ القِدْرَ )) . يَعْني تَقْتُلُ الرَّجُلَ فَيُدْفَن في
القَبْر ، وتُصِيب الجَمَلَ ، فَيَمُوت ، فَيُذبَح ، ويُطبَخ في القِدْر . صحيحٌ
أنَّني راعي غَنَم ، وَلَمْ أذهبْ إلى مدارس وجامعات ، ولكنَّ ذاكرتي قوية ،
وَلَدَيَّ قُدرة كبيرة على الحِفْظ ، وَأُحِبُّ العِلْمَ والعُلماء ، وأهتمُّ
بِدُروسِهم ومَواعظِهم . ومَنْ جاورَ السَّعِيدَ يسعد .
قالَ فَلَاح مُتَعَجِّبًا :
_ سُبحانَ اللَّهِ العظيم ،
الشَّيْخُ هِشام عبد الهادي الذي كانَ يَقْرأ القُرآنَ الكريمَ لإبطالِ السِّحْرِ
، وإخراجِ الجِنِّ ، وإزالةِ الحَسَدِ وتأثيرِ العَيْنِ ، مَاتَ بِالعَيْنِ .
قالَ أبي مُحاولًا تقليدَ
أُسلوبِ شَيْخِه في الكلام :
_ إرادةُ اللَّهِ نافذةٌ في
كُلِّ شَيْءٍ ، لا راد لِقَضَائِه ، ولا مُعَقِّب لِحُكْمِه ، مَا شاءَ اللَّهُ
كانَ ، ومَا لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ .
قالَ مسعود والدَّمْعُ يَجْرَح
عَيْنَيْه والحَنِينُ إلى المَاضِي يَتَفَجَّر في دَاخِلِه :
_ عِندما افتتحتُ الدُّكَّانةَ
، أحْضَرَ لِيَ الشَّيْخُ هِشَام عبد الهادي هَدِيَّةً ، عِبارة عَنْ بِرواز
مَكتوبٌ عَلَيْه ثلاثة أبيات مِنَ الشِّعْرِ . قَرَأتُ الشِّعْرَ ، لَكِنَّني لَمْ
أفْهَمْ مَعْناه العميق وأبعادَه الخَفِيَّة ، ومَعَ هَذا فَقَدْ عَلَّقْتُ
البِروازَ على الحائطِ في آخِرِ الدُّكَّانَة ، بسبب إطارِه الجَميل البَرَّاقِ
وزَخْرفته الرائعة . والآنَ فَقَط فَهِمْتُ مَعنى الكَلام بِدِقَّةٍ ، وعَرَفْتُ
المَقصودَ مِنْهُ بالضَّبْط .
وأشارَ مَسعود بإصبعه إلى
البِرْوَاز ، مِنْ أجْلِ أن يَنظر إلَيْه أبي وفَلَاح ، وكأنَّه يَطْلُب مِنهما
قِراءةَ الكلام . وَقَدْ كانت الأبياتُ الشِّعْرِيَّة :
قُلْ للطَّبيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى يا شَافِيَ الأمراضِ مَنْ أرْدَاكا
؟
قُلْ للمَريضِ نَجَا وَعُوفِيَ
بَعْدَمَا عَجَزَتْ فُنُونُ الطِّبِّ مَنْ عَافَاكا ؟
قُلْ للصَّحيحِ يَمُوتُ لا مِنْ
عِلَّةٍ مَنْ بِالمَنَايَا يا صَحِيحُ دَهَاكا ؟
قالَ أبي وَنَفْسُهُ
تَتَقَطَّعُ حَسَرَاتٍ عَلى شَيْخِه :
_ رَحِمَكَ اللَّهُ يا شَيْخ
هِشَام ، كانتْ مواعظُكَ مُؤثِّرة ، وتَوْجيهاتُك واضحة ، وإرشاداتُك صادقة،
وكَلامُك حِكَمٌ ، ولكنَّ المُشكلة في الأبقارِ الذينَ لَمْ يَعْرِفُوا قِيمتك ،
ولَمْ يَفْهموا كَلامَك.
ابتسمَ مَسعود ابتسامةً
صَفْراء خبيثة ، وقال :
_ مِنَ الواضحِ أنَّ لَدَيْكَ
خِبْرة ومعرفة بالأبقارِ يا سَلْمَان، لأنَّ بَيْتَكَ زَريبة أبقار .
فَقَدَ أهلُ القَريةِ
التَّركيزَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّيْخِ هِشَام عبد الهادي . كانت الأشياءُ لَهَا
مَعْنى أثناءَ حَيَاتِه ، ولكنْ بَعْدَ مَوْتِهِ لا شَيْءَ لَهُ مَعْنى. انتشرَ
الخَوْفُ بَيْنَهُم ، فَقَد اعتقدوا أنَّ الجِنَّ سَيَهجمون على القَريةِ بَعْدَ
وفاة الشَّيْخِ الذي كانَ يُخيفُهم ويَطْردهم ، وأنَّ الجِنَّ سَيَأخذون
رَاحَتَهُم في مُهاجمةِ أهْلِ القَريةِ رِجَالًا ونِسَاءً. مَنْ سَيَقْرَأ
القُرآنَ ويُخْرِجُ الجِنَّ ويُبْطِلُ السِّحْرَ والحَسَدَ والعَيْنَ ؟. لا يُوجَد
أحَد.وهَذه هِيَ المُصيبةُ العُظمى.سَوْفَ يَزْداد عَدَدُ المَصْرُوعين
والمَسْحُورين والمَحْسُودين والمَمْسُوسين . وإذا سَيْطَرَ الجِنُّ على أجسادِ
شَبَابِ القَريةِ ، كَيْفَ سَيَنْجَحُون في لَيْلَةِ الدُّخلةِ ؟ ، وإذا احْتَلَّ
الجِنُّ أرحامَ نِسَاءِ القَريةِ ، كَيْفَ سَيَحْبَلْنَ ؟، وإذا خَنَقَ الجِنُّ
الأجِنَّةَ في بُطُونِ الحَوَامِل ، كَيْفَ سَيَلِدْنَ ؟ ، وإذا امْتَصَّ الجِنُّ
حَليبَ أُمَّهَاتِ القَريةِ ، كَيْفَ سَيُرْضِعْنَ أطفالَهُنَّ ؟ .
أيْقَنَ أهلُ القَريةِ أنَّ
نَسْلَهم سَيَنْقَطع ، وأنَّ حَالات العُنوسةِ والطَّلاق والعَجْز الجِنْسِي
سَتَزْداد ، وأنَّ الانقراض هُوَ مُستقبَل أهْلِ القَريةِ ، ولا هُوِيَّة لَهَا
غَيْر الاندثار .
ذَهَبَتْ بعضُ النِّسَاءِ
الجاهلات الأُمِّيات إلى قَبْرِ الشَّيْخِ هِشَام ، يَتَمَسَّحْنَ بِه ، وَيَرْمِينَ
لَهُ الأوراقَ والطلاسمَ والقِطَعَ النَّقْدِيَّة وَخُصَلاتِ شَعْرِهِنَّ .
وأقْنَعَهُنَّ مَسعود صاحب الدُّكَّانة بإيقادِ الشُّمُوعِ حَوْلَ قَبْرِ الشَّيْخِ
، وصارَ يَشْتري الشُّمُوعَ مِنْ تُجَّارِ العاصمةِ ، ويَبيعُها لِنِسَاء القَريةِ
بأسعار مُرتفعة ، وَقَدْ جَنَّى ثَروةً كبيرةً مِنْ ذَلِك ، وَحَقَّقَ أرباحًا
ماليَّة ضَخْمَة . والنِّسَاءُ حَرِيصاتٌ على إيقادِ الشُّمُوعِ حَوْلَ قَبْرِ
الشَّيْخِ ، وكأنَّهُنَّ يَطْلُبْنَ مِنْهُ العَودةَ مِنَ المَوْتِ كَي يَحْمِيَ
أهْلَ القَريةِ مِنْ هَجماتِ الجِنِّ المُتَوَقَّعَة ، ويُسَاعِد الأراملَ
والمُطَلَّقَاتِ والعَوَانس على الزَّوَاجِ ، وَيُسَاعِد المُتَزَوِّجَاتِ على الحَمْلِ
والوِلادةِ والرَّضَاعَة ، ويُساعِد الرِّجالَ عَلى الفُحُولَةِ والخُصُوبةِ .
مَضَتْ سَنَة وأربعة أشهُر على
وَفَاةِ الشَّيْخِ ، ولا يَزَال بعضُ أهْلِ القَريةِ يُخَيَّل إلَيْه أنَّ
الشَّيْخَ على قَيْدِ الحَياة . ذَهَبَ سُلطان وشاكر إلى العاصمةِ لتقديمِ طَلَبٍ
رَسميٍّ إلى وِزارةِ التَّربيةِ والتَّعليمِ، بإنشاء مدرسة تَحْمِلُ اسْمَ
الشَّيْخِ ، مَدرسة الشَّيْخ هِشام عبد الهادي الابتدائية ، لِتَخليدِ اسْمِه ،
وتَعريفِ الأجيالِ بإنجازاته . خُصُوصًا أنَّه لا تُوجَد مَدرسة في القَرية .
تَمَّ رَفْضُ الطَّلَبِ ، على
الرَّغْمِ مِنْ أنَّ أحد أبناء القَريةِ تَبَرَّعَ بِقِطعةِ الأرضِ . وقالَ
المَسؤولون إنَّهُمْ لَمْ يَسْمعوا باسْمِ هَذا الشَّيْخِ مِنْ قَبْل ، ولا
يَسْتطيعون إنشاءَ مَدرسة تَحْمِلُ اسْمَ شَخْص نَكِرَة لَيْسَ لَهُ تاريخ ولا إسهامات
في بِنَاءِ الدَّولةِ، وَرَفْعِ اسْمِ الجُمهورية في المَحَافِلِ العربيةِ
والدَّوْلية .
عادَ سُلطان وشاكر يَجُرُّان
أذيالَ الخَيْبَةِ . رَكِبَا في الحَافلةِ الوحيدةِ القادرة على إيصالِهما إلى
أقرب نُقْطَة مِنَ القَريةِ ، وبَعْدَ ذلك عَلَيهما تَدبير أُمُورِهما ،
والتَّنْسيق معَ أيِّ شخص لِرُكُوبِ حِصَان أوْ حِمَارٍ ، والوُصول إلى القَرية
التي تَبْعُد عَن الطريق الرئيسي مَسافةً لَيْسَتْ بالقصيرة .
جَلَسَا في المَقْعَدِ الأخيرِ
في الحافلةِ ، وقالَ سُلطان بِحَسْرَةٍ بالغة :
_ رافقتُ الشَّيْخَ مُدَّةً
طويلةً ، وَحَرَصْتُ على حُضورِ دُروسِه ومَواعظِه ، معَ أنَّني لَسْتُ عَالِمًا ،
وَقَدْ أردتُ تَخليدَ اسْمِه بَعْدَ مَوْتِه كَي يَظَلَّ مَنَارَةً لأهلِ القَريةِ
، ولكنْ للأسفِ الشَّديدِ ، رَفَضَت الوِزارةُ إنشاءَ مَدرسةٍ باسْمِه ، وَيَبْدُو
أنَّ قَرْيتنا ستظلُّ بلا مَدرسة ، هَذا هُوَ حَظُّها ونصيبُها .
قالَ شاكر مُحَاوِلًا
التَّخفيفَ عَن سُلطان :
_ لَقَدْ بَذَلْتَ كُلَّ
الجُهود المُمكنة ، وَفَعَلْتَ كُلَّ شَيْء تَستطيع فِعْلَه ، ولكنَّ الشخصَ الذي
لَيْسَ لَه واسطة في العاصمةِ ، لَنْ يَقْدِرَ عَلى فِعْلِ شَيْء . لَوْ كان أحد
أقاربك مَسؤولًا في الوِزارةِ ، لَتَمَّ وَضْعُ حَجَر الأساسِ للمَدرسةِ في أسرع
وقت مُمكِن .
وَصَمَتَ الاثنان، وَحَدَّقَا
في الطَّريقِ الصَّحراويِّ الطويل الذي يَظْهَر مِنْ نَوافذِ الحافلة المُنْهَكَة.
فَجْأةً ، قالَ شاكر وَقَدْ
أرادَ تَغييرَ المَوضوعِ :
_ كُلُّ أراملِ القَريةِ
تَزَوَّجْنَ باستثناء أُمِّ حامد أرملة الشَّيْخ هِشَام عبد الهادي ، معَ أنَّها
امرأة شريفة وطاهرة وصالحة وجميلة ، وَلَمْ تَصِلْ إلى الخَمْسِين ، وَوَرِثَتْ أراضي
كثيرة عَنْ عائلتها . لِمَاذا لا تَتَزَوَّجُها يا سُلطان ؟ ، سَوْفَ تَدْعمك
بأموالِها وأراضيها . اسْتُرْ عَلَيْهَا ، وَحَافِظْ على مُمتلكاتها قَبْلَ أنْ
يَطْمَعَ فِيها الرِّجال ، ويَسْتغلوها ، خُصُوصًا أنَّ زَوْجَهَا الرَّاحل كانَ
شَيْخًا لَكَ ، وَرَافَقْتَهُ مُدَّةً طويلة ، وكانَ يُحِبُّكَ ويَسْتقبلك في
بَيْتِه .
قالَ سُلطان بِصَوْتٍ حَزين ،
والأسفُ ظاهرٌ عَلى وَجْهِه :
_ لَوْ لَمْ تَكُنْ أُم حامد زوجةَ
شَيْخٍ لَتَزَوَّجْتُهَا،ولكنْ قالوا في الأمثالِ: لا تأخُذ حُرْمَةً بَعْدَ
شَيْخٍ.
_ ماذا تَقْصِد يا سُلطان ؟ ،
كيف يَعْني ؟ .
_ المَعنى : لا تَتَزَوَّجْ
أرملةً أوْ مُطَلَّقَةً كانتْ زَوجةً لِشَيْخٍ مُتَدَيِّن مُلتزم ، لأنَّ
الشَّيْخَ رَجُلٌ فاضلٌ بعيدٌ عَن الحَرَامِ والفِسْقِ والفُجُورِ ، يُركِّز في
الحَلالِ ، ويُخْلِص لِزَوْجَتِه ، وَيَشْتَهيها ، ويُشْبِعها ، وَيَتَفَرَّغ
لَهَا بشكل كاملٍ . وبصراحة ، يَكُون الشَّيْخُ فَحْلًا كثيرَ الجِمَاعِ ، قَدْ
أشبعَ زَوْجَتَه عاطفيًّا وجِنْسِيًّا، مِنْ كَثرةِ مَا جَامَعَهَا وَحَبَّلَهَا
وَوَلَّدَهَا، وَامرأةُ الشَّيْخِ شريفةٌ وزَوجةٌ صالحةٌ وأُمٌّ فاضلة ، ولكنْ لا
أحد يَجْرُؤ أن يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الشَّيْخِ ، لأنَّها مُسْتَهْلَكَةٌ وَمُنْتَهِيَةُ
الصَّلاحِيَّة مِنْ كَثرةِ الجِمَاعِ والحَمْلِ والوِلادةِ والرَّضَاعَة. وَمَنْ يَتَزَوَّجها
لا يَسْتطيع إشباعَها، وَسَوْفَ يَفْشَل ، وَيَفْضَح نَفْسَه بَيْنَ الناس .
9
وَلَدَتْني أُمِّي في ربيعِ
1972 في زَريبةِ الأبقارِ التي اسْتَوْلَى عَلَيها أبي ، وَجَعَلَهَا بَيْتًا
لَنَا. لَمْ يَفْرَحْ بِي أحد ، وَلَمْ يَتِم تَوزيع أيِّ نَوْعٍ مِنَ الحلويات ،
وقالَ أبي وَهُوَ يُحدِّق في صُورة أخي ناصر على الحائط الذي أَكَلَتْهُ القاذورات
:
_ يا لَيْتَ " ناصر
" على قَيْدِ الحَيَاة ، وَبَقِيَ مَعَنَا ، ناصر هُوَ ابني الحقيقي .
اعْتَبَرَني أبي ابْنًا غَيْرَ
حقيقي ، مُجرَّد طِفْل احتياطي ، أوْ نُسْخَة مُزوَّرة ، أوْ قِطْعَة مُقلَّدة
غَيْر أصليَّة. ناصر هُوَ الابنُ الأصليُّ واللاعبُ الأساسيُّ ، أمَّا أنا فلاعب
على دَكَّة الاحتياط بِلا مُستقبَل ولا إنجازات . مُذْ جِئْتُ إلى هَذه الدُّنيا ،
وَهُمْ يَعْتبرونني تَعويضًا عن ناصر ، مُجَرَّد ظِل وشَبَح لأخي الراحل . لَمْ
يَتعاملوا مَعِي كإنسان له شخصية مُستقلة ، وَكِيَان قائم بذاته . أنا رَقْمٌ ،
فَقَط لا غَيْر ، رَقْم 2 . وناصر هُوَ رَقْم 1 ، ومَهْمَا فَعَلْتُ لَنْ أستطيعَ
الهُروبَ مِنْ سُلطةِ أخي ناصر ، فَهُوَ الابنُ الكامل ، وأنا الابنُ الناقص .
قَرَّرَ أبي أنْ يُسَمِّيني
" ناصر " على اسْمِ أخي الراحل ، أوْ ناصر الثاني ، وكأنَّنا مِنْ عائلة
مَلَكِيَّة حاكمة تتوارث الأسماءَ وَالألقابَ . مُنْذُ اليَوم الأوَّل لِمِيلادي
أرادَ أبي أنْ يَحْبِسَني في صُورةِ ناصر، كَيْ أظلَّ أسيرًا لشخصيته مَدَى
الحَياة ، أوْ تَكُون حَيَاتي هِيَ الامتداد الطبيعي لحياته التي انتهتْ ، وكأنَّني
أنا المَسؤول عَنْ مَوْتِه ، ويَجِبُ أنْ أُكَفِّرَ عَنْ ذَنْبي ، وأُكَرِّسَ
حَيَاتي مِنْ أجْلِه . لا يَحِقُّ لِي أنْ أعيشَ حَيَاتي ، بَلْ يَجِب أنْ أعيش في
مَوْتِ أخي ناصر ، كَي يُصبح عُمْري عُمْرًا ثانيًا له .
قالتْ أُمِّي بعصبية بالغة :
_ مُستحيل أنْ نُسَمِّيه
" ناصر" . جمال عبد الناصر سبب مَصَائبِنا . يخرب بيته ، هَلْ سيظلُّ
يُلاحقنا ويُطاردنا في حَياتِه وبعد مَوْتِه ويَبْقَى وَرَانا وَرَانا ؟! ، ألا
تَكْفي الهزائم التي قَادَنَا إلَيْهَا ؟! .
كانتْ أُمِّي الأُمِّية
الجاهلة تَربط دائمًا بَين مَوْتِ الرئيس المِصْري جمال عبد الناصر، ومَوْتِ أخي
ناصر، وتَعْتقد أنَّ أخي كانَ سيعيش لَوْ لَمْ يَكُنْ اسْمُه " ناصر"،
ولكنَّ شُؤمَ جمال عبد الناصر أصابَ العائلةَ ، وقَضَى على ناصر ، وهَذا النَّحْسُ
مُسيطِر على عائلتنا البائسة .
قالتْ أُمِّي بثقةٍ واضحة :
_ سَوْفَ نُسَمِّيه هِشَام ،
على اسْمِ الشَّيْخِ هِشَام عبد الهادي ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالى .
وَخَضَعَ أبي لِرَغبةِ أُمِّي
، وصارَ اسْمِي " هِشَام " .
بَعْدَ وَفَاةِ أخي ناصر ،
أدركتْ أُمِّي أنَّ المَوْتَ قريبٌ مِنَّا جَمِيعًا ، ولا عَلاقة له بالعُمر ،
وأنَّ المَوْتَ لَيْسَ ذلك الشَّيْء الذي يُصِيب الآخرين فَقَط ، بَلْ أيضًا
يُصيبنا ، لذلكَ صارتْ حَريصةً على الحَمْلِ والوِلادةِ ، فإذا ماتَ ابْنٌ لَهَا
بَقِيَ آخَر ، وإذا ماتتْ بِنْتٌ لَهَا بَقِيَتْ أُخْرَى . وَبَعْدَ مِيلادي انفتحتْ
شَهِيَّةُ أُمِّي للإنجابِ، فأنجبتْ أَخَوَاتي : نَجَاح ( 1974 )، ومَقْبولة (
1975)، ومَسْتُورة ( 1976 )، وَظَبْيَة ( 1977 ) .
كُنْتُ ابْنًا وَحيدًا بَيْنَ
أربع بَنَات ، وَلَطَالَمَا شَعَرْتُ بالوَحْدَةِ والضَّعْفِ وَالحُزْنِ ، لأنَّه
لَيْسَ لِي أخٌ ألْعَبُ مَعَه ، ويُسَاندني وأُسَانده ، خُصُوصًا أنَّ مُجتمع
القَريةِ كانَ قائمًا على العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّة والنَّخْوَةِ العَشَائرية ،
والتفاخرِ بِكَثرةِ الأولادِ ، فَهُمْ عِزْوَة ، يَدْعمون بَعْضَهم البَعْض ،
أمَّا أنا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَدْعمني، وَمَا زَادَ الطِّين بِلَّة هُوَ أنَّني
لا أنتمي إلى عَشيرة ولا قَبيلة مِثْل باقي أولادِ القَريةِ الذينَ كُنْتُ ألعبُ
مَعَهُم ، وهَذا عَرَّضَني للإهاناتِ، وَقَد ابتلعتُها رَغْمًا عَنِّي ، فَهَذا
هُوَ نَصيبي مِنَ الحَياةِ .
ذِكْرياتي في القَريةِ مُشَوَّشَة
ومُضطربة ، وَلَمْ أشْعُرْ يَوْمًا مَا أنَّني مَوجود في مَكَاني ، كُنْتُ أشعرُ
دائمًا أنَّني خارجَ المَكانِ ، ولَيْسَ لِي زَمَان أنْتمي إلَيْه ، حَتَّى إنَّني
اعتبرتُ تاريخَ مِيلادي هُوَ مَوْعِدَ إعدامي ، أوْ بالأَحْرَى العَد التنازلي
لِمَوْتي .
عِشْتُ في القَريةِ السَّنَواتِ
السِّت الأُولَى مِنْ حَياتي ( 1972 _ 1978 ) . طُفُولَتي هُدْنَةٌ بَيْنَ
الفَرَحِ والحُزْنِ ، وأيَّامي سَقَطَتْ في الحِيَادِ ، ومَشاعري مُختلِطة . لَمْ
أَكُنْ أمْلِكُ القُدرةَ العقلية على تَحليلِ السَّعَادةِ والشَّقَاءِ ، وتكوينِ
فَلسفةٍ للحُزْنِ ، وَوَضْعِ نظرياتٍ في الوُجودِ والعَدَمِ . المُهِمُّ أنْ ألعبُ
وأركضُ ، والأوقاتُ مُتشابِهة ، ولا جَدِيد تَحْتَ الشَّمْسِ ، والقَريةُ سِجْنٌ
يَتَّسِعُ للسَّجَّانين والسُّجَنَاءِ بِلا أمَلٍ في الخُروجِ ولا فُرْصَةٍ
للنَّجَاة ، أوْ هَكذا بَدَتْ لِيَ الأُمُورُ في ذلك الزمنِ البعيد .
أرادَني أبي أنْ أكُونَ رَاعي
غَنَمٍ مِثْلَه ، ولكنَّ أُمِّي قالتْ لَه إنَّ مُستقبَل هِشَام في التِّجَارة ،
فَهُوَ شاطر في الحِسَابِ ، ويُتْقِن لُعبةَ الأرقامِ . وَأصَرَّتْ أُمِّي على أنْ
أعْمَلَ مَعَ مسعود في دُكَّانته ، كَي أتَعَلَّمَ أُصُولَ التِّجارة ، أوْ أكُون
بائعًا مُتَجَوِّلًا في القُرى ، أعْمَل لِحِسَابي الشَّخصي ، وَسَوْفَ أكْسِبُ
كثيرًا مِنَ المَالِ ، والناسُ سَوْفَ يُشْفِقُون عَلَيَّ ، لأنَّني طِفْلٌ صَغير
. وألْبَسَتْني أُمِّي مَلابس العَمَلِ ، وَهِيَ مَلابِس رَثَّة وَمُمَزَّقَة ،
وَمَنَعَتْني أنْ أغْسِلَ وَجْهِي ، كَيْ تَظْهَرَ عَلَيَّ عَلاماتُ البُؤْسِ
والحِرْمان ، ويَكُون المَشْهَدُ أقوى أثَرًا ، وأشدَّ تأثيرًا . ولا شَكَّ أنِّ
الطِّفْلَ المُتَّسِخ الذي لا يَعْتني بنظافته الشَّخصية ، أوْ لا يَجِدُ أهْلًا
يَعْتنون بِه ، قادرٌ على نَيْلِ شَفَقَةِ الناسِ وإحسانِهم ، وهَذه هِيَ خُطَّة
أُمِّي . وَقَدْ كانتْ تَطْلُبُ مِنِّي دائمًا عَدَمَ الاستحمام ، كَي أستطيعَ أنْ
ألْعَبَ دَوْرَ الشَّحَّاذِ أو المُتَسَوِّل بِحِرفية عالية . وكانتْ تَقُول لِي
دائمًا :
_ إنَّ الناسَ سَيَحْزَنُون
عَلَيْكَ ، وَيَشْتَرُون مِنْكَ ، وَيَتَصَدَّقُون عَلَيْكَ. مُستقبلنا بيدك يا
هِشام ، حَاوِلْ أنْ تَحْصُلَ على أكبر قَدْر مُمكِن مِنَ المَالِ . الولدُ
الشاطرُ يُساعد أهْلَه ، ويُحسِّن وَضَعْهَم ، ويَجْعلهم يَعيشون حَياةً أفضل .
ارتبطَ في ذِهْني المَالُ بالهَيئةِ
الباليةِ ، والمَلابسِ الرَّثَّةِ . يَجِبُ أنْ نَسْتخدم كلمات مُؤثِّرة وعاطفيَّة
لاستدرار عَطْف الناس ، وَنَبْتَزَّ مَشاعرَهم ، ونَتلاعب بعواطفِهم ، ونَخْدعهم
بِمَنظرنا البائسِ ، وإظهارِ العَجْزِ أو المَرَضِ ، كَيْ نَحْصُلَ على أموالِهم
بأسهل طريقة مُمكِنة ، وفي أسرع وَقْت ، بِلا تَعَبٍ ولا مُعَاناة . وَقَدْ
وَضَعَتْ أُمِّي ثِقَتَهَا فِيَّ ، فأنا الآنَ أمَلُ العائلةِ في التَّسَوُّلِ
والشِّحَاذةِ ، وَسَوْفَ أكُونَ أفضلَ شَحَّاذ في العَالَمِ ، وَأستخدم كُلَّ
مَوَاهبي لِجَمْعِ المَالِ ، وتَحسينِ وَضْعِ العائلة ، وإخراجِ أُمِّي وأبي
وأخَوَاتي مِنْ زَريبة الأبقارِ ، كَيْ نَعيش في بَيْتٍ مُحترم مِثْل باقي سُكَّان
القَرية . وكانَ أبي يَقُول لِي دائمًا :
_ الدُّوَلُ تَشْحَذ ، والحُكومات تَشْحَذ ،
والناسُ يَشْحَذون ، ونَحْنُ نَشْحَذ ، وكُلُّنَا شَحَّاذُون ، ولا أحد أفضل مِنْ
أحد ، ولكنَّ الشَّحَّاذ الشاطر مَنْ يَسْتطيع الحُصولَ على أكبر مَبْلَغ مِنَ
المَالِ بِلا تَعَبٍ ولا مُشكلات .
وكُنْتُ أسألُه بِسَذاجة
طُفولية :
_ مَا هِيَ أفضل الوسائل
لتحقيق ذلك ؟ .
_ إذا استطعتَ أنْ تَجْعَلَ
الناسَ يَحْزَنُونَ عَلَيْكَ ، فَسَوْفَ تَحْصُل على أموالِهم بإرادتهم .
ارتبطَ حُزْنُ الناسِ
بِتَحقيقِ إنجازاتي الحياتية ومنافعي الذاتية ومصالحي الشَّخصية . سَوْفَ
أجْعَلُهم يَحْزنون عَلَيَّ ، ويُشْفِقُون عَلى وَضْعِي البائسِ . قَرَّرْتُ أنْ
أخترعَ قِصَصًا خيالية وحِكَايات خُرافية لتقديمِ نَفْسِي كطفلٍ فقير يَحْتاج إلى
مُساعدة ، وهَذا هُوَ أقصرُ طريق إلى الغِنى والثَّروةِ . حُلْمُ الثَّرَاءِ
سَيْطَرَ عَلى عَقْلي وجَوَارحي ، وَسَوْفَ أُطَبِّقَ نَظريةَ أبي الفلسفية :
" الحُصول على أكبر مَبْلَغ مِنَ المَالِ بِلا تَعَبٍ ولا مُشكلات " .
هَذا يَعْني الوُصولَ إلى أبعدِ نُقْطَة بأقل تَكْلُفة ، وتَحقيقَ أعلى المَكاسبِ
والأرباحِ ، وَقَد استثمرتْ عائلتي في مَوَاهبي ، كَيْ أنتَشِلَهَا مِنْ
مُسْتَنْقَعِ الفَقْر .
أخَذَني أبي إلى مَسعود صاحب
الدُّكَّانة، وقالَ لَهُ بِصَوْتٍ خافتٍ وكلماتٍ مُرتجفة :
_ هَذا ابني هِشَام ، وَلَد
ذكي وشاطر في الحِسَابِ ، أرجوك يا مَسعود أنْ تَجْعَلَه يَعْمَل مَعَك كَيْ
يَتَعَلَّمَ أُصُولَ التِّجارةِ. هَذا وَلَدٌ مِسْكين ووحيدٌ بَيْنَ أربع بنات ،
عَامِلْهُ مُعاملةَ الأيتامِ ، وَسَوْفَ يَكُون خادمَك المُطيع ، وَصَبِيَّ
الدُّكَّانة الأمين عَلَيها .
حَدَّقَ مَسعود في وَجْهي ،
وَنَظَرَ إلى مَلابسي الرَّثَّة ، ولا أعْلَمُ هَلْ حَزِنَ عَلَيَّ أوْ أرادَ
مُجاملةَ أبي الذي قَدَّمَني باعتباري طِفْلًا فقيرًا بائسًا يَحتاج إلى العَمَلِ
كَيْ يُساعد أُسْرَتَه . وَمِنْ أجْلِ زِيادةِ التأثيرِ، طأطأتُ رَأسِي، ونظرتُ
إلى الأرضِ ، وحاولتُ أنْ أعْصِرَ عَيْنَيَّ ، لعلَّ الدُّمُوع تَنْزِل مِنهما .
لَمْ أتَمَكَّن مِنَ البُكَاءِ ، فحاولتُ جاهدًا أن أتباكى ، لَعَلَّني أُؤثِّر في
مَسعود، وأكْسِب ثِقَتَه، وأنال تعاطفَه ، وأحْصُل على إحسانِه .
قالَ مَسعود بِلَهجةِ الأبِ
الحاني وَقَدْ تأثَّرَ بِمَنظري البائس الذي يُثير الشَّفَقَةَ :
_ هِشَام بِمَنزلة حَفِيد مِنْ
أحفادي ، وَسَوْفَ أعْتني بِه ، وأُحَافِظ عَلَيْه ، وأُعَلِّمُه أُصُولَ مِهنة
التِّجَارة . ومَنْ يَدْري ، رُبَّما يُصبح في المُستقبَل أحَدَ كِبار تُجَّار
العاصمة .
قالَ أبي مُتَحَمِّسًا :
_ أيْنَما وَضَعْتَ هِشَام
سَوْفَ تَسْتفيد مِنْه . إذا أبْقَيْتَهُ في الدُّكَّانةِ سَوْفَ يُديرُها بشكل
جَيِّد ، وإذا عَامَلْتَهُ كبائع مُتَجَوِّل أوْ مُوصل طلبات سَوْفَ يَنْقُل
كافَّةَ الأغراضِ إلى أصحابِها في قَرْيتنا والقُرى المُجاورة ، ويُحْضِر لَكَ
المَالَ كاملًا غَيْرَ مَنقوص. أصْدِرْ أيَّ أمْرٍ يا أخي مَسعود ، وهِشَام
سَيُنَفِّذه حَرفيًّا ، هَذا وَلَدٌ يَفْهم الأشياءَ وهي طايرة . وأنتَ أخي الكبير
، ونَحْنُ تحت أمْرِكَ وإرادتك ، مِنْ يَدِكَ هَذه إلى يَدِكَ هَذه .
تَهَلَّلَتْ أساريرُ مَسعود ،
وأُعْجِبَ بِهَذا الكلام ، وَلَمَعَتْ عَيْناه بشكل غريب ، وقالَ مُبْتَهِجًا :
_ أنتَ أخي وحبيبي يا سَلْمان
، وعقلك تِجاري ، وأفكارُك في جَمْعِ المالِ رائعة ، المالُ أهمُّ شَيْء في
الحَياة . سَوْفَ أُدرِّب هِشَام على إدارة الدُّكَّانة ، وأيضًا ، سَوْفَ أُعْطيه
بعضَ السِّلَعِ والبضائعِ صَغيرة الحَجْم ، وسَهْلة الحَمْل ، كَي يُوصلها إلى
المُشترين، أوْ يَبيعها في قَرْيتنا والقُرى المُجاورة . وقَدْ تَتضمَّن هذه
السِّلَعُ مَوَاد غِذائية ، وأدوات مَنْزلية ، ومَنْسُوجات ، ومَلابس ، وإكسسوارات
، وغَيْرها ، وَسَوْفَ أُعلِّمه كَيْفَ يُعْلِن عَن البضائع بِصَيحاتٍ وأصواتٍ
عالية ، لجذبِ الزبائن . وهَكذا تَزيد المكاسب والأرباح . وَسَأُرْسِلُه إلى
بُيوتِ المَيْسورين والمُقتدرين ماليًّا ، فَهَؤلاء قادرون على الدفع،ولا شَكَّ
أنَّهُمْ سَيُكْرِمُون هِشَام ويُشْفِقُون عَلَيْه ، لأنَّه طِفْلٌ صَغير وفقير.
ابتسمَ أبي ، وظَهَرَتْ عَلَيْه
عَلاماتُ الرِّضَا. ولكنْ تَسَلَّلَ بعضُ القَلَقِ إلى نَفْسِه ، فقالَ :
_ عِندي رجاء يا أخي مَسعود ،
وَهُوَ أنْ لا تُحمِّل هِشَام فَوْقَ طاقته ، فَهُوَ طِفْلٌ صغير لا يَستطيع
حَمْلَ البضائع الثقيلة ، كما أنَّه لا يَستطيع المَشْيَ مَسافات طويلة .
_ اطمئن يا " أبو ناصر
" ، هِشَام في الحِفْظِ والصَّوْنِ ، لَنْ أضغط عَلَيْه ، ولَنْ أُعامله
كخادمٍ أوْ أجير . سَأُعامله كَحفيد مِنْ أحفادي .
_ يا لَيْتَ " ناصر"
بَقِيَ حَيًّا . أنا مُتأكِّد أنَّه سَيَكُون أذكى مِنْ هِشَام ، وأشطر مِنْه في
التِّجارة .
_ اللَّه يَرْحمه ، ونَحْنُ
أولاد اليَوْم ، والحَياةُ مُستمرة ، والحَيُّ أبقى مِنَ المَيت .
تَنَهَّدَ أبي ، كأنَّه
يَستعيد ذِكريات جارحة مِنْ قَبضةِ الماضي البعيد ، ثُمَّ أَمَرَني قائلًا :
_ تعالَ يا هِشَام ، بُوس إيد
سيدك مَسعود ، وكُنْ خادمَه المُطيع ، وَنَفِّذْ كَلامَه بلا تفكير ولا مُناقشة
ولا تأخير ، حتى لَوْ أَمَرَكَ أن تَرْمِي نَفْسَكَ في البِئر .
هَجَمْتُ على يَدَي مَسعود
أُقَبِّلُهما مِثْل الكلب الجائع الذي وَجَدَ عِظَامًا بعد بَحْث طَويل . وَقَدْ
قَرَّرْتُ أنْ أُقَبِّلَ يَدَيْه الاثنتَيْن كَيْ يَثِقَ بِي ، وَيَطمئن إلَيَّ ،
ويُشْفِق عَلَيَّ ، ويُحْسِن إلَيَّ .
وبعد تقبيل طويل ، نَزَعَ
مَسعود يَدَيْه قائلًا :
_ لا دَاعِي لِكُلِّ هَذا ،
هِشام صارَ واحدًا مِنَ العائلةِ ، مِنَّا وفِينا . اللَّه يَرضى عَلَيْكَ يا
هِشَام ، ويَرْزقك الرِّزْقَ الواسعَ الحَلالَ ، وتُحسِّن وَضْعَ عائلتك ،
ونَرَاكَ شَابًّا طَويلًا عريضًا ، وَنَفْرَح بِك .
كُنْتُ في السَّادسةِ مِنَ
العُمرِ ، طِفْلًا بريئًا ، أُحَاوِل تَجميعَ أفكاري البسيطة لِنَيْلِ مَحَبَّةِ
الناسِ وَعَطْفِهِم وإحسانِهم، كَي أحْصُلَ على أكبر قَدْر مُمْكِن مِنَ المَالِ،
وأُنقِذَ عائلتي مِنَ الفَقْرِ والحَاجَةِ. المَالُ أكثرُ كلمة تَتردَّد في أعماقي
، وكُلُّ أحلامِ اليقظة كانتْ تَحُومُ حَوْلَ المال . المالُ أوَّلًا ، والمالُ
آخِرًا . لَمْ أذهبْ إلى مدارس ، لأنَّه لا تُوجَد مدارس في القَرية ، ولكنَّ أبي
أرْسَلَني إلى كُتَّابِ الشَّيْخِ جَعْفَر ، وَهُوَ ابْنُ شَيْخِهِ القديم هِشَام
عبد الهادي ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى . دَرَسْتُ في الكُتَّابِ عِدَّة أشهُر ،
حَتَّى تَعَلَّمْتُ القِراءةَ والكِتابةَ بشكل بسيط ، وَحَفِظْتُ قِصَارَ
السُّوَرِ القُرآنِيَّة الكريمة ، وأتقنتُ الحِسَابَ ، وحَفِظْتُ جَدْوَلَ
الضَّرْبِ ، وأحببتُ الأرقامَ ، لأنَّني رَأيتُ فِيها مُستقبلي التِّجَاري ،
وطُموحي المالي .
كانَ الشَّيْخُ جَعفر هِشَام
عبد الهادي يُحِبُّني مَحَبَّةً خاصَّة ، لأنَّني أحْمِلُ اسْمَ والده المَرحوم ،
حَيْثُ إنَّ أُمِّي سَمَّتْني على اسْمِه ، اعترافًا بِفَضْلِه ، وتَقْديرًا
لِجُهودِه . وكُنْتُ الطِّفْلَ الوحيدَ في الكُتَّابِ الذي يَحْمِلُ اسْمَ هِشَام.
أنا هِشَام الوحيد ، وَأنا وَحِيدٌ فِعْلًا ، لَمْ أَجِدْ نَفْسِي مَعَ الأطفالِ،
بَلْ وَجَدْتُ نَفْسِي مَعَ نَفْسِي ، واخترعتُ عَالَمِي الخاص، وسَيطرتْ عَلَيَّ
مَشاعرُ الوَحدةِ والانعزالِ، وَشَعَرْتُ بالانفصال عَن الآخرين . لَقَدْ
تَعَوَّدْتُ على الوَحْدَةِ مُنْذُ الصِّغَر ، وكُنْتُ فاقدًا الثِّقَةَ بِنَفْسِي
تَمامًا ، خُصوصًا أنَّني وَلَدٌ وحيدٌ بَيْنَ أربع بنات ، ولَيْسَ له عائلة
مُحترمة ولا عَشيرة مَعروفة ولا قبيلة كبيرة ، وَأبي وأُمِّي كَانَا دائمًا في
حالة نِزَاعٍ وصُرَاخ ، لذلك كُنْتُ أمِيلُ إلى العُزلةِ والانطواءِ للهُروبِ مِنَ
هَذه المُشكلات . لا أُريدُ المُوَاجَهَةَ ، وَلا أشعُر بالراحةِ إلا إذا كُنْتُ
بِمُفْرَدي .
10
بَدَأتُ العَمَلَ في دُكَّانةِ
مَسعود بِكُلِّ حَماسٍ ونَشَاطٍ . أستيقظُ في الصَّبَاحِ الباكر ، وأُرتِّب
أُمُوري ، وأتناول طعامَ الفَطُورِ البسيط ، وأحْرِصُ على الوَقْتِ ، ولا أُضيع
أيَّة دقيقة ، وأذهبُ إلى العمل . أبي نائمٌ وغارقٌ في الشَّخِيرِ ، ولكنْ بسبب
الضَّجَّة التي تُحْدِثُها حَرَكَتي ، يَستيقظ مُتَأفِّفًا ، وَيَقُول غاضبًا :
_ الواحدُ لا يَعرف أن يَنام
في هَذا البَيْتِ، حَقًّا إنَّه زَريبة أبقار .
تَضحك أُمِّي بِصَوْتٍ عالٍ
لِتَغِيظَ أبي ، وتَقُول لِي وَهِيَ في غَايةِ السَّعادة مِنْ شِدَّةِ إعجابِها
بحماسي ونشاطي :
_ أنتَ بَطَل يا هِشَام ، أنتَ
رَجُل البَيْتِ الحقيقي ، تَستيقظ في الصَّبَاحِ الباكر ، وأبوكَ العاطل عن العمل
نائمٌ في الأحلامِ ، وغَيْر قادر إلا على الشَّخِير . أنتَ أفضل وَلَد في القَرية
كُلِّهَا .
يَرفع أبي رَأسَه مِنْ تَحْتِ
اللِّحَافِ ، وَيَقُول وَهُوَ يَتثاءب :
_ لَنْ يَكُونَ أفضل مِنْ ناصر
، ناصر هُوَ ابْني الذي يُشْبِهُني ، أمَّا هِشَام فَهُوَ ابْنُكِ الذي يُشْبِهُكِ
، ومَبروك عَليكِ ، واللَّه يهنِّي سعيد بسعيدة .
مَهْمَا فَعَلْتُ سأظلُّ
خاضعًا لِذِكرى ناصر ، وَلَنْ أستطيعَ الهُروبَ مِنْ ظِلِّه ، وَلَنْ أقْدِرَ عَلى
الفِرَارِ مِنْ صُورته. سَيَبْقى شَبَحُ أخي يُطاردني طِيلةَ حَيَاتي. وكَمْ
تَمَنَّى أبي لَوْ مِتُّ أنا ، وَبَقِيَ ناصر على قَيْدِ الحَياة . إنَّ أبي
مُستعِد أنْ يُقَدِّمَني كَبْشَ فِدَاء مِنْ أجْلِ أخي الكبير الراحل ناصر .
كُلَّما ذَهَبْتُ إلى
دُكَّانةِ مَسعود اسْتَقْبَلني بِحَفَاوةٍ بالغة قائلًا :
_ أهْلًا وسَهْلًا بالتاجرِ
الكبيرِ وَرَجُلِ الأعمال هِشَام .
وَعِندَما أسمعُ هَذه العِبارات
أطيرُ مِنَ السَّعادةِ ، وأشعرُ أنَّني أقتربُ مِنَ المَالِ . أكَادُ أَشُمُّ
رائحته ، إنَّها رائحةٌ أزكى مِنَ المِسْكِ والعَنْبَرِ . لا أحتاجُ إلى رائحةِ
الأزهارِ في حَدائقِ الغُروبِ ، بَلْ أحتاجُ إلى رائحةِ المالِ في طُرُقاتِ القُرى
المَنْسِيَّة ، كَيْ يُهَاجِرَ الغريبُ مِنْ رائحةِ الجُثَثِ المُتَحَلِّلَةِ إلى
رائحةِ المَطَرِ الوَردية ، وكَيْ يُسَافِر المَنبوذُ مِنْ شَاهِدِ القَبْرِ إلى
صَوْتِ الرَّعْدِ ، وكَيْ يَرْحَلَ المُهَمَّشُ مِنَ العِطْرِ الرَّخيصِ الذي
يُرَشُّ على الأكفانِ الباليةِ إلى لَمَعَانِ البَرْقِ فَوْقَ التِّلالِ البعيدة .
أوْصَاني أبي أنْ أُقَبِّلَ
يَدَ مَسعود دائمًا ، فَهُوَ يُحِبُّ هَذه الحَرَكَةَ ، كما أنَّها المِفتاح
للحُصول على كُلِّ شَيْءٍ أُريدُه . وهَذا التَّصَرُّفُ هُوَ الحَلُّ السِّحْرِيُّ
لِجَميعِ المُشكلات . مَسعود كَلْبٌ يَعْبُدُ المَالَ ، وَيُقَدِّسُ بَرِيقَ
الأوراقِ النَّقْدِيَّة ، وَيَعْشَق رَنينَ النُّقودِ المَعْدِنِيَّة . وإنْ كانَ
لَكَ حَاجَة عِنْد الكَلْبِ ، فَقُلْ لَهُ : يا سَيِّدي . واليَدُ التي لا
تَستطيعُ كَسْرَها ، قَبِّلْهَا ، وادْعُ عَلَيْهَا بالقَطْعِ . هَذا هُوَ
مُلَخَّص أفكارِ أبي ونظرياته في الحَياةِ . وَقَدْ عَمِلْتُ بِها حَرْفِيًّا مِنْ
أجْلِ تحقيقِ مَصلحتي الشَّخصية ومَنفعتي الذاتية . وَقَدْ حَذَّرَني أبي
وَنَبَّهَني أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ : مَسعود يُحِبُّ البَقَرَةَ مَا دَامَ يَحْلُبُهَا
، فإذا جَفَّ حَليبُها سَيَذبحها. فَاحْرِصْ على أنْ تَتَغَدَّى بِهِ قَبْلَ أنْ
يَتَعَشَّى بِكَ . مَسعود حَرامي إنْ لَمْ تَسْرِقْهُ سَوْفَ يَسْرِقُك . إنْ لَمْ
تَكُنْ ذِئبًا أَكَلَتْكَ الذئاب . نَحْنُ نَعيشُ في عَالَمٍ وَحْشِيٍّ مَليء
بالتَّحديات والصِّراعات، يَجِبُ أنْ تَكُونَ قويًّا وحازمًا كَيْ تَنْجُو ، ولا
تَكُون ضَحِيَّةً للآخرين . إنَّ الحَياة قاسية ، وعَلَيْكَ أنْ تَكُون
مُسْتَعِدًّا للدِّفاعِ عَنْ نَفْسِكَ ومَصالحك .
قُلْتُ لأبي بِكُلِّ بَراءة
الأطفالِ :
_ السَّرِقَةُ حَرَامٌ يا أبي
، كَيْفَ تُريدُني أنْ أسْرِقَ مِنْ مَسعود ؟ .
_ صحيحٌ أنَّ السَّرِقَةَ
حَرَامٌ ، ولكنْ مَسعود حَرَامي ابن حَرَام ، والتَّكَبُّرُ على المُتَكَبِّرِ
تَوَاضُعٌ ، والسَّرِقَةُ مِنَ الحَرَامي لتأديبه وتَربيته . أنا جَرَّبْتُ مَسعود
، وأعْرِفُه جَيِّدًا ، هَذا لِص يَسْرِقُ أهالي القَريةِ ويَبيعهم بِضاعةً
مَغشوشة ، ومُستعِد أن يَبيع أباه مِنْ أجْلِ الفُلوسِ . اسْرِقْهُ باستخدام
عَقْلِكَ ، والتحايل عَلَيه .
أبي خَبيثٌ وداهية وحاقد على
القريةِ وأهْلِها ، وَهُوَ يَشترك معَ مَسعود في كثير مِنَ الصِّفَاتِ ، وبَينهما
عوامل مُشترَكة ، وكِلاهُما يَعشَق المالَ إلى حَدِّ الجُنون .
إنَّني أخافُ مِنْ بَريقِ
عُيونِ أبي ، وأخْشَى الاحتراقَ بالنارِ التي تَتَأجَّج في دَاخِلِه . وَراء
أفكارِ أبي مَصائبُ عديدة وكوارث كبيرة . لَقَدْ عَلَّمَني الحِقْدَ وَالقَسْوَةَ
، وأنْ آخُذَ حَقِّي وحَقَّ الآخرين بلا تَفريق ولا تَمييز ، وأنَّ الغاية تُبرِّر
الوسيلةَ . وإذا كانَ مَسعود مُستعدًّا أنْ يَبيع أباه مِنْ أجْلِ الفُلوسِ ،
فكذلك أبي ، الذي كانَ يَخترع عِبارات وكلمات لدعمِ وِجهة نَظَرِه ، فَهُوَ
يُتْقِنُ التلاعبَ بالكلام .
كُنْتُ أُقَبِّلُ يَدَ مَسعود
، ولا أُناديه إلا بـِ سيدي مَسعود ، وأستخدم عِبَارات لطيفة وجميلة ، هَلْ
تأمُرُني بِشَيْء يا سيدي مَسعود ؟ ، هَلْ تُريدُ شيئًا أُحْضِرُه مِنْ بَيتك يا
سيدي مسعود ؟ .
الكلمةُ الحُلوةُ تُخْرِج
الأفعى مِنْ جُحْرِها ، والكلامُ اللطيف والأُسلوب الحَسَن يُؤَثِّر في مَشاعرِ
الناسِ وأفكارِهم وسُلوكياتهم ، خُصوصًا إذا كانوا مِنَ الأعداءِ . العَالَمُ
قائمٌ على النِّفَاقِ والمُدَاهَنَةِ والمُجَامَلاتِ ، وَنَحْنُ جُزْءٌ مِنَ
العَالَمِ ، وأنا جُزْءٌ مِنْ هَذه القَريةِ البائسةِ . صحيحٌ أنَّني مَنبوذ فِيها
، ولا أحد يَعترف بعائلتي كَجُزْء مِنها ، ولكنَّها قَرْيتي التي وُلِدْتُ فِيها .
وبِما أنَّني وُلِدْتُ في زَريبة أبقار ، فَقَدْ كُنْتُ أعتبرُ القَرْيَةَ
مُجَرَّد بَقَرَة حَلُوب . وعَلَّمَني أبي أنَّ الشخص الشاطر في الحَياةِ هُوَ
الذي يَحْلُبُ البَقَرَةَ بِلا تَعَبٍ ، ويَعْتبر الدُّنيا دَابَّةً يَركبها ولا
تَركبه ، لأنَّها إذا رَكِبَتْهُ قَتَلَتْهُ. والدُّنيا دَوَّارَة ، لا تَتْرُك
الراكبَ راكبًا ، ولا الماشي ماشيًا .
نَظَّفْتُ رُفُوفَ
الدُّكَّانةِ مِنَ الغُبارِ والأتربةِ ، وَرَتَّبْتُ البِضَاعَةَ على الرُّفُوفِ
بِكُلِّ نظامٍ وتناسُق . أُعْجِبَ بِي مَسعود إلى درجة كبيرة ، وقالَ لِي وَهُوَ
في حالة فَرَح وسُرور :
_ أنتَ أذكى مِنْ أبيك يا
هِشَام ، وأشطر مِنْه ، وإذا لَمْ تَمُتْ مِثْلَ أخيك ناصر ، فَسَوْفَ تُصبح مِنْ
تُجَّارِ العاصمةِ وَرِجَالِ الأعمالِ في هَذا البَلَدِ .
_ البَرَكَةُ فيك يا سيدي
مَسعود ، أنتَ المُعلِّم الكبير ، وأنا تلميذُك الصغير .
بَعْدَ أُسبوع مِنَ العَمل
المُتواصل لساعات طويلة في الدُّكَّانة صِرْتُ قادرًا على إدارتها وَحْدِي .
مَسعود يَذهَب إلى بَيْتِه لتناول طعام الغَداء ، والاستراحة بعده . وأنا أظلُّ في
الدُّكَّانة ، أتعامل معَ الناس، وأبيعهم مَا يَحْتاجون إلَيْه ، وأقْبِضُ المَالَ
مِنَ الناسِ . أضعُ جُزْءًا مِنْهُ في الدُّرْجِ ، وأسْرِقُ الباقي ، وأضَعُه في
جَيْبي ، ومَسعود لَنْ يُفَتِّشَني ، لأنَّه يَثِقُ بِي. وَسَجَّلْتُ في دَفتر خاص
المَبِيعات والأسعار والأرباح ، وَتلاعبتُ بالأرقامِ ، واستخدمتُ كُلَّ مَهَاراتي
في الحِسَابِ ، ومَعرفتي بِجَدولِ الضَّرْبِ ، لاختراع بيانات خيالية ، ولكنَّها
مُصمَّمة بشكل مَنطقيٍّ ، لا يُثير الشُّبَهَاتِ والشُّكُوكَ ، خُصوصًا أنَّ
مَسعود لا يُتْقِنُ الحِسَابَ ، وبالكاد يَعْرِف القِراءة . إنَّهُ يَفُكُّ
الخَطَّ بِصُعوبة ، وهَذه النُّقْطَة سَاعَدَتْني في سَرقته وَهُوَ لا يَشْعُر ،
بَلْ إنَّهُ كانَ سعيدًا بالأرباحِ التي يَحْصُلُ عَلَيها .
أقْنَعَني أبي بِضَرورة
الانتقام مِنْ أهْلِ القَريةِ ، لأنَّهُم يَكْرهوننا ويَحْتقروننا ، لأنَّنا
مَقطوعون مِنْ شَجرة ، ولَيْسَ لنا حَسَب ولا نَسَب، ولا أحد يَعْرِفَ أصْلَنا ولا
فَصْلَنا ، لذلك كُنْتُ أزيدُ المَبَالِغَ المَالِيَّة المُسَجَّلة في دَفتر
الدُّيُون ، كَيْ نَحْصُلَ على أكبر رِبْح مُمكِن مِنَ أهْلِ القَرية ، خُصوصًا
الذينَ لا يَعْرِفُون القِراءةَ والحِسَابَ ، وَلَمْ أُفَرِّقْ بَين رَجُلٍ وامرأة
، المُهِمُّ هُوَ الحُصول على المَالِ ، والنِّسيانُ هُوَ السِّلاحُ الفَعَّال .
إنَّهُمْ يَنْسَوْنَ ماذا اشْتَرَوْا ، وأيضًا يَنْسَوْنَ الأسعارَ والأرقامَ .
ومَا أكْتُبُهُ في الدَّفتر هُوَ المُعْتَمَد .
تَمسكنتُ فتمكنتُ ، وتظاهرتُ بالضَّعْفِ ،
وقُمْتُ باستغلال مَنظري البائسِ وجِسْمِي النَّحيل ، لتحقيقِ مَا أُريد . كانتْ
هَذه الإستراتيجية التي ألْجَأ إلَيها للتغلُّب على الآخرين ، وَتَحقيقِ أهدافي
ومَصالحي . أظهرتُ الذُّلَّ والبُؤسَ ، وتظاهرتُ بالمَسْكَنَةِ ، وَخَدَعْتُ
الآخرين ، وجَعَلْتُهم يَتهاونون في التعاملِ مَعِي ، وَضَرَبْتُ ضَرْبتي .
أقْنَعَني أبي أنَّ اللص الشاطر
هُوَ الذي يَسْرِقُ بِعَقْلِه، ولَيْسَ بِيَدِه ، وأنَّ الجَمِيعَ لُصُوص ، فلا
دَاعِي للقلق. الحُكومةُ تَسْرِقُ الشَّعْبَ ، والشَّعْبُ يَسْرِقُ الحُكومةَ ،
والمُواطنُ يَسْرِقُ أخاه المُواطن. وكُلُّنَا لُصوص بشكلٍ أوْ بآخَر .
المالُ الذي كُنْتُ أسْرِقُهُ
مِنْ دُكَّانَة مَسعود كُنْتُ أُعْطِيه لأبي كَي يَحْفظه ويُخبِّئه . وَبَعْدَ
فَترةٍ ، قَرَّرْتُ أنْ أسْرِقَ لِحِسَابي الخاص . أُعْطِي أبي جُزْءًا ، وأحتفظُ
بالباقي . ومعَ ازدياد خِبرتي في السَّرِقَةِ ، صِرْتُ أسْرِقُ أبي . أجْمَعُ
المالَ وأُنْفِقُه على نَفْسِي وأصدقائي ، نَشتري شُوكولاتة ، وبسكوت، وعِلكة ، وألواح
حَلاوة ، وملبس حامض حُلو ، ومشروبات غازيَّة ، وفُستق عبيد ، وكُرة قَدَم نَلْعَب
بِها في مَلعب تُرابي ، وَهُوَ عِبارة عَنْ قِطعة أرض وَضَعْنا لها حُدودًا
بالحِجَارةِ والصُّخور.
أُعْجِبَ بِي مَسعود أشدَّ
الإعجابِ، وكانتْ سعادته بي غامرة ، لا تُوصَف ، فَقَد ازدادتْ أرباحُ الدُّكَّانة
بسبب مَهَارتي في البَيْعِ وَسَرقةِ الزبائن ، وكُلَّمَا ازدادتْ أرباحُ مَسعود
ازدادتْ سَرِقاتي مِنْهُ مُستخدمًا عَقْلي لا يَدِي ، كما عَلَّمَني أبي .
وفي أحَدِ الأيَّامِ ، قالَ
لِي مَسعود وَهُوَ في قِمَّةِ السَّعادة :
_ أنتَ وَلَد عَبقري يا هِشَام
، بسببك ازدادتْ أرباحُ الدُّكَّانة ، وزادَ إقبالُ الناسِ عَلَيها . وخِلال
مُدَّة قصيرة استطعتَ إدارة الدُّكَّانة وَحْدَك ، وَأُريدُ أنْ تُصبح بالإضافةِ
إلى عَملك في الدُّكَّانةِ بائعًا مُتَجَوِّلًا ، تَبيع البَضائعَ التي أُعْطِيكَ
إيَّاها في قَرْيتنا والمَناطق المُحيطة بِهَا ، ولا أُريدُ أنْ تَذهبَ بعيدًا
لِكَيْلا تَضِيع أوْ يَعْتدي عليك أحد ، وَلَنْ أُحَمِّلَكَ فوق طاقتك ، سَوْفَ
أختارُ الأشياءَ الخفيفة التي يُمكِن بَيْعُها بِسُهولة ، وسأزيد أُجرتك ، وهَكذا
تَحْصُل على أُجْرَتَيْن : أُجْرَة العمل في الدُّكَّانة ، وأُجْرَة البائع
المُتَجَوِّل .
قُلْتُ وَحَوَاسِّي تَتَوَهَّج
مِنْ شِدَّة الفرح :
_ لحم كتافي مِنْ خيرك يا سيدي
مَسعود ، وأنا خادمك المُطيع ، وتحت أمرك وإرادتك .
هَذه العِبارةُ " لحم
كتافي مِنْ خيرك " لَمْ أَكُنْ أعرفها ، ولكنَّ أبي حَفَّظَني إيَّاها ،
وطَلَبَ مِنِّي أنْ أقولها لِمَسعود بَين الحِين والآخَر ، للتأثير عَلَيه ،
وكَسْبِ ثِقته ، والسَّيطرة عَلَيه بشكل كامل .
وأردفتُ قائلًا :
_ مَا هِيَ نَوعية البِضاعة
التي تُريدُني أنْ أحْمِلَها وأبيعَها في قَرْيتنا والمَناطق القريبة ؟ .
_ ابنتي سماح شاطرة في
الخِيَاطَةِ والنَّسِيج ، سَوْفَ تُعْطيك مَنسوجات نِسَائية لِبَيْعِهَا . تَذهَب
إلى البُيوتِ ، وتَقْرَع أبوابَها ، وعِندما تَفْتَح لَكَ الأُمُّ أو البِنْت ،
تَقُول لَهَا بصوتٍ حزين : أرجوكِ أن تَشتري مِنِّي هَذه المَنسوجات ، أنا وَلَدٌ
يَتيم أُنفِق على أُمِّي وأخواتي اليتيمات . أبوس يَدَيْكِ أن تشتري مِنِّي .
أعْجَبَتْني الفِكرة وأُسلوب
الكلام ، وَشَعَرْتُ أنَّ هُناك ثَروة مالية تَنْتظرني، لَكِنَّني قُلْتُ
مُستغرِبًا:
_ لَسْتُ يتيمًا يا سيدي مسعود
.
تأفَّفَ مَسعود مِنْ هَذه
العِبارة ، وقالَ وعَلاماتُ الضِّيق ظاهرة عَلى وَجْهِه :
_ أنتَ وَلَدٌ ذكي وشاطر يا
هِشَام ، لا تَكُنْ حِمَارًا مِثل أبيك . سَتَكْذِب على الناسِ ، وتُخْبرهم أنَّكَ
يتيم كَي يَحزنوا عَلَيك ، ويُشْفِقُوا عَلَيك ، ويَشتروا البِضاعةَ بأعلى الأسعار
، وتَزداد أرباحُنا . هذه هِيَ أُصُول التِّجارة وتحقيق المكاسب . النِّسوانُ
عُقولهن صغيرة وعاطفيَّات ، سَوْفَ يَدْفعن لَكَ مَالًا كثيرًا لا يُمكِن أنْ
تَرَاه حتى في الأحلام .
وأردفَ قائلًا :
_ أبوك الفاشل العاطل عن العمل
النائم في زَريبةِ الأبقار وُجُودُه كَعَدَمِه ، وأنتَ وَلَدٌ وحيد بَين أربع بنات
، يَعْني أنتَ مِثل اليتيم ، لا تَختلف شيئًا عَنْه .
قُلْتُ وَالفَرَحُ يَهُزُّ
أركاني هَزًّا :
_ أنتَ عبقري في التِّجارة يا
سيدي مسعود ، وأرجوكَ أنْ نَبدأ بأسرع وقت مُمكِن .
رائحةُ المَالِ تَتَدَفَّق في
أعصابي كأمواج البحر الثائر . وأخيرًا ، سَأُصْبحُ مِنَ الأغنياء ، وأنتشل عائلتي
مِنْ زَريبة الأبقار ، ونَسْكُن في بَيْت مُحترم مِثْل باقي الناسِ . تذكرتُ
كَلِمَات أبي الفلسفية العميقة : إذا استطعتَ أنْ تَجْعَلَ الناسَ يَحْزَنُونَ
عَلَيْكَ ، فَسَوْفَ تَحْصُل على أموالِهم بإرادتهم . وَأدركتُ ذكاءَ أُمِّي التي
كانتْ تَمْنعني أنْ أغْسِلَ وَجْهِي ، كَيْ تَظْهَرَ عَلَيَّ عَلاماتُ البُؤْسِ
والحِرْمان .
سَوْفَ أتقمَّصُ شَخصيةَ
الوَهْمِ، وأرتدي قِناعَ الانهيارِ، وألعبُ الدَّوْرَ المَرسوم لِي في المَسرحية.
نَحْنُ مُمَثِّلُون عَلى خَشَبَةِ مَسرحِ الحَياةِ، بِلا مَشاعر ولا أحاسيس. السِّيناريو
مَكتوبٌ مُسْبَقًا ، ومُعَدٌّ سَلَفًا. ماذا سَيَفْعَل طِفْلٌ فقير بائس لَيْسَ
لَهُ هُوِيَّة ولا عائلة ولا تاريخ ولا مُسْتَقْبَل؟.أنا نَكِرَة مُتُّ في نَفْسِي
، وَسَقَطَتْ أكفاني المُمَزَّقَةُ في أعماقي السَّحيقة، وَضَاعَت البَرَاءَةُ في
وَحشيةِ الحَضَارة .
11
ذَهَبْتُ إلى بَيْتِ مَسعود .
قَرَعْتُ البابَ ، ففتحتْ لِي ابْنَتُهُ سَمَاح وَهِيَ تَرتدي ثَوْبًا قصيرًا
وحِذَاءً بكعب عال ، وَتَضَع على وَجْهِها مِكياجًا فاقعًا ومساحيق مُلَوَّنَة ،
بِحَيْثُ ظَهَرَتْ وكأنَّها مُهَرِّجَة في سِيرك لا يَزُورُه أحَد،أوْ لاعبة سِيرك
تَرقُص على حِبَالٍ مُهترئة،ومَصِيرُها السُّقُوطُ المُدَوِّي.
هَرَبَ الرِّجالُ مِنْ سَمَاح
، وَلَمْ يَقْترب مِنها أيُّ عريس ، وَلَمْ يَطْلُبْ أحَدٌ يَدَهَا للزَّواج ،
لأنَّها مَغرورة ومُتَكَبِّرة . شَبَحُ العُنوسةِ سَيْطَرَ عَلى عَقْلِها ،
فأفْقَدَهَا التَّركيزَ ، وَدَمَّرَ حَيَاتَهَا . وَصَفِيرُ قِطَارِ الزَّواجِ
ابْتَعَدَ عَنْ جِسْمِهَا ، فَجَعَلَهَا ضَحِيَّةً في قَفصِ الذاكرةِ ، وفَريسةً
في مِصْيَدَةِ الحُلْمِ .
صَارَتْ سَمَاح العانس
تَتَزَيَّنُ للحِيطَانِ الخَرساءِ والجُدرانِ السَّميكةِ، بَعْدَ غِيَابِ طَيْفِ
الرِّجال عَنْ عَالَمِهَا. إنَّها وَحِيدةٌ يائسة في بَيْتِها الذي يَنكمش شيئًا
فشيئًا، ويَزْحَف عَلى جَسَدِهَا المُحَطَّمِ ، ويُحاصرها مِنْ كُلِّ الاتِّجَاهات
.
أدْخَلَتْني إلى المَطبخِ ،
وأجْلَسَتْني عَلى كُرسيٍّ مَنْسِيٍّ في إحدى الزَّوايا ، وأحْضَرَتْ لِي كُوبَ
عَصير. وَقَفَتْ أمَامِي، وَهِيَ تُحَدِّق في مَلامحي، وتَتَفَحَّص جِسْمِي
نُقْطَةً نُقْطَة ، كأنَّها أُمٌّ أضاعتْ ابْنَها مُنذ سِنين طويلة ، وَوَجَدَتْهُ
فَجْأةً بعد طُول انتظار .
قالتْ لِي سَمَاح والحُزْنُ
الغامضُ يَلتهم ألوانَ مِكياجها الفاقع :
_ هَلْ أنتَ هِشَام ابْن
سَلْمَان وسميحة الخَدَّامة ؟ .
قُلْتُ بَعْدَ شَرِبْتُ جُرعةً
مِنَ العَصير أنْعَشَتْني :
_ نَعَم يا سيدتي سماح .
_ كَمْ عُمرك يا هِشام ؟ .
_ سِت سنوات يا سيدتي سماح .
_ هَلْ تَعْلَمُ أنَّ والدكَ
سَلْمَان كانَ يُريدُني زَوجةً له ؟. لَوْ تَزَوَّجْنَا لَكُنْتَ الآنَ ابْني يا
هِشَام ، ابْن بَطْني ، وأنا التي وَلَدْتُكَ وَأرْضَعْتُكَ وَرَبَّيْتُكَ أحسنَ
تَربية . أنتَ ابْني يا هِشَام ، وَلَسْتَ ابْنَ سميحة الخَدَّامة .
وأردفتْ قائلةً :
_ مِنَ الآن فَصَاعِدًا لا
تُناديني : سيدتي سَمَاح ، بَلْ أُمِّي سَمَاح .
هَاجِسُ الأُمُومةِ سَيْطَرَ
على سَمَاح العانس ، كانتْ تَعْتبرني ابْنًا لَهَا، وتُريدُني أنْ أعتبرها أُمًّا
لِي. أدركتُ هَذا الأمْرَ في تِلْك السِّنِّ المُبَكِّرَة، وَقَرَّرْتُ أنْ أَضْرِبَ
عَلى هَذا الوَتَرِ الحَسَّاس ، وأستغله لِمَصْلحتي وَمَنْفعتي . إنَّها تُريدُ
أنْ تعيش حالةَ الأُمُومة مَعِي ، وأنْ تَلْعَبَ دَوْرَ الأُمِّ في مَسرحيةِ أيَّامي
المُتهاوية . وأنا لا يَهُمُّني مَنْ تَكُون أُمِّي ، سميحة الخَدَّامة أوْ سماح
العانس . لا يَهُمُّني مَنْ تَكُون المَرأة التي وَلَدَتْني ، خادمة في البُيوت
أوْ أميرة في البَلاطِ المَلَكِيِّ . المُهِمُّ أنْ أحصل على المالِ الكثير .
هَكذا عَلَّمَني أبي . لَقَدْ قَتَلَ فِيَّ كُلَّ المَشاعرِ والأحاسيسِ ، وَدَمَّرَ
كُلَّ شَيْء جميل في حَيَاتي ، وَقَضَى عَلَيَّ بالضَّرْبَةِ القاضية . أدركتُ
مُنذ طُفولتي أنَّني مَسْخٌ بِلا رُوحٍ ولا قَلْب ، لَيْسَ لِي عواطف ولا مُستقبَل
. وُلِدْتُ مِنْ رَحِمِ الوَهْمِ ، أنا الوَهْمُ . ضَاعَ وَجْهي بَيْنَ أقنعتي ،
وَضَاعَتْ ضَحِكَاتُ المَاضِي بَيْنَ أمْكِنتي ، وَضَاعَتْ بَرَاءَةُ الطُّفُولةِ
بَيْنَ أزْمِنتي .
كُنْتُ أسْمَعُ أهْلَ القَريةِ
يَقُولون إنَّ أبي ابْنُ حَرَامٍ، جاءَ إلى القَريةِ مِنْ خَارِجِهَا، ولا
يَنْتَمي إلَيْهَا ، ولا أحَدَ يَعْرِف مَنْ هُوَ أبُوه وَجَدُّه . وكانوا
يُنادونني ابْنَ الخَدَّامة ، جاءَ ابْنُ الخَدَّامة ، وَذَهَبَ ابْنُ الخَدَّامة
. ولا أحَد يُناديني باسمي هِشَام ، إلا إذا كانَ يُريدُ مِنِّي مَصلحة . وأحيانًا
يُخَيَّل إلَيَّ أنَّني نَسِيتُ اسْمِي ، ولَمْ يَعُدْ لِي اسْم إلا ابن الخَدَّامة
، هَذه هِيَ حياتي وَمَسَاري ومَصِيري . لَمْ يَشْعُرْ أحَدٌ باحتراقي الداخليِّ ،
كُنْتُ أحترقُ وحيدًا ، وأدْفِنُ نَفْسِي في نَفْسِي بِلا مَراسم جِنازة ولا
مَحرقة جُثَث . حتى أنا لَمْ أَعُدْ أشعرُ بِتَعَاستي ، صِرْتُ أعيشُها بِمُتعةٍ
واستمتاع ، لأنَّه لَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْء . وَصِرْتُ أشعرُ بِغَريزةِ القاتلِ ،
الذي قَتَلَ نَفْسَه ، ودَمَّرَ أحلامَه ، وسارَ إلى الهاويةِ بِرِجْلَيْه . أسهلُ
طريقةٍ للتعاملِ مَعَ الناسِ ، والسَّيطرةِ عَلَيهم ، وكَسْبِ ثِقتهم ،
واستغلالِهم ، والاستفادةِ مِنْهُم مَعنويًّا وماديًّا هِيَ أنْ تَقُولَ كَمَا
يُقَال ، لا تَعْترض ولا تَرُد ، ولا تُتْعِب نَفْسَكَ في النِّقَاشِ والحِوَارِ .
احْرِصْ على السَّيْرِ مَعَ القَطِيع ، وأنْ تُقَادُ كالنَّعجةِ إلى المَسْلَخِ أو
حَافَةِ الهاوية ، ولا تَقُودُ . صحيحٌ أنَّها فِكرة سَيِّئة قائمة على الخِدَاعِ
، ولكنَّ أبي زَرَعَهَا فِيَّ بِكُلِّ انتهازية . كانَ يَقُولُ لِي دائمًا : أنتَ
وَلَدٌ صغير وضعيف ووحيد بين أربع بنات ، قَبِّلْ أيدي الناسِ كَيْ تَحْصُلَ على
مُساعدتهم ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَقْطَعَ أيديهم وأرجلَهم . وللأسفِ الشَّديد
، سِرْتُ في هَذا الطريقِ مُعْتَقِدًا أنَّني أذكى مِنَ الجَميع،ومُتَفَوِّق
عَلَيهم بِمَهاراتي في الكَذِبِ والخِدَاعِ والمُجَامَلَةِ والمُدَاهَنَةِ ،
ولكنَّ الحقيقة أنَّني كُنْتُ غَبِيًّا ، ولكنَّ المصالحَ الشَّخصية أعْمَتْ
بَصَرِي وَبَصِيرتي ، كما أنَّ خَوْفي مِنْ أبي دَمَّرَ حَيَاتي . تَمَنَّيْتُ
لَوْ أستطيعُ أنْ أُحِبَّ أبي ، وَلَكِنَّني كُنْتُ أَكْرَهُهُ مِنْ أعماقي قَلْبي
، بَلْ إنَّني كُنْتُ أكْرَهُ نَفْسِي . لَيْتني عِشْتُ يتيمًا بِلا أبٍ ،
رُبَمَّا صِرْتُ إنسانًا صالحًا خاليًا مِنَ العُقَدِ النَّفْسِيَّة. أبي هُوَ
العَقَبَةُ في طَرِيقي ، لَمْ يَتَحَرَّرْ مِنْ أوْهَامِه ، ولَمْ يَتركني
أتَحَرَّر مِنْ أوْهَامِي . لَمْ يَتَحَرَّكْ ، وَلَمْ يَتركني أتَحَرَّك .
لَيْتني تَخَلَّصْتُ مِنْ هَذه العَقَبَةِ ، كَيْ أنطلق إلى هَدَفي البعيد .
سَأقضي حَيَاتي كاملةً في تصحيح
أخطاءِ أبي وخَطَايَاه ، لذلكَ مِنَ الصَّعْبِ أنْ أستمتع بحياتي الخَاصَّة .
الآباءُ يأكلون الحِصْرِمَ ، والأبناءُ يَضْرِسُون. الآباءُ يَرتكبون المَصائبَ ،
والأبناءُ يُسدِّدون الفاتورةَ، والآباءُ يَلْهَثون وَرَاء نَزَواتهم، والأبناءُ
يَرْقَعُون الفضائحَ . هَلْ يَقْصِدُ الآباءُ تَدميرَ أبنائهم ؟. هَلْ كانَ أبي
يُحِبُّني أَمْ يَكْرَهُني ؟ . حَيَاتي كابوس ، مَتَى سَأفِيقُ مِنْه ؟ ، أخْشَى
أنَّني لَنْ أفِيقَ مِنْه .
في حَياتي كُلِّهَا لَمْ
أَقُمْ بِلَوْمِ مَنْ يَكْرَهُني ، لأنَّني أنا أكْرَهُ نَفْسِي. ماذا يَستفيد
الإنسانُ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّه ، وَخَسِرَ نَفْسَه ؟ . مَاتَ المَلِكُ ،
عَاشَ المَلِكُ . كانتْ حَيَاتي قائمةً على النِّفَاقِ والمَصالحِ ، وَلَمْ أَكُنْ
مُخْلِصًا لأيِّ شخص ، وإنَّما كُنْتُ مُخْلِصًا لاحتياجي لَه ، وِبِمُجَرَّد أن
يَتَغَيَّرَ احتياجي إلى الشخص يَتَغَيَّر إخلاصي لَه . الناسُ لا يُحِبُّونَ مَنْ
يَنْقُدُهُم ، ولكنْ يُحِبُّونَ مَنْ يَمْدَحُهُم . والمَدِيحُ مَجَّانيٌّ ،
ويُحقِّق مكاسب كثيرة . أنا مِنَ الذينَ يَأكُلُون على كُلِّ المَوائد ، وَيَرقُصُون
في كُلِّ المَوَاكِب ، وَيَنْدُبُون في كُلِّ المَآتِم . بِعْتُ نَفْسِي لِمَنْ
يَدفَع أكثرَ. أنا ذلك الشخصُ النَّكِرَة الذي لا يَعترف به أحد، يَأكُل مَعَ
الذئب، وَيَنْبَح مَعَ الكَلْب ، ويَبْكي مَعَ الراعي .
وَلَمَّا رَأيتُ الجَهْلَ في الناسِ فَاشِيًا تَجَاهَلْتُ حَتَّى ظُنَّ أنِّي جَاهِلُ
فَوَاعَجَبًا كَمْ يَدَّعِي
الفَضْلَ نَاقِصٌ وَوَأسَفًا
كَمْ يُظْهِرُ النَّقْصَ فَاضِلُ
سَهْلٌ جِدًّا الآنَ أنْ أكُونَ
مُثَقَّفًا أوْ فَيلسوفًا أوْ مُحَلِّلًا نَفْسِيًّا أوْ مُصْلِحًا اجتماعيًّا أوْ
ناقدًا أدبيًّا، أوْ أضَع نَظَرياتٍ في الأدبِ والأخلاقِ والقِيَمِ والمَبادئِ
والوَحدةِ الوَطنيةِ والتكافلِ الاجتماعيِّ . ولكنْ في ذلك الزَّمَن البعيد ،
حَيْثُ يُوجَد طِفْلٌ فقيرٌ بائس في السَّادسة مِنَ العُمر ، يُوَاجِه الحَياةَ
القاسيةَ في قَريةٍ مَنْسِيَّة وَحِيدًا ، كانَ الأمرُ مُستحيلًا ، وكُلُّ
الطُّرُقَات مُغْلَقَة ، ولا يُوجَد ضَوْء في آخِرِ النَّفَقِ . غريقٌ بِلا طَوْقِ
نَجَاة . رُبَّمَا أضحكُ على نَفْسِي عِندما أتذكرُ بَعْضَ المَواقف في طُفولتي ،
ولكنَّها في ذلك الحِين كانتْ صَعبة ومُؤلِمة، حَيْثُ الأحاسيس تنهار ، وأحلامُ
الطُّفولة تَتَمَزَّق، والذكرياتُ تَصِيرُ كوابيس، والبَرَاءَةُ تَصِيرُ
تَوَحُّشًا، والحُبُّ يَصِير كَرَاهِيَةً، وكُلُّ شَيْء يَنتحر .
شَرِبْتُ كُوبَ العَصِيرِ
كاملًا ، وَرَكَضْتُ إلى سَمَاح العانس ، وقُلْتُ لَهَا بِبَرَاءةٍ مُصْطَنَعَةٍ
معَ اختيار مَقصود للكلمات المُؤثِّرة :
_ سميحة الخَدَّامة لَيْسَتْ
أُمِّي ، أنتِ أُمِّي سَمَاح .
وَقَبَّلْتُ يَدَيْهَا
الاثنتَيْن، وانتظرتُ الغنائمَ والمَكاسِب .
ضَمَّتْني سَمَاح إلى
صَدْرِهَا ، وَطَوَّقَتْني بِذِرَاعَيْهَا ، وقالتْ والدُّمُوع تَنهمر مِنْ
عَيْنَيْهَا :
_ يا حبيبي يا هِشَام ، أنتَ
ابني العزيز ، وأنا أُمُّكَ التي سَتَعْتني بِك .
واندفعتْ مُسْرِعَةً ، وأحضرتْ
لِي وَجبة طَعَام لذيذة . أكلتُ وشربتُ وأنا في غاية السُّرور . وَغَسَلْتُ
يَدَيَّ،ووقفتُ مُطَأطِئ الرَّأس أمامَها كالسجين الذليل الذي يَنتظر مَوْعِدَ الإعدامِ
بالمِقْصَلة. غابتْ في إحدى الغُرفِ، وأنا أُراقِب حَرَكَتَهَا بطرف عَيني، ثُمَّ
أحضرتْ مَبلغًا مِنَ المَالِ ، وَوَضَعَتْهُ في جَيْبِ قَمِيصي . وَطَلَبَتْ
مِنِّي أنْ أزُورَها غَدًا بشكل ضَروري .
_ شُكْرًا لَكِ يا أُمِّي
سَمَاح .
كُنْتُ حَرِيصًا على استخدام
عِبارة " أُمِّي سَمَاح "، فَهِيَ مِفتاحُ الكَنْزِ ، ومَنْبَعُ
الحُلولِ السِّحْرية. وَخَرَجْتُ مِنْ بَيْتِها بِخُطواتٍ بطيئة ، كأنَّني شخص
مريض غير قادر على الحركة ، كَيْ تَحْزَنَ عَلَيَّ ، وَتُحْسِنَ إلَيَّ . وعِندما
أغلقتِ البابَ ، رَكَضْتُ بِكُلِّ قُوَّةٍ إلى أحد البُيوتِ المَهجورة ، وقُمْتُ
بإخراجِ المَبْلَغِ المَاليِّ مِنْ جَيْبِ قَمِيصي ، وَعَدَدْتُه ، وكَرَّرْتُ عمليةَ
العَدِّ كَيْ أَصِلَ إلى أقصى دَرَجَةِ مِنَ المُتعةِ والاستمتاعِ . لأوَّلِ
مَرَّةٍ في حَياتي أُمْسِك مَبْلَغًا كبيرًا . مَا أجْمَلَ الأُمُومةَ ! . وكما
أنَّ الأُمَّ هي التي تُربِّي ، وَلَيْسَتْ التي تَلِدُ ، اعتبرتُ أيضًا أنَّ
الأُمَّ هِيَ التي تُعْطِينا المَالَ ، وَلَيْسَت الأُم هِيَ الخَدَّامة في بُيُوتِ
الناسِ ، هَكذا كانَ تفكيري الطُّفولي الساذَج . أُحِبُّكِ يا أُمِّي سَمَاح ، ولَيْتَ
أبي تَزَوَّجَكِ ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ سَميحة الخَدَّامة التي يُعيِّرني الناسُ
بِها . وكما أنَّ الإنسانَ لا يَختار الزَّمَانَ والمَكَانَ اللذَيْن يُوجَد
فِيهما ، كذلك لا يَختار أُمَّهُ وأباه . وأكبرُ إنجاز حَقَّقْتُهُ هُوَ حُصولي
على وَجبة طعام لذيذة ، وحُصولي عَلى مَبْلَغٍ ماليٍّ كبير ، لا يُمكِن أن أراه
حتى في أحلامي . وأنا مُستغرب أشدَّ الاستغراب ، لماذا يُوجَد فُقراء في هَذا
العَالَمِ ، معَ أنَّ التَّسَوُّلَ والشِّحَاذَةَ وَدَغدغةَ عواطف الناس يُحقِّق
أرباحًا عالية ومكاسب كثيرة . وكما قال أبي : " الدُّوَلُ تَشْحَذ ،
والحُكومات تَشْحَذ ، والناسُ يَشْحَذون ، ونَحْنُ نَشْحَذ ، وكُلُّنَا شَحَّاذُون
، ولا أحد أفضل مِنْ أحد " . أدركتُ أنَّ أبي فَيلسوف عظيم وخبير اقتصادي ،
وأنَّ نظريته قابلة للتَّطبيق على أرض الواقع . وإذا اعتمدتُ أفكارَه الاقتصادية
سَأُصبح أغنى شخص في القرية ، وَرُبَّمَا أُصبح مِنْ كِبار تُجَّار العاصمة
ورِجَالِ الأعمال البارزين .
12
ذَهَبْتُ إلى سَمَاح العانس في
الصَّبَاحِ البَاكِر. أدْخَلَتْني إلى غُرفتها ، وَعَرَضَتْ عَلَيَّ المَنسوجات
النِّسائية مِنْ أجْلِ بَيْعِها ، وَحَدَّدَتْ أسعارَ القِطَعِ واحدةً واحدةً .
بصراحة ، سَمَاح ماهرة في صُنْعِ هَذه المَنسوجات، فَهِيَ مُتْقَنَة أشد الإتقان،
وألوانُها جَذَّابَة تَسْرِقُ عُيونَ النِّسَاءِ ، وتُدَغْدِغ أُنوثتهن :
الزَّهْري والوَردي والبَنَفْسجي والأحمر والأزرق . وَمِنَ الواضح أنَّ لَدَيْهَا
وَقْتَ فَرَاغٍ كبيرًا ، لأنَّ صُنْعَ هَذه المَنسوجات بهذه الحِرفية العالية
يَحتاج إلى وَقْتٍ طويل . وهَذا لَيْسَ غريبًا ، فَهِيَ عانس بَيْنَ أربعة حِيطان
، لَيْسَ لَدَيها زَوْجٌ ولا أولاد، ولا تَعْتني بأحد .
قالتْ لِي سَمَاح :
_ سَوْفَ أقْتَسِمُ المَالَ
مَعَكَ يا هِشَام بالمُنَاصَفَة، لِي النِّصْفُ ، وَلَكَ النِّصْفُ، وَسَوْفَ
أُكْرِمُكَ.
قُلْتُ والقلقُ يَتلاعب
بأعصابي :
_ وأبوكِ سيدي مسعود ، ماذا
أقُولُ لَه ؟ .
_ دَعْكَ مِنْ أبي ، فَهُوَ
حَرَامي يَسْرِقُ أهْلَ القَرية ، وَيَغُشُّ في البِضَاعَةِ ، ويَتلاعب بتاريخ
الصَّلاحِيَّة للسِّلَعِ والمُنْتَجَاتِ. تَعَامُلُكَ سَيَكُون مَعِي ،
والمَبْلَغُ تُعْطيني إيَّاهُ كاملًا ، وأنا سَأُخْبِر أبي.
وأردفتْ قائلةً :
_ لا أُرِيدُ أنْ أُثقِلَ عَلَيْكَ
يا هِشَام ، فأنتَ مَا زِلْتَ طِفْلًا صغيرًا في السَّادسة مِن العُمر .
وبالفِعْل، كانتْ البِضَاعة
خفيفة نِسبيًّا ، يَسْهُل حَمْلُها . وَضَعَتْهَا سَمَاح في كِيس أسود كبير ،
وَحَمَلْتُهُ على ظَهْرِي ، وانطلقتُ إلى الأماكن التي حَدَّدَها لِي مَسعود ،
وأخْبَرَني أنَّ أهْلَهَا مِنَ المَيْسُورين ، وقادرون على الدفع .
طَلَبَتْ مِنِّي أُمِّي ألا
أغْسِلَ وَجْهِي، كَيْ تَظْهَرَ عَلَيَّ عَلاماتُ الحُزْنِ والشَّقَاءِ
والتَّعَاسَةِ والحِرْمَانِ، ولا أتناول طعامَ الفُطور ، كَيْ أكُونَ جائعًا ،
وأستطيع الأكْلَ عِندَ الناسِ . أخْبَرَتْني أنَّ نِسَاءَ البُيوتِ سَيُشْفِقْنَ
عَلَيَّ بسبب مَظْهَري البائس ، ويُقَدِّمْنَ لِي أفضلَ الطعام . وهَكَذا أستطيعُ
الأكْلَ بِشَراهةٍ ، وأُثْبِت لَهُنَّ أنَّني جائعٌ حَقًّا ، ولا أُمَثِّل دَوْرَ
الجائعِ ، وهَذا يُكْسِبني المِصْدَاقية . وَمِنَ الواضح أنَّ أُمِّي لَدَيْهَا
خِبْرَة واسعة في التعامل معَ النِّسَاءِ ، بسبب عَمَلِهَا خَدَّامة في البُيوتِ .
أسِيرُ في الطُّرُقاتِ
المُغْبَرَّةِ ، وكيسُ المَنسوجاتِ النِّسائية على ظَهْرِي . أقْرَعُ أبوابَ
المَنازلِ . إذا فَتَحَ لِي رَجُلٌ أتشاءمُ ، وأعتبر ذلك مُصيبةً تُهدِّد مَشروعي
التِّجاري . فالرَّجُلُ لَيْسَ عاطفيًّا ولا يَتأثَّر بالمشاعر كالمَرأة . وفي أحد
المَرَّات فَتَحَ لِي رَجُلٌ البابَ ، وَلَمْ أَكَدْ أنطِقُ بكلمة حتى قال :
_ ابتعدْ عَنَّا يا شَحَّاذ ،
انقلعْ مِنْ وَجْهِي ، ولا تُزعِج الآخَرين .
_ أرجوكَ يا سيدي أن ... .
_ أنتَ حِمار ابن حِمار ، لا
تَفْهَم الكلام ، هَلْ تُريدُ أنْ أضْرِبَك ؟! .
_ أنا آسِف يا سيدي ، سَوْفَ
أذهبُ ولَنْ أعُودَ إلى بَيْتِك أبدًا .
_ غور في سِتين داهية ، وإذا
عُدْتَ مَرَّةً ثانية سَأكْسِر رِجْلَيْك .
بسبب هَذا الحِوَارِ، صِرْتُ
أخافُ أنْ يَفْتَحَ لِي البابَ رَجُلٌ . أراه وَحْشًا كاسرًا يُحَطِّمُ أحلامي،
وكابوسًا مُرْعِبًا يُمَزِّقُ ذاكرتي .
أمَّا إذا فَتَحَتْ لِي البابَ
امرأةٌ ، فَهَذا إنجازٌ كبير ، وتَحقيقٌ لأحلامِ الغِنى والثَّرَاءِ ، وحُصُولٌ
على الطَّعَامِ اللذيذ والمَالِ الوفيرِ .
قَرَعْتُ بَابَ بَيْتٍ جميل
ونظيف ، مِنَ الواضح أنَّ أهْلَه مِنَ المَيسورين . فَتَحَتْ لِي البابَ امرأةٌ
أنيقة ، لا شَكَّ أنَّها سيدة البَيْت ، وكانَ لَمَعَانُ الذهبِ على صَدْرِها
يَتعامد معَ أشِعَّة الشمس في عُيوني الصَّغيرة . قُلْتُ لَهَا بِصَوْتٍ مَكسور :
_ أرجوكِ يا سَيِّدتي أن تشتري
مِنِّي ، أنا طِفْلٌ يتيم وفقير ووحيد بَيْنَ أربع بنات ، أُنفِق عَلى أُمِّي
وأخواتي ، وأبي ماتَ في الحَرْب. أبوس يَدَيْكِ أن تشتري مِنِّي .
وَهَجَمْتُ عَلى يَدِهَا
أُقَبِّلَهَا ، وكانَ بريقُ خواتمها يُحْرِقُ نَظَرَاتِ عُيوني . سَحَبَتْ يَدَهَا
، وَنَظَرَتْ إلَيَّ بإشفاقٍ ، وأدْخَلَتْني إلى البَيْتِ قائلةً :
_ تعالَ يا حبيبي ، أنْتَ
مِثْل ابْني .
عِندئذٍ أدركتُ أنَّني
وَقَعْتُ على كَنْزٍ ، وأنَّ الصَّفْقَة التِّجارية المُرْبِحَة سَتُصبح واقعًا
مَلموسًا .
قالتْ لِي بِصَوْتٍ دافئ
يَفِيض بالأُمُومَةِ والحَنَانِ :
_ ماذا تبيع يا ابْني ؟ .
_ لَدَيَّ مَنسوجات نِسَائية
صَنَعَتْهَا أُمِّي الأرملة .
فَتَحْتُ الكِيسَ الأسْوَدَ ،
وَعَرَضْتُ أمامَها البِضَاعةَ ، فَأُعْجِبَتْ بِها أشدَّ الإعجاب ، وقالتْ :
_ سَأشتري قِطْعَتَيْن ، معَ
أنَّني لا أحتاجُهما ، ولكنْ مِنْ أجْلِكَ ، وَمِنْ أجْلِ أُمِّكَ الفاضلة .
_ كَمْ تَبيع القِطعةَ
الواحدةَ ؟ .
أخْبَرْتُهَا بالسِّعْرِ الذي
حَدَّدَتْهُ لِي سَمَاح العانس .
_ سَأُعْطِيكَ ثلاثة أضعاف
السِّعْر ، فأنتَ طِفْلٌ بريء وَمِسْكِين ومُؤدَّب .
_ اللَّه يبارك فيكِ يا سيدتي
، اللَّه يجعل عائلتك أحسنَ العائلات ، اللَّه يحفظكِ أنتِ وأولادك وبناتك .
كانَ أمَامِي بَابُ المَطْبَخِ
. حَدَّقْتُ بِه ، وأحْرَقْتُهُ بِنَظَراتي المُشتعلة ، وقُلْتُ :
_ هَلْ يُمكِن أن أشربَ
المَاءَ ؟ ، لا يُوجَد ماء ولا طَعَام في زَريبة الأبقار التي نَعِيشُ فِيها .
_ يا حبيبي، تعالَ إلى المَطْبَخِ
، وافْعَلْ مَا تَشَاء فِيه .
هَذا هُوَ أُسْلُوبي في التِّجَارةِ
وإدارةِ الأعمال . سِيناريو مُتَكَرِّر في كُلِّ البُيوتِ والمَناطقِ ، وجُيوبي
مُمتلئة بالمال ، والأرباحُ تَزْداد ، وَصِحَّتي تَتَحَسَّن . زَادَ وَزْني بشكل
مَلْحوظ ، وانتفختْ خُدُودي ، وَصِرْتُ أنامُ بِكُلِّ رَاحَةٍ ، بِدُون أرَقٍ ولا
قَلَقٍ .
أعْطَيْتُ سَمَاح المالَ ،
حَسَب تحديدها لِسِعْر القِطْعَة ، والباقي وَضَعْتُهُ في جَيْبي ، ثُمَّ أخذتُ
مِنْ سَمَاح نِصْفَ المَبْلَغِ، حَسَب الاتِّفَاق بَيْنَنَا . رُبَّمَا كُنْتُ
أسعدَ طِفْل في العَالَمِ في ذلك الوَقْتِ، وبَدَأتُ أُصَنِّفُ نَفْسِي مِنَ
الأغنياء ، وأُشْفِق على الفُقَرَاءِ والمُحتاجين ، وأحْزَن عَلَيْهِم .
دَخَلْتُ عَشَرَاتِ البُيوتِ ،
واطَّلَعْتُ على أسرارِ العائلات ، رِجَالًا ونِسَاءً ، أولادًا وبَنَاتٍ . أكلتُ
أشهى أنواعَ الطعامِ والحلوياتِ التي لَمْ أرَهَا في حَيَاتي ، وَمَلَأْتُ جُيوبي
بالمَالِ الوَفير .
حَدَثَتْ لِي مَواقِف
مُحْرِجَة كثيرة ، بسبب كثرة تَعَامُلي معَ النِّسَاءِ ، وَلَكِنَّ تَركيزي كانَ
على جَمْعِ المَالِ ، وتناولِ المَأكولاتِ ، ولَيْسَ كشف أسرار الناس أو الاطِّلاع
عَلى عَوْرَاتِهم .
امرأةٌ تَرتدي قَميصَ
النَّوْمِ الشَّفَّاف الذي يَجعلها شِبه عَارِيَة . امرأةٌ تُرْضِعُ طِفْلَهَا
أمَامِي كاشفةً صَدْرَهَا . امرأةٌ تَلتقط شَيئًا عَن الأرضِ فَيَظْهَر ثَدْيَاهَا
. امرأةٌ تَجْلِسُ عَلى الكُرْسِيِّ أمَامِي وَقَدَمَاهَا بَعيدتان بِحَيْثُ
يَظْهَر مَا بَيْنَهُمَا . امرأةٌ تَصْعَدُ الدَّرَجَ وأنا خَلْفَهَا ومُؤخِّرَتُهَا
العريضة تَتَرَجْرَجُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً.امرأةٌ تَنْشُرُ مَلابسَها
الدَّاخِليَّة المُلَوَّنَة في سَاحَةِ البَيْتِ،لأنَّها لا تَستطيع نَشْرَها على
السَّطْحِ.
تَمَّ اعتباري طِفْلًا صغيرًا مِسْكِينًا
لا حَوْلَ لِي ولا قُوَّة ، وَلَيْسَ لِي ذاكرة ، ولا أعْرِفُ تفاصيلَ أجسادِ
النِّسَاءِ ، ولا أفْهَم هَذه الأمُور. وَلَكِنَّني مُنْتَبِهٌ لِكُلِّ شَيْء ،
وجَميعُ المَشَاهِدِ والصُّوَرِ تُحْفَر في ذاكرتي. صحيحٌ أنَّني كُنْتُ طِفْلًا
في السادسة مِنَ العُمر ، لَيْسَ لِي شَهوة جِنْسِيَّة ، وَلَكِنَّني قادرٌ على
التَّمييزِ ، ومَعرفةِ أعضاءِ النِّسَاء .
ولا يُمْكِن أنْ أنْسَى أسْوَأ
تَجْرِبَة تَعَرَّضْتُ لَهَا . إنَّها كابوسٌ يُطاردُني ، ولا أستطيعُ طَرْدَه .
في أحَدِ المَرَّاتِ ذَهَبْتُ إلى بَيْتٍ فَخْمٍ مُحَاطٍ بِقِطعة أرض مُسَيَّجَة .
أدركتُ أنَّ هذه فُرصة ذهبية مِنَ الصَّعْبِ أنْ تَتَكَرَّرَ ، وَلْن أُفَرِّطَ
بِهَا . سَوْفَ أجْنِي ثَرْوَةً ، وكَمْ تَمَنَّيْتُ أنْ تَفْتَحَ لِي البابَ
امرأةٌ ، ولَيْسَ رَجُلًا ، كَيْ أسْتَغِلَّ مَشاعرَها ، وأتلاعبَ بعواطفها ،
وأحْصُلَ على المَالِ الوفير مِنها .
قَرَعْتُ بابَ البَيْتِ
بِلُطْفٍ فَلَمْ يَفْتَحْ أَحَدٌ . قَرَعْتُهُ مَرَّةً ثانية وثالثة بِلا نتيجة .
أدركتُ أنَّ أهْلَ البَيْتِ نائمون خُصُوصًا أنَّ الوَقْت كان في الصَّبَاح
البَاكِر . قَرَّرْتُ عَدَمَ المُغادرة حَتَّى لَو اضْطُرِرْتُ لخلعِ البابِ .
مَنْظَرُ البَيْتِ يدلُّ على أنَّ أهْلَه مِنَ الأغنياء ، وهَؤلاء هُم الزبائن
المُفَضَّلُون لَدَيَّ . كيفَ أتركُ اللُّقمة بعد أنْ وَصَلَتْ إلى فَمِي ؟ .
بَرِيقُ المَالِ يُسيطر على
حَوَاسِّي وأعضائي وجَوَارحي ويَمْنعني مِنَ المُغادرة. قَرَعْتُ البابَ بِيَدَيَّ
الاثنَتَيْن بِكُلِّ قُوَّةٍ مِثْل المَجنون . يا رُوح مَا بَعْدِك رُوح. لَقَدْ
عَشِقْتُ هَذا البَيْتَ لفخامته ، وَتَعَلَّقْتُ بِه ، وَلَمْ أَعُدْ أتَصَوَّر
حَيَاتي بِدُونِه . لا بُدَّ أنْ أدْخُلَه ، أتَخَيَّل رائحةَ الطعامِ في
المَطْبَخِ . بالتأكيد ، سَيَكُون مَطْبَخًا واسعًا يَحْتوي على أشهى المأكولات.
يا قاتل يا مقتول ، هَذا البَيْتُ كُلُّ مَا يَهُمُّني، ولا يُوجَد شَيْء بَعْدَه
يَستحق الاهتمام .
وَاصَلْتُ قَرْعَ البابَ
بِكُلِّ مَا أُوتيتُ مِنْ قُوَّةٍ ، حَتَّى كِدْتُ أيأس أنْ يَفْتَحَ لِي أحَدٌ . وأخيرًا
، فُتِحَتْ مَغارةُ الكَنْزِ . وَقَفَتْ أمَامِي امرأةٌ جميلة مُمتلئة ، شَعْرُها
مَنكوش ، وَتَلْهَثُ، وتَتَصَّبب عَرَقًا، وتَرتدي عِباءة سَوْدَاء مَفتوحة مِنْ
أسْفَل . مَنْظَرُهَا شديدُ الغَرابةِ . أوَّل مَرَّةٍ في حَيَاتي أرى امرأةً بهذا
الشكل داخلَ بَيْتِها . لَقَدْ دَخَلْتُ بُيوتًا كثيرةً ، وتعاملتُ معَ نِسَاء
كثيرات ، وَصِرْتُ خبيرًا في بَيْعِ البِضَاعةِ والتَّسَوُّلِ والشِّحَاذَةِ ،
لَكِنَّني لَمْ أرَ مِثْلَ هَذه المَرأة في حَيَاتي .
قالتْ بعصبية بالغة :
_ مَاذا تُريدُ يا وَلَد ؟ .
قَرَّرْتُ أنْ أستخدمَ
عِبَارتي السِّحْرية المُكَرَّرة ، فَهِيَ سِلاحي الفَتَّاك . قُلْتُ بِصَوْتٍ
حزين :
_ أرجوكِ يا سَيِّدتي أن تشتري
مِنِّي ، أنا طِفْلٌ يتيم وفقير ووحيد بَيْنَ أربع بنات ، أُنفِق عَلى أُمِّي
وأخواتي ، وأبي ماتَ في الحَرْب. أبوس يَدَيْكِ أن تشتري مِنِّي .
_ لا أُريدُ أنْ أشتري ، معَ
السَّلامة .
وأرادتْ أنْ تُغْلِقَ البابَ ،
فَمَنَعْتُهَا بِجِسْمِي النَّحِيل ، وَقَرَّرْتُ أنْ أستخدم عِبارةً أُخْرَى
للتأثير عَلَيها ، بعد أنْ فَشِلْتُ في المُحاولة الأُولَى ، وكُنْتُ كالساحرِ
الذي فَقَدَ سِحْرَه وتأثيرَه ، أوْ أنَّ كَلامي كالسِّحْرِ الذي انْقَلَبَ على
الساحر .
قُلْتُ بِصَوْتٍ مَكسور وأنا
أتَصَنَّعَ البُكَاءَ ، وأُحَاوِل استدعاءَ الدُّمُوع :
_ أرجوكِ يا سيدتي ، أنا
طِفْلٌ وحيد ويتيم . أنا ابْنُ شَهِيدٍ ، وأبي شهيدٌ في الحَرْبِ، ماتَ في سبيل
الوَطَنِ والدِّفاعِ عَن الشَّعْب .
لَمْ يَكُنْ يَسألني أحدٌ عَن
هَذه الحرب التي اخْتَرَعْتُهَا ، وقَتَلْتُ أبي فيها ، مِنْ كَثرةِ الحُروبِ التي
خَاضَتْهَا دَوْلَتُنَا ، والهزائمِ التي مُنِيَتْ بِهَا . أردتُ تقديمَ أبي كشهيد
ضَحَّى بحياته في سبيل الوطن والشعبِ، وأنا ابْنُ الشهيد ، كَنوع مِنَ اللعبِ على
وَتَرِ المَشاعرِ الوَطنيةِ والقَوميةِ والتَّضحياتِ العظيمة،معَ أنَّ أبي قَضَى
حَيَاتَه نائمًا في زَريبة الأبقار بِلا مَشاعر وطنية ولا تضحيات ولا إنجازات.
تأفَّفَت المَرأةُ بِصَوْتٍ
عالٍ ، وقالتْ وأعصابها في حالة انهيار شامل :
_ يا ابني عِندي شُغل ضَروري،
اذهبْ إلى الجِيران ، وسَوْفَ يُساعدونك .
وَهَمَّتْ بإغلاقِ البابِ .
لَكِنَّني رَمَيْتُ نَفْسِي على قَدَمَيْهَا الحَافِيَتَيْن ، تَمَسَّكْتُ بِهما ،
وبَدأتُ في تَقْبيلهما . لَمْ أتمكن مِنَ الوُصول إلى يَدَيْهَا لِتَقْبيلهما ،
لأنَّها تَقِف عَلى عَتَبَةِ البَيْتِ العالية ، فَقَرَّرْتُ استخدامَ الخُطَّةِ
البديلة ، وَهِيَ تَقْبيل قَدَمَيْهَا . وكُنْتُ مُسْتَعِدًّا أنْ أُقَبِّلَ أيَّ
شَيْء مِنْ أجْلِ الحُصولِ على المَالِ . لا أُريدُ أنْ تَفْقِدَ كَلِمَاتي
سِحْرَها وتأثيرَها . أنا مُمَثِّل بارع أُؤَدِّي دَوْري في المَسرحية بِحِرفية
للسَّيطرة على مَشاعرِ الناسِ ، والاستحواذِ على أموالِهم ، وتحقيقِ المكاسب .
قَرَّرْتُ أنْ أرْمِيَ
الوَرَقَةَ الأخيرةَ ، فَقُلْتُ لَهَا وأنا في غايةِ الانكسارِ :
_ أرجوكِ يا أُمِّي أنْ تُدْخليني
لأشربَ كُوبَ مَاءِ ، أنا عَطْشَان ، ولا يُوجَد ماء ولا طعام في زَريبة الأبقار
التي نعيش فيها .
إذا لَمْ تَنْفع كلمة "
سيدتي " ، فَرُبَّمَا تَنْفع كلمة " أُمِّي " ، لِبَثِّ الدِّفْءِ
في المَشاعرِ .
نَظَرَتْ إلَيَّ باحتقارٍ
وَقَرَفٍ ، وقالتْ :
_ تَعَالَ يا زِفْت ، هَذا
اليوم نكد مِنْ أوَّلِه .
أدْخَلَتْني المَطْبَخَ ،
مَكَاني المُفَضَّل للأكْلِ والشُّرْبِ ، وأغلقتْ عَلَيَّ البابَ ، وقالتْ لِي :
_ كُلْ وَاشْرَبْ كما تُريدُ ،
ولا تُحْدِثُ ضَجَّةً . لا أُريدُ أنْ أسْمَعَ صَوْتَكَ ، وَسَوْفَ أفتحُ البابَ
عِندما أنتهي مِنْ شُغلي الضروري في البَيْت .
سَمِعْتُ صَوْتًا خَشِنًا
وقاسيًا :
_ مَنْ بالبابِ يا غدير ؟ .
_ هذا طِفْلٌ يتيمٌ وفقير
وشَحَّاذ ، جائع وعَطْشَان ، أدْخَلْتُهُ المَطْبَخَ ، وأغلقتُ عَلَيْهِ البابَ .
شَعَرْتُ بِنَشوةِ الانتصارِ ،
لَقَد انتصرتُ على هَذه المَرْأةِ بذكائي ودَهَائي ، وأمْسَكْتُهَا مِنْ يَدِهَا
التي تُوجِعها ، وَسِحْرُ كَلِمَاتي وَقَعَ عَلَيْهَا ، وأثَّرَ بِهَا . بَدَأتُ أُفَتِّشُ
عَن الطَّعَامِ مِثْل الفأر الجائع . لكنَّ صُراخَ المَرأةِ شَتَّتَ تَركيزي ،
وَفَجَّرَ رَأسِي ، وأفْقَدَني الرَّغبةَ في الطَّعَامِ ، وَنَسِيتُ شُرْبَ
المَاءِ .
تَصْرُخُ وتَصِيحُ وَتَنْطَلِقُ
آهَاتُهَا مِثْلَ الحِمَمِ البُركانية نَحْوَ جِسْمِي الصَّغير ، وَيَهْجُمُ
صُرَاخُهَا على جِلْدِي الطَّرِيِّ مِثْلَ السَّكَاكين الحَادَّة . أيقنتُ أنَّ
زَوْجَهَا وَحْشٌ مُرْعِبُ يَضْرِبُهَا بِقَسْوَةٍ ، ويُعاملها بِعُنْفٍ ،
ويُعذِّبها أشدَّ العَذابِ ، بَلْ إنَّني خَشِيتُ أنْ يَضْرِبَني لأنَّني دَخَلْتُ
مَطْبَخَ بَيْتِه . هَذا المَطْبَخُ المُغْلَقُ عَلَيَّ كالزِّنزانةِ الانفرادية،
كانَ مُنْتَهَى أحلامي ، وصارَ أسوأ كوابيسي .
حاولتُ فَتْحَ بابِ المَطْبَخِ
إلا أنَّهُ كانَ مُغْلَقًا بالمِفْتَاحِ مِنَ الخارجِ . كانِ للمَطْبَخِ شُبَّاكٌ
صغير مُرتفع ، أحضرتُ كُرسيًّا ، وَصَعِدْتُ عَلَيْه ، وَنَظَرْتُ مِنَ
الشُّبَّاكِ لأعْرِفَ ماذا يَحْدُث بالضَّبْطِ . صُرَاخُ المَرأةِ مَزَّقَ أعصابي
، وَحَطَّمَ تَفْكيري ، وَلَمْ أَعُدْ أُفَكِّر في بَيْعِ البِضَاعَةِ وَجَمْعِ المَالِ
. التَّشويشُ في ذِهْني كانَ مُرْعِبًا وجارحًا .
رَأيتُ المَرْأةَ عاريةً
تمامًا ، ونائمةً على ظَهْرِهَا ، وَزَوْجُهَا فَوْقَهَا ، قَدْ رَفَعَ
رِجْلَيْهَا عَلى كَتِفَيْه . صُرَاخُها يَزداد بلا انقطاع . أُرَاقِب المَشْهَدَ
المُخِيفَ مِنَ الشُّبَّاكِ الصغير ، كَشَخْصٍ يُشَاهِد فِيلم رُعْب وحيدًا .
اعتقدتُ للوَهْلَةِ الأُولَى أنَّها تمارين رياضية ، أوْ لُعْبَة الرُّكُوب عَلى
الحِصَانِ ، التي تُشْبِهُ ألعابَ الطُّفُولة . عِندَما كُنَّا أطفالًا ، كانَ
أحَدُنا يَركَب على ظَهْرِ طِفْلٍ آخَر، وَيَقُول له : امْشَ يا حِصَان .
تَجَمَّدَتْ أطرافي ،
وَبَلَعْتُ رِيقي مَرَّاتٍ كثيرة . فَقَدْتُ السَّيطرةَ على عَيْنَيَّ اللتَيْن
صَارَتَا جَمْرَتَيْن . وَبَعْدَ عَشْرِ دقائق تقريبًا قامَ الزَّوْجَان وَهُمَا
في حَالَةِ عُرْيٍ كامل .
ارتدت المَرْأةُ العَباءةَ
السَّوداءَ على اللَّحْمِ ولا شَيْء تَحْتَهَا ، وكانتْ تُجسِّم صَدْرَهَا
المُمتلئ ، وتُحَدِّد حَجْمَ ثَدْيَيْهَا الكَبِيرَيْن ، وقالتْ لِزَوْجِهَا بِصَوْتٍ
ناعم يَدُلُّ على أعصابِها المُرتاحة :
_ ادْخُلْ واسْتَحِم ، وأنا
سَأُعْطِي الطِّفْلَ اليتيمَ بَعْضَ المَالِ ، وَأَطْلُبُ مِنْهُ ألا يَرْجِعَ
مَرَّةً ثانية .
فَقَدْتُ الاحترامَ لِهَذَيْن
الزَّوْجَيْن ، وَنَفَرْتُ مِنَ العَلاقةِ الجِنْسِيَّة التي صِرْتُ أعْتبرها
مُجَرَّد غَريزة حَيَوَانِيَّة تَتَّسِمُ بالعُنْفِ ، وَهَذا المَشْهَدُ الرَّهيبُ
بَنَى حَاجِزًا نَفْسِيًّا في أعماقي السَّحيقة . حاولتُ طَرْدَ المَنْظَرِ
السَّيئ مِنْ ذاكرتي ، ولكنَّ ذاكرتي كانتْ تُخَزِّنُه بأدقِّ التفاصيل . شَعَرْتُ
أنَّ بَرَاءتي انْتُهِكَتْ ، وَصِرْتُ وَحْشًا بِلا عواطف إنسانية . وبَدَأت
الكوابيسُ تَغْزُو حَيَاتي في اليَقَظَةِ والمَنَامِ ، وانْتَابَتْني بَعْدَ ذلك
مَوْجَات مِنَ التَّبَوُّلِ اللاإرادي .
كَرِهْتُ بَيْعَ المَنسوجاتِ
النِّسَائية،وَلَمْ أَعُدْ أرغبُ في الذَّهَابِ إلى بُيوتِ الناسِ ، وَجَمْعِ
المَالِ. أريدُ أنْ أظلَّ فقيرًا ، لا أُريدُ أنْ أصبحَ غَنِيًّا . أُريدُ أنْ
أظلَّ طِفْلًا بريئًا ، وَلَيْسَ مُشَرَّدًا مُتَسَوِّلًا يَتلاعب بعواطفِ الناسِ،
ويُثير مَشاعرَهم ، مِنْ أجْلِ أنْ يُطْعِمُوه ، وَيَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ببعضِ
المال .
ولكنْ ماذا أقُولُ لأبي ؟ .
أنا خائفٌ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِه . إنَّهُ مُدْمِنٌ عَلى المَالِ ، والفُلُوس هِيَ
المُخَدِّرَات التي تُهَدِّئُه ، وتُسكنُ غَضَبَه وجُنونَه . وإذا انقطعَ المالُ
سَيُصبح مِثْلَ الكَلْبِ المَسعور أو الثَّوْرِ الهائجِ . لَطَالَمَا دَفَعَني إلى
جَمْعِ المَالِ بِشَتَّى الوسائل ، الشَّرعية وغَيْر الشَّرعية . حَتَّى إنَّه
كانَ يُشَجِّعُني على السَّرِقَةِ مِنَ الأغنياءِ والمَيسورين .
يَقُول لِي بِحِقْدٍ واضح :
_ هَؤلاء الأغنياء لُصُوص ،
إنْ لَمْ تَسْرِقْهُم يا هِشَام سَوْفَ يَسْرِقُونك . إنَّهُم يَمْتَصُّون دِمَاءَ
الفُقَراء والمساكين والمُحتاجين .
وكُنْتُ أُجِيبُ بِبَراءةٍ
طُفولية :
_ ولكنَّهم يَحْزَنُون عَلَيَّ
، وَيُشْفِقُون على حَالَتي ، وَيُعْطُونني المَالَ رحمةً بِي .
_ مَا زِلْتَ طِفْلًا صَغيرًا
يا هِشَام ، لا تَعْرِفُ تفاصيلَ الحَياةِ وأسرارَ الناسِ . هَؤلاء الأغنياء
يَسْكُنُون في بُيوتٍ واسعة وجميلة ، وَيَتَزَوَّجُون بنات العَشائرِ والقبائلِ
والعائلاتِ المعروفة ، وَيُزَوِّجُون أبناءَهُم ، ويَبْنُون لَهُم مَنازل جَديدة ،
ونَحْنُ نَعيش في زَريبة الأبقار ، هَلْ نَحْنُ بَشَرٌ أَمْ دَوَاب ؟ . أُمُّكَ
خَدَّامة في البُيوت ، وأنا كُنْتُ راعي غَنَمٍ ، وأخواتك الصغيرات بائسات في
انتظار صَدَقَاتِ الناسِ وإحسانِهم ، وأنتَ وَلَدٌ ذكي وشاطر ، ولكنَّك وحيد بَين
أربع بنات ، ولا أحَد يَعترف بذكائك، وَلَيْسَ لَكَ مُستقبَل في هَذه القَريةِ
اللعينة . لَوْ كُنْتَ ابنَ عشيرة مَعروفة أوْ قبيلة كبيرة ، لَسَاعَدَكَ الناسُ ،
واحترموكَ ، وَقَدَّرُوا ذكاءكَ، وَأَحَبُّوكَ ، ولَهَثُوا وراءكَ كَيْ يَتعرَّفوا
عَلَيْكَ .
وَجَحَظَتْ عَيْنَا أبي بشكلٍ
غريبٍ ، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ بشكلٍ مُخيف ، وقالَ بِصَوْتٍ يابس :
_ أنا حُرْمة وَلَسْتُ رَجُلًا
إنْ لَمْ أُدَمِّرْ هَذه القَرية ، سَوْفَ أمْسَحُهَا مِنَ الوُجودِ ، وأمْحُوهَا
مِنَ العَالَمِ . حَتَّى لَوْ بَقِيَ يَوْمٌ واحد في حَيَاتي ، سَأجْعَلُ هَذه
القَرْيَةَ خَرَابًا ، وَأُهَجِّرُ أهْلَهَا .
لَسْتُ أدْرِي هَلْ هَذا
الكلام عِبارة عَن فَوْرَةِ غَضَبٍ ، أوْ أنَّ أبي يَقْصِدُ كُلَّ حَرف يَقُولُه .
لَمَعَانُ عَيْنَيْه يُخيفُني ، ويُسبِّب لِي الاضطرابَ . عِشْتُ مَعَ أبي ،
لَكِنَّني لا أعْرِفُهُ تَمَامًا . أكتشفُ فيه شيئًا جديدًا كُلَّ يَوْمٍ . الثأرُ
والانتقامُ والغَضَبُ والعُنْفُ والحِقْدُ ، كُلُّ هَذه الكلمات تُشكِّل أبجديته
الخاصَّة ، وتُهَيْمِن على حَيَاتِه وتفكيرِه وسُلوكِه . هَلْ هُوَ ضَحِيَّةٌ أَمْ
جَلَّاد ؟ ، هَلْ هُو ضَحِيَّةٌ تَتَقَمَّص جَلَّادَهَا وتَرتدي قِنَاعَ
قَاتِلِهَا ؟ .
وَمَا زَادَ خَوْفي مِنْ أبي
هُوَ حِرْصُهُ على تَسجيلِ جَميعِ المَعلومات في دَفترٍ كبير ، معَ أنَّه يَقْرَأ
ويَكْتُب بِصُعوبة بالغة . كانَ يَطْلُبُ مِنِّي أنْ أُخْبِرَه بأسرارِ جَميعِ
البُيوتِ التي أدْخُلُها . هَلْ بُيُوتُهُم فَخْمَة أوْ بسيطة ؟ . مَا هِيَ
نَوعيةُ الطَّعَامِ لَدَيْهِم ؟ . مَاذا يَلْبَس الرِّجالُ والنِّسَاءُ والأولادُ
والبَنَاتُ ؟. كَمْ عَدَد أفراد الأُسْرَة تقريبًا ؟ . هَلْ تَضَعُ المَرأةُ الذهبَ
في يَدَيْهَا وعَلى صَدْرِهَا ؟ . تَعَجَّبْتُ مِنْ طَبيعةِ هَذه الأسئلة ، ولكنَّ
أبي قال إنَّ الحُكومات تَتَجَسَّسُ على الشُّعُوبِ ، والأجهزةُ الأمنيةُ
تَتَجَسَّسُ على بَعْضِها البَعْض . وَأنا أُريدُ أنْ أتَجَسَّسَ على الناسِ مِنْ
أجْلِ مَصْلحتهم وحِمايتهم مِنَ الأخطار . وكُلُّ المعلومات يُمكِن الاستفادة
مِنها عاجلًا أوْ آجِلًا . حَتَّى إنَّهُ يَتَمَنَّى أنْ يَعْرِفَ كَمْ مَرَّةً
يُجَامِعُ الرَّجُلُ زَوْجَتَه ، مِنْ أجْلِ الحِفَاظِ على صِحَّةِ الناسِ ،
وتَنظيمِ النَّسْلِ ، وتَرابطِ الأُسْرَةِ ، وحِمايتها مِنَ الفَسادِ الأخلاقيِّ.
وكُلُّ هَذه الأُمُور جَعَلَتْني أخافُ مِنْ أبي أشدَّ الخَوْف ، وأعْرِفُ أنَّه
شخص خطير، يُشْبِهُ البَحْرَ العميق ، لا أحَدَ يَعْرِفُ أسرارَه وحُدُودَه ،
ولَمْ يَصِلْ أحَدٌ إلى قَاعِه .
13
قَضَيْتُ أيَّامي في الفِرَاشِ
في بَيْتِنَا ( زَريبة الأبقار ) ، أنامُ وأستيقظُ ، وأنامُ وأستيقظُ ، ضِمْن
مُتوالية لَيْسَ لها نِهاية . دَخَلْتُ في مَتاهةٍ بِلا حُدود. ضِعْتُ في نَفَقٍ
لا ضَوْءَ في آخِرِه . الكوابيسُ تُطارُدني ، وَمَنْظَرُ المَرأةِ العاريةِ
وَزَوْجِها العاري ، هَاجَمَ ذاكرتي بِلا رَحمة ، وَمَزَّقَ أعصابي ، وَصِرْتُ أتَخَيَّلهما في كُلِّ الأشياءِ .
كَرِهْتُ نَفْسِي ، وَصِرْتُ
أخافُ مِنْ أعضائي ، هَرَبْتُ مِنْ لَحْمِي ، وجَسَدي هُوَ سِجْني ، وَحَوَاسِّي
زنازين بِلا أبواب . عِندما أُفَكِّرُ بِجَسَدِي العاري أُصَابُ بالرُّعْبِ .
أنظرُ إلى أُمِّي وأبي ، وأشعرُ أنَّني غريبٌ عَنهما . انكَسَرَتْ صُورتهما أمَامي
، وَلَمْ أَعُدْ أُطيق النظرَ إلَيْهِمَا . أُحَدِّقُ في صُورة أخي ناصر
المُعلَّقة على الحائطِ القَذِر . شَعْرُهُ الناعم ، وَعَيْنَاهُ اللامعتان ،
وخُدُودُه الطَّرِيَّة ، وابتسامته البريئة ، وَقَمِيصُهُ الأزرق . ماتَ وَهُوَ في
الثالثة مِنَ العُمر ، طِفْلٌ بائس وُلِدَ في عائلة فَقيرة ومَنبوذة ومُفَكَّكَة ،
لَمْ تُهَاجِمْهُ الأسئلةُ ، ولَمْ يَتْعَبْ في البَحْثِ عَن الأجوبة. ذَاتُهُ
هِيَ مَمَاتُه .
كَيْفَ جِئْتُ إلى هَذا
العَالَمِ ؟ . أُفَكِّرُ بِعَقْلي الطُّفُوليِّ البسيط ، لماذا يَتَزَوَّج الناسُ
؟ ، لماذا يَتَعَرَّى الرِّجالُ والنِّسَاءُ ؟ . هَلْ سَأتَعَرَّى عِندَما أُصبح
كبيرًا ؟ . هَلْ سَتُشَاهِد امرأةٌ مَا جَسَدِي العاري ؟ . هَلْ يُمْكِن حُدوث
تَكَاثُر بِدُون عُرْيٍ ؟ . هَلْ تُوجَد طَريقةٌ كَيْ يَتَغَذَّى الطِّفْلُ
بِنَفْسِهِ دُون الحَاجَةِ إلى ثَدْيَي أُمِّه ؟ ، هَلْ يُمْكِن أنْ تُصبح
المَرأةُ حُبْلَى بِدُون رَجُلٍ ولا زَوَاج ؟ .
أسئلة عجيبة غريبة مَزَّقَتْ
عَقْلي الصغير، عَقْلَ طِفْلٍ في السادسة مِنَ العُمر، لَدَيْهِ أسئلة كثيرة ، ولا
يَعْرِفُ الأجوبةَ عَنْهَا ، ولا يَجْرُؤ أنْ يَسأل أُمَّه أوْ أباه ، لِكَيْلا
يَضْرِبَاه أوْ يَتَّهِمَاه بالجُنُونِ . سَوْفَ يَعْتبراني طِفْلًا فاسدًا
وَغَبِيًّا وَشَاذًّا ، وأنَّهُمَا فَشِلا في تَرْبيتي وَتَعْليمي .
كُنْتُ طِفْلًا بريئًا لا
أُفَكِّر إلا بجمعِ المَالِ ، لإنقاذِ عائلتي مِنَ الفَقْرِ المُدْقِعِ ،
وإخراجِها مِنْ زَريبةِ الأبقار ، كَيْ نَعيش في بَيْتٍ مُحترم مِثْل باقي الناس.
عَلَّمَني أبي أنَّ المالَ هُوَ كُلُّ شَيْء في الحَياةِ ، ولا بُدَّ مِنَ الحُصولِ
عَلَيْه بِكُلِّ الوسائل الشرعية وغير الشرعية . لَمْ يَكُنْ أبي مَعْنِيًّا بالحَلالِ
والحَرَامِ. كانَ يَعتبر الناسَ لُصُوصًا ، إنْ لَمْ نَسرقهم ، فَسَوْفَ يَسْرقوننا
.
كانَ يَقُولُ إنَّ الدُّوَل
والحُكومات والشُّعُوب وأهل القَرية ونَحْنُ كُلُّنَا لُصُوص ، والجميعُ يَسْرِقُ
الجَميعَ ، ولكنَّ الفَرْقَ هُوَ أنَّ هُناك لِصًّا أنيقًا يَرتدي بِذلة فَخْمَة
ورَبْطَة عُنُق ، وَيَسْتخدم أغلى العُطُور، وَدَرَسَ في أحْسَنِ الجامعات، وأنَّ
هُناك لِصًّا قَذِرًا يَرتدي ملابس رَثَّة بالية، ورائحته مُقْرِفَة ، ولَمْ يَذهَب
إلى أيَّة جامعة. هَذه هِيَ نَظرة أبي إلى الأُمُور ، ونظريته الفلسفية في
المُجتمعِ والحياة .
أخافُ مِنْ نَفْسِي ، وَأُحَاوِلُ
الفِرَارَ مِنْ لَحْمِي . اليَقَظَةُ مِصْيَدَةٌ ، والنَّوْمُ فَخٌّ . أرتعبُ مِنَ
اليَقَظَةِ والنَّوْمِ . عِندَما أذهبُ إلى النَّوْمِ كأنَّني أذهبُ إلى حَبْلِ
المِشْنَقَة . التَّبَوُّلُ اللاإرادي ، والأرق ، والكوابيس ، والذُّعْرُ الليليُّ
، والمَشْيُ أثناءَ النَّوْمِ ، والحَديثُ أثناءَ النَّوْمِ . مُشكلاتي ناجمةٌ
عَنْ عوامل جسدية ، ونَفْسِيَّة ، وبيئية . أغْرَقُ بِلا طَوْق نَجَاة ، وَأبتعدُ
عَن شاطئِ الأمَانِ . أقَعُ في بِئر عميقة بِلا حَبْلٍ ولا دَلْوٍ .
احتارتْ أُمِّي في حَالَتي ،
وَسَيْطَرَ عَلَيْهَا القَلَقُ والفَزَعُ ، وقالتْ لأبي وأنا مُمَدَّدٌ في
الفِرَاشِ كالشخص الغارق في الاحتضار :
_ عَيْن أصابت الوَلَدَ ،
هِشَام ذكي وشاطر في التِّجَارة ، وَرَبِحَ مالًا كثيرًا خِلال مُدَّة قصيرة ،
حَسَدَه أولادُ الحرام ، أوْ سَحَرَتْهُ النِّسْوَانُ لِكَيْلا يَكُون أذكى مِنْ
أولادهن . هِشَام مَحْسُود أوْ مَسْحُور . وَلَوْ كانَ الشَّيْخ هِشَام عبد الهادي
مَوجودًا لَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ ، وَعَالَجَه مِنَ الحَسَدِ والعَيْنِ
والسِّحْرِ. اللَّه يَرْحمك يا شَيْخ هِشَام ، لَقَدْ ضِعْنَا بَعْدَكَ ، وصارت
الشَّياطينُ تُهاجمنا وتتلاعب بِنَا.
نَظَرَ أبي إلى وَجْهِي الأصفر
، وقالَ بِهُدوء أعصاب مُمِيت وَبُرودٍ رهيب :
_ هِشَام سَيَمُوت مِثْل ناصر
، هَذه العائلة يَمُوت فِيها الذُّكُور ، وتَبْقَى فِيها الإناثُ . يا لَيت " ناصر " بَقِيَ حَيًّا ، وماتَ
هِشَام . ناصر هُوَ ابني الذي يُشْبِهُني ، ولا يُمْكِن أن يَتَكَرَّر .
حَزِنَتْ أُمِّي حُزْنًا
شديدًا عِندَما سَمِعَتْ هَذا الكَلامَ ، وانفجرَ الدَّمْعُ في عَيْنَيْهَا
الذابلتَيْن ، وَتَعَامَلَتْ مَعَ كلامِ أبي كَمُسَلَّمَةٍ وحقيقةٍ واقعية .
أرْسَلَ مَسعود طِفْلًا يَسأل
عَنِّي،ويَسْتطلع أحوالي،فأنا لَمْ أذهبْ إلى الدُّكَّانة، كما أنَّني لَمْ أذهب
إلى سَمَاح للحُصول على المَنسوجات النِّسائية ، مِنْ أجْلِ بَيْعِها لِنِسَاءِ
القَريةِ والمَناطقِ القريبة .
قالَ أبي للطِّفْلِ الذي
أرْسَلَه مَسعود :
_ قُلْ للمُعَلِّمِ مَسعود:
هِشَام لَنْ يَعُود إلى العملِ في الدُّكَّانة، فَهَذه الدُّكَّانة مَنحوسة
ومَشؤومة. وأخْبِرْهُ أيضًا أنَّهُ لَنْ يَدُورَ على البُيوتِ لبيعِ مَنْسوجات
سَمَاح . فلتبحثْ سَمَاح العانس عَنْ طِفْلٍ آخَر يَبيع مَنسوجاتها .
هذه رَغْبتي، وكانَ أبي
يَتَحَدَّث باسمي ، وَلَكِنَّني حَزِنْتُ كثيرًا لِسَمَاعِ هَذا الكَلام ، فَقَدْ
عَامَلَتْني سَمَاح كابْنٍ لَهَا ، وأحَاطَتْني بِمَشاعر الأُمُومة ، وأعْطَتْني
كُلَّ مَا أُريدُه ، وَقَدْ حَصَلْتُ على مَالٍ كثير مِنها ، كما أنَّني أكلتُ
الأطعمةَ الشَّهِيَّة والحلويات اللذيذة في بُيوتِ الناس . وَلَكِنَّني فَقَدْتُ
الإحساسَ بأهمية المَال . أشياء ماتتْ في دَاخِلي ، وأحلام ضَاعَتْ في حَيَاتي ،
وشُمُوع انطفأتْ في أعماقي ، ومَرَايا انكسرتْ في أحزاني . وَلَيْسَ بالخُبْزِ
وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان .
قالتْ أُمِّي وَهِيَ في حالة
ذُعْر :
_ هِشَام صارَ يَمْشِي وَهُوَ
نائمٌ، وأخافُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ البَيْتِ فَيُهَاجمه كَلْبٌ مَسعور ، أوْ دِيك
مُتَوَحِّش مِثْل الدِّيك الذي قَتَلَ ابْنَنَا " ناصر" . لا أُريدُ أنْ
أخسرَ ابني الثاني بسبب دِيك أوْ كَلْب.
غَرِقَ أبي في حالة تفكير،
وَصَمَتَ بُرْهَةً مِنَ الوَقْتِ،ثُمَّ قالَ كأنَّه اكتشفَ نَظريةً فيزيائية
عظيمة:
_ سَوْفَ أرْبِطُ رِجْلَ
هِشَام بِحَبْلٍ أثناءَ النَّوْم ، وَأدُقُّ وَتَدًا بجانبِ فِرَاشِه ،
لِتَثْبِيتِ الحَبْل .
قالتْ أُمِّي وَهِيَ في غَايةِ
السَّعَادة :
_ كَلامك صحيح يا " أبو
ناصر " ، أنتَ عبقري ، عَقْلُك نظيف، وأفكارُك رائعة ، ولكنْ يا خَسَارة ، لا
تَعْرِف مَصْلحتك ، وتَتَّخِذ قرارات تَضُرُّك ، الذي لَيْسَ لَهُ حَظ لا يَتعب
ولا يَشقى .
بَعْدَ عِدَّة أيَّام ،
تَلَقَّتْ أُمِّي نَصيحة مِنْ رَاعية غَنَم بَعْدَ أنْ عَرَفَتْ بحالتي :
_ لَنْ يُفيد الوَلَدَ إلا
رَعْيُ الغَنَم ، سَوْفَ يَنطلق إلى أماكن جديدة ، ويُغَيِّر نَفْسِيَّتَه ، وَتَرتفع
مَعْنوياته ، وَيَشْرَب اللبنَ مِنْ ضُرُوعِ النِّعَاجِ ، وتَتَحَسَّن صِحَّتُه ،
ويَشْعُر بالنَّشَاطِ والحَيَوِيَّة .
طَارَتْ أُمِّي مِنَ السَّعادةِ
بَعْدَ سَماعها هذا الكَلام ، كأنَّها اكتشفت الوَصفةَ السِّحْرية لِعِلاجِ
حَالَتي المَيْؤُوس مِنها ، وأخبرتْ أبي بالمَوضوع ، فقالَ وعَلاماتُ الضِّيقِ
ظاهرةٌ عَلَيْه :
_ أردتُ أنْ يَكُون هِشَام
تاجرًا غنيًّا، وَلَيْسَ راعي غَنم مِثْل أبيه . تَمَنَّيْتُ أنْ يُصبح أفضلَ مِنْ
أبيه ، وَيُكَوِّن ثَروةً مالية ضخمة ، ويُخْرجنا مِنْ زَريبة الأبقار كَيْ نعيش
مِثْل العائلات المُحترمة . على أيَّة حال، هِشَام هُوَ ابْنُكِ يا سميحة ، وأنتِ
المَسؤولة عَنْه ، وحُرَّة التَّصَرُّف في شُؤونه وأُمُوره، وافْعَلي مَا تُريدين.
لَقَدْ تَعِبْتُ مِنْ كَثرةِ الكَلامِ، والدارُ التي لا يُوجَد فِيها رِجَال
سَتَحْكُمها النِّسْوَان .
كُنْتُ سعيدًا للغايةِ بعملي
الجديدِ ، رَعْي الغَنَم . لا أُريدُ أنْ أكُونَ تاجرًا ، أُريدُ أنْ أكُونَ راعي
غَنَم . لا أُريدُ أنْ أتعاملَ معَ البَشَرِ ، أُريدُ التعاملَ معَ الغَنم . لا
أُريدُ التعاملَ معَ النِّسَاء ، أريدُ التعاملَ معَ النِّعَاج . لا أُريدُ رُؤيةَ
أثداءِ النِّسَاءِ ، أُريدُ رُؤيةَ ضُرُوعِ النِّعَاجِ . لا أُريدُ شُرْبَ المَاءِ
في بُيوتِ الناسِ ، أُريدُ شُرْبَ اللبن في الهَوَاءِ الطَّلْق .
رَعْيُ الغَنَمِ هُوَ الحَلُّ
السِّحْرِي لِمُشكلاتي النَّفْسِيَّةِ والجسدية . تَحَرَّرْتُ مِنَ الجاذبيَّة
الأرضيَّة ، وانطلقتُ إلى الفَضَاءِ الواسع . عَقَدْتُ صَداقةً معَ الغَنَمِ ،
واعْتَبَرْتُهَا أُسْرَتي الجديدة ، ولَيْسَتْ تِلْك الأُسْرَة المَنْسِيَّة في
زَريبة الأبقار . أنا والغنم نَتبادل العِشْقَ في كُلِّ الأزمنةِ والأمكنةِ .
اسْتَفَدْتُ مِنْ رَعْي
الغَنَم ، وَتَعَلَّمْتُ الصَّبْرَ والرِّفْقَ . صَبَرْتُ عَلى رَعْيِها ،
وجَمْعِها بَعْدَ تَفَرُّقِها ، ونَقْلِها مِنْ مَكانٍ إلى مَكَان ، وحِمايتها
مِنَ اللصُوصِ والحَيَواناتِ المُفْتَرِسَة ، وعَلِمْتُ اختلافَ طِبَاعِهَا وَشِدَّةَ
تَفَرُّقِهَا واحتياجَها إلى الرِّعايةِ والعِناية ، وَفَهِمْتُ مَعنى التواضعِ
والرَّأفة ، واعتادَ قَلْبي عَلى الخَلْوَةِ والعُزلةِ والابتعادِ عن الناسِ . ولا
شَكَّ أنَّ مُخَالَطَةَ الغَنَمِ تُؤَثِّر في النَّفْسِ ، وَتَزْرَع فِيها أخلاقًا
وأحوالًا تُنَاسِب طِبَاعَها ، وتُلائِم أحوالَها .
وكُلُّ المُؤشِّرات تَدَلُّ
على أنَّني سَأقْضِي حَيَاتي في رَعْي الغَنَمِ . كُنْتُ طِفْلًا في السادسة مِنَ
العُمر ، لا مُستقبَل لِي إلا هَذه المِهْنَة في هَذه القَرية المَعزولة التي
لَيْسَ فِيها مَدرسة ولا مَصْنَع ولا نادٍ ولا شَرِكَة ولا مَلْعَب ولا عِيَادة
طِبِّية . لا يُوجَد فِيها شَيْء سِوى غُبار الذكريات . ولكنَّ الإنسانَ لا
يَعْرِفُ ماذا يَنْتظره، ولا يَدْرِي ماذا يُخبِّئ لَهُ القَدَرُ . قَدْ
يَتَغَيَّرُ كُلُّ شَيْء في لحظة نَحْوَ الأفضل ، وَقَدْ تَسُوءُ الأُمُورُ
وتَزداد تَعْقِيدًا . إنَّها الفَوْضَى قَبْلَ الهُدوءِ أو الدَّمَار .وأحيانًا ،
يَكُون الهُدوء الذي يَسْبِقُ العاصفةَ .
14
في بِدَايَةِ صَيْفِ 1978 ،
كُنْتُ مُسْتَغْرِقًا في رَعْي الغَنم ، ومُسْتَمْتِعًا بِهَذه المِهْنَة .
رَكَّزْتُ كُلَّ تَفْكيري فِيها ، فَهِيَ أملُ حَيَاتي ، وطريقُ مُسْتَقْبَلي .
ولا تُوجَد أيَّة إشارة تَدُلُّ عَلى حُدوث تَغيير في أيَّامي التي تَسيرُ
بِبُطْءٍ شديد في هَذه القَريةِ المَيتة . اسْتَسْلَمْتُ لِمَصِيري ، وَرَضِيتُ
بِقَدَري .
المُفَاجَأةُ التي قَلَبَتْ
نِظَامَ حَيَاتي كَانتْ صادمةً وجَذَّابَةً في آنٍ مَعًا . زَارتْ قَرْيَتَنَا
امرأةٌ كبيرةُ السِّنِّ تَظْهَر عَلَيها عَلاماتُ الغِنَى والرُّقِيِّ والأناقةِ.
يُرافِقُها الأستاذ بشير ياسر، وَهُوَ شابٌّ مُثَقَّفٌ مِنْ قَرْيَتِنَا ، ولكنَّه
تَعَلَّمَ في العاصمة ، وَقَضَى فِيها سَنَوَات طويلة. وكُنْتُ دائمًا أراه
يَحْمِلُ كُتُبًا ضَخمةَ الحَجْمِ ، وَلَمْ أَجْرُؤْ على الاقترابِ مِنْه، بسبب
هَيْبَتِهِ الكَبيرةِ وشاربِه الكثيف .
أَخَذَ الأستاذ بشير يُعرِّف
المَرْأةَ الكبيرةَ عَلى مَعَالِمِ قَرْيتنا البائسة التي لا يُوجَد فيها شَيْء
يَسْتحق أنْ يُسَمَّى مَعَالِم ، ولكنَّها كَلِمَة مَجَازِيَّة . وأيضًا ،
عَرَّفَهَا على كِبار القَريةِ مِثْل المُختار " أبو حَسَن " ، ومَسعود
صاحب الدُّكَّانَة ، وغَيْرِهِمَا ، ثُمَّ قَدَّمَهَا لَهُمْ بِقَوْلِه :
_ هَذه المُحْسِنَةُ الكبيرةُ
السَّيدةُ جيجي ، سَوْفَ تَبْني مَدرسةً في القَريةِ على نَفَقَتِهَا الخَاصَّة .
هذه العِبارةُ السِّحْرية
كانتْ كَفيلةً بِبَعْثِ الرُّوحِ في هَذه القَريةِ المَيتة التي تُشْبِهُ الجُثَّة
الهامدة. انتشرَ الخَبَرُ بَيْنَ الناس ، وَعَمَّ الفَرَحُ في تفاصيل القَرية ،
حَتَّى صارتْ كَالعَرُوسِ التي تَسْتَعِدُّ لِحَفْلِ زِفَافِهَا بَعْدَ فَترةٍ
طويلة مِنَ العُنوسةِ وفِقدانِ الأمل .
طَلَبَ الأستاذ بشير مِنْ
أهْلِ القَريةِ أنْ يَجْمَعُوا أبناءَهُم الصِّغَار لإلقاءِ التَّحِيَّةِ
والسَّلامِ عَلى المُحْسِنَةِ الكبيرة السَّيدة جيجي . وَقَفَ الأطفالُ في طابور ،
وَكُنْتُ بَيْنَهُم بَعْدَ أنْ سَحَرَتْني فِكرة المَدرسة ، فأنا أُحِبُّ العِلْمَ
والتَّعَلُّمَ والدِّراسةَ ، وَلَكِنَّني كُنْتُ مَشغولًا بالتِّجَارةِ ثُمَّ
رَعْي الغَنَم .
كانَ الأطفالُ الذينَ قَبْلي
يُسَلِّمُونَ على السَّيدة جيجي ، ثُمَّ يُقَبِّلُون يَدَهَا . وعِندَما جاءَ
دَوْري للسَّلامِ عَلَيْهَا ، جاءتني فِكرة عَبقرية تُميِّزني عن باقي الأطفال ،
وَهِيَ أنْ أُقَبِّلَ يَدَهَا ثُمَّ أُقَبِّلَ قَدَمَيْهَا ، مِثْلَمَا فَعَلْتُ
معَ غدير تِلْك المَرأة العارية . سَيَكُون هَذا الأمرُ شديدَ التأثير في
نَفْسِهَا ، وَتَحْزَن عَلَيَّ ، وتُشْفِق على وَضْعِي، ولا بُدَّ أنَّها
سَتُسَاعدني وأهلي مَا دَامَت امرأةً غَنِيَّة مُقتدِرة ماليًّا.
جَاءَ دَوْري ، وقُلْتُ في
نَفْسِي : هَذه فُرصتك الذهبية يا هِشَام التي لَنْ تَتَكَرَّر ، وإذا ضاعتْ ضاعَ
كُلُّ شَيْء ، وانتهى الحُلْمُ الجميل . أمسكتُ يَدَهَا اليُمنى المَليئة بالخواتم
البَرَّاقَة ، وقَبَّلْتُهَا ، ثُمَّ ارتَمَيْتُ على قَدَمَيْهَا أُقَبِّلُهَما .
فُوجِئَتْ بِهَذه الحَرَكَةِ الخاطفة ، وَخَجِلَتْ ، وارتَبَكَتْ ، ومَا كانَ
مِنها إلا أنْ رَفَعَتْني بِيَدَيْهَا الناعمتَيْن ، وقالتْ بِنَبْرَةٍ تَفِيضُ
بالحَنَانِ والأُمُومة :
_ لا تَفْعَلْ هَذا يا ابْني ،
أنا مِثْل أُمِّكَ الحريصة عَلَيْكَ ، وتُريدُ لكَ الخَيْرَ .
وَضَمَّتْني إلى صَدْرِهَا ،
وَشَعَرْتُ بِقَطَرَاتٍ مِنَ دَمْعِ عَيْنَيْهَا تَتَسَاقط على شَعْرِ رَأسي .
كانَ مَسعود واقفًا إلى جانبها
، وعِندما رأى هَذا المَشْهَدَ ، قالَ بِحَماسةٍ شديدة :
_ هَذا هِشَام وَلَدٌ عَبقري ،
وأذكى طِفْل في القَريةِ ، ولكنَّه شَحَّاذ ابن شَحَّاذين . يَعْمَل راعي غَنم
مِثْل أبيه ، وأُمُّهُ خَدَّامة في البُيوت ، وأُخته الصغيرة مُعَاقَة ومَشْلُولة
، ويَعيشون في زَريبة أبقار .
كُنْتَ مِثْلَ السفيرِ الذي
يُقَدِّمُ أوراقَ اعتمادِه ، أوْ كطالبِ الوظيفة الذي يُقَدِّمُ سِيرته الذاتية
المُشتملة على شَهاداتِه العِلمية ومُؤهِّلاتِه ومَواهبِه . وَشَرُّ البَلِيَّةِ
مَا يُضْحِكُ .
لا أعْرِفُ هَلْ أرادَ مَسعود
إذلالي وإهانتي والانتقامَ مِنِّي ، لأنَّني تَرَكْتُ العَمَلَ في دُكَّانَتِه ،
وَلَمْ أَعُدْ أبيع المَنسوجات النِّسائية التي تَصْنَعُها ابْنَتُهُ سَمَاح
العانس ، أوْ أنَّه أرادَ التأثيرَ على السَّيدة جيجي كَيْ يُثير عواطفَها
تُجَاهِي ، ويُهيِّج مَشاعرَها نَحْوِي ، فَتَحْزَن عَلَيَّ ، وتُشْفِق عَلى أهْلي
، وَتَتَعاطف مَعَنَا ، وتُقَرِّر مُسَاعَدَتَنَا ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَيْنَا ،
والإحسانَ إلَيْنَا . هَلْ نِيَّة مَسعود صافية وصادقة أوْ أنَّه خَبِيث يُتْقِن
الكَلامَ المُبَطَّنَ ، ويُخَبِّئ المَعنى بَيْنَ السُّطُور ؟ . لا أدري ، ولا
أُريدُ أنْ أظْلِمَه . وَعَلى أيَّة حال، إنَّ الخَوَاتم البَرَّاقَة في أصابعِ
السَّيدة جيجي كَفيلة بإخراجِنا مِنْ زَريبةِ الأبقارِ ، وَتَوفير بَيْت فَخْم
لَنَا للعَيْشِ فِيه . وَنَحْنُ نَقْبَلُ المُساعدةَ والصَّدَقَاتِ مِنْ جَميعِ
الناسِ بِدُون تَمْييز ، ولا حَسَاسِيَّات . والناسُ يَعْرِفُون وَضْعَنا البائسَ
، ويُرْسِلُون لَنَا بَعْضَ المَالِ ، وَبَقَايا طَعَامِهِم ، ومَلابسَهم
المُسْتَعْمَلَة التي يُريدون التَّخَلُّصَ مِنها .
قَرَّرَت السَّيدةُ جيجي
زيارةَ بَيْتِنا الحقير ، للاطِّلاعِ عَلى وَضْعِنا المَعيشيِّ على أرضِ الواقعِ .
جاءتْ بِرِفقةِ الأستاذ بشير ، وَمَشَيْتُ مَعَهما لإرشادِهما إلى مَوْقِعِ
البَيْتِ ، وكُنْتُ طِيلة المسافة أمْسَحُ الغُبار عَن حِذَائِها ، وانتقلَ مِنَ
الفَردةِ اليمين إلى الفَردةِ الشِّمال ، وبالعكس ، مِنْ أجْلِ التأثيرِ عَلَيْهَا
، والحُزْنِ عَلَيَّ . ففي تِلْك الفَترةِ السَّوداءِ مِنْ حَيَاتي التَّعيسة ،
تَوَصَّلْتُ إلى قناعة ونظرية فَلسفية،وَهِيَ أنَّ تَقْبيل قَدَمَي الشخص أوْ
مَسْح حِذائه ، سَيَكُون أشدَّ تأثيرًا مِنْ تَقْبيلِ يَدَيْه، ويُثير الحُزْنَ
والألَمَ والشَّفَقَةَ،ويُؤَدِّي إلى الإحسانِ والمُساعدة. وبالتالي ، أُحَقِّق
مَصْلحتي ومَنْفعتي. وَقَد ابتعدتُ عَن هَذه النظرية بسبب انشغالي برعي الغَنم ،
والابتعادِ عن الناسِ ، واعتزالِ الحَياة الاجتماعية ، أمَّا الآنَ مَعَ وُجود
السَّيدة جيجي التي هَبَطَتْ على قَرْيتنا لإنقاذِنا وتَخليصِنا مِنَ الشَّقَاء ،
فلا بُد مِنْ إثارةِ عَواطفِها ومَشاعرِها كَيْ تُساعدنا . وَمِنَ الواضح أنَّ
لَدَيْهَا أموالًا كثيرةً لا تَعْرِفُ كَيفيةَ إنفاقِها ، ولا أيْنَ تَذهَب بِها .
قُلْتُ لَهَا ، وأنا أمْسَحُ
حِذاءَها ، مُنْتَقِلًا مِنْ جِهَةِ اليمينِ إلى جِهَةِ الشِّمال والعَكْسِ :
_ أبوس يَدَيْكِ يا سَيِّدتنا،
أرجوكِ أنْ تُساعديني ، نَحْنُ فُقراء مَنْسِيُّون ، نعيش في زَريبةِ الأبقار،
لَيْسَ لَنَا أحلام ولا مُستقبَل . أرجوكِ ، أخْرِجينا مِنْ هَذه الزَّريبة كَيْ
نَعيش مِثْلَ باقي أهْلِ القَرية .
نَظَرَتْ إلَيَّ بِعَيْنَيْن
دَامِعَتَيْن ، وقالتْ :
_ لا تَقْلَقْ يا ابْني ،
اللَّه يُقَدِّرني على فِعْلِ الخَير ومُساعدتكم .
وَقَفَ أبي بِطُولِهِ الفارعِ
على بابَ الزَّريبة المَخلوع ، واستقبلَ السَّيدة جيجي والأستاذ بشير ، وَرَحَّبَ
بِهما ، ودَعَاهُما إلى الدُّخُول ، وَجَلَسَا على كُرْسِيَّيْن بَسِيطَيْن ،
وَجَلَسَ أبي على الأرضِ ، وَبَقِيتُ واقفًا . وأُمِّي لَمْ تَكُنْ مَوجودةً،
لأنَّها تَخْدُمُ في البُيُوت .
قالَ أبي مُعَرِّفًا بِنَفْسِه
:
_ أنا أبو ناصر ، والد هِشَام
، وأنا آسِف ، وأرجو المَعْذِرة ، البيت مُش قَد المقام .
قالَ الأستاذ بشير بِلَهجةِ
مُؤدَّبة :
_ وُجُودي مَعَكَ شرف لي يا أخ
" أبو ناصر "، والبَيْتُ بأهْلِه لا بِحِجارته .
وتابعَ كَلامَه مُعَرِّفًا
بالسَّيدة :
_ المُحْسِنَةُ الكبيرة
السَّيدة جيجي ، سَوْفَ تَبْني مَدرسةً ابتدائية لأطفالِ القَرية ، والدِّراسة
سَتَكُون مَجَّانِيَّة مَعَ وَجبةِ فُطور لِكُلِّ تِلميذ تَتَكَوَّن مِنْ سندويش
جُبْنَة وتُفَّاحَة وكُوب حَليب ، لِتَغذيتهم ، وتَقْويةِ عِظَامِهم وأجسامِهم .
وَجميعُ النَّفَقَاتِ تَتَكَفَّل بِها السَّيدة جيجي .
عِندما سَمِعْتُ هَذا الكلامَ
كِدْتُ أطيرُ مِنَ السَّعَادةِ ، أردتُ بعقلي الطُّفوليِّ البسيط أنْ أهْجُمَ
عَلَيْهَا وَأُقَبِّلَ يَدَيْهَا وقَدَمَيْهَا . لا أُصَدِّقُ مَا أسْمَعُ ، هَلْ
هَذا وَاقِعٌ أَمْ حُلْمٌ ؟ ، حقيقة أَمْ خَيَال ؟ . دِراسةٌ مَجَّانِيَّة ،
ووجبةُ فُطور مَجَّانِيَّة . وَرُبَّمَا تُقَدِّمُ مالًا للتلاميذ . أنا أسعدُ
طِفْلٍ في العَالَمِ . اللَّه يُبارك فيكِ يا سَيِّدَة جيجي ، ويَمْنحك السَّعادةَ
كَمَا مَنَحْتِهَا لطفلٍ بائس في السادسة مِنَ العُمر في قَريةٍ مَنْسِيَّة ،
كُلُّ شَيْء في حَياته مُحَطَّم بِلا أملٍ ولا مُستقبَل .
لَكِنَّ الشَّيْء الذي
يُحَيِّرُني هُوَ اسْمُ جيجي ، هَلْ هُوَ اسْمُها الحقيقي أو اسْمُها الفَنِّي أو
اسْمُها الحَرَكي أو اسم الدَّلَع ؟ . لَمْ أتَمَكَّنْ مِنْ مَعرفةِ ذلك ، وكانَ
الأمرُ بعيدًا عَنْ ذِهْنِ الطِّفْلِ الصغير الفقير في ذلك الزمن البعيد . وَمَا
سَيْطَرَ عَلى تَفْكيري هُوَ الدِّراسةُ ووجبةُ الفُطور ، وصارتْ حَيَاتي مَحصورةً
في أضلاعِ المُثَلَّثِ الرهيب : الجُبْنَة والتُّفَّاحَة والحَليب .
ابتسمَ أبي ، وَظَهَرَتْ
عَلَيْهِ عَلاماتُ السَّعَادَةِ عِندَما سَمِعَ كلامَ الأستاذ بشير ، وقال :
_ السَّيدة جيجي امرأة فاضلة ،
واللَّهُ يَحْفظها مِنْ كُلِّ شَر ، ويُبارِك فِيها وفِي مَالِهَا ، ويَجْعَل هَذه
المَدرسة في مِيزانِ حَسَنَاتِهَا .
وأردفَ أبي قائلًا :
_ ولكنْ بعد إذْنِ السَّيدة
جيجي ، لَدَيَّ سُؤال لِحَضرتها ، لماذا اختارتْ قَرْيَتَنَا المَنْسِيَّةَ لإنشاء
مَدرسة فِيها ؟ . هَذه القَرية لَيْسَ لها وُجود على الخَريطةِ ، والحُكومة لا
تَعْترف بِوُجودِها .
قَالت السَّيدةُ جيجي ، والاضطرابُ
يَتَسَلَّل إلى أعصابِها :
_ أنا والدةُ المُهندس الشَّاب
حُسَام يَعْقُوب،ابْني قُتِلَ في حادث سَيْر على الطريق الصَّحراوي قبل ثمانية
أشهر ، وأردتُ إنشاءَ مَدرسة لتخليد اسْمِه في أقرب قَرية مِنْ مَكان الحادث ،
وهَذا هُوَ سبب اختيار هذه القَرية .
دَمَعَتْ عَيْنَا أبي ، وقالَ
بِصَوْتٍ حزين :
_ اللَّه يَرْحمه ، ويَغْفر له
، ويَجعل الجَنَّةَ مَثْوَاه . أنا أعتذرُ مِنْكِ يا سَيِّدة جيجي لأنَّني
فَتَحْتُ بابَ الأحزانِ والمَواجعِ . أعْرِفُ شُعورَكِ وَأُقَدِّرُه ، لأنَّني
جَرَّبْتُه . لَقَدْ مَاتَ ابْني البِكْر ناصر ، وعُمره ثلاث سَنَوَات ، وَضَعْتُ
فِيه أحلامي وآمالي ، ولكنْ للأسفِ ، كُلُّ شَيْءٍ ضَاعَ وانتهى ، وَذَهَبَ ناصر
إلى غَيْرِ رَجْعَة .
وأشارَ أبي إلى صُورته على
الحائط القَذِر قائلًا :
_ لَقَدْ ماتَ ، وغابَ
جَسَدُهُ الطَّرِيُّ في التُّرابِ القاسي ، ولكنَّه بَقِيَ صُورةً مَحبوسةً في
بِرْوَاز عَلى الحائط .
حَدَّقَت السَّيدةُ جيجي في
صُورة أخي ناصر ، كَأنَّ الرِّياح تَتلاعب بِشَعْرِهِ الناعم ، والبَرْق والرَّعْد
يَتقاطعان في عَيْنَيْهِ اللامِعَتَيْن ، والسَّنابل تَنْمُو في خُدودِه
الطَّرِيَّة ، وَيَكَادُ رَنينُ ضِحْكَتِهِ العالي يُمَزِّقُ قَمِيصَه الأزرق ،
الذي تَصَدَّقَ بِهِ أحَدُهُم عَلَيْنَا ، وَأَعْطَوْهُ لأُمِّي الخَدَّامة ،
حُزْنًا عَلَيْهَا، وَشَفَقَةً على طِفْلِهَا البائسِ الفقير ، ورَحمةً بِهَذه
الأُسْرَة التي لَيْسَ لَهَا مَاضٍ ولا حَاضِر ، ولا أعْرِفُ إنْ كانَ لَهَا
مُستقبَل أَمْ لا .
قالت السَّيدةُ جيجي
وَالحُزْنُ يَبْتَلِعُهَا شيئًا فشيئًا :
_ اللَّه يرحم ابنك "
ناصر " ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ في ابنك هِشَام ، لَقَدْ أخبروني أنَّه طِفْل
ذكي وشاطر ، وأنَّ لَهُ مُسْتَقْبَلًا باهرًا وَمُشْرِقًا .
وأردفتْ قائلةً :
_ لا أُريدُ أنْ أتدخَّل في
خُصُوصِيَّات العائلة يا أخ " أبو ناصر " ، ولكنْ عِندي سُؤال عَن ابنتك
المَشلولة ، وأنا آسِفَة على هَذا التَّعبير . مَا هِيَ قِصَّتُهَا ؟ .
_ سُؤالُكِ عَنها دليلٌ على
أخلاقكِ وإحسانكِ وطِيبِ أصْلِكِ يا سَيِّدة جيجي . هَذه أصغرُ بَنَاتي ، اسْمُها
ظَبْيَة، وُلِدَتْ طَبيعية وَبِصِحَّة جَيِّدة ، واحْتَفَلْنَا بعيدِ مِيلادِها
الأوَّل ، وصارَ عُمْرُهَا سَنَةً واحدة . وفي أحَدِ الأيَّامِ ، عادتْ أُمُّهَا
في الليلِ مُتْعَبَةً وَنَعْسَانَة مِنْ كَثرةِ الخِدْمَةِ في البُيوت ، وَهِيَ
تَحْمِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهَا ، فَتَعَثَّرَتْ بقطعة خَشَب كانتْ على عَتَبَةِ
البَيْتِ ، فَسَقَطَتْ وَسَقَطَت البِنْتُ مِنْ يَدَيْهَا ، واصطدمَ رَأسُها
بالأرضِ ، وانكسرَ عَمُودي الفِقري . أخذتُ البِنْتَ إلى عِيادة طِبِّية في إحدى
القُرى المُجاورة ، ولكنَّ التَّجهيزات بسيطة ، والمُعَدَّات بِدائية ، وَأَجْرَوْا
لَهَا إسعافات أوَّلية ، وَلَكِنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا على عِلاجِها ، وَصَارَتْ
مُنذُ ذلك اليوم مَشلولةً ، وعَاجزة عَن الحَرَكَةِ، وتَحْتَاج إلى رِعَاية
صِحِّية يَومية . وأُمُّهَا تَبْكي عَلَيها ليلًا ونهارًا ، وَتُحَمِّل نَفْسَها
المَسؤولية، وَتَتَمَنَّى لَوْ تَمُوتُ البِنْتُ لِكَيْلا تَعيشَ حَيَاتَهَا في
عَذابٍ دائم ، ثُمَّ تَستغفر اللَّهَ ، وَتَطْلُب مِنْهُ أنْ يُسَامِحَهَا
ويَتجاوز عَنْهَا .
تأثَّرَت السَّيدةُ جيجي بهذا
الكلام ، فَهِيَ امرأة عاطفيَّة رقيقة، وقالتْ والألَمُ يَعْصِرُ خُدودَها :
_ إنْ شَاءَ اللَّه سَوْفَ أُرْسِلُهَا
إلى العِلاج في أحدث مُستشفى في العاصمة تحت إشرافِ كِبَارِ الأطباءِ . وأرجوك يا
أخ " أبو ناصر " أنْ تَعتبرني مِثْلَ أُخْتِكَ ، وتَقْبَل هَذا
المَبْلَغَ الماليَّ المُتَوَاضِع لِتَحسينِ وضع عائلتك، والانتقال مِنْ هَذه
الزَّريبة ، وآسِفَة على هذه الكلمة ، إلى بَيْت جَيِّد .
وَفَتَحَتْ حَقِيبَتَهَا
الجِلْدِيَّة الفَخْمَة، وأخرجتْ مُغَلَّفًا فِيه مَبْلَغ مِنَ المَالِ ، خُيِّلَ
إلَيَّ في تِلْك اللحظة أنَّه مَبْلَغ كَبير، لأنَّني شَعَرْتُ أنَّه ثقيل،
وَلَسْتُ أدْرِي هَلْ كانَ ثقيلًا بالفِعْلِ أَمْ تَخَيَّلْتُهُ كذلك.
وَعلى أيَّة حال، أخذَ أبي
المَبْلَغَ وخَبَّأه ، وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْهُ شيئًا ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ
وَضْعُنا إلى الأفضلِ، بَلْ بَقِينا نَعيش في زَريبة الأبقار . وَمَا أحْزَنني
أشدَّ الحُزْنِ هُوَ أنَّني كُنْتُ السَّبَبَ في إحضارِ السَّيدةِ جيجي إلى
بَيْتِنا ، وَمَسَحْتُ حِذَاءَهَا طِيلة الطريق حَتَّى تَعِبْتُ ، وكُلُّ هَذا
مِنْ أجْلِ تَغْيير حَيَاتِنَا ، وأنْ نَعيش في بَيْتٍ مُحترم مِثْلَ باقي أهْلِ
القَرية ، ولكنْ للأسفِ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْء ، وَذَهَبَتْ جَمِيعُ جُهودي
أدراجَ الرِّياحِ ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ هَذه الرِّحلة الشَّاقَّة غَيْرُ أبي،
الذي وَضَعَ المَالَ في جَيْبِه .
15
صارت المَدرسةُ واقعًا
مَلموسًا. اسْمُها المَوجود على لافتة كبيرة : " مَدرسةُ المَأسُوفِ عَلى
شَبَابِه المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية " . لَمْ أَفْهَمْ مَعنى عِبارة:
المأسوف على شبابه ، في ذلك الحِين ، وَلَكِنَّني اعْتَبَرْتُهَا جُزْءًا مِنْ
خُطَّة التَّعليم في المَدرسة . وعلى أيَّة حال ، كانَ تفكيري مُرَكَّزًا على
العِلْمِ وَوَجْبَةِ الفُطور ، وكُنْتُ أرى في أحلامِ اليَقَظَةِ أنَّني أسْبَحُ
في نَهْرٍ مِنَ الحليب ، وَتَتَساقطُ عَلَيَّ حَبَّاتُ التُّفَّاح ، وطُيورُ السَّماءِ
تَنْقُلُ سندويشات الجُبْنَة إلى المَدرسة ، وتُوَزِّعُها عَلى التلاميذ ،
خُصُوصًا الفُقَراء والجَوْعَى مِنْهُم .
تَبَرَّعَ المُختارُ أبو حَسَن
بِقِطعة أرض صغيرة للمَدرسة عَنْ رُوحِ أُمِّهِ المَرحومة ، وَبَنَت السَّيدةُ
جيجي المَدرسةَ على قِطعة الأرض بأموالِها . لَمْ تَكُنْ مَدرسةً فَخْمَة وضَخْمَة
، ولكنَّها جميلة ونظيفة ، فِيها سَاحَة يَقِفُ فِيها التلاميذُ في الطابور
الصَّبَاحِيِّ ، وَتُسْتَخْدَم مَلعب كُرة قَدَم في حِصَّة الرِّياضة . مَدْرَسَتُنَا
الصَّغِيرةُ الأنيقةُ تَتَكَوَّن مِنْ أربع غُرَف ، ثلاث غُرَف صَفِّية ، وغُرفة
للإدارة ، يَجتمع فِيها المديرُ والمُعَلِّمُون ، وكانوا جَميعًا شَبَابًا في
العِشرينات مِنْ أبناء القَرية يَعْمَلُون مُتَطَوِّعين لِعِدَّةِ ساعات
يَوْمِيًّا ، ولا يَتَقَاضَوْنَ رواتب شَهرية مُنْتَظَمَة ، وإنَّما مُكَافآت
ماليَّة مِنَ السَّيدة جيجي . ومَا ضَايَقَني هُوَ عدم وُجود حَمَّامَات في
المَدرسة . كُلُّ طَالبٍ إذا أرادَ قَضَاءَ حَاجَتِه ، فإنَّه يَخْرُج مِنَ
المَدرسة، ويَذهَب إلى مَنطقة بعيدة لا يَرَاه فِيها أحد ، ثُمَّ يَعُود .
كُنَّا أطفالًا سَاذَجِين
جِئْنَا مِنْ عَائلات قَرَوِيَّة بسيطة، والاختلافاتُ الطبقية بَيْنَ الطُّلابِ
صغيرةٌ. والغِنى والفَقْرُ يُنظَر إلَيهما بشكل نِسْبِيٍّ . فالتِّلميذُ الذي
تَمْلِكُ عَائِلَتُهُ بَيْتًا وقِطْعة أرض أوْ أكثر ، نَعْتبره مِنَ الأثرياءِ
المَحْظُوظين. والتِّلميذُ الذي يأكل ثلاث وَجَبَات يوميًّا: الفُطُور والغَدَاء
والعَشَاء ، نَعْتبره مِنْ عِلْيَةِ القَوْمِ،والتِّلميذُ الذي تَمْلِكُ أُمُّهُ
خواتم وأساور مِنَ الذَّهَبِ،نَعْتبره مِنْ أرقى العائلات.
مِنْ أجْمَلِ ذِكرياتِ حَيَاتي
تِلْكَ الأيَّام التي قَضَيْتُهَا في المَدرسة الابتدائية ، فَهِيَ أوَّلُ
تَجْرِبَة دِراسيَّة ، مَعَ أنَّني دَرَسْتُ في كُتَّابِ الشَّيْخِ جَعفر هِشَام
عبد الهادي عِدَّة أشهُر ، حَتَّى تَعَلَّمْتُ القِراءةَ والكِتابةَ بشكل بسيط ،
وَحَفِظْتُ قِصَارَ السُّوَرِ القُرآنِيَّة الكريمة ، وأتقنتُ الحِسَابَ ،
وحَفِظْتُ جَدْوَلَ الضَّرْبِ . وهَذا جَعَلَني مُتَفَوِّقًا على التَّلاميذ
الأُمِّيين الذينَ لَمْ يَذهَبوا إلى الكُتَّاب .
زَمَنُ الطُّفُولةِ بِمَا فِيه
مِنْ فِطْرَةٍ وبَرَاءةٍ مَغروسٌ في الأحلامِ البعيدةِ والذكرياتِ المَكسورةِ .
أمكنةٌ تَختلِطُ فِيها البَرَاءَةُ والطُّفُولَةُ بِنَزِيفِ الأيَّامِ وَقَسْوَةِ
الطبيعة . مَدْرَسَتُنَا تُشْبِهُ لَوْنَ جُلُودِنا اليابسة .
كانتْ أُمِّي تَضْرِبُني كَي
أستيقظَ مُبَكِّرًا ، وَتَتَعَذَّبُ أشدَّ العَذابِ كَيْ أَصِلَ إلى المَدرسةِ في
المَوْعِدِ المُحَدَّدِ . في بِداية اليَوْمِ الدِّراسيِّ ، نَقِفُ في طابورِ
الصَّبَاحِ صُفُوفًا مُتوازية ، وَنَقُوم بالتمارين الرِّياضية التي مِنْ شَأنِها
تَنشيط الجِسْمِ والعَقْلِ ، تَحْتَ إشرافَ مُعلِّم الرِّياضة . نَدْخُلُ إلى
الغُرَفِ الصَّفِّية الصغيرة ، حِيطانُها حُفِرَتْ عَلَيْهَا أحلامُنا ،
وَسُقُوفُهَا نُحِتَتْ عَلَيْهَا ذِكْرَيَاتُنا . يَنْتهي الدَّوَامُ المَدرسيُّ ،
وَنَعُود إلى بُيُوتِنا مُحَمَّلِين بالأشواقِ والحنين . هُناك تَلاميذ يَنْتظرون
جَرَسَ الانصرافِ مِنَ المَدرسةِ كَيْ يَنْطلقوا كالسُّجَنَاءِ الذينَ كانوا
مَحبوسين في الزَّنازين ، ثُمَّ صَدَرَ قَرَارُ الإفراجُ عَنْهُم . وإذا غابَ
المُعَلِّمُ يَطِيرُون مِنَ الفَرَحِ والسَّعَادَةِ ، لأنَّ غِيَابَه يَعْني مَزِيدًا
مِنَ الضَّحِكِ واللَّعِبِ والثَّرثرةِ . كُنَّا جَمِيعًا أطفالًا أبرياء وأشقياء
في آنٍ معًا ، لَكِنَّ الوَقْتَ مَضَى وَانْقَضَى ، والزَّمَنُ لَنْ يَعُودَ .
أيَّامُ الطُّفُولَةِ سَحَرَتْ
ذَاكِرتي ، وأرْهَقَتْهَا بالذِّكريات . لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأيَّامُ جُزْءًا
مِنَ حَيَاتي ، بَلْ هِيَ حَيَاتي كُلُّهَا ، لأنَّ فِيها بَرَاءة الحِكَايَاتِ
وَبَكَارَة الأحلام . عُدْنَا نَحْنُ الأطفال إلى رَحِمِ أُمِّنَا الأرضِ ،
وَاتَّحَدْنَا مَعَ الطَّبيعةِ النَّقِيَّة التي لَمْ تُلَوَّثْ . هَرَبْنَا مِنْ
جُلُودِنا الضَّيِّقةِ إلى خَيَالِنا الواسع ، عِشْنَا أوقاتًا لا تُنْسَى في
حَيَاةٍ سَوْفَ يَمْلَؤُهَا النِّسْيَانُ فِيما بَعْد.هَذه الأوقاتُ التي ذَهَبَتْ
وَلَنْ تَعُودَ، تُمَثِّل عوالمَ الاكتشافِ والتَّنْقِيبِ . حَيْثُ اكتشفتُ ذاتي
في انكساراتي ، وَنَقَّبْتُ عَنْ حَيَاتي في انتحاراتي . وَبَعْضُ ذِكرياتِنا
أفضلُ مِنْ كُلِّ مَا يُمْكِن أنْ يَحْدُثَ لَنَا ثانيةً . قَدْ نَغِيبُ
كَالغُروبِ ، وَقَدْ يُلْهِينا الزَّمَنُ ، ولكنْ يَبْقَى نَبْضُ القَلْبِ حَاضِنًا
لِوُجُوهِ الأصدقاءِ القُدَامَى، ولا يَنْسَاهُم .
لا أُحِبُّ أنْ ألعبَ دَوْرَ
المُؤرِّخ التاريخيِّ للحِقَبِ الزَّمنية المُختلفة، وَلَكِنَّني عِندما أعُودُ
بالذاكرةِ إلى فَترةِ دِرَاستي في " مَدرسةُ المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه
المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية " التي اسْتَمَرَّتْ ثلاثة أشهر فقط (
أيلول ، وتَشْرين الأوَّل ، وَتَشْرين الثاني ) مِنَ العام 1978 ، أجدُ أنَّ الأحداث
عِبَارة عَنْ مَشَاهِد مُتَقَطِّعَة ومُنفصِلة ، وَلَيْسَتْ مَسَارًا خَطِّيًّا مَنطقيًّا
مُتَسَلْسِلًا . نَسِيتُ تفاصيلَ حَيَاتي في هَذه المَدرسةِ ، ولكنْ عَلِقَ في
ذِهْني مَشاهد مُتَفَرِّقَة ، وَلَوْحَات بَصَرِيَّة مُتناثرة .
مِنْ أسوأ الأمُورِ التي
أتَذَكَّرُهَا أنَّني سَقَطْتُ عَنْ سُورِ المَدرسةِ بَعْدَ أنْ تَحَدَّيْتُ بعضَ
أصدقائي بالقفزِ فَوْقَه ، وَقَدْ جُرِحْتُ في رَأسِي ، وأتذكَّرُ أنَّ التلاميذ
حَمَلُوني إلى غُرفةِ الإدارةِ ، وكانَ فِيها الأستاذ بشير ياسر ، حَيْثُ رَكَضَ
نَحْوي عِندَما رَأى دَمِي يَسِيلُ على وَجْهي ، وأجْرَى لِي بعضَ الإسعافات
الأوَّلية . نَظَّفَ الجُرْحَ وَطَهَّرَه ، وَوَضَعَ قُطنة على الجُرْحِ ،
وَثَبَّتَهَا بشريطٍ لاصِق ، وَأوْقَفَ النَّزِيفَ. والحمدُ للَّهِ أنَّهُ كانَ
مَوجودًا في غُرفةِ الإدارةِ ، وإلا لَكُنْتُ الآنَ في عِدَادِ الأمواتِ.
ولا يُمْكِن أنَّ أنْسَى أخي
بالرَّضَاعَةِ وَصَدِيقي سِمْعَان البَدَوي المَسِيحي. لا أعْرِفُ أيْنَ هُوَ الآن.
وَلَكِنَّني أعتذرُ مِنْهُ ، لأنَّني سَرَقْتُ جَرَسًا نُحَاسِيًّا مِنْ حَقيبته
المَدرسية ، وَبِعْتُهُ لراعي غَنَم في القَريةِ، وَوَضَعَهُ في عُنُقِ مَاعِز
ضِمْنَ القطيع ، وَفَرِحَ بِهِ كثيرًا . وَقَدْ أخْبَرَني سِمْعَان أنَّهُ جَرَسُ
عِيد المِيلاد ، وَقَدْ صَنَعَهُ خَالُهُ يَدَوِيًّا . كُنْتُ طِفْلًا بسيطًا
وسَاذَجًا ، وَتَعَوَّدْتُ أنْ أحْصُلَ عَلى أيِّ شَيْءٍ يُعْجِبُني . وَبَعْدَ
سَنَوَاتٍ طويلة مِنْ هَذه الحادثةِ، سَمِعْتُ أحَدَ أساتذتي في العاصمة يَقُولُ
إنَّ الجَرَسَ في عُنُقِ المَاعِزِ يُشْبِهُ حُرِّيةَ الصَّحَافَةِ في بِلادِنَا ،
فَهِيَ تُطْلِقُ رَنينَها كَيْفَمَا تَشَاء ، وفي النِّهايةِ تَعُودُ إلى حَظِيرةِ
الرَّاعي . وعِندَما سَمِعْتُ عِبَارَتَه ، تَذَكَّرْتُ جَرَسَ صديقي سِمْعَان .
كَمْ كانتْ سَعَادتي عظيمة
عِندما يُرْسِلُني المُعَلِّمُ في مُهِمَّة ، أشعرُ أنَّني زعيمُ الصَّفِّ ،
وقائدُ التَّلاميذ ، الذي نالَ ثِقَةَ المُعَلِّمِ ، وَلَدَيَّ القُدرة الفائقة
على إنجازِها ، وتَزداد ثِقَتي بِنَفْسِي ، وَأَحُسُّ أنَّني تِلْمِيذٌ مُمَيَّز،
وَطَالِبٌ مُجتهِد ، وأنَّ العَلاقة بَيْني وَبَيْنَ المُعَلِّمِ شديدة الترابط
والمَتَانة .
عِندَما يَطْلُبُ مِنِّي
المُعَلِّمُ الوُقوفَ أمَامَ تلاميذِ الصِّفِّ لإلقاءِ أُنشودةٍ أوْ قَصيدةٍ ،
بِصَوْتٍ مُعَبِّرٍ ومُرتفعٍ ، كُنْتُ أَحُسُّ أنَّني مَلِكُ الكَلِمَاتِ المُتَوَّجُ
عَلى عَرْشِ الأبجدية ، أوْ أنَّني رئيسُ الجُمهوريةِ الذي يُلْقِي خِطَابًا
مَصِيرِيًّا في مَجْلِسِ الشَّعْبِ .
أشعُرُ بِحُزْنٍ رَهيبٍ وألَمٍ عميقٍ ، عِندَما
يُغَادِرُ التَّلاميذُ المَدرسةَ . يَخْتفي الضَّجِيجُ ، ويَنْتَشر الصَّمْتُ
الجَارِحُ في المَمَرَّاتِ المُوحِشَة، وَيُسَيْطِر الفَرَاغُ عَلى تفاصيلِ
المَكَانِ ، وَتَدْخُلُ الأشياءُ في الغِيَابِ . إنَّهُ إحساسٌ بالعَدَمِ بَعْدَ
الوُجودِ ، وشُعورٌ بِفِقْدَانِ المَعْنى ، والانفصالِ بَيْنَ الذاتِ والواقعِ.
16
شَعَرْتُ طِيلةَ حَيَاتي أنَّني
أقَلُّ شأنًا مِنَ الآخَرين ، وأنَّ كُلَّ رِفَاقي أفضل مِنِّي ، وأعلى قَدْرًا
ومَنزلةً مِنِّي . سَيْطَرَتْ عَلَيَّ عُقْدَةُ الشُّعورِ بالنَّقْصِ ، وَهِيَ
شُعورٌ رهيب ودائم بالنَّقْصِ والدُّونِيَّة ، وَعَدَمِ الكَفَاءَةِ مُقَارَنَةً
معَ الآخَرين. وَغَرِقَ تَفْكيري في مُحاولةِ إثباتِ الذاتِ بشكلٍ مُفْرِط ، أو
الانسحابِ مِنَ المَواقفِ الاجتماعية ، والهُروبِ مِنَ المَاضِي ، والفِرَارِ مِنْ
نَفْسِي . تَعَرَّضْتُ للانتقادِ المُستمر ، والفَشَلِ المُتَكَرِّر . طُفُولَتي
كابوسٌ ، فَكَّرْتُ كثيرًا مَتى أفِيقُ مِنْه ، وكَيْفَ يَكُون ذلك ؟ . ضَاعَت
الطريقةُ في الطريقِ ، وَضَاعَ الطريقُ في أحلامِ الطُّفولةِ المَكسورة . حَيَاتي
غارقةٌ في الشَّقَاءِ والتَّعَاسَةِ رَغْمَ وُجود لحظات سعيدة ومواقف جميلة ،
ولكنَّها لحظات سريعة ، ومواقف عابرة .
أحْسَسْتُ أنَّني مَنبوذٌ ومُضْطَهَد.
تلاميذُ المَدرسةِ لا يُنادونني باسمي هِشَام، بَلْ يُنادونني " ابن
الخَدَّامة " ، باعتبار أنَّ أُمِّي تَعْمَلُ خَادمةً في البُيوتِ .
وكُلُّهُم رَفَضُوا صَدَاقتي ، وابْتَعَدُوا عَنِّي ، وَلَمْ يَرغَبوا أنْ أكُونَ
واحدًا مِنْهُم . أنا خارج الزمانِ والمَكانِ ، لَسْتُ مِنْهُم ولا مَعَهُم ، ولا
يُريدون أنْ أكُونَ بَيْنَهُم.هُناك تِلميذان فَقَط رَغِبَا في صَدَاقَتي: مُنْذِر
الأعمى، وَسِمْعَان البَدَوِي المَسِيحي .
كُنَّا الثلاثة نُشَكِّلُ
مَجموعةً واحدةً ، حَتَّى إنَّنا نَلْعَبُ في نَفْسِ فريق كُرة القَدَم .
والعَامِلُ المُشترَك بَيْنَنَا هُوَ أنَّ التَّلاميذ يُنادوننا بأسماء
أُمَّهَاتِنا ، ولَيْسَ بأسمائِنا. مُنْذِر هُوَ ابن الحُبْلَى ، وَسِمْعَان ابن
النَّصْرَانِيَّة ، وأنا ابن الخَدَّامة ، لَيْسَ هَذا فَحَسْب ، بَلْ كانوا
يَعْتبرون أبي ابْنَ حَرَامٍ ، لَيْسَ له عائلة ولا عشيرة ولا قبيلة ، جاءَ إلى
القَريةِ مِنْ خَارِجِهَا ، ولا يَنْتمي إلَيْهَا ، ولا أحد يَعْرِف أجدادَه.وبالتأكيدِ،
هُمْ يَسْمَعُون هَذا الكلامَ مِنْ آبائِهم وعائلاتِهم في بُيُوتِهم، ثُمَّ
يُرَدِّدُونه كالبَبَّغَاء . وَالمَصائبُ تَجْمَعُ المُصَابين ، والطُّيورُ على
أشكالِها تَقَعُ ، " وكُلُّ غَرِيبٍ للغَرِيبِ نَسِيبُ " .
مُنْذِر طِفْلٌ فقير ويتيم
وُلِدَ أعْمَى . أُمُّهُ تُحْضِرُهُ إلى المَدرسةِ وتُعِيدُه . يَحْتَاجُ إلى مَنْ
يَقُودُهُ ويَرْعَاه ويَعْتني بِه ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَن رِعَايَةِ نَفْسِهِ
والاعتناءِ بِهَا . لاحظَ التَّلاميذُ الأشقياءُ أنَّ بَطْنَ أُمِّهِ يَزْداد
حَجْمُهُ وَيَكْبَر شيئًا فَشيئًا، فأدركوا أنَّهَا حَامِلٌ وحُبْلَى مِثْل كُلِّ
النِّسَاءِ المُتَزَوِّجَات ، ولكنَّ الغريب العجيب أنَّ " مُنْذِر "
يتيم، أبُوه مَيت.فَكَيْفَ تَكُون أُمُّهُ حُبْلَى وأبُوه مَيت ؟!. هَذه المُشكلةُ
أكبرُ مِنْ عُقولِ الأطفالِ تلاميذ مَدرستنا، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِ لَقَب "
ابن الحُبْلَى "، وصارَ مُلازِمًا لَه ، ومُلْتَصِقًا بِه ، لا يُفَارِقُه . حَتَّى
أنا فَكَّرْتُ في هَذا المَوضوع بعقليةِ الطِّفْلِ البسيطة ، وَلَمْ أَجِدْ حَلًّا
لِهَذه المَسألةِ العَويصة . وَلَكِنَّني أشفقتُ على مُنْذِر، وحَزِنْتُ عَلَيْه،
لأنَّ الأطفالَ يَشْتُمونه بهذا اللقبِ، ويُعَيِّرُونه بِه، وَهُوَ عاجزٌ عَن الرَّدِّ
والمُوَاجَهَةِ لأنَّه أعمى ، يَخَافَ أنْ يَضْرِبَه الأطفالُ ، أوْ يَعْتَدُوا
عَلَيْه،وَهُوَ لا يَستطيع الدفاعَ عَنْ نَفْسِه،ولا يَقْدِر على حِمَايتها. وهَذا
جَعَلَني أُرَافِقُه ، وأعْتني بِهِ قَدْرَ استطاعتي، كَمَا أنَّني أجْلَسْتُهُ
إلى جَانِبي ، وكُنْتُ أقرأ وأكْتُب نِيَابَةً عَنْه ، وأشْرَح لَهُ الدُّرُوسَ.
والمُضْحِكُ المُبْكِي أنَّني
اعْتَبَرْتُهُ ابْنًا وتِلْميذًا لِي مَعَ أنَّنا طِفْلان في نَفْسِ السِّنِّ (
السَّادسة مِنَ العُمر ) . وكُلَّمَا رَأيْتُهُ تَذَكَّرْتُ أُختي ظَبْيَة
المُعَاقَة والمَشلولة . عُمْرُهَا سَنَة واحدة ، كُتلة لَحْم مُهْمَلَة وهَامشيَّة
. أحْمِلُها بَيْنَ يَدَيَّ ، وأنظُرُ في عَيْنَيْهَا اللامِعَتَيْن ، وخُدودِها
الوَردية . كَمْ تَمَنَّتْ أُمِّي أنْ تَمُوتَ أُخْتي ظَبْيَة لِكَيْلا تعيشَ في
العَذابِ ، وكَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ أعْطَيْتُهَا عُمري ، وتعيش صحيحةً سليمةً ،
وَمُتُّ أنا . انتهتْ حَيَاتي ، وَلَيْسَ لِي مُسْتَقْبَل ، هَكذا كانَ تَفْكيري
الطُّفولي السَّاذَج .
زُرْتُ بَيْتَ مُنْذِر ،
وَهُوَ يُشْبِهُ الكُوخَ ، ولكنَّه بالتأكيد أفضل مِنْ زَريبة الأبقارِ التي نعيشُ
فِيها . جَميعُ بُيوتِ التلاميذ أفضل مِنْ بَيْتِنا. نَحْنُ نعيش في القاعِ الذي
لا قاعَ تَحْتَه ، وَنَحْنُ أفقرُ عائلة في القريةِ على الإطلاق، وهَذا سبب شُهْرتنا
، وَصِرْنَا مَضْرِبَ المَثَلِ في الفَقْرِ والشَّقَاءِ والحِرْمَان .
جَلَسْتُ عَلى حَصيرةٍ بالية
معَ مُنْذِر وأُمِّه ، وقُلْتُ لَهَا والألَمُ ظَاهِرٌ عَلى مَلامحي :
_ يا خالة أُم مُنْذِر ، لا
دَاعِي أنْ تُحْضِري " مُنْذِر " إلى المَدرسةِ وتُعيديه ، أنا سَوْفَ
آتي إلى البَيْت ، وَأُقُودُه إلى المَدرسة ، وأُرْجِعُه إلَيْكِ كُلَّ يَوْمٍ
بِدُون تأخير .
نَظَرَتْ أُمُّ مُنْذِر إلَيَّ
بَعَيْنَيْن ذَابِلَتَيْن ، وقالتْ :
_ باركَ اللَّهُ فيكَ يا
هِشَام ، وجَزَاكَ اللَّهُ كُلَّ خَيْرٍ يا ابْني ، ولكنْ لا أُريدُ أنْ
أُتْعِبَكَ مَعِي ، وأُسَبِّب لأهْلِكَ القَلَقَ وَالإحراجَ ، فأنتَ كَمَا تَعْلَم
، مُنْذِر أعمى ، ويَحْتاج إلى رِعَاية خَاصَّة ، وَقَدْ يُؤَخِّرك عَن مَدرستك
وبَيْتِك .
_ بِصَراحة يا خالة، أنتِ
تُسَبِّبين لابنك مُنْذِر الإحراجَ بَيْنَ تَلاميذ المَدرسةِ ، فَهُمْ يَشْتُمُونَه
ويُعَيِّرُونه ويُلَقِّبُونه بلقبٍ سَيِّئ،وَهُوَ دائمًا يَبْكِي في
الصَّفِّ،وأخْبَرَني أنَّهُ لا يُريدُ العَوْدَةَ إلى المَدرسة.
_ مَا ذَنْبي أنا يا ابْني ؟ ،
ومَا عَلاقَتي بالمَوضوع ؟ . أنا مُجَرَّد أُم تُحْضِرُ ابْنَهَا إلى المَدرسةِ ،
وتُعيدُه ، ولا تَتَكَلَّم مَعَ مُعَلِّمٍ ، ولا تَتَحَدَّث مَعَ تِلْميذ .
ابْتَلَعْتُ رِيقِي،
وارتَبَكْتُ، وَتَلَعْثَمْتُ بالكلام، ولَمْ أعْرِفْ ماذا أقُول،ولا كَيْفَ
أُخْبِرُها بالمَوضوع. شَاهَدَتْ قَلَقي واضطرابي والفَوضى المُسيطِرة عَلَيَّ،
وقالتْ بعصبية واضحة :
_ احْكِ يا هِشَام يا ابْني ،
مَا هُوَ المَوضوع ؟ ، أنا تَعْبَانة نَفْسِيًّا وجَسَدِيًّا ، لا تُتْعِبْني أكثر
، ولا تَلْعَبْ بأعصابي .
امتلكتُ الشَّجَاعَةَ عَلى
الكَلامِ ، والجُرْأةَ على الحديثِ ، عَلى غَيْرِ العَادَةِ ، وَقُلْتُ بِثِقَةٍ
وقُوَّةٍ :
_ يا خالة ، أنتِ تأتين إلى
المَدرسة، وَبَطْنُكِ مَنفوخ، وَمُنْذِر يتيم أبُوه مَيت وَغَيْرُ مَوجود ، وأنتِ
حَامِل، لذلك التَّلاميذ يُلَقِّبُونَ ابْنَكِ " ابن الحُبْلَى " ، شتيمة
له ، وإهانة لَكِ .
_ عِشْنَا وشُفنا،هَلْ هَؤلاء
الأولاد يأتون للدِّراسةِ أَمْ لِمَعرفةِ قَضَايا الحَوَامِل ومَواضيعِ الحَبَالى؟.
زَوْجي المَرحوم أبو مُنْذِر حَبَّلَني قَبْلَ أنْ يَمُوتَ . وَضَعَ النُّطْفَةَ
في رَحِمِي وماتَ ، والنُّطْفَةُ تَنْمُو . وَعِندَما يُولَدُ الطِّفْلُ سَيَكُون يتيمًا
، وَلَيْسَ ابْنَ حَرَامٍ . الأبُ مَيت ، ولكنَّ اليتيم ابْنُ حَلالٍ .
لا أدْرِي لِمَاذا دَخَلْتُ في
هَذه القِصَّة ، ولا أعْرِفُ لِمَاذا أقْحَمْتُ نَفْسِي في هَذه الحِكَاية .
لَدَيَّ مِنَ العُقَدِ النَّفْسِيَّة والجِنْسِيَّة الشَّيْء الكثير ، وَبِدَايَةُ
هَذه العُقَدِ هِيَ غدير المرأة العارية وَزَوْجُها العاري ، ولا أُحِبُّ سَمَاعَ
أحاديثَ النِّسَاءِ والإنجابِ وَالحَمْلِ والوِلادةِ . لَكِنَّني أرَدْتُ مُساعدةَ
صَدِيقي مُنْذِر الطِّفْل الأعمى الذي لا حَوْلَ له ولا قُوَّة . وَطَرَحْتُ
أسئلةً كثيرةً عَلى نَفْسِي : كَيْفَ وُلِدَ هَذا الطِّفْلُ أعمى لا يُبْصِر ؟ ،
هَلْ يُمْكِن أنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ ويُنْجِبَان بِدُون عُرْيٍ ؟ .
هَلْ يُمْكِنُ أنْ تَحْبَلَ المَرأةُ مِنْ زَوْجِها المَيت ؟ . لَقَدْ بَذَرَ
المُزَارِعُ البَذْرَةَ في الأرْضِ الخِصْبَةِ ، وَذَهَبَ وَلَنْ يَعُودَ ،
وَسَوْفَ تَنْمُو البَذْرَةُ وتُصبح شَجَرَةً وَحيدةً في اللامَكَان . أفكارٌ
كثيرةٌ هاجمتْ عَقْلي في ذلك الحِين ، عَقْل الطِّفْل الصغير ، لَمْ أَمْلِك
القُدرةَ على تَحْليلِها وتَفْسِيرِها والتَّعْبيرِ عَنْهَا . ولكنَّها احْتَلَّتْ
كِيَاني ، وسَيْطَرَتْ عَلى مَشَاعِري ، وَهَيْمَنَتْ عَلى نَفْسِي وجَسَدِي .
أمَّا سِمْعَان البَدَوِيُّ
المَسيحي ، الذي يُلَقِّبُه التَّلاميذ " ابن النَّصْرَانِيَّة " ،
فكانَ صديقًا عَزيزًا ، يُطْلِعُني عَلى أسرارِ عائلته ، وأُطْلِعُهُ عَلى أسرارِ
عائلتي . قالَ لِي في إحدى المَرَّاتِ : أنا أكْرَهُ أُمِّي وأبي ، فَقُلْتُ لَه :
وأنا أكْرَهُ أُمِّي وأبي . قالَ لِي : أنا وَلَدٌ وحيد بَيْنَ بنات ، فَقُلْتُ
لَه : وأنا وَلَدٌ وحيد بَيْنَ بنات . قالَ لي : أبي يَضْرِبُ أُمِّي ، فَقُلْتُ
لَه : وأبي يَضْرِبُ أُمِّي . قالَ لِي : أبي يَشْرَب الخَمْرَة ، فَقُلْتُ لَه :
أبي لا يَشْرَب الخَمْرَة ، ولكنَّه لِصٌّ وَحَرَامي . قالَ لِي : عِندَما أكْبَرُ
سَأهْرُبُ مِنْ هَذه القَريةِ ، فَقُلْتُ لَه : وأنا عِندَما أكْبَرُ سَأهْرُبُ
مِنْ هَذه القَرية .
هَذه بُنُود اتِّفَاقِيَّة
الصَّدَاقَة التي تشتمل على العوامل المُشترَكة بَيْنَنَا. كُنْتُ دائمًا أَزُورُه
في بَيْتِهِ النَّظِيفِ المُرتَّب،وَلَمْ أَدْعُهُ مَرَّةً واحدةً إلى بَيْتِنَا،
لأنَّني أخْجَلُ مِنْ ذلك ، فَهُوَ عِبَارة عَنْ زَريبة أبقار.
كُنْتُ ألْعَبُ في بَيْتِهِ
مَعَهُ وَمَعَ أخَوَاتِهِ الطِّفْلات الصَّغيرات ، وأرى أُمَّهُ تَقُومُ
بِتَنْظِيفِ البَيْتِ ، وَهِيَ تَضَعُ الصَّليبَ الأصْفَرَ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا
الكَبِيرَيْن . أُحَدِّقُ في الصَّلِيبِ لأعْرِفَ مَاذا يَكُونُ هَذا الشَّيْء ،
وَمِنْ أيَّة مَادَّة صُنِعَ ، هَلْ هُوَ مِنَ الذَّهَبِ أو النُّحَّاسِ ؟، كَمْ
يَبْلُغُ سِعْرُهُ لَوْ بَاعَهُ شَخْص ؟ . يَتَأرْجَحُ الصَّليبُ مِثْلَ حَبْلِ
المِشْنَقَةِ، فَأحُسُّ بِألَمٍ في رَأسِي وَصُدَاعٍ رَهيب وَمَغْصٍ في بَطْني ،
وكأنَّني أُريدُ أنْ أتَقَيَّأ. أُحَدِّقُ في صَدْرِ سِمْعَان بَحْثًا عَن
الصَّليبِ ، أوْ أيِّ شَيْء يُشْبِهُه ، فلا أرى شَيئًا . سَألْتُهُ لماذا لا
تَضَعُ صَليبًا في صَدْرِكَ مِثْلَ أُمِّكَ ؟ ، قالَ إنَّهُ يُسَبِّب له
حَسَاسِيَّة جِلْدِيَّة ، وَقَدْ رَمَاهُ في دُرْجِ خِزانته .
أُمُّ سِمْعَان مَاهرةٌ في
الطَّبْخِ ، تُتْقِنُ طَبْخَ العَدَسِ بشكلٍ خاص ، وكُنْتُ لجهلي وسَذَاجتي
أُفَتِّشُ في العَدَسِ عَن الخَمْرَةِ ، بَعْدَ أنْ أخْبَرَني سِمْعَان أنَّ أباه
يَشْرَبُها . ظَنَنْتُ أنَّ أُمَّهُ تَضَعُ الخَمْرَةَ في العَدَسِ ،
وَتَخْلِطُهما معًا . إنَّهُ تَفكيرٌ طُفُولي بِدَائي سَاذَج .
والعجيبُ أنَّ أُمَّ سِمْعَان
لَمْ تَسْألني مَنْ أكُون أو مَنْ هِيَ عائلتي في القَريةِ ، لَكِنَّ عَجَبي زَالَ
عِندَما رَأيْتُهَا مَشغولةً بأعمالِ البَيْتِ،وَتَنْتقل مِنْ غُرفة إلى غُرفة
بِسُرعةٍ بالغةٍ ، كأنَّها تُريدُ إنهاءَ كَافَّة الأعمال قَبْلَ مَجِيء زَوْجِهَا
. أوْ رُبَّمَا اعْتَبَرَتْني مُجَرَّد زميل عادي لابْنِهَا في المَدرسةِ ،
وَسَوْفَ آكُلُ صَحْنَ العَدَسَ، ثُمَّ أَخْرُجُ مِنَ البَيْتِ ولا أرْجِع ،
وأذهبُ ولا أعُود، فلا دَاعِي للأسئلةِ والاستجواب.
قالَ سِمْعَان لأُمِّهِ
مُعَرِّفًا بِي :
_ هَذا صَدِيقي هِشَام ، ابن
سميحة الخَدَّامة .
مَا إنْ سَمِعَتْ أُمُّهُ
باسمي حَتَّى رَمَت المِكْنَسَةَ مِنْ يَدِهَا ، وأقْبَلَتْ إلَيَّ مُسْرِعَةً ،
وَهَجَمَتْ عَلَيَّ تُعَانِقُني وَتُقَبِّلُني ، وأنا مِثْل الأهْبَل أو الأطرش في
الزَّفَّة ، لا أعْرِفُ مَاذا يَحْدُثُ ، ولا أدْرِي مَا هُوَ سبب هَذا العِنَاق
الحار والتقبيل السَّاخِن. وَقَدْ خُيِّلَ إلَيَّ أنَّ أنفاسَها سَتُحْرِقُ
عِظَامي ، وأنَّ حَمَّالَةَ صَدْرِهَا سَتَلْتَفُّ حَوْلَ عُنُقي وتَشْنُقُني .
قالتْ أُمُّ سِمْعَان
والدُّمُوعُ تَلْمَعُ في عَيْنَيْهَا :
_ مَا شاءَ اللَّهُ عَنْكَ يا
هِشَام ، اسْمُ اللَّهِ عَلَيْك ، صِرْتَ كبيرًا ، أنا أُمُّكَ، وَسِمْعَان أخُوك
، وهَؤلاء البَنَات أخواتُك .
ظَنَنْتُ للوَهْلَةِ الأُولَى
أنَّ هَذه عِبَارات اجتماعية تَدُلُّ على الاحترامِ والمُجَامَلَةِ والمَحَبَّة .
وَعِنْدَمَا رَأتْني وَاقفًا مِثْلَ
المَسْطُولِ العاجزِ عَن التَّفكيرِ والتَّركيز ، قالتْ :
_ أنا أُمُّكَ بالرَّضَاعَةِ
يا هِشَام ، قَبْلَ خَمْس سَنَوَات كانتْ أُمُّكَ تَزُورُني في البَيْتِ
لِتُسَاعِدَني في الطَّبْخِ والتَّنظيفِ والغَسِيلِ ، وكانتْ تَحْمِلُكَ بَيْنَ
يَدَيْهَا ، وعُمرك سَنَة واحدة ، تَضَعُكَ إلى جَانِب سِمْعَان ، وتَنَامَان عَلى
فِرَاشٍ واحد . وَعِندَما تَسْتيقظان وتَبْكِيَان ، أُرْضِعُكما مَعًا في نَفْسِ
الوَقْتِ ، أنتَ تَخْتَار الثَّدْيَ اليمين ، وَسِمْعَان يَخْتَار الثَّدْيَ الشِّمَال
، فأُمُّكَ مَشغولةٌ وَمُتْعَبَةٌ مِنْ كَثرةِ الخِدْمَةِ في البُيوتِ ، ولَيْسَ
لَدَيْهَا الوَقْت والقُدرة لإرضاعك . وَقَد استمرَّ هَذا الحَالُ ثلاثة أشهر .
شَكَّلَ هَذا الكَلامُ
صَدْمَةً هائلةً لِي في ذلك العُمر المُبَكِّر . في البِداية ، لَمْ أُصَدِّقْ
كَلامَ أُمِّ سِمْعَان ، رُبَّمَا أرادتْ أنْ تَظْهَرَ بِمَظْهَرِ الأُمِّ الحانية
التي تَرْحَمُ أطفالَ الآخَرين ، وَتَعْطِفُ عَلَيْهِم ، وتُساعدهم . وَرُبَّمَا
أرادتْ إظهارَ نَفْسِها كَسَيِّدة بَيْت مِنْ عَائلة ذات مَكَانة عالية ومَنزلة رَفيعة
، وأُمِّي مُجَرَّد خَدَّامة وَضِيعَة مِنْ قَاعِ المُجتمع . ولكنْ مَا هِيَ
مَصْلَحَةُ أُمِّ سِمْعَان في الكَذِبِ ؟ ، إنَّ هَذه الأُمُور لا يُمْكِن
إخفاؤُها ، وسَتَظْهَر عَاجِلًا أوْ آجِلًا . والحَلُّ الوحيدِ لقطعِ الشَّكِّ
باليقينِ هُوَ أنْ أسألَ أُمِّي .
في الليلِ الجارحِ،أمْشِي في
بَيْتِنَا ( زَريبة الأبقار ) بَيْنَ الحِيطَانِ المُتهاوية ، والقَلَقُ
يَعْصِرُني، والفَوضى تَتلاعب بِحَوَاسِّي . لا أستطيعُ الجُلُوسَ مِنْ شِدَّةِ
التَّوَتُّرِ ، ولا أقْدِرُ عَلى النَّوْم ، ولا يُوجَد أثَر للنُّعَاس في عُيوني .
هَذه فُرصتي الذهبية لِمَعرفةِ الحقيقة . سَوْفَ أستغلُّ غِيابَ أبي ، وأنتظرُ
عَوْدَةَ أُمِّي كَيْ أسألَها .
جَاءَتْ أُمِّي بَعْدَ طُولِ
انتظار،والتَّعَبُ يَبْتَلِعُ مَلامِحَ وَجْهِها، والإرهاقُ يَحْتَلُّ جِسْمَها.
استغربتْ أنَّني مَا زِلْتُ مُسْتَيْقِظًا لَمْ أَنَمْ . وَقَفْتُ أمَامَهَا
كَحَفَّارِ القُبورِ الذي يُحَدِّقُ في جُثَّةٍ هامدةٍ . كانتْ أُمِّي شَبَحًا
مَنْسِيًّا أوْ كائنًا مَسْخًا أوْ ذِكْرَى إنسان، امرأة مُنهارة مِنْ كَثرةِ
الخِدمةِ في البُيوتِ ، وَجَسَد ذابل كَقِطعة قُمَاش مُهترئة . تَخْرُجُ في الصَّبَاحِ
الباكرِ ، ولا تَعُودُ إلا في المَسَاءِ . جَاءَني إحساسٌ غَريبٌ أنَّني حَفَّارُ
قُبور ، وَسَأدْفِنُ أُمِّي الجُثَّةَ الهامدة في قَبْرِهَا ، الذي لَمْ يَكُنْ
سِوَى بَيْتِنَا البائس . مَا أصْعَبَ أنْ يَدْفِنَ الطِّفْلُ أُمَّهُ التي
أنْجَبَتْه ! ، مَا أصْعَبَ أنْ يَنْقَلِبَ غُصْنُ الشَّجَرَةِ عَلى جَذْرِهَا ! .
قُلْتُ لأُمِّي بِصَوْتٍ
مَكسور حاضن لشظايا الكلام :
_ عِندَي سُؤال ، وأرجوكِ أنْ
تُجيبي بصراحة ، هَلْ أُمُّ سِمْعَان هِيَ أُمِّي بالرَّضَاعَةِ ؟ .
ضَحِكَتْ أُمِّي ، وتعاملتْ
معَ السُّؤال بِرُوحٍ رياضية ، وقالت بِهُدوء أعصاب واضح :
_ أُمُّ سِمْعَان امرأة
مُحترمة وكريمة ، خَدَمْتُهَا واشتغلتُ في بَيْتِهَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ ، وأثناء
انشغالي بالعمل ، كانتْ تُرضعك معَ ابْنِهَا سِمْعَان .
سَيْطَرَ الغَضَبُ على جوارحي
التي تَجْرَحُني ، وقُلْتُ وأنا في قِمَّةِ الغَيْظِ والانفعالِ مُسْتَنْكِرًا :
_ تُرْضِعين أطفالَ الناسِ
مِنْ أجْلِ الأُجْرَةِ وجَمْعِ المالِ ، وأنا ابْنُكِ مِنْ لَحْمِكِ وَدَمِكِ ،
لَيْسَ لَدَيْكِ الوقت لإرضاعي ، ولا تَمْلِكين القُدرةَ على ذلك بسبب انشغالك
بالعمل .
_ يا هِشَام، أنتَ ابْني
وحَبيبي ، وَمَا زِلْتَ طِفْلًا صغيرًا ، وَعَقْلُك بسيط . أنا أَخْدُمُ في
البُيوتِ مِنْ أجْلِ تَوفيرِ حَياة كريمة لَكَ ولأخواتك الطِّفْلاتِ البريئات
ولأبيك العاطل عَن العَمَل .
ازدادَ غَضَبي وَغَيْظي،
وَفَقَدْتُ السَّيطرةَ عَلى أعصابي ، وَلَمْ أَعُدْ قادرًا على التَّحَكُّمِ
بكلماتي، وَقُلْتُ بعصبيةٍ وَعُنْفٍ :
_ أنا أَكْرَهُكِ ، أنْتِ
لَسْتِ أُمِّي ، أنْتِ أُم فاشلة وَخَدَّامة حَقيرة ، تُرْضعين أطفالَ الناسِ كَي
تَجْمَعي المالَ ، وتَتركيني مِثْلَ الكَلْبِ الأجربِ تَحْتَ رَحمةِ نِسْوَانِ
القَريةِ كَيْ تَحْزَنَ عَلَيَّ واحدة مِنْهُنَّ ، وَتُشْفِق عَلَيَّ ، وَتُرْضعني
.
كانَ كَلامِي أكْبَرَ مِنْ سِنِّي
( السادسة ) ، لأنَّني حَفِظْتُ كلمات كثيرة قوية ومُؤثِّرة مِنَ مُعَلِّمِي
المَدرسةِ ، والدُّروسِ المَوجودة في الكُتُبِ المُلَوَّنَة الجميلة التي
وَزَّعُوهَا على التلاميذ مَجَّانًا . كَمَا أنَّني حَفِظْتُ كلمات أبي التي
يُردِّدها . رَافَقْتُهُ كثيرًا ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَاتٍ وتعابير وأمثالًا
وَنِكَات ، ويَا لَيْتَني لَمْ أُرَافِقْه، فَقَدْ لَوَّثَ بَرَاءتي ، وَشَوَّهَ
صُورةَ الناسِ في عَيْنَيَّ ، وَجَعَلَني أَكْرَهُهُ وأَكْرَهُ نَفْسِي، وزَادَتْ عُقَدِي
النَّفْسِيَّة بسببه .
ثارتْ أُمِّي وَفَقَدَتْ
أعصابَها ، وقالتْ بِصَوْتٍ مُرتفع أيْقَظَ أخواتي مِنَ النَّوْمِ وأفْزَعَهُنَّ :
_ عِنْدَمَا استرحتُ مِنْ
قَرَفِ أبيك ، جِئْتَ أنْتَ كَي تقرف حَيَاتي وتُدمِّر عِيشتي . عائلة فاشلة،
يَوْم أسْوَد عِندما تَزَوَّجَني أبُوك . يا لَيْتني بَقِيتُ " عانس " ،
ولَمْ أتَزَوَّجْ ، وَلَمْ أُنْجِبْ ذُرِّيةَ مُتَخَلِّفَة .
وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا عاليًا
قائلةً :
_ اللَّه يَغضب عَلَيْكَ يا
هِشَام ، ويَجْعلك عاجزًا ، ويَقْطع نَسْلَك ، آمين يا رَبَّ العَالَمِين .
انفجرَ البُكَاءُ في عُيونِ
أخواتي الصَّغيراتِ بَعْدَ أنْ ضَرَبَهُنَّ إعصارُ الخَوْفِ والألَمِ ، وَصِرْتُ
أبكي بِحُرْقَةٍ ، وَرَكَضْتُ خارجًا مِنَ البَيْتِ في عَتَمَةِ الليلِ الرَّهيبة
. مِلْحُ الدُّمُوعِ يُحْرِقُ خُدُودي ، والحُزْنُ يُمَزِّقُ جِلْدِي . رَكَضْتُ
في وَحْشَةِ الليلِ وَحِيدًا ، وَالوَحِيدُ يُقَاتِلُ وَحِيدًا بِلا أقواسِ نَصْرٍ
، ولا أكاليلِ غارٍ .
جَلَسْتُ عَلى صَخْرَةٍ عَالية
تُطِلُّ عَلى شَظَايا قَلْبي المَنثورة في ضَوْءِ القَمَرِ ، لا مَكَان لِي في
هَذا العَالَمِ . أنا مَحْصُورٌ بَيْنَ جُدرانِ التاريخِ المُتَدَاعِيَة ،
وَمُحَاصَرٌ بالذكرياتِ الضائعةِ والأحلامِ المَكسورةِ والرَّغَبَاتِ المَكبوتة .
الإنسانُ لا يَخْتَار وَالِدَيْه كَمَا لا يَخْتَار الزَّمَانَ والمَكَانَ
اللذَيْن يَعيش فيهما . كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ كانَ لِي عائلة أُخْرَى ، وأنْ
أعيشَ في زَمَنٍ آخَر ، وَمَكَانٍ آخَر . لَوْ كانَ الإنسانُ قادرًا على اختيارِ
أُمِّهِ وأبيه ، مَن المَرْأةُ التي سَيَخْتارها مِنْ بَيْنِ النِّسَاءِ ؟ ، وَمَن
الرَّجُلُ الذي سَيَخْتاره مِنْ بَيْنِ الرِّجَالِ ؟.ماذا يَسْتفيدُ الإنسانُ مِنَ
الزَّمَانِ إذا كانتْ عَقاربُ السَّاعَةِ تَلْدَغُه؟، وماذا يَسْتفيدُ الإنسانُ
مِنَ المَكَانِ إذا كانَ جُثَّةً هامدةً بِلا خَريطة ولا بُوصَلة ؟ .
أُمِّي تُركِّز في إرضاعِ
أطفالِ الناسِ لأنَّها تَحْصُلُ مِنْهُم على المَالِ ، وَلَيْسَ لَدَيْهَا الوقت
والقُدرة لإرضاعي لأنَّني مَشروعٌ خاسرٌ ، وَبِضَاعة كاسدة ، وَصَفْقَة فاشلة .
إذا أرْضَعَتْني فَلَنْ تَحْصُلَ على المالِ مِنْ أحَدٍ. يَنْبغي أنْ أظَلَّ
طِفْلًا بائسًا وكُتلة لَحْم مَرْمِيَّة في زَوايا البُيُوتِ التي تَخْدُمُ أُمِّي
فِيها .
مُنْذُ طُفولَتي وأنا أعيشُ
على صَدَقَاتِ الناسِ وإحسانِهم ، أنتظرُ عَطْفَهُم وَشَفَقَتَهُم ، بِلا ضَوْء في
آخِرِ النَّفَقِ . تَذَكَّرْتُ كلامَ أبي الذي يُكَرِّرُه عَلى مَسَامعي: أُمُّكَ
خَدَّامة أُمِّية جاهلة ، أحْضَرْتُهَا مِنَ الطريقِ، لا أصْلَ لَهَا ولا فَصْل ،
ولا أحد يَعْرِف عائلتها ، وأنا نادمٌ أشدَّ النَّدَم على زَوَاجي مِنْهَا.
أُمُّكَ الفاشلة هِيَ سبب خَرَاب البَيْت وَدَمَار الأُسْرَة ، هِيَ التي قَتْلَتْ
أخاكَ " ناصر " ، تَرَكَت ابْنَهَا الطِّفْل الصغير الذي كانَ في
الثالثة مِنَ العُمر ، يَلعب أمامَ البابِ المَخلوعِ للبَيْتِ بِلا رِعَاية ولا
عِنَايَة ولا مُرَاقَبَة ولا اهتمام ، حَتَّى هَاجَمَه الدِّيكُ الشَّرِس ،
وَقَتَلَه ، وأطفأ بَرِيقَ عَيْنَيْهِ إلى الأبَدِ . وَأُمُّكَ الفاشلة هِيَ سبب
سُقوط أُختك ظَبْيَة ، واصطدام رَأسِها بالأرضِ ، وانكسار عَمُودها الفِقري. كانتْ
طِفْلَةً رائعةً طبيعية وبَصِحَّة جَيِّدة ، واحْتَفَلْنَا بعيدِ مِيلادِها
الأوَّل ، لكنَّها صارتْ مُعاقة ومَشلولة. يا لَيْتَنَا لَمْ نَحتفلْ بعيدِ
مِيلادِها الأوَّل. وَأُمُّكَ الفاشلة تُرْضِع أطفالَ الناسِ ، وَتَرْعَاهُم ،
وَتَعْتني بِهِم ، وَتَتْرُك ابْنَهَا وبناتها بِلا رِعَايَة ولا عِنَاية .
فِعْلًا ، باب النَّجَّار مخلَّع . يا لَيْتَني بَقِيتُ " صايع ضايع "، ولَمْ أتَوَرَّطْ في
هَذه الزِّيجة الخاسرة .
أردتُ أنْ أسألَ أبي : مَا
دَامَتْ أُمِّي فاشلة ، فلماذا تَزَوَّجْتَهَا ؟ . وَلَكِنَّني خِفْتُ مِنْ
رَدَّةِ فِعْلِه ، وَخَشِيتُ أنْ يَضْرِبَني . يَدُهُ مِثْل المِطْرَقَة ، لَوْ
صَفَعَني لألْصَقَني بالحائطِ . وَمِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ الذي يَغْلي في أعماقي
السَّحيقةِ بَقِيتُ ساكتًا ، وآثرتُ السَّلامةَ .
وإذا كانتْ أُمُّ سِمْعَان
هِيَ أُمِّي بالرَّضَاعَةِ ، فلا شَكَّ أنَّ هُناك نساء كثيرات في القَريةِ هُنَّ
أُمَّهَاتي بالرَّضَاعَة ، مَا دَامَتْ أنَّ أُمِّي كَانتْ تُلْقيني كُتلةَ لَحْمٍ
في بُيوتِ الناسِ ، وتَتَفَرَّغ لِخِدْمتهم ، والطَّبْخِ والتَّنظيفِ والغَسِيلِ .
تُرى كَمْ أُمًّا لِي بالرَّضَاعَة ؟ . أُمَّهَاتي بالرَّضَاعة المَجهولات ،
وإخواني بالرَّضَاعة المَجهولون، وأخواتي بالرَّضَاعة المَجهولات. صِرْتُ أنتمي
إلى عَشيرةٍ كبيرة ، أنا المَقطوع مِنْ شَجَرةٍ ، لَيْسَ لِي حَسَب ولا نَسَب ولا
أصْل ولا فَصْل . صَارَتْ أثداءُ النِّسَاءِ شَجَرَةَ نَسَبي ، وصارَ حَليبُهُنَّ
هُوَ تاريخي ، أنا النَّكِرَةُ الذي لَيْسَ لِي تاريخ .
ماذا أقُولُ للناسِ إذا
عَلِمُوا أنَّ أُمِّي بالرَّضَاعَة مَسيحية ؟ ، أخافُ أنْ يُنَادوني " ابن
النَّصْرَانِيَّة" مِثْل سِمْعَان ، وتُصبح الفضيحةُ فَضِيحَتَيْن : ابن
الخَدَّامة وابن النَّصْرَانِيَّة . سَوْفَ أُخْفِي هَذا السِّرَّ ، وَلَنْ
أكْشِفَه لأيِّ شخص مِنْ أهل القَرية .
17
نَحْنُ الثلاثة: هِشَام "
ابن الخَدَّامة "، وَسِمْعَان "ابن النَّصْرَانِيَّة "، ومُنْذِر
الأعمى " ابن الحُبْلَى" مَنبوذون وَمُضْطَهَدُون بَيْنَ تَلاميذِ
المَدرسة . لا يَقْبَل أحَدٌ بِنَا ، ولا يَضُمُّنَا إلى فَريقِهِ في لُعبةِ كُرةِ
القَدَمِ ، فَقَرَّرْنَا تَكوينَ فريقَ كُرة قدم خاص بِنَا ، وَمُواجهةَ باقي
الفِرَقِ وَتَحَدِّيهِم ، والفَريقُ الخاسرُ يَشْتري مَشروبات غازيَّة لجميعِ
لاعبي الفريق الفائز . لَمْ نَكُنْ في ذلك العُمرِ الصغير نُفَكِّرُ في الحَلالِ
والحَرَامِ والأحكامِ الشَّرْعِيَّة ، وَلَمْ نَسْمَعْ بِمَوضوعِ القِمَارِ .
مُجَرَّد أطفال يَلْعَبُون وَيَلْهُون وَيَخْترعون قوانين وسُلوكيَّات ،
وَيَضَعُون أسبابًا ونتائج ، بِلا عِلْمٍ ولا مَعرفةٍ ولا تَوْجِيه ولا إرشاد .
سَاحَةُ المَدرسةِ التي
نَلْعَبُ فِيها كُرةَ القَدَمِ بعد انتهاءِ الدَّوَامِ صغيرةٌ ، لذلك كانَ كُلُّ
فَريقٍ يَتَكَوَّن مِنْ خَمسةِ لاعبين ، خَمْسَة ضِد خَمْسَة ، ولا تَتَّسِع
سَاحةُ المَدرسةِ ( مَلْعَب كُرة القَدَم ) لأكثر مِنْ هَذا العَدَد. وَاجَهَتْنَا
مُشكلة، نَحْنُ ثلاثة لاعبين، وبحاجة إلى اثنَيْن ، كَي تَكتمِل تَشكيلةُ فَرِيقِنا،فَريقِ
المَنبوذِين.أحْضَرْتُ تِلميذًا نَوَرِيًّا غَجَرِيًّا ، اسْمُهُ فَتْحِي ،
وَنُلَقِّبُهُ هريسة ، وأحْضَرْتُ تِلميذًا أعْرَج ، لكنَّه ضَخْم الجُثَّة ،
اسْمُهُ أُسَامَة ، ونُلَقِّبُهُ الفيل .
أنا كابتنُ فَريقِ المَنبوذِين،
وَضَعْتُ " مُنْذِر " حارسًا للمَرْمَى ، ومعَ أنَّهُ أعْمَى ألا أنَّنا
كُنَّا نَصْرُخُ عَلَيْهِ ، اقفزْ لليمين ، اقفزْ للشِّمَالِ ، يمين شِمَال ، شِمال
يمين ، وهَكذا تَمُّ تَوجِيهُه ، وَقَدْ تَصَدَّى لِكُرَاتٍ كثيرة ، وأنْقَذَنَا
مِنْ أهدافٍ مُحَقَّقَة . وَضَعْتُ أُسَامَة في الدِّفَاع ، ومعَ أنَّهُ أعْرَج ،
ألا أنَّ حَجْمَه الضَّخْم يُرْعِبُ الخُصُومَ ، فَيَرتبكون ، ويَفْقِدُون
التركيزَ . أنا لاعبُ خَط وَسَط ، وصانعُ ألعاب . وَسِمْعَان وفَتْحِي في الهُجوم
.
كُنَّا فَرِيقًا ناريًّا
أُسْطُورِيًّا ، انْتَصَرْنَا في أربع عَشْرَة مُباراة مُتَوَالية ،
وَتَلَقَّيْنَا عُروضًا كَيْ نَلْعَب ضِد فِرَقِ القُرى المُجاورة . لكنَّ الذي
دَمَّرَ فَريقَنا وحَطَّمَه وَقَضَى عَلَيْهِ هُوَ الغِشُّ وَالخِدَاعُ .
الْتَقَيْنَا في المُبَارَاةِ النِّهائية معَ فَرِيقِ ثامر ابن المُختار "
أبو حَسَن " ، وَهُوَ وَلَدٌ مُدَلَّلٌ وَدَلُّوع . كُنَّا سَنَنْتَصِر
عَلَيْهِم ، لَوْ كانَ التَّحكيمُ عادلًا وَمُنْصِفًا ، ثلاثة مُقَابِل اثنَيْن ، ألْغَى
الحَكَمُ ، وَهُوَ مُعلِّم الرِّياضة ، هَدَفًا صحيحًا لَنَا ، فَصِرْنَا
مُتَعَادِلَيْن ، وفي آخِرِ دَقيقة في المُبَارَاةِ احْتَسَبَ لَهُمْ رَكلةَ
جَزَاء كاذبة وفاضحة ، سَدَّدَهَا ثامر ، وأحْرَزَ هَدَفًا بِسُهولة ، لأنَّ حارسَ
مَرْمَى فَرِيقِنا هُوَ مُنْذِر الأعمى . بَقِيَ واقفًا في مَكَانِه ، ولَمْ
نَستطعْ تَوْجِيهَهُ إلى اليمينِ أو الشِّمَالِ. وفازَ فَرِيقُ ثامر عَلَيْنَا ثلاثة
مُقَابِل اثنَيْن . وانقلبت النَّتيجةُ لِصَالِحِهِم . لا يُمْكِن أنْ أنْسَى
طَعْمَ الخَسَارَةِ ومَذَاقَ الهَزيمةِ ، لَقَدْ هَزَمُونا بالغِشِّ والكَذِبِ،
لأنَّ " ثامر " ابنُ المُختارِ ، وَفَرِيقُهُ مَدعوم مِنْ إدارةِ المَدرسةِ
، وأنا ابْنُ الخَدَّامة، وَفَرِيقي مِنَ
المَنبوذِين والمُضْطَهَدِين والمَغضوب عَلَيْهِم ، الذينَ لَيْسَ لَهُمْ ظَهْرٌ
ولا سَنَدٌ . لَيْسَ هَذا فَحَسْب،بَلْ إنَّ إدارة المَدرسةِ اختارت " ثامر
" الأوَّل على الصَّفِّ، معَ أنَّني أذكى مِنْه، وأشطرُ وَلَد في الصَّفِّ ،
وعَلاماتي أعلى مِنْ عَلاماته ، والمَفروضُ أنَّني أنا الأوَّل على الصَّفِّ،
وَلَكِنَّني سَمِعْتُ أحدَ المُعلِّمِين يَقُول : لا يُمْكِن أنْ يَكُون الأوَّلُ
عَلى الصَّفِّ ابْنَ الخَدَّامة ، يَجِب أنْ يَكُون ابْنَ المُختار، كَي تُصبح
لِمَدرستنا سُمْعَة طَيِّبة ومَكَانة عالية ومَنزلة رَفيعة بَيْنَ مَدارسِ القُرى
المُجاورة .
انهارتْ أحلامي ، وَتَفَكَّكَ
فَريقُ كُرة القَدَم الذي كانَ أمَلَ حَيَاتِنَا . كَرِهْتُ كُرةَ القَدَمِ ،
وَكَرِهْتُ المَدرسةِ . أُريدُ أنْ أرجعَ إلى رَعْي الغَنَمِ ، أو التِّجَارة معَ
مَسعود وابْنَتِهِ سَمَاح العانس . تَمَنَّيْتُ لَوْ أستطيعُ مُقابلةَ
المُحْسِنَةِ الكبيرة السَّيدة جيجي ، فَهِيَ امرأةٌ فاضلة لا تَقْبَل بالظُّلْمِ
والاضطهادِ ، ولكنَّها تُقيم في العاصمة ، ولا أعْرِفُ عُنوانَها .
اعتزلتُ أنا وأعضاء الفريق
كُرةَ القَدَم . جَلَسْنَا في مَنْطِقَة تُرابية بعيدة عَن القَريةِ نَتَحَاور
ونَتَبَاحَث في المُصيبةِ التي حَلَّتْ بِنَا ، والكارثةِ التي وَقَعَتْ عَلَيْنَا
. لَقَدْ سَرَقُوا مِنَّا كأسَ البُطولةِ في وَضَحِ النَّهَار ، وَمَنَحُوه لثامر
ابن المُختار ، وَفَرِيقِهِ المَدعوم مِنْ إدارةِ المَدرسة .
الأنظارُ تَتَّجِهُ إلَيَّ ،
لأنَّني كابتنُ الفريقِ ، وقائدُ المَجموعة . ولَكِنَّني ضَعِيفٌ وعَاجِزٌ وفاقدٌ
للحِيلَةِ والهِمَّة . وفَجْأةً قُلْتُ بعزيمةٍ صُلبةٍ وإصرارٍ عنيد :
_ سَوْفَ أَقْتُلُ " ثامر
" ، نِهَايته سَتَكُون عَلى يَدَيَّ . سأختارُ حَجَرًا كبيرًا ، وَأرْمِيهِ
عَلى رَأسِه ، أوْ سَأُحْضِر دِيكًا مُتَوَحِّشًا يُهَاجِمُهُ وَيَقْتُلُهُ مِثْلَ
أخي ناصر .
وقالَ سِمْعَان وَعَيْنَاهُ
تَتَوَهَّجَان مِثْلَ النار الرهيبة :
_ أبي لَدَيْهِ صَليبٌ ضَخْمٌ
وثقيل مِنَ الحَدِيدِ ، سَوْفَ أسْرِقُهُ مِنْه ، وأضْرِبُ بِهِ جِسْمَ ثامر ، كَي أكْسِرَ عِظَامَه ، وَأَقْتُلَه .
تَسَاءَلْتُ في نَفْسِي
بِسَذَاجَةٍ:كَيْفَ تَقُومُ أُمُّ سِمْعَان بِتَنْظِيفِ هَذا الصَّلِيبِ وَحِمَايَتِهِ
مِنَ الصَّدَأ؟.
وقالَ مُنْذِر وَصَوْتُهُ
مَلِيءٌ بالأسَفِ والاعتذارِ :
_ لَوْ كُنْتُ مُبْصِرًا لَهَجَمْتُ
عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّني أعْمَى لا أعْرِفُ شَكْلَه .
وقالَ فَتحي بِلَهْجَةِ
الواثقِ المُسيطِرِ :
_ سَأُحْضِرُ كُلَّ أولادِ
النَّوَرِ ، ونَهْجُمُ عَلَيْهِ ، ونَقْتُلُه .
وقالَ أُسَامَة والكلامُ
يَصْعَدُ مِنْ أعْمَاقِهِ السَّحيقة :
_ سَوْفَ أقْفِزُ عَلَيْهِ ،
وَسَيَشْعُر أنَّ جَبَلًا ثقيلًا وَقَعَ عَلَيْه، وَيَخْتَنِق ، وَيَمُوت .
افْتَرَقْنَا والصَّمْتُ
يُخيِّم عَلَينا . رَمَيْنَا كلماتِنا في الهَواءِ ، وَلَمْ نَصِلْ إلى أيَّة
نتيجة مَلْمُوسة . كَرِهْتُ نَفْسِي ، وكَرِهْتُ حَيَاتي . كُلُّ الجُهودِ التي
بَذَلْتُهَا في الدِّراسةِ ولَعِبِ كُرةِ القَدَمِ تَبَخَّرَتْ ، وثامر انتَصَرَ
عَلَيَّ ، وَحَصَلَ عَلى كُلِّ شَيْء ، لأنَّه ابنُ المُختار ، وأنا ابنُ
الخَدَّامة .
أدركتُ أنَّ طَرِيقي مَسْدُود
، ومَهْمَا كُنْتُ ذَكِيًّا وعَبقريًّا ومَوْهُوبًا ، فَلَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْء ،
لأنَّني خاصعٌ للأحكامِ المُسْبَقَةِ ، وَمَحكومٌ بِمَنزلتي الاجتماعية
الدُّونيَّة ، وستظلُّ عُقدةُ الشُّعور بالنَّقْصِ هِيَ التي تَرْسُمُ مَسَارَ
حَيَاتي الخاليةِ مِنَ الحَياة .
قَرَّرْتُ الانتحارَ . عَقْلي
الطُّفُولي البسيط لَمْ يَجِدْ جَوَابًا عَن سُؤال : لِمَاذا أعيشُ ؟ . أُريدُ أنْ
أمُوتَ مِثْلَ أخي ناصر. أبي يَكْرَهُني ، وأُمِّي تَدْعُو عَلَيَّ ، والتِّلاميذُ
يَحْتقرونني ويَرْفُضونني ، وإدارةُ المَدرسةِ لا تَعترِف بِذَكائي ومَوَاهبي ،
وكُلُّ إنجازاتي يَتِمُّ تَسجيلُها باسم ثامر ابنِ المُختار ، وَقَدْ أَخَذَ
مَكَاني،وأنا بَقِيتُ بِلا مَكَانٍ،ولا أحد يَعترف بِي.وَمِنَ الواضحِ أنَّه
لَيْسَ لِي حاضر ولا مُستقبَل ، وبالتأكيد ، لَيْسَ لِي مَاضٍ أيضًا . أعيشُ خارجَ
الزَّمَانِ والمَكَانِ .
ذَهَبْتُ إلى أحَدِ أولادِ
القَريةِ ، وَهُوَ مَعروف بانحرافِه الأخلاقيِّ ، لا أعْرِفُ اسْمَه ، وَلَكِنَّنا
نُناديه " أبو نَخْلة " ، وهَذا لَيْسَ اسم عائلته ، بَلْ لَقَبُه ،
لأنَّه كانَ طويلَ القَامَةِ في الرابعة عَشْرَة مِنَ العُمر. يُدَخِّن
وَيَتَحَدَّث معَ بعضِ بَناتِ القَريةِ بِلا خَجَلٍ ، حَتَّى إنَّهُ يُمَارِسُ
الجِنْسَ مَعَ النِّعَاجِ ، وَقَدْ رَأيْتُهُ أكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، عِندَما
كُنْتُ أعْمَلُ رَاعِي غَنَمٍ ، يأخذُ نَعْجَةً إلى مَنطقة خالية ، وَيَقِفُ
خَلْفَهَا ، وَيُنْزِل بِنطالَه ، ويُجَامعها . لَمْ أفْهَمْ تفاصيلَ هَذه العملية
في ذلك الحِين بسبب صِغَرِ سِنِّي ، وَاعْتَبَرْتُهَا لُعبةً صِبْيَانيَّة أوْ
تَسْلية لقضاء الوقت ، أوْ مُحاولة الرُّكُوب على النَّعْجَةِ مِثْل الفَرَس ،
وَلَكِنَّني فَهِمْتُ ذلك فِيما بَعْد .
وبسببِ وَقَاحَتَهِ وشُذوذِه
وجُرْأتِه وَتَمَرُّدِه وانحرافِه الأخلاقيِّ وحَيَاتِهِ الفَوْضَوِيَّة
البُوهِيمِيَّة ، وَتَحَدِّيه لعاداتِ أهلِ القَريةِ وتَقاليدِهم ، اعْتَبَرَه
الأولادُ الصِّغَارُ زَعيمًا شُجَاعًا وقائدًا مُتَمَرِّدًا وَمُنَاضِلًا
ثَوْرِيًّا ، قَلْبُه مَيت ، ولا يَخَاف مِنْ أيِّ شَيْء ، ومُستعِد أنْ يَرْمِيَ
نَفْسَه في أيَّة مُشكلة بِلا تفكير .
رَأيْتُهُ في الطَّريقِ ، وَهُوَ
يُمْسِكُ سِيجارة بَيْنَ إصْبَعَيْن مِنْ أصابِعِهِ الغليظة . اقتربتُ مِنْهُ
بِبُطْء ، وَالخَوْفُ يُقَيِّدُ حَرَكَاتي ، والذُّعْرُ يَتَسَلَّل إلى أطرافي ،
وقُلْتُ لَهُ والاضطرابُ واضحٌ عَلى مَلامِحِي :
_ يا " أبو نَخْلة " ، أُريدُكَ أنْ
تُساعدني في مَوضوع خطير .
سَحَب نَفَسًا عَميقًا مِنَ
السِّيجارةِ ، وَنَفَثَهُ في وَجْهِي ، وقال :
_ أخوك أبو نَخْلة زعيم أولاد
القَريةِ في الخِدْمة ، اطْلُبْ أيَّة مُساعدة ، وأنا جَاهِز .
بَلَعْتُ رِيقِي ، وازدادَ
التَّعَرُّقُ في جِسْمِي ، وأحْسَسْتُ أنَّ الأمْرِ دَخَلَ في مَرحلةِ الخَطَرِ ،
وأنَّني وَاقِفٌ عَلى حَافَةِ الهاوية ، ولَمْ يَعُدْ هُناك فُرصة للهُروبِ أو
التراجعِ أو الاستسلام .
قُلْتُ وأنا أتَصَنَّعُ
القُوَّةَ والتماسكَ ، وأُمَثِّل دَوْرَ الواثقِ هادئِ الأعصاب :
_ أُريدُ أنْ أنتحر ،
أرْشِدْني إلى أسهل طَريقة للانتحار .
سَحَبَ نَفَسًا عَنيفًا مِنَ
السِّيجارةِ ، وَرَمَاهَا على الأرضِ ، وَسَحَقَهَا تَحْتَ حِذائه بِشِدَّة ،
وَحَدَّقَ في وَجْهِي ، كَأنَّهُ يَخْتَبِرُني، ويُريدُ مَعرفةَ هَلْ أنا جَاد في
هَذا الكلام أَمْ أنَّ كَلامي مُجَرَّد لُعْبة وتَسْلية ونُكْتَة. قالَ بأعصاب
باردة :
_ اسْمَعْني يا هِشَام ، أنا
أعْرِفُ أنَّ وَضْعَكَ صَعْب ، أُمُّكَ خَدَّامة ، وأبُوك كانَ راعي غَنَم ثُمَّ
صارَ عاطلًا عَن العَمَل، وتَعيشون في زَريبةِ أبقار، ولَيْسَ لَكَ أخٌ يُساندك
ويَدْعمك في هَذه الحَياة. لَيْسَ لَكَ مُستقبَل في هَذه القَريةِ . أمَامَكَ
خِيَارَان ، إمَّا أنْ تُغَادِرَ هَذه القَرْيَةَ إلى العاصمة ، وتَبْدَأ حَيَاةً
جديدةً ، وإمَّا أنْ تَنتحر وتَمُوت وتُدْفَن في هَذه القَريةِ ، لأنَّ وُجودك
كَعَدَمِه ، أنْتَ تَعيشُ مِنْ قِلَّةِ المَوْتِ ، وإذا لَمْ يَأتِ المَوْتُ
إلَيْكَ ، فاذهبْ إلَيْه .
قُلْتُ لَهُ والقَلَقُ
يَتلاعبُ بأعصابي :
_ لا أقْدِرُ عَلى مُغادرةِ
القَريةِ ، وعَائلتي لا تَسْتطيعُ الذَّهَابَ إلى العاصمةِ ، لأنَّ الحَيَاةَ
فِيها صَعْبَة وغالية ، وتَحْتاج إلى مالٍ كثير ، ونَحْنُ فُقَرَاء .
_ إذًا ، الطريقُ إلى
الانتحارِ مَفتوحٌ ، وُلِدْتَ في المَقبرةِ ، وسَتَمُوت في المَقبرةِ. نَسِيَكَ
الناسُ في حَيَاتِك ، وَسَوْفَ يَنْسَوْنَكَ بَعْدَ مَوْتِك . وَحَسَب خِبْرتي
أسهلُ طريقة للانتحار أنْ تَقْطَعَ شَرايينَ يَدِكَ باستخدام شَفرةِ حِلاقة .
ألْقَى أبو نَخْلة هَذا
الكلامَ ، ثُمَّ مَضَى إلى حَالِ سَبيلِه ، وتَرَكني غارقًا في شُكُوكي وهَوَاجسي
ومَخَاوفي . تَوَقَّعْتُ أنْ يَرفعَ مَعْنوياتي ، ويُشجِّعني على الحَياة ،
ويُبْعِد عَنِّي فِكرةَ الانتحارِ . تَوَقَّعْتُ أنْ يَقُول لِي مَثَلًا : أنتَ
وَلَد ذكي وشاطر يا هِشَام ، ونَحْنُ نُحِبُّكَ ، ابْقَ مَعَنَا . أوْ : الانتحار
حَرَامٌ ، وَمَنْ يَنتحر يَذهب إلى النار، أوْ : كُنْ قَوِيًّا وشُجَاعًا ، وَعِشْ
حَيَاتك مِثْل كُلِّ الناسِ. أوْ : إذا كانَ لَدَيْكَ مُشكلات فأنا جاهز
لِمُساعدتك في حَلِّها ، أوْ : إذا كُنْتَ فقيرًا ومُحتاجًا ، فأنا مُستعِد
لإعطائك بعض المال ، باعتبار أنَّنا أولاد قَرية واحدة . ولكنَّه لَمْ يَقُلْ
شيئًا مِنْ هَذا . وللأسفِ الشديدِ ، بَدَا مُتَحَمِّسًا للفِكْرَةِ ، وَرَاحَ
يُشَجِّعُني عَلَيْهَا . وعِندئذ ، أدركتُ أنَّ الجَمِيعَ يَكْرَهُونني ، ويُريدون
التَّخَلُّصَ مِنِّي ، وأنَّني مُجَرَّد نَكِرَة ، لا أُمَثِّل أهميةً لأيِّ شخص .
ذَهَبْتُ إلى دُكَّانة مَسعود ،
وَقُلْتُ لَه بإصرارٍ غريب :
_ أُريدُ شَفرةَ حِلاقة لأبي .
كَمْ سِعْرُها ؟ .
ابتسمَ مَسعود ابتسامةً صَفراء
، وقال بِسُخريةٍ واستهزاء :
_ أبوك الأجرب الذي لا
يَسْتَحِم قَرَّرَ أنْ يَحْلِقَ شَعْرَه ! ، مُنْذُ مَتَى يَستخدم شَفرةَ حَلاقة ؟
.
ارتبكتُ ، وَظَهَرَتْ عَلَيَّ
عَلاماتُ الخَوْفِ والقَلَقِ والاضطرابِ ، وَخَشِيتُ أنْ يُكْتَشَفَ أمْرِي ،
فَقُلْتُ بِهُدوء مُصْطَنَع :
_ هَلْ تُريدُ أنْ تَبيعَني
أَمْ لا ؟ .
_ سَوْفَ أُعْطِيكَ شَفرةَ
حِلاقة هَدِيَّة مَجَانِيَّة بِمُناسبة أنَّ " أبوك " قَرَّرَ أنْ يُصبح
نَظيفًا وأنيقًا .
وانطلقت الضَّحِكَاتُ مِنْ
فَمِهِ ذِي الرائحة الكريهة ، كَمَا تَنطلِق الحِمَمُ مِنْ فُوَّهَةِ البُركانِ
الثائر.
أخذتُ شَفرةَ الحِلاقة ، وَخَبَّأتُهَا
في جَيْبِ بِنطالي ، وانطلقتُ مُسْرِعًا إلى بَيْتِنَا . كانَ أبي نائمًا في
زَاوية ، وأخَوَاتي الصغيرات نائمات في زاوية أُخْرَى . دَخَلْتُ الحَمَّامَ ، وَهُوَ
لَيْسَ حَمَّامًا بالمَعنى المَعروفِ، وإنَّما عِبارة عَنْ ألواح خشبية رَتَّبَهَا
أبي بجانب بَعْضِهَا البَعْض ، لِتَكُون بِمَثابةِ جُدرانِ الحَمَّامِ ، معَ وُجود
حُفْرَة عَميقةِ في الأرضِ ، حَفَرَهَا أبي ، لِتَعْمَلَ عَمَلَ المِرْحَاضِ .
وهَكذا ، تَكَوَّنَ مِرْحَاضُ الحُفْرَةِ .
وَضَعْتُ شَفرةَ الحِلاقةِ على
شَرايينِ يَدِي اليُسْرَى . سَرَتْ رَجْفَةٌ شديدةٌ في جَسَدِي ، وأصَابَتْني رَعْشَةٌ
مُرْعِبَة. أحْسَسْتُ بِخَوْفٍ رَهيب أفْقَدَني التَّركيزَ ، وَضَرَبَني القَلَقُ
كالإعصارِ. أغْمَضْتُ عَيْنَيَّ ، وَشَعَرْتُ بِشَفرةِ الحِلاقةِ تُلامِس جِلْدِي.
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ ، فإذا اللَّوْن الأحمر يَتَوَهَّج في جُرْحٍ صَغيرٍ. صَرَخْتُ
كالأبْلَهِ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ: دَم دَم. وَرَمَيْتُ شَفرةَ الحِلاقةِ في
الحُفْرَةِ ، وَخَرَجْتُ كالمَجنون .
صَوْتُ أُخْتِي ظَبْيَة المُعَاقَة
والمَشْلُولَة وَهِيَ تَبْكي ، مَزَّقَ جِلْدِي ، وأحْسَسْتُ أنَّه أقوى مِنْ
شَفرةِ الحِلاقةِ . حَمَلْتُ ظَبْيَة بَيْنَ يَدَيَّ ، وَجَلَسْتُ على الأرضِ
مُسْنِدًا ظَهْرِي إلى حَائطٍ قَذِر . عَيْنَاهَا تَلْمَعَان ، وَوَجْهُهَا
مُسْتَنْقَعٌ مِنَ البُؤسِ والشَّقَاءِ والحِرْمَانِ . حَدَّقْتُ في خُدودِها الذابلةِ
، وابتسامَتِها المُنطفئة . أيُّ مُسْتَقْبَل يَنتظرها ؟ . مَاذا سَتَفْعَل بِنْتٌ
عاجزةٌ في حَيَاتها ؟ . لَو انتحرتُ لَفَقَدَت أخواتي الأربع السَّنَدَ والداعمَ
لَهُنَّ في الحَياةِ . وأيضًا ، أُمِّي وأبي سَيَبْكِيَان عَلَيَّ ، ويَخْسَرَان
ابْنَهما الوحيدَ مِثْل أخي ناصر ، إنَّ هَذه العائلة البائسة هِيَ وَرْطَتي
وَجِنَازتي ومَقْبَرَتي .
قَارَنْتُ بَيْنَ أخواتي
بالرَّضَاعَةِ المَسِيحيَّات : هيلدا وكريستين ومادلين ، يَلْبَسْنَ أجْمَلَ
الفَسَاتين ذات الألوان الزَّاهِيَة، وأجسامُهُنَّ تَنْبِضُ بالنَّشَاطِ
والحَيَوِيَّة، بسبب التَّغذيةِ الجَيِّدَةِ، وبَيْنَ شَقِيقَاتي : نَجَاح
ومَقْبولة ومَسْتُورة وَظَبْيَة ، يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رَثَّةً باليةً قَذِرَة ،
ويُعَانِينَ مِنَ الفَقْرِ والجُوعِ وَسُوءِ التَّغْذيةِ وَفَقْرِ الدَّمِ . كانتْ
أُمِّي تُحْضِرُ لَنَا بَقَايَا الطعامِ مِنْ بُيوتِ الناسِ ، ولكنَّ الأُمُور
تَغَيَّرَتْ إلى الأسوأ ، وانقلبَ حالُنا رَأسًا على عَقِب ، وَدَوَامُ الحَالِ
مِنَ المُحَالِ . وكُلُّ شَيْءٍ في حَالةِ تَغَيُّرٍ مُستمر ، ولا يُوجَد شَيْءٌ
يَبْقَى عَلى حَالِهِ إلى الأبَدِ . التَّغَيُّرُ هُوَ الثابتُ الوحيدُ ، وكُلُّ
شَيْء في الكَوْنِ ، سَوَاءٌ كانَ ماديًّا أَمْ مَعنويًّا ، يَمُرُّ بِمَراحل
مُختلفة مِنَ التَّطَوُّرِ والتَّحَوُّلِ .
شَبَابُ الإنسانِ لا يَدُوم ،
فَهُوَ يَتَحَوَّل إلى شَيْخُوخة ، والصِّحَّةُ تَتَحَوَّلُ إلى مَرَضٍ ،
والقُوَّةُ تَتَحَوَّلُ إلى ضَعْفٍ ، والفَرَحُ يَتَحَوَّل إلى حُزْن ، والرَّخَاءُ
يَتَحَوَّل إلى فَقْرٍ . والأيامُ دُوَلٌ ، يَوْمٌ لَكَ ، وَيَوْمٌ عَلَيْكَ ،
وَلا بُدَّ مِنْ تَقَبُّلِ التَّغييرِ والتعاملِ مَعَه . والحَيَاةُ في حَرَكَةٍ
دائمة ، والتَّغْييرُ سُنَّةُ الكَوْنِ، وكُلُّ شَيْءٍ في هَذه الدُّنيا مُؤقَّت،
والفَنَاءُ مَصِيرُ الجَمِيعِ ، والناسُ نِيَامٌ ، فإذا ماتوا انْتَبَهُوا .
18
كَرِهْتُ المَدرسةَ ، ولَمْ
أَعُدْ أذهبُ إلَيْهَا . أخرجُ مِنْ بَيْتِنَا في الصَّبَاحِ ، وأخْدَعُ أهْلِي ،
وأُوهِمُهُم أنَّني ذاهبٌ إلى المَدرسةِ، وَلَكِنَّني أسيرُ في الطُّرُقَاتِ
هَائِمًا عَلى وَجْهِي ، وأركضُ وَرَاءَ قُطْعَانِ الأغنامِ ، وألعبُ معَ الأطفالِ
المُشَرَّدِين ، وأُصَادِقُ أولادَ النَّوَرِ . يُعَلِّمُونَني التَّدْخِينَ
والرَّقْصَ مَعَ بَنَاتِهِم . قالتْ لِي امرأةٌ نَوَرِيَّة كبيرة السِّن ،
تُدَخِّن الغَلْيُون ، ويَبْدُو أنَّها زعيمة الراقصات :
_ يا ابْنِي ، الرَّقْصُ هُوَ
فَنٌّ تَعْبيري يَستخدم الحَرَكَةَ والإيقاعَ للتواصلِ والتَّعبيرِ عَن المَشاعرِ
والثَّقافةِ ، يَمْتاز بِتَنَوُّعِهِ وتاريخِه الغَنِيِّ في مُخْتَلَفِ
الثَّقَافاتِ والعَادَاتِ والتَّقَاليد .
لَمْ أفَهْمْ شيئًا مِمَّا
قَالَتْه ، وَلَكِنَّني شَعَرْتُ بالرُّعْبِ عِندما قالتْ لِي : " يا ابْنِي
" ، هَلْ هَذه عِبارة تَدَلُّ على الاحترامِ والعَطْفِ والحَنَانِ أَمْ
أنَّها أُمِّي بالرَّضَاعَةِ مِثْل أُمِّ سِمْعَان ؟ . مُصِيبةٌ عظيمةٌ إذا
لَقَّبَني الأولادُ " ابن النَّوَرِيَّة " ، سَتَكُون فَضِيحة مَا
بَعْدَهَا فَضِيحة . صِرْتُ أخافُ مِنْ كُلِّ امرأةٍ تُناديني " يا ابْنِي
" ، خَشْيَةَ أنْ أكُونَ ابْنَهَا بالرَّضَاعَةِ ، فَمِنَ الوَاضحِ أنَّ
أُمِّي كانتْ تَرْميني في بُيوتِ الناسِ ، وتَتركني تَحْتَ رَحمةِ أثداءِ
النِّسَاءِ، فَمَنْ أشْفَقَتْ عَلَيَّ أرْضَعَتْني ، وَمَنْ قَرِفَتْ مِنِّي
أهْمَلَتْني. وبالتأكيدِ، أُمِّي مَشغولةٌ بالطَّبْخِ والتَّنظيفِ والغَسِيلِ ،
لأنَّ المَالَ فَقَط هُوَ مَا يَهُمُّهَا وَيَشْغَلُ تَفكيرَها.
صُورةُ ثامر ابن المُختار
" أبو حَسَن " لا تُفَارِقُ ذِهْني . يَجِبُ أنْ أنتقمَ مِنْ هَذا
الوَلَدِ الدَّلُّوعِ . رُوحُ الانتقامِ تَجَسَّدَتْ في رُوحِي نارًا وَحِقْدًا
وَبُغْضًا . الثأرُ والانتقامُ صَارَا الجَنَاحَيْن الحَارِقَيْن اللذَيْنِ
أَطِيرُ بِهِمَا . مَا أصْعَبَ الشُّعُورَ بالظُّلْمِ والذُّلِّ والمَهَانَةِ
وَالخِزْيِ والعَارِ ! . كُنْتُ طِيلةَ حَيَاتي ذَليلًا حَقيرًا، أنْتَمي إلى
قَاعِ المُجتمعِ. مَكَانَةُ عَائلتي في الوَحْلِ، ومَنْزِلَتي الاجتماعية في
الحَضِيضِ. وَحَانَ الوَقْتُ كَيْ أخْلَعَ قِنَاعَ الضَّحِيَّةِ ، وأنتقمَ مِنْ
ثامر الذي يَفتخر بأبيه باعتبارِهِ مُختارًا للقَريةِ . وأنا بِمَنْ أفتخر ؟ ،
هَلْ أفتخرُ بأبي المُتَسَكِّع العاطل عن العمل أَمْ بأُمِّي الخَدَّامة في
البُيوت أَمْ بِأُخْتي ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشْلُولة ؟ . سَوْفَ أفتخرُ
بِنَفْسِي رَغْمَ شُعوري بالنَّقْصِ والدُّونِيَّة .
عِبَارَاتُ أبي تَتَرَدَّدُ في
دَاخِلي ، وَتَرِنُّ في أعماقي ، وَتَحْفِرُ ذَاكرتي : إنْ لَمْ تَكُنْ ذِئبًا
أَكَلَتْكَ الذئاب . نَحْنُ نَعيشُ في عَالَمٍ وَحْشِيٍّ مَليء بالتَّحديات
والصِّراعات، يَجِبُ أنْ تَكُونَ قويًّا وحازمًا كَيْ تَنْجُو ، ولا تَكُون
ضَحِيَّةً للآخرين . إنَّ الحَياة قاسية ، وعَلَيْكَ أنْ تَكُون مُسْتَعِدًّا
للدِّفاعِ عَنْ نَفْسِكَ ومَصالحك .
في أحَدِ الأيام ، نَادَاني
أبي ، وأجْلَسَني بجانبِه ، وَمَسَحَ عَلى شَعْرِ رَأسِي بِعَطْفٍ وَحَنَانٍ ،
عَلى غَيْرِ العَادَةِ ، وقالَ لِي بِلَهْجَةٍ أبَوِيَّةٍ حَانِيَة غَريبة عَنِّي لَمْ
أتَعَوَّدْ عَلَيْهَا :
_ كَيْفَ حَالُكَ يا ابْنِي يا
هِشَام ؟ ، هَلْ تَسِيرُ أُمُورُكَ في المَدرسةِ بشكل جَيِّد ؟ .
_ أنا بِخَيْرٍ يا أبي ،
وأُمُوري في المَدرسةِ مُمتازة .
كَذَبْتُ عَلَيْه ، فأنا لَمْ
أَعُدْ أذهبُ إلى المَدرسة . صِرْتُ أقْضِي أيَّامي مُتَسَكِّعًا في الطُّرُقَاتِ
مِثْلَ أبي ، وَمْن شَابَهَ أباهُ فَمَا ظَلَمَ ! .
_ هَلْ تَعْرِفُ الوَلَدَ
" ثامر " ابن المُختار " أبو حَسَن " ؟ ، إنَّهُ في مِثْلِ
سِنِّكَ .
مَا إنْ سَمِعْتُ اسْمَ ثامر
حَتَّى انتفضتُ كالمَلسوعِ ، كَأنَّ أفعى لَدَغَتْني أوْ تَيَّارًا كَهربائيًّا
سَرَى في جِسْمِي، وَأَحْرَقَ عِظَامي. ارتبكتُ ، وارتجفتْ أعضائي ، وَتَعَرَّقْتُ
بِشِدَّةٍ ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ مُضْطَرِب:
_ نَعَم ، أعْرِفُه ، فَهُوَ
زَميلي في الصَّف .
لَمْ أستطعْ أنْ أذكرَ اسْمَ
ثامر عَلى لِسَاني مِنْ شَدَّةِ القَلَقِ والتَّوَتُّرِ .
اقتربَ مِنِّي أبي، وقالَ لِي
بِصَوْتٍ عَميقٍ ومُخيفٍ :
_ أُريدُكَ أنْ تُصَادِقَه
وَتَزُورَه في بَيْتِه، وَتَكْشِف أسرارَ حَيَاتِهِم، وَتَتَجَسَّس عَلى أُمِّهِ
وأبيه .
صُدِمْتُ بهذا
الكَلامِ،وَفَقَدْتُ تَركيزي،وَبَلَعْتُ رِيقِي أكثرَ مِنْ مَرَّة،ثُمَّ
تَمَاسَكْتُ بِصُعوبة، وقُلْتُ:
_ بصراحة يا أبي ، ثامر وَلَدٌ
مَغرورٌ ومُتَكَبِّر، وَيَفْتَخر بأنَّهُ ابْنُ المُختار، ويَمْلِكُون أراضي كثيرة،
وَهُوَ يَرْفُضُ صَدَاقتي ، وَيُنَاديني ابنَ الخَدَّامة، ويَصِفُكَ يا أبي
بأنَّكَ ابْنُ حَرَامٍ ، جِئْتَ إلى القَريةِ مِنْ خَارِجِهَا ، ولا أحَدَ يَعْرِف
مَنْ هُوَ أبُوك وَجَدُّكَ .
_ ثامر وَلَدٌ صغير ، وطِفْلٌ
بريء ، وَهُوَ يَسْمَع هَذا الكلامَ مِنْ أبيه وعائلته ، ويُرَدِّدُه كالبَبَّغَاء
بِلا فَهْمٍ ولا وَعْيٍ .
وأردفَ قائلًا :
_ يَجِبُ عَلَيْكَ يا هِشَام
أنْ تُصَادِقَه وَتَزُورَه في بَيْتِه ، لأنَّ في عَقْلي خُطَّةً ، وأُريدُ
تَنفيذَها .
أدركتُ أنَّ أبي الماكر الخبيث
يُحَضِّرُ أمْرًا شديدَ الخُطورةِ . كُلَّمَا فَكَّرَ أبي واستخدمَ عَقْلَه
وَقَعَتْ كارثةٌ وَحَدَثَتْ مُصيبةٌ . أرجوكَ يا أبي لا تُفَكِّرْ ، وَارْحَمْني
مِنْ خُطَّتِكَ الكارثية . وعلى الرَّغْمِ مِنْ هَذا ، قَرَّرْتُ أنْ أكُونَ
جُزْءًا مِنْ خُطَّةِ أبي التي لا أعْرِفُ عَنْهَا شيئًا . خَرْبانة خَرْبانة . لَمْ
يَعُدْ هُناك شَيْء أبْكي عَلَيْه ، وكُلُّ شَيْء ضاعَ . رُوحُ المُغَامَرَةِ
حَلَّتْ في جَسَدِي ، والمُغَامَرَةُ قَدْ تَقُودُ إلى القِمَّةِ ، أوْ تَقُودُ
إلى الهاويةِ . ولا يَضُرُّ الشَّاةَ سَلْخُهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا .
عُدْتُ إلى المَدرسةِ مِنْ
أجْلِ لِقَاء ثامر.هَذا الوَلَدُ المَغرورُ المُتَكَبِّرُ يَرفضُ صَدَاقَتي ، ولا
يَعترِف بِوُجُودي . قَرَّرْتُ أنْ أسْتَفِزَّهُ وأتلاعبَ بالكَلامِ كَي أُجْبِرَه
عَلى صَدَاقتي واستقبالي في بَيْتِه .
رَأيْتُهُ في سَاحَةِ
المَدرسةِ يَمْشِي وَحِيدًا.هَذه فُرْصتي الذهبية، إذا ضاعتْ لَنْ تَعُود.اقتربتُ
مِنْه، وقُلْتُ بِنَبْرَةٍ ساخرة مِنْ أجْلِ حَرْقِ أعصابِه وَنَسْفِ هُدُوئِه :
_ أنتَ تَهْرُبُ مِنِّي يا
ثامر ، لأنَّني الأوَّل على الصَّفِّ ، وأذكى مِنْكَ ، وعَلاماتي أعلى مِنْ
عَلاماتك ، وأنا أشطر مِنْكَ في لُعبة كُرة القَدَم .
انتفخَ كَالطاووسِ ، وَنَفَشَ
رِيشَه ، وقالَ بِتَكَبُّرٍ كأنَّ الحُروفَ صُخورٌ تَتَدَحْرَجُ مِنْ فَمِه :
_ أنا أشطرُ واحد في الصَّفِّ
، وأذكى وَلَد في المَدرسةِ ، وَكابتنُ فَريقِ كُرة القَدَم الذي فازَ بالكأسِ.
وأبي هُوَ المُختار أبو حَسَن مَالِك الأراضي ، وَبَيْتُنَا واسعٌ وجميل. وأبُوكَ
يا هِشَام شَحَّاذ، وأُمُّكَ خَدَّامة في البُيوتِ ، وتَعيشون في زَريبة أبقار .
تَضَايَقْتُ مِنْ هَذا
الكَلامِ ، ولكنَّه لَمْ يَسْتفزني ، لأنَّني تَعَوَّدْتُ عَلَيْه ، ومَشَاعري
تَحَجَّرَتْ ، وأيَّامي تَجَمَّدَتْ. وَصَارَت البَلادَةُ واللامُبَالاة هِيَ
سِلاحي الفَعَّال لِمُواجهةِ ظُروفِ عائلتي القاسية .
قُلْتُ بِلَهْجَةِ الواثقِ
مِنْ نَفْسِه :
_ أنتَ تَخَافُ مِنْ مُوَاجهتي
يا ثامر، انْسَ أبي وَأُمِّي ، وَاجِهْني في لُعبةِ كُرة قَدَم على سَطْحِ
بَيْتِكَ، كَيْ نَعْرِفَ البَطَلَ والفائز وأشطر وَلَد في هذه اللُّعْبة .
وَاجِهْني وَاحِدًا لِوَاحِدٍ ، ولا تَهْرُبْ مِنِّي يا جَبَان يا خائف . سَوْفَ
أجْعلك تَبْكي مِثْلَ البنات .
فَقَدَ ثامر تَركيزَه ، وثارتْ
أعصابُه ، وَنَجَحَتْ خُطَّتي في استفزازِه وإخراجِهِ عَنْ طَوْرِه ، وَأحْسَسْتُ
بفرحٍ عظيمٍ ، لأنَّني سَلَبْتُ الهُدوءَ مِنْه ، وَجَعَلْتُهُ خاضعًا لِي .
صَنَعْتُ الفِعْلَ بِمَهَارتي ، وَتَرَكْتُ لَهُ رَدَّةَ الفِعْل .
قالَ ثامر وكَلامُهُ تائهٌ
بَيْنَ العصبيةِ والانزعاجِ :
_ تَعَالَ غَدًا إلى بَيْتِي ،
وَسَوْفَ نَلْعَب كُرةَ القَدَمِ على السَّطْحِ ، ونَعْرِف البَطَلَ يا ابْنَ
الخَدَّامة.
أوْقَعْتُهُ في الفَخِّ
القاتلِ ، وَأسْقَطْتُهُ بالضَّرْبَةِ القاضيةِ ، وَنَصَبْتُ لَهُ مِصْيَدَةً
مُحْكَمَةً . عَرَفْتُ مِفْتَاحَ شَخصية ثامر ، وَنِقَاطَ قُوَّتِه ، وَنِقَاطَ
ضَعْفِه ، وكَيْفَ أسْتَفِزُّهُ وأُثيرُه وَأُزْعِجُهُ وأتلاعبُ بأعصابِه، وأجْعَلُهُ
يَضْطَرِب وَيَفُور غَضَبًا .
صحيحٌ أنَّني طِفْلٌ في
السَّادسةِ مِنَ العُمر ، ولكنَّ خِبْرَتي في الحَيَاةِ كبيرة ، فَقَدْ
تَعَلَّمْتُ المَكْرَ والخُبْثَ والدَّهَاءَ مِنْ أبي ، وَاشتغلتُ في دُكَّانةِ
مَسعود ، وَعَمِلْتُ بائعًا مُتَجَوِّلًا ، وَدَخَلْتُ بُيوتَ كثير مِنَ الناسِ ،
وَسَيْطَرْتُ عَلى عَواطفِهم ومَشاعرِهم ، وكَشَفْتُ أسرارَهم ، وَتَجَسَّسْتُ
عَلَيْهِم. لذلك لا يُمْكِن مُقَارنتي معَ ثامر الولد الدَّلُّوع الذي يَأخُذ
مَصروفَه مِنْ أُمِّهِ وأبيه. إنَّني أتَفَوَّقُ عَلَيْهِ بِسُهولةِ في مَجالِ
التعاملِ معَ الناسِ رِجَالًا وَنِسَاءً ، والخِبْرَةِ الحَيَاتِيَّة ، وَصُعوبةِ
العَيْشِ ، والتلاعبِ بِمَشَاعرِ الآخَرين ، كَيْ أُحَقِّقَ مَصَالحي الشَّخصية
ومَنَافعي الماديَّة .
دَخَلْتُ بَيْتَ ثامر ،
وَصِرْنَا نَلْعَبُ مَعًا ، وَنَدْرُس مَعًا . سَيْطَرْتُ عَلَيْه ، وأغْرَقْتُهُ
في التَّحَدِّيات ، التي يَعْشَقُهَا ، فَهِيَ نُقْطَة ضَعْفِه وَمِفْتَاح شَخصيته
. أتَحَدَّاه في كُرةِ القَدَمِ . أتَحَدَّاه في جَدولِ الضَّرْبِ ، أتَحَدَّاه
أنْ يَعُدَّ إلى مِئة . أتَحَدَّاه أنْ يَعْرِف عاصمةَ أمريكا أو عاصمة بريطانيا .
أتَحَدَّاه أنْ يَعْرِفَ اسْمَ أُنثى الذئب ، وهَكَذا إلى مَا لا نِهَاية .
رَمَيْتُهُ في مَتَاهَةٍ لا يَستطيع الخُروجَ مِنها ، وَأدْمَنَ عَلى هذه
التَّحَدِّيات لإثباتِ وُجودِهِ وَتَفَوُّقِهِ عَلَيَّ . وَلَمْ يَعُدْ قادرًا على
الابتعاد عَنِّي . صَارَ يَطْلُبُ مِنِّي يَوْمِيًّا أنْ أزُورَه في بَيْتِه.
كَشَفْتُ جميعَ الأسرارِ في بَيْتِه ، وَتَجَسَّسْتُ عَلى أفرادِ الأُسْرَةِ،
وَعَرَفْتُ طَبيعةَ كَلامِهم وتَفكيرِهم . ماذا طَبَخُوا اليَوْم ؟ ، ماذا
يَلْبَسُ أبوه ؟ ، ماذا تَلْبَسُ أُمُّه ؟ . مَنْ زَارَهُم اليَوْمَ ؟ . ماذا يَقُولُ
إخْوَانُهُ وأخَوَاتُه ؟ . كَأنَّني صِرْتُ فَرْدًا في العائلةِ ، وواحدًا مِنْهُم
. ومعَ هَذا ، كانوا يَنظُرون إلَيَّ نَظْرَةَ احتقارٍ ، ويُعَاملونني بِدُونِيَّة
، وَيُنادونني ابن الخَدَّامة بِلا خَجَلٍ.
بَعْدَ أنْ أنْتَهِيَ مِنَ
الدِّراسةِ أو اللعبِ معَ ثامر ، يَدْخُلُ إلى المَطْبَخِ الأنيقِ لتناولِ الطعامِ
معَ أفرادِ عائلته ، ولا أحَد يَدْعُوني إلى الطَّعَام . أَظَلُّ واقفًا في
الخارجِ مِثْلَ الشَّحَّاذِ أو المُتَسَوِّل لِفَترةٍ مِنَ الزَّمَنِ ، في انتظارِ
الصَّدَقَةِ أو الإحسانِ . ثُمَّ تُحْضِرُ أُمُّهُ ( أُمُّ حَسَن زَوجة المُختار )
لِي بَقَايا الطَّعَام ( الأكل البايت )، وَتَضَعُهُ عِنْدَ عَتَبَةِ البَيْتِ
كَيْ آكُلَه ، كَمَا لَوْ كُنْتُ قِطًّا قَذِرًا أوْ كَلْبًا أجْرَب. مَا زِلْتُ
أتذكَّرُ صَحْنَ فاصولياء بايتة ويابسة، أحْضَرَتْهُ لِي أُمُّ حَسَن ، بِلا مِلْعَقَة
ولا خُبْز . وأجْلَسَتْني عِندَ عَتَبَةِ البَيْتِ ، وَتَنَاوَلْتُهُ بأصابعي وأظافري
مِثْلَ أيِّ حَيَوَان مَنبوذ وَمَنْسِيٍّ في هَذا العَالَمِ القاسي .
قُلْتُ لأبي وأنا في حَالَةِ
نَشْوَةٍ مُذْهِلَة ، كَأنَّني عَالِمٌ اكْتَشَفَ نظريةً مُهِمَّة ، أوْ شاعرٌ نَظَمَ
قَصيدةً رائعة ، ويَنتظر الإطراءَ والمَدِيحَ والتَّعظيمَ :
_ لَقَدْ صادقتُ " ثامر
" ، وَزُرْتُهُ في بَيْتِه ، وَكَشَفْتُ أسرارَ حَيَاتِه ، وَتَجَسَّسْتُ
عَلى أُمِّهِ وأبيه .
فَرِحَ أبي فَرَحًا
جُنُونِيًّا ، والسَّعَادةُ غَمَرَتْ كِيَانَه ، وقالَ بِصَوْتٍ ثابتٍ مُزَلْزِل :
_ اسْمَعْني يا هِشَام ،
لَقَدْ وَصَلَت اللُّقمةُ إلى الفَمِ ، أنا وأنتَ سَنَنْتَقِم مِنْ عائلة المُختار
" أبو حَسَن " ، أُريدُكَ أنْ تَسْرِقَ لِي قِطْعَةً مِنَ المَلابسِ
الداخليَّة لأُمِّ حَسَن ، وهَذا سِرٌّ بَيْنَنَا .
فُوجِئْتُ بهذا الطَّلَبِ
الغريبِ ، وَقُلْتُ بِسَذاجةٍ طُفوليَّة :
_ لِمَاذا يا أبي ؟ ، هَلْ
تُريدُ أنْ تَعْمَلَ لَهَا " حِجَاب وسِحْر " ؟ .
سَمِعْتُ مِنْ أبي في إحدى
المَرَّاتِ أنَّ السَّاحِرَ يَطْلُبُ إحضارَ أثَرٍ أوْ قِطعة مَلابس مِنْ شَخْصٍ
مُعَيَّن لعملِ حِجَاب وَسِحْر يُدمِّره ويَقْضِي عَلَيْه ، وَظَلَّتْ الفِكرةُ
عالقةً في ذِهْني .
ابتسمَ أبي بِسُخرية ، وقال :
_ أنتَ وَلَدٌ ذكي يا هِشَام ،
تَحْفَظ كُلَّ شَيْء ، ولا تَنْسَى شيئًا، وعَقْلُكَ سَيُتْعِبُكَ في الحَياة . لا
يُوجَد سِحْر ولا بِطِّيخ . نَفِّذْ مَا أقُولُهُ لَكَ ، وَاحْذَرْ أن يَرَاكَ أَحَد
.
في إحدى المَرَّاتِ ، كُنْتُ
أتناولُ صَحْنَ عَدَسٍ عِنْدَ عَتَبَةِ البَيْتِ كالمُعتادِ . وأُسْرَةُ "
أبو حَسَن " تتناول الطعامَ في المَطْبَخِ ، وَصَوْتُ اصطدامِ المَلاعِقِ
بالصُّحُونِ يَصِلُ إلى أُذُنَيَّ كأزيزِ الرَّصَاصِ . وَمَا زَالَ هَذا الصَّوْتُ
يَحْتَلُّ جُزْءًا مِنْ ذَاكرتي ، وَيَتَرَدَّد في أعماقي السَّحِيقة ، حَتَّى
هَذه اللحظة .
لَمَحْتُ عَلى حَبْلِ الغَسيلِ
في سَاحَةِ البَيْتِ الدَّاخلية وُجُودَ كلسون نِسَائي زَهْري . لَمْ أَشُك للحظة
أنَّهُ لأُمِّ حَسَن بسبب حَجْمِهِ الكبير . شَرِبْتُ العَدَسَ حَتَّى آخِرِ
قَطْرَةٍ ، وَأعَدْتُ الصَّحْنَ إلى أُمِّ حَسَن في المَطْبَخِ شَاكِرًا لَهَا
عَلى طَعَامِهَا اللذيذِ الشَّهِيِّ ، وَهَذه مُجَامَلَة كاذبة .
قَفَزْتُ إلى أعْلَى ،
وَأمْسَكْتُ كلسونها ، وَشَدَدْتُهُ إلى أسفل ، حَتَّى صَارَ في قَبْضَتي .
خَبَّأتُهُ دَاخِلَ قَمِيصي الأسْوَدِ الذي أحْضَرَتْهُ لِي أُمِّي كَصَدَقَةٍ
مِنْ إحدى العائلات التي تَخْدُمُ عِندَهَا . وَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ ، وانطلقتُ
في طَرِيقي مِثْلَ البَرْقِ ، وأنا أتَلَفَّتُ حَوْلي .
أعَطَيْتُهُ لأبي، فابتسمَ
بِخُبْثٍ وَدَهَاء، وَوَصَفَهُ بأنَّهُ كَنْزٌ،وَوَضَعَهُ في كِيسٍ أسْوَد ،
وَتَمَّت المُهِمَّة.
بَعْدَ عِدَّةِ أيَّام
الْتَقَى أبي بِأُمِّ حَسَن في الطريق ، فَانْتَحَى بِهَا جانبًا ، وَهُوَ
يَحْمِلُ الكِيسَ الأسْوَد الذي يَحْتوي على الكَنْزِ . أخْرَجَ لَهَا كلسونها ،
ثُمَّ أعادَه بِسُرعة ، فارتبكتْ ، وَاحْمَرَّ وَجْهُها ، وقالتْ وَهِيَ في
قِمَّةِ الغَضَبِ :
_ كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ ابْنَكَ
حَرَامي ، يَسْرِقُ أغراضَ الناسِ . وَيَبْدُو أنَّكَ عَلَّمْتَهُ مِهْنَةَ
السَّرِقَةِ .
وأردفتْ قائلةً :
_ أعْطِني الكِيسَ الأسْوَدَ
يا " أبو ناصر " قَبْلَ أنْ أفضحك بَيْنَ الناس ، وأُنَادي عَلَيْهِم .
قالَ أبي بِسُخريةٍ لاذعة
وهُدوء أعصاب :
_ أنا فَاعِلُ خَيْرٍ يا أُمَّ
حَسَن ، إذا كُنْتِ تُريدين البِضَاعَةَ ادْفَعِي ثَمَنَهَا . لا يُوجَد شَيْء
مَجَّاني . لِكُلِّ شَيْءٍ ثَمَنٌ وقِيمة . وإذا كُنْتِ لا تُريدين دَفْعَ
الثَّمَنِ ، سَوْفَ أُعْطِيه لِزَوْجِكِ المُختار المُحترم ، وإذا سَألَكِ كَيْفَ
وَصَلَ إلَيَّ حاولي الإجابةَ عَن سُؤاله قبل الفضيحة .
_ اللَّه يغضب عَلَيْك يا
سَلْمَان ، إنْ شَاءَ اللَّه تَلْقَاها في بَناتك . حَرَامٌ عَلَيْكَ يا "
أبو ناصر "، اتَّقَ اللَّهَ ، هُناك حِسَاب بَعْدَ المَوْت . الدُّنيا لا
تُغْني عَن الآخِرَة .
_ مَا دُمْتِ يا أُمَّ حَسَن
شِيخة وشريفة وواعظة ، وتَعْرِفين أنَّ هُناك مَوْتًا وَحِسَابًا وَآخِرَة ،
انْصَحِي زَوْجَكِ المُرَابي ، الذي يَتعامل بالرِّبَا ، ويأكل المالَ الحرامَ ،
ويَمْتَص دَمَ الفُقَرَاءِ مِثْلِي وَمِثْل غَيْري . ألا تَعْلَمِين أنَّ الرِّبا
مِنْ كَبائرِ الذُّنُوب ، كَيْفَ تَقْبَلِين دُخولَ مالٍ حرام إلى بَيْتِكِ يا
طاهرة ؟.
_ هات مِنَ الآخِر . ماذا
تُريد ؟ .
_ الكلسون ثَمَنُهُ إسوارة
ذَهَب مِنْ أساورك ، واللَّوْنُ الزَّهْري ثَمَنُهُ الخَاتَم الذي في إصبعك .
طارَ عَقْلُ أُمِّ حَسَن
عِندَما سَمِعَتْ هذا الكلامَ ، وقالتْ بغضبٍ شديد :
_ هَل أنْتَ مَجنون يا
سَلْمَان أوْ شارب ؟ .
ابتسمَ أبي ابتسامةً صَفْرَاء
، وقال مُستهزئًا :
_ أنا لَسْتُ " شارب
" ، أنا لِحْيَة .
وتابعَ يَقُول بِسُخرية :
_ اسمحي لِي بالذهاب يا أُمَّ حَسَن ،
سَأُعْطِي الكيسَ بِمَا فيه لأخي وحَبيبي " أبو حسن " مُختار قَرْيتنا
المُحترم ، وإذا طَلَّقَكِ فلا عَلاقة لِي بالمَوضوع ، أنا فَاعِلُ خَيْرٍ ،
وأُريدُ الإصلاحَ .
هَمَّ أبي بالذَّهَابِ ، فَأوْقَفَتْهُ
أُمُّ حَسَن ، وقالتْ ومَعنوياتُها في الحَضِيض :
_ سَأُعطيك الإسوارة والخَاتَم
، هاتِ الكِيس .
وَبَعْدَ انتهاءِ عَملية
المُقَايَضَة ، قالتْ بِحُرْقَةٍ شديدة :
_ اللَّه يَغضب عَلَيْكَ يا سَلْمَان وعلى ابْنك
الهامل الحَرَامي ، واللَّه يَفضح زوجتك وبناتك واحدةً واحدةً ، واللَّه لا
يَجْعلك تتهنَّى بالإسوارةِ والخَاتَمِ .
صِرْتُ حَرِيصًا على
الذَّهَابِ إلى المَدرسةِ ، لَيْسَ مِنْ أجْلِ طَلَبِ العِلْمِ ، بَلْ مِنْ أجْلِ
رُؤيةِ ثامر الذي أَخْزَيْتُهُ وَنَكَّسْتُهُ وَعَلَّمْتُ عَلَيْه ، وَمَرَّغْتُ
أنْفَهُ في الوَحْلِ . لَمْ يَعُدْ ثامر يَجْرُؤ على النَّظَرِ في وَجْهِي ،
كُلَّمَا رَآني نَظَرَ إلى الأرْضِ مِثْل البِنْتِ الخَجُولة. صِرْتُ أشْتُمُهُ
أمامَ الأولادِ ، ولا يَرُد عَلَيَّ، خَوْفًا مِنَ الفَضِيحة . اخترعتُ جُمْلَةً
بِدَائية وتافهة وسَاذَجة : ( الكلسون الزَّهْري يَلْعَب بِعُمْري ) ،
وَاتَّخَذْتُهَا شِعَارًا ونشيدًا أُرَدِّدُهُ بَيْنَ الأولادِ عِندَما يَكُون
ثامر مَوجودًا . وَيَخْجَل ثامر وَيَغْضَب وَتَدْمَع عَيْنَاه، والأولادُ لا
يَفْهَمُون مَا هِيَ القِصَّة . هَذا السِّرُّ بَقِيَ بَيْنِي وَبَيْنَ ثامر ، وَلَمْ
أكْشِفْهُ لأيِّ تِلميذ في المَدرسة . لَقَدْ شَفَيْتُ غَلِيلي ، وانتقمتُ أشَدَّ
الانتقامِ ، وَسَيَظَلُّ ثامر يَذكُرني إلى الأبَدِ . والإنسانُ قَدْ يَنْسَى
الشَّخْصَ الذي أضْحَكَه ، ولكنْ لا يُمْكِن أنْ يَنْسَى الشَّخْصَ الذي أبْكَاه .
أبي الخَبِيثُ رَسَمَ خُطَّةً
شَيْطَانِيَّة ، وأنا نَفَّذْتُهَا عَلى أرضِ الواقعِ . لَطَالَمَا رَسَمْتُ
حَيَاتي كَحَرَامي مِثْل أبي الذي يُحْضِرُ المَالَ مِن الهَوَاءِ . ولكنَّ
السُّؤال الذي حَيَّرَني وأرَّقَني في الليالي الطويلة : أيْنَ يُخَبِّئُ أبي المالَ
الذي يَسْرِقُهُ مِنَ الناس أوْ الذي يَأخُذه مِنْهُم بالمَكْرِ والحِيلةِ ؟ .
فَتَّشْتُ بَيْتَنا ( زَريبة الأبقار ) فَلَمْ أَجِدْ أثَرًا للمالِ. لا بُدَّ
أنَّهُ يُخَبِّئُهُ في مَكَانٍ قريب مِنَ الزَّريبة كَيْ يَطْمَئِنَّ عَلَيْهِ
بَيْنَ الحِينِ والآخَر .
في إحدى الليالي شَعَرْتُ
بِحَرَكَةٍ غريبة . نَظَرْتُ مِنْ تَحْتِ اللِّحَافِ ، فَرَأيْتُ أبي يُغَادر
الزَّريبةَ وَهُوَ يَحْمِلُ مِصْبَاحًا مُضِيئًا . أيْنَ يَذهَب في هَذا الوَقْتِ
؟ . أحْرَقَني الفُضُولُ ، وَهَيْمَنَتْ عَلَيَّ الشُّكُوكُ والهواجسُ . تَبِعْتُهُ
دُون أنْ أُصْدِرَ صَوْتًا . سِرْتُ حَافِيًا ، وأنا مُعْتاد على هَذا . تَوَقَّفَ
في مَنطقةٍ مُعَيَّنَة ، وَوَضَعَ المِصْبَاحَ المُضِيء ، وَهُوَ يَتَلَفَّتُ في
كُلِّ الاتِّجَاهات . اختبأتُ وَرَاء صَخْرَة كبيرة . رَأيْتُهُ يَحْفِرُ الأرضَ
بِيَدَيْه ، ويُخْرِجُ صُندوقًا خَشَبِيًّا . فَتَحَهُ بِمِفْتَاح . انعكسَ ضَوْءُ
المِصْبَاحِ عَلى مُحتوياتِ الصُّندوقِ الخَشَبِيِّ. سَبَائِكُ الذَّهَبِ
تَتَوَهَّجُ بِشِدَّةٍ، وَلَمَعَانُهَا يَخْلُعُ عُيوني مِنْ رَأسِي.
هَلْ هَذا مُمْكِن ؟ ، هَلْ
هَذا مَعْقُول ؟ . أبي المُتَسَكِّعُ العاطلُ عَن العَمَلِ يَمْلِكُ هَذه
الكَمِّية الكبيرة مِنَ الذَّهَبِ ! . لا بُدَّ أنَّه سَرَقَ أشخاصًا كثيرين ،
بَلْ مِنَ المُؤكَّد أنَّه سَرَقَ عائلات بأكملها .
يُحَوِّلُ الأوراقَ
النَّقْدِيَّة إلى ذَهَبٍ، ويُخَبِّئُ سَبائكَ الذَّهَبِ في صُندوق خشبيٍّ تَحْتَ
التُّرَابِ ، وَيَرْفُضُ إخراجَنا مِنْ زَريبةِ الأبقارِ. كَانَ بإمكانِهِ أنْ
يَشتريَ لنا بَيْتًا واسعًا وجَمِيلًا . ولكنَّه قَرَّرَ أنْ يَأخُذَ الذَّهَبَ
غَنِيمةً ، وأنْ يَأخُذَنا رَهَائن . وَأُمِّي المِسْكينةُ تَعْمَلُ خَدَّامة في
البُيوت لَيْلًا ونهارًا ، وأخواتي الطِّفْلاتُ البريئاتُ مَنْسِيَّاتٌ في زَريبةِ
الأبقار، يُعَانِينَ مِنَ الفَقْرِ والجُوعِ وَالمَرَضِ والحِرْمَانِ، ولا
يَلْبَسْنَ فَسَاتين جميلة وزاهية مِثْل أخواتي بالرَّضَاعَةِ المَسِيحيَّات :
هيلدا وكريستين ومادلين .
لَطَالَمَا سَمِعْتُ أبي
يَقُول إنَّ اقتصاد الدَّوْلَة زبالة ، والبَلَد يَحْكُمُه اللصوص والحراميَّة ،
والعُمْلة الوطنية في الحَضِيضِ ، لَيْسَ لها وَزْن ولا قِيمة ، والفساد في كُلِّ
مَكَان ، ويَجِبُ تَحويلُ الأوراقِ النَّقْدِيَّة إلى ذَهَبٍ . كُنْتُ أضحكُ
عَلَيْه ، وأسْخَرُ مِنْه ، وأستهزئ بِه . وأقُولُ في نَفْسِي : شخصٌ مُتَسَكِّعٌ
وعاطلٌ عَن العَمَلِ ونائم في زَريبة أبقار، مَا علاقته بالذَّهَبِ ؟. نَحْنُ
نَسْمَعُ بالذَّهَبِ ولا نَرَاه ولا نَعْرِفُه . أمَّا الآن ، فَقَدْ رَأيْتُ
الذهبَ وعَرَفْتُه ، وعَرَفْتُ أنَّ أبي داهية وشَيطان في ثِيَاب إنسان،وَصِرْتُ
أخافُ مِنْهُ أشدَّ الخَوْفِ،خُصُوصًا أنَّ عَائِلَتَنَا التعيسة سائرة إلى
المُسْتَقْبَلِ المَجهول.
19
قالتْ لِي أُمِّي :
_ لا تَذهَب غَدًا إلى
المَدرسةِ ، أُريدُكَ أنْ تُسَاعدني في خِدْمَةِ رِجَالٍ مُهِمِّين في الدَّوْلَة
.
كلمةُ " الدَّوْلَة
" ذَات وَقْع شديد في نَفْسِي ، لَمْ أفْهَمْ مَعْناها في ذلك الوَقْت ،
ولكنَّني أحْسَسْتُ أنَّها شَيْء كبير وضخم وعظيم وَمُتَوَحِّش، يَجِب أنْ نَخَاف
مِنْه، ونَحْذَر في التعامل معه .
قُلْتُ بِسَذاجةٍ وَبَرَاءةٍ
طُفولية :
_ مَا علاقتنا بالدَّوْلَةِ ؟
، وكَيْفَ سَنَذهَب إلَيْهَا ؟ .
ابتسمتْ أُمِّي ابتسامةً
تَحْمِلُ مَعنى السُّخريةِ والاستهانةِ بِمُستواي العقلي المُتَدَنِّي ، وقالتْ :
_ غدًا سَنَذهَب معًا ،
وأُريدُكَ أنْ تَظَلَّ صامتًا ، لا تَتَكَلَّم بِحَرْفٍ واحدٍ بَيْنَ الرِّجالِ
المُهِمِّين لِكَيْلا تَفْضَحَنَا مَعَهُم ، هَؤلاء خَطِيرُون ، وَلَيْسُوا مِثْلَ
أهْلِ القَريةِ المساكين .
طِيلة الليل وأنا أُفكِّر في
طبيعةِ هؤلاء الرِّجال المُهِمِّين الخَطِيرين ، هَلْ هُمْ بَشَرٌ مِثْلُنَا لَهُم
رُؤوس وعُيون وأيْدٍ وأرْجُل ؟ . كَيْفَ أستطيعُ أنا الطِّفْل الصغير وأُمِّي
الخَدَّامة الجاهلة الأُمِّية أنْ نُوَاجِهَ الدَّولةَ ونُقَابِل الرِّجال
المُهِمِّين؟.هَلْ للدَّوْلَةِ طَعْمٌ أوْ لَوْنٌ أوْ رائحة ؟.لَمْ أستطع
النَّوْمَ في تِلْك الليلةِ الرَّهيبة. دَاهَمَني الأرَقُ، واحْتَلَّني الرُّعْبُ.
لَيْتَني أذهبُ إلى المَدرسةِ ولا أذهبُ إلى الدَّوْلَةِ . في المَدرسةِ أولادٌ
صِغَار يُمْكِن التعامل مَعَهُم . وفي الدَّوْلَةِ رِجَالٌ مُهِمِّين لا يُمْكِن
التعامل مَعَهُم .
جاءَ الصَّبَاحُ وأنا في حَالةٍ
سَيِّئة ، ومَعْنوياتي مُنهارة . جَسَدِي مُحَطَّمٌ بسبب غِيَابِ النَّوْمِ ،
وَذِهْني مُشَتَّتٌ ، وعَاجِزٌ عَن التَّفكير بشكل مَنْطقي ، ولا أقْدِرُ عَلى
رَبْطِ الأشياءِ بِصُورةٍ مُتسلسلة .
ذَهَبْتُ مَعَ أُمِّي إلى
الدَّولةِ . تَصَوَّرْتُ بعقلي الطُّفولي البسيط أنَّ الدَّولة سَتَظْهَر في
الطَّريقِ فَجْأةً كَوَحْشٍ كَاسِر ، أوْ حَيَوَان مُفترِس . ولكنَّ شَيئًا مِنْ
هَذا لَمْ يَحْدُثْ . كانتْ هُناك خارج القَرية خَيْمَة كبيرة يُوجَد فِيهَا
رِجَالٌ كثيرون وطاولات وكراسي وأجهزة وآلات ومُعَدَّات وكاميرات تَصوير .
لَمْ أفْهَمْ مَا يَحْدُث . رَأيْتُ
بَعْضَ الرِّجال واقفين خارجَ الخَيْمَة . اقتربتُ مِنْهُمْ ، وَبَقِيتُ واقفًا
وَرَاءَهُم . وَلَمْ يَنْتبهوا إلَيَّ في البِدَايَةِ بسبب قِصَرِ قَامَتي .
أسْمَعُ مَا يَقُولون ، ولا أنْطِقُ بكلمة . سَمِعْتُ عِباراتٍ كثيرة لَمْ
أسْتَوْعِبْهَا ، وَلَمْ أفْهَمْ شيئًا مِنْهَا . كلامٌ فَوْقَ مُستوى تَفكيري ،
وأكبر مِنْ عَقْلي الطُّفولي : مطار عَسكري . البُنية التَّحْتية اللازمة لتشغيلِ
وصِيانة الطائرات العسكرية. القاعدة الجَوِّية. الرادارات وأنظمة التَّحَكُّم
والسَّيطرة . تَخزينُ المُعَدَّاتِ والأسلحةِ . تَوفير التَّدريب للقُوَّات
الجَوِّية . الدِّفَاع الوطني . تأمين المصالح الإستراتيجية للدَّوْلة .
الاتِّصَالات السِّلْكِيَّة واللاسِلْكِيَّة . مَمنوع الدُّخُول إلا بتصاريح
أمْنِيَّة خَاصَّة .
الْتَفَتَ إلَيَّ أحَدُ
الرِّجَالِ ، وقالَ مُتَعَجِّبًا :
_ ماذا تَفْعَل هُنا يا وَلَد
؟ .
أحْسَسْتُ بالذُّعْرِ
والاضطرابِ ، وانتشرت الفَوْضَى في حَوَاسِّي ، وتَذَكَّرْتُ كَلامَ أُمِّي عَن
الرِّجالِ المُهِمِّين الخَطِيرين في الدَّوْلة ، وقُلْتُ بِصَوْتٍ ضعيف
لَعَلَّهُمْ يُشْفِقُونَ عَلَيَّ ولا يُؤْذُونني :
_ يا سيدي ، أنا هِشَام ابن الخَدَّامة
، جِئْتُ كَيْ أُسَاعِدَ أُمِّي في الشُّغل .
_ اذهبْ إلى أُمِّكَ يا وَلَد،
ولا تَقِفْ مَعَ المُهندسين والطَّيَّارين .
أوَّل مَرَّة أسمعُ في حَيَاتي
" المُهندسين والطَّيَّارين " . هاتان الكلمتان لَيْسَ لَهُمَا وُجود في
قاموس أهل القرية . تَمَنَّيْتُ عِندَما أكْبَر أنْ أكُون مِنَ المُهندسين
والطَّيَّارين ، كَيْ أُصبح مِنَ الرِّجال المُهِمِّين الخطيرين في الدَّوْلة ، معَ
أنَّني لا أعْرِفُ مَا هِيَ طَبيعة عَمَلِ المُهندسين والطَّيَّارين ، ولكنَّني
أدركتُ بعقلي الطُّفولي البِدائي أنَّهُم رِجَال كِبَار أكثر أهمية مِنَ المُختار
" أبو حسن " ومَسعود صاحب الدُّكَّانة والمُعَلِّمين في مَدرستنا .
رَكَضْتُ إلى أُمِّي هاربًا مِنَ
المُهندسين والطَّيَّارين . قالتْ لِي :
_ انتبهْ إلى صَناديقِ
المَشروبات الغازية ، واحْذَرْ أنْ تَكْسِرَ الزُّجَاجاتِ .
وأعْطَتْني مِفْتَاحًا لفتحِ
الأغطية المَعْدِنِيَّة لِزُجاجاتِ المَشروبات الغازية، وتَرْتيبها على إحدى
الطاولات . وكانتْ أُمِّي تَحْمِلُهَا على صينية لتقديمِها إلى الرِّجالِ
المُهِمِّين الخطيرين في الدَّوْلة . شَعَرْتُ بِسَعادةٍ عَظيمة ، وَفَرِحْتُ بهذا
العَمَلِ، خُصُوصًا أنَّني كُنْتُ أشربُ ما أُريدُ مِنَ الزُّجَاجات ذات الألوان
المُختلفة .
وجاءت الكارثةُ غَيْرُ المُتَوَقَّعَة
، وَحَلَّت المُصيبة الصاعقة . تَعَثَّرَتْ أُمِّي بأحدِ الكَرَاسي ، وَفَقَدَتْ
تَوازنَها ، وَسَقَطَتْ على الأرض ، وَلَيْتَ الأمْرَ وَقَفَ عِندَ هَذا الحَدِّ .
لَقَدْ أسْقَطَتْ زُجَاجاتِ المَشروبات الغازية عَلى ثِيَابِ سِيَادَةِ العقيد.
هَكذا يُخاطبونه. رَأيْتُهُ مِنْ بَعيد،وَخِفْتُ مِنْهُ ، وَلَمْ أجْرُؤْ على
الاقترابِ مِنْه . يُحِيطُ بِهِ رَجُلان ضَخْمَان مُسَلَّحَان ، يَحْمِلُ كُلُّ
واحدٍ مِنهما بُندقيةً طَويلةً . لا شَك أنَّه رَجُلٌ مُهِم وشديد الخُطورة . كان
العقيد رَجُلًا طَويلًا وَمُمتلئًا وَرَشِيقًا ، ذَا بُنية جسدية قوية، أسْمَر
البَشَرَة ، وكثيف الشَّعْر ، ومَلامحُ وَجْهِه حادَّة وقاسية ، وَعَضَلاتُهُ
بارزة ، وَصَوْتُهُ خَشِن ، وقوي الشَّخْصية ، الجميعُ يَسْتمع إلَيْه ، ولا أحَد
يُقَاطعه في الكلام .
كانَ العقيد يَرْتدي ثِيَابًا مَدَنِيَّة
، عِبَارة عَنْ قميص أزرق فاتح نُص كُم ، وبِنطال كُحْلي . سَقَطَت عَلى ثِيَابِهِ
المَشروباتُ الغازية ذات الألوان المُختلفة ، فانتشرتْ البُقَعُ المُلَوَّنة في
ثِيَابِهِ التي صارتْ تُشْبِهُ ثِيَابَ المُهَرِّجين . وَضَحِكَ بعضُ الحُضُورِ
عَلى مَنْظَرِ العقيدِ ، مِمَّا جَعَلَهُ يَغْضَب وَيَثُور وَيَفْقِد تَركيزَه ،
وَشَتَمَ أُمِّي قائلًا :
_ يا كَلْبة يا بِنْت الكَلْب ، هَلْ أنْتِ
خَدَّامة عَمْيَاء لا تُشاهدين الأشياءَ أمَامَكِ ؟ .
وَرَكَلَ وَجْهَ أُمِّي
الواقعةِ على الأرضِ بِحِذَائِهِ بِوَحْشِيَّة، فَسَالَ الدَّمُ مِنْ فَمِهَا وَأنفِهَا،وَبَصَقَ
عَلَيْهَا. وَانفَجَرَتْ أُمِّي باكيةً كالأطفالِ ، وَهِيَ مَرْمِيَّةٌ على الأرضِ
مِثْلَ أيِّ شَيْءٍ تافه ، لا قِيمة لَه . مَلابِسُهَا الرَّثَّةُ الباليةُ
مُلتصقة بالتُّرَابِ ، والذُّعْرُ والدَّمُ يَسِيلان عَلى وَجْهِهَا ، وَهِيَ
مُجَلَّلَةٌ بالذُّلِّ والهَوَانِ أمَامَ أنظارِ الرِّجالِ المُهِمِّين الخطيرين
في الدَّوْلة .
طارَ عَقْلي عِندَما رَأيْتُ
أُمِّي بهذه الحالةِ المُخْزِيَةِ ، وَفَقَدْتُ قُدرتي على التَّفكيرِ ، وَلَمْ
أَعُدْ أرى أيَّ شَيْءٍ أمَامِي سِوَى العَقِيدِ . انطلقتُ نَحْوَهُ مِثْلَ
الهاربِ مِنْ مُستشفى المَجانين ، واندفعتُ كالشِّهَابِ الناريِّ الحارق ،
وَهَجَمْتُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَشغولٌ بتنظيفِ مَلابِسِه ، وَقُمْتُ بِعَضِّ يَدِه
، وَغَرَسْتُ أسناني في جِلْدِهِ بِكُلِّ مَا أُوتيتُ مِنْ قُوَّةٍ ، فَصَفَعَني
عَلى وَجْهِي بِكَفِّهِ التي تُشْبِهُ المِطْرَقَةَ . أحْسَسْتُ أنَّ دِمَاغي
خَرَجَ مِنْ مَكَانِه ، وأنَّني أُصِبْتُ بالعَمَى ، وَفَقَدْتُ السَّمْعَ .
والدِّمَاءُ تَحْتَلُّ وَجْهي ، والدُّمُوعُ تَدَفَّقَتْ مِنْ عُيوني كالشَّلالِ ،
وَقُلْتُ وأنا في حَالَةِ انهيارٍ شامل :
_ سَأُحْضِرُ لَكَ أبي .
_ طُزْ عَلَيْكَ وعلى أبيك ،
عائلة زبالة ، سَوْفَ أرميكم في السِّجْنِ مِثْلَ الكِلابِ .
رَكَضْتُ مِثْلَ أسْرَع
حَيَوَان في العَالَمِ. لَمْ أَعُدْ أشعرُ بإنسانيتي، أنا ذليلٌ، لَيْسَ لِي
كَرَامَة آدَمِيَّة . أحْسَسْتُ أنَّني تَحَرَّرْتُ مِنَ الجاذبية . لَمْ أَعُدْ
أشعُرُ بالألَمِ مِنْ شِدَّةِ الألَمِ . انطلقتُ بأقْصَى سُرعة مُمْكِنَة ، لا
أَحُسُّ بأعضائي وَحَوَاسِّي وَجَوَارِحِي المَجروحةِ . لا أَحُسُّ بِشَيْءٍ ، أنا
وحيدٌ في هَذا العَالَم ، وَالمَوْتُ هُوَ الضَّوْءُ في نِهَايَةِ النَّفَقِ .
وَصَلْتُ إلى بَيْتِنا
الحَقِير . أبي يَسْتَلْقِي عَلى فِرَاشِهِ البائسِ في زَريبةِ الأبقار ، يَحْلُمُ
أحلامَ اليَقَظَةِ ، ويَلْعَبُ بأصابعِ يَدَيْه . عِندَما دَخَلْتُ بِهَذه
السُّرعةِ الجُنونية ، هَبَّ أبي واقفًا كالمَذعور ، كَأنَّ عَقْرَبًا لَدَغَتْه .
وَقَفْتُ أمامَه ، وأنا ألْهَثُ وأرتجفُ وعاجزٌ عَن الكَلامِ . نَظَرَ إلَيَّ
بِعَيْنَيْن خَائِفَتَيْن، وقال بألَمٍ غامضٍ :
_ ماذا حَدَثَ يا هِشَام ؟ ،
تَكَلَّمْ بِسُرعة ؟ .
قَاتَلْتُ نَفْسِي كَي أسْتَجْمِعَ
قُوَايَ الذهنية، وَأَمْلِكَ القُدرةَ على الكلامِ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ مُرتجف:
_ هُناك شخص اسْمُهُ العقيد
شَتَمَ أُمِّي ، وَضَرَبَهَا ، وَقَدْ تَرَكْتُهَا مَرْمِيَّةً على الأرضِ .
احْمَرَّ وَجْهُ أبي ،
وَصَارَتْ عَيْنَاه جَمْرَتَيْن ، وقالَ بغضبٍ شديد :
_ ارْكُضْ أمَامِي ، وَدُلَّني
على المَكَانِ .
وَرَكَضْنَا مَعًا
كَقَتِيلَيْن خَارِجَيْن مَنْ قَبْرِ الحَضَارةِ الوَهْمِيَّة . لَيْسَ لَنَا
تاريخٌ ولا حُلْمٌ .
قَبْلَ الوُصولِ إلى
الخَيْمَةِ ، قالَ لِي أبي :
_ مَا هُوَ شَكْلُ العقيدِ ؟ .
_ إنَّهُ يُشْبِهُكَ يا أبي. أسمرُ
البَشَرَة، وكثيفُ الشَّعْر ، وَطَوِيلُ القَامَةِ ، وَجِسْمُهُ قوي . ويُحِيطُ
بِهِ رَجُلان مُسَلَّحَان ، يَحْمِلُ كُلُّ واحدٍ مِنهما بُندقيةً طَويلةً .
هَجَمَ أبي عَلى الخَيْمَةِ
بِلا عَقْلٍ ولا تفكير . جَسَدُهُ نَجْمٌ يَحترقُ خارجَ المَدَارِ وَحِيدًا .
انطلقَ نَحْوَ الهَدَفِ كَالرَّصَاصَةِ التي لا يُوقِفُها شَيْء . قَفَزَ عَلى
الحَارِسَيْن المُسَلَّحَيْن ، وَاسْتَوْلَى عَلى سِلاحَيْهِمَا ، وأمسكَ
البُندقيةَ الأُولَى بِيَدِهِ اليُمنى، وأمسكَ البُندقيةَ الثانية بِيَدِهِ
اليُسرى ، وَرَفَعَهُمَا في وَجْهِ العقيدِ الجالسِ على الكُرسي . ارتبكَ العقيدُ
، وانتشرَ الهَلَعُ في مَلامِحِ وَجْهِه ، وَتَجَمَّدَتْ أطرافُه، وتَوَقَّفَ
رِيقُهُ في حَلْقِه، وأيقنَ أنَّهُ مَقتول لا مَحَالة، ولَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ
أحَد ، وأنَّ حَيَاتَهُ انتهتْ في هَذه البُقْعَة الصَّحراوية النائية .
رَمَى أبي البُنْدُقِيَّتَيْن
أمامَ العقيدِ بِحَرَكَةٍ مَسرحية ، أوْ أنَّ المَشْهَدَ جُزْء مِنْ سيناريو
مُحْكَمٍ في فِيلم حَرْبي ، وقالَ بابتسامةِ الواثقِ المُنْتَصِرِ :
_ يا باشا، صحيحٌ أنَّنا
أُنَاس فُقَرَاء ومَنْبُوذون ، وَمِنْ قَاعِ المُجتمع ، ولكنَّنا نَعْرِفُ كَيْفَ
نُدَافِع عَنْ شَرَفِنَا وَعِرْضِنَا .
وأردفَ قائلًا بِسُخريةٍ
واستهزاء :
_ وأنصحكَ أنْ تَبْحَثَ عَنْ
رِجَالٍ يَحْمُونكَ ويُدافعون عَنْكَ ، والسِّلاحُ في يَدِ المَرْأةِ يَجْرَحُهَا
.
ابْتَلَعَ العقيدُ رِيقَه ،
وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ، وكانَ غارقًا في الذُّهُولِ والدَّهشةِ ، ولَمْ
يَتَوَقَّعْ أنْ يَحْدُثَ مَعَهُ هَذا المَوْقِف في حَيَاتِه . وَلَمَعَتْ
عَيْنَاه بشكلٍ غَريبٍ ، وَطَلَبَ مِنْ أحَدِ الأشخاصِ إحضارَ كُرسي ، ودَعَا أبي
إلى الجُلُوسِ عَلَيْهِ قائلًا :
_ تَفَضَّلْ يا أخ إلى الجُلوس
بجانبي .
تَرَدَّدَ أبي في البِدَايَةِ
، ولكنَّه جَلَسَ كَمَا طَلَبَ مِنْهُ العقيد ، لأنَّه مُنْهَكُ القُوى ، وعَلى وَشْكِ
السُّقوطِ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ. أعطى العقيدُ أبي سِيجارةً، فَتَنَاوَلَهَا
شَاكِرًا وَمُقَدِّرًا هَذا الكَرَم غَيْر العاديِّ.
قالَ العقيدُ بِصَوْتٍ هادئٍ
ودافئ :
_ يَبْدُو أنَّكَ زَوْجُ
الأُخْتِ الكريمةِ الفاضلة .
_ أنا زَوْجُها أبو ناصر .
_ حَيَّاكَ اللَّهُ يا أخ
" أبو ناصر "، هُناك سُوء تَفَاهُم غَيْرُ مَقصود حَدَثَ معَ أُمِّ ناصر
، وَهِيَ أُخْتُنَا الكريمة، وغالية عَلَيْنَا . وكُلُّنَا إخْوَةٌ وجُنود في
خِدْمَةِ الوَطَنِ والمُوَاطِنِ ، حَسَب تَوجيهات فخامة رئيس الجُمهورية.
والسَّيدُ الرئيسُ يَأمُر دائمًا بتقديمِ جَميعِ أشكالِ المُسَاعَدَاتِ للمُواطنين
.
وأردفَ قائلًا :
_ أُحِبُّ أنْ أُعَرِّفَكَ
بِنَفْسِي ، أنا أخوك العقيد مُراد عادل ، مُدير قِسْم التَّخْطِيط في
المُخَابَرَاتِ العسكرية .
وَتَقَدَّمَ أحَدُ الأشخاصِ
مِنْ أبي ، وقالَ له :
_ سِيَادةُ العقيد مُراد عادل رَجُلٌ
وَطَني حُر وشريف ومُتواضع، لا يُحِبُّ أنْ يَتَحَدَّثَ عَنْ نَفْسِه. إنَّهُ العَقْلُ
المُدَبِّر في المُخَابَرَاتِ العسكرية ، ويُلَقِّبُونَه بالأفعى ، نَظَرًا
لِقُدرته الهائلة على اصطيادِ العُمَلاءِ والخَوَنَةِ والمَأجورين والمُتَآمِرِين
والمُرْتَزِقَة والجَواسيسِ والمُنْدَسِّين والمُنْشَقِّين والإرهابيين
والمُعَارِضِين السِّيَاسِيِّين وأعداءِ الوَطَنِ .
دَبَّتْ في أبي رُوحُ
الوَطنيةِ والقَوميةِ بَعْدَ هَذا الكلام ، وقالَ بِمَعنوياتٍ عالية :
_ كُلُّنَا أبناءُ الوَطَنِ
وجُنُودُهُ المُخْلِصُون . وَفَخَامَةُ رئيس الجُمهورية السَّيد الرئيس هُوَ قائدُنا
إلى الأبَدِ ، وَهُوَ يَسِيرُ بِنَا إلى بَرِّ الأمَانِ بِسياسته الرشيدة ،
وَحِكْمته العظيمة ، وَرُؤيته الثاقبة .
ابتسمَ العقيدُ ، وانتشرَ
النَّشَاطُ والحَيَوِيَّة في تَفاصيلِ جِسْمِهِ ومَلامِحِ وَجْهِه ، وقالَ
بِثِقَةٍ بالغة :
_ أنتَ مُوَاطِنٌ صالح يا أخ
" أبو ناصر"، تَتَحَلَّى بالوَلاءِ والانتماءِ. وَقَدْ رَأيْتُ
إقْدَامَكَ وقُوَّتَكَ وشَجاعتك، وَنُرِيدُكَ مَعَنَا في المُخَابَرَاتِ العَسكرية
للاستفادة مِنْكَ في سبيل خِدمة الوطن .
ارتبكَ أبي وَأَحَسَّ
بالتَّوَتُّرِ بَعْضَ الشَّيْء ، وقالَ بِصَوْتٍ مُضطرِب :
_ ولكنْ يا باشا ، أنا
مُجَرَّد راعي غَنَم ، لا أَحْمِلُ شَهَادَةً عِلْمِيَّة ، ولَيْسَ لَدَيَّ
خِبْرَة عَسْكرية .
أبي يُخَاطِبُ أيَّ شَخْصٍ عَسكري " يا
باشا " مَهْمَا كانتْ رُتْبته ودَرَجته .
ضَحِكَ العقيدُ ضِحْكَةً عالية
، وقال :
_ ألَمْ أَقُلْ لَكَ يا أخ
" أبو ناصر " إنَّكَ مُوَاطِنٌ صالح . لا دَاعِي للشَّهَادَاتِ
العِلْمِيَّة ولا الخِبْرَات العَسْكَرِيَّة . كُلُّ شَيْء بالواسطة ،
والخِبْرَاتُ والمُهَارَاتُ تُكْتَسَب بالتَّعَلُّم بشكلٍ تَدْريجي، أهَمُّ شَيْء
هُوَ الوَلاء الأعمى ، وتَنفيذُ الأوامرِ بِلا نِقَاشٍ ، وإنجاز المُهِمَّات بقلبٍ
مَيت بِلا جِدَال .
وأردفَ قائلًا :
_ أُريدُكَ مُرَافِقًا خَاصًّا
وحارسًا شَخصيًّا لِي. مَا دُمْتَ معَ العقيدِ مُراد عادل الأفعى ، فلا خَوْف
عَلَيْكَ ، ولا أحَد يَجْرُؤ أنْ يَتجاوزَ حُدُودَه مَعَك .
_ هَلْ يَجِبُ أنْ أتركَ
القَريةَ يا باشا ؟ .
_ يا " أبو ناصر " ،
رَكِّزْ مَعِي ، أقولُ لَك : المُخَابَرَات العَسكرية ، يَعْني السُّلطة
والنُّفُوذ والمالَ والوَجَاهَة والمَجْد ، وَتَقُول لِي : القَرية. لا مُستقبَل
لَكَ في القَريةِ . مُستقبَلك مَعِي في العاصمة . أنتَ مَدفون في القَريةِ ،
وَسَتَعُود إلى الحَيَاةِ في العاصمة . يَجِبُ أنْ تَرْحَلَ أنتَ وأُسْرتك إلى
العاصمة في أسرع وقت مُمْكِن .
وأخرجَ مِنْ جَيْبِهِ وَرَقَةً بَيضاء ،
وكَتَبَ عَلَيْهَا بقلم حِبْر أحمر كلماتٍ وأرقامًا ، وقالَ لأبي :
_ هَذا عُنواني وَرَقْمُ
هَاتِفِي في العاصمة .
وأردفَ قائلًا بِحَماسةٍ شديدة
:
_ مَوْعِدُنا في العاصمة .
هَذه فُرصتك يا " أبو ناصر " للخُروجِ مِنَ القَبْرِ ، والفُرْصَةُ
الذهبية تَجِيءُ مَرَّة واحدة فقط ، وَلا تَتَكَرَّر مَرَّتَيْن في العُمر ، إمَّا
أنْ تَسْتَغِلَّهَا وَتَضْرِبَ ضَرْبَتَكَ ، وإمَّا أنْ تَخْسرها إلى الأبد . الفُرْصَةُ
مِثْل القِطَار ، إذا جِئْتَ في المَوْعِدِ الصحيح ، سَتَركَب القِطَارَ ،
ويُوصِلك إلى هَدَفِكَ ، وتُحقِّق أحلامَك، وإذا تَأخَّرْتَ، فإنَّ القِطَارَ
سَيَفُوتُكَ ، وتَظَلُّ في المَحَطَّةِ وَحِيدًا ، تَنْدُبُ حَظَّكَ ، وتُعَاتِب
نَفْسَكَ بِلا فائدة ، وَسَوْفَ تَنْدَمُ يَوْمَ لا يَنْفَع النَّدَمُ .
أنا وأبي عُدْنَا إلى البَيْتِ
. أُمِّي تُضَمِّدُ جُرُوحَها بِقِطَعِ قُمَاش بالية ، والدُّمُوعُ الحارقةُ
حَفَرَتْ أخاديد في وَجْهِها المُنطفئ ، كأنَّها أرملة جالسة في مَأتَم زَوْجِهَا
. وأخواتي الصَّغيراتُ مَنْسِيَّات في زَاوية قَذِرَة مِنْ زَوايا بَيْتِنا
المُتَداعي .
أخرجَ أبي وَرَقَةَ العَقيدِ ،
وَحَدَّقَ فِيها كَأنَّها شَهادةُ مِيلادِه . اللَّوْنُ الأحمرُ يَصْرُخُ في
وَجْهِه ، ويَسْتَفِزُّه ، ويُنادي عَلَيْه ، ويُهَيِّج أعصابَه . دَقَّقَ في
الكَلِمَاتِ والأرقامِ . قَرَأ الوَرَقَةَ عِدَّة مَرَّات ، كأنَّها وَرَقَةُ
الخَلاص أوْ صَكُّ الغُفْرَان ، ثُمَّ خَبَّأهَا في جَيْبِ بِنطاله ، وقالَ
لأُمِّي بِلَهْجَةٍ صارمةٍ حازمةٍ كَأنَّهُ يُصْدِرُ أمْرًا عسكريًّا غَيْرَ قابلٍ
للنِّقَاشِ :
_ سَوْفَ نَرْحَلُ يا سَمِيحة
إلى العاصمة .
نَظَرَتْ أُمِّي إلَيْهِ
وَهِيَ في حالةِ انهيارٍ شامل :
_ عِشْنَا يا " أبو ناصر
" في هَذه القَريةِ كُلَّ سَنَوَات حَيَاتِنا ، وَتَعَوَّدْنَا على الناسِ ،
وَتَعَوَّدُوا عَلَيْنَا . لماذا نَذهَب إلى العاصمةِ وَنَحْنُ لا نَعْرِفُ أحدًا
فِيها ؟ .
_ يا سميحة ، أنتِ امرأةٌ
أُمِّية جاهلة ، وَخَدَّامة في البُيُوتِ . نَحْنُ لا نَنْتمي إلى هَذه القَريةِ ،
وَأهْلُهَا لَيْسُوا أهْلَنَا . يَنتظرنا مُستقبَل مُشْرِق في العاصمةِ ، وَيَجِبُ
أنْ نَرْحَلَ كَي نعيش حَيَاتَنَا مِثْلَ باقي البَشَرِ .
_ أنا لَنْ أرْحَلَ مِنْ هَذه
القَريةِ ، وأنْ أظَلَّ خَدَّامة في البُيُوتِ أفضل مِنْ أنْ أكُونَ مُشَرَّدَة في
العاصمة بِلا بَيْتٍ .
_ أنتِ بَقَرَة يا سميحة ،
عَقْلُكِ في الطَّبْخِ والتَّنظيفِ والغَسِيلِ وإرضاعِ أطفالِ الناسِ ، وَيَبْدُو
أنَّكِ تَعَوَّدْتِ على العَيْشِ في زَريبةِ الأبقار . لَقَدْ أعطاني العقيدُ
مُراد عادل مُدير قِسْم التَّخْطِيط في المُخَابَرَاتِ العسكرية عُنْوَانَه
وَرَقْمَ هَاتِفِهِ في العاصمة ، ويُريدُني أنْ أكُونَ مُرَافِقًا خَاصًّا وحارسًا
شَخصيًّا لَه . هَذه فُرصة لا تُعَوَّض ، سَوْفَ نَخْرُجُ مِنْ قُبورِنا ، وَنَعيش
مِثْلَ الأغنياءِ ، ونَأكُل أفْضَلَ المأكولاتِ والحلويات ، ونَلْبَس أجملَ الثِّيَابِ،
ونَركَب أفخمَ السَّيَّاراتِ. سَنَصِيرُ أغنى مِنَ المُختارِ " أبو
حَسَن" ومَسعود صاحب الدُّكَّانة. سَأضَعُ " هِشَام " في أحسن
مَدرسة ، وَأضَع بناتك في أحسنِ مَدرسة ، وأُعَالِج ظَبْية ابنتك المُعَاقَة
وَالمَشلولة في أحسن مُستشفى .
وأردفَ قائلًا بِعُنْفٍ
وَشِدَّةٍ :
_ إذا أردتِ البقاءَ في
القَريةِ،فَسَوْفَ أُطَلِّقُكِ، وخُذِي بناتك، لا أُريدُهُنَّ ، وأنا سَآخُذُ
" هِشَام" مَعِي إلى العاصمة .
والْتَفَتَ أبي إلَيَّ قائلًا
:
_ هَلْ سَتَذهَب مَعِي يا
هِشَام ؟ .
_ نَعَم يا أبي ، سَوْفَ أذهبُ
مَعَكَ إلى العاصمةِ، لا أُريدُ العَيْشَ في زَريبة الأبقار .
قالتْ أُمِّي وَقَدْ هَدَأتْ
حِدَّةُ غَضَبِهَا :
_ أيْنَ سنعيش في العاصمة ؟ .
_ سَنَعيشُ في فيلا أخي دُكتور
الجامعة .
ألْقَى أبي هَذه العِبارةَ
كالقُنبلةِ ، وأنا لَمْ أُصَدِّقْ مَا أسْمَعُ . ظَنَنْتُ أنَّ العِبارة سُخرية
واستهزاء على عَادَةِ أبي في الكلام . قُلْتُ لَهُ والفُضُولُ يُحْرِقُ أعصابي ،
ويُحَطِّم عِظَامي :
_ يا أبي ، هَلْ لِي عَم
دُكتور في الجامعةِ يَعيش في العاصمة ؟ .
_ عَمُّكَ الدكتور صبري رشاد
أستاذ الأدب الإنجليزي في أكبر جامعة في العاصمة .
_ وَلَكِنَّ اسْمَهُ يَختلِف
عَن اسْمِكَ ، فَكَيْفَ يَكُون عَمِّي ؟ .
_ يا هِشَام ، أنتَ مَا زِلْتَ
طِفْلًا صغيرًا ، وَلَوْلا رحيلُنا إلى العاصمةِ ، لَمَا أخْبَرْتُكَ بِهَذا
السِّرِّ العائلي . ولكنْ يَجِبُ أنْ أُخْبِرَكَ الآن كَي تَفْهَمَ المَوضوعَ .
وأردفَ قائلًا :
_ جَدَّتُكَ أنيسة كانتْ
تَعْمَل في شَبَابِهَا خَدَّامة في بَيْتِ تاجر كبير مِنْ تُجَّار العاصمة . تاجر
غني يَنْتمي إلى عشيرة كبيرة وَمُهِمَّة . وَجَدَّتُكَ كانتْ جَميلةً وَمُغْرِيَة
، أُعْجِبَ بِهَا التاجر ، وأرادها زَوجةً ثانية ، فَتَزَوَّجَهَا في السِّرِّ ، وَلَمَّا
أنْجَبَ مِنْهَا ابْنَه صَبْري ، عَلِمَتْ زَوْجَتُهُ الأُولَى بالمَوضوعِ ،
فَطَلَبَتْ مِنْهُ أنْ يُطَلِّقَ جَدَّتَكَ ، فَأخذَ الوَلَدَ مِنْهَا ،
وَطَلَّقَهَا ، وَرَمَاهَا في الشارع بِلا حُقُوق . وَبَعْدَهَا تَزَوَّجَهَا
جَدُّكَ رَجَب، وَانتَقَلا مِنَ العاصمةِ إلى هَذه القَريةِ ، وأنْجَبَاني فِيها .
فالدُّكتورُ صبري رشاد هُوَ أخي مِنْ أُمِّي. وَقَدْ زُرتُهُ مَرَّةً واحدةً في
العاصمةِ طالبًا مُساعدة مالية ، فأعطاني مَبْلَغًا مِنَ المَالِ، وقالَ لِي : ((
لا أُريدُ رُؤية وَجْهِكَ بَعْدَ اليَوْمِ )) . وانقطعتْ عَلاقَتُنَا مُنْذُ ذلك
الحِين . وبصراحة ، هُوَ دُكتور في الجامعةِ وغني وابن عَشيرة كبيرة ومُحترمة ،
وأنا راعي غَنَم وفقير ومَقطوع مِنْ شَجَرَةٍ. ولا يُريدُ أنْ أُشَوِّهَ سُمْعَتَه
، أوْ أُسَبِّب له إحراجًا بَيْنَ الناس . أمَّا الآن ، فالحالُ تَغَيَّرَ ،
سَوْفَ أُصبح شخصية مُهِمَّة في المُخَابَرَاتِ العسكرية ، ولا شَكَّ أنَّهُ
سَوْفَ يَسْتقبلني بالأحضانِ والقُبُلاتِ .
وأضافتْ أُمِّي :
_ وأيْضًا زَوْجَتُهُ
الشَّركسية ميرنار أُمُّ نارت هِيَ أُمُّكَ في الرَّضَاعَة يا هِشَام .
سَقَطَت المُفَاجَأةُ عَلى
رَأسِي كالمِطْرَقَةِ ، وأَحْسَسْتُ بِدُوَارٍ غريب وَنَشْوَةٍ لذيذة في آنٍ مَعًا
، وَقُلْتُ وأنا في حَالةِ اضطرابٍ وَذُهُولٍ :
_ كَيْفَ تَكُونُ أُمِّي في
الرَّضَاعَةِ وَهِيَ تَعيشُ في العَاصمةِ وَنَحْنُ نعيشُ في القَريةِ ؟ .
_ عِنْدَمَا كانَ عُمرك سَنَة
وخَمْسَة شُهور ، أصابَني مَرَضٌ غامضٌ ، وَجَفَّ الحليبُ في صَدْري ، وَعَجَزْتُ
عَنْ إرْضَاعِكَ، وَخَشِينَا أنْ تَمُوتَ مِثْل أخيك ناصر ، وَبَقِينَا أنا وأبوكَ
في البَيْتِ بِلا عَمَلٍ ، ولا مَالٍ، فَقَرَّرَ أبوكَ أنْ يَذهَبَ إلى العاصمةِ لِيُعَالِجَني
فِيها ، وأخذناكَ مَعَنَا ، وَأَبْقَيْنَاكَ عِنْدَ زَوْجَةِ عَمِّكَ الشَّركسية،
وَقَدْ أرْضَعَتْكَ طِيلةَ فَترةِ عِلاجي الذي تَكَفَّلَ بِهِ عَمُّكَ. وَطَلَبَ أبوكَ
مِنْهُ مُسَاعَدَةً ماليَّة، فأعطاه، وَطَلَبَ مِنْهُ أن لا يَرَاهُ مَرَّةً ثانية
، وانقطعتْ عَلاقَتُنَا بِعَمِّكَ وأُسْرَتِه مُنْذُ ذلك الحِين .
هَلْ هَذا حُلْمٌ أَمْ حقيقة ؟،
هَلْ أنا أعيشُ في الخَيَالِ أَم الواقعِ ؟ . انقَلَبَتْ حَيَاتي رَأسًا عَلى
عَقِبٍ في لَحظةٍ زَمنية سريعة عَبَرَتْ كَلَمَعَانِ البَرْقِ فَوْقَ تِلالِ
الحُزْنِ البعيدة . رُبَّ ضَارَّةٍ نافعةٌ . لَوْلا أنَّ العقيد ضَرَبَ أُمِّي
وأهانَها أمامَ الرِّجالِ ، لَمَا جَاءَتْنَا هَذه الفُرصة الذهبية للذهابِ إلى
العاصمةِ ، وَبَدْءِ حَيَاتِنا مِنْ جَديد . سَألتُ نَفْسِي مِرَارًا وتَكْرَارًا
في لَيالي الألَمِ الطويلةِ ، هَلْ يُمْكِن أن يَجِيءَ يَوْمٌ وَنَخْرُج مِنْ
زَريبةِ الأبقارِ أَمْ أنَّنا سَنَمُوت فِيها بِلا تاريخٍ ولا أحلام ؟ . طِيلة
حَيَاتي كُنْتُ أقَلَّ الناسِ شأنًا . كُلُّهُم أفضلُ مِنِّي ، وَيَعيشون أحسنَ
مِنِّي . الشُّعُورُ بالذُّلِّ والخِزْيِ والعَارِ يُسيطِر عَلَيَّ بشكلٍ كامل.
أردتُ أنْ تَكُون لِي عائلة مُحترمة وراقية، وأعيش مِثْلَ باقي الناسِ.لا أُريدُ
أنْ أقضيَ حَيَاتي شَحَّاذًا أوْ مُتَسَوِّلًا أوْ لِصًّا . قَضَيْتُ حَيَاتي
هاربًا مِنْ نَفْسِي . فَرَرْتُ مِن اسْمِ عائلتي الوَضِيعَةِ . لا أحد يُناديني
باسمي هِشَام ، الجميعُ يُنادونني ابن الخَدَّامة ، حَتَّى أنا بَدَأتُ أَحُسُّ
أنَّني سَأنْسَى اسْمِي ، وأقْبَل بالمِهْنَةِ الدُّونِيَّةِ لأُمِّي ، مُجَرَّد
امرأة بائسة بلا حَسَب ولا نَسَب ، تَعْمَل خَدَّامة في البُيوتِ ، وتُرْضِع
أطفالَهم مُقَابِل الحُصُول على المالِ ، وَلَيْسَ لَدَيْهَا الوَقْت أو القُدرة
لإرضاعي، وَتَرْميني في بُيُوتِ الناسِ كَي تُرْضِعَني النِّسَاءُ الغريباتُ .
كَمْ أُمًّا لِي بالرَّضَاعَةِ ؟ ، كَم امرأةً تَغَلْغَلَ حَليبُها في لَحْمِي
وعِظَامي وأعصابي ؟ . المسيحيةُ أُمُّ سِمْعَان أُمِّي بالرَّضَاعَةِ ، وَزَوْجَةُ
عَمِّي الشَّركسية أُمُّ نارت أُمِّي بالرَّضَاعَةِ . وَأُمِّي التي أنْجَبَتْني
لَيْسَتْ أُمِّي بالرَّضَاعَةِ ! .
هَذا العقيدُ الداهيةُ
سَيَفْتَح لَنَا أبوابَ المَجْدِ في العاصمةِ ، التي لا يَعْرِفُنا فِيها أحد .
سَتَكُونُ حَيَاتي صَفْحَةً جديدة ، سَأرتدي جَميعَ الأقنعةِ ، سَأختارُ كُلَّ
الألقابِ ، سَأغْسِلُ تاريخي وتاريخَ عائلتي ، وأخترع تاريخًا جديدًا لَنَا ،
سأرفعُ رَأسِي ، وَلَنْ أشعُرُ بالذُّلِّ والمَهَانَةِ بَعْدَ اليَوْم .
لَقَدْ أُعْجِبَ العقيد بأبي،فَهُمَا مُتشابهان
في الشَّكْلِ والصِّفَاتِ والقُوَّةِ البَدَنِيَّة والبُنْيَةِ الجِسْمِيَّة. كما
أنَّ الحَرَكَةَ السِّينمائية التي قَامَ بِهَا أبي وَهُوَ أعْزَل ، حَيْثُ قَفَزَ
عَلى الحَارِسَيْن المُسَلَّحَيْن ، وَاسْتَوْلَى عَلى سِلاحَيْهِمَا، كانتْ ضربةَ
مُعَلِّم ، أذهلت العقيدَ،وأقنعته أنَّ أبي هو الشخص المناسب لِحِراسته وَحِمايته
، وتجب الاستفادةُ مِنْ شجاعته وَقَلْبِهِ المَيت في المُخَابَرَاتِ العسكرية .
20
رَحَلْنَا مِنَ القَريةِ في
نِهَايةِ عام 1978 . أنا وأُمِّي وأبي وأخواتي غَادَرْنَا المكانَ الذي وُلِدْنَا
فِيه، وانكسرت الذِّكرياتُ مِثْلَ حَيَاتِنا المَكسورةِ. لَمْ يُوَدِّعْ أبي أيَّ
شَخْصٍ مِنْ أهْلِ القَريةِ ، وكانَ يَصُبُّ اللَّعَنَاتِ والشتائم على القَريةِ
باعتبارِها الشَّاهدة عَلى إذلالِنا وإهانتنا . وقالَ أبي بِصَوْتٍ حَزين :
_ لَوْ كانَ الشَّيْخُ هِشَام
عبد الهادي حَيًّا لَذَهَبْتُ إلَيْهِ لِوَدَاعِه ، هُوَ وَحْدَه يَستحق أنْ
أُوَدِّعَه .
وَعِندَما سَمِعَتْ أُمِّي
هَذا الكلام انفجرتْ باكيةً ، وَذابَ مِلْحُ دُمُوعِها في صَوْتِ مُحَرِّكِ الحافلةِ
التي تُقِلُّنَا إلى العاصمة ، وقالتْ بِنَبْرَةٍ مُحَطَّمَةٍ كَنَبَضَاتِ
قَلْبِها المُحَطَّم :
_ اللَّه يَرحمك يا شَيْخ
هِشَام، ويَغْفِر لَك، كُنْتَ تُسَاعِد الفُقَرَاءَ والمُحتاجين، وَتَعْطِف
عَلَيْهِم ، ولكنْ دَوَام الحالِ مِنَ المُحَالِ ، وَلِكُلِّ بِدَايَةٍ نِهايةٌ .
والْتَفَتَتْ أُمِّي إلى أبي
وَهِيَ تَحْمِلُ أُختي ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة ، وقالتْ بأسى وحَنِين :
_ سَوْفَ نَرجع إلى القَريةِ
في المُستقبَل لزيارتها ، والسَّلامِ عَلى أهْلِها .
ضَحِكَ أبي ضِحْكَةً عميقة
تَدُلُّ على السُّخريةِ والاستهزاءِ ، وقالَ :
_ مَا أصغرَ عَقْلك يا سميحة !
. فِعْلًا ، عُقُولُ النِّسوانِ صغيرة . هَلْ تُحِبِّين العَوْدَةَ إلى الخِدمةِ
في البُيوتِ يا سميحة ؟، مِنَ الواضحِ أنَّكِ تَعَوَّدْتِ على الذُّلِّ والهَوَانِ
والبَهْدَلة وَسُوءِ المُعَامَلَةِ وَتَلَقِّي الأوامرِ، وتَقْبيلِ الأيادي، ولا
تَتَخَيَّلين حَيَاتَكِ بِدُون هَذه الأشياء . صَدَقَ المَثَلُ الذي يَقُول: القِط
يُحِبُّ خَنَّاقه .
أوَّل مَرَّة أسمعُ هَذا
المَثَلَ . رَافقتُ أبي كثيرًا ، وَحَفِظْتُ مِنْهُ كَلِمَاتٍ وأشعارًا وأمثالًا،
ولَمْ أسْمَعْهُ يُرَدِّد هَذا المَثَلَ ، الذي لَمْ أفْهَمْ مَعْنَاه ، ولَمْ
أعْرِفْ مَغْزاه . لكنَّني عِندما كَبِرْتُ فَهِمْتُ هَذا المَثَلَ، وَصِرْتُ
قادرًا على تَحليلِه أدبيًّا ونَفْسِيًّا واجتماعيًّا بَعْدَ قِراءةِ عَشَرَاتِ
الكُتُبِ في الأدبِ وعِلْمِ النَّفْسِ وعِلْمِ الاجتماعِ .
إنَّ الشخص يَتعلَّق بأمورٍ
أوْ أشخاصٍ يُسَبِّبُون لَه الأذى والألَمَ والمُشكلاتِ ، وَيُفَضِّل البَقَاءَ
مَعَهُم عَلى الرَّغْمِ مِنْ ذلك . والشَّخْصُ قَدْ يَجِدُ نَفْسَه مُرتبطًا
بِعَلاقاتٍ أوْ مواقف سَلْبِيَّة ، وَيَجِدُ صُعوبةً في التَّحَرُّرِ مِنْهَا ،
حَتَّى لَوْ كانتْ تُسَبِّب لَهُ الألمَ أو الضِّيقَ . ويُسْتَخْدَم هَذا المَثَلُ
لوصفِ الأشخاصِ الذينَ يَتَمَسَّكُون بِعَلاقاتٍ سَامَّة ، أوْ وظائف فاشلة ، أوْ
عادات سَيِّئة ، عَلى الرَّغْمِ مِنْ مَعرفتهم بِضَرورةِ التَّغْيير. إنَّهُمْ
يَخَافُونَ مِنَ التَّغييرِ والمَجهولِ، ويَشْعُرُون بالنَّقْصِ، ويُعَانُون مِنْ
تَدَنِّي تَقْديرِ الذاتِ ، ويَعْتقدون أنَّهُمْ لا يَسْتحقون الأفضلَ ،
فَيَقْبَلُون العَلاقاتِ أو المواقف السَّلْبِيَّة .
يَعْشَقُ الإنسانُ المُستحيلَ
والكَذِبَ عَلى نَفْسِه ، وَيُحِبُّ مَا لا يَمْلِكُ إلَيْهِ سَبيلًا ، فَهُوَ
يَتَعَلَّقُ بِقَشَّةٍ في مُسألة مُنْتهية ، ولا جَدْوَى مِنْهَا ، ولا فائدة
فِيها ، وَمَعَ هَذا ، يَرفُض الوَسائلَ التي تُمَكِّنُهُ مِنَ النَّجَاةِ أو
الانعتاقِ . وَلَعَلَّ اليأسَ يأتي بَعْدَ حِين ، فَيُخَلِّصُه مِنْ إدمانِه
وَتَوَقُّعَاتِه .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طويلة مِنْ
سَمَاعي لِهَذا المَثَلِ قَرَأتُ عَنْ مُتَلازِمَةِ ستوكهولم . هِيَ ظاهرةٌ
نَفْسِيَّةٌ تُصِيبُ الفَرْدَ عِندما يَتعاطف أوْ يَتعاون مَعَ عَدُوِّهِ أوْ مَنْ
أساءَ إلَيْه بشكلٍ مِنَ الأشكال ، أوْ يُظْهِر بعضَ عَلاماتِ الوَلاءِ لَه ، أي
إنَّ الضَّحِيَّة تتعاطف مَعَ المُعْتَدي، وتُطَوِّر مَشاعر إيجابية تُجَاهَه .
وَأُطْلِقُ عَلى هَذه الحَالةِ
اسم " مُتَلازِمَة ستوكهولم " نِسْبَةً إلى حادثة حَدَثَتْ في ستوكهولم
في السويد ، حَيْثُ سَطَا مَجموعة مِنَ اللصوص على بنك عام 1973 ، واتَّخَذُوا
بعضًا مِنْ مُوَظِّفِي البَنْكِ رَهَائن لِمُدَّةِ سِتَّة أيام ، خِلال تِلْك
الفَترةِ بَدَأ الرهائنُ يَرتبطون عاطفيًّا مَعَ الجُنَاة ، وقاموا بالدِّفَاعِ
عَنْهُم بَعْدَ إطلاقِ سَرَاحِهِم .
هَلْ كانَ أبي راعي الغَنَمِ
يَعْرِفُ مُتلازمةَ ستوكهولم ؟ . هَلْ كانتْ أُمِّي الخَدَّامة تَعْرِفُ أيْنَ
تَقَعُ ستوكهولم ؟ . كُلَّمَا فَكَّرْتُ في هَذَيْن السُّؤالَيْن ضَحِكْتُ مِنْ
أعماقِ قَلْبي .
مَا زَالَ صَوْتُ مُحَرِّكِ الحافلةِ
التي رَكِبْنَاهَا في هِجْرَتنا النِّهائية إلى العاصمةِ يَتَرَدَّدُ في دَاخِلي .
وَمَا زالَ شَكْلُ الحافلةِ ماثلًا أمامَ عَيْنَيَّ ، لا يَغِيب ، ولا يَخْتفي .
مَرَّتْ سَنَوَاتٌ طويلة ، ولكنَّ الزَّمَانَ تَجَمَّدَ في أعماقي ، والمَكَانَ استقرَّ
في قَلْبي . وَمَا زِلْتُ أرى نَفْسِي ذلك الطِّفْل الصغير معَ أُسْرته الفقيرة
البائسة في رِحْلَةِ الذَّهَابِ إلى العاصمةِ . ذَهَبْنَا مِنْ أجلِ مُطَارَدَةِ
الأحلامِ الوَردية ، والعُثورِ على الحُلُولِ السِّحْرِيَّة ، والبَحْثِ عَن
المَجْدِ الضائع ، وَجَمْعِ المَالِ ، وَتَحْقِيقِ الثَّرْوَة .
سَادَ الصَّمْتُ بَيْنَنَا ،
وفَجْأةً قالَ أبي وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَان بشكلٍ غريبٍ وَمُخِيف :
_ لَنْ أعُودَ إلى القَريةِ
إلا وَهِيَ خَرَابٌ ، حَتَّى أُعْلِنَ انتصاري عَلَيْهَا ، وَمِنْ أجْلِ زِيارةِ
قَبْرِ سيدي الشَّيْخ هِشَام عبد الهادي ، وَقَبْرِ ابْني ناصر .
لَمْ نَهْتَم بِكَلامِ أبي ،
وَلَمْ نَعْبأ بِه ، لأنَّنا نَعْرِفُ أنَّهُ بَيَّاع كلام ، وَأنَّ عِبَاراته مُجَرَّد
زَوْبَعَة في فِنْجَان ، وَجَعْجَعَة بِلا طَحْن . ولا شَكَّ أنَّه يُعَبِّر عَنْ
حِقْدِهِ على القَريةِ ، ويَتَمَنَّى الانتقامَ مِنْهَا بسبب سُوء مُعَامَلَةِ
أهْلِهَا لَه . ولكنَّ لَمَعَانَ عَيْنَيْهِ أرْعَبَني ، وَجَعَلَني أخافُ . أحْسَسْتُ
أنَّ هَذه المَرَّة تَختلِف عَنْ كُلِّ المَرَّاتِ السابقة،وأنَّ أبي صَارَ
وَحْشًا كاسرًا قادرًا على التَّهديدِ وتَنفيذِ تَهديدِه. ومَعَ هَذا ، فإحساسي لا
يُصِيبُ دائمًا ، وَحَدْسِي يُخطِئ في أحيان كثيرة . وكُنْتُ طِفْلًا صغيرًا في
السادسة مِنَ العُمرِ ، كُلُّ تفكيري في الهُرُوبِ إلى العَاصمةِ ، وعَدَم
العَوْدَةِ إلى زَريبةِ الأبقارِ .
وَصَلْنَا إلى العاصمةِ
مَسَاءً. الأضواءُ مُنتشرة في كُلِّ مَكَانٍ ، والهواءُ مُنْعِش ، والطُّرُقُ
جَميلة ، والأشجارُ العاليةُ تَمْشِي مَعَنَا، وتُعَانِقُنا. لا تُوجَد مُقَارَنَة
بَيْنَ القَريةِ الصَّحراوية المَيتة التي قُتِلْنَا فِيها، وَبَيْنَ العَاصمةِ
الحَيَّةِ المُفْعَمَةِ بالنَّشَاطِ والحَيَوِيَّة التي انْبَعَثْنَا فِيهَا .
كانتْ فيلا عَمِّي الدُّكتور
صبري رشاد في مَنطقة راقية وفَخْمَة ، وَمِنَ الوَاضحِ أنَّها لا يَسْكُنُهَا إلا
الأغنياء والأشخاص المُهِمُّون . اسْتَقْبَلَنَا هُوَ وَزَوْجَتُهُ الشَّركسية
أحْسَنَ استقبالٍ . احْتَضَنَ عَمِّي أبي وَقَبَّلَه عَلى وَجْنَتَيْه ،
وَتَذَكَّرْتُ عِبارةَ أبي : (( سَوْفَ أُصبح شخصية مُهِمَّة في المُخَابَرَاتِ
العسكرية ، ولا شَكَّ أنَّهُ سَوْفَ يَسْتقبلني بالأحضانِ والقُبُلاتِ )) .
وبالتأكيدِ ، لَقَدْ أخبرَ أبي عَمِّي بِمَوْعِدِ قُدُومِه ، ونَسَّقَ مَعَه
مُسْبَقًا . وَعَمِّي كانَ يَعْلَمُ أنَّ أبي سَيَلْتَحِق بالمُخَابَرَاتِ
العسكرية .
واحتضنتْ زَوْجَةُ عَمِّي
الشَّركسية أُمِّي ، وَقَبَّلَتْهَا ، ولا شَكَّ أنَّها انزعجتْ مِنْ رَائحتها
الكريهةِ ، مَعَ أنَّهَا لَمْ تُظْهِرْ أيَّةَ رَدَّة فِعْل ، فَأُمِّي لَمْ
تَسْتحم مُنْذُ مُدَّةٍ طويلة ، كما أنَّ كَثرةَ خِدْمتها في بُيوتِ الناسِ قَدْ
جَعَلَهَا بِلا أُنُوثة، مُجَرَّد جُثَّة هامدة ، تأكلُ وَتَشْرَب وتَنَام .
وَقَدْ نَسِيَتْ أنَّها أُنثى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيل ، وَلَمْ تَعُدْ بحاجةٍ إلى
تَذَكُّرِ أنَّها امرأة وَزَوْجَة .
وَضَمَّتْني زَوجةُ عَمِّي
الشَّركسيةُ إلى صَدْرِها ، وقَبَّلَتْني ، وقالتْ لِي :
_ كَيْفَ حَالُكَ يا حبيبي يا
هِشَام ؟، مَا شاءَ اللَّه ، لَقَدْ كَبِرْتَ ، وَصِرْتَ عَرِيسًا . وَلَوْ لَمْ
تَكُنْ أخًا لِثُرَيَّا لَزَوَّجْتُهَا لَكَ .
وَضَحِكَ الجميعُ ،
وتَنَاثَرَت الضَّحِكَاتُ في كُلِّ الأرجاءِ . وَسَلَّمْتُ على ثُرِيَّا ابنةِ
عَمِّي وأُخْتي بالرَّضَاعَةِ ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلى شَقِيقِهَا نارت ، وكُنَّا
في نَفْسِ السِّنِّ تقريبًا .
قالَ أبي بِلَهْجَةٍ عَسكرية
حازمة ، وَيَبْدُو أنَّه صارَ يَتعامل كَعَسكريٍّ مُحترِف يُصْدِر الأوامرَ
والتَّعليمات العَسكرية بِلا نِقَاشٍ :
_ سَلَّمْتَ على الجميعِ
وَنَسِيتَ عَمَّكَ الدُّكتور يا هِشَام ! ، تعالَ سَلِّمْ على عَمِّكَ وَقَبِّلْ
يَدَه .
وانطلقتُ
مُسْرِعًا،وَسَلَّمْتُ عَلَيْه،وَعِنْدَمَا أردتُ تَقبيلَ يَدِه،سَحَبَهَا، وَقالَ
لِي بِلَهجةٍ أبَوِيَّة حانية :
_ اللَّه يَرضى عَلَيْكَ يا
هِشَام ، وإنْ شَاءَ اللَّه نَرَاك في المُستقبَل طَبيبًا أوْ مُهندسًا أوْ
ضَابِطًا أوْ أُستاذًا جامعيًّا . سَتَكُون ذكيًّا مِثْل أبيك ، الذي يَعْرِفُ
مِنْ أيْنَ تُؤْكَل الكَتِفُ .
لَمْ أفْهَمْ هَذه العِبَارَةَ
التي تَتَحَدَّث عَن الأكْلِ والكَتِفِ ، خُصُوصًا أنَّنا لَمْ نتناول الطعامَ . ولكنَّني
عِنْدَمَا سَمِعْتُهَا سَافَرَ خَيَالي إلى أشهى المَأكولاتِ والحلويات ،
وَتَوَقَّعْتُ أنَّها تَمهيدٌ مِنْ عَمِّي لِمَأدُبَةِ طَعَامٍ عَامرة باللَّحْمِ
والأرُزِّ ، وَتَمَنَّيْتُ أنْ أعْرِفُ أيْنَ تُوجَد الكَتِفُ كَيْ آكُلَها .
وَدَاعَبَ عَمِّي وَزَوْجَتُهُ
أخواتي الصَّغيراتِ ، نَجَاح ومَقبولة ومَسْتُورة . وعِندَما رَأى عَمِّي أُخْتي
ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة ، حَزِنَ عَلَيْهَا ، وتأثَّرَ بِمَنْظَرِهَا
البائسِ ، فَهِيَ مُجَرَّد كُتلة لَحْم هامشيَّة ، وقالَ والدَّمْعُ يَتَوَهَّجُ
في عَيْنَيْه :
_ اللَّه يَشْفيكِ يا حبيبتي .
وإنْ شاءَ اللَّه سَوْفَ أعْرِضُها على أكبر أطباء العاصمة ، وأُعالجها في أفضل
المُستشفيات .
بَكَتْ أُمِّي بِحُرْقَةٍ
شديدة ، وقالتْ :
_ اللَّه كريم يا دُكتور . ابنتي
ظَبْيَة كانتْ أجْمَلَ بِنْت في بَنَاتي، وُلِدَتْ طَبيعية وَبِصِحَّة جَيِّدة ،
ولكنَّها سَقَطَتْ مِنْ يَدَيَّ ، وَحَدَثَ مَا حَدَثَ . أنا السَّبَبُ ، يا
لَيْتني أستطيعُ إعطاءَها صِحَّتي وعُمري وأمُوت، وتعيش هِيَ سليمة مِثْل باقي
البَنات .
وَتَدَخَّلَتْ زَوجةُ عَمِّي
قائلةً :
_ لا تَقُولي هَذا الكَلام يا
أُمَّ ناصر ، كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِه ، والأعمارُ بِيَدِ
اللَّهِ تعالى .
كُنْتُ مَشغولًا بِعَقْدِ
مُقَارَنَةٍ بَيْنَ أُمِّي البائسةِ المُنْطَفِئَةِ وَزَوْجَةِ عَمِّي الشَّركسية
المُتَألِّقَة المُضِيئة . هَذه المَرْأةُ الشَّركسية جَذَّابَة وَحَيَوِيَّة
وذَكِيَّة وأنيقة بشكلٍ غَيْرِ عَادِيٍّ ، جَمَالُهَا مُذهِل ، وَشَعْرُهَا أشْقَر
غَزِير ، وَعُيُونُها زَرْقَاء كَزُرْقَةِ أمواجِ البَحْرِ ، وَبَشَرَتُهَا
بَيْضَاء شَفَّافَة ، وَصَوْتُهَا مُنْخَفِض وَعَذْب.
في تِلْك اللحظة أدركتُ
بِعَقْلي الطُّفُولي البسيطِ أنَّ مَصْلحتي ومَنْفعني معَ زَوْجَةِ عَمِّي
الشَّركسية ، فَهِيَ أُمِّي بالرَّضَاعَةِ ، كَمَا أنَّ ابْنَهَا نارت ، وابْنَتها
ثُرَيَّا ، يَلْبَسَان أجملَ الثِّيَابِ ، وَمِنَ الواضحِ أنَّهُما يَسْتَحِمَّان
كُلَّ يَوْمٍ ، أمَّا أنا وأخواتي فَلَمْ نَسْتَحِم مُنْذُ أشهُر طويلة . وبسبب
طُولِ المُدَّةِ نَسِيتُ الاستحمامَ ، وَلَمْ يَعُدْ يَخْطُر على بالي . لِمَاذا
لَيْسَ لِي أُمٌّ مِثْل الشَّركسية ؟ ، لِمَاذا نعيشُ في زَريبةِ الأبقارِ ولا
نَعيشُ في فيلا مِثْل عائلة عَمِّي ؟ . لماذا يَلْمَعُ وَجْهُ نارت مِنَ
النَّظَافَةِ والحَيَوِيَّة والتغذيةِ الجَيِّدة وأنا طِفْلٌ بائسٌ وَوَجْهِي
شَاحِبٌ وَجِسْمِي قَذِر كأنَّني خارجٌ مِنَ القَبْرِ ؟ . لماذا تَلْبَسُ ثُرِيَّا
فُستانًا مُلَوَّنًا وَمُزَرْكَشًا وَمُعَطَّرًا وأخواتي يَلْبَسْنَ ثِيَابًا
بالية مُتَّسِخَة رائحتها مُقْرِفَة ؟ . نَحْنُ أقارب ، ولكنَّ الفَرْقَ بَيْنَنَا
كبير .
هَذه فُرْصتي التاريخية
لاختيار أُمٍّ جَديدة لِي.اخترتُ الشركسيةَ ميرنار أُمَّ نارت أُمًّا لِي ، لا
أُريدُ سميحة الخَدَّامة أُم ناصر أنْ تَكُون أُمِّي . لَقَدْ فَضَحَتْني في
القَريةِ ، وَلَنْ أسْمَحَ لَهَا أنْ تَفْضَحَني في العاصمة. واخترتُ نارت أخًا
لِي. لا أُريدُ " ناصر " أخًا لِي ، فأنا لا أعْرِفُه . إنَّهُ مُجَرَّد
صُورة صامتة في بِرْوَاز خشبيٍّ رخيص ، تَمَنَّيْتُ لَوْ تَرَكْنَاه مُعَلَّقًا
على الحائطِ في الزَّريبةِ ، ولكنَّ أبي أحْضَرَه مَعَه . واخترتُ ثُرَيَّا
أُخْتًا لِي ، لا أُريدُ ظَبْيَة أُخْتًا لِي ، فَهِيَ مُعَاقَة ومَشْلُولة .
إنَّها كُتلة لَحْم ، وكائنٌ مَسْخ، وَشَبَحُ إنسان . ماذا سَيَقُول الناسُ عَنِّي
عِندَما يَعْرِفُون أنَّ أُخْتي مُعَاقَة ومَشْلُولة ؟ ، لا بُدَّ أنَّهُمْ
سَيُعَيِّرُونني بِهَا ، ويَفْضَحُونني ، ويُنادونني: يا " أخُو المُعَاقَة
" ، أوْ يا " أخُو المَشلولة " ، مِثْلَمَا كانوا يُنادونني في
القَرية : يا " ابن الخَدَّامة " . لَنْ أسمحَ لِظَبْيَة أنْ تَكُون حَجَر
عَثْرَة في دَرْبي ، وَلَنْ أسمح لأيِّ شخص أنْ يَكُون عَقَبَةً في طريقي نَحْوَ
المُستقبَلِ الباهر ، والأحلامِ الوردية ، والحُلُولِ السِّحْرِيَّة ، والإنجازاتِ
العظيمة . وَلَنْ أسْمَحَ لأيِّ شخص أنْ يُعيدَني إلى زَريبةِ الأبقارِ . سَوْفَ
أنطلقُ في الحَياةِ مِثْلَ الصاروخ الذي لا يُوقِفُه شَيْء .
اسْتَحْمَمْتُ بالماءِ
والصابونِ المُعَطَّرِ ، وَنَظَّفْتُ نَفْسِي جَيِّدًا . واستمتعتُ بِمَنْظَرِ
الحَمَّامِ الرائع. الرُّخَامُ الأبيضُ يُضْفِي لَمْسَةً مِنَ الفَخَامَةِ
والأناقةِ ، والأرضية جميلة ، والجُدران لامعة ، والمِغْسَلَةُ نظيفة ، وَحَوْضُ
الاستحمامِ مُدْهِش ، وَهُوَ قِطعة فَنِّية بِحَدِّ ذَاتِها . والإضاءةُ تَلْعَبُ
دَوْرًا حَيَوِيًّا في إبرازِ جَمَالِ الرُّخَامِ . والمِرْآةُ في غَايَةِ
الفَخَامة . وكُلُّ أفرادِ عائلتي اسْتَحَمُّوا ، وكانَ حَدَثًا تاريخيًّا .
جَلَسْنَا إلى طاولةِ الطعام .
ارتديتُ بيجامة خضراء مُريحة وناعمة ، أعْطَتْني إيَّاهَا زَوجةُ عَمِّي ، لَمْ
يَعُدْ نارت يَلْبَسُهَا . في البِداية ، جَلَسْتُ إلى جانبِ أُمِّي وأخواتي ،
مُقَابِل زَوْجَة عَمِّي وَابْنِهَا وَابْنَتِهَا،ثُمَّ تَذَكَّرْتُ أنَّني ابْنُ
الشَّركسية،وَلَسْتُ ابْنَ الخَدَّامة، فانتقلتُ إلى الجِهَةِ المُقَابِلَة لَنَا
، وَجَلَسْتُ بجانبِ زَوجةِ عَمِّي . كان نارت يَجْلِسُ عَنْ يَمِينِها ،
وَثُرَيَّا تَجْلِسُ عَنْ شِمَالِهَا ، لكنَّني طلبتُ مِنْ ثُرَيَّا أنْ تَتْرُكَ
لِي كُرْسِيَّهَا ، وَجَلَسْتُ عَلَيْه ، وَهِيَ جَلَسَتْ إلى جانبي . هَذه أُسْرَتي
الجديدة الراقية النظيفة ، وَلَيْسَتْ أُسْرَة الخَدَّامة وابنتها المُعَاقَة
والمَشلولة . نَجَحْتُ في اختيار عائلتي الجديدة فَرْدًا فَرْدًا . هَكذا كانَ
عَقْلي الطُّفُولي البسيط يُصَوِّر لِي الأشياءَ في ذلك الوقت .
تَناولتُ طَعَامًا شَهِيًّا
لَمْ أرَهُ مِنْ قَبْل ، ولا أعْرِفُ مَا هُوَ اسْمُه . لَمْ يَسْبِقْ لِي أنْ
تناولتُ طَعامًا لذيذًا بهذا الشكل مِنْ قَبْل ، كما لَمْ يَسْبِقْ لِي أنْ
جَلَسْتُ إلى طاولة لتناولِ الطعام . كُنْتُ آكُلُ على الأرضِ في زَريبةِ الأبقارِ
. ولكنَّني شاهدتُ طاولةَ الطعام في مَطْبَخِ بَيْتِ المُختار " أبو حَسَن
" عِندَما كُنْتُ أدرسُ أوْ ألعبُ معَ ابْنِهِ ثامر ، ولكنَّهم لَمْ
يَدْعُوني للأكْلِ مَعَهُم . أظَلُّ واقفًا في الخارجِ لِفَترةٍ مِنَ الزَّمَنِ في
انتظارِ الإحسانِ . ثُمَّ تُحْضِرُ أُمُّ حَسَن لِي بَقَايا الطَّعَام ( الأكل
البايت ) ، وَتَضَعُهُ عِنْدَ عَتَبَةِ البَيْتِ كَيْ آكُلَه، كَمَا لَوْ كُنْتُ
قِطًّا قَذِرًا أوْ كَلْبًا أجْرَب .
أُمُّ نارت أفضل مِنْ أُمِّ
حَسَن ، لأنَّها سَمَحَتْ لِي أنْ أجْلِسَ بجانبِها ، وآكُلَ مِنْ نَفْسِ
طَعَامِهِم الشَّهِيِّ اللذيذ الطازَج ، وَلَمْ تُحْضِرْ لِي بَقَايَا الطعامِ
البايت . أنا ابْنُ أُمِّي الشركسيةِ إلى الأبد .
أَقَمْتُ في غُرفةِ نارت .
لَهُ سَرِيرٌ ، وَلِي سَرِير ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا طاولة صَغيرة عَلَيها مَزهرية
حَمْرَاء فِيها وُرود صِنَاعِيَّة . لأوَّلِ مَرَّةٍ في حَيَاتي سَأنامُ على سرير
. وفي الغُرفةِ مَكْتَبٌ عَلَيْهِ مِصْبَاحُ إضاءةٍ، وَخِزَانَة مَلابس كبيرة .
حَدَّقْتُ فِيها ، وتساءلتُ في نَفْسِي : (( ماذا يُوجَد فيها ؟ )) . لاحظَ نارت أنَّ
الخِزَانَةَ لَفَتَت انتباهي ، وَسَيْطَرَتْ عَلى تَفْكيري ، فقالَ بِحَماسةٍ
شديدةٍ :
_ تَعَالَ كَيْ أُرِيَكَ
مَلابسي التي سَتُصْبح مَلابسَنا مَعًا ، أنا آخُذُ نِصْفَها ، وأنتَ تأخذُ
نِصْفَها .
أحْسَسْتُ بسعادةٍ لا مَثِيلَ
لَهَا، سَوْفَ أحْصُلُ عَلى ملابس جميلة ورائعة . فَتَحَ نارت الخِزَانَةَ، فرأيتُ
ثِيَابًا في غَايةِ الرَّوْعَةِ مِنْ كُلِّ الأنواعِ والأشكالِ والأصنافِ . وبدأتُ
أَحْسُبُ في عَقْلي كَمْ سَيَكُون نَصِيبي مِنْهَا .
قالَ لِي نارت وَوَجْهُهُ
يَتَوَرَّدُ مِثْلَ وَجْهِ أُمِّهِ الشَّركسية :
_ لَيْتَني أعيشُ في القَريةِ
، لَقَدْ مَلَلْتُ مِنَ الحَيَاةِ في المَدينةِ ، والسَّكَنِ في الفيلا ،
والدِّرَاسَةِ في مَدرسة أجنبية .
فُوجِئْتُ بِهَذا الكَلامِ ،
واستغربتُ مِنْه . ولكنَّني للأسفِ الشَّديدِ ، عُدْتُ إلى هِوَايتي في الكَذِبِ ،
واختراعِ الأوهام ، وابتكارِ الخَيَالاتِ ، مُسْتَفِيدًا مِنْ نُصُوصِ الكُتُبِ
المُقَرَّرَةِ ، وَمَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ كَلامِ المُعَلِّمِين في مَدْرَستي
" مَدرسةُ المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية
"، وَقُلْتُ وأنا في حَالةِ حَنين مُصْطَنَع ، مُسْتَغِلًّا جَهْلَ نارت بالقرية
:
_ مَا أجْمَلَ الحَيَاةَ في
القَرية يا نارت !. هُناك شَلَّالات مِيَاهٍ تَنْزِلُ مِنَ الجِبَالِ العالية ، والنِّسَاءُ
يَسْبَحْنَ في اليَنابيع عَارِيَات ، وَقُطْعَانُ الأغنامِ تَسِيرُ في المَرَاعي
الخَضْرَاء . وإذا صَعِدْتَ إلى قِمَّةِ جَبَلٍ سَوْفَ تَلْمَس الغُيومَ
بِيَدَيْكَ.طَبيعةُ القَريةِ هادئة، وأهْلُها طَيِّبُون، وَحَيَاتُهَا بسيطة،
والهَواءُ نَقِيٌّ ، والسَّمَاءُ صافية . كُنْتُ أنامُ عَلى سَرير مُعَلَّق بَيْنَ
شَجَرَتَيْن ضَخْمَتَيْن ، وأشعُرُ بالرَّاحَةِ . والحُقُولُ خَضْرَاء واسعة، والأنهار
مُتَدَفِّقَة، والمَحَاصِيل وَفِيرة، والأُمَّهَاتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ تَحْتَ
ضَوْءِ القَمَرِ.
وأردفتُ قائلًا :
_ أنتَ مِسْكِين يا نارت ،
لأنَّكَ تَعِيشُ في فيلا في المَدينة ، وتَدْرُسُ في مدرسة أجنبية . لَقَدْ كانَ
شَيْخُنَا يُدَرِّسُنا عَلى قِمَمِ الجِبَالِ ، والطُّيُورُ تُحِيطُ بِنَا ،
والنُّسُورُ تَدْرُسُ مَعَنَا . يَوْمٌ واحد في القَريةِ أفضل مِنْ كُلِّ عُمرك في
المَدينة .
تأثَّرَ نارت بأكاذيبي
المُحْكَمَةِ ، لأنَّني قُلْتُهَا بِصَوْتٍ ثابتٍ وقويٍّ ، بِلا تَرَدُّدٍ ولا
اضطراب . وانفجرَ باكيًا وَهُوَ في غَايةِ الحُزْنِ والألَمِ، وقالَ بِنَبْرَةِ
شَحَّاذٍ تُذكِّرني بِمِهْنَتي في الشِّحَاذةِ في القرية:
_ أرجوكَ يا هِشَام أنْ
تأخُذَني إلى القَريةِ ، أبوس يَدَيْكَ أنْ تأخذني إلى بَيْتِكُمْ في القَريةِ .
_ لا أستطيعُ أنْ آخُذَكَ إلى
بَيْتِنَا في القَريةِ إلا إذا كُنْتَ تَعْرِفُ السِّبَاحَةَ .
_ أنا أخافُ مِنَ السِّبَاحَة
.
_ آسِف يا نارت ، لا أستطيعُ
أنْ آخُذَكَ ، لأنَّ بَيْتَنَا يُطِلُّ عَلى نَهْرٍ كبير ، وكُنْتُ أقْفِزُ مِنْ
نوافذِ بَيْتِنا إلى النَّهْرِ كَيْ أصطاد السَّمَكَ ، ثُمَّ نَشْوِيه على النار .
_ سَأطْلُبُ مِنْ أبي أنْ يُعَلِّمَني
السِّبَاحَةَ . أُريدُ وَعْدًا مِنْكَ أنْ تأخذني إلى بَيْتِكُم في القَريةِ إذا
تَعَلَّمْتُ السِّبَاحَةَ .
_ أَعِدُكَ بذلك .
21
في 1/1/1979 ، التحقَ أبي
بالمُخَابَرَاتِ العَسكرية بِرُتبة مُلازِم ، كَمُرَافِقٍ خاص وَحَارِسٍ شَخْصِيٍّ
للعقيد مُراد عادل المُلَقَّب بالأفعى ، وَهُوَ العَقْلُ المُدبِّر ، وواضعُ
الخُطَطِ المُهِمَّةِ ، وَرَاسِمُ الإستراتيجيَّات الخطيرة . وَكَلِمَتُهُ لا
تَنْزِلُ عَلى الأرضِ ، ولا يَجْرُؤ أحد على مُناقشته أوْ مُعارضته .
لَمْ نَهْتَم كثيرًا بِطَبيعةِ
عَمَلِ أبي ، بَل اهْتَمَمْنَا بِمَصالحِنا ومَنافعِنا والمَكاسبِ المَعنويةِ
والأرباحِ الماديَّة ، التي سَنَحْصُل عَلَيْهَا نَتيجةَ عَمَلِه في
المُخَابَرَاتِ العَسكرية .
صَارَ أبي يَسْتَحِمُّ كُلَّ
يَوْمٍ ، وَيَهْتَمُّ بِمَلابِسِهِ العَسكريةِ والمَدَنِيَّةِ ، وَيَحْلِقُ
ذَقْنَهُ وَشَارِبَه ، ويَضَع نَظَّاراتٍ سَوْدَاء ، وَيُلَمِّعُ حِذَاءَه .
حَتَّى إنَّني صِرْتُ أقُولُ في نَفْسِي : (( مَنْ هَذا الشَّخْصُ الغريبُ
والشَّخْصِيَّةُ المُهِمَّة؟.هَلْ هَذا حَقًّا أبي الذي أنْجَبَني وَعِشْتُ مَعَهُ
في القَرْيَةِ وأعْرِفُ تفاصيلَ حَيَاتِه؟. مِنْ أيْنَ جاءَ هَذا الشَّخْصُ ؟ ،
ومَا عَلاقتي بِه ؟ )) .
صِرْتُ أخافُ مِنْ أبي،
وأحْسَسْتُ أنَّهُ غَرِيبٌ عَنِّي ، لا تَرْبطني بِهِ أيَّة صِلَة . كَأنَّهُ
عُنْصُرٌ دَخيل تَمَّ زَرْعُهُ في عائلتنا ، ولا يَنْتمي إلَيْهَا . إنَّهُ
طَوِيلٌ وَعَرِيضٌ ، ذُو بُنيةٍ جسدية قوية ، أسمرُ البَشَرَةِ ، وكثيف الشَّعْر ،
ومَلامحُ وَجْهِه حادَّة وقاسية ، وَرَعْيُ الأغنامِ تحت أشِعَّةِ الشمس الحارقة
لسنواتٍ طويلة أكْسَبَهُ قُدرةً فائقةً على التَّحَمُّلِ والصَّبْرِ ، رَغْمَ
عَصبيته ومِزَاجِهِ المُتَقَلِّب .
شَعَرَتْ أُمِّي بالخَوْفِ
عِنْدَمَا صارَ أبي يَسْتَحِمُّ كُلَّ يَوْمٍ ، ويَعْتني بِجِسْمِهِ ومَلابِسِه ،
وقالتْ لِزَوْجَةِ عَمِّي :
_ سَلْمَان سَوْفَ يَتَزَوَّجُ
عَلَيَّ يا أُمَّ نارت ، أنا مُتَأكِّدَة أنَّهُ تَعَرَّفَ عَلى امرأةٍ مِنَ
المَدينةِ ، نِسْوَانُ المَدِينَةِ دَلُّوعَات وَمُغْرِيَات وَمُتَعَلِّمَات
وَمُثَقَّفَات ، وَنِسْوَانُ القَرْيَةِ مِسْكِينات وجاهلات وعَلى البَرَكَةِ.
ضَحِكَتْ زَوْجَةُ عَمِّي مِنْ
سَذاجةِ أُمِّي وبَسَاطَتِهَا ، وقالتْ :
_ أبو ناصر صارَ شخصيةً
مُهِمَّة في الدَّوْلَةِ ، وَيَجِبُ أنْ يَهْتَمَّ بِنَفْسِهِ أمامَ القَادَةِ
والمَسؤولين .
قالتْ أُمِّي بِلَهْفَةٍ
وَخَوْفٍ في آنٍ مَعًا :
_ يا أُمَّ نارت ، أنتِ امرأة
راقية وفَهْمَانة مِنَ المَدينةِ ، وأنا قَرَوِيَّة بسيطة ، أريدُ أنْ أسألَكِ :
هَلْ يُوجَد في المُخَابَرَاتِ العَسكريةِ بَنَات وَنِسْوَان ؟ .
_ لا أعْرِفُ هذه التفاصيل ،
ولا أفْهَمُ في الأمُورِ العَسكرية . ولكنْ لا داعي للقلقِ ، زَوْجي الدُّكتور
صبري لَهُ زَميلات في الجامعة ، والجامعةُ مليئة بالبناتِ والنِّسْوَانِ .
_ يَا لَيْتَنَا بَقِينا في
القَريةِ ، لا يُوجَد زُمَلاء ولا زَمِيلات .
_ الدُّنيا تَغَيَّرَتْ يا
أُمَّ ناصر .
_ تَغَيَّرَتْ للأسوأ يا أمَّ
نارت .
سَيْطَرَ مَوضوعُ النِّسْوَانِ
اللواتي سَيَسْرِقْنَ أبي عَلى تَفكيرِ أُمِّي . عِندَما كانَ أبي رَاعي غَنَمٍ
لَمْ تَهْتَم بِهِ أيَّة امرأةٍ ، حَتَّى إنَّ سَمَاح ابنة مَسعود مَالِك
الدُّكَّانة في القَريةِ ، رَفَضَتْهُ وَاحْتَقَرَتْه ، فَهُوَ رَثُّ الهَيئة ،
ومَلابسُه بالية ، وفقير الحال ، وكَسِير البال . أمَّا الآن ، فالوَضْعُ قَدْ
تَغَيَّرَ . صارَ أبي مِنَ الرِّجالِ المُهِمِّين الخَطِيرين في الدَّوْلة. وهُناك
احتمال كَبِير أنْ تَلْهَثَ وَرَاءَهُ المُعْجَبَاتُ والأراملُ والمُطَلَّقَاتُ
والعَوانِسُ والزَّوْجَاتُ الخائنات .
إنَّ أَهَمَّ امْرَأتَيْنِ في
القَريةِ أُمُّ حَسَن زَوجةِ المُختارِ ، صاحب السُّلطة السِّيَاسِيَّة ، وَسَمَاح
ابنة مَسْعُود مَالِك الدُّكَّانة ، صاحبَ السُّلطة الاقتصادية . أمَّا الآن ،
فالوَضْعُ قَدْ تَغَيَّرَ ، سَيَتِمُّ التعاملُ معَ نِسَاءِ عائلةِ فَخَامَةِ رئيس
الجُمهورية ، وَنِسَاءِ الوُزَرَاءِ والمُدَرَاءِ ، وَنِسَاءِ الأثرياءِ وَرِجَالِ
الأعمالِ . هَؤلاء النِّسَاءُ المُهِمَّات في البَلَدِ ، صاحباتُ المَكانةِ
الاجتماعية الرَّاقية ، وَهُنَّ البِيئة الحاضنة للسُّلْطَتَيْن : السِّياسِيَّة
والاقتصادية . وَأُمُّ حَسَن وَسَمَاح امرأتان بائستان لا تَقْبَلُ أُمِّي بِهِمَا
خَادِمَتَيْنِ عِندَهَا . كما أنَّ زَوْجَة عَمِّي أُم نارت أكثر أهمية مِنْ أُمِّ
حَسَن وسَمَاح . لَيْسَ هَذا فَحَسْب ، بَلْ إنَّ أُمَّ نارت الشَّركسية أَهَمُّ
وأغْنَى وَأجْمَل مِنْ أُمِّ سِمْعَان البَدَوِيَّة ، معَ أنَّ كِلْتَيْهِمَا
أُمِّي بالرَّضَاعَةِ .
كانتْ أُمِّي تَسْتجوبُ أبي
كُلَّ يَوْمٍ ، وتَسْألُهُ عَن تَفَاصِيلِ عَمَلِه ، وأيْنَ يَذهَب ، ولماذا
تَأخَّرَ ، وَمَعَ مَنْ يَتَعَامَل ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ النِّسْوَانِ ،
وَحِمَايَةً لَهُ مِنْ بَنَاتِ الحَرَامِ ، كما قالتْ . وَهِيَ كانتْ تَعتقد أنَّ
المَدينة مَكَان كبير ومَفتوح وشديد الخُطورة، تَصْعُب السَّيطرةُ عَلَيْه، ولا
يُمْكِن التَّحَكُّم بِه، أمَّا القَريةُ فَهِيَ مكان صغير ومُغْلَق وَبَسِيط،
يَسْهُل التَّحَكُّم بِه ، وكُلُّ الناسِ يَعْرِفُون بَعْضَهم البَعْض.
قالتْ أُمِّي لأبي وَالقَلَقُ
يأكلُ أعصابَها :
_ مَا هِيَ طَبيعةُ عَمَلك في
المُخَابَرَاتِ العسكرية يا " أبو ناصر " ؟ .
فَرِحَ أبي بِهَذا السُّؤال ،
وَتَهَلَّلَتْ أساريرُه ، وَشَعَرَ بأهميته وخُطورةِ مَنْصِبِه ، وَنَفَشَ رِيشَه
، وَفَتَحَ صَدْرَه كأنَّه يُريد استنشاقَ أكبر كَمِّية مُمْكِنَة مِنَ الهَوَاء ،
وقالَ بِثِقَةٍ وَغُرُور وَتَكَبُّر :
_ المُخَابَرَاتُ العسكرية
هِيَ جِهاز عَسكري يَسْتخدم طُرُقَ جَمْعِ المَعلوماتِ وتَحليلِها لتقديمِ
الإرشادِ والتَّوجيهِ مِنْ أجْلِ مُسَاعَدَةِ القَادَةِ في اتِّخاذِ قَراراتهم ،
وهَذا يَتَطَلَّب تحليلَ بيئة العمليات ، وتَقْييمَ القُوَّاتِ المُعَادية
والصَّديقة ، ومُراقبةَ السُّكَّانِ المَدنيين في مَناطقِ العمليات ، وتَقْدِيمَ
تقارير استخبارية شاملة .
كانَ أبي يَتَحَدَّثُ كَالرَّجُلِ
الآلِيِّ الذي تَمَّتْ بَرْمَجَتُه ، وَيَتَكَلَّمُ مِثْلَ مُسَجِّلِ الصَّوْتِ
بطريقة آلِيَّة مِيكانيكية ، بِلا مَشاعر ولا عواطف ، وَبَدَا كَلامُهُ صِنَاعِيًّا
غَيْرَ طَبيعي . وَأَشُكُّ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ مَاذا يَقُول، ولكنْ مِنَ الواضحِ
أنَّهُمْ حَفَّظُوه هَذه العِبَارات. وبالتأكيدِ ، أُمِّي لَمْ تَفْهَمْ أيَّ
شَيْء مِمَّا قَالَه .
تضايقتْ أُمِّي مِنْ هَذا
الكلامِ لأنَّها لَمْ تَفْهَمْ شيئًا مِنْه، وقالتْ بعصبية :
_ هَلْ تُوجَد أرامل ومُطَلَّقَات
وعوانس في المُخَابَرَاتِ العَسكرية ؟ .
_ المَعلوماتُ يَجِبُ أنْ
تَكُون دقيقةً يا أُمَّ ناصر ، لأنَّها تُؤَثِّر في اتِّخاذِ القَراراتِ ، وتَحديدِ
التَّهْديداتِ المُحْتَمَلَة ، وتَحليلِ العواملِ الجُغرافية والسُّكَّانية
والسِّياسية التي تُؤَثِّر عَلى العملياتِ العَسكرية والفاعليَّةِ الإستراتيجية .
فَقَدَتْ أُمِّي عَقْلَها ،
وَلَمْ تَعُدْ قادرةً على التَّركيز ، وقالتْ بِصَوْتٍ مُرتفع :
_ عِندَما كُنْتَ يا سَلْمَان
راعي غَنَم كانَ كَلامُكَ واضحًا وَمَفهومًا ، وَعِندَما صِرْتَ في المُخَابَرَاتِ
العَسكرية صارَ كَلامُكَ طلاسم ، لا أفْهَمُ مِنْهُ شيئًا .
_كُلُّ مَجَالٍ لَهُ ظُرُوفُه
وشُرُوطُه يا أُمَّ ناصر،وَنَحْنُ أولاد اليَوْم،وَمَا مَضَى انقَضَى،وَمَا فَات
مات. الدَّولةُ في حالةِ حَرْبٍ ، وأعداءُ الوَطَنِ كثيرون ، ويَجِبُ الحَذَرُ ،
وَعَدَم كَشْفِ الأسرارِ .
قالتْ أُمِّي والضِّيقُ
والتَّوَتُّرُ ظاهران عَلَيْهَا :
_ بصريحِ العِبَارة، هَلْ لَكَ
زَمِيلات في العَمَلِ يا " أبو ناصر " ؟ ، زَميلات نِسْوَان
بالمِكْيَاجِ والحُومرة والبُودرة والصُّدُور والأفخاذِ والمُؤخَّرَات .
_ كُلُّ شَيْء في الوقت
المُنَاسِب ، اصْبِرِي يا سَمِيحة ، ولا تَسْتَعْجِلي . الرِّجَالُ والنِّسَاءُ يُنَفِّذُون
الأوامرَ بِكَفَاءَةٍ ، لِحِمَايَةِ الوَطَنِ ، وتَعزيزِ الوَحدةِ الوطنية، والحِفَاظِ
عَلى الأمْنِ القَوْمِيِّ .
انتهى الحِوَارُ ، وَذَهَبَ
أبي ، وَبَقِيَتْ أُمِّي واقفةً في حَالةِ ذُهُولٍ واندهاشٍ ، عَقْلُها غائبٌ ،
وتَفكيرُها مُتَوَقِّف ، وَهِيَ تُحَدِّقُ في عَناصرِ المَكَانِ بِلا وَعْيٍ ولا
تَركيز . وَبَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الوَقْتِ ، نادتْ عَلَيَّ ، وقالتْ لِي
وكَأنَّهَا تُفْشِي سِرًّا خطيرًا يَتَوَقَّف عَلَيْهِ مَصِيرُ إنسانٍ :
_ أبوكَ فَقَدَ عَقْلَه يا
هِشَام ، لَقَدْ عَمِلَتْ لِي نِسْوَانُ العاصمة " حِجَاب وَسِحْر " ،
اللَّه يَرْحَم الشَّيْخَ هِشَام عبد الهادي ، لَوْ كانَ مَوجودًا لأحْرَقَ
الحِجَابَ ، وَفَكَّ السِّحْرَ . مُسْتَقْبَلُنَا أسْوَد في العاصمةِ ، يا
لَيْتَنَا بَقِينَا في القَريةِ. نِسْوَانُ العاصمةِ خَبِيراتٌ في السِّحْرِ ،
والسَّحَرَةُ كثيرون . عِندَمَا كانَ أبوكَ في القَريةِ كانَ كَلامُهُ
مَفْهُومًا،وَعِندَما جاءَ إلى المَدِينة صَارَ كَلامُهُ " تَخْبيص في
تَخْبيص".
لَمْ أَعْبَأ بِكَلامِ أُمِّي
، وَلَمْ أَهْتَم بحالةِ أبي ، لأنَّني اخترتُ أُسْرَةً جديدةً تَتَكَوَّنُ مِنْ
عَمِّي دُكتور الجامعة وَزَوْجَة عَمِّي الشَّركسية وابن عَمِّي نارت وابنة عَمِّي
ثُرَيَّا . هَذه عائلة راقية وغَنِيَّة ، وأنا أسْتَحِقُّ أنْ أكُونَ راقيًا
مِثْلَهُم . وَلَطَالَمَا شَعَرْتُ بالذُّلِّ والخِزْيِ والعَارِ ، لأنَّني ابْنُ
سَلْمَان راعي الغَنَم وسميحة الخَدَّامة في البُيُوتِ. وَمَا يَهُمُّني هُوَ
الحُصُول على مَا أُريدُه،وتَنفيذ كُلِّ رَغَبَاتي وطَلباتي، وامتلاك جميع الأشياء
التي أُحِبُّهَا ، والاستمتاع بِكُلِّ شَيْء في الحَيَاةِ ، مِنَ الطَّعَامِ إلى
الألعاب .
22
سَجَّلَني أبي في مَدرسة
أجنبية ، وَهِيَ نَفْسُ المَدرسةِ التي يَدْرُسُ فِيها نارت ابن عَمِّي . وكُنَّا
في نَفْسِ الصَّفِّ معَ أنَّ نارت يَكْبُرُني بِعِدَّة أشهُر .
قالَ لِي أبي بِلَهْجَةٍ حازمة
، وكأنَّهُ يُصْدِرُ أمْرًا عَسكريًّا ، وكُلُّ كَلِمَاتِهِ صارتْ أوامر عَسكرية :
_ سَوْفَ أُسَجِّلُكَ يا
هِشَام في مَدرسة أجنبية للوَجَاهَةِ وَتَعَلُّمِ اللغة الإنجليزية .
قُلْتُ بِصَوْتٍ مَكسور :
_ أُريدُ مَدرسةً مِثْلَ
كُتَّابِ الشَّيْخِ جَعْفَر الذي دَرَسْتُ فِيه في القَرية ، أتَعَلَّمُ اللغةَ
العربيةَ ، وأحْفَظُ سُورَ القُرْآنِ الكريم ، وأدْرُسُ الحِسَابَ .
لَمْ أذْكُرْ لأبي مَدْرَستي
في القَرية ، " مَدرسة المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه المُهندس حُسَام يَعْقُوب
الابتدائية " ، لأنَّني كَرِهْتُهَا مِنْ أعماقِ قَلْبي ، وَأُصِبْتُ
بِعُقْدَةٍ نَفْسِيَّة تُجَاهَهَا ، وانهارتْ أحلامي بسببها، فَقَد اختارتْ إدارةُ
المَدرسةِ " ثامر " الأوَّل على الصَّفِّ، معَ أنَّني أذكى مِنْه،
وأشطرُ وَلَد في الصَّفِّ ، وعَلاماتي أعلى مِنْ عَلاماته ، والمَفروضُ أنَّني أنا
الأوَّل على الصَّفِّ ، وَلَكِنَّني سَمِعْتُ أحدَ المُعلِّمين يَقُول: (( لا
يُمْكِن أنْ يَكُون الأوَّلُ عَلى الصَّفِّ ابْنَ الخَدَّامة ، يَجِب أنْ يَكُون
ابْنَ المُختار،كَي تُصبح لِمَدرستنا سُمْعَة طَيِّبة ومَكَانة عالية ومَنزلة
رَفيعة بَيْنَ مَدارسِ القُرى المُجاورة )).
قالَ أبي بِتَأفُّفٍ وَشَيْءٍ
مِنَ العصبية :
_ يا هِشَام ، انْسَ
القَرْيَةَ ، نَحْنُ نَنْتمي إلى المَدينةِ . لَيْسَ لَنَا قَرْية ، نَحْنُ أهْل
العاصمة . إنَّ أبناءَ العَوَامِّ والدَّهْمَاءِ والسُّوقَةِ وَالرَّعَاعِ
والهَمَجِ وحُثَالَةِ الناسِ وقَاعِ المُجتمعِ ، يَدْرُسُون في المَدارسِ
الحُكومية الفقيرة البائسة الفاشلة ، أمَّا أبناءُ كِبَارِ الشَّخْصيات الذينَ
يَنْتَمُون إلى العائلاتِ الشَّريفة النَّبيلةِ الرَّاقية مِثْل عائلتنا فَيَدْرُسُون
في المَدارسِ الأجْنَبِيَّة ، كَيْ يَقُودُوا مَسيرةَ النَّهضةِ في الوَطَنِ .
وأردفَ قائلًا :
_ أنا الآنَ لَدَيَّ مَنْصِبٌ
حَسَّاس في المُخَابَرَاتِ العَسكرية ، وَقَدْ أُصْبح في المُسْتَقْبَلِ قائدًا
للجَيْشِ ، أوْ وَزيرًا للدَّاخِلِيَّة ، وَيَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَفْتخر بأبيك ، وتَسِير
عَلى خُطَاه ، وَتَتَعَلَّم اللغةَ الإنجليزية ، فَهِيَ مِفْتَاح الوظائف
الحُكومية المُهِمَّة . هَلْ تُريدُ أنْ يَقُول القادةُ والمَسؤولون في الدَّولةِ
إنَّ ابْنَ المُلازم سَلْمَان رَجَب المُرَافِق الخاص للعقيد مُراد عادل ، دَرَسَ
في مَدارس حُكومية مِثْلَ أبناءِ الفُقراءِ والشَّحَّاذين،ولا يَعْرِفُ اللغةَ
الإنجليزية ؟. هَذه مُصِيبةٌ تُؤَثِّر على مُستقبلي العَسكريِّ والسِّياسيِّ ،
وَمَهْزَلَةٌ لا أسْمَحُ بِهَا إطلاقًا . عائلةُ المُلازِم سَلْمَان رَجَب لها
وَضْعٌ خاص في الدَّولةِ ، وَيَجِبُ الحِفَاظُ عَلى سُمْعتها ومَكانتها
الاجتماعيَّة ومَنْزلتها الرفيعة .
وَقَفْتُ كَالمَسْطُولِ ،
وَفَتَحْتُ فَمِي كَالأبْلَهِ ، وَنَظَرْتُ إلى الأرضِ ، وَخَشِيتُ أنْ أسْقُطَ
عَلَيْهَا . لَقَدْ تَغَيَّرَ أبي ، وَلَمْ أَعُدْ أفْهَم ماذا يَقُول . إنَّهُ يَسْتخدم
كَلِمَاتٍ ومُصْطَلَحَاتٍ وتعابير أسْمَعُهَا لأوَّلِ مَرَّةٍ في حَيَاتي ، ولا
أعْرِفُ مَعْنَاها . تَذَكَّرْتُ عِبَارَةَ أُمِّي: (( عِندَمَا كانَ أبوكَ في
القَريةِ كانَ كَلامُهُ مَفْهُومًا ، وَعِندَما جاءَ إلى المَدِينة صَارَ كَلامُهُ
تَخْبيص في تَخْبيص )) .
مِنَ الوَاضحِ أنَّ أبي لَمْ
يَعُدْ أبي . هُناك قُوَّةٌ غامضة تَزرعُ الأفكارَ في رَأسِه . لَمْ أَعُدْ أراه
إلا نادرًا . إنَّهُ غائبٌ عَن البَيْتِ ، ومَشغولٌ دائمًا بالدَّوْرَاتِ
العَسكريةِ ، والتَّوجيهِ السِّيَاسِيِّ ، والتَّثقيفِ الاجتماعيِّ ، والتَّوْعيةِ
الفِكرية ، والقُدراتِ اللغوية ، وَمَهَاراتِ الخَطَابَةِ والإلقاءِ .
صارَ رَجُلًا آلِيًّا ،
مَشاعرُه مِيكانيكية ، وأحاسيسُه مُصْطَنَعَة ، وكَلِمَاتُهُ جامدةٌ لا رُوحَ
فِيها . يَتِمُّ تَحفيظُه الكلام في عَمَلِهِ الجَدِيد ، ثُمَّ يَأتي إلى البَيْتِ
، ويُردِّده على أسماعِنا ، كَمُمَثِّل يُؤَدِّي دَوْرًا عَلى خَشَبَةِ المَسْرَحِ
أوْ خَشَبَةِ الإعدامِ ، لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا في لُغَةِ الاحتضارِ الوَهَّاجِ .
وتابعَ أبي قائلًا بِصَرَامَةٍ
شديدةٍ وَحَمَاسَةٍ كبيرة :
_ أنتَ وَرِيثي وَامتدادي يا
هِشَام، وأَمَلُ الأُسْرَةِ ، وَتَحْمِلُ اسْمَ العائلةِ ، بَعْدَ وَفَاةِ أخيك
ناصر . يَجِبُ أنْ تَكُونَ رَجُلًا صُلْبًا وقاسيًا ، قَلْبُكَ مَيت ، ولا تَخَاف
مِنْ أيِّ شَيْء . يَجِبُ أنْ تُركِّز في الدِّراسةِ ومَعرفةِ أبناء الشَّخْصيات
المُهِمَّة وإتقانِ اللغةِ الإنجليزية . هُناكَ مُستقبَل باهر يَنْتظرك ، قَدْ
يَتِمُّ تَعْيينك قائدًا في الجَيْشِ أو المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ أو
المُخَابَرَاتِ العَسكرية أو وزيرًا للداخلية .
لَمْ أستوعبْ هَذه الكلماتِ،وشعرتُ
أنَّها أشياء كبيرة وخطيرة ومُخِيفة، فَقُلْتُ بِسَذاجةٍ طُفولية :
_ أُريدُ أنْ ألعبَ معَ نارت ،
وآكُل الطعامَ اللذيذ ، وأشرب العَصِيرَ البارد .
احْمَرَّتْ عَيْنَا أبي ،
فَرَأيتُ الرُّعْبَ فِيهما ، وقالَ صارخًا بأعلى صَوْتِه :
_ لا تَكُنْ مِنْ أعداءِ
الوَطَنِ يا هِشَام ، نَحْنُ في حالةِ حَرْبٍ حقيقية معَ الإرهابيين والخَوَنَةِ
والعُمَلاءِ والطابورِ الخامس .
_ أنا أُحِبُّ الوَطَنَ .
_ إذا كُنْتَ تُحِبُّ الوَطَنَ
، فاسمعْ كَلامي ، وَاحْرِصْ على الانتماءِ إلى الوَطَنِ ، والوَلاءِ لِفَخَامَةِ
رئيس الجُمهورية . نَحْنُ نُنَفِّذُ تَوجيهاتِ السَّيد الرئيس لِحَمايةِ الوَطَنِ
، وتَعزيزِ الأمْنِ القَوْمِيِّ .
وأخرجَ أبي مِنْ جَيْبِهِ
وَرَقَةً يَبْدُو أنَّها نَشرة إعلانية ، وقالَ لِي :
_ سَأقْرَأ عَلَيْكَ بشكلٍ
سريع يا أُستاذ هِشَام فوائدَ المَدارسِ الأجنبية . تَوفير فُرَص تعليمية أفضل ،
وتقديم مُستوى عِلْمِي أعلى ، معَ مَناهج دراسية مُتطوِّرة ، وَإتقان اللغة
الإنجليزية ، وتَوفير بيئة تعليمية مُتَنَوِّعَة ، والتَّحْضير للمُستقبَل
الأكاديميِّ والوظيفيِّ . والمَدارسُ الأجنبية مُعْتَمَدَة مِنْ قِبَل جامعات
دولية ، مِمَّا يُسهِّل عَلى الطُّلابِ الالتحاق بِها في الخارج ، كما تَفْتَح
آفاقًا واسعةً للطُّلابِ في مَجالاتِ العَمَلِ المُختلفة .
كُنْتُ في السابعةِ مِنَ العُمر
وأنا أتَلَقَّى هَذا الكَلامَ، لَمْ أفْهَمْ مِنْهُ إلا الشَّيْءَ القليل ،
ولكنَّني أَهُزُّ رَأسِي مِثْل الفَهْمَان ، كَيْ أنالَ إعجابَ أبي .
طِيلة حَيَاتي كُنْتُ أكْبَرَ
مِنْ سِنِّي . استخدمتُ في طُفُولَتي كلماتٍ قوية وتعابير مُؤثِّرة وأمثالًا
وَحِكَمًا. سَمِعْتُهَا مِنْ أبي أوْ مِنْ مَسعود صاحب الدُّكَّانة أوْ مِنْ
نِسَاءِ القَرية أوْ مِنْ مُعَلِّمِي المَدرسةِ، أوْ قَرَأتُهَا في المَناهجِ
الدِّراسية المُقَرَّرَة عَلَيْنَا . أحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ أسْمَعُه . لِي
أُذُنَان تَلْتَقِطَان كُلَّ الأصواتِ والحُروفِ والكَلِمَاتِ ، وَهَذا سببُ
تَفَوُّقي في حِصَّةِ التَّعبير ( الإنشاء ) في كُلِّ مَراحل حَيَاتي الدِّراسية ،
كما أنَّهُ سببُ تَفَوُّقي على زُمَلائي وأصدقائي . وَجَعَلَني هَذا الأمرُ
أمْتَلِكُ القُدرةَ عَلى صِنَاعَةِ الأكاذيبِ ، واختراعِ الأوهام ، وابتكارِ
الخَيَالاتِ ، وتأليفِ القِصَصِ والحِكَايَاتِ . وَلَطَالَمَا استخدمتُ في
طُفُولَتي كَلِمَاتٍ كبيرة شديدة الوَقْعِ والتأثيرِ ، سَمِعْتُهَا وَلَمْ أفْهَمْ
مَعْنَاهَا ، وَمَعَ هَذا رَدَّدْتُهَا كَيْ أبْدُوَ ذكيًّا وشاطرًا وكبيرًا ،
وَلَيْسَ طِفْلًا صغيرًا. أنا كبيرٌ لا صَغِيرٌ ! .
المَدرسةُ الأجنبيةُ هِيَ
اللعنةُ التي أصَابَتْني وطَارَدَتْني طِيلةَ حَيَاتي . إنَّها أسْوَأ مَكَان
ذَهَبْتُ إلَيْه. وَلَوْلا خَوْفي مِنْ أبي لَهَرَبْتُ مِنْهَا بِلا رَجْعَةٍ .
وَقَدْ أدركتُ بَعْدَمَا كَبِرْتُ أنَّ المَدارسَ الأجنبية هِيَ أكبرُ حَرْبٍ عَلى
الإسلامِ والعُروبةِ. وهَذه المَدارسُ المَشبوهة تُمثِّل الغَزْوَ الثَّقافي في
أسْوَأ أشكالِه .
كُنْتُ وَلَدًا في السابعة
مِنَ العُمر ، أَحُسُّ بفرحٍ هائل لأنَّني أدرسُ أنا وابْنُ عَمِّي في مَدرسة
أجنبية مِثْلَ أبناءِ الأغنياءِ والأشخاصِ المُهِمِّين الخَطِيرين في الدَّوْلة .
انبهرتُ بِنَظافةِ المَدرسةِ وَجَمَالِهَا وتَصميمِها وألوانِها . المَلاعِبُ
الرِّياضية واسعة، والمَسْبَحُ كبير ، والغُرَفُ الصَّفيةُ مُرَتَّبَة ، والمقاعد الخشبية
أنيقة ، وَمُخْتَبَرَاتُ العُلوم مُدْهِشَة ، والمَكتبةُ فَخْمَة ، ولكنْ كُلُّ
الكُتُب فيها باللغة الإنجليزية ، فَلَمْ أستطعْ قِراءةَ عَناوينها . وقاعةُ
الطعامِ تَحْتوي على أشهى المأكولاتِ ، ولكنَّني لا أعْرِفُ أسماءَها ،
والمَسْرَحُ ضَخْمٌ ، وقاعةُ المُوسيقى مُجَهَّزَة بآلاتٍ مُوسيقية مُختلفة . والحَمَّامَاتُ
نظيفة ومُعَقَّمَة .
تكاليفُ المَدرسةِ مُرتفعة
جِدًّا ، ولكنْ لا تُوجَد مُشكلة ، فَقَدْ أحْضَرَ أبي مِنَ القَريةِ صُندوقَ الذَّهَبِ
الذي كانَ يُخَبِّئُهُ تَحْتَ التُّرابِ . الأموالُ التي سَرَقَهَا مِنَ الناسِ
بِشَتَّى الطُّرُقِ والوَسائلِ ، وَحَوَّلَهَا إلى سَبائك ذهبية ، وَفَّرَتْ لَنَا
عَيْشًا رَغِيدًا وَحَيَاةً كَريمة . وإذا كانَ أبي قَدْ سَرَقَ أهْلَ القَريةِ
والقُرَى المُجاورة ، فلا بُدَّ أنْ يَسْرِقَ المُخَابَرَاتِ العَسكرية ذَات
المِيزانية الضَّخْمَة ، خُصُوصًا أنَّهُ المُرَافِق الخاص والحارس الشَّخْصي
للعقيد مُراد عادل الذي لا يُناقشه أحَد ، ولا يُحاسبه أحد ، وكُلُّ الأموالِ
تَحْتَ يَدِه ، والجميعُ يَنتظر تَوقيعَه .
في ذلك الوَقْتِ لَمْ يَخْطُرْ
عَلى بالي مَوضوع العقيدةِ أو الهُوِيَّة أو القَوْمِيَّة . كانت المناهجُ أجنبية
، وأضعفتْ في الطُّلابِ العقيدةَ الإسلاميةَ واللغةَ العربية ، وضَاعَت
الهُوِيَّةُ الثقافية ، وَفَقَدَ الطُّلابُ الانتماءَ الإسلاميَّ والوطنيَّ.جَوُّ
التعليمِ مَسِيحِيٌّ بالكاملِ ، وَقِيَمُ المُجتمعاتِ الغربية هِيَ السائدة ، وَالمُعلِّمات
أمريكيات وبريطانيات، يَضَعْنَ الصُّلبانَ في أعناقهن ، ويَلْبَسْنَ تنانير قصيرة
، وَصُدُورُهُنَّ مَكشوفة ، وَالطُّلابُ مِنْ جِنْسِيَّات مُختلفة ، واللغةُ المُشترَكة
هي الإنجليزية، واختلاطُ الذُّكُورِ معَ الإناثِ في كُلِّ مَكَان . والطُّلابُ
يَتَشَبَّهُون بالثَّقَافاتِ الأجنبية وسُلوكياتها ، حَتَّى إنَّهُم يَحْتفلون
بأعيادِ الغرب ، مِمَّا أدَّى إلى اغترابِهم عَن ثقافتهم الأصلية ، وكُنْتُ ضائعًا
معَ الضائعين .
اعتمدت المَدرسةُ الأجنبية على
الحِفْظِ والتَّلقينِ بَدَلًا مِنَ الفَهْمِ والتَّحليل ، وَهَذا حَطَّمَ قُدراتِ
الطُّلابِ على التَّفكيرِ النَّقْدِيِّ والإبداعيِّ . وعَانَيْتُ كثيرًا مِنْ
صُعوبةِ التَّكَيُّفِ والتَّأقْلُمِ رَغْمَ أنَّني طالبٌ مُجتهِد ، ولكنَّني
بَنَيْتُ عَالَمِي الخاص ، وَغَرِقْتُ في نَفْسِي مِنْ أجْلِ تَحقيقِ مَصَالحي
وَمَنَافعي ، والحُصولِ عَلى كُلِّ مَا أُريدُه ، ضِمْن هَذا النِّظامِ المَادِيِّ
الاستهلاكيِّ المُدمِّر . لَقَدْ رَمَاني أبي في هَذا المُسْتَنْقَعِ، ولا أعْرِفُ
كَيْفَ سَأخْرُجُ مِنْه. والمُشكلةُ أنَّ الشَّخْصَ الغارقَ في المُسْتَنْقَعِ
يَسْتمتع بالانتحارِ التَّدْريجيِّ والمَوْتِ البَطِيء،ولا يُدْرِك حَجْمَ الكارثة
إلا بَعْدَ الخُروج مِنَ المُسْتَنْقَعِ إذا استطاعَ أنْ يَخْرُجَ مِنْه ،
وَلَيْسَ كُلُّ الأشخاصِ يَمْلِكُونَ الفُرصةَ والقُدرةَ عَلى الخُروج .
هَذا التَّحليلُ الدَّقيقُ
تَوَصَّلْتُ إلَيْهِ بَعْدَ سَنَوَات طويلة ، وَبَعْدَ البَحْثِ والقِراءةِ
والاطِّلاعِ ، أمَّا الطِّفْلُ الصغير الذي كُنْتُه ، فكانَ يُريدُ اللعبَ والأكلَ
والشُّرْبَ والاستمتاعَ مَعَ الأولادِ والبَنَاتِ . وبالتأكيدِ ، أبي شَخْصٌ جاهلٌ
لا يَفْهَم مَواضيعَ العقيدةِ والهُوِيَّةِ والقَوْمِيَّة واللغةِ ، وتَركيزُه
مُنْصَبٌّ عَلى تَعزيزِ مَوْقِعِهِ في المُخَابَرَاتِ العَسكرية ، والوُصولِ إلى
أبعدِ نُقْطَة بأقلِّ تَكْلُفة . وَأُمِّي أُمِّيَّة جاهلة غَرِقَتْ مَعَ أُمِّ
نارت زَوْجَةِ عَمِّي في الفساتين المُلَوَّنَة ، والزِّينةِ ، والمِكْيَاجِ ،
والعِنَايَةِ بالبَشَرَةِ ، والأعراسِ،وَزِيَارَةِ الجَارَاتِ،وَحَفَلاتِ
النِّسَاءِ، والتَّسَوُّق، والطَّبْخ، وقِراءةِ الفِنْجَان، والغِيبة،
والنَّمِيمة.
23
كانتْ تَجْلِسُ بالقُرْبِ
مِنِّي طالبة اسْمُها يارا، طِفْلَة بريئة وَمُشَاكِسَة وَعَنِيدة وَقَوِيَّة
وكثيرة الحَرَكَة، كأنَّها في حَرْب مَعَ العَالَمِ الخارجيِّ ، في السابعةِ مِنَ
العُمر ( نَفْس سِنِّي ) . تَرْتدي تَنُّورةً قصيرة ، وَوَجْهُها أبْيَض ،
ومَلامِحُها جَمِيلة ، وعَيْنَاهَا صغيرتان وكَحِيلتان ، وَأسنانُها بَيضاء لامعة
. وَتُحِبُّ اللعبَ معَ الأولادِ . تَنْظُرُ إلَيَّ باستمرارٍ ، ماذا تُريدُ
مِنِّي ؟ ، هَلْ تَعْرِفُني ؟ ، هَلْ تَعْرِفُ تاريخي الشَّخْصِيَّ وَمَاضِي
حَيَاتِي في القَريةِ البائسة ؟ . مَا سِرُّ هَذه النَّظَرَاتِ التي تُوَجِّهُهَا
إلَيَّ كالسِّهَامِ ؟ .
في السَّاحَةِ تَجَمَّعَ
الأولادُ والبَنَاتُ في إحدى الزَّوَايا . وَقَفْتُ مَعَهُم ، وَهُمْ
يَتَحَدَّثُون بالعربيِّ والإنجليزيِّ ، ولَمْ أفْهَم الكلماتِ الإنجليزية ،
فَبَقِيتُ سَاكِتًا لا أُشَارِك بالحديثِ .
جاءتْ يارا ، وَوَقَفَتْ
مَعَنَا ، وَوَجَّهَتْ كَلامَها لِي قائلةً بِثِقَةٍ وَغُرُورٍ :
_ اسْمِي يارا .
_ وأنا هِشَام .
تَشَجَّعْتُ عَلى الحَدِيثِ
مَعَهَا بَيْنَ الأولادِ والبَنَاتِ ، وَفَكَّرْتُ أنْ أسألَهَا سُؤالًا ،
ولكنَّني لَمْ أعْرِفْ مَا هُوَ هَذا السُّؤال ، وَبَعْدَ بَحْثٍ طَويل داخلَ
عَقْلي ، قُلْتُ وكأنَّني عَثَرْتُ عَلى كَنْز :
_ ماذا يَعْمَلُ أبوكِ ؟ .
_ أبي وزير .
_ وأنتَ ماذا يَعْمَلُ أبوك ؟
.
_ أبي رَاعِي غَنَمٍ .
وانفجرَ الجميعُ بالضَّحِكِ ،
وَالْتَفُّوا حَوْلي كَأنَّني أُقَدِّمُ مَسرحيةً كُوميدية ، أوْ أقُولُ نِكَاتٍ
مُضْحِكَة تَهْدِفُ إلى إضحاكِ الأولادِ والبَنَاتِ ، وَاعْتَبَرُوني طالبًا
ذكيًّا لأنَّني أقُولُ نُكْتَةً تَعْتمد على المُفَارَقَةِ ، أو اللعبِ بالألفاظ ،
أو المَواقفِ غَيْر المُتَوَقَّعَة .
غَضِبَتْ يارا ، وأحَسَّتْ
بالغَيْظِ، وَشَعَرَتْ أنَّني أسْخَرُ مِنْهَا وَمِنْ أبيها ، وأستهزئ بِهِمَا ، وأنَّني
تَفَوَّقْتُ عَلَيْهَا ، وَجَمَعْتُ الطُّلابَ حَوْلي ، وَصِرْتُ زعيمًا لهم ،
بسبب خِفَّةِ دَمِي وقُدْرتي على اختراع النِّكَاتِ والطرائفِ التي تَهْدِفُ إلى
الضَّحِكِ والتَّرْفيه .
قالتْ يارا وَهِيَ في حَالةِ
غَيْظٍ شَديدة :
_ أُمِّي غَنِيَّة .
_ وَأُمِّي خَدَّامة في البُيُوت
.
_ أبي كانَ يعيشُ في أمريكا .
_ وأبي كانَ يعيشُ في زَريبة
الأبقار .
سَيْطَرَ الضَّحِكُ عَلى
الأولادِ والبَنَاتِ ، وَاعْتَبَرُوني مَلِكَ النِّكَاتِ والمَواقفِ الطريفةِ ،
وأمْلِكُ سُرعة بَدِيهة غَيْر عاديَّة، وَلَدَيَّ قُدرة فائقة على اختراعِ
الأشياءِ المُضْحِكَة ، وَتَوَّجُوني زَعِيمًا وقائدًا لَهُمْ ، وازدادَ الْتَفَافُهُمْ
حَوْلي بسبب حُبِّي للفَرفشةِ ، والمَرَحِ ، والانبساطِ ، والفُكَاهَةِ . وصاروا
يَتعاملون مَعِي كطالبٍ خَفِيفِ الظِّل ، يَتَمَيَّز بالظَّرَافَةِ والمِزَاجِ
الجَيِّد ، ويُحِبُّ الاستمتاعَ بالوَقْتِ ، والتَّرفيهَ عَن النَّفْس .
اقتربتْ مِنِّي طالبة أنيقة ،
ومَلابسُها نظيفة ، وَتَضَع الصَّليبُ في عُنُقِهَا ، وَيَبْدُو أنَّها أكبر
مِنِّي في السِّنِّ ، وقالتْ :
_ اسْمِي كارمِن ، وعُمري عَشْر
سَنَوَات ، أنتَ مَهْضُوم ، وَدَمُكَ خَفِيف ، ونُريدُ أنْ تَعْمَلَ لَنَا
مَقَالِب مِثْل مَقَالِب غَوَّار في التلفزيون .
لَمْ أعْرِفْ مَعنى كلمة
" مَهْضُوم " ، ولكنَّني أدركتُ أنَّها كلمة مَدْح مِنْ سِيَاقِ الكلام
، كما أنَّني لَمْ أعْرِفْ مَنْ هُوَ غَوَّار ، وَمَا هِيَ مَقَالِبُه ، فَنَحْنُ
لا نَمْلِكُ جِهَاز تلفزيون في القَرية . وَقَدْ شاهدتُ التلفزيون لأوَّلِ مَرَّةٍ
في حَيَاتي في بَيْتِ عَمِّي الدُّكتور . إنَّهُ يُشْبِهُ السِّحْرَ والخَيَال ،
كَيْفَ يَظْهَر إنسان يَتَكَلَّم وَيَتَحَرَّك داخل صُندوق مَوجود في البَيْتِ .
مَا هَذا الاختراعُ الخطير المُذهِل ؟ . أعظمُ اختراع وَصَلَنَا في القَريةِ هُوَ
الراديو ، ولا يَستطيع الشخصُ العاديُّ أنْ يَحْصُلَ عَلَيْه .
قُلْتُ وعَلاماتُ السعادةِ
ظاهرةٌ على وَجْهِي :
_ لَيْسَ لَدَيْنَا تلفزيون في
القَرية .
وَغَرِقَ الأولادُ والبَنَاتُ
في الضَّحِكِ، وَاعْتَبَرُوها نُكْتَةَ المَوْسِمِ ، وبالتأكيد هُمْ لا يَعْرِفُون
القَريةَ، ولا يَتَخَيَّلُون وُجودَ إنسان لا يَمْلِكُ جِهَاز تلفزيون، فَهَذه
الأجهزةِ مُنْتشرة في كُلِّ بُيُوتِ العاصمة .
لَسْتُ أدْرِي لِمَاذَا كُنْتُ
صَرِيحًا وصادقًا، وأتَحَدَّث بِثِقَةٍ . المَفروضُ أنْ أُخْفِيَ أسراري وتفاصيلَ
حَيَاتي في القَريةِ ، ولا أكْشِفها لأحَدٍ ، خُصُوصًا أنَّ عائلتنا التي كانتْ
بائسةً ، صارتْ راقيةً ذات مكانة اجتماعية عالية،وأبي الذي كانَ راعي غَنَمٍ
وعاطلًا عَن العَمَلِ وَمُتَسَكِّعًا في طُرُقَاتِ القَريةِ ، صارَ شَخصيةً
مُهِمَّةً في المُخَابَرَاتِ العَسكرية ، وَمَنْصِبُهُ حَسَّاس ، وَمُنَافِسُوه
كَثيرون ، وأعداءُ الوَطَنِ خَطِيرون . وكَشْفُ أسرارِنا في القَريةِ يُدمِّر
مُسْتَقْبَلَهُ العَسكريَّ والسِّيَاسِيَّ في آنٍ مَعًا .
والمُضْحِكُ المُبْكِي أنَّني
عِندَما كُنْتُ أكْذِبُ في القَريةِ ، كانَ الناسُ يُصَدِّقُونني . وَعِندَمَا
قُلْتُ الصِّدْقَ بَيْنَ طُلَّابِ مَدْرستي الأجنبية في العاصمة لَمْ يُصَدِّقْني
أحَد . اعتَبَرُوني خَفِيفَ الظِّلِّ ، وصاحبَ نُكْتَة ، وَخَيَالي وَاسِع ،
وَأُحِبُّ تأليفَ المَواقفِ المُضْحِكَة . وَشَرُّ البَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ .
كَشَفْتُ أسرارَ عائلتنا في
القَريةِ ، لأنَّني أردتُ المُوَاجَهَةَ والتَّحَدِّي . أنا هِشَام ابْنُ سلمان
راعي الغَنَمِ وسَمِيحة الخَدَّامة ، لَيْسَ لَنَا أصْل ولا فَصْل ولا حَسَب ولا
نَسَب ، ولا نَعْرِفُ أمريكا ولا بريطانيا ، وَلَمْ نَدْرُسْ في مَدارس أجنبية ،
ولا نَتَحَدَّث اللغةَ الإنجليزية . جِئْتُكُمْ مِنَ القَريةِ غازيًا كَيْ أنتقمَ
مِنْكُمْ ، وأثأرَ مِنْ حَيَاتي التَّعيسةِ في القَريةِ ، حَيْثُ كُنْتُ شَحَّاذًا
وَمُتَسَوِّلًا ، أعيشُ عَلى صَدَقَاتِ الناسِ وإحسانِهم وَعَطْفِهِم
وَشَفَقَتِهِم .
إنَّني أرْفُضُكم جميعًا ،
وأرفُضُ نَفْسِي ، لأنَّ التاريخَ يَرفُضُ وَجْهِي ، ولا يَعترِف بِي . لَيْسَ لِي
أصدقاء في المَدرسةِ الأجنبية ، إنَّ أصدقائي هُمُ الذينَ لَعِبْتُ مَعَهُمْ في
القَريةِ ، عِندَما كُنْتُ كابتنَ فَريقِ المَنبوذِين ، سِمْعَان البَدَوي
المَسِيحي ، ومُنذِر الأعمى ، وفَتْحِي النَّوَري ، وأُسَامَة الأعْرَج . هَؤلاء هُمْ
أصدقائي الذينَ لَنْ أنساهم. لَمْ يَدْرُسْ أيُّ واحدٍ مِنْهُم في مَدرسة أجنبية ،
ولا يَعْرِفُ أيُّ واحدٍ مِنْهُم اللغةَ الإنجليزية ، وَلَمْ يَتَحَدَّثُوا معَ
البَنَاتِ أوْ يَقِفُوا مَعَهُنَّ أوْ يَلْعَبُوا مَعَهُنَّ . أصدقائي لَيْسُوا
مِثْلَ المَغرورة الدَّلُّوعة يارا التي تَقُول عَنْ نَفْسِهَا إنَّها ابنة وزير ،
وَلَيْسُوا مِثْلَ كارمِن التي تَسْتخدم كَلِمَةَ " مَهْضُوم " ،
وَتَعْرِفُ مَقَالِبَ غَوَّار في التلفزيون . أصدقائي الحَقِيقِيُّونَ لا يُوجَد
في بُيُوتِهِم أجهزة تلفزيون ، وَلَمْ يَسْمَعُوا بِمُمَثِّلٍ اسْمُهُ غَوَّار .
لَعِبْنَا حُفَاةً عُرَاةً في القَريةِ ، وَاخْتَلَطْنَا بِتُرَابِهَا ، وَرَأيْنَا
شُروقَ الشَّمْسِ وَغُروبَها ، وَلَمْ نَسْجُنْ أرواحَنا بَيْنَ حِيطانِ الأسمنتِ
المُلَوَّنَة .
كَرِهْتُ طُلَّابَ المَدرسةِ
الأجنبية ذُكُورًا وإناثًا ، وَاحْتَقَرْتُهُمْ مِنْ أعماقِ قَلْبي ، وهَذا لَيْسَ
غريبًا، فأنا أكْرَهُ نَفْسِي وأحْتَقِرُهَا . وأنا مَوجودٌ في المدرسة الأجنبية
معَ أولادِ وبَنَاتِ الأغنياءِ ، وَكِبَارِ الشَّخْصِيَّاتِ ، وَالرِّجالِ
المُهِمِّين الخَطِيرين في الدَّوْلة ، بِفُلُوسِ أبي ، مِنْ أجْلِ الوَجَاهَةِ
وَتَعَلُّمِ اللغةِ الإنجليزيةِ. أبي يَدْفَعُ المَالَ كَيْ أستطيعَ أنْ أتَحَدَّثَ
معَ يارا وكارمِن وَغَيْرِهِمَا بِكُلِّ ثِقَةٍ، ودُون خَوْفٍ أوْ خَجَلٍ . لا
يَهُمُّني أنْ يَكُونَ زَمِيلي في الدِّراسةِ ابْنَ وَزيرٍ أوْ مُديرٍ أوْ سَفِير
، وأنا ابْنُ رَاعي غَنَمٍ وخَدَّامة. كُلُّنَا نَدْفَعُ الأقساطَ المَدرسية ،
والمالُ أهَمُّ شَيْء في الحَيَاةِ ، وأنا أشتري احترامَ الآخَرين بِفُلُوسِ أبي .
ولا يَهُمُّني إنْ كانَ أبي لَصًّا مُحْتالًا أوْ شَخْصًا شريفًا . المُهِمُّ أنْ
آكُلَ أفضلَ المَأكولاتِ ، وألْبَسَ أجْمَلَ المَلابس .
وفي حَقيقةِ الأمْرِ ،
كُلُّنَا لُصُوص بشكلٍ أوْ بآخَر ، والكُلُّ يَسْرِقُ الكُلَّ . وكانَ أبي يَقُول
: (( الجميعُ يَسْرِقُ الجَميعَ ،
ولكنَّ الفَرْقَ هُوَ أنَّ هُناك لِصًّا أنيقًا يَرتدي بِذلة فَخْمَة ورَبْطَة
عُنُق ، وَيَسْتخدم أغلى العُطُور، وَدَرَسَ في أحْسَنِ الجامعات، وأنَّ هُناك
لِصًّا قَذِرًا يَرتدي ملابس رَثَّة بالية، ورائحته مُقْرِفَة ، ولَمْ يَذهَب إلى
أيَّة جامعة )) .
قُلْتُ لنارت وأنا في حَالةِ
ضِيقٍ شديدة :
_ البِنْت الهَبْلَة يارا ،
هَلْ أبوها وزير ؟ .
_ لا أعْرِف ، ولكنَّني رأيتُ
سَيَّارةً سَوْدَاء فَخْمَة وجميلة تُوصِلها ، يَقُودُها سائق ، وهُناك شُرطي
يُوصِلها إلى بابِ المَدرسةِ .
مِنَ الواضحِ أنَّ يارا صادقة
، لَيْسَ لَهَا مَصْلحة في الكَذِبِ . إنَّها بِنْت شخص مُهِم . لماذا أبوها وَزير
، وأبي راعي غَنَمٍ ؟ . لِمَاذا تأتي إلى المَدرسةِ بِسَيَّارة فخمة ، وأنا كُنْتُ
أذهبُ إلى كُتَّابِ الشَّيْخِ جَعْفَر في القَريةِ حافيًا لا أجِدُ حِمَارًا
أركَبُ عَلَيْه ؟. إنَّني أكْرَهُ هَذه البِنْتَ المَغْرُورة المُتَكَبِّرَة،
وَسَوْفَ أُثبِتُ لَهَا أنَّ ابن راعي الغَنَم أفضلُ مِنْ ابنةِ الوَزير .
قُلْتُ لنارت وأنا مُتَحَمِّسٌ
أشدَّ الحَمَاسِ :
_ أُريدُ أنْ أقولَ للبِنْت
يارا: غَبِيَّة ، بالإنجليزي . مَا هِيَ الكلمة ؟ .
_ Stupid ، ستيوبيد ! .
أحْسَسْتُ بِسَعادةٍ هائلة ، كأنَّني اكتشفتُ
أسرارَ اللغةِ الإنجليزية، وَتَفَوَّقْتُ على شكسبير ، وَفُزْتُ بجائزة نوبل
للآداب . هَذه اللفظةُ السِّحْرِيَّة هِيَ كَلِمَة السِّرِّ ، إنَّها سِلاحي
الفَتَّاكُ لِمُواجهة يارا . ابْنُ القَريةِ المَنْسِيَّةِ سَيُوَاجِهُ ابنةَ
العاصمةِ العَصِيَّةِ عَلى النِّسْيَان .
صحيحٌ أنَّني في السابعةِ مِنَ
العُمر ، ولكنَّني أتَفَوَّق على جَميعِ الطُّلابِ في الخِبْرَةِ الحَيَاتِيَّةِ والتَّجَارِبِ
العملية . عِشْتُ حَيَاةَ الشَّقَاءِ والتَّعَاسَةِ في القَرية ، وَتَعَلَّمْتُ الكَذِبَ
والتحايلَ والسَّرِقَةَ ، والتلاعبَ بعواطفِ الناسِ ومَشاعرِهم للحُصولِ على
المَالِ ، وتَحقيقِ الأرباحِ والمَكاسبِ ، وتعاملتُ مَعَ مَنْ هُمْ أكْبَر مِنِّي
سِنًّا ، واطَّلَعْتُ عَلى عَوْرَاتِ الناسِ في بُيوتِهم التي دَخَلْتُهَا ،
ورَأيتُ رِجَالًا عُرَاةً وَنِسَاءً عَارِيَاتٍ . وَتَحَوَّلَتْ هَذه الأشياء إلى
عُقَد نَفْسِيَّة تُسَيْطِر عَلَيَّ ، وَتَتَحَكَّم بِي ، وَتَقُودُ خُطَواتي إلى
الهاويةِ السَّحِيقةِ . نَعَم ، أنا أكْبَرُ مِنْ سَنِّي ، وأكثرُ وَعْيًا
واطِّلاعًا مِنْ زُمَلائي في الدِّراسةِ ذُكورًا وإناثًا . وحَتَّى كَلِمَاتي التي
الْتَقَطْتُهَا مِنْ كُلِّ الرِّجالِ والنِّسَاءِ ، تَبْدُو أكْبَرَ مِنْ سِنِّي .
قُلْتُ للبِنْتِ يارا :
_ هَلْ مَعَكِ شُوكولاتة ؟ .
ابْتَسَمَتْ وَلَمَعَتْ
عَيْنَاهَا بِشِدَّةٍ ، وقالتْ :
_ لَقَدْ أَكَلْتُهَا .
تَصَنَّعْتُ الغَضَبَ ، وَقُلْتُ
بِصَرَامَةٍ بالغة ، كَأنَّني مُمَثِّل أُؤَدِّي دَوْرًا في مَسرحية فاشلة :
_ يا كَلْبة ، أنتِ ستيوبيد .
لَمْ أعْرِفْ مَعنى كلبة
بالإنجليزي ، فَشَتَمْتُهَا بالعربيِّ ، واستخدمتُ ستيوبيد الإنجليزية ، كَيْ
تَعْرِفَ أنَّني مِنْ طَبَقَةٍ راقية في المُجتمع، وأتَحَدَّث الإنجليزية. وإذا
كانَ أبوها وزيرًا، فأبي شَخصية مُهِمَّة في المُخَابَرَاتِ العَسكرية ، وأعلى
مِنَ الوزير. وكُنْتُ في ذلك العُمر الصغير ، وَحَسَب عَقْلي الطُّفُولي البسيط ،
وَوَفْقَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أبي وَحَفِظْتُه ، أعتبرُ أهَمَّ ثلاثة رِجَال في
الدَّولة : فَخَامَة رئيس الجُمهورية ، والعقيد مُراد عادل ، وأبي المُلازِم
سَلْمَان رَجَب .
أَدَرْتُ ظَهْرِي لِهَذه
البِنْت الهَبلة يارا ، وَلَمْ ألْتَفِتْ إلَيْهَا ، فَجَاءَتْني وَالدَّمْعُ
يَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْهَا ، وقالتْ بِصَوْتٍ مَكسور :
_ غَدًا سَأُحْضِرُ لَكَ
شُوكولاتة .
حَزِنْتُ عَلَيْهَا ،
وَتَذَكَّرْتُ دُمُوعي في لَيْلِ القَريةِ الطويل ، حَيْثُ كُنْتُ أبكي وحيدًا ،
وأشعُرُ بالأسى وَالحِرْمَانِ بِلا ضَوْء في آخِر النَّفَق .
أخرجتُ مِنديلًا ورقيًّا مِنْ
جَيْبي ، وأعْطَيْتُهُ لَهَا ، وَقُلْتُ بِحَزْمٍ :
_ لا تَبْكِي ، وَامْسَحِي
دُمُوعَكِ ، وَأحْضِرِي الشُّوكولاتة كُلَّ يَوْم .
ابْتَسَمَتْ ، وَذَابَ مِلْحُ
دُمُوعِهَا اللامعةِ في خُدُودِها الوَردية ، وَطَارَتْ في ألوانِ الوَدَاعِ .
حَظُّ يارا السَّيئ وَضَعَهَا
في طريقي . كُلُّ عُقَدِي النَّفْسِيَّةِ تُجَاه النِّسَاءِ التي حَمَلْتُهَا
مَعِي مِنَ القَريةِ ، رَمَيْتُهَا على هَذه الطِّفلةِ الصغيرة يارا . أردتُ أنْ
أنتقمَ مِنْهَا لأشعُرَ أنَّني أنتقمُ مِنْ جَميعِ النِّسَاءِ.أنا الضَّحِيَّةُ
التي تَقَمَّصَتْ جَلَّادَهَا،ويارا هِيَ ضَحِيَّةُ الضَّحِيَّةِ. أنا
الضَّحِيَّةُ، ويارا هِيَ ضَحِيَّتي.
نَظَرْتُ إلى صَدْرِهَا
الصَّغِير ، لَيْسَ لَهَا ثَدْيَان مِثْل النِّسَاء . هَذه الطِّفْلَةُ عِندَما
تَكْبَرُ سَيُصْبح لَهَا ثَدْيَان كبيران تَكْشِفُهُمَا ، وَسَتَحْرِص عَلى
العُرْيِ والتَّعَرِّي . سَتَصِيرُ مِثْلَ أُمِّ حَسَن زَوجةِ المُختار ، أوْ
سَمَاح العانس ، أوْ غَدير تِلْكَ المَرْأة العارية في القَرية . تَمَنَّيْتُ أنْ
تَمُوتَ يارا وَهِيَ طِفْلَة صغيرة لَيْسَ لَهَا ثَدْيَان ولا جَسَد مُمْتَلِئ .
تَمَنَّيْتُ أنْ تَمُوتَ يارا في زَمَنِ البَرَاءَةِ والطَّهَارَةِ والبَكَارَةِ ،
قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ في التَّوَحُّشِ والعُرْيِ والتَّعَرِّي والإغراءِ
والإغْوَاءِ . فَكَّرْتُ في قَتْلِهَا كَمَا فَكَّرْتُ في قَتْلِ ثامر، ذلك
الوَلَد الذي أَخَذَ مَكَاني ، وَسَرَقَ أحلامي ، وَحَقَّقَ إنجازاتِه عَلى
حِسَابي ، لأنَّهُ ابْنُ المُختار ، وأنا ابْنُ الخَدَّامة .
عَقْلي الطُّفُولي الساذَج
غارقٌ في الأوهامِ والخَيَالاتِ والوساوسِ . وَعُقَدِي النَّفْسِيَّةُ تُجَاه
النِّسَاءِ تتكاثر ، ويَزْداد حَجْمُها مِثْلَ كُرَةِ الثَّلْجِ ، كُلَّمَا
تَدَحْرَجَتْ ازدادَ حَجْمُها . لَمْ أَكُنْ شخصًا طبيعيًّا في أيَّة مرحلة مِنْ
مَراحل حَيَاتي . غَرِقْتُ في الهَلْوَسَةِ ، وَصُعوبةِ تَنظيمِ الأفكار ،
والتَّصَوُّراتِ الخاطئةِ للواقعِ،مِثْل سَمَاعِ أصواتِ غريبة، أوْ رُؤية صُوَر
وَهْمِيَّة . ومَعَ تَزَايُدِ تَشَوُّشِ الأفكارِ وَعَدَمِ تَنظيمِها، يَحْدُثُ
انفصال عَن الواقع بشكل مُتَكَرِّر .
كُلُّ هَذه الأشياءِ لَمْ
أفْهَمْهَا عِندَما كُنْتُ طِفْلًا في السابعةِ مِنَ العُمر ، ولكنَّني شَعَرْتُ
بِهَا ، وأحْسَسْتُ بأبعادِها ، وَتَرَدَّدَتْ في ذِهْنَي عَلى شكل مَشَاهِد غَيْر
مُترابطة . أنا الآنَ أُحَلِّلُ المَاضِي بعقليةِ الحَاضِر. امتلكتُ القُدرةَ على
التَّحليلِ والتَّفكيرِ والاستنباطِ وَرَبْطِ الأشياءِ معَ بَعْضِها البَعْض
بَعْدَ سَنَوَات طويلة مِنَ البَحْثِ والدِّراسةِ والقِراءةِ والكِتابة . أنا الآن
هِشَام الرَّجُلُ الذي يَقْتَرِب مِنَ المَوْتِ شيئًا فشيئًا ، وَلَسْتُ الطِّفْلَ
" هِشَام " الذي مَاتَ في المَاضِي الذي لا يَمْضِي ، وَغَرِقَ في
الغِيَابِ الذي لا يَغِيب ، وَمَشَى وَحيدًا إلى الزَّوَالِ الذي لا يَزُول .
عِندَما كَبِرْتُ ، وَصِرْتُ
في المَرحلةِ الجامعية ، قَرَأتُ عَنْ وَأدِ البَنَاتِ في الجاهليَّة ، حَيْثُ
يَتِمُّ دَفْنُ البِنْتِ صغيرةً في القَبْرِ وَهِيَ حَيَّة . وكانَ الوَأدُ
مُسْتَعْمَلًا في قَبائلِ العَرَبِ ، وَهُوَ سُلوك مُتَعَارَف عَلَيْهِ يَنحدِر
مِنْ فِكْرَة أنَّ البِنْتَ هِيَ سَبَبُ الذُّلِّ وَالخِزْيِ والعَارِ . وَعِندَما
أتى الإسلامُ كافحَ تِلْكَ الفِكْرَةَ ، وَنَهَى عَن اتِّبَاعِ مِثْل ذلك السُّلوك
، واعْتَبَرَه مِنَ الجاهليَّة ، وأمَرَ باحترامِ المَرْأةِ كَأُمٍّ وَزْوَجَةٍ
وابنةٍ وَأُخْتٍ، وَاعْتَبَرَ أنَّهَا أساسٌ كبير في بِناءِ المُجتمع ، وتَربيةِ
الأبناءِ وَرِعَايتهم .
كانتْ مَعرفةُ هَذه الأشياءِ في المَدرسةِ
الأجنبية مُستحيلًا ، لَمْ نَدْرُسْها، وَلَمْ يُخْبِرْنا أحَدٌ بِهَا ، فالمناهجُ
أجنبية ، وكُلُّهَا باللغةِ الإنجليزية . وَلَمْ نَتَعَلَّمْ تاريخَ العَرَبِ
والمُسْلِمِين ، وَلَمْ نَسْمَعْ بالحضارةِ العربية الإسلامية. المَدرسةُ
الأجنبيةُ هِيَ حَرْبٌ صَليبية ضِد الإسلامِ واللغةِ العربيةِ وتاريخِ العَرَبِ
والمُسْلِمِين . ولكنْ للأسفِ الشَّديدِ ، لَمْ يُلْقِ أحَدٌ لَنَا طَوْقَ
النَّجَاةِ ، ونَحْنُ أطفال نَغْرَق في مُسْتَنْقَعِ المَدرسةِ الأجنبية . إنَّها
غَسِيلُ دِمَاغٍ ، وَلَيْسَ فِيها إلا الشُّذوذ الفِكْري والسُّلوكي .
في مَدرسةِ القَريةِ كُنْتُ
أُعَاني مِنَ العُقَدِ النَّفْسِيَّة ، أمَّا في المَدرسةِ الأجنبية في العاصمةِ ،
فَصِرْتُ مَرِيضًا نَفْسِيًّا كاملًا مُتَكَامِلًا . كُنَّا أطفالًا جُهَّالًا ،
وأهْلُنَا أكثر جَهْلًا مِنَّا . لَقَدْ قَتَلْنَا البَرَاءَةَ باسمِ الحَضَارَةِ
، وَقَتَلْنَا الطَّهَارَةَ باسمِ الثقافةِ ، وَقَتَلْنَا الأخلاقَ باسمِ العِلْمِ
. لا أُريدُ أنْ أُقَدِّمَ نَفْسِي كشريفٍ وطاهرٍ وفَيلسوفٍ أخلاقيٍّ مُنظِّر ،
لَقْد كُنْتُ ضائعًا مَعَ الضائعين ، وتائهًا معَ التائهين .
صارتْ يارا تُحْضِرُ لِي
الشُّوكولاتةَ كُلَّ يَوْمٍ . شَعَرْتُ بِلَذَّةِ الانتصارِ عَلى ابنةِ الوزير .
أنا الطِّفْلُ الذليلُ الحقيرُ في القَرية ، صِرْتُ سَيِّدًا مُطَاعًا وَآمِرًا
وناهيًا ، وَنَجَحْتُ في إذلالِ يارا ابنةِ الوزير ، إنَّها تُحْضِرُ لِي كُلَّ
مَا أَطْلُبُه ، وأنا آكُلُه ، وَهِيَ تَنظُر إلَيَّ . طَعْمُ الذُّلِّ الذي
تَذَوَّقْتُهُ في القَريةِ ، نَجَحْتُ في جَعْلِ يارا تَتَذَوَّقُه . أنا
الضَّحِيَّةُ التي حَلَّتْ فِيها رُوحُ الجَلَّادِ ، ولا بُدَّ أنْ أجِدَ
ضَحِيَّةً كَيْ أُفَرِّغَ فِيها عُقَدِي النَّفْسِيَّة وهَلْوَستي واضطرابي وَمَشَاعِرَ
الشَّقَاءِ والحُزْنِ والتَّعَاسَةِ ، وهَذه الضَّحِيَّةُ هِيَ يارا ، لَمْ
أخْتَرْهَا ، وَلَكِنَّهَا اختارتْ أنْ تَكُونَ في طَريقي عَنْ وَعْيٍ أوْ غَيْر
وَعْي . أنا الطِّفْلُ الغريبُ في مَتَاهَةِ الأحلامِ الضائعةِ ، رُبَّمَا كانتْ
أيَّامي انطلاقًا مِنَ اللاوَعْيِ لِتَدميرِ الوَعْي. أنا الطِّفْلُ النَّكِرَةُ
القادمُ مِنْ وَراءِ قُطعانِ الغَنَمِ ، لا أعْرِفُ سياراتِ المرسيدس ، ولا
أتَحَدَّث اللغةَ الإنجليزية ، ولا أعْرِفُ التلفزيون ، وَلَيْسَ لِي عَشيرة ولا
قبيلة ، نَجَحْتُ في السَّيطرةِ على يارا ابنةِ الوزير . والدُّنيا دَوَّارة ! .
يارا تُغِيظُني وَتُشْعِرُني
بأنَّها أفضلُ مِنِّي وأذكى مِنِّي . عُقْدَةُ الشُّعُورِ بالنَّقْصِ مُسيطِرة
عَلَيَّ طِيلة حَيَاتي . التَّنُّورَةُ القَصِيرة التي تَرْتديها يارا تُضَايقني .
لَمْ أرَ بِنْتًا في القَريةِ تَرْتدي تَنُّورةً قصيرةً . وَعِندَما دَرَسْتُ في
كُتَّابِ الشَّيْخ جَعفر ، وفي مَدرسةِ المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه المُهندس حُسَام
يَعْقُوب الابتدائية ، لَمْ يَكُنْ مَعَنَا بَنَات . الأولادُ فَقَط هُمُ الذينَ
يَدْرُسُون ، ولا يُوجَد اختلاطٌ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ . الجَوُّ في
المَدرسةِ الأجنبيةِ غَرِيبٌ عَلَيَّ تمامًا ، وَأَحُسُّ أنَّني سَمَكَة خارجَ
الماءِ .
اقتربتُ مِنْ يارا ، وَقُلْتُ
لَهَا بِدَافِعِ الفُضُولِ :
_ ماذا يُوجَد تَحْتَ
تَنُّورتك ؟ .
احْمَرَّ وَجْهُها خَجَلًا ،
وقالتْ :
_ عيب .
أطلقتُ عَلَيْهَا رَصَاصَةَ
الرَّحمةِ قائلًا :
_ ستيوبيد .
هَذه الكلمةُ هِيَ سَلاحي
الفَتَّاكُ لتدميرِ مَعنوياتِ هَذه الطِّفْلَةِ ، وإذلالِها ، والتَّحَكُّمِ بِهَا
، وإظهار أنَّني أفضل مِنْهَا ، وأنَّها في رُتْبَة دُونِيَّة .
تأثَّرَتْ بِهَذه الكلمة ،
وَسَالَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْهَا ، وقالتْ بِسَذاجة :
_ أحضرتُ لَكَ شُوكولاتة .
_ لا أُريدُ شُوكولاتة ،
أُريدُ أنْ أعْرِفُ ماذا يُوجَد تَحْتَ التَّنُّورة .
قالتْ بِبَرَاءَةٍ طُفولية :
_ سَأضَعُ يَدَيَّ عَلى
عَيْنَيَّ ، وَأُغْمِضُهُمَا ، وأنتَ ارْفَع التَّنُّورةَ .
كُنْتُ مِثْلَ القائدِ الذي
سَيُنَفِّذ خُطَّةً عَسكرية شديدة الخُطورة . اقتربتُ مِنْهَا ، وَرَفَعْتُ
التَّنُّورةَ، فَرَأيْتُ كلسونها الزَّهْري . تَذَكَّرْتُ كلسون أُمِّ حَسَن زَوجة
المُختار الذي سَرَقْتُهُ مِنْ حَبْلِ الغَسيلِ في سَاحَةِ بَيْتِهِم في القَرية ،
نَفْسُ اللَّوْنِ، معَ اختلافِ الحَجْمِ. صِرْتُ أَكْرَهُ اللَّوْنَ الزَّهْرِيَّ،
وأحْقِدُ عَلَيْه، وأتمنَّى لَوْ أحْذِفُهُ مِنْ قائمةِ الألوانِ نِهائيًّا .
ابتعدتُ عَنْ يارا ، وقُلْتُ
لَهَا :
_ أنتِ مِثْل أُمِّ حَسَن
زَوجةِ المُختارِ ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَمُوتين يا يارا قَبْلَ أنْ تُصْبحي كبيرة .
حَدَّقَتْ بِبَلاهَةٍ في
مَلامحِ وَجْهِي ، وَجَحَظَتْ عَيْنَاهَا بشكلٍ غريب ، وَلَمْ تَفْهَمْ شيئًا
مِمَّا قُلْتُه . وَتَرَكْتُهَا واقفةً ، وَرَكَضْتُ مُبْتَعِدًا عَنْهَا ،
كَقَتِيلٍ هاربٍ مِنْ حَفَّارِ القُبور . يارا تُذكِّرني بالماضي الذي لا يَمْضِي .
هَذه الطِّفْلَةُ تُحْضِرُ لِي الشُّوكولاتةَ لِكَيْلا أشْتُمَهَا أوْ أضْرِبَهَا
، ولكنَّها إذا كَبِرَتْ سَتُصْبح مِثْلَ أُمِّ حَسَن زَوجةِ المُختار ، التي
كانتْ تُحْضِرُ لِي بَقَايا الطَّعَام البايت ، وَتَضَعُهُ عِنْدَ عَتَبَةِ
البَيْتِ كَيْ آكُلَه ، كَمَا لَوْ كُنْتُ قِطًّا قَذِرًا أوْ كَلْبًا أجْرَب . لا
مِلْعَقَة ولا خُبْز . أجْلِسُ عِندَ عَتَبَةِ البَيْتِ ، وأتناولُ الطَّعَامَ
بأصابعي وأظافري مِثْلَ أيِّ حَيَوَان مَنبوذ وَمَنْسِيٍّ في هَذا العَالَمِ
القاسي .
يَنْبغي أنْ أتَغَدَّى بِهَذه
الطِّفْلَةِ يارا قَبْلَ أنْ تَكْبَرَ وَتُصْبح امرأةً تَتَعَشَّى بِي . لَيْتَ
يارا تَمُوتُ في زَمَنِ البَرَاءَةِ قَبْلَ أنْ تَتَلَوَّثَ ، لأنَّ التَّلَوُّثَ
قادمٌ لا مَحَالة . لَيَتْهَا تَمُوتُ طِفْلَةً صغيرةً قَبْلَ أنْ تَصِيرَ مِثْلَ
أُمِّ حَسَن زَوجةِ المُختار ، أوْ سَمَاح العانس ، أوْ غَدير تِلْكَ المَرْأة
العارية في القَرية .
في تِلْكَ السِّنِّ
المُبَكِّرَةِ ، لَمْ تَكُنْ لِي شَهْوَة جِنْسِيَّة ، ولا أعْرِفُ مَا هُوَ
التَّحَرُّشُ الجِنْسِيُّ ، أوْ التَّنَمُّر . العلاقاتُ بَيْنَ الأولادِ
والبَنَاتِ مِثْلُ ألعابِ الطُّفُولة بِلا تَخطيطٍ مُسْبَقٍ ولا نظريات مُؤامَرة .
أحْرِصُ على اكتشافِ كُلِّ مَا أراه وأسْمَعُ عَنْه ، مُجَرَّد طِفْل بائس جاءَ
مِنْ قَريةٍ مَعزولة عَن العَالَمِ ، يَسْعَى إلى اكتشافِ الأشياءِ ، ومَعرفةِ حقيقتها
. يارا أوَّلُ بِنْت في حَيَاتي أراها تَرتدي تَنُّورةً قصيرةً . وَجَدْتُ
الطِّفْلَةَ يارا ابنةَ الوزير في طَريقي، فأردتُ إخضاعَها بالضَّرْبِ والشَّتائمِ،
وكانتْ تَخَافُ مِنِّي ، وتُريدُ رِضَايَ ، وَتُحْضِرُ لِي الشُّوكولاتةَ كُلَّ
يَوْم . أردتُ أنْ تَظَلَّ خائفةً مِنِّي ، وخاضعةً للتَّهديدِ . هَكذا أُصْبح
الوَلَدَ البَطَلَ المُتَفَوِّقَ ، وَلَيْسَ الطِّفْل الشَّحَّاذ المُتَسَوِّل
كَمَا هُوَ الحال في القَريةِ .
كُنْتُ طِفْلًا فقيرًا
وذَليلًا وحقيرًا وَمَفْعُولًا بِهِ في القَريةِ ، وأنا الآنَ في العاصمة ، طِفْلٌ
غنيٌّ وعَزيز وفَاعِلٌ في الأحداثِ اليومية في المَدرسة الأجنبية . أصْنَعُ
الحَدَثَ ، ولا أكْتَفي بالتَّفَرُّجِ عَلَيْه . سُلُوكي مَعَ يارا مِنْ أجْلِ
اكتسابِ السُّلطةِ عَلى حِسَابِهَا . هِيَ الجِسْرُ الذي سَأعْبُرُ عَلَيْهِ ثُمَّ
أرْمِيه في الهاويةِ السَّحيقة . تَصَرَّفْتُ مَعَهَا بهذه الطريقةِ السَّيئة كَيْ
يُنْظَرَ إلَيَّ عَلى أنَّني مَحبوب وقوي ورائع ، وقادرٌ على لَفْتِ الانتباهِ .
وأيضًا ، شَعَرْتُ بالغَيْرَةِ مِنْهَا . كُلَّمَا رَأيْتُهَا أحْسَسْتُ بالنَّقْصِ
والدُّونِيَّةِ ، فَصِرْتُ أنظرُ إلَيْهَا نَظرةً دُونِيَّة بَحْثًا عَن النَّصْرِ
، حَتَّى لَوْ كانَ نَصْرًا وَهْمِيًّا .
عُقْدَةُ النَّقْصِ هِيَ
حَبْلُ المِشْنَقَةِ المُلْتَفُّ حَوْلَ رَقَبَتي طِيلةَ حَيَاتي. إنَّها شُعورٌ
أساسيٌّ بالشَّكِّ الذاتيِّ، وانعدامِ الثِّقَةِ في النَّفْسِ. أشعرُ
بالدُّونِيَّةِ، وعَدَمِ الكَفَاءَةِ، وَعَدَمِ القُدرةِ عَلى جَذْبِ الانتباهِ .
وَالشَّكُّ الذاتيُّ
يُهَيْمِنُ عَلى جَميعِ أفكاري وأفعالي . أشعرُ أنَّني فاشلٌ ، وأُخْطِئ في كُلِّ
شَيْء، ولا أُحْسِنُ عَمَلَ شَيْء ، وأنَّني عَدِيمُ الفائدةِ ، ولا قِيمَة لِي ،
وغَيْر مَحبوب . وَقَدْ حاولتُ جاهدًا إكمالَ النَّقْصِ بِشَتَّى الطُّرُقِ
والوسائلِ .
استخدمتُ التَّنَمُّرَ كأداةٍ
لإخفاءِ العارِ والقَلَقِ ، وَمِنْ أجْلِ تَعزيزِ احترامِ الذاتِ ، والحِفَاظِ
عَلى صُورتي ، عَنْ طَريق إهانة يارا ، فَهِيَ طِفْلَةٌ صَغِيرة ، وَلُقْمَةٌ
سائغة ، وفَريسةٌ سَهْلَة ، وَهَذا أشْعَرَني بالسُّلطةِ وَالمَجْدِ والنُّفُوذِ ،
وَهَذه الكلماتُ حَفِظْتُهَا مِنْ أبي مِنْ كَثرةِ مَا رَدَّدَهَا عَلى مَسَامِعي
.
امتلكتُ السُّلطةَ الذُّكوريةَ
بِفُلوسِ أبي ، وكَرِهْتُ يارا كُرْهًا شديدًا ، وَاحْتَقَرْتُهَا أشدَّ الاحتقارِ
. وكُلَّمَا كَرِهْتُهَا كَرِهْتُ نَفْسِي ، وكُلَّمَا احْتَقَرْتُهَا احْتَقَرْتُ
ذاتي . وارتبطتْ سُلْطتي الذُّكورية بالقُوَّةِ والعُدوانيةِ والسَّيطرةِ ،
واستخدامِ جَسَدِ يارا الصَّغير ، حَيْثُ كُنْتُ أضْرِبُهَا ، وَأصْفَعُهَا على
خُدُودِهَا، وَأقْرُصُهَا في سَاقَيْهَا ، وأصْرُخُ في وَجْهِهَا ، وأشدُّ
خُصَلاتِ شَعْرِهَا ، وَأسْكُبُ عَلَيْهَا المَاءَ . إنَّهَا عَبْدَةٌ ضعيفة ،
وأنا سَيِّدُهَا القَوِيُّ، أوْ هِيَ جَارِيَة للبَيْعِ ، وأنا النَّخَّاسُ الحريص
على أعلى سِعْر .
اقتربتْ مِنِّي يارا ، وقالتْ
بِصَوْتٍ طُفوليٍّ خَفِيض ، وكأنَّها تَهْمِسُ لِنَفْسِهَا :
_ هَلْ تُريدُ شُوكولاتة ؟ .
_ لا أُريدُ شُوكولاتة .
_ هَلْ تُريدُ أنْ تَرْفَعَ
تَنُّورتي ؟ .
_ لا أُريدُ أنْ أرْفَعَ
تَنُّورتك .
وأردفتُ قائلًا بِحَدَّةٍ
وَغَضَبٍ حَقيقيٍّ غَيْرِ مُصْطَنَع :
_ ابتعدي عَنِّي ، ولا
تَتَكَلَّمي مَعِي ، أنا أكْرَهُكِ ، ولا أُريدُ رُؤيتك ، إنْ شاءَ اللَّهُ
تَمُوتين يا يارا قَبْلَ أنْ تُصْبحي كبيرة .
في تِلْكَ اللحظةِ ، صارتْ
يارا وَرَقَةً مَحروقةً ، إنَّها تُذكِّرني بالمَاضِي الذي أَوَدُّ الهُروبَ مِنْه
. كَلَّمَا رَأيْتُهَا رَأيْتُ فِيها صُورةَ أُمِّ حَسَن زَوجة المُختار . ومَعَ
أنَّ بُكَاءَ يارا حَطَّمَ عِظَامي ، وَبريق دُمُوعِها مَزَّقَ قَلْبي ، إلا
أنَّني اتَّخَذْتُ قَرَارًا لا رَجْعَة فِيه . الماضي وَحْشٌ يَلْهَثُ وَرَائي ،
وَوُجُوهُ نِسَاءِ القَريةِ كوابيس تُطاردني . وإذا كَبِرَتْ يارا سَتَقْتُلُني ،
لأنَّها نُسْخَة مُصَغَّرَة مِنْ نِسَاءِ القَريةِ المُتَوَحِّشَات . ولا فائدة
مِنَ الرائحةِ العَطِرَةِ للوَرْدَةِ إذا كانت الوَردةُ مَسمومةً .
ابتعدتُ عَن يارا تمامًا ،
واقتربتُ مِنْ كَارمِن . سَمَّيْتُهَا كارمِن المَهضومة ، كَمَا قالتْ عَنِّي : (( مَهضوم )). كُنْتُ في السابعةِ ، وَهِيَ في
العاشرة . إنَّها أكبرُ مِنِّي بِثَلاث سَنَوَات . وفارقُ السِّنِّ جَعَلَني
أعْتَبِرُهَا مُعَلِّمَةً لِي ومُرْشِدَةً رُوحِيَّة . تَسْبِقُني بِثَلاثة صُفُوف
، وهَذا أمرٌ عظيمٌ وهائلٌ في عَقْلِ طِفْلٍ بسيط لَمْ يَتَعَوَّدْ على جَوِّ
المَدرسةِ الأجنبية .
نَظَرْتُ إلى الصليبِ الأصفرِ
في عُنُقِهَا ، ثُمَّ نَظَرْتُ إلى صَدْرِهَا الصغير . لَيْسَ لَهَا ثَدْيَان ،
فارتاحَ بالي ، وَاطْمَأنَّتْ نَفْسِي . ولكنَّ المُشكلة أنَّ كارمِن عِندَما
تَكْبَرُ سَيُصْبح لَهَا ثَدْيَان كَبِيران مِثْل أُمِّ سِمْعَان ، وَيَتَأرْجَحُ
الصليبُ بَيْنَهُمَا . تَمَنَّيْتُ لَوْ تَمُوت كارمِن وَهِيَ طِفْلَة في زَمَنِ
البَرَاءَةِ قَبْلَ أنْ تَكْبَرَ وَتَدْخُلَ في التَّوَحُّشِ. لَيْتَهَا تَمُوتُ
في مَرحلةِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ التَّلَوُّثِ ، لأنَّ التَّلَوُّثَ قادمٌ لا
مَحَالة .
قُلْتُ لَهَا بِصَوْتٍ هادئ :
_ هَلْ تُريدينَ أنْ تَمُوتي
قَبْلَ أنْ تَكْبَرِي ؟ .
_ أُريدُ أنْ أعيشَ كَيْ
أُسَافِرَ مَعَ بابا وماما .
_ الأفضلُ أنْ تَمُوتي قَبْلَ
أنْ تَكْبَرِي وتُصْبحي مِثْلَ أُمِّ سِمْعَان .
_ مَنْ هِيَ أُمُّ سِمْعَان ؟
.
_ أُمِّي بالرَّضَاعَةِ في
القَريةِ، وَهِيَ مَسِيحِيَّة بَدَوِيَّة .
ضَحِكَتْ كارمِن ضِحْكَةً
عالية ، وقالتْ وَهِيَ في غَايَةِ الحَمَاسَةِ :
_ أنتَ صغير، ولكنَّ خَيَالَكَ
واسعٌ ، وتَسْتطيع اختراعَ النِّكَاتِ والحِكَايَاتِ والقِصَص .
كَشَفْتُ لَهَا كُلَّ أسرارِ
حَيَاتنا في القَريةِ ، فَلَمْ تُصَدِّقْني ، وَظَنَّتْ أنَّها خَيَالات طِفْلٍ
صغير ، وأنَّني أخترعُ قِصَصًا وحِكَايات مِثْل ألْف لَيْلَة ولَيْلَة، وأنَّني
مُتَعَوِّد على الكَذِبِ والعَيْشِ في الأوهامِ.
قالتْ لِي بابتسامةٍ عريضة :
_ هَلْ لَكَ إخْوَة ؟ .
_ أخي ناصر كانَ عُمره ثلاث
سنوات . هَاجَمَه دِيكٌ مُتَوَحِّشٌ وَقَتَلَه . صُورةُ ناصر مَوجودة في بِرْوَاز
، وَهُوَ يَلْبَس قَمِيصًا أزرق . هَلْ تُريدين مُشاهدةَ صُورةِ أخي ناصر ؟ .
_ لا دَاعِي. يَبْدُو أنَّكَ
تَذهَب كثيرًا إلى حَديقةِ الطُّيُورِ وَالحَيَوَانَات ، وَتُحِبُّ مُشَاهَدَتَهَا
.
وَقُلْتُ لَهَا بِحَمَاسَةٍ
شديدة كَأنَّني اكتشفتُ نَظَرِيَّةً عِلْمِيَّةً خطيرة :
_ خَبَّأ أبي صُندوقَ
الذَّهَبِ تَحْتَ التُّرابِ في القَرية .
ضَحِكَتْ بِصَوْتٍ عالٍ ،
وقالتْ :
_ أنْتَ غَيْر مَعْقول يا
هِشَام ، تَفكيرُكَ أكبرُ مِنْ سِنِّكَ، وَخَيَالُكَ واسعٌ ، وَتَتَخَيَّل أشياء
كثيرة ، وأنا مُتَأكِّدَة أنَّكَ قَرَأتَ قِصَّةَ جَزيرةِ الكَنْزِ ، وتأثَّرْتَ
بِهَا ، وَصِرْتَ تَظُنُّ أنَّكَ أحَدُ أبطالِها . إنَّها رِوَاية مُغَامَرَات
عَنْ قَراصنة وذَهَبٍ مَدفون.تَدُورُ القِصَّةُ حَوْلَ فَتى يَنطلِق في مُغامرة
خطيرة لاستعادةِ كَنْزٍ مَدفون ، وَيُوَاجِه أشخاصًا خَطِيرين .
تَعَجَّبْتُ مِنْ هَذا الكلامِ
الذي أسْمَعُهُ لأوَّلِ مَرَّةٍ في حَيَاتي . وَعِندما سمعتُ كلمة " خَطِيرين
" تَذَكَّرْتُ كَلامَ أُمِّي عَن الرِّجالِ المُهِمِّين الخَطِيرين في
الدَّوْلة ، ولَمْ أفْهَم العَلاقةَ بَيْنَ الأمْرَيْن ، وَلَمْ أستطع الرَّبْطَ
بَيْنَهُمَا . أحْسَسْتُ أنَّ الخَطَرَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكَانٍ ، ولا يُمْكِن
الهَرَب مِنْه ، وأنَّ الرِّجَالَ الخَطِيرين مُنتشرون في حَيَاتِنَا ، وَسَوْفَ
يُلاحقوننا باستمرار .
قُلْتُ بِصِدْقٍ وَبَرَاءَةٍ
طُفوليَّة :
_ لا أعْرِفُ هَذه القِصَّةَ ،
وَلَمْ أقْرَأهَا في كُتَّابِ الشَّيْخِ جَعْفَر ، وَلَمْ نَتَعَلَّمْهَا في
مَدرسةِ المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية في القَرية
. ولكنَّني عِندَما أكْبَرُ سَأقْرَؤُهَا .
ابتسمتْ كارمِن ، وَصَارَ
وَجْهُهَا وَرْدِيًّا ، وقالتْ والسَّعَادَةُ ظاهرةٌ عَلَيْهَا :
_ أنتَ ذكي وشاطر يا هِشَام ، وتُفكِّر
في أشياء كثيرة ، وَتَتَخَيَّل أحداثًا بشكلٍ مُستمر . يَجِبُ أنْ تَنْضَمَّ
لِفَرِيقِ التَّمثيلِ في المَدرسةِ ، مسز مارغريت هِيَ المَسؤولة ، وَسَوْفَ
تَفْرَحُ بِكَ ، لأنَّكَ مُمَثِّلٌ شاطر ، وتَسْتطيع اختراعَ القِصَصِ
والحِكَايَاتِ ، وكَلامُكَ مُمْتع يُسَلِّي جَميعَ الطُّلابِ .
قُلْتُ بِسَذاجةٍ طُفوليَّة :
_ في القَريةِ ، كُنْتُ كابتن
فَرِيقِ المَنبوذِين لِكُرةِ القَدَمِ ، أنا وَسِمْعَان البَدَوي المَسِيحي ،
ومُنذِر الأعمى ، وفَتْحِي النَّوَري ، وأُسَامَة الأعْرَج .
_ أنتَ عَبقري يا هِشَام،
تَسْتطيع اختراعَ شخصياتٍ وأحداثٍ مِنْ خَيَالِك ، سَوْفَ تُصْبح أفضلَ مُمَثِّل
في المَدرسةِ ، وَتَتَفَوَّق على جَميعِ الطُّلابِ في التَّمثيلِ المَسْرَحي .
اعْتَبَرَتْني كارمِن طِفْلًا
كاذبًا عائشًا في الأحلامِ والأكاذيبِ والخَيَالاتِ والأوهامِ ، وَمُمَثِّلًا
يُؤَدِّي أدوارًا في مَسرحيةِ الحَيَاةِ . لَمْ تُصَدِّقْ أسراري وَتفاصيلَ حَياتي
في القَريةِ ، ولا يُمْكِنُ لِعَقْلِهَا أنْ يَسْتوعب أنَّ زَميلَها في المَدرسةِ
الأجنبيةِ الذي يَرتدي أجْمَلَ الثِّيَابِ ، وأبُوهُ يَدْفَع المَصاريفَ الباهظةَ ،
كانَ طِفْلًا بائسًا وَشَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا وبائعًا مُتَجَوِّلًا في القَريةِ
. كُنْتُ كاذبًا في القَريةِ ، فَصَدَّقَني الناسُ ، وَصِرْتُ صادقًا في المَدينةِ
فَكَذَّبَني الناسُ . وأنا شَخصيًّا أشعرُ أنَّني أعيشُ في الخَيَالِ بَعِيدًا عَن
الواقعِ ، وأُعَاني أشدَّ المُعَاناةِ مِنْ تَصديقِ مَا يَحْدُثُ لِي . أَجِدُ صُعوبةً
في تَصديقِ تفاصيلِ حَيَاتي، فَكَيْفَ أُريدُ مِنَ الآخَرين أنْ يُصَدِّقُوني ؟.
كَأنَّني شَخْصٌ آخَر ، وَحَيَاتي مُجَرَّد حُلْم.
حَكَمَتْ كارمِن عَلَيَّ
أنَّني مُمَثِّل مَوهوب ، سَأتَفَوَّقُ عَلى جَميعِ المُمَثِّلِين ، وَمُنْذُ ذلك الحِين
، وَحَيَاتي مَسْرَحِيَّة مَفتوحة على كُلِّ الاحتمالاتِ ، أحْفَظُ الكَلامَ ،
وَأُؤَدِّي الدَّوْرَ المَرسومَ لِي ، وَأتَقَمَّصُ الشَّخْصِيَّات، وَأصْطَنِع
الأحاسيسَ والمَشاعرَ والعواطفَ،بِلا مَاضٍ ولا حَاضِرٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ.
وكُلُّنَا مُمَثِّلُون عَلى خَشَبَةِ مَسْرَحِ الحَياة .
أنا نَكِرَةٌ ، نَسِيَ
التاريخُ وَجْهِي ، وَلَمْ تَعْتَرِف الحَضَارَةُ بِوُجُودي . أنا وَهْمٌ ، لَيْسَ
لِي شَخْصِيَّة ولا هُوِيَّة ، لكنَّني أمْلِكُ القُدرةَ على تَجسيدِ
الشَّخْصِيَّاتِ بشكلٍ مُقْنِعٍ ، وأندمجُ في الدَّوْرِ الذي ألْعَبُه ، ويَلْعَبُ
بِي ، وأرْمِي قَلْبي وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَيَنْتظرني مُسْتَقْبَلٌ بَاهِرٌ بَيْنَ
شَواهدِ القُبورِ .
المَدرسةُ الأجنبيةُ هِيَ
قَبْرِي . كَرِهْتُهَا ، وَكَرِهْتُ نَفْسِي فِيها . أيَّامي فِيها سَوْدَاء .
أَوَدُّ أنْ أُلْغِيَ ذِكْرَياتي فِيهَا ، وَأنْسَى ذَاكِرَتي . عَانَيْتُ فِيها
مِن اضطرابِ الشَّخْصِيَّة ، وَضِيقِ الأُفُقِ الفِكْرِيِّ . لَيْسَ لِي مَكَانٌ
ولا مَكَانة، وتَجَارِبي فِيها كارثية ، وعَلاقَاتي سَيِّئة ، وَغَرِقْتُ في
الاكتئابِ والقَلَقِ ، وَضِعْتُ في المُقَارَنَةِ مَعَ الآخَرِين في المَالِ
والمُمْتَلَكَاتِ والقُدرات ، وَعِشْتُ بِعَقْلِيَّةِ الصِّرَاعِ والصِّدَامِ
والتَّأهُّبِ المُستمر ، وانعدمَ المَعْنى في حَيَاتي ، وَهَرَبَت الفَرَاشَاتُ
مِنْ ألوانِ عُمري ، وَسَقَطْتُ ضَحِيَّةً للمَعاركِ الصغيرةِ ، وَوَقَعْتُ
فَرِيسَةً للتفاصيلِ التافهة . وَتُهْتُ في نَفَقٍ مُظْلِم ، وكانَ الضَّوْءُ في
آخِرِ النَّفَقِ هُوَ حُطَامي .
كانَ الاختلاطُ بَيْنَ
الأولادِ والبَنَاتِ في المَدرسةِ الأجنبية شيئًا غريبًا عَلَيَّ ، لَمْ
أتَعَوَّدْ عَلَيْهِ في القَريةِ . قَضَيْتُ وَقْتِي أَضْرِبُ البَنَاتِ،
وَأَشُدُّ خُصَلاتِ شَعْرِهِنَّ . لَيْسَ لِي شَهْوَةٌ جِنْسِيَّة ، وَلَمْ
أعْرِفْ في ذلك الوَقْتِ السُّلطةَ الذُّكُوريَّة،ولكنَّني شَعَرْتُ أنَّ البَنَاتِ
يُشَكِّلْنَ خَطَرًا عَلَيَّ،وَيُمَثِّلْنَ تَهْديدًا لِي.
هَؤلاء البَنَاتُ يَلْبَسْنَ
تنانير قَصيرة ، ويَأكُلْنَ أفضلَ الطعامِ ، وَيَرْكُضْنَ ، وَيَلْعَبْنَ ، وأُخْتي
ظَبْيَة مُعَاقَة ومَشلولة ، كما أنَّ هَؤلاء البَنَات عِنْدَمَا يَكْبَرْنَ
سَيُصْبِحْنَ مِثْلَ أُمِّ حَسَن زَوجةِ المُختار ، أوْ سَمَاح العانس ، أوْ غَدير
العَارِيَة . كُنْتُ أضْرِبُهُنَّ بشكلٍ لا إرادي . تَصَرُّفَاتي نابعةٌ مِنَ
اللاوَعْيِ ، وكأنَّني أنْتَقِمُ مِنْ جَميعِ النِّسَاءِ ، وَأُفَرِّغ حِقْدِي
عَلَيْهِنَّ .
بَدَأتْ عُقَدِي
النَّفْسِيَّةُ تُجَاه النِّسَاءِ تتكاثرُ في دَاخِلي ، وَتَنتشرُ في ذِهْني
وأعصابي . مَشاعرُ سَيِّئةٌ وأفكارٌ سَلْبِيَّةٌ ضِد النِّسَاءِ ، وهَذه العُقَدُ
لا واعية ، وَتَتَجَلَّى في كَرَاهِيَةِ النِّسَاءِ ، واحتقارِهِنَّ ،
وَاسْتِصْغَارِهِنَّ . وأسبابُ هَذه العُقَدِ هِيَ الصَّدَمَاتُ النَّفْسِيَّةُ
المُرتبطةُ بالنِّسَاءِ في القَريةِ ، وتَجَارِبُ الطُّفُولَةِ البائسةِ ،
واضطرابُ الشَّخْصِيَّةِ المُعَادِي لِمُجْتَمَعِ القَرْيَةِ، وَعُقْدَةُ
الشُّعُورِ بالنَّقْصِ .
دَرَّسَتْني مُعَلِّمَةٌ
أمريكيةٌ اسْمُهَا روزاليند فوكس . شَقْرَاء مُمتلئةٌ ، وَصَدْرُها بارزٌ ، وثَدْيَاهَا
كبيران مَكشوفان ، وَمُؤخَّرَتُهَا عَريضة ، وتَرتدي تَنُّورَةً فَوْقَ الرُّكْبَة
. عِندَما سَمِعْتُ اسْمَ فوكس ، تَذَكَّرْتُ صَدِيقي سِمْعَان البَدَوي المَسِيحي
. قُلْتُ لَهُ في إحْدَى المَرَّاتِ :
_ يا سِمْعَان ، أنا مَقطوعٌ
مِنْ شَجَرَةٍ ، لَيْسَ لِي عَشِيرة ولا قَبِيلة ، وأبي راعي غَنَمٍ ، وأُمِّي
خَدَّامة في البُيُوتِ.هَلْ لَكَ عَشِيرة أوْ قَبيلة مِثْل المُختار " أبو
حَسَن" أوْ مَسعود صاحب الدُّكَّانة ؟.
فُوجِئَ سِمْعَان بِهَذا
السُّؤالِ ، وَنَظَرَ إلَيَّ بِدَهْشَةٍ ، وقالَ لِي :
_ نَحْنُ أُرْثُوذُكْس .
لَمْ أستوعبْ مَعنى هَذه
الكلمة في ذلك الوَقْتِ ، وَخُيِّلَ إلَيَّ أنَّهُ قال : فوكس . ظَنَنْتُ أنَّها
اسْمُ عَشِيرة أوْ قَبِيلة . لذلك عِندَما عَرَّفَتْ مُعَلِّمَتي الأمريكية
روزاليند فوكس بِنَفْسِهَا ، تَذَكَّرْتُ سِمْعَان صَدِيقي في القَريةِ ، وَتَوَصَّلْتُ
بِعَقْلِي الطُّفُوليِّ السَّاذَجِ إلى أنَّ المُعَلِّمَة وَسِمْعَان يَنْتَمِيَان
إلى نَفْسِ العَشِيرةِ ، وَتَعَجَّبْتُ أشدَّ العَجَبِ ، كَيْفَ تَكُون
المُعلِّمةُ الأمريكية في المَدرسةِ الأجنبيةِ في العاصمةِ وَسِمْعَان البَدَوِي
المَسِيحي أخي في الرَّضَاعَةِ في القَريةِ يَنْتَمِيَان إلى نَفْسِ العَشِيرةِ
فوكس ؟! .
المُعَلِّمَةُ الأمريكية
روزاليند فوكس هِيَ الاكتشافُ الأوَّلُ ، والانتقامُ الطُّفُوليُّ اللاواعي مِنَ
الجَسَدِ . كُنْتُ أراها كالبَقَرَةِ التي يَتَدَلَّى ثَدْيَاهَا . وَيَبْدُو أنَّ
حَيَاتي التي قَضَيْتُهَا في زَريبةِ الأبقارِ في القَريةِ ، جَعَلَت الأبقارَ
تُسَيْطِر عَلى تَفْكيري ، وَتُهَيْمِن عَلى ذِهْني .
جَلَسْتُ في المَقْعَدِ
الأوَّلِ . أمَامِي طاولةُ المُعَلِّمَةِ وكُرْسِيُّهَا . عِندَمَا جَلَسَتْ
عَلَيْهِ مِنْ أجْلِ الاستراحةِ ، أحْسَسْتُ بِرَغبةٍ عارمةٍ في اكتشافِ المَجهولِ
. الطِّفْلُ الذي كُنْتُهُ أرادَ مَعرفةَ الشَّيْءِ الغامضِ . رَمَيْتُ القَلَمَ
عَمْدًا تَحْتَ الطاولةِ ، وَنَزَلْتُ كَيْ أُحْضِرَه . المُعَلِّمَةُ جالسةٌ عَلى
الكُرْسِيِّ . ارتفعتْ تَنُّورَتُهَا القَصِيرَةُ لِتَكْشِفَ عَنْ سَاقَيْهَا
العَارِيَتَيْن . نَظَرْتُ بَيْنَ فَخِذَيْهَا المَفْتُوحَتَيْن عَلى آخِرِهِمَا ،
وَحَدَّقْتُ في عُضْوِهَا التَّنَاسُلِيِّ . شَعَرْتُ بالقَرَفِ وَالخِزْيِ
والعَارِ . وَلَمْ أشعُرْ بالأُنوثةِ أو الجَمَالِ أو الإثارةِ ، تَحَرَّكْتُ
بِدَافِعِ اكتشافِ المَجهولِ ، وَحِرْصِ الطِّفْلِ عَلى رُوحِ المُغَامَرَةِ
البِدَائِيَّةِ ، وَلَمْ أتَحَرَّكْ بدافعِ الغَريزةِ أو الشَّبَقِ أو الانحرافِ
الجِنْسِيِّ ، لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ شَهْوَة جِنْسِيَّة. أخَذْتُ القَلَمَ
، وَصَعِدْتُ إلى المَقْعَدِ، وَلَمْ تُلاحِظ المُعَلِّمَةُ شيئًا . وأدركتُ في
تِلْك اللحظة أنَّ حَيَاتي سَتَكُون مَليئة بالاكتشافِ والمُغَامَرَةِ ، وأيضًا
سَتَكُون مَلِيئة بالشَّقَاءِ والتَّعَاسَةِ والعُقَدِ النَّفْسِيَّةِ.
كُلُّ هَذه الأشياء أحْسَسْتُ
بِهَا في تِلْك السِّنِّ المُبَكِّرَةِ ، ولكنَّني لَمْ أمْلِك الوَعْيَ
وَالقُدرةَ العَقْلِيَّة على تَفسيرِها مِنْ مَنظورِ أدبيٍّ أوْ نَفْسِيٍّ أوْ
فَلسفيٍّ أوْ عِلْمِيٍّ . أحْسَسْتُ بِمُشكلاتٍ نَفْسِيَّة كبيرة في طُفولتي ،
ولكنَّني لَمْ أستطع التَّعْبيرَ عَنْهَا لُغَوِيًّا وَفْقَ قَواعدِ عِلْمِ
النَّفْسِ أو عِلْمِ الاجتماع.
تَذَكَّرْتُ كَلامَ أبي : ((
مِسْكِين هِشَام سَيَتْعَبُ في حَيَاتِه )) . وَتَذَكَّرْتُ دُعَاءَ أُمِّي : (( اللَّه
يَغضب عَلَيْكَ يا هِشَام ، ويَجْعلك عاجزًا ، ويَقْطع نَسْلَك ، آمين يا رَبَّ
العَالَمِين )) .
كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ أنَّ
لِي أبًا وَأُمًّا غَيْر سَلْمان وسَمِيحة ، دَمَّرَا كُلَّ شَيءٍ جَمِيلٍ في
حَيَاتي . حَوَّلَاني إلى حَشَرَةٍ حَقِيرةٍ ، وَمَسْخٍ لَيْسَ لَهُ هُوِيَّة ،
وكابوسٍ لَيْسَ لَهُ نِهَاية ، وَشَبَحٍ يَخَافُ مِنَ ضَوْءِ الحقيقةِ .
مِنَ الواضحِ أنَّني سَأتْعَبُ
في حَيَاتي ، كَمَا تَنَبَّأ أبي ، الذي أرادني نُسْخَةً عَنْ أخي ناصر ، باعتبارِهِ
هُوَ الأصل والأساسي، وأنا التَّقْليدُ والاحتياطي. هَلْ أستطيعُ الهُروبَ مِنْ
ظِلِّ أخي ناصر أوْ أنَّهُ سَيُلاحقني طِيلةِ حَيَاتي ؟ . وَمَا هَذه الحَيَاةُ
التي أعيشُها ؟ ، لَيْسَ لَهَا لَوْنٌ ولا طَعْمٌ ولا رائحة . هَلْ سَأعيشُ عاجزًا
بِلا نَسْلٍ ولا أولادٍ ولا عائلةٍ ؟ . وَلَوْ تَزَوَّجْتُ ، كَيْفَ سَيَكُونُ
نَسْلِي ؟ ، سَيَكُون نَسْلِي فاشلًا وَمُعَقَّدًا بِلا أحلامٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ .
عائلةٌ ضائعة ، وَدَوْلَةٌ تنهارُ ، وَمُجْتَمَعٌ يَتَفَكَّك . ماذا استفادَ أبي
مِنْ زَوَاجِهِ مِنْ سَميحةِ الخَدَّامة ؟ ، هَلْ أرادَ تَكوينَ أُسْرَةٍ تَكُونُ
لَبِنَةً في بِنَاءِ المُجْتَمَعِ ؟. هَلْ كَوَّنَ أُسْرَةً صالحةً في
المُجْتَمَعِ الصالحِ مِنْ أجْلِ صَلاحِ البَشَرِيَّة ؟ . هَلْ أنا ابْنٌ صالحٌ ؟
.
لَيْتَ أبي بَقِيَ رَاعي
غَنَمٍ في القَريةِ ، وَعَاشَ فِيها ، وَمَاتَ فِيها ، وَذَهَبَ إلى النِّسْيَانِ
، وَلَمْ يَعْرِفْهُ أحَد ، وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ أحَد . النِّسْيَانُ أفْضَلُ
مِنَ الظُّهُورِ القاتلِ ، وَحُبُّ الظُّهُورِ يَقْصِمُ الظُّهُورَ .
مِنْ أسوأ الأشياءِ التي
حَدَثَتْ لِي في المَدرسةِ الأجنبيةِ أنَّني نَسِيتُ سُورةَ الفاتحةِ ، وَقِصَارَ
السُّورِ القُرْآنِيَّةِ الكَريمةِ ، التي حَفِظْتُهَا في كُتَّابِ الشَّيْخِ
جَعْفَر . المَدرسةُ الأجنبيةُ أهْمَلَتْ تَعليمَ اللغةِ العربيةِ والدِّينِ
الإسلاميِّ ، وَرَكَّزَتْ عَلى اللغةِ الإنجليزيةِ ، وتاريخِ الغَرْبِ وحَضَارَتِه
، وأسفارِ " الكِتَابِ المُقَدَّس
" .
طَلَبَتْ مِنِّي أُمِّي في
أحَدِ الأيَّامِ أنْ أقْرَأ سُورةَ الفاتحةِ . كُنْتُ أحْفَظُهَا جَيِّدًا.
قُلْتُ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ . الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ
العَالَمِين " . وَتَوَقَّفْتُ ، وَلَمْ أستطعْ إكمالَ السُّورةِ . حَاوَلْتُ
مِرَارًا وَتَكْرَارًا ، بِلا نتيجة. صارتْ أُمِّي تَلْطِمُ خُدُودَها ،
وَتَضْرِبُ صَدْرَها ، وَتَشُدُّ شَعْرَهَا . وَدَخَلَتْ على أبي في غُرفته وقالتْ
بِعَصَبِيَّةٍ واضحة :
_ مُصيبة يا " أبو ناصر
" ، ابْنُكَ هِشَام نَسِيَ سُورةَ الفاتحةِ في المَدرسةِ الأجنبيةِ .
نَظَرَ إلَيَّ أبي ،
وَتَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِه ، وقالَ والقَلَقُ يَحْتَلُّ مَلامِحَه :
_ تعالَ يا هِشَام ، اقْرَأْ
سُورةَ الفاتحةِ التي حَفِظْتَهَا في كُتَّابِ الشَّيْخِ جَعْفَر .
أُصِبْتُ بالخَوْفِ، وارتبكتُ،
وَانْعَقَدَ لِسَاني، وَوَقَفْتُ كالأبْلَهِ ، وَلَمْ أستطع النُّطْقَ بِحَرْفٍ
واحدٍ .
فَقَدَتْ أُمِّي السَّيطرةَ
عَلى أعصابِها ، وَصَرَخَتْ :
_ هَذه بَرَكَات المَدرسةِ
الأجنبية التي وَضَعْتَهُ فِيها يا " أبو ناصر " ، نَسِيَ لُغَتَه
وَدِينَه وَقُرْآنَه . هَلْ تُريدُ أنْ يَمُوت هِشَام كافرًا ؟ .
وَالْتَفَتَتْ أُمِّي نَحْوِي
، وَأمْسَكَتْ بِي ، وَهَزَّتْني بِعُنْفٍ ، وقالتْ بِصَوْتٍ عالٍ :
_ هَلْ تُريدُ أنْ تَمُوتُ
كافرًا يا هِشَام ؟ .
_ لا أُريد .
وحاولتُ تَذَكُّرَ أُنشودةً
دِينيَّة حَفَّظَنَا إيَّاها الشَّيْخُ جَعْفَر في الكُتَّابِ أوَّلُهَا : "
أنا طِفْلٌ مُسْلِمٌ مُؤَدَّب ". ولكنَّني لَمْ أَقْدِرْ على تَذَكُّرِهَا ، فَاكْتَفَيْتُ
بالمَقْطَعِ الأوَّلِ ، وَقُلْتُ عَلى مَسَامِعِ أُمِّي وأبي :
_ أنا طِفْلٌ مُسْلِمٌ
مُؤَدَّب .
نَظَرَ أبي إلى أُمِّي ، وقالَ
بِحَزْمٍ وإصرارٍ :
_ لا تَضْغَطِي عَلى الوَلَدِ
يا سَمِيحة . هِشَام ذكي وشاطر وسريع التَّعَلُّمِ والحِفْظ .
_ أنتَ أفْسَدْتَ الوَلَدَ يا
" أبو ناصر " بِقِصَّةِ المَدرسةِ الأجنبية .
_ أُريدُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ
أولادِ كِبَارِ الشَّخْصِيَّاتِ ، هِشَام يَنْتظره مُسْتَقْبَل مُشْرِق ، وَقَدْ
يُصْبح وَزيرًا في الحُكومةِ ، أوْ قائدًا عَسكريًّا كبيرًا . أنا رَفَعْتُ
مَكَانَتَكُمْ بَيْنَ الناسِ ، وَصَارَ لَكُمْ أصْلٌ وَفَصْلٌ ، ولكنْ يا
خَسَارَة، يَبْدُو أنَّكِ تَعَوَّدْتِ على زَريبةِ الأبقارِ والخِدْمَةِ في
البُيُوتِ يا سَمِيحة .
_ أنتَ لا تَعْرِفُ شيئًا عَنْ
عائلتك ، أهْمَلْتَ زَوْجَتَكَ وَابْنَكَ وبَنَاتِكَ. تَخْرُجُ في الصَّبَاحِ
الباكر، ولا تَعُودُ إلا في آخِرِ الليل . مَشغولٌ بالدَّوْرَاتِ العَسكريةِ ،
والمُسْتَقْبَلِ السِّيَاسِيِّ ، وَتَقْضِي وَقْتَكَ في كِتَابَةِ التقاريرِ
الاستخباراتية ، وَجَمْعِ المَعلوماتِ السِّرِّية، وَمُرَاقَبَةِ الناس .
_ يا سَمِيحة، أنتِ أُمِّية جاهلةٌ
. والجاهلُ عَدُوُّ نَفْسِه، يَتَصَرَّف بِطُرُقٍ تَضُرُّ نَفْسَه ، نَتيجة عَدَمِ
وَعْيِه، وَعَدَمِ قُدرته على فَهْمِ عَواقبِ الأشياء. والجَهْلُ يَجْعَلُهُ
يَتَّخِذ قَرارات سَيِّئة ، وَيَفْقِد الفُرَصَ ، وَيَتَسَبَّب في حُدوثِ مُشكلات
لِنَفْسِه وللآخرين. إنَّ أعداءُ الوَطَنِ كثيرون، وَيَجِبُ أنْ نَحْمِيَ الوَطَنَ
مِنَ الخَوَنَةِ والعُمَلاءِ والإرهابيين والطابورِ الخامسِ . يَجِبُ تنفيذُ تَوجيهاتِ
فَخامةِ رئيس الجُمهورية. السَّيَّدُ الرئيسُ لا يَنَامُ مِنْ كَثرةِ تَفكيرِه في
حِمايةِ الوَطَنِ والشَّعْبِ ، والحِفَاظِ على الأمْنِ والأمَانِ .
وأردفَ قائلًا بِحَماسةٍ شديدة
:
_ تقاريرُ الاستخباراتِ هِيَ
وثائق تَحْتوي عَلى مَعلومات خَطيرة ، وَتُسْتَخْدَم لاتِّخاذِ قَرارات
سِيَاسِيَّة وأمْنِيَّة وعَسكرية . أنتِ بَقَرَة يا سَمِيحة ، لا تَفْهَمِين في
الوَحدةِ الوَطنيةِ والأمْنِ القَوْمِيِّ .
وَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ
رَفَعَ رَأسَه ، وقالَ :
_ لا تَقْلَقي عَلى هِشَام ،
سَوْفَ أَجِدُ حَلًّا لِمُشكلته ، وَنَنْتَهِي مِنْ مَوْضُوعِه .
أحضرَ لِي أبي مُعَلِّمًا
خُصُوصِيًّا، يُعلِّمني اللغةَ العربيةَ والدِّينَ الإسلاميَّ وَقِرَاءَةَ
القُرْآنِ الكريمِ ، اسْمُهُ الشَّيْخ نُوح صَقْر ، وكانَ لَطِيفًا وَمُهَذَّبًا
وَوَاسِعَ الثَّقَافَةِ ، وأخْبَرَني عَنْ تَفَاصيلِ حَياتِه ، وأنَّهُ عاشَ
جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِ إمامَ مَسْجِدٍ في وِلايةِ واشنطن بأمريكا ، وَتَجَوَّلَ
في كُلِّ أنحاءِ أمريكا ، وزارَ وِلايات كثيرة في مُهِمَّاتِ الدَّعوةِ إلى
اللَّهِ تَعَالى ، والتَّعريفِ بالإسلام . إنَّهُ يَعْرِفُ أمريكا أكثرَ مِنْ
مُعَلِّمَاتي الأمريكيات في المَدرسةِ الأجنبية ، كما أنَّهُ أكثر عِلْمًا
وثَقَافَةً مِنَ الشَّيْخِ جَعْفَر الذي دَرَّسَني في كُتَّابِ القَريةِ ،
فالشَّيْخُ جَعْفَر لا يَعْرِف اللغةَ الإنجليزية ، وَلَمْ يُحَدِّثْنَا عَنْ
واشنطن وأمريكا . أخْبَرَني الشَّيْخُ نُوح صَقْر أنَّهُ رَأى شَلَّالاتٍ وأنهارًا
وبِحَارًا وشُطآنًا في مَناطق بعيدة . تَمَنَّيْتُ لَوْ أُرَافقه أوْ أذهب مَعَهُ
في رِحْلاتِه وأسفارِه . لَمْ أرَ في حَيَاتي نَهْرًا ولا بَحْرًا . لا يُوجَد
شَيْء في القَريةِ الصَّحْراوية البائسة يَسْتحق المُشَاهَدَة. لَيْتَني أعيشُ في مَنطقة
سَاحِلِيَّة عَلى البَحْرِ . أفتحُ نافذةَ غُرْفَتي فأرى البَحْرَ ، وأسمع صُراخَ
أمواجِه الزَّرقاء ، وأستمتع بِرَمَالِ الشُّطآنِ الذهبية .
قُلْتُ للشَّيْخِ نُوح صَقْر
بِحَمَاسَةٍ وَبَرَاءَةٍ طُفوليَّة :
_ هَلْ يُمْكِن أنْ تأخُذَني
مَعَكَ إلى أمريكا ؟ .
ابتسمَ ابتسامةً عَريضة ، وقال
:
_ مَا زِلْتَ صغيرًا يا هِشَام
. عِندَمَا تَكْبَرُ سَوْفَ تَزُورُ بِلادًا جَميلةً ورائعةً ، وتُسَافِر إلى
أماكن بعيدة، دُون الحَاجَةِ إلَيَّ ، وأرجو أنْ تَتَذَكَّرَني بالخَيْرِ."
كُلُّنَا يَا بُنَيَّ نُسَافِر وَحْدَنَا في نِهايةِ الأمْرِ ".
أحْسَسْتُ بالخَوْفِ مِنْ
عِبَارته الأخيرةِ ، لأنَّه قالَها بأُسلوبٍ مُؤثِّر ذِي وَقْعٍ شَديد في نَفْسِي
. وَبَقِيَتْ عِبَارَتُهُ عالقةً في ذِهْني . وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ طويلة ، عَرَفْتُ
أنَّ هَذه العِبَارة للرِّوائيِّ السُّودانيِّ الطَّيِّب صالح .
هُناك سُؤالٌ حَيَّرَ عَقْلي
الطُّفوليَّ مُدَّةً طَويلةً ، لكنَّني لَمْ أجْرُؤْ عَلى طَرْحِهِ عَلى أبي
الجاهلِ وأُمِّي التي هِيَ أجْهَلُ مِنْه . انتهزتُ فُرصةَ وُجودِ أُستاذي
الشَّيْخِ نُوح صَقْر ، وَقُلْتُ لَه :
_ لِمَاذَا ماتَ أخي ناصر
وَلَمْ يَعِشْ مِثْلَ بَقِيَّة الأطفال ؟، ولماذا أُخْتي ظَبْيَة مُعَاقَة
ومَشْلُولة ولا تَتَحَرَّك وَتَلْبَس أجملَ الفَساتينِ مِثْل باقي البَنَاتِ ؟ .
_ يا هِشَام ، أنتَ وَلَدٌ ذكي
وشاطر ، وَعَقْلُكَ أكبرُ مِنْ سِنِّكَ ، ودائمُ التَّفكيرِ ، وَتَحْفَظ كُلَّ
شَيْء ، وَتَلْتَقِط جَمِيعَ الكَلِمَاتِ والعِبَارَاتِ ، وكَثرةُ الأسئلةِ
مُسيطِرة عَلَيْكَ ، ولكنْ للعقلِ حُدُودٌ ، ويَجِبُ التَّسليمُ بِقَضَاءِ اللَّهِ
وَقَدَرِه،يَعْني أنْ تَرْضَى بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ وَقَدَّرَه ، مِنْ خَيْرٍ
وَشَرٍّ، وَحُلْوٍ وَمُرٍّ، وأنْ تَصْبِرَ عَلى مَا أصَابَكَ ، وأنْ تَعْلَمَ أنَّ
اللَّهَ لا يَبْتَلي إلا مَنْ يُحِبُّه . وَيَجِبُ أنْ تُؤْمِنَ أنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ حَكِيم ، وأنَّ كُلَّ مَا يُقَدِّرُهُ هُوَ خَيْرٌ للإنسانِ ، وَهَكذا
يَطْمَئِنُّ قَلْبُكَ ، وتَرتاح نَفْسُكَ .
وأردفَ قائلًا :
_ والطِّفْلُ عِندَما يَمُوتُ
يَذهَب إلى الجَنَّةِ ، وإنْ شَاءَ اللَّهُ ، يَكُون أخوكَ ناصر مِنْ أهْلِ
الجَنَّةِ .
_ وأنا أُريدُ أنْ أمُوتَ
طِفْلًا كَي أُصْبح مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ .
_ اللَّهُ يُحْيِي مَنْ يَشَاء
، وَيُمِيتُ مَنْ يَشَاء . ولا يَجُوز تَمَنِّي المَوْت ، وَمَنْ يَمْتَد بِهِ
العُمر ، وَيُصْبح كبيرًا ، فإنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ تعالى ، ومَعرفةُ اللَّهِ
أساسُ الإيمانِ والعِبَادَةِ .
_أخي ناصر ماتَ طِفْلًا لا
يَعْرِفُ اللَّهَ،فَكَيْفَ يَذهَب إلى الجَنَّةِ وَهُوَ لَمْ يَعْرِف اللَّهَ
وَلَمْ يَعْبُدْه؟.
_ مَا زِلْتَ صغيرًا يا هِشَام
، وَعِندَما تَكْبَرُ سَتَفْهَمُ كُلَّ شَيْء .
لَوْ أنَّني مِتُّ طِفْلًا مِثْلَ أخي ناصر .
لَقَدْ ذَهَبَ إلى الجَنَّةِ ، وَعِشْتُ في زَريبةِ الأبقارِ . كَمْ تَمَنَّيْتُ
أنْ أمُوتَ أنا ويارا وكارمِن أطفالًا ، ونَذهَب إلى الجَنَّةِ . لَيْتَنَا
مُتْنَا في زَمَنِ البَرَاءَةِ قَبْلَ أنْ نَكْبَرَ ، وَنَدْخُلَ في التَّوَحُّشِ .
لَيْتَنَا مُتْنَا في مَرحلةِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ التَّلَوُّثِ . أفكارٌ كثيرةٌ
مُسيطِرة على تَفْكيري،وأسئلةٌ عَدِيدة مُهَيْمِنَة على عَقْلي. صِرْتُ أخافُ مِنْ
نَفْسِي.أخافُ مِنَ الوَحْشِ السَّاكِنِ فِيَّ.
وَأحْضَرَ أبي مُعَلِّمَةً
خُصُوصِيَّةً لأُمِّي الأُمِّية الجاهلة ، تُعلِّمها القِرَاءةَ والكِتابةَ باللغةِ
العربية ، وَبَعْضَ الكلمات الإنجليزية والفَرنسية ، كَيْ تَعْرِفَ نِسَاءُ
كِبَارِ الشَّخْصيات أنَّ أُمِّي مُثَقَّفَة ومُتَعَلِّمَة وَمُتَأثِّرَة بالغربِ
، فَيَحْتَرِمْنَهَا ، وَيُعْجَبْنَ بِهَا ، وَيَنْظُرْنَ إلَيْهَا بِعَيْنِ
التَّقديرِ والتَّعظيم . لَقَدْ صارتْ أُمِّي امرأةً مُهِمَّةً باعتبارِها زَوْجة
المُلازم سَلْمَان رَجَب الشَّخْصية المُهِمَّة في المُخَابَرَاتِ العَسْكرية ،
وَيَجِبُ أنْ تَعْتني بِكَلامِها ومَلابِسِها وسُلوكِها وَتَصَرُّفِها ، فَهِيَ
الآنَ تَدْخُلُ الفِلَلَ والقُصُورَ ، وَلَمْ تَعُدْ خَدَّامة في البُيوتِ ، بَلْ
إنَّ كثيرًا مِنَ النِّسَاءِ يَخْدُمْنَها ، وَيَطْلُبْنَ رِضَاهَا ، وَيَخْطُبْنَ
وُدَّهَا . وَلَمْ تَعُدْ تِلْك المَرْأة المَنْسِيَّة التي تعيشُ في زَريبةِ
الأبقار . ولا يَخْفَى أنَّ وَراءَ كُلِّ رَجُلٍ عَظِيمٍ امرأة .
وأيضًا ، أحضرَ أبي لأُمِّي
مُعَلِّمَةً مُتَخَصِّصَة في الإتيكيت والبروتوكول والبرستيج . ومَعَ أنَّني لَمْ
أفْهَمْ مَعَاني هَذا الكلمات في بِدَايةِ الأمْرِ ، إلا أنَّني حَرَصْتُ عَلى حُضُورِ
دُروسِ هَذه المُعَلِّمَة ، لأنَّها مُمْتِعَة وَمُسَلِّيَة، واستمتعتُ بِهَا
أشدَّ الاستمتاعِ . ولا تَزَالُ كَلِمَاتُها مَحفورةً في ذِهْني العَجِيب، الذي
يَلتقط كُلَّ شَيْءٍ ، وَيُخَزِّنُه ، وَيَحْفَظُه. ولا يُمْكِن أنْ أنْسَى اسْمَ
المُعَلِّمَة أو المُدَرِّبَة: رِيم لُوقَا .
قالت المُدَرِّبَةُ ريم لُوقَا
لأُمِّي :
_ يا أُمَّ ناصر ، أنتِ
سَيِّدَةُ مُجْتَمَعٍ ، وَزَوْجَةُ شَخْصية بارزة وَمُهِمَّة في الدَّولةِ ،
يَجِبُ أنْ تَهْتَمِّي بِصُورتك أمامَ الناسِ ، وَتَحْرِصِي على الإتيكيت
والبروتوكول والبرستيج . ظَنَّتْ أُمِّي أنَّ هَذه أنواع مِنَ الطَّعَامِ
الأجنبيِّ والغِذَاءِ الصِّحِّي ، لِتَعويضِ سَنَوَاتِ الفَقْرِ والجُوعِ في
القَريةِ ، فقالتْ بِسَذَاجَةٍ :
_ العَدَسُ والفاصولياءُ
والحُمَّصُ أفضلُ مِنْ هَذه المَأكولاتِ الأجنبية .
كَتَمَت المُدَرِّبَةُ ريم
لُوقَا ضحكتها، وأدركتْ أنَّ أُمِّي جاهلة تمامًا، وأنَّ عَلَيْهَا البَدْء
مَعَهَا مِنَ الصِّفْرِ . قالتْ والضَّحِكُ يُريدُ اقتحامَ كَلامِها :
_ الإتيكيت هُوَ فَنُّ
التعاملِ الراقي والآدابُ الاجتماعية في الحَياةِ اليَوْمِيَّة ، والبروتوكول هُوَ
مَجموعة القواعد الرَّسْمِيَّة التي تَحْكُمُ المُنَاسَبَاتِ الرَّسْمِيَّة
والعَلاقاتِ الدُّبْلُومَاسِيَّة . والبرستيج يُشِيرُ إلى المَكانةِ الاجتماعية ،
والهَالَةِ التي تُحِيطُ بالشَّخْصِ نَتيجةً لِسُلُوكِهِ وَمَظْهَرِهِ ومَنْزلته .
لَسْتُ أدْرِي هَلْ فَهِمَتْ
أُمِّي هَذا الكَلامَ أمْ لَمْ تَفْهَمْه . ولكنَّها بَدَتْ واثقةً
وَمُتَحَمِّسَةً ، وَعَلى أُهْبَةِ الاستعدادِ للدُّخُولِ في هَذه التَّجَارِبِ
الجَدِيدة . والمُشكلةُ المُضْحِكَةُ المُبْكِيَةُ هِيَ أنَّ أُمِّي بَقِيَتْ
فَترةً طَويلةً تُسَمِّي الإتيكيت : الكَتْكُوت ، مُتَأثِّرَةً بَعَالَمِ
الدَّجَاجِ في القَرية .
قالت المُدَرِّبَةُ ريم لُوقَا
وَهِيَ في غَايةِ السَّعَادَةِ بسبب بَدْءِ عَمَلِها الجديد :
_ يا سَيِّدَة أُم ناصر ،
الإتيكيت يَشْمَلُ مَجموعةً مِنَ القواعدِ والسُّلوكياتِ المَقبولة اجتماعيًّا في
الحَيَاةِ اليَوْمِيَّة ، وَيَهْدِف إلى تَعزيزِ العَلاقاتِ الإيجابية ، والتفاعلِ
اللطيفِ بَيْنَ الأفرادِ ، وَيَتَعَلَّقُ بالمَظْهَرِ العَام ، وَآدابِ السُّلوكِ
، والتعاملِ معَ الآخَرِين بِلُطْفٍ واحترامٍ .
فَرِحَتْ أُمِّي بِهَذا
الكَلامِ ، وقالتْ :
_ كَلامُكِ حِكَمٌ يا ريم ،
أنتِ واعية وَفَهْمَانة ، ولكنْ أُرِيدُ مِنْكِ أنْ تُعْطِيني أمثلةً لِزِيَادَةِ
الفَهْمِ:
ابتسمتْ ريم بسبب هَذا
التَّجَاوُبِ ، وإقبالِ أُمِّي عَلى التَّعَلُّمِ ، وَحِرْصِهَا على المَعرفةِ ،
وقالتْ:
_ طَريقةُ الكَلامِ ، وآدابُ
المائدةِ ، والتعاملُ معَ كِبَارِ السِّنِّ ، واحترامُ خُصُوصِيَّة الآخرين .
_ صَدَقْتِ يا ريم ، اللَّهُ يَرْزقك
الزَّوْجَ الصالحَ ابْنَ الحَلالِ الذي يُسْعِدُكِ كَمَا أسْعَدْتِني .
_ آمين يا رَبَّ العَالَمِين ،
مِنْ فَمِكِ إلى بابِ السَّمَاءِ .
وتابعت المُدَرِّبَةُ ريم
لُوقَا كَلامَها ، وَهِيَ في غَايةِ الحِرْصِ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ :
_ والبروتوكول يَهْدِفُ إلى
تَنظيمِ المُنَاسَبَاتِ الرَّسْمِيَّة ، وَضَمَانِ سَيْرِهَا بانضباطٍ واحترامٍ ،
وَيَشْمَل قواعدَ التَّحِيَّةِ ، والتَّسَلْسُلَ الهَرَمِيَّ ، والتعاملَ معَ
الوُفودِ الرَّسْمِيَّةِ . والأمثلةُ : مَرَاسِمُ استقبالِ رُؤسَاءِ الدُّوَلِ ،
وتَرتيبُ المَقَاعِدِ في الاجتماعاتِ الرَّسْمِيَّةِ ، والبروتوكولُ
الدُّبْلُومَاسي .
تضايقتْ أُمِّي ، وَظَهَرَ
عَلَيْهَا الانزعاجُ ، وقالتْ ومَلامِحُ وَجْهِهَا تَدُلُّ عَلى عَدَمِ الارتياحِ
:
_ البروتوكول صَعْبٌ يا ريم ،
لَمْ أفْهَم التَّسَلْسُلَ الهَرَمِيَّ والبروتوكولَ الدُّبْلُومَاسِيَّ . أُريدُ
شيئًا سَهْلًا كَي أفْهَمَه .
_ لا تَقْلَقِي يا سَيِّدة أُم
ناصر ، سَوْفَ أشرحُ لَكِ كُلَّ شَيْءٍ بالتفصيل ، وخُطْوَة خُطَوْة . ولكنْ
اصْبِرِي عَلَيَّ ، أنا وأنتِ سَنَصْعَدُ السُّلَّمَ دَرَجَة دَرَجَة .
وتابعتْ قائلةً بِشَغَفٍ :
_ والبرستيج يَتَعَلَّقُ
بِصُورةِ الشَّخْصِ التي يَرَاهَا الآخَرُون ، ويَشْمَل المَظْهَرَ ، والمَلابِسَ
، والأُسلوبَ ، والسُّمْعَةَ .
_ ما فائدةُ البرستيج يا ريم ؟
.
_ كَي تُصْبِحي يا سَيِّدَة
أُم ناصر شخصيةً مُهْمِةً في المُجتمع ، وَتَحْصُلِي عَلى احترامِ وَتَقْدِيرِ
الآخَرِين ، وَيَصِير لَكِ مَكانة مَرموقة في العَمَلِ .
_ ولكنَّني رَبَّةُ بَيْتٍ لا
أعْمَلُ .
_ أنتِ زَوْجَة رَجُلٍ مُهِمٍّ
في المُخَابَرَاتِ العَسكريةِ ، وهَذا أكبرُ عَمَلٍ . سَوْفَ تَلْتَقِين بِنِسَاء
كِبَار الشَّخْصِيَّات ، وتُسَاهِمين في مُؤتمراتٍ ونَدَوَاتٍ ، وَتُلْقِين
مُحَاضَرَات ناجحة ومُتَمَيِّزَة ، وَتُشَاركين في حَفَلاتِ افتتاحِ المشاريعِ الجَدِيدَةِ
، وَالمُنْشَآتِ الوَطنيةِ المُهِمَّةِ والأمْنِيَّةِ الحَسَّاسَة .
تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِ
أُمِّي ، وَسَيْطَرَ عَلَيْهَا الذُّعْرُ ، وَبَلَعَتْ رِيقَهَا بشكلٍ مُتَوَاصِل
، وقالتْ :
_ أنا خائفة يا ريم ، الموضوع
خطير ، وأنا امرأة بسيطة مِنَ القَرية ، وهذه الأشياءُ أكبرُ مِنِّي . سَوْفَ أفضحُ
نَفْسِي بِنَفْسِي ، وَتُصْبح فَضِيحَتُنَا بِجَلاجِل ، وَعَلى كُلِّ لِسَان .
_ وَظِيفتي أنْ أنْزِعَ مِنْكِ
الخَوْفَ، وأجْعَلُكِ جَريئةً، أرجوكِ يا سَيِّدَتي، ثِقِي بِي، وَاسْمَعِي
كَلامي.
ريم لُوقَا امرأةٌ مُتَحَرِّرَةٌ في أفكارِها
ومَلابسِها وَأُسلوبِ حَيَاتِهَا ، وَقَدْ نَقَلَتْ هَذا التَّحَرُّرَ إلى أُمِّي
القَرَوِيَّةِ الجاهلةِ التي لَيْسَ لَهَا رَأيٌ ولا مَعرفة . وَوَقَعَ سِحْرُ
رِيم لُوقَا على أُمِّي التي صارتْ تَسْتجيب لِطَلباتها ، وَتَعْتبرها أوامر
عسكرية واجبة التَّطبيق . أُمِّي كالسائرةِ أثنامَ النَّوْمِ إلى الهَاويةِ
السَّحِيقةِ . كأنَّها في غَيْبُوبة زَرْقَاء ، وَتَسْبَحُ في الغُيومِ
الرَّمَادِيَّةِ بِلا وَعْيٍ ولا شُعُورٍ .
قالت المُدَرِّبَةُ ريم لُوقَا
بِصَوْتٍ قويٍّ وثابت :
_ مِنَ الضَّروريِّ يا
سَيِّدَة أُم ناصر أنْ تَخْلَعي الحِجَابَ ، وَتَكْشِفِي جُزْءًا مِنْ صَدْرِكِ
المُمْتَلِئ ، وَتَلْبَسِي تَنُّورَةً فَوْقَ الرُّكْبَة ، وتَرتدي الكَعْبَ
العالي .
انتَفَضَتْ أُمِّي ،
وَتَضَايَقَتْ بِشِدَّةٍ ، وقالتْ بِحَزْمٍ وإصرارٍ :
_ هَذا حَرَامٌ ، وَعَيْب .
أنا زَوجةٌ وأُمٌّ ، ماذا سَيَقُول الناسُ عَنِّي ؟ .
_ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم
. أنتِ الآنَ امرأةٌ مُهِمَّةٌ مِنَ سَيِّدَاتِ المُجتمعِ الرَّاقي ، ولا بُدَّ
مِنْ مُجَارَاةِ المُوضَةِ في المَلابسِ والإكْسِسْوَارات والتَّسْريحاتِ ،
والحِرْصِ عَلى المَظْهَرِ الخارجيِّ ، والتَّعبيرِ عَنْ شَخْصيتك وسُلْطتك
وأُسلوبِ حَياتك الخاص . وأنتِ الآن تَنْتَمين إلى الطَّبَقَةِ العُلْيَا في
المُجتمع ، ومُوَاكَبَةُ أحْدَثِ صَيْحَاتِ المُوضَةِ تَجْعَلُكِ أكثرَ جاذبيةً
للآخَرين .
وتابعتْ ريم لُوقَا قائلةً
بِخُبْثٍ وَدَهَاء :
_ زَوْجُكِ المُلازِم سَلْمَان
رَجَب لَيْسَ شخصًا عاديًّا ، إنَّهُ قائدٌ مُهِم ، وَهُوَ الرَّجُلُ الثاني في
المُخَابَرَاتِ العَسكرية بَعْدَ سِيَادةِ العقيد مُراد عادل، هَلْ تُريدين أنْ
تَقُول نِسَاءُ كِبَارِ الشَّخْصِيَّات: إنَّ زَوجة القائد سَلْمَان رَجَب جاهلةٌ
وَقبيحةٌ وَمُتَخَلِّفَة ؟. هَلْ تُريدين أنْ يُطَلِّقَكِ زَوْجُكِ وَيَتَزَوَّج
امرأةً مِنْ عَائلةٍ رَاقِيَةٍ وَعَشِيرةٍ كبيرة ؟ . زَوْجُكِ شَخْصٌ مُهِم وخطير
، سَوْفَ تَلْهَث وَرَاءَهُ المُعْجَبَاتُ ، وَتُحِيط بِهِ النِّسَاءُ مِنْ كُلِّ
الجَوانبِ،إذا لَمْ تَكُوني جَمِيلةً وَمُغْرِيَةً سَوْفَ تَخْطِفُ بَنَاتُ الحَرَامِ
زَوْجَكِ.
ريم لُوقَا امرأةٌ داهية
وماكرة وخبيثة ، تَتلاعبُ بالكلامِ ، عَرَفَتْ كَيْفَ تُسَيْطِرُ عَلى أُمِّي
البِدَائِيَّةِ الجاهلةِ،وَتَتَحَكَّمُ بِعَواطفِها وَمَشاعرِها،وَتَضْرِبُ عَلى
الوَتَرِ الحَسَّاسِ. تَحَدَّثَتْ بِطَريقةٍ لامَسَتْ نُقْطَةَ ضَعْفٍ عِنْدَ
أُمِّي،وأثارتْ شُعورَها وَرَدَّ فِعْلِها العاطفي. إنَّها تَطَرَّقَتْ إلى المَواضيعِ
المُهِمَّةِ والحَسَّاسَةِ، مِمَّا جَعَلَهَا قادرةً عَلى التأثيرِ والتَّحَكُّمِ
بِأُمِّي ، والسَّيطرةِ عَلَيْهَا ، والهَيْمَنَةِ عَلى سُلوكِها وَتَصَرُّفِها .
تَمَكَّنَتْ ريم لُوقَا مِنَ
استعمالِ قُدراتِها الفِكرية والنَّفْسِيَّة بِمَكْرٍ شديدٍ ، واقتحمت الحَيَاةَ
الخَاصَّةَ لأُمِّي الجاهلةِ التي تُقَادُ ولا تَقُودُ ، وَرَكَّزَتْ عَلى كَشْفِ
الدَّوَافعِ النَّفْسِيَّة الخَفِيَّة ، لأنَّ وَرَاءَ كُلِّ مُشكلةٍ سُلوكيةٍ
دَافِعًا نَفْسِيًّا ، يَقُودُ الكَلامَ والتَّصَرُّفَ. وَشَخْصِيَّةُ أُمِّي
ضَعيفةٌ ، فَسَقَطَتْ فَريسةً سَهلةً ، وَوَقَعَتْ في الفَخِّ المُحْكَمِ الذي
نَصَبَتْهُ رِيم لُوقَا المُدَرِّبَةُ المُحترفةُ المُتَحَرِّرَةُ ابنةُ المَدِينةِ
.
أَخَذَتْ ريم لُوقَا
مَقَاسَاتِ جِسْمِ أُمِّي ، بِكُلِّ الزَّوَايا والأبعادِ ، وَمَقَاسَ حِذَائِهَا
، وقالتْ لَهَا :
_ في المَرَّةِ القادمةِ،سَأُحْضِرُ
لَكِ أجملَ طَقْم نِسَائي ، ولكنْ أُريدُ مِنْكِ أنْ تَسْتَحِمِّي كُلَّ يَوْمٍ ،
وَتَحْرِصِي عَلى تَنظيفِ أسنانك .
عُقْدَةُ أُمِّي هِيَ
الاستحمامُ . تَكْرَهُهُ ولا تُطِيقُه . عَمِلَتْ فَترةً طويلةً كَخَدَّامة في
بُيوتِ القَريةِ ، فأهملتْ نَظَافَتَهَا الشَّخْصِيَّة . رَائِحَتُهَا كَرِيهةٌ
جِدًّا ، وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ هَذا ، لَمْ تَحْدُثْ مُشكلات معَ أبي بِخُصُوصِ
هَذا الأمْرِ ، لأنَّ أبي رائحته كريهة أيضًا ، حَيْثُ إنَّهُ عَمِلَ فَترةً طَويلةً
كَرَاعِي غَنَمٍ . طَنجرة ولقتْ غَطَاها ، والطُّيورُ عَلى أشكالِها تَقَعُ .
لَمْ أُصَدِّقْ أنَّ هَذه هِيَ
أُمِّي ( سَمِيحة الخَدَّامة ) عِندَما رَأيْتُهَا تَرتدي مَلابس فَخْمَة ولامعة .
طَقم نِسَائي مِنْ ثلاث قِطَع ، حَوَّلَ الخَدَّامةَ المَقطوعة مِنْ شَجَرَةٍ إلى
أميرةٍ مِنْ عائلةٍ حاكمة . وارتدتْ أُمِّي حِذَاءً بِكَعْبٍ عالٍ . تَمْشِي
وَتَقَعُ على الأرضِ ، فَهِيَ غَيْرُ مُتَعَوِّدَة على الكَعْبِ العالي.
دَرَّبَتْهَا ريم لُوقَا على المَشْي بِهَذا الحِذَاءِ العَجِيب ، وَعَلَّمَتْهَا
كَيْفَ تَحْفَظُ تَوَازُنَهَا . إنَّها تُشْبِهُ اللاعبةَ التي تَمْشِي عَلى
حَبْلٍ مَشدودٍ في السيرك . أتقنتْ أُمِّي المَشْيَ بِهَذا الحِذَاءِ العجيبِ
بَعْدَ مُحاولاتٍ كثيرةٍ . ولكنَّه أتعبَ رِجْلَيْهَا ، فقالتْ :
_ أشعُرُ أنَّ الكَعْبَ العالي
كَسَرَ عِظَامي ، وَحَطَّمَ عَمُودي الفِقْري .
_ الكَعْبُ العالي يُضْفِي
طُولًا وَقَوَامًا مَمْشُوقًا، وَيُحَسِّنُ مِنْ مَظْهَرِ السَّاقَيْنِ والقَامَةِ
بشكلٍ عام، وَيُعَزِّز الثِّقَةَ بالنَّفْسِ، وَيُبْرِزُ المُؤخَّرَةَ ، وَيَزِيدُ
الأُنوثةَ والجاذبيةَ ، وَيَمْنَح المَرْأةَ شُعورًا بالثِّقَةِ والقُوَّةِ ،
وَيَجْعَل مَظْهَرَهَا الخارجيَّ رائعًا، خُصُوصًا في الاحتفالاتِ الوطنيةِ ،
والمُنَاسَبَاتِ الرَّسْمِيَّةِ ، والعُرُوضِ العَسكرية ، والفَعَالِيَّاتِ
الثقافية، وَهَذا يُعَزِّز الوَحْدَةَ الوَطنية ، وَيَحْفَظ حُقُوقَ المَرْأةِ .
وأيضًا، مَا ضَايَقَ أُمِّي وَأزْعَجَهَا
هُوَ أنَّ فَتْحَةَ الصَّدْرِ واسعةٌ . وَعَبَّرَتْ عَن انزعاجِها
لِمُدَرِّبَتِهَا والمُشْرِفَةِ عَلَيْهَا التي قالتْ بِثِقَةٍ بالغة :
_ الكَشْفُ عَن الصَّدْرِ جُزْءٌ
مِنَ المُوضَةِ، وَطريقةٌ للتَّعبيرِ عَن الذاتِ، والحُرِّيةِ ، والاستقلاليَّةِ ،
وَلَفْتِ الانتباه . وبصراحة ، يا سَيِّدة أُم ناصر ، صَدْرُكِ مُمْتلئ ، وإذا
كَشَفْتِ جُزْءًا مِنْ ثَدْيَيْكِ ، فَهَذا دليلٌ على أنَّكِ راقية ومُتَحَضِّرَة
وَمُثَقَّفَة ثقافةً غَرْبية ، وَهَذا يَجْعَلُكِ امرأةً مُهِمَّةً بَيْنَ نِسَاءِ
كِبَارِ الشَّخصياتِ وَسَيِّدَاتِ المُجتمعِ الراقي، وَيُعْطِي صُورةً مُشْرِقَةً
عَنْ بَلَدِنَا أمامَ أنظارِ العَالَمِ ، خُصُوصًا أمريكا وأوروبا ، وَيُثْبِت
لَهُم أنَّنَا لَسْنَا إرهابيين ، وإنَّما نَحْنُ دِيمقراطيون ، وَبَلَدُنا بَلَدُ
الحُرِّياتِ والدِّيمقراطيةِ وَحُقُوقِ الإنسانِ وَحُقُوقِ المَرْأةِ وَالوَحْدَةِ
الوطنية.وَهَذه الإنجازاتُ سَوْفَ يَسْتفيد مِنْهَا زَوْجُكِ القائد سَلْمَان
رَجَب، ويُصْبح لَهُ مُسْتَقْبَل بَاهِر عَسكريًّا وسِيَاسِيًّا .
وَمَعَ أنَّ أُمِّي لَمْ
تَفْهَمْ مَعنى كلمةِ " الدِّيمقراطية " ، إلا أنَّها طارتْ مِنَ
السَّعَادَةِ ، وَفَرِحَتْ أشدَّ الفَرَحِ بِهَذا الكَلامِ . وأخيرًا ، سَتُصْبح
راقيةً وَمُتَحَضِّرَة وَمُثَقَّفَة في الشَّرْقِ والغَرْبِ ، وأمامَ أنظارِ
العَالَمِ . لَقَد اسْتَخْدَمَتْ صَدْرَها المُمتلئ في القَريةِ لإرضاعِ أطفالِ
الناس ، والآنَ سَوْفَ تَسْتخدمه للتَّفَوُّقِ عَلى نِسَاءِ الرِّجالِ المُهِمِّين
الخَطِيرين في الدَّوْلة ، وَتَعْزيزِ الوَحْدَةِ الوَطنيةِ ، وتَحسينِ صُورةِ
البَلَدِ لَدَى الغَرْبِ .
وَأحْضَرَ أبي مُمَرِّضَةً
للإشرافِ عَلى أُخْتي ظَبْيَة المُعَاقَةِ والمَشلولةِ ، ومُتابعةِ حالتها
الصِّحِّيةِ عَنْ قُرْبٍ. كَمَا أحْضَرَ مُعَلِّمَةً خُصُوصِيَّة لأخواتي: نَجَاح
( خَمْس سَنَوَات ) ، ومَقْبُولة ( أربع سَنَوَات )، وَمَستورة ( ثلاث سَنَوَات )
، تَمْهِيدًا لِتَسْجِيلِهِنَّ في إحدى المَدارسِ الخَاصَّة غَيْر المُخْتَلِطَة ،
فَقَدْ رَفَضَتْ أُمِّي تَسْجِيلَهُنَّ في المَدرسةِ الأجنبيةِ بسبب فَسَادِ
الأخلاقِ ، وَالاختلاطِ مَعَ الذُّكُورِ . أمَّا أنا باعتباري الذَّكَر الوحيد في
العائلة، والوَلَد بَيْنَ أربع بَنَات ، فلا مُشكلة في اختلاطي مَعَ الإناثِ في
المَدرسةِ الأجنبيةِ ، لأنَّ الوَلَدَ يَظَلُّ وَلَدًا . أخَوَاتي مَحْمِيَّاتِ
مِنَ الانحرافِ الأخلاقيِّ ، أمَّا أنا الوَلَد فلا بأس في انحرافي الأخلاقيِّ،
فالذَّكَرُ لا يَعِيبُهُ شَيْء ، والشَّرَفُ مُصَمَّمٌ للإناثِ فقط ! .
تَمُرُّ الأيَّامُ سَريعةً
بِلا مَعْنى ولا هَدَفٍ ولا مَذَاقٍ . صَحِيحٌ أنَّني في القَريةِ كُنْتُ
شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا وَلِصًّا ، وَمِنْ حُثَالَةِ الناسِ وَقَاعِ المُجتمعِ ،
ولكنَّ حَيَاةَ القَريةِ أكثرُ مُتْعَةً مِنْ حَيَاةِ المَدينةِ . أشعرُ بالمَلَلِ
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ في العاصمةِ ، معَ أنَّني أتناولُ أفضلَ الأطعمةِ ، وَألْبَسُ
أجملَ الثِّيَابِ ، وأركَبُ أفخمَ السَّيَّاراتِ ، وأعيشُ في فيلا رائعة ، وأدْرُسُ
في مَدرسةِ أجنبية معَ أولادِ الأغنياءِ والشَّخْصِيَّاتِ المُهِمَّةِ والمَسؤولين
الخَطِيرين في الدَّوْلةِ .
مَا زِلْتُ أَحِنُّ إلى
أصدقائي القُدَامَى التُّعَسَاءِ والأشقياءِ وَالمَنْسِيِّين خارجَ التاريخِ ،
أعضاءِ فَرِيقِ المَنبوذين لِكُرةِ القَدَمِ،سِمْعَان البَدَوي المَسِيحي، ومُنذِر
الأعمى، وفَتْحِي النَّوَري، وأُسَامَة الأعْرَج . لَمْ أَجِدْ مِثْلَهُمْ في
المَدرسةِ الأجنبية .
الحَيَاةُ في القَريةِ ،
رَغْمَ الفَقْرِ والشَّقَاءِ والتَّعَاسَةِ ، تَقُومُ على المُغَامَرَاتِ
والانطلاقِ وَبَسَاطَةِ العَيْشِ وَنَقَاءِ الطبيعةِ وَالفِطْرَةِ وَالبَرَاءَةِ وَالطَّهَارَةِ
وَالبَكَارَةِ، مَعَ أنَّ أبي أفْسَدَ أخلاقي ، وَلَوَّثَني بأفكارِهِ السَّيئة .
أمَّا الحَيَاةُ في المَدينةِ ( العاصمة ) ، فَعَدَدُ السُّكَّانِ فِيها كبيرٌ ،
وَمُزْدَحِمَة ، وَمُلَوَّثَة . والضَّجِيجُ في كُلِّ مَكَانٍ ، يُمَزِّقُ أعصابي
، وَيُحَطِّمُ أفكاري . وَمَعَ أنَّ القَريةَ بِدَائِيَّة وَمُتَخَلِّفَة
وَتَفْتقر إلى الخِدماتِ إلا أنَّها أكثرُ هُدُوءًا وَبَسَاطَةً ، وَأقَلُّ
تَعقيدًا .
المَلَلُ يَقْتُلُني في
العَاصمةِ ، والرُّوتينُ اليَوْمِيُّ ، وَقِلَّةُ الأنشطةِ المُمْتِعَةِ ،
وتَكرارُ نَفْسِ المَهَامِّ كَالرَّجُلِ الآلِيِّ بِلا أحاسيس ولا مَشَاعِر ،
وَعَدَمُ وُجُود تَحَدِّياتٍ ولا مُغَامَرَاتٍ . المُغَامَرَةُ تَجْرِبَةٌ مُثيرةٌ
وَغَيْرُ عَادِيَّة ، وَتَقُومُ على المُخَاطَرَةِ وَعَدَمِ اليَقِينِ ،
وَتَمْنَحُ الحَيَاةَ طَعْمًا خَاصًّا ، وَتُضِيفُ إلَيْهَا عُنْصُرَ الإثارةِ
والاكتشافِ ، وَتُمَكِّنُ الإنسانَ مِنْ تَحَدِّي نَفْسِهِ واكتشافِ قُدراته .
في القَريةِ ، عَانَيْتُ مِنَ
الفَقْرِ والبُؤْسِ وَالحِرْمَانِ ، ولكنَّ عَقْلي لَمْ يَهْدَأْ مِنْ كَثرةِ
التَّفكيرِ والتَّخطيطِ . وفي العَاصمةِ ، كُلُّ شَيْءٍ مُتَوَفِّر أمَامِي بِلا
تَعَبٍ ، ولكنَّ عَقْلي عَاجِزٌ عَن التَّفكير . آكُلُ وأشربُ وأنام ، ثُمَّ
أستيقظُ مِنَ النَّوْمِ لأنام .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَويلة ،
حِينَ كَبِرْتُ وَتَعَلَّمْتُ ، وازدادَ وَعْيي وثَقَافتي، قَرَأتُ مَقُولةً
عَربيةً قَديمة : " عَيْبُ الغِنَى أنَّهُ يُورِثُ البَلادَةَ ، وَفَضِيلَةُ
الفَقْرِ أنَّهُ يَبْعَثُ الحِيلَةَ " . وَهِيَ عِبَارَةٌ عَبقرية لَمْ
أَجِدْ مِثْلَهَا في اللغةِ الإنجليزية . إنَّ الرَّاحَةَ والرَّفَاهِيَةَ الماديَّة
تُؤَدِّي إلى فِقْدَانِ الدَّافعِ والاجتهادِ ، وبالتالي إلى البَلادَةِ وَقِلَّةِ
الذكاءِ . والتَّرَفُ والثَّرْوَةُ يَجْعَلان الشَّخْصَ أقَلَّ اجتهادًا وذكاءً ،
حَيْثُ لا يُضْطَر إلى بَذْلِ الجُهْدِ أو التَّفكيرِ لِحَلِّ مُشكلاتِهِ
وَتَلْبِيَةِ احتياجاتِه . وَالفَقْرُ والاحتياجُ يَدْفَعَان الشَّخْصَ إلى
التَّفكيرِ والإبداعِ والبَحْثِ عَنْ حُلُول لِمُواجهةِ صُعوباتِ الحَيَاةِ .
وَالطِّفْلُ المُدَلَّلُ الذي لَمْ يُوَاجِهْ صُعوباتٍ في حَيَاتِه أقَلُّ قُدرةً
عَلى التَّكَيُّفِ والتأقلُمِ مَعَ التَّحَدِّياتِ مُقَارَنَةً بِطِفْلٍ نَشَأ في
ظُروفٍ صَعْبَة .
إنَّ الفَقْرَ مُحَفِّزٌ قوي
للإبداعِ والابتكارِ ، وَتَطويرِ القُدراتِ والمَهَارَاتِ لِمُواجهةِ
التَّحَدِّياتِ ، والحَاجَةُ أُمُّ الاختراعِ . ومَعَ الحَاجَةِ تَقَعُ الفِكْرَةُ
والحِيلَةُ ، وَمَعَ الكِفَايَةِ يَقَعُ العَجْزُ وَالبَلادَةِ . والتَّرَفُ أكبرُ
عَدُوٍّ للعقلِ والاجتهادِ والإبداعِ .
مِنْ رَحِمِ المُعَانَاةِ
يُولَدُ الإبداعُ ، فالتَّجَارِبُ الصَّعْبَةُ والظُّرُوفُ القاسيةُ يُمْكِنُ أنْ
تَكُونَ مَصْدَرَ إلهامٍ للإبداعِ والابتكارِ . وغالبًا مَا يُنْظَر إلى
المُعَانَاةِ عَلى أنَّها حَافِزٌ للتَّفكيرِ بِطُرُقٍ جَديدة ، وحَلِّ المُشكلاتِ
بِطُرُقٍ غَيْرِ تقليدية . وَمَعَ هَذا ، قَدْ يَنهار البعضُ تَحْتَ وَطأةِ
الصُّعُوباتِ والتَّحَدِّياتِ .
سَهْلٌ جِدًّا الآنَ أنْ
أقُولَ هَذا الكلامَ،ولكنَّ الطِّفْلَ في ذلك الزَّمَنِ البَعِيدِ لا يُمْكِنُ أنْ
يَستوعبَ هَذا الكَلامَ بشكلٍ كاملٍ، معَ أنَّني كُنْتُ طِفْلًا ذكيًّا وشاطرًا ،
وكَلامي أكبر مِنْ سِنِّي .
مِنْ أسعدِ لَحَظَاتِ طُفُولَتي تِلْكَ التي
تأخذني زَوجةُ عَمِّي الشَّركسيةُ مَعَهَا لِزيارةِ أهْلِهَا الأغنياءِ . تَقُودُ
السَّيَّارةَ الفَخْمَةَ بِنَفْسِهَا، وأنا أجْلِسُ في الكُرْسِيِّ الأمَامِيِّ،
ونارت وَثُرَيَّا في الكُرْسِيِّ الخَلْفِيِّ. أحْسَسْتُ أنَّني أطيرُ في الجَوِّ
، وأسْبَحُ في الغُيومِ . زَوجةُ عَمِّي الشَّركسيةُ راقيةٌ ومُتَعَلِّمَةٌ
وَغَنِيَّةٌ وَمُتَحَرِّرَة في مَلابِسِهَا وَمَظْهَرِهَا. تَرتدي تَنُّورَةً
قَصيرةً ، وعِندَمَا تَجْلِسُ عَلى مَقْعَدِ السائقِ في السَّيَّارَةِ تَنْحَسِر
تَنُّورَتُهَا القَصِيرَةُ عَنْ فَخِذَيْهَا ، كَمَا أنَّ صَدْرَهَا مُمتلئ ،
وَتَلْبَسَ مَلابس ضَيِّقَة لإبرازِه .
أُمِّي سميحة الخَدَّامة التي
أنْجَبَتْني صارتْ مُتَحَرِّرَةً في مَلابِسِهَا ، وَتَحْرِصُ عَلى مُوَاكَبَةِ
آخِرِ صَيْحَاتِ المُوضَةِ ، وأحْدَثِ تَصميماتِ الأزياءِ . إنَّهَا تُتابع أحدثَ
الاتِّجاهاتِ في عَالَمِ المُوضةِ ، سَوَاءٌ كانَ ذلك في المَلابسِ ، والأحذيةِ ،
والإكْسِسْوَارات ، والمِكْيَاجِ ، وتَسْريحاتِ الشَّعْرِ .
وَقَدْ عَلَّمَتْهَا
المُدَرِّبَة ريم لُوقَا أنَّ المُوضَةَ شَكْلٌ مِنْ أشكالِ التَّعبيرِ عَن الذاتِ
، وَتُؤَثِّر على نَظْرتنا لأنْفُسِنَا وللآخَرِين ، وأنَّ مُوَاكَبَةَ آخِرِ
صَيْحَاتِ المُوضَةِ تُعَزِّزُ ثِقَتَكِ بِنَفْسِكِ ، وَتَجْعَلُكِ تَشْعُرِين
بِمَزيدٍ مِنَ الأناقةِ والجاذبية .
وَأُمِّي الشَّركسية ميرنار
التي أرْضَعَتْني هِيَ أصْلًا مُتَحَرِّرَة في مَلابِسِهَا . كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا
لامعٌ وَنَظِيفٌ ، وَرَائِحَتُهَا زَكِيَّة . قُلْتُ في نَفْسِي : (( لا بُدَّ
أنَّهَا تَسْتَحِمُّ كُلَّ يَوْمٍ ، بِعَكْسِ أُمِّي سميحة الخَدَّامةِ التي
تَكْرَهُ الاستحمامَ ، ولا تُطِيقُه ، ورَائِحَتُهَا كَرِيهةٌ جِدًّا )) . هَذه المَرْأةُ الشَّركسيةُ هِيَ أُمِّي ،
وَمَصْلَحتي مَعَهَا ، وَلَيْسَتْ سميحة الخَدَّامة . أنا ابْنُ الشَّركسيةِ ،
وَلَسْتُ ابْنَ الخَدَّامةِ .
قُلْتُ لِزَوجةِ عَمِّي
الشَّركسية ، وَهِيَ تَقُود السَّيَّارَةَ :
_ مَا مَعْنَى اسْمِكِ ميرنار
يا أُمِّي ؟ .
لَمْ أستخدمْ لَفْظَ
"ماما" الذي يَسْتخدمه نارت وَثُرَيَّا.أردتُ أنْ أبْدُوَ مُمَيَّزًا
عَنْهُمَا،وأكْبَرَ مِنْهُمَا.
ابتسمتْ بشكلٍ ساحرٍ ، وقالتْ
:
_ أنتَ عَبْقري يا هِشَام ، لا
تَتْرُك شيئًا إلا وَتَسْأل عَنْه ، تُريدُ مَعرفةَ كُلِّ شَيْء . فِعْلًا ، إنَّ
عَقْلَكَ أكبرُ مِنْ سِنِّكَ .
وأردفتْ قائلةً :
_ يا سيدي العزيز ، مَعْنَى ميرنار
: قُرَّةُ العَيْنِ ، يَعْني مَصْدَرَ السُّرُورِ والسَّعَادَةِ .
_ أنتِ أجْمَل وأحْلَى مِنْ
أُمِّي سَمِيحة ، يَا لَيْتَ كُنْتِ أُمِّي التي وَلَدَتْني ، وَلَيْسَتْ سميحة .
_ هَذا الكَلامُ عَيْبٌ يا
هِشَام ، أنتَ وَلَدٌ ذكي وَمُؤدَّب ، ويَجِبُ أنْ تَحْتَرِمَ أُمَّكَ
وَتُقَدِّرَهَا .
أهْلُ زَوجةِ عَمِّي
الشَّركسية لَدَيْهِم فيلا فَخْمَة ، فِيها حَديقة واسعةٌ ، نَلْعَبُ ونَركضُ
فِيها أنا ونارت وَثُرَيَّا مَعَ أولادِ وَبَنَاتِ الشَّركَسِ . أولادُ الشَّركسِ أرْقَى
وَأجْمَلُ مِنْ أصدقائي البائسين في القَريةِ : سِمْعَان البَدَوي المَسِيحي ،
ومُنذِر الأعمى ، وفَتْحِي النَّوَري ، وأُسَامَة الأعْرَج . وَبَنَاتُ الشَّركسِ
أحْلَى وَأنْظَفُ مِنْ أخواتي نَجَاح ومَقْبُولة وَمَستورة وَظَبْيَة المُعَاقَة
والمَشلولة . لا بُدَّ أنَّ أولادَ وبنات الشركس يَسْتَحِمُّون كُلَّ يَوْمٍ . أنا
وأخواتي عِندَمَا كُنَّا نَعِيشُ في زَريبةِ الأبقارِ في القَريةِ لَمْ نَكُنْ
نَسْتَحِمُّ، كُنَّا قَذِرِين، ومَلابِسُنا الرَّثَّةُ دائمًا مُتَّسِخَةٌ،
وَرَائِحَتُنَا كَريهة . ولكنَّني قَرَّرْتُ مِنَ الآن فَصَاعِدًا أنْ أسْتَحِمَّ
كُلَّ يَوْمٍ كَيْ أُصْبح جَمِيلًا ونَظِيفًا،وَتَفْرَح بِي أُمِّي الشَّركسيةُ،وتأخذني
مَعَهَا دائمًا إلى فيلا أهْلِهَا كَيْ ألْعَبَ مَعَ أولادِ وَبَنَاتِ الشَّركسِ ،
وَيَعْتَبِرُونني واحدًا مِنْهُم ، ولا يَقْرَفُونَ مِنِّي .
تَقَدَّمَ مِنِّي وَلَدٌ
شَركسي مَغرور ومُتَكَبِّر اسْمُهُ أرسلان ، وقالَ لِي باستغرابٍ وَتَعَجُّبٍ :
_ هَلْ أنتَ أخُو نارت
وَثُرَيَّا ؟ .
_ نَعَم ، اسْمِي هِشَام ،
وأنا شركسي ، وَأُمِّي شركسية .
_ يا كَذَّاب ، أنتَ لَسْتَ
شركسيًّا، لأنَّكَ أسْمَر .
وَصَاحَ بأعلى صَوْتِهِ بَيْنَ
الأولادِ والبَنَاتِ الذينَ كُنَّا نَلْعَبُ مَعَهم :
_ لا تَلْعَبُوا مَعَ هِشَام ،
لأنَّهُ لَيْسَ شركسيًّا .
_ أنا شَركسي غَصْبًا عَنْكَ .
وَقَفَزْتُ عَلَيْهِ بِكُلِّ
وَحشيةٍ ، وَضَرَبْتُهُ ، وَضَرَبَني ، وَمَزَّقْنَا ثِيَابَ بَعْضِنَا البَعْض ،
وَصِرْنَا نَبْكي نَحْنُ الاثنَيْن بِحُرْقَةٍ وَصَوْتٍ عالٍ .
رَكَضَت النِّسَاءُ
الشَّركسياتُ إلَيْنَا ، وَأُصِبْنَ بالدَّهْشَةِ مِنْ هَذا المَنْظَرِ العَنِيفِ ،
وقالتْ زَوجةُ عَمِّي ، وَهِيَ في حَالةِ ذُهُولٍ رهيبة :
_ مَاذَا حَصَلَ يا هِشَام
وأرسلان ؟، هَلْ أنْتُمَا مِنَ البَشَرِ أو الحَيَوَانَاتِ ؟ .
لَمْ أستطع الكلامَ مِنْ
شِدَّةِ البُكَاءِ ، وَعَجَزْتُ عَنْ نُطْقِ أيِّ حَرْفٍ ، وَاكْتَفَيْتُ بِمَسْحِ
دُمُوعي التي تَسِيلُ عَلى خُدُودي .
في السَّيَّارَةِ ، قالتْ لِي
زَوجةُ عَمِّي بِحَزْمٍ وَعَصَبِيَّةٍ بالغة :
_ الحَقُّ عَلَيَّ أنَّني
أخَذْتُكَ مَعِي يا هِشَام ، لَقَدْ فَضَحْتَني ، وَسَوَّدْتَ وَجْهِي بَيْنَ
النِّسَاءِ الشَّركسيات . لماذا ضَرَبْتَ أرسلان وَمَزَّقْتَ ثِيَابَه ؟ .
_ قُلْتُ لَه : أنا شَركسي ،
وأُمِّي شَركسية ، فقالَ لِي : أنتَ لَسْتَ شَركسيًّا، لأنَّكَ أسْمَر .
_ أنتَ شَركسي أكثر مِنَ
الشَّركسِ ، وَعِندَمَا تَكْبَرُ سَوْفَ أُزَوِّجُكَ بِنَفْسِي أجْمَلَ فَتَاة
شَركسية ، شَعْرُها كَثِيفٌ طَويل ، وَبَشَرَتُهَا فاتحة ، وَعُيُونُها مُلَوَّنَة
، ومَلامِحُهَا مُتَنَاسِقَة . وَمِنَ الآن فَصَاعِدًا ، لَنْ أُسَمِّيَكَ "
هِشَام " ، سَوْفَ أُسَمِّيكَ " شامل أبو شركس " .
كِدْتُ أقْفِزُ مِنَ
السَّيَّارَةِ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ . لَقَدْ أثبتتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية
أنَّني شَركسي أكثر مِنَ الشَّركس ، والاعترافُ سَيِّدُ الأدلةِ. قُلْتُ لِجَميعِ
الطُّلابِ في المَدرسةِ الأجنبيةِ إنَّني شركسي ، وَأُمِّي شَركسي . أردتُ أنْ
يَعْرِفُوا أنَّني شَخْصٌ راقٍ وَمُهِم ، لا أُريدُهُم أنْ يُنادوني " ابن
الخَدَّامة " كَمَا كانَ أهلُ القَريةِ يَفْعَلُون . شَطَبْتُ المَاضِي . جُزْءٌ
مِنْ تاريخي ماتَ واختفى . سَمِيحة الخَدَّامة لا تُمَثِّل لِي أيَّ شَيْءٍ ،
وَرَّثَتْني الخِزْيَ والعَارَ في القَريةِ ، والجميعُ كانوا يُعَيِّرُونني بِهَا
. أنا الآن ، صِرْتُ شَركسيًّا رَاقِيًا ، اسْمِي شامل أبو شركس . هَكذا سَمَّتْني
أُمِّي الشَّركسية التي أرْضَعَتْني ، ويَا لَيْتَهَا أنْجَبَتْني . صِرْتُ أنتمي
إلى عائلة عريقة لَهَا تاريخ وحضارة ، وَلَمْ أَعُدْ مَقطوعًا مِنْ شَجَرَةٍ بِلا
أصْلٍ ولا فَصْلٍ ولا حَسَبٍ ولا نَسَبٍ .
أُريدُ مِنْ جَميعِ سُكَّانِ
العاصمةِ أنْ يَعْرِفُوا أنَّني ابنُ الشَّركسية ، وَلَسْتُ ابْنَ سَمِيحة
الخَدَّامة . أُخْتي هِيَ ثُرَيَّا البِنْت الجَمِيلة النَّظيفة التي تَلْعَبُ
وتَركضُ ، وَلَيْسَتْ ظَبْيَة البِنْت المُعَاقَة والمَشْلُولة.
لا أحَدَ يَعْرِفُ حَقيقتي
وتاريخي في العاصمةِ . أخْفَيْتُ عَن الجَميعِ أنَّني ابْنُ سَمِيحة الخَدَّامة ،
وَأخُو ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشْلُولَة . أُريدُ أنْ أعيشَ مِثْلَ أبناءِ
العائلاتِ الراقية المُحترمة . وَسَوْفَ أسْتَحِمُّ كُلَّ يَوْمٍ ، كَي أُصْبحَ
نظيفًا ، وأجْمَلَ مِنْ كُلِّ أولادِ الشَّركسِ ، وَسَأتَفَوَّقُ عَلَيْهِمْ ،
كَيْ يَعْرِفَ أرسلان وَغَيْرُهُ أنَّني شَركسي أكثر مِنَ الشَّركس . وَسَأغْسِلُ
بَشَرَتي السَّمْرَاءَ بالماءِ والصابونِ كُلَّ يَوْمٍ كَيْ أُصْبح أشقرَ مِثْل
أولادِ الشَّركس ، وَعُيوني زَرْقَاء . وَعِنْدَمَا أكْبَرُ سَأتَزَوَّجُ فتاةً
شركسيةً ، وَأُنْجِبُ مِنْهَا أكثرَ مِنْ عِشْرِين طِفْلًا،كَيْ أتَفَوَّقَ عَلى الشَّيْخِ
هِشَام عبد الهادي الذي دَرَّسَ أبي في الكُتَّابِ.
لَمْ أَعُدْ ذلك الطِّفْل الذي
يَحْمِلُ اسْمَ الشَّيْخ هِشَام. مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا ، أنا شامل أبو شركس .
سَوْفَ أتَفَوَّقُ عَلى الجَمِيعِ مِثْل سُوبر مان في القِصَصِ المُصَوَّرَةِ التي
أقْرَؤُهَا في مَكتبةِ المَدرسةِ الأجنبية . هَكذا صَوَّرَ عَقْلي الطُّفُوليُّ
البِدَائيُّ السَّاذَجُ الأشياءَ في تِلْك الفَترةِ الحَرِجَةِ مِنْ عُمري .
24
تِلْكَ الليلةُ الرَّهيبةُ
التي لا يُمْكِنُ أنْ أنْسَاها مَا حَيِيتُ . إنَّها مَحفورة في وِجْدَاني إلى
الأبَدِ . في لَيْلَةٍ شَدِيدةِ الحَرَارَةِ مِنْ لَيالي صَيْفِ 1982 ،
أيْقَظَتْني أُمِّي بِهُدوءٍ وَصَوْتٍ مُنخفِض أقرب إلى الهَمْس حَوالي الساعة
العاشرة والنِّصْف . فَتَحْتُ عَيْنَيَّ فَرَأيْتُ وَجْهَهَا المُخِيفَ في الظلامِ
. عَيْنَاها جَمْرَتان مُشْتعلتان ، وَشَعْرُها مَنكوش . الهَلَعُ يُمَزِّقُ
مَلامحَها. أيقنتُ بِلا أدنى شَكٍّ أنَّ أبي ماتَ ، وأنَّها أيْقَظَتْني
لِتُبْلِغَني بِهَذا الخَبَرِ . كِدْتُ أقْفِزُ مِنَ فِرَاشِي مِنْ شِدَّةِ
سُرُوري . كَتَمْتُ سَعَادَتي الغامرةَ . تَمَنَّيْتُ كثيرًا أنْ يَمُوتَ أبي ،
وأرتاح مِنْه ، فَهُوَ عَقَبَةٌ في طَرِيقي، وَوَصَمْةُ عَارٍ في حَيَاتي .
كانَ أبي قاسيًا
وَمُتَوَحِّشًا ، وَيُسِيءُ إلى أُمِّي وأخواتي بشكلٍ مُتَكَرِّر ، وَيَسْتخدم الشَّتَائِمَ
مَعَنَا . وَلَطَالَمَا سَمِعْتُهُ يَقُول : (( أنا مِثْل هِتْلَر ، لا أعترفُ
بالمُعَاقِين وأصحابِ العَاهَاتِ ، وأُريدُ التَّخَلُّصَ مِنْهُمْ )). يَعْني
أنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بأُخْتي ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشْلُولَة ، وَيَتَمَنَّى
مَوْتَها ، وَيُريدُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا. وَقَدْ تَكُون مُشْكلاتُنا
النَّفْسِيَّةُ والسُّلُوكِيَّةُ أدَّتْ إلى هَذه المَشاعر .
استغلَّ أبي سُلْطَتَه لإلحاقِ
الأذى بالأبرياءِ الذينَ لَيْسَ لَهُم عَلاقةِ بالأُمُورِ العَسكرية ولا
السِّيَاسِيَّة ، ولا نَاقَة لَهُمْ ولا جَمَل في قَضَايا العَمَالَةِ
وَالخِيَانَةِ وَالتَّجَسُّسِ . قَضَى لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ في كِتَابةِ التقاريرِ
الأمْنِيَّةِ الكَيْدِيَّةِ ، لابتزازِ الآخَرين ، وتَهديدِهم ، والحُصُولِ مِنْهُمْ
عَلى أموالٍ وهَدَايا . وَتقاريرُ أبي المُلازِم سَلْمَان رَجَب التي يُقَدِّمُهَا
لِقِيَادَةِ المُخَابَرَاتِ العَسكرية هِيَ مُسَلَّمَةٌ مِنَ المُسَلَّمَاتِ ،
وَمَعْصُومة ، وَحَقٌّ ، وَصِدْقٌ، لا تُنَاقَشُ، ولا يَتِمُّ التأكُّدُ مِنْهَا ،
فَهِيَ فَوْقَ مُستوى النَّقْدِ والشُّبُهَاتِ . وَيَتِمُّ التعاملُ مَعَ هَذه
التقارير الخطيرة كوثيقة وَطنية مُقَدَّسَة يُستفاد مِنْهَا في جَمْعِ وَتحليلِ
المَعلوماتِ الاستخباراتية المُتَعَلِّقَة بالشُّؤونِ العَسكريةِ والأمْنِيَّةِ ،
وَرَصْدِ الأنشطةِ التي قَدْ تُشَكِّلُ تَهديدًا للقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ ،
وتَقديمِ الدَّعْمِ الاستخباراتيِّ للعملياتِ العَسكرية .
وأنا شخصيًّا قَرَأتُ بَعْضَ
التقاريرِ التي كانَ يَكْتُبُهَا أبي ، وَيَنْساها على مَكتبه . قَرَأْتُهَا مِنْ
بَابِ الفُضُولِ مِثْلَ أيَّة قِصَّةٍ أوْ قَصيدةٍ أوْ أُنشودةٍ في كِتَابٍ
مَدْرَسِيٍّ . إنَّها تقارير مُرْعِبَة ، كُلُّهَا أكاذيب مَفضوحة ومَكشوفة ،
ومَكتوبة بِلُغَةٍ بسيطة وسَاذَجة . دَمَّرَ أبي أشخاصًا أبرياء كثيرين ، وَقَضَى
على حَيَاتِهِم، وَشَتَّتَ عائلاتِهم، وَشَوَّهَ سُمْعَتَهُم، وأدخلَ الحُزْنَ
والشَّقَاءَ والتَّعَاسَةَ إلى أعمارِهم الضائعةِ .
مِنَ التقاريرِ المُضْحِكَةِ
المُبْكِيَةِ التي كَتَبَهَا أبي ، وَقُمْتُ بِقِرَاءَتِهَا، اتِّهَامُ إمَامٍ مَسْجِدٍ
أعْمَى في السَّبْعِين مِنَ العُمر ، بِتَلَقِّي أموالٍ مِنْ جِهَةٍ إرهابية
خارجية لاختطافِ إحدى طائرات سِلاحِ الجَوِّ ، وتَفجيرِها في مَقَرِّ
المُخَابَرَاتِ العَسكرية. بالتأكيدِ ، لَقَدْ أُعْدِمَ هَذا الإمامُ الأعمى .
زَوْجَتُهُ صَارَتْ أرملةً ، وَضَاعَ أبناؤُهُ الأيتامُ ، وانهارت الأُسْرَة .
وُجِّهَتْ لَهُ قائمة طويلة عريضة مِنَ التُّهَمِ : الخِيَانَةُ العُظْمَى ،
والتعاون مَعَ جِهَة مُعَادِيَة ، والتَّجَسُّس ، ومُحاولة قَلْبِ نِظَام الحُكْم
، والتَّخطيط لاغتيالِ فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية . وهُناك تَقْرير يَتَّهِم
أشخاصًا ماتوا مُنْذُ سَنَوَاتٍ بتشكيلِ خَطَرٍ عَلى الوَحْدَةِ الوَطنيةِ وَالأمْنِ
القَوْمِيِّ ، وهُناك تَقْرير عَنْ أهميةِ المُومِسَاتِ والرَّاقصاتِ في أخْذِ
مَعلومات حَسَّاسَة مِنْ سُفَرَاءِ الدُّوَلِ الأجنبية . وهُناك تَقْرير عَنْ
دَوْرِ حَفَّاري القُبورِ في دَفْنِ جُثَثِ المُعارضين السِّياسيين ، وحُدُوث اختلاط
بَيْنَ أسمائِهم وأرقامِهم . وهُناك تَقْرير عَنْ ضَرورة أخذِ مُوافقة المُخابرات
العَسكرية والجَوِّية والسِّياسية لِفَتْحِ مَطْعَمِ فلافل ، وأهميةِ أخذِ مُوافقة
مِنَ الأمْنِ السِّيَاسِيِّ لإقامةِ الأعراسِ والمَآتِم .
أنا في غَايةِ التَّعَجُّبِ
والاستغرابِ ، إذا كانَ أبي الفاشلُ الذي عاشَ في زَريبةِ الأبقارِ في القَريةِ
يَكْتُبُ مِثْلَ هَذه التقارير الكوميدية، فَكَيْفَ تَمُرُّ دُون اعتراضٍ على
البَقَرِ في الأجهزةِ الأمنية ؟! .
أدركتُ فِيما بَعْد أنْ لا
أحَد يَقْرَأ ولا يَفْهَم ولا يُدَقِّق ولا يَتَأكَّد ولا يُحَاسِب ولا يُحَاكِم .
التُّهَمُ جاهزةٌ سَلَفًا ، والأحكامُ صادرةٌ مُسْبَقًا ، والهدفُ هُوَ إشاعةُ
جَوِّ الرُّعْبِ بَيْنَ أفرادِ الشَّعْبِ ، كَيْ يَظَلُّوا عَبِيدًا وَخِرَافًا
مُسْتَسْلِمِين للذَّبْحِ . والمُهِمُّ تَعبئةُ التقاريرِ بأيِّ كَلامٍ ، سَوَاءٌ
كانَ مَنْطِقِيًّا أَمْ غَيْر مَنْطِقِيٍّ ، لإظهارِ الرِّجالِ المُهِمِّين
الخَطِيرين في الدَّوْلة في حَالَةِ نَشَاطٍ دائم ، وانتباهٍ مُستمِر ، وَسَهَرٍ
مُتَوَاصِل ، وَعَمَلٍ دَؤُوب ، مِنْ أجْلِ حِمَايَةِ وَحْدَةِ الوَطَنِ وَأمْنِ
المُوَاطِنِ وَقِيَمِ الجُمهورية ، وبالتالي ، تَزداد رواتبُهم ، وَيَحْصُلُون على
مُكافآتٍ ماليَّة مُجْزِية ، وَيَتِم تَرفيعهم إلى رُتَبٍ أعلى .
انتظرتُ أُمِّي أنْ تَقُولَ
لِي : (( ماتَ أبوكَ يا هِشَام )) . لا يُمْكِنُ أنْ تُوقِظَني مِنْ عِزِّ
النَّوْمِ وأنا غارقٌ في أحلامِ الليلِ ، إلا إذا حَدَثَ أمْرٌ كبير شديد الخُطورة
، كَمَا أنَّ مَنْظَرَ أُمِّي كانَ مُخِيفًا ، وَلَمْ أرَهَا بِهَذا الشَّكْلِ
مِنْ قَبْل .
اقتربتْ مِنِّي أُمِّي ،
وَتَلَفَّتَتْ حَوْلَها ، وقالتْ :
_ حَدَثَ انقلابٌ عَسكريٌّ في
البَلَدِ يا هِشَام .
فُوجِئْتُ بِهَذا الكَلامِ ،
فَقَدْ كُنْتُ أنتظرُ خَبَرَ مَوْتِ أبي كَيْ أرتاحَ مِنْه ، وَأتَحَرَّرَ مِنْه ،
وأُزِيلَ العَقَبَةَ مِنْ طَريقي ، كَيْ أنطلقَ إلى تَحقيقِ حُلْمي بِلا عوائق .
تَلَقَّيْتُ صَدْمَةً كبيرة ، وَتَعَكَّرَ مِزَاجِي ، وَفَقَدْتُ تَركيزي ،
وَقُلْتُ بعصبيةٍ وَقَرَفٍ :
_ جُمهورية زبالة، وَطُزْ عَلى
الدَّولةِ .
صَفَعَتْني أُمِّي بِكُلِّ
قُوَّةٍ ، وقالتْ وَعَيْنَاها تَشْتعلان :
_ اخْرَسْ يا حِمَار ، لا
أُريدُ أنْ أسمعَ كَلِمَةً واحدةً مِنْكَ ، هَلْ تُريدُ القَضَاءَ عَلى مُستقبلِ
وَالِدِكَ العَسكريِّ والسِّياسيِّ ؟ .
مِنْ كَثرةِ الانقلاباتِ
العَسكريةِ في الجُمهوريةِ،لَمْ يَعُدْ خَبَرُ حُدوثِ انقلابٍ عَسْكري يُثيرُ
أحَدًا. يَحْدُثُ انقلابٌ عَسكري في البِلادِ كُلَّ خَمْس سَنَوَات ( المُعَدَّل
التَّقْريبي ) ، وَتُغَيَّرُ الحُكومةُ بالقُوَّةِ وبشكلٍ مُفَاجِئ ، والجَيْشُ
هُوَ الفاعلُ الرئيسي ، وَيَتِمُّ تَنصيبُ سُلطة جَديدة سَوَاءٌ كانتْ مَدَنِيَّةً
أَمْ عَسكرية . وَقَدْ يَكُونُ الانقلابُ سِلْمِيًّا أوْ عَنِيفًا ، وَقَدْ
يُؤَدِّي إلى استقرارٍ سِيَاسِيٍّ أوْ إلى حَرْبٍ أهليَّة . وعِندَما تَفْقِدُ
الحُكومةُ ثِقَةَ الشَّعْبِ ، أوْ تَتَعَرَّض لِضُغوطٍ شَعبية كبيرة ، يَلْجَأ الجَيْشُ
إلى الانقلابِ للإطاحةِ بِهَا . وَقَدْ يَكُونُ الانقلابُ نَتيجةَ صِرَاعٍ دَاخِلَ
الجَيْشِ نَفْسِه ، أوْ بَيْنَ فَصائل سِيَاسِيَّة مُختلفة،أوْ مَدْفُوعًا
بِتَدَخُّلاتٍ مِنْ قُوى خارجيَّة تَسْعَى إلى تَغْييرِ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ
في البِلادِ ، أوْ رَدًّا على الأزماتِ الاقتصادية أو الاجتماعية التي تَعْصِفُ
بالبِلادِ .
اجْتَمَعَ عَمِّي وَزَوْجَتُهُ
الشَّركسيةُ وَأُمِّي وأنا في غُرفةِ التلفزيون ، لِمُشَاهَدَتِهِ ومَعرفةِ آخِرِ
الأخبارِ . ظَهَرَ المُذيعُ بِوَجْهٍ أسْوَد مُتَجَهِّم . يَرتدي بِذلة سَوْدَاء ،
كأنَّهُ جَالِسٌ في مَأتَمٍ ، وقال :
_ أيُّهَا السَّادَةُ والسَّيداتُ
، نَحْنُ في انتظارِ بَيَانِ القِيَادَةِ العَامَّةِ للقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ
الباسلةِ في تَمَامِ الساعةِ الحَادِيَةِ عَشْرَة .
نَظَرَ عَمِّي إلى سَاعَةِ
الحائطِ ، فإذا هِيَ الحَادِيَة عَشْرَة إلا رُبُعًا . قالَ والقَلَقُ يَلْتَهِمُ
أعصابَه :
_ لا بُدَّ أنَّهُ بَيَانٌ
مُهِم وخَطِير .
تأفَّفَتْ زَوْجَةُ عَمِّي
الشَّركسيةُ ، وقالتْ بِغَضَبٍ واضح :
_ لِمَاذَا لَمْ يَقُل
المُذيعُ : أيَّتُهَا السَّيداتُ والسَّادَةُ .
نَظَرَ إلَيْهَا عَمِّي
نَظْرَةَ استغرابٍ مَشُوبَةٍ بالسُّخريةِ ، وقال :
_ يا ميرنار ، عَقْلُكِ شَركسي
أَصْلي ، البَلَدُ في وَادٍ ، وَأنتِ في وَادٍ آخَر . هُناك بَيَان عَسكري خَطير ،
وَمُسْتَقْبَل البَلَدِ عَلى كَفِّ عِفْرِيت ، وأنتِ تُريدين وَضْعَ السَّيداتِ
قَبْلَ السَّادَةِ .
_ حُقوقُ المَرْأةِ لا
تَنْفَصِلُ عَن الوَحْدَةِ الوَطنيةِ ، والأمْنُ الأُسَرِيُّ لا يَنْفَصِلُ عَن
الأمْنِ القَوْمِيِّ.
_ باللَّهِ عَلَيْكِ يا ميرنار
أنْ تَسْكُتُي ، كَلامُكِ مُضْحِك مِثْل كَلامِ الجَرائدِ ، وأنا أُريدُ أنْ
أضْحَكَ ، ولكنَّني لا أستطيع .
صَوْتُ الرَّصَاصِ يُمَزِّقُ
جَسَدَ الليلِ ، والقَصْفُ المِدْفَعِيُّ لا يَنْقَطِعُ . عَرَفْنَا فِيمَا بَعْد
أنَّ الجَيْشَ اقْتَحَمَ القَصْرَ الجُمْهُورِيَّ، وَاعْتَقَلَ الرئيسَ
المَخْلُوعَ، وَعَمَلِيَّةُ تَفْتِيشِ القَصْرِ تَجْرِي عَلى قَدَمٍ وَسَاقٍ.
قالَ عَمِّي وَالدُّمُوعُ
تَلْمَعُ في عَيْنَيْه :
_ يا حَبِيبي يا أخِي سَلْمَان
، أيْنَ أنتَ الآنَ ؟ ، هَلْ أنتَ بِصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ أوْ أصَابَكَ مَكْرُوه ؟
.
قالتْ أُمِّي وَقَد انفَجَرَتْ
بالبُكَاءِ :
_ لَمْ يَأتِ إلى البَيْتِ
مُنْذُ أُسْبُوعَيْن. يَنَامُ في مُعَسْكَرَاتِ الجَيْشِ ، ولا أعْرِفُ هَلْ هُوَ
حَيٌّ أَمْ مَيت ، شَبْعَان أَمْ جَائع .
قالتْ زَوْجَةُ عَمِّي
الشَّركسيةُ :
_ تَتَحَدَّثَان عَن "
أبو ناصر " كَمَا لَوْ كانَ طِفْلًا صغيرًا ضائعًا في الشارعِ . هَذا قائدٌ
كبيرٌ في المُخَابَرَاتِ العَسكرية ، لَحْمُهُ مُرٌّ ، فَلا تَخَافَا عَلَيْه .
عَمِّي الدُّكتور الذي كانَ يَكْرَهُ
أبي وَيَحْتَقِرُه، لأنَّه راعي غَنَم وفقير ومَقطوع مِنْ شَجَرَةٍ ، ولا يُريدُ
أنْ يُشَوِّهَ سُمْعَتَه ، أوْ يُسَبِّب لَهُ إحراجًا بَيْنَ الناس ، صَارَ
يُحِبُّهُ وَيَعْشَقُهُ عِندَما صارَ شخصيةً مُهِمَّة في المُخَابَرَاتِ العسكرية
.
قالَ عَمِّي والاضطرابُ واضحٌ
عَلى تفاصيلِ وَجْهِه :
_ هَذه أطْوَلُ رُبُع سَاعَة
في حَياتي . أَحُسُّ أنَّهَا سَنَوَات لا نِهَاية لَهَا. الانتظارُ صَعْبٌ ، لا
شَيْءَ في الدُّنيا أصْعَبُ مِنَ الانتظار .
قالتْ أُمِّي مُؤيِّدَةً
لِكَلامِ عَمِّي :
_ صَدَقْتَ يا دُكتور ، مَا
أصْعَبَ الانتظار ! .
ظَلَّتْ هَذه العِبَارَةُ عَن
الانتظارِ في ذِهْني ، أتَذَكَّرُهَا دائمًا ، وَلَمْ أَنْسَهَا في كُلِّ مَراحلِ
حَيَاتي . وَعِنْدَمَا كَبِرْتُ قَرَأتُ كثيرًا عَن الانتظارِ مِنْ مَنظورٍ
نَفْسِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ وَشُعُورِيٍّ واجتماعيٍّ .
الانتظارُ صَعْبٌ وَمُؤلِمٌ
وَمُحْبِطٌ ، خَاصَّةً عِندَما يَكُون مَصْحُوبًا بالقَلَقِ وَعَدَمِ اليَقِينِ .
وَيُمْكِنُ أنْ يُؤَثِّرَ عَلى الصِّحَّةِ العقليةِ والعاطفيةِ ، وَقَدْ يُؤَدِّي
إلى مَشاعر سَلْبِيَّة مِثْل الحُزْنِ واليأسِ . وكُلَّمَا طالَ الانتظارُ زادت
الرَّغبةُ في إنهاءِ الوَضْعِ الحالي ، والوُصُولِ إلى نتيجة . وَيَجِبُ على
الإنسانِ أنْ يَقْبَلَ حقيقةَ أنَّهُ يَنتظِر ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ السَّيطرةَ
الكاملةَ على المَوْقِف .
والانتظارُ أنواعٌ : انتظارُ
شَخْصٍ لا يَنتظرك، وهَذا مُؤلِم بشكلٍ خاص ، لأنَّه يَتَطَلَّبُ مِنْكَ أنْ
تَتَمَسَّكَ بالأمَلِ في شَخْصٍ غَيْر مُهْتَمٍّ بِكَ . وانتظارُ المَجْهُولِ ،
عِندَما لا تَعْرِفُ إذا كانَ الشَّيْءُ الذي تَنتظره سَيَحْدُثُ أَمْ لا ، وَهَذا
النَّوْعُ مُدَمِّرٌ للعَقْلِ . وانتظارُ شَيْءٍ تَعْرِفُ أنَّهُ لَنْ يَحْدُثَ ،
وَهَذا مُوجعٌ ، لأنَّه يَتَطَلَّبُ مِنْكَ مُواجهة الحقيقة القاسية في الواقعِ
المَرِيرِ .
في السَّاعَةِ الحَادِيَةِ
عَشْرَة تَمَامًا ، وَبَعْدَ طُولِ انتظار مُرْعِب ، ظَهَرَ المَذيعُ الأسْوَدُ
مُتَجَهِّمًا ، والشَّرَرُ يَتطايرُ مِنْ عَيْنَيْه ، وقالَ بِصَوْتٍ صُلْبٍ
وثابتٍ :
_ والآنَ مَعَ بَيَانِ
القِيَادَةِ العَامَّةِ للقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ يُلْقِيه القائدُ والضَّابِطُ
الحُرُّ سَلْمَان رَجَب .
وَظَهَرَ أبي عَلى شَاشَةِ
التلفزيون بالزِّيِّ العَسكريِّ ، وَيَضَع كثيرًا مِنَ الأوْسِمَةِ عَلى صَدْرِه ،
لا أعْرِفُ مِنْ أيْنَ جاءَ بِهَا ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ في أيَّة حَرْب ،
وَقَضَى حَيَاتَه هاربًا مِنَ المَعَارِك . قَفَزْتُ مِثْلَ لاعبِ السِّيرك ،
وَصَرَخْتُ بأعلى صَوْتي مِنْ شِدَّةِ الصَّدْمَةِ : (( ابن الكَلْب )) . نَظَرَ
إلَيَّ الجَميعُ مَذهُولين غَيْر مُصَدِّقِين مَا يَسْمَعُون ، فتداركتُ الأمْرَ :
(( والدي العزيز وأبي الحبيب )) . وقالتْ أُمِّي وَهِيَ مُنْدَهِشَة تمامًا : ((
زَوْجي أبو ناصر ، اللَّه يَرْحمك يا ناصر ، لَيْتَكَ عِشْتَ كَي تَرى والدك على
شاشةِ التلفزيون )). وقالَ عَمِّي الدُّكتور: (( هَذا أخي الغالي القائد سَلْمَان
رَجَب ، رَفَعَ رُؤوسَنا بَيْنَ العَائلاتِ والعَشائرِ والقَبائلِ، اللَّه يَرْحمكِ
يا أُمِّي أنيسة ، عَرَفْتِ كَيْفَ تُرَبِّين ، لَقَدْ رَبَّيْتِ رَجُلًا مِنْ
خِيرةِ الرِّجالِ الوطنيين )) . وقالتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية : (( يا جَمَاعة
الخَيْر ، اسكتوا ، نُريدُ سَمَاعَ هذا البَيَان المُهِم )) .
كانَ مَظْهَرُ أبي يَدُلُّ عَلى
الثِّقَةِ والقُوَّةِ والثَّباتِ ، وَوَجْهُهُ قاسٍ كالحَجَرِ ، ومَلامِحُهُ
حَادَّة ، والبَرِيقُ في عَيْنَيْهِ يَدُلُّ عَلى الرُّجُولَةِ الكاملةِ . وهَذا
نَصُّ البَيَانِ الذي ألْقَاه : (( أيُّها الإخْوَةُ المُوَاطِنُون والأخَوَاتُ
المُوَاطِنَات ، السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه . لَقَدْ
عَانَتْ بِلادُنا الحَبِيبَةُ في الفَترةِ الأخيرةِ مِنَ الفَسَادِ وَالاستبدادِ
وَالفَوْضَى وَعَدَمِ استقرارِ الحُكْمِ . وكانَ تأثيرُ هَذه العَواملِ سَلْبِيًّا
وكارثيًّا عَلى الوَطَنِ والمُوَاطِن، وَتَسَبَّبَ العُمَلاءُ والخَوَنَةُ
والإرهابِيُّون في انهيارِ الاقتصادِ ، والتَّنَاحُرِ السِّيَاسِيِّ ، والانحلالِ
الأخلاقيِّ ، وَتَدَهْوُرِ الأوضاعِ المَعِيشِيَّة ، وَزِيَادَةِ الفَقْرِ ،
وَتَرَاجُعِ الخِدماتِ الأسَاسِيَّة ، وانخفاضِ الاستثماراتِ الأجنبية ،
وَتَرَاجُعِ الإنتاج ، وارتفاعِ مُعَدَّلاتِ البَطَالَةِ، وَزِيَادَةِ
التَّضَخُّمِ ، مِمَّا أدَّى إلى خَلْقِ بِيئةٍ مُوَاتِيَة لِظُهور الصِّرَاعاتِ
والاضطراباتِ وانتشارِ العَمَلِيَّاتِ الإرهابية . وَقَدْ تضافرتْ عَواملُ الفَسَادِ
، وتآمَرَ الخَوَنَةُ عَلى الجَيْشِ ، حَتَّى تُصْبح بِلادُنا الغاليةُ بِلا
جَيْشٍ يَحْمِيهَا . وإنَّ هَذه الثَّوْرَةَ المُبَارَكَةَ التي قامَ بِهَا
الجَيْشُ ، في عُهْدَةِ رِجَالٍ وَطنيين وَأُمَنَاء وَشُرَفَاء . إنَّني أُؤكِّد
لِشَعْبِنَا العظيمِ أنَّ الجَيْشَ يَعْمَلُ لِصَالِحِ الوَطَنِ في ظِلِّ
الدُّسْتُورِ وَحُكْمِ القانون، بِلا طَمَعٍ في الحُكْمِ ، ولا غَايَة لَهُ سِوَى
رِضَا اللَّه سُبحانَه وتَعَالى ، وتَحقيقِ الوَحْدَةِ الوَطنية ، وَتَعزيزِ
الأمْنِ القَوْمِيِّ . وكُلُّ مُحَاوِلَةٍ للعَبَثِ بأمْنِ الوَطَنِ والمُوَاطِنِ
، سَتُوَاجَهُ بِكُلِّ حَزْمٍ ، وَسَنَضْرِبُ بِيَدٍ مِنْ حَديدٍ كُلَّ مَنْ
يُهَدِّد أمْنَ الوَطَنِ والمُوَاطِنِ ، وكُلَّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ
زَعزعةَ الاستقرارِ ، وإثارةَ الفَوْضَى.وإنَّني أُطَمْئِنُ إخوانَنا اليَهُودَ
والمَسِيحِيِّين ، عَلى أرواحِهم وأعراضِهم وأموالِهم ومَصالحِهم، وَهِيَ في
الحِفْظِ والصَّوْنِ ، وَتَحْتَ حِمَايَةِ الجَيْشِ الذي يَعْتَبِر نَفْسَه
مَسْؤُولًا عَنْهُم . وإنَّ هَذه الفَترةَ الحَرِجَة مِنْ تاريخِ أُمَّتِنَا
العربيةِ تَتَطَلَّبُ إجراءَ إصلاحاتٍ سِيَاسِيَّة واقتصادية شاملة ، وتَعزيزَ
سِيَادَةِ القانونِ ، ومُكافحةَ الفَسَادِ ، وإشراكَ جَميعِ فِئاتِ المُجتمعِ في
عَمليةِ صُنْعِ القَرَارِ . وَيَجِبُ أنْ تُركِّز جُهودَ التَّنميةِ عَلى تَحقيقِ
النُّمُوِّ الاقتصاديِّ المُستدامِ ، الذي يَعُودُ بالفائدةِ عَلى جَميعِ
طَبَقَاتِ المُجتمع، مَعَ ضَرورةِ تَوفيرِ فُرَصِ العَمَلِ ، وتَحسينِ الخِدماتِ
الأسَاسِيَّة ، والحَدِّ مِنَ الفَقْرِ. وَيَجِبُ أنْ يَتِمَّ تَشجيعُ الحِوَارِ
والمُصَالَحَةِ بَيْنَ مُختلفِ الأطرافِ السِّيَاسِيَّة ، وإيجاد أرضيَّة مُشترَكة
للتعاونِ ، مِنْ أجْلِ تَحقيقِ الاستقرارِ والسَّلامِ . واللَّهُ وَلِيُّ
التَّوفيقِ )) .
مَا إنْ أنْهَى أبي قِرَاءَةَ
البَيَانِ حَتَّى انتشرَ الجُنونُ في فِيلا عَمِّي. عَلا الصُّرَاخُ، وَتَعَالَى
الضَّجِيجُ، واختلطت الأصواتُ . ذَهَبَ عَمِّي الدُّكتورُ أُسْتَاذُ الجامعةِ ،
وأحْضَرَ زُجَاجَةَ خَمْرَة مِنَ الثَّلاجَةِ . يَشْرَبُ مِنْهَا ، وَيُغَنِّي .
أوَّل مَرَّةٍ في حَيَاتي أُشَاهِد زُجَاجَةَ خَمْرَة ، كانَ عَلَيْهَا كِتابات بالإنجليزية
. وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ في ذَلِكَ المَوْقِف أنَّني سَأُشَاهِد زُجَاجات خَمْرَة
كثيرة فِيمَا بَعْد . زَوْجَةُ عَمِّي تَرْقُصُ مَعَهُ رَقْصَةً شَركسيةً ،
تَتَحَرَّكُ بِخِفَّةٍ شَديدة ، وَتَنْزَلِقُ عَلى الأرضِ دُون تَحريكِ رأسِها أوْ
صَدْرِها . فُوجِئَتْ أُمِّي بِهَذه الطريقةِ الغريبةِ في الرَّقْصِ ، وَتَعَجَّبَتْ
مِنْهَا ، فالنِّسَاءُ في القَريةِ لا يَرْقُصْنَ بِهَذا الشَّكْلِ. لاحظتْ زَوجةُ
عَمِّي الشَّركسية استغرابَ أُمِّي وَتَعَجُّبَهَا ، فقالتْ لَهَا : (( الرَّقْصُ
الشَّركَسِيُّ جُزْءٌ مُهِمٌّ وَمُحَدِّدٌ لِثَقَافَةِ الشَّعْبِ الشَّركسيِّ.
تَسْتَحْضِرُ الرَّقَصَاتُ الوطنيةُ صُوَرًا مِنَ القِتَالِ والمُغَازَلَةِ،
وَتَلْعَبُ دَوْرًا مُهِمًّا في الجُهودِ المَبذولةِ للحِفَاظِ عَلى التَّقاليدِ
والثقافةِ الشَّركسيَّة في الشَّتَاتِ )) .
لَمْ تَسْتَوْعِبْ أُمِّي هَذا
الكلامَ كاملًا ، ولكنَّها أُعْجِبَتْ بِعِبَارَةِ " الرَّقَصَات الوَطنية
" ، وَاعْتَبَرَتْ أنَّ الرَّقْصَ جُزْءٌ مِنَ الوَحْدَةِ الوطنيةِ ،
والأمْنِ القَوْمِيِّ ، والثَّوْرَةِ المُبَارَكَةِ التي قَامَ بِهَا زَوْجُها (
أبي ) مَعَ إخْوَانِهِ رِفَاقِ السِّلاحِ وَالضُّبَّاطِ الأحرارِ ، وأنَّ
وَاجِبَهَا الوَطَنِيَّ وَالقَوْمِيَّ في هَذا الظَّرْفِ الحَسَّاسِ وَالمُنْعَطَفِ
الخطيرِ وَاللحظةِ المَفْصِلِيَّة مِنْ تاريخِ أُمَّتِنَا ، يُحَتِّمُ عَلَيْهَا
أنْ تَرْقُصَ بِصِدْقٍ وَإخلاصٍ وَوَلاءٍ وانتماء . ذَهَبَتْ أُمِّي إلى غُرفتها
مُسْرِعَةً ، وعادتْ مُرْتَدِيَةً ثَوْبًا أحْمَر فاضحًا ، وَوَاضِعَةً مِكْيَاجًا
صارخًا ، وَصَارَتْ تَرْقُصُ مَعَ عَمِّي وَزَوْجَتِهِ الشَّركسية . لَمْ أعْرِفْ
مَاذا أفعلُ في تِلْك اللحظةِ في قَلْبِ الليلِ . ذَهَبْتُ إلى غُرفةِ نارت ،
وأَيْقَظْتُهُ بِعُنْفٍ قائلًا :
_ رَأيْتُ أبي وَهُوَ
يَتَحَدَّثُ عَلى شَاشَةِ التلفزيون .
استيقظَ نارت كالمَصْرُوعِ
القَادِمِ مِنْ عَالَمٍ آخَر ، وقالَ بانزعاجٍ شديد :
_ لِمَاذَا لَمْ تُوقِظْني
كَيْ أرى عَمِّي سَلْمَان عَلى التلفزيون ؟ .
ارتبكتُ ، وَلَمْ أَجِدْ
جَوَابًا . تَرَكْتُه ، وَذَهَبْتُ إلى غُرفةِ ثُرَيَّا لإيقاظِها ، وَقُلْتُ
لَهَا نَفْسَ الجُملة، ثُمَّ أيقظتُ أخَوَاتي واحدةً واحدةً ، نَجَاح ومَقْبُولَة
وَمَسْتُورة ، وَقُلْتُ لَهُنَّ نَفْسَ الجُملة ، حَتَّى إنَّني أيقظتُ أُخْتي
ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة ، والتي لا تَعْرِفُ شَيئًا عَن الحَيَاةِ ، ولا
تَفْهَم شَيئًا في هَذا العَالَمِ ، وَقُلْتُ لَهَا نَفْسَ الجُملة .
وَحَمَلْتُهَا بَيْنَ يَدَيَّ لِعَجْزِها عَن المَشْيِ والحَرَكَةِ ، معَ أنَّها
في الخامسة مِنَ العُمر .
عَمِّي وَزَوْجَتُهُ وَأُمِّي
يَرْقُصُونَ مَعًا في جِهَةٍ،وأنا ونارت وَثُرَيَّا وَأخَوَاتي نَرْقُصُ مَعًا في
جِهَةٍ أُخْرَى. حَرَكَاتُنا تُشْبِهُ نَوْبَاتِ الهِسْتيريا ، حَيْثُ تَظْهَر
اضطراباتٌ انفعاليَّة مَعَ خَلَلٍ في أعصابِ الحِسِّ والحَرَكَةِ ، وكأنَّ
رَقْصَنَا نَاجِمٌ عَنْ صِرَاعاتٍ داخليَّة ، وَتَوَتُّراتٍ نَفْسِيَّة ، أوْ قَدْ
يَكُون وسيلةً للتَّعبيرِ عَن المَشاعرِ المَكبوتةِ ، أو الهُروبِ مِنْ مَواقف
صَعْبَة .
السَّاعَةُ تَقْتَرِبُ مِنْ
مُنْتَصَفِ الليلِ . عَمِّي عَاجِزٌ عَن الرَّقْصِ ، وَغَيْرُ قادرٍ عَلى الوُقوفِ
. جَلَسَ عَلى كُرْسِيٍّ جِلْدِيٍّ فَخْمٍ ، وقالَ وَهُوَ في غَايَةِ التَّعَبِ :
_ يَا جَمَاعَة ، دَعُونا
نَذهَب إلى النَّوْمِ الآن ، والصَّبَاحُ رَبَاح .
لَمْ أفْهَمْ مَعنى "
الصَّبَاح رَبَاح " ، وَلَمْ يَسْبِقْ لِي أنْ سَمِعْتُ هَذا التَّعبيرَ ،
وَظَنَنْتُ أنَّ هُناك شَخْصًا اسْمُه رَبَاح سَيَأتي لزيارتنا في الصَّبَاح .
قُلْتُ بِسَذَاجَةٍ مُضْحِكَةٍ :
_ مَنْ هُوَ رَبَاح ؟ .
ضَحِكَ عَمِّي بِصَوْتٍ مُرتفع
، وقال :
_ يا هِشَام باشا ، عِبَارَة
" الصَّبَاح رَبَاح " تَعْني أنَّ الصَّبَاح فِيه خَيْر ومَكْسَب ، ولا
بُدَّ مِن استغلالِ بِدَايَةِ اليَوْمِ ، والنُّهُوضِ مُبَكِّرًا للعَمَلِ
والإنتاجِ .
_ فَهِمْتُ مَعنى "
الصَّبَاح رَبَاح " ، لكنَّني لَمْ أفْهَمْ مَعنى كلمة " باشا " .
_ أنتَ عَبقري يا هِشَام ،
وَحَسَّاس ، وَقَوِيُّ المُلاحَظَة ، تُريدُ مَعرفةَ كُلِّ شَيْءٍ ، وفَهْمَ كُلِّ
الكَلِمَاتِ والتعابير ، سَوْفَ تَتْعَبُ في حَيَاتِكَ . وَعَقْلُكَ سَوْفَ
يُتْعِبُكَ ، فالتفكيرُ والقَلَقُ والإجهادُ العَقْلِيُّ يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ
بالإرهاقِ والتَّعَبِ الذِّهْنِيِّ . وَيُمْكِنُ أنْ يَكُون التَّعَبُ نَتيجة
ضُغوطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ ، أو التَّفكيرِ في مَشَاكِل مُعَقَّدَة ، أوْ
نَتيجة كَثرةِ المَعلوماتِ التي يَتعامل مَعَهَا العَقْلُ . رَيِّحْ رَأسَكَ ، إذا
جن رَبْعك عقلك مَا يَنفعك .
وأردفَ قائلًا :
_ كَلِمَةُ " باشا "
هِيَ لَقَبٌ تُركي الأصل ، كانَ يُطْلَق في العَهْدِ العُثمانيِّ على أصحابِ
المَنَاصِبِ العُلْيا مِنْ مَدنيين وعَسْكريين . وَمِنَ الآنَ فَصَاعَدًا ، أبوكَ
باشا ، وابْنُ الباشا باشا .
نَهَضَ عَمِّي ، وَقَبَّلَ
زَوْجَتَه الشَّركسيةَ في فَمِهِا قُبْلَةً عَمِيقةً ، ثُمَّ احْتَضَنَ أُمِّي ،
وَقَبَّلَهَا عَلى خَدَّيْهَا ، وَمَضَى إلى غُرفةِ النَّوْمِ .
أوَّل مَرَّة في حَيَاتي
أُشَاهِدُ رَجُلًا يُقَبِّل امرأةً في فَمِهَا ، كَمَا أنَّني تَعَجَّبْتُ مِنْ
تَقْبِيلِ عَمِّي لأُمِّي التي كانتْ سعيدةً ، وَلَمْ تُظْهِرْ أيَّةَ مُمَانَعَة
. أنا شخصيًّا لَمْ أُشَاهِدْ أبي يُقَبِّلُ أُمِّي طِيلةَ حَيَاتي ، وَلَمْ
يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهَا أمَامِي أنا وأخَوَاتي في القَريةِ والعَاصمةِ عَلى حَدٍّ
سَوَاء . وَمُنْذُ تِلْكَ اللحظةِ أدركتُ أنَّنا صِرْنَا عائلةً رَاقِيَةً
وَمُتَحَرِّرَةً وَمُتَحَضِّرَةً وَمُتَطَوِّرَةً وَمُنْفَتِحَةً ، دُون قُيود
تقليدية أو اجتماعية ، ودُون التزام بالعاداتِ والتقاليدِ المُتَوَارَثَة . يَرْقُصُ
الرَّجُلُ مَعَ المَرْأةِ ، وَيُقَبِّلُ الرَّجُلُ المَرْأةَ ، وأنَّ ثَقَافَتَنَا
الغَرْبِيَّة المُسْتَوْرَدَة جُزْءٌ مِنَ القَوْمِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَالوَحْدَةِ
الوَطنيةِ وَالأمْنِ القَوْمِيِّ وَالانقلابِ العَسكريِّ .
عِندَما شاهدتُ عَمِّي
يُقَبِّلُ زَوْجَتَه الشَّركسيةَ في فَمِهَا ، أَثَّرَتْ هَذه العَمَلِيَّةُ عَلى
مَاهِيَّةِ تَفْكيري وَطَبِيعَةِ سُلُوكي ، وَقَرَّرْتُ تَطبيقَها عَلى ثُرَيَّا
ابنةِ عَمِّي ، لأنَّني لَمْ أَجِدْ غَيْرَها في طَريقي . ذَهَبَ الجَمِيعُ إلى
النَّوْمِ . وَعِنْدَمَا أرادتْ ثُرَيَّا الذَّهَابَ إلى غُرْفتها ، قُلْتُ لَهَا
بِخُبْثٍ طُفوليٍّ :
_ مَعِي قِطْعَة شُوكولاتة
بالعَسَلِ ، أغْمَضِي عَيْنَيْكِ ، وَافْتَحِي فَمَكِ قليلًا .
قُمْتُ باستغلالِ نُقْطَةِ
ضَعْفِهَا تُجَاه الشُّوكولاتةِ بالعَسَلِ . صَدَّقَتْ كِذْبَتي ، وَأوْقَعْتُهَا
في الفَخِّ . لَمْ تَقْدِرْ عَلى رَفْضِ طَلَبي.اقتربتُ مِنْهَا، وَقَبَّلْتُهَا
في فَمِهَا. انتَفَضَتْ، وَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا، وقالتْ لِي:
_ حِمَار .
كُنْتُ في العاشرةِ ،
وَثُرَيَّا في الثامنة . لَمْ تَكُنْ لَدَيَّ شَهْوَة جِنْسِيَّة ، ولكنْ حُب
استطلاع جِنْسِي . وهَذا الاستكشافُ لا يَعْني رَغْبَةً جِنْسِيَّةً ، بَلْ هُوَ
مَيْلٌ لِمَعرفةِ المَجهولِ ، وَتَقْليدِ الآخَرين.
لَمْ أستطعْ أن أنامَ تِلْكَ
الليلة مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ والقَلَقِ . خِفْتُ أنْ تُخْبِرَ ثُرَيَّا أبَاهَا
وَأُمَّهَا ، وَتَحْدُث فَضِيحة لا أوَّلَ لَهَا ولا آخِر . سَوْفَ تأخذُ العائلةُ
فِكرةً سَيِّئةً عَنِّي لا يُمْكِنُ مَحْوُها ، وَتُصَنِّفُني شَاذًّا ومَنبوذًا
بِلا أخلاق . نَسِيتُ فَرَحِي بالانقلابِ العَسكريِّ الذي كانَ أبي مِنْ أبْرَزِ
قَادَتِه ، وَسَيْطَرَتْ عَلَيَّ التَّعَاسَة . وَمَا زادَ تَعَاسَتي أنَّني تَذَكَّرْتُ
فَجْأةً أنَّ ثُرَيَّا هِيَ أُخْتي في الرَّضَاعَةِ، فأيقنتُ حِينئذٍ أنَّني
حِمَار ، كَمَا قالتْ عَنِّي .
في الصَّبَاحِ ، ذَهَبْتُ إلى
ثُرَيَّا مُسْرِعًا ، وَقَدَّمْتُ لَهَا قِطْعَة شُوكولاتة بالعَسَلِ ، لِشِرَاءِ
سُكُوتِهَا ، وَنَيْلِ إعجابِها . خَطَفَتْهَا مِنْ يَدِي ، وَابْتَسَمَتْ ،
وقَبَّلَتْني عَلى خَدِّي ، وَأخْبَرَتْني أنَّني بَطَلٌ .
25
في الساعةِ العاشرة صَبَاحًا ،
جاءَ أبي إلى البَيْتِ . لَمْ يَدْخُلْهُ مُنْذُ أُسْبُوعَيْن . وَقَفَ الحَرَسُ
في الخَارِجِ ، وكانَ هُناك سَيَّارات سَوْدَاء كثيرة . عَمَّ الفَرَحُ ، وانتشرَ
السُّرورُ ، وَتَدَفَّقَت السَّعَادةُ في تفاصيلِ حَيَاتِنا وأجزاءِ بَيْتِنا .
اسْتَقْبَلْنَاهُ بالقُبُلاتِ والأحضانِ . زَوجةُ عَمِّي الشَّركسيةُ احْتَضَنَتْه
، وقَبَّلَتْهُ على رَأسِهِ وَخَدَّيْهِ ، وقالتْ مُبْتَهِجَةً :
_ الحَمْدُ للَّهِ عَلى
السَّلامةِ يا " أبو ناصر " ، رَفَعْتَ رُؤوسَنا بَيْنَ العَشائرِ
والقَبائلِ . الآنَ سَأُصْبح أميرةَ الشَّركسياتِ ، وَسَوْفَ تَنْتَقِل زَعَامَةُ
الشَّركسِ إلى عَائلتي ، بِفَضْلِ هَذه الثَّورةِ المُبَارَكَةِ.
وَاحْتَضَنَتْهُ أُمِّي ،
وقَبَّلَتْهُ بِحَرَارَةٍ ، وقالتْ :
_ اللَّه يُعْطِيكَ الصِّحَّةَ
وَالعَافِيَةَ يا " أبو ناصر "، يا " أبو عيالي " ، وَيُطَوِّل
عُمرَكَ . مَا قَصَّرْتَ. صَنَعْتَ ثَوْرَةً وَطنية شريفة مِئة بالمِئة .
وانفجرتْ أُمِّي بالبُكَاءِ ،
وقالتْ والحُزْنُ يَعْصِرُ قَلْبَها :
_ يا لَيْتَ " ناصر
" كانَ حَيًّا ، كَيْ يُشاهدَ والدَه قائدًا للوَطَنِ ، وَزَعِيمًا
للمُواطنين .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي
الشَّركسية مُعَاتِبَةً لأُمِّي :
_ الوَقْتُ لَيْسَ مُنَاسِبًا
للحُزْنِ وَتَذَكُّرِ الأمواتِ ، رَحِمَكَ اللَّهُ يا ناصر . هَذه مُنَاسَبَة
وَطَنِيَّة للفَرَحِ والسُّرور يا أُخْتي يا سَمِيحة ، لا تَقْلبي الفَرَحَ إلى
حُزْنٍ وَعَزَاء .
وَهَجَمَ عَمِّي عَلى أبي
يُقَبِّلُه بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ، كَأنَّما يُريدُ أنْ يَغْتَصِبَه، وقالَ وَهُوَ في
غَايَةِ السَّعَادَةِ:
_ اللَّه يَنْصُرك يا أخي
القائد سَلْمَان عَلى أعداءِ الوَطَنِ . أشهَدُ أنَّكَ رَجُلٌ مِنْ ظَهْرِ رَجُلٍ
. واللَّه يَرحم أُمَّنَا أنيسة ، لَيْتَهَا كانتْ مَعَنَا كَيْ تُشَاهِدَ ابْنَها
البَطَلَ سَلْمَان الذي رَفَعَ رُؤوسَنا بَيْنَ العَشائرِ والقَبائلِ ، كما قالتْ
أُمُّ نارت .
سَلَّمَ أبي عَلى بَنَاتِ
العائلةِ ، وَقَبَّلَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً . وكانَ نارت في الحَمَّامِ ،
فَلَمْ يَحْظَ بِشَرَفِ السَّلامِ عَلى أبي وتَقْبِيلِه . سَلَّمْتُ عَلى أبي ،
وَقَبَّلْتُ يَدَه ، وَوَقَفْتُ أمَامَه كَمَا يَقِفُ التِّلميذُ أمَامَ
مُعَلِّمِه ، وَرَدَّدْتُ أُنْشُودَةً وَطَنِيَّةً رائعةً ، حَفَّظَني إيَّاهَا
مُعَلِّمُ اللغةِ العربيةِ في مَدرسةِ القَريةِ ، مَدرسةِ المَأسُوفِ عَلى
شَبَابِه المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية .
اقتربتْ مِنِّي ثُرَيَّا ابنةُ
عَمِّي ، وقالتْ بِدَهْشَةٍ واستغرابٍ ، وَبِصَوْتٍ أقرب إلى الهَمْسِ :
_ كَيْفَ حَفِظْتَ هَذه
الأُنشودةَ ؟ . لَمْ نَتَعَلَّمْهَا أنا ونارت في المَدرسةِ الأجنبية .
ابْتَسَمْتُ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً،
وَهِيَ خَلِيطٌ مُكَوَّنٌ مِن ابتسامةِ الواثقِ وَثِقَةِ المُنْتَصِرِ وانتصارِ
الفِكْرَةِ.
اسْتَحَمَّ أبي ، وَأحْضَرَتْ
لَهُ أُمِّي بيجامة جديدة ، ونامَ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ والإرهاقِ . وَلَمْ
يَسْتَيْقِظْ إلا بَعْدَ العَصْرِ . غَسَلَ وَجْهَه ، وتناولَ طَعَامَ الغَدَاءِ
وَحْدَه . ولمَّا انتهى مِنَ الأكْلِ ، جَلَسَ الجَمِيعُ حَوْلَ أبي الذي كانَ
عَرِيسًا بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الكَلِمَة مِنْ مَعْنى ، ولكنَّه عَرِيسٌ
وَطَنِيٌّ تَزَوَّجَ الدَّوْلَةَ ، ولا
نَعْرِفُ مَاذا سَيُنْجِبُ .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية
:
_ نُريدُ أنْ تُخْبرنا يا
" أبو ناصر " كَيْفَ نَجَحْتُم في السَّيْطَرَةِ عَلى العَاصِمَةِ ،
وَإسقاطِ نِظَامِ الرئيسِ المَخلوعِ ؟ .
_ في بِدَايَةِ عام 1982 ، بدأ
الضُّبَّاطُ الأحرارُ بِقِيَادَةِ سِيَادَةِ العَقِيدِ مُراد عادل بالتَّخطيطِ
للانقلابِ العَسكريِّ ، أقْصِدُ الثَّورةَ المُبَارَكَة . خَطَّطُوا للإطاحةِ بِرَئيسِ
الجُمهوريةِ الفاسدِ الذي حَوَّلَ البِلادَ إلى مَزرعةٍ لَهُ ولعائلته وعِصَابَتِه
، وَسَرَقَ الاقتصادَ الوَطَنِيَّ، وَقَمَعَ الحُرِّياتِ السِّيَاسِيَّة
والمَدَنِيَّة، واعتقلَ وَسَجَنَ المُعَارِضِين ، واستخدمَ العُنْفَ ضِدَّ أشكالِ
الاحتجاجِ ، وارتكبَ انتهاكاتٍ واسعة النِّطَاقِ لِحُقوقِ الإنسانِ ، بما في ذلك
التَّعْذيب والإخفاء القَسْرِي وَتَصْفية المُعَارِضِين ، وَرَكَّزَ السُّلطةَ في
يَدِهِ وَعَائِلَتِه ، في ظِلِّ غِيَابِ مُؤسَّسات دِيمقراطية حقيقية ، وأساءَ
إدارةَ الثَّرْوَة ، وَبَدَّدَ الأموالَ العَامَّةَ عَلى مَشاريع فاشلة ،
وتَجَاهَلَ التَّنميةَ المُسْتَدامة ، وَنَشَرَ الفَسَادَ عَلى نِظَاقٍ واسعٍ في
جَميعِ مُستوياتِ الحُكومة ، واستغلَّ النُّفُوذَ لِتَحقيقِ مَكَاسِب شخصية ،
وَدَعَمَ المُنَظَّمَاتِ الإرهابية ، وَقَدَّمَ لَهَا المَلاذَ الآمِنَ ، وهَذا
أدَّى إلى تَوَتُّرِ العَلاقاتِ معَ العَدِيدِ مِنَ الدُّوَلِ ، وَتَدَخَّلَ في
شُؤونِ الدُّوَلِ الأُخْرَى ، وَدَعَمَ الانقلاباتِ العَسكرية ، مِمَّا أدَّى إلى
تَدَهْوُرِ عَلاقاتِ البِلادِ مَعَ المُجتمعِ الدَّوْلِيِّ ، وَفَرْضِ عُقوبات
اقتصادية عَلَيْهَا ، كَمَا أنَّهُ قَمَعَ الحُرِّياتِ الشَّخصية ، وَقَيَّدَ
حُرِّيةَ التَّعبير ، وزادَ الرَّقَابَةَ عَلى وَسَائلِ الإعلامِ ، وَأهْمَلَ
التَّنْمِيَةَ الاجتماعية ، فَتَرَاجَعَت الخِدماتُ الأسَاسِيَّةُ مِثْل
التَّعليمِ والصِّحَّة ، وازدادتْ مُعَدَّلاتُ الفَقْرِ والبَطَالَةِ ، وَاتَّسَعَ
التَّفَاوُتُ الطَّبَقِيُّ .
قالَ عَمِّي وَهُوَ في غَايَةِ
الإعجابِ بِهَذا الكلامِ :
_ مَا شاءَ اللَّهُ عَنْكَ يا
أخي القائد سَلْمَان ، أنتَ رَجُلٌ وَطَنِيٌّ حُرٌّ شَرِيفٌ ، تُريدُ مَصلحةَ
الوَطَنِ والمُوَاطِنين ، وَتَعْرِفُ مُشكلاتِ البِلادِ مُشْكِلَةً مُشْكِلَةً ،
وَلَدَيْكَ الحَلُّ السِّحْرِيُّ لَهَا . أنا الدُّكتور أُستاذ الجامعة الذي
قَضَيْتُ حَيَاتي مَعَ العُلَمَاءِ والكُتُبِ ، لا أستطيعُ أنْ أقُولَ مِثْلَ
كَلامِكَ ، وَلَيْسَ لِي عَقْلٌ مِثْل عَقْلِك ، ولا أستطيعُ أنْ أُفَكِّرَ كَمَا
تُفَكِّر . أنتَ رَجُلُ المَوَاقِفِ الصَّعْبَة ، وصاحبُ العَقليةِ الاستثنائيةِ
والإنجازاتِ المُتَمَيِّزَة ، اللَّه يَحفظكَ مِنْ أعداءِ الوَطَنِ والخَوَنَةِ
والعُمَلاءِ .
وتابعَ أبي قائلًا بِثِقَةٍ
وَسَعَادَةٍ :
_ في يَوْمِ 10 آب / أَغُسْطُس
، اسَتَوْلَتْ قُوَّاتُ المُشَاةِ عَلى المَقَرِّ العَامِّ للقُوَّاتِ
المُسَلَّحَةِ ، وأغْلَقَت الطريقَ المُؤَدِّي إلى العاصمةِ . وَبِحُلُولِ
السَّاعَةِ الثالثة فَجْرًا ، وَصَلَ سِيَادَةُ العقيد مُراد عادل إلى المَقَرِّ العَامِّ
للقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ لِقِيَادَةِ العملياتِ على أرضِ الواقعِ ، والإشرافِ
عَلى الكَتائبِ العَسْكرية ، وَهِيَ الوَحدات القِتَالية التَّكْتيكية
الأسَاسِيَّة في التَّشكيلِ العَسْكريِّ والنِّظَامِيِّ ، وَقَامَ سِلاحُ الجَوِّ
بالسَّيطرةِ عَلى المَطَارَاتِ العَسكريةِ والمَدنيةِ، وإغلاقِ المَجَالِ
الجَوِّي، وَحَظْرِ الطَّيَرَانِ. وفي السَّاعَةِ الخَامسةِ فَجْرًا ، قُدْتُ
وَحْدَةً مِنَ القُوَّاتِ الخَاصَّةِ المُدَرَّبَةِ تَدْريبًا عاليًا
لِمُحَاصَرَةِ القَصْرِ الجُمهوريِّ ، وَتَفْتيشِ مُحِيطِه . وَتَمَّ الاقتحامُ
بَعْدَ اشتباكاتٍ مُسَلَّحَةٍ مُتَقَطِّعَة . دَخَلْنَا إلى غُرفةِ نَوْمِ الرئيسِ
المَخلوعِ ، كانَ نائمًا في السَّرِيرِ بالملابسِ الدَّاخِلِيَّة ، وَزَوْجَتُهُ
تَرتدي قَمِيصَ نَوْمٍ أزرق . وَفَوْقَ السَّرِيرِ شِعَارُ الجُمهوريةِ ، وَهُوَ
النَّسْرُ الذي يَرْمُزُ إلى القُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ والحُرِّيةِ . أفاقَ
الرئيسُ المَخلوعُ مَذعورًا مِنَ هَوْلِ المُفَاجأةِ . حاولَ مَدَّ يَدِهِ تَحْتَ
الوِسَادَةِ لإخراجِ مُسَدَّسِه . ولا أعْرِفُ هَلْ أرادَ الانتحارَ أوْ أرادَ
إطلاقَ الرَّصَاصَ عَلَيْنَا . قَفَزَ عَلَيْهِ الجُنُودُ ، وَنَزَعُوهُ بِقُوَّةٍ
مِنْ فِرَاشِه، وانهالُوا عَلَيْهِ بالضَّرْبِ المُبَرِّحِ ، وَقَيَّدُوا يَدَيْهِ
إلى الخَلْفِ ، وَعَصَبُوا عَيْنَيْهِ بِقَسْوَةٍ . وَأَمَرْتُ أَحَدَ الجُنودِ
بأخذِ زَوْجَةِ الرئيسِ المَخلوعِ ، وَهِيَ في قَمِيصِ النَّوْمِ ، وَتَغْطيتها
بأيِّ شَيْء ، وَسَتْرِ جَسَدِهَا العاري، فَثَوْرَتُنا المُبَارَكَةُ قائمةٌ عَلى
الشَّرَفِ والأخلاقِ والإنسانية .
اشتَعَلَتْ نارُ الغَيْرَةِ في
قَلْبِ أُمِّي ، وَشَعَرَتْ بالاستياءِ وَعَدَمِ الرِّضَا ، وقالتْ بِغَضَبٍ :
_ هَلْ رَأيْتَ الرئيسةَ
عَارِيَةً ومشلَّحة يا " أبو ناصر" ؟، بالتأكيدِ، نَظَرْتَ إلى صَدْرِها
وأفخاذِها .
أُمِّي الجاهلةُ تُسَمِّي
زَوْجَةَ الرئيسِ رئيسة ، وَهِيَ مُعْتَادَة عَلى هَذا الأمْر ، وَلَمْ تُفْلِحْ
مُحاولاتُنا في إقناعِها بِتَصحيحِ الخطأ، وباءتْ جَمِيعُ مُحاولاتِ مُدَرِّبتها
ريم لُوقَا بالفَشَلِ،حَتَّى يَئِسْنَا مِنْهَا .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي
الشَّركسية بِحِدَّةٍ :
_ هَلْ هَذا كلام تَقُولُه
امرأة عاقلة وَزَوْجَة واعية يا سَمِيحة ؟ ، زَوْجُكِ القائدُ سَلْمَان أَمَرَ
جُنْدِيًّا بِتَغظيةِ المَخلوقةِ وَسَتْرِ جَسَدِهَا العاري،وهَذا يَدُلُّ عَلى
أخلاقِه الحميدة ، وإخلاصِه لَكِ ، باركَ اللَّهُ فِيه ، وكَثَّرَ مِنْ أمثالِه،
هَذا رَجُلٌ في زَمَنٍ عَزَّ فِيهِ الرِّجَال .
كانتْ " تَغْريد
نَصْري" هِيَ زَوْجَةَ رئيسِ الجُمهوريةِ،وَالسَّيِّدَةَ الأُولَى.وَهَذه
المَرْأةُ قِصَّتُها عَجِيبة، وحِكَايَتُها غَرِيبة . عَمِلَتْ مُمَثِّلَةً
مَسْرَحِيَّة مُحْتَرِفَة ، وَزَوْجُها هُوَ الشاعرُ الغِنائيُّ الشَّهِير برنس
الواثق ( اسم فَنِّي ) . عِندَما اسْتَلَمَ رئيسُ الجُمهوريةِ سُلُطَاتِهِ الدُّسُتُورِيَّةَ
وَمَقَالِيدَ الحُكْمِ في عَام 1978 ، بَدَأ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ كَمُفَكِّرٍ
وشَاعِرٍ وَدَاعِمٍ للحَرَكَةِ الأدبيةِ والفَنِّيةِ لاستمالةِ المُثَقَّفِين ، وَجَذْبِهِم
، واستقطابِهم إلى مُعَسْكَرِ السُّلطةِ ، أوْ مُعَسْكَرِ البَلاطِ ، وإدخالِهم
إلى حَظِيرَةِ مُثَقَّفِي السُّلطةِ . حَرَصَ عَلى مُشَاهَدَةِ المَسْرَحِيَّاتِ ،
لِمُسَانَدَةِ المُمَثِّلِين والمُثَقَّفِين ، وَدَعْمِ مَسِيرَةِ الثَّقَافَةِ ،
وَرِعَايَةِ المَوَاهِبِ، وَتَوفيرِ بيئة ثَقَافِيَّة إيجابية، وَالعَمَلِ عَلى
تَعزيزِ الوَعْيِ الثَّقَافِيِّ، وتَطويرِه بِكُلِّ الوَسائلِ المُتَاحَةِ
وَالجُهُودِ المُمْكِنَةِ .
في إحدى المَسْرَحِيَّاتِ ،
شَاهَدَ رئيسُ الجُمهوريةِ المُمَثِّلَةَ تَغْريد نَصْري عَلى خَشَبَةِ المَسْرَحِ
، تُؤَدِّي دَوْرَ مُعَلِّمَة بيانو لِطِفْلٍ يَتِيمٍ لا يَمْلِكُ أُجْرَةَ
الدَّرْسِ . لَمْ يُعْجَبْ بأدائِها ، وإنَّما أُعْجِبَ بِجِسْمِهَا . إنَّها
امرأةٌ شَابَّة وجَمِيلةٌ وَمُمْتَلِئَةٌ ، تَمْلِكُ صَدْرًا عَارِمًا،
وَثَدْيَيْنِ كَبِيرَيْن ، وَمُؤخَّرَةً مُكْتَنِزَة. زَرَعَ نَظَرَاتِهِ
الحَادَّةَ في صَدْرِهَا الكبيرِ ، وَلَمْ يَرْفَعْ عَيْنَيْهِ عَنْهُ طِيلةَ
العَرْضِ المَسْرَحِيِّ .
بَعْدَ انتهاءِ
المَسْرَحِيَّةِ ، طَلَبَ رئيسُ الجُمهورية مُقَابَلَةَ المُمَثِّلَةِ. مَدَحَ أداءَها
الذي لَمْ يَقْتَنِعْ بِه، وجَامَلَهَا بِعِبَارَاتٍ ناعمةٍ وَمُؤثِّرة . وَالمَسْرَحِيَّةُ
الحقيقيةُ كانتْ جَسَدَ المُمَثِّلَةِ المُغْرِي . طَلَبَ مِنْ مُسَاعِدِيهِ
تَقْريرًا مُفَصَّلًا عَنْ هَذه المُمَثِّلَة . أُعْجِبَ بالتَّقْرِيرِ كاملًا مَا
عَدَا المُلاحَظَة التي تَقُولُ إنَّها مُتَزَوِّجَة مِنَ الشاعرِ الغِنَائيِّ
الشهير برنس الواثق ، مُنْذُ أربع سَنَوَات ، وَلَيْسَ لَهُمَا أطفال .
جَمَعَ رئيسُ الجُمهوريةِ
قَادَةَ الأجهزةِ الأمْنِيَّةِ في البِلادِ : المُخَابَرَات العَامَّة ،
والمُخَابَرَات الجَوِّية ، والمُخَابَرَات البَحْرِيَّة ، والمُخَابَرَات
البَرِّية ، والمُخَابَرَات الصَّحْراوية ، والمُخَابَرَات البَرْمَائية،
والمُخَابَرَات العَسكرية، والأمن السِّياسي ، وأمن الدَّولة ، والأمن العام ،
والأمن الجِنَائي.
أُصِيبَ قَادَةُ الأجهزةِ
الأمنيةِ بالخَوْفِ مِنْ هَذا الاجتماعِ الخطير . ظَنُّوا أنَّ هُناك مُحاولة
لقلبِ نِظَامِ الحُكْمِ ، أو اغتيالِ فَخَامة رئيس الجُمهورية ، لا سَمَحَ اللَّهُ
، أوْ أنَّ السَّيِّد الرئيس سَيُعْلِنُ الحَرْبَ عَلى إحدى الدُّوَلِ العَرَبية
الشَّقيقة .
قالَ رئيسُ الجُمهورية في هَذا
الاجتماعِ المَصِيريِّ :
_ قَرَّرْتُ أنْ أطْرَحَ
عَلَيْكُم مُشكلةً صَعْبَةً لإيجادِ حَلٍّ لَهَا .
تَعَرَّقَ قادةُ الأجهزةِ
الأمنيةِ ، وَتَحَسَّسُوا رُؤوسَهم وَرِقَابَهم . لا بُدَّ أنَّ هُناك مُصيبة
عظيمة وكارثة هائلة . هَلْ سَتَنهارُ الجُمهوريةُ ؟ . هَلْ سَيَسْقُط نِظَامُ
الحُكْمِ ؟ . هَلْ هُناك قوائم بأسماء الخَوَنَةِ والعُمَلاءِ والجَوَاسيس ؟ .
مَتَى تَبْدَأ عَمليةُ تَعْلِيقِ أعوادِ المَشَانِقِ ؟ . مَتَى تَسْتقبل الزنازينُ
الانفراديةُ السُّجَناءَ ؟ . مَتَى تَبْدَأ حَفَلاتُ التعذيبِ في المَسْلَخِ
البَشَرِيِّ ؟ . هَلْ سَيَتِمُّ إعلانُ قانونِ الطوارئِ وَالأحكامِ العُرْفِيَّةِ
؟ .
وتابعَ رئيسُ الجُمهوريةِ
قائلًا :
_ أُريدُ أنْ أتَزَوَّجَ .
تَنَفَّسَ قادةُ الأجهزةِ
الأمنيةِ الصُّعَدَاءَ ، وَقَدَّمُوا التَّهَاني الحَارَّةَ والتَّبريكاتِ
القَلْبِيَّة الخالصة .
لَطَالَمَا حَثَّهُ كِبَارُ
المَسؤولين على الزَّواج بأسرع وَقْتٍ مُمْكِن ، فلا يَلِيقُ أنْ يَظَلَّ
السَّيِّدُ الرئيسُ وَفَخَامَةُ رئيسِ الجُمهوريةِ أعْزَبَ ، فَهذا يَفْتَح
المَجَالَ أمامَ الإشاعاتِ المُغْرِضَة التي يَبُثُّها أعداءُ الوَطَنِ لِتَمزيقِ
الوَحْدَةِ الوَطنيةِ ، وتَهديدِ الأمْنِ القَوْمِيُّ . والسَّيِّدُ الرئيسُ هُوَ
القُدْوَةُ السَّامِيَةُ المُدَافِع عَن حُقُوقِ الإنسانِ والمَرْأةِ والأُسْرَةِ
والمُجتمعِ ، والقائدُ الصالحُ القادرِ عَلى تَكوين أُسْرَةٍ صالحة وسعيدة،تَكُون
لَبِنَةً في بِنَاءِ المُجتمع المُتَقَدِّم،فَلا بُدَّ مِنَ الزَّوَاجِ عاجلًا أوْ
آجِلًا، وَخَيْرُ البِرِّ عَاجِلُه.
قالَ مُديرُ المُخَابَرَاتِ
العَامَّةِ بِفَرَحٍ بالغٍ :
_ زَوَاجُ فَخَامِتكم عِيدٌ
وَطَنيٌّ عظيمٌ ، وَلَيْسَ مُشكلة يا سَيِّدي الرئيس .
_ بِصَرَاحَةٍ ، أُريدُ أنْ
أتَزَوَّجَ امرأةً مُتَزَوِّجَة .
قالَ مُديرُ المُخَابَرَاتِ
الجَوِّية :
_ بسيطة يا فخامة الرئيس،
نَخْطِفُ المَرْأةَ ، وَنُحْضِرُها إلى حَضْرَتِكَ ، وَتَتَزَوَّجُها ، وَتَدْخُلُ
بِهَا.
بَصَقَ رئيسُ الجُمهوريةِ في
وَجْهِ مُديرِ المُخَابَرَاتِ الجَوِّية، وقالَ بعصبيةٍ واضحة :
_ أنتَ حِمَار ابن حِمَار .
هَلْ تُريدُ أنْ يَقُول الناسُ إنَّ الرئيسَ المُؤمِن والأب الحاني الراعي لمصالحِ
شَعْبِهِ يَخْطِفُ بَنَاتِ شَعْبِه ، وَيَغْتَصِب نِسَاءَ بَلَدِه ؟ .
قالَ مُدِيرُ الأمْنِ
السِّيَاسِيِّ :
_ يا فَخَامَةَ الرئيسِ ، نُحْضِرُ
زَوْجَها ، وَنَدْفَع لَهُ مَبْلَغًا ماليًّا كَيْ يُطَلِّقَهَا ، وَتَتَزَوَّجها
بَعْدَ طَلاقِها.
_ ظَنَنْتُكَ أذكى مِنْ هَذا .
هَلْ تُريدُ أنْ يَقُولَ الناسُ إنَّ الرئيس يَدْفَع أموالًا للمُواطنين كَيْ
يُطَلِّقُوا زَوْجَاتِهِم ؟ .
قالَ مُديرُ المُخَابَرَاتِ
العَسْكرية :
_ اسْمَحْ لِي يا سَيِّدي
الرئيس أنْ أعْرِضَ فِكْرتي أمامَ حَضْرتكم . نَتَّهِمُ زَوْجَها بأنَّهُ
مُعَارِضٌ سِيَاسِيٌّ ، لَهُ ارتباطات بِجَهَاتٍ إرهابية خارجية ، وَيَسْعَى إلى
قَلْبِ نِظَامِ الحُكْمِ ، وَتَغْييرِ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ القائمِ في
الدَّولةِ بالقُوَّةِ ، أوْ بِطُرُقٍ غَيْر مَشروعة ، سَوَاءٌ كانَ ذلك عَن طريقِ
انقلابٍ عَسكريٍّ أَمْ ثَوْرَة شَعْبِيَّة أَمْ تَدَخُّل خارجي . وَنُقَدِّمُ
اعترافاتِه عَلى شَاشَةِ التلفزيون أمامَ المُشَاهِدِين،
وَنُوَجِّهُ لَهُ تُهمةَ الخِيانةِ العُظْمى ، وَنَحْكُمُ عَلَيْهِ بالإعدامِ ،
وتَسْتطيعُ الزَّوَاجَ مِنْ أرملته .
_ هَذا
غَبَاء لَيْسَ لَهُ حُدُود. زَوْجُها شَاعِرٌ غِنائيٌّ مَشهور بعيد عن السِّيَاسة
، عَلاقَتُهُ مَعَ الأغاني والمُطْربين والراقصات، كَمَا أنَّ لَهُ عَشِيرة كبيرة
تَحْمِيه ، وتُدافع عَنْه ، وَسَوْفَ تُسبِّب لنا مُشكلات.
قالَ مُديرُ المُخَابَرَاتِ الصَّحْراوية :
_ سَيِّدي الرئيس ، أنا
لَدَيَّ حَلٌّ جَذْرِيٌّ لِهَذه المُشكلةِ ، نُجَهِّزُ لَهُ حادثَ سَيْرٍ
مُفْتَعَلًا عَلى الطَّريقِ الصَّحْراويِّ ، وَنَقُوم بِتَصويرِ الحادثِ لإظهارِهِ
أمَامَ الرَّأيِ العَامِّ عَلى أنَّه قَضَاء وَقَدَر ، وبسبب السُّرعةِ الزائدة .
وَلَنْ يَشُكَّ أحَدٌ بالمَوضوع .
قَفَزَ رئيسُ الجُمهوريةِ مِنْ
مَكَانِه، وَضَرَبَ الطاولةَ بِيَدِه ، وقال :
_ أنتَ عَبْقَري ، ذَكِّرْني ،
في أوَّلِ تَعديل وِزاري سَتَكُون وَزيرًا للدَّاخلية .
انتهى الاجتماعُ المَصِيريُّ .
وَتَلَقَّى مُديرُ المُخَابَرَاتِ الصَّحْراويةِ تَهنئةَ زُمَلائِه قادةِ الأجهزةِ
الأمنيةِ ، مَعَ أنَّها تَهنئة باردة خالية مِنَ المَشَاعِرِ ، لأنَّ الحَسَدَ
والصِّرَاعَ والتَّنَافُسَ والغَيْرَةَ كانتْ تُسَيْطِر على عُقولِهم وأجسادِهم .
وَتَمَنَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم لَوْ كانتْ هَذه الفِكْرَةُ العَبْقريةُ هِيَ فِكْرَتَه
.
ماتَ الشاعرُ الغِنَائيُّ
الشَّهِيرُ زَوْجُ المُمَثِّلَةِ المَسْرَحِيَّةِ السَّيِّدة تَغْرِيد نَصْري ، في
حادثِ سَيْرٍ مُؤسِف عَلى الطريقِ الصَّحْراويِّ ، بسبب السُّرعةِ الزائدة .
وَلَطَالَمَا حَذَّرَتْ إدارةُ السَّيْرِ والمُرُورِ الإخْوَةَ السائقين مِنَ
السُّرعةِ الزائدة، حِفَاظًا عَلى الأرواحِ والمُمْتَلَكَاتِ، ولكنْ لا حَيَاة
لِمَنْ تُنادي . لو امْتَدَّ بِهِ العُمر لَتَرَكَ بَصْمَةً مُؤثِّرة في الشِّعْرِ
الغِنَائيِّ. نَعَتْهُ وِزَارَةُ الثِّقَافَةِ وَنِقَابَةُ الأُدَبَاءِ
وَالفَنَّانين والمُوسيقيين . آخِرُ أُغْنِيَة كَتَبَهَا " كُلنا ضايعين في
أحلام العاشقين " ، التي غَنَّتْهَا المُطْرِبَةُ والراقصةُ " فوفو
" ، وَقَدْ كَسَّرَت الدُّنيا، وَحَطَّمَت الأرقامَ القِيَاسِيَّة ،
وَصَارَتْ ماركةً مُسَجَّلَة وعَلامَةً خالدةً في تاريخِ الشِّعْرِ الغِنَائيِّ العربيِّ
، ولا يُمْكِن نِسْيانها إطلاقًا ، وَسَتَذْكُرها الأجيالُ عَلى مَرِّ الزَّمَانِ
، وَسَتُوضَع مَعَ روائعِ الأغاني العالمية .
نَعَتْهُ رِئَاسَةُ
الجُمهوريةِ بِعِبَارَاتٍ مُؤثِّرة ، حَيْثُ قالتْ : (( بِقُلوبٍ يَعْتَصِرُها
الألَمُ وَالحُزْنُ ، وبمشاعر مِنَ الفِقْدَانِ الجَلَلِ ، تَلَقَّيْنَا نَبَأ
وَفَاةِ فَقِيدِ الفَنِّ والثَّقَافَةِ ، الشاعرِ الغِنَائيِّ الشهير برنس الواثق
، الذي تُوُفِّيَ بحادثِ سَيْرٍ مُؤلِم ، تاركًا خَلْفَهُ إرثًا فَنِّيًّا خالدًا
، وذِكرياتٍ عَطِرَة ، في نُفُوسِ زُمَلائِهِ وَمُحِبِّيه وَعُشَّاقِ فَنِّهِ
وأغانيه.إنَّ الفَقِيدَ كانَ مِثَالًا للتَّفَاني والإخلاصِ في مِهْنته ، وَنِبْرَاسًا
للفَنِّ والثَّقَافَةِ، وَرَمْزًا للمَحَبَّةِ والتَّسَامُحِ والأخلاقِ العالية.وَقَدْ
وَهَبَ حَيَاتَه لِتَطويرِ كَلِمَاتِ الأغاني، وساهمَ بشكلٍ كبير في إيصالِ
الأُغْنِيَةِ العربية إلى العالميَّة . لَقَدْ فَقَدْنَا برحيلهِ عَلَمًا مِنْ
أعلامِ الفَنِّ والشِّعْرِ الغِنَائيِّ . وإنَّ فَرَاغَهُ سَيَتْرُكُ أثَرًا
عميقًا في نُفُوسِنا جميعًا، وَسَيَفْتَقِدُهُ زُمَلاؤُهُ وأحبابُه وكُلُّ مَنْ
عَرَفَه . نَتَقَدَّمُ بِأحَرِّ التَّعَازي والمُوَاسَاةِ لعائلةِ الفقيدِ الكريمة
، راجينَ مِنَ اللَّهِ تَعَالى أنْ يَتَغَمَّدَهُ بواسعِ رَحْمَتِه، وَيُسْكِنَه
فَسِيحَ جَنَّاتِه ، وأنْ يُلْهِمَ أهْلَهُ وَذَوِيهِ الصَّبْرَ والسُّلْوَانَ .
إنَّا للَّهِ وإنَّا إلَيْهِ راجعون )).
هَذا البَيَانُ كانَ لَهُ
بالغُ الأثَرِ في نُفُوسِ الأُدَبَاءِ والشُّعَرَاءِ والمُطْرِبين والمُلَحِّنين
وأبناءِ الحَرَكَةِ الثَّقَافِيَّةِ عَامَّةً . ولأوَّلِ مَرَّةٍ في تاريخِ
الجُمهوريةِ الطويلِ ، يأتي رئيسٌ مُثَقَّفٌ دَاعِمٌ للفَنِّ والثَّقَافَةِ .
في مَسَاءِ ذلك اليَوْمِ ،
ذَهَبَ رئيسُ الجُمهوريةِ إلى بَيْتِ الشاعرِ برنس الواثق، لتقديمِ وَاجِبِ
العَزَاءِ لأرملتهِ السَّيِّدة تَغْريد نَصْري . كانتْ تَرتدي ثِيَابَ الحِدَادِ
السَّوْدَاءَ ، ولا تَضَع عِطْرًا ولا مَسَاحِيق تَجْميل . صَافَحَهَا بِحَرَارَةٍ
، وَغَرَسَ يَدَهُ في لَحْمِ يَدِهَا الطَّرِيِّ ، وقالَ بِحُزْنٍ مُصْطَنَعٍ :
_ اصْبِرِي يا أُستاذة تَغْريد،
فالمَوْتُ حَقٌّ عَلى الجَمِيعِ، وسُبحانَ الذي خَلَقَ المَوْتَ ولا يَمُوت.
والأُستاذُ الشاعرُ المَرحوم برنس الواثق يَكْفِيهِ فَخْرًا أنَّهُ نَقَلَ
الشِّعْرَ الغِنَائيَّ العَرَبِيَّ إلى العالميَّة ، وَهَذا المُصَابُ الجَلَلُ
هُوَ مُصَابُنا جَمِيعًا، وَعَوَّضَكِ اللَّهُ خَيْرًا مِنْه. وَقَدْ أَمَرْتُ
وَزيرَ الماليَّةِ بِتَخصيصِ راتب وزير مَعَ كَافَّةِ الامتيازاتِ والمُكَافآتِ
لِزَوْجِكِ الرَّاحِلِ . تَسْتلمينه كُلَّ شَهْرٍ بانتظام ، وَبِدُون تأخير. واسْمَحِي
لِي الآن أنْ أُقَدِّمَ لَكِ وِسَامَ الإبداعِ الثَّقَافِيِّ مِنَ الدَّرَجَةِ
الأُولَى ، وَأُعَلِّقَهُ عَلى صَدْرِكِ بِنَفْسِي .
بإمكانِ رَئيسِ الجُمهوريةِ
أنْ يُقَدِّمَ لَهَا دِرْعًا أوْ جائزة ، تَسْتلمها باليَدِ ، ولكنَّه أرادَ تَعليقَ
الوِسَامِ عَلى صَدْرِها المُمْتَلئ كَيْ يَغْرِسَ أظافرَه في ثَدْيَيْهَا
الكَبِيرَيْن . ثَبَّتَ الوِسَامَ في الجانبِ الأيسرِ مِنْ صَدْرِهَا قريبًا مِنَ
القَلْبِ . وقالَ لَهَا : (( عِنْدَمَا تَنْتَهي عِدَّتُكِ أخْبِريني )) .
لَمْ تَفْهَمْ تَغْريد نَصْري
مَعنى هَذه العِبَارة الأخيرة التي قالَها رئيسُ الجُمهورية . اعتقدتْ للوَهْلَةِ
الأُولَى أنَّهُ يُريدُ مَنْحَها مُكافأةً ماليَّة ، أوْ وَظيفةً في وِزارة
الثَّقَافة ، أوْ أنَّهُ يُريدُ عَرْضَ مَسْرحياتها عَلى شَاشَةِ التلفزيون
الحُكوميِّ ، لِدَعْمِ الحَرَكَةِ المَسْرحيةِ ومَسِيرَةِ الفَنِّ والثَّقَافَةِ .
لَمْ تَتَخَيَّلْ أنَّهُ سَيَطْلُبُهَا للزَّوَاجِ. لَمْ تَتَصَوَّرْ حَتَّى في
أحلامِها أنَّها سَتُصْبح السَّيِّدَةَ الأُولَى زَوْجَة الرئيس. إنَّها
مُمَثِّلَة مَسْرَحِيَّة، وَهُوَ فَخَامَة رئيسِ الجُمهورية ، رأس الدَّولة ،
والقائد الأعلى للقُوَّاتِ المُسَلَّحَة . أمَامَه عَشَرَات النِّسَاءِ مِنْ أغنى
العائلاتِ وأكبرِ العشائر . بإمكانِه أنْ يَتَزَوَّجَ أميراتٍ مِنْ عائلاتٍ
مَلَكِيَّة حاكمة في الشرقِ والغرب ، أوْ بَنَات رِجَال الأعمال أصحاب الملايين ،
أوْ بنات شُيوخ القَبائل ، أو صاحبات أعلى الشَّهَادَاتِ اللواتي دَرَسْنَ في
هارفارد وأُكسفورد وكامبردج والسُّوربون ، وَيَتَحَدَّثْنَ عِدَّة لُغَات.
تَغْريد نَصْري مُمَثِّلَة
تَقْضِي وَقْتَهَا عَلى خَشَبَةِ المَسْرَحِ ، صحيحٌ أنَّها مُحْتَرِفَة، ولكنَّ
هَذا لا يَعْني شيئًا ، فَهُنَاك المِئَات مِنَ المُمَثِّلات المُحْتَرِفَات في
المَسْرَحِ والتلفزيون والسِّينما والإذاعة .
مَرَّتْ فَتْرَةُ العِدَّةِ (
أربعة أشهر وَعَشْرَة أيام ) كأنَّها مِئة سَنَة . رئيسُ الجُمهوريةِ كانَ
يَعُدُّهَا دَقيقةً دَقيقةً . وَلَمْ يُصَدِّقْ أنَّها انتَهَتْ . رَكَضَ إلى
تَغْريد نَصْري مِثْلَ الطِّفْلِ التَّائِهِ الذي فَقَدَ أُمَّه . خَلَعَتْ
ثِيَابَ الحِدَادِ السَّوْدَاءَ، وارتدتْ مَلابس مُغْرِية ، وَاعْتَنَتْ بزينتها ،
وَظَهَرَتْ في قِمَّةِ أُنوثتها . فُستان سَهْرَة لَوْن أخْضَر طويل بِدُون أكمام
، مُزَيَّن بِتَطريز يَدَوِيٍّ لامع ، ومَصنوع مِنْ قُمَاش فاخر. اختارت اللَّوْنَ
الأخضرَ ، لأنَّه لَوْنُ الطبيعةِ ، ويَرتبط بالسَّلامِ وَالوِئام ، وَتَبْدُو
المَرْأةُ التي تَرْتدي الأخضرَ أكثرَ لُطْفًا واسترخاءً ، مِمَّا يَجْذِبُ
الرَّجُلَ الباحثَ عَن الهُدوءِ والرَّاحَةِ . رائحةُ عِطْرِهَا فَوَّاحَةٌ ،
وتَمْلأ المَكَانَ. وَأحْمَرُ الخُدودِ يُضْفِي لَوْنًا عَلى الخُدودِ لإعطاءِ
مَظْهَرٍ صِحِّيٍّ وَمُشْرِق. والبُودرةُ تُسْتَخْدَمُ لِتَثبيتِ المِكياجِ
وإخفاءِ اللمعانِ ، والكُحْلُ يُسْتَخْدَمُ لِتَحديدِ العُيونِ وإبرازِها .
مِسْكِينٌ رئيسُ الجُمهوريةِ،لَمْ يَرَ مِثْلَ
هَذا المَنْظَرِ في حَيَاتِه،وَلَمْ يَشُمَّ مِثْلَ هَذه الرائحةِ المُنْعِشَةِ في
عُمره ، فَكُلُّ تَعَامُلاتِه مَعَ قَادَةِ الأجهزةِ الأمْنِيَّةِ الذينَ لا
تَصْدُرُ مِنْهُمْ إلا رائحةُ العَرَقِ الكَرِيهَة .
قالَ رئيسُ الجُمهوريةِ
بِصَوْتٍ مُنخفضٍ عَلى غَيْرِ العَادَةِ :
_ يا تَغْريد ، أُريدُكِ
زَوْجَةً شَرْعِيَّةً وَعَلَنِيَّةً ، أنا رئيسُ الجُمهوريةِ ، وأنتِ السَّيِّدةُ
الأُولَى .
فُوجِئَتْ تَغْريد بِهَذا
الكلامِ ، وارتبكتْ ، وَبَلَعَتْ رِيقَها عِدَّةَ مَرَّاتٍ . لَقَد لَبِسَتْ أجملَ
فُستان ، وَتَزَيَّنَتْ بشكلٍ صارخٍ عَلى أمَلِ أنْ تُقْنِعَ الرئيسَ بِتَعْيينها
مُديرة قِسْمِ المَسْرَح في وِزارةِ الثَّقَافَةِ . وَهِيَ الآنَ تَتَلَقَّى
عَرْضًا صاعقًا بأنْ تُصبح زَوْجَة رئيس الجُمهورية .
استعادتْ تَغْريد السَّيطرةَ
على أعصابِها ، وقالتْ :
_ سَيِّدي الرئيس، هَذا شَرَفٌ
كبير لِي ، وأنا جُنْدِيَّة مِنْ جُنُودِكَ ، ولكنْ للأسفِ الشديد ، أنا امرأةٌ
عَاقِرٌ لا تَلِدُ ، وَهَذا مَا أكَّدَه جميعُ الأطباءِ الذينَ فَحَصُوني . وَمِنْ
حَقِّكَ أنْ يَكُون لَكَ أبناء وَذُرِّية يَحْمِلُون اسْمَكَ، وَيَسْتَلِمُون
المَنَاصِبَ الحَسَّاسَةَ في الدَّولةِ . وَعَدَمُ وُجود أبناء لَكَ يُؤَثِّر عَلى
مُسْتقبلك السِّياسي،وَنَهْضَةِ الوَطَنِ،وَصُورَتِكَ أمامَ المُواطِنين،ولا
أُحِبُّ أنْ أكُونَ حَجَرًا في طَرِيقِك .
_ يا تَغْريد ، لَوْ أردتُ
الإنجابَ لَتَزَوَّجْتُ غَيْرَكِ ، أنا اخْتَرْتُكِ للمُتعةِ والاستمتاعِ . لا
أُريدُ أطفالًا تُرْضِعِينهم ، أُريدُكِ أنْ تُرْضِعِيني وَحْدِي
. صَدْرُكِ المُمْتَلِئُ أكبرُ دَاعِمٍ للوَحْدَةِ الوطنية ، وَسَوْفَ يُوحِّد جَمِيعَ
قُوى الشَّعْبِ بِكُلِّ أطيافِه وَفِئَاتِه وَمَراحلِه العُمرية . ثَدْيُكِ اليَمِين هُوَ وِزَارَةُ الدَّاخِلِيَّة
، وَثَدْيُكِ الشِّمَال هَوُ وِزَارَةُ الخارجيَّة .
احْمَرَّ وَجْهُ تَغْريد خَجَلًا ،
وَشَعَرَتْ بالإحراجِ ، وَارتجفتْ أطرافُها، وسالَ العَرَقُ مِنْ أماكن كثيرة في
جِسْمِهَا ، وَلَمْ تَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ .
وأردفَ رئيسُ الجُمهوريةِ قائلًا :
_ أنا آمُرُكِ أنْ تَعْتزلي التَّمثيلَ ،
لأنَّه مَسْخَرَة، وَتَبْتَعِدي عَن المَسْرَحِ ، لأنَّهُ مَهْزَلَة . الفَنُّ قَائِمٌ
عَلى العُرْيِ والتَّعَرِّي . أنا أسَدٌ غَيُور ، أمَّا زَوْجُكِ المَقْبُورُ
فَهُوَ بَيَّاعُ كَلامٍ وَدَيُّوثٌ أبو قُرُون ، حَيَاتُكِ مَعِي سَتَكُونُ مِنَ المَطْبَخِ إلى
غُرْفَةِ النَّوْمِ ، وَمِنْ غُرْفَةِ النَّوْمِ إلى المَطْبَخِ .
وتابعَ قائلًا بِحَزْمٍ وَصَرَامَةٍ :
_ جَهِّزِي نَفْسَكِ في الأُسبوعِ القادمِ،
كَيْ تُسَافِرِي إلى لندن وباريس معَ المُرَافِقَاتِ والوَصِيفاتِ والخادماتِ ،
وتَشْتري فُستانَ العُرْسِ ، وَثِيَابًا فاخرةً ، وَمِكْيَاجًا ، ومَسَاحِيق
تَجْميل ، وَمُجَوْهَرَات ، وَعُطُورًا ، وحقائب ، وأحذية ، وإكْسِسْوارات ، وقُمْصَان
نَوْم ، وكَلاسين ، وصدريات . وكُلُّ الفَوَاتير والتَّكْلُفَة والمَصَارِيف
سَتَكُون على نَفَقَةِ الدَّولةِ، وَسَتَقُوم الحُكومةُ بِتَغطيةِ كَافَّةِ
المَبَالِغِ .
لَمْ تَعْرِفْ تَغْريد نَصْري كَيْفَ
تَتَصَرَّفُ في هَذا المَوْقِفِ . قَبَّلَتْ يَدَ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وقالتْ :
_ أنا الجَارِيَةُ المُخْلِصَةُ
لِسِيَادَتِكَ ، والخَادِمَةُ المُطِيعَةُ لِفَخَامَتِكَ ، وأوامرُكَ عَلى عَيْني
وَرَأسي .
بَعْدَ أنْ تَمَّ الزَّوَاجُ عَلى خَيْرٍ
وَبَرَكَةٍ ، وَدَخَلَ بِهَا السَّيِّدُ الرئيسُ ، صَارَ اسْمُها الرَّسْمِيُّ في
وَسائلِ الإعلامِ المَرئية
والمَسموعة والمَقْروءة : " السَّيِّدَةُ الأُولَى
الطاهرةُ تَغْرِيد بِنْت نَصْرِي ، حَرَمُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَوَالِدَةُ
الدَّوْلَةِ ، وَأُمُّ الشَّعْبِ ، وَرَاعِيَةُ المُوَاطِنِين " ، مَعَ
أنَّها كانتْ في الثامنة والعِشْرين مِنَ العُمر . وَلَمْ تَفْرَحْ بِهَذا اللقبِ
سِوَى أربع سَنَوَات ( 1978 _ 1982 ) ، وَهِيَ مُدَّةُ حُكْمِ زَوْجِهَا الرئيسِ
المَخلوعِ .
وَسَائِلُ الإعلامِ الأجنبيةُ تُسَمِّيها :
" البَقَرَة الحَلُوب " . والمُوَاطِنُون في مَجَالِسِهِم الخَاصَّةِ
يُسَمُّونَهَا " أُم بِطِّيخَتَيْن " بِسَبَبِ ضَخَامَةِ ثَدْيَيْهَا
اللذَيْن كَانَا مَصَدْرَ فَخْرٍ لِمُعْجَبِيهَا، وَرَمْزًا لِشُهْرَتِهَا.
وَهِيَ الآنَ بَعْدَ الانقلابِ العَسكريِّ في
الحِفْظِ والصَّوْنِ . أَمَرَ أبي بِوَضْعِهَا في أحَدِ القُصُورِ الجُمهورية ،
وَتَلْبيةِ كَافَّةِ طَلباتها ، والعِنَايَةِ بِهَا ، وَرِعَايتها . وهُناك
أطِبَّاء وَمُمَرِّضَات يَسْهَرُونَ عَلى رَاحَتِهَا ، وَيُشْرِفُونَ عَلى
صِحَّتِهَا النَّفْسِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ .
سَيْطَرَ الضُّبَّاطُ الأحرارُ عَلى
السُّلطةِ ، والبِلادُ يَحْكُمُهَا الآن مَجْلِسُ قِيَادَةُ الثَّوْرَةِ . وأفرادُ
الشَّعْبِ رِجَالًا وَنِسَاءً يَرقُصُون وَيُغَنُّونَ في الشَّوارعِ ابتهاجًا
بِهَذا الانقلابِ ، الذي نَفَّذَهُ أقَلُّ مِنْ مِئة ضابط ، وجَمِيعُهُم تقريبًا
كانوا مِنْ رُتَبٍ صغيرة .
الرئيسُ المَخلوعُ طَلَبَ تَدَخُّلَ
الوِلاياتِ المُتَّحِدَة ، لكنَّه لَمْ يَتَلَقَّ أيَّ رَدٍّ . اندلعَ جَدَلٌ
بَيْنَ الضُّبَّاطِ الأحرارِ حَوْلَ مَصِيرِ الرئيسِ المَخلوع . اعتقدَ البعضُ
أنَّ أفضلَ مَسَار للعملِ هُوَ إرسالُه إلى المَنْفَى ، في حِينَ طالبَ آخَرُون
بِمُحاكمته ومُصَادَرَةِ أموالِه وأملاكِه ، أوْ إعدامِه شَنْقًا أوْ رَمْيًا
بالرَّصَاصِ . وَسَوْفَ يَذكُرُ التاريخُ هَذا الانقلابَ العَسْكريَّ المُبَارَكَ
، وَالحَرَكَةَ التَّصْحِيحِيَّةَ العَظيمة ، والثَّوْرَةَ المَجِيدَةَ، التي كانَ
أبي أَحَدَ قَادَتِهَا وَصُنَّاعِهَا ، وواحدًا مِنْ أَهَمِّ العُقُولِ
المُدَبِّرَة والمُخَطِّطَة لَهَا، وَيَكْفِيهِ فَخْرًا وَشَرَفًا وَمَجْدًا أنَّهُ
أوَّلُ مَنْ أذاعَ البَيَانَ الأوَّلَ لِثَوْرَةِ 10 آب / أَغُسْطُس 1982 ، التي
أُعْلِنَ عَنْ مَبَادِئِهَا فِيمَا بَعْد :
1_ القَضَاءُ عَلى الفَسَادِ .
2_ القَضَاءُ عَلى الاستعمارِ .
3_ القَضَاءُ عَلى سَيْطَرَةِ رَأسِ المَالِ
عَلى الحُكْمِ .
4_ إقامة جَيْش وَطني قوي .
5_ إقامة عَدَالَة اجتماعيَّة .
6_ إقامة حَيَاة دِيمُقراطية سليمة .
للأسفِ الشَّديدِ ، بَعْدَ مُدَّةٍ قَصيرةٍ
مِنْ نَجَاحِ الثَّوْرَةِ ، حَدَثَتْ صِرَاعَات دَاخليَّة بَيْنَ أعضاءِ مَجْلِسِ
قِيادةِ الثَّورةِ الذي يَحْكُمُ البِلادَ، خَاصَّةً بَيْنَ العَقيدِ مُراد عادل
وأبي المُلازِم سَلْمَان رَجَب .
كانَ مُراد عادل يَمِيل إلى الدِّيمقراطية،
وَيَسْعَى لِتَوسيعِ شَعْبيته ، بَيْنَمَا كانَ أبي يُفَضِّلُ السُّلطةَ
المُطْلَقَةَ ، وَيَسْعَى لِتَوحيدِ القِيادةِ في يَدِه . وكانَ مُراد عادل
يَدْعُو إلى نِظامٍ دِيمقراطي ، بَيْنَما كانَ أبي يَرَى أنَّ الظُّروفَ لا
تَسْمَحُ بذلك ، وَيَدْعُو إلى حُكْمٍ قَوِيٍّ مَركزي . ومُراد عادل وأبي كَانَا
يَسْعَيَان لِتَعزيزِ مَكانتهما وسُلْطتهما داخل المَجْلِس ، مِمَّا أدَّى إلى صِرَاع
عَلى النُّفُوذ . وحاولَ أبي استغلالَ الحَركةِ الإسلاميَّة لِكَسْبِ تأييدٍ
شَعْبي ، وَهُوَ مَا عَارَضَه مُراد عادل ، مِمَّا زادَ مِنْ حِدَّةِ التَّوَتُّرِ
بَيْنَهما . وأيضًا، كانَ هُناك مُحاولة لاغتيالِ أبي ، اتُّهِمَت الحَركةُ
الإسلاميَّة بِهَا ، مِمَّا أدَّى إلى تَصفيةِ حِسَابات داخل المَجْلِس .
السَّيْفَان لا يَجْتمعان في غِمْدٍ واحد ،
والمُلْكُ عَقِيمٌ ، لا يَنْفَع فيه نَسَبٌ ، لأنَّ الأبَ يَقْتُلُ ابْنَه عَلى
المُلْكِ ، فصارَ كأنَّه عَقِيمٌ لَمْ يُولَدْ لَه ، وَتُقْطَع في المُلْكِ
الأرحامُ بالقَتْلِ والعُقُوقِ . والدُّنيا عَقِيمٌ ، لا تَرُدُّ عَلى صَاحِبِهَا
خَيْرًا .
26
كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ قِصَّةَ الرئيسِ
المَخلوعِ مَعَ تَغْريد نَصْري ، ابتسمتُ ابتسامةً عَرِيضَةً ، وَتَذَكَّرْتُ هَذه
القِصَّة التي أوْرَدَتْهَا كُتُبُ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ _ مَعَ الفَارِقِ _ :
(( كَتَبَ الحَجَّاجُ بن يُوسُف إلى الحَكَمِ بنِ أيُّوب،
قال: اخْطُبْ لِعَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوان امرأةً جَمِيلةً مِنْ بَعيدٍ ، مَلِيحةً
مِنْ قَرِيبٍ ، شَرِيفَةً في قَوْمِهَا، ذَليلةً في
نَفْسِهَا، مُؤَاتِيَةً لِبَعْلِهَا،
فَكَتَبَ إلَيْهِ : أَصَبْتَهَا لَوْلا عِظَم ثَدْيَيْهَا ، فَكَتَبَ إلَيْهِ
الحَجَّاجُ : لا يَحْسُنُ بَدَنُ المَرْأةِ حَتَّى يَعْظُمَ ثَدْيَاهَا ، فَتُدَفِّي
الضَّجِيعَ ، وَتُرَوِّي الرَّضِيعَ )) .
يُشِيرُ إلى أنَّ المَرْأةَ ذَات
الثَّدْيَيْنِ المُمْتَلِئَيْنِ تَكُون ذَاتَ فائدة مُزْدَوَجَة ، فَهِيَ
تُدَفِّئُ الزَّوْجَ في فِرَاشِه ، وَتُشْبِعُ طِفْلَها الرَّضِيعَ . وهَذا
يَعْكِسُ قِيمَةَ الجَسَدِ الأُنْثَوِيِّ في الثَّقَافَةِ الشَّعْبية ، حَيْثُ
يُنْظَر إلى الثَّدْيَيْن عَلى أنَّهما مَصْدَر للدِّفْءِ والرَّاحَةِ للرَّجُلِ ،
وَمَصْدَر للغِذَاءِ للطِّفْلِ . وَيَصِفُ المَثَلُ الفِطْرَةَ السَّليمةَ التي
خَلَقَ اللَّهُ بِهَا المَرْأةَ ، حَيْثُ إنَّ جَسَدَهَا مُهَيَّأ لِتَلْبِيَةِ
احتياجاتِ الرَّجُلِ والطِّفْلِ .
وَالعَرَبُ تَصِفُ المَرْأةَ عَظِيمَةَ
الثَّدْيَيْن بأوصافٍ كثيرةٍ ، مِنْهَا : الثَّدْيَاء ، والطُّرْطُبَّة ، وَالخَنْضَرِف،
والفِرْضَاخِيَّة ، والضَّرْعَاء ، والوَطْبَاء ، كأنَّها تَحْمِلُ وَطْبًا مِنَ
اللَّبَنِ ، والوَطْبُ : وِعَاء مِنْ جِلْدٍ للمَاءِ واللَّبَنِ وغَيْرِهِمَا .
والمَرْأةُ لا تَنْسَى زَوْجَهَا الأوَّلَ ،
فَهُوَ أبو عُذْرِهَا، وأبو عُذْرَتِهَا ، أي : الذي افْتَضَّ بَكَارَتَهَا ،
وَأزالَ عُذْرَتَهَا . والعُذْرَةُ : غِشَاءُ البَكَارَةِ .
27
قالَ أبي بِفَخْرٍ واعتزازٍ :
_ يا جَمَاعَة الخَيْرِ ، لَقَدْ حَصَلْتُ
عَلى قَصْرِ وَزيرِ الدَّاخِلِيَّة في النِّظَامِ البائدِ ، وَسَوْفَ نَرْحَلُ
إلَيْه . وَهُوَ قَصْرٌ كبيرٌ وَفَخْمٌ ، فِيه سِت غُرَف نَوْم ، وَسِتَّة
حَمَّامَات ، وقاعة استقبال ، ومَطْبَخَيْن ، ومَكَاتِب . والقَصْرُ مُزَيَّنٌ
بِزَخَارِف فَنِّية مُتَنَوِّعَة ، وَلَوحاتٍ جِداريَّة ، وفيه حَدِيقة فاخرة ،
وَمَسْبَح ، وَصَالَة رِيَاضِيَّة ، ومَكتبة . وَهُوَ في مَنطقة مُحَصَّنَة
أمْنِيًّا ، لِحِمَايته ، وَحِمَايَةِ سُكَّانِه .
قَفَزْتُ في الهَوَاءِ مِنْ شِدَّةِ
الفَرَحِ والسَّعَادَةِ ، وَقُلْتُ بأعلى صَوْتي :
_ وَأخيرًا ، سَوْفَ نَعيشُ في قَصْرٍ
فَخْمٍ .
اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا نارت بالدُّمُوعِ ،
وقالَ بِصَوْتٍ مَكسور :
_ أُريدُ أنْ أعيشَ في قَصْرِ عَمِّي ، كَي
أسْبَحَ أنا وَهِشَام في المَسْبَحِ .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية بِدَلَعٍ
وَدَلالٍ :
_ فِرَاقُكُمْ صَعْبٌ يا " أبو ناصر
" ، تَعَوَّدْنَا عَلْيَكُم ، ولا نَستطيعُ العَيْشَ بِدُونِكُم ، وَنَحْنُ
عائلة واحدة ، وأنا أُمُّ ابْنِكَ هِشَام في الرَّضَاعَة ، أنا مِثْل أُمِّ ناصر ،
وَمَحَبَّةُ هِشَام في قَلْبي مِثْل مَحَبَّةِ نارت. والإنسانُ يَشْعُرُ بالحُزْنِ
والألَمِ عِند الابتعادِ عَنْ أحبابِه .
قالتْ أُمِّي بِحَمَاسَةٍ شديدةٍ :
_ لِمَاذا لا تأتونَ للعَيْشِ مَعَنَا ،
القَصْرُ واسعٌ وكبيرٌ ، وفيه غُرَف كثيرة .
قالَ عَمِّي الدُّكتور :
_ لا نُرِيدُ أنْ نُثْقِلَ عَلَيْكُم ،
كَمَا أنَّنا لا نَسْتطيعُ تَرْكَ الفيلا فارغةً .
قالَ أبي وَقَدْ تَحَمَّسَ لِفِكْرَةِ
أُمِّي :
_ يا أخِي يا دُكتور ، القَصْرُ ضَخْمٌ
يَتَّسِعُ لَنَا جَمِيعًا ، لَنْ تُثْقِلُوا عَلَيْنَا ، وَلَنْ نُثْقِلَ
عَلَيْكُم ، وَنَحْنُ عائلة واحدة ، وَلَيْسَ لَنَا إلا بَعْضنا البَعْض ، وهَذه
الفيلا بإمْكَانِكَ أنْ تُؤَجِّرَهَا لِسَفيرٍ أجنبيٍّ أوْ هَيْئَةٍ دُبلوماسيَّة،
وَتَكْسِب مَبْلَغًا كبيرًا مِنَ المَالِ .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية :
_ فِكْرَة عَبْقَرِيَّة يا " أبو ناصر
" ، أنتَ لَسْتَ قائدًا عَسْكريًّا أوْ شَخصية سِيَاسِيَّة فَقَط ، بَلْ
أيضًا خَبِيرٌ اقتصادي . نَكْسِبُ المالَ ، وَنَسْكُنُ مَجَّانًا ، وَنُؤْنِسُكُم
في القَصْرِ الكبير ، وَنَجْعَلُكُم تَشْعُرُون بالأُلْفَةِ والرَّاحَةِ ،
وَنُزِيلُ عَنْكُم الوَحْدَةَ ، وَنَحْنُ الشَّركسيات مُتَعَوِّدَاتٌ عَلى حَيَاةِ
القُصُورِ .
خافَ أبي مِنْ عِبَارةِ زَوجةِ عَمِّي :
" الشَّركسيات مُتَعَوِّدَاتٌ عَلى حَيَاةِ القُصُورِ " . شَعَرَ أنَّها
اختراقٌ أمْنِيٌّ ، قَدْ يُوصِل إلى مَعلوماتٍ حَسَّاسَة أوْ سِرِّية . عَقْلُ أبي
مُبَرْمَجٌ أمْنِيًّا وَمُخَابَرَاتِيًّا وانقلابيًّا ، صارَ يَشُكُّ في كُلِّ شَيْء
، وَيُحلِّل كُلَّ العِبَارَاتِ، وَيَدْرُسُ جَمِيعَ الاحتمالاتِ . وَأسْوَأُ الناسِ حَالًا مَنْ لا يَثِقُ بِأحَدٍ لِسُوءِ ظَنِّه
، ولا يَثِقُ بِهِ أحَدٌ لِسُوءِ فِعْلِه . قِيلَ لِمُعاوية : مَا بَلَغَ مِنْ عَقْلِكَ ؟، قال: (( مَا
وَثِقْتُ بِأحَدٍ قَط )) . وقال الشاعرُ : (( احْذَرْ صَدِيقَكَ لا عَدُوَّكَ إنَّما
... جُمْهُورُ سِرِّكَ عِنْدَ كُلِّ صَدِيق )) . وقالَ أميرُ الشُّعَرَاءِ أحمد
شَوْقي : (( وَمَنْ يَسْتَعِنْ في أمْرِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ... يَخُنْهُ
الرَّفِيقُ العَوْنُ في المَسْلَكِ الوَعْرِ )) . أي إنَّ مَنْ يَعتمد في شُؤونِه
عَلى غَيْرِ نَفْسِه ، فإنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ للخِيَانَةِ مِنْ رِفَاقِهِ
وَعَوْنِهِ في الأمُورِ الصَّعْبَةِ .
هَلْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ زَوْجَةُ عَمِّي
الشَّركسية مِنْ أعداءِ الوَطَنِ والطابورِ الخامسِ ؟ . هَلْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ
مَدْسُوسَةً ؟ . هَلْ مِنَ المَعقولِ أنَّها تَسْتَغِلُّ جَمَالَهَا وَأُنوثَتَهَا
ودَلَعَهَا وَدَلالَها للسَّيطرةِ عَلى أبي عُضْوِ مَجْلِسِ قِيادةِ الثَّوْرَةِ
للحُصُولِ مِنْه عَلى مَعلومات حَسَّاسَة تَتَعَلَّقُ بالأمْنِ القَوْمِيِّ ؟ .
البَلَدُ على كَفِّ عِفْرِيت ، وَهِيَ خارجة
مِنْ رَحِمِ الثَّوْرَةِ ، والأجهزةُ الأمنيةُ يَتِمُّ الآنَ بِنَاؤُها مِنْ جَديدٍ
عَلى أُسُسٍ وَطَنِيَّة واحترافيَّة . وَيَنْبعي أخذُ الحَيْطَةِ والحَذَر .
الشُّكُوكُ تُسَيْطِر عَلى عَقْلِ أبي الذي يَشُكُّ في نَفْسِه ، والهواجسُ
تَتلاعبُ بِهِ ، والوَسَاوِسُ تأخذُه إلى كُلِّ الاتِّجَاهاتِ . كَلَّفَ أحَدَ
مُسَاعِدِيه القُدَامى في قِسْمِ جَمْعِ المَعلوماتِ في المُخَابَرَاتِ العَسْكرية
بِجَمْعِ مَعلومات عَن الشَّركسياتِ ، ومُحاولةِ تَفْسير عِبَارة زَوْجَةِ عَمِّي
: " الشَّركسيات مُتَعَوِّدَاتٌ عَلى حَيَاةِ القُصُورِ " .
وَهَذا التَّقريرُ أوَّلِيٌّ ، مِنْ إعداد
قِسْم جَمْع المَعْلُومات ، ويُرجَى عَرْضُه عَلى قِسْمِ فَحْصِ المَعلوماتِ
وتَدقيقِ البياناتِ :
(( الشَّركسياتُ مِنْ شَمالِ غَرْبِ
القُوقازِ ، جَميلات بشكل غَيْر عاديٍّ ، وَمُفْعَمَات بالحَيَوِيَّةِ والأناقةِ ،
وَيُعْتَبَرْنَ مَحْظِيَّات مَرْغُوبات . في عَهْدِ الدَّولةِ العُثمانية ، كانت
النِّسَاءُ القُوقَازِيَّاتُ يَعِشْنَ كَعَبِيدٍ في حَرَمْلِك السُّلطان ،
وَبَدَأتْ شُهرةُ نِسَاءِ الحَرَمْلِك كَنِساء شديدات الجَمَالِ والكِيَاسَةِ ،
لِيُصْبِحْنَ فِيما بَعْد مَجَازًا في الاستشراقِ الغَرْبيِّ . نتيجة لهذه
الشُّهرة ، كانَ عادةً مَا يُنظَر إلى الشَّركسيات في أوروبا وأمريكا كَمَثَلٍ
أعلى للجَمَالِ الأُنثويِّ في الشِّعْرِ والفَنِّ . مُنْذُ القَرْنِ الثامنِ عَشَر
فَصَاعِدًا ، كانَ يُسَوَّق لِمُستحضراتِ التَّجميلِ باستخدامِ كَلِمَة "
شركسية " ، أوْ بالزَّعْمِ أنَّ هَذا المُنْتَجَ مَصنوع مِنْ مَادَّةِ
تَسْتخدمها النِّسَاءُ الشَّركسيات . وَمُعْظَمُ زَوجاتِ العَدِيدِ مِنَ
السَّلاطين العُثمانيين كُنَّ شَركسيات . تَتَّصِفُ الشَّركسياتُ بالشُّحُوبِ
الورديِّ ، أو البَشَرَةِ البَيْضَاءِ الشَّفَّافَةِ . واشتهرتْ مُعْظَمُ
القَبائلِ الشَّركسيةِ بالشَّعْرِ الأشقرِ المُعْتَدِلِ ، أو الدَّاكِن ،
والشَّعْرِ الأحمرِ ، مَعَ عُيون رَمَادِيَّة زَرْقَاء أوْ خَضْرَاء . وُصِفَت الشَّركسياتُ
في الحَرَمْلِك العُثمانيِّ بأنَّهُنَّ يَتَمَتَّعْنَ بِعُيون خضراء ، وَشَعْر
أشقر طويل داكن ، وَبَشَرَةٍ شاحبةٍ بِلَوْنِ أبيض شَفَّاف ، وخَصْرٍ نَحِيلٍ ، وَنُهُودٍ
مُسْتديرة ، وأجسامٍ حَسَنَة المَظْهَر للغايةِ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلى الصِّحَّةِ
والتَّغذيةِ الجَيِّدة .
النِّسَاءُ الشَّركسياتُ جَمِيلاتٌ ، وجَذَّابَاتٌ
، وَنَشِيطاتٌ ، وَذَكِيَّاتٌ ، وأنيقاتٌ ، وَلَمَعَانُ عُيُونِهِنَّ قَاتِلٌ ،
وَجِبَاهُهُنَّ ناصعةٌ مَلْسَاء ، وَوُجُوهُهُنَّ مُدَوَّرَة ، وأجْسَادُهُنَّ
نَاعِمَةٌ وَلَيِّنة ، لذلك هُنَّ مَرْغُوبات مِنَ الناحيةِ العَقليةِ والجَسديةِ
للرِّجَالِ ، مَعَ أنَّ الشَّركسَ يَرْفُضُون تَقْليديًّا الزَّوَاجَ مِنْ غَيْرِ
الشَّركسِ ، وَيُفَضِّلُون الزَّوَاجَ مِنْ بَعْضِهِم البَعْض للحِفَاظِ عَلى
هُوِيَّتِهِم وَثَقَافتهم وَجُذُورِهِم ، وَتَجَنُّبِ الذَّوَبَانِ في
مُجْتَمَعَاتٍ أُخْرَى .
كانَ مِنَ المَعروفِ عَلى نِطاق واسع أنَّ
الفَتَيَات الشَّركسيات يَتِمُّ شِرَاؤُهُنَّ في الغالبِ لِيُصْبِحْنَ زَوْجَات
أوْ مَحْظِيَّات للرِّجالِ الأثرياءِ ، مِمَّا جَعَلَ تِجَارَةَ الرَّقيقِ
الشَّركسية تُعْتَبَر شَكْلًا مِنْ أشكالِ سُوقِ الزَّواجِ . وجاءت الشَّركسياتُ
إلى إسطنبول لِيُصْبِحْنَ زَوجاتٍ للسَّلاطين والبَاشَوَات .
كانت النِّسَاءُ الشَّركسياتُ مَطلوباتٍ
بِشِدَّةٍ للحَرَمْلِك ( جَنَاح الحَرِيم ) في عَهْدِ الإمبراطورية العُثمانية
لِعِدَّةِ أسباب :
1_ مَعايير الجَمَال : لَطَالَمَا
اعْتُبِرَت النِّسَاء الشَّركسيات جَمِيلات بشكلٍ استثنائيٍّ ، مُجَسِّدَات
للمُثُلِ الجَمَالِيَّة السائدة في ذلك الوَقْتِ ، وكانتْ سِمَاتُهُنَّ ،
كالبَشَرَةِ الفاتحةِ والشَّعْرِ الفاتحِ ومَلامحِ الوَجْهِ اللافتة ، مَحَلَّ
تَقْديرٍ كبير في المُجتمع العُثمانيِّ .
2_ التَّصَوُّرات الثَّقَافية : كانَ يُنظَر
إلى الشَّركسِ، وَهُمْ جَمَاعة مِنْ مَنطقة شَمال غَرْب القُوقاز، على أنَّهُم
غُرَباء ومَرغوب فيهِم . وَقَدْ غَذَّتْ هَذه النَّظرةُ التَّصَوُّرَاتِ
الرُّومَانسيَّة عَنْ القُوقازِ وَشَعْبِه ، والتي سادتْ في الأدبِ والفَنِّ
العُثمانيِّ .
3_ المَكَانة الاجتماعية : غالبًا مَا
ارتبطت النِّسَاءُ الشَّركسيات بالنُّبَلاءِ والأثرياءِ وأصحابِ المَكَانَةِ
الاجتماعيةِ الرَّفيعة . وكانَ يُنظَر إلى الزَّواجِ مِنْ نِسَاء شركسيات ، أو
اقتنائهن ، كوسيلة لِتَعزيز مَكانةِ المَرْءِ ضِمْن التَّسَلْسُلاتِ الاجتماعية
المُعَقَّدَةِ للإمبراطورية العُثمانية .
4_ التَّوَفُّر : خِلال القَرْنِ التاسعِ
عَشَر ، أدَّت الدِّيناميكيَّاتُ الجُيوسياسية في القُوقازِ ، بِما في ذلك
الصِّراعات والتَّوَسُّع الرُّوسي في المَنطقة ، إلى نُزوح العَدِيدِ مِنَ
الشَّركس ، وَقَدْ أدَّى ذلك إلى وَضْعٍ أصبحتْ فِيهِ العَدِيد مِنَ النِّسَاءِ
الشَّركسيات مُتَاحَات للبَيْعِ أو الأسْرِ ، مِمَّا جَعَلَهُنَّ مَصْدَرًا مُهِمًّا
للحَرِيمِ .
5_ التَّدريب والتَّربية : نَشَأتْ العَدِيد
مِنَ النِّسَاءِ الشَّركسيات عَلى أمَلِ الخِدمةِ في الحَريمِ ، وكثيرًا مَا
تَلَقَّيْنَ تَدْريبًا في فُنونِ التَّجميلِ والمُوسيقى والرَّقْصِ . هَذا
الإعدادُ جَعَلَهُنَّ جَذَّابَاتٍ بشكلٍ خاص كَرَفيقات وَمُسَلِّيات في أجواءِ
الحَرِيم .
6_ التَّحَالُفَات السِّياسية : إنَّ
اكتسابَ النِّسَاءِ الشَّركسيات قَدْ يَكُون أيضًا بِمَثابةِ وسيلة لتشكيل
تَحَالُفَات سِياسية ، حَيْثُ كانت الزِّيجاتُ تُسْتَخْدَمُ غالبًا لِتَعزيزِ
العَلاقاتِ بَيْنَ المَجموعاتِ العِرْقِية المُختلفة والفَصائلِ السِّياسية .
وبشكلٍ عام ، سَاهَمَ الجَمْعُ بَيْنَ
الجَمَالِ والمَفَاهِيمِ الثَّقَافِيةِ والعَواملِ الاجتماعيةِ والسِّياسيةِ في
جَعْلِ الشَّركسيات مَرْغُوبات في الحَرِيمِ التُّركي .
مَلاحظة مُهِمَّة وخطيرة : في 21 أيَّار /
مايو مِنْ كُلِّ عام يُحْيي الشَّركسُ ذِكْرَى " يَوْم الحِدَاد " إثْرَ
الإبادةِ الجَمَاعِيَّة والفَظَاعَات التي تَعَرَّضُوا لها مِنْ قِبَل روسيا
القَيْصَرِيَّة ، ولا تَزَال صُورةُ تِلْك المَأسَاة وَجِرَاحُها ماثلةً في ذاكرةِ
وَوِجْدَانِ الشَّركس . معَ انتهاء الحربِ الروسية الشَّركسية التي اسْتَمَرَّتْ
لأكثر مِنْ مِئة عام ( 1763 _ 1864 ) ، قامتْ روسيا القَيْصَرِيَّة التي أعلنت
انتصارَها بعمليات إبادة وَقَتْلٍ جَمَاعِيٍّ لِمِئاتِ الآلاف مِنَ المُسْلِمِين
الشَّركس ، والتَّهجيرِ القَسْرِيِّ لحوالي مَليون ونِصْف شَركسي ( مَا لا يَقِلُّ
عَنْ 80 _ 97 % مِنْ مَجموع السُّكَّان ) مِنْ مَوْطِنِهِم الأصليِّ بالقُوقَازِ
" شركيسيا " إلى أراضي الدَّولةِ العُثمانية ، وَقَضَى خِلال عملية
التَّهجير نَحْوَ نِصْف مَلْيُون مِنْهُم بسبب الأوبئةِ والجُوعِ )) .
28
ذات لَيْلَة ، جَمَعَنَا أبي في غُرفةِ
مَكْتَبِهِ في قَصْرِنَا الجَدِيدِ الرائعِ ، الذي كانَ يَمْلِكُهُ وَزيرُ
الداخليَّة في النظامِ البائدِ ، وقالَ بِلَهجةٍ صارمة :
_ اسْمَعِيني يا سميحة ، أنتِ وابْنك وبناتك
، أنتُم الآن عائلةُ القائدِ سَلْمَان رَجَب ، صاحب البَيَان الأوَّل لِثَوْرَةِ
10 آب / أَغُسْطُس 1982 العظيمة . نَحْنُ الآنَ عائلة راقية مَرموقة ذات مَكانة
اجتماعية عالية . العُيونُ مَفتوحة عَلَيْنَا ، وأعداءُ النَّجَاحِ كَثيرون، ويُحاولون
الاصطيادَ في المَاءِ العَكِرِ. والنَّجَاحُ يُولِّد الأعداءَ، ومَنْ لا يَستطيع
اللحاقَ بِكَ، لا يَمْلِكُ إلا أنْ يَطْعَنَكَ في الخَلْفِ . وإذا جَاءَتْكَ
الضَّرْبَةُ مِنَ الخَلْفِ ، فَاعْلَمْ أنَّكَ في المُقَدِّمَة .
قالتْ أُمِّي بِسَذَاجَةٍ :
_ كَيْفَ يَعْني ؟ ، ماذا تُريدُ أنْ تَقُول
يا سَلْمَان ؟ .
غَضِبَ أبي ، وقالَ بِصَوْتٍ رهيب :
_ اخْرَسِي يا سَمِيحة ، لا أُريدُ أنْ
أسْمَعَ صَوْتَكِ . أوَّلًا ، اسْمِي القائد سَلْمَان ، وَلَيْسَ سَلْمَان.
وثانيًا ، أنتِ بَقَرَة أحْضَرْتُكِ مِنْ زَريبةِ الأبقارِ في القَريةِ ،
والمَفروضُ أنَّني تَرَكْتُكِ هُناك . لَقَدْ أحْضَرْتُ لَكِ المُعَلِّمَةَ
وَالمُدَرِّبَةَ ريم لُوقَا، كَيْ تُعَلِّمَكِ الفِكْرَ والثَّقَافَةَ والأناقةَ
وكَيفيةَ الكَلامِ وأُصُولَ التعاملِ، وَتَجْعلك إنسانةً مُحترمة مِنْ عِلْيَةِ
القَوْمِ، ولكنْ لا حَيَاة لِمَنْ تُنَادي ، والجاهلُ عَدُوُّ نَفْسِه، " نهيتك
ما انتهيت ، والطبعُ فيك غالب، وذيلُ الكلب عُمره مَا يَنعدل وَلَوْ عَلَّقُوا فيه
قالب " .
احْمَرَّتْ عَيْنَا أُمِّي مِنَ الغَضَبِ والاستياءِ
، وقالتْ صارخةً :
_ لا تَنْسَ يا قائد سَلْمَان أنَّني أنا
سبب النعيم الذي أنتَ فيه ، وَلحمُ كتافك مِنْ خيري . وَلَوْلا أنَّ سِيادة العقيد
مُراد عادل شَتَمَني وَضَرَبَني،لَمَا تَعَرَّفْتَ عَلَيْه ، وأدخلكَ إلى
المُخابراتِ العَسكرية، وَلَبَقِيتَ نائمًا في زَريبةِ الأبقارِ تَعَضُّ أظافرَك ،
وتَلْعَب بأصابعِ رِجْلَيْك .
وَأخَذَتْني الحَمَاسَةُ ، فَقُلْتُ
بِثِقَةٍ بالغة :
_ وأنا أيضًا سببُ هَذا النَّعيمِ، لأنَّني
أنا رَكَضْتُ إلى زَريبةِ الأبقارِ ، وَنَادَيْتُ أبي .
أَخَذَ أبي نَفَسًا عَميقًا ، وقالَ
مُحَاوِلًا تَهدئةَ الأُمورِ وَتَلْطِيفَ الجَوِّ :
_ أنتِ وابنك خَيْر وَبَرَكَة يا سميحة ،
وعَلى عَيْني ورَأسي ، وكلامي يَدُلُّ عَلى حِرْصِي عَلَيْكُم ، وَبلاش فضائح يا
سميحة ، الحِيطان لها آذان، يَجِب نِسْيان الماضي ، وَنَحْنُ أولاد اليوم .
وتابعَ قائلًا بِحَزْمٍ :
_ أعداءُ الوَطَنِ والخَوَنَةُ والعُمَلاءُ
والإرهابِيُّون والمُعَارِضُون السِّيَاسِيُّون سَوْفَ يَفْتَحُون تاريخَ عائلتنا
، وَيُفَتِّشُون في الدَّفَاترِ القَديمةِ .
قالتْ أُمِّي بِصَوْتٍ ذابل :
_ لا أحَد يَهْرُبُ مِنْ مَاضِيه يا "
أبو ناصر "،ولا يَقْدِرُ إنسان عَلى الخُروجِ مِنْ جِلْدِه .
_ الذي فاتَ ماتَ ، والمَاضِي انتهى ،
والتركيزُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ .
وأردفَ قائلًا :
_ مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا، عَائِلَتُنَا
تَنْتمي إلى قبيلة قُرَيْش العريقة . هَلْ سَمِعْتُمْ أوْ أُعِيدُ وَأُكَرِّر ؟.
اسْمُكِ الجديد يا سميحة هُوَ السَّيدة الشريفةُ سميحة بِنْت غَزْوان القُرَشِي .
واسْمُكَ الجديدُ يا هِشَام هُوَ السَّيِّد الشريف هِشَام القُرَشِي . والبناتُ
نَفْس النِّظَام ، عَلِّمِي بناتك يا سميحة ، وتَأكِّدي مِنْ حِفْظِهِنَّ، لا
أُريدُ فضائح.لا تُسَوِّدوا وَجْهي أمامَ كِبَارِ الشَّخْصِيَّات ، ولا تَنْشُروا
غَسيلَنا الوَسِخ.
قُلْتُ بِسَذَاجَةٍ بِدائية في مُحاولةٍ
مِنِّي للتَّذاكي :
_ وَهَل اسْمُكَ الجديد يا أبي هُوَ
السَّيِّد الشَّريف سَلْمَان القُرَشي ؟ .
رَدَّ أبي ساخرًا مِنِّي :
_ لا
يا فالح ، اسْمِي الجديد هُوَ السَّيِّد الشَّريف اللواء أركان حرب سَلْمَان بن
رَجَب القُرَشِي.
كُنَّا شَحَّاذين وَمُتَسَوِّلين
ومَقْطُوعين مِنْ شَجَرَةٍ بِلا أصْلٍ ولا فَصْلٍ ولا حَسَبٍ ولا نَسَبٍ ، في
القَريةِ التي يَعْرِفُنا فِيها الناسُ ، وَصِرْنَا في العاصمةِ التي لا
يَعْرِفُنَا فِيها أَحَدٌ سَادَةً وأشرافًا مِنْ أشرافِ قُرَيْشٍ ، أعظمِ قَبائلِ
العَرَبِ . وأبي قامَ بترفيعِ نَفْسِهِ مِنْ رُتْبَةِ مُلازِم إلى رُتْبَةِ لِوَاء
، وأضافَ أيضًا " أركان حَرْب " ، معَ أنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ في أيَّة
حَرْبٍ ، وَوَضَعَ عَلى صَدْرِهِ أوسمةً عَسْكريةً كثيرة، مَعَ أنَّهُ راعي غَنَم
.
لَمْ يَكْتَفِ أبي بِهَذا ، بَلْ أحْضَرَ
خَبيرًا في عِلْمِ الأنسابِ ، وَهُوَ عِلْمٌ يَهْتَمُّ بِدِرَاسَةِ وَتَتَبُّعِ
أُصُولِ العائلاتِ والعَشائرِ والقَبائلِ والأنسابِ ، وَيَهْدِفُ إلى بِناءِ
شَجَرَةِ العائلةِ ، وَسَرْدِ تاريخِها . وَيُمْكِنُ لِعَالِمِ الأنسابِ أنْ
يَعْمَلَ في مَجالاتٍ مُتَنَوِّعَة ، مِثْل: البَحْث ، والتعليم ، والأرشفة ،
والكِتابة ، وتقديم الاستشارات .
أَمَرَ أبي خَبيرَ الأنسابِ بِتَصميمِ
شَجَرَةِ نَسَبٍ لعائلتنا ، تُبيِّن انتماءَنا إلى قَبيلةِ قُرَيْش ، وتُوضِّح
نَسَبَنَا الشريفَ وَقَبِيلَتَنَا الجديدةَ . كانتْ شَجَرَةَ نَسَبٍ كبيرة وجميلة
وَمُلَوَّنَة ، وتَحْتوي على الكثير مِنَ الأسماءِ ، لا نَعْرِفُهُمْ ولا
يَعْرِفُونَنَا . صَمَّمَ لَهَا أحَدُ الحِرَفِيِّين بِرْوَازًا زُجَاجِيًّا
فَخْمًا ، وَعَلَّقَهُ أبي في مَدْخَلِ قَصْرِنا الجَدِيدِ، كَيْ يَرَاه كِبَارُ
الشَّخْصِيَّات الذين يَزُوروننا،وَيَعْرِفُوا مَكانةَ عائلتنا العظيمة.
وكَلَّفَ أبي كاتبًا صَحَفِيًّا بتأليفِ
كتابِ عَنْ دَوْرِهِ المُهِمِّ وإسهاماتِه الهائلة في حَرْبِ 1967 ، وَحْرِب
الاستنزاف ، وحَرْبِ 1973 ، وَصَدَرَ بِعُنوانِ : " الإنجازات العَسكرية
للقائد اللواء أركان حرب سَلْمَان رَجَب في فِلَسْطِين والجُولان وَسَيْنَاء
" . كَتَبَ مُقَدِّمَتَهُ الرِّوائيُّ الشَّهير عُثمان جَوْدَت المُرَشَّح
لجائزة نُوبل للآداب . والدَّوْرُ المُتَخَيَّلُ لأبي في حَرْبِ الاستنزافِ صَارَ
مَرْجِعًا يُدَرَّسُ في جَميعِ الكُلِّياتِ الحَربية والجامعاتِ الوطنية ، حَيْثُ
سَاهَمَ أبي وَفْقَ الكِتاب الصادرِ بالتَّخطيطِ العَسْكريِّ المُحْكَمِ بَعْدَ
هَزيمة 1967 لاستنزافِ قُدرات جَيْشِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ ، بِدُون مُوَاجَهَة
مُبَاشِرَة . وَقَدْ تَضَمَّنَت الحَرْبُ ثلاث مراحل رئيسية ، هِيَ مَرحلة
الصُّمود ، ثُمَّ مَرحلة المُواجَهة والدِّفاع ، وأخيرًا مَرحلة الرَّدع والحَسْمِ
. وَوَضَعَ أبي خُطَّةً لاستكمالِ بِناء مَنظومة الدِّفَاع الجَوِّي ، وإعادةِ
تَنظيمِ وتَدريبِ القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ .
وفي هَذا الكِتَابِ فَصْلٌ كاملٌ مُدَعَّم
بالوثائقِ والصُّوَرِ عَن تاريخِ عائلتنا المَجِيدِ في مُقَاوَمَةِ الاحتلالِ
البريطانيِّ في المَشْرِقِ العَرَبيِّ ، وَمُقَاوَمَةِ الاحتلالِ الفَرَنْسِيِّ في
المَغْرِبِ العَرَبيِّ .
29
في 22/3/1983 ، تَمَّتْ مَرَاسِمُ حَفْلِ تَنْصِيبِ
رَئيسِ الجُمهوريةِ بِحُضُورِ كِبَارِ الشَّخْصِيَّات. أدَّى الرئيسُ مُراد عادل
اليمينَ الدُّستورية ، كرئيس مَدَى الحَيَاةِ وَبَعْدَ المَوْتِ ، أمامَ الجَمعيةِ
العَامَّة للمَحكمةِ الدُّستورية العُلْيَا التابعة لِمَحكمةِ أمْنِ الدَّوْلَةِ،وألقى
خِطَابًا قَوْمِيًّا رائعًا، ولكنَّه قصيرٌ جِدًّا ،
كَتَبَهُ لَهُ رئيسُ تَحرير أهَم جَريدة في
البِلادِ ، عَن الوَحْدَةِ الوَطنيةِ والأمْنِ القَوْمِيِّ وَعلاقتهما بِحُقُوقِ
الإنسانِ وَحُقُوقِ المَرْأةِ وَزِيَادَةِ الدَّخْلِ القَوْمِيِّ ، وَعَن العَلاقةِ
بَيْنَ القِطَاعَيْن العَامِّ والخَاصِّ لإحداثِ نَهضة اقتصادية حقيقية .
وَمَا إنْ أنْهَى خِطَابَهُ البَلِيغَ
حَتَّى انتَشَرَ التَّصْفيقُ كالزِّلزالِ ، وانفَجَرَت الشِّعَاراتُ الرَّنَّانَة
الجاهزة سَلَفًا ، وَالهُتَافَاتُ الحَمَاسِيَّة المُعَدَّة مُسْبَقًا : " سِرْ
يا مُراد يا صانع الأمجاد " . " قائدُنا إلى الأبدِ الحاكم العادل مُراد
عادل". "مَكتوب على قُلوبنا مُراد مَحبوبنا ". " بالرُّوحِ
بالدَّمِ نَفْدِيكَ يا مُراد ". " يا مُراد يا مِغْوَار يا قاهر
الاستعمار " . " يا مُراد يا أَسَد المُخابراتِ العَسكرية يا كاتب تاريخ
الأُمَّة العربية " . " يا مُراد يا أمين يا حبيب الملايين " .
" مُراد مُراد لا رئيس إلا مُراد " . " يَعِيش قائدُنا مُراد عادل
يَعِيش يَعِيش " . " يا مُراد يا حبيب اضْرِب اضْرِب تل أبيب ". وَصَفَّقَ
الحُضُورُ للرئيسِ أكثر مِنْ نِصْف سَاعَة مُتواصلة بِلا انقطاع .
جَلَسَ السَّيِّدُ الرئيس بِكَامِلِ هَيْبته
في الصَّفِّ الأوَّل ، وَأمَامَه طاولة عَلَيْهَا مَزْهَرِيَّة، وبجانبِه أبي.
تَوَقَّعْتُ أنْ يُؤَدِّيَ أبي اليمينَ الدُّستورية مِثْل الرئيس ، لكنَّ هَذا
لَمْ يَحْدُثْ . وَقَدْ فَهِمْتُ فِيما بَعْد أنَّ أبي سَيُقْسِمُ أمامَ الرئيسِ
بِحُضُور الوُزَرَاء في قاعة خاصَّة ، وأنَّ الرئيسَ أرادَ أنْ تَكُونَ الأضواء
مُسَلَّطَة عَلَيْهِ وَحْدَه ، وَخَشِيَ أنْ يَسْرِقَ أبي مِنْهُ الأضواءَ ، فأبي أسْمَرُ
البَشَرَةِ ، وكَثيفُ الشَّعْرِ ، وَطَوِيلُ القَامَةِ ، وَجِسْمُهُ قَوِي ،
ومَلامحُ وَجْهِهِ حَادَّة وقاسية . وَرَعْيُ الأغنامِ تحت أشِعَّةِ الشمس الحارقة في
القَرية لِسَنَوَاتٍ طويلة جَعَلَهُ صُلْبًا وشديدًا ، وَأكْسَبَهُ قُدرةً فائقةً
على التَّحَمُّلِ والصَّبْرِ .
أمَّا الآنَ فأبي نائبُ رئيسِ
الجُمهوريةِ ، يَسْتَحِمُّ كُلَّ يَوْمٍ ، وَيَتَعَطَّر ، وَيَرْتدي أفخمَ
البِذلاتِ مِنْ أشهر الماركات العالميَّة ، وَيَخْتار أجملَ رَبَطَات العُنُق ذات
الألوان الزاهية ، وَيَمْلِكُ سَاعَات سويسرية مُذهِلَة ، وَلَدَيْهِ أحذية كثيرة
لامعة ، وكُلُّهَا مُسْتَوْرَدَة ، وغالية الثَّمَن .
تَمَّ
إطلاقُ الألعابِ النارية ، وابتهجَ جَمِيعُ الحُضُورِ مِنَ الرِّجالِ والنِّسَاءِ
، والعَرَبِ والأجانبِ .
ويُمْكِنُ القَوْل إنَّ حَفْلَ تَنْصيبِ
رئيسِ الجُمهوريةِ يَقُوم على ثلاثة أركان: مَرَاسِم أداء القَسَم ، وخِطَاب
التَّنْصيب ، واستعراض التَّصْريحات .
عَقِب أداءِ اليَمِينِ الدُّستورية ،
تَوَجَّهَ السَّيد الرئيس مُراد عادل إلى القَصْرِ الجُمهوريِّ ، حَيْثُ إنَّهُ
معَ وُصُولِ فَخَامته إلى القَصْرِ ، وَوُصُولِ المَوكِبِ الرِّئَاسِيِّ ،
أطْلَقَتْ مِدْفَعِيَّةُ السَّلامِ 45 طَلْقَة ( عَلى عَدَد سَنَوَات عُمْر فَخَامته ، فَقَدْ
وُلِدَ في سَنَة 1938 المُبَارَكَة ). وأدَّى حَرَسُ الشَّرَفِ التَّحِيَّةَ ،
وَعُزِفَ النَّشِيدُ الوَطَنيُّ .
استقبلَ السَّيِّدُ الرئيسُ مُراد عادل
السَّادَةَ أصحابَ الجَلالةِ والفَخَامَةِ والسُّمُوِّ ، مُلُوكَ وَرُؤَسَاءَ
الدُّوَلِ والحُكُومَاتِ والبرلمانات ، وَرُؤساء الوُفود المُشَارِكِين في مَراسمِ
استلامِ السُّلطة . وَتَوَجَّهَ بَعْدَ ذلك السِّيِّدُ الرئيسُ مُراد عادل إلى
قاعةِ الاحتفالِ .
الاسمُ الرَّسميُّ لرئيسِ الجُمهوريةِ في
جَميعِ وَسائلِ الإعلامِ هُوَ : " الزَّعيمُ الأوحدُ والقائدُ الرَّمْزُ والأخُ المُنَاضِلُ والفارسُ الثائرُ
ورأسُ الدَّولةِ والقائدُ الأعلى للقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ وَبَطَلُ الأحرارِ وَمُنْقِذُ
العُروبةِ والإسلامِ والقائدُ إلى الأبدِ وأميرُ المؤمنين وخليفةُ المُسْلِمين
والحاكمُ العادلُ فَخَامَةُ رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرْدِيَّةِ السَّيِّدُ
مُراد بن عادل الهاشمي " .
والهاشميُّ لَيْسَ اسْمَ
عائلته . فالرئيسُ اسْمُه : مُراد عادل هاشم ، وهَاشِم هَذا جَدُّه ، وكانَ
يَعْمَلُ خَيَّاطًا في الجَيْشِ . وقامَ الرئيسُ بِتَحويلِ اسم " هاشم "
إلى " الهاشمي " لِيَبْدُوَ مِنْ بَنِي هَاشِم ، وَمِنْ آلِ البَيْتِ ،
عَلَيْهِم الصَّلاةُ والسَّلامُ .
والاسمُ الرَّسميُّ لِزَوجةِ
رئيسِ الجُمهوريةِ في جَمِيعِ وَسائلِ الإعلامِ هُوَ : "
السَّيِّدَةُ الأُولَى الطاهرةُ تَغْرِيد بِنْت نَصْرِي، حَرَمُ رئيسِ
الجُمهوريةِ، وَوَالِدَةُ الدَّوْلَةِ، وَأُمُّ الشَّعْبِ، وَرَاعِيَةُ
المُوَاطِنِين ".
بَعْدَ الانقلابِ العَسكريِّ ،
وُضِعَتْ تَغْريد نَصْري في أحَدِ القُصُورِ ، تَحْتَ الحِرَاسَةِ المُشَدَّدَةِ ،
وَتَمَّتْ مُعاملتها بأدبٍ واحترامٍ والاعتناءُ بِهَا ورعايتها ، باعتبارِها زَوجة
الرئيس المَخلوع ، وَقَدْ كانتْ في المَاضِي السَّيِّدَةَ الأُولَى وَزَوْجَة
فَخَامة رئيس الجُمهورية .
وَالثَّوْرَةُ المُبَارَكَةُ
جاءتْ مِنْ أجْلِ حُقوقِ المَرأةِ كاملةً ، وَهِيَ تَشْمَلُ مَجموعةً واسعةً مِنَ
الحُقوقِ الأساسيَّةِ التي يَجِبُ أنْ تَتَمَتَّعَ بِها النِّسَاءُ والفَتَيَاتُ،
بِمَا في ذلك الحَق في الحَيَاةِ ، والتَّعليمِ ، والمُسَاوَاة أمامَ القانون ،
وَحُرِّية التَّعْبير ، وحُرِّية التَّنَقُّل ، والعَيْش بِدُون عُنْفٍ ولا
تَمْييز ، والتَّصَرُّف في أموالِها ، وَحَضَانَة أطفالِها . وَتَغْريد نَصْري
عَاقِر لا أطفال لَهَا ، وَلَنْ تُتْعِبَ نَفْسَها في الحَضَانة.
وَوُضِعَ زَوْجُها الرئيسُ
المَخلوعُ في السِّجْنِ المَركزيِّ . اجتمعَ العقيدُ مُراد عادل رئيسُ
مَجْلِسِ قِيَادَةِ الثَّوْرَةِ مَعَ مَديرِ السِّجْنِ ، وَأَمَرَهُ بِوَضْعِ
السُّمِّ في طَعَامِ الرئيسِ المَخلوعِ . أَعْلَنَ التلفزيونُ الحُكوميُّ عَن
وَفَاةِ الرئيس السابقِ بِنَوْبَةٍ قَلْبِيَّة حَادَّة بسبب التَّدْخِينِ وارتفاعِ
ضَغْطِ الدَّمِ . وَوَصَفُوهُ بالسابقِ ، وَلَيْسَ المَخلوع ، لِتَهدئةِ
النُّفُوسِ ، وَتَلْطِيفِ الأجواءِ ، ومُرَاعَاة لِمَشَاعرِ حَالَةِ الوَفَاةِ ،
وإكرامًا لتاريخِهِ القَدِيمِ في القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ .
صَدَرَ بَيَانُ نَعْيٍ عَنْ مَجْلِسِ
قِيادةِ الثَّورةِ للرئيسِ السابقِ ، باعتبارِه أَحَدِ القادةِ التاريخيين
للجَيْشِ الوَطَنيِّ الذي حَارَبَ في فِلَسْطِين ، وَلَمْ يُحَدِّد البَيَانُ
اسْمَ الحَرْبِ ولا سَنَة وُقُوعِها . وَقَرَّرَ مَجْلِسُ قِيادةِ الثَّورةِ
تَنظيمَ جِنَازَةٍ عَسْكرية للرئيسِ الراحل ، حَيْثُ سَيُوضَع النَّعْشُ عَلى
عَرَبَةِ مِدْفَعٍ تَجُرُّها الخُيولُ ، ويُغَطَّى بِعَلَمِ البِلادِ ، وَتَسْبِقُهُ
طَوابير مِنَ الضُّبَّاطِ والجُنودِ والمُوسيقى العَسكرية ، التي تُقَدِّمُ
مَعْزوفات جنائزية ، بالإضافةِ إلى حَمَلَةِ الزُّهُورِ والأوسمةِ التي
تَقَلَّدَهَا الرئيسُ المُتَوَفَّى خِلالِ مَسيرةِ حَياته الحافلة بالإنجازات
والتَّضحيات .
في تِلْكَ الليلةِ ، ذَهَبَ العقيدُ مُراد
عادل رئيسُ مَجلسِ قِيادة الثَّورةِ لتقديمِ واجبِ العَزاءِ للسَّيدةِ تَغْريد
نَصْري أرملة الرئيس الراحل ، التي كانتْ تُقيم في أحَدِ القُصُورِ . عَرَّفَهَا
بِنَفْسِهِ ومَكَانته الاجتماعية ومَنْصِبِه الحَسَّاسِ في الدَّولةِ الجديدة .
وحاولَ تَهدئةَ الأمُورِ وتَلْطِيفَ الأجواءِ ، وَبَيَّنَ لَهَا أنَّ الانقلابَ
العَسكريَّ أو الثَّورة المُبَارَكَة أو الحركة التَّصْحيحية لَمْ تَكُنْ تَسْتهدف
زَوْجَها الرئيسَ الراحل ، أو التَّخَلُّص مِنْه ، وإنَّما كانَ هَدَفُها إنقاذَ
الوَطَنِ والمُواطنين ، وَوَضْعَ البِلادِ عَلى طَريقِ الديمقراطية ، ومُواجهة
الاستعمار ، والتَّصَدِّي للخَوَنَةِ والعُمَلاءِ والإرهابيين . والخَلافُ مَعَ
زَوْجِها الرئيسِ الراحلِ لَمْ يَكُنْ شخصيًّا ، وهُناك اختلاف في الاجتهادات
والرُّؤَى ، والاختلافُ في الرَّأيِ لا يُفْسِدُ للوُدِّ قَضِيَّةً . وكانَ يَجِبُ
عَلَيْهَا باعتبارها زَوجةً لَهُ أنْ تَطْلُبَ مِنْه تَرْكَ التَّدخينِ ، لأنَّه
أدَّى إلى إصابته بِنَوْبَةٍ قَلبية حَادَّة ، وَتَسَبَّبَ في وَفَاتِهِ
المُؤسِفَة .
وفي نِهَايَةِ اللقاءِ ، قالَ لها العقيدُ
مُراد عادل :
_ أرجو يا سَيِّدَة تَغْريد أنْ تُخْبِريني عِنْدَمَا تَنْتَهي عِدَّتُكِ .
فَهِمَتْ تَغْريد مَعنى هَذه
العِبارة التي صَارَتْ مِثْلَ كَلِمَةِ السِّرِّ ، وقالتْ بِحَزْمٍ وإصرارٍ
نَابِعَيْن مِنْ خِبْرَةٍ حَياتيةٍ وَتَجْرِبَةٍ شخصية :
_ يا سِيَادة العقيد ، سَأكُون
مَعَكَ صَريحةً بِدُون لَف ولا دَوَرَان . إذا كُنْتَ تُريديني زَوْجَةً لَكَ ،
فأنا مُوافِقة ، ولكنْ بشرط ، أنْ يَتِمَّ تَنصيبُكَ رئيسًا للجُمهوريةِ ، فأنا لا
أتَزَوَّجُ قائدًا للثَّوْرَةِ ، بَلْ أتَزَوَّج رئيسًا للدَّولةِ . قَبْلَ أنْ تُصْبح
رئيسًا للجُمهوريةِ بِيَوْمٍ واحدٍ ، أحْضِر المَأذُونَ مَعَكَ كَي يَقُومَ
بِكَافَّةِ الإجراءات ، وَسَأكُون عروسًا جاهزةً ، وَسِوَى ذلك ، فأنا في طَرِيقٍ
، وأنتَ في طَرِيق .
أدركَ العقيدُ مُراد عادل
أنَّه يَتعامل معَ امرأةٍ واعية وذكية . عَقْلُها كبيرٌ ، وتَفكيرُها مَنْطِقِي .
وَهَزَّ رَأسَه مُوَافِقًا عَلى كَلامِها . حَرَّكَ رَأسَه للأعلى والأسفلِ
تَعبيرًا عَن المُوافقةِ والفَهْمِ والتأكيد .
في مَسَاءِ 21/3/1983 ،
وَقَبْلَ يَوْمٍ واحد مِنْ حَفْلِ تَنصيبِ رئيسِ الجُمهورية ، تَمَّ عَقْدُ
قِرَانِ تَغْريد نَصْري على العَقيدِ مُراد عادل . كَانَا أسْعَدَ زَوْجَيْن في
العَالَمِ ، يَنْتظرهما مُسْتَقْبَل مُشْرِق ، وحَيَاة مَلِيئة بالحُبِّ
والنَّشَاطِ وافتتاحِ المَشاريعِ الوَطنية والاقتصادية . صحيحٌ أنَّهما لَمْ
يَذهَبَا إلى شَهْرِ العَسَلِ ، ولكنَّ العَسَلَ يَسْرِي في تفاصيل حياتهما
المُشتركة .
قالَ لَهَا العقيدُ مُراد عادل
:
_ صُدفة رائعة أنْ يَكُونَ
زَواجُنا يا تَغْريد في عِيدِ الأُمِّ . أُريدُكِ أنْ تَكُوني أُمِّي وَزَوْجَتي
وَعَشِيقتي وَسَيِّدَتي وَخَادِمَتي .
ضَحِكَتْ تَغْريد ضِحْكَةً
عاليةً مُغْرِيَةً ، وقالتْ :
_ زَوَاجُنا في عِيدِ الأُمِّ
دليلٌ سِيَاسِيٌّ وعَسْكريٌّ عَلى أنَّني وَالِدَةُ الدَّوْلَةِ وَأُمُّ الشَّعْبِ
.
وأردفتْ قائلةً بِحُزْنٍ
وَألَمٍ :
_ حبيبي مُراد، لَوْ لَمْ
أَكُنْ عَاقِرًا لأنجبتُ لَكَ أطفالًا كثيرين ، وَمَلَأْتُ البَيْتَ بالأولادِ
والبَنَاتِ.
_ أنتِ كُلُّ شَيْء جَمِيل في
حَيَاتي يا تَغْريد ، مَا دُمْتِ مَعِي ، فلا أحتاج إلى أولادٍ ولا بَنَاتٍ .
لَقَدْ أنجبتُ مِنْ زَوْجتي الأُولَى ، وأتممتُ المُهِمَّةَ ، والآنَ سَأتَفَرَّغُ
لَكِ بشكلٍ كامل .
التزمَ العقيدُ مُراد عادل
بتعليمات طبيبِه الخَاصِّ ، حَيْثُ أكَّدَ لَهُ ضَرورةَ تَرْكِ فُرصة لِهَضْمِ
الطعام ، فلا دَم يَكُون مَشغولًا بالهَضْمِ والمَعِدَةِ، والجِنْسُ بِحَاجَةٍ إلى
الدَّمِ في الأعضاءِ التناسلية .
كما التزمَ بالوَصْفَةِ
الغِذائية التي وَضَعَهَا طبيبُه العَبقريُّ لزيادةِ القُدرةِ الجِنسية لَدَى
الزَّوْجَيْن ، لذلك كانَ العَشَاءُ يَتَكَوَّن مِنَ السَّبَانخِ، وَالمَحَار،
والفُلْفُل الحَار، والمَوْز ، والمُكَسَّرَات والزَّنْجبيل.
تَنَاوَلَ الزَّوْجَان العَشَاءَ
في الساعةِ التاسعة مَسَاءً ، وَجَلَسَا مَعًا يَتَحَدَّثَان ، ويَتبادلان
النِّكَاتِ والضَّحِكَاتِ . وَرَاحَ العقيدُ مُراد عادل يُخْبِرُها بإنجازاتِه
العَسكرية ، وكَيْفَ استطاعَ قَلْبَ نِظَامِ الحُكْمِ بَعْدَ تَخطيطٍ طَويل ودقيق ،
ودراسة كافَّة الاحتمالاتِ ، وَعَدَم تَرْك أيِّ مَجَالٍ للصُّدْفَة .
في لَيْلَةِ العُمر ، لَبِسَتْ
تغريد ثِيَابًا مُغْرِيَةً لِزَوْجِهَا ، وَخَفَّفَتْ مِنْ ضَغْطِ الأحداثِ
اليَوْمِيَّةِ عَلَيْهِ بالدَّلَعِ وَالدَّلالِ والغُنْجِ . حَمَلَهَا إلى غُرفةِ
النَّوْمِ ، ولاطَفَهَا ولاعَبَهَا وَدَاعَبَهَا وَغَازَلَهَا ، وأثارَهَا
بالتَّقْبيلِ وَتَحَسُّسِ جَميعِ أجزاءِ جِسْمِهَا، وَخَلَعَ عَنْهَا قَمِيصَها. جَامَعَهَا
سِت مَرَّاتٍ في تِلْك الليلة . وفي السَّاعَةِ الثامنة صَبَاحًا ، استسلمَ
الزَّوْجَان للنَّوْمِ العميقِ ، بَعْدَ لَيْلَةٍ رَهيبة نادرًا أنْ تَتَكَرَّرَ
في التاريخِ الوَطَنِيِّ ، وَهِيَ بِمَثَابَة عِيد وَطَني ، وَوِلادة جَديدة
للجُمهورية .
كانَ العقيد مُراد عادل في الخامسة والأربعين (
وُلِدَ عام 1938 ) ، وكانتْ زَوْجَتُه تَغْريد نَصْري في الثالثة والثلاثين (
وُلِدَتْ عام 1950 ) .
مِسْكينة تَغْريد نَصْري ،
كُلَّمَا حَدَثَ انقلابٌ عَسكريٌّ تَغَيَّرَ زَوْجُها ، وكُلَّمَا
انتقلت السُّلْطَةُ السِّيَاسِيَّةُ مِنْ رئيسٍ مَخلوعٍ إلى رئيسٍ جَدِيد ، انتقلتْ
إلى سَرِيرِ الرئيسِ الجَدِيدِ . إنَّها جَارِيَةٌ تَنْتَقِل مِنْ نَخَّاسٍ إلى
آخَر ، ومعَ هذا ، فَهِي كَنْزٌ وَطَنِيٌّ . وبالفِعْلِ ، إنَّ صَدْرَها
المُمْتَلِئ أكبرُ دَاعِمٍ للوَحْدَةِ الوطنية ، وَسَوْفَ يُوحِّد جَمِيعَ قُوى
الشَّعْبِ بِكُلِّ أطيافِه وَفِئَاتِه وَمَراحلِه العُمرية . وَلَوْ جاءَ
عِشْرُون رئيسًا للبِلادِ في انقلاباتٍ عَسْكرية ، فَسَوْفَ يَتَزَوَّجُونَهَا
واحدًا تِلْوَ الآخَر ، وكُلُّ وَاحِدٍ يُجَامِعُهَا، وَيَصُبُّ مَاءَهُ في رَحِمِهَا
. إنَّها مِثْل البِئر العَمِيقة ، وكُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ يَصُبُّ المَاءَ فِيهَا
. وأنا شخصيًّا لَوْ قُمْتُ بانقلابٍ عَسكريٍّ، وَصِرْتُ رئيسًا للبِلادِ ،
لانتقلتْ تَغْريد إلى سَرِيري كَزَوْجَةٍ.
كَمَا أنَّ النِّفْطَ صَارَ نِقْمَةً
، كذلك جَمَال تَغْريد نَصْري صارَ نِقْمَةً . إنَّهُ سَبَبُ المُشكلاتِ
والصُّعُوباتِ في حَيَاتِها . وَجْهُهَا الجَمِيلُ ، وَجِسْمُهَا المُغْرِي ،
وَصَدْرُها العارمُ ، ومُؤخَّرتها المُكْتَنِزَة، وَدَلَعُهَا وَدَلالُهَا
وَنُعُومَتُهَا وَأُنوثتها وثَقَافتها ، كُلُّ هَذه الأشياء مُجْتَمِعَة جَعَلَت
الرِّجَالَ يَطْمَعُون فِيهَا ، وَيُصْبِحُون مَهْوُوسين بِهَا وَبِجَسَدِهَا
المُذهِل.وَقَدْ أكَّدَ جَميعُ الوُزَرَاءِ أنَّها أكثر امرأة مُغْرِيَة في
العَالَمِ.
هُناك نَظْرَة سَلْبِيَّة
يَحْمِلُها البَعْضُ عَن الجَميلاتِ ، وَهُنَّ يَتَعَرَّضْنَ للضُّغُوطِ
الاجتماعية، وَيُوَاجِهْنَ مُشكلاتٍ في العَلاقاتِ بسبب الجَمَالِ البَاهِرِ،
والجاذبيةِ الزَّائدة ، والأُنوثةِ الطاغيةِ .
وَقَدْ تُوَاجِهُ المَرْأةُ
الجَميلةُ صُعوبةً في إثباتِ قُدراتِها العقليةِ أو العملية ، حَيْثُ يُركِّز
الناسُ عَلى مَظْهَرِهَا أكثر مِنْ كَفاءتها . وَرُبَّمَا تَجِدُ صُعوبةً في
التَّمييزِ بَيْنَ الأشخاصِ الذينَ يُحِبُّونَهَا لِشَخْصِهَا ، والأشخاصِ الذينَ
يَنْجَذِبُون إلَيْهَا لِشَكْلِهَا وَمَظْهَرِهَا فَقَط . كَمَا أنَّ جَمَالَهَا
سَيُثِيرُ غَيْرَةَ النِّسَاءِ وَحَسَدَهُنَّ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى مُشكلات
اجتماعية .
والاسمُ الرَّسميُّ لأبي في
جَمِيعِ وَسائلِ الإعلامِ هُوَ : " نائب رئيس جُمهوريةِ
الأحلامِ الوَرْدِيَّة السَّيِّد الشَّريف اللواء أركان حرب سَلْمَان بن رَجَب
القُرَشِي " .
والاسمُ الرَّسميُّ لأُمِّي في جَمِيعِ
وَسائلِ الإعلامِ هُوَ : " السَّيدة
الشريفةُ سَمِيحَة بِنْت غَزْوَان القُرَشِي ، حَرَمُ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ
" .
كانَ حَفْلُ تَنْصِيبِ رَئيسِ الجُمهوريةِ
جَمِيلًا ورائعًا بِكُلِّ المَقَاييس . جَلَسَ السَّيد الرئيس مُراد عادل في
الصَّفِّ الأوَّل ، وعَلى يَسَارَه زَوْجته الثانية ( العاقر ) السَّيِّدة
الأُولَى تَغْريد نَصْري ، وَزَوْجَتُه الأُولَى أُمُّ أولادِه ( أُم خالد ) ،
وأولادُه السِّتَّة ، وَبَنَاتُهُ الأرْبَع . وعَلى يَمِين السَّيد الرئيس جَلَسَ
أبي نائب رئيس الجُمهورية وَأُمِّي وأنا وأخواتي : الشَّريفة نَجَاح ، والشَّريفة
مَقْبُولة ، والشَّريفة مَسْتُورة . وَجَلَسَ عَمِّي الدُّكتور صَبْري رشاد
وَزَوْجَتُه ميرنار الشركسية وابْنُه نارت وابنته ثُرَيَّا خَلْفَنَا تَمَامًا في
الصَّفِّ الثاني . أمَّا أُختي المُعَاقَة والمَشلولة الشَّريفة ظَبْيَة ، فَقَدْ
أبْقَيْنَاهَا مَعَ الخادمةِ في قَصْرِنَا، الذي أَخَذَهُ أبي مِنْ وَزيرِ
الدَّاخليةِ في النظامِ البائدِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ " قَصْر الكَوَاعِب
". أَخَذَهُ مِنَ الآيةِ القُرْآنِيَّة الكريمة : (( وَكَوَاعِبَ أتْرَابًا
)) [ سُورة النَّبأ ، الآية 33 ] . وَبِصَرَاحَةٍ ، كانتْ هَذه التَّسْمِيَّة
فِكْرَة مُفتي الجُمهورية فَضِيلة الشَّيْخ حَسُّونة بدير . والكَوَاعِبُ :
الجَوَارِي النَّوَاهِدُ قَدْ تَكَعَّبَتْ أثدَاؤُهُنَّ . والأترابُ: المُسْتَوِيَات
في السِّنِّ .
وأبي الجاهلُ في الأُمُورِ الدِّينيَّة
أُعْجِبَ باسمِ " قَصْر الكَوَاعِب " بسبب وُجودِ أخواتي نَجَاح
ومَقبولة ومَستورة وَثُرَيَّا ابنة عَمِّي. وَقَرَّرَ أنْ يُزَوِّجَهُنَّ في
المُسْتَقْبَلِ لأبناءِ كِبَارِ الشَّخْصِيَّاتِ أو رِجَالِ الأعمالِ ، لِتَكريسِ
زَواج السُّلطةِ بالثَّرْوَةِ ، خُصُوصًا أنَّ السِّيَاسَة لُعْبَة الأغنياء .
وأكثرُ مَا يَخْشَاه أبي هُوَ أنْ يُصْبِحْنَ عَوَانِس مِثْل سَمَاح ابنةِ مَسعود
صاحب الدُّكَّانة في القَرية ، أوْ أنْ يَهْرُبَ العِرْسَانُ مِنْهُنَّ بسبب أُخْتي
ظَبْيَة المُعَاقة والمَشلولة.لذلك أَمَرَنَا أبي بإخفاء ظَبْيَة عَنْ أعْيُن
الناسِ، لِكَيْلا يَرَاهَا أحَد . لا يُريدُ أنْ يَعْرِفَ الناسُ أنَّ ابنة نائب
رئيس الجُمهورية مُعَاقَة وَمَشلولة ، فَهَذا يُشَوِّه سُمْعَتَنَا بَيْنَ أبناء
العائلات الراقية والعَشائر المُحترمة والقَبائل الكبيرة ، خُصُوصًا أنَّنا صِرْنا
مِنْ أشرافِ قُرَيْش، ولا يَلِيق بِنَسَبِنَا الشريفِ وسُلالتنا الطاهرةِ وُجُود
ابنة مُعَاقَة ومَشلولة .
وأيضًا ، نَبَّهَنَا أبي إلى أنَّ
الخَوَنَةَ والعُمَلاء والإرهابيين والجَوَاسيس والمُنْشَقِّين والمَدْسُوسين
والمأجورين والمُعَارَضَة السِّياسية إذا عَلِمُوا أنَّ نائب رئيس الجُمهورية
السَّيِّد الشَّريف اللواء أركان حرب سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي لَهُ ابنة
مُعَاقَة ومَشلولة ، فَسَوْفَ يَسْتَغِلُّون هَذا الأمْرَ لصالحِهم ، لِتَدميرِ
مُسْتَقْبَلِ أبي السِّياسيِّ والعَسكريِّ ، وتَهديدِ الوَحْدَةِ الوطنية ،
والعَبَثِ بالأمْنِ القَوْمِيِّ ، وإثارةِ النَّعَرَاتِ الطائفية ، وَضَرْبِ
الاقتصادِ الوَطَنيِّ ، وَنَشْرِ الشائعاتِ والأخبارِ الكاذبة ، والتَّحريضِ عَلى
العُنْفِ والكَرَاهِيَة .
أمَّا مُفتي الجُمهورية فَضِيلة الشَّيْخ
حَسُّونة بدير ، فالمُعَارَضَةُ تُسَمِّيه مُفْتي الانقلاب . وكُلَّمَا حَدَثَ
انقلابٌ عَسكريٌّ أيَّدَهُ بالنُّصُوصِ الدِّينيةِ ، وانْضَمَّ إلى العَسْكَرِ ،
وأصْدَرَ لَهُمُ الفَتَاوَى حَسَب الطَّلَب ، مُفَصَّلَة وجاهزة . وَهُوَ
مُسْتَعِد أنْ يُحْضِرَ لَكَ أيَّةَ فَتْوَى في أيِّ مَوضوع ، وَلَيْسَ لَدَيْهِ
مَانعٌ أنْ يَخترعَ دِينًا جَديدًا إذا طُلِبَ مِنْهُ ذلك لِتَحقيقِ مَصلحةِ
الوَطَنِ والمُوَاطِنِ .
الانقلابُ الأخيرُ الذي قامَ بِهِ العقيدُ
مُراد عادل ، وأبي المُلازِم سَلْمَان رَجَب ، قالَ الشَّيْخُ حَسُّونة بدير: في
صحيح البُخاري أنَّ النَّبِيَّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ
يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه )) ، وَذَكَرَ مِنْهُم : (( إمَامٌ عَادِلٌ )) .
والعقيدُ مُراد عادل هُوَ الإمام العادلُ ، فالحديثُ يَنطبِق عَلَيْه لَفْظًا
ومَعْنى ، وتَجِبُ طاعَتُهُ شَرْعًا ، لأنَّهُ وَلِيُّ الأمر ، وخَلِيفةُ
المُسْلِمِين وأمير المؤمنين . أمَّا أبي المُلازِم سَلْمَان رَجَب ، فقالَ
الشَّيْخُ حَسُّونة بدير : قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( سَلْمَانُ مِنَّا أهْلَ البَيْتِ ))، وَسَوَاءٌ كانَ الحديثُ صحيحًا أوْ
بَاطِلًا ، فَهُوَ بِشَارَة، لأنَّ أبي اسْمُهُ سَلْمَان،وَرَجَب مِنَ الأشهُرِ
الحُرُمِ.وفي هَذا إشارةٌ إلى أنَّ أبي مِنَ الصالحين .
وَهَكَذا فَإنَّ مُفْتي
الجُمهورية فَضيلة الشَّيْخ حَسُّونة بدير ، لَدَيْهِ حَلٌّ لِكُلِّ مُشكلة ،
وَلَدَيْهِ مَخْرَج شَرْعِيٌّ لِكُلِّ قَضِيَّة ، وَفَتَاوَاهُ جاهزةٌ ومُؤيِّدَة
لِكُلِّ مَنْ يَسْكُنُ القَصْرَ الرئاسيَّ . وَهُوَ عَاشِقٌ للنِّكَاحِ ، وكَثِيرُ
الجِمَاعِ ، وَيَعْشَقُ الولائمَ في بُيوتِ كِبَارِ الشَّخْصيات ، ولا يَغِيب عَنْ
أيَّة وَلِيمَة ، ولا يَعتذر عَنْ أيَّة مُنَاسَبَة وطنية . وَهُوَ مُدْمِنٌ عَلى
فَرُّوجِ الدَّجَاجِ وَفُرُوجِ النِّسَاءِ . لا هَمَّ لَهُ إلا الأكلُ والجِمَاع .
وكانَ دائمًا يَقُول : (( إنَّ الجِمَاعَ يُصَفِّي الذِّهْنَ ، وَيُقَوِّي
الفَهْمَ ، وإذا اسْتَغْلَقَتْ عَلَيَّ مَسألة ، دَعَوْتُ زَوْجَاتي إلى الفِرَاشِ
، فإذا فَرَغْتُ مِنْ أمْرِهِنَّ ، وَانْتَهَيْتُ مِنْ صَبِّ المَنِيِّ في
أرْحَامِهِنَّ ، قُمْتُ إلى أوراقي أَصُبُّ العِلْمَ صَبًّا )) .
قال
ابنُ حِبَّان: ((وَمَنْ لَمْ يَكُنْ
لَهُ هِمَّةٌ إلا بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ عُدَّ مِنَ البَهَائِم)).وقال سُفيان
الثَّوري : (( مَنْ أَحَبَّ أفخاذَ النِّسَاءِ لَمْ يُفْلِحْ )) . وقالَ بعضُ
العُلماءِ : (( ضَاعَ العِلْمُ بَيْنَ أفخاذِ النِّسَاءِ )).
وَفَضِيلةُ الشَّيْخُ حَسُّونة
بدير تَرَكَ السِّياسةَ للعَسْكَرِ ، وَوَفَّرَ لَهُمُ الشَّرعيةَ الدِّينية
بالفَتَاوَى العِلْمِيَّةِ الرائعة التي يَصُبُّ حِبْرَهَا في أوْرَاقِه ، بَعْدَ
أنْ يَصُبَّ مَاءَهُ في أرحامِ نِسَائِه ، وَاهْتَمَّ بالتُّرَاثِ الجِنْسِيِّ
عِنْدَ العَرَبِ ، وَتَفَرَّغَ لِشَرْحِ بعضِ الكُتُبِ القَديمةِ والتعليقِ عَلَيْهَا،
فَهُوَ أفضلُ مَنْ شَرَحَ كِتاب" نواضر الأيك في مَعرفةِ النيك"، وَلَهُ
حَاشِيَة على كِتَاب " الوِشَاح في فَوائدِ النِّكَاحِ " ، وَعَلَّقَ
عَلى كِتاب " رُجوع الشَّيْخ إلى صِبَاه في القُوَّةِ على الباه " . وكانَ
يَقُولُ إنَّهُ يَعْلَمُ أكثرَ مِنْ أربعين اسْمًا لِفَرْجِ المَرْأةِ ، استفادها
مِنْ كِتَاب " الرَّوْض العاطر في نُزهة الخاطر " .
وفي حَفْلِ
تَنْصِيبِ رَئيسِ الجُمهوريةِ ،
الْتَقَيْتُ بِزَوْجَاتِ الشَّيْخِ حَسُّونة بدير صُدْفَةً . كانَ مَعِي الرائد
عَطِيَّة ، وَهُوَ حارسي الشَّخْصِي المُسَلَّح بِمُسَدَّسٍ ، أَحْضَرَهُ أبي مِنَ
القُوَّاتِ الخَاصَّة ، قِسْم حِماية أمْن الشخصيات المُهِمَّة ، وكَلَّفَه
بِحِرَاستي ، وأنا أُدَلِّعُهُ وأُنَاديه عَطْعُوط . أثناءَ سَيْرِنا بَيْنَ
ضُيوفِ الحَفْلِ، قال الرائد عَطِيَّة : (( لَوْ سَمَحْتُمْ ، افْتَحُوا الطريقَ
للشَّريفِ هِشَام القُرَشِيِّ ، ابنِ نائبِ رئيسِ الجُمهورية )) .
تَجَمَّعَ الناسُ حَوْلي
يُريدونَ السَّلامَ عَلَيَّ ، والتقاطَ الصُّوَرِ التَّذكارية مَعِي . وَلَوْلا
كلمات الرائد عَطِيَّة لَمَا عَرَفَني أَحَدٌ ، فأنا مُجَرَّد طِفْل في الحاديةِ
عَشْرَة مِنَ العُمر ، وَلَسْتُ مَشهورًا ، ولا أَظْهَرُ في وَسائلِ
الإعلامِ،وَصُوَري غَيْرُ مَنشورة. اقتربتْ مِنِّي أرْبَع نِسَاء يَرتدينَ
خِمَارَات وعَبَاءَات سَوْدَاء. وَضَعَ حارسي الشَّخْصِيُّ يَدَهُ عَلى
المُسَدَّسِ . اعتقدَ أنَّ هؤلاء إرهابيون مُنْدَسُّون يَتَخَفَّوْنَ في المَلابسِ
النِّسَائيَّة ، وَيُغَطُّونَ وُجُوهَهم لإخفاءِ هُوِيَّاتِهِم ، وأنَّهُم يُريدون
اغتيالي أو اختطافي ومُطَالَبَة أبي بِفِدْيَةٍ ، فَقَدْ صِرْتُ شخصًا مُهِمًّا
مِنَ العَائلةِ الحاكمةِ في جُمهوريةِ الأحلامِ الوَردية . ولا يُمْكِن تَجَاهُل
حقيقة أنَّني الابنُ الوحيدُ لنائبِ رئيسِ الجُمهورية . وإذا قُتِلْتُ أوْ مِتُّ
مِثْلَ أخي ناصر ، فَلَنْ يَبْقَى لأبي غَيْر البنات ، وَسَوْفَ يَنْقَطِع نَسْلُه
، وَتَخْتفي سُلالَتُهُ إلى الأبدِ .
اقْتَرَبَتْ مِنِّي النِّسَاءُ
المُتَعَطِّرَات ، وَرَفَعْنَ الخِمَارَات ، وكَشَفْنَ عَنْ وُجُوهِهِنَّ الغارقةِ
في المِكْيَاجِ والكُحْلِ والحُومرةِ والبُودرة . أوَّل مَرَّة في حَيَاتي أرى
أربع نِسَاء حَوَامل وحَبَالَى ، بُطُونُهُنَّ مَنفوخة ، وأثداؤُهُنَّ
مُتَرَهِّلَة وَمُتَدَلِّية عَلى صُدورِهِنَّ .
قالتْ إحْدَى النِّسَاءِ
وَهِيَ تَمُطُّ كَلامَها مَطًّا حَتَّى إنَّكَ تَحْسَبُ أنَّها تَسْحَبُ حِبَالًا
مِنَ الحُروف، مَعَ دَلالٍ مُصْطَنَعٍ :
_ نَحْنُ زَوْجَات فضيلةِ
الشَّيْخ حَسُّونة بدير مُفتي الجُمهورية ، نُريدُ السَّلامَ على سَيِّدِنا
الشَّرِيفِ هِشَام القُرَشِيِّ ، والتقاطَ صُورة تَذكارية مَعَه .
كُلُّ وَاحدةٍ احْتَضَنَتْني
وَقَبَّلَتْني، حَتَّى شَعَرْتُ أنَّني وَقَعْتُ في أجْسَادِهِنَّ، وَغَرِقْتُ في
لُحُومِهِنَّ. وكُلُّ وَاحدةٍ تَقُول لِي : (( أنتَ في عُمر ابني )) ، لِتَبريرِ
احتضاني وتَقْبيلي واصطدامي بِبُطُونِهِنَّ المَنفوخةِ وأثدائهِنَّ المُتَدَلِّية.وكُلُّ
وَاحِدَةٍ تَقُول لِي:((إذا أنْجَبْتُ ابْنًا سَأُسَمِّيهِ"هِشَام" عَلى
اسْمِكَ)).
وَقَفْتُ بَيْنَهُنَّ. اثنتان
عَنْ يَمِيني ، واثنتان عَنْ شِمالي . والتقطَ الرائدُ عَطِيَّة صُورة تَذكارية
لَنَا بكاميرا إحدى النِّسَاءِ. أرتدي بِذلة كُحْلِيَّة أنيقة وقميصًا أزرق معَ
رَبْطَة عُنُق حَمْرَاء ، وحِذائي لامعٌ. أحْسَسْتُ في الصُّورةِ أنَّني السَّيدُ
المُطَاع، وهَؤلاء الجَوَاري اللواتي اشْتَرَيْتُهُنَّ مِنْ سُوقِ النِّخَاسَة .
أوَّلُ مَنْ سَلَّمْتُ
عَلَيْهِ هُوَ فَخَامَةُ رئيسِ الجُمهوريةِ وَزَوْجَتُهُ السَّيدةُ الأُولَى .
وَقَفْتُ أمامَ السَّيد الرئيسِ ، وَهَتَفْتُ بأعلى صَوْتي :
_ قائدُنا إلى الأبد
وَزَعيمُنا الخالد مُراد عادل أبو خالد .
وأدَّيْتُ التَّحِيَّةَ
العَسكريةَ بِقُوَّةٍ وصَلابَةٍ وَثَبَاتٍ . واقتربتُ مِنْه ، وَصَافَحْتُه ،
وَقَبَّلْتُ يَدَه . فَمَا كانَ مِنْهُ إلا أن احتضنني ، وَقَبَّلَني ، وَرَبَّتَ
عَلى كَتِفي ، وقال بِسَعادةٍ غامرةٍ :
_ أنتَ بَطَلٌ يا هِشَام ،
ويَنتظرك مُستقبَل باهر ، وَسَوْفَ تَكُون مَعَنَا في القِيَادَةِ عِندَما تَكْبَر
.
واقتربتُ مِنَ السَّيدة الأُولَى تَغْريد نَصْري
، وَقُلْتُ بِحَمَاسَةٍ شديدة :
_ سَيِّدتنا تَغْريد ،
وَالِدَةُ الدَّوْلَةِ ، وَأُمُّ الشَّعْبِ ، وَرَاعِيَةُ المُوَاطِنِين .
وَصَافَحْتُهَا ، وَقَبَّلْتُ يَدَهَا ،
فَاحْتَضَنتني ، وَقَبَّلَتْني ، وقالتْ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ :
_ اللَّه يَرضى عَلَيْك يا هِشَام، أنتَ قائدٌ مُنْذُ الصِّغَرِ ، وكَمْ
تَمَنَّيْتُ أنْ يَكُونَ عِنْدي ابْنٌ مِثْلك .
كانت تَغْريد نَصْري مَلِكَةَ
جَمَالٍ ذات أُنوثة طاغية ودَلالٍ جَذَّاب. ولكنَّني لاحظتُ أنَّها مُرْهَقَة ،
وتُعاني مِنْ آلامٍ في العَضَلاتِ والمَفَاصِل ، وَتَجِدُ صُعوبةً في المَشْي .
وهَذا أمْرٌ مُتَوَقَّع ، بسبب الإفراطِ في الجِمَاعِ ، فَقَدْ أَنْهَكَهَا
زَوْجُها السَّيدُ الرئيسُ في الليلةِ المَاضِيَةِ ، وَأَتْعَبَهَا مِنْ كَثرةِ
مَا جَامَعَهَا . والإرهاقُ نتيجة طَبيعية لاستهلاكِ الجِسْمِ للطاقةِ
والمُغَذِّيَاتِ اللازمةِ للبِنَاءِ ، وَهَذا يُسبِّب نَقْصًا في بَعْضِ
المَوَادِّ ، ويُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ بالألَمِ . ومعَ هذا ، يُمكِن اعتبار
العَلاقة الجِنْسِيَّة بَيْنَ رئيسِ الجُمهوريةِ وَزَوْجَتِهِ جُزْءًا مِنَ
الوَحْدةِ الوطنية، والأمْنِ القَوْمِيِّ، والدِّيمقراطيةِ، وَحُقوقِ الإنسانِ.
كُلُّ الحَرَكَاتِ المَسْرَحِيَّة
التي قُمْتُ بِهَا أمامَ الرئيسِ وَزَوْجَتِهِ دَرَّبَني عَلْيَهَا أبي قَبْلَ
الحَفْلِ ، وَهُوَ الذي حَفَّظَني الكَلامَ الذي قُلْتُهُ لَهُمَا. كانَ أبي هُوَ
المُخْرِجَ ، وأنا كُنْتُ المُمَثِّلَ .
إنَّ الرئيس مُراد عادل أذكى
بكثير مِنَ الرئيسِ المَخلوعِ، فالرئيسُ المَخلوع أبْتَر لا عَقِبَ لَه .
تَزَوَّجَ العاقرَ تَغْريد نَصْري للاستمتاعِ بِهَا ، وَلَمْ يُنْجِبْ . أمَّا
الرئيس مُراد عادل فَقَدْ أنجبَ مِنْ زَوجته الأُولَى ( أُم خالد ) سِتَّة أولاد
وأربع بنات ، وكَوَّنَ ذُرِّيةً تُسانده ، وَهُوَ يُخطِّط لإعطاءِ المَناصبِ
الحَسَّاسَةِ في الجَيْشِ والأمْنِ والمُخَابَرَاتِ لأولاده ، كَيْ يُحْكِمَ
قَبْضَتَهُ عَلى الدَّولةِ ، وَيُسَيْطِر عَلى مَقاليدِ الحُكْمِ .
ابْنُهُ البِكْرُ خالد (
وُلِدَ عام 1960 ) وَهُوَ الآنَ في الثالثة والعِشرين ، سَلَّمَه مَنْصِب نائب
قائد الحَرَسِ الجُمهوريِّ ، وابْنُهُ بِلال ( وُلِدَ عام 1961 ) ، وَهُوَ الآنَ
في الثانية والعِشرين ، سَلَّمَه مَنْصِب مُسَاعِد مُدِير المُخَابَرَاتِ
العَامَّة . والحَبْلُ عَلى الجَرَّارِ ، وأولادُهُ وَبَنَاتُهُ تَنْتظرهم أَهَمُّ
المَنَاصِب الحَسَّاسَة في البِلاد . وَبَعْدَ أن اطْمَأنَّ عَلى هَذا الوَضْعِ ،
تَزَوَّجَ تَغْريد نَصْري ( الزَّوجة الثانية الأسَاسِيَّة والسَّيدة الأُولَى )
للاستمتاعِ بِهَا وَمَعَهَا ، والظُّهُور مَعًا أمامَ وسائلِ الإعلام المَحَلِّية
والعربية والعالمية، فَهَذِهِ الزَّوْجَةُ خَبيرةٌ في الإتيكيت، وَمُتَخَصِّصَةٌ
في البروتوكول، وَمُتَمَكِّنَةٌ في البرستيج . أمَّا زَوْجَتُهُ الأُولَى أُمُّ
خالد المنبوذة الاحتياط ، فَهِيَ امرأة بَلَدِيَّة شَعْبِيَّة ، خَصَّصَهَا
للطَّبْخِ وَالحَمْلِ والوِلادةِ والرَّضَاعَةِ ، وإنتاجِ الذُّرِّية ، ولا
يَظْهَر مَعَهَا ، لأنَّها لا تَعْرِفُ الأناقةَ ، ولا الرُّقِيَّ ، ولا
التَّعَامُلَ مَعَ الشَّخْصِيَّاتِ المُهِمَّةِ ، وَيَخَافُ أنْ تَفْضَحَهُ بَيْنَ
الناسِ .
وللأسفِ الشَّديدِ ، إنَّ أبي
يُعَاني مِنْ نَفْسِ مُشكلة الرئيسِ المَخلوعِ تقريبًا ، فَلَيْسَ لَدَيْهِ سِوَى
ابْنٍ وَحِيدٍ ( أنا هِشَام ) في الحاديةِ عَشْرَة مِنْ العُمر ، ولا أستطيعُ
استلامَ أيِّ مَنْصِب في هَذا السِّنِّ الصغيرة . ونارت ابْنُ أخيه في نَفْسِ
سِنِّي .
وَقَدْ قَرَأتُ تَقْريرًا
نَسِيَهُ أبي عَلى مَكْتَبِهِ في قَصْرِنَا ، أَعَدَّتْهُ المُخَابَرَاتُ
العَامَّةُ وَالمُخَابَرَاتُ العَسْكَرِيَّةُ مَعًا ، رَغْمَ الصِّرَاعِ
والتَّنَافُسِ والخِلافِ بَيْنَهُما ، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلا اثنان فَقَطْ ،
رئيسُ الجُمهورية ، وأبي نائب رئيس الجُمهورية ، يَقُول إنَّ السَّبَبَ
الأسَاسِيَّ لِسُقُوطِ حُكْمِ الرئيسِ المَخلوعِ هُوَ عَدَمُ وُجود أبناء لَه ،
وَلَوْ أنَّه تَزَوَّجَ زَوْجَةً شَدِيدَةَ الخُصُوبةِ _ أوْ أكْثَر مِنْ زَوْجَة
_ ، وَحَبَّلَهَا وَوَلَّدَهَا باستمرار ، وأنجبَ مِنها أولادًا كثيرين ،
وَمَنَحَهُم المَنَاصِبَ المُهِمَّةَ في الجَيْشِ والمُخَابَرَاتِ ، لَثَبَتَ
حُكْمُه واستقرَّ ، واستمرَّ فَترةً طَويلة ، وَفَشِلَ الانقلابُ عَلَيْه . إنَّ
الرئيسَ المَخلوعَ أَفْسَدَ الدَّولةَ ، وَأفْقَرَ المُوَاطِنَ ، وَأضْعَفَ
جَيْشَنا الوَطنيَّ الذي يَبْلُغُ عَدَدُ جُنودِه رُبُع مَلْيُون جُندي ، وَعَدَد
الاحتياط نِصْف مَلْيُون جُندي ، مِنْ أجْلِ امرأة عاقر اسْمُها تَغْريد نَصْري .
لَقَدْ دَمَّرَ الوَطَنَ مِنْ أجْلِ ثَدْيَيْهَا وَفَخِذَيْهَا .
كانَ حَفْلُ تَنْصِيبِ
رَئيسِ الجُمهوريةِ فُرْصَةً مُمتازةً للتَّحَرُّشِ الجِنْسِيِّ . حَارِسِي
الشَّخْصِيُّ الرائد عَطِيَّة مَهْوُوسٌ بأجسادِ النِّسَاءِ . لَمْ يَتْرَكْ
صَدْرَ امرأةٍ إلا تَحَسَّسَه ، وَلَمْ يُفْلِتْ ثَدْيُ امرأةٍ مِنْ قَبْضَتِهِ
الغَلِيظَة ، وَلَمْ يَتْرُكْ مُؤخَّرَةَ امرأةٍ إلا لَمَسَهَا .
يَطْلُبُ مِنَ النِّسَاءِ تَحْدِيدًا أنْ
يَفْتَحْنَ لِيَ الطريقَ مِنْ أجْلِ المُرُورِ ، وَيَمُدُّ يَدَهُ عَلى صُدورِ
النِّسَاءِ وأثدائِهِنَّ وَمُؤخَّرَاتِهِنَّ، وكأنَّه يُبْعِدُهُنَّ عَنِّي، لإفساحِ
المَجَالِ لِي . والنِّسَاءُ يَعْتَذِرْنَ لِي .
رَأيْتُ في ذلك الحَفْلِ النُّهُودَ
الكبيرةَ ، والمُؤخَّرَاتِ العريضة ، والأفخاذَ البَيْضَاءَ . بَدَأتُ أشعُرُ
بالشَّهْوَةِ، وبالتأكيدِ شَهْوَة طِفْل في الحادية عَشْرَة، ولَيْسَتْ شَهْوَة
الرَّجُلِ الكبيرِ كحارسي الشخصيِّ الرائد عَطِيَّة . رَأيْتُ أجْمَلَ المَلابسِ
النِّسَائيَّة الطويلة والقصيرة ، مِنْ كُلِّ الألوان والأشكال . كُلَّمَا
وَجَدْتُ امرأةً مَكشوفة الثَّدْيَيْن وَقَفْتُ أتَحَدَّثُ مَعَهَا ، مُرَكِّزًا
نَظَرِي عَلى صَدْرِهَا ، وَمُحَاوِلًا مَعرفة لَوْن حَمَّالة الصَّدْر . ولا
بُدَّ أنَّها لاحظتْ هَذا . وَقَدْ كانتْ سَعِيدَةً وَمُبْتَسِمَةً وَغَيْر
مُتَضَايِقَة .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طويلة ، قَرَأتُ خَبَرًا
تَدَاوَلَتْهُ وَسائلُ الإعلامِ : (( يُوَاجِهُ المُصَوِّرُ الفرنسي جان كلود أرنو
اتهامات بالتَّحَرُّشِ الجِنْسِيِّ بالأميرةِ فيكتوريا وَلِيَّة عَهْد عَرْشِ
السويد ، خِلال حَفْل الأكاديمية الملكية السويدية ، الجهة المانحة لجائزة نوبل
للآداب . وَنَفَى أرنو الذي كانَ مِحْوَرَ فضيحة جِنسية في الأكاديميةِ لَمْسَ
مُؤخَّرة الأميرة فيكتوريا خِلال حفل داخل الأكاديمية في عام 2006 . يعيشُ المُجتمعُ
السويدي حاليًّا على وَقْعِ فضيحة تَتَمَحْوَر حَوْل وُقوع عِدَّة حَالات مِنَ
التَّحَرُّشِ الجِنْسِيِّ داخل الأكاديمية الملكية السويدية ، وهي المُؤسَّسة التي
تُقَدِّر أيضًا المُرَشَّحِين والفائزين بجائزة نوبل المَرْمُوقة . وَبِحَسَبِ مَا
كَتَبَتْ صحيفة " سفينسكا داغبلادت " ، فإنَّ هذه الفضيحة أدَّتْ إلى
استقالة عدد كبير من أعضاء الأكاديمية الـ 18 . العُيُونُ كُلُّهَا مُسَلَّطَة
عَلى عُضْوَةِ الأكاديمية كاتارينا فروستنسون ، والتي اتُّهِمَ زَوْجُها جان كلود
أرنو بالتَّحَرُّشِ الجِنْسِيِّ بأكثر مِنْ سَيِّدة.وَمِنْ ضَحايا أرنو أيضًا
الأميرة فيكتوريا، وهي أيضًا وَلِيَّة عهد عَرْش البلاد. وَقَدْ أوْرَدَت الصَّحيفةُ
أنَّه كانَ قَدْ أَمْسَكَ بِمُؤخَّرَتِهَا أثناء إحْدَى المُنَاسَبَاتِ في
الأكاديميَّة ، وأكَّده ثلاثة شُهود في جَلَسَاتٍ مُنْفَصِلَة )) .
عُدْنَا إلى قَصْرِنا الرائعِ " قَصْرِ
الكَوَاعِبِ " في مُنْتَصَفِ الليلِ تقريبًا . أنا ونارت ابنُ عَمِّي نَنَامُ
في نَفْسِ الغُرفةِ . بَدَأتُ أَغِيظُهُ وأتلاعبُ بأعصابِه قائلًا :
_ أنا أفضلُ مِنْكَ ، وأشْطَر مِنْكَ ،
لَقَدْ جَلَسْتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ ، وأنتَ خَلْفِي في الصَّفِّ الثاني ،
وَسَلَّمْتُ عَلى الرئيسِ ، وَقَبَّلَني ، وَسَلَّمْتُ عَلى زَوْجَتِه ،
وَقَبَّلَتْني ، وقالتْ لِي : اللَّه
يَرضى عَلَيك يا هِشَام ، أنتَ قائدٌ مُنْذُ الصِّغَرِ ، وكَمْ تَمَنَّيْتُ أنْ
يَكُونَ عِنْدي ابْنٌ مِثْلك .
اعتبرتُ كَلامَها أهَمَّ
تَكريمٍ لِي . إنَّهُ وِسَامٌ على صَدْري . الزَّوْجَةُ العَاقِرُ لِفَخَامَةِ
رئيسِ الجُمهوريةِ شَخْصِيًّا تَتَمَنَّى أنْ تُنْجِبَ ابْنًا مِثْلِي ، يَكُون شاطرًا
وذكيًّا وجَميلًا مِثْلي . ماذا أُريدُ أكثرَ مِنْ هَذا ؟.
المِسْكِينُ نارت ، كانَ
طِفْلًا ناعمًا وَرَقيقًا ، تأثَّرَ كثيرًا بِكَلامي ، ومَلَأَت الدُّمُوعُ
عَيْنَيْه ، وأجْهَشَ بالبُكَاءِ ، وَغَطَّى نَفْسَه باللِّحَافِ ، وَمَا زِلْتُ
أسْمَعُ بُكَاءَه الذي يُحْرِقُ قَلْبي . وكَمْ نَدِمْتُ عَلى كَلامي الذي
جَعَلَهُ يَبْكي بِحُرْقَةٍ شديدة .
ذَهَبْتُ إلى الحَمَّامِ،
تَحْتَ الدُّش، حَيْثُ المَاء البارد.ومارستُ الاسْتِمْنَاءَ ( العَادَةَ
السِّرِّية ) لأوَّلِ مَرَّةٍ في حَيَاتي.كانتْ جُزْءًا طَبيعيًّا مِنَ الاستكشافِ
الجَسَدِيِّ وَالفُضُولِ في مَرحلةِ الطُّفُولةِ المُبَكِّرَة، وبسبب الشُّعُورِ
بالمَلَلِ أو التَّوَتُّرِ ، وكَثرةِ صُوَرِ النِّسَاءِ العَارِيَاتِ اللواتي
سَيْطَرْنَ عَلى تَفكيري . أثداء وأفخاذ
ومُؤخَّرَات في حَفْلِ تَنصيبِ فَخامة الرئيسِ، وَقَدْ أردتُ الحُصُولَ عَلى
المُتْعَةِ والراحة.
30
كانَ أوَّلُ قَرارٍ اتَّخَذَه
أبي بِوَصْفِهِ نائب رئيس الجُمهورية ، هُوَ قَطْعَ المَاءِ والكَهرباءِ عَن
القَريةِ ، تِلْك البُقْعَة المَنْسِيَّة التي وُلِدْنا فِيها ، وعِشْنَا فِيها قَبْلَ
مَجِيئنا إلى العاصمة .
قال أبي لأُمِّي وَهُمَا
يَشْرَبَان القَهْوَةَ في شُرفَةِ قَصْرِنا ، وأنا جالسٌ مَعَهُمَا أشربُ عَصيرَ
البُرتقالِ:
_ لَقَدْ أصدرتُ قَرارًا
رِئَاسِيًّا ، بَعْدَ أخْذِ الإذْنِ مِنَ الرئيس ، بِقَطْعِ المَاءِ
والكَهْرَبَاءِ عَن القَرْيَة .
قالتْ أُمِّي بِسَذاجةٍ ،
وَعَقْلُها في فِنْجَانِ القَهْوَةِ المُلَوَّنِ :
_ أيَّة قَرْية ؟ .
_ يا سَمِيحة ، رَكِّزي مَعِي
، ولا تَكُوني هَبْلَة ، القَريةُ اللعينةُ التي عِشْنَا فِيها ، وَعَمِلْتِ
خَدَّامةً في بُيوتِها ، سَوْفَ أَمْسَحُهُا مِنَ الوُجُودِ ، وَأَمْحُوهَا مِنَ
الذاكرةِ ، وَأَشْطُبُهَا مِنَ الحَياة .
_ حَرَام عَلَيْك يا سَلْمَان
، سُكَّانُها بُسَطَاء ومَسَاكين ، وكثيرٌ مِنْهُم كانوا يُساعدونني عِندما كُنْتُ
أعْمَلُ خَدَّامةً في بُيوتِهم . يُعْطُونني المالَ والأكلَ البايت والمَلابسَ
القديمة ، وأرضعتُ كثيرًا مِنْ أطفالِهم ، ولا بُدَّ أنَّهُم الآن قَدْ كَبِرُوا،
وأنا أُمُّهُم في الرَّضَاعَةِ .
_ أنتِ مِسْكينة يا سميحة ،
وَمَهْمَا حاولتُ أنْ أُعَلِّمَكِ ، وَأجْعَلَكِ إنسانةً مُحترمة مِنَ الطَّبَقَةِ
الراقية ، فلا فائدة مِنْكِ ، ولا خَيْرَ فِيكِ ، سَتَبْقِين بَقَرَةً لا تَفْهمين
، ولا تُفَكِّرين . نَحْنُ الآن أهَمُّ وأرقى عائلة في البِلادِ بَعْدَ عائلة
الرئيس ، ولا أحد يَعْرِفُ مَاضِينا وتاريخَنا سِوَى أهْلِ القَريةِ ، الذينَ
عِشْنَا مَعَهُم وَبَيْنَهُم . هَؤلاء وَحْدَهُم يَعْرِفُون أسرارَنا وتفاصيلَ
حَياتِنا ، وهَذا الأمرُ خطيرٌ واختراقٌ أمْنِي . وَتَخَيَّلي يا سميحة أنْ يَكْشِفُوا
أسرارَ عائلتنا للناسِ ، مَاذا سَيَحْدُثُ لَنَا ؟ ، وماذا سَيَكُون مصيرنا ؟ ، سَتَكُون
فَضِيحة ، وَسَنَقْضِي حَيَاتَنا في السِّجْنِ بِتُهْمَةِ الخِيَانَةِ وَخِدَاعِ
الشعبِ والتلاعبِ بالرَّأيِ العام . وأعداءُ الوَطَنِ والخَوَنَةُ والعُمَلاءُ والمُعَارِضُون
السِّيَاسِيُّون كثيرون ، وكُلُّهُمْ يَبْحَثُون عَنْ كُلِّ صَغيرةٍ وكَبيرةٍ في
تاريخِ عائلتنا كَيْ يَقَضُوا عَلَينا ، والحَلُّ هُوَ إزالةُ القَريةِ ، وَتَشْتِيتُ
أهْلِهَا ، كَيْ تَمُوتَ الأسرارُ معَ أصحابِها. يَجِبُ مَحْوُ القَريةِ تَمَامًا.
احْتَسَتْ أُمِّي جُرْعَةً
مِنَ القَهوةِ ، وقالتْ وَمَلامِحُ وَجْهِها تَدُلُّ عَلى القَلَقِ المَشُوبِ
بالخَوْفِ :
_ كَيْفَ سَتُخْرِجُ الناسَ
مِنَ القَريةِ يا سَلْمَان ؟، هَؤلاء يَمْلِكُون وثائق حُكومية رسمية مَختومة ،
وصُكوكَ مِلْكِيَّة للأراضي صادرة عَن الدَّولةِ ، وَلَدَيْهِم عُقُود بَيْع
وَشِرَاء ، وَشَهَادات حَصْر الإرْثِ ، ويَدْفَعُون فَواتيرَ المَاءِ والكَهرباءِ
، وَلَدَيْهِم أوراق رسمية تُثْبِتُ ذلك . القَريةُ الآنَ لَيْسْت القَرْيَةَ
أيَّامَ زَمَان ، الدُّنيا تَغَيَّرَتْ ، والحَيَاةُ تَقَدَّمَتْ ، والأعمى فَتَحَ
عُيُونَه ، وأنتَ مَا زِلْتَ تعيشُ في الماضي .
ابتسمَ أبي ابتسامةً صَفْراء ،
وقال بِسُخريةٍ واستهزاء :
_ صِرْتِ تَفْهمين القانونَ يا
سَمِيحة يا بَقَرَة .
وأردفَ قائلًا وَعَيْنَاه
تَتَوَهَّجَان بِشِدَّةٍ :
_ إذا كانَ أهْلُ القَريةِ
يَعْرِفُون القانونَ ، فأنا أبو القانون ، والقانونُ لُعْبَتي . لَقَدْ أَمَرْتُ
دَائرةَ الشُّؤونِ القانونيةِ في وِزارةِ العَدْلِ بإعداد وثائق مُزَوَّرَة
وَمُسْتَنَدَاتٍ مُزَيَّفَة تُبَيِّنُ بِكُلِّ وُضوحٍ أنَّ القَريةَ مَبْنِيَّة على
أراضي الدَّولةِ ، وَأنَّ أهْلَ القَريةِ قاموا بالاعتداءِ عَلى أملاكِ الدَّولةِ
، وهَذه جريمة يُعَاقِبُ عَلَيها القانونُ . وَوَفْق نِظام المُحافظة على أملاكِ
الدَّولةِ في الدُّستور ، فإنَّ الاعتداءَ على أملاكِ الدَّولةِ يَشْمَلُ كُلَّ
استعمالٍ أو استغلالٍ أو استثمارٍ أو تأجيرٍ أو إقامةِ مُنْشَآتٍ ومَبَانٍ أو
عَمليات استخراجية لأيِّ عَقَارٍ أوْ جُزْءٍ مِنْهُ مُسَجَّل باسمِ خَزينة
جُمهورية الأحلامِ الوَردية أصالةً أوْ بالنِّيَابة .
تَذَكَّرْتُ كَلامَ أبي أثناءَ
هِجْرتنا مِن القَريةِ إلى المَدينةِ : (( لَنْ أعُودَ إلى القَريةِ إلا وَهِيَ
خَرَابٌ ، حَتَّى أُعْلِنَ انتصاري عَلَيْهَا،وَمِنْ أجْلِ زِيارةِ قَبْرِ سيدي
الشَّيْخ هِشَام عبد الهادي،وَقَبْرِ ابْني ناصر)).
لَمْ نَهْتَم بِكَلامِ أبي آنَذَاك
، وَلَمْ نَعْبأ بِه ، لأنَّنا نَعْرِفُ أنَّهُ بَيَّاع كلام ، وَظَنَنَّا أنَّها
فَوْرَة غَضَب عابرة. لَقَدْ كانَ يَعْني مَا يَقُول حَرْفِيًّا . أرادَ الانتقامَ
مِنَ القَريةِ وأهْلِها . الحِقْدُ نارٌ تَشتعل في دَاخِلِه، والانتقامُ شُعلة لا
تَنطفئ في أعماقِه. صارَ أبي وَحْشًا كاسرًا قادرًا على التَّهديدِ وتَنفيذِ
تَهديدِه .
بَعْدَ ثلاثة أشهُر تقريبًا ،
قالَ لِي أبي بابتسامةٍ عَرِيضة :
_ هَلْ تُحِبُّ أنْ تَركَبَ
طائرةً يا هِشَام ؟ .
قَفَزْتُ مِنَ السَّعَادَةِ ،
وَقُلْتُ بِصَوْتٍ عالٍ :
_ نَعَم يا أبي ، أُحِبُّ أن
أركَبَ طائرةً ، ولكنْ مِنْ أيْنَ سَنَأتي بالرُّكَّابِ ؟ .
ضَحِكَ أبي ضِحْكَةً
مُجَلْجِلَةً ، وقال :
_ يا هِشَام ، هَذه
مِرْوَحِيَّة عَسْكرية ، وَلَيْسَتْ طائرة رُكَّاب .
لأوَّلِ مَرَّةٍ في حَياتي أركُبُ
طائرةً. كانت المِرْوَحِيَّةُ العَسكريةُ كبيرةً وجَميلة ولامعة ، وتُوجَد فِيها
مَقَاعِد مُريحة . رَافَقَنَا حُرَّاسٌ مُسَلَّحُون ببنادق آلِيَّة . أُمِّي أعْطَتْني
ماءً وعصيرًا وسندويشات . استمتعتُ بالأكلِ وأنا أنظُرُ مِنْ خِلال النافذة
المَوجودة في جِسْمِ الطائرة ، والتي تُسْتَخْدَم للرُّؤيةِ والمُرَاقَبَةِ ،
وَهِيَ مَصنوعة مِنَ الزُّجَاجِ الشَّفَّافِ للسَّمَاحِ للطَّيَّارِ والرُّكَّابِ
بِرُؤيةِ مُحِيطِهِم . أحسستُ أنَّني تَحَرَّرْتُ مِنَ الجَاذبيةِ ، وَصِرْتُ
أسْبَحُ في الغُيومِ .
قالَ أبي للطَّيَّار :
_ يا مُقَدَّم عبد الكريم ،
أرجو أنْ تَشْرَحَ لابْني هِشَام عَن هَذه المِرْوَحِيَّة ، فَهُوَ كثيرُ الأسئلة
.
قالَ المُقَدَّمُ عبد الكريم
مُخَاطِبًا أبي :
_ إنْ شاءَ اللَّهُ يُصْبح
الشَّريفُ هِشَام مِنْ أَهَمِّ الطَّيَّارين العَسْكريين في البِلاد .
ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ ، وقالَ
بِلَهْجَةٍ أبَوِيَّةٍ حَانِيَة :
_ يا سَيِّدي ، تَتَمَيَّزُ
هَذه المِرْوَحِيَّة بِمَجموعة مِنَ الخَصائصِ التي تَجْعَلُها فَعَّالةً في
سَاحَةِ المَعركة، بِمَا في ذلك القُدرة على التَّحليقِ في مُخْتَلَفِ الظُّرُوفِ
الجَوِّية ، وَحَمْلِ مُخْتَلَفِ أنواعِ الأسلحةِ والمُعِدَّاتِ ، وإمكانية الإقلاعِ
والهُبوط في مَناطِق مَحدودة ، كَمَا أنَّها تَتَمَيَّزُ بالقُدرةِ عَلى
المُنَاوَرَةِ والمُرونةِ في الحَرَكَةِ ، مِمَّا يَجْعَلُها مُنَاسِبَةً
لِمَجموعةٍ مُتَنَوِّعَة مِنَ المَهَامِّ العَسكرية .
نَظَرَ إلَيَّ أبي قائلًا :
_ هَلْ فَهِمْتَ يا هِشَام ؟ .
_ نَعَم .
_ قُلْ للمُقَدَّمِ عبد الكريم
: شُكْرًا جَزِيلًا عَلى هَذا الشَّرْحِ العَسكريِّ الرائع .
_ شُكْرًا جَزِيلًا عَلى هَذا
الشَّرْحِ العَسكريِّ الرائع .
_ أنا في خِدْمَتِكُم ،
وَتَحْتَ أمْرِكُم .
هَبَطَت المِرْوَحِيَّةُ
العَسكريةُ في المَطار العَسكريِّ الذي أُنْشِئُ خارجَ قَرْيتنا . كانَ هُناك
لافتة ضخمة " مطار مُنْذِر الحُبْلي العَسكري " . ظَنَنْتُ لِجَهْلي
وَسَذَاجتي أنَّهُ صَدِيقي القديم في القرية مُنْذِر الأعمى ، الذي كانَ الأولادُ
يُلقِّبونه بـِ " ابن الحُبْلَى " ، وَتَعَجَّبْتُ بِشِدَّةٍ ،
واستغربتُ أشدَّ الاستغرابِ، مَا عَلاقة صديقي القديم مُنْذِر بِمَطار عَسكريٍّ،
وَهُوَ طِفْلٌ أعمى عَاجِز مِنْ عَائلة فقيرة.
سَألتُ أبي وَالدَّهْشَةُ
تَلْتَهِمُ أعصابي وَعِظَامي :
_ مَنْ هُوَ مُنْذِر الحُبْلي
؟ .
ارتبكَ أبي بِصُورةٍ واضحةٍ ،
وأصابَه الخَجَلُ ، لأنَّهُ لا يَعْرِفُ الجَوَابَ ، والمَفروضُ أنَّهُ نائب رئيس
الجُمهورية الذي يَعْرِفُ تفاصيلَ البِلادِ مِنَ الألِفِ إلى الياءِ .
قالَ أبي مُحَاوِلًا
التَّمَلُّصَ مِنْ سُؤالي ، والهُروبَ مِنَ الإحراجِ :
_ أُستاذُكَ في عُلومِ
الطَّيَرَانِ هُوَ المُقَدَّمُ عَبد الكريم ، فَهُوَ طَيَّارٌ عَسكريٌّ مُقَاتِل
ذُو خِبْرَة واسعة ، وأنا أعْرِفُ الجَوَابَ ، ولكنْ لا أُحِبُّ أنْ أُجيبَ في
حُضورِه احترامًا لِتَخَصُّصِهِ وَخِبْرَتِه .
قالَ المُقَدَّمُ عبد الكريم :
_ الشَّهِيدُ البَطَلُ الطَّيَّارُ المُقَاتِلُ
مُنْذِر الحُبْلي، وَقَدْ لَقِيَ حَتْفَه في حادثِ طَيَرَان عام 1978 .
قُتِلَ هَذا الطَّيَّارُ في
نَفْسِ السَّنَةِ التي غَادَرْنا فِيها القَريةَ . لَمْ أسمعْ بِهِ مِنْ قَبْل ،
حَتَّى أبي لَمْ يَسْمَعْ بِه ، معَ أنَّهُ نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَالرَّجُلُ
الثاني في الدَّولةِ .
لَمْ يُخْبِرْ أبي الحُرَّاسَ
والمُرَافِقِين أنَّ هَذه كانتْ قَرْيتنا في المَاضِي. كانتْ بُقْعَةً مَهجورةً
وَخَرَابًا شاملًا وَمَكَانًا مُرْعِبًا، لا أثَرَ فِيها للحَيَاةِ، ولا وُجُود
فِيها للسُّكَّانِ . بَعْدَ قَطْعِ المَاءِ والكَهْرباءِ عَنْهَا ، غَادَرَهَا
الجَمِيعُ ، وَهَجَرَهَا الناسُ ، وَصَارَتْ أَثَرًا إثْرَ عَيْنٍ . لَمْ أُصَدِّقْ
عَيْنَيَّ ، الفَرَاغُ مُسَيْطِر عَلى المَكَانِ ، ولا يُوجَد سِوَى العَدَمِ .
القَريةُ مَهجورة ، والبُيوتُ أطلال
، والجُدرانُ مُتَصَدِّعَة ، والسُّقُوفُ مُتهاوية، والأسوارُ مُتَدَاعِيَة ، والنَّوَافِذُ
مُحَطَّمَة ، والأبوابُ مَخْلُوعة ، والطُّرُقَاتُ خاليةٌ إلا مِنَ الكِلابِ
الضَّالَّة ، والنَّباتاتُ البَرِّيةُ تَزْحَفُ في حَنْجَرَةِ الوَقْتِ الذي
تَجَمَّدَ . غَابَ السُّكَّانُ في طَوَايا الزَّمَنِ ، وَسَقَطَ الناسُ في
فُوَّهَةِ العَدَمِ . الخَوْفُ المُرْعِبُ بَعْثَرَهُمْ ، وَفَرَّقَهُمْ ،
وَشَتَّتَ شَمْلَهُم. رَائحةُ الفَرَاغِ المُوحِشِ تَفُوحُ في كُلِّ التفاصيلِ .
بُقْعَةٌ جَرْدَاء لا نِهَاية لأحزانِها . وَصَمْتُ القُبورِ يَغْتَصِبُ جَسَدَ
المَكَانِ في اللامَكَانِ . كَأنَّ الطاعونَ اقتحمَ هَذه القَريةَ بِلا مَوْعِدٍ
مُسْبَقٍ ، وكأنَّ الأرضَ تَوَقَّفَتْ عَن الدَّوَرَان . الصَّمْتُ يُخَيِّمُ عَلى
الوُجودِ ، وانتهى الضَّجِيجُ ، وزالت الحَرَكَةُ .
أثارتْ قَرْيَتُنَا المَهجورةُ
في نَفْسِي شُعورًا بالغُموضِ والرَّهْبَةِ والحَنينِ إلى الماضي ، معَ إحساسٍ بأنَّ
هُناك قِصَّة تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْتشفها . شَعَرْتُ بالفَرَاغِ الدَّاخِلِيِّ
واليأسِ والألَمِ وانعدامِ الأمْنِ وَعَدَمِ الارتياحِ ، كَأنَّ أهْلَ القَريةِ
هُجِّرُوا بسببِ التَّطهيرِ العِرْقِيِّ أو الإبَادَةِ الجَمَاعِيَّة .
مَدرستي القَديمةُ مُهْمَلَةٌ
وخاليةٌ مِنَ الحَياةِ وَضَجيجِ الأولادِ . مَدرسةُ المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه
المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية ، صارتْ فَرَاغًا قاتلًا . هَذه الأحلامُ
مَأسُوفٌ عَلى شَبَابِهَا . صُفُوفُ المَدرسةِ خالية ، والمَمَرَّاتُ مُوحِشَةٌ
وكَئيبة . ماتتْ ضَحِكَاتُ الأولادِ ، وانكسرَ صُرَاخُهم ، وذَابَ ضَجِيجُهم ،
وَعَمَّ الصَّمْتُ الجارحُ ، وانتشرَ السُّكُوتُ المُوجِعُ .
بَيْتُ المُختار " أبو
حَسَن " مَهجورٌ ، وَدُكَّانَةُ مَسعود فارغة ، وَبَيْتُ الشَّيْخِ هِشَام
عَبد الهادي مَتروكٌ للرِّياحِ والتُّرَابِ،والكُتَّابُ صَارَ وَشْمًا في الغُبارِ،
وَزَريبة الأبقارِ التي عِشْنَا فِيهَا، صارتْ مَأوى لِبَعْضِ الحَيَوَانَاتِ . أيْنَ
ذَهَبَ الرِّجَالُ والنِّسَاءُ ؟ ، أيْنَ اخْتَفى الأولادُ والبَنَاتُ ؟ . أيْنَ
غَابَتْ حِبَالُ الغَسيلِ ؟. خَرَجَ مِنْ أحَدِ البُيوتِ المَهجورةِ كَلْبٌ ضال،
وأرادَ مُهاجمتنا ، فأطلقَ عَلَيْهِ النارَ الحارسُ الشَّخْصِيُّ لأبي، وَقَتَلَه.حَدَّقْتُ
طَويلًا في عَيْنَيْ هَذا الكَلْبِ المَيِّتِ ، وَرَأيْتُ أحزانَ الطُّرُقَاتِ
فِيهما. انتصرَ السَّرَابُ عَلى الصَّحْرَاءِ ، وَانتصرَ المَوْتُ عَلى الحَيَاةِ
، وانتصرَ العَدَمُ عَلى الوُجود .
لَمْ يَعُدْ أبي إلى القَريةِ
إلا وَهِيَ خَرَابٌ ، وَهَا هُوَ الآنَ يُعْلِنُ انتصارَه عَلَيْهَا . زُرْنَا
قَبْرَ الشَّيْخ هِشَام عبد الهادي الذي دَرَّسَ أبي في الكُتَّابِ . هَلْ
زَوْجَتُهُ أُمُّ حامد حَيَّة أوْ مَيتة ؟ ، لا أعْرِفُ . إنَّها المَرْأةُ
الأكثرُ إنجابًا في القَرْيَةِ ، وَصاحبةُ المَركزِ الأوَّلِ في الحَمْلِ
والوِلادةِ ، حَيْثُ أنْجَبَتْ عِشْرِين طِفْلًا ، ثلاثة عَشَر وَلَدًا وسَبْع
بَنَاتٍ . لا بُدَّ أنَّهُمْ كَبِرُوا الآنَ، وَتَفَرَّقُوا في دُروبِ الحَيَاةِ .
وَزُرْنَا قَبْرَ أخي ناصر. قَبْرٌ
صَغِيرٌ وَضَيِّقٌ . مَا زِلْتُ أحتفظُ بِصُورته في غُرفتي في قَصْرِنا . شَعْرُهُ الناعم ، وَعَيْنَاهُ اللامعتان ،
وخُدُودُه الطَّرِيَّة ، وابتسامته البريئة ، وَقَمِيصُهُ الأزرق الذي أعْطَوْهُ
لأُمِّي صَدَقَةً ، وَشَفَقَةً عَلَيْهَا ، وعلى ابْنِها الوحيدِ الذي وُلِدَ في
عائلة فقيرة بائسة لَيْسَ لَهَا جُذور ولا أغصان .
أَصْدَرَ أبي أمْرًا
عَسْكريًّا وَقَرَارًا جُمهوريًّا : (( تَجِبُ تَسْوِيَةُ القَرْيَةِ بالأرضِ
بالكاملِ ، وَضَمُّ الأرْضِ الفارغةِ إلى مطار مُنْذِر الحُبْلي العَسكري
لِتَوْسِعَتِه )) .
31
المَلَلُ خَريطةُ حَيَاتي ،
والرَّتَابَةُ تَلْتَهِمُ أحلامي . أيَّامي تَسِيرُ بِبُطْءٍ بِلا إنجازاتٍ عظيمة
، مَعَ أنَّني كُنْتُ طالبًا مُجْتَهِدًا في المَدرسةِ الأجنبيةِ ، وأتَقَدَّمُ في
مَسيرةِ التَّعليم بِسُرعةٍ هائلة ، مِمَّا جَعَلَ الطُّلابَ والطالباتِ
يَتَجَمَّعُون حَوْلي ، وَيَحْرِصُون عَلى صَدَاقَتي ، وَيَطْلُبُون مُسَاعَدتي في
حَلِّ الواجباتِ المَدرسية ، كَمَا أنَّهُم يَطْلُبُون مِنِّي أنْ أُقَدِّمَ
لَهُمُ الوَصْفَةَ السِّحْرية كَيْ يُصْبِحُوا مُجْتَهِدِين مِثْلي . وكُنْتُ
أستعرضُ عَضَلاتي أمَامَهُم ، وَأُقَدِّم لَهُم نصائح كثيرة وإرشادات مُتعددة ،
مَعَ أنَّني في كثير مِنَ الأحيانِ لا أعْمَلُ بِهَا .
يَجِبُ تَخصيصُ وَقْتٍ
مُعَيَّنٍ للدِّراسةِ ، وَزِيَادَةُ هَذا الوَقْتِ بشكلٍ تَدريجيٍّ معَ الاستمرارِ
، والبَحْثُ عَنْ مَكان هادئ للدِّراسةِ ، وتَنظيمُ الوَقْتِ ، وَعَدَمُ الدِّراسة
ليلة الامتحان فقط ، والدِّراسةُ بِصَوْتٍ عالٍ ، وَتَلْخيصُ المَعلوماتِ ،
وَطَرْحُ الأسئلةِ عَلى المُعَلِّمِين والمُعَلِّمَاتِ والزُّمَلاءِ ، وَطَلَبُ
المُسَاعدة مِنْهُم ، وقِراءةُ الكُتُبِ الكثيرةِ ، وأخذُ فَتَرَات رَاحة مُنْتَظَمَة
لِتَحسينِ التَّركيزِ والذاكرةِ ، والنَّوْمُ بشكلٍ جَيِّد ، وَالحُصُولُ عَلى
الغِذاء الصِّحِّي الذي يُعْطِيك الطاقةَ والحيويةَ ، والاستفادةُ مِنْ تَجَارِبِ
الطُّلابِ المُتَفَوِّقين،والصَّبْرُ والتَّحَمُّلُ، والاستمتاعُ بالتَّعَلُّمِ ،
والبَحْثُ عَن اللذةِ في الدِّراسة.
قَرَأتُ هَذه الأشياءَ في
أحَدِ الكُتُبِ ، وَحَفِظْتُها عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ . وكُلَّمَا طَلَبَ أحَدُهُم
مُسَاعَدَةً دِراسية مِنِّي ذَكَرْتُهَا أمَامَه ، وكَأنَّني أنا المُعَلِّمُ ،
وَهُوَ التِّلميذ . وهَذا يُشْعِرُني بالتَّفَوُّقِ عَلَيْهِم ، وأنَّ مُسْتواي
الفِكْري والعِلْمي أعْلَى مِنْهُم . أردتُ تَوبيخَهم وإذلالَهم وإهانتهم ،
لأنَّني شَعَرْتُ بالإذلالِ والإهانةِ كثيرًا في حَيَاتي ، وكأنَّني أُعَلِّمُ
عَلَيْهِم ، وأُنَظِّرُ عَلَيْهِم ، وأُشْعِرُهُم أنَّهُم جُهَّال أغبياء ، وأنا الوَلَدُ
الذكيُّ المُجْتَهِد ابن العائلة الراقية العريقة ذات المَكانة الاجتماعية
المَرْمُوقة . هَذه هِيَ خُطَّتي لاستعادةِ كَرَامتي ، واسترجاعِ الإحساسِ
بِقِيمتي الشَّخصية . إنَّها عملية تَعْويض عَنْ سَنَوَاتِ الفَقْرِ وَالشَّقَاءِ
والتَّعَاسَةِ والحِرْمَان ، ومُحاولة مِنِّي لإعادة الثِّقَةِ بِنَفْسِي بَعْدَ
التَّجَارِبِ المُؤلِمَة والمُهِينة .
أنا الضَّحِيَّةُ التي انقلبتْ
عَلى الضَّحَايا ، وَارْتَدَتْ قِنَاعَ الجَلَّادِ . جَرَّبْتُ دَوْرَ الفَرِيسَةِ
كثيرًا ، وَأُريدُ أنْ ألْعَبَ دَوْرَ الصَّيَّادِ ، مَا دَامَت الحَيَاةُ
مَسرحيةً مُضْحِكَةً مُبْكِيَةً يأكلُ القَوِيُّ فِيها الضَّعيفَ . وَمَعَ هَذا ، فأنا
لا أَلُومُ مَنْ يَكْرَهُني وَيَحْتَقِرُني ، لأنَّني أنا شخصيًّا أَكْرُهُ
نَفْسِي وأحْتَقِرُها . وَرَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، مَا زِلْتُ أَجِدُ صُعوبةً في
الاندماجِ في المُجتمعِ .
صِرْتُ مَغْرُورًا
وَمُتَكَبِّرًا لإخفاءِ ضَعْفي الدَّاخليِّ وانهياري الجُوَّانيِّ وإحساسي
بالنَّقْصِ . أنا أفضلُ مِنَ الآخَرين ، وأحْسَنُ مِنْهُم. اعتقدتُ أنَّني
تَفَوَّقْتُ عَلَيْهِم ، معَ شُعور زائف بالأهميةِ والعَظَمَةِ والتَّمَيُّزِ
والإعجابِ بالنَّفْسِ ، قَادَني إلى الكِبْرِيَاءِ والتَّعَالي . أتعاملُ مَعَ
الطُّلابِ والطالباتِ بِتَعَالٍ واحتقارٍ ، بسبب ذَكائي ، واجتهادي ، وَثَرْوَةِ
عائلتنا ، ونَسَبِنا الشريفِ الوَهْمِيِّ إلى قُرَيْشٍ ، ومَكانتنا الاجتماعية
العالية، وَمَنْصِب أبي، فَهُوَ نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ، والرَّجُلُ الثاني في
الدَّولةِ .
إذا رَأيْتُ ابْنَةَ وَزيرٍ في
المَدرسةِ ، قُلْتُ أمامَ الطُّلابِ : (( أبُوها وَزيرٌ فاشل ، سَأطْلُبُ مِنْ أبي
نائب رئيسِ الجُمهورية أنْ يَطْرُدَه مِنَ الحُكُومة )) . وإذا رَأيْتُ ابْنَ
سَفِيرٍ في المَدرسةِ ، قُلْتُ أمامَ الطُّلابِ : (( أبُوه سَفِير جاهل ، إنَّ أبي
نائب رئيسِ الجُمهورية يَتَحَدَّثُ خَمْسَ لُغَات )). وبالطبع ، أبي لا يَعْرِفُ
إلا العربيةِ، وبالكادِ يَعْرِفُها . وإذا رَأيْتُ ابْنَ رَجُل أعمال يأتي بسيارةِ
المرسيدس إلى المَدرسةِ ، قُلْتُ أمامَ الطُّلابِ : (( أبُوه فقير وَشَحَّاذ ،
إنَّ أبي نائب رئيس الجُمهورية يَمْلِكُ البنكَ المَركزيَّ كُلَّه )). وإذا
رَأيْتُ مُعَلِّمَةً أمريكية في المَدرسةِ، قُلْتُ أمامَ الطُّلابِ : (( هَذه
مُعَلِّمَة فقيرة، إنَّ أبي يَجْتمع معَ الرئيسِ الأمريكيِّ ، والسَّفِيرُ
الأمريكيُّ يَزُورُني في قَصْرِنَا الفَخْمِ )) .
حَيَاتي قائمةً عَلى الأكاذيبِ
. أكذِبُ الكِذبَةَ وَأُصَدِّقُها هُروبًا مِنَ الواقعِ ، وَمِنْ أجْلِ العَيْشِ
في عَالَمِ الأحلامِ والخَيَالاتِ . قَضَيْتُ حَيَاتي هاربًا مِنْ حَيَاتي ،
وباحثًا عَن الوَهْمِ اللذيذِ ، والخَيَالِ المُمْتِعِ ، إلى أنْ جاءت الضَّرْبَةُ
القاضيةُ ، والمُصِيبةُ الكبيرةُ ، والكارثةُ القاصمة .
كانتْ هُناك مُباراة نِهائية
في كُرَةِ القَدَمِ في المَدرسةِ . المَلعبُ واسعٌ وكبيرٌ ، والفريقان قَوِيَّان .
كُنْتُ كابتنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ ، وهَذا أعادني بالذاكرةِ إلى أيَّامِ القَريةِ
عِنْدَمَا كُنْتُ كابتنَ فَريقِ المَنبوذين ، سِمْعَان البَدَوي المَسِيحي ، ومُنذِر
الأعمى ، وفَتْحِي النَّوَري ، وأُسَامَة الأعْرَج . ولكنْ هَذه المَرَّة ،
تَكَوَّنَ كُلُّ فَريقٍ مِنْ أحَد عَشَر لاعبًا، وكُلُّ اللاعبِين مِنْ أبناءِ
كِبَارِ الشَّخْصِيَّاتِ ، وَالرِّجَالِ المُهِمِّين الخطيرين في الدَّوْلة ،
وَرِجَالِ الأعمالِ الأثرياء ، ولا يَنْتمي أَحَدٌ مِنْهُم إلى المَنبوذين
والمَسْحُوقين.
بَذَلْتُ قُصَارى جُهْدِي في
المُبَارَاةِ . حَرَثْتُ المَلْعَبَ كاملًا . لَمْ أهْتَم بالأولادِ الذينَ
يُشَجِّعُون . اهْتَمَمْتُ بالبَنَاتِ المُتَجَمِّعَاتِ عَلى مَقَاعِدِ
المُدَرَّجَاتِ. يَهْتِفْنَ ، وَيَقْفِزْنَ ، وَيُشَجِّعْنَ بِحَرارَةٍ . أردتُ
أنْ أُنَفِّذَ حَرَكَةً مُمَيَّزَةً عَلى أرْضِ المَلْعَبِ ، كَيْ أحْظَى بإعجابِ
البَنَاتِ وَتَصْفِيقِهِنَّ ، وأُصبح فَتى أحلامِهِنَّ ، وَبَطَلًا بالنِّسْبَةِ
إلَيْهِنَّ .
رَكَضْتُ بِسُرعةٍ جُنونية
مِنْ خَطِّ الدِّفَاعِ إلى خَطِّ الوَسَطِ ، وَقُمْتُ بِحَرَكَةٍ انزلاقية ،
حَيْثُ انزلقتُ عَلى الأرضِ مُحَاوِلًا استخلاصَ الكُرَة مِنَ الخَصْمِ . كُنْتُ
قَدْ ثَنَيْتُ سَاقِي ، وَمَدَدْتُ الساقَ الأُخْرَى للوُصُولِ إلى الكُرَةِ ،
وَهَذه الحَرَكَة مَهَارَة فَعَّالة تَتَطَلَّب تَوْقيتًا دقيقًا وَدِقَّةً
مُتَنَاهِيَة. فَشِلْتُ في استخلاصِ الكُرَةِ ، وَلَمْ أَجِدْ نَفْسِي إلا واقعًا
عَلى ظَهْري. اصطدمَ ظَهْرِي بالأرضِ بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ بسبب سُرعتي الجُنونية
واندفاعي المُتَهَوِّرِ . أحْسَسْتُ أنَّ ظَهْرِي انكَسَرَ شَظِيَّةً شَظِيَّةً ،
وأنَّ عَمُودي الفِقري خَرَجَ مِنْ مَكَانِه ، وأنَّ الفِقرات انخلعتْ . كانَ
ظَهْرِي مِثْل صَحْنٍ مَكْسُورٍ في مَطْبَخِ بَيْتٍ مَهجور . أيْقَنْتُ في تِلْك
اللحظة المُرْعِبَة أنَّني أُصِبْتُ بالشَّلَلِ ، بسبب عَجْزي عَن الحَرَكَةِ . الألَمُ
رَهِيبٌ لا يُطَاق ، وَصُرَاخي مَلَأَ المَلْعَبَ ، وَبُكَائي يَتَفَجَّرُ مِثْلَ
الينابيع ، وَدُمُوعي تَتَدَحْرَجُ عَلى خُدُودي كَالصُّخُورِ .
ضَحِكَ الأولادُ والبَنَاتُ
عَلَيَّ بأصوات عالية مُزَلْزِلَة ، وَسَخِرُوا مِنِّي، وَشَعَرْتُ بالخِزْيِ والعَارِ
والإحراجِ ، لأنَّ المَشْهَدَ كانَ في مَلْعَبِ كُرَةِ القَدَمِ المُمتلئ
بالطُّلابِ والطالباتِ مِنْ كُلِّ المَراحل . الجَمِيعُ رَأى فَضِيحتي . لَقَدْ
فُضِحْتُ في المَدرسةِ . وكُلُّ شَيْءٍ بَنَيْتُهُ تَهَدَّمَ في لَحْظَةٍ ،
وانهارتْ صُورتي في أذهانِ الطُّلابِ والطالباتِ ، وَتَحَطَّمَتْ أُسْطُورتي
القائمة على الخِدَاعِ والكَذِبِ والوَهْمِ .
لا أعْرِفُ ماذا حَصَلَ بَعْدَ
ذلك ، لأنَّهُمْ قالوا لِي إنَّني أُصِبْتُ بِغَيْبُوبَةٍ . اتَّصَلَتْ إدارةُ
المَدرسةِ بِعَمِّي الدُّكتور صَبْري رَشَاد الذي كانَ في الجامعةِ ، لأنَّ أبي
كانَ قَدْ سَافَرَ إلى باريس مُمَثِّلًا لِجُمهورية الأحلامِ الورديةِ في المُؤتمر
الدَّوْليِّ لِحِمَايَةِ دِبَبَةِ الباندا مِنَ الانقراضِ ، تَحْتَ إشرافِ
الأُمَمِ المُتَّحِدَة .
حَارِسِي الشَّخْصِيُّ الرائد
عَطِيَّة اعتقدَ أنَّها مُحاولة اغتيال ، لأنَّني ابْنُ نائبِ رئيسِ الجُمهورية ، ولكنَّ
الإدارةَ طَمْأنَتْهُ أنَّ المَدرسةَ الأجنبية مُحَصَّنَة أمْنِيًّا ، وَجَمِيعُ
الطُّلابِ مِنَ الطَّبَقَةِ الراقية في المُجتمع،وهُمْ أبناء كِبَار الشَّخْصيات
في البِلاد،وكُلُّهُمْ مُوَالُون للثَّورةِ المُبَارَكَةِ والحَرَكَةِ
التَّصْحيحية، ولا يُوجَد فِيهم خَوَنَة ولا عُمَلاء ولا مُعَارِضُون ولا
إرهابِيُّون . ولا يُمْكِن حُدُوث أيِّ اختراقٍ أمْنِيٍّ مَهْمَا كانَ صغيرًا،
لأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُرَاقَبٌ .
جاءَ عَمِّي لاهثًا وعاجزًا
عَن الكَلامِ بسبب الصَّدْمَةِ الشَّديدة . وَبَعْد بُرهةٍ ، طَلَبَ مِنْ حَارِسِي
الشَّخْصِيِّ الرائدِ عَطِيَّة أنْ يَحْمِلَني إلى السَّيَّارَةِ بِسُرعةٍ لِنَقْلي
إلى المُستشفى . وكانتْ هُناك سَيَّارتان تُرافِقَان سَيَّارَةَ عَمِّي ، سَيَّارة
تابعة للمُخَابَرَاتِ العَامَّة ، وَسَيَّارَة تابعة للأمْنِ الجِنَائيِّ .
تَوَلَّى أحَدُ الأطباءِ
الكِبَارِ الإشرافَ عَلى حَالَتي كاملةً ، وَمَا زِلْتُ أذكُرُ اسْمَه حَتَّى هَذه
اللحظةِ، الدُّكتور حازم حميدي ، الاختصاص العالي في جِرَاحَة العِظَامِ
والمَفَاصِلِ والكُسُورِ والعَمُودِ الفِقري.
كَشَفَ عَنْ ظَهْرِي ،
وَفَحَصَه بِدِقَّةٍ ، وقالَ إنَّ هُناك كُسُورًا في مَنطقةِ العُمود الفِقري ،
مَعَ تَهَشُّمٍ في أجزاء مُختلفة مِنَ الظَّهْرِ . طَلَبَ تَجهيزَ غُرفةِ
العملياتِ فَوْرًا ، وأَدْخَلُوني إلَيْهَا بِلا تأخير، ولا أعْرِفُ ماذا حَصَلَ
بعد ذلك .
بَعْدَ انتهاءِ العمليةِ التي
اسْتَمَرَّتْ خَمْسَ ساعات ، قامَ الطبيبُ بِلَفِّ الجُرُوحِ بَعْدَ تَنْظيفِها
وَتَطْهيرِها بِضِمَادَاتٍ مُعَقَّمَة لِحِمَايَةِ الجُروحِ مِنَ التَّلَوُّثِ ،
وأعْطَاني مُسَكِّنات للألَمِ ، وَأَخَذَ الصُّوَرَ وَالعَيِّنَات ، وأَخْبَرَنَا
الطبيبُ أنَّ النتيجة سَتَظْهَر بَعْدَ أُسبوع . وفي هَذه الفَترةِ يَجِبُ عَلَيَّ
أنْ أرتاحَ في السَّريرِ ، وَعَدَم بَذْلِ أيِّ مَجهود ، لِضَمَانِ التَّعَافي ،
وَتَجَنُّبِ المُضَاعَفَاتِ ، فالإجهادُ قَدْ يُؤَثِّرُ سلبًا على التئام الجُروحِ
وَتَدَفُّقِ الدَّمِ ، معَ أهمية اتِّباع نِظام غِذائيٍّ صِحِّي .
ذَهَبْتُ مَعَ عَمِّي إلى
الطبيبِ بَعْدَ أُسبوعِ . دَخَلْنَا إلى غُرفته الخَاصَّةِ ، وَبَقِيَ حارسي
الشَّخْصِيُّ الرائدُ عَطِيَّة يَنتظرنا في الخارجِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَنَا .
قالَ الطبيبُ وعَلاماتُ الأسَى
والحُزْنِ تَسْرِقُ لَوْنَ وَجْهِه :
_ يا دُكتور صَبْري ، أنا
أعتذرُ مِنْكَ بِشِدَّةٍ ، وآسِف أنْ أقُول هَذا الكَلام ، ولكنَّ التقرير
الطِّبِّي الذي أمامي يُبَيِّن أنَّ الشَّريف هِشَام القُرَشِيَّ أُصِيبَ بِعَجْزٍ
جِنْسِيٍّ إلى الأبَدِ . لَنْ يَسْتطيع إقامةَ عَلاقة مَعَ أيَّة امرأةٍ مُسْتَقْبَلًا
، وَلَنْ يَقْدِرَ عَلى الزَّوَاجِ ، وإذا تَزَوَّجَ لَنْ يَنْجَحَ في إتمام
الأمْرِ ، وَلَنْ يُنْجِبَ،وَسَتَحْدُث فضيحة في العائلة،وَقَدْ يَنْتشر خَبَرُها
بَيْنَ الناسِ . وإذا انتشرَ الخَبَرُ سَوْفَ تَتَأثَّرُ رئاسةُ الجُمهوريةِ بشكلٍ
سَلْبي ، وَتُصْبح صُورة ثَوْرتنا المَجيدة مُشَوَّهَةً ومُلَوَّثَةً في أذهانِ
الشَّعْبِ، باعتبار أنَّ الشريف هِشَام القُرَشيَّ هُوَ الابنُ الوحيدُ للسَّيد
اللواء
سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي،
وَهُوَ نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَأَحَدُ قادةِ الثَّوْرَةِ وَصُنَّاعِهَا ، وَأوَّلُ
مَنْ أذاعَ البَيَانَ الأوَّلَ للثَّوْرَةِ . والمُعَارَضَةُ السِّياسِيَّةُ سَوْفَ تَستغل هَذا الأمْرَ للتَّشكيكِ
بِقِيَمِ الجُمهوريةِ وإنجازاتِ الثَّوْرَة .
تَجَمَّدَ الدَّمُ في عُروقي ،
وَنَظَرْتُ إلى عَمِّي مِثْلَ الأبْلَهِ ، وَنَظَرَ عَمِّي إلَيَّ وَهُوَ في
غَايَةِ الارتباكِ، ثُمَّ نَظَرَ إلى الطَّبيبِ ، وقالَ بِصَوْتٍ مَكسور :
_ يا دُكتور حازم ، هَذا
وَلَدٌ صغيرٌ في الحاديةِ عَشْرَة مِنْ عُمره ، ويَنْتظره مُسْتَقْبَل باهر في
المَجَالَيْن العَسكريِّ والسِّياسيِّ . وكما تَعْلَم ، هَذه عائلة قُرَشِيَّة
شريفة ذات مكانة اجتماعية ، وَهِيَ ثاني أهَمِّ عائلة في البِلادِ ، بَعْدَ عائلة
فخامة رئيسِ الجُمهوريةِ. رُبَّمَا هُناك خطأ في التقرير، أوْ أنَّكَ استعجلتَ في
التَّشخيصِ ، أوْ خَلَطْتَ بَيْنَ تَقْريرِه وتَقْريرِ مَريضٍ آخَر. أرجوكَ أنْ
تُرَاجِع المَوْضُوعَ .
بَلَعَ الطبيبُ رِيقَه ، وقالَ
بِصَوْتٍ حَزينٍ مُوجِع :
_ أنا آسِف يا دُكتور صَبْري ، تَمَنَّيْتُ ألا
أكُونَ أنا مَنْ يُخْبركَ هَذا الخَبَرَ السَّيئ ، ولكنَّها الحقيقة المُرَّة ،
وَقَدْ رَاجعتُ التَّقريرِ أنا ومُسَاعِدِي ثلاث مَرَّات . إنَّ الشريف هِشَام
القُرَشِيَّ صارَ عاجزًا جِنْسِيًّا إلى الأبَدِ ، ولكنَّ هَذا لَنْ يُؤَثِّرَ
عَلى حَيَاتِه ، وبإمكانِه أنْ يعيشَ حَياةً جَميلةً وسَعيدةً.
وأردفَ قائلًا :
_ اصطدامُ الظَّهْرِ بالأرضِ
كانَ شديدًا وعنيفًا ، وإصابةُ العَمُودِ الفِقري والحَبْلِ الشَّوكيِّ أدَّى إلى
مُشكلات في الأعصابِ المَسؤولةِ عَن الوظيفةِ الجِنْسِيَّة ، وَهَذا سَبَّبَ
عَجْزًا جِنْسِيًّا دائمًا . والحَمْدُ للَّهِ أنَّ الشريف " هِشَام "
لَمْ يُصَبْ بالشَّلَلِ ، لأنَّ الضَّربة كانتْ شديدة الخُطورة ، وَلَوْلا
السُّرعة في إجراءِ العملية الجِراحية لكانَ الأمْرُ في غَايةِ السُّوءِ
والتَّعقيدِ .
طأطأتُ رَأسِي شاعرًا بالخِزْيِ
والذُّلِّ . كُنْتُ طِيلةَ حَياتي ذَليلًا ، والذُّلُّ لَيْسَ شيئًا جديدًا
عَلَيَّ. أَخَذَ عَمِّي كافَّةَ الصُّوَرِ والتقاريرِ الطِّبِّية الخَاصَّة بِي،
وَشَكَرَ الطبيبَ ، وَخَرَجْنَا ، وَنَحْنُ نَشْعُرُ أنَّ الأرضَ تَدُور بِنَا .
كانَ حَارِسِي الشَّخْصِيُّ
الرائدُ عَطِيَّة قَلِقًا للغَايَةِ ، يَذْرَعُ المَكَانَ جِيئةً وَذَهَابًا مِنْ
شِدَّةِ التَّوَتُّرِ والتَّرَقُّبِ . وَمَا إنْ رَأى عَمِّي حَتَّى هَجَمَ
عَلَيْهِ قائلًا :
_ مَا هِيَ النَّتيجةُ يا
دُكتور ؟ .
ابتسمَ عَمِّي ، وتظاهرَ
بالهُدوءِ والسَّعَادَةِ ، وقالَ بِثِقَةٍ مُصْطَنَعَةٍ :
_ مَسألة بسيطة وانتهتْ ، ولا
داعي للقَلَقِ ، وكُلُّ شَيْء تَمَام ، والأمُورُ عَلى أحسن مَا يُرام .
_ اللَّه يُسْعِدُكَ يا دُكتور
كَمَا أسْعَدْتَني .
عِندَمَا وَصَلْنَا إلى
قَصْرِنا ، أدْخَلَني عَمِّي إلى غُرفةِ المَكْتَبِ الخَاصَّةِ . وَمِنْ حُسْنِ
حَظِّي أنَّ أُمِّي وَزَوْجَة عَمِّي الشَّركسية كانتا خارجَ القَصْرِ مُنْذُ
الصَّبَاحِ الباكرِ ، فَهُمَا مَشْغُولتان باحتفالِ الاتِّحادِ النِّسَائيِّ
بِصُدُورِ مِيثاقِ حُقُوقِ المَرأةِ . والاحتفالُ تَحْتَ رِعَايَةِ السَّيِّدَةِ
الأُولَى الطاهرةِ تَغْرِيد بِنْت نَصْرِي ، حَرَمِ رئيسِ الجُمهوريةِ ،
وَوَالِدَةِ الدَّوْلَةِ ، وَأُمِّ الشَّعْبِ ، وَرَاعِيَةِ المُوَاطِنِين .
قالَ لِي عَمِّي والاضطرابُ يَتلاعبُ
بأعصابِه ومَلامحِ وَجْهِه :
_ ماذا سَنَقُول لوالدك يا هِشَام عِندما يَرجِع مِنْ باريس ؟ .
انفجرتُ بالبُكَاءِ المُرِّ ،
وَسُخُونَةُ الدُّمُوعِ تُحْرِقُ خُدودي الطَّرِيَّةَ ، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ يائسة
:
_ أبُوس يَدَيْكَ يا عَمِّي ،
لا تُخْبِرْ أبي بالمَوضوعِ . سَوْفَ يُطْلِقُ عَلَيَّ الرَّصَاصَ مِنْ مُسَدَّسِه
، وَيَقْتُلُني ، وَيَرْميني خارجَ القَصْرِ ، إذا عَلِمَ أنَّني صِرْتُ عاجزًا
جِنْسِيًّا. لَقَدْ قالَ لِي إنَّهُ سَيُزَوِّجُني في المُسْتَقْبَلِ ابنةَ رئيسِ
الوُزَرَاءِ ، أو ابنةَ قائدِ الجَيْشِ ، أو ابنةَ مُدير المُخَابَرَات ، أو ابنةَ
مالكِ أكبر بَنْك في البِلاد، كَي يَتِمَّ زَوَاجُ الثَّروةِ بالسُّلطةِ .
وأردفتُ قائلًا بإصرارٍ
وَصَرَامَةٍ :
_ هَذا الطَّبيبُ مِنَ
الخَوَنَةِ والعُمَلاءِ والإرهابيين وأعداءِ الوَطَنِ ، يَكْرَهُني لأنَّني الابنُ
الوحيدُ لنائب رئيسِ الجُمهورية .
رَدَّدْتُ نَفْسَ الكَلِمَاتِ
التي أسْمَعُها مِنْ أبي كُلَّ يَوْمٍ ، بِلا وَعْيٍ ولا تفكير .
نَظَرَ عَمِّي إلَيَّ باستيلاء
، والانزعاجُ ظاهرٌ عَلَيْه ، وقال :
_ غَدًا سَأعْرِضُ كَافَّةَ
الصُّوَرِ والتقاريرِ الطِّبِّية عَلى طَبيبٍ آخَر ، لأتأكَّدَ مِنَ المَوضوع .
وبالفِعْلِ،عَرَضَهَا على
طبيبٍ آخَر مِنْ كِبَار الأطباء. وَقَدْ أكَّدَ لَهُ مَا قَالَهُ الطبيبُ الأوَّلُ
بالضَّبْطِ.
انهارتْ حَيَاتي . رَسَمَ أبي
لِي مُسْتَقْبَلًا رائعًا للزَّوَاجِ مِنْ بَنَاتِ أَهَمِّ الشَّخصيات وأكبرِ القَادَةِ
وأغنى رِجَالِ الأعمالِ. كُلُّ شَيْءٍ ضَاعَ إلى غَيْرِ رَجْعَةٍ. كُنْتُ صَغيرًا
جِدًّا عَلى صَدْمَةِ العَجْزِ الجِنْسِيِّ، مُجَرَّد طِفْل في الحاديةِ عَشْرَة
مِنَ العُمر.مِنْ أيْنَ جَاءَتْني هَذه المُصيبة؟،وماذا سَيَحْصُلُ لَوْ عَلِمَ
أبي بِهَا. أُصِبْتُ بالإحباطِ، وَسَيْطَرَ عَلَيَّ القَلَقُ والاكتئابُ ،
وَفَقَدْتُ الثِّقَةَ بِنَفْسِي ، وبَدَأتُ أَحْمِي نَفْسِي بالعُزلةِ والانطواءِ
والانسحابِ الاجتماعيِّ،وَغَرِقْتُ في حَالَةٍ مِنَ الإنكارِ والهُروبِ. أنا
الشَّريفُ هِشَام القُرَشِيُّ ابن نائب رئيسِ الجُمهورية،الرَّجُل الثاني بَعْدَ
السَّيد الرئيس.أنا رَجُلٌ صحيحٌ سليمٌ مِثْلَ أبي. والرَّجُلُ لا يَعِيبُهُ شَيْء،
هَذه حِكْمَة أبي التافهة . اخْتَرَعْنَا الأكاذيبَ وَصَدَّقْنَاهَا ، ومَا
زِلْنَا مُستمرين في طَرِيقِ الضَّيَاعِ . أَحُسُّ بِحُزْنٍ مُستمر لا يَنتهي ،
وَتُهَيْمِنُ عَلَيَّ مَشَاعِرُ اليأسِ ، وصارتْ نَظْرتي للأُمُورِ وتَفاصيلِ
الحَياةِ تَشَاؤُمِيَّةً وَسَوْدَاوِيَّةً . أحتقرُ ذَاتي ، وَلَمْ أَعُدْ
أهْتَمُّ بالأنشطةِ المُعتاد عَلَيْهَا ، وَشَهِيَّتي للطَّعَامِ تَغَيَّرَتْ ،
وَاضْطَرَبَ نَوْمِي ، وَسَقَطْتُ في اللامُبَالاةِ وَعَدَمِ الاهتمامِ بالمُحِيط
.
32
قالَ أبي لِعَمِّي :
_ مَا رَأيُكَ يا دُكتور أنْ
تَسْتَلِمَ وِزارةَ التَّربيةِ والتَّعليمِ ؟ .
_ بِصَرَاحَةٍ ، أنا أُستاذ
جامعي ، وَمُتَخَصِّص في الأدبِ الإنجليزيِّ ، وَلَيْسَ لَدَيَّ خِبْرَة في
العَمَلِ الوِزاري ، وَرُبَّمَا أفْشَلُ في إدارةِ وِزارة مُهِمَّة مِثْل التَّربيةِ
والتَّعليم .
_ أنتَ مُتواضع يا دُكتور ،
والتواضعُ صِفَةُ العُلماءِ الحقيقيين والمُفَكِّرين الكِبَارِ مِنْ أمثالِكَ .
كُلُّ الوُزَرَاءِ الحَمِير الذينَ اسْتَلَمُوا وِزارةَ التَّربيةِ والتَّعليمِ،
أضاعوا التَّربيةَ ، وَدَمَّرُوا التَّعليمَ . وأنا واثقٌ بِقُدراتك عَلى
النُّهُوضِ بالوِزارةِ ، وَتَحسينِ مُستوى التَّعليمِ في البِلادِ بَعْدَ أنْ صارَ
في الحَضِيضِ .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي
الشَّركسية بِحَمَاسَةٍ مُنقطعةِ النَّظِير :
_ التَّعليمُ في البِلادِ
فاشلٌ وَفَضِيحة ، والطُّلابُ ضائعون ، بِلا عِلْمٍ ولا أخلاقٍ ، وَلَنْ يَنْجَحَ
أحدٌ في إدارةِ وِزارة التَّربيةِ والتَّعليمِ إلا زَوْجي . حَتَّى إنَّ اسْمَهُ
يَلِيقُ باسمِ وَزير ، مَعَالي الدُّكتور صَبْري رَشَاد وزير التَّربية والتَّعليم
.
ابتسمَ أبي قائلًا :
_ لا عُذر لَكَ يا دُكتور ولا
حُجَّة ، زَوْجَتُكَ أُمُّ نارت حَسَمَت المَوضوعَ . " وَزير يَعْني وَزير
" .
وَضَحِكَ الجميعُ تَعْبيرًا
عَن البَهجةِ والسَّعَادَةِ والأجواءِ العائلية الرائعة .
وَتَوَجَّهَ أبي بالكَلامِ إلى
زَوْجَةِ عَمِّي الشَّركسية قائلًا :
_ وأنتِ يا أُمَّ نارت لَكِ
نَصيبٌ مِنَ الكَعكة ، وَمَنْ جاورَ السَّعيدَ يَسْعَد . أمَامَكِ خِيَارَان :
إمَّا أنْ تَكُوني مُديرة مَكتب زَوْجتي أُمِّ ناصر ،
الشريفة سَمِيحَة بِنْت غَزْوَان القُرَشِي ، حَرَم نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، أوْ
أنْ تَكُوني وَزيرة التَّنمية الاجتماعية .
دَخَلَتْ أُمِّي عَلى الخَطِّ ،
وَتَدَخَّلَتْ في الحِوَارِ قائلةً :
_ أُمْنِيَّتي يا أُمَّ نارت أنْ أكُونَ أنا
وأنتِ في مَكَانٍ واحد ، نَحْنُ عائلة واحدة ، وَنَدْعَم بَعْضَنا البَعْض ،
وَنُقَابِل الوُفودَ مَعًا ، وأنا أَثِقُ بِكِ ثِقَةً مُطْلَقَةً .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية ، وَقَدْ
ظَهَرَ عَلَيْهَا بعضُ الارتباكِ :
_ أنتِ عَلى عَيْني وَرَأسي يا أُمَّ ناصر ،
وَزَوْجُكِ القائد سَلْمَان نائب رئيس الجُمهوريةِ رَفَعَ رُؤوسَنا جَمِيعًا
بَيْنَ العَشائرِ والقَبائلِ، وَرَفَعَ رَأسي بَيْنَ العائلاتِ الشَّركسية،
وَصِرْتُ بسبب ثَوْرَةِ " أبو ناصر " سَيِّدَةً للشَّركسياتِ ، وَتَاجًا
عَلى رُؤوسِهِنَّ ، وانتقلتْ زَعَامَةُ الشَّركسِ إلى عائلتي ، ولكنْ طُمُوحي أنْ
أكُونَ وَزيرةً في الحُكومةِ . أُحِبُّ المُشَارَكَةَ في المُؤتمراتِ
والنَّدَوَاتِ ، وإلقاءَ الخُطَبِ ، وَالظُّهُورَ في التلفزيون .
قالَ أبي بِحَزْمٍ ، وكأنَّه يُصْدِرُ
قَرَارًا عَسكريًّا :
_ لا تَضْغَطي عَلى أُمِّ نارت يا سميحة . المَنْصِبُ
الوِزَارِيُّ رائعٌ وجَميلٌ ، وَسَوْفَ أبحثُ لَكِ عَن امرأةٍ أُخْرَى تَكُون
مُديرةَ مَكْتَبِكِ. وأنتِ يا أُمَّ نارت مِنَ الآن فَصَاعِدًا سَتَكُونين :
مَعَالي الدُّكتورة ميرنار الشَّركسية وزيرة التَّنمية الاجتماعية . يَنْبغي أن
يَكُون الوزيرُ الدُّكتورُ لَهُ زَوْجَة وَزيرة دُكتورة . ولا أحَد أحْسَن مِنْ
أحَد .
وَانتشرت الضَّحِكَاتُ في كُلِّ
الاتِّجاهاتِ . ومَعَ أنَّ زَوْجَةَ عَمِّي الشَّركسية حاصلة عَلى الشَّهَادَةِ
الثانوية فَقَط ، إلا أنَّها كانتْ سعيدةً للغايةِ بلقبِ دُكتورة . وَبِصَرَاحَةٍ
، لَقَدْ قَرَّرَتْ دُخُولَ الجامعةِ ، ولكنَّها تَعَرَّفَتْ عَلى عَمِّي في إحدى
المُنَاسَبَاتِ ، وَأُعْجِبَ بِجَمَالِهَا ودَلالِهَا وأُنوثتها ، وطَلَبَهَا
للزَّوَاجِ مِنْ أهْلِهَا، ولكنَّهم رَفَضُوه ، لأنَّهُ عَرَبيٌّ ، وَهِيَ شَركسية
، وقالوا : (( إنَّ الشَّركسَ لا يُزَوِّجُونَ بَنَاتِهم لِغَيْرِ الشَّركسِ )) .
فَمَا كانَ مِنْ عَمِّي إلا أن اتَّفَقَ مَعَهَا عَلى خَطْفِها ، حَتَّى يَتِمَّ
تَحديدُ مَوْعِدِ الزَّوَاجِ ، وإتمام تفاصيل الزَّوَاج مَعَ الأهْلِ. وَزَوَاجُ
الخَطِيفةِ مِنْ أبْرَزِ عَاداتِ الشَّركسِ وَتَقَاليدِهِم .
قالَ أبي بِصَوْتٍ هادئٍ مَلِيء بالثِّقَةِ
:
_ والآن اكتملَ التَّشكيلُ الوِزاريُّ ، وَغَدًا
سأرفعُ الاسْمَيْن إلى فَخَامَةِ رئيسِ الجُمهوريةِ .
قالَ عَمِّي مُبْتَهِجًا :
_ إنْ شَاءَ اللَّهُ سَوْفَ نُبَيِّضُ
وَجْهَكَ يا " أبو ناصر " ، والتاريخُ لَنْ يَنْسَى جُهُودَكَ
المُبَارَكَةَ لإعلاءِ شَأنِ الدَّولةِ بَيْنَ الدُّوَلِ ، وَخِدْمَةِ المُواطنين
، وَسَيِّدُ القَوْمِ خَادِمُهُم . وهَذه الحُكومة سَتَكُون أفضلَ حُكومة في
تاريخِ البِلاد ، وَسَوْفَ تُطَبِّقُ مَبَادِئَ ثَوْرَتِنَا المَجيدة عَلى أرضِ
الواقع .
وَفَرِحَ الجَمِيعُ ، وامتلأَ قَصْرُنا
بالبَهْجَةِ ، وكُنَّا نَحْنُ أطفال العائلة أنا ونارت وأخَوَاتي نَجَاح
ومَقْبُولة ومَسْتُورة وابنة عَمِّي ثُرَيَّا في غَايةِ السَّعَادَةِ ، لأنَّنا
سَنَشرب عَصِيرَ الفواكه الطَّازَجَ ، ونأكلُ شُوكولاتة وحلويات في هَذا الاحتفال
الرائع . وَتَمَنَّيْتُ في تِلْك اللحظة أنْ يَحْدُثَ تَشكيلٌ وِزاريٌّ كُلَّ
يَوْمٍ .
أدَّت الحُكومةُ اليَمِينَ الدُّستوريةَ
أمامَ فَخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ السَّيِّدِ مُراد بن عادل الهاشميِّ في قَصْرِ
الشَّعْبِ بتاريخ 15 / 7 / 1983 . وَقَبْلَ هَذه الحُكومةِ ، كانتْ هُناك حُكومة
تَصْريف أعمال، تَوَلَّتْ تَسْييرَ الأُمُور بشكل مُؤقَّت ، وَاعْتُبِرَتْ هَذه
المَرحلة مُهِمَّة وَضَرورية وخَطِيرة ، لِتَجَنُّبِ أيِّ فَرَاغٍ في السُّلطة ،
وَضَمَانِ استمرارية عَمَلِ المُؤسَّسات في دَولةِ القانونِ والمُؤسَّسات .
33
لِكُلِّ بِدَايةٍ نِهايةٌ ، وَالأيَّامُ
السَّعيدةُ لا تَدُوم ، وَسَاعَاتُ الصَّفَاءِ زائلةٌ ، وَلَحَظَاتُ الهَنَاءِ
قليلةٌ ، وَدَوَامُ الحَالِ مِنَ المُحَالِ ، والتَّغَيُّرُ هُوَ الثابتُ الوحيدُ
في الحَياةِ .
كانَ عَمِّي مَعَالي الدُّكتور صَبْري
رَشَاد وزيرَ التَّربيةِ والتَّعليمِ شُعلةَ نَشَاطٍ . لا أقُولُ هَذا الكَلامَ
لأنَّه عَمِّي ، بَلْ هَذه هِيَ الحقيقة . إنَّه يَمتلِك طاقةً هائلةً وَحَيَويَّةً
مُذهِلَةً وقُدرةً فائقةً على صِناعةِ الإنجازاتِ ، باعترافِ جَمِيعِ الوُزراءِ في
الحُكومة ، وباعترافِ فَخامة رئيس الجُمهورية شَخصيًّا .
رَفَعَ عَمِّي شِعَار " التَّعْليم
مِثْل المَاءِ والهَوَاءِ " ، وقالت المُعَارَضَة إنَّهُ سَرَقَه مِنْ طه
حُسَيْن . وَعَمِّي لَمْ يَقُلْ إنَّ هَذا الشِّعار مِنْ تأليفِه ، ولكنَّه أرادَ
التأكيدَ على أنَّ التَّعليم حَق أساسي للجميع ، وَيَجِبُ أنْ يَكُون مُتاحًا
للجميعِ مِثْل الماءِ والهَوَاءِ اللذَيْن لا غِنى عَنْهما للحَيَاةِ . وَلا بُدَّ
مِنْ دَعْمِ مَسيرةِ التَّعليمِ في جُمهوريتنا الرائعةِ ، جُمهوريةِ الأحلامِ
الوردية بقيادة زَعيمِنا الخالدِ وقائدِنا إلى الأبد السَّيد الرئيس مُراد بن عادل
الهاشميِّ ، حَفِظَه اللَّهُ وَرَعَاه . والسَّيدُ الرئيسُ هُوَ أبو العِلْمِ
والعُلماءِ، وَيَكْفِيه فَخْرًا وَشَرَفًا أنَّه تَفَوَّقَ عَلى الفَيلسوفِ
أَرِسْطُو،وَخَطَفَ مِنْهُ لَقَبَ " المُعَلِّم الأوَّل ".
في ذلك اليَوْمِ البعيد ، دُعِيَ عَمِّي
وزيرُ التربية والتعليم لافتتاحِ مَدرسة في إحدى القُرى النائية. ولا أعْرِفُ هَلْ
كانَ مِنْ حُسْنِ الحَظِّ أوْ سُوء الحَظِّ أنَّ المَدرسة تَحْمِلُ اسْمِي "
مَدرسة الشَّريف هِشَام القُرَشي الابتدائية " . لا بُدَّ أنَّ الأطفالَ
الفُقراء البائسين كانوا يَنتظرون افتتاحَ المَدرسةِ عَلى أحَرِّ مِنَ الجَمْرِ ، ولا
بُدَّ أنَّهُمْ سَيَفْرَحُون بِهَا ، كَمَا فَرِحْتُ أنا الطِّفْل الفقير البائس
بِمَدْرَستي في القَريةِ "
مَدرسةُ المَأسُوفِ عَلى شَبَابِه المُهندس حُسَام يَعْقُوب الابتدائية " .
ذلك المَاضِي الذي لا يَمْضِي ، وَتِلْك الأحلام التي تَتَكَسَّر في طَوَايا
الزَّمَنِ مِثْلَ صُحونِ المَطبخ .
كانَ أبي مُسَافِرًا إلى طوكيو في زيارة
رَسمية مُمَثِّلًا للجُمهورية ، للاستفادةِ مِنْ تَجْرِبَةِ اليابان في صَيْدِ
الحِيتانِ لأغراض تِجارية وأغراض البَحْثِ العِلْمِيِّ . سَمَحَ أبي لِعَمِّي
باستخدام سَيَّارته الخَاصَّة المرسيدس المُصَفَّحَة ضِد الرَّصَاصِ ، والتابعة
لرئاسةِ الجُمهورية ، طِيلة فَترةِ غِيابه عَن الوطن .
تَبْعُد القَريةُ التي تُوجَد فيها
المَدرسةُ التي تَحْمِلُ اسْمي حَوالي 100 كم عن العاصمة . غَادَرَ عَمِّي في
مَوكِبٍ مِنْ أربع سَيَّارات ، وَاتَّبَعَ طَرِيقًا سِرِّيًّا حَتَّى اللحظةِ
الأخيرةِ . بَعْدَ سَبْع دقائق مِنَ المُغَادَرَةِ ، انفجرتْ شاحنة مُفَخَّخَة
مُحَمَّلة بـِ 1000 كيلو غرام مِنْ مَادَّة التي إن تي ، وَدَمَّرَت المَوكِبَ
بالكاملِ ، ثُمَّ ظَهَرَ مُسَلَّحُون ، وأمْطَرُوه بالرَّصَاصِ لِيَتَأكَّدُوا
مِنْ عَدم نَجَاة أحَد . فَارَقَ عَمِّي الحَيَاةَ فَوْرًا ، وكانَ مِنْ بَيْنِ
القَتلى العَديد مِنْ حُرَّاسِه ، بالإضافةِ إلى ثلاثة مسؤولين كِبَار في وِزارة
التَّربية والتعليم ، وَمُصَوِّر ، وكاتب صَحَفي. وَخَلَّفَ الانفجارُ حُفْرَةً
عَميقةً ، وَقُتِلَ مَا مَجموعه 14 شخصًا ، بَيْنَهُم عَمِّي ، وَأُصِيبَ أكثر
مِنْ 80 شخصًا ، واشتعلت النِّيرانُ في عَشَرَات السَّيارات، وَهُدِّمَتْ عِدَّة
مَبَانٍ .
كُنْتُ أنا ونارت ابن عَمِّي نَسْبَحُ في
مَسْبَحِ قَصْرِنا ، وَنَلْعَبُ بالماءِ ، وَنَحْنُ في غَايةِ السَّعَادةِ .
نَضْحَكُ بشكلٍ هِستيري ، وَنَصْرُخُ بِكُلِّ جُنون . وَفَجْأةً ، لَمَحْتُ أُمِّي
وَزَوْجَةَ عَمِّي الشَّركسية تَركُضُان إلى داخل القَصْرِ بِصُورةٍ غَريبة
وَمُخيفة . استغربتُ مِنْ هَذا المَشْهَدِ ، لأنَّهما كَانَتا عِنْدَ الكوافير ،
استعدادًا للمُشاركة في حَفْلِ استقبالِ زَوجاتِ السُّفَرَاءِ وأعضاءِ السِّلْكِ
الدُّبلوماسيِّ ، الذي مِنَ المَفروضِ أنْ يَتِمَّ مَسَاءَ هَذا اليَوْم . وَمِنَ
الواضح أنَّهما مُنزعجتان بِشِدَّةٍ مِنْ أمْرٍ مَا .
قُلْتُ لنارت وأنا في غَايةِ القَلَقِ :
_ يَجِبُ
أنْ نَخْرُجَ مِنَ المَسْبَحِ ، هُناك مُصيبة حَدَثَتْ ، وكارثة وَقَعَتْ .
سَخِرَ نارت مِنِّي ، واستهزأ بِكَلامِي ،
وقالَ لِي :
_ أنتَ خائفٌ أنْ أَسْبِقَكَ في
السِّبَاحَةِ ، وتُريدُ الهَرَبَ يا جَبَان .
خَرَجْتُ مِنَ المَسْبَحِ ، وارتديتُ
مَلابسي ، وَرَكَضْتُ نَحْوَ بابِ القَصْرِ . دَخَلْتُ البَهْوَ الكبير ، فإذا
أُمِّي وَزَوْجَة عَمِّي الشَّركسية تُحَاصِرَان الهاتفَ ، تَنْتظران مُكالمةً
مُهِمَّة . اقتربتُ مِنهما قائلًا :
_ ماذا حَصَلَ ؟ .
نَظَرَتْ أُمِّي إلَيَّ ، وَوَجْهُهَا
أسْوَد ، وَشَعْرُها مَنكوش ، وعَلاماتُ الهَلَعِ تُمَزِّقُ خُدودَها ، وقالتْ :
_ يَقُولون إنَّ عَمَّكَ قُتِلَ .
مِنْ سَذاجتي وَشِدَّةِ الصَّدمةِ ، قُلْتُ
:
_ مَنْ عَمِّي ؟ .
تَوَقَّفَ عَقْلي عَن التَّفكيرِ ،
وَهَرَبَتْ أفكاري إلى مَناطق بعيدة . تَخَيَّلْتُ بَعَقْلي الطُّفوليِّ البسيط
أنَّ المَقصود هُوَ رَجُل كبير السِّنِّ أُناديه " عَمِّي " تأدُّبًا
مَعَه ، واحترامًا لَه . وفي لُغتنا أنَّ " يا عَمِّي " صِيغة نِدَاء
تُسْتَخْدَم لطلبِ المُساعدةِ ، أو التَّحَدُّث إلى شَخْصٍ أكبر سِنًّا ، وَهِيَ
عَلامة عَلى الاحترامِ والتَّقدير . وَلَمْ يَخْطُرْ عَلى بالي أنَّ عَمِّي هُوَ
عَمِّي .
سَكَتَتْ أُمِّي ، وَلَمْ تَرُد عَلَيَّ ، وَاكْتَفَتْ
بِمُراقبةِ الهاتف ، ولكنَّ زَوجة عَمِّي الشَّركسية الْتَفَتَتْ إلَيَّ ،
وَوَجْهُهَا غارقٌ في الحُزْنِ والتَّعَاسَةِ ، وَجُفُونُها مُتْعَبَة ،
وَبَشَرَتُها شَاحِبَة ، وَعَلاماتُ التَّعَبِ والإرهاقِ ظاهرةٌ عَلى وَجْهِها كأنَّها
لَمْ تَنَمْ مُنذ أيَّام ، وقالتْ بِصَوْتٍ خافتٍ كأنَّه قادمٌ مِنْ بِئْرٍ عميقة:
_ عَمُّكَ الدُّكتور صَبْري رَشَاد وزير
التَّربية والتَّعليم .
ضَحِكْتُ بأعلى صَوْتي ، وَقُلْتُ في
نَفْسِي : (( عُقولُ النِّسَاءِ صغيرة )) ، ثُمَّ قُلْتُ بِثِقَةٍ تَامَّة :
_ إشَاعَة مِنَ الخَوَنَةِ والعُمَلاءِ
وأعداءِ الوَطَنِ لِتَمزيقِ الوَحْدَةِ الوَطنية ، وتَدميرِ الأمْنِ القَوْمِيِّ .
هَذه الجُملةُ حَفِظْتُها مِنْ كَثرةِ مَا
سَمِعْتُ أبي يُردِّدها ، وَصِرْتُ أُردِّدها في مَواقف كثيرة مِثْلَ الرَّجُلِ
الآلِيِّ بِلا وَعْيٍ ولا تَفكير . عِبَارَةٌ قوية أُردِّدها بشكلٍ مِيكانيكي ،
وكُلُّ مَنْ سَمِعَهَا نَظَرَ إلَيَّ نَظْرَةَ احترامٍ وتعظيمٍ ، لأنَّ كَلامي
أكبرُ مِنْ سِنِّي ، وهَذا دليلٌ عَلى ذكائي وَمَوَاهبي المُتعددة .
قالتْ أُمِّي مُحَاوِلَةً تَهدئةَ زَوْجَة
عَمِّي الشَّركسية ، والتَّخفيفَ عَنْهَا ، وَرَفْعَ مَعْنوياتها :
_ كَلامُ هِشَام صحيحٌ يا أُمَّ نارت ، هَذا
وَلَدٌ فَهْمَان وعَبْقري مُنذ صِغَرِه ، وَهُوَ الأوَّلُ عَلى الصَّفِّ في
المَدرسةِ الأجنبية. وَقَابَلَ فَخَامَةَ رئيسِ الجُمهورية وزَوْجَتَه،
وَصَافَحَهُمَا ، وَأُعْجِبَا بِكلامِه، وَيَعْرِفُ أعضاءَ مَجْلِسِ قِيادةِ
الثَّورةِ واحدًا واحدًا ، وَيَعْرِفُ اسْمَ كُلِّ وَزير معَ اسْمِ وِزارته .
ومَعَ أنَّهُ في الحاديةِ عَشْرَة إلا أنَّ عَقْلَه أكبرُ مِنْ عُمره. وأبو ناصر
نائب رئيس الجُمهورية شخصيًّا، يُحَاوِرُه ، وَيَسْتشيره ، ويأخذ رَأيَه في أُمور
كثيرة ، وقضايا صَعْبَة .
نَسِيتُ مَوضوعَ عَمِّي ، وَشَعَرْتُ
بالفَرَحِ والسَّعَادَةِ بسبب مَدْح أُمِّي لِي . لَمْ أسمعْ هَذا المَدِيحَ مِنها
طِيلة حَياتي . أحْسَسْتُ بالزَّهْوِ والفَخْرِ ، واعتززتُ بِنَفْسِي ، وَشَعَرْتُ
بالرِّضَا التَّامِّ عَن ذَاتي .
كانَ
انتظارُ أُمِّي وَزَوْجَةِ عَمِّي الشَّركسية للمُكَالَمَةِ الهاتفية مِنْ أيَّة
جِهَة بلا فائدة ولا جَدْوَى . لَمْ يَرِن الهاتفُ إطلاقًا . حاولتْ أُمِّي
الاتصالَ برئاسة الجُمهورية ، فَوَجَدَت الخَطَّ مَشغولًا . حاولت الاتصالَ
بالسَّيدة تَغْريد نَصْري زَوجة الرئيس ، فأجابتها مُديرةُ مَكتبِها بأنَّ
السَّيدة زَوجة الرئيس في اجتماع حاليًّا معَ سفير الاتِّحاد السوفييتي ، لبحثِ
سُبُلِ الاستفادةِ مِنْ أكاديمية مُوسكو الحُكومية للرَّقْصِ ، وَهِيَ واحدة مِنْ
أقدم وأعرق مَدارس الباليه في العَالَمِ .
نَشْرَةُ الأخبارِ المَسَائيَّةُ في
التلفزيون الحُكوميِّ كانتْ هِيَ الصَّاعقة التي نَزَلَتْ عَلى رُؤوسِنا .
مَقْتَلُ عَمِّي الوزيرِ هُوَ الخَبَرُ الأوَّل في النَّشْرَة . مَا زِلْتُ حَتَّى
هَذه اللحظةَ أذكُرُ مَلامحَ المُذيعِ ، وَهُوَ يَقْرأ الخَبَرَ ، وأذكُرُ نَصَّه
كاملًا : (( تَعَرَّضَ مَوكِبُ مَعالي الدُّكتور صَبْري رَشَاد وزير التربية
والتعليم لتفجيرٍ إرهابيٍّ جَبَان، ارتكبته زُمرة مِنْ شَياطين الأرضِ ، أسفرَ عَن
استشهادِه والمُرافِقِين مَعَه . وَسَوْفَ يُشَيَّع جُثمانُه الطاهر مِنْ مَسْجِدِ
الحَرَسِ الجُمهوريِّ في شَمَالِ العاصمة )) .
في تِلْك اللحظة الرهيبة ، شَعَرْتُ أنَّني
حِمَارٌ ، وأنَّ مَدْحَ أُمِّي لِي ذَهَبَ أدراجَ الرِّياح . خَجِلْتُ مِنْ
نَفْسِي وَغَبَائي ، وَطأطأتُ رَأسي شاعرًا بالخِزْيِ والعَارِ .
عِندما سَمِعَتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية
الخَبَرَ ، بَدَتْ مِنْ وَقْعِ الصَّدمةِ وَشِدَّةِ المُصيبةِ كأنَّها لَمْ
تَفْهَمْه ، وَلَمْ تَسْتَوْعِبْ كَلماتِه . نَظَرَتْ إلى أُمِّي كالبَلْهَاءِ ،
وقالتْ والذُّهُولُ يُخَيِّمُ عَلى حَوَاسِّهَا :
_ ماذا يَقْصِدُ المُذيعُ يا سَمِيحة ؟ ،
هَلْ ماتَ أبو نارت بِهَذه البَسَاطة ؟ .
صارتْ أُمِّي تَنْظُرُ حَوْلَها كأنَّها
تَبْحَثُ عَنْ شَيْء ، وَهِيَ تُريدُ الهُروبَ مِنْ عُيونِ زَوجةِ عَمِّي
الشَّركسية ، وقالتْ بِسَذاجةٍ بالغةٍ وَجَهْلٍ مَفضوح :
_ يا أُمَّ نارت،التلفزيون الحُكوميُّ
كَذَّاب طِيلة عُمره،يَكْذِبُ حَتَّى في نَشْرَةِ الطَّقْسِ، لا تُصَدِّقي هَذه
الإشاعة ، غَدًا سَيَأتي الدُّكتور صَبْري رَشَاد ، وَيَدْخُلُ عَلَيْنَا وَهُوَ
بالملابسِ الأنيقةِ المُعَطَّرَة .
تَجَمَّدَ الدَّمْعُ في عُيونِ زَوجةِ
عَمِّي الشَّركسية ، وَحَدَّقَتْ في السَّقْفِ ، وأعادتْ كلماتِ أُمِّي بشكلٍ
آلِيٍّ مِيكانيكيٍّ :
_ غَدًا سَيَأتي الدُّكتور صَبْري رَشَاد ،
وَيَدْخُلُ عَلَيْنَا وَهُوَ بالملابسِ الأنيقةِ المُعَطَّرَة .
ثُمَّ نَظَرَتْ إلى أُمِّي ، وَهِيَ تَبْتَسِمُ
ابتسامةً شَبيهةً بالغَيْبُوبة ، وقالتْ :
_ يا سَميحة، هَلْ هِيَ مَلابس أنيقة
مُعَطَّرَة أَمْ أكفان بَيْضَاء خَشِنَة ؟ .
قَالَتْهَا وكأنَّها تَسْتعيد ذِكرياتٍ
قَديمة ، أوْ تَسْتَحْضِر صُورةَ شَخْصٍ غائبٍ لا يَغِيب ، أوْ تُحَاوِل استعادةَ
مَجْدٍ ضائع . الرَّمَادُ حَفَرَ الذِّكرياتِ دَاخِلَ أعماقِنا ، والمَسَاءُ
حَفِظَ الصُّوَرَ في عُيونِنا ، والزَّوَالُ الذي لا يَزُولُ حَبَسَ الحَنينَ
دَاخِلَنا . والعُمْرُ يَهْرُبُ كَالحُلْمِ ، ولا نَسْتطيع الإمساكَ بِه .
وَعَيْبُ السِّنين أنَّها تَصْنَعُ الذِّكرياتِ ، وَعَيْبُ الذِّكْرَيَاتِ أنَّها
لا تُعِيدُ السِّنين .
كانتْ ثُرَيَّا ابنةُ عَمِّي الراحل
تَلْعَبُ معَ أخواتي،ويَركُضْنَ،وَيَضْحَكْنَ بأعلى صَوْتٍ ، غَيْرَ عارفاتٍ
بالمُصيبة التي نَزَلَتْ عَلى عائلتنا الصغيرة، وغَيْرَ عَالِمَاتٍ بالمُسْتَقْبَلِ
المَجهولِ الذي يَنْتظرنا .
وكانَ نارت نائمًا في غُرفتنا المُشترَكة .
ذَهَبْتُ إلَيْه بأقصى سُرعة ، وَسَحَبْتُ اللِّحافَ ، وأيقَظْتُهُ مِنَ النَّوْمِ
، وَقُلْتُ لَهُ وكأنَّني أُبَشِّرُه بنجاحه في الامتحان ، أو انتصارِه في إحدى
المَعَارك :
_ أبوكَ ماتَ يا نارت .
احْمَرَّ وَجْهُهُ ، وقال غاضبًا :
_ يا كَذَّاب ، أبوكَ أنتَ الذي ماتَ .
وعادَ إلى النَّوْمِ كأنَّ شيئًا لَمْ
يَكُنْ . اعْتَبَرَ كلامي مِثْلَ الشَّتيمة ، وَرَدَّهَا عَلَيَّ . كانَ طِفْلًا
بريئًا وناعمًا ورقيقًا وراقيًا في مِثْلِ سِنِّي ( الحادية عَشْرَة )، أمَّا أنا
فَكُنْتُ فَظًّا وقاسيًا وَمُوحِشًا وَمُتَوَحِّشًا. إنَّهُ نائمٌ ، ولا يَعْرِفُ
أنَّه صارَ يَتِيمًا بِلا أبٍ . ولا أحَد يَعْرِفُ أنَّني طِيلة حَيَاتي أشعُرُ
أنَّني يَتِيم .
في تِلْك الليلةِ المُرْعِبَة ، لَمْ نَنَمْ
، أنا وأُمِّي وَزوجةُ عَمِّي الشَّركسية . طارَ النَّوْمُ مِنْ عُيونِنا . حاولتُ
أنْ أبكيَ عَلى عَمِّي فَلَمْ أستطعْ معَ أنَّني كُنْتُ أُحِبُّه . كُنْتُ أكبرَ
مِنْ سِنِّي ، لذلك حَمَلْتُ الحُزْنَ والهَمَّ والتَّعَاسَةَ مُبَكِّرًا .
تَقَمَّصْتُ دَوْرَ رَجُلِ البَيْتِ في غِيَابِ أبي ، معَ أنَّني لَسْتُ رَجُلًا ،
وَرُبَّمَا لَنْ أُصبحَ رَجُلًا في يَوْمٍ مِنَ الأيَّام .
عَائِلَتُنَا لَيْسَ فيها رِجَال . أبي
مُسَافِر ، وَعَمِّي قُتِلَ ، وَذَهَبَ دَمُهُ هَدَرًا حَتَّى هَذه اللحظةِ ،
وَلَيْسَ لَنَا عَشِيرة ولا قَبِيلة تُطَالِبُ بِدَمِه . وأنا طِفْلٌ في الحادية
عَشْرَة ، ونارت طِفْل في مِثْلِ سِنِّي ، وَهُوَ نائمٌ في الأحلامِ ، وَرُبَّما
يَعيشُ حَيَاتَه في الأوهامِ . وَأُمِّي وَزَوْجَةُ عَمِّي الشَّركسية امرأتان لا
حَوْلَ لَهُمَا ولا قُوَّة، وأخواتي الأربع مَعَ ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة ،
وثُرَيَّا ابنة عَمِّي . امرأتان وَطِفْلان وَخَمْس بنات . هَذه هِيَ عائلتنا الصغيرة
، لا عَشِيرة ولا قَبِيلة .
صَحِيحٌ أنَّ عَمِّي الدُّكتور صَبْري
رَشَاد يَنْتمي إلى عشيرة كبيرة وَمُهِمَّة بعكسِ أبي(أخيه
مِنْ أُمِّه) المَقطوعِ مِنْ شَجَرَةٍ ، لكنَّه ابتعدَ عَنْ عَشِيرته بشكلٍ كامل ،
وأدارَ ظَهْرَه لَها ، وَتَبَرَّأ مِنْهَا ، وَلَمْ يَعُدْ يَذكُرُهَا ، لأنَّها
عارضت الثَّوْرَةَ ، بسببِ خَوْفِهَا مِنْ سَرَقَةِ أراضيها ، وَتَوزيعِها على
الفلاحين .
شَعَرْتُ
طِيلةَ حَيَاتي أنَّني مَقْطُوع مِنْ شَجَرَةٍ ، ومَنْبُوذ ، وذليل ، وَمُحْتَقَر
، وَمُهَان ، لا اعتبار لِي ولا تَقْدير ، لَيْسَ لِي ماضٍ ، ولا حاضر ، ولا
مُستقبَل ، ولا كَرَامَة ، ولا قِيمة إنسانية جَوْهَرِيَّة . قَضَيْتُ حَيَاتي
هاربًا مِنْ نَفْسِي ، وخائفًا مِنْ وَجْهِي . أخترعُ الأكاذيبَ وَأُصَدِّقُهَا
كَيْ أعِيشَ في الوَهْمِ الشَّهِيِّ وَالخِدَاعِ اللذيذِ .
كُنْتُ شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا في
القَريةِ ، أدُورُ عَلى البُيوتِ ، أبيعُ بَعْضَ الأشياءِ البسيطةِ ، وأطْلُبُ
المُسَاعَدَةَ ، وأنا الآن في العاصمةِ الشريفُ هِشَام القُرَشِي ابن نائب رئيس
الجُمهورية ، الذي لا يَعْرِفُ أحَدٌ تاريخي ، ولا يَعْرِفُ أحَدٌ مَاضِي عائلتنا
الغارق في الوَحْلِ . لَقَدْ ضَاعَ وَجْهي الحقيقيُّ بَيْنَ أقنعتي المُستعارة ،
وضاعتْ أقنعتي بَيْنَ أزمنتي .
تَمَنَّيْتُ دائمًا أنْ تَكُون لِي قِيمة
ذاتية جَوْهرية لِمُجَرَّد كَوْني إنسانًا ، وَلَيْسَ لأنَّني ابنُ نائبِ رئيسِ
الجُمهورية ، وَأنْ أستحقَّ الاحترامَ والتَّقديرَ لِذَاتي ، وأشعر بالأهميةِ ،
وأنَّني لاعبٌ أسَاسِيٌّ في الحَيَاةِ ، وَلَيْسَ احتياطيًّا ، وأنْ أَثِقَ
بِنَفْسِي وقُدْرتي عَلى العَطَاء . ولكنْ للأسفِ الشَّديد ، هِشَام الحقيقيُّ
ماتَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعيد ، وأنا الآنَ نُسَخٌ مُزَوَّرَة مِنْه ، وأحلامي الوَهْمِيَّةُ
تَقْلِيدٌ للمُنْتَجِ الأصليِّ الذي ضَاعَ في زِحَامِ الحَيَاةِ وَضَجِيجِ الأصوات
.
في الساعةِ الواحدةِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ
الليلِ ، وبشكلٍ مُفَاجِئ ، وَدُون إخبار مُسْبَق لأسباب أمنية ، زَارَنَا
فَخَامَةُ رئيسِ الجُمهورية مَعَ بَعْضِ مُسَاعِدِيه . اعْتَلَى القَنَّاصَةُ
سَطْحَ قَصْرِنا ، وانتشرَ عَشَرَاتُ الحُرَّاسِ المُدَجَّجِين بالسِّلاحِ في
كُلِّ الزَّوَايا ، وأكثر مِنْ أربعين سَيَّارَة سَوْدَاء يُوحِي مَنْظَرُها
بالرَّهْبَةِ . وَتَمَّ إغلاقُ المَنطقةِ بالكاملِ .
قَدَّمَ السَّيدُ الرئيسَ واجبَ العَزَاءِ
لِزَوْجَةِ عَمِّي الشَّركسية ، قائلًا :
_ يا سَيِّدة ميرنار ، بِاسْمِي ، وَبِاسْمِ
أعضاءِ مَجلسِ قِيادةِ الثَّورةِ ، وَبِاسْمِ الوُزَرَاءِ في الحُكومة ،
أَتَقَدَّمُ لَكِ بخالصِ العَزَاءِ والمُوَاسَاةِ لِنَفْسِي أوَّلًا ، ثُمَّ
لِحَضْرَتِكِ ، عَلى مَا فُجِعْنَا بِهِ مِنْ نَبَأ أليم ، وَهُوَ نَبَأ اغتيال
معالي الأستاذ الدُّكتور العَلَّامة الشهيد المَغفور له صَبْرِي رَشَاد وزير
التربية والتعليم، الذي نَذَرَ حَيَاتَه لِخِدْمَةِ شَعْبِه وَوَطَنِه ، وتَعليمِ
المُواطنين ، وَنَشْرِ العِلْمِ والثَّقَافَةِ في رُبُوعِ البِلادِ .
وأردفَ قائلًا :
_ وأُؤكِّد لَكِ يا سَيِّدة ميرنار أنَّ
دَمَهُ في رَقَبَتي أنا شخصيًّا حتى آخُذَ بِثَأرِه ، وَأنْتَقِمَ لِمَقْتَلِه .
وَقَدْ كَلَّفْتُ جَميعَ الأجهزةِ الأمنيةِ بالقبضِ عَلى هَذه العِصَابَةِ
الإرهابية التي قامتْ بعملية الاغتيال، وَسَوْفَ نُحْضِرُهُم وَلَوْ كانوا في
آخِرِ العَالَمِ ، وَنَضَعُهُم في قَفَصِ المَحكمةِ ، وَنُقَدِّمُهُم للمُحَاكَمَة
.
34
مُذْ عَادَ أبي مِنَ السَّفَرِ وَهُوَ
مُنْعَزِل في غُرفةِ المَكْتَبِ. نُرْسِلُ إلَيْهِ المَاءَ والطعامَ، ولا يَأكلُ
مَعَنَا. خافتْ أُمِّي أنْ تَذهَبَ إلَيْه ، فقالتْ لِي :
_ اذهبْ إلى أبيك يا هِشَام ، فَهُوَ
يُحِبُّكَ ، وَيَسْتمع إلى كلامك .
لا أعْرِفُ هَلْ يُحِبُّني أبي أَمْ يَكْرَهُني
، وأنا لا أعْرِفُ هَلْ أُحِبُّهُ أَمْ أكْرَهُه . في بَعْضِ الأحيانِ ، أُحِبُّهُ
وأحترمُه وأُقَدِّرُه . وفي أحيانٍ كثيرة ، أَكْرَهُه وأحْتَقِرُه ، وأتَمَنَّى
أنْ يَمُوتَ كَي أَنْطَلِقَ في حَيَاتي.
لَمْ أجْرُؤْ عَلى الذَّهَابِ إلَيْه .
مُسْتحيل أنْ أدْخُلَ غُرفةَ مَكْتَبِه وَهُوَ مُتَضَايِق وَمُنْزَعِج ، فأبي
عَصَبِيُّ المِزَاج ، ودائمًا يَضَعُ المُسَدَّسَ عَلى مَكْتَبِه ، وَقَدْ
يُطْلِقُ عَلَيَّ النارَ في أيَّة لَحْظَة ، وَرُبَّمَا يُمْسِكُ المُسَدَّسَ ،
وتَنْطلق مِنْه رَصَاصَة قاتلة نَحْوي .
مَا أجْمَلَ أبي عِندَما يَكُون هادئًا ! .
ولكنَّ المُشكلة هِيَ أنَّه يُعاني مِنْ تَقَلُّبَاتٍ مِزَاجِيَّة مُتكررة ،
وشُعُورٍ مُستمر بالقَلَقِ والتَّوَتُّرِ ، وَرُدُودِ فِعْلٍ انفعاليَّة قوية
تُجَاه الأُمُورِ الصغيرة ، وَعَدَمِ استقرارٍ عاطفيٍّ، بسبب ضُغوطاتِ العَمَلِ
والحَيَاةِ، وَقِلَّةِ الصَّبْرِ، والأزَمَاتِ العائلية ، والمَصائبِ الكثيرة، والمُشكلاتِ
في التَّعبيرِ عَن الذاتِ والمَشاعرِ .
جَمَعَنَا أبي في غُرفةِ مَكْتَبِه ، وقالَ
بِحُزْنٍ شديد :
_ أنا مَنْ قَتَلْتُ أخي الدُّكتور صَبْري
رَشَاد .
أُصِبْنَا جَميعًا بالرُّعْبِ والذُّهُولِ
مِنْ هَذا الكلام، هَلْ هُوَ اعترافٌ أَمْ مُجَرَّد كَلام عاطفي عابر ؟.
قالتْ أُمِّي بِصَوْتٍ مَكسور :
_ الصَّدْمَةُ أَثَّرَتْ عَلَيْكَ يا
"أبو ناصر". أعداءُ الوَطَنِ وَعُمَلاءُ الثَّوْرَةِ المُضَادَّةِ هُم
الذينَ قَتَلُوه.
بَلَعَ أبي رِيقَه ، وَجَحَظَتْ عَيْنَاه
بشكلٍ مُفَاجِئ :
_ أنا المُجْرِمُ القاتلُ ، قَتَلْتُ أخي
لأنَّني سَمَحْتُ لَهُ باستخدام سَيَّارتي الخَاصَّة التابعة لرئاسة الجُمهورية
طِيلة فَترةِ غِيابي عَن الوطن . الإرهابِيُّونَ اعْتَقَدُوا أنَّني أنا المَوجود
في السَّيارة . أرادوا رَأسَ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، سَلْمَان رَجَب ، وَلَمْ
يَكُونوا مَعْنِيِّين بوزير التربية والتعليم صَبْري رَشَاد. أنا المُسْتَهْدَفُ
وَالمَقصودُ بعمليةِ الاغتيالِ ، وأخي الدُّكتور قُتِلَ نِيَابَةً عَنِّي ،
وَفِدَاءً لِي . كانَ هُوَ كَبْشَ الفِدَاءِ ، ضَحَّى بِحَيَاتِه مِنْ أجْلِ أنْ
أعِيش .
وَانفَجَرَ أبي بالبُكَاءِ دُون سَابِقِ
إنذارٍ . وَلَمْ يَسْتَغْرِبْ أحَدٌ مِنْ بُكَائِه ، فَقَدْ جاءَ بَعْدَ فَترةٍ
مِنْ كَبْتِ المَشاعرِ والضَّغْطِ النَّفْسِيِّ . كأنَّه أرادَ أنْ يَتَطَهَّرَ
بالبُكَاءِ ، وَيَعُودَ إلى البَرَاءَةِ الأصْلِيَّة ، ولكنْ لا يُمْكِنُ أنْ
نَعُودَ أبرياء كَمَا كُنَّا في زَمَنِ الطُّفُولَةِ . الدُّمُوعُ ظِلالُ
الذِّكْرَيَاتِ البعيدةِ، وَقَنَادِيلُ الحَنينِ إلى الأشياءِ التي لا تأتي .
والحَنِينُ يُعِيدُ بِنَاءَ المَاضِي كَحُلْمٍ مَكسورٍ يُحَاصِرُنا وَنُحَاصِرُه .
وإذا أَفْلَتَتْ قُلُوبُنا مِنَ الحِصَارِ ، لا نَعْرِفُ هَلْ نَحْتَفِلُ لأنَّنا
ناجون أَمْ ضَحَايا .
قالتْ زَوجةُ عَمِّي الشَّركسية وَهِيَ في
ثِيَابِ الحِدَادِ السَّوداءِ :
_ كُلُّ شَيْءٍ قَضَاءٌ وَقَدَرٌ ،
والإنسانُ إذا انتهى عُمْرُه ماتَ ، ولا تُوجَد فُرصة ثانية ، ولا مُحَاوَلَة
جَديدة . وَلَوْ كانَ البُكَاءُ يُعِيدُ الأمواتَ الراحلين لَبَكَيْنَا ، ولكنَّ
البُكَاءَ لا يُعيدُ المَيِّتَ ، ولا يُرْجِعُ مَنْ ذَهَبَ إلى غَيْرِ رَجْعَةٍ .
وَهَبَطَ الصَّمْتُ الكَاسِرُ كَنَسْرٍ
بَسَطَ جَنَاحَيْهِ في الغُروبِ الذي لا شُروق بَعْدَه ، وَغَرِقَتْ عَائِلَتُنَا
الصَّغيرةُ الضائعةُ في الخَوْفِ والحُزْنِ والألَمِ .
لَمْ نُلْقِ نَظْرَةَ
الوَدَاعِ الأخيرةَ عَلى جُثمانِ عَمِّي . قِيلَ لَنَا إنَّهُ لا يُوجَد جُثمان
ولا جُثَّة ، لأنَّ شِدَّةَ التَّفجيرِ مَزَّقَتْ جَسَدَه قِطْعَةً قِطْعَةً ،
وَجَعَلَتْهُ أشلاءً مُبَعْثَرَةً في الرِّياحِ . وَلَمْ نَذهَبْ إلى المَقبرةِ
لأسبابٍ أمنية . دُفِنَ عَمِّي لَيْلًا ، في مَكَانٍ سِرِّيٍّ لا أَعْلَمُ عَنْهُ
شيئًا . أَكَّدَ لَنَا أبي أنَّ فَخَامَة رئيس الجُمهوريةِ شَخصيًّا شَارَكَ في
مَرَاسِمِ الدَّفْنِ ، وأنَّ السَّيد الرئيس وأبي وأعضاء مَجْلِس قِيَادَة
الثَّوْرَةِ حَمَلُوا النَّعْشَ عَلى أكتافِهِم ، وأنْزَلُوه إلى لَحْدِه ،
تَقْدِيرًا وَوَفَاءً لِعَطَاءِ معالي الوزير الراحل .
كانَ عَمِّي الدُّكتور صَبْري
رَشَاد رَجُلًا مَهِيبًا ونَزِيهًا وَنَظِيفَ اليَدِ ، شَهِدَ بِهَذا كُلُّ مَنْ
عَرَفَهُ وَتَعَامَلَ مَعَه . لَمْ يَسْتغل مَنْصِبَه أوْ مَنْصِبَ أخيه للإثراءِ
أو الكَسْبِ غَيْرِ المَشروع . كانَ عَالِمًا مُتَبَحِّرًا في اللغةِ الإنجليزية
وآدابِها ، يَحْمِلُ دَرَجَةَ الدُّكتوراةَ في الأدبِ الإنجليزيِّ مِنْ جامعةِ
أُكسفورد .
تَمَنَّتْ زَوْجَةُ عَمِّي
الشَّركسية أنْ يَتِمَّ تَكريمُ زَوْجِها الراحل الدُّكتور صَبْري رَشَاد وَسَط
حُضور رَسْمِيٍّ وَشَعْبِيٍّ ، يَدُلُّ عَلى التقديرِ والاحترامِ ، وأنْ يُشَيِّعَ
الآلافُ الجُثمانَ بِجِنَازَةٍ عَسكريةٍ مَهِيبة ، وَيَحْمِلُ الجُنُودُ نَعْشَه
المُغَطَّى بِعَلَمِ الدَّولة ، وَيُؤَدُّون لَهُ التَّحِيَّةَ العَسكرية ، أوْ
تُنَظَّم لَهُ جِنَازة غَيْرِ عَسكريةٍ ، يَحْمِلُ نَعْشَهُ طُلَّابُهُ الذينَ
دَرَّسَهُمْ وَعَلَّمَهُمْ ، خُصُوصًا الفُقَرَاء مِنْهُم الذينَ وَفَّرَ لَهُمْ
بَعثاتٍ دِراسية مَجَّانية على حِسَابِ الدَّولةِ للدِّراسةِ في جامعاتِ أمريكا
وأوروبا ، وَصَاروا الآنَ في مَنَاصِب مُهِمَّة .
بَعْدَ أُسبوع ، تَلَقَّى أبي باعتبارِه
نائب رئيسِ الجُمهورية ، ونائب رئيس مَجْلِسِ الأمْنِ القَوْمِيِّ الذي يَخْتَصُّ
بالشُّؤونِ العُليا المُتعلقة بالأمْنِ والدِّفَاعِ والسِّياسةِ الخارجية ،
تقاريرَ أجهزةَ المُخَابَرَاتِ والأمْنِ حَوْلَ حادثة اغتيال عَمِّي الدُّكتور
صَبْري رَشَاد وزير التربية والتعليم .
تَقْرِيرُ المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ قالَ إنَّ الإسلاميين قاموا بعمليةِ الاغتيالِ ،
لأنَّهُم يَعْتَبرون الدُّكتورَ صَبْري رَشَاد عَلْمَانِيًّا كافرًا حَذَفَ آياتِ
الجِهَادِ ، والآياتِ التي تَتَحَدَّثُ عَن اليَهُودِ ، مِنَ المَناهج .
وتَقْرِيرُ المُخَابَرَاتِ
العَسكريةِ قالَ إنَّ الشُّيوعيين قاموا بعمليةِ الاغتيالِ ، لأنَّهُم يَعْتَبرون
الدُّكتورَ صَبْري رَشَاد مُؤمِنًا يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في المَسْجَدِ
، وَطَهَّرَ وِزارةَ التَّربيةِ والتعليم مِنْ جَميع المُوَظَّفِين الشُّيوعيين
واليَسَاريين .
وَتَقْرِيرُ الأمْنِ السِّيَاسِيِّ
قالَ إنَّ القَوْمِيين قاموا بعمليةِ الاغتيالِ ، لأنَّهُم يَعْتَبرون الدُّكتورَ
صَبْري رَشَاد شُعُوبِيًّا يُنْكِرُ فَضْلَ العَرَبِ ، وَيُحَاوِل الحَطَّ مِنْهُم
، بدليل أنَّهُ يَتَحَدَّثُ اللغةَ الإنجليزيةَ في لِقَاءاته، وَتَزَوَّجَ امرأةً
شَركسيةً لا عَرَبيَّة .
وَتَقْرِيرُ الأمْنِ العَامِّ
قالَ إنَّ الليبراليين قاموا بعمليةِ الاغتيالِ ، لأنَّهُم يَعْتَبرون الدُّكتورَ
صَبْري رَشَاد رَجْعِيًّا لا يُؤْمِنُ بالحُرِّيةِ والمُسَاوَاةِ ، وأنَّهُ
قَيَّدَ حُرِّيةَ التَّعبيرِ وَحُرِّيةَ الصَّحَافَةِ ، وكَرَّسَ الرَّقَابَةَ .
اختلطت المَعلوماتُ في عَقْلِ
أبي ، وَفَقَدَ القُدرةَ عَلى التَّركيزِ والتَّحليلِ والاستنباطِ ، بسبب
التَّضَارُبِ والتعارُضِ في تقاريرِ أجهزةِ المُخَابَرَاتِ والأمْنِ حَوْلَ حادثةِ
اغتيالِ عَمِّي . لَمْ يَعْرِفْ مَاذا يَفْعَل . التَّنَاقُضُ صارخٌ ، والأقوالُ
مُختلفة ، وَوِجْهَاتُ النَّظَرِ مُتصادِمة . والتقاريرُ يَتعارض بَعْضُها معَ
البَعْضِ الآخَر ، مِمَّا يَجْعَل مِنَ المُسْتحيل أنْ تَكُونَ جَميعُها صحيحةً في
نَفْسِ الوَقْتِ .
أبي لَمْ يَسْتَسْلِمْ .
عَقْلُهُ مُبَرْمَجٌ أمنيًّا ومُخَابَرَاتِيًّا ، وَهُوَ العَقْلُ المُدَبِّرُ
للمُؤامراتِ بِكُلِّ أشكالِها وألوانِها . جَمَعَ أبي قَادَةَ الأجهزةِ الأمنيةِ
جَمِيعِهَا : المُخَابَرَات العَامَّة ، والمُخَابَرَات الجَوِّية ،
والمُخَابَرَات البَحْرِيَّة ، والمُخَابَرَات البَرِّية ، والمُخَابَرَات
الصَّحْراوية ، والمُخَابَرَات البَرْمَائية، والمُخَابَرَات العَسكرية، والأمن
السِّياسي، وأمن الدَّولة، والأمن العام، والأمن الجِنَائي ، وقالَ لَهُمْ :
_ لا أُريدُ أنْ يَذهَبَ دَمُ أخي
الوزير هَدَرًا . وإذا عَجَزْنَا عَنْ إيجادِ الإرهابيين الذينَ قاموا بعمليةِ
الاغتيالِ ، فَيَجِبُ أنْ نُحْضِرَ بَعْضَ المَحكومين بالإعدام في السُّجُونِ ، وَنُظْهِرهم
عَلى شَاشَةِ التلفزيون ، وَيُدْلُون باعترافات وهمية باعتبارهم العِصَابَة الإرهابية
التي اغتالتْ أخي الوزيرَ ، وَيَتِم إعدامُهُم ، وَهُمْ بالأساسِ مَحكومون
بالإعدامِ ، والمَوْتُ يَنْتظرهم ، واللَّهُ يَرْحمنا وَيَرْحمهم .
وأردفَ قائلًا :
_ هَذه هِيَ الخُطَّةُ
الوحيدةُ للمُحَافَظَةِ عَلى هَيْبَتِنَا وَمَاءِ وَجْهِنَا ، وَالحِفَاظِ عَلى
صُورةِ أجهزتنا المُخَابَرَاتِيَّة في الداخلِ والخارجِ ، باعتبارِها مِنْ أهَمِّ أجهزة
المُخَابَرَاتِ وأكثرِها احترافيةً في الشَّرْقِ الأوسطِ والعَالَمِ . وَقَدْ
شَهِدَ القَاصِي والداني بِدَوْرِهَا الفَعَّالِ في مُكَافَحَةِ الإرهابِ في
أنحاءِ العَالَم .
35
مُذْ ماتَ عَمِّي الدُّكتور
صَبْري رَشَاد ، وأنا ضائعٌ في دَاخِلي ، وتائهٌ في أعماقي . أُفَكِّرُ كثيرًا بِعَمِّي
القَتِيل ، وَأُفَكِّرُ كثيرًا بالمَوْتِ. لَمْ يَعُد المَوْتُ ذلك الشَّيْء
البعيد عَنَّا، أوْ الذي يُصِيب غَيْرَنا، إنَّ المَوْتَ قريبٌ مِنَّا،
وَيُصِيبُنا كَمَا يُصِيبُ غَيْرَنا .
تَذَكَّرْتُ كَلامَ أبي عَنْ
أُمِّهِ ( جَدَّتي أنيسة ) : (( جَدَّتُكَ كانتْ جَميلةً وَمُغْرِيَة ، أُعْجِبَ
بِهَا التاجر ، وأرادها زَوجةً ثانية ، فَتَزَوَّجَهَا في السِّرِّ ، وَلَمَّا
أنْجَبَ مِنْهَا ابْنَه صَبْري ، عَلِمَتْ زَوْجَتُهُ الأُولَى بالمَوضوعِ ،
فَطَلَبَتْ مِنْهُ أنْ يُطَلِّقَ جَدَّتَكَ ، فَأخذَ الوَلَدَ مِنْهَا ،
وَطَلَّقَهَا ، وَرَمَاهَا في الشارعِ بِلا حُقُوق . وَبَعْدَهَا تَزَوَّجَهَا
جَدُّكَ رَجَب، وَانتَقَلا مِنَ العاصمةِ إلى هَذه القَريةِ ، وأنْجَبَاني فِيها
)) .
هَذا يَعْني أنَّ عَمِّي
الدُّكتور صَبْري رَشَاد وَزير التربية والتعليم كانتْ أُمُّهُ خَدَّامة في
البُيوتِ ، وَنَجَحَ في إخفاءِ هَذا السِّرِّ عَن الجَميع ، حتى إنَّ أجهزةَ
المُخَابَرَاتِ والأمْنِ التي يُسَيْطِرُ عَلَيْهَا أبي لَمْ تَقْدِرْ عَلى
الوُصولِ إلى هَذا السِّرِّ . وأنا أيضًا الشَّريفُ هِشَام القُرَشِيُّ ابن نائبِ
رئيسِ الجُمهوريةِ كانتْ أُمِّي خَدَّامة في البُيوتِ ، وكذلك أبي. هَلْ صارَ
أولادُ الخَدَّامَاتِ يَحْتَلُّونَ أعلى المَنَاصِب ؟. هَلْ حَلَّتْ عَلَيْنَا
البَرَكَةُ أَم اللعنةُ ؟ .
وكَمَا أنَّ سِرَّ عَمِّي (
ابن الخَدَّامة التي طَلَّقَهَا أبوه وَرَمَاهَا في الشارعِ ) مَاتَ مَعَه ،
وَدُفِنَ في قَبْرِه ، كذلك سِرِّي مَاتَ مَعَ عَمِّي، وَدُفِنَ في قَبرِه .
عَمِّي هُوَ الوحيدُ الذي يَعْلَمُ أنَّني صِرتُ عَاجِزًا جِنْسِيًّا إلى الأبَدِ
. هُوَ الذي أَخَذَني إلى الطبيبِ ، وَاطَّلَعَ عَلى التقاريرِ الطِّبِّية
الخَاصَّة بِي . هَلْ أفْرَحُ لأنَّ سِرِّي مَاتَ مَعَ عَمِّي أَمْ أحْزَنُ لأنَّ
عَمِّي مَاتَ ؟ . هَلْ أفْرَحُ لأنَّ مَوْتَ سِرِّي حَرَّرَني أَمْ أحْزَن لأنَّ
مَوْتَ عَمِّي قَيَّدَني ؟ .
كانَ عَمِّي الدُّكتور صَبْري
رَشَاد يَكْرَهُنا وَيَحْتَقِرُنا عِنْدَمَا كُنَّا شَحَّاذِين وَمُتَسَوِّلين في
القَريةِ ، وَنَنْتمي إلى قَاعِ المُجتمعِ . لَمْ يُرِدْ أنْ يَرتبط اسْمُهُ
باعتبارِه أُستاذًا جامعيًّا مُهِمًّا بِاسْمِ أبي راعي الغَنَمِ الفقير ( أخِيه
مِنْ أُمِّه ) ، لذلك لَمَّا زَارَهُ أبي في العاصمةِ طالبًا مُساعدة مالية ، أعطاه
مَبْلَغًا مِنَ المَالِ ، وقالَ لَه : (( لا أُريدُ رُؤية وَجْهِكَ بَعْدَ
اليَوْمِ )) . مَعرفةُ أبي شُبْهَةٌ وَفَضِيحَة ، وَعَمِّي كانَ يُدْرِكُ هَذا
تَمَامًا ، فَلَمْ يُرِدْ أنْ يُشَوِّهَ سُمْعَتَه ، أوْ يَجْلِب لِنَفْسِهِ
الإحراجَ والفَضِيحةَ بَيْنَ الناسِ . ولكنَّه صَارَ يَحْترم أبي وَيُقَدِّرُهُ
عِندَما أُصبح شخصية مُهِمَّة في المُخَابَرَاتِ العسكرية .
هَلْ مَاتَ عَمِّي نِيَابَةً
عَنْ أبي ؟ . لا أحَدَ يَمُوتُ نِيَابَةً عَنْ أحَد . هَلْ كانَ المَقصودُ بعمليةِ
الاغتيالِ هُوَ أبي ؟ . هَل عَمِّي كَبْش فِدَاء ضَحَّى بِحَيَاتِه مِنْ أجْلِ أنْ
يعيشَ أبي ؟ .
لَوْ بَقِينَا في القَريةِ
لَمَا قُتِلَ عَمِّي . هَذه فِكرة خَطَرَتْ في بالي ، ولكنَّني سُرْعَان مَا
رَفَضْتُهَا وَطَرَدْتُهَا ، لا يُوجَد " لَوْ " في الحَيَاةِ والتاريخِ
والحَضَارَةِ . (( مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وَمَا أَخْطَأكَ لَمْ
يَكُنْ لِيُصِيبَكَ )) . الإنسانُ يَمْشِي إلى المَوْتِ بِرِجْلَيْه ، لا يُمْكِن
التَّرَاجُع ولا الهُرُوب .
أخي ناصر ذَلِكَ الطِّفْلُ
الصغيرُ البائسُ، ذُو الثلاث سَنَوَات.كَانَ يَلْعَبُ أمامَ بابِ بَيْتِنا (
زَريبةِ الأبقارِ ) ، هَاجَمَهُ دِيكٌ مُتَوَحِّشٌ ، وَقَتَلَه . مِنْ أيْنَ جاءَ
الدِّيكُ ؟ ، وَلِمَاذَا جاءَ ؟ ، وَكَيْفَ جَاءَ في المَوْعِدِ الدَّقِيقِ ؟ . لَقَدْ
زُرْنَا قَبْرَهُ أنا وأبي في القَريةِ التي وُلِدْنَا فِيها ، وقامَ أبي
بِتَدميرِها وَمَسْحِهَا مِنَ الوُجودِ وَمَحْوِهَا مِنَ الحَياةِ ، والانتقامِ
مِنْ أهْلِهَا الذينَ شَتَّتَهُمْ في كُلِّ النَّوَاحي والاتِّجَاهات .
كثيرًا مَا أُحَدِّقُ في
صُورةِ أخي ناصر ، وَأَرْسُمُهُ في أحلامِ اليَقَظَةِ ، وَأتَخَيَّلُهُ في ذِهْني
. هُوَ الآنَ مَدْفُونٌ تَحْتَ التُّرَابِ . قَبْرُهُ صَغِيرٌ وَضَيِّقٌ يَدُلُّ
عَلى طُفُولَةٍ خَطَفَهَا المَوْتُ ، وأحلامٍ ضائعةٍ لَيْسَ لَهَا بُوصَلة ولا
خَرِيطَة . تَحَلَّلَتْ جُثَّتُه . شَعْرُهُ النَّاعِمُ تَكَسَّرَ ، وانطفأ
لَمَعَانُ عَيْنَيْه ، وَأَكَلَ الدُّودُ خُدُودَه الطَّرِيَّة ، وزالت ابْتِسَامَتُهُ
البَرِيئة . لا أعْرِفُ أيْنَ ذَهَبَ قَمِيصُهُ الأزرقُ الذي أعْطَوْهُ لأُمِّي
صَدَقَةً ، وَشَفَقَةً عَلَيْهَا ، وعلى ابْنِها الوحيدِ الذي وُلِدَ في عائلة
فقيرة بائسة لَيْسَ لَهَا جُذور ولا أغصان . وَبَعْدَ مُرورِ كُلِّ هَذه
السَّنَوَاتِ ، مَا زِلْتُ أراهُ مُرْتَدِيًا قَمِيصَه الأزرقَ ، واللَّوْنُ
الأزرقُ يَلْمَعُ وَيَتَوَهَّجُ مِثْلَ الشُّطآنِ البعيدة التي تَنْتظر مَنْ
يَكْتشفها .
في ذلك الزَّمَنِ البعيدِ ،
عِندَما كُنْتُ طِفْلًا ، كُنْتُ أعِيشُ وألْعَبُ وكَأنَّ المَوْتَ وُجِدَ
للآخَرِين ، لا يَعْنيني ولا يَخُصُّني . وَعِندَما كَبِرْتُ في الزَّمَانِ
والمَكَانِ كَبِرَ مَوضوعُ المَوْتِ في عَقْلي وَجَسَدِي وَحَيَاتي وَذِكْرَياتي ،
وَصِرْتُ أنتظرُه في أيَّة لَحْظَةٍ ، إنَّهُ أقربُ إلَيَّ مِنْ جِلْدِي ، وأسرعُ
مِمَّا يَتَخَيَّلُ الإنسانُ، ولا شَيْء يُفْلِتُ مِنَ المَوْتِ. إنَّهُ يَنْزِلُ
عَلَيْنَا كَمَا تَنْزِلُ الفأسُ عَلى جِذْعِ الشَّجَرَةِ فَتَقْطَعُهَا. وَمَا
يُؤْلِمُ الشَّجَرَةَ لَيْسَ الفأسَ التي تَقْطَعُهَا ، مَا يُؤْلِمُهَا حَقًّا
أنَّ يَدَ الفأسِ مِنْ خَشَبِهَا .
مَا الفائدةُ مِنَ الأحلامِ
وأنا مَيِّتٌ لا مَحَالَة ؟ . مَا الفائدةُ مِنَ الذَّهَابِ إلى العَمَلِ والمَوْتُ
قادمٌ بِكُلِّ تأكيدٍ ؟ . مَا الفائدةُ مِنَ التَّخطيطِ للمُسْتَقْبَلِ
وَمُسْتَقْبَلُنَا بَيْنَ شَواهدِ القُبورِ ؟ . الإنسانُ غَيْرُ مُتَأكِّدٍ إنْ
كانَ سَوْفَ يَسْتيقظ صَبَاحَ اليَوْمِ التالي أَمْ لا . الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ
لا يَمْنَعُ مِنَ المَوْتِ ، ولكنَّه يَمْنَعُ مِنَ الحَيَاةِ . المَوْتُ
يُحَاصِرُنا ، وَمَعَ هَذا ، يَجِبُ أنْ نَحْيَا ، لأنَّنا مَوجودون في الحَيَاةِ
كَيْ نَعِيشَها . لا يَهُمُّني هَلْ سَيَتَذَكَّرُني أَحَدٌ إنْ مِتُّ ، وَلا
يَعْنيني هَلْ سَيَفْتَقِدُني أقاربي أوْ أصدقائي أو الناس. لا أحَد مَعِي ، أنا
وَحْدِي ، جِئْتُ وَحْدِي ، وَسَأمْضِي وَحْدِي ، حَيْثُ لا أحَدَ سِوَايَ مَعِي، أنا
مَعِي. أعِيشُ وَحْدِي، وأمُوتُ وَحْدِي، وأُبْعَثُ وَحْدِي، وَأُحَاسَبُ وَحْدِي.
لا أحَد يُدَافِعُ عَنْ أَحَدٍ.
هَاجِسُ المَوْتِ يُطَارِدُني
وَيُحَاصِرُني وَيَجْلِدُني ، وَالقَلَقُ مِنَ المَوْتِ يُمَزِّقُ جَسَدِي الذابلَ
، وَيُحَطِّمُ آمَالي العريضة . وَالخَوْفُ مِنَ المَوْتِ لَهُ أربعة مَصَادِر :
خَسَارَةُ النَّفْسِ أوْ فِقْدَان شَخْصٍ آخَر ، وَفِقْدَان السَّيْطَرَةِ
والتَّحَكُّمِ ، والخَوْف مِنَ المَجهولِ ، وَألَم المَوْتِ وَمُعَاناته .
المَوْتُ حَقٌّ واقعٌ لا
مَحَالَة ، وَحَقِيقَةٌ مُؤكَّدَةٌ لا مَفَرَّ مِنها ، وَهُوَ نِهَايَةُ كُلِّ
حَيٍّ ، ولكنَّ مَعْناه يَختلف مِنْ شَخْصٍ إلى آخَر، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاه
نِهايةً لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاه بِدايةً لِحَيَاةٍ أُخْرَى. إنَّ
المَوْتَ هُوَ البِدايةُ لا النِّهَايَةُ،وَسَيَظَلُّ دَافِعًا للتَّأمُّلِ في
الحَيَاةِ وَقِيمتها. وَالهَرَبُ مِنَ المَوْتِ مَوْتٌ، وَطَلَبُ المَوْتِ
حَيَاةٌ.وَقَدْ قِيلَ:مَا رَأيْتُ يَقِينًا لا شَكَّ فِيه أشبَهَ بِشَكٍّ لا يَقِينَ
فِيهِ مِنَ المَوْتِ . وَمَعْنَاه أنَّ الناسَ لا يَشُكُّونَ في المَوْتِ مَعَ أنَّهُمْ
يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَنْ يَظُنُّ أنُّه يُخَلَّدُ في الدُّنيا ولا يَمُوت .
(( لا يَأتي المَوْتُ
مُتَأخِّرًا أبَدًا.في مَوْتِ أَحَدِهِمْ خُبْزٌ للآخَرِ.شَيْئَان لا تَسْتطيعُ التَّحْدِيقَ فِيهِمَا : الشَّمْس والمَوْت . لَيْسَ المَوْتُ
وَرَاءَ الجِبَالِ ، بَلْ وَرَاءَ الأكتافِ. يَجِبُ أنْ لا نَبْكِي عَلى أصْدِقَائِنَا،
إنَّها رَحْمَةٌ أنْ نَفْقِدَهُمْ بِالمَوْتِ ، ولا نَفْقِدَهُمْ وَهُمْ أحْيَاء .
كَمْ مِنْ عَزِيزٍ أَذَلَّ المَوْتُ مَصْرَعَه ، كانتْ عَلى رَأسِهِ الرَّايَاتُ تَخْفِقُ. وَمَنْ
لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ، تَنَوَّعَتِ الأسبابُ والدَّاءُ واحد.
إنَّما المَوْتُ مُنْتَهَى كُلِّ حَيٍّ ، لَمْ يُصِبْ مَالِكٌ مِنَ المُلْكِ
خُلْدا . لا يُوجَدُ وَهْمٌ يَبْدُو كَأنَّهُ حَقِيقَةٌ مِثْلُ الحُبِّ ، ولا حَقِيقَة
نَتَعَامَلُ مَعَهَا وكَأنَّهَا الوَهْمُ مِثْل المَوْتِ . يَمُوتُ الجُبَنَاءُ مَرَّاتٍ
عَدِيدَةً قَبْلَ أنْ يَأتيَ أَجَلُهُمْ ، أمَّا الشُّجْعَانُ فَيَذُوقُونَ المَوْتَ
مَرَّةً وَاحِدَةً . يَجْعَلُنَا المَوْتُ نَتَسَاوَى في القَبْرِ ، وَلَيْسَ في
الأبَدِيَّةِ . يَمُوتُ الحِصَانُ وَيَبْقَى سَرْجُه ، وَيَنْتَهي الإنسانُ وَيَبْقَى
اسْمُه . المَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ العَارِ ، وَالعَارُ خَيْرٌ مِنْ دُخُولِ
النارِ . في مَوْتِ الذِّئْبِ حَيَاةٌ للغَنَمِ . إذا ذَكَرْتَ المَوْتَى فَعُدَّ
نَفْسَكَ أَحَدَهُمْ. استقبالُ المَوْتِ خَيْرٌ مِن اسْتِدْبَارِه . في كُلِّ يَوْمٍ
لَنَا مَيتٌ نُشَيِّعُه ، نَنْسَى بِمَصْرَعِهِ آثارَ مَوْتَانا . الناسُ نِيَامٌ
فإذا ماتوا انتَبَهُوا . الحَيَاةُ حُلْمٌ يُوقِظُنَا مِنْهُ المَوْتُ . عِنْدَمَا
لا نَدْرِي مَا هِيَ الحَيَاةُ ، كَيْفَ يُمْكِنُنَا أنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ
المَوْت . مَا أَلْزَمَ عَبْدٌ قَلْبَهُ ذِكْرَ المَوْتِ إلا صَغُرَت الدُّنيا عِنْدَه
. مَنْ عَرَفَ المَوْتَ هَانَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنيا . يُطْفِئُ المَوْتُ
مَا تُضِيءُ الحَيَاةُ . رُبَّ مَوْتٍ كَالحَيَاةِ . كُلُّ عَمَلٍ كَرِهْتَ مِنْ أَجْلِهِ
المَوْتَ فَاتْرُكْه ، ثُمَّ لا يَضُرُّكَ مَتَى مِتَّ. احْرِصْ عَلى المَوْتِ تُوهَبْ
لَكَ الحَيَاة. الحَيَاةُ فَيْضٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ تَصُبُّ في بَحْرِ النِّسْيَانِ
)) .
قالَ أبو العَتَاهِيَة :
الناسُ في غَفَلاتِهِمْ وَرَحَى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ
مَا دُونَ دَائرةِ الرَّدَى حِصْنٌ لِمَنْ يَتَحَصَّنُ
36
في 30/10/1983 ، عُقِدَ لِقَاء رَسْمِيٌّ
بَيْنَ أُمِّي السَّيدةِ الشَّريفةِ سَمِيحَة بِنْت غَزْوَان القُرَشِيِّ حَرَمِ
نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، والسَّيدةِ زَوجةِ السَّفيرِ الأمريكيِّ ، للتَّعَارُفِ
، واستعراضِ الأنشطةِ التي يَقُومُ بِهَا الاتِّحَادُ النِّسَائيُّ
الدِّيمُقْرَاطِيُّ فَرْع العاصمة ، وَمِنْ أبْرَزِهَا قَضَايا تَعليمِ الفَتَاةِ
في جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرْدِيَّةِ ، وَدَوْر الاتِّحَاد لِتَمكينِ المَرْأةِ في
العَمَلِ السِّيَاسِيِّ والاقتصاديِّ . وَأوْضَحَتْ أُمِّي الشَّوْطَ الذي
قَطَعَهُ الاتِّحَادُ في مَجَالِ التَّدريبِ والتأهيلِ ، والقِيَامِ بالتَّوعيةِ في
المَجَالاتِ المُختلفةِ بَيْنَ أوساطِ النِّسَاءِ.وبالتأكيدِ، حَضَرَ اللقاءَ
مُتَرْجِمَةٌ مُعْتَمَدَةٌ مِنْ وِزارةِ الخارجية.
مُدَرِّبةُ أُمِّي وَمُعَلِّمَتُهَا ريم
لُوقَا خَبِيرة الإتيكيت
والبروتوكول والبرستيج ، دَرَّبَتْهَا عَلى كَيفيةِ الحديثِ
في هذا اللقاءِ المُهِمِّ ، وَعَلَّمَتْهَا كَلِمَاتِ التَّرحيبِ والمُجَامَلَةِ ،
والعِبَاراتِ الدُّبلوماسيَّة ، والجُمَلَ اللغوية الرَّاقية والجَذَّابَة ،
وَحَفَّظَتْهَا بعضَ الكَلِمَاتِ بالإنجليزيةِ والفَرنسية ، كَيْ تَعْرِفَ زَوجةُ
السَّفيرِ الأمريكيِّ أنَّ أُمِّي ذات مَنزلة رفيعة ومَكانة عظيمة ، وتَنْتَمي إلى
عِلْيَةِ القَوْمِ .
كانتْ أُمِّي غَارقةً في المِكْيَاجِ
وَمَسَاحِيقِ التَّجميلِ ، وَتَرتَدي فُستانًا وَرْدِيًّا فَاقِعًا فَوْقَ
الرُّكْبَةِ ، وَنِصْفُ صَدْرِهَا مَكشوف، وكأنَّها في حَفْلَةٍ غِنائية،أوْ
عُرْسٍ حَاشِد،أوْ سَهْرَةٍ رُومَانسيَّة.وَزوجةُ السَّفيرِ الأمريكيِّ تَرتدي
ثَوْبًا أسْوَد ، وَوَجْهُهَا خَالٍ مِنَ المِكْيَاجِ ، وعَلاماتُ الحُزْنِ
والألَمِ ظاهرةٌ عَلَيْهَا .
فُستانُ أُمِّي الفاضحُ كانَ مِنَ اختيارِ
مُدَرِّبَتِهَا رِيم لُوقَا . أَفْهَمَتْهَا أنَّ العُرْيَ جُزْءٌ مِنَ المُوضَةِ، وَطريقةٌ للتَّعبيرِ عَن الذاتِ
، والحُرِّيةِ ، والاستقلاليَّةِ ، وَلَفْتِ الانتباه . وَهَذا دليلٌ واضحٌ عَلى
أنَّ أُمِّي حَرَمَ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ راقيةٌ وَمُتَعَلِّمَة وَمُتَحَضِّرَة
وَمُثَقَّفَة ثقافةً غَرْبية ، وَسَوْفَ تُعْجَبُ بِهَا زَوجةُ السَّفيرِ
الأمريكيِّ بِشِدَّةٍ ، مِمَّا يُعْطِي صُورةً مُشْرِقَةً عَنْ بَلَدِنَا أمامَ
أنظارِ العَالَمِ ، خُصُوصًا أمريكا وأوروبا، وَيُثْبِت لَهُم أنَّنَا لَسْنَا
إرهابيين، وإنَّما نَحْنُ دِيمقراطيون ، وَبَلَدُنا بَلَدُ الحُرِّياتِ
والدِّيمقراطيةِ وَحُقُوقِ الإنسانِ وَحُقُوقِ المَرْأةِ وَالوَحْدَةِ الوطنية .
وَهَذه الشِّعَاراتِ كانتْ تُرَدِّدُهَا رِيمُ لُوقَا في كُلِّ لِقاءاتها بِأُمِّي
. وَأُمِّي تَسْمَعُ نَفْسَ الأُسطوانةِ المُكَرَّرَةِ كُلَّ مَرَّةٍ ، حَتَّى
حَفِظَتْهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ، وصارتْ تُطَبِّقُها عَلى أرضِ الواقعِ . كانتْ
أُمِّي تَضَعُ رِجْلًا فَوْقَ رِجْلٍ ، وَتَضْحَكُ بِصَوْتٍ عالٍ ، وَتَتَصَّنَعُ
الدَّلَعَ والنُّعُومَةَ ، وَتَخْلِطُ الكلماتِ الإنجليزيةِ بالكلماتِ الفَرنسية ،
التي حَفَّظَتْهَا إيَّاها ريم لُوقَا ، كَيْ تَعْرِفَ زَوجةُ السفيرِ الأمريكيِّ
أنَّ أُمِّي راقية ومُتحضرة وواثقة مِنْ نَفْسِها ، وأنَّها مِنْ طَبَقَةِ
النُّبَلاءِ والأشرافِ والسَّادَةِ أصحابِ المَكَانَةِ الاجتماعيَّةِ العالية .
ولكنَّ الشَّيطانَ يَكْمُنُ في التفاصيلِ ، وَالذي لَيْسَ لَهُ حَظ لا يَتعب ولا
يَشقى .
سَألتْ أُمِّي زَوجةَ السَّفيرِ
الأمريكيِّ :
_ لماذا تَلْبَسين ثَوْبًا
أسْوَد ، ولا تَضَعِين المِكياجَ ، وَيَظْهَر عَلَيْكِ الحُزْنُ والألَمُ ؟ .
_ أنا وكُلُّ الشعبِ
الأمريكيِّ في حَالَةِ حِدَادٍ بسببِ مَقْتَلِ كَثيرٍ مِنَ الأمريكيين المَدنيين
والعَسْكريين في بَيْرُوت .
كانتْ أُمِّي مِثْلَ الأطرشِ
في الزَّفَّةِ . سَمِعَتْ هَذا الخَبَرَ لأوَّلِ مَرَّةٍ ، وَلَمْ يُخْبِرْهَا
أحدٌ بالمَوضوعِ، وضاعت الكَلِمَاتُ مِنْهَا ، والمُدَرِّبةُ ريم لُوقَا لَمْ
تُعَلِّمْهَا مَاذا تَقُول في هَذه الحَالةِ ، ولا كَيْفَ تُعَلِّقُ عَلى هَذا
الحَدَثِ الرهيبِ .
قالتْ أُمِّي بِسَذاجةٍ
مُنقطعة النَّظير :
_ ماذا كانوا يَفْعَلُون في
بَيْرُوت ؟ .
_ كانَ الجُنودُ الأمريكيون
كَجُزْء مِنْ قُوَّة حِفْظ سَلام دَوْليَّة مُتَعَدِّدَة الجِنْسِيَّات ،
للمُسَاهَمَةِ في إنهاءِ الحَرْبِ الأهليَّة اللبنانية .
لَمْ تَسْتَوْعِبْ أُمِّي هَذا
الكَلامَ ، ولكنَّ شِعَارَات القَوميةِ والوَطنيةِ سَيْطَرَتْ عَلَيْهَا في تِلْك
اللحظة ، وَنَسِيَتْ نَفْسَها ، وقالتْ بِحَماسةٍ بالغةٍ :
_ هَؤلاء جُنودُ الاستعمارِ ،
ذَهَبُوا إلى جَهَنَّم وَبِئْسَ المَصِير . وَمِنْ مَبادِئ ثَوْرَةِ
10 آب / أَغُسْطُس القَضَاءُ عَلى الاستعمارِ . وَزَوْجِي نائبُ رَئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ
الوَرْدِيَّةِ السَّيِّد الشَّريف اللواء أركان حرب سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي
كانَ دائمًا يَقُولُ : الاستعمارُ هُوَ سَيطرةُ قُوَّة أجنبية عَلى بَلَدٍ آخَر ،
بهدفِ السَّيطرةِ السِّياسيةِ والاقتصاديةِ والثَّقافيةِ عَلى مَواردِه وَشَعْبِه
، وَيَتَضَمَّن استغلالَ المَوَارِد ، واستيطانَ الأراضي ، وتَدميرَ الثَّقَافَةِ
والتُّرَاثِ المَحَلِّي ، وَفَرْضَ ثَقَافَةِ المُسْتَعْمِرِ.
قامت المُتَرْجِمَةُ بأداءِ عَمَلِهَا عَلى
أكْمَلِ وَجْهٍ ، وَتَرْجَمَت الحِوَارَ ، وَنَقَلَت الكَلامَ مِنَ العربيةِ إلى
الإنجليزية ، والعَكْس ، بِدِقَّةٍ مُتناهية ، بِلا زِيَادَةٍ ولا نُقْصَان .
وَعِندَما سَمِعَتْ زَوجةُ السَّفيرِ
الأمريكيِّ هَذا الكَلامِ مُتَرْجَمًا إلى الإنجليزيةِ ، احْمَرَّ وَجْهُها ،
وَغَضِبَتْ بِشِدَّةٍ ، وَظَهَرَ عَلَيْهَا التَّوَتُّرُ والقَلَقُ ، وارتجفتْ
أطرافُها ، وَانْسَحَبَتْ مِنَ اللقاءِ ، وَغادرت المَكَانَ فَوْرًا بِلا سَابِقِ
إنذارٍ .
مِنْ سُوءِ حَظِّ أُمِّي أنَّ لِقَاءَهَا
معَ زَوجةِ السَّفيرِ الأمريكيِّ كانَ بَعْدَ أُسبوعٍ مِنْ تَفجيرِ مَقَرِّ
مُشَاةِ البَحْرية الأمريكية / المارينز في بَيْرُوت ، لُبْنَان ( 23/10/1983 ) ،
حَيْثُ انفجرتْ شاحنةٌ مُفَخَّخَة في المُجَمَّعِ
السَّكَنِيِّ الذي يُقِيمُ فيه أعضاء أمريكيون وفرنسيون مِنَ القُوَّةِ المُتعددة
الجِنْسِيَّات في مَطار بَيْرُوت الدَّوْليِّ . وكانت القُوَّةُ المُتعددة الجِنْسِيَّات
مَوجودةً في لُبْنَان كَجُزْءٍ مِنْ مَجهود دَوْليٍّ لحفظ السلام .
في صَبَاحِ ذلك اليَوْمِ
الرهيبِ ، الذي يُوصَف بأنَّه أسوأ يَوْمٍ في تاريخِ مُشَاةِ البَحْرِيَّةِ
الأمريكية، قادَ انتحاريٌّ شاحنة مِنْ طِراز مرسيدس بِنْز صَفْرَاء
اللَّوْن مُحَمَّلَة بأطنان مِنَ المُتَفَجِّرَات. دارت الشاحنةُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ
في مَنطقة مَطَار بَيْرُوت الدَّوليِّ ، حَيْثُ تُوجَد المَبَاني التي يَتمركز فِيها
مُشَاةُ البَحرية الأمريكية. وبعد ذلك صَدَمَت البَوَّابَةَ الرئيسية ، واندفعتْ ،
وَلَمْ يَتَمَكَّن الحُرَّاسُ الأمريكيون مِنْ إطلاقِ النارِ إلا مُتَأخِّرًا.
بَعْدَ ثَوَانٍ قليلة انفجرت الشاحنةُ بِمَا تَحْمِلُ مِنْ مُتَفَجِّرَات، وَتَمَّ
تَدميرُ مَبنى قُوَّاتِ المارينز بشكلٍ كاملٍ . وأسفرَ
الهُجومُ عَنْ مَقْتَلِ 241 عَسكريًّا أمريكيًّا ، وإصابة 128 . وَيُعْتَقَد أنَّ
" حِزْب اللَّه " هُوَ الذي نَظَّمَ هَذا الهُجومَ ، وأنَّه كانَ يَعْمَلُ
ذلك بدعمٍ وَتَمويلٍ مِنْ إيران .
وَقَدْ قَدَّرَ مَكتبُ
التَّحقيقاتِ الفيدرالي الأمريكي حَجْمَ المُتَفَجِّرَاتِ التي
اسْتُخْدِمَتْ في الهُجومِ الانتحاريِّ بِحَوالي 9525 كغم . وَوَصَفَ الهُجومَ
بأنَّه أكبرُ انفجارٍ غَيْرِ نَوَوِيٍّ في العَالَمِ .
كانتْ نِهَايَةُ لِقَاءِ أُمِّي حَرَمِ
نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ معَ زَوجةِ السفيرِ الأمريكيِّ بِدَايَةً للمَصائبِ والكَوارثِ
في حَياتِنا . زَوجةُ السَّفيرِ الأمريكيِّ أخبرتْ زَوْجَها بتفاصيلِ الحِوَارِ ،
وَهُوَ أخبرَ وَزيرَ الخارجية الأمريكي ، الذي بِدَوْرِهِ أَخْبَرَ الرئيسَ
الأمريكيَّ ، وَقَدَّمَ لَهُ تَقْريرًا مُفَصَّلًا يَشتمل على الحِوَارِ كاملًا .
الرئيسُ الأمريكيُّ رونالد ريغان مَسَحَ
الأرضَ بفخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ مُراد عادل ، وقالَ لَهُ كَلامًا قاسيًا عَبْرَ
الهاتفِ . السَّيدةُ الأُولَى تَغْريد نَصْري زَوجةُ السَّيدِ الرئيسِ حاولتْ
تَهْدئته ، والتخفيفَ عَنْه ، وقالتْ لَه بِنَبْرَةٍ هادئةٍ وناعمةٍ :
_ لا تَقْلَقْ يا سَيِّدي مِنْ كَلامِ
الرئيسِ الأمريكيِّ رونالد ريغان ، هَذا مُهَرِّجٌ ، وَبَيَّاعُ كَلامٍ ، وأنا
أفْهَمُهُ جَيِّدًا ، لأنَّني كُنْتُ مُمَثِّلَةً ، وَهُوَ كانَ مُمَثِّلًا في
هوليوود ، ورئيسَ نِقَابَةِ مُمَثِّلي الشَّاشَةِ ، وَنَحْنُ المُمَثِّلِين
نَعْرِفُ حَرَكَاتِ بَعْضِنا البَعْض .
تَنَهَّدَ السَّيدُ الرئيسُ مُراد عادل ،
وقالَ بِصَوْتٍ حَزينٍ مَليءٍ بالألَمِ :
_ يا تَغْريد ، الرئيسُ الأمريكيُّ رئيسُ
أكبر وأقوى وأهَم دَولة في العَالَمِ . لَقَدْ هَدَّدَني بشكلٍ صريحٍ وواضحٍ بفرضِ
عُقوباتِ عَلى بِلادِنا .
_ هَلْ سَيَقْطَعُ عَنَّا المَاءَ
والكَهْرَبَاءَ ؟ .
_ ابتعدي يا تَغْريد عَن السُّخريةِ
والاستهزاءِ والاستخفافِ بكلامِ الرئيسِ الأمريكيِّ الذي إذا هَدَّدَ فَعَلَ ،
هَذا الشخصُ لا يَمْزَحُ ولا يَلْعَبُ . قالَ لِي إنَّهُ سَيَمْنَعُ التِّجارةَ
والأنشطةَ المالية والتواصل مَعَ الدُّوَلِ والأفرادِ والكِيَاناتِ . وهَذه
الإجراءاتُ التي تَسْتهدف بِلادَنا تَشْمَلُ تَجميدَ الأُصولِ ، وَحَظْرَ
السَّفَرِ ، وتَحديدَ الصادراتِ والوارداتِ ، وَمَنْعَ الحُصولِ عَلى القُروضِ
مِنَ المُؤسَّساتِ الدَّوْلية . وَتُفْرَضُ هَذه العُقوبات بِمُوجِبِ أوامر
تَنفيذية صادرة عَن الرئيسِ ، أوْ قوانين يُقِرُّهَا الكونغرس .
تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِ السَّيدةِ الأُولَى
تَغْريد نَصْري ، وقالتْ بِقَلَقٍ بالغٍ :
_ يَبْدُو أنَّ الأمر جِدِّي وخَطِير ، ولكنْ
يا سَيِّدِي مَا مَعْنى تَجميدِ الأُصُولِ ؟ .
_يَعْني مَنْعَ الأفرادِ والكِيَانَاتِ
المُسْتَهْدَفَةِ مِنَ الوُصولِ إلى حِسَابَاتِها البَنْكِيَّة وَأُصُولِها
الأُخْرَى.
صارتْ زوجةُ الرئيسِ تَغْريد نَصْري
تَلْطِمُ وَجْهَهَا وَخُدُودَها، وَصَاحَتْ بأعلى صَوْتِها :
_ هَلْ يُمْكِنُ أنْ يأخذوا مِلياراتِ
الدُّولاراتِ التي هَرَّبْنَاهَا إلى بُنوكِ أمريكا وأوروبا ؟ .
ابتسمَ السَّيدُ الرئيسُ مُراد عادل ، وقالَ
ساخرًا :
_ صَح النَّوْم يا تَغْريد، كُلُّ أموالِنا
سَوْفَ تَتَبَخَّرُ في الهَوَاءِ ، " فص مِلْح وداب " .
_ مُصيبة وَقَعَتْ عَلى رُؤوسِنا . أبُوس
يَدَيْكَ يا سَيِّدي ، اعْمَلْ أيَّ شَيْءٍ لإنقاذِ السَّفينةِ مِنَ الغَرَقِ ،
لِكَيْلا نَغْرَقَ مَعَهَا ، وَنَخْسَر سُلْطَتَنَا ، وَتَضِيع أموالُنا
ومُمْتلكاتُنا ، وَيَنْهار كُلُّ شَيْءٍ بَنَيْنَاه .
اسْتَدْعَى فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ
نائبَه ( أبي ) ، وَمَسَحَ بِهِ الأرضَ ، وَوَجَّهَ لَهُ كَلامًا قاسيًا وجارحًا ،
وأهَانَهُ بِشِدَّةٍ .
جاءَ أبي إلى القَصْرِ كالمَجنونِ .
أُصِبْتُ بالرُّعْبِ مِنْ مَنْظَرِه ، وَخِفْتُ مِنْ مَلامحِ وَجْهِه الحَادَّة ،
وأدركتُ أنَّ هُناك مُصِيبة واقعة لا مَحَالَة .
كانتْ أُمِّي جَالِسَةً عَلى الأريكةِ
بِكُلِّ أريحية ، وَتَشْرَبُ القَهْوَةَ بِهُدوءٍ وَثِقَةٍ . وَعِندَما رَأتْ أبي
بهذا الشكلِ الرهيبِ ، اهْتَزَّ فِنْجَانُ القَهوةِ في يَدِهَا ، وَسَرَتْ
رِعْدَةٌ في أطرافِها ، وَانكمشَ جِلْدُها، وَتَجَمَّدَ جِسْمُها . نَظَرَ
إلَيْهَا أبي وَهُوَ يُحاول السَّيطرةَ عَلى أعصابِه ، وقال :
_ ماذا قُلْتِ لِزَوجةِ السَّفيرِ
الأمريكيِّ يا سَمِيحة ؟ .
بَلَعَتْ أُمِّي رِيقَها ، وَنَظَرَتْ إلى
أبي بِبَلاهَةٍ ، وقالتْ بِصَوْتٍ مُرتعِش :
_
لَمْ أفْعَلْ إلا كُلَّ خَيْرٍ ، والكَلِمَاتُ التي حَفَّظَتْني إيَّاهَا ريم
لُوقَا قُلْتُهَا بالضَّبْطِ ، وكانتْ زَوجةُ السَّفيرِ الأمريكيِّ سَعيدةً ،
وَأُعْجِبَتْ بِذَكائي وأناقتي . وَحِوَارُنَا تَمَّ عَلى أحْسَن مَا يُرَام .
خَلَعَ أبي رَبْطَةَ العُنُقِ ، وَرَمَاهَا
عَلى كُرْسِيٍّ قَريبٍ ، وقالَ بِصَوْتٍ خَشِنٍ وَصُلْبٍ :
_ حاولتُ يا سَمِيحة أنْ أجْعَلَكِ إنسانةً
مُحترمةً وَسَيِّدَةَ مُجْتَمَعٍ ، وَلَمْ أَبْخَلْ عَلَيْكِ بِشَيْءٍ ، وأحضرتُ
لَكِ مُعَلِّمَةً تُعَلِّمُكِ وَتُدَرِّبُكِ وَتَشْرَحُ لَكِ كُلَّ الأشياءِ ،
كَيْ تَصِيري أفضلَ امرأة في البِلادِ، ولكنَّ البَقَرَةَ سَتَظَلُّ بَقَرَةً ، وَذِيلُ
الكَلْب عُمره مَا يَنعدل وَلَوْ عَلَّقُوا فيه قالب .
وأردفَ قائلًا :
_ زَوجةُ السَّفيرِ الأمريكيِّ لَيْسَت
امرأةً عَاديَّة ، هَذه زَوجةُ سَفِير أعظم دَولة في العَالَمِ . قُولِي لَهَا
كَلِمَات مُجَامَلَة ، وَعِبَارات مَدِيح ، واشكُري الوِلايات المُتَّحدة
الأمريكية عَلى جُهودِها الرائعة ، وقِيادتها للعَالَمِ إلى بَرِّ الأمَانِ .
حَتَّى لَوْ كُنْتِ تَكْرَهينها وتَكْرَهين دَوْلَتَهَا ، اكْذِبي عَلَيْهَا ،
فالسِّياسةُ فَنُّ الكَذِبِ . أظْهِرِي لَهَا اللُّطْفَ والتقديرَ لِشَخْصِهَا
والاحترام لِدَوْلتها . المُجَامَلاتُ لَهَا تأثيرٌ إيجابيٌّ عَلى العَلاقاتِ
الاجتماعيةِ ، وَتُعزِّز الثِّقَةَ بالنَّفْسِ، وَهِيَ أيضًا مُهِمَّة في
التَّلاعُبِ والنِّفَاقِ .
قالتْ أُمِّي وَالخَوْفُ يُسَيْطِر
عَلَيْهَا :
_ جَامَلْتُهَا ، وَقُلْتُ لَهَا بأدبٍ
واحترامٍ : (( لماذا
تَلْبَسين ثَوْبًا أسْوَد ، ولا تَضَعِين المِكياجَ ، وَيَظْهَر عَلَيْكِ الحُزْنُ
والألَمُ ؟ )) . فقالتْ : (( أنا وكُلُّ الشعبِ الأمريكيِّ في حَالَةِ حِدَادٍ
بسببِ مَقْتَلِ كَثيرٍ مِنَ الأمريكيين المَدنيين والعَسْكريين في بَيْرُوت )) .
وَلَمْ يُخْبِرْني أَحَدٌ بِهَذا المَوضوع .
_ يا سَمِيحة يا غَبِيَّة ، قَدِّمي لَهَا
التَّعْزِيَةَ ، قُولي لَهَا : أنا آسِفَة ، أشعرُ بالحُزْنِ مِنْ أجْلِكُم ، هَذا
خَبَر سَيِّئ ، قَلْبي مَعَكُم. والمُتَرْجِمَةُ الكَلْبة بِنْت الكَلْب مَوجودة
لِتَحويلِ كَلامك إلى إنجليزي.
وتابعَ قائلًا :
_ لَوْ كانت القريةُ مَوجودةً لأرْجَعْتُكِ
إلى زَريبةِ الأبقارِ ، كَي تَظَلِّي خَدَّامة في بُيوتِ الناسِ إلى الأبَدِ.
وَلَوْ كُنْتُ لا أعرفُ مَاضِيكِ الزبالة يا سَمِيحة لَقُلْتُ إنَّكِ جاسوسة
ومَدْسُوسة عَلَيَّ ، وَتَنْتمين إلى الخَوَنَةِ والعُمَلاءِ والإرهابيين وأعداءِ
الوَطَنِ كَيْ تُدَمِّري مُسْتقبلي السِّياسي،وَتَقْضِي عَلى حَيَاتي.
قالتْ أُمِّي وَهِيَ تَتَصَنَّعُ الدَّلَعَ
والدَّلالَ :
_ حَصَلَ خَيْر يا " أبو ناصر " ،
والإنسانُ يَتَعَلَّمُ مِنْ أخطائِه ، والأيَّامُ القادمةُ سَتَكُون أجْمَلَ .
_ مَنْ يَعْرفكِ يا سميحة لَنْ يَرى
الخَيْرَ أبدًا ، أنتِ نَحْسٌ وَشُؤمٌ عَلَيَّ . يا لَيْتني تَزَوَّجْتُ سَمَاح
ابنة مَسْعُود صاحب الدُّكَّانة ، وَأحْضَرْتُهَا إلى العاصمةِ بَدَلًا مِنْكِ .
أيْنَ أيَّامُكِ يا سَمَاح ؟ . اللَّهُ وَحْدَه يَعْلَم أيْنَ هِيَ الآن . واللَّه
يُسامحك يا أُمِّي عَلى هَذه الزِّيجة الفاشلة التي وَرَّطْتِني بِهَا . دَمَّرْتِ
حَيَاتي ، وَقَضَيْتِ عَلى أجملِ أيَّامي .
أرادتْ أُمِّي تَغْييرَ المَوضوعِ، فقالتْ بِدَلالٍ
وَحَمَاسَةٍ :
_ هَلْ أُحَضِّر لَكَ فِنجانَ قَهْوَة يا
" أبو ناصر " لِتَهدئةِ أعصابك وتَحسينِ مِزاجك ؟ .
_ أنا ذاهبٌ إلى غُرفةِ المَكتبِ ، أرْسِلي
فِنجانَ القَهوةِ مَعَ هِشَام . لا أُريدُ أنْ أرى وَجْهَكِ .
أَعَدَّتْ أُمِّي فِنجانَ القَهوةِ ، وقالتْ
لِي بِنَبْرَةٍ مَكسورة :
_ ادْخُلْ غُرفةَ المَكتبِ بِهُدوء ، وحاولْ
تَطْييبَ خاطر أبيك ، وَقُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي امرأة ذَكِيَّة وشاطرة وفَهْمَانة
وَحَنُونة ، وَلَنْ تَجِدَ أفضلَ مِنها ، وَهِيَ قَدْ أخطأتْ بشكلٍ غَيْر مَقْصُود
، وَتَطْلُب مِنْكَ أنْ تُسامحها ، والمُسَامِح كريم . هَلْ عَرَفْتَ ماذا
سَتَقُول يا هِشَام ؟ ، هَلْ حَفِظْتَ الكلامَ ؟ .
قُلْتُ لَهَا بِثِقَةٍ بالغةٍ :
_ حَفِظْتُ كُلَّ كَلِمَةٍ قُلْتِهَا يا
أُمِّي ، وَسَوْفَ أَمْدَحُكِ، وأطْلُبُ مِنْ أبي أنْ يُسامحكِ .
_ اللَّه يَرضى عَلَيْك يا ابْني يا هِشَام
، أنتَ عَبقري وشاطر مُنْذُ صِغَرِك .
ذَهَبْتُ إلى غُرفةِ المَكتبِ حاملًا
فِنجانَ القَهوةِ . كانَ أبي يُدَخِّنُ بِشَرَاهَةٍ ، ونادرًا مَا كُنْتُ أراه
يُدَخِّن . قَدَّمْتُ لَهُ فِنجانَ القَهوةِ ، وَهَمَمْتُ بِمُغادرةِ الغُرفةِ ،
فقالَ لِي :
_ اجْلِسْ يا هِشَام .
جَلَسْتُ وَأنا أُحَدِّقُ في الأرضِ . لَمْ
أجْرُؤْ عَلى النظرِ في وَجْهِ أبي ، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلى الكَلامِ .
احْتَسَى جُرعةً مِنَ القَهوةِ ، وقال :
_ كَيْفَ حالُ دِراستك ؟ ، هَل الأُمُور
تَمَام ؟ .
_ نَعَم يا أبي . أنا الأوَّل على الصَّف .
_ هَذا أمْرٌ عاديٌّ وَمُتَوَقَّعٌ ،
لأنَّكَ ابنُ اللواء سَلْمان رَجَب ، وهَذا الشِّبْل مِنْ ذاك الأسد .
وتابعَ قائلًا :
_ هَلْ صِرْتَ تَتَحَدَّث الإنجليزيةَ
بِطَلاقةٍ ؟ .
_ نَعَم يا أبي .
_ أنتَ أَمَلُ العائلةِ يا هِشَام ، اسْمُ
عائلتنا وَمُسْتقبلها أمانة في عُنُقِك. ارفعْ رُؤوسَنا بَيْنَ الناسِ،
وَتَذَكَّرْ دائمًا أنَّكَ ابنُ اللواء سَلْمَان رَجَب ، وَعَمُّكَ هُوَ معالي
الدُّكتور صَبْرِي رَشَاد رَحِمَهُ اللَّه .
كُنْتُ في الحاديةِ عَشْرَة مِنَ العُمر ،
وأتَقَدَّم بِسُرعة هائلة في الدِّراسةِ ، كأنَّني ألتهمُ المَناهجَ ، وَأقْفِزُ
فَوْقَ السَّنَوَات . وَرَغْمَ كُلِّ عُقَدِي النَّفْسِيَّة وأحزاني وَوَسَاوسي
وَتَعَاستي العَميقةِ ، كانتْ هِمَّتي نَحْوَ العِلْمِ والتَّعَلُّمِ والمَعرفةِ
تَزداد ، ولا أُحِبُّ أنْ يَتَفَوَّقَ عَلَيَّ أحَد .
نَظَرَ إلَيَّ أبي بانكسارٍ ، وقالَ كأنَّه
يَبُثُّ هُمُومَه ، ويُفَرِّغُ أحزانَه :
_ أُمُّكَ سَمِيحة الهَبْلة فَضَحَتْني
بَيْنَ كِبَارِ الشَّخصياتِ يا هِشَام . أشعرُ بالخِزْيِ والعارِ ، وأنَّ كُلَّ
شَيْءٍ ضَاعَ ، فَخَامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ غاضبٌ عَلَيَّ بِشِدَّةٍ . لا أستطيعُ
النَّظَرَ في عُيونِ أعضاءِ مَجْلِسِ قِيادةِ الثَّورةِ ، ولا أقْدِرُ عَلى
مُواجهةِ الوُزراءِ في الحُكومةِ . نَقَلْتُ أُمَّكَ مِنْ زَريبةِ الأبقارِ في
القَريةِ إلى قَصْرٍ كبير في العاصمةِ ، وَحَوَّلْتُهَا مِنْ خَدَّامة ذليلة في البُيُوتِ
إلى سَيِّدة عَزيزة وَزَوْجَة نائب رئيس الجُمهورية. ومَا هي النَّتيجة ؟، ومَا
هُوَ جَزَائي ؟. لَقَدْ أرادتْ تَدْميرَ مُسْتقبلي السِّياسي ، وَهَدْمَ كُلَّ
شَيْءٍ بَنَيْتُه . وَصَدَقَ المَثَلُ : خَيْرًا تَعْمَل ، شَرًّا تَلْقَى .
وتابعَ قائلًا بِحُرْقَةٍ وَألَمٍ :
_ تَصَرُّفَاتُ أُمِّكَ الطائشة سَوْفَ
تُؤَدِّي إلى تَدميرِ الجُمهوريةِ ، وَتَفْتيتِ الدَّولةِ ، وإسقاطِ نِظَامِ
الحُكْمِ ، وإضاعةِ مُكْتَسَبَاتِ الثَّوْرَةِ . أخْشَى أنْ يَتَّهِمُوني
بالخِيانةِ العُظمى ، وَيَكُون مَصِيري هُوَ السِّجْنَ والإعدام ، وَأُمُّكَ هِيَ
السَّبَب ، حَيَّةٌ مِنْ تَحْتِ تِبْن . تَتَظَاهَر بالبَراءةِ واللُّطْفِ ،
ولكنَّها في الحقيقةِ ماكرةٌ وخبيثة ، وَتَتَرَبَّص بالآخَرِين ، وَتَحْمِل نَوَايا
سَيِّئة ، وَتَتَصَرَّف بِخُبْثٍ وَدَهَاء .
أحْسَسْتُ أنَّ هَذه فُرصة ذهبية للانتقامِ
مِنْ أُمِّي ، بَعْدَ أنْ وَرَّثَتْني الخِزْيَ والعَارَ باعتباري " ابن
الخَدَّامة " . وَلَمْ أُرِدْ أنْ تَضِيع هَذه الفُرصة التي لَنْ تَتَكَرَّر
، فَقُلْتُ بِصَلابةٍ وَرَبَاطَةِ جأشٍ :
_ سميحة الخَدَّامة لا تَنْفعك يا أبي ،
هَذه امرأةٌ جاهلة ، دَمَّرَتْنَا في القَريةِ ، وَسَتُدَمِّرُنا في العاصمةِ ،
ميرنار الشَّركسية هِيَ التي سَتَنْفَعك يا أبي ، لماذا لا تَتَزَوَّجها ؟. لَقَدْ
تَرَكَهَا عَمِّي ومات.
سَيْطَرَ الذُّهُولُ عَلى وَجْهِ أبي ،
وَنَظَرَ إلَيَّ نَظرةً غريبةً، وقالَ :
_ بَدَأتُ أخافُ مِنْكَ يا هِشَام، أنتَ
وَلَدٌ غَيْرُ طبيعي،وأفكارُك خطيرة، وعَقْلُكَ أكبرُ مِنْ سِنِّكَ.
عُدْتُ إلى أُمِّي حاملًا فِنجانَ القَهوةِ
الفارغَ ، فاستقبلتني بِلَهْفَةٍ وَشَوْقٍ قائلةً :
_ هَلْ مَدَحْتَني أمامَ أبيك ؟ ، مَاذا
قُلْتَ له ؟ .
ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً ، وَقُلْتُ بِهُدوء
أعصاب :
_ الأمُورُ رائعة ، والوَضْعُ تَمَام.
لَقَدْ قُلْتُ لَه : إنَّ أُمِّي سَمِيحة أفضل امرأة في العَالَمِ ، وَلَنْ تَجِدَ
مِثْلَهَا ، حَتَّى إنَّ زَوجة فَخَامة رئيسِ الجُمهورية تَغْريد نَصْري
تَحْسُدُها وَتَغَار مِنْهَا ، بسبب ذَكَائها وَجَمَالِهَا . وقالَ لِي أبي :
صَدَقْتَ ، إنَّ أُمَّكَ سَمِيحة لَنْ أَجِدَ أحسنَ مِنها في العَالَمِ .
طارتْ أُمِّي مِنَ السَّعَادَةِ ، وَلَمْ
تَعُد الدُّنيا تَتَّسِعُ لِفَرَحِها وَسُرورِها ، وَلَمَعَتْ عَيْنَاها مِنْ
شِدَّةِ الفَرَحِ ، وقالتْ مُبْتَهِجَةً :
_ اللَّه يَرضى عَلَيْك يا هِشَام ،
وَيُوفِّقك إلى كُلِّ خَيْرٍ في الدُّنيا والآخرة، أنتَ ابني الحبيبُ ابنُ بَطْني
، وأنتَ رَجُلُ البَيْتِ بعد أبيك ، أنتَ ذكي وشاطر في الكلام ، وأبوك يَسْمَع
كَلامَك ، وأُريدُكَ أنْ تَقِفَ مَعِي ، وَتَدْعَمني دائمًا ، وَسَوْفَ أُحْضِرُ
لَكَ هَدِيَّةً غاليةً في عِيدِ مِيلادِك .
_ حَاضِر يا أُمِّي ، سَوْفَ أَقِفُ مَعَكِ
، وأدعمكِ دائمًا ، وهَذا وَعْدٌ مِنِّي .
حاولتْ رِئاسةُ الجُمهوريةِ إيجادَ حَلٍّ
للمُصِيبةِ التي تَسَبَّبَتْ بِهَا أُمِّي في لِقائها الكارثيِّ معَ زَوجةِ
السَّفيرِ الأمريكيِّ . قَدَّمَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ مُراد عادل اعتذارًا
رَسميًّا للرئيسِ الأمريكيِّ وللشَّعْبِ الأمريكيِّ الصَّدِيقِ ، واصفًا تَفْجيرَ
مَقَرِّ مُشَاةِ البَحْرية الأمريكية ( المارينز ) في بَيْرُوت بالعملِ الإرهابيِّ
الجَبَانِ، وأنَّ العَسْكريين الأمريكيين الذينَ قُتِلُوا فِيهِ يُعْتَبَرُون
شُهَدَاء في سَبيلِ اللَّه، ضَحُّوا بحياتهم مِنْ أجْلِ الحُرِّيةِ
والدِّيمُقراطيةِ وَحُقوقِ الإنسانِ والحِوَارِ بَيْنَ الأديانِ ، وأنَّ مَصِيرَهم
إلى الجَنَّةِ ، حَسَب فَتوى فَضيلة الشَّيخ حَسُّونة بدير مُفْتي الجُمهوريةِ الذي
كانَ دائمًا يَقُولُ: (( إنَّ الجِمَاعَ يُصَفِّي الذِّهْنَ
، وَيُقَوِّي الفَهْمَ ، وإذا اسْتَغْلَقَتْ عَلَيَّ مَسألة ، دَعَوْتُ زَوْجَاتي
إلى الفِرَاشِ ، فإذا فَرَغْتُ مِنْ أمْرِهِنَّ،وَانْتَهَيْتُ مِنْ صَبِّ
المَنِيِّ في أرْحَامِهِنَّ،قُمْتُ إلى أوراقي أَصُبُّ العِلْمَ صَبًّا)).
وأيضًا، أصْدَرَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهورية
مُراد عادل قَرارًا باعتبار يَوْم 23 تَشْرين الأوَّل / أُكتوبر مِنْ كُلِّ عامٍ
يَوْمَ حِدَادٍ وَطَنيٍّ ، تُنَكَّسُ فِيهِ الأعلامُ ، تَضَامُنًا مَعَ الشعبِ
الأمريكيِّ الصَّدِيقِ ، وتَقْديرًا لِتَضحياتِ الجَيْشِ الأمريكيِّ البَطَلِ
لِنَشْرِ الحُبِّ والسَّلامِ والأمْنِ والأمَانِ في أنحاءِ العَالَمِ .
أمَّا بالنِّسْبَةِ لِمَا حَصَلَ في لِقَاءِ
أُمِّي حَرَمِ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ معَ زَوجةِ السفيرِ الأمريكيِّ ،
فَالمُتَرْجِمَةُ اللعينةُ تَتَحَمَّلُ المَسؤوليةَ كاملةً . أصدرتْ مَحكمةُ أمْنِ
الدَّولةِ حُكْمًا بِسَجْنِ المُترجمةِ خَمْس عَشْرَة سَنَة بَعْدَ اعترافِها
بأنَّها عَمِيلة للاتِّحادِ السُّوفييتي ، وأنَّها تَلاعَبَتْ بالكَلِمَاتِ ،
وحَرَّفَت العِبَارَاتِ ، لإفسادِ العَلاقةِ المَتينةِ والمَصِيريةِ بَيْنَ
جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرديةِ والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأمريكية . وأيضًا،
أصدرتْ مَحكمةُ أمْنِ الدَّولةِ حُكْمًا بِسَجْنِ ريم لُوقَا مُعَلِّمَة أُمِّي
وَمُدَرِّبتها عَشْرَ سَنَوَاتٍ، بِتُهمةِ الإهمالِ والتَّقصيرِ ، الذي
يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإضرارُ بِمَصالحِ الجُمهوريةِ ، وتَهديدُ الأمْنِ
القَوْمِيِّ ، وَتَعْريضُ مُكْتَسَبَاتِ الثَّوْرَةِ للخَطَرِ ، حَيْثُ إنَّها
لَمْ تُخْبِرْ أُمِّي بحادثةِ تَفجيرِ مَقَرِّ مُشَاةِ البَحْرية الأمريكية /
المارينز في بَيْرُوت ، وَلَمْ تُعَلِّمْهَا كَلِمَاتِ التَّعْزيةِ والمُوَاسَاةِ
التي تَقُولُها لِزَوْجَةِ السَّفيرِ الأمريكيِّ ، خُصوصًا أنَّ اللقاءَ جَرَى
بَعْدَ أُسبوع مِنَ التَّفجيرِ الإرهابيِّ .
انتهى المَوضوعُ عَلى خَيْرٍ بفضلِ حِكمةِ
السَّيد الرئيس مُراد عادل ، وَاسْتَأنَفَتْ أمريكا تَصديرَ القَمْحِ لَنَا،
وَحَصَلْنَا عَلى قَرْضٍ جَديدٍ مِنَ البَنْكِ الدَّوْليِّ ، وَاسْتَلَمْنا شُحْنَة
أسلحة أمريكية جديدة.
37
حَدَثَ أمْرٌ غريبٌ في قَصْرِنا ، أثارَ
تَعَجُّبي وَفُضُولي . رَأيتُ زَوجةَ ( أرملة ) عَمِّي الرَّاحل ميرنار تَرتدي ثَوْبًا
شركسيًّا ، يُبْرِزُ جَمَالَها ، وَرَشَاقَتَهَا ، وأنَاقَتَهَا، وَهُوَ عِبَارة عَنْ
ثَوْبٍ طَويلٍ فَضْفَاض ، تَتَوَسَّطُهُ زَخَارِف خفيفة في مَنطقةِ الصَّدْرِ، وَالأزرارُ
ذهبية لامعة ، والأكمامُ ضَيِّقَة ، والألوانُ زاهية ، والنُّقُوشُ مُعَقَّدَة .
ذُهِلْتُ مِنْ هَذا المَنْظَرِ العجيبِ ، لأنَّني
تَعَوَّدْتُ أنْ أرى زَوجةَ عَمِّي الراحل طِيلة الأشهر الماضية في ثِيابِ
الحِدَادِ السَّوداءِ ، وأدركتُ أنَّ فَترةَ حُزْنِها عَلى زَوْجِها انتهتْ ،
وأنَّها عادتْ إلى أُنوثتها الوَهَّاجَةِ ، ومَلابسِها الجَذَّابَةِ . سَلَّمْتُ
عَلَيْهَا ، وَقَبَّلْتُ يَدَهَا ، وَقُلْتُ لَهَا :
_ أنتِ مَلِكَةُ جَمَالٍ يا أُمِّي ، لَيْتَ
سَمِيحة كانتْ جَميلةً مِثْلَكِ .
_ عَيْبٌ عَلَيْكَ يا هِشَام ، هَذا الكلامُ
لا أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْكَ . يَجِبُ أنْ تَحترم أُمَّكَ ، وَتَقُول : أُمِّي
سَمِيحة ، أوْ أُمِّي أُم ناصر .
_ أنا لَسْتُ " هِشَام "، أنا
شامل أبو شركس. أَلَمْ تَقُولي لِي: أنتَ شَركسي أكثر مِنَ الشَّركسِ ، وَعِندَمَا تَكْبَرُ سَوْفَ أُزَوِّجُكَ
بِنَفْسِي أجْمَلَ فَتَاة شَركسية ، شَعْرُها كَثِيفٌ طَويل ، وَبَشَرَتُهَا فاتحة
، وَعُيُونُها مُلَوَّنَة ، ومَلامِحُهَا مُتَنَاسِقَة .
ضَحِكَتْ أُمِّي الشَّركسية ضِحكةً عالية ،
وقالتْ :
_
أنتَ رهيبٌ يا شامل أبو شركس ، وذاكرتك قوية ، تَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ ، ولا تَنْسَ
شيئًا ، وَعَقْلُكَ سَوْفَ يُتْعبك في هَذه الحَياةِ . وأنا عِنْدَ وَعْدِي ، عِندَمَا تَكْبَرُ سَوْفَ أُزَوِّجُكَ بِنَفْسِي أجْمَلَ
فَتَاة شَركسية .
قَفَزْتُ مِنَ السَّعَادَةِ ، وَذَهَبْتُ
إلى غُرفتي مُسْرِعًا ، وأنا أتَمَنَّى أنْ أكْبَرَ بِسُرعةٍ كَيْ أتَزَوَّجَ
أجملَ فَتَاةٍ شركسية ، وبذلك تَكُونُ أُمِّي شركسية ، وَزَوْجَتي شركسية ، وأُصبح
شخصًا مُهِمًّا وَرَاقِيًا ، وَأتَخَلَّصُ مِنَ الماضي الكابوسيِّ الذي يُطاردني
باعتباري ابنَ سميحة الخَدَّامة ، أنا ذلك الطِّفْلُ البائسُ الذي قَضَى حَيَاته
في القَريةِ شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا وَمُشَرَّدًا .
صحيحٌ أنَّ الطبيبَ قالَ إنَّني عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَلَنْ أستطيعَ
إقامةَ عَلاقةٍ مَعَ أيَّة امرأةٍ مُسْتَقْبَلًا ، وَلَنْ أَقْدِرَ عَلى
الزَّوَاجِ ، وَلَنْ أُنْجِبَ ، وَسَتَحْدُثُ فَضِيحة في العائلة ، ولكنَّ هَذا
كُلَّه لا يَعْنيني ، ولا يَهُمُّني .
الزَّوَاجُ بالنِّسْبَةِ إلَيَّ رِحْلَةٌ رُوحِيَّة ، وَسَفَرٌ إلى العَوالمِ
الغامضة ، وانتقالٌ إلى الأحلامِ المَجهولة ، وَمَسَارٌ تَحْويليٌّ وَقَرَارٌ
شَخْصِيٌّ للبَحْثِ عَنْ مَعنى أعمق في الحَياةِ ، وتَطويرِ الوَعْيِ الذاتيِّ ،
والاتِّصَالِ بِذَاتي الداخليةِ وَطَبيعتي الحقيقية ، بَدَلًا مِنَ الانشغالِ
بالأنا أو العَالَمِ الخارجيِّ. أُريدُ أنْ أكتشفَ نَفْسِي ، وأتصالحَ معَ
العَالَمِ مِنْ حَوْلي ، وأُحَقِّقَ السَّلامَ الداخليَّ .
هَذا الكَلامُ كُنْتُ أَحُسُّ
بِهِ وأنا طِفْلٌ أخْطُو خُطُوَاتٍ واثقة نَحْوَ سِنِّ الثانية عَشْرَة ،
وَلَكِنَّني بالتأكيدِ، لا أستطيعُ التَّعبيرَ عَنْهُ لُغَوِيًّا وَفَلْسَفِيًّا
بسبب صِغَرِ سِنِّي .
في مَسَاءِ ذلك اليَوْمِ ،
جَلَسَ أبي مَعَ زَوجةِ عَمِّي الراحلِ في غُرفةِ المَكْتَبِ ، وَبَقِيَ البابُ
مَفتوحًا ، وَهَذا جَعَلَني قادرًا عَلى استراقِ السَّمْعِ ، والتَّجَسُّسِ عَلى
كَلامِهما ، حَيْثُ كُنْتُ مُخْتَبِئًا خَلْفَ الحائطِ بِجَانِبِ البابِ .
قالَ أبي بِصَوْتٍ هادئٍ
وَوَاثِقٍ :
_ يا سَيِّدة ميرنار ، أنتِ
تَعْلَمِين أنَّ زَوْجَكِ المَرحوم معالي الدُّكتور صَبْري رَشَاد هُوَ أخي العزيز
والغالي ، وأنَّ اغتيالَه حَطَّمَ قُلوبَنا ، وَدَمَّرَ حَيَاتَنَا ، ولكنَّ
الحَياةَ مُستمرة ، لا تَتَوَقَّف عِنْد وِلادة شَخْص أوْ وَفَاتِه ، وأنا أعتبرُ
نارت مِثْلَ ابْني هِشَام ، وأعتبرُ ثُرَيَّا مِثْلَ بَنَاتي نَجَاح ومَقْبولة
ومَسْتُورة. وأنا يُشَرِّفُني أنْ أَطْلُبَ يَدَكِ للزَّوَاجِ ، وأُريدُ أنْ
أعْرِفَ رَأيَكِ بِصَرَاحَةٍ ، بِدُون شُعور بالخَجَلِ ، أوْ إحساس بأنَّكِ واقعة
تَحْتَ ضغطِ الأمرِ الواقعِ . وَمَهْمَا كانَ قَراركِ ، سَتَبْقِين أنتِ وابنك
وابنتك في رِعَايتي ، وأنا المَسؤول عَنْكُم ، وَلَنْ أُقَصِّرَ مَعَكُم مَاديًّا
ولا مَعنويًّا .
تَلَعْثَمَتْ زَوجةُ عَمِّي
الراحل بالكلام ، مِمَّا يَدُلُّ عَلى ارتباكِها وشُعورِها بِوَقْعِ المُفاجأةِ ،
ولاذتْ بالصَّمْتِ الجارحِ ، ثُمَّ قالتْ بَعْدَ بُرْهَةٍ بِدَلَعٍ خفيف :
_ أنتِ يا " أبو ناصر "
سَيِّدُنا وكبيرُ العائلةِ ، ونائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، ولا أحَد يَجْرُؤ أنْ
يَرْفُضَ لَكَ طَلَبًا ، والزَّوَاجُ مَوضوعٌ صَعْبٌ ، وَلَيْسَ سَهْلًا . وَبِمَا
أنَّكَ تُريدُ الصَّراحةَ ، فَسَأكونُ مَعَكَ صَريحةً . أنا امرأةٌ شركسية ،
والشركسيةُ لا تَقْبَلُ بوجود ضَرَّةٍ ، إذا كُنْتَ تُريدُني طَلِّقْ سَمِيحة ،
وَتَزَوَّجْني، وَعِندَما تُصْبح جاهزًا سَتَجِدُني جاهزةً .
وَانتشرَ الصَّمْتُ
بَيْنَهُمَا ، وأنا انسحبتُ مِنَ المَكانِ بِهُدوء ، لِكَيْلا يَشْعُرَا بِوُجودي.
ذَهَبْتُ إلى غُرفتي ، وَبَدَأتُ أُفَكِّر بِمُجْرياتِ الأحداثِ في عائلتنا. أيْنَ
كُنَّا ؟ ، وأيْنَ وَصَلْنَا ؟ ، مَا هُوَ مَسَارُنا ؟، وأيْنَ مَصِيرُنا ؟. هَلْ
كانَ أبي يُفَكِّرُ بالزَّوَاجِ مِنْ ميرنار الشَّركسية ويُخَطِّط لَه أَمْ أنَّهُ
تأثَّرَ بِكَلامي ؟. لَقَدْ قُلْتُ لَه : (( ميرنار
الشَّركسية هِيَ التي سَتَنْفَعك يا أبي ، لماذا لا تَتَزَوَّجها ؟ )) ، وكُنْتُ أعْني مَا أقُول ، ولكنَّه لَمْ يُظْهِرْ
حَمَاسًا للمَوضوعِ ، فَشَعَرْتُ أنَّه رافضٌ للفِكرة . بالتأكيدِ ، إنَّ الفِكرة
كانتْ تَخْتَمِر في ذِهْنِه طِيلة الفَترة السابقة ، وَمِنَ الواضحِ أنَّه دَرَسَ
المَوضوعَ مِنْ كُلِّ جَوانبِه ، وقامَ بتنفيذه على أرضِ الواقعِ ، عِندَما حانت
اللحظةُ المُناسِبة. إنَّ أبي داهية ، يَتَحَرَّك بعقليةٍ مُخَابراتية، وَيَتَصَرَّف
بِحِسٍّ أمْنِيٍّ ، وَيَدْرُس كُلَّ الاحتمالاتِ ، ولا يَتْرُك شيئًا للصُّدفة .
أُحِبُّ أنْ تَكُونَ أُمِّي
شركسيةً ، وَهَذا يَسْتلزم التَّخَلُّصَ مِنْ أُمِّي سَمِيحة الخَدَّامة ، التي
أشعرُ بالخِزْيِ والعارِ أنَّها أُمِّي . أدركتُ مُبَكِّرًا ، بِعَقْلي الطُّفُولي
البسيط، أنَّ مَصْلحتي ومَنْفعني معَ زَوْجَةِ عَمِّي الشَّركسية ، فَهِيَ أُمِّي
بالرَّضَاعَةِ . هَذه فُرْصتي التاريخية لاختيار أُمٍّ جَديدة لِي . اخترتُ ميرنار
أُمَّ نارت أُمًّا لِي ، لا أُريدُ سميحة الخَدَّامة أُم ناصر أنْ تَكُون أُمِّي .
لَقَدْ فَضَحَتْني في القَريةِ ، وَلَنْ أسْمَحَ لَهَا أنْ تَفْضَحَني في العاصمة .
هَذه الأفكارُ مُسَيْطِرَة عَلَيَّ ، ولا تُفَارِقُني .
صحيحٌ أنَّ أُمِّي سميحة
سَتَحْزَنُ إذا طَلَّقَهَا أبي ، ولكنْ هَذه مُشْكلتها ، وَلَيْسَتْ مُشْكلتي .
أُمِّي تَبْحَثُ عَنْ مَصْلحتها ، وأنا أبحثُ عَنْ مَصْلحتي ، وكُلُّ إنسان في
هَذا العَالَمِ يَبْحَثُ عَنْ مَصْلحته ، وَيَبْحَثُ عَن المَعنى في حَيَاتِه ،
وَيَبْحَثُ عَمَّا يَنْقُصُه ، ولا بُدَّ أنْ تَتَعَارَضَ المَصالحُ ، وَتَتَصَادَمَ
المَنافعُ ، وَتَتَنَاقَضَ الإراداتُ، وَتَتَضَارَبَ المَشاعرُ. والحَيَاةُ
مُستمرة بِنَا وَبِدُوننا ، والدُّنيا تَمْضِي بِرِضَانا وَرَغْمًا عَنَّا ،
وَبَدَأ الكَوْنُ مِنْ دُونِ الإنسانِ ، وَسَيَنْتَهي مِنْ دُونِه .
جَمَعَنَا أبي في غُرفةٍ مِنْ
غُرَفِ القَصْرِ ، أُمِّي وأنا وأخَوَاتي ، وقالَ مُوَجِّهًا الكَلامَ لأُمِّي :
_ اسْمَعِيني يا سَمِيحة إلى
النِّهاية ، ولا تَفْتَحي فَمَكِ بِكَلِمَة . أنا قَرَّرْتُ أنْ أُطَلِّقَكِ
وَأنْفَصِلَ عَنْكِ . أنا لا أُناسبكِ ، وأنتِ لا تُناسبيني ، وَسَوْفَ أتَزَوَّجُ
ميرنار الشَّركسية . إذا بَلَعْتِ لِسَانَكِ ، وَبَقِيتِ صامتةً وعاقلةً بلا
اعتراضٍ ، وَلَمْ تُسَبِّبي مُشكلاتٍ ، فَسَوْفَ تَبْقِينَ في القَصْرِ ، لَكِ
جَنَاح خَاص مُنعزل أنتِ وبناتك ، وكُلُّ طَلباتكِ مُجَابَة ، وأنا مُتَكَفِّل
بِمَصاريفكِ . أمَّا إذا فَتَحْتِ فَمَكِ بِكَلِمَةٍ ، أوْ فَعَلْتِ مُشكلةً
مَهْمَا كانتْ صَغيرةً ، فَسَوْفَ أرميكِ في الشارعِ أنتِ وبناتك للقِطَطِ
والكِلابِ ، خُصُوصًا ابنتك ظَبْيَة المُعاقَة والمَشلولة ، فأنا مِثْل هِتْلَر ،
لا أعترفُ بأصحابِ الإعَاقَاتِ والعَاهَاتِ. وَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ .
ألْقَى أبي هَذه الكَلِمَاتِ
كالقُنبلة ، وَخَرَجَ مِنَ الغُرفةِ كأنَّ شيئًا لَمْ يَكُنْ . كِدْتُ أطِيرُ مِنَ
السَّعَادَةِ، وأصرخُ مِنَ الفَرَحِ ، لأنَّ أبي سَيُطَلِّقُ أُمِّي ، وَيَتَزَوَّجُ
ميرنار الشَّركسية، وبذلك تَكُون أُمِّي في الرَّضَاعَةِ زَوْجَةَ أبي ، وأُصْبح
شخصًا مُهِمًّا وَرَاقِيًا ، وأتَخَلَّصُ مِنْ عُقْدَةِ الشُّعورِ بالنَّقْصِ ، وَأتَحَرَّرُ
مِن " ابن سَمِيحة الخَدَّامة " لأصِيرَ " ابن ميرنار الشَّركسية
" . وَمَعَ أنَّ السُّرورَ يَتَفَجَّرُ في أعماقي، إلا أنَّني تَظَاهَرْتُ
بالحُزْنِ والألَمِ ، وَرُحْتُ أتَصَنَّعُ البُكَاءَ بِحَرَارَة ، وَصِرْتُ
أُغَطِّي وَجْهِي بِيَدَيَّ ، لأبْدُوَ بِمَظْهَرِ الشخصِ المُتَأثِّرِ بِشِدَّةٍ
، والواقعِ تَحْتَ هَوْلِ الصَّدْمَة .
قُلْتُ لأُمِّي بِخُبْثٍ
وَدَهَاء وأنا أُمَثِّلُ دَوْرَ الشخصِ الحزينِ المُنهارِ :
_ لِمَاذا يَفْعَلُ أبي هَذا
وَيُعَاملنا بهذا الشكل ؟ ، لَقَدْ قُلْتُ لَه : إنَّ أُمِّي سَمِيحة أفضل امرأة
في العَالَمِ ، وَهِيَ أفضل مِنْ زَوجةِ فخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ تَغْريد نَصْري
، وأفضل مِنْ ميرنار الشَّركسية مَلْيُون مَرَّة .
_ الذَّنْبُ لَيْسَ ذَنْبَكَ
يا ابْني يا حبيبي. أنتَ ابْنُ بَطْني ، وحاولتَ مُسَاعدتي ، وَبَيَّضْتَ وَجْهي.
أبوكَ عَنِيدٌ وناكرُ الجَمِيلِ ، أنا أعْرِفُهُ جَيِّدًا مِنْ أيَّامِ القَريةِ .
قَبِلْتُ بِهِ زَوْجًا وَهُوَ راعي غَنَم مَنبوذ ، وَعَمِلْتُ خَدَّامة في
البُيوتِ ، وكُنْتُ أُنْفِقُ وأصْرِفُ عَلَيْهِ وَهُوَ عاطلٌ عَن العَمَلِ ،
ونائمٌ في زَريبةِ الأبقارِ . وَلَوْلا أنَّ سِيادة العقيد
مُراد عادل شَتَمَني وَضَرَبَني ، لَمَا تَعَرَّفَ عَلَيْه ، وأدْخَلَهُ إلى
المُخابراتِ العَسكرية ، وَبَعْدَ الانقلابِ العَسكريِّ صارَ أبوكَ نائبَ رئيسِ
الجُمهوريةِ. صَدَقَ المَثَلُ : " يا مأمنة للرجال يا مأمنة
للمَيَّة في الغِربال " .
وتابعتْ أُمِّي قائلةً
بِمَرَارَةٍ وَحُزْنٍ مُوجِعٍ :
_ ميرنار الشَّركسية أفعى
لَدْغتها قاتلة، وساحرةٌ سَحَرَتْهُ بأُنوثتِها وَنُعُومَتِها وَجَمَالِها وَبَيَاضِها
وَشَعْرِها الأشقرِ. مِسْكين أبوك راعي الغَنَم ، لَمْ يَتَحَمَّلْ لَمَعَانَ عُيونِها
الزَّرقاء ، ونَظَرَاتِها الحارقة .
ثُمَّ تَنَهَّدَتْ أُمِّي
تَنْهيدةً عَميقة ، وقالتْ بألَمٍ بالغٍ :
_ مِسْكِين أنتَ يا ابْني يا
هِشَام ، سَوْفَ تَتْعَب في حَياتك ، وتَخْرُج مِنَ المُولِد بلا حمص . وَغَدًا ،
أولادُ الشَّركسيةِ سَوْفَ يَحْكُمُون البِلادَ ، ويُسَيْطرون عَلى الجُمهوريةِ، ويَتَحَكَّمُون
بالدَّولةِ . بِصَرِيحِ العِبَارَةِ، أبوكَ يُريدُ أولادًا كَيْ يَمْنَحَهُم
المَناصبَ الحَسَّاسَةَ في الدَّولةِ مِثْل فَخامةِ الرئيسِ مُراد عادل الذي
يُوَزِّعُ أولادَه عَلى المَناصبِ المُهِمَّة في الجَيْشِ والمُخَابَرَاتِ .
ثُمَّ نَظَرَتْ إلى أُخْتي
ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة ، وقالتْ بِحَسْرَةٍ :
_ يا خَسَارَة ، لَقَدْ
تَعَوَّقْتُ عَن الإنجابِ بَعْدَ أُخْتِكَ ظَبْيَة ، كانَ وُجُودُها نَحْسًا
وَشُؤمًا عَلَيَّ . ويَا لَيْتَهَا مَاتتْ ، واستراحتْ مِنَ العَذابِ ،
وأراحَتْنَا مِنْ هَمِّهَا . أنْجَبْتُهَا في عام 1977 ، وَنَحْنُ الآنَ في بِداية
عام 1984 . لَوْ أنجبتُ لأبيكَ أربعة أولاد أو خَمْسَة خِلال هَذه الفَترةِ ،
لَأحَبَّني ، وَتَمَسَّكَ بِي ، وَمَا نَظَرَ إلى غَيْري . الأولادُ يَربِطُونَ
الرَّجُلَ بِزَوْجَتِه ، فلا يَهْرُبُ مِنْهَا . ولكنْ هَذا هُوَ نَصِيبي في
الحَياةِ ، وكُلُّ إنسانٍ يأخذ نَصِيبَه كاملًا بِلا زِيَادة ولا نُقْصَان .
فَخَامَةُ رئيسِ الجُمهوريةِ مُراد عادل لَدَيْهِ سِتَّة أولاد،وأبوكَ لَدَيْهِ
وَلَدٌ واحد وَصَغِير، وَهُوَ أنتَ. بالتأكيدِ ، أبوكَ يَشْعُرُ بالنَّقْصِ والخَطَرِ،
وَهُوَ يَحْتاج إلى الأولادِ كَيْ يَقِفُوا مَعَه ، ويُدَافِعُوا عَنْه ، خُصُوصًا
أنَّ أعداءَ الوطنِ كثيرون .
وأردفتْ قائلةً بِصَوْتٍ ذابل
:
_ أنتَ مَا زِلْتَ صغيرًا يا
هِشَام، ولكنْ سَتَذْكُرُ كَلامي ، أبوكَ سَوْفَ يُحَبِّلُ الشَّركسيةَ
وَيُوَلِّدُها كُلَّ سَنَةٍ ، كَيْ تَمْلأ القَصْرَ بالأولادِ ، ثُمَّ
يُوَزِّعُهُم عِنْدَمَا يَكْبَرُون عَلى المَنَاصِبِ العُلْيَا في الدَّولةِ .
استغربتُ مِنْ هَذا الكَلامِ ،
وَتَعَجَّبْتُ مِنْه ، واعتبرتُه نَوْعًا مِنَ الغَيْرَةِ والحِقْدِ وَالحَسَدِ ،
لأنَّني أعرفُ أنَّ أُمِّي ميرنار الشَّركسية لا تَهْتَمُّ بِكَثرةِ الإنجابِ.
تَركيزُها عَلى أُنوثتها وَرَشَاقتها ونَشاطِها ، وَمَا يَهُمُّهَا هُوَ مُحِيطُ
خَصْرِهَا ، وَحَجْمُ صَدْرِها، وَتَنَاسُقُ مُؤخَّرَتِهَا مَعَ ظَهْرِهَا،
ومَلابسُها المُزركَشَة ذات الألوان الزاهية، ومَقَاسُ حِذَائِهَا المُنَاسِب
للرَّقْصِ الشَّركسيِّ ، حَيْثُ تَتَحَرَّكُ بِخِفَّةٍ شديدة ، وتَنْزَلِقُ عَلى
الأرضِ دُون تَحريكِ رَأسِها ، أو الجُزْءِ العُلْوِيِّ مِنْ جَسَدِهَا .
إنَّها لَمْ تُنْجِبْ مِنْ
عَمِّي الراحلِ سِوَى وَلَدٍ وَبِنْت . وبالتأكيدِ ، هِيَ حريصة على الحَيَوِيَّةِ
والجَمَالِ والرَّشَاقَةِ والشَّبَابِ ، ولا تُريدُ إرهاقَ نَفْسِهَا بالحَمْلِ والوِلادةِ
والرَّضَاعَةِ والتَّربية .
38
في يَوْمِ الخميسِ 19/1/1984 ،
تَزَوَّجَ أبي ميرنار الشَّركسية في قَصْرِنا . لَمْ تَكُنْ هُناك حَفْلَة ولا
مَدْعُوُّون . أحضرَ أبي مَأذونًا شَرْعِيًّا ، وَلَمْ يُحْضِرْ فَضيلةَ الشَّيخ
حَسُّونة بدير مُفْتي الجُمهورية، لأنَّه لا يَثِقُ بِه ، وَغَيْرُ مُقتنعٍ
بِدينِه وَعِلْمِه . شَرَّفَنَا فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ مُراد عادل بأنْ
يَكُونَ الشَّاهِدَ الأوَّلَ عَلى عَقْدِ الزَّوَاجِ ، أمَّا الشَّاهِدُ الثاني
فَهُوَ قائدُ الحَرَسِ الجُمهوري .
أنا ونارت كُنَّا في غَايَةِ
السَّعَادَةِ والسُّرُورِ . لَبِسْنا أجملَ الثِّيابِ ، وَاسْتَخْدَمْنَا أغلى العُطُورِ
، وَحَضَرْنَا عَقْدَ الزَّوَاجِ دُون أنْ نَنْطِقَ بأيَّة كَلِمَة . كُنَّا
وَلَدَيْن صَغِيرَيْن في نَفْسِ السِّنِّ ( الثانية عَشْرَة )، وتَركيزُنا في
شُرْبِ العصيرِ والتهامِ الحلويات . لَمْ تَحْضُرْ ثُرَيَّا مَعَنَا . ذَهَبَتْ
إلى غُرفةٍ مَعزولةٍ تُوجَد فِيها أُمِّي وَأخَوَاتي اللواتي كُنَّ يَبْكِينَ
لِبُكائها ، وكانتْ ثُرَيَّا جالسة إلى جانبِ أُخْتي نَجَاح ، لِمُوَاساتِها
والتخفيفِ عَنْهَا ، فَهُمَا صَدِيقَتان ، وتَنَامَان في نَفْسِ الغُرفة .
في الصَّبَاحِ الباكرِ ، جاءتْ
إلى قَصْرِنا نِسَاء شَركسيات كثيرات ، لِيُسَاعِدْنَ أُمِّي ميرنار في تَرتيبات
الزَّوَاجِ . جَلَسْنَا أنا ونارت في زاوية بعيدة ، وكأنَّنا نُتابِع كواليس فِيلم
سِينمائي . اخْتَرْنَ لَهَا تَشكيلة مُذهِلة مِنَ الإكْسِسْوَارات
والمُجَوْهَرَاتِ الأصْلِيَّة التي تُضْفِي لَمْسَةً مِنَ الأناقةِ والسِّحْرِ
عَلى إطلالتها . وكانَ فُستان العُرْس الشَّركسي يَتَمَيَّزُ بالتَّطْريزاتِ
الفاخرةِ ، والزَّخَارفِ المُتْقَنَةِ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَصنوعًا مِنْ قُمَاش
عالي الجَوْدَةِ مِنَ الحرير والساتان . وَيَشْتمل على الأكمامِ الطويلة، والياقةِ
العالية، والصَّدْرِ المُزَخْرَفِ، مَعَ تَنُّورَةٍ طويلة تَصِلُ إلى الأرضِ،
وَمُزَيَّنَة بِوِشَاح، وَغِطَاء رأس .
أنا ونارت سِرْنَا خَلْفَ
العَرُوسَيْن السَّعِيدَيْن في تِلْك الليلةِ المُعَطَّرَةِ بالأحلامِ الذهبيةِ
والآمَالِ العريضة . حَمَلْتُ شُموعًا حَمْرَاء اللَّوْنِ ، ونارت حَمَلَ طَاقَةَ
وَرْدٍ . بَدَا المَشْهَدُ وكأنَّه عَبَثٌ طُفولي ، أوْ حَرَكَات صِبْيَانيَّة . أَحْسَسْتُ
أنَّ أجنحة الفَراشات المُلَوَّنَة تُغَطِّينا ، وأنَّ أيَّام الفَرَح لَنْ
تُغَادِرَ قَصْرَنا إلى الأبدِ . وَصَلْنَا إلى بابِ غُرفةِ النَّوْمِ ، قالَ أبي
بِحَزْمٍ :
_ أطْفِئْ الشُّمُوعَ يا
هِشَام ، واذهبْ أنتَ ونارت إلى النَّوْمِ .
قُلْتُ بِسَذَاجَةٍ بِدَائيةٍ
وغَبَاءٍ مُنقطِع النظير، ولا أعْرِفُ كَيْفَ صَدَرَتْ مِنِّي تِلْك الكَلِمَات :
_ نُريدُ أنْ نَدْخَلَ
وَنَضَعَ الشُّموعَ والوَرْدَ في الغُرفةِ .
ابتسمتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية، وقالتْ والخَجَلُ ظَاهِرٌ عَلَيْهَا :
_ اسْمَعْ كَلامَ أبيكَ يا
هِشَام ، لا تَكُنْ عنيدًا ، أنتَ وَلَدٌ شَاطِرٌ وَمُؤدَّب .
بَعْدَ مُضِيِّ كُلِّ هَذه
السَّنَوَاتِ ، لا تَزَال صُورةُ العريسِ أبي والعَرُوسِ ميرنار الشَّركسية أمامَ
بابِ غُرفةِ النَّوْمِ مُنْطَبِعَةً في ذِهْنَي . بَدَا أبي بِقَامَتِهِ الطويلة ،
وَجَسْمِه القَوِيِّ ، وَبَشَرَتِه السَّمراءِ ، كأنَّه قائدٌ عَسكري أُسطوري مِنَ
القادةِ الذينَ تَركوا بَصْمَةً لا تُمْحَى في التاريخِ. وَبَدَتْ ميرنار
الشَّركسية بأُنوثتها ، ونُعومتها ، وجَمَالِها الصارخ ، وَشَعْرِها الأشقر،
ونَظَرَاتِ عُيونِها الحارقة ، كأنَّها ساحرةٌ جاءتْ مِنْ عوالم " ألف
لَيْلَة وَلَيْلَة " الغَرائبيَّة . كَمْ تَمَنَّيْتُ في تِلْك اللحظة أنْ
أكْبَرَ بِسُرعة ، وأُصْبحَ عريسًا ، وألْبَسَ مِثْل أبي بِذلةً كُحْلية مَعَ قميص
أزرق وَرَبْطَة عُنُق حَمْرَاء ، وأتَزَوَّج امرأةً شركسيةً جميلةً ، وَأُمْسِك
يَدَهَا الناعمةَ البَيْضَاء ، وَتَتَشَابَك أصابعُنا ، وَيَغْرِق لَحْمِي الأسمرُ
في لَحْمِهَا الأبيضِ .
لَمْ أستطعْ أنْ أنامَ في
تِلْك الليلةِ . ذَبَحَني الأرَقُ بِخَنْجَرِ الذكرياتِ. أتَقَلَّبُ وَأتَلَوَّى في
سَريري كالأفعى المَطعونةِ . نَظَرْتُ إلى نارت ، فإذا هُوَ غارقٌ في النَّوْمِ
العميقِ ، وَشَخِيرُهُ يُحَطِّمُ عِظَامي بِلا رَحمةٍ . قَرَّرْتُ أنْ أذهبَ إلى
الحَمَّامِ لِقَتْلِ الوَقْتِ ، وَتَشتيتِ أفكاري الجارحة . لا يُوجَد مَكَان آخَر
أذهبُ إلَيْه . مَشَيْتُ في المَمَرِّ الطويلِ المَفروشِ بالسَّجَّادِ الأحمرِ
الغالي . وَصَلْتُ إلى بابِ غُرفةِ النَّوْمِ . سَمِعْتُ أصواتًا وَتأوُّهَاتٍ
وَصُرَاخًا . كِدْتُ أنْ أنظُرَ في ثَقْبِ البابِ لأرى مَاذا يَحْدُث، ولكنَّني
خَجِلْتُ مِنْ نَفْسِي ، واستحضرتُ صُورةَ أبي وأُمِّي الشَّركسية . وَرَكَضْتُ
باتِّجاهِ الحَمَّامِ ، ثُمَّ عُدْتُ إلى غُرفتي ، وَغَرِقْتُ في النَّوْمِ .
كُنْتُ طِفْلًا شَقِيًّا ،
لَدَيَّ نَشَاط زائد ، وطاقة كبيرة ، وأُريدُ أنْ أعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ ، وأطَّلِعَ
عَلى جَميعِ الأسرارِ. وَحَيَاتي البائسةُ في القَريةِ هِيَ مَنْبَعُ سُلوكياتي
المُنحرِفة ، وَمَصْدَرُ عُقَدِي النَّفْسِيَّةِ .
أُصِبْتُ بِصَدْمَةٍ هائلة
عِندَما عَلِمْتُ أنَّه لا يُوجَد شَهْر عَسَل ، لأنَّ جَدْوَل أعمال أبي
مُزْدَحِم للغَايَةِ . تَمَنَّيْتُ أنْ نُسافر إلى أمريكا أوْ أوروبا ، ونَسْتمتع
بِجَمَالِ الطبيعة ، والمَناظرِ الرائعة ، ولكنَّها مُجَرَّد أُمْنِيَّة لَمْ
تَتَحَقَّقْ .
كانتْ هُناك صِرَاعات هائلة
بَيْنَ مَراكز القُوى في جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ، والمُعَارَضَة تَشُنُّ
حَمَلاتٍ إعلامية واسعة ضِد نِظَامِ الحُكْمِ ، تَتَّهمه بالفَسادِ ، وَسُوءِ
الإدارةِ ، وارتفاعِ المَديونية ، وانتهاجِ سِيَاسَات تُؤَدِّي إلى انخفاضِ
النُّمُوِّ الاقتصاديِّ، وَتَدَهْوُرِ الخِدماتِ ، وَزِيَادَةِ الفَقْرِ ،
وَتَفَاقُمِ عَدَمِ المُساواةِ،وَمَنْحِ المَناصبِ العُليا لأشخاصٍ فاسدين يَسْتخدمونها
لتحقيق مصالحهم الشَّخصية.
أصدرَ فَخامةُ رئيسِ
الجُمهوريةِ مُراد عادل قَرارًا بإنشاء إدارة جِنَائِيَّة خَاصَّة تُسْنَدُ
إلَيْهَا كافَّة قَضَايا الأزمةِ السِّياسيةِ والإرهابِ ، وَهَذه الإدارةُ
الجِنَائيَّة تَتْبَعُ مَحكمة الاستئناف والمَجْلِس الأعلى للقَضَاءِ،
بالتَّنْسيقِ معَ مَحكمةِ أمْنِ الدَّولةِ .
وَعَادَةً مَا تُحَاكِمُ
السُّلُطَاتُ مُعَارِضِيها بِمُخْتَلَفِ تَوَجُّهَاتِهِم السِّياسية بِتُهَمِ دَعْمِ
الإرهابِ . وَصَارَ القُضَاةُ يَتَسَابقون في إصدارِ أحكامِ الإعدامِ والسَّجْنِ
المُؤبَّد بِحَقِّ المُعَارِضِين السِّياسيين . وكُلُّ هَذه الأحكامِ تَنتظر
تَوقيعَ أبي بسبب انشغالِ فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية بِمَواضيع أكثر أهمية . لذلك
لا يَستطيع أبي السَّفَرَ لِقَضَاءِ شَهْرِ العَسَلِ ، وهَكذا ضاعتْ أحلامي في
رُؤيةِ أمريكا وأوروبا .
اسْتَغَلَّتْ أُمِّي سَمِيحة
ذَهَابَ أبي إلى العَمَلِ في صَبَاحِ الجُمُعَةِ رَغْمَ أنَّه عَرِيسٌ جديدٌ ، وأرادتْ
مُواجهةِ ميرنار الشَّركسية التي كانتْ تَجْلِسُ بِقَمِيصِ النَّوْمِ عَلى الأريكةِ
، وَتَشْرَبُ القَهْوَةَ وَاضِعَةً رِجْلًا فَوْقَ رِجْلٍ .
قالتْ أُمِّي سَمِيحة بِسُخرية
واستهزاء :
_ صباحية مُباركة يا عَرُوس .
احْتَسَتْ ميرنار الشَّركسية
جُرْعَةً مِنَ القَهوةِ ، وقالتْ :
_ اللَّه يُبَارِك فيكِ يا
سَمِيحة ، عُقْبَال بناتك .
نَظَرَتْ أُمِّي سميحة
إلَيْهَا نَظْرَةً حَادَّةً ، كأنَّها تُريدُ أنْ تأكُلَها بِعُيونِها ، وقالتْ :
_ أعُوذُ باللَّهِ مِنْ
خَطَّافَةِ الرِّجَالِ ، الدُّنيا لَمْ يَعُدْ فِيها أمَان ، والأقارب عَقَارب .
ضَحِكَتْ ميرنار الشَّركسية ضِحْكَةً عاليةً
بشكلٍ استفزازي ، وقالتْ بِثِقَةٍ بالغة :
_ الرَّجُلُ عِندَما يُقَارِنُ
بَيْنَ قِشْطَةِ الحَليبِ والباذِنْجَانةِ السَّوداءِ ، سَيَخْتار قِشْطَةَ
الحليبِ ، إلا إذا كانَ أعمى أوْ غَبِيًّا .
ابتسمتْ أُمِّي سميحة ابتسامةً
صَفْرَاء ، وقالتْ بِهُدوء أعصاب مُخِيف :
_ شَيْء عادي وَمُتَوَقَّع ،
لأنَّ الرَّجُلَ الذي عاشَ في زَريبةِ الأبقارِ سَيَخْتَار قِشْطَةَ الحليب .
المَرْأةُ أكبرُ عَدُوٍّ
للمَرْأةِ . والنِّسَاءُ يَكْرَهْنَ بَعْضَهُنَّ البَعْض أكثر بكثير مِنَ
الرِّجالِ ، فَجَمِيعُهُنَّ يَشْعُرْنَ بالغَيْرِةِ وَعَدَمِ الأمانِ،وَيَنْظُرْنَ
إلى بَعْضِهِنَّ البَعْض كَمُنَافِسَاتٍ شِرِّيرات يُشَكِّلْنَ خَطَرًا حقيقيًّا.
صَدَاقَةُ النِّسَاءِ مَعدومة . إنَّهُنَّ عُدْوَانِيَّاتٌ سَلْبِيَّاتٌ عَلى
مَدارِ السَّاعَةِ . لَقَدْ تَعَلَّمْنَ جميعًا في سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ أنَّ أيَّ
شخصٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَهديدًا، خَاصَّةً جِنسهنَّ. لا يَدْعَمْنَ
بَعْضَهُنَّ البَعْض لأيِّ شَيْءٍ عَلى الإطلاقِ ، ولا يُشَجِّعْنَ أنفُسَهُنَّ
أبدًا . النِّسَاءُ يَفْهَمْنَ بَعْضَهُنَّ البَعْض ، ومَعَ ذلك مَا زِلْنَ
يَتَصَرَّفْنَ بِتَوَاطُؤ ، وَتَلاعُبٍ ، وَنَرْجِسِيَّةٍ ، وَعَدَمِ احترامٍ .
والنِّسَاءُ يَجِدْنَ الرَّاحَةَ في صُحْبَةِ الرِّجالِ أكثرَ مِنْ صُحْبَتِهِنَّ
. مَنْ تُفَضِّلُ المَرْأةُ قَضَاءَ الوَقْتِ مَعَه ؟ ، سَتَكُون الإجابةُ دائمًا
تقريبًا : رَجُل .
بَعْدَ الزَّواجِ ،
تَغَيَّرَتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية بشكلٍ كامل . خَلَعَتْ جِلْدَها . لَمْ
تَعُدْ تِلْك الشَّركسية الناعمة الرَّقيقة الحريصة على رشاقتها وَمُحِيطِ
خَصْرِها وَمَقَاسِ صَدْرِها ، وَنُمْرَةِ حِذائِها أثناءَ الرقصِ الشَّركسيِّ . استعانتْ
بأخصائية تَغْذية تَزُورُها كُلَّ يَوْمٍ ، وَتُقَدِّمُ لَهَا الوَصَفَات
الغِذائية مِنْ كُلِّ الأنواعِ والأشكالِ ، ولجميعِ الأهدافِ والأغراضِ . ازدادَ
وَزْنُها بشكلٍ مَلْحُوظ ، وصارت امرأةً مُمْتَلِئَةً ، وَصَارَ صَدْرُها كبيرًا
وبارزًا .
كانتْ تَذهَبُ إلى الأحياءِ
الشَّعْبِيَّةِ الفقيرةِ مُتَنَكِّرَةً ، تَركَب سَيَّارةً بسيطة لِكَيْلا
تَلْفِتَ الانتباهَ ، يَقُودُها حارسٌ شَخْصِيٌّ مُسَلَّح يَرتدي ثِيَابًا مَدنية.
تَجْلِسُ في الأمامِ،وأنا ونارت نَجْلِسُ في الخَلْفِ.
تَدْخُلُ بُيُوتَ الناسِ
الفُقَرَاءِ البُسَطَاءِ ، وتَجْلِسُ مَعَ النِّسَاءِ الشَّعْبِيَّاتِ
البِدَائِيَّات البَلَدِيَّاتِ المَعروفاتِ بالخُصُوبةِ وكَثرةِ الإنجابِ . تَسألُ
كُلَّ امرأةٍ عَنْ كَيفيةِ الإنجابِ بِكَثرةٍ ، وَمَا هِيَ الوسائلُ الفَعَّالة
لذلك ؟ . تَطْلُبُ مِنْهُنَّ أدقَّ التفاصيلِ ، وَتُسَجِّلُ كُلَّ المُلاحَظَاتِ .
تَطْلُبُ أنْ تَجْتَمِع مَعَ النِّسَاءِ المَشهوراتِ بأنَّهُنَّ حوامل وَلَّادات
مُرضِعات ، يَحْبَلْنَ وَيَلِدْنَ كُلَّ سَنَةٍ بِلا تَوَقُّفٍ . وَشَرْطُها هُوَ
أنْ تَكُون المَرْأةُ قَدْ أنْجَبَتْ عَشْرَة أولاد كَحَدٍّ أدْنَى .
تَجْتمعُ مَعَ كُلِّ امرأةٍ
عَلى حِدَةٍ ، وَتَقُولُ لَهَا إنَّها مَندوبة إحدى الجَمْعِيَّات المَعْنِيَّة بالأُمُومةِ
والطُّفولةِ ، وَتُعْطِيها مالًا كثيرًا مُقَابِل الإجابة عَن الأسئلة التفصيلية :
كَمْ عَدَدُ أولادِكِ ؟ ، مَا هِيَ الأطعمةُ التي تأكلينها ؟، مَا هِيَ
المَشروباتُ التي تَشْربينها ؟ ، كَمْ مَرَّةً يُجَامِعُكِ زَوْجُكِ ؟ ، مَا هِيَ
وَضْعِيَّات الجِمَاع التي تَسْتخدمينها ؟ ، ماذا تَلْبَسِين عِندَما تنامين معَ
زَوْجِكِ ؟، كَمْ مَرَّةً تُرْضِعين أطفالَكِ ؟ ، مَا هِيَ الطُّرُقُ لإدرارِ الحليبِ
في صَدْرِك ؟ ، ماذا يَأكُلُ زَوْجُكِ وَيَشْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ ؟ .
والنِّسَاءُ سَعِيدَاتٌ بِهَذه
الأسئلةِ ، وَيُجِبْنَ بالتفصيلِ المُمِلِّ ، لأنَّهُنَّ يَحْصُلْنَ عَلى مَالٍ
كثيرٍ في المُقَابِل بِلا تَعَبٍ ولا بَذْلِ مَجهودٍ . وكُلُّهُنَّ فَقيراتٌ
بائساتٌ يَنْتَمِينَ إلى قَاعِ المُجتمع . والأطفالُ مِثْلُ النَّمْلِ مُنتشرون في
الأزقةِ القَذِرَةِ ، والطُّرُقَاتِ الحَزينة ، حُفَاةً عُرَاةً ، بِلا مَاضٍ ولا
حَاضِرٍ . وكُلُّ طِفْلٍ لِسَانُ حَالِه : (( وُلِدْتُ كآلافِ مَنْ يُولَدُون ،
بآلافِ أيَّامِ هَذا الوُجودِ ، لأنَّ فَقِيرًا بِذَاتِ مَسَاءٍ سَعَى نَحْوَ
حِضْنِ فَقِيرَةٍ ، وأطفأ فِيه مَرَارَةَ أيَّامِه القاسية )) .
(( لِمَاذا
تُنْجِبُ العائلاتُ الفقيرةُ أكثرَ مِنَ الغَنِيَّة ؟ . لماذا تُكْثِرُ العائلاتُ
الفقيرةُ مِنَ الإنجابِ رَغْمَ أنَّ مَوَاردها بالكادِ تَكْفي لإطعامِ المَوْجُودين
؟ ، نَرى السُّؤالَ بَسيطًا ، لكنَّه يَحْمِلُ في طَيَّاتِهِ دُروسًا عَنْ كَيفيةِ
تَفكيرِ عَقْلِ الفقيرِ . تُنْجِبُ العائلةُ الفقيرةُ عَشْرَةَ أطفال أوْ أكثر ، بَيْنَمَا
العائلة الغَنِيَّة بالكادِ تُنْجِبُ طِفْلَيْن ، وَتَكْتفي بذلك . الفُقراءُ
ببساطةٍ بِدُون ضَمَانات . لَيْسَ لَدَيْهِم تأمين صِحِّي ، ولا مَعَاش تقاعدي ،
ولا حتى مُؤسَّسات تَدْعَمُهُم عِندما تَشْتَدُّ عَلَيْهِم ظُروفُ الحَياةِ .
عِندَما لا تَمْتلك شَبَكَةَ أمان اجتماعية ، تُصْبح كَثرةُ الأبناءِ هِيَ البديلَ
الطبيعي . الفِكْرَةُ أشبَهُ بِرَمْيِ شَبَكَة صَيْدٍ في بَحْرِ الحَياة ، كَثرةُ
المُحاولاتِ تَزيدُ مِن احتمالِ ظُهورِ سَمَكَة واحدة ناجحة تُنْقِذُ العائلةَ
بأكملها ! . نَفْسِيًّا هِيَ " آلِيَّة دِفَاعِيَّة تَعْوِيضِيَّة " .
كَثرةُ الأبناءِ تَمْنَحُ الفُقراءَ شُعورًا بالخُلُودِ النَّفْسِيِّ . يَجِدُونَ
في إنجابِ الأبناءِ إنجازًا يُعَوِّضُ شُعورَهم بالعَجْزِ . الأبناءُ في نَظَرِ
الفُقَرَاءِ لَيْسُوا أفواهًا جائعةً فَحَسْب ، بَلْ هُمْ أيضًا مشاريعُ أمَلٍ ، واستثمارات
طويلة الأجل . إنجابُ طِفْلٍ جَدِيد يَعْني بالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ يَدًا إضافية تَعْمَل
، أوْ فُرْصَة لأنْ يَكُونَ هَذا الطِّفْلُ بَارًّا بِهِمْ في الكِبَرِ ، أوْ
شَخْصًا يَحْفَظُ كَرامتهم في مُواجهة مُجتمع ماديٍّ قاسٍ . وفي مُجتمعاتٍ يَكُون
فِيها مَفهومُ الرُّجولةِ مُرتبطًا بالقُوَّةِ العَدَدِيَّةِ للعائلة ، يُصْبح
الإنجابُ الكثيفُ أمْرًا ضَروريًّا لِتَعزيزِ مَكانةِ الإنسانِ داخل المُجتمع .
الأولادُ رَمْزُ القُوَّةِ الاجتماعيةِ والاعتبارُ ، وَغِيَابُهُم قَدْ يُعَرِّضُ
الأُسْرَةَ للوَصْمِ أو الإقصاء. ولا شَكَّ أنَّ كَثرةَ الإنجابِ لَيْسَتْ عَبَثًا
، بَلْ هُوَ قَرَار مَنطقي للغاية في سِياق حَياةٍ بِلا مَعْنى ولا يَقِين .
عِندَما يَكُون لَدَيْكَ عَشْرَة أطفال ، فإنَّ احتمال نَجَاح أحَدِهِم في الخُروجِ
مِنْ دَائرةِ الفَقْرِ أعلى بكثيرٍ مِنْ إنجابِ طِفْلٍ أو اثنَيْن . قَدْ يَكُون
أحَدُهُم طَبِيبًا ، والآخَرُ مُهندسًا ، وَرُبَّمَا يَتَوَلَّى أحدُهم مَسؤوليةَ
إعالةِ الأُسْرَةِ كاملةً . ولكنْ هُناك مُفَارَقَة ، تَخَيَّلْ عائلةً فقيرة في غُرفة
ضَيِّقة ، والأطفالُ يَمْلَؤُونَ المَكَانَ كأنَّهُم خَلِيَّة نَحْل ، والوالدان رَغْمَ
تَعَبِهما يُوَاصِلان الإنجابَ ، لأنَّهما يُؤْمِنَان أنَّ الطِّفْلَ الحادي عَشَر
قَدْ يَحْمِلُ الحَلَّ ! . المُفَارَقَةُ تَكْمُنُ في أنَّ كُلَّ طِفْلٍ جَدِيدٍ
يأتي لِيُعَقِّدَ المَوْقِفَ أكثر ، لكنَّه أيضًا يَزيدُ مِنْ جُرعةِ الأمل ! )) .
كانتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية مَهْوُوسة بالحَمْلِ والوِلادةِ والرَّضَاعَةِ والتَّربيةِ . تَشْعُرُ
أنَّها في مُهِمَّةٍ وُجودية وقَوْمِيَّة ووَطنية للإنجابِ بِكَثرةٍ . لَقَدْ
صارتْ حريصةً عَلى الأولادِ ، كما قالتْ أُمِّي ، وَتَعَجَّبْتُ مِنْ كَلامِها . فِعْلًا
، إنَّ النِّسَاءَ يَفْهَمْنَ بَعْضَهُنَّ البَعْض. وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ عُنوانَ
أُمِّ حَامِد زَوجةِ الشَّيْخِ هِشام عبد الهادي الذي دَرَّسَ أبي في كُتَّابِ
القَريةِ ، لأرشدتُ أُمِّي ميرنار الشَّركسية إلَيْهَا ، لِتَستفيدَ مِنها ،
وَتَتَعَلَّمَ مِنْ تَجْرِبتها ، فَهِيَ المَرْأةُ الأكثرُ إنجابًا في القَرْيَةِ
، وَصاحبةُ المَركزِ الأوَّلِ في الحَمْلِ والوِلادةِ ، حَيْثُ أنْجَبَتْ عِشْرِين
طِفْلًا خِلالَ ثلاثين سَنَة ، مِنْ سِنِّ الخامسة عَشْرَة حتى سِنِّ الخامسة
والأربعين. وَهِيَ أُمٌّ لثلاثة عَشَر وَلَدًا وسَبْعِ بَنَاتٍ. ولكنَّ أبي مَحَا
القَريةَ مِنَ الوُجودِ ، وأزالها مِنَ الحَياةِ، وَشَتَّتَ أهْلَهَا في كُلِّ
الجِهَاتِ، كَيْ يَمُوتَ سِرُّ عائلتنا إلى الأبَدِ .
39
في أحَدِ الأيَّامِ ، دَخَلَ
أبي إلى القَصْرِ غاضبًا ، وَجْهُه مُظْلِم ، وعَيْناه زائغتان . رَمَى نَفْسَه في
الأريكةِ الفَخْمَةِ، وَغَطَسَ فيها ، وَحَدَّقَ في السَّقَفِ . رَأتْهُ أُمِّي
ميرنار الشَّركسية بهذه الحالة السَّيئة، فقالتْ لَهُ مُحَاوِلَةً التَّخفيفَ
عَنْه :
_ مَا بِكَ يا سَلْمَان ؟ ،
لماذا أنتَ مُتضايِق ؟ .
صارتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية لا تُنادي أبي بـِ " أبو ناصر "، بَلْ تُناديه باسمِه
المُجَرَّد " سَلْمَان" وكأنَّها لا تَعْترف بِـ ناصر ابن سَمِيحة
الخَدَّامة ، ولا تُريدُ تَذكيرَ أبي بأنَّ له ابنًا اسْمُه ناصر مِنْ زَوجته
الأُولَى ، لِكَيْلا يَحِنَّ إلَيْهَا ، أوْ يَرتبط بِهَا ، أوْ يَتَعَلَّق بِهَا
.
مِسْكِين أخي ناصر،حَتَّى وَهُوَ
مَيتٌ صَارَ مَنبوذًا وَمَنْسِيًّا، وأنا عِندَما عِشْتُ في القَريةِ كُنْتُ
حَيًّا وَمنبوذًا ومنسيًّا. أنا وناصر مَنْبُوذَان وَمَنْسِيَّان . لا أستطيعُ أنْ
أنْسَى صُورَتَه ، وَشَعْرَه الناعم ، وَعَيْنَيْهِ اللامِعَتَيْن ، وَخُدُودَه
الطَّرِيَّة ، وَابْتِسَامَتَه البريئة ، وَقَمِيصَه الأزرقَ. أزرارُهُ مَسَامِير
في ثُقُوبِ جِلْدِي .
لَوْ بَقِيَ أخي ناصر حَيًّا
لَكَانَ الآنَ في السَّابعةِ عَشْرَة مِنَ العُمر ( وُلِدَ في عام 1967 ) ،
وَرُبَّمَا أدخله أبي إلى الكُلِّية الحربيةِ ، ثُمَّ مَنَحَه مَنْصِبًا مُهِمًّا
في الجَيْشِ أو المُخَابَرَاتِ أو الحَرَسِ الجُمْهُورِيِّ أو الأمْنِ
السِّيَاسِيِّ ، وَزَوَّجَه ابنةَ رئيسِ الوُزراء ، أو ابنةَ قائدِ الجَيْشِ ، أو
ابنةَ أغنى رَجُل أعمال كَي يَحْدُثُ تَزَاوُج بَيْنَ السُّلطةِ والثَّروةِ .
أَعْرِفُ أنَّ حُلْمَ أبي هُوَ
العُثورُ عَلَيَّ، ولكنْ يَبْدُو أنَّه حُلْمٌ بَعِيدُ المَنَال ، فأنا شخصيًّا غَيْرُ
قادرٍ عَلى العُثورِ على نَفْسِي . كانَ يَتَمَنَّى أنْ يَجِدَني حَوْلَه في المَآتِمِ
والأعراس . إنَّهُ يَبْحَثُ عَنِّي ، وأنا أبْحَثُ عَنْ نَفْسِي. أنا الهَارِبُ
مِنْ نَفْسِي،والهاربُ مِنْ قَوانينِ العائلاتِ والعَشائرِ والقَبائلِ.لَمْ
يَجِدْني بَيْنَ رِجَالِ القَبائلِ . كانَ وَحِيدًا في زَوابعِ القَلْبِ المَكسور
. الآبَاءُ مُحَاطُون بأبنائِهِم، وَيَتَفَاخَرُون بِهِم ، وَيُعَدِّدُون إنجازاتِهم
. أمَّا هُوَ فَيَظَلُّ وَحِيدًا كَالرِّياحِ ، وَصَامِتًا كالسَّرَابِ . وفي
أحيانٍ كثيرة يَخْتَرِع وَسيلةً للهُروبِ ، فَيُخْبِر الحُضُورَ أنَّ لَدَيْهِ مَوْعِدًا
مَعَ فَخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَيَنْطَلِق معَ سَائِقِهِ الخاصِّ وحُرِّاسِهِ
الشَّخْصيين في شوارعِ الصَّدى المُوحِشِ في المَدينةِ المُتَوَحِّشَة .
كانَ أبي مُتَضَايِقًا
بِشِدَّةٍ ، وَمُنْزَعِجًا بشكلٍ واضح . نَظَرَ إلى أُمِّي ميرنار الشَّركسية ،
وقالَ لَهَا :
_ وَسائلُ الإعلامِ التابعة
للمُعَارَضَة السِّيَاسِيَّة تَقُولُ إنَّني قَتَلْتُ أخي معالي الدُّكتور صَبْري
رَشَاد كَيْ أتَزَوَّجَ أرْمَلَتَه مِنْ بَعْدِه. سَوْفَ أرْمِيهم في السِّجْنِ
مِثْلَ الكِلابِ، وَأجْعَلُهُم يَتَعَفَّنُون في الزَّنازين.
ثارتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية ، وَقالتْ بأعلى صَوْتٍ :
_ اللَّه يَقْطع ألْسِنَتَهُم
، هَؤلاء خَوَنَة وعُمَلاء وإرهابِيُّون وأعداء للثَّورةِ وأعداء للوَطَن .
رَيِّحْ أعصابَكَ يا سَلْمَان ، ولا تَنْزَعِجْ ، هَذه إشاعة مُغْرِضَة لِتَمزيقِ
الوَحدةِ الوَطنيةِ ، وتَهديدِ الأمْنِ القَوْمِيِّ . أنتَ نائبُ رئيسِ
الجُمهوريةِ الذي وَضَعْتَ الدُّكتورَ صَبْري رَشَاد في مَنْصِبِ وزير التربية
والتعليم ، وَوَضَعْتني في مَنْصِبِ وَزيرة التَّنمية
الاجتماعية ، وَلَوْلاكَ لَمَا صِرْنَا وَزِيرَيْن في الحُكومة . لَحْمُ كتافنا
مِنْ خيرك، وأنتَ مَصْدَرُ الخَيْرِ والرِّزْقِ والبَرَكَة .
وأردفتْ قائلةً بِدَلَعٍ وَدَلالٍ :
_ لَيْتَني أنْجَبْتُ نارت وَثُرَيَّا
مِنْكَ يا سَلْمَان .
نَظَرَ أبي إلَيْهَا نَظْرَةً حَانِيَةً ،
وقالَ وَقَد ارتاحتْ أعصابُه :
_ كَمْ تَمَنَّيْتُ أنْ يَكُونَ هِشَام هُوَ
ابْنَكِ يا ميرنار ، وَلَيْسَ ابن سَمِيحة الخَدَّامة .
_ إنْ شَاءَ اللَّه ، سَوْفَ أملأ لَكَ
القَصْرَ بالأولادِ يا سَلْمَان ، أنتَ الخليفة سَلْمَان ، وأنا السُّلطانة ميرنار
الشَّركسية .
شَبَحُ أُمِّي سميحة الخَدَّامة سَيَظَلُّ
يُطاردني طِيلة حَيَاتي . كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ أتَحَرَّرَ مِنْه ؟ . أنا الآنَ
ابنُ ميرنار الشَّركسية . هَرَبْتُ مِنْ المَاضِي الكَاسِرِ المَكسورِ ، ولا
أُريدُ أنْ يَعْرِفَ تاريخي أحَد . فَرَرْتُ مِنْ وَجْهِي، وَأُريدُ مِنَ الناسِ
أنْ يَعْرِفُوا أقنعتي الضائعة في أزمنتي . أنا شامل أبو شركس .
مِنَ الواضحِ أنَّ فِكرةَ الإنجاب
مُسَيْطِرَةٌ عَلى عَقْلِ أُمِّي ميرنار الشَّركسية بشكلٍ كاملٍ ، وَمُهَيْمِنَةٌ
عَلى حَوَاسِّهَا وأعضائِها وَجَوَارِحِهَا بِصُورةٍ تَامَّة . كُنْتُ أراها
تُصَلِّي قِيَامَ الليلِ ، وتَدْعُو : (( اللهُمَّ ارْزُقْني عَشْرَةَ أولاد أصِحَّاء
بَدَنِيًّا وَعَقْلِيًّا )). وَقَدْ نَذَرَتْ نَذْرًا للَّهِ سُبحانَه وَتَعَالى ،
إذا أعْطَاهَا عَشْرَة أولاد أصِحَّاء بَدَنِيًّا وَعَقْلِيًّا أنْ تَكْفُلَ ألْفَ
يتيم ، وَتُطْعِمَهُمْ وَتُلْبِسَهُم وَتُعَلِّمَهُم حَتَّى الجامعة .
40
السَّعَادَةُ تَتَفَجَّرُ في قَصْرِنا
الرائعِ. أُمِّي ميرنار الشَّركسية حَامِلٌ . أبي تائهٌ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ ، وأنا
ونارت في غَايةِ السَّعَادةِ ، نَلْعَبُ ، وَنُغَنِّي ، وَنَرْقُص . وَأُمِّي
سَمِيحة كانتْ تَلْطِمُ خُدُودَها في غُرفتها ، وَتَبْكي بِحُرْقَةٍ وألَمٍ .
كُنَّا نَعُدُّ الأيَّامَ يَوْمًا يَوْمًا في انتظارِ مَوْعِدِ الوِلادةِ ،
وَنَحْنُ نُرَاقِبُ التَّغَيُّراتِ التي تَطْرَأ عَلى جَسَدِ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية . انْتَفَخَ بَطْنُها بشكلٍ مُخِيف ، وَصَارَتْ مِثْلَ البِرْمِيل . هُناك
امرأتان تُرافقانها باستمرار، طبيبة النِّسَائية والتَّوليد ، وأخصائية التَّغذية
.
في 28/10/1984 ، أنْجَبَتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية
أربعة توائم في مُستشفى الوَحدةِ الوَطنية. كادَ أبي أنْ يَطِيرَ مِنَ الفَرَحِ .
صارَ يَتَصَرَّفُ كالمَجنونِ مِنَ السَّعَادةِ الغامرةِ ، قالَ إنَّ هَذا اليَوْمَ
أجملُ يَوْمٍ في حَياته على الإطلاقِ ، حتى إنَّه أجْمَلَ مِنْ يَوْمِ 10/8/1982 ،
وَهُوَ تاريخ الثَّوْرَةِ المَجِيدة التي كانَ أبي أَحَدَ قَادَتِهَا
وَصُنَّاعِهَا ، وواحدًا مِنْ أَهَمِّ العُقُولِ المُدَبِّرَة والمُخَطِّطَة
لَهَا، وَيَكْفِيهِ فَخْرًا وَشَرَفًا وَمَجْدًا أنَّهُ أوَّلُ مَنْ أذاعَ
البَيَانَ الأوَّلَ للثَّوْرَة. وَعِندَما قالَ هَذه الجُملة الخطيرة، تَلَفَّتَ
حَوْلَه لِكَيْلا يَكُون هُناك أحَد الجواسيس ، وَيَتِم نَقْلُ الكلامِ إلى
فَخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ مُراد عادل ، لأنَّه سَيَغْضَبُ كثيرًا ، ويَنْزَعِج
أشدَّ الانزعاجِ، وَيَحْقِد عَلى أبي ، خُصُوصًا أنَّ الثَّوْرَةَ قامتْ عَلى
التَّضحيةِ والبَسَالَةِ والبُطولةِ والمُوَاجَهَةِ ، وَبُذِلَ مِنْ أجْلِهَا
الغالي والنَّفِيس .
لَمْ يُصَدِّقْ أبي أنَّ لَدَيْهِ الآن
أربعة أولاد ذُكُور ، كُلُّهُم كانوا في بَطْنٍ واحد . لَو استمرَّ الحالُ عَلى
هَذا النَّحْوِ ، فَسَوْفَ يُكَوِّنُ أبي عشيرةً كبيرةً ، وَيَتَحَرَّر مِنْ
عُقْدَةِ الشُّعورِ بالنَّقْصِ ، باعتبارِه مَقطوعًا مِنْ شَجَرَة . أُمِّي
المِسكينة سَمِيحة عِندَما عَلِمَتْ بالمَوضوعِ أُغْمِيَ عَلَيها ، وعِندَما
أفاقتْ قالتْ : أنجبتُ أربع بنات في أربعة بُطون ، وهَذا الشَّركسية أنجبتْ أربعة
أولاد في بَطْنٍ وَاحد .
دَخَلْتُ أنا ونارت إلى الغُرفةِ كَيْ نَرى
إخوانَنا الجُدُد . كانتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية ترتاح في سريرِها، وَعَلى
يَمينِها وَلَدَان، وَعَلى يَسَارِها وَلَدَان. رَأيْتُ وُجُوهَهم الصغيرةِ. كانوا
جَمِيلِين وناعِمِين رَغْمَ أنَّ مَلامحَهم غَيْر واضحة تَمَامًا .
أرادتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية إطلاقَ
أسماء شركسية عَلَيْهِم ، ولكنَّ أبي نَبَّهَهَا أنَّ هَذا الأمر قَدْ يُؤَثِّر
عَلى مُستقبلهم السِّياسيِّ والعَسكريِّ ، خُصُوصًا أنَّ جُمهورية الأحلامِ الوردية هِيَ جُمهورية قَوْمِيَّة
اشتراكيَّة دِيمقراطيَّة رُومانسيَّة، وَرُبَّمَا تَسْتَغِلُّ الحركةُ القَوميةُ
العربيةُ هَذا الأمر للطَّعْنِ فِيهِم ، والتعاملِ مَعَهُم عَلى أنَّهُمْ لَيْسُوا
عَرَبًا ، ويُريدُون حُكْمَ دَولة عربية . وبَعْدَ تفكيرٍ عَميق، قَرَّرَ أبي أنْ
يُطْلِقُ عَلَيْهِم أسماء: زَيْد ، زايد ، زياد ، زيدان .
ثُمَّ قالَ إنَّهُ يَشْعُر
أنَّ أسماءَهم مُجَرَّدَة ، ويُريدُ أنْ تَكُون أسماء وألقابًا ذَات وَقْعٍ شديد
وقوي ، لِتَتَشَابَه معَ أسماءِ الخُلَفَاءِ العِظَام والقادةِ الفاتحين والأبطال
المُنْتَصِرِين . وَبَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ ، قَرَّرَ أنْ تَكُونَ أسماؤُهُمْ عَلى
هَذا النَّحْوِ: زَيْد سَيْفُ الدَّولةِ، وزايد دِرْعُ الجُمهوريةِ، وزياد رُمْحُ
النِّظَامِ ، وزيدان صَقْرُ الثَّوْرَةِ .
فَرِحَتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية بهذه الأسماء والألقابِ ، وقالتْ :
_ إنْ شاءَ اللَّهُ ، سَوْفَ
يَحْكُمُ أولادي البِلادَ ، وَيَقُودوا الدَّولةَ إلى بَرِّ الأمان .
قُلْتُ بِسَذاجةٍ وَبَسَاطَةٍ
مَعَ شُعورٍ طُفوليٍّ بالغَيْرَة :
_ أعْطِني لَقَبًا يا أبي
مِثْلَ إخْوَاني .
نَظَرَ إلَيَّ أبي نَظْرَةً
حَادَّةً ، وقالَ بِصَرَامَةٍ :
_ أنتَ سِيَادة الشَّريف
هِشَام القُرَشِي ، أمَّا هَذه الألقاب فَهِيَ فَقَط لأولادِ الشَّركسية .
قُلْتُ بِوَقَاحَةٍ مَعَ شَيْء
مِنَ العِنَادِ :
_ نارت ابنُ الشَّركسية ،
لِمَاذا لا تُعْطِيه لَقَبًا ؟ .
_ لأنَّ نارت لَيْسَ ابْني،
وَلَيْسَ مِنْ صُلْبي . إنَّ أولادي الحقيقيين الذينَ خَرَجُوا مِنْ ظَهْرِي إلى
رَحِمِ زَوْجَتي الشَّركسية .
مَا مَعْنى هَذا الكلام ؟ .
هَلْ تَبَرَّأ مِنِّي أبي ؟ . هَلْ أنا لَسْتُ ابنًا حقيقيًّا لَهُ لأنَّ أُمِّي
سميحة الخَدَّامة وَلَيْسَتْ ميرنار الشَّركسية ؟ . لا أحَد يَختار أبَوَيْه ، ولا
أحَد يَختار الزَّمَانَ والمَكَانَ اللذَيْن يُولَد فِيهما . لَمْ أتَوَقَّعْ أنْ
يَكُونَ أبي صريحًا إلى هَذه الدَّرَجَة ، وواضحًا إلى هَذا الحَدِّ . تَوَقَّعْتُ
أنْ يُجاملني أوْ يَكْذِب عَلَيَّ ، وَيَمْنَحَني لَقَبًا مِثْلَ إخواني أولادِ
الشَّركسية مِنْ بابِ المُجَامَلَةِ ، أوْ بدافعِ اللُّطْفِ ، ولكنَّه لَمْ
يَفْعَلْ ، حتى ميرنار الشَّركسية التي اعتبرتُها أُمِّي ، وَهِيَ فِعْلًا أُمِّي
في الرَّضَاعة ، وَتَخَلَّيْتُ عَنْ أُمِّي ووالدتي سميحة الخَدَّامةِ مِنْ
أجْلِها ، لَمْ تَتَكَلَّمْ بأيَّة كَلِمَة ، وَلَمْ تَقِفْ مَعِي ، وَلَمْ
تُسَانِدْني ، وَلَمْ تَطْلُبْ مِنْ أبي أنْ يُعْطِيَني أيَّ لَقَب ، حَتَّى لَوْ
كانَ لَقَبًا بِلا مَعْنى ولا جَدْوى .
لَقَدْ كانتْ أُمِّي سميحة الخَدَّامة
ذَات رؤية بعيدة النظر، وَأكثرَ وَعْيًا وذَكاءً مِنِّي ، عِندَمَا قالتْ : (( مِسْكِين
أنتَ يا ابْني يا هِشَام، سَوْفَ تَتْعَب في حَياتك، وتَخْرُج مِنَ المُولِد بلا
حمص . وَغَدًا ، أولادُ الشَّركسيةِ سَوْفَ يَحْكُمُون البِلادَ ، ويُسَيْطرون
عَلى الجُمهوريةِ، ويَتَحَكَّمُون بالدَّولةِ . بِصَرِيحِ العِبَارَةِ، أبوكَ
يُريدُ أولادًا كَيْ يَمْنَحَهُم المَناصبَ الحَسَّاسَةَ في الدَّولةِ مِثْل
فَخامةِ الرئيسِ مُراد عادل الذي يُوَزِّعُ أولادَه عَلى المَناصبِ المُهِمَّة في
الجَيْشِ والمُخَابَرَاتِ )) .
بَعْدَ أنْ طَلَّقَ أبي أُمِّي
سميحة ، صارَ اسْمُها الرَّسميُّ في وَسائلِ الإعلام : " السَّيدة
الشريفة سَمِيحَة بِنْت غَزْوَان القُرَشِي ، رئيسة الجَمعية الوَطنية لرعايةِ
المُعَاقين والمَشلولين " . وَتَمَّ حَذْفُ عِبارة " حَرَم نائبِ رئيسِ
الجُمهوريةِ " .
تَفَرَّغَتْ أُمِّي سميحة للعملِ الإنسانيِّ
وَرِعَايةِ المُعَاقين والمَشلولين ، وَدَعْمِهِم مَعنويًّا ومَاديًّا ، خُصُوصًا
أنَّ لَهَا خِبرة في رِعَايةِ أُخْتي ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة ، والاعتناءِ
بِهَا .
وَصَارَ الاسْمُ الرَّسميُّ لأُمِّي
ميرنار الشَّركسية في وَسائلِ الإعلام : " السَّيدة السُّلطانة ميرنار
الشَّركسية أُمُّ الأشبال ، حَرَم نائبِ رئيسِ الجُمهورية " .
اعترضَ بعضُ أعضاءِ مَجلسِ
قِيادةِ الثَّورةِ عَلى لقب " السُّلطانة " ، وقالوا إنَّه يُقَوِّضُ
أُسُسَ النِّظَامِ الجُمهوريِّ ، ويُؤَثِّر سَلْبًا عَلى قُوى الشَّعْبِ الكادحِ ،
وَيُعِيقُ الانتقالَ السِّلْمِيَّ الدِّيمُقراطيَّ مِنَ الشَّرعيةِ الثَّوريةِ إلى
الشَّرعيةِ الدُّستورية . كَمَا اعترضَ بعضُ القَوْميين العرب على كَلِمَة "
الشَّركسية" وقالوا إنَّها عَقَبَةٌ في طَريقِ تَحقيقِ التكاملِ الوَطْنِيِّ
القَوْمِيِّ ، وَنَهْضَةِ الأُمَّةِ العربيةِ الواحدة ذات الرِّسالة الخالدة .
عُرِضَتْ هاتان المَسألتان
عَلى
الجَمعيةِ العَامَّة للمَحكمةِ الدُّستورية العُلْيَا التابعة لِمَحكمةِ أمْنِ
الدَّوْلَةِ، لإصدارِ قَرار إستراتيجي مُلْزِم، مِنْ أجْلِ الحِفَاظِ عَلى الوَحدةِ
الوَطنية،وَحِمَايَةِ الأمْنِ القَوْمِيِّ.
قالَ القَرَارُ بالحَرْفِ الواحدِ: (( إنَّ
لَقَب " السُّلطانة " هُوَ لَقَبٌ نبيل يَخُصُّ الإناثَ ، يَدُلُّ عَلى
السُّلطة ، وميرنار الشَّركسية هِيَ حَرَمُ نائبِ رئيسِ الجُمهورية ، ولَقَبُ
" السُّلطانة " لا يُهَدِّدُ مَبادئَ ثَورةِ 10 آب / أَغُسْطُس
المَجِيدةِ ، ولا يُعَارِضُ أُسُسَ النِّظَامِ الجُمهوريِّ ، خُصُوصًا أنَّ ميرنار
الشَّركسية لَمْ تَكُنْ عُضْوًا في مَجلسِ قِيادةِ الثَّورةِ ، وأيضًا ، قَدَّمَت
اسْتَقَالَتَهَا كوزيرة للتَّنمية الاجتماعية ، وَلَمْ يَعُدْ لَهَا عَلاقة
بالحُكومة . أمَّا بالنِّسْبَة لِكَلِمَةِ " الشَّركسية " ، فإنَّ
المُؤرِّخِين أجْمَعُوا عَلى أنَّ الشَّركسَ مِنَ الشُّعُوبِ العَريقة ، وتاريخهم
قَدِيم، وَقَدْ سَكَنُوا بِلادَ القُوقَازِ الواقعة بالقُرْبِ مِنْ بَحْرِ
قَزْوِين وَشَمَال البَحْر الأسْوَد ، وأيضًا أجملُ مُمَثِّلاتِ السِّينما المِصْرِيَّة
مِنْ أُصُولٍ شَركسية، وكَثِيرٌ مِنَ الحُكَّامِ والمُلُوكِ والقَادَةِ
والزُّعَمَاءِ والعُلَمَاءِ وُلِدُوا لأُمَّهَاتٍ شَركسيات ، وَهَذا يَعْني أنَّ
وُجُودَ المَرْأةِ الشَّركسية في جُمهوريةِ الأحلامِ الورديةِ ضَروريٌّ لِدَعْمِ
القُوَّةِ الناعمةِ، وَتَحْسِينِ النَّسْلِ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تَعزيزِ
العَلاقاتِ بَيْنَ الشُّعُوبِ العربيةِ في مُخْتَلَفِ المَجَالاتِ ، لِتَحقيقِ
التَّكَامُلِ السِّيَاسِيِّ والثَّقَافيِّ والاقْتِصَادِيِّ ، مَعَ احترامِ
سِيَادَةِ واستقلالِ الدُّوَلِ العربية ، وَهَذا يَدْفَعُ باتِّجَاه نَهضةِ
الأُمَّةِ العربية الواحدة ذات الرِّسالة الخالدة )) .
والجَدِيرُ بالذِّكْرِ أنَّ جَمعيات حُقوقِ
المَرْأة أيَّدَتْ هَذا القَرَارَ الإستراتيجي ، وَلَمْ تَعْتَرِضْ عَلَيْه ،
وقالتْ في بَيَانٍ رَسْمِيٍّ : (( إنَّ الكَلِمَتَيْن : " السُّلطانة "
و " الشَّركسية " ، تُسَاهِمَان في تَعزيزِ وحِمَايَةِ حُقُوقِ المَرْأةِ
، بِهَدَفِ زيادةِ مُشاركتها وَمُسَاواتها مَعَ الرَّجُلِ في مَواقعِ صُنْعِ
القَرارِ ، خُصُوصًا أنَّ الدُّستورَ المُنْبَثِق عَنْ ثَوْرَةِ 10 آب / أَغُسْطُس
المُبَارَكَة يَنُصُّ عَلى المُسَاوَاةِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ في الحُقوقِ
والواجباتِ ، بِمَا فِيها الحُقوق السِّيَاسِيَّة ، كَمَّا نَصَّ عَلى حَقِّ
المَرْأةِ في التَّصويتِ والتَّرَشُّحِ في الانتخابات )) .
بَعْدَ زَواجِ أبي مِنْ ميرنار الشَّركسية ،
صَارَ يَتَخَيَّلُ نَفْسَه أحَدَ الخُلَفَاءِ العُثمانيين ، وسَلاطينِ الدَّولةِ
العُثمانية . الجَنَاحُ في القَصْرِ الذي يُقِيمُ فيه هَوُ وَزَوجته ميرنا
الشَّركسية شَهِدَ تَغْييرًا واسعًا . أحضرَ أبي مُهندسَ ديكور ، وعُمَّالًا ،
وَفَنِّيين ، وأَمَرَهُم أنْ يَجْعلوا الجَنَاحَ عَلى الطِّرازِ العُثمانيِّ الذي
يَتَمَيَّزُ بالفَخَامَةِ والثَّرَاءِ ، مِنْ خِلال : الزَّخَارِف المُعَقَّدَة ،
والنُّقُوش الدَّقيقة التي تُغَطِّي الجُدْرَانَ والأسْقُفَ والأرضيات ، واستخدام
الألوان الزاهية والغَنِيَّة مِثْل : الأحمر والأزرق والذهبي، وَدَمْج الأعمال
الخشبية المُزَخْرَفَة والأقمشة الفاخرة في الأثاثِ والمَفروشات ، معَ السَّجَّاد
المُطَرَّز بِنُقُوش هَندسية . وَقَدْ أرادَ أبي أنْ تَكُون الزَّخارفُ جُزْءًا لا
يَتَجَزَّأ مِنَ الهُوِيَّة المِعْمارية لِقَصْرِنا الفَخْمِ في جُمهوريةِ
الأحلامِ الوردية ، وَلَيْسَ الهدفُ مِنها هُوَ تَزْيينَ المَبْنَى فَحَسْب، بَلْ
أيضًا التَّعبير عَنْ قُوَّةِ الدَّولة وَفَخْرِهَا بثقافتها المُستمدة مِنْ
مَبادئِ ثَورةِ 10 آب / أَغُسْطُس العظيمة .
وَأحْضَرَ أبي مُصَمَّمَ أزياء ، وَأَمَرَه
أنْ يُفَصِّلَ لَهُ مَلابس كالتي كانَ يَلْبَسها الخُلَفاءُ العُثمانيون ، وَصَارَ
أبي في القَصْرِ يَرتدي قَفْطَانًا مُطَرَّزًا بشكلٍ غَنِيٍّ .
وَأَمَرَ أبي مُساعديه بإحضار عَشَرَات
الكُتُب التي تَتَحَدَّث عَن الدَّولةِ العُثمانية وَسِيَرِ الخُلَفَاءِ
والسَّلاطين بشكلٍ تَفْصيلي ، مُنْذُ قِيامِ الدَّولةِ حَتَّى سُقوطها ، مَعَ
التَّركيزِ عَلى زَوجاتِ الخُلَفَاءِ العُثمانيين ، وَشَرْحِ أدوارهنَّ في
القَصْرِ والحَرِيم .
تَمَنَّى أبي أنْ يُنْشِئَ في قَصْرِنا
الكبيرِ جَنَاحًا كاملًا للحَرِيمِ لِيَكُون بِمَثَابةِ الحَرَمْلِك ، خُصُوصًا
أنَّ هُناك غُرَفًا كثيرة في قَصْرِنا الكبيرِ فارغة وَغَيْر مُسْتَغَلَّة . تَمَنَّى
لَوْ كانتْ أُمُّه ( جَدَّتي أنيسة التي كانتْ تَعْمَلُ خَدَّامة في البُيوتِ )
عَلى قَيْدِ الحَياةِ، وأنْ يَتَزَوَّجَ أربع زَوْجَات، وَيَكُون لَه عَشَرَات
الجَوَاري ، وَيَضُم جَنَاحُ الحَرِيمِ أُمَّه وَزَوْجَاتِه وَجَوَاريه ، وأنْ
يُمَثِّلَ مَركَزًا مُهِمًّا للسُّلطةِ السِّياسية والاجتماعية داخل جُمهوريةِ
الأحلامِ الوَرديةِ التي قَدْ تُصْبح إمبراطوريةً في المُسْتَقْبَل ، ويُمْكِنُ
لِنِسَاءِ الحَرَمْلِك أنْ يَلْعَبْنَ دَوْرًا مُؤثِّرًا في شُؤونِ الدَّولةِ .
سَمِعْتُ أبي يَقُول في إحدى المَرَّاتِ :
(( لَيْتَني كُنْتُ خَلِيفَةً عُثمانيًّا
كَيْ أَجْمَعَ السَّبَايا وَالجَوَاري الشَّركسيَّاتِ والجُورجيَّاتِ
والرُّوسيَّاتِ والأرمنيَّاتِ في الحَرَمْلِك )) .
صَارَت العِبَارَةُ تَتَرَدَّد في دَاخِلي بِلا
وَعْيٍ ولا تَخطيطٍ . إنَّها تَتَكَرَّرُ في ذِهْني باستمرار رَغْمًا عَنِّي ، وَيَصْعُب
عَلَيَّ التَّخَلُّص مِنها . كانتْ هَذه الجُملة الرهيبة هِيَ بِداية إصابتي
باضطرابِ الوَسْوَاسِ القَهْرِيِّ ، حَيْثُ إنَّني أشعُرُ أنَّ فِكرةً مُعَيَّنَةً
أوْ عِبَارَةً مُحَدَّدَة تُلازمني دائمًا ، وتَحْتَلُّ جُزْءًا مِنْ وَعْيي
وشُعوري بشكلٍ قَهْرِيٍّ ، ولا أستطيعُ التَّخَلُّصَ مِنها أو الابتعادَ عَنْهَا .
لَقَدْ عَانَيْتُ وَمَا زِلْتُ أُعَاني مِنَ الوَسْوَاسِ القَهْرِيِّ ، وَهُوَ
فِكْرٌ مُتَسَلِّطٌ ، وَسُلُوكٌ جَبْرِيٌّ ، يَظْهَر بِتَكرارٍ في ذِهْني ،
ويُلازمني ، وَيَسْتَحْوِذ عَلَيَّ ، ولا أستطيعُ مُقاومته ، رَغْمَ وَعْيي
بِغَرابته ، وَعَدَمِ فائدته .
لَوْ أصبحت الجُمهوريةُ إمبراطوريةً في
المُسْتَقْبَلِ ، هَلْ يُمْكِنُ أنْ تَحْكُمَها السُّلطانةُ ميرنار الشَّركسية ؟ .
استعانَ أبي بفضيلةِ الشَّيْخِ حَسُّونة بدير مُفْتي الجُمهوريةِ لأخْذِ الرَّأيِ
الشَّرْعِيِّ في المَوضوعِ. قالَ مُفْتي الجُمهوريةِ : (( في صحيح البُخاري أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
" لَنْ يُفْلِحَ
قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امْرَأةً " . أي : لَن يَفُوزوا بما يَطْلُبُون إذا
وَلَّوْا ومَلَّكُوا أمْرَهم امرأةً ، وذلك لِنَقْصِ المَرْأةِ وعَجْزِها، والوالي
والأميرُ مَأمورٌ بالظُّهُورِ للقِيَامِ بأُمُور رَعِيَّتِه، والمَرأةُ لا تَصْلُح
لذلك ، فلا يَصِحُّ أن تُوَلَّى الإمَامَةَ ولا القَضَاءَ )) .
أَطْرَقَ مُفْتي الجُمهوريةِ بُرْهَةً ،
ثُمَّ قالَ : (( ولكنْ هُناك مَخْرَجٌ شَرْعِيٌّ . يُمْكِن أنْ نَقُول إنَّ
الحديثَ خَاص بالمَرْأةِ العربيةِ ، والسُّلطانة ميرنار شركسية ، فَهِيَ حالة
استثنائية ، وَلِكُلِّ قاعدةٍ استثناء . وَوَفْقَ قاعدةِ : " الضَّرورات
تُبيحُ المَحظورات " ، و " رِفْقًا بالقَوارير " ، والشَّركسياتُ
ناعماتٌ وَرَقِيقاتٌ وَلَطِيفاتٌ ، فإنَّ السُّلطانة ميرنار الشَّركسية يَجُوز
لَهَا أنْ تَحْكَمَ إمبراطوريةَ الأحلامِ الوَردية ، للحِفَاظِ عَلى الوَحدةِ
الوَطنية ، وَحِمَايَةِ الأمْنِ القَوْمِيِّ ، بدليل أنَّ شَجَرَةَ الدُّرِّ الشركسية
مَلِكَة المُسْلِمين ، تَوَلَّتْ عَرْشَ مِصْر لِمُدَّة ثمانين يَوْمًا بِمُبايعة
مِنَ المَماليكِ وأعيانِ الدَّولة ، وَقَدْ لَعِبَتْ دَوْرًا تاريخيًّا مُهِمًّا
أثناءَ الحَمْلة الصَّليبية السابعة عَلى مِصْر ، وخِلال مَعركةِ المَنصورة . وإنْ
شَاءَ اللَّهُ ، سَوْفَ يَكُون للسُّلطانة ميرنار الشَّركسية دَوْرٌ مُهِمٌّ في
تَحرير فِلَسْطِين والأندَلُس )) .
ارتاحَ أبي لِهَذه الفَتْوى مِنْ فَضيلةِ
الشَّيْخ حَسُّونة بدير مُفْتي الجُمهورية ، فَهُوَ مَعروفٌ بِصَفَاءِ الذِّهْنِ ،
وَقُوَّةِ الفَهْمِ ، وَصَبِّ العِلْمِ صَبًّا ، وَلَدَيْهِ مَخْرَج شَرْعِيٌّ
لِكُلِّ قضية ، وَيُفَصِّلُ الفَتْوَى حَسَب الطَّلَبِ ، وَيَقْلِبُ الليلَ إلى
نَهَار ، والنَّهَارَ إلى لَيْلٍ ، ويُحَوِّل الحَلالَ إلى حَرَامٍ ، والحَرامَ
إلى حَلالٍ ، لِتَجديدِ الخِطَابِ الدِّينيِّ ، وَحِمايةِ الوَحدةِ الوَطنيةِ والأمْنِ
القَوْمِيِّ .
وَقَد اتَّهمته المُعَارَضَةُ بأنَّه مِنْ
عُلَمَاءِ السُّلطانِ، ويُوظِّف عِلْمَه وَدِينَه لِخِدمةِ الحاكمِ والسُّلطةِ،
لتحقيقِ مَصْلحته الشَّخْصية ، وَلَيْسَ ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ تعالى . وَقَدْ
رَدَّ عَلَيْهِم بِقَوْلِه : (( إذا رَأيْتَ مَنْ يَتَّهِمُ العُلماءَ بِعُلماءِ
السُّلطان ، فَاعْلَمْ أنَّه خارجيٌّ مُتَعَطِّشٌ للحُكْمِ والرئاسةِ لِقَتْلِ
المُسْلِمِين الذينَ لَمْ يَعْتقدوا بعقيدته )) . وأيضًا رَدَّ عَلَيْهِم قائلًا :
(( إنَّني حريصٌ عَلى صَوْنِ مُنْجَزَاتِ الثَّوْرَةِ ، وَحِمَايَةِ الدَّولةِ ،
والحِفَاظِ عَلى الإنسانِ والأُسْرَةِ والمُجتمع ، بدليل أنَّني تَزَوَّجْتُ أربع
نِسَاء ، لِتَخفيفِ أعدادِ الأراملِ والمُطَلَّقَاتِ والعَوانسِ في بِلاد
المُسْلِمين . ولا أعْرِفُ عَدَدَ أولادي وَبَنَاتي مِنْ كَثْرتهم . وفي الحَدِيثِ
الصَّحيح أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإنِّي مُكَاثِرٌ
بِكُمُ الأُمَمَ " )) . وَوَجَّهَ كَلامَه إلى
المُعَارَضَةِ مازحًا : (( لَسْتُ مِنَ عُلماءِ السُّلطانِ ، ولكنَّني مِنْ
عُلماءِ السُّلطانة )) ، يَقْصِد ميرنار الشَّركسية .
تَقَمَّصَ أبي دَوْرَ الخَليفةِ العُثمانيِّ
بِكُلِّ ثِقَةٍ ، وصارَ يُجسِّد شَخْصِيَّتَه بشكلٍ كاملٍ وتام . في البِدايةِ
ظَنَنْتُ أنَّه يَمْزَحُ أوْ يَلْعَبُ أوْ يُمَارِس هِوايةَ التَّمثيلِ في وَقْتِ
الفَرَاغِ ، ولكنَّ الأمْرَ كانَ في مُنْتَهَى الجِدِّيةِ والخُطورةِ .
قالَ لِي في إحْدَى المَرَّاتِ وَعَيْنَاه
تَتَوَهَّجَان بشكلٍ غريب :
_ أُفَكِّرُ أنْ أغُيِّرَ اسْمِي مِنْ
سَلْمَان إلى سُلَيْمَان .
تَعَجَّبْتُ مِنْ هَذا الكلامِ ، واستغربتُ
مِنْ طَريقةِ تَفكيرِه ، خُصُوصًا أنَّ أبي هُوَ الرَّجُل الثاني في الدَّولة ،
واسْمُه سَلْمَان ، وَهُوَ مَشهور ، ومَعروف بِه .
قُلْتُ لأبي وأنا في حالةِ ذُهُولٍ :
_ لماذا تُريدُ تَغييرَ اسْمِكَ يا أبي ؟ .
أجابني بِصَوْتٍ ثابتٍ وَصُلْبٍ :
_ أُريدُ أنْ أحْمِلَ اسْمَ الخليفةِ
العُثمانيِّ سُلَيْمَان القانوني ، وَأتَشَبَّه بِه ، وأسِير عَلى خُطَاه .
لَمْ أسْمَعْ بِهَذا الاسْمِ في حَيَاتي .
كَيْفَ ظَهَرَ هَذا الاسْمُ في قَصْرِنا ؟ ، مِنْ أيْنَ جاءَ هَذا الخليفة إلى
عَالَمِنَا ؟ . قُلْتُ لأبي مُتَعَجِّبًا :
_ هَلْ هُوَ شَخْصٌ مُهِم ؟ .
ابتَسَمَ أبي ابتسامةً غامضةً وكأنَّه
يَسْتهزئ بي ، وَيَسْخَر مِنْ جَهْلي ، وقالَ بِنَبْرَةٍ واثقة :
_ سُلَيْمَان القانوني هُوَ عاشرُ
السَّلاطين العُثمانيين ، وخَلِيفةُ المُسْلِمين الخامس والسَّبْعُون ، وثاني مَنْ
حَمَلَ لَقَبَ " أمير المُؤمنين" مِنْ آل عُثمان، وصاحبُ أطْوَلِ فَترةِ
حُكْم مِنْ سَنَة 1520م حتى وَفَاتِه سَنَة 1566 م . بَلَغَت الدَّولةُ
العُثمانيةُ في عَهْدِه أقْصَى اتِّسَاع لَهَا ، حَتَّى أصبحتْ أقوى دَولة في
العَالَمِ في ذلك الوَقْت . عُرِفَ عِندَ الغَرْبِ باسْمِ سُلَيْمَان العظيم ، وفي
الشَّرْقِ باسْمِ سُلَيْمَان القانوني .
قُلْتُ لأبي بِسَذاجةٍ وَمَنْطِقٍ طُفولي :
_ أنتَ أبي سَلْمَان العظيم ، وأفضلُ مِنَ
الخَليفةِ العُثمانيِّ سُلَيْمَان القانوني ، لأنَّكَ نائبُ رئيسِ
الجُمهورية،وَأوَّلُ مَنْ أذاعَ البَيَانَ الأوَّلَ لِثَوْرَةِ 10 آب / أَغُسْطُس،
وَسُلَيْمَان القانوني لَمْ يَفْعَلْ هَذا، كَمَا أنَّ اسْمَكَ الرَّسميَّ في جَمِيعِ وَسائلِ الإعلامِ هُوَ : " نائب
رئيس جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرْدِيَّة السَّيِّد الشَّريف اللواء أركان حرب
سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي " . وَسُلَيْمَان القانوني لَمْ يَكُنْ سَيِّدًا
ولا شريفًا ولا لِوَاء أركان حرب ولا قُرَشِيًّا .
ضَحِكَ أبي ضِحْكَةً عالية ، وقالَ :
_ عَقْلُكَ سَوْفَ يُتْعِبُكَ في الحَياةِ
يا هِشَام ، وَكَلامُكَ أكبرُ مِنْ سِنِّكَ . إنَّ لَقَبَ سُلَيْمَان القانوني
أفضل مِنْ لَقَبي .
_ وماذا كانَ لَقَبُه ؟ .
_ كانَ لَقَبُه : " صاحب الجَلالة
الإمبراطورية السُّلطان سُلَيْمَان الأوَّل ، حاكم بَيْت عُثمان ، سُلطان
السَّلاطين ، خان الخانات ، أمير المُؤمنين ، وخليفة رسول اللَّه في الأرض ،
حَامِي المُدُنِ المُقَدَّسَةِ الثلاث مَكَّة والمدينة والقُدْس " .
قُلْتُ بِحَمَاسَةٍ شديدة وَبَسَاطَةٍ
طُفولية مَمْزوجة معَ الجَهْل :
_ لَقَب طويل ورائع ، لماذا لا تَخْتار
لَقَبًا أطْوَلَ مِنْه يا أبي كَيْ تَتَفَوَّقَ عَلى سُلَيْمَان القانوني ؟.
تَنَهَّدَ أبي تَنهيدةً عَميقة ، وقالَ
بِحَسْرَةٍ بالغة :
_ كُنْتُ أتَمَنَّى أنْ أكُونَ أميرَ
المؤمنين وخَليفةَ المُسْلِمين ، كَيْ أُحَرِّرَ فِلَسْطِين والأندَلُسَ ،
وَأُعِيدَ أمجادَ الحَضَارَةِ العربية الإسلامية، ولكنَّ فَخامة رئيسِ الجُمهورية
مُراد عادل سَيَغْضِبُ مِنِّي ، وَيَنقلب عَلَيَّ ، لأنَّ هَذَيْن اللَّقَبَيْن
مِن اختصاصِه ، وأيضًا سَتَنْزَعِج زَوْجَتُه تَغْريد نَصْري الماشية على حَلِّ
شَعْرِها .
صَارَ أبي يُلَقِّبُ نَفْسَه " الخليفة
سُلَيْمَان الفاتح " ، تَيَمُّنًا باسمِ الخليفةِ سُلَيْمَان القانوني ،
واسْمِ الخليفة مُحَمَّد الفاتح الذي فَتَحَ القُسْطَنْطِينِيَّة ، وَزَعَمَ أنَّه
رَآهُمَا في المَنَام ، وَسَلَّمَاه الصَّوْلَجَانَ والرَّايةَ، وأجْلَسَاه عَلى
العَرْشِ،وقَالا لَه : (( أنتَ مُحَرِّرُ فِلَسْطِين وَفَاتِحُ بَيْتِ المَقْدِسِ
)).
وصارتْ زَوْجَتُهُ ميرنار الشَّركسية
تُخَاطِبُه " سَيِّدِي وَمَوْلاي الخليفة سُلَيْمَان الفاتح " ، وَهُوَ
يُخَاطِبُها " حَضْرَة السُّلطانة ميرنار الشَّركسية " ، وهَذا في
لَحَظَاتِ الصَّفَاءِ والهُدوءِ والرُّومانسيَّةِ ، ولا يَحْدُث إلا داخل أسوارِ
القَصْر ، وَلَيْسَ في الخارجِ . وكُنْتُ سعيدًا بِهَذا الأمْرِ ، وأشعرُ أنَّني
في مَسرحية جميلة ، يَحْفَظُ كُلُّ مُمَثِّلٍ دَوْرَه ، وَيُؤَدِّيه بِبَرَاعَةٍ ،
أوْ أنَّني في عَالَمٍ سِحْرِيٍّ مِنْ عَوَالِم ألف لَيْلَة وَلَيْلَة. ولكنَّ
السَّعَادة زائلة وَمُؤقَّتة ، وَلَحَظَاتُ الهَنَاءِ قليلة ، وَدَوَامُ الحَالِ
مِنَ المُحَالِ . وكَمَا قالَ الشاعرُ :
أَحْسَنْتَ ظنَّكَ بالأيَّامِ إذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يأتي بِهِ القَدَرُ
وسَالَمَتْكَ الليالي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا وَعِنْدَ صَفْوِ الليالي يَحْدُثُ الكَدَرُ
ارتكبتُ الخَطأ القاتلَ، وأفسدتُ الحَفْلَةَ
الوَهْمِيَّة . كُنْتُ ألعبُ الشِّطْرَنْجَ مَعَ نارت في إحدى الليالي ، واندمجتُ
في اللعبةِ بِكُلِّ حَوَاسِّي ، حَتَّى نَسِيتُ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلي . وكانتْ
أُمِّي ميرنار الشَّركسية جالسةً بالقُرْبِ مِنَّا تُتَابع مُسَلْسَلًا
تلفزيونيًّا لا أذكُرُ اسْمَه . وفَجْأةً ، قُلْتُ بِصَوْتٍ عال أثناءَ اللعبة
بِلا وَعْيٍ ولا تَخْطيط : (( لَيْتَني كُنْتُ خَلِيفَةً عُثمانيًّا كَيْ أَجْمَعَ السَّبَايا وَالجَوَاري
الشَّركسيَّاتِ والجُورجيَّاتِ والرُّوسيَّاتِ والأرمنيَّاتِ في الحَرَمْلِك
)) . رَدَّدْتُ هَذه العِبارةَ التي سَمِعْتُهَا مِنْ أبي وكأنَّها مَقْطَعٌ مِنْ
أُغْنِيَةٍ خاضعٌ لاضطرابِ الوَسْوَاسِ القَهْرِيِّ .
مَا إنْ سَمِعَتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية
هَذه العِبارةَ حَتَّى الْتَفَتَتْ إلَيَّ بِسُرعة كاللبُؤَةِ التي تُريدُ أنْ
تَنْقَضَّ عَلى الفَريسَة ، وقالتْ لِي وَعَيْنَاهَا جَمْرَتان حارقتان :
_ ماذا قُلْتَ يا هِشَام ؟ .
ارتجفتْ يَدَاي ، وَتَوَقَّفْتُ عَن اللعب ،
وأصابني الهَلَعُ ، وبَلَعْتُ رِيقِي ، وانعقدَ لِسَاني ، وَلَمْ أستطع النُّطْقَ
بأيَّة كَلِمَةٍ ، وَنَظَرْتُ إلى الأرضِ شاعرًا بالخِزْيِ والعَارِ .
قالتْ لِي بعصبيةٍ واضحة :
_ ارْفَعْ رَأسَكَ يا هِشَام ، وَأَعِد
الجُملةَ التي قُلْتَهَا .
حاولتُ النُّطْقَ ، فَشِلْتُ في أوَّلِ مَرَّةٍ
، وَنَجَحْتُ في الثانية ، ويا لَيْتني بَقِيتُ صامتًا . قُلْتُ بِلا تَركيز ،
والفَوْضَى تُسَيْطِر عَلى كَلِمَاتي :
_ لَمْ أَقُلْ شيئًا ، لَمْ أفْعَلْ شيئًا ،
أنا لَسْتُ أنا، أنا ألعبُ معَ نارت الشِّطْرَنْجَ، ولا أعْرِفُ شيئًا .
انتفضتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية ، وقالتْ
والألَمُ يَسِيلُ عَلى وَجْهِها :
_ أنتَ صغير ، لا تَفْهَمُ هَذا الكَلامَ ،
وبالتأكيد ، أبوكَ قالَ هَذه العِبَارَةَ مِنْ كَثرةِ الكُتُبِ التي قَرَأها عَنْ
الدَّولةِ العُثمانية وَالخُلَفَاءِ والسَّلاطين وَزَوْجَاتِهم وَجَواريهم . أبوكَ
رَأسُ الأفعى ، كَذَبَ الكِذبَةَ وَصَدَّقَهَا، وَتَقَمَّصَ الدَّوْرَ في
المَسرحية، وَمَا زَالَ يَلْعَبُه بِمَهَارَة. عِندَما يأتي أبوكَ في المَسَاءِ،
سَأقْلِبُ القَصْرَ رَأسًا عَلى عَقِبٍ ، وأُزَلْزِلُه ، كَيْ يَعْرِفَ مَنْ هِيَ
ميرنار الشَّركسية ، وَيَرى العَقْلَ الشَّركسيَّ الأصْليَّ .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طويلة مِنْ هَذا
المَوْقِفِ الصَّعْبِ الذي أصابني بالخَوْفِ الشَّديد ، قَرَأتُ للشاعرِ
الفِلَسْطِينيُّ محمود درويش : (( هَلْ أُؤَدِّي جَيِّدًا دَوْري مِنَ الفَصْلِ
الأخيرِ ؟ ، وَهَلْ قَرَأتُ المسرحيةَ قَبْلَ هَذا العَرْضِ أَمْ فُرِضَتْ عَلَيَّ
؟ )) .
جاءَ أبي في المَساءِ ، فانقلبَ القَصْرُ
نارًا تَتَأجَّج . اسْتَقْبَلَتْهُ أُمِّي ميرنار الشَّركسية وَهِيَ تَغْلي مِنْ
شِدَّةِ الغَضَبِ ، وقالتْ لَهُ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ أوْ يَرتاح :
_ هَلْ تَعْتبرني جاريةً شَركسية في
الحَرَمْلِك يا سَلْمَان ؟ ، هَلْ هَذا هُوَ الجَزَاءُ والمُكَافأةُ عَلى حُبِّي
وإخلاصي لَكَ ؟ .
_ اللَّه يَقْطع لِسَانَ مَنْ يَقُول هَذا
الكلامَ ، أنتِ تاجُ رَأسي يا ميرنار ، وَحُبِّي الأوَّل والأخير ، وأنتِ السُّلطانة
الشَّركسية التي لا يُوجَد مِثْلُها في العَالَمِ .
_ لا تَضْحَكْ عَلَيَّ يا سَلْمَان بكلامكَ
الناعمِ والرُّومانسيِّ ، هَذه الحِيلة لا تَنْطلي عَلَيَّ .
وتابعتْ قائلةً بِسُخريةٍ واستهزاء :
_ سَمِعْتُ ابْنَكَ المُحترم سِيَادة الشَّريف هِشَام القُرَشِي يَقُول
: (( لَيْتَني كُنْتُ خَلِيفَةً
عُثمانيًّا كَيْ أَجْمَعَ السَّبَايا وَالجَوَاري الشَّركسيَّاتِ والجُورجيَّاتِ
والرُّوسيَّاتِ والأرمنيَّاتِ في الحَرَمْلِك )) . هَلْ
يُمْكِنُ لِوَلَدٍ صغير أنْ يَقُولَ هَذا الكلامَ لَوْلا أنَّه سَمِعَه مِنْكَ ؟ .
ظَهَرَ عَلى أبي التَّشَتُّتُ والتَّوَتُّرُ
، وَعَدَمُ القُدرةِ عَلى التَّركيز ، وَصَفَعَني بشكلٍ مُفَاجِئ ، وقالَ بارتباكٍ
شديد :
_ هِشَام وَلَدٌ غَبِيٌّ وَحِمَار ،
وأُمُّهُ البَقَرَة سَمِيحة كانتْ خَدَّامة في البُيوتِ ، مَاذا تَنْتظرين مِنْ
وَلَدٍ صايعٍ مِثْل هَذا ؟ ، أكيد أنَّه قَرَأ هَذا الكَلامَ في أحَدِ الكُتُبِ أو
الرِّوايات أوْ سَمِعَه في التلفزيون .
وَنَظَرَ إلَيَّ أبي نَظْرَةً حَادَّةً
كَأنَّها سِكِّين في لَحْمِي، وقالَ لِي بصيغةِ تَخْويفٍ وَتَهْديدٍ وإجبارٍ :
_ في أيِّ كِتَاب قَرَأتَ هَذا الكلامَ
التافهَ يا تافه ؟ .
حَبَسْتُ دُمُوعي المُشتعلة في أعماقي
السَّحِيقة ، وَاحْتَلَّني الرُّعْبُ الكاسرُ ، وَغَرِقْتُ في الارتباكِ ،
وَفَكَّرْتُ بِكِذبَةٍ سريعةٍ ، وَلَمْ أَجِدْ نَفْسِي إلا وأنا أقُول :
_ قَرَأتُها في مَسرحية للكاتبِ الإنجليزيِّ
وِلْيَم شكسبير في مَكتبةِ المَدرسة .
نَظَرَ أبي إلى ميرنار الشَّركسية ، وقالَ
لَهَا بِهُدوء أعصاب :
_ قُلْتُ لَكِ يا ميرنار ، هَذا كَلام قِصَص
وَرِوَايات أوْ أفلام وَمُسَلْسَلات . لَقَدْ ظَلَمْتِني وأسأتِ الظَّنَّ بي ،
وأنتِ تَعْرفين أنَّني لا أقْدِرُ على زعلك يا حبيبتي وَرُوحِي .
وَنَظَرَ إلَيَّ أبي ، وقالَ بِعُنْفٍ وَصَرَامَةٍ
:
_ ابتعدْ يا هِشَام عَن القِصَص والرِّوايات
الزبالة ، وَرَكِّزْ في دُروسِك . لَقَدْ كُنْتُ قاسيًا عَلَيْكَ مِنْ أجْلِ
مَصْلحتك وتَرْبيتك .
أحْسَسْتُ بالخِزْيِ والعارِ، وَشَعَرْتُ
بالذُّلِّ والإهانةِ ، ولكنَّني تَعَوَّدْتُ عَلى الذُّلِّ مُنْذُ طُفُولتي .
عِشْتُ ذَليلًا وحَقِيرًا في القَرية ، لَيْسَ لِي أخٌ يُسَاندني أوْ يَدْعمني أوْ
أشكو إلَيْه هُمُومي . أخي ناصر ماتَ وَهُوَ طِفْلٌ صغير ، ولا أمْلِكُ إلا صُورتَه
الخَرساءَ ووَجْهَه البَرِيءَ الذي غارَ في التُّرَابِ .
الدُّمُوعُ في دَاخِلي نيران مُلتهِبة . هَاجَمَني
خَاطِرٌ رهيبٌ وَجُنوني ، عِندَما أكْبَرُ سَأقتلُ أبي وأُمِّي ميرنار الشَّركسية
وأُمِّي سميحة الخَدَّامة ، وأنتحر ، قَدْ يَكُون هَذا العَالَمُ أفضلَ بِدُونِنا
. وكُنْتُ قَدْ شاهدتُ فيلمًا أمريكيًّا عَنْ شاب يَقَتُلُ عائلته ويَنْتحر .
سُرْعَان مَا طَرَدْتُ هَذا الوَسْوَاسَ المُخِيف . تَذَكَّرْتُ إخواني وأخواتي ،
وأدركتُ تَعَاسَتي وَشَقائي ، أنا وَحِيدٌ ، وَوَحْدِي أَغْرَقُ في وَحْدَتي .
تَذَكَّرْتُ يارا صَدِيقَتي وَزَمِيلتي في
المَدرسة ، تِلْك الطِّفْلَة البريئة . تَمَنَّيْتُ أنْ أمُوتَ أنا وَهِيَ في
زَمَنِ البَرَاءَةِ والطَّهَارَةِ والبَكَارَةِ ، قَبْلَ أنْ
نَدْخُلَ في التَّلَوُّثِ وَالتَّوَحُّشِ والتَّجْرِبَةِ القاسيةِ والامتحانِ
الخطيرِ . التَّلَوُّثُ آتٍ ، والتَّوَحُّشُ قَادِمٌ . كُنْتُ قاسيًا عَلَيْهَا ،
وَغَارِقًا في عُقَدي النَّفْسِيَّة ، والصَّيَّادُ صَارَ فَرِيسَةً ،
والرَّصَاصَةُ ارتَدَّتْ إلى صَدْرِ القَنَّاصِ .
تَذَكَّرْتُ كَلامَ أُمِّي
عَنْ أُخْتي ظَبْيَة المُعَاقة والمَشلولة : (( يَا لَيْتَهَا مَاتتْ ، واستراحتْ
مِنَ العَذابِ ، وأراحَتْنَا مِنْ هَمِّهَا )) .
كُلُّنَا نَبْحَثُ عَن المَوْتِ
، والمَوْتُ أقربُ إلَيْنَا مِنْ جُلودِنا ، وَهُوَ يَعْرِفُ عَناوينَنا ،
وسَيَأتي في الوَقْتِ المُنَاسِب ، والمَوْعِدِ الصَّحيح . والمَوْتُ رِحْلَةٌ
حَتْمِيَّةٌ في حَياةِ الإنسانِ ، وَهُوَ الحقيقةُ الوحيدةُ التي سَتُصِيبُ
الجَمِيعَ . الإنسانُ وَهْمٌ ، والمَوْتُ حقيقة ، وَهُوَ البِدَايَةُ لا
النِّهَايَة ، وَيَكْشِفُ عَنْ تَفَاهَةِ الحَيَاةِ ، وَيَجْعَلُنا نَتَسَاوَى في
القَبْرِ .
لا أعْلَمُ هَلْ صَدَّقَتْ
أُمِّي ميرنار الشَّركسية كِذبتي المُتعلقة بِمَسرحية شكسبير فِعْلًا ، واقتنعتْ
بِها، أَمْ أنَّها تظاهرتْ بذلك بِدُون تَصْديقٍ ولا اقتناع في أعماقِها .
عَلِمَتْ أُمِّي سميحة
بالمَوضوعِ كاملًا ، وقامتْ باستغلالِه ، وانتهازِ الفُرصةِ ، لإغاظةِ أُمِّي
ميرنار الشَّركسية وَحَرْقِ دَمِهَا .
صارتْ أُمِّي سميحة تَقُولُ
لِي بِصَوْتٍ عالٍ أقرب إلى الصُّراخ :
_ يا هِشَام ، سَلِّمْ
لِي على أُمِّكَ ميرنار الجَارِيَة الشَّركسية في الحَرَمْلِك .
وَعِندَما تَسْمَعُ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية هَذا الكلامَ ، يَحْمَرُّ وَجْهُها ، وتَشْتعل غَضَبًا ، وَتَقُول :
_ يا هِشَام ، سَلِّمْ لِي عَلى أُمِّكَ
سميحة الخَدَّامة في البُيُوتِ .
وَعِندَما تَسْمَعُ أُمِّي سميحة هَذا
الكلامَ ، تَنْفَعِل ، وَتَثُور ، ويَغْلي دَمُها ، وَتَقُول :
_ خَطَّافَةُ الرِّجَالِ صَارَ لَهَا صَوْتٌ
، وَخَرَّابَةُ البُيوتِ صَارَتْ حريصةً على البُيوت . فِعْلًا ، إنَّ البَيْتَ
الذي لا يُوجَد فيه رِجَال ، سَتَحْكُمُهُ الجَوَاري والحَرِيم .
أنا ضائعٌ بَيْنَ أُمِّي سَميحة الخَدَّامة
وَأُمِّي ميرنار الشَّركسية ، لا أعْرِفُ كَيْفَ أهْرُبُ مِنهما . وَجَدْتُ
نَفْسِي عَالِقًا بَيْنَهما . وكُلُّ وَاحدةٍ تُريدُ تَصفيةَ حِسَابِها معَ
الأُخْرَى عَلى حِسَابي .
تَلَقَّتْ أُمِّي سميحة ضَربةً مُوجِعةً ،
فَقَدْ قَرَّرَ أبي أنْ يَحْذِفَ اسْمَه القديمَ " أبو ناصر " ، ويَعْتمد
اسْمَه الجديد " أبو زَيْد "، وَبَرَّرَ ذلك قائلًا : (( إنَّ أولادي
الحقيقيين هُمُ الذينَ أنْجَبْتُهُم مِنَ السُّلطانة ميرنار الشَّركسية )). وقامتْ
ميرنار الشَّركسية بِحَذْفِ اسْمِها القديم " أُم نارت " ، واعتمدت
اسْمَها الجديد " أُم زَيْد " ، وَبَرَّرَتْ ذلك قائلةً : (( إنَّ
أولادي الحقيقيين هُمُ الذينَ وَضَعَهُم الخليفة سُلَيْمَان الفاتح في رَحِمِي ))
.
أحْسَسْتُ أنَّني صِرْتُ في الشارعِ ، وكَأنَّني
لَقِيطٌ مَنْبُوذ لا يَعْترف بِهِ أحَد ، والسَّبَبُ أنَّني لا أنتمي إلى
السُّلالةِ الشريفةِ الطاهرة المُقَدَّسَة ، سُلالةِ سَلْمَان رَجَب وميرنار
الشَّركسية . لَيْسَ لِي مَكَان تَحْتَ الشَّمْسِ ، وَلَيْسَ لِي مَوْقِعٌ بَيْنَ
إخْوَاني مِنْ أبي ( أولاد الشَّركسية ): زَيْد سَيْفُ الدَّولةِ ، وزايد دِرْعُ الجُمهوريةِ ، وزياد رُمْحُ
النِّظَامِ ، وزيدان صَقْرُ الثَّوْرَةِ .
عِشْتُ طُفُولتي وَحِيدًا ومَنْبُوذًا ،
وَمَا زِلْتُ أشعُرُ بِوَحْدَةٍ قاتلة . لا أستطيعُ البَوْحَ بِمَشَاعري لِمَنْ
حَوْلي ، نَظَرًا لِخَجَلي الزائدِ الذي يُدَمِّرُ حَيَاتي ، وَيَقْتُلُني
تَدْريجيًّا . أرغبُ أنْ يُعَانقني أيُّ شَخْصٍ ، وَأُريدُ أنْ يَحْتضنني أحَدُهُم
، وأبكي ، وأشكو مِنَ العَالَمِ وَمِنِّي . فَكَّرْتُ كثيرًا بالانتحارِ ، لأنَّ
نَفْسِي مَقتولة بِمَا عَانَيْتُهُ وأُعَانيه . إنَّني بَيْنَ خِيَارَيْن: إمَّا
أن أنتحرَ ، أوْ أعيشَ طِيلةَ حَياتي مَقتولًا وأنا حَيٌّ .
عِندَما كَبِرْتُ قَرَأتُ في كُتُبِ عِلْمِ
النَّفْسِ عَن اضطرابِ الشَّخصيةِ الاجتنابي ، حَيْثُ يُعَاني الأشخاصُ مِنَ
القَلَقِ الاجتماعيِّ ، والكَبْحِ الاجتماعيِّ ، والشُّعُورِ بالعَجْزِ
والدُّونِيَّة ، والحَسَاسِيَّةِ الشَّديدةِ تُجَاه التَّقييمِ السَّلْبيِّ ،
وَتَجَنُّبِ التفاعلِ الاجتماعيِّ .
وَالأشخاصُ المُصَابُون بِهَذا الاضطرابِ وَحِيدُون،
وَقَلِقُون، وَلا يَشعُرون بالرَّاحة،وَيَشْعُرُون بأنَّهُم غَيْرُ مُرَحَّبٍ
بِهِم مِنْ قِبَلِ الآخَرِين ، ومُنعزلون عَنْهُم ، وغَيْرُ جَذَّابين شخصيًّا ،
وَيَتَجَنَّبُون التفاعلَ الاجتماعيَّ بسبب خَوْفِهم مِنْ أنْ يَكُونوا مَوْضِعَ
سُخْريةٍ للآخَرِين ، وَمُهَانين، ومَنْبُوذين، وَمَكْرُوهين .
يَنْشغل الأشخاصُ المُصَابُون باضطرابِ
الشَّخصيةِ الاجتنابي بِعُيوبِهم ، وَبِتَكوينِ عَلاقات معَ الآخَرِين في حالةٍ
واحدةٍ فَقَط ، إذا كانوا يؤمنون بأنَّ الآخَرين لَنْ يَنْبِذُوهُم ، فالخَسَارَةُ
والنَّبْذُ مؤلمان جِدًّا لهؤلاء الأشخاص ، حَيْثُ إنَّهُمْ سَوْفَ يَخْتارون
البَقَاءَ وَحِيدين بَدَلًا مِنَ المُخاطرةِ بِمُحاولة التواصل معَ الآخرين ،
وَهُمْ غالبًا يَنظُرون إلى أنفسهم باحتقار .
أنا غريبٌ عَن ذاتي ، وَضَيْفٌ عَلى نَفْسِي
، ومَكسورٌ غارقٌ في الكلامِ المَكسور . قَضَيْتُ حَيَاتي هَارِبًا مِنْ نَفْسِي
والمَاضِي والواقعِ والحَيَاةِ . لَمْ أقرأ عَن مَرَضٍ نَفْسِيٍّ أوْ عُقْدَةٍ
نَفْسِيَّة إلا وَجَدْتُ أعراضَه تَنطبق عَلَيَّ . أُعَاني مِنْ حَسَاسِيَّة شديدة
تُجَاه النَّبْذِ ، وَذاتي مَحصورةٌ في العُزلةِ الاجتماعيةِ وَمُحَاصَرَةٌ بالقَلَقِ
الشديد . أَحُسُّ بالعَجْزِ ، وأكَرَهُ نَفْسِي ، وأحتقرُ ذَاتي ، وأَشُكُّ في
الآخَرين ، وأستخدمُ الخَيَالَ كَشَكْلٍ مِنْ أشكالِ الهُروبِ مِنَ الواقعِ،
وَلِقَطْعِ حَبْلِ الأفكار المؤلمة .
أرادَ أبي تَلْطِيفَ الأجواءِ في قَصْرِنا ،
خُصُوصًا بَعْدَ مَوضوعِ الجواري الشَّركسيات والحَرَمْلِك ، الذي أغْضَبَ ميرنار
الشَّركسية . قالَ لَهَا بِصَوْتٍ هادئ وَحَنُون في لَحظةِ صَفَاء وهُدوء
وَرُومانسية :
_ لَقَدْ جَهَّزْتُ لَكِ هَدِيَّةً رائعة يا
حَضْرَةَ السُّلطانةِ ميرنار الشَّركسية ، لأنَّكِ أنجبتِ لِي أربعة أولاد ذُكُور
دَفْعَةً واحدةً .
_ مَا هِيَ هَذه الهَدِيَّةُ الرائعةُ يا
سَيِّدِي وَمَوْلاي الخليفة سُلَيْمَان الفاتح ؟ .
_ هَدِيَّة لا يُمْكِنُ أنْ تَخْطُرَ عَلى
بَالِكِ مَهْمَا فَكَّرْتِ وَتَخَيَّلْتِ .
_ هَلْ سَتأخذني في رِحلة إلى أمريكا
وأوروبا ؟ .
_ لا ، هَذا شَيْء بسيط وعادي ، ولكنَّ
الهَدِيَّة مُذهِلة .
_ هَلْ سَتُهْديني عَقْدَ ألماس ؟ .
_ لا ، الهَدِيَّة أعظم مِنَ الألماس .
_ أرجوكَ يا سَيِّدِي وَمَوْلاي الخليفة
سُلَيْمَان الفاتح أنْ تُخْبِرَني، أعصابي احترقتْ واستسلمتُ.
_ سَوْفَ أُعْطِيكِ وَزْنَكِ ذَهَبًا .
صَرَخَتْ ميرنار الشَّركسية بأعلى صَوْتِها
غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ لِمَا تَسْمَع :
_ مُستحيل ، أنتَ تَمْزَحُ وتَلعبُ مَعِي .
ضَحِكَ أبي ضِحْكَةً عاليةً ، وقالَ وَهُوَ
في غايةِ السُّرورِ :
_ الخليفة سُلَيْمَان الفاتح لا يَمْزَح ،
ولا يَلْعَب ، ولا يَتراجع في كَلامِه .
وتابعَ قائلًا بِحَماسةٍ شديدة :
_ الْبَسِي الفُستانَ الحريريَّ الوَرْدِيَّ
الذي أحْضَرْتُهُ لَكِ مِن إيطاليا ، وَقِفِي عَلى المِيزانِ ، كَيْ أرى وَزْنَكِ
.
كانَ وَزْنُها تقريبًا 80 كيلو غَرَام . قالَ
لَهَا أبي مُبْتَسِمًا :
_ هَدِيَّتُكِ هِيَ 80 كيلو غرام ذَهَب .
في اليَوْمِ التالي اجتمعَ أبي في مَكْتَبِهِ
مَعَ مُحَافِظِ البَنْكِ المَركزيِّ، وقالَ لَه بِلَهْجَةٍ قَوِيَّة وحازمة:
_ أُريدُ أنْ أسْحَبَ 80 كيلو غرام مِن
احتياطي الذَّهَب لاستخدامِه في أمْرٍ شَخْصي .
ارتبكَ مُحَافِظُ البَنْكِ المَركزيِّ ،
وقالَ والاضطرابُ يَسِيلُ عَلى مَلامِحِه :
_ سَيِّدي نائب فخامة رئيس الجُمهورية ،
أنتَ الحريصُ على مُنْجَزَاتِ الثَّوْرَةِ وَاقتصادِ الوَطَنِ ، وَكُلُّنَا
نَتَعَلَّمُ مِنْكَ ، إنَّ البَنْكَ المَركزي يَحتفظ بالذَّهَبِ باعتبارِه
مَخزونًا إستراتيجيًّا ، وَمَلاذًا آمِنًا ، خَاصَّة في أوقات الأزمات الاقتصادية
، وأيضًا، مِنْ أجْلِ تَنويعِ الاحتياطيات ، وَتَقْليلِ الاعتمادِ عَلى العُمْلاتِ
التقليدية كالدُّولار ، وتَعزيزِ استقرار الاقتصاد المَحَلِّي مِنْ خِلال دَعْمِ
العُمْلةِ الوطنية، وَتَوفيرِ السُّيولة .
غَضِبَ أبي، واحترقَ الدَّمُ في عُروقِه ،
وقالَ بِتَأفُّفٍ واضح :
_ لَمْ أُحْضِرْكَ لِتُعْطِيَني مُحَاضَرَةً
في الاقتصادِ والمُعَامَلاتِ الماليَّة ، أنا أُريدُ الذَّهَبَ لِدَعْمِ الوَحدةِ
الوَطنية، وَحِمَايَةِ الأمْنِ القَوْمِيِّ، وتَوزيعِه عَلى شُيوخِ القَبائلِ،
لِضَمَانِ استقرارِ القَبائلِ ، وتَلْبيةِ احتياجاتِها ، وتَعزيزِ العَلاقاتِ
بَيْنَ الدَّولةِ والقَبائلِ ، وتَكريسِ الوَلاءِ والانتماءِ إلى الوَطَنِ
والثَّوْرَةِ والنِّظَامِ السِّياسِيِّ، وَفَخَامَةُ رئيسِ الجُمهوريةِ شخصيًّا
يَحْرِصُ أشدَّ الحِرْصِ عَلى تَفْعِيلِ دَوْرِ شُيوخِ القَبائلِ كَحَلْقَةِ
وَصْلٍ بَيْنَ الدَّولةِ والمُجتمعِ القَبَلِيِّ ، خَاصَّةً في مَجَالاتِ
التَّوعيةِ والتَّثقيفِ .
احْمَرَّ وَجْهُ مُحَافِظِ البَنْكِ
المَركزيِّ ، وَبَلَعَ رِيقَه أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ ، وقالَ بِصَوْتٍ مَكسورٍ :
_ سَيِّدي نائب الرئيس، كلامُكَ عَلى عَيْني
وَرَأسي، وأنا خادمُكَ المُطيع، ولكنْ هُناك مُشكلة.
_ لِكُلِّ مُشكلةٍ حَلٌّ ، مَا هِيَ هَذه
المُشْكِلَة ؟ .
_ فَخَامَةُ رئيسِ الجُمهوريةِ سَحَبَ 2
مِليار دولار مِنَ البَنْكِ المَركزيِّ قَبْلَ شَهْرٍ ، وَحَوَّلَ المَبْلَغَ إلى
حِسَابِه الخاصِّ في سويسرا ، وَبَنْكُ الرُّوحِ الوطنيةِ الذي يُعْتَبَر مِنْ
أكبرِ البُنوكِ في البِلادِ أعْلَنَ إفلاسَه قَبْلَ أُسبوع ، وإذا تَمَّ سَحْبُ 80
كيلو غرام ذَهَب الآن ، سَيَحْدُثُ ضَغْطٌ عَلى الاقتصادِ الوَطنيِّ، وَقَدْ
تَعْجِزُ الحُكومةُ عَنْ دَفْعِ رَواتبِ المُوظَّفين في الأشهُرِ القادمة ،
خُصُوصًا أنَّ بِلادَنا الحبيبة جُمهورية الأحلام الوردية تُوَاجِه تَحَدِّياتٍ
اقتصادية تَتَمَثَّل في ارتفاعِ الدَّيْنِ العَام ، والبَطَالَةِ ، والتَّضَخُّمِ ،
وَشُحِّ المَواردِ الطبيعية مِثْل المِيَاهِ والطاقةِ ، بالإضافةِ إلى الاعتمادِ
عَلى المُسَاعَدَاتِ الخارجية، وتأثُّرِ قِطَاعات حَيَوية كالسِّياحةِ والاستثمارِ
بالصِّرَاعاتِ الإقليمية والتَّغَيُّراتِ العالمية .
وتابعَ قائلًا بِخَوْفٍ وَقَلَقٍ :
_ قَبْلَ عِدَّة أيَّامٍ ، رَفَعَ وزيرُ
المَالِيَّة مُذَكَّرَةً لرئيسِ الوُزراء تُحذِّر مِنْ خُطورةِ الوَضْعِ
الاقتصاديِّ في البِلادِ .
قالَ أبي بِثِقَةٍ بالغةٍ وَهُدوء أعصاب :
_ وزيرُ المَالِيَّة حِمَار، لا يَفْهَمُ
شيئًا في المَالِ وَالاقتصادِ . نَحْنُ أحْضَرْنَاه لأنَّه يَنْتمي إلى قَبيلة
كبيرة ، وأيضًا لأنَّ ابْنَ عَمِّه مُعَارِض سِيَاسي شَرِس يُقيم في فنلندا ،
فأرَدْنا إسكاتَ القبيلةِ ، وتَطْييبَ خاطرِها ، وكَسْبَها إلى جانبِنا .
والمَثَلُ يَقُول : " أطْعِم الفَم تَسْتَحِ العَيْن " ، يَعْني أنَّ
إكرامَ شَخصٍ بالمالِ أو الطعامِ قَدْ يَجْعله يَمْتنع عَن الاعتراضِ ، أوْ
مُعارضة مَا تَفْعَله في المُستقبَل خَجَلًا أو امتنانًا للجَمِيلِ الذي
قَدَّمْتَهُ لَه ، والمُسَاعَدَةُ أو الإحسانُ يُمْكِن أنْ يَأسِرَ الشخصَ ،
ويَجْعله خاضعًا لَكَ ، وهَكذا يَتِمُّ الإمساكُ بالناسِ ، أو التأثير عَلَيْهِم .
وَأخَذَ أبي نَفَسًا عَمِيقًا ، ثُمَّ قالَ
باسترخاء :
_ البِلادُ وَكَالة مِنْ غَيْرِ بَوَّاب،
والدَّولةُ بَقَرَةٌ ، والجميعُ يَحْلُبُها ، والكُلُّ يَسْرِقُ ، والجميعُ
يَنْهَبُ ، والفَسَادُ مِنْ فَوْقِ إلى تَحْت ، ولا فائدة مِنْ دُروسِ الشَّرَفِ
والأخلاقِ ، السفينةُ تَغْرَقُ ، والمَوْتُ معَ الناسِ رَحْمَةٌ ، وَحُط رَأسَكَ
بَيْنَ الرُّؤوس ، وَقُلْ : يا قُطَّاعَ الرُّؤوسِ . ولا فائدة مِنْ وَضْعِ
القُمَامَةِ في السَّلَّةِ إذا كانَ الإنسانُ يعيشُ في مَزْبَلَة .
وأردفَ قائلًا بِحَمَاسَةٍ واضحة :
_ لا تَقْلَقْ بِخُصُوصِ الوَضْعِ
الاقتصاديِّ في البِلاد، البَنْكُ الدَّوْليُّ وَصُنْدُوقُ النَّقْدِ الدَّوْليُّ
في جَيْبي الصغير ، سَوْفَ نَحْصُلُ مِنهما عَلى قُروض بفائدة مُنخفضة ، وَنَرْفَع
أسعارَ السِّلَعِ والبَضائعِ ، وأوَّلًا وأخيرًا ، المُواطنون هُمُ الذينَ
يَتَحَمَّلُون أعباءَ دُيونِ بِلادِهم ، وَيُسَدِّدُون قُرُوضَ البَنْكِ
الدَّوليِّ وَصُندوقِ النَّقْدِ الدَّوْليِّ، وهَذا واجبُهم الوطنيُّ والقَوْمِيُّ،
ومَسْؤوليتهم تُجَاه مُجْتمعهم، وَيَجِب عَلَيهم الالتزام بالقوانين ، وَدَفْع
الضَّرائب ، والمُساهمة في الحِفَاظِ عَلى الأمْنِ والنِّظَام ، والتعاون معَ
الجِهَات الرَّسمية، وَغَيْر ذلك مِنَ الأفعالِ التي تَخْدُمُ الصالحَ العام،
وتَدْعَم استقرارَ الوَطَنِ وَتَقَدُّمَه.
ثُمَّ قالَ أبي بِحَزْمٍ وَصَرَامَةٍ
ولَهْجَةِ تَهْديدٍ صريحة ضِد مُحَافِظِ البَنْكِ المَركزيِّ :
_ أمَامَكَ خِيَاران، إمَّا أنْ تُوَقِّعَ
عَلى قَرَار سَحْب 80 كيلو غرام ذَهَب مِنَ البَنْكِ المَركزيِّ ، أوْ تُوَاجِه تُهمة
الانضمام لِجَماعة إرهابية ، وَتَتِم إحالةُ أوراقك إلى مَحكمة أمْن الدَّولة ، وَعِندئذ
سَتُصْبح فضيحتك في جَلاجِل .
_ سَوْفَ أُوَقِّعُ عَلى القَرار يا سَيِّدي
، أنا خادمٌ مُطيع ، وَعَبْدٌ مأمور .
أحضرتْ سَيَّارَةٌ عَسكرية تابعة للحَرَسِ
الجُمهوريِّ كَمِّيةَ الذَّهَبِ في صَناديق جميلة وفَخْمة إلى قَصْرِنا . أنْزَلَهَا
مِنَ السَّيَّارة أحدُ الجُنودِ صُنْدُوقًا تِلْوَ صُنْدُوق . كانتْ سَبائكُ
الذَّهَبِ الصَّفراء تَلْمَعُ وَتَتَوَهَّج ، بَرِيقُها يَخْطِفُ الأبصارَ . كُلُّ
سَبيكة وَزْنُها 1 كيلو غرام.ثمانون سَبِيكة بالتَّمَامِ والكَمَالِ ، قامتْ
أُمِّي ميرنار الشَّركسية بِعَدِّهَا واحدةً واحدةً،وَشَكَرَتْ الجُنْدِيَّ عَلى
نَقْلِها،وأكْرَمَتْهُ بِمَبْلَغٍ مَاليٍّ. وَقَدْ وَضَعَتْ سَبائكَ الذَّهَبِ في
خَزنة مُثَبَّتَة في أحَدِ حِيطانِ غُرفةِ النَّوْمِ ، وَلَمْ تَسْمَحْ لأحَدٍ أنْ
يُساعدها في ذلك، فَبَقِينَا أنا ونارت نَتَفَرَّجُ عَلى سَبائكِ الذَّهَبِ،
وَنُحَدِّقُ في صُفْرَتِهِ الرَّهيبة .
هَذا المَشْهَدُ ذَكَّرَني بِسَبائكِ
الذَّهَبِ التي خَبَّأها أبي في صُندوقٍ خَشَبِيٍّ تَحْتَ التُّرابِ في قَرْيتنا
التي صارتْ أَثَرًا إثْرَ عَيْنٍ . كانَ يُحَوِّلُ الأوراقَ النَّقْدِيَّة إلى
ذَهَبٍ ، وَلا بُدَّ أنَّه سَرَقَ
أشخاصًا كثيرين ، بَلْ مِنَ المُؤكَّد أنَّه سَرَقَ عائلاتٍ بِأكْمَلِها.
وَمِنَ الوَاضحِ أنَّ عِشْقَ الذَّهَبِ قَدْ تَغَلْغَلَ في قَلْبِه مُنْذُ ذلك
الحِين ، وازدادَ هَوَسُهُ بِهَذا المَعْدِنِ النَّفيسِ مَعَ مُرورِ الأيام .
41
أضافت السَّيدةُ تَغْريد نَصْري حَرَم رئيس
الجُمهورية لَقَبًا جديدًا إلى ألقابِها القديمة : وَالِدَة الدَّوْلَةِ ، وَأُم
الشَّعْبِ ، وَرَاعِيَة المُوَاطِنِين ، وَهُوَ داعمة الثَّقَافة والمُثَقَّفين ،
وَأَمَرَتْ وِزارةَ الثَّقَافَةِ بِوَضْعِ خُطَّة عاجلة لإنتاجِ جِيل مِنَ
الأُدَبَاء المَوْهُوبين مِنْ أجْلِ الفَوْزِ بجائزةِ نُوبِل للآداب خِلال عَشْر
سَنَوَات كَحَدٍّ أقْصَى . وَسَوْفَ تُشْرِفُ السَّيدة تَغْريد نَصْري عَلى هَذه
الخُطَّةِ بِنَفْسِهَا ، باعتبارِها العَقْل المُدَبِّر للحَرَكَةِ الثَّقَافية في
جُمهورية الأحلام الوردية . وَقَدْ أحدثتْ هَذه الخُطَّةُ الطَّمُوحة صَدى واسعًا
في الدُّوَلِ العربية ، وحاولتْ كثيرٌ مِنَ الحُكوماتِ تَقْلِيدَها وَسَرِقَةَ
أفكارِها .
وَمِنْ أجْلِ تَوضيحِ هَذه الخُطَّة
بالتفصيل ، والاستفادةِ مِنْ هَذه التَّجْرِبَة الثَّقَافية ، قَرَّرَتْ مَجَلَّةُ
صَوْتِ المَرْأةِ القِياديَّة، وَهِيَ أهَمُّ مَجَلَّة شَهْرية نِسَائية في
العَالَمِ العَربيِّ ، وتَطْبَع مَلْيون نُسخة تقريبًا، إجراءَ حَديثٍ صَحَفِيٍّ
مَعَ السَّيدة تَغْريد نَصْري حَرَم رئيس جُمهورية الأحلام الوردية . وَقَدْ أجْرَت
الحديثَ رئيسةُ تحريرِ المَجَلَّة ، وَهِيَ شاعرة وَرِوائية مِنْ جِنسية عربية ،
واللقاءُ عُقِدَ في القَصْرِ الجُمهوريِّ بتاريخِ 22/11/1984 .
قالتْ رئيسةُ التَّحريرِ بَعْدَ أنْ
شَرِبَتْ فِنجانَ القَهْوَةِ كاملًا :
_ بِدَايَةً ، نُرحِّب بِكِ حضرة السَّيدة
تَغْريد بِنْت نَصْري حَرَم رئيس جُمهورية الأحلام الوردية ، وَلَنَا الشرف العظيم
بإجراء أوَّل حِوَار صَحَفي معَ حَضرتك لِنَشره في مَجَلَّة صَوْت المَرأة
القِيادية .
_ شكرًا لَكِ عَلى كلامك الجميل ، وأهْلًا
وَسَهْلًا بِكِ في بلدك الثاني .
_ سَيِّدة تَغريد ، مَا هِيَ مَعالمُ
الخُطَّةِ الثَّقَافية لصناعة الأُدَبَاء المَوْهُوبين ؟ .
_ سَوْفَ نُعيدُ أمجادَ الحَضارةِ العربية
الإسلامية ، وَنُعيدُ احترامَ العِلْمِ والثَّقَافةِ والآدابِ ، وَنَسْتفيد مِنْ
تَجْرِبَة بَيْتِ الحِكْمَة ، فَهُوَ أوَّل أكاديمية عِلْمِيَّة في التاريخ ،
وَسَنُعْطِي وَزْنَ الكُتُبِ ذَهَبًا للمُؤلِّفين مُكافأةً لَهُم عَلى جُهودِهم في
تَكريسِ المَعرفة ، وَسَنَجْعَل عاصمةَ جُمهوريةِ الأحلام الوردية مَركَزًا
عالميًّا للمَعرفةِ والتبادلِ الثَّقَافيِّ ، وَسَنَبْني جُسُورًا مَعرفية بَيْنَ
الشَّرقِ والغَربِ ، وَنَنْقُل العُلومَ والمَعارفَ إلى أمريكا وَأُوروبا .
_ سَيِّدة تَغريد ، مَا هُوَ دَوْرُ
المَرأةِ في هَذا المَشروعِ الثَّقَافيِّ الإنسانيِّ الحَضَاريِّ ؟ .
_ المَرأةُ لَهَا مَكانة مُهِمَّة في
الحِوارِ الثَّقَافيِّ ، وَهِيَ تُسَاهِم بشكلٍ بَنَّاء وَفَعَّال في تبادلِ
الأفكارِ والرُّؤى ، وَتَفْعيلِ دَوْرِ المَرْأةِ في بِنَاء المُجتمع ، والقضايا
الثقافيةِ والاجتماعية ، والحِفَاظِ عَلى التُّراثِ ، معَ ضَرورة إيجاد حُلول
جَذرية للمُشكلات التي تُواجهها المَرأةُ ، وتجاوز كافَّة التَّحَدِّيات .
والجَديرُ بالذِّكْرِ أنَّه يَنْبغي الاستفادة مِنْ قِيَمِ المَرأةِ ، وتَجَارِبها
الشَّخصية ، وَرُؤيتها لِمُستقبَلِ المَرأةِ والمُجتمعِ، معَ التأكيد على أهمية
الاحترام المُتبادَل ، والتكاملِ بَيْنَها وَبَيْنَ الرَّجُل.
استمرَّ الحِوَارُ ساعة وَنِصْف تقريبًا . أُصيبت
السَّيدةُ تَغْريد نَصْري بالمَلَلِ ، وَشَعَرَتْ بالقَرَفِ مِنْ كَثرةِ الكلامِ، وَأَحَسَّتْ
بالعَطَشِ وَجَفَافِ الحَلْقِ ، فَأمَرَتْ مُديرةَ مَكتبها بإحضار زُجَاجة نَبِيذ
لَهَا .
شَرِبَت الكأسَ الأوَّلَ ، فأحَسَّتْ
بِنَشْوَةٍ مُؤقَّتة واسترخاء وَقْتِيٍّ ، وَاسْتَمَرَّتْ بالشُّرْبِ ، حَتَّى
أحَسَّتْ بالخَدَرِ والألَمِ في يَدَيْهَا وَقَدَمَيْهَا ، وَصُعوبة في الكلام ،
واختلَّ توازنُها ، وَلَمْ تَعُدْ قادرةً على التفكير بوضوح .
قالتْ لها رئيسةُ التحرير :
_ سَيِّدة تَغْريد ، أرجو أنْ تُحَدِّثينا عَنْ
حَياتك الخَاصَّة كَي يَتِمَّ الاقتداءُ بِكِ ، بِوَصْفِكِ مَثَلًا أعلى ،
وقُدْوَةً سَامِيَة لِجَميعِ النِّسَاءِ في العَالَمِ العربيِّ .
جَحَظَتْ عَيْنَا السَّيدةُ تَغْريد نَصْري
، وقالتْ وَهِيَ سَكْرَانة :
_ أحببتُ التَّمثيلَ مُنْذُ صِغَرِي ،
وَعَمِلْتُ مُمَثِّلَةً ، وَتَزَوَّجْتُ ثلاث مَرَّات .
فُوجِئَتْ رئيسة التَّحرير بِهَذه الصَّرَاحة
، وَقَرَّرَت استغلالَها لِتَحقيقِ سَبْقٍ صَحَفِيٍّ ، وذلك بطرح سُؤال جريء ،
فقالت بِحَمَاسَةٍ وَتَهَوُّرٍ :
_ مَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ أزواجِكِ
الثلاثة ؟ .
_ زَوْجِي الأوَّلُ فَتَحَني ، وَزَوْجِي
الثاني سَلَخَني ، وَزَوْجِي الثالث فَلَخَني .
وَضَحِكَت المَرأتان مَعًا في نَفْسِ
اللحظة، كأنَّهما اتَّفَقَتَا على ذلك مُسْبَقًا ، وَخَطَّطَتَا لَهُ سَلَفًا .
في 1/12/1984 صَدَرَ العدد المُمتاز رَقْم (
95 ) مِنْ مَجَلَّة صَوْتِ المَرْأةِ القِيادية ، يَحْمِلُ غِلافُها صُورةَ
السَّيدة تَغْريد نَصْري ، وَهِيَ تَجْلِسُ عَلى كُرْسِيٍّ يُشْبِهُ العَرْشَ ،
وَتَرتدي تَنُّورةً فَوْقَ الرُّكبة ، وَتَضَع رِجْلًا فَوْقَ أُخْرَى . مَكتوبٌ تَحْتَ
الصُّورة : " لِقَاء حَصْري مَعَ السَّيدة الأُولَى تَغريد بِنْت نَصْري
حَرَم رئيس جُمهورية الأحلام الوردية " .
تَسَابَقَ الناسُ للحُصولِ على المَجَلَّة .
نَفِدَ العَدَدُ المَذكور مِنَ الأسواقِ خِلال ساعات قليلة مِنْ وَقْتِ صُدورِه ،
وَأُعِيدَت طِبَاعَتُه ، مَعَ انتشار الهَوَسِ بِهِ وَالحِرْص عَلَيْه في جَميعِ
العَواصمِ العربية ، فالجميعُ يُريدُ مَعرفةَ السَّيدة تَغْريد نَصْري عَنْ قُرْب
، فَهَذا أوَّل حِوَار صَحَفي لَهَا بَعْدَ أنْ صارتْ زَوجةَ رئيسِ الجُمهورية
والسَّيدة الأُولَى .
مَا
إنْ وَصَلَت المَجَلَّةُ إلى عَاصمةِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية حَتَّى صَادَرَتْ
أجهزةُ الأمْنِ والمُخَابَرَاتُ جَميعَ النُّسَخِ المَطبوعة ، ولا أعْرِفُ هَل
استطاعَ أحَدٌ مِنَ المُواطنين الحُصُولَ عَلى نُسْخَة مِنَ المَجَلَّة قَبْلَ
المُصَادَرَة أَمْ لا .
تَمَّ عَقْدُ اجتماع عاجل لجميع قادة
الأجهزة الأمنية في البِلاد :
المُخَابَرَات العَامَّة ، والمُخَابَرَات الجَوِّية ، والمُخَابَرَات
البَحْرِيَّة ، والمُخَابَرَات البَرِّية ، والمُخَابَرَات الصَّحْراوية ،
والمُخَابَرَات البَرْمَائية ، والمُخَابَرَات العَسكرية، والأمن السِّياسي ، وأمن
الدَّولة ، والأمن العام ، والأمن الجِنَائي . تَرَأسَ الاجتماعَ فَخامةُ
رئيسِ الجُمهورية ، وَحَضَرَه نائبُه ( أبي ) ، والهدفُ مِنْهُ هُوَ مُناقشة هَذه
المُصيبة التي لَمْ تَكُنْ عَلى البالِ ، ولا عَلى الخَاطِرِ .
قالَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ والضِّيقُ
يَلْتَهِمُ تفاصيلَ وَجْهِه :
_ مُصيبة جديدة وكارثة حَلَّتْ عَلَيْنَا، وهَذه
المَرَّةُ بِاسْمِ الأدبِ والعِلْمِ والثَّقَافةِ والصَّحَافَةِ ، لا أعرفُ مِنْ
أيْنَ تأتينا المَصائبُ والكوارثُ . انتَهَيْنَا مِنْ قِصَّة سَمِيحة غَزْوَان
زَوجةِ نائبِ الرئيس التي فَضَحَتْنَا معَ زَوجةِ السَّفيرِ الأمريكيِّ ، وكادتْ
أنْ تُخرب بُيوتَنا ، وَتَتَسَبَّب بفرضِ عُقوبات على بِلادِنا ، وتَدميرِ
دَوْلتنا ، والقضاءِ عَلى مُنْجَزَاتِ الثَّورةِ ، والآنَ جاءَ دَوْرُ زَوْجَتي
السَّيدةِ الأُولَى .
شَعَرَ أبي بالإحراجِ الشَّديدِ بسبب ذِكْرِ
اسْمِ أُمِّي سَمِيحة غَزْوَان ( زَوجته السابقة ) أمامَ قادةِ الأجهزةِ الأمنية ،
والعجيبُ أنَّ فَخَامَة رئيسِ الجُمهورية ذّكَرَهَا بالاسْمِ ، وقال : "
زَوجة نائب الرئيس " معَ أنَّها طَلِيقته ، وَلَيْسَتْ زَوْجَتَه ، في حِينَ
أنَّه لَمْ يَذكُر اسْمَ زَوْجَتِه تَغْريد نَصْري ، واكتفى بِعِبارة "
زَوْجتي السَّيدة الأُولَى " ، وهَذا يدلُّ عَلى دَهَائِه واختيارِه
العِبَارات بِخُبْثٍ وَحِرْصٍ شديد .
قالَ مُديرُ المُخَابَرَاتِ العَامَّة :
_ سَيِّدي الرئيس ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ
هَذا الأمْرُ عَفْوِيًّا وَتِلْقَائيًّا ، إنَّها مُؤامَرة دَنيئة ، وَخِيَانة
عُظْمَى، ولا بُدَّ أنْ تَكُون رئيسةُ التَّحريرِ مَدعومةً مِنْ جِهَاتٍ خارجية
لِتَشويهِ صُورةِ جُمهورية الأحلام الوردية في العَالَمَيْن العربيِّ والإسلاميِّ
، وتَلويثِ سُمعةِ بِلادِنا في أمريكا وأوروبا .
نَظَرَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ إلى
مُديرِ الأمْنِ السِّياسيِّ ، وَسَألَه عَنْ رَأيِه وَوِجْهَةِ نَظَرِه ، فقالَ
وَعيْنَاه تَلْمَعَان بِشِدَّةٍ :
_ سَيِّدي الرئيس ، إنَّ تَحَرِّياتنا تُفيد
أنَّ هُناك مُؤامَرةً مُزْدَوَجَة ، داخليَّة وخارجيَّة ، وَاسْمَحْ لِي فَخامتك
أنْ أكُونَ واضحًا وصريحًا مِنْ أجْلِ مَصلحةِ الوَطَنِ وَالدَّولةِ والنِّظَامِ
والثَّوْرَةِ ، السَّيدةُ الأُولَى الطاهرةُ تَغْرِيد بِنْت نَصْرِي ، حَرَمُ
رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَوَالِدَةُ الدَّوْلَةِ ، وَأُمُّ الشَّعْبِ ، وَرَاعِيَةُ
المُوَاطِنِين ، وَداعمةُ الثَّقَافةِ والمُثَقَّفين ، كانتْ سَكْرَانَة في
اللِّقَاءِ الصَّحَفيِّ ، هَذا يَعْني أنَّ هُناك جِهَة مِنْ مَصْلحتها تَشويه
صُورةِ السَّيدة تغريد انتقامًا مِنْ زَوْجِهَا فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية ،
وَتَشويهًا لِصُورتِه وسُمعته في المَحَافِلِ العربية والدَّولية . لَقَدْ أرادوا
القَضَاءَ عَلَيْكَ يا سَيِّدي الرئيس ، وَضَرْبَ شَرْعيتك الدِّينية تَمْهيدًا
لِضَرْبِ شَرْعيتك السِّياسية والثَّورية، خُصُوصًا أنَّكَ تَحْمِلُ اللَّقَبَيْن
الشَّرِيفَيْن: أمير المؤمنين وخَلِيفة المُسْلِمين . وَبَعْدَ التَّحقيقِ ،
تَبَيَّنَ أنَّ مُديرة مَكتبِها هِيَ التي أحضرتْ لها زُجاجةَ النَّبيذِ أثناءَ
اللِّقَاءِ ، وَهَذا اختراقٌ أمْنِيٌّ قائم على تَخطيطٍ إستراتيجيٍّ مُسْبَق ،
وَخُطَّةٍ لُوجِسْتِيَّة مُعَدَّة سَلَفًا . وَلَوْ كانتْ مُديرةُ مَكتبِها
حَريصةً عَلى الوَحدةِ الوَطنيةِ والأمْنِ القَوْمِيِّ وَمُنْجَزَاتِ الثَّوْرَةِ،
لأحضرتْ لَهَا زُجاجةَ النَّبيذِ بَعْدَ انتهاءِ اللقاءِ احتفالًا بِنَجَاحِه ، وَبِمَا
أنَّها أحضرتْ لَهَا زُجاجةَ النَّبيذِ أثناءِ اللقاءِ فهذا يَدُلُّ عَلى وُجودِ
النِّيَّةِ المُبَيَّتَةِ لارتكابِ جَريمة الإساءةِ إلى حَرَمِ فخامتك ، والإساءةِ
إلى فَخامتك شَخصيًّا .
أُعْجِبَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ بِهَذا
التَّحليلِ العميقِ الذي يَمْتاز بالشُّمولية القائمة على العُلوم السِّياسية
والعُلومِ العَسكرية مَعًا ، وقال :
_ في التَّعديلِ الوِزاريِّ القادم ،
سَيَكُون مُديرُ الأمْنِ السِّياسيِّ وَزيرًا للدَّاخِلِيَّة .
وأردفَ قائلًا بِحَزْمٍ وَصَرَامَةٍ
بِصِيغةٍ أمْرٍ رِئاسِيٍّ :
_ الخائنةُ العميلةُ مُديرةُ مَكتبِ حَرَمِ
فَخَامتي تُحَال إلى مَحكمةِ أمْنِ الدَّولةِ ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهَا بالسَّجْنِ
عِشْرين سَنَة بِتُهمة خِيانةِ الأمانةِ والتَّوَاطُؤ مَعَ الإرهابِ ، الذي
يُؤَدِّي إلى الإضرارِ بِمَصالحِ الجُمهورية ، وَتَهديدِ الأمْنِ القَوْمِيِّ ،
وَتَعريضِ مُكْتَسَبَاتِ الثَّوْرَةِ للخَطَرِ .
ثُمَّ قال بِقَلَقٍ بالغٍ :
_ وَمَاذا سَنَفْعَلُ مَعَ رئيسة تَحرير
المَجَلَّة ؟ .
قالَ مُديرُ المُخَابَرَاتِ الجَوِّية
باندفاعٍ وَتَحَمُّسٍ وَبِمَشاعر مُلْتَهِبَة :
_ سَيِّدي الرئيس ، هَذه المَرْأةُ خائنة
وعميلة تَحْتَ سِتَار الثَّقَافَة ، وَهِيَ تَحْمِلُ جِنسيةَ دَولةٍ عربية جارة
لَنَا، وَلَهَا حُدود معَ جُمهورية الأحلام الوردية ، وبالتأكيد أنَّها تأخذ
الأوامرَ مِنْ رِئاسةِ دَوْلتها لِتَدميرِ دَوْلتنا والقَضَاءِ عَلَيْهَا ،
وَتَحطيمِ مُستقبلك السِّياسي ، بدليل أنَّها سَألَتْهَا : " مَا هُوَ
الفَرْقُ بَيْنَ أزواجِكِ الثلاثة ؟ " ، وَهِيَ تَعْلَمُ أنَّها زَوجة رئيسِ
الجُمهورية ، ولا تُوجَد مُقارَنة بَين رئيسِ الجُمهوريةِ وأيِّ شَخْصٍ آخَر ،
وهَذا السُّؤالُ خَطِيرٌ وَمُبَطَّنٌ ، وَطُرِحَ بطريقة غَيْرِ مُبَاشِرَة ،
حَيْثُ لا يُعَبِّرُ عَن الغَرَضِ الحقيقيِّ مِنْه ، أوْ عَن المَعلوماتِ
المَطلوبة بشكلٍ صريح ، بَلْ يُخْفي أشياء وَرَاءَه لِتَوجيهِ الشخصِ نَحْوَ إجابة
مُعَيَّنَة ، أوْ لِتَحقيق غَرَضٍ تَكْتيكي مُعَيَّن دُون الكشف عَنْه مُبَاشَرَةً
، مِثْل تَغيير السُّلوك ، أوْ إظهار مَعلومة مُعَيَّنَة بطريقة غَيْر مُبَاشِرَة
.
أصدرَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ قَرارًا
رِئاسيًّا لا رَجَعْة فِيه :
_ غَدًا يَتِمُّ سَحْبُ سَفِيرِنا مِنْ
بَلَدِهم ، وَطَرْدُ سَفيرِهم مِنْ بَلَدِنا ، معَ قَطْعٍ كامل للعلاقاتِ
الدُّبلوماسية والاقتصادية والتِّجارية بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم، وإغلاق المَجَالِ
الجَوِّي أمام طائراتهم .
وتابعَ فَخامته قائلًا :
_ وماذا سَنَفْعَل بالحديثِ الصَّحَفيِّ
المَنشور في مَجَلَّةِ صَوْتِ المَرأةِ القِيادية ؟. إنَّها أهَمُّ مَجَلَّة
شَهْرية نِسَائية في العَالَمِ العَربيِّ ، وتَطْبَع مَلْيون نُسخة تقريبًا،
وَتُوَزَّع في جَميعِ العَواصمِ العربية .
وهُنا تَدَخَّلَ أبي باعتبارِه نائب رئيسِ
الجُمهورية ، وأرادَ المُشَارَكَةَ في الحِوَارِ ، وَإثباتَ وُجودِه ، وَلَمْ
يُرِدْ أنْ يَكتفيَ بِدَوْرِ المُتَفَرِّجِ الصامتِ ، فقالَ بِثِقَةٍ وَثَبَاتٍ :
_ فخامة الرئيس ، اسْمَحْ لِي أنْ أُشَارِكَ
في الدِّفَاعِ عَن الوَطَنِ والدَّولةِ والنَّظَامِ والثَّوْرَةِ ، باعتباري
مُوَاطِنًا في جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية أوَّلًا، وباعتباري نائبًا لفخامتك
وَتِلميذًا لِسِيادتك ثانيًا. سَوْفَ نَنْفي إجراءَ حَديث صَحَفي معَ حَرَمِ
فَخَامتك ، وَسَوْفَ نُصْدِرُ بَيَانًا رِئاسيًّا يُوضِّح أنَّ رئيسة التَّحرير
دَخَلَتْ بِلادَنا بتأشيرة صحيحة للسِّيَاحَةِ وَرُؤيةِ الآثار ، ولكنَّها لَمْ
تَجتمع معَ السَّيدة تَغْريد حَرَمِ فَخامتك، لِكَثرةِ مَشَاغِلِها، وازدحامِ
جَدولِ أعمالِها،فَمَا كانَ مِنها إلا أن اختلقتْ هَذا الحَديثَ الصَّحَفي، وقامتْ
بِفَبْركته . وَهُوَ مَا يُعْتَبَر تَزْييفًا وَتَضْليلًا صَحَفِيًّا يُنافي
مَبادئَ مِهنةِ الصَّحَافَةِ الأخلاقية ، وَيَتَسَبَّب في فِقْدَانِ الثِّقَةِ
بَيْنَ الجُمهورِ وَوَسائلِ الإعلامِ . أمَّا الصُّورةُ المَوجودةُ عَلى غِلاف
المَجَلَّة ، فَهِيَ مُنْتَشرة في كُلِّ مَكانٍ، فَحَرَمُ فخامة رئيس الجُمهورية
شخصية عَامَّة، وَصُوَرُها مَنشورة في كُلِّ وَسائل الإعلام. وَمَا يُقَوِّي
مَوْقِفَنا هُوَ عَدَمُ وُجودِ تَسجيل صَوْتي للحَديثِ الصَّحَفيِّ مَعَ السَّيدة
تغريدة على شريط كاسيت .
وتابعَ أبي قائلًا بِقُوَّةٍ وَصَلابة :
_ واسْمَحْ لِي يا سَيِّدي الرئيس ،
وَبَعْدَ إذْنِ فَخَامتك ، أنْ نَتَّخِذَ الإجراءات القانونية ضِد مَجَلَّةِ
صَوْتِ المَرأةِ القِيادية ، وَنَتَّهمها باختلاقِ مُقَابَلَة وَحَديثٍ صَحَفيٍّ
زَعَمَتْ أنَّها أجْرَتْهُ مَعَ السَّيدة الأُولَى حَرَمِ فَخامةِ رئيس جُمهورية
الأحلام الوردية . وَسَوْفَ نُشدِّد عَلى أنَّ هَذا الحَديث المَزعوم لَيْسَ لَهُ
أيُّ أساسٍ مِنَ الصِّحَّةِ عَلى الإطلاق .
قالَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ والفَرَحُ
واضحٌ عَلى وَجْهِه :
_ هَذه أفكارٌ وطنية صادقة ومَعلوماتٌ مُمتازة
مِنَ السَّيد نائب الرئيس ، وَهَذا الأمرُ لَيْسَ غريبًا على اللواء سَلْمَان بن
رَجَب القُرَشِي، فَهُوَ
نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ، وَأَحَدُ قادةِ الثَّوْرَةِ وَصُنَّاعِهَا ، وَأوَّلُ
مَنْ أذاعَ البَيَانَ الأوَّلَ للثَّوْرَةِ .
قالَ مُديرُ أمْنِ الدَّولة :
_ أرجو أنْ يَأذَنَ لِي فَخامةُ رئيسِ
الجُمهورية بالكَلام .
_ تَفَضَّلْ .
_ هُناك مُشكلة خطيرة يا فخامة الرئيس ،
وَهِيَ أنَّ المُعَارَضَة الإسلامية اسْتَغَلَّت العِبارةَ الواردةَ في الحديثِ
الصَّحَفيِّ : " زَوْجِي الأوَّلُ فَتَحَني ، وَزَوْجِي الثاني سَلَخَني ،
وَزَوْجِي الثالث فَلَخَني "، وقامتْ بِنَشْرِهَا للتَّشكيكِ في كَوْنِكَ
أميرَ المؤمنين وَخليفةَ المُسْلِمِين ، كَمَا أنَّها اتَّهَمَت السَّيدةَ
الأُولَى الطاهرة تَغْريد بِنْت نَصْري باستخدام كَلِمَات خادشة للحَيَاءِ ، وَنَشْرِ
الفَسَادِ الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ في المُجتمع، والتَّحريضِ عَلى الفِسْقِ والفُجورِ،
والتَّرويجِ للفاحشةِ والرَّذيلة . وَهَؤلاء الإرهابِيُّون يَهْدِفُون مِنْ خِلال
هَذا العَمَلِ إلى تَجريدِ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ في جُمهوريةِ الأحلامِ
الورديةِ مِنْ شرعيته الدِّينية والسياسية والثَّوْرية .
وأردفَ قائلًا بِتَحَمُّسٍ واندفاعٍ :
_ إنَّ المُعَارَضَةَ الإسلامية تَجاوزت
الخُطوطَ الحَمراءَ يا فَخامة الرئيس ، وَقَدْ تَجَرَّؤُوا عَلى فخامتك شخصيًّا ، وَوَجَّهُوا
نَقْدًا لِسِيادتك . إنَّهُم يَقُولون عَلانِيَةً : (( هَل الرئيسُ خُلِقَ رئيسًا
وَلَيْسَ مُوَاطِنًا ؟. إنَّهُ اسْتَلَمَ الرئاسةَ والزَّعَامةَ إلى الأبدِ دُون
تَقَاعُد أوْ تَسليمِها لِغَيْرِه ، كَمَا يَحْدُثُ في باقي دُوَلِ العَالَمِ
المُتَطَوِّرَةِ ، إنَّ الرئيسَ عِندَنا رئيسٌ إلى الأبدِ ، وَرَغْمًا عَن الكُلِّ
، لأنَّه الكُلُّ في الكُلِّ ، لا يُوجَد رئيس سابق ورئيس حالي ، بَلْ دائمًا رئيس
راحل أوْ رئيس مَخلوع . إنَّ الحُكْمَ وِرَاثيٌّ سَوَاءٌ كانَ مَلَكِيًّا أَمْ
جُمهوريًّا. وابنُ الرئيسِ رئيسٌ رَغْمَ كُرْهِ الكارهين ، وعَشِيرةُ الرئيس
رُؤساء، وأصحابُ الرئيسِ رُؤساء ، وهكذا الحال . والرئيسُ مُنَزَّهٌ عَن الأخطاءِ ،
وَظِلُّ اللَّهِ على الأرضِ ، وَحَامِي الحِمَى ، والمِقَدام ، والهُمَام ، والفَذ
، والقائمةُ لا تَنْتهي مِنَ الألقابِ والأسماءِ ، والبِلادُ مِنْ سَيِّئ إلى أسوأ
، وتَسِيرُ إلى الوَراء ، والبلادُ مُنهارة عَلى كَافَّة الأصعدة ، وفي كُلِّ
القِطَاعات )).
ضَرَبَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ طاولةَ
الاجتماعِ بِقَبضةِ يَدِه ، وقالَ غاضبًا :
_ المُعَارَضَةُ الإسلامية تَبيعُ
الشِّعَاراتِ والأوهامَ للناسِ ، وَسَوْفَ تَظَلُّ الحَرَكَةُ الإسلامية شَوكَةً
في حُلوقِنا . ومَهْمَا فَعَلْنَا مِنْ إنجازاتٍ عظيمة ، فَلَنْ يُعْجِبَهم
الوَضْعُ . يَعتقدون أنَّهُم أحَقُّ برئاسةِ الجُمهوريةِ مِنِّي ، مَعَ أنَّني
قائدُ الثَّورةِ ، وَهَاشميُّ النَّسَبِ ، يُريدُون أنْ يَجْلِسُوا مَكاني ،
وَيَسْتَلِمُوا كُرْسِيَّ الرئاسة ، ولكنْ هَذا حُلْم إبليس بالجَنَّة .
وتابعَ قائلًا :
_ وزيرُ الداخلية عَرَضَ عَلَيَّ خُطَّةً
قديمةً للقَضَاءِ عَلى الحَرَكَةِ الإسلاميةِ مَرَّةً واحدةً وإلى الأبد. وبصراحة،
لَقَدْ عَارَضْتُهَا في البِدَايةِ ، واتَّهَمْتُ وَزيرَ الداخلية بالجُنونِ ،
ولكنْ يَبْدُو أنَّهُ كانَ العاقلَ الوحيدَ بَيْنَنَا . أخْبَرَني أنَّ وِزارة
الداخلية مُسْتَعِدَّة لتفجيرِ أكبر كنيسة في العاصمة ، واتِّهَامِ الحَرَكَةِ
الإسلامية بذلك ، مِنْ أجْلِ تَصويرها كَمَجموعة مِنَ الإرهابيين والمُتَطَرِّفين
والأُصُوليين . وبذلك ، نُجَيِّشُ الرَّأيَ العام ضِدَّهُم ، وَنَحْصُل على
الدَّعْمِ مِنَ المُجتمعِ الدَّوليِّ ، وتَزداد المُساعداتُ الأمريكية والأوروبية
لَنَا لِمُكافحةِ الإرهاب . وهَذه فِكرة عبقرية ، أرجو العَمَلَ على تنفيذِها في
أقربِ فُرصةٍ ، وَأسرعِ وَقْتٍ مُمْكِن ، بالتَّنْسيق معَ كوادر وِزارة الداخلية ،
وَآخِرُ الدَّوَاءِ الكَيُّ .
عَادَ سَفيرُنا إلى بِلادِنا ، وَتَمَّ
طَرْدُ سَفيرِ الدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقةِ مِنْ بِلادِنا ، وَقُطِعَت
العَلاقاتُ الدُّبلوماسية والاقتصادية والتِّجارية بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم ،
وَأَغْلَقْنَا مَجَالَنا الجَوِّي أمامَ طائراتِهم . وَقَد اعْتَبَرُوا هَذا
الأمْرَ عُدوانًا سافرًا ، وِبِمَثَابةِ إعلانِ حَرْبٍ عَلَيْهِم .
شَهِدَت الحُدودُ بَيْنَ جُمهوريةِ الأحلامِ
الوَرديةِ والدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقة تَطَوُّرًا خطيرًا ، حَيْثُ حَدَثَت
اشتباكاتٌ مُسلَّحة،وَقَصْفٌ مِدْفعي مُتبادَل،مِمَّا أدَّى إلى سُقوطِ قَتْلَى
وَجَرْحَى مِنَ الجَانِبَيْن.
تَوَلَّى أبي وِزارةَ الدِّفَاعِ في هَذا
المُنْعَطَفِ الخَطيرِ واللحظةِ المِفْصَلِيَّةِ الحاسمة مِنْ تاريخِ أُمَّتِنَا المَجِيدِ
، واتَّهَمَ جَيْشَ الدَّولةِ العربية الشَّقيقة بتنفيذِ عَمليات تَسَلُّل،
وَقَتْلِ ثلاثة جُنود مِنْ جِيْشِنَا الوطنيِّ الباسلِ ، إضافةً إلى قَصْفٍ
مِدْفَعي وصاروخي طالَ قُرَانا الوادعة ، وأسْفَرَ عَنْ مَقْتَلِ شُيوخ كِبَار
السِّنِّ وأرامل ومُطَلَّقَات وأطفال ، لا ذَنْبَ لَهُم ، ولا ناقة لَهُم ولا
جَمَل في الخِلافاتِ السِّياسيةِ والصِّراعاتِ العَسكرية .
أعْلَنَ جَيْشُ الدَّولةِ العربيةِ
الشَّقيقة أنَّه رَدَّ عَلى مَصادرِ النِّيرانِ القادمةِ مِنْ أراضي جُمهوريةِ
الأحلامِ الوردية ، بَعْدَمَا تَعَرَّضَتْ قُرَاهُم وَبَلْدَاتُهم لِقَصْفٍ
مِدْفعي ، مُشِيرًا إلى تَعزيزِ انتشارِه عَلى الحُدودِ للحِفَاظِ عَلى الاستقرار
.
فَضيلةُ الشَّيْخِ حَسُّونة بدير مُفْتي
الجُمهوريةِ أصْدَرَ فَتْوى شَرْعِيَّة تُوضِّح بِمَا لا يَدَعُ مَجَالًا للشَّكِّ
أنَّ شَعْبَ الدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقةِ كُفَّارٌ وَمُنَافِقُون وخوارج
وإرهابيون وَعُمَلاء وَخَوَنَة ، لأنَّهُم طَعَنُوا في شَرَفِ أُمِّ المُؤمنين السَّيدةِ
الطاهرة تَغْريد بِنْت نَصْري حَرَم فَخَامة رئيس جُمهورية الأحلام الوردية
السَّيد مُراد بن عادل الهاشميِّ ، وَهُوَ أميرُ المُؤمِنين ، وَخَليفةُ
المُسْلِمِين ، والطَّعْنُ في شَرَفِ زَوْجَتِهِ الطاهرة هُوَ طَعْنٌ في شَرَفِ
الأُمَّةِ العربيةِ رِجَالًا وَنِسَاءً ، ولا يَنْبغي السُّكُوتُ عَنْ قَذْفِ
المُحْصَنَاتِ الغافلاتِ المُؤمناتِ . والسَّيدةُ الشَّريفةُ الطاهرةُ تَغْريد
بِنْت نَصْري حَرَمُ فَخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ هِيَ المَثَلُ الأعلى ،
والقُدْوَةُ السَّامِيَةُ لِجَميعِ النِّسَاءِ في العَالَمِ العربيِّ . وَقَدْ
قالَ المُتَنَبِّي:
لا يَسْلَمُ
الشَّرَفُ الرَّفيعُ مِنَ الأذَى
حَتَّى يُرَاقُ عَلى
جَوَانِبِهِ الدَّمُ
لا يَسْلَمُ
الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذَى حَتَّى تَحْمِيَهُ بِالسَّيْفِ . لا يَسْلَمُ لِلشَّرِيفِ
شَرَفُهُ مِنْ أذَى الحُسَّادِ وَالأعْدَاءِ ، حَتَّى يَقْتُلَ حُسَّادَهُ وَأعْدَاءَه،
فَإذَا أَرَاقَ دِمَاءَهُمْ سَلِمَ شَرَفُه ، لأنَّهُ يَصِيرَ مَهِيبًا ، فَلا
يَتَعَرَّض لَهُ أَحَد .
كانتْ فَتوى فَضيلةِ الشَّيخ حَسُّونة بدير
مُفْتي الجُمهوريةِ بَليغةً وَفَصِيحةً وَقَوِيَّةً وَمُؤَثِّرَةً في النُّفُوسِ
وَمُؤيَّدَةً بالأدلةِ الشَّرعيةِ ، والحُجَجِ العَقْلِيَّة ، والبَراهينِ
العِلْمِيَّة ، وَتَدُلُّ عَلى الحِرْصِ عَلى الوَحدةِ الوَطنية ، والأمْنِ
القَوْمِيِّ ، والقَوْمِيَّةِ العربية ، وَحُقُوقِ المَرْأةِ .
وَلَمْ يَكْتَفِ فَضيلتُه بإصدارِ هَذه
الفَتوى الشَّرعية، بَلْ أضافَ إلَيْهَا مُلْحَقًا إستراتيجيًّا وَلُوجِسْتِيًّا،
يُوضِّح ضَرورةَ إعلانِ الجِهَادِ ضِدَّ شَعْبِ الدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقةِ
باعتبارِهم كُفَّارًا ، وَغَزْوِهِم ، وَمُحاربتهم ، وَقَتْلِ رِجَالِهِم ، وأخْذِ
أموالِهم ، وَسَبْيِ نِسَائِهِم .
المُواطنون في جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرديةِ
، شَعَرُوا بالفَخْرِ والاعتزازِ ، وَدَبَّتْ في عُروقِهم الوَطنيةُ والقَوميةُ ،
وَدَقَّتْ في أعصابِهم طُبولُ الحَرْبِ . وَاسْتَعَدُّوا للِجَهادِ في سَبيلِ
اللَّهِ تَعَالى ، بإطلاقِ صَيحاتِ " اللَّه أكبر ، اللَّه أكبر " ،
وصَاروا يُفَكِّرُون في الأموالِ الكثيرةِ التي سَيَغْنَمُونها مِنَ الشَّعْبِ
الكافرِ في الدَّولةِ العربية الشَّقيقة . سَوْفَ يُسدِّدون دُيونَهم ، ويَفْتتحون
مَشاريعَ تِجارية واقتصادية رائعة ، ويَشْتُرون أفضلَ السِّلَعِ والبَضائعِ ،
وَيَقْتَنُون أفخمَ السَّيَّاراتِ والمُجَوْهَرَاتِ ، ويَمتلكون أجملَ المَنازلِ
واليُخُوتِ ، وَيَسْتثمرون في الأسهُمِ والعَقاراتِ والشَّرِكَات ، وَيَتَبَرَّعُون
للأعمالِ الخَيْرِيَّة .
ولكنَّ قَضِيَّة " سَبْي نِسَائِهِم
" ضَايَقَتْ شَعْبَ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ، حَتَّى إنَّها ضَايَقَتْ
أبي شَخصيًّا باعتبارِه نائبًا لرئيسِ الجُمهوريةِ وَوَزيرًا للدِّفَاعِ،
لأنَّهُنَّ نِسَاء حَرائر عَرَبِيَّات مِنْ دَولة عربية شقيقة وجَارَة ، فَكَيْفَ
يُمْكِنُ أنْ نأخُذَهُنَّ سَبَايَا ، وَنَتَّخِذَهُنَّ مِلْكَ يَمِينٍ ، وَشَرَفُ
المَرأةِ العربيةِ كُلٌّ لا يَتَجَزَّأ ، وَوَحْدَةٌ واحدةٌ لا تَتَبَعَّض ؟! .
طُرِحَ هَذا السُّؤال على فضيلة الشَّيخ
حَسُّونة بدير مُفْتي الجُمهورية المَعروف بأنَّه أبو المَخَارِجِ الشَّرْعِيَّة ،
وَصَاحِبُ بَرَاءاتِ الاختراعِ في الفَتاوى حَسَبِ الطَّلَبِ ، فقالَ : في الحَدِيثِ
الصَّحيح : (( حَتَّى يَكُونَ
بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا ، وَيَسْبي بَعْضُهُم بَعْضًا )) ، أي: يُهْلِكُ
بَعْضُ المُسْلِمِين بَعْضًا آخَرَ مِنْهُم ، وَيَسْبي ويَأسُرُ بَعْضُهُم بَعْضًا
. وهذا في المُسْلِمِين ، فَمَا بَالُكَ في الكُفَّارِ الخَوَنَةِ ؟! .
ارتاحَ أبي نَفْسِيًّا بَعْدَ فَتوى فَضيلةِ
مُفْتي الجُمهوريةِ ، وَلَمْ يَعُدْ يَشْعُرُ بالذَّنْبِ أو الحَرَجِ . واطمأنَّ
الناسُ ، وصَاروا يُجَهِّزُون أنفسَهم لأخذِ السَّبَايا والجَوَاري مِنَ الدَّولةِ
العربيةِ الشَّقيقةِ ، وَافْتَتَحُوا أسواقَ نِخَاسَةٍ مُجَهَّزَة بأحدثِ
التَّجهيزاتِ لِتَوفيرِ الرَّاحَةِ لَهُنَّ ، وَعَدَمِ شُعُورِهِنَّ بالغُربةِ في
بَلَدِهِنَّ الثاني . ولكنَّهم احتاروا في كَيفيةِ تَحديدِ أسعارِ السَّبَايا
والجَوَاري ، فَمَا كَانَ مِنْ وِزارةِ الماليَّة إلا أنْ حَدَّدَتْ سِعْرَ
السَّبِيَّةِ أو الجاريةِ وَفْقَ سِعْرِ بِرْمِيلِ النِّفْطِ بالدُّولار.وهَكذا
زَالت الحَيْرَةُ.
وقامتْ وِزارةُ الماليَّةِ مَشكورةً
بِعَقْدِ مُؤتمر وَطنيٍّ اقتصاديٍّ يَجْمَعُ خُبَرَاءَ القِطَاعَيْن العام والخاص
، وَمُمَثِّلين عَنْ مُؤسَّسات المُجتمع المَدنيِّ ، ورجال الأعمال ، والأكاديميين
، والشَّبَاب، لِمُناقشةِ وتبادلِ الأفكارِ حَوْلَ كيفيةِ الاستفادةِ مِنَ
السَّبايا والجَوَاري ، والاستثمارِ في أسواقِ النِّخَاسَةِ والرَّقيقِ الأبيضِ ،
لِدَعْمِ الدَّخْلِ القَوْمِيِّ ، والاقتصادِ الكُلِّي ، والناتِجِ المَحَلِّي .
أعْلَنَ فَخَامَةُ رئيسِ الجُمهوريةِ
وقائدُنا إلى الأبد السَّيدُ مُراد بن عادل الهاشمي الجِهَادَ ضِدَّ شَعْبِ الدَّولةِ
العربية الشقيقة باعتبارهم كُفَّارًا وعُمَلاء للاستعمار ، وضَرورة قَتْلِ
رِجَالِهِم ، وأخْذِ أموالِهم، وَسَبْيِ نِسَائِهِم ، حَسَب فَتوى فَضيلة
الشَّيْخِ حَسُّونة بدير مُفْتي الجُمهوريةِ ، المَعروفِ بالتَّقْوَى والوَرَعِ
والعِلْمِ الغَزيرِ، والحِرْصِ عَلى الوَحْدَةِ الوَطنيةِ، والقَوْمِيَّةِ العربية
، وَجَمْعِ المُسْلِمِين تَحْتَ رَايةِ التَّوحيد .
قادَ الحَمْلَةَ العَسكرية نائبُ قَائدِ
الحَرَسِ الجُمهوري خالد بن مُراد الهاشمي ( ابن فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية ) ،
وَنَسِيَ الناسُ الرُّتبةَ العَسكريةَ التي كانَ يَحْمِلُهَا . طَلَبَ أنْ يَقُودَ
الحَرْبَ بِنَفْسِهِ دِفَاعًا عَنْ شَرَفِ زَوجةِ أبيه السَّيدة تَغْريد نَصْري ،
وَزَوجةُ الأبِ مِثْل الأُمِّ ، لذلكَ اعتَبَرَهَا مَعركةً شَخصيةً دِفَاعًا عَن
اسْمِ العائلةِ الحاكمةِ وَشَرَفِهَا وَسُمْعتها بَيْنَ الأُمَمِ والشُّعُوبِ
والقَبائلِ .
تَمَّتْ تَسميةُ الحَرْبِ " دَاحِس
والغَبْرَاء الثانية " . إنَّهما فَرَسَان شَهِيران ، وَقَعَتْ بسببِ
سِبَاقِهما حَرْبٌ دَامِيَة اسْتَمَرَّتْ لِعُقودٍ بَيْنَ قَبِيلَتَي عَبْس
وَذُبْيَان في الجاهليَّة العربية . والسَّيدةُ تَغْريد نَصْري تُشْبِهُ الفَرَسَ الأصيلةَ
الجميلة التي لا يَستطيع تَرويضَها إلا فارسٌ خَبيرٌ صَبُور ، وَهُوَ زَوْجُها
فَخامةُ رئيسِ الجُمهورية . والسَّيدةُ تَغْريد نَصْري مَقرونة بالخَيْلِ في
كَرَمِ الأصْلِ والأصالةِ ، وَنُبْلِ الصِّفَات، وكَريمِ الفِعَالِ ، وَهِيَ أثمنُ
مِنَ المَالِ .
اندلعتْ حَرْبُ دَاحِس والغَبْرَاء الثانية بِقِيَادَةِ
خالد بن مُراد الهاشمي الابنِ الأكبرِ لِفَخَامِةِ رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ
الوردية يَوْمَ الجُمُعَة 7/12/1984 . بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ ، شَنَّتْ قُوَّاتُ
الحَرَسِ الجُمهوريِّ الباسلِ هُجومًا خاطفًا على شَعْبِ الدَّولةِ العربيةِ
الشَّقيقة ، وَاقْتَحَمْنَا حُدُودَهم ، وَغَزَوْنَاهُم في عُقْرِ دَارِهِم ،
وَمَرَّغْنَا أُنُوفَهم في الوَحْلِ ، وكَسَرْنَا شَوكَتَهُم ، وَقَتَلْنَا
مِنْهُم المِئات مِنَ العَسْكريين والمَدَنيين ، وَفَرِحْنَا وَرَقَصْنَا بِمُناسبةِ
هَذا النَّصْرِ العظيمِ ، وَشَرِبْنَا العَصِيرَ الطازَجَ، وَأَكَلْنَا الحلويات ،
وَوَزَّعْنَا الهَدَايا عَلى جَمِيعِ أصدقائنا وَمَعَارِفِنَا .
أصدرتْ جامعةُ الدُّوَلِ العَربية بَيَانًا
يُدِينُ غَزْوَنا لِبِلادِهِم ، وَيَرْفُضُ أيَّ أثَرٍ يَتَرَتَّب عَلَيْه ،
وَيَسْتنكر سَفْكَ الدِّمَاءِ ، وتَدميرَ المُنشآت ، ويُطالبنا بالانسحابِ
الفَوْرِيِّ غَيْرِ المَشروط ، وذلك في قِمَّة طارئة عُقِدَتْ في مَكانٍ سِرِّي .
وَقَدْ تَباينتْ مَواقفُ الدُّوَلِ الأعضاءِ تُجَاه الغَزْو ، حَيْثُ عَارَضَتْهُ
غالبيَّةُ الدُّوَل ، في حِين أعلنتْ بعضُ الدُّوَلِ دَعْمَهَا لَنَا أوْ تَحَفُّظَها
.
وَصَدَرَ بَيَانٌ أمريكيٌّ سُوفييتي
مُشْتَرَكٌ غَيْرُ مُعتادٍ يُدِينُ غَزْوَنَا للدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقة ،
ويَدْعُو لِوَقْفِ مَبيعاتِ الأسلحة فَوْرًا إلى دَوْلتنا .
وأدانت الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ غَزْوَنا
للدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقة ، وطَالبتْ بانسحابِ قُوَّاتِنا الفَوْرِيِّ
وَغَيْرِ المَشروطِ ، وَفَرَضَ مَجْلِسُ الأمْنِ الدَّولي عُقوباتٍ عَلى بِلادِنا
.
رئيسُ الدَّولةِ العربيةِ الشَّقيقةِ
المَهزومةِ دَعَا إلى الحِوَارِ ، وَعِلاجِ القَضَايا العالقة بالجُلوسِ عَلى
طاولةِ المُفَاوَضَات . رَدَّ عَلَيْهِ أبي باعتبارِه نائبًا لرئيسِ الجُمهورية ،
وَوَزيرًا للدِّفَاعِ ، بِحَزْمٍ وَصَرَامَةٍ ، قائلًا إنَّ هَذه الحَرْبَ
المُقَدَّسَة ضِد بِلادِكُم لَنْ تَنْتهي إلا في حالة واحدة فَقَط ، وَهِيَ تَسليم
رئيسةِ تَحرير مَجَلَّةِ صَوْتِ المَرْأةِ القِياديَّة لَنَا بِدُون شُروط .
وبالفِعْلِ ، تَمَّ تَسليمُها في اليَوْمِ التالي ، وانتهت الحَرْبُ ، وَعَمَّ
السَّلامُ بَيْنَ الشَّعْبَيْن الشَّقِيقَيْن ، وَرُشِّحَ الرئيسان في البَلَدَيْن
العَرَبِيَّيْن الجَارَيْن لجائزة نُوبل للسَّلام ، وَهَذا يَعْكِسُ أمَلَ البَشريةِ
في إنهاءِ الصِّرَاعَاتِ ، وَتَحقيقِ الاستقرارِ العالميِّ ، وَالوُصُولِ إلى
عَالَمٍ خالٍ مِنَ الحُروبِ يَعُمُّهُ السَّلامُ .
أصدرتْ مَحكمةُ أمْنِ الدَّولةِ في دَوْلتنا
الحبيبةِ القائمةِ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ والشَّرعيةِ الثَّوريةِ والشَّرعيةِ
الدُّستوريةِ حُكْمًا بإعدامِ رئيسةِ تَحريرِ مَجَلَّةِ صَوْتِ المَرْأةِ
القِياديَّة، بَعْدَ اعترافِها بالخِيَانةِ العُظمى ، والانضمامِ إلى مُنَظَّمَةِ
إرهابية مَحْظورة ، وَتَلَقِّي دَعْمًا خارجيًّا للطَّعْنِ في شَرَفِ السَّيِّدَةِ
الأُولَى الطاهرةِ تَغْرِيد بِنْت نَصْرِي ، حَرَمِ رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ
الوردية ، وَوَالِدَة الدَّوْلَةِ ، وَأُم الشَّعْبِ ، وَرَاعِيَة المُوَاطِنِين ،
وَداعمة الثَّقَافة والمُثَقَّفين ، وَهِيَ أُمُّ المُؤمنين لأنَّها زَوجةُ
فَخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ السَّيد مُراد بن عادل الهاشمي أمير المُؤمنين ،
وَخَليفة المُسْلِمِين .
وَتَمَّتْ إحالةُ أوراقِ رئيسةِ تَحريرِ
مَجَلَّةِ صَوْتِ المَرْأةِ القِياديَّة إلى فَضيلةِ الشَّيْخِ حَسُّونة بدير
مُفْتي الجُمهوريةِ ، لاستطلاعِ رَأيِهِ الشَّرْعِيِّ في مَدى مُوافقةِ الشَّريعةِ
الإسلاميَّةِ عَلى حُكْمِ الإعدام ، والتأكُّدِ مِنْ أنَّ هَذا الحُكْمَ
يَتَوَافَق معَ الفِقْهِ الإسلاميِّ ، وَهَذا يُؤَدِّي إلى اطمئنانِ مَحكمةِ أمْنِ
الدَّولةِ لِصِحَّةِ حُكْمِهَا . وَقَدْ أيَّدَ فَضيلةُ المُفْتي حُكْمَ الإعدام ،
وقالَ بِوُجوبِ تَطبيقِ حَدِّ الحِرَابَةِ عَلى هَذه المَرْأةِ ، واستدلَّ بالآيةِ
القُرْآنِيَّةِ الكريمة : (( إنَّما جَزَاءُ الذينَ يُحاربونَ اللَّهَ ورسولَهُ
ويَسْعَوْنَ في الأرضِ فَسَادًا أن يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ
أيديهم وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنفَوْا مِنَ الأرضِ ذَلِكَ لَهُم خِزْيٌ في
الدُّنيا وَلَهُم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ )) صَدَقَ اللَّهُ العظيم .
42
في نِهَايةِ عام 1984 ، وفي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَباردةٍ وَماطرةٍ، طَلَبَ
مِنِّي أبي أنْ ألْبَسَ ثِيَابي ، لأنَّه سَيَأخذني مَعَه في زِيَارةٍ خَاصَّة.
تَعَجَّبْتُ أشدَّ العَجَبِ ، واستغربتُ مِنْ كَلامِه ، فالوَقْتُ كانَ
مُتَأخِّرًا، والمَطَرُ يَهْطِلُ بِغَزَارةٍ. قُلْتُ لَه بِدَهْشَةٍ وَحَيْرَةٍ :
_ إلى أيْنَ سَنَذهَب يا أبي في هَذا الوَقْتِ المُتَأخِّرِ والجَوِّ
الماطرِ ؟ .
_ لا تَسْأل يا هِشَام ، سَوْفَ تَعْرِفُ بِنَفْسِكَ .
رَكِبْنَا في سَيَّارةٍ بسيطة لِكَيْلا تَلْفِتَ الانتباهَ ، أوْ تُثيرَ
الفُضُولَ . جَلَسْتُ أنا وأبي في المَقْعَدِ الخَلْفِيِّ ، وكانَ في الأمامِ
السائقُ والحارسُ الشَّخْصِيُّ ، وَهُمَا عَسْكَرِيَّان مُسَلَّحَان ، ولكنَّهما
كانا يَلْبَسَان ثِيَابًا مَدَنِيَّة مِنْ أجْلِ التَّخَفِّي وعَدَمِ إظهار
هُوِيَّتهما الحقيقية .
ذَهَبْنَا إلى مَنطقة زِرَاعية لا أعرفُ أيْنَ تَقَعُ ، كانَ هُناك بُيُوتٌ
مُتَفَرِّقة ومُتباعِدة ، وَبَيْنَها يَقَعُ كُوخٌ غريبُ الشَّكْلِ. نَزَلَ أبي
مِنَ السَّيارةِ ، وَسارَ إلى الكُوخِ الغريبِ ، وأنا أُلاحِقُ خُطُواتِه السَّريعة،
وأتْبَعُه بِلا تَفكيرٍ ولا وَعْيٍ. طَرَقَ أبي البابَ، فَجَاءَهُ صَوْتٌ بعيدٌ
وخافتٌ :
_ مَنْ بالبابِ ؟ .
_ أنا اللواء سَلْمَان رَجَب نائب رئيس الجُمهورية ، جِئْتُكِ حَسَب
المَوْعِدِ .
_ هَلْ مَعَكَ أحَدٌ يا سَلْمَان ؟ .
_ ابْني هِشَام فَقَط .
تَعَجَّبْتُ مِنْ مُخاطبتها لأبي بـِ " سَلْمَان " بِلا ألقاب
ولا تقدير . إنَّ أبي هُوَ اللواء أركان حَرْب سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي ،
نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، ويَنْبغي احترامُه وتَفخيمُه وتَقْديرُه .
قُلْتُ لأبي وأنا في حالةِ ذُهولٍ شاملة :
_ كَيْفَ تَسْمَحُ لامرأةٍ فقيرة في كُوخٍ بسيط أنْ تُخاطبك بـِ "
سَلْمَان " وأنتَ نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَتَحْمِلُ رُتبةَ لِوَاء ،
وتَنْتمي إلى قُرَيْش ؟ .
_ أنتَ مَا زِلْتَ صَغيرًا يا هِشَام ، وَمَهْمَا كُنْتَ ذَكِيًّا
ومُتَعَلِّمًا ، فَهُناك أشياء كثيرة في الحَياةِ أنتَ بِحَاجَةٍ إلى مَعرفتها
وَتَعَلُّمِهَا . الحَيَاةُ مَدرسةٌ أكبر مِنَ المَدرسةِ الأجنبيةِ التي تَدْرُسُ
فِيها .
وتابعَ قائلًا بِصَوْتٍ صُلْبٍ :
_ هَذه المَرْأةُ مِنْ أولياءِ اللَّه الصالحين ، ومَكْشُوف عَنْهَا
الحِجَاب . دَلَّني عَلَيْهَا ضَابط مُخَابَرَات ، وقالَ لِي إنَّها تَنَبَّأتْ باغتيالِ
الرئيسِ المِصْرِيِّ أنور السَّادَات ، وَتَوَلِّي نائبه الحُكْم .
فَتَحَتْ لَنَا البابَ امرأةٌ عَجُوز عَمْيَاء ، وَرَحَّبَتْ بِنَا ،
وَدَعَتْنَا إلى الدُّخُولِ . جَلَسْنَا عَلى سَجَّادَة سَمِيكة على الأرضِ ،
وَجَلَسَتْ عَلى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ ، وَأمَامَها طاولة عَلَيْهَا إناء مَملوء
بالماء .
قالتْ بِصَوْتٍ ضعيف :
_ كَيْفَ حَالُكَ يا سَلْمَان ؟ ، وكَيْفَ حالُ الجُمهوريةِ ؟ .
رَدَّ أبي بِصَوْتٍ يَدُلُّ عَلى التَّعَبِ والإرهاقِ :
_ أُعَاني مِنْ قَلَقٍ رهيب، وأرَقٍ دائم ، والمَصائبُ نازلةٌ عَلى
الجُمهوريةِ مِثْلَ المَطَرِ . قَطَعَتْ أمريكا والاتِّحادُ السُّوفييتي الأسلحةَ
عَنَّا،
وَفَرَضَ مَجْلِسُ الأمْنِ الدَّولي عُقوباتٍ قاسية عَلى بِلادِنا بَعْدَ
انتصارِنا في حَرْبِ دَاحِس والغَبْرَاء الثانية .
_ دَوَامُ الحَالِ مِنَ المُحَالِ ،
والدُّنيا دَوَّارة ، وكَمَا تَدِينُ تُدَان ، وكُلُّ كَاسِرٍ مَكسورٌ .
_ أُريدُ أنْ أسألكِ أسئلةً عَنْ رئيسِ
الدَّولةِ ، وَوَضْعِ الجَيْشِ ، وَحَالِ الشَّعْبِ ، وَالوَضْعِ العَرَبيِّ ، وَمُسْتقبلي
السِّيَاسِيِّ والعَسكريِّ .
_ كَمَا اتَّفَقْنَا مُسْبَقًا يا سَلْمَان
، لَدَيْكَ خَمْسَة أسئلة فَقَط ، كُلُّ سُؤالٍ بألْفِ دُولار ، تَضَعُ المَبْلَغَ
عَلى الطاولةِ ، ولا تَسْألْني عَن تَفْسِيرِ كَلامي ، ولا تُعَلِّقْ عَلَيْه ،
ولا تُنَاقِشْني ، وَاطْرَح الأسئلةَ فَوْرًا بِدُون مُقَدِّمَات ولا لَف ولا
دَوَرَان .
_ هَلْ سَيَتِمُّ اغتيال فَخامة رئيس الجُمهورية
؟ .
كانت العَرَّافَةُ العَمْيَاءُ تَسْتعمل
الماءَ في قِراءةِ المُستقبَل، فَتَنْظُر في الإناءِ المَمْلُوءِ بالمَاءِ
المَوضوعِ عَلى الطاولة أمَامَها ، وَتَتَأمَّل مَا سَيَحْدُث لِتَقُولَه عَلى
شكلٍ مَقاطع شِعْرِيَّة غامضة .
أجابتْ عَن السُّؤالِ الأوَّل الذي طَرَحَه
أبي قائلةً :
_ الأفعى خَرَجَتْ مِنْ جُحْرِهَا وَلَنْ
تَعُود ، والمَطَرُ يُحَطِّمُ الزُّجَاجَ عَلى الحِجَارَةِ السَّوداءِ كَقُلُوبِ
الأغرابِ ، والرَّمادُ الوَرْدِيُّ حَاجِزٌ عَسكريٌّ بَيْنَ اغتيالِ الفِكْرِ
واغتيالِ الجَسَدِ ، والعَبِيدُ يَحْمِلُونَ رُؤوسَهم المَقطوعة في أكياسِ
القُمَامَةِ ، وَيَمْشُونَ في جِنَازَاتِهِم في الليلِ الرَّهيب .
_ هَلْ سَيَقُومُ الجَيْشُ بانقلابٍ
عَسكريٍّ عَلى رئيسِ الجُمهورية ؟ .
_ الأوسمةُ العَسكريةُ عَلى أثداءِ
الرَّاقصاتِ المَقطوعةِ ، والخَنْجَرُ المَسْمُومُ ضَاعَ في الرَّقصةِ الأخيرةِ
عَلى إيقاعِ الفَوْضَى ، وَالمَلِكُ أَحْرَقَ مْمَلَكَتَه ، وَصَعِدَ إلى الجَبَلِ
، وانتهتْ سَنَوَاتُ العِشْقِ وَالرَّصَاصِ كَمَا يَنْتَهي فَصْلُ الشِّتَاءِ
والدِّمَاءِ .
_ هَلْ سَيَقُومُ الشَّعْبُ بِثَوْرَةٍ عَلى
النِّظَامِ الحاكم ؟ .
_ الحَاكِمُ مَحْكُومٌ ، والهُوِيَّةُ
هَاوِيَةٌ ، وكِلابُ الحِرَاسَةِ تَطُوفُ حَوْلَ أسوارِ المَزرعةِ ، والهَياكلُ
العَظْمِيَّةُ في مَخَازِنِ الأسلحة ، والمَلابسُ الدَّاخِلِيَّةُ للفُقَرَاءِ
والجِيَاعِ والقَتْلَى عَلى حَبْلِ الغَسِيلِ .
_ هَلْ سَتَغْدِرُ بِنَا دَوْلَةٌ عَرَبيةٌ
شقيقةٌ وَتَغْزُو بِلادَنا ؟ .
_ شَمَالٌ يَسِيلُ عَلى دَمِ الجَنُوبِ ،
وَحَلِيبُ الأُمَّهَاتِ يَنْهَمِرُ في فُوَّهَاتِ المَدَافِعِ ، وَجَزِيرةُ
الكَنْزِ تَغْرَقُ في أمْوَاجِ البَحْرِ الرَّمَادِيِّ ، وَعِنْدَمَا يَدْخُلُ النَّجْمَان إلى المَدَارِ
سَيَحْتَرِقَان .
_ مَا هُوَ مُسْتَقْبَلي السِّياسيُّ
والعَسكريُّ ؟ .
_ أرحامٌ تَدْفَع ، وَأرْضٌ تَبْلَع ، وَفُرْسَانُ المَعْبَدِ يَنْتَحِرُونَ
بَيْنَ الفُولاذِ والأفخاذِ ، وَالكَلْبُ الذي يَرْضَعُ مِنَ الذِّئبَةِ لا يُصْبحُ
ذِئبًا ، وَالبَقَرَةُ عِنْدَمَا يَجِفُّ حَلِيبُهَا سَتُذْبَح ، وَعِنْدَمَا يَقَعُ
الجَمَلُ تَكْثُرُ السَّكَاكِين، وَسَوْفَ تَسْقُطُ رَايةُ دَوْلَتِكَ حِينَ يَجِفُّ
مَهْبِلُ زَوْجَتِكَ .
غَادَرْنَا المَكَانَ ، وكانَ
السائقُ والحارسُ الشَّخْصِيُّ يَنْتظران قُدُومَنا بِفَارِغِ الصَّبْرِ ، وَعَلى
أحَرِّ مِنَ الجَمْرِ. وانطلقت السَّيارةُ في قَلْبِ الليلةِ الماطرةِ . بَدَا أبي
غارقًا في التَّفكيرِ . وَجْهُهُ مُمْتَقِعُ اللَّوْن ، وَعَيْنَاه شاردتان .
إنَّهُ يُحَاوِلُ إيجادَ تفسيراتٍ وتأويلاتٍ لكلامِ العَرَّافَةِ العَمْيَاءِ .
الوَسَاوِسُ تُحَاصِرُهُ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ ، والهَوَاجِسُ تُهَاجِمُه مِثْلَ
الوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ .
دَفَعَ أبي لَهَا خَمْسَة آلاف
دُولار في دقائق مَعدودة ، وهَذا المَبْلَغُ كانَ كبيرًا في ذلك الوَقْتِ ، لذلك
قُلْتُ لأبي وأنا في غَايةِ الضِّيقِ والدَّهْشَةِ :
_ لَقَدْ خَسِرْتَ مَالًا
كثيرًا يا أبي في وَقْتٍ قصير .
نَظَرَ إلَيَّ والتَّعَبُ
يُمَزِّقُ مَلامِحَه ، وقالَ بِصَوْتٍ ذابل :
_ المَالُ يأتي وَيَذهَب يا
هِشَام ، وأنا لا أدفعُ شيئًا مِنْ جَيْبي . المَبْلَغُ يُقَيَّدُ عَلى حِسَابِ
الحُكومة ، وفي نِهَايةِ الأمْرِ ، المُواطنون هُمُ الذينَ يَدْفَعُونَ المَالَ
مِنْ حَصيلةِ الضَّرَائبِ المَفروضةِ عَلَيْهِم .
_ لا تَتَأثَّر بِكَلامِهَا يا
أبي ، هَذه امرأةٌ عَجُوز كَذَّابَة ونَصَّابَة وبَائعة كَلام ، تُريدُ أخْذَ
أموالِ الناسِ . وَالشَّيْخُ جَعفر هِشَام عبد الهادي قالَ لَنَا في كُتَّابِ
القَريةِ : كَذَبَ المُنَجِّمُونَ وَلَوْ صَدَقُوا ، وَمَنْ جَاءَ إلى عَرَّافٍ
فَصَدَّقَهُ فَهُوَ كَافِرٌ .
قالَ أبي وَحَوَاسُّهُ
تَنْهارُ شَيئًا فَشَيئًا :
_ أنْتَ تَحْفَظُ أشياء كثيرة
يا هِشَام ، وكَلامُكَ أكبرُ مِنْ سِنِّكَ ، انْسَ القَرْيَةَ ، لَقَدْ زالتْ مِنَ
الوُجودِ، واختفتْ مِنَ العَالَمِ ، والشَّخْصُ الأعمى يَتَسَاوَى عِنْدَه الليلُ
والنَّهَارُ .
هَلْ أبي مُؤمِنٌ أَمْ كافرٌ ؟
. في القَريةِ ، كُنْتُ ابْنَ رَاعِي الغَنَمِ والخَدَّامةِ ، وَأخْشَى أنْ أكُونَ
في العاصمةِ ابْنَ المُجْرِمِ الكافرِ . لَو استطاعَ الإنسانُ أنْ يَخْتَارَ
أبَوَيْه ، مَنْ سَيَخْتَارُ أبَاهُ وَأُمَّه ؟ . وَلَوْ قَدَرَ عَلى اختيارِ
الزَّمانِ والمَكانِ اللذَيْنِ يُولَدُ فِيهما ، مَا هِيَ الفَترةُ الزَّمنيةُ
والطَّبيعةُ المَكَانِيَّةُ اللتان يَخْتارهما ؟ . المَوْتُ يُوحِّد بَيْنَ
الزَّمانِ والمَكَانِ ، وَالحُزْنُ يُوحِّد بَيْنَ البُوصَلَةِ والخَريطَةِ .
أنا في غَايةِ التَّعَجُّبِ
والاستغرابِ، كَيْفَ يَذهَب أبي اللواء سَلْمَان رَجَب نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ
والرَّجُلُ الثاني في الدَّولةِ، وَأحَدُ قَادَةِ الثَّوْرَةِ وَصُنَّاعِهَا ، وواحدٌ
مِنْ أَهَمِّ العُقُولِ المُدَبِّرَةِ والمُخَطِّطَةِ لَهَا ، وأوَّلُ مَنْ أذاعَ
البَيَانَ الأوَّلَ، إلى عَرَّافَة عَمْيَاء عَجُوز نَصَّابَة تَعيشُ في كُوخٍ في
مَنطقة نائية ؟!.
أيْنَ مَراكزُ الأبحاثِ والدِّرَاساتِ في
جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرديةِ ؟ . أيْنَ الوُزَرَاءُ والخُبَرَاءُ وَمُوَظَّفُو
الدَّولةِ الكِبَارُ الذينَ حَصَلُوا عَلى أعلى الشَّهَاداتِ مِنْ هارفارد
وَأُكسفورد وكامبردج والسُّوربون ؟ . أيْنَ المُسْتشارون المُحْتَرِفُون في كُلِّ
المَجالاتِ ؟ .
بَقِيَتْ تِلْكَ الليلةُ الماطرةُ البعيدةُ
عالقةً في ذِهْني عَلى مَدَارِ السَّنَوَاتِ . لَمْ أتَمَكَّنْ أنا الطِّفْل
الصَّغير في تِلْك الليلةِ مِنْ تَقْدِيمِ الأدلةِ الدِّينيةِ والبَرَاهِينِ العِلْمِيَّةِ
والحُجَجِ الاجتماعيةِ ، وَمَا زَادَ صُعوبةَ مَوْقِفي هُوَ أنَّ أبي كانَ
يَعْتبرني مُجَرَّد طِفْل صغير،يَحْفَظ أشياء كثيرة، وكَلامُهُ أكبرُ مِنْ سِنِّه .
عِنْدَمَا كَبِرْتُ قَرَأتُ
كثيرًا عَن ظاهرةِ العَرَّافين والمُنَجِّمِين والمُشَعْوِذِين الذينَ يَدَّعُونَ
مَعرفةَ الغَيْبِ بِطُرُقٍ غَيْرِ شَرْعِيَّة، كالتَّوَاصِلِ مَعَ الجَنِّ،أوْ
قِرَاءةِ الفِنْجَانِ،أوْ قِراءةِ الكَفِّ، أوْ كَشْفِ البَخْتِ.
طَالَعْتُ الكُتُبَ الدِّينيةَ
والفَلسفيةَ والاجتماعيةَ ، وَدَرَسْتُ الظاهرةَ مِنْ مَنظورِ العِلْمِ
الشَّرْعِيِّ ، وَعِلْمِ النَّفْسِ ، وَعِلْمِ الاجتماعِ ، بَحْثًا عَنْ تَفْسِيرٍ
دَقيقٍ لَهَا ، مَعَ أنَّني لَسْتُ فَقِيهًا إسلاميًّا ، ولا عَالِم نَفْسٍ ولا
عَالِم اجتماع ، ولكنَّ حُبَّ البَحْثِ دَفَعَني إلى القِرَاءَةِ، لأنَّ تِلْكَ
الليلةَ الرَّهيبة التي أَخَذَني أبي مَعَهُ إلى العَرَّافَةِ العَمْيَاء صَارَتْ
كابوسًا يُطاردُني في حَيَاتي ، وأردتُ طَرْدَه بأيَّة وسيلة . وَوَجْهُ
العَرَّافَةِ العَمْيَاء يُلاحِقُني كالشَّبْحِ في يَقَظَتي وأحلامي .
يُصدِّق بعضُ الناسِ
العَرَّافين لأسبابٍ مُتعددة ، مِنها : البَحْث عَن اليَقينِ والطُّمَأنينة في
ظِلِّ القَلَقِ بِشَأنِ المُستقبَل ، والاعتقاد بِخُرافات راسخة في المُجتمعِ
حَوْلَ إمكانيَّة التَّنَبُّؤ بالمُستقبَل ، إضافةً إلى مَهَارَةِ العَرَّافين في
تَضليلِ الناسِ، وتقديم مَعلومات عَامَّة قابلة للتَّطْبيقِ عَلى الجَميع ،
واستغلال حَاجَتهم النَّفْسِيَّة للتواصلِ معَ الأشياءِ المَجهولةِ والأُمُورِ
الغامضةِ والقضايا الخَفِيَّة ، خُصُوصًا أنَّ الإنسانَ يَمْتَلِكُ فُضُولًا
لِمَعرفةِ مَا يُخَبِّئُه المُستقبَل ، وَيَرْغَبُ في مَعرفةِ الغَيْبِ ،
وَيَتَشَوَّقُ إلى المَجهولِ ، ويَسْعَى لاكتشافِه ، فَكُلُّ مَا كانَ غائبًا عَن
العَيْنِ تَمِيلُ النَّفْسُ الإنسانيَّةُ إلَيْه ، وَتَهْتَم أنْ تَعْرِفَ عَنْه ،
فَيَسْتَغِل العَرَّافُون هَذا الاهتمامَ والرَّغبةَ لِتَقديمِ وُعودٍ مُثيرةٍ أوْ
تَنَبُّؤاتٍ جَذَّابَة . وَالعَرَّافُون يُقَدِّمُون تَوَقُّعَاتٍ عَامَّة ، وفي
حالِ تَحَقُّقٍ جُزْء مِنها على أرضِ الواقع ، يَرَاها الشَّخْصُ دَليلًا عَلى
صِدْقِهِم، مُتَجَاهِلًا التَّوَقُّعَاتِ التي لَمْ تَتَحَقَّقْ،أو التَّفسيراتِ
الأُخْرَى للأحداثِ.
وَعِبَارَةُ " مَكشوف عَنْه
الحِجَاب " أُكذوبة ، يُرَوِّجُهَا الدَّجَّالون للنَّصْبِ عَلى الناسِ ،
وإيهامِهم بأنَّ هُناك مَنْ يُكْشَفُ لَهُ الغَيْب ، ويَرَى المُستقبَلَ ، وَيَستطيع
مَعرفةَ الأعمارِ والأرزاقِ وَرُؤيةَ المُستقبَل ، والهَدَفُ هُوَ سَلْبُ أموالِ
الناسِ ، وَأكْلُ المَالِ الحَرَامِ ، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلا اللَّهُ وَحْدَه.
والعَرَّافُ يَسْتعمل جُمَلًا
وكَلِمَاتٍ عَامَّة في التَّعْبير عَن حَوادث تَحْدُثُ لِعَامَّةِ الناسِ ،
كَقَوْلِه : تَمُرُّ بِمِحْنَةٍ ، ثُمَّ يأتيكَ فَرَجٌ ، أوْ تُرْزَقُ مالًا أوْ
تَتَزَوَّج ، وَنَحْو ذلك ، فَيَظُنُّ الإنسانُ صِدْقَ العَرَّافِ لذلك .
والعَرَّافُ قَدْ يُخْبِرُ بأمْرٍ حَقيقيٍّ يَقْعُ في المُستقبَل ، ثُمَّ يَقَعُ
كَمَا أَخْبَرَ ، وَيَكُون هَذا مِمَّا اسْتَرَقَهُ الشَّيطانُ مِنَ السَّمْعِ ،
ثُمَّ ألْقَاهُ الشَّيطانُ عَلى العَرَّافِ ، فَيُضِيف إلَيْهِ أخبارًا وَأُمُورًا
كاذبة ، فإذا وَقَعَ الحادثُ الذي أَخْبَرَ بِه ، صَدَّقَه الناسُ في جَميعِ
قَوْلِه .
وَرُبَّمَا يَكُونُ خَبَرُ
العَرَّافِ عَنْ شَيْءٍ قَدْ وَقَعَ فِعْلًا ، كأنْ يُخْبِرُه بمكانِ شَيْءٍ ضائع
، أوْ نَحْو ذلك ، فَهَذا الذي وَقَعَ ، وإنْ كانَ لا يَعْرِفُهُ السائلُ ،
فَلَيْسَ بِغَيْبٍ مُطْلَقٍ ، وإنَّما هُوَ غَيْبٌ عَمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْه ،
وَلَمْ يَعْرِفْه ، وَمِثْل هَذا يُمْكِنُ للعَرَّافِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْه ، إمَّا
بِنَفْسِه ، وإمَّا بأعوانِه وإخوانِه مِنْ شياطينِ الإنْسِ والجِنِّ . وَنِسْبَةُ
الصِّدْقِ ، إنْ كانَ العَرَّافُ يَتَلَقَّى عَن الجِنِّ ، لا تَتَجَاوَز 1 % .
وأبناءُ شَعْبي في جُمهوريةِ
الأحلامِ الوَردية يَعيشون في دَوْلَةٍ لا يُمْكِنُ التَّنَبُّؤ بوضعِها
السِّياسيِّ ، كما أنَّ مُستقبَلَ الدَّولةِ نَفْسِها غَيْرُ مُؤكَّد . وَعِندَما
لا يُوجَد لَدَى الناسِ يَقِين في شَبكةٍ أمَانِ المُؤسَّسَات الاجتماعية ،
فإنَّهُمْ يَتَّجِهُون إلى هَؤلاء العَرَّافين لِمَعرفةِ مَا سَيَحْدُثُ في
المُستقبَل ، وكثيرٌ مِنَ التَّوَقُّعَاتِ تَتَّسِمُ بالعُمُومِيَّةِ ، وَيُمْكِنُ
تَطبيقُها عَلى مَجموعةٍ مُتَنَوِّعَة مِنَ الأحداثِ .
في قَلْبِ كُلِّ قِصَّةٍ
تَكْمُنُ أسرارٌ تُدْخِلُ المَرْءَ نَفَقًا لا ضَوْءَ في نِهَايَتِه . في عوالمِ
العَرَّافين رِحْلَةٌ عَبْرَ عَالَمِ الرُّعْبِ والغُمُوضِ ، حَيْثُ تَلْتقي
الخُرافاتُ بالحَقائقِ ، وتَخْتَلِط الأحلامُ بالكوابيس . وَسَوْفَ يَكتشِف
البَشَرُ الضَّائعون في المَتَاهَةِ أنَّ الرُّعْبَ لَيْسَ مُجَرَّد مَا هُوَ
خارجيٌّ ، بَلْ يَعِيشُ أيضًا في زَوايا النُّفُوسِ حَبِيسًا بَيْنَ أحلامِهِم
وآمالِهِم وَذِكْرَيَاتِهم وأفراحِهم وأحزانِهم .
قَرَأتُ مَقَالًا عَنْ
العَلاقةِ بَيْنَ المَشاهيرِ وَالعَرَّافين ، التي تَمْتاز بالسِّرِّيةِ
والغُمُوضِ ، حَيْثُ يَبْحَثُ العَدِيدُ مِنَ الفَنَّانين عَن العَرَّافين ،
نَظَرًا لِطِبَاعِهم الحَسَّاسةِ وَتَحَدِّياتِ مِهْنتهم ، لِكَشْفِ المُستقبَلِ ،
والشُّعورِ بالأمانِ في ظِلِّ بيئةٍ مِهْنِيَّة مُتَقَلِّبَة .
بَيْنَ الفَنَّانين
والعَرَّافين عَلاقةٌ غريبة عجيبة . يُعَدُّ الفَنَّانُون مِنْ أكثرِ الشَّرائحِ
البشريةِ حَسَاسِيَّةً تُجَاه كَشْفِ المَستور ، لأنَّهُم جالسون عَلى كُرْسِيٍّ
مُتَحَرِّكٍ وَسَط بَحْرٍ هادرٍ يَقْذِفُ بِهِم شِمَالًا وَيَمِينًا ، صُعودًا
وهُبوطًا ، ويَبْحَثُون عَنْ وَهْمٍ كبير ، هُوَ الشُّعور بالأمان . يُجْمِعُ
العَرَّافُون عَلى أنَّ أسبابَ زيارةِ الفَنَّانين لَهُم تَكُون غالبًا ، طَلَبًا
للمَشُورةِ ، أوْ الخُروجِ مِنْ وَرْطَة مَا ، أوْ فَكِّ سِحْرٍ أوْ نَحْسٍ
يُحَاصِرُ عَمَلَهُم ، أوْ إنقاذِهم مِنْ تَعَثُّرٍ في خُطُواتِهم الفَنِّيةِ ،
أوْ مُحَارَبَة مُنَافِس لَهُمْ .
وَيَرْفُضُ العَرَّافُون
الإفصاحَ عَن أسماء هَؤلاء الفَنَّانين خَوْفًا عَلى سُمْعتهم ، وكَيْ لا يُتَّهَموا
بِعَدَمِ الأمانةِ عَلى أسرارِ الناسِ ، خُصُوصًا المَشاهير مِنْهُمْ . وَمُعْظَمُ
الفَنَّانين يُعَانون خَوفًا مُسْتَمِرًّا مِنْ تَرَاجُعِ نُجُوميتهم ، خُصُوصًا
عِندما يَبْرُز اسْمٌ جَديدٌ يَعْتبرونه مُنَافِسًا لَهُم ، ولا فَرْفَ بَيْنَ
الذُّكُورِ والإناثِ ، أو المُمَثِّلين والمُغَنِّين ، جَمِيعُهُم سَوَاسِيَة في
الخَوْفِ والقَلَقِ . وَأهْلُ الفَنِّ والسِّيَاسَةِ هُمْ أكثرُ الناسِ ضَعْفًا
تُجَاه مَنْ يَعْتقدون أنَّهُم يَمْلِكُون قُدرات استثنائية، حَتَّى لَوْ تَسَلَّحُوا
بِعِبَارَة" كَذَبَ المُنَجِّمُون وَلَوْ صَدَقُوا " ، لكنَّهم
يُهَرْوِلُون إلى أوَّلِ عَرَّافٍ أوْ مُشَعْوِذٍ ، يَسْمعون أنَّه قادرٌ عَلى
مَعرفةِ الغَيْبِ لِمُساعدتهم في أمْرٍ مَا ، بَيْنَما رِجَال الأعمال الكِبَار
هُمْ أقلُّ التصاقًا بِهَؤلاء ، لأنَّ عَالَمَهُم يَتَعَلَّقُ بالأرقامِ .
43
نَسِينَا كُلَّ المُشكلاتِ
التي مَرَّتْ في حَيَاتِنَا ، والمَصائبَ التي نَزَلَتْ عَلى بِلادِنا الحبيبةِ
جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرديةِ بَعْدَ حَرْبِ دَاحِس والغَبْرَاء الثانية ،
وَانْشَغَلْنَا بالاحتفالِ بِوِلادةِ أُمِّي ميرنار الشَّركسية، حَيْثُ أنجبت
ابْنَهَا الخامس" مَنصور " في عام 1985 . نَقَلَ أبي إلَيْهَا عَدْوَى
الهَوَسِ بالسُّلطةِ والسَّيطرةِ والهَيمنةِ . كانتْ تَكْرَهُ الحَمْلَ والوِلادةَ
، خَوْفًا عَلى صِحَّتِهَا وأُنوثتها ورشاقتها ودَلالِها ونُعُومتها وَحَجْمِ
صَدْرِها ، وَمُحِيطِ خَصْرِهَا ، ومَقَاسِ حَذائِها المُنَاسِبِ للرَّقْصِ
الشَّركسيِّ ، ثُمَّ أدْمَنَتْ عَلى الحَمْلِ والوِلادةِ كُلَّ سَنَةٍ ، عَلى
أمَلِ أنْ يَحْكُمَ أولادُها البِلادَ يَوْمًا مَا ، أوْ عَلى أقَلِّ تَقْدير ،
أنْ يُشاركوا في حُكْمِ البِلادِ ، والسَّيطرةِ عَلى المَنَاصِبِ الحَسَّاسَةِ في
الجُمهورية ، والهَيمنةِ عَلى السُّلطاتِ التَّشريعيةِ والتَّنفيذيةِ والقَضَائيةِ
، التي تُمثِّل أركانَ الدَّولةِ الأسَاسِيَّة ، حَيْثُ تَخْتَصُّ السُّلطةُ التَّشريعيةُ
بِسَنِّ القَوانين، وَتَتَوَلَّى السُّلطةُ التَّنفيذيةُ تَطبيقَ هَذه القوانين
وإدارةَ شُؤونِ الدَّولةِ، بَيْنَما تَتَوَلَّى السُّلطةُ القَضَائيةُ تَفْسِيرَ
القوانين ، وتَطبيقَها في المُنَازَعَاتِ بَيْنَ الأفرادِ ، أوْ بَيْنَهُم
وَبَيْنَ الدَّولةِ . وَيَعْتمد مَبدأ فَصْلِ السُّلُطَاتِ عَلى مَنْحِ كُلِّ
سُلطةٍ استقلالَها وَتَخَصُّصَها ، مَعَ وُجودِ آلِيَّاتٍ للرَّقَابَةِ
والتَّعَاوُنِ بَيْنَها ، لِضَمَانِ تَحقيقِ العَدالةِ واستقرارِ الحُكْمِ .
وَرُبَّمَا تُصْبح جُمهوريةُ
الأحلامِ الوَرديةِ في المُستقبَلِ إمبراطوريةَ أولادِ الشَّركسية ، وَرُبَّمَا
تُصْبحُ السُّلطانةُ ميرنار الشَّركسية حَاكِمَةً مِثْلَ شَجَرَةِ الدُّرِّ ، وَرُبَّمَا
يُصْبح أولادُ الشَّركسيةِ حُكَّامًا مِثْلَ المَمَاليكِ الشَّركسِ الذينَ
حَكَمُوا مِصْرَ لِمُدَّةِ 135 سَنَة تقريبًا ، وَيُعِيدُون ذِكْرَيَاتِ المَلِكِ المُظَفَّرِ
سَيْف الدِّينِ قُطُز ، وَالمَلِكِ الظاهرِ رُكْنِ الدِّينِ بِيبَرْس .
وإذا كانَ البَدْوُ الرُّحَّلُ وَرُعْيَانُ الغَنَمِ
قَدْ فَشِلُوا في الحُكْمِ ، وأضَاعُوا فِلَسْطِين ، فَرُبَّمَا يُعِيدُ إخْوَاني
أولادُ السُّلطانةِ ميرنار الشَّركسيةِ الذينَ امْتَزَجَ في عُرُوقِهِم الدَّمُ
العَرَبيُّ والدَّمُ الشَّركسيُّ أمجادَ مَعركةِ عَيْنِ جالوت بِفِلَسْطِين ( 25
رَمَضَان 658 ه ) ، إحدى أبرزِ المَعاركِ الفاصلةِ في التاريخِ الإسلاميِّ ،
حَيْثُ استطاعَ المُسْلِمُون بِقِيَادَةِ سَيْفِ الدِّينِ قُطُز هَزيمةَ المَغُولِ
للمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ اجتياحِهِم لِبِلادِ الإسلامِ . وَقَدْ وَقَعَت
المَعركةُ بعد انتكاساتٍ مَرِيرة لِدُوَلِ وَمُدُنِ العَالَمِ الإسلاميِّ ، حَيْثُ
سَقَطَت الدَّولةُ الخَوَارِزْمِيَّةُ بِيَدِ المَغُولِ ، ثُمَّ تَبِعَهَا سُقوط
بَغْداد بَعْدَ حِصَارٍ دامَ أيَّامًا ، فَاسْتُبِيحَت المَدينة ، وَقُتِلَ
الخَليفةُ المُسْتَعْصِم باللَّهِ ، فَسَقَطَتْ مَعَهُ الخِلافةُ العَبَّاسِيَّةُ
، ثُمَّ تَبِعَ ذلك سُقوط جَمِيعِ مُدُنِ الشَّامِ وَفِلَسْطِين ، وَخَضَعَتْ
لِهُولاكو .
مَرَّت الأيَّامُ سَريعةً
بِحُلْوِهَا وَمُرِّهَا . سُرعةُ الأيَّامِ والليالي شَيْءٌ مُخِيفٌ جِدًّا . مَا
إنْ يَضَع الواحدُ رَأسَه عَلى الوِسَادَةِ لِيَنَامَ إلا وَيُشْرِقُ نُورُ
الفَجْرِ ، وَمَا إنْ يَسْتيقظ إلا ويأتي مَوْعِدُ النَّوْمِ . وَمَا إنْ تأتي
بِدايةُ الأُسبوعِ ولا تَشْعُرُ إلا وأنتَ في آخِرِه ، وهَكَذا الشُّهُورُ
والأعوامُ تَسِيرُ بشكلٍ سَريعٍ مُخِيفٍ . وَالسَّنَوَاتُ تَسِيلُ كَالمَطَرِ عَلى
زُجَاجِ القِطَارَاتِ التي تَذهَبُ إلى اللامَكَان ، والحَيَاةُ قَصيرةٌ ،
والأيَّامُ لا تَعُود . والأوقاتُ المَاضِيَةُ ، سَوَاءٌ كانتْ سعيدةً أَمْ
مُؤلِمَةً ، تُصْبح مُجَرَّد ذِكْرَيَات ، ولا يُمْكِن استرجاعُها مَرَّةً أُخْرَى
.
أنجبتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية ابْنَها السادس" قَيْس" في عام 1986،ثُمَّ ابْنَهَا السابع"
ضِرْغَام" في عام 1987 ، ثُمَّ ابْنَهَا الثامن " راكان " في عام
1988 ، ثُمَّ ابْنَها التاسع " باسل " في عام 1989 ، ثُمَّ ابْنَهَا
العاشر " مُهَنَّد " في عام 1990 . وهَكَذا صَارَ عَدَدُ أولادِ
الشَّركسية عَشرة بالتَّمَامِ والكَمَالِ .
اتَّفَقَتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية معَ أبي عَلى أنْ تُسَمِّي أولادَها بِنَفْسِهَا ، وأبي يَقُومُ
باختيار ألقاب قَوِيَّة ومُؤثِّرة لَهُم عَلى عَادَتِه . وَقَد اختارَ أبي لَهُم
ألقابًا في غَايةِ القُوَّةِ والرَّوعةِ ، وقالَ وَهُوَ في غَايَةِ السَّعَادَةِ :
(( إنْ شَاءَ اللَّه ، يَكْبَرُون ، وَيُصْبِحُون رِجَالًا أشِدَّاء ، وَقَادَةً
أبطالًا ، كَيْ أُوَزِّعَهُمْ عَلى المَنَاصِبِ العُليا في الجَيْشِ
والمُخَابَرَاتِ )) .
وَهَؤلاء أسماءُ إخْوَاني
العَشرة الذينَ يَنْتَمون إلى السُّلالةِ الشريفةِ الطاهرة
المُقَدَّسَة ، سُلالةِ اللواء سَلْمَان رَجَب ( الخَلِيفة سُلَيْمَان الفاتح ) والسُّلطانة
ميرنار الشَّركسية : زَيْد سَيْفُ
الدَّولةِ ، وزايد دِرْعُ الجُمهوريةِ ، وزياد رُمْحُ النِّظَامِ ، وزيدان صَقْرُ
الثَّوْرَةِ ، وَمَنصور أسَدُ الكتائبِ ، وَقَيْس حَامِي الدُّستورِ ، وَضِرْغَام
خَنْجَرُ الحَقِّ ، وراكان مُوحِّد الطوائفِ ، وباسل زَعِيمُ القَبائلِ ، وَمُهَنَّد
سَهْمُ السُّلْطَةِ .
ذَكَرْتُهُم للتاريخِ ،
لَعَلَّهُم يُحرِّرون فِلَسْطِين والأنْدَلُسَ ، وَيُعيدون أمجادَ الحَضَارَةِ
العربيةِ الإسلامية ، وأرجو أنْ تَذكُروني مَعَهُم باعتباري الأخ الأكبر لَهُم، وَقَدْ
كُنْتُ أُحِبُّهُم ، وَأرْعَاهُم ، وأعْتني بِهِم، وأعْطِفُ عَلَيْهِم، مَعَ
أنَّني ابنُ سَمِيحة الخَدَّامة، وَلَسْتُ ابْنَ السُّلطانةِ ميرنار الشَّركسية.
ولا تَنْسَوْا أخِي ناصر الذي
هَاجَمَه دِيكٌ مُتَوَحِّشٌ وَقَتَلَه وَهُوَ في الثالثة مِنَ العُمر . مَا زِلْتُ
أحتفظُ بِصُورَتِهِ عَلى حَائطِ غُرْفتي . شَعْرُهُ الناعم ، وَعَيْنَاهُ
اللامعتان ، وخُدُودُه الطَّرِيَّة ، وابتسامته البريئة، وَقَمِيصُهُ الأزرق الذي
أعْطَوْهُ لأُمِّي صَدَقَةً ، وَشَفَقَةً عَلَيْهَا ، وعلى ابْنِها الوحيدِ الذي
وُلِدَ في عائلة فقيرة بائسة لَيْسَ لَهَا جُذور ولا أغصان . لَقَدْ زُرْتُ
قَبْرَهُ في القَريةِ التي مَحَاهَا أبي مِنَ الوُجودِ ، كانَ قَبْرًا صَغيرًا
وَضَيِّقًا وذاكرةً للنِّسْيَانِ . كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ كانَ ناصر حَيًّا ، كَيْ
أحْصُلَ أنا وَهُوَ عَلى ألقاب قَوِيَّة وَفَخْمَة وعَظيمة مِثْل ألقابِ إخْوَاني
أولادِ الشَّركسية ، ولكنَّ أبي قالَ إنَّ الألقابَ مُخَصَّصَةٌ لأولادِه مِنَ
الشَّركسية حَصْرًا . وَهَذا لَيْسَ غريبًا ولا عَجِيبًا ، فأنا أشعرُ أنَّني
مَنبوذٌ طِيلةَ حَيَاتي ، وَمَنْسِيٌّ في اللازَمَانِ واللامَكَانِ ، ولا بُوصَلَة
لِمِيلادي ، ولا خَرِيطَة لِمَوْتي .
44
في مَرحلةِ المُرَاهَقَةِ ، يَخْتَبِرُ
المُرَاهِقُون ويَسْتكشفون مَشاعرَهم الجِنْسِيَّة . وَبَعْضُ المُرَاهِقِين
لَدَيْهِم فُضُول تُجَاه الجِنْسِ ، وَيَرْغَبُون في تَجْرِبته . ولا شَكَّ أنَّ مَرحلةَ
المُرَاهَقَةِ شديدة الخُطورة ، وفِيها تَندمج العواملُ النَّفْسِيَّةُ
والجَسَدِيَّةُ والثَّقَافِيَّةُ والرُّوحِيَّةُ والمُجْتَمَعِيَّةُ
والتَّعْلِيمِيَّةُ .
وَبِصَرَاحَةٍ ، لَقَد ابتعدتُ
عَنْ عَالَمِ البَنَاتِ والنِّسَاءِ ، بَعْدَ إصابتي بالعَجْزِ الجِنْسِيِّ . مَا
زِلْتُ أذكُرُ سُقُوطي الرهيبَ في سَاحَةِ المَدرسةِ ، حَيْثُ اصطدمَ ظَهْرِي
بالأرضِ بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ بسبب سُرعتي الجُنونية واندفاعي المُتَهَوِّرِ .
وَمَا زِلْتُ أذكُرُ مَلامِحَ وَجْهِ الطبيبِ وَهُوَ يُخْبِرُ عَمِّي الدُّكتور
صَبْري رَشَاد بأنَّني أُصِبْتُ بِعَجْزٍ جِنْسِيٍّ إلى الأبَدِ ، وَلَنْ أسْتطيعَ
إقامةَ عَلاقة مَعَ أيَّة امرأةٍ مُسْتَقْبَلًا، وَلَنْ أَقْدِرَ عَلى الزَّوَاجِ
، وإذا تَزَوَّجْتُ فَلَنْ أنْجَحَ في إتمامِ الأمْرِ ، وَلَنْ أُنْجِبَ ،
وَسَتَحْدُثُ فَضِيحة في العائلةِ . لَقَد اغْتِيلَ عَمِّي الدُّكتور صَبْرِي
رَشَاد ، وَذَهَبَ دَمُهُ هَدَرًا ، وَدُفِنَ سِرِّي مَعَهُ إلى الأبَدِ .
في 10 آب /
أَغُسْطُس 1989 ، احْتَفَلْنَا
جَمِيعًا بالعِيدِ الوَطَنيِّ ، وَهُوَ يَوْمُ الاحتفالِ الرَّسْمِيِّ بتاريخِ
الثَّورةِ المَجِيدة ، وَهُوَ عُطْلَة رَسْمِيَّة في البِلادِ ، كُنْتُ في
السابعةِ عَشْرَة مِنَ العُمر ، شاب مُقْبِل عَلى الحَياة ، ولا أعْرِفُ مَسَاري
ولا مَصِيري ، ولا أعْلَمُ مَاذا يُخبِّئ لِيَ القَدَرُ ، وأردتُ أنْ أعيشَ مِثْلَ
باقي المُرَاهِقِين أو الشَّبابِ في سِنِّي .
كانَ الحَفْلُ بِرِعَايَةِ فَخامةِ
رئيسِ الجُمهوريةِ وقائدِ الثَّورةِ ، وَأُقِيمَ في أفْخَمِ فُنْدُقٍ في البِلادِ ،
وَحَضَرَه وُزَرَاء وسُفَرَاء وَرِجَال أعمال ومَسؤولون كِبَار ، عَرَبًا وأجانب ،
رِجَالًا وَنِسَاءً . كُنَّا في قَلْبِ الصَّيْفِ المُلْتَهِبِ ، والجَوُّ شَديدُ
الحَرارةِ ، والرُّطوبة مُرتفعة ، والنِّسَاءُ يَلْبَسْنَ فَسَاتين فَخْمَة وأنيقة
ومَكشوفة ، ويَعْتَمِدْنَ عَلى الإغراءِ والإغواءِ . صُدُورُهُنَّ بارزة ،
وأثداؤُهُنَّ ظاهرة ، وَمُؤخَّرَاتُهُنَّ عَرِيضَة، وأفْخَاذُهُنَّ البَيْضَاءُ تَسْرِقُ
عُيونَ الرِّجَالِ .
وَقَفْتُ مَعَ ابْنِ وَزيرِ
الخارجيَّةِ وَابْنِ مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ ، وَهُمَا طَالِبَان جَامِعِيَّان
يَكْبُرَاني بِسَنَةٍ أوْ سَنَتَيْن ، وَيَدْرُسَان في أمريكا ، وَيَقْضِيَان
إجازةَ الصَّيْفِ في رُبوعِ بِلادِنا الحبيبةِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية . كانا
في غَايةِ السَّعَادَةِ وَهُمَا يَتَحَدَّثَان مَعِي ، لأنَّني ابن نائبِ رئيسِ
الجُمهوريةِ ، الرَّجُلِ الثاني في الدَّولة ، ويَنْتظرني مُسْتَقْبَل بَاهِرٌ ،
وكُلُّ المَنَاصِب العُلْيَا مَفتوحة أمَامي .
قالَ لِي ابنُ وَزيرِ
الخارجيَّة :
_ هَلْ سافرتَ إلى أمريكا يا
شريف هِشَام ؟ .
_ لَمْ أُسَافِرْ إلى أمريكا
ولا أُوروبا .
_ عَجِيب ! ، ابنُ نائبِ رئيسِ
الجُمهوريةِ ولا يُسَافِر إلى أمريكا وأُوروبا ، المَفروضُ أنَّكَ تَقْضِي
حَيَاتَكَ في الغَرْبِ ، هُناك المال والجَمَال والرِّياضة والطَّبيعة والنِّسَاء
والشُّهْرة والمَجْد والعباقرة والجامعات الرَّاقية .
_ أبي يَخَافُ عَلَيْنَا مِنَ
التَّهديداتِ الأمْنِيَّةِ في الغَرْبِ ، خُصُوصًا بَعْدَ اغتيالِ عَمِّي معالي
الدُّكتور صَبْري رَشَاد وزير التَّربية والتَّعليم .
قالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ :
_ أبي يَقُولُ إنَّ السَّفَرَ
يُؤَدِّي إلى اختراقات أمْنِيَّة كثيرة ، والمُسَافِرُ ضَعيفٌ ومَكشوفٌ ، تَمَامًا
مِثْل السَّمكةِ التي تَخْرُجُ مِنَ المَاءِ .
قُلْتُ بِتَحَمُّسٍ واندفاعٍ :
_ هَلْ تَعْلَمَان أنَّ
قَصْرَنَا لَيْسَ فِيه خَدَمٌ ؟ ، مُجَرَّد حُرَّاس يَحْمُونَه مِنَ الخَارجِ ،
ولا يَدْخُلُونه .
صُدِمَ ابنُ وَزيرِ الخارجيَّة
بِهَذا الكَلامِ ، وقالَ مُسْتَغْرِبًا :
_ قَصْرُ نائبِ رئيسِ
الجُمهورية بِدُون خَدَم ، هَلْ هَذا خَيَالٌ أَمْ واقع ؟ .
_ واقع ، وَلَيْسَ خَيَالًا ،
إنَّ أبي يَقُول إنَّ الخَدَمَ يُمثِّلون اختراقًا أمْنِيًّا ، حَيْثُ يَطَّلِعُون
عَلى الأسرارِ ، وَيَكْشِفُون كُلَّ الأشياءِ المَخْفِيَّة ، وَيَعْرِفُونَ
مَدَاخِلَ أفرادِ الأُسْرَةِ وَمَخَارِجَهُم ، وَنِقَاطَ قُوَّتِهِم وَضَعْفِهِم ،
ويُمْكِن أنْ يَتَوَرَّطُوا في خِيَانات وَمُؤامَرَات وجَرائم قَتْل ، مِثْل دَسِّ
السُّمِّ في الطَّعَامِ ، وَمِنْ مَأمَنِهِ يُؤْتَى الحَذِرُ . وَهُوَ دائمًا
يُردِّد ثلاثة أبيات مِنَ الشِّعْرِ العَربيِّ القديمِ :
أَعْدَى عَدُوِّكَ أدْنَى مَنْ
وَثِقْتَ بِهِ فَحَاذِرِ
الناسَ وَاصْحَبْهُمْ عَلى دَخَلِ
وإنَّما رَجُلُ
الدُّنيا وَوَاحِدُهَا مَنْ لا يُعَوِّلُ في الدُّنيا عَلى رَجُلِ
وَحُسْنُ ظَنِّكَ بالأيَّامِ مَعْجَزَةٌ فَظُنَّ شَرًّا
وكُنْ مِنْهَا عَلى
وَجَلِ
قالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ :
_ لَطَالَمَا سَمِعْتُ أبي
يَقُول : إنَّ نائب رئيس الجُمهورية اللواء سَلْمَان بن
رَجَب القُرَشِي أكبر عقلية أمْنِيَّة في البِلاد، وَهَذا لَيْسَ غريبًا
، لأنَّه تَتَلْمَذ عَلى يَدِ فَخَامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ عِندَما كانَ عَقِيدًا
في المُخَابَرَاتِ العَسكرية .
شَعَرْتُ بالفَخْرِ والزَّهْوِ
بسببِ مَدْحِ أبي ، واعتبارِه أكبر عقلية أمنية في البِلاد ، وَهَذا يَدُلُّ عَلى
ذكائِهِ ويَقَظته وَقُوَّةِ شَخْصيته .
قالَ ابنُ وَزيرِ الخارجية :
_ يَنْبغي أنْ نَتْرُكَ
القَضَايا الأمْنِيَّةَ للأجهزةِ الأمْنِيَّةِ ، ونُركِّز في النِّسَاءِ ، لا
يُوجَد أجمل مِنَ المَرأةِ ، فَهِيَ تُريحُكَ إنْ كُنْتَ تَعْبَان ، وَتُفَرِّغُ
فِيها الهَمَّ والتَّوَتُّرَ ، وتُخَلِّصُكَ مِنَ الكَبْتِ والحِرْمَانِ .
وتابعَ قائلًا كأنَّه يُريدُ
اكتشافَ سِرٍّ غامضٍ :
_ هَلْ لَكَ عَلاقات مَعَ
النِّسَاءِ يا شريف هِشَام ؟ .
_ لَيْسَ لِي عَلاقات
نِسَائيَّة، ولكنَّ أبي قالَ لِي إنَّهُ سَيُزَوِّجُني في المُسْتَقْبَلِ ابنةَ
رئيسِ الوُزَرَاءِ ، أو ابنةَ قائدِ الجَيْشِ ، أو ابنةَ مُدير المُخَابَرَات ، أو
ابنةَ مالكِ أكبر بَنْك في البِلاد، كَي يَتِمَّ زَوَاجُ الثَّروةِ بالسُّلطةِ .
_ وَهَلْ سَتَصْبِرُ حَتَّى
تَتَزَوَّجَ ؟ ، عِشْ حَيَاتَكَ مِنَ الآن ، مَلْيُون امرأة تَنْتظر إشارةً مِنْكَ
، يَنْبغي أنْ تَكُونَ لَكَ عَلاقات نِسائيَّة وغَرَامِيَّة قَبْلَ الزَّواج ،
حَتَّى تَصِلَ إلى الزَّوَاجِ وأنتَ خبيرٌ مُحْتَرِف . وكما قال الشاعر: تَمَتَّعْ
مِنَ الدُّنيا فَإنَّكَ فاني مِنَ النَّشَوَاتِ والنِّسَاءِ الحِسَانِ
كِدْتُ أنْ أقُولَ لَهُ إنَّني
عَاجِزٌ جِنْسِيًّا لأنَّني سَقَطْتُ عَلى ظَهْرِي في سَاحَةِ المَدرسةِ ،
ولكنَّني خَشِيتُ أنْ يَقُولَ عَنِّي إنَّني إنسان فاشلٌ ، وعَاجِزٌ ، ولَسْتُ
رَجُلًا ، ولا أنْتَمِي إلى عَالَمِ الرِّجَالِ .
سَبَّبَ لِيَ العَجْزُ
الجِنْسِيُّ مُشكلات نَفْسِيَّة مِثْلَ الاكتئابِ والقَلَقِ وَتَدَنِّي الثِّقَةِ
بالنَّفْسِ ، مِمَّا أَثَّرَ سَلْبًا عَلى الرَّغبة الجِنْسِيَّة ، ولكنَّه بَقِيَ
مُشكلة مُنفصلة عَن الشُّعورِ بالشَّهْوَةِ نَفْسِهَا ، إذْ كُنْتُ أشعُرُ
بِشَهْوَةٍ جِنْسِيَّة عارمة ، معَ أنَّ جِسْمِي مُنهار ، لا يُسَاعدني ، ولا
يُوفِّر لِيَ الدَّافِعِيَّة ، ولا يُشَجِّعني على الإقدامِ والاقتحامِ .
في جِسْمِي حَدَثَ انفصالٌ
بَيْنَ الإرادةِ والرَّغبةِ . إنَّهما مَفْهومان مُترابطان ، لكنَّهما مُخْتلفان ،
فالرَّغبةُ هِيَ مَيْلٌ أوْ تَمَنِّي شَيْءٍ مَا ، بَيْنَما الإرادة هِيَ القُدرة
عَلى اتِّخاذِ قَرَار حازم ، وتَحْويل هَذا التَمَنِّي إلى فِعْلٍ وَهَدَفٍ يَسْعى
الإنسانُ إلى تَحقيقِه، وَهِيَ تَتَضَمَّن اختيارًا واعيًا، والتزامًا
مَنْطِقِيًّا . وَيُمْكِن اعتبار الرَّغبة نَزْوَةً عابرةً أوْ حُلْمًا سَريعًا ،
بَيْنَما الإرادة تَعْكِسُ عَزْمًا عَلى المَدى الطويل ، وَتُبْرِز قُدرةَ
الإنسانِ عَلى تَوْجِيهِ سُلوكِه .
أطْرَقَ ابنُ وَزيرِ
الخارجيَّة مَلِيًّا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَه ، وقالَ بِفَخْرٍ واعتزاز :
_ عِندَما كُنْتُ أدْرُسُ في
أمريكا ، كُنْتُ أنامُ كُلَّ لَيْلَةٍ معَ امرأةٍ جَديدةٍ ، النِّسَاءُ في أمريكا
رَخِيَصَاتٌ ، وأكثرُ مِنَ الفَلافِلِ . وإذا كُنْتَ غَنِيًّا ، وَلَدَيْكَ
سَيَّارَة فَخْمَة ، فإنَّ النِّسَاءَ سَوْفَ يَلْهَثْنَ وَرَاءَكَ، وَيَمْسَحْنَ
حِذَاءَكَ . أنا مَثَلًا لَدَيَّ سَيَّارة فِيراري حَمْرَاء في أمريكا ، أذهبُ
بِهَا إلى الجَامعةِ، وَمَا إنْ تَرَاهَا الطالباتُ حَتَّى يَركُضْنَ خَلْفي ،
وَيَنْتَظِرْنَ إشارةً مِنِّي ، وأنا أختارُ مَنْ تُعْجِبُني ، وَعِنْدَمَا
أنْتَهي مِنْ مُمارسةِ الجِنْسِ مَعَهَا ، أرْمِيهَا كَمَا تُرْمَى عُلبةُ
السَّرْدينِ بَعْدَ فَتْحِهَا وأكْلِ مَا فِيها ، حَتَّى إنَّني مَارستُ الجِنْسَ
مَعَ أُستاذتي في الجامعةِ ، وَهِيَ دُكتورة مُتزوجة مِنْ عَمِيدِ الكُلِّية .
وتابعَ قائلًا بِنَبْرَةٍ
واثقةٍ وحاسمةٍ :
_ في أمريكا تُغْتَصَبُ امرأة
كُلَّ دقيقة وَنِصْف . وَلا شَكَّ أنَّ مُمارسة الجِنْس بالتَّرَاضِي أفضلُ مِنَ
الاغتصابِ، كَمَا أنَّني أُقَدِّمُ للنِّسَاءِ أموالًا وَهَدَايا كَيْ يَشْعُرْنَ
بالسَّعَادَةِ ، ولا يَشْعُرْنَ بالخَوْفِ والرَّهْبَةِ في السَّرِيرِ . إنَّني أعيشُ
حَيَاتي بِبَسَاطَةٍ بِلا عُقَدٍ نَفْسِيَّة ، ولا تَعقيدات اجتماعية . المَرْأةُ
حَيَوَان جِنْسي استعراضي . وَحِكْمَتي المُفَضَّلَة في الحَياة: الطَّعَامُ عَلى
المائدةِ، والمَرْأةُ في الفِرَاشِ.
وقالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ :
_ أمريكا بَلَدٌ مُنْفَتِحٌ
وَمَفْتُوح ، إذا مَارَسَ الشَّخْصُ الجِنْسَ معَ أيَّة امرأةٍ بالتَّرَاضِي
فالقانونُ يَحْميه ، أمَّا التَّحَرُّشُ والاغتصابُ فإنَّ القانونَ يُعَاقِبُ
عَلَيْهِمَا . والمُشكلةُ هِيَ انتشارُ العُنْفِ والسِّلاحِ في المُجتمعِ
الأمريكيِّ . لَقَدْ نشرت مجلة التايم الأمريكية الشهيرة بتاريخ5/9/ 1983م تقريرًا
أفادَ : (( أنَّ عَدَد النِّسَاءِ اللواتي يَضْرِبُهُنَّ أزْوَاجُهُنَّ في أمريكا
بين مَليونين إلى سِتَّة ملايين امرأة ، وأنَّ ألْفَيْن إلى أربعة آلاف يَمُتْنَ مِنَ
الضَرْبِ المُبَرِّحِ ، مِمَّا جَعَلَ ثُلُثَ وَقْتِ رِجَالِ الأمْنِ يَنْصَرِف
إلى مُعالجةِ العُنْفِ البَيْتي . وقد نشرت وكالة المُخابرات الفيدرالية أنَّ 40%
مِنَ النِّسَاءِ اللواتي قُتِلْنَ إنَّما قُتِلْنَ مِنْ قِبَلِ الأزواجِ أو العُشَّاقِ
)) .
وقالَ ابنُ وَزيرِ الخارجيَّة
مُتَحَسِّرًا :
_ يا لَيْتَني أحضرتُ
سَيَّارتي الفيراري الحَمْرَاءَ مِنْ أمريكا كَيْ أكتشفَ بَنَاتِ وَنِسْوَان
بَلَدِي ، اللَّحْمُ البَلَدِيُّ أشهَى وأنظف مِنَ اللَّحْمِ المُسْتَوْرَدِ .
وانفجرَ ضاحكًا كأنَّه ألْقَى
نُكْتَةً لَمْ يَفْهَمْهَا أحَدٌ سِوَاه .
دَبَّ في عُروقي التَّهَوُّرُ
وَالنَّشْوَةُ والشَّهْوَةُ وَحُبُّ اكتشافِ المَجهولِ، وَقُلْتُ بِحَمَاسٍ :
_ سَأطْلُبُ مِنْ أبي أنْ
يَشْتَرِيَ لِي سَيَّارة فِيراري حَمْرَاء ، كَيْ نُطَارِدَ البَنَات والنِّسَاء .
عَانَقَني ابْنُ وَزيرِ
الخارجيَّة ، وقالَ لِي :
_ أنتَ عَبقري يا شريف هِشَام
، لَنْ تُفْلِتَ مِنَّا أرملة ولا مُطَلَّقَة ولا عَانِس ولا مُتَزَوِّجَة ،
سَوْفَ نأكلُ اللَّحْمَ الأبْيَضَ حَتَّى نَشْبَعَ، وَلَنْ يَسْتطيع مَخْلوقٌ أنْ
يُحاسبنا،نَحْنُ أبناءُ الدَّولةِ وَفَوْقَ القانون.
وقالَ ابْنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ :
_ مَا أكْثَرَ السَّبَايا، وَمَا
أصْغَرَ سُوق النِّخَاسَةِ . لَقَدْ عَامَلْنَا المَرْأةَ كَسَيِّدَةٍ غَالِيَة ،
فَأبَتْ أنْ تَكُونَ إلا جَارِيَة رَخِيصَة، وكُلُّ سِلْعَةٍ لَهَا ثَمَنُها،
وكُلُّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ فَهُوَ رَخِيص. النِّعَاج غارقة في المِكياج .
عُدْتُ إلى قَصْرِنا ، وأنا في
حَالَةِ هَوَسٍ بِمُطَارَدَةِ البَنَاتِ وَالنِّسَاءِ . الطُّعْمُ هُوَ سَيَّارة
الفِيراري الحَمْرَاء ، مَا إنْ تُشاهدها البَنَاتُ حَتَّى يَتَسَاقَطْنَ عَلَيَّ
كَالفَرَاشِ ، وَسَتَلْهَثُ النِّسَاءُ وَرَائي ، وأنا فَوْقَ القانونِ، أفعلُ مَا
أشاءُ ، ولا يُوجَد إنسان يَسْتطيع مُناقشتي، لأنَّني ابنُ نائبِ رئيسِ
الجُمهورية.
في تِلْكَ الليلةِ، امتلكتُ
جُرْأةً غريبةً في التَّحَدُّثِ مَعَ أبي . قُلْتُ لَهُ بِصَوْتٍ ثابتٍ بِلا
خَوْفٍ :
_ أبي ، هُناك شَيْء أُريدُ
أنْ أطْلُبَه مِنْكَ ، وأرجوكَ أنْ تُوَافِقَ إذا كُنْتُ تُحِبُّني ، وتُريدُني
أنْ أكُونَ شَيْئًا مُهِمًّا في المُجتمع ، وَأتَفَوَّق عَلى أبناءِ كِبَارِ
الشَّخْصياتِ .
_ مَا هُوَ هَذا الشَّيْءُ
الخطيرُ يا هِشَام ؟ .
_ أُريدُ أنْ تَشتريَ لِي
سَيَّارةَ فِيراري حَمْرَاء .
نَظَرَ إلَيَّ أبي بِقَرَفٍ
واحتقارٍ مَعَ هُدوء مُخِيف ، وقالَ :
_ رَكِّزْ في دِرَاستك يا
هِشَام، وابتعدْ عَن مُشاهدةِ الأفلامِ الأمريكيةِ ، ومُحاولةِ تَقْلِيدِ
المُمَثِّلين، وأنتَ أيضًا لا تَمْلِكُ رُخصةَ قِيَادة ، فَكَيْفَ سَتَقُودُ هَذه
السَّيارة ؟ .
_ أبُوس يَدَيْكَ يا أبي ،
أُريدُ سَيَّارة فِيراري حَمْرَاء ، لَقَدْ صِرْتُ أنا وابنُ وزيرِ الخارجية وابنُ
مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ أصدقاء ، ونَتَحَاوَر في قَضَايا الوَحْدَةِ الوَطنيةِ
والأمْنِ القَوْمِيِّ واستلامِ المَنَاصِبِ الحَسَّاسَةِ في الدَّولةِ بَعْدَ
التَّخَرُّجِ ، وَهُمَا شَابَّان وَطَنِيَّان وَمُثَقَّفَان وَيَدْرُسُان في
أمريكا ، وَيَنْتَمِيَان إلى الثَّورةِ والدَّولةِ والنِّظَامِ الجُمهوريِّ ، وكُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَدَيْه رُخصة قِيَادة ، ونُريدُ استعمالَ السَّيارةِ في
زِيَارَةِ المَشروعاتِ الوَطنيةِ . هَلْ تَرْضَى أنْ يَركَبَ ابنُ نائبِ رئيسِ
الجُمهوريةِ سَيَّارَةً بسيطة ؟ .
سَمِعَتْ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية هَذا الكَلامَ ، فقالتْ مُؤيِّدَةً وَدَاعِمَةً لِي :
_ ابْنُكَ هِشَام صَارَ
شَابًّا في السابعةِ عَشْرَة مِنَ العُمر ، وَيُريدُ أنْ يَعيشَ حَيَاتَه مِثْلَ
أبناءِ كِبَارِ الشَّخْصِيَّات ، وكَلامُهُ مَنْطقي ومَعقول ، وَهُمْ يُريدون
استخدامَ السَّيارةِ مِنْ أجْلِ الوَطَنِ والدَّوْلَةِ ، وَلَيْسَ مِنْ أجْلِ
مَصالحهم الشَّخْصية .
كانتْ شخصيةُ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية أقوى بكثيرٍ مِنْ شَخصيةِ أبي ، فَهِيَ تَحْكُمُهُ وَتَتَحَكَّمُ بِهِ
، خُصُوصًا بَعْدَ أنْ صارتْ أُمَّ البَنِينِ ، مَلَأتْ قَصْرَنا بالأولادِ
الذُّكُورِ الذينَ لَهُمْ مُستقبَل باهر ، وَسَوْفَ يَسْتلمون أهَمَّ المَناصبِ في
الجَيْشِ والمُخَابَرَاتِ عِندَما يَكْبَرُون .
قالَ أبي بِنَبْرَةٍ خاضعةٍ وَمُسْتكينة
:
_ مَا دامتْ أُمُّكَ
السُّلطانة ميرنار الشَّركسية قَرَّرَتْ ، فَيَجِبُ تنفيذُ قَرارِها ، وأيضًا ،
بِمَا أنَّ السَّيارةَ سَوْفَ تَسْتعملونها لِخِدْمَةِ الوَطَنِ والمُواطنين ، فَلا
مَفَر مِنْ شِرائها ، وَسَوْفَ تُوضَع تَحْتَ بَنْدِ تَعزيزِ الوَحدةِ الوَطنيةِ
وَحِمَايَةِ الأمْنِ القَوْمِيِّ ، وَسَوْفَ تَكُون السَّيارةُ باسْمِي ،
وَوِزَارَةُ المَالِيَّةِ سَوْفَ تَدْفَع ثَمَنَهَا .
قَفَزْتُ كالمَجنونِ مِنْ
شِدَّةِ الفَرَحِ ، وَهَجَمْتُ عَلى أبي أُقَبِّلُه ، وأُقَبِّلُ يَدَه ، وعانقتُ
أُمِّي ميرنار الشَّركسية ، وقَبَّلْتُهَا عَلى خَدِّيْهَا ، وَقَبَّلْتُ يَدَهَا
المليئة بِخَوَاتِمِ الألماسِ وَالذَّهَبِ .
أنا وابنُ وَزيرِ الخارجيَّةِ
وابنُ مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ شَكَّلْنَا عِصَابَةً أوْ شِلَّةً .
اسْتَخْدَمْنَا سَيَّارَةَ الفِيراري الحَمْراء لِمُطاردةِ البَنَاتِ والنِّسَاءِ
، والتَّحَرُّشِ بِهِنَّ ، وإغرائِهِنَّ وإغوائِهِنَّ . كانَ ابنُ وَزيرِ
الخارجيةِ يَقُودُ السَّيارةَ بِسُرعةٍ جُنونية ، وَيَجْلِسُ إلى جانبِه ابنُ
مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ ، وأنا أجْلِسُ في الكُرْسِيِّ الخَلْفِيِّ ، لأنَّهما
أكبرُ مِنِّي سِنًّا ، وأكثرُ خِبْرَةً في عَالَمِ البَنَاتِ والنِّسَاءِ . وكانتْ
تُرافقنا سَيَّارة مَدَنِيَّة فِيها أربعة حُرَّاس مُسَلَّحِين بِملابِسِ
مَدَنِيَّة،لِحَمايتنا مِنَ الأخطارِ والتَّهديداتِ المُحْتَمَلَةِ. اثنان مِنَ
المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ واثنان مِنَ المُخَابَرَاتِ العَسْكرية . وشيئًا
فَشيئًا انْضَمَّ الحُرَّاسُ الأربعةُ إلَيْنَا في مُطاردةِ البَنَاتِ والنِّسَاءِ
، وشاركونا في هَذه الهِوَايَةِ لِتَمضيةِ وَقْتِ الفَراغِ ، وَقَتْلِ الوَقْتِ .
وَقَدْ نَسُوا الصِّراعَ العنيف بَيْنَ المُخابراتِ العامَّةِ والمُخابراتِ
العَسْكرية عَلى إثباتِ الوُجودِ ، وَبَسْطِ النُّفُوذِ ، واقتسامِ الغَنائمِ ،
وتَقَاسُمِ الأرباحِ والمَكَاسِب ، والسَّيطرةِ عَلى المَناصبِ ، والتَّحَكُّمِ بِمَفَاصِلِ
الدَّولةِ ، والفَضْلُ في هَذا يَعُودُ إلى البَنَاتِ والنِّسَاءِ .
قالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ :
_ النِّسَاءُ كثيراتٌ ، أكثرُ
مِنَ الهَمِّ عَلى القَلْبِ ، على قفا مَن يشيل ، والشَّيْءُ عِندَما يَكْثُرُ
يَرْخُص . نُدْرَةُ الشَّيْءِ تَزِيدُ مِنْ قِيمته ، أمَّا كَثْرَتُه فَتُؤَدِّي
إلى انخفاضِ قِيمته ، وكَثرةُ السِّلَعِ تُؤَدِّي إلى انخفاضِ أسعارِها ، وأسعارُ
النِّسَاءِ حَسَب سِعْرِ بِرْميلِ النِّفْطِ ، والمَرْأةُ التي تَكُون سِلْعَةً ،
ادفعْ ثَمَنَهَا ، وكُلُّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ فَهُوَ رَخِيص .
وأردفَ قائلًا :
_ لِي صَديقٌ شاعر مَجنون،
سَمِعْتُهُ في إحدى المَرَّاتِ يَقُول : نِسَاء كالأحذيةِ يَغْسِلْنَ المَزابلَ
بِحَليبِ الرَّضَاعَةِ ، خُذْنَا يا ابْنَ رَاعِيَةِ الغَنَمِ إلى سُوقِ
النِّخَاسَةِ ، كَيْ نَدْعَمَ حُقوقَ المَرْأةِ ، وَنَدْفَعَ ثَمَنَ البِضَاعَةِ.
كأنَّني
آخِرُ المُدافِعين عَنْ طُرْوادة بَعْدَ رَحيلِ المُقَاتِلِين والضَّحَايا ، أوْ
آخِرُ النَّخَّاسِين في سُوقِ الرَّقيقِ الأبْيَضِ بَعْدَ هِجْرَةِ الجَوَاري
والسَّبايا . لا أستطيعُ أنْ
أُدَمِّرَ حَيَاتي مِنْ أجْلِكِ أيَّتُهَا العانِسُ ، أنا هاربٌ مِنَ الأراملِ
والمُطَلَّقَاتِ . نَحْنُ ذاهبونَ إلى سُوقِ الرَّقيقِ الأبْيَضِ ، كَيْ نُزَوِّجَ
السَّبايا للعَبيدِ في سُوقِ الوَطَنِ السَّوْدَاءِ . لَيْتَ للعَبيدِ لَيْلًا
بِلا قُيودٍ يَغْسِلُ وَجَعَ النَّهَارِ ، وَلَيْتَ للسَّبَايا حُرِّيةً تُعِيدُ
لأرْوَاحِهِنَّ مَعْنى الانتظارِ .
يَتَوَجَّبُ عَلى ابنِ وَزيرِ
الخارجيةِ وابنِ مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ أنْ يُسافرا إلى أمريكا في 1 أيلول /
سبتمبر ، مِنْ أجْلِ الالتحاقِ بالجامعةِ ، وَلَمْ يَكُنْ أمامَنا سِوى عِشرين
يَوْمًا تَقْريبًا مِنْ أجْلِ الصِّيَاعَةِ، وَالفَرْفَشَةِ ، ومُلاحقةِ البَنَاتِ
والنِّسَاءِ ، والتَّعَرُّفِ عَلى الجِنْسِ الآخَرِ، وَاصطيادِ الفَرَائسِ
الأُنْثَوِيَّة .
كُنَّا نَتَجَوَّلُ
بِسَيَّارَةِ الفِيراري الحَمراءِ في أرقى حَيٍّ في العاصمة ، وَجَمِيعُ
المَارَّةِ يَنظُرون إلَيْنَا ، خُصُوصًا أنَّ رَقْمَ السَّيارة مُمَيَّز .
رَأيْنَا فَتَاتَيْن تَسِيران عَلى الرَّصيفِ ، الأُولَى تَرتدي بِنطال جِينز
ضَيِّقًا ، وتيشيرت الأرجنتين ، وكانَ مُنتخب الأرجنتين بِقِيَادَةِ مارادونا قَدْ
فازَ بكأسِ العَالَمِ لِكُرَةِ القَدَمِ عام 1986 ، والثانيةُ تَرتدي تَنُّورة
قصيرة وَرْدِيَّة وبلوزة كُحْلِيَّة ضَيِّقَة تُجسِّم صَدْرَها المُمتلئ تَجسيمًا
واضحًا. أوْقَفَ صَدِيقي ابنُ وَزيرِ الخارجيَّة السَّيارةَ بِمُحاذاةِ الرصيفِ ،
وقالَ للفَتَاتَيْن بِنَبْرَةٍ تَفِيضُ بالشَّفَقَةِ والحَنَانِ والحِرْصِ عَلى
تقديمِ المُساعَدة :
_ هَلْ يُمْكِنُ أنْ نُوصلكما
بِسَيَّارَةِ الفِيراري الحَمراءِ مُوديل 1989 ؟ .
تَعَمَّدَ ذِكْرَ هَذه
التفاصيل لإغرائهما بالرُّكُوبِ مَعَنَا ، وتَشجيعِهما على ذلك .
قالت الفتاةُ التي ترتدي
تيشيرت الأرجنتين :
_ شُكْرًا لَكُم ، ولكنَّ مَطْعَمَ
الغَزالةِ الأنيقةِ قَريبٌ مِنْ هُنا .
قالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ بِخُبْثٍ وَدَهَاء :
_ مَا هَذه الصُّدفةُ الرائعةُ
؟ ، نَحْنُ أيضًا ذاهبون إلى مَطْعَمِ الغَزالةِ الأنيقةِ ، وَيُمْكِنُ أنْ
نُوصلكما ، وَلَنْ نَسْمَحَ لَكُمَا بالسَّيْرِ في هَذا الحَرِّ الشديد ، قَدْ
تُصَابان بِضَربةِ شَمْسٍ .
وأردفَ مَازِحًا :
_ يَنْبغي أنْ تَنْتبهي
وتَحْذَري ، فأنا مِنَ المُعْجَبِين بِهِتْلَر ، وَمِنْ مُشَجِّعي ألمانيا ،
والمُنتخبُ الألمانيُّ سَيَأكُل المُنتخبَ الأرجنتيني في كأسِ العَالَمِ القادمة .
تَعَمَّدَ استخدامَ كلمةَ
الأكْلِ ، لِيُوحِيَ لَهَا بِمَعنى خَادِش للحَيَاء . أمَّا أنا فَبَقِيتُ صامتًا
، وَلَمْ أُشَارِكْ في الحِوَارِ . كُنْتُ أشعُرُ بِخَجَلٍ شديدٍ ، واكْتَفَيْتُ
بِمُراقَبَةِ المَشْهَدِ . رَكِبَت الفَتَاتان مَعَنَا في السَّيارةِ . الفَتَاةُ
التي تَرتدي التَّنُّورَةَ القصيرةَ والبلوزةَ الضَّيقةَ رَكِبَتْ أوَّلًا ،
والتصقتْ بِي بِشِدَّةٍ ، ثُمَّ رَكِبَتْ " فَتَاة الأرجنتين " .
تِلْكَ الفَتَاةُ كانتْ
تَلتصِقُ بِي إلى دَرجةِ أنَّني أَحُسُّ بِدِفْءِ جِسْمِهَا وَحَرَارَةِ أنفاسِها
. انحسرتْ تَنُّورَتُهَا بسببِ الجُلوسِ ، فانكشفتْ فَخِذُها البَيضاء . حَدَّقْتُ
فِيها مِثْلَ الكَلْبِ الجَائعِ الذي يَنتظر الحُصُولَ عَلى قِطْعَةِ لَحْمٍ أوْ
عَظْمَة ، كَيْ يَسُدَّ بِهَا جُوعَه .
قُلْتُ مُخَاطِبًا نَفْسِي: ((
هَذه فُرصتك يا هِشَام ، وَرُبَّمَا لَنْ تَتَكَرَّرَ مَرَّةً أُخْرَى ، هَاجِم
الفَرِيسَةَ ، وكُنْ جَرِيئًا وَمُتَوَحِّشًا وَوَقِحًا وَقَذِرًا ، فازَ
باللَّذَّةِ الجَسُورُ . أنتَ ابْنُ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَفَوْقَ القانونِ
، لا يُوجَد مَخلوق يَسْتطيع مُحاسبتك ، والجَمِيعُ يَتَمَنَّى رِضَاكَ ،
وَيَلْهَث وَرَاءَكَ )) .
كانتْ نَبَضَاتُ قَلْبي
تَتسارع بشكلٍ رهيب ، والعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنِّي . أغْمَضْتُ عَيْنَيَّ مِنْ
شِدَّةِ الخَوْفِ والقَلَقِ والتَّوَتُّرِ، وَوَضَعْتُ يَدِي عَلى فَخِذِهَا
البَيضاء ، وَفَتَحْتُ عَيْنَيَّ ، فَرَأيْتُ وَجْهَهَا قَد احْمَرَّ.حاولتُ
رَفْعَ التَّنُّورَةِ القَصيرةِ، فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلى يَدِي مَانِعَةً لِي
مِنْ ذلك،والتفتتْ إلَيَّ قائلةً:
_ لَمْ أتَعَرَّفْ عَلَيْكَ ،
أنا رَهَف عَيَّاد ، طالبة جامعية سَنَة ثانية أدب إنجليزي .
سَحَبْتُ يَدِي بِسُرعةٍ ،
وَقُلْتُ :
_ أنا هِشَام سَلْمَان ، عُمري
17 سنة ، أدرسُ في المَرحلةِ الثانوية في مَدرسة أجنبية .
وَاسْتَغْرَقْنَا في كَلامٍ
تافهٍ لا قِيمة له . كانَ ابنُ وَزيرِ الخارجيَّة يَقُود السَّيارةَ بِسُرعة جُنونية
عِند أحَدِ المُنْعَطَفَاتِ ، فَفَقَدَتْ رَهَف تَوازنَها ، ومالتْ عَلَيَّ بسبب
حَركة السَّيارةِ . حَضَنْتُهَا ، وَقَبَّلْتُهَا في فَمِهَا، وأمسكتُ ثَدْيَهَا
بِيَدِي ، فانتفضتْ ، وابتعدتْ عَنِّي ، وقالت بِغَضَبٍ وانفعالٍ :
_ اخص عَلَيْكَ يا واطي ، مَنْ
تَظُنُّ نَفْسَكَ ؟،لا يُوجَد رَجُلٌ في العَالَمِ وَضَعَ يَدَهُ عَلى جِسْمِي.
هَلْ تَظُنُّ أنَّني فتاة رخيصة وبائعةُ هَوى ؟ ، أنا فَتَاة مُثَقَّفَة مِنْ عائلة
مُحترمة وعشيرة كبيرة .
وانفجرتْ بالبُكَاءِ . ارتبكتُ
وازدادَ تَعَرُّقي ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ مَكسورٍ مَخلوط بالكَذِبِ :
_ أنا آسِف يا رَهَف ، لَمْ
أقْصِدْ أنْ أفعلَ هَذا ، لَقَدْ تَصَرَّفْتُ بِلا وَعْيٍ ولا تركيز ، بسبب سُرعةِ
السَّيارةِ ، أرجوكِ سَامِحيني واعْذُريني .
وَالْتَفَتَ إلَيْنَا ابنُ
مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ ، وقالَ بِهُدوء أعصاب :
_ سَامِحِيه يا رَهَف،هَذا
طالبُ مَدرسة مُبتدِئ، لَيْسَ لَدَيْهِ خِبرة في التعاملِ معَ البَنَاتِ
والنِّسَاءِ.
وأردفَ قائلًا وَهُوَ يَضْحَكُ
بِصَوْتٍ عالٍ :
_ يا رَهَف، إذا عَرَفْتِ مَنْ
يَكُون هَذا الشَّاب الرومانسي المُهِم فَسَوْفَ تُسامحينه بالتأكيد .
_ مَنْ سَيَكُون يَعْني ؟ ،
ابن فخامة رئيس الجُمهورية مَثَلًا ؟ .
_ لَقَد اقتربتِ . هَذا
الشَّريف هِشَام القُرَشي ابن نائبِ رئيسِ الجُمهورية .
_ مُسْتحيل ، أنتَ تَمْزَح ،
وَتَكْذِبُ عَلَيَّ ، وَتَتلاعب بأعصابي .
أخرجتُ مِحْفظتي بِكُلِّ
ثِقَةٍ ، وَأَرْيْتُهَا هُوِيَّتي الشَّخْصية بالاسْمِ الرُّبَاعي مَعَ الألقابِ .
انعقدَ لِسَانُها بسببِ الخَوْفِ والدَّهشةِ ، وَفَقَدَت القُدرةَ عَلى التَّركيز،
وَزَاغَتْ عَيْنَاها، وتَسارعتْ أنفاسُها.
وَصَلْنَا إلى مَطْعَمِ
الغَزالةِ الأنيقةِ ، وَجَلَسْنَا إلى الطاولة نَحْنُ الخَمْسَة ، ثلاثة شَبَاب ،
وفَتَاتَان . قالَ ابنُ وَزيرِ الخارجيَّة بِصَوْتٍ مُنخفض :
_ يا جَمَاعَة ، اطْلُبُوا
كُلَّ أنواعِ المَأكولاتِ والمَشروبات ، بِلا خَوْفٍ ولا تَرَدُّد ، الحِسَابُ
تَكَفَّلَ بِهِ الشَّريفُ هِشَام ابن نائبِ رئيسِ الجُمهورية . وَهَذه الوَليمةُ
عَلى شَرَفِه ، وَهُوَ الذي سَيَدْفَع.
وَضَحِكْنَا مِنْ أعماقِ
قُلوبِنا . وَأَكَلْنَا مَا لَذَّ وَطَابَ ، وَشَرِبْنَا العَصائرَ الطبيعيةَ
الطَّازَجَةَ مِنْ كُلِّ الأنواعِ والألوانِ . وَلَمْ يَتْرُكْ ابنُ مُديرِ
الأمْنِ الجِنَائيِّ نُكْتَةً جِنْسِيَّةً إلا ألقاها وَنَحْنُ نَضْحَكُ بِشِدَّةٍ
. وخَطَرَ في ذِهْني قَوْلُ المَعَرِّي:ضَحِكْنَا وكانَ الضَّحِكُ مِنَّا
سَفَاهَةً وَحُقَّ لِسُكَّانِ
البَسِيطَةِ أنْ يَبْكُوا
في البِدَايَةِ خَجِلْتُ مِنْ
هَذه النُّكَتِ التي تَصِفُ أعضاءَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ التَّنَاسُلِيَّة ،
ولكنْ عِندما رَأيْتُ الفَتَاتَيْن تَضْحَكَان بِلا تَعْليق ، غَرِقْتُ مَعَهما في
ضَحِكٍ مُستمر .
قُمْتُ لِغَسْلِ يَدَيَّ ، فقالَ ابنُ وَزيرِ
الخارجية مازحًا :
_ هَلْ تُريدُ الهَرَبَ يا
شريف هِشَام قَبْلَ أنْ تَدْفَعَ ؟، لا تُوَرِّطْنَا مَعَ الفَتَاتَيْن ، ولا
تُشَوِّهْ سُمْعَتَنَا مَعَ أصحابِ المَطْعَمِ .
وَضَحِكْنَا بأعلى أصواتِنا . مَا
زَالَ رَنينُ تِلْكَ الضَّحِكَاتِ القديمة يَتَرَدَّدُ في أُذُنَيَّ حَتَّى هَذه
اللحظةِ . لَمْ أضْحَكْ في حَيَاتي كُلِّهَا كَمَا ضَحِكْتُ في ذلك المَطْعَمِ، في
ذلك الزَّمَنِ البَعِيدِ .
تَبِعَتْني رَهَف ، وَبَعْدَ
أنْ غَسَلْنَا أيْدِيَنَا ، أخَذَتْني إلى رُكْنٍ مُنْعَزِل في المَطْعَمِ ، وقالتْ
لِي بِصَوْتٍ مَكسور :
_ شريف هِشَام ، لا تَغْضَبْ
مِنْ كَلامي في سَيَّارةِ الفيراري ، كُنْتُ عَصَبِيَّةً وَمِزَاجِيَّةً ، أُريدُ
أنْ نَظَلَّ صَدِيقَيْن مَدى الحَيَاةِ ، عِدْني بذلك .
_ أَعِدُكِ بذلك .
لَمْ يَكُنْ هَذا الكلامُ
خارجًا مِنْ قَلْبي ، وإنَّما مُجَرَّد كلام على لِسَاني خَرَجَ تِلْقَائيًّا .
أخْرَجَتْ مِنْ حَقيبتها
صُورةً لَهَا وَهِيَ عَلى شاطئِ البَحْرِ،وكَتَبَتْ خَلْفَهَا بِقَلَم حِبْر أزرق:
(( إهداء إلى الشَّريف هِشَام القُرَشي أوَّل مَنْ فَجَّرَ بَراكين الأُنُوثة في دَاخِلي
، 15/8/1989 )) ، وَكَتَبَتْ تَحْتَ العِبَارَةِ اسْمَهَا : رَهَف عَيَّاد ،
وَوَقَّعَتْ ، وَأعْطَتْني إيَّاهَا .
أخْرَجْتُ مِنْ مِحْفَظتي
صُورةً شَخصيةً لِي ، وكَتَبْتُ بِنَفْسِ القَلَمِ خَلْفَهَا : (( إهداء إلى
الآنسة رَهَف عَيَّاد التُّفَّاحَة النَّارِيَّة 15/8/1989 ))، وكَتَبْتُ تَحْتَ
العِبَارَةِ اسْمِي: الشَّريف هِشَام القُرَشي، وَوَقَّعْتُ ، وأعْطَيْتُهَا الصُّورةَ
. أُعْجِبَتْ كثيرًا بِعِبَارَة " التُّفَّاحة النَّارِيَّة " ، وقالتْ
لِي إنَّني مَوهوبٌ في اختيارِ التعابير اللغوية المُؤثِّرَة. وَتَنَبَّأتْ لِي
بِمُستقبَل مُشْرِق في عَالَمِ الأدبِ والشِّعْرِ والثَّقَافَة .
اقتربتْ مِنِّي رَهَف،
وَقَبَّلَتْني عَلى خِدِّي الأيْمَنِ ، وقالتْ : (( هَذه القُبْلَةُ مِنْ أجْلِ
فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية ))، ثُمَّ قَبَّلَتْني عَلى خِدِّي الأيْسَرِ ، وقالتْ :
(( هَذه القُبْلَةُ مِنْ أجْلِ والدكَ نائبِ فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية )) . ثُمَّ
قَبَّلَتْني في فَمِي ، وقالتْ : (( هَذه القُبْلَةُ مِنْ أجْلِكَ يا شريف هِشَام
)) .
أخْبَرَتْني أنَّني أوَّلُ شاب
يُقَبِّلُهَا في فَمِهَا، وَصَدَّقْتُهَا ، وأخْبَرْتُهَا أنَّهَا أوَّل فتاة
أُقَبِّلُهَا في فَمِهَا، وَصَدَّقَتْني، وكُنْتُ صادقًا . ومعَ هذا ، فَقَدْ
أحْسَسْتُ أنَّنا مُمَثِّلان في مَسْرحية ، يُتْقِنان فَنَّ الخِدَاعِ أكثرَ
مِمَّا يُتْقِنان الحُبَّ .
45
ابْنُ وَزيرِ الخارجيةِ لَهُ
أفكارٌ جُنونية ، وخَواطر غريبة ، وَيَبْدُو أنَّ حَيَاتَه في أمريكا قَدْ
جَعَلَتْهُ مَهْوُوسًا جِنْسِيًّا ، وَمُنْفَتِحًا بِلا حُدود . الهَوَسُ
الجِنْسِيُّ تِلْكَ النار التي لا تَكْتفي بالاشتعال ، بَلْ تَلْتَهِم مَا
حَوْلَها بحثًا عَنْ وَقُودٍ جديد . هُوَ عَطَشٌ لا يَرْتَوي ، وَجُوعٌ لا
يَعْرِفُ الشِّبَعَ ، وَرَغْبَةٌ تَتَخَفَّى أحيانًا في هَيئةِ حُبٍّ ، لكنَّها لا
تَعرِف مِنَ الحُبِّ إلا القِشْرَةَ اللامعة . يُشبِه التِّيهَ في صَحْراء مِنَ
الأجسادِ ، كُلُّ ظِلٍّ يُغْري ، وكُلُّ وَاحةٍ تَغْدُو سَرَابًا بَعْدَ لَمْسَةٍ
عابرة . فيهِ اضطرابٌ بَيْنَ اللَّذَّةِ والفَرَاغِ ، بَيْنَ النَّشْوةِ
والنَّدَمِ ، كَمَنْ يَركُض خَلْفَ صَدى صَوْتٍ ظَنَّهُ نِداءَ القلبِ ، فإذا بِهِ
صَرِير الشَّهْوةِ وَهِيَ تَطْرُقُ جُدرانَ العَقْلِ . الهَوَسُ الجِنْسِيُّ لَيْسَ
حُبًّا ، بَلْ هُوَ طُوفان يَقْتَلِعُ المَعْنى مِنَ العاطفة ، وَيَترُك خَلْفَه
خرائب مِنْ رَغَبَاتٍ مُكرَّرة . هُوَ لَيْلٌ طويلٌ لا فَجْرَ له ، تَتكدَّس فيه
الأنفاسُ ، وَتَضِيع فيه الحُدودُ بَيْنَ الجَسَدِ والجُنونِ . وفي النِّهاية ،
حِينَ يَخْمُدُ اللهيبُ ، يَكتشِف صاحبُه أنَّه لَمْ يَكُنْ يَبْحَث عَنْ جَسَدٍ
آخَر ، بَلْ عَنْ نَفْسِه التي تاهتْ في الزِّحَام .
قالَ لِي بِحَماسةٍ شديدة :
_ مَا رَأيُكَ يا شريف هِشَام
أنْ نَذهب إلى بَيْتِ دَعَارَةٍ كَيْ نَكتشف العَالَمَ السُّفْلي لعاصمتنا ؟ .
مَا إنْ سمعتُ كلمة "
دَعَارة " حَتَّى انتفضتُ كَالمَلسوعِ ، وَصَرَخْتُ قائلًا :
_ هَلْ أنتَ مَجنون يا ريري ؟
، أبي سَوْفَ يَقْتلني إنْ عَلِمَ بالمَوضوع ، وَسَتَحْدُث فضيحة في العائلة وبَين
الناس ، لَيْسَ لَهَا أوَّل ولا آخِر .
كانَ اسمُ ابنِ وزير الخارجية "رامي
"، وَاسْمُ الدَّلَعِ لَه " ريري ".ولا أُحِبُّ أنْ أُنَاديه بهذا
الاسم.
قالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ ، واسْمُهُ رامز :
_ اكتشافُ العَالَمِ السُّفْلي
مُغَامَرَة رهيبة ، لِمَاذا لا نَقُومُ بِهَا ؟ . سَتَظَلُّ ذِكرى مَحفورة في
الذاكرة طِيلة حَياتنا ، وَلَنْ يَعْرِفَ أحَدٌ بالمَوضوع ، وَحُرَّاسُنا الأربعة
مِنَ المُخابراتِ العامَّة والمُخابراتِ العَسكرية سَوْفَ يأتون مَعَنَا إلى
بَيْتِ الدَّعَارة، وَلَنْ يَكْشِفُوا سِرَّنَا لأحَدٍ .
قُلْتُ بِتَعَجُّبٍ واستغراب :
_ وَهَلْ تُوجَد بُيوت دَعَارة
في عَاصمةِ بِلادِنا الحبيبة ؟ .
ضَحِكَ رامز ضِحكةً عاليةً ،
وقال :
_ يا شريف هِشَام ، نَحْنُ
نعيشُ في دَولةٍ فاشلة ، يَنْتشر فِيها الفَقْرُ والجُوعُ والبَطَالةُ .
والمَرْأةُ إذا جَاعَتْ قَدْ تَبيع جَسَدَهَا كَيْ تأكُل ، إنَّها تَبيعُ لَحْمَها
كَيْ تأكُل اللَّحْمَ . عِندما يَغيبُ الطُّمُوحُ والأملُ ، ويَنْتشر الفَقْرُ ،
وَتُغْلَق المُؤسَّساتُ التَّعليمية والتَّثقيفية التي تُنَمِّي المُوَاطِنَ ،
وَتُؤَهِّلُه لِيَكُونَ مُواطنًا صالحًا مُنْتِجًا، تَنتشر الدَّعَارَةُ في
المُجتمع، وَعَلى الطُّرُقَاتِ، وَبَيْنَ الأزِقَّة، فَهِيَ أسهلُ طريقة للحُصُولِ
عَلى المَالِ .
قُلْتُ بِسَذاجةٍ :
_ ولكنَّ أبي قالَ لِي إنَّ شَعْبَنا
في جُمهوريةِ الأحلامِ الوَردية يَعيش في أمْنٍ وأمَان وَسَلَام ، ويَأكل ويَشْرَب
ويَعْمَل وَيَتَزَوَّج وَيُنْجِب بِكُلِّ سَعَادَةٍ ونَشاطٍ وَحَيَوِيَّة ، وَلا
يُوجَد فَقْرٌ ولا جُوع ولا بَطَالَة ولا مُشكلات .
ابتسمَ رامز ابتسامةً صَفْراء،
وقال :
_ يا شريف هِشَام ، هَذا
كَلامُ جرائد ، وكُلُّ مَسْؤولي الدَّولةِ يَقُولون هَذا الكَلامَ لِتَهدئةِ
الأُمُور ، وَتَخْديرِ الشَّعْبِ لِكَيْلا يَثُور . والمُشكلةُ أنَّكَ تعيشُ في
عَالَمِكَ الخاص ، مِنَ القَصْرِ إلى المَدرسةِ الأجنبية ، وَمِنَ المَدرسةِ
الأجنبيةِ إلى القَصْرِ . وَزِيَارَةُ بَيْتِ الدَّعَارَةِ تُمثِّل فُرصةً ذهبية
لاكتشافِ العَالَمِ السُّفْلي في عاصمة بِلادِنا الحبيبة . وَتِجَارَةُ
الدَّعَارَةِ مَوجودةٌ مُنْذُ بِداية التاريخِ ، لَيْسَتْ شيئًا جَديدًا ولا
مُدْهِشًا ، ولا تُثير التَّعَجُّبَ والاستغرابَ . ومَعَ أنَّ الدَّعَارة مَمْنوعة
وغَيْرُ قانونية إلا أنَّ السُّلُطَات تَغُضُّ الطَّرْفَ عَنْ هَذا المَوضوع
باعتبارِه غَيْر مُؤثِّر .
وأردفَ قائلًا :
_ في عام 1988 ، وفي مُحاولة
للحَدِّ مِنْ عَدَدِ المُومِسَاتِ في البِلادِ، أعلنتْ وِزارةُ الداخليَّة عَنْ
تأشيرة خَاصَّة للنِّسَاءِ اللواتي تَتَرَاوح أعمارُهُنَّ بَيْنَ 17 _ 40 القادمات
مِنْ بَعْضِ الدُّوَلِ الأُوروبية والعربية ، ولكن احْتَجَّ عَشَرَاتُ السُّيَّاحِ
عَلى هَذا الإعلان ، وَعَلى قَرارِ تَطبيقِه ، مِمَّا دَفَعَ الوِزَارَةَ
لِسَحْبِهِ في وَقْتٍ لاحِقٍ . وَبِلادُنا مَعروفةٌ بالسِّيَاحَةِ الجِنْسِيَّةِ
عَلى صَعيدِ مَنطقة الشَّرْق الأوسط .
قُلْتُ والفُضُولُ يُمَزِّقُ
أعصابي :
_ أنا خائف يا رامز مِنْ هَذا
المَوضوع ، وغَيْرُ مُطْمَئِن لَه ، وأخْشَى مِنَ الفَضِيحةِ ، وَوُجُودِ عُقوبات
في القانون .
_ يا شريف هِشَام، القانونُ لا
يَسْرِي إلا على الفُقراءِ والمَسَاكِين. نَحْنُ فَوْقَ القانون، ولا يُوجَد
مَخلوق يُحَاسبنا . وَمَعَ هَذا ، فالحُكومة مَشكورة جَعَلَتْ عُقوبةَ الدَّعَارَةِ
خفيفةً في القانونِ مُرَاعَاةً لأحوالِ الشَّبَابِ البائسة . المَادَّةُ ( 465 )
مِنْ قانونِ العُقوباتِ تَنُصُّ عَلى المُعاقبةِ بالحَبْسِ حَتَّى سِتَّة
أشهر،بِغَرامة حتى 100 دولار، أوْ بِكِلْتَا العُقُوبَتَيْن، لِكُلِّ مَنْ أَعَدَّ
بَيْتًا للبِغَاءِ ، أوْ تَوَلَّى إدارته، أو اشتغلَ أوْ سَاعَدَ. وَقَد اعتبرَ
القانونُ أنَّ جُنْحَة الدَّعَارةِ مِنَ الجَرائمِ التي يَتِمُّ تَحريكُها بِلا
شَكوى. وَيُجَرِّم قانونُ مُكافحةِ الاتِّجَارِ بالبَشَرِ لعام 1983 جَميعَ أشكالِ
الاتِّجَارِ بالجِنْسِ ، وَعُقُوبتُه هِيَ السَّجْن لِمُدَّة سِتَّة أشهُر على
الأقل ، أوْ غَرَامَة تَتَرَاوح بَيْن 200 دولار إلى 1000 دولار .
قالَ ابنُ وزيرِ الخارجيَّة :
_ التفكيرُ بِمَوَادِّ
القانونِ يُوجِع الرأسَ بلا فائدة ولا نتيجة ، لأنَّ القانون حِبْرٌ عَلى وَرَقٍ .
ذَهَبْنَا إلى بَيْتِ
دَعَارَةٍ في قَلْبِ العاصمةِ في الساعةِ الحادية عَشْرَة لَيْلًا . كانَ يَقَعُ
في حَيٍّ فَقِيرٍ مَنْسِيٍّ بَيْنَ الأزقةِ القَذِرَةِ ، حَيْثُ تَتَجَمَّع
القُمَامَةُ والجِرْذَانُ . استغربتُ مِنْ وُجودِ هَذا المَكَانِ في قَلْبِ عاصمةِ
جُمهوريةِ الأحلامِ الوَردية . كُنْتُ أَظُنُّ أنَّ الفَقْرَ مَوجودٌ فَقَط في
القَريةِ ، ولا يُوجَد فَقْر ولا فُقَرَاء في العاصمة . إنَّ الفَقْرَ يَتَفَجَّر في
قَلْبِ العاصمةِ شَظَايا وَذِكْرياتٍ تعيسة .
بَيْتٌ قديمٍ وكبير مِنْ
طَابِقَيْن ، ومُحَاط بالأسوارِ والأسلاكِ الشائكة ، كأنَّه مُعَسْكَرُ اعتقالٍ ،
أوْ ثُكْنَة عَسْكرية . هُناك عَمُود كَهْرَبَاء ذُو إضاءة باهتة . نَسِيتُ
مَوضوعَ بَيْتِ الدَّعَارَةِ ، وانشغلتُ بِقِراءةِ العِبَارَاتِ المَكتوبةِ عَلى
الحِيطَانِ الكالحةِ ، بِدَافِعِ الفُضُولِ وَحُبِّ الاستطلاعِ . تَمَكَّنْتُ مِنْ
قِراءةِ خَمْسِ عِبَارات مُتَفَرِّقَة لا تَزَالُ مَحْفورةً في ذاكرتي بَعْدَ
مُرورِ كُلِّ هَذه السَّنَوَاتِ . وَقَدْ أثَّرَتْ فِيَّ كثيرًا . العِبَارَةُ
الأُولَى : " مَا فائدةُ عُذريةُ الجَسَدِ إذا كانَ الفِكْرُ عَاهِرًا ؟
" ، والثانية: " أعْرِفُ أنَّني لَسْتُ رائعًا ولكنَّني على الأقَلِّ
كُنْتُ أنا دائمًا " ، والثالثة : " لا تَكُنْ واقعيًّا فالواقعُ زبالة
" ، والرابعةُ : " لَقَدْ حَاوَلُوا دَفْنَنَا وَلَمْ يَعْلَمُوا
بأنَّنا بُذُور ". والخامسةُ : " السَّفينةُ في المَرْفَأ آمِنَة ولكنْ
لَيْسَ لِهَذا الغَرَضِ تُبْنَى السُّفُنُ " .
اقتربَ مِنِّي ابنُ وَزيرِ
الخارجيَّة ، وقالَ بِسُخريةٍ واستهزاء :
_ لَيْسَ هَذا وَقْتَ الأدبِ
والثَّقَافَةِ يا طَه حُسَيْن . أمَامَنَا شُغل طويل هَذه الليلة . إذا انْتَصَبَ
القضيبُ غَابَ التَّفكيرُ .
قَرَعْتُ جَرَسَ البابِ في
مُحاولةٍ مِنِّي للتَّخَلُّصِ مِنَ الخَوْفِ والتَّوَتُّرِ . بَعْدَ ثَوَانٍ قليلة
، فَتَحَت البابَ سَيِّدَةٌ أنيقة في الخَمْسِين مِنَ العُمر تقريبًا ، تَرتدي
فُستانًا قصيرًا ، بَيْضَاء البَشَرَة، وَصَدْرُهَا عَارِمٌ ، وَتُمْسِكُ سِيجارةً
بَيْنَ إصْبَعَيْهَا. دَعَتْنَا إلى الدُّخُولِ ، وَاصْطَحَبَتْنَا إلى غُرفة
استقبال صَغيرة ، وَجَلَسْنَا على أريكة فَخْمَة ومُريحة ، وَجَلَسَتْ عَلى
كُرْسِي جِلْدِي خاص بِهَا .
قالتْ لَنَا :
_ أهْلًا وسَهْلًا ، أنا في
الخِدمةِ ، وَتَحْتَ أوامركم . تُوجَد لَدَيْنَا نِسَاء مِنْ رُوسيا ، وَأُوكرانيا
، والفلبين، وَنَسَاء عَرَبِيَّات ، ونِسَاء مِنَ البَلَدِ .
قالَ ابنُ وَزيرِ الخارجية :
_ هَلْ أنتِ مُتَاحَة ؟ .
_ أنا أعْمَلُ في الاستقبالِ ،
وأُدِيرُ المَكَانَ ، وَأُنظِّم شُؤونَه ، وَلَدَيَّ صَدِيقٌ يَغَارُ عَلَيَّ .
_ أُريدُ امرأةً رُوسِيَّة ،
بشرطِ أنْ يَكُون صَدْرُها ضَخْمًا مِثْلَ صَدْرِكِ .
_ طَلَبُكَ مَوجود.
أُجْرَتُهَا أربعون دُولارًا. ادْفَعْ لِي، واذهبْ إلى غُرفةِ رَقْم 8 في الطابقِ
الثاني .
وقالَ ابنُ مُدِيرِ الأمْنِ
الجِنَائيِّ :
_ أُريدُ امرأةً عربية بَشَرَتُها
فاتحة .
_ طَلَبُكَ مَوجود ،
أُجْرَتُهَا ثلاثون دُولارًا، ادْفَعْ لِي، واذهبْ إلى غُرفةِ رَقْم 5 في الطابق
الأوَّل.
وَقُلْتُ وَالخَوْفُ يُحَطِّمُ
قَلْبي قِطْعَةً قِطْعَةً :
_ أُريدُ امرأةً مِنَ البَلَدِ
.
_ طَلَبُكَ مَوجود،أُجْرَتُهَا
عِشْرُون دولارًا، ادْفَعْ لِي، واذهبْ إلى غُرفةِ رَقْم 2 في الطابقِ الأوَّلِ .
وأردفتْ مَازِحَةً :
_ يَبْدُو أنَّكَ مُواطِن صالح
، تَدْعَم نِسَاءَ بَلَدِكَ ، وَتُحِبُّ الصِّنَاعَةَ الوَطَنِيَّةَ ، واللَّحْمَ
البَلَدِيَّ .
وَعَمَّ الضَّحِكُ في
المَكَانِ،وَضَحِكْتُ ضِحْكَةً مُصْطَنَعَةً،لأنَّ الخَوْفَ الرَّهيبَ كانَ
مُسَيْطِرًا عَلَيَّ.
أخرجتُ مِنْ جَيْبي وَرَقَة
مِئة دُولار ، وَأَعْطَيْتُهَا لَهَا ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ مِنْ شِدَّةِ
الخَوْفِ :
_ العَشْرَةُ دُولارات
المُتَبَقِّيَة هَدِيَّة لَكِ .
فَرِحَتْ فَرَحًا هائلًا ،
وقالتْ والسَّعَادَةُ تَمْلأ وَجْهَهَا :
_ شُكْرًا جَزِيلًا لَكَ .
أنتَ لَسْتَ مُوَاطِنًا صالحًا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا شَخْصٌ كريم ، وَمُهَذَّب ،
وَجَذَّاب، وَجِنْتِلْمَان . وأرجو أنْ تَكُونَ سوبرمان في هَذه الليلةِ التي لَنْ
تَنْسَاهَا مَا حَيِيتَ .
كانتْ المُعَامَلاتُ الماليَّةُ
في بِلادِنا بالدُّولار،لأنَّ العُملة الوطنية مُنهارة ، لا قِيمة لَهَا ولا أهمية.
وَقَدْ سَألْتُ بَعْدَ مُدَّةٍ زَمنية دُكتورَ اقتصاد عَن قضية اعتماد الدُّولار
في بِلادِنا ، مَعَ أنَّ المَفروضَ هُوَ الافتخارُ بالعُملةِ الوطنيةِ، ودَعْمُها
بِوَصْفِهَا رَمْزًا سِيَادِيًّا.وأيضًا، إنَّ دَوْلَتَنَا الحبيبة جُمهورية
الأحلام الوردية هِيَ جُمهورية قَوْمِيَّة اشتراكيَّة دِيمقراطيَّة رُومانسيَّة،
وَمِنْ أهَمِّ مَبادئِ الثَّوْرَةِ المَجِيدة: القَضَاءُ عَلى الفَسَادِ ،
والقَضَاءُ عَلى سَيطرةِ رأسِ المَالِ عَلى الحُكْمِ. وَقَدْ شَرَحَ لِيَ
الدُّكتور هَذه القَضِيَّة مِنْ مَنظورٍ عِلْمِيٍّ ، فقال: (( يَتِمُّ اعتمادُ
الدُّولارِ عَادَةً عِندَما تَفْقِدُ عُملة البَلَدِ فَائِدَتَهَا كوسيلةٍ للتبادل
، بسببِ التَّضَخُّمِ المُفْرِطِ ، أوْ عَدَمِ الاستقرارِ . وَيَحْدُثُ هَذا
الأمْرُ في البُلْدَانِ النامية ذات السُّلطة النَّقْدِيَّة المَركزية الضَّعيفة
أو البيئة الاقتصادية غَيْر المُستقرة . وَقَدْ يَلْجَأ المُواطِنون إلى التعاملِ
بالدُّولار عِندما يُصْبح التَّضَخُّمُ مُتَفَشِّيًا في البِلاد ، فَيُسْتَخْدَم
الدُّولار لإجراء المُعَامَلات اليَوْمِيَّةِ نَظَرًا لأنَّ التَّضَخُّمَ
سَيُؤَدِّي إلى انخفاضٍ مُستمر في قِيمة العُملةِ المَحَلِّية . وإيجابيَّاتُ
اعتمادِ الدُّولار هِيَ : حِمايةُ الأفرادِ والمُؤسَّساتِ مِنْ مَخاطرِ انخفاضِ
قِيمةِ العُملةِ المَحَلِّية ، والحِمَايَةُ مِنْ مَخاطرِ التَّضَخُّمِ ،
والقَضَاءُ عَلى هَجَمَاتِ المُضَارَبَةِ عَلى العُملةِ المَحَلِّيةِ وَسِعْرِ
الصَّرْفِ ، وَتَشجيعُ المُستثمرين المَحَلِّيين والأجانبِ عَلى استثمار الأموالِ
في البِلادِ ، لا سِيَّمَا أنَّ اعتماد الدُّولار يَضْمَنُ خَفْضَ أسعارِ الفائدةِ
عَلى اعتبار أنَّ فَرْقَ سِعْرِ الصَّرْفِ لَمْ يَعُدْ يُمثِّل مُشكلةً . أمَّا
سَلْبِيَّاتُ اعتمادِ الدُّولار، فَهِيَ عِندما تَتَخَلَّى دَولةٌ مَا عَنْ خِيَار
طِباعة أموالِها الخَاصَّة ، فإنَّها تَفْقِدُ قُدْرَتَهَا عَلى التأثيرِ بشكلٍ
مُبَاشِر عَلى اقتصادِها، بِما في ذلك حَقها في إدارةِ السِّياسةِ النَّقْدِيَّة ،
وأيِّ نِظام لِسِعْرِ الصَّرْفِ الخاصِّ بِعُمْلتها المَحَلِّية . وَيَفْقِدُ البنكُ
المَركزيُّ للدَّولةِ قُدْرَتَه عَلى تَحصيلِ رُسُومِ صَكِّ العُملة ، أي :
الرِّبْح الناتج عَنْ إصدار العُملاتِ المَعْدِنِيَّة . وَبَدَلًا مِنْ ذلك ،
يُحصِّل بَنْكُ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رُسُومَ صَكِّ العُملةِ ، وَهَذا
قَدْ يُكَبِّدُ الحُكومةَ المَحَلِّية والناتجَ المَحَلِّي الإجمالي خَسائر كبيرة
. وفي اقتصادٍ يَعْتمد بالكاملِ عَلى الدُّولار ، يَفْقِدُ البنكُ المَركزيُّ
للدَّولةِ المَعْنِيَّة دَوْرَه باعتبارِه مُقْرِضًا في النِّظامِ
المَصْرِفيِّ.وَرَغْمَ أنَّه قَدْ يَظَلُّ قادرًا عَلى تَوفيرِ أموالِ الطوارئ
قَصيرة الأجَلِ مِنَ الاحتياطيَّات المُحْتَفَظ بِها، فَإنَّه لا يَسْتطيع تَوفيرَ
الأموالِ الكافية لِتَغطيةِ عَمَلِيَّاتِ السَّحْبِ في حَالَة قَرَّرَ الكثيرُ
مِنَ الأشخاصِ سَحْبَ وَدائعِهم نَتيجة فِقْدَانِهِم الثِّقَة في البَنْكِ
المَركزيِّ . وهُناك خَسَارَة أُخْرَى قَدْ تَتَكَبَّدُهَا الدَّولةُ، وَهِيَ أنَّ
أوراقها الماليَّة يَجِبُّ أنْ يَتِمَّ شِراؤُها مَرَّةً أُخْرَى بالدُّولار.
وَبِدُون احتياطيَّات كافية ، سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا إمَّا اقتراض الأموالِ عَنْ
طَريقِ إدارة عَجْز في الحِسَابِ الجاري ، أوْ إيجاد وسيلة لِتَجميع فائض في
الحِسَابِ الجاري )) .
ذَهَبَ كُلُّ واحدٍ مِنَّا إلى
غُرفته ، وَتَفَرَّقْنَا في المَمَرَّاتِ المُخيفةِ . أحْسَسْتُ في تِلْكَ الليلةِ
الرَّهيبة أنَّنا مِثْل السُّجَنَاءِ الذين يَتِمُّ تَوزيعُهم على الزَّنازين .
مَشَيْتُ بِخُطواتٍ ثقيلة إلى
غُرفةِ رَقْم 2 في الطابقِ الأوَّل . قَرَعْتُ البابَ بأصابع مُرتعشة ، وَقَلْبي
يَكَادُ يَنْخَلِعُ مِنْ مَكَانِه مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ . جاءني صَوْتُ المَرْأةُ
ناعمًا وَرَقيقًا :
_ تَفَضَّلْ ، البابُ مَفتوح .
دَخَلْتُ إلى غُرفة ذات إضاءة
باهتة ، لا يُوجَد فِيها سِوى سَرير ، تَجْلِسُ عَلَيْهَا امرأةٌ تَلْبَسُ قَمِيصَ
نَوْمٍ شَفَّافًا، وكاشفًا لِمَفَاتِنِهَا، وَوَجْهُهَا غارقٌ في المِكْيَاجِ
وَمَسَاحِيقِ التَّجْمِيلِ ، ورائحةُ عِطْرِهَا قَوِيَّة ، تَكَادُ تَخْنُقُني ،
وَتُفَجِّرُ عِظَامي . قالتْ لِي بِدَلَعٍ وَدَلالٍ :
_ أهْلًا وَسَهْلًا، أُحِبُّ
أنْ أُعَرِّفَكَ عَلى نَفْسِي ، أنا نيفين ، وَاسمُ الدَّلَعِ نونو .
نَظَرْتُ حَوْلي كالأبْلَهِ .
وَخُيِّلَ إلَيَّ أنَّني في غُرفةِ الإعدامِ، وَبَعْدَ قليلٍ سَيَصْدُرُ حُكْمُ
إعْدَامي . قُلْتُ لَهَا وأنا في حالةِ ذُهُولٍ :
_ اسْمِي هِشَام، وَلَيْسَ لِي
اسْمُ دَلَع .
نَظَرَتْ إلَيَّ مِنْ رَأسِي
حَتَّى قَدَمَيَّ ، وقالتْ :
_ هَلْ تُحِبُّ أنْ أشْلَحَ أوْ تُشَلِّحَني
بِيَدَيْكَ ؟ .
بَلَعْتُ رِيقِي ، وازدادَ
تَعَرُّقي ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ مُرتَجِف :
_ لا دَاعِي .
_ هَلْ تُحِبُّ الأمامي أَم الخَلْفي
؟ .
_ كَيْفَ يَعْني ؟ .
_ يَبْدُو أنَّكَ وَلَدٌ
جَاهِلٌ ، وَمِسْكِين ، وبَسِيط ، وَمُبْتَدِئ ، لَيْسَ لَكَ خِبْرَة
بالنِّسْوَانِ ، ما الذي جاءَ بِكَ إلى هَذا المَكَانِ ؟ .
_ جِئْتُ مَعَ صَدِيقَيْن لِي.
عُمري 17 سنة ، وأنا طالب في مَدرسة أجنبية ؟ .
_ مَا دُمْتَ تَدْرُسُ في
مَدرسة أجنبية فأنتَ مُتَعَوِّدٌ عَلى رُؤيةِ البَنَاتِ المُشَلَّحَاتِ .
وَيَبْدُو أنَّكَ تَعَوَّدْتَ على الأمريكيات والأُوروبيات،وَنَسِيتَ نِسْوَانَ
بَلَدِكَ. اللَّحْمُ الأجنبيُّ مُلَوَّثٌ وَمُضِرٌّ بالصِّحَّة.
_ بِصَرَاحَةٍ ، أنا عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، لأنَّني سَقَطْتُ عَلى ظَهْرِي في سَاحَةِ المَدرسةِ ، وأخَافُ أنْ
يَقُولَ الناسُ عَنِّي إنَّني إنسان فاشلٌ ، وعَاجِزٌ ، ولَسْتُ رَجُلًا، ولا
أنْتَمِي إلى عَالَمِ الرِّجَالِ .
ضَحِكَتْ ضِحْكَةً عَاليةً
مَليئةِ بالدَّلالِ ، وقالتْ :
_ قِصَّة حُلْوة ، لكنَّها
قَدِيمَة ، الْعَبْ غَيْرَها . أعْرِفُ أنَّ جِسْمِي لَمْ يُعْجِبْكَ ، وَمِنَ
الواضحِ أنَّكَ تُحِبُّ اللَّحْمَ المُسْتَوْرَدَ ، ولا تُحِبُّ اللَّحْمَ
البَلَدِيَّ . لا تُضَيِّعْ وَقْتي ، عِندي قائمة طويلة مِنَ الزبائنِ،
والرُّوسِيَّاتُ والأُوكرانيات في الطابقِ الثاني .
_ هَلْ لَكِ زَوْجٌ وأبناء
مِثْل باقي النِّسَاءِ ؟ .
_ هَلْ هَذا سُؤال أَمْ تَحقيق
؟. هَلْ أنتَ مِنْ شُرطةِ الآدابِ وَجِئْتَ كَيْ تُحَقِّقَ مَعِي ؟ .
_ اسْمَعِيني يا نيفين ، إذا
كُنْتِ بِحَاجَةٍ إلى المالِ، سَأدفعُ لَكِ مُقَابِل أنْ تُخْبِريني بِقِصَّتِكِ .
_ قَبْلَ عَشْر سَنَوَات،
تَزَوَّجْتُ رَجُلًا مِنْ جِنْسِيَّة عربية ، وأنجبتُ وَلَدًا وَبِنْتَيْن ، وكانَ
يَضْرِبُني وَيُهِينني وَيَشْتُمُني ، وَصَبَرْتُ مِنْ أجْلِ أبنائي ، ثُمَّ
تَعَرَّفَ عَلى امرأةٍ مِنْ بَلَدِه ، فَطَلَّقَني ، وَأَخَذَ أبنائي ، وَعادَ
بِهِمْ إلى بَلَدِه . وأنا لَيْسَ لِي مُعِيلٌ ، تُوُفِّيَ أبي وأنا في السادسة
مِنَ العُمر ، وَعِشْتُ يَتيمةً مَحرومةً مِنْ حَنَانِ الأبِ وَحِمَايَتِه . وأخي
الوحيدُ قُتِلَ في حَادث سَيْر قَبْلَ عِدَّة سَنَوَات ، وأنا أُنْفِقُ عَلى
أُمِّي العَجُوزِ المَريضَةِ ، وأشتري لَهَا الأدويةَ الغالية ، وَلِي أربع
أَخَوَات في المَدارسِ ، وَأُخْتِي الخامسة مُعَاقَة وَمَشْلُولَة،وَنَحْنُ
نَعِيشُ في بَيْتٍ بالإيجار في حَيٍّ شَعْبيٍّ بائسٍ ، والإيجارُ مُتَرَاكِم
عَلَيْنَا مُنْذُ أشهُر ، وصاحبُ البَيْتِ يُهَدِّد بِطَرْدِنا ، وَرَمْيِنَا في
الشارع .
وتابعتْ قائلةً بِألَمٍ
وَحُزْنٍ ويَأسٍ :
_ أنا الآن في الثلاثين مِنَ
العُمر ، وَلا أَمْلِكُ شَهَادَة دِراسية أعْمَلُ بِهَا. عَمِلْتُ في بِدَايَةِ
شَبَابي رَاقَصَةً في مَلْهى لَيْلي ، ثُمَّ تَعَرَّفْتُ عَلى زَبُون ابْنِ حَرَام
كُنْتُ أفْتَحُ لَهُ زُجَاجات الخَمْرِ في المَلْهى ، وَنَقَلَني إلى هَذا
المَكَانِ ، وَحَالي كَمَا تَرَاه . والمَثَلُ الشَّعْبيُّ يَقُول : " شو
جابرك عَلى المُرِّ ، قال : الأمَرُّ مِنْه " .
دَمَعَتْ عَيْنَاي ، وَقُلْتُ
بِصَوْتٍ حَزِين :
_ وأنا أيضًا ، قُتِلَ أخي
الوحيد ناصر في القَريةِ . قَتَلَهُ دِيكٌ مُتَوَحِّشٌ وَهُوَ طِفْلٌ في الثالثةِ
مِنْ عُمره . لَوْ كانَ حَيًّا الآنَ لَكَانَ شَابًّا جَمِيلًا وأنيقًا في الثانية
والعِشرين . وأُخْتي ظَبْيَة مُعَاقَة ومَشلولة. وُلِدَتْ طَبيعية وَبِصِحَّة
جَيِّدة ، لكنَّها سَقَطَتْ مِنْ يَدِ أُمِّي وَهِيَ طِفْلَة رَضِيعة ، واصطدمَ رَأسُها
بالأرضِ ، وانكسرَ عَمُودها الفِقري .
_ كُلُّ إنسان في هَذه
الحَيَاةِ يأخذ نَصِيبَه مِنَ التَّعَبِ والشَّقَاءِ والتَّعَاسَةِ .
أخرجتُ مِحْفَظتي ، وأَعْطَيْتُهَا
وَرَقَة مِئة دُولار ، فَقَفَزَتْ عَلَيَّ كالقِردةِ المَجنونةِ ، وبَدَأتْ
بِتَقبيلِ يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ . حاولتُ مَنْعَهَا وإبعادَها ، لكنَّني فَشِلْتُ .
أبعدتُ نَظَرِي عَنْهَا ، فَقَدْ كانَ قَمِيصُ النَّوْمِ يَكْشِفُ ثَدْيَيْهَا
بشكلٍ كامل . بَكَيْتُ في تِلْكَ اللحظةِ ، وَأحْسَسْتُ بالخِزْيِ والعَارِ
والشَّفَقَةِ عَلى نَفْسِي قَبْلَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهَا . تَذَكَّرْتُ مَاضِي
حَيَاتي ، عِندَما كُنْتُ شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا في القَريةِ ، أُقَبِّلُ
أيْدِي الناسِ وأرْجُلَهُم ، وأمْسَحُ أحْذِيَتَهُم ، كَيْ يَحْزَنُوا عَلَيَّ ،
وَيُشْفِقُوا عَلى حَالتي ، وَيُعْطُوني شيئًا مِنَ المَالِ .
قالتْ نيفين بِألَمٍ وَحُرْقَةٍ
:
_ شُكْرًا لَكَ يا سَيِّدِي ،
اللَّهُ يُبارك فِيك ، لَنْ أنْسَىى مَعْرُوفَكَ مَدى الحَيَاةِ . واللَّهُ يُخرب
بَيْتَ رئيسِ الجُمهوريةِ ونائبِه اللذَيْن سَرَقَا البَلَدَ ، وَأفْقَرَا
الشَّعْبَ . إنْ شَاءَ اللَّهُ أرى أولادَهما أيْتَامًا وَجِيَاعًا وَمُشَرَّدِين
في الشَّوارع .
قُلْتُ وَالدُّمُوع تَجْرَحُ
خُدُودي :
_ رُبَّمَا يَكُون ابنُ نائبِ
رئيسِ الجُمهوريةِ شَابًّا يُسَاعِد الفُقَرَاءَ والمُحْتاجين .
_ هَذه عائلة زبالة، سَيَكُون
حَرَامِي مِثْلَ أبيه . كلب ابنُ كلب . لَوْ رَأيْتُهما لَبَصَقْتُ عَلَيْهِمَا.
بالتأكيد ، ابْنُهُ صايع ضايع ، سَيَكُون الآن في بَيْتِ دَعَارة ، أوْ خَمَّارَة
، أوْ مَلْهى لَيْلي . إمَّا أنَّه يَشْرَبُ الخَمْرَ،أوْ يَتَعَاطى
المُخَدِّرَات،عائلة مكانُها في حاويةِ القُمَامَةِ ، لَيْسَ لَهُمْ شَرَفٌ ولا
أخلاق.
وأردفتْ قائلةً بِحَمَاسَةٍ
شديدة :
_ حِذَاؤُكَ يا أُستاذ هِشَام
أشرف مِنْهُم . أنتَ شَهْمٌ وكريمٌ ، وَتُسَاعِد الناسَ ، يا لَيْتَكَ كُنْتَ أنتَ
رئيسَ الجُمهوريةِ أوْ نائبَه ، ولكنَّكَ شَخْصٌ مِنْ عَامَّةِ الشَّعْبِ ، لا
يُمْكِنُ أنْ تَصِلَ إلى الرئيسِ ونائبِه اللذَيْن يَعِيشان فَوْقَ الرِّيحِ .
لَمْ أَجْرُؤ في تِلْكَ
اللحظةِ أنْ أقولَ لَهَا : (( أنا الشَّريفُ هِشَام القُرَشِيُّ ، ابن نائبِ رئيسِ
الجُمهورية )) . لا أستطيعُ أنْ أتَخَيَّلَ كَيْفَ سَتَكُون رِدَّةُ فِعْلِهَا ،
أوْ تأثير الصَّدْمَة عَلَيْهَا . صاعقةٌ سَوْفَ تَنْزِلُ عَلى رَأسِها ،
وَعُنْصُرُ المُفاجأةِ القاتلُ سَوْفَ يَقْضِي عَلَيْهَا . لُذْتُ بالصَّمْتِ ،
ثُمَّ غَيَّرْتُ المَوضوعَ ، وَقُلْتُ :
_ نيفين ، أعْطِني عُنوانَ
بَيْتِكُم بِدِقَّةٍ ، سَوْفَ أَزُورُكُم غَدًا في السَّاعَةِ العاشرة صَبَاحًا ، وَأُريدُكِ
أنْ تَلْبَسَي مَلابِسَكِ ، وَتُغَطِّي جِسْمَكِ ، وَتَسْتُرِي نَفْسَكِ ، وتُغَادري
هَذا المَكَانَ الآن ، بِلا نِقَاشٍ ، ولا تأخير .
في تِلْكَ الليلةِ الرَّهيبة ،
تَذَكَّرْتُ المَقُولَةَ الشَّهيرة : " الإنسانُ ذِئْبٌ لأخيه الإنسانِ
" ، للفَيْلسوفِ الإنجليزيِّ توماس هوبز، الذي يُؤَكِّد أنَّ طَبيعةَ
الإنسانِ مَجبولةٌ عَلى الشَّر ، واستخدامِ العُنْفِ تُجَاه الآخَرين كُلَّمَا
سَنَحَتْ لَهُ الفُرْصَة .
إنَّ طَلبات مُشْتري الجِنْسِ
تَتَخَطَّى فِعْلَ مُمارسةِ الجِنْسِ معَ المَرأة ، فالمَرأةُ في الدَّعَارَةِ
لَيْسَتْ فَقَط أداةً للجِنْسِ ، بَلْ أيضًا أداةً لإثباتِ الرُّجُولةِ والفُحُولةِ
، وللتَّنفيسِ عَن الغَضَبِ ، يَسْتخدمها مُشْتري الجِنْس للتَّعبير عَنْ غَرائزِه
. وَبِحَسَبِ شَهَادَاتِ النِّسَاءِ في الدَّعَارَةِ ، فإنَّ المَوضوعَ يَتَخَطَّى
الجِنْسَ لِيَتَحَوَّلَ إلى جَلَسَات ضَرْبٍ وتَعذيبٍ وإهانة ، يُشْبِعُ مِنْ
خِلالِها الرَّجُلُ مُشْتري الجِنْس رَغْبَتَه بإثباتِ ذَاتِه في مُجتمع ذُكُوري .
والجَديرُ بالذِّكْرِ أنَّ نِسْبَة الاضطرابِ مَا بَعْدَ الصَّدْمَةِ عِندَ
النِّسَاءِ العاملات في الدَّعَارَةِ أعلى مِنْ نِسْبتها عِند الجُنود الذينَ
يُشاركون في الحُرُوب .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طويلة مِنْ تِلْك
الليلة الرَّهيبة قَرَأتُ تَصْريحًا للرِّوائيِّ المِصْرِيِّ العالميِّ نجيب محفوظ
: (( في
الفَترةِ التي سَبَقَتْ زَوَاجي عِشْتُ حَيَاةَ عَرْبَدَةٍ كاملة ، كُنْتُ مِنْ رُوَّادِ
دُورِ البِغَاءِ الرَّسْمِيِّ والسِّرِّي . شخص تَسْتطيع أنْ تَصِفَه بأنَّه حَيَوَان
جِنْسِي . كانتْ نَظْرَتي للمَرْأةِ في ذلك الحِين جِنْسِيَّة بَحْتَة )) .
وَقَرَأتُ في السِّيرةِ الذاتيةِ للمُفكِّر
المِصْرِيِّ لويس عوض اعترافًا لَه ، وَهُوَ أنَّه مَارَسَ الجِنْسَ مَعَ إحدى
البَغَايا في بَيْتِ دَعَارَةٍ .
وأقذرُ أفرادِ العائلةِ المَلَكِيَّةِ في
تاريخ بريطانيا ، " المُهَوَّسُ بالجِنْسِ " ، أوْ " بيرتي القَذِر
" ، هَكَذا كانَ يُطْلَقُ عَلَيْه إلى جانبِ لَقِبِه الرَّسْمي " أمير
ويلز " ، قَبْلَ أنْ يُصْبح مَلِكًا لبريطانيا في عام 1901 ، هو إدوارد
السابع ، والد جَد المَلِكَة إليزابيث الثانية مَلِكَة بريطانيا السابقة
. أُطْلِقَ عَلَيْهِ تِلْكَ الألقاب لِمُضاجعته أكثر مِنْ 1000 امرأة ، بِحَسَبِ
صَحيفة " ديلي ستار " البريطانية ، مُؤكِّدَةً أنَّهُ لا يَزَالُ
يُعَدُّ أقذرَ أفراد العائلة المَلَكِيَّة في تاريخ بريطانيا ، حَيْثُ اشْتُهِرَ
بِهَوَسِهِ بالجِنْسِ والنِّسَاءِ . وقالت الصَّحيفةُ : (( إنَّ والدته المَلِكَة
فِيكتوريا ، كانتْ تَأمُلُ في أنْ يَكْبَرَ ، وَيُصْبح رَجُلَ مَبادِئ مِثْل والده
، لكنَّ شَهَوَاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ الجِنْسِيَّة أصبحتْ واضحةً بَعْدَ ذلك )) .
وأوضحت الصَّحيفةُ أنَّ تَعْليقات وَالِدَيْهِ
المُستمرة ضِدَّه ، لَمْ تَمْنَعْهُ مِنَ الاستمرار في السَّفَرِ إلى باريس ،
لِمُمارسةِ الجِنْسِ في نادي " تشابانيه " للجِنْسِ ، وأنَّهُ طَلَبَ
مَرَّةً مِنْ إدارةِ النادي ، أنْ تَجْلِبَ لَهُ كُرسيًّا خَاصًّا لِمُمارسةِ
الجِنْسِ معَ امْرَأتَيْن في الوَقْتِ نَفْسِه . وَبِحَسَبِ الصَّحِيفة ، فَإنَّ
إدوارد مَارَسَ الجِنْسَ معَ أكثر مِنْ 1000 امرأة، قَبْلَ أنْ يُصْبح مَلِكًا، وَبَعْدَ
أنْ تَمَّ تَتْوِيجُهُ في عام 1901 ، حَرَصَ على إعطاء أجمل مُرَافِقَاتِه مقاعد مُنخفضة
في الصَّفِّ الأوَّل أثناء الحَفَلات . وَقَدْ تُوُفِّيَ المَلِك إدوارد السابع عام
1910 ، بَعْد تِسْع سَنَوَات مِنْ تَوَلِّيه العَرْشِ ، بِسَبَبِ حُبِّهِ للطعام ،
وشَراهته في التَّدْخين ، إذْ كانَ يَسْتهلك أكثر مِنْ 20 سِيجارة ، و 12 سِيجارًا
يَوْمِيًّا .
ذَهَبْتُ إلى بَيْتِ نيفين في المَوْعِدِ
المُحَدَّدِ . كانَ يَقَعُ في زُقَاقٍ ضَيِّقٍ مُعْتِمٍ في حَيٍّ شَعْبيٍّ بائس .
لَمْ يَأتِ مَعِي سِوى حَارس شَخْصِيٍّ مُسَلَّح بِمُسَدَّس يَرتدي ثِيَابًا
مَدنية . قَرَعْتُ البابَ المُهترِئ ، فَفَتَحَتْ لِي بِنْت صَغيرة . دَخَلْتُ أنا
وحارسي الشَّخْصِيُّ ، قَدَّمْتُهُ عَلى أنَّهُ صَدِيقي وجاري.رَحَّبَتْ بِنَا
نيفين التي كانتْ تَرتدي عَبَاءَةً سَوْدَاء سَاتِرَةً لِجِسْمِهَا،تَدُلُّ عَلى
السَّتْرِ والاحتشامِ.
عَرَّفَتْني عَلى أُمِّهَا العَجُوزِ
المَريضةِ التي كانتْ تَجْلِسُ عَلى كُرْسِيٍّ خَشَبيٍّ قديم . لاحظتُ وُجُودَ
شَعْرٍ عَلى وَجْهِهَا وَذَقْنِها . وَوَفْقَ قِرَاءاتي وَمَعْرفتي السابقة ،
فإنَّ هَذا الأمْرَ بسبب التَّغْييراتِ في الهرمونات، واستهلاكِ بعضِ أنواعِ
الأدوية ، والسُّمْنَةِ ، والعواملِ الوِراثية . وَتَجَمَّعَتْ حَوْلَنَا أخَوَاتُ
نيفين ، وَهُنَّ أربع بنات صَغِيرات، وَرَأيْتُ أُخْتَهَا المُعَاقَة والمَشلولة ،
وَهِيَ طِفْلَة صغيرة بريئة ، شَعْرُها نَاِعمٌ ، وَعَيْنَاها لامعتان بِشِدَّةٍ .
حَمَلْتُهَا بَيْنَ يَدَيَّ ، وَحَدَّقْتُ فِيها طَويلًا ، لأنَّها ذَكَّرَتْني
بأُخْتي ظَبْيَة المُعَاقَة والمَشلولة .
قالتْ لِيَ المَرْأةُ العَجُوزُ :
_ أهْلًا وَسَهْلًا بِكَ يا ابْني ،
زَارَتْنَا البَرَكَةُ .
_ اللَّه يُعْطيكِ الصِّحَّةَ والعافيةَ يا
خَالَة ، كَيْفَ وَضْعُكُم وَحَالُكُم ؟ .
تَنَهَّدَت المَرْأةُ ، ثُمَّ قالتْ بألَمٍ
وَحُرْقَةٍ :
_ وَضْعُنا كَمَا تَرَاه يا ابْني، لا
يَسُرُّ عَدُوًّا ولا صَدِيقًا . نُعَاني مِنَ الفَقْرِ ، وأحيانًا نَنَام بِدُون
عَشَاء ، وَلَمْ نَدْفَعْ أُجْرَةَ البَيْتِ مُنْذُ سِتَّة أشهُر، وصاحبُ البَيْتِ
يُهَدِّدُ بِطَرْدِنا مِنْه، ولا يُوجَد مُعِيل لَنَا سِوى ابْنَتي الكُبرى نيفين
، فَهِيَ تَعْمَلُ عَامِلَةَ نَظَافَةٍ في مُستشفى ، وَتَتَأخَّرُ في الليلِ .
وَمَعَ أنَّني لَسْتُ راضيةً عَنْ تأخُّرِهَا في الليلِ ، إلا أنَّ العَمَلَ في
المُستشفى يَظَلُّ مِهْنَةً إنسانيَّةً شريفةً ، والمَالُ الحَلالُ مَهْمَا كانَ
قليلًا يَظَلُّ أفضلَ مِنَ المَالِ الحَرَامِ .
نَظَرَتْ إلَيَّ نيفين ، وَغَمَزَتْني ، فَفَهِمْتُ
أنَّها كَذَبَتْ عَلى أُمِّها العَجُوزِ ، وَأخْبَرَتْهَا أنَّها تَعْمَل عاملةَ
نظافة في مُستشفى ، وهَذا سببُ تأخُّرِها في الليلِ ، ولا تُريدُني أنْ أفْضَحَهَا
أمامَ أُمِّهَا ، وأكْشِفَ سِرَّها الحقيقي .
قُلْتُ بِصَوْتٍ صُلْبٍ مَليء بالثِّقَةِ :
_ الأُستاذةُ نيفين تَعْمَلُ في المُستشفى
بِجِدٍّ واجتهادٍ ، وَهِيَ تُسَاعِد المُمَرِّضَاتِ في غُرفةِ العَمَلِيَّات ،
كَمَا أنَّها تُخفِّف عَن المَرْضَى وَتُريحُهُم .
وأردفتُ قائلًا :
_ مِنَ الآنَ فصاعدًا ، لا دَاعِي للعملِ في
المُستشفى والتَّأخُّرِ في الليلِ .
استغربت المَرْأةُ العَجُوزُ هَذا الكلامَ ،
وقالتْ بِصَوْتٍ مَكسور :
_ وكَيْفَ سَنَأكلُ يا ابْني ؟ ، هَلْ
تُريدُ أنْ نَمُوتَ مِنَ الجُوعِ ؟ .
أخرجتُ مِنْ جَيْبي مُغَلَّفًا ،
ونَاوَلْتُها إيَّاه قائلًا :
_ هَذه المُغَلَّفُ يَحْتوي على أربعة آلاف
دُولار يا خالة ، ادْفَعِي أُجْرَةَ البَيْتِ المُتراكمة ، وَثَمَنَ الأدويةِ ،
وَاسْتَثْمِرِي الباقي في مَشروع تِجَارِيٍّ تُديرُه نيفين بعيدًا عَنْ عَمَلِ
الليلِ في المُستشفى .
قَفَزَت الدُّمُوعُ في عَيْنَيْهَا، وقالتْ
بِسَعَادَةٍ غامرة :
_ اللَّه يُبَارك فِيكَ يا ابْني ،
وَيَرْزقك الزَّوجةَ الصالحة ، ويَحْمِيك مِنْ كُلِّ شَرٍّ ، وَيُفَرِّج
كُرْبَتَكَ كَمَا فَرَّجْتَ كُرْبَتَنَا ، وَيَرْفع دَرَجَاتِكَ في الدُّنيا
والآخِرَة .
وقالتْ نيفين وَدُمُوعُ الفَرَحِ تَسِيلُ
عَلى خُدودِها :
_ إنْ شاءَ اللَّهُ نَرَاكَ رئيسًا
للجُمهورية ، أوْ نائبًا للرئيسِ ، لَنْ يَظَلَّ فَقِيرٌ واحدٌ في البِلادِ ، أنتَ
أشرفُ وأفضلُ مِنَ عِصَابَةِ اللصُوصِ التي تَحْكُمُنا .
46
قَرَّرَ ابنُ وَزيرِ الخارجيةِ تَنظيمَ حَفْلة
وَدَاعيَّة في قَصْرِ عائلته قَبْلَ عَوْدَتِهِ هُوَ وابن مُدير الأمْنِ
الجِنَائيِّ إلى أمريكا لاستكمالِ دِراستهما. دَعَانَا إلى هَذه الحَفْلَةِ ،
وَأخْبَرَني أنَّها سَتَكُون عَلى شَرَفي باعتباري ابن نائبِ رئيسِ الجُمهورية . لَمْ
أفْهَم العَلاقةَ بَيْنَ الحَفْلَةِ الوَدَاعِيَّة لابنِ وَزيرِ الخارجيَّة وابنِ
مُديرِ الأمْنِ الجِنَائيِّ وَبَيْنَ كَوْنِ الحَفْلَةِ عَلى شَرَفي . لا يُوجَد
رابطٌ مَنطقيٌّ بَيْنَ الشَّيْئَيْن ، ولكنَّني اعتبرتُ الأمْرَ احترامًا لِي ،
وتَقْديرًا لِمَكَانتي ، بِوَصْفِي ابنَ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وكأنَّني أنا
عريسُ الحَفْلَةِ ، أوْ بالأحْرَى عريسُ الغَفْلَةِ ، عِلْمًا بأنَّني طِيلة
حَيَاتي كُنْتُ أعتبرُ نَفْسِي العريسَ المَقْتُول في لَيْلَةِ العُرْسِ ، بِلا
عَرُوسٍ ولا وُرُودٍ .
صِرْتُ أتَحَسَّسُ مِنْ كَلِمَةِ " الشَّرَفِ
" ، وأخافُ مِنْهَا كُلَّمَا سَمِعْتُها مِن ابنِ وَزيرِ الخارجيَّة ، بسببِ
أفكارِه الجُنونية ، وَانحلالِه الأخلاقيِّ ، وَمُغامراتِه الطائشة . وأدركتُ أنَّ
هَذه الحَفْلَة سَتَكُون كارثةً مُكْتَمِلَة الأركان ، ومُصيبةً قائمة بذاتها ،
وَسَتَحْدُث فِيها " بَلاوي زَرْقَا " ، ولا أعْرِفُ مَن الذي حَدَّدَ اللَّوْنَ
الأزرقَ ، لماذا لا تَكُون حَمْرَاء أوْ سَوْدَاء مَثَلًا ؟! .
بالتأكيد ، سَتَكُون في الحَفْلَةِ بَنَاتٌ
وَنِسَاء مِنْ كُلِّ الأشكالِ والألوانِ والأديانِ والجِنْسِيَّاتِ ، فابنُ وَزيرِ
الخارجيَّةِ زِير نِسَاء مُحْتَرِف ، وَمَهْوُوسٌ جِنْسِيًّا ، وَسَيَضْرِبُ
ضَرْبَتَه قَبْلَ سَفَرِه إلى أمريكا ، وَسَيُطْلِقُ رَصَاصَةَ الرَّحمةِ عَلى
الجَميعِ ، وَسَوْفَ يُدمِّرنا جميعًا ، ثُمَّ يُسَافِر في سَبيلِ طَلَبِ العِلْمِ
.
سَمِعْتُهُ أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ يَقُول : ((
أنا وَمِنْ بَعْدِي الطُّوفان )) ، حَيْثُ تَتَجَلَّى الأنَانِيَّةُ المُفْرِطَةُ
، وعَدَمُ الاكتراثِ بالعَوَاقِبِ التي سَتَحْدُثُ بَعْدَ رَحِيلِه ، أو انتهاءِ
دَوْرِه ، ولا يَهُمُّ مَاذَا سَيَحْدُثُ للآخَرِين طَالَمَا أنَّهُ هُوَ في
مَأمَن. وبالتأكيد، هُوَ لا يَهْتَمُّ إلا بِمَصالحِه الشَّخْصِيَّة، ومَنافعِه
الذاتيَّة ، وشَهَوَاتِه المُتَأجِّجَة ، ويَتجاهل مَسؤوليته تُجَاه المُجتمع .
ولا يَبْذُلُ أيَّةَ جُهُود لِمُعالجةِ المُشكلاتِ مَا دَامَتْ لا تُؤَثِّرُ
عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً .
كُنْتُ أشعرُ بِحُزْنٍ عَميقٍ ، لأنَّني
عَاجِزٌ جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا . أردتُ
الانتقامَ مِنَ البَنَاتِ والنِّسَاءِ ، وإذلالَهُنَّ ، واضطهادَهُنَّ ،
وكَأنَّهُنَّ سَبَبُ عَجْزِي وَفَشَلِي وَمَرَضِي . إنَّهُنَّ الحَلْقَةُ الأضعفُ
، سَوْفَ أُمَارِسُ عَلَيْهِنَّ سُلْطتي الذُّكُورِيَّة ، وَأُؤَسِّسُ عَلى
أجْسَادِهِنَّ النِّظَامَ الأبَوِيَّ ، وَأُفَرِّغُ فِيهِنَّ عُقَدِي
النَّفْسِيَّةَ . إنَّهُنَّ نِعَاجٌ ، وأنا الذِّئبُ الجَرِيحُ الذي سَأنْقَضُّ
عَلَيْهِنَّ .
سَأنتقمُ مِنْ نِسَاءِ القَرْيَةِ : أُمِّ حَسَن زَوجةِ المُختار ، وسَمَاح العانس ، وغَدير
العَارِيَة . سَأنتقمُ مِنْ يارا وكارمِن الزَّمِيلَتَيْن في المَدرسةِ الأجنبيةِ
، لا أعرفُ مَا هُوَ ذَنْبُهما ، ولكنَّ حَظَّهُمَا التَّعيسَ قَادَهُمَا إلى
طَريقي المَسدودِ، ذلك النَّفَق المُرْعِب الذي لا ضَوْءَ في آخِرِه سِوَى
المَوْتِ. وسَأنتقمُ مِنَ القَوَّادَةِ، تِلْكَ المَرْأة التي اسْتَقْبَلَتْنَا في
بَيْتِ الدَّعَارَةِ . وَلَنْ أنْسَى أنْ أنتقمَ مِنْ نَفْسِي أيضًا .
اسْتَعْدَدْتُ للحَفْلَةِ
الوَدَاعِيَّة عَلى شَرَفي ، معَ أنَّهُ لا تُوجَد عَلاقة بَيْنَ الأمْرَيْن ،
وذلك بِقِرَاءَةِ بعضِ المَقالاتِ والدِّراساتِ بالعربيةِ والإنجليزيةِ عَن
العَلاقةِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ، وكَيفيةِ السَّيطرةِ عَلَيْهَا ،
والتَّحَكُّمِ بِهَا ، وإغرائِها ، وإغوائِها ، وَجَعْلِها خَاتَمًا في إصْبَعِ
الرَّجُلِ .
كُنْتُ في السابعةِ عَشْرَة مِنَ
العُمْرِ، ضائعًا في مَتاهةِ المُرَاهَقَةِ ، تِلْكَ المَرحلة الصَّعْبَة التي
عِشْتُهَا وَحْدِي بِلا دَليلٍ ولا مُرْشِد . عائلتي غارقةٌ في السِّياسَةِ ،
وَمَهْوُوسةٌ بالسُّلطةِ ، ومَشغولةٌ بِشِعَاراتِ الوَحدةِ الوَطنيةِ والأمْنِ
القَوْمِيِّ . لا أَجْرُؤْ أنْ أُخْبِرَ أبي بِمُشْكلاتي ، ولا تُوجَد لُغَة
حِوَار بَيْنَنا . أبي يُصْدِرُ أوامر عَسْكرية ، وَعَلَيَّ التَّنفيذ بِلا
نِقَاشٍ ولا جِدَال ولا حِوَار . وكُلُّ مُحاولة للحِوَارِ أوْ طَرْح مُشْكلة مِنْ
مُشْكلاتي ، تَتَحَوَّل إلى صُرَاخ وإهانة وَضَرْب وتَكْسير .
نَحْنُ عائلةٌ مُفَكَّكَةٌ
وَتَعيسة، مَهْمَا بَدَتْ أمامَ الناسِ مُتَمَاسِكَةً وسَعيدةً . لَيْسَ لَدَيْنَا
وَعْيٌ في كَيفيةِ التعاملِ مَعَ مُحِيطِنا ومُجْتمعنا،ولا نَعْرِفُ احترامَ
الرَّأيِ والرَّأيِ الآخَرِ، حَتَّى لَوْ كانَ مُخَالِفًا لَنَا، ولا نَعْرِفُ
التَّعبيرَ عَنْ آرائِنا بأدبٍ وَلَبَاقَةٍ معَ عَدَمِ مُصادرةِ آراء الآخَرين .
التاريخُ والحَضَارَةُ
وَثَقَافَةُ الحِوَارِ وَرُوحُ التَّسَامُحِ وَالتَّنَوُّعُ الفِكْرِيِّ ،
مُجَرَّد شِعَارَات فارغة مِنَ المُحتوى والمَضمونِ والتطبيق، تمامًا مِثْل
شِعَارات الوَحْدةِ الوَطنيةِ والأمْنِ القَوْمِيِّ وحُقُوقِ الإنسانِ.
كانتْ فَترةُ مُرَاهَقَتِي تَعيسةً ، ومَليئةً
بالعُقَدِ النَّفْسِيَّةِ والسُّلوكيَّاتِ الشَّاذَّةِ المُنحرفة ، خُصُوصًا
أنَّني كُنْتُ ابنَ نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَفَوْقَ القانونِ ، وَلا يُوجَد
مَخلوق يُحَاسبني . وَمَهْمَا فَعَلْتُ مِنْ مَصائب وكوارث، كانَ الناسُ
يَمْدَحُونني، وَيَفْتخرون بِي ، وَيُطَبِّلُون وَيُزَمِّرُون لِي .
إنَّ المُرَاهَقَةَ فَتْرَةٌ طويلة مِنَ الزَّمَنِ ، وَلَيْسَتْ حالةً
عارضةً زائلة في حياة الإنسان . المُرَاهَقَةُ مَرحلةُ انتقالٍ مِنَ الطُّفولةِ
إلى الرُّجولةِ ، وَمَجموعةٌ مِنَ التَّغَيُّرَاتِ التي تَحْدُثُ في نُمُوِّ الفَرْدِ
الجِسْمِيِّ والعَقْلِيِّ والنَّفْسِيِّ والاجتماعيِّ ، وَمَجموعةٌ مُختلفة مِنْ مَظاهرِ
النُّمُوِّ التي لا تَصِلُ كُلُّهَا إلى حَالةِ النُّضْجِ في وقت واحد . إنَّها
مَرحلةُ الانتقالِ التي يُصْبح فِيها المُرَاهِقُ رَجُلًا ، وَتُصْبح الفَتَاةُ
المُرَاهِقَةُ امرأةً ، وَيَحْدُث فِيها كَثيرٌ مِنَ التَّغَيُّرَاتِ التي تَطْرَأ
عَلى وَظائفِ الغُدَدِ الجِنْسِيَّةِ ، والتَّغَيُّرَاتِ العَقْلِيَّةِ والجِسْمِيَّة .
خَشِيتُ أنْ أُصْبحَ مِثْلَ الأمريكيِّ تيد باندي ( 1946 _ 1989 ) ، أكثر
القَتَلَة المُتَسَلْسِلِين شُهْرةً في التاريخِ الحديثِ . إنَّهُ قاتلٌ
وَمُغْتَصِبٌ ، اشْتُهِرَ بِخَطْفِهِ وَقَتْلِهِ العديد مِنَ النِّسَاءِ
والفَتَيَاتِ خِلال السَّبْعينيات . ويُحْتَمَل
أنَّه ارتكبَ جرائم قَبْلَ ذلك . اعترفَ قَبْلَ إعدامِه بِفَترةٍ قصيرة بارتكاب 30
جريمة قَتْل في سَبْعِ وِلايات بَيْنَ عَامَي 1974 و1978 . ومعَ ذلك ، فإنَّ العَدَدَ
الحَقيقيَّ للضَّحَايا لا يَزَالُ غَيْرَ مَعروفٍ ، وَقَدْ يَكُون أعلى بكثير .
عُرِفَ باندي بجاذبيته وكاريزميته التي استخدمها للتلاعبِ بِضَحَاياه مِنَ
النِّسَاءِ الشَّابَّاتِ لِكَسْبِ ثِقتهن . كانَ يَقْترب مِنْهُنَّ في الأماكن العَامَّةِ
مُتَظَاهِرًا بالإصابة أو الإعاقة ، أوْ مُنْتَحِلًا شَخْصِيَّة رَجُلٍ ذِي
سُلْطَة ، قَبْلَ أنْ يَغْدِرَ بِهِنَّ في أماكن نائية . كَمَا كانَ يَعُود أحيانًا
إلى مَسارحِ الجَرائمِ بَعْدَ فَترة ، لِيُجْرِيَ أفعالًا جِنْسِيَّة مَعَ جُثَثِ
ضَحَايَاه المُتَحَلِّلَة حَتَّى تُصْبح غَيْرَ قابلةٍ للتَّعَرُّفِ عَلَيْهَا ،
أوْ تَتَعَرَّض للتَّعَفُّنِ بسببِ الحَيَوَاناتِ البَرِّية .
قَتَلَ باندي مَا لا يَقِلُّ عَن 12 مِنْ ضَحَايَاه
بقطعِ رُؤوسِهِنَّ ، وكانَ يَحتفظ ببعضِ الرُّؤوسِ المَقطوعة كَتَذكارات . في بَعْضِ
الحالات ، ذَكَرَ أنَّه كانَ يَقْتحم المَنازلَ لَيْلًا ، وَيَقْتُل ضَحَايَاه
أثناءَ نَوْمِهِم . وَأُعْدِمَ في النِّهايةِ عَلى الكُرْسِيِّ الكَهْربائيِّ في سِجْن وِلاية
فلوريدا في 24 يناير 1989 .
أخافُ أنْ أُصْبحَ مِثْلَ باندي ، شخصًا مُعَادِيًّا
للمُجتمعِ والحَياةِ والناسِ ، وَسَادِيًّا يَسْتمتع بألَمِ الآخَرين ،
وبالسُّلطةِ التي يُمَارسها على ضَحَاياه ، حَتَّى بَعْدَ وَفَاتِهِم . يُخَيَّلُ إلَيَّ
أنَّني أكثرُ شَخْصٍ تافه وَحَقِير وبارد القَلْبِ سَتُقَابله على الإطلاق ،
وأنَّني التَّجْسيدُ الحَقيقيُّ للشَّرِّ المُطْلَقِ ، والضَّلالِ المُبِين . لا
أُريدُ أنْ أكُونَ القاتلَ المُتَسَلْسِلَ الذي حَصَدَ قُلوبَ الفَتَيَاتِ، ولا
أُحِبُّ أنْ أمتلكَ جَاذبيَّةَ الوَحْشِ القاتلِ .
تَذَكَّرْتُ كَلامَ أبي : (( مِسْكِين هِشَام سَيَتْعَبُ في حَيَاتِه )) . وَتَذَكَّرْتُ
دُعَاءَ أُمِّي : (( اللَّه يَغضب عَلَيْكَ يا هِشَام ، ويَجْعلك عاجزًا ، ويَقْطع
نَسْلَك ، آمين يا رَبَّ العَالَمِين )) .
هَلْ سَأكُونُ حَشَرَةً
حَقِيرةً ، وَمَسْخًا لَيْسَ لَهُ هُوِيَّة ، وكابوسًا لَيْسَ لَهُ نِهَاية ،
وَشَبَحًا يَخَافُ مِنَ ضَوْءِ الحقيقةِ . سَوْفَ أتْعَبُ في حَيَاتي . هَلْ
سَأعيشُ عاجزًا بِلا نَسْلٍ ولا أولادٍ ولا عائلةٍ ؟ . وَلَوْ تَزَوَّجْتُ ،
كَيْفَ سَيَكُونُ نَسْلِي ؟ ، سَيَكُون نَسْلِي فاشلًا وَمُعَقَّدًا بِلا أحلامٍ
ولا مُسْتَقْبَلٍ .
قَرَأتُ عَنْ حَياةِ هِتْلَر
الجِنْسِيَّة . وَهَذه القَضِيَّةُ أثارت العَديدَ
مِنَ التَّسَاؤلات والنَّظَرِيَّات والفَرَضِيَّاتِ والشَّائعاتِ . هُناكَ مَجموعة
مِنَ الأدلةِ التي تُؤكِّد على أنَّ هِتْلَر كانَ لَدَيْهِ عَلاقات مَعَ عَدَدٍ مِنَ
النِّسَاءِ خِلال حَياتِه .
وَعَلاقَتُهُ مَعَ عَشِيقته إيفا براون التي
اسْتَمَرَّتْ لِمَا يَقْرُب مِن 16 عامًا ( 1929 _ 1945 )، كانتْ مَخْفِيَّةً عَن
العَامَّة ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرفها أحدٌ باستثناء دائرته الداخليَّة القريبة مِنْه
. وَقَدْ تَزَوَّجَا في أواخر نَيْسَان/ أبريل عام 1945،وَلَمْ يَمْضِ عَلى
زَواجِهما سِوى 40 سَاعَة قَبْلَ أنْ يَنْتحرا مَعًا. والجَديرُ بالذِّكْرِ أنَّ
إيفا براون قابلتْ هِتْلَر في ميونيخ عِندما كانتْ في السابعةِ عَشْرَة مِنْ
عُمرِها ، حَيْثُ كانتْ تَعْمَل مُسَاعِدَةً لِمُصَوِّرِهِ الشَّخْصِيِّ .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَويلة ، قَرَأتُ عَنْ
حَياةِ جِنْكيز خان الجِنْسِيَّة . كانَ للنِّسَاءِ حُضُورٌ واضحٌ في حَيَاتِه ، فَقَدْ
تَزَوَّجَ 6 مَرَّات ، وكانَتْ لَهُ مِئات المَحْظِيَّات والجَوَاري ، كَمَا كانتْ
لَهُ قوانين في اختيارِهِنَّ ، فَيَصْطَفِي لِنَفْسِه أجملَ النِّسَاءِ ، وَيُشْتَرَط
أنْ تَكُونَ مَحْظِيَّاتُهُ ذَوَات أُنُوف صغيرة ، وَشُعورٍ طويلة ، وأصواتٍ جميلة
. وكانَ يُقَيِّمُ جَمَالَهُنَّ بالنِّقَاطِ ، فَيَمْنَح الحاصلاتِ عَلى نِقاط أقل
لِمُساعديه ، وَعُرِفَ عَنْه مُعَاشرته لِزَوجاتِ أعدائِه وخُصُومِه المَهزومين .
وكانَ جِنكيز خان رَغْمَ وَحْشيته يَحْترم زَوْجَاتِه
، خَاصَّة زَوْجته الأُولَى بورجي ، فكانَ يَسْتشيرها، وَعَيَّنَهَا الإمبراطورةَ
الأُولَى للمَغُول . وأحَبَّ أيضًا زَوْجَتَه الثانية خولان ، واصطحبها مَعَه في حَمَلاتِه
العَسْكرية ، وَتَزَوَّجَ كذلك بأميرتَيْن مِنَ التَّتَار بَعْدَ قَتْلِ وَالِدَيْهِمَا
في إحْدَى حَمَلاته .
وَنَظَرًا لِكَثرةِ نِسَائِهِ كانَ جِنْكيز
خان كثيرَ الذُّرِّية،وكذلك كانَ أبناؤُهُ حُكَّامَ آسيا،مِمَّا جَعَلَ عُلماءَ
الوِرَاثة يُقَدِّرُون أنَّ نِسْبَة 0,5 % مِنْ سُكَّانِ العَالَمِ مُرتبطون وِرَاثيًّا
بِجِنكيز خان. وَنُشِرَ هَذا التَّقديرُ في دِراسة عِلْم الوِرَاثة التاريخيِّ
التي نُشِرَتْ في المجلة الأميركية لِعِلْمِ الوِراثة البَشَرِيَّة عام 2003. وَتَتَبَّعَت
الدِّراسةُ الذُّكورَ المُرتبطين جِينِيًّا بِجَدٍّ واحد،فَوَجَدَتْ أنَّ 16
مَلْيون ذَكَر في آسيا مُرتبطون جِينِيًّا بكروموسوم واحد ، وكانوا جميعًا مِنْ
مَنطقة جُغرافية ضِمْن حُدودِ الإمبراطورية المَغُولِيَّة سابقًا.
وَاشْتُهِرَ السُّلطانُ المَغْربي إسماعيل
بن شريف بأنَّه أنجبَ أكثرَ مِنْ ألْفِ طِفْل ، وَقَدْ كانَ لَدَيْهِ 4 زَوْجَات
و500 جارية، مِمَّا جَعَلَه أحَدَ أكثرِ الآباءِ غَزَارَةً في الإنجابِ . وأظهرَ
باحثون مِنْ خِلال برامج مُحَاكاة أنَّ السُّلطان إسماعيل الذي يُعْتَبَر مُؤسِّس
سُلالة العَلَوِيِّين في المَغْرِب ، قَدْ يَكُون أنجبَ بالفِعْلِ ألْفَ طِفْل في
حَالَ مَارَسَ الجِنْسَ بِمُعَدَّلِ مَرَّةٍ واحدةٍ في اليَوْمِ عَلى مَدى 32 سنة
.
وَقَبْلَ ذَهَابي إلى الحَفْلَةِ
الوَدَاعِيَّةِ، قَرَأتُ هَذا التَّقريرِ في إحدى المَجَلاتِ العَرَبية :
(( تُعَاني المَرْأةُ
في المُجتمعِ الشَّرقيِّ مِنَ البَوْحِ بِرَغَبَاتِهَا وأسرارِها ، حَتَّى لأقرب
الناسِ إلَيْهَا ، لأنَّها دائمًا مَا يَجْري اتِّهامها بِسُوء الأدبِ ، وَسُرْعان
مَا يَجْري وَصْفُها بِكُلِّ مَعَاني الخطيئة .
وَتَتَرَبَّى المَرْأةُ في أيِّ مُجتمع شَرقيٍّ
على الانغلاق ، وإنكارِ كُلِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّق بِرَغَبَاتِها أوْ جَسَدِها ، وَهَذا
يَجْعَلُ المَرأةَ الشَّرقيةَ كائنًا يَخَافُ مِنْ رَغَبَاتِه وأحلامِه ، وَيَتَنَكَّر
لها . وبالتدريج ، تَجِدُ المَرْأةُ نَفْسَها عَدُوَّةً لِكُلِّ مَظاهرِ
الرَّغْبَةِ . وبشكلٍ لا إرادي ولا شُعوري ، تَنْتقد المَرْأةُ هَذه المَظاهرَ ،
وَتَلُوم نَفْسَها لَوْ أنَّها فَكَّرَتْ في شَيْءٍ مِنْ هَذا القَبِيل .
والأسَاسُ في أيِّ فِعْلٍ مُتَعَلِّق بالمَرْأةِ
هُوَ الاهتمام ، هَذا هُوَ مَا يُحَرِّكُ أيَّةَ امرأةٍ ، وَيَجْعلها تَشْعُرُ
بأنوثتها الكاملة ، لكنْ كَيْفَ يُمْكِنُ للضَّرْبِ عَلى المُؤخَّرَةِ أنْ يُشْعِرَ
المَرْأةَ بالاهتمامِ ؟ .
إنَّ المَرْأةَ تَعْلَمُ جَيِّدًا أنَّ أَحَدَ
أهَمِّ مُقوِّمات جَمالِها هُوَ جَسَدُها وَقَوَامُها ، وَأحَدَ أَهَمِّ عَناصر جَسَدِ
المَرْأةِ الذي يُمَيِّزها عَن الرَّجُل هُوَ المُؤخَّرَة ، لذلك دائمًا مَا تُحِبُّ
المَرْأةُ أنْ تَشْعُرَ ببعضِ الاهتمامِ بهذا العُضْوِ الفريد عِندها .
وَمِثْلُ ذلك حُبُّ النِّسَاءِ للرَّقْصِ ،
لِمَاذَا ؟ ، لأنَّها تَشْعُرُ أنَّها تَسْتخدم جُزْءًا في جَسَدِها يُظْهِرُ جَمَالَها
وَأُنوثَتَهَا بشكل لافتٍ لنظرِ الرَّجُلِ ، فَالمُؤخَّرَةُ الجميلةُ دَائمًا مَا
تُثيرُ الرَّجُلَ . هَذا غَرِيزِيٌّ ، وَتَعْرِفُهُ كُلُّ امرأةٍ . وَتَتَعَمَّدُ
كثيرٌ مِنَ النِّسَاءِ ، وَخُصُوصًا الفَتَيَات ، ارتداءَ مَلابس ضَيِّقة تُبْرِزُ
مُؤخَّرَتَهَا ، وَتُبَيِّنُ جَمَالَها ، لذلكَ إذا قامَ حبيبُها أوْ زَوْجُها
بِلَمْسِ مُؤخَّرَتِهَا ، أوْ مُداعبتها ، أوْ ضَرْبِها بشكلٍ مُفَاجِئ ، فإنَّ
هَذا يُشْعِرُها دائمًا أنَّها مُمَيَّزَة .
وأيضًا ، إنَّ
في هَذا المَكانِ بَعْضَ أطرافِ الأعصابِ ، التي تُثيرُ المَرْأةَ بِمُجَرَّد لَمْسِها
، وَتُشْعِرُها أنَّ الرَّجُلَ يُريدُ شيئًا مَا مِنْهَا، وأنَّها امرأةٌ مَرْغُوب
فِيها، وَهَذا يُحَرِّك عَاطفةَ الاهتمامِ عِندَها، فَتَشْعُر تِلْقائيًّا بِرَغْبَةٍ
في الشُّعورِ بذلك الاهتمامِ والعَطْفِ والحَنَانِ مِنَ الرَّجُلِ .
وَلَمْسُ المُؤخَّرَةِ وَضَرْبُهَا بشكلٍ خَفيف
وَمُستمر ، يُوقِظ في المَرْأةِ أحاسيس مُختلِفة وَغَيْر تَقْليدية ، وَيَجْعلها تَطْلُب
المَزِيدَ دائمًا .
وأيضًا ، الضَّرْبُ عَلى المُؤخَّرَةِ لَهُ
بُعْدٌ أَبَوِيٌّ وَسُلْطَوِيٌّ ، لأنَّه يُشْعِرُ المَرْأةَ أنَّ هُناكَ مَنْ هُوَ
أقْوَى مِنْها ، وَيُذكِّرها بِطُفولتها وبوالدِها وَسَيْطَرَتِه عَلَيْهَا، وَالمَرْأةُ
دائمًا تُحِبُّ أنْ تَشْعُرَ أنَّها تَحْتَ السَّيطرةِ والقُيودِ ، حَتَّى لَوْ
كانتْ في أقصى دَرَجَاتِ تَحَرُّرِهَا . إنَّها تُحِبُّ دائمًا أنْ تَشْعُرَ بالقَيْدِ
الذُّكُورِيِّ مِنْ وَقْتٍ لآخَر . هَذا شَيْءٌ غَريزيٌّ يُعيدُ للمَرْأةِ التَّوَازُنَ
النَّفْسِيَّ المطلوب ، لذلك فَهِيَ تَسْعَى دائمًا للشُّعُورِ بِقُوَّةِ الرَّجُلِ
وَسَيْطَرَتِه . وَأحَدُ مَظاهرِ هَذه السَّيطرةِ هُوَ إيقاظُ إحساسِ الضَّعْفِ
عِنْدَها ، وإحساسِها بالقُوَّةِ عِندَ شريكها .
والمَرْأةُ تَسْتمتع بأنَّها هَدَفٌ للرَّجُلِ
. تَسْتمتع بالرَّجُلِ الجَرِيءِ الذي يَعْبَثُ بِكُلِّ تَفَاصِيلِها ، وَيَتَطَرَّق
إلى كُلِّ مَنطقةٍ مَحظورةٍ بِجُرْأةٍ وَتِلْقَائيَّة . وَاستمتاعُ الرَّجُلِ
بتفاصيلِ جَسَدِ المَرْأةِ هُوَ مُتْعَةٌ استثنائية للمَرْأةِ ، لأنَّه يُشْعِرُها
أنَّها أُنثى تَسْتحق الاهتمامَ . وَالضَّرْبُ عَلى المُؤخَّرَةِ أحَدُ هَذه
الوسائلِ لإشعارِ المَرْأةِ بأهميتها وأُنوثتها ، وإنْ كانَ لَيْسَ هُوَ الشَّكْلَ
الوحيدَ لذلك بالطَّبْعِ )) .
نَظَّمَ ابنُ وزيرِ
الخارجيَّةِ في قَصْرِ العائلةِ حَفْلَةً وَدَاعِيَّةً كارثيةً بامتياز ، لَمْ أرَ
في حَيَاتي بَنَات وَنِسَاء عاريات كما رأيتُ في تِلْك الحَفْلَةِ اللعينةِ،
عَرَبِيَّات وَأجْنَبِيَّات يَرتدينَ مَلابس قصيرة فاضحة ومَكشوفة . كُنْتُ
عَرِيسَ الحَفْلَةِ باعتباري ابن نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، والجميعُ يُريدُ
نَيْلَ شَرَفِ التَّحَدُّثِ مَعِي ، والتقاطِ الصُّوَرِ التَّذكاريةِ مَعِي .
مَثَّلْتُ دَوْرَ الشَّابِّ
المُتَعَلِّمِ المُحترمِ المُهَذَّبِ الرَّاقي الحريصِ عَلى سُمْعته ، وسُمْعَةِ
أبيه الرَّجُلِ الثاني في الدَّولة . ولكنَّني في حقيقةِ الأمْرِ كُنْتُ خبيثًا
وماكرًا وحَقِيرًا وتافهًا . قُمْتُ باستغلالِ اقترابِ البَنَاتِ والنِّسَاءِ
مِنِّي ، وَتَعَمَّدْتُ لَمْسَ صُدُورِهِنَّ ، وَمَسْكَ أثدائِهِنَّ ، وَضَرْبَ مُؤخَّرَاتِهِنَّ
ضَرْبًا خفيفًا . كُنَّ مُتَحَرِّرَات وَسَعيدات ، لَمْ تُحَاوِلْ أيَّةُ واحدةٍ
أنْ تُبْعِدَني عَنْهَا ، أوْ تَمْنَعَني مِنَ الاقترابِ مِنْ تضاريسِ جَسَدِها.
وأنا أيضًا ، لَمْ أَهْجُمْ عَلَيْهَا كالوَحْشِ الكاسر الذي يُريدُ اغتصابَها،
وإنَّما تَصَرَّفْتُ بِهُدوء أعصاب وانتباهٍ شديدٍ ، كَيْ تَبْدُو الأُمورُ
عَفْوِيَّةً وَتِلْقَائيَّةً ، وَضِمْن دائرةِ الصَّدَاقَةِ وَنَشْوَةِ الاحتفالِ
.
رَقَصْتُ مَعَ فَتاةٍ أمريكية
في مِثْل سِنِّي تقريبًا ، قالتْ لِي إنَّ أباها رَجُلُ أعمالٍ ، وَمُتَخَصِّص في
الجيوفيزياء . لَمْ أسمعْ بهذا التَّخَصُّصِ مِنْ قَبْل ، ولا أعْرِفُ شيئًا عَنْه
، فَقُلْتُ لَهَا وعَلاماتُ التَّعَجُّبِ ظاهرةٌ عَلَيَّ :
_ مَا هِيَ الجيوفيزياء ؟ .
_ تَخَصُّصُ الجيوفيزياء
يُركِّز عَلى دِراسةِ فِيزياءِ الأرضِ مِنْ خِلالِ استخدامِ طُرُق عِلْمِيَّة
مِثْل الجاذبية والمِغناطيسية ، لاستكشافِ باطنِ الأرضِ ، وتَحديدِ المَواردِ
الطبيعية كالمَعَادِنِ والنِّفْطِ .
_ أيْنَ يَعْمَلُ أبوكِ ؟ .
_ أبي يَعْمَلُ معَ شركة
أرامكو السعودية كَمُستشار في الأمْنِ والسَّلامةِ المُخْتَصَّة بالتَّنْقيبِ
والاستكشافِ عَن البِترول والغازِ .
_ مَا الذي جاءَ بِكِ إلى
بِلادِنا جُمهوريةِ الأحلامِ الوَردية ؟ .
_ أُمِّي مُوظَّفة في
السَّفَارةِ الأمريكيةِ في عاصمتكم، وأنا أُقيمُ مَعَهَا، وأدرسُ في مَدرسة
أجْنَبِيَّة، لأنَّ دَوْلتكم عَلْمَانِيَّة وَمُنْفَتِحَة وَمُتَحَرِّرَة ،
والسُّعوديةُ دَولةُ دِينيَّة مُنْغَلِقَة ، لا تَسْمَح بِمُمارسةِ الجِنْسِ خارجَ
إطارِ الزَّوَاجِ ، وتَمْنَع اختلاطَ الرِّجالِ والنِّسَاءِ ، والرَّقْصَ
والغِنَاءَ ، وَشُرْبَ الخَمْرِ .
وأردفتْ قائلةً باستغرابٍ
مُذْهِلٍ :
_ السُّعوديةُ دَولةٌ كبيرةٌ ،
لكنَّها خالية مِنَ المَلاهي الليليَّة ، ولا يُمْكِن للمَرأةِ أن تَرتدي البكيني
عَلى شَاطئِ البَحْرِ. إنَّهُم يُغَطُّونَ المَرأةَ بِكَيسٍ أسْوَد ، وَيَمْنعونها
مِنْ قِيادةِ السَّيارَةِ .
لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الفَتَاةُ
جميلةً ، ولكنَّني أحببتُ أنْ أرقُصَ مَعَهَا بسببِ صَدْرِهَا الكبير . لَمْ
أنظُرْ إلى وَجْهِهَا أثناءَ الرقص ، لأنَّني كُنْتُ مَشغولًا بافتراسِ
ثَدْيَيْهَا الضَّخْمَيْن العَارِيَيْن بِنَظَرَاتِ عُيوني الحَادَّةِ
كالسَّكَاكين . لاحظتْ هَذا الأمْرَ الذي لا يَحْتَاج إلى اكتشاف عبقري بسبب
وُضُوحِه الشديد ، فقالتْ مُسْتَنْكِرَةً :
_ لِمَاذا لا تَنْظُرُ إلى
وَجْهي أثناءَ الرقص ؟ .
_ بِصَراحةٍ ، صَدْرُكِ
مَفتوحٌ وكبيرٌ مِثْل صَدْرِ شادية .
_ مَنْ هِيَ شادية ؟ .
_ مُمَثِّلَة ومُطْرِبَة
مِصْرِيَّة ، تُلَقَّبُ بِدَلُّوعَةِ السِّينما .
_ الجَمَالُ زائلٌ ، والبَهَاءُ
لا يَدُوم ، والجَمَالُ الحقيقيُّ يَكْمُنُ في جَوْهَرِ المَرْأةِ ، وَهُوَ مَا
يَبْقَى وَيُصْقَلُ معَ الزَّمَنِ . والمَرْأةُ تَظَلُّ جَميلةً مَا دَامَ
الرَّجُلُ يُحِبُّهَا . وَقَدْ تُصَاب المَرأةُ بِسَرَطَانِ الثَّدْيِ ، وتَخْسَر
صَدْرَها، وتَخْتفي أُنوثتها، والجَسَدُ سَوْفَ يَذُوبُ في التُّرَابِ، ولا
يَبْقَى إلا الكَلامُ الجميلُ ، والذكرياتُ الرائعة ، والمَشاعرُ الصادقة ،
والأحاسيسُ الدافئة، والعَواطفُ الإنسانيةُ النَّبيلة .
صَدَمَتْني بِهَذه
العِبَارَاتِ ، فأبعدتُ نَظَري عَنْ صَدْرِهَا ، وَحَدَّقْتُ في بَرِيقِ عُيونِها
الجارح . فَقَدْتُ رَغْبتي في النِّسَاءِ في تِلْك الليلة بسبب كَلامِها الفَلْسَفِيِّ
العَميقِ، الذي بَقِيَ يَرِنُّ في أُذُنَيَّ طِيلةَ حَيَاتي .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَويلة ،
قَرَأتُ خَبَرًا جَدِيدًا عَلَيَّ ، لَمْ أكُنْ أعْرِفُهُ قَبْلَ ذلك ، وَهُوَ
أنَّ المُمَثِّلَة المِصْرِيَّة شادية خَضَعَتْ لاستئصالِ ثَدْيِهَا في الثَّمَانينيَّات بسبب إصابتها بِسَرَطَانِ
الثَّدْيِ ، وَقَدْ تَسَبَّبَتْ هَذه التَّجْرِبَة ، إلى جَانبِ صَدَمَاتٍ أُخْرَى،
في اعتزالِها للفَنِّ ، وَتَكريسِ حَيَاتِها للتَّقَرُّبِ مِنَ اللَّهِ سُبحانَه
وتعالى، حَيْثُ تَبَرَّعَتْ لاحقًا بِشَقَّتِهَا لِتُصْبح مَركزًا لأبحاثِ السَّرَطَانِ
.
انسحبتُ مِنَ الحَفْلَةِ ، وَذَهَبْتُ إلى أريكةٍ قريبة ، وَجَلَسْتُ عَلَيْهَا ،
وأنا أنظرُ إلى الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، والشَّبَابِ والصَّبَايا . أسمعُ
ضَحِكَاتِهم الرَّنَّانَة ، وأنظرُ إلى أثداءِ النِّسَاءِ وأفخاذِهِنَّ . مَتَى
سَيَأكُلُ دُودُ المَقابرِ هَذا اللَّحْمَ ؟ . مَتَى سَيَزُولُ هَذا الجَمَالُ ؟ .
مَتَى سَيَنْطَفِئ بَريقُ العُيونِ ؟ . مَتَى سَيَعُمُّ الصَّمْتُ الرهيبُ
وَيَنْتشر العَدَمُ والفَرَاغُ ويَخْتفي رَنينُ الضَّحِكَاتِ إلى الأبَدِ ؟ .
كُلَّمَا نَظَرْتُ إلى امرأةٍ
جَميلةٍ ومُغْرِيَةٍ تَخَيَّلْتُهَا وَهِيَ مُسْتَلْقِيَة عَلى فِرَاشِ المَوْتِ
في انتظارِ لَحظةِ الوَدَاعِ النِّهَائيَّة ، حَيْثُ لا يَنْفَعُ قَمِيصُ
النَّوْمِ ولا العِطْرُ الفَوَّاحُ ولا الإغراءُ ولا الدَّلالُ . نَحْنُ نَعيشُ في
عَالَمٍ وَهْمِيٍّ.نَكْسِرُ وُجُوهَنا كَالمَزْهَرِيَّاتِ ، وَنَلْبَسُ الأقنعةَ ،
وَنَكْذِبُ عَلى بَعْضِنا البَعْض.
وَبَيْنَما كُنْتُ غارقًا في
تأمُّلاتي وأحزاني ، جاءَني ابنُ مُديرِ الأمْنِ الجِنائيِّ ، وَجَلَسَ إلى جانبي
على الأريكةِ ، وقالَ بَعْدَ أنْ لاحَظَ الحُزْنَ العميقَ المَرسومَ عَلى وَجْهي :
_ الجَمِيعُ سَعيدٌ ، ويأكُل ،
وَيَشْرَب ، وَيَرقُص ، وأنتَ يا شريف هِشَام ، تَجْلِسُ وَحِيدًا وحَزينًا.
نَظَرْتُ إلَيْهَ نَظْرَةً
مُنْكَسِرَةً ، وأنا عَاجِزٌ عَن الكَلامِ ، وَغَيْرُ قادرٍ عَلى التَّعبيرِ عَنْ
أفكاري وَمَشَاعري ، فَمَا كانَ مِنْهُ إلا أنْ نَاوَلَني كَأسَ خَمْرٍ ، وقالَ
لِي :
_ هَذا نبيذ أحمر ، سَوْفَ
يُنْسِيكَ هُمُومَكَ ، ويَجْعَل أيَّامَكَ حَمْرَاء كَوُرُودِ الحُبِّ .
في تِلْكَ الليلةِ شَرِبْتُ
أوَّلَ كأسِ خَمْرٍ في حَيَاتي . كانَ مَذَاقُهُ مُرْعِبًا ، ورائحته كَرِيهة ،
وَشَعَرْتُ أنَّني عَلى حَافَةِ جَبَلٍ أكَاد أسقُط . ثُمَّ أعْطَاني سيجارة
حَشِيش ، وقالَ لِي :
_ هَذه السِّيجارةَ
سَتَجْعَلُكَ تَطِير في الهَوَاءِ مِثْلَ العَصَافير .
قُمْتُ بِتَدخينِ الحَشِيشِ
لأوَّلِ مَرَّةٍ في حَيَاتي في تِلْكَ الليلةِ الطويلةِ التي بَدَتْ وكأنَّها بِلا
نِهَاية، وَبَدَأتُ أضحكُ بِلا سَبَبٍ ، وَشَعَرْتُ بالقَلَقِ ، والنُّعَاسِ ، واضطرابٍ
في الرُّؤية ، وَزِيَادَةِ مُعَدَّلِ ضَرَبَاتِ القَلْبِ ، وَفَقَدْتُ التَّركيزَ
.
اقتربَ مِنِّي ابْنُ مُديرِ
الأمْنِ الجِنَائيِّ ، وقالَ بِصَوْتٍ أقرب إلى الهَمْسِ :
_ انظُرْ إلى صَدِيقِنا الخبيث
ريري ، ابنِ وَزيرِ الخارجيَّة ، لَقَدْ صَعِدَ مَعَ ابنةِ السَّفيرِ البريطانيِّ
إلى الطابقِ الثاني .
قُلْتُ وأنا في حَالةٍ صُدَاعٍ
رهيبة :
_ ماذا سَيَفْعَلان في الطابقِ
الثاني ؟ .
_ سَوْفَ يَدْرُسان العُلومَ
السِّياسيَّةَ والقانونَ الدَّوْليَّ والعَلاقاتِ الدُّبْلُومَاسِيَّة في
السَّريرِ ؟ .
_ لِمَاذَا لا يَدْرُسان في
الجامعةِ معَ باقي الطُّلابِ ؟ .
ضَحِكَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنائيِّ ضِحْكَةً عاليةً ، وَضَحِكْتُ مَعَه ، وقالَ لي :
_ لَقَدْ صِرْتَ مَسْطُولًا
بشكلٍ رَسْمِيٍّ يا شريف هِشَام .
لَمْ أكُنْ سَكْرَان ، وَلَمْ
أفْقِد الوَعْيَ. ولكنَّني كُنْتُ أُعَاني مِنَ تَشَتُّتٍ هائل ، وَصُداعٍ رهيب ،
وألَمٍ مُدمِّر ، واضطرابٍ في الرُّؤية .
بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ تقريبًا
، جاءنا ابنُ وَزير الخارجيَّة. وَقَفَ أمامَنا كالقائدِ الفاتحِ ، وقالَ
مُفْتَخِرًا :
_ انتقمتُ مِنَ الاستعمارِ
والاحتلالِ البريطانيِّ ، وثأرتُ مِنْ وَعْدِ بَلْفُور .
قالَ ابنُ مُديرِ الأمْنِ
الجِنائيِّ والفُضُولُ يَضْغَط عَلى أعصابِه :
_ ادْخُلْ إلى المَوضوعِ
مُبَاشَرَةً بِلا مُقَدِّمَاتٍ ، ماذا حَصَلَ ؟ .
_ أسقطتُ الإمبراطوريةَ
البريطانيةَ التي لا تَغِيبُ عَنْهَا الشَّمْسُ ، وَغَزَوْتُ لَنْدَن . ولكنَّ
النَّعْجَةَ كانتْ مَفتوحةً ، ولَيْسَتْ عَذراء . ومَعَ هَذا ، فَقَدْ أنْسَاهَا
القائدُ العَرَبيُّ الشَّرْقيُّ الفاتحُ كُلَّ الفاتحين الغَرْبيين قَبْلي .
إنَّني جِئْتُكُمْ غَازِيًا في عُقْرِ دَارِكُم . أنا مُصطفى سعيد .
وانطلقَ ابنُ وزيرِ الخارجيَّةِ
وَهُوَ يَضْحَكُ بأعلى صَوْتِه،وَيُردِّد بِصَوْتٍ عالٍ:((أنا مُصطفى سعيد)).
قُلْتُ لابنِ مُديرِ الأمْنِ
الجِنائيِّ الجالسِ إلى جانبي :
_ مَنْ هُوَ مُصطفى سعيد ؟ .
_ لا أعْرِفُ . دَعْكَ مِنْ
هَلْوَسَاتِ ريري ، إنَّه سَكْرَان أوْ محشِّش .
نَسِيتُ كُلَّ تفاصيلِ تِلْك
الحَفْلَة المَشؤومة ، وَحَفِظْتُ اسْمَ " مُصطفى سعيد " . سَيْطَرَ
عَلَيَّ الفُضُولُ القاتلُ ، وكَمْ تَمَنَّيْتُ في تِلْكَ اللحظةِ أنْ أعْرِفَ
مَنْ يَكُون هَذا الشَّخْص .
بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَويلة،
قَرَأتُ رِواية " مَوْسِم الهِجرة إلى الشَّمَال" للكاتبِ السُّودانيِّ
الطَّيب صالح صُدْفَةً . وعِندئذٍ عَرَفْتُ أنَّ مُصطفى سعيد هُوَ بَطَلُ
الرِّواية . وَهُوَ رَجُلٌ مُثَقَّفٌ ، وَعَاشِقٌ للقِراءةِ ، لكنَّه غامضٌ
وَمُعَقَّد ، يَحْمِلُ أسرارًا مُظْلِمَةً تَتَعَلَّقُ بِمَاضِيه في الغَرْبِ ،
وَيُمثِّل الصِّدَامَ الثَّقَافيَّ بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ ، وَقَضَايا
الهُوِيَّةِ والاغترابِ . وَيُبَيِّنُ الصِّرَاعَ الداخليَّ مَعَ هُوِيَّتِهِ
وَثَقَافته الأصليَّة ، وَالجُرُوحَ النَّفْسِيَّةَ الناتجة عَن الاستعمار .
وُلِدَ في السُّودانِ ، وَدَرَسَ
في القاهرةِ ثُمَّ لَنْدَن ، حَيْثُ أقامَ عَلاقات عاطفيَّة معَ نِسَاء
بريطانيَّات انتهتْ بِكَوارث مَأسَاوِيَّة، وَمِنْهَا انتحارُ بعضِ النِّسَاء .
وَقَرَأتُ تقريرًا صَحَفِيًّا
في إحدى الجَرائدِ العربية : (( كانتْ حياةُ ميليسا
برايس ابنة السفير الأمريكيِّ لَدى لَنْدَن مَليئةً بالسَّعادةِ والتَّنَوُّعِ .
في سِنِّ الـ 19 كانتْ تُرافق والدَها تشارلز برايس ، وَهُوَ صَديق مَوْثوق لرئيسة
الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان
، إلى الفَعَاليَّات والمُناسبات . وكانتْ غالبًا مَا تَحْضُر حَفَلاتِ العَشاءِ
والاستقبالاتِ التي كان والدُها ووالدتُها كارول يَسْتضيفانها في مَنْزلهما داخل
وينفيلد ، مَقَرِّ إقامةِ السَّفيرِ الرَّسْمِيِّ في مَنطقة ريجنت بارك وسط لَنْدَن
.
وَبِحَسَبِ صحيفة " ديلي ميل "
البريطانية التقتْ ميليسا للمَرَّةِ الأُولى مُحَمَّد الفايد الذي كانَ
اشترى لِتَوِّهِ مَتاجر هارودز في إحدى تلك التَّجَمُّعَات . تَقُول ميليسا :
" كانَ جالسًا عَلى يَمِيني في عَشَاء لمجموعة مِن 12 شخصًا . وفي البِداية،
وَجَدْتُهُ مُتَحَدِّثًا جَيِّدًا وَمُمْتِعًا ، لكنَّ الحقيقة أنَّ الأُمور لَمْ
تَكُنْ على هذا النَّحْوِ أبدًا " .
الحقيقةُ التي اكتشفتها ميليسا بعد بِضعة
أسابيع ، وبالتحديد خِلال سِبتمبر (أيلول) 1986 ، بِحَسَبِ الصَّحيفة البريطانية ،
كانتْ عِندما اعتدى عليها مُحَمَّد الفايد على يَخْتِه بَعْدَ أنْ وَجَدَتْ نَفْسَها
مُحَاصَرَةً في مكانٍ مُنْعَزِل، بعيدًا مِنْ ساحل سانت تروبيه الفرنسي . وتتذكر
ابنةُ السَّفير كَيْفَ فَرَضَ الفايد نَفْسَه عَلَيها مِنَ الخَلْفِ ، وأحاطها بِذِرَاعَيْه
بِصُورةٍ قوية ، حَتَّى إنَّها " لَمْ تَستطعْ تَحريكَ الجُزْءِ العُلْوِيِّ
مِنْ جَسَدِها ، وَجَعَلَها تَتَنَفَّس بِصُعوبة " . ثُمَّ طَلَبَ مِنها أُمُورًا
غَيْرَ لائقة ذات طبيعة جِنْسِيَّة معَ التَّهديد بإلحاق ضَرَر أكبر إذا لَمْ تَمْتَثِلْ
. وَتَقُول : " كانَ يُحَاوِلُ اغتصابي. كانتْ هذه أوَّل مَرَّة أشعرُ فيها
بالخَطَرِ الحَقيقي " .
مِنْ أسوأ جَوانب مِحْنة ميليسا أنَّ مُوَظَّفي
الفايد البريطانيين على مَتْنِ اليَخْتِ ، وبعضهم مِن العسكريين السابقين سَمِعُوا
صُرَاخَها ، لكنَّهم ببساطة تجاهلوا مَا يَحْدُث . فقط عِندما عَضَّتْ ذِرَاعَه تَمَكَّنَتْ
مِنَ الهَرَبِ . وَتَقُول ميليسا: " كانَ فِعْلًا بِدائيًّا للدِّفَاعِ عَن
النَّفْسِ ، لَقَدْ أظهرَ نِيَّاتِهِ في شأنِ مَا كانَ يَعتزم فِعْلَه مَعِي ، وَلَمْ
أكُنْ مُستعدة للسَّماحِ له بذلك مَهْمَا كَلَّفَ الأمْر " .
ميليسا لَمْ تَتَحَدَّثْ عَلَنًا عَن الأمْرِ
حِينها ، إلا أنَّ مَا حَدَثَ أثَّرَ سَلْبًا في سُمعةِ الفايد وَعَلاقاتِه معَ
الشَّخصيات المُؤثِّرة في بريطانيا ، مِمَّا جَعَلَ حُصُولَه على الجِنسية
البريطانية التي كانَ يَطْمُحُ إلَيْهَا أمْرًا مُسْتَبْعَدًا .
تَأخُّرُ ميليسا في التواصل مع عائلتها لِمُدَّةِ
48 ساعة أثناء احتجازها في فرنسا أثارَ قَلَقًا كبيرًا، لَيْسَ فَقَط في مَقَرِّ رِئاسة
الوُزراء البريطانية حَيْثُ عَقَدَ والدُها اجتماعًا عاجلًا معَ مارغريت تاتشر ، ولكنْ
أيضًا داخل البيت الأبيض وَمَقَرِّ وكالة الاستخبارات المركزية ( CIA ) . حَتَّى وَبَعْدَ مُرور مَا يُقَارِب أربعة عُقود لا تَزَال
ميليسا تتأثَّر عِند رُؤية صورة للفايد ، وَتَصِفُه بِقَوْلِها : " إنَّه وَحْش
" . وَتُضيف : " لَقَدْ أخَذَني ضِدَّ إرادتي ، ذلك غَيَّرَ حَيَاتي ، وَسَيبقى
مَعِي إلى الأبد " .
وَبِحَسَبِ " ديلي ميل " قَلَّلَ
الفايد حِينَها مِنْ شأنِ والد ميليسا الدُّبلوماسيِّ الأمريكيِّ الذي اعتادتْ وَسائلُ
الإعلامِ غالبًا مُقارنته بأيقوناتِ السِّينما مِثْل جيمس ستيوارت وجون واين . وكانتْ
ثِقَتُهُ في اختطافِ ابنةِ السَّفيرِ بعد استضافته له في قصر " وينفيلد هاوس
" دَليلًا لِمَا وَصَفَتْهُ ميليسا بـِ " الشُّعور المُشَوَّه
بالاستحقاق " . وَتُوضِّح أنَّ الفايد كانَ يَعْتقد أنَّ مَكانته كانتْ أعلى
بطريقة مَا مِنْ مَكانةِ والدِها . لكنَّ ميليسا قالت : " إنَّ قُوَّةَ
السفير الهائلة هِيَ التي أوقفت الطموحات الخبيثة لمحمد الفايد في الحصول على الجِنسية
البريطانية " .
ميليسا قبل الحادثة كانتْ تَدْرُس تاريخَ
الفَنِّ في لَنْدَن . وَبَعْدَ لِقائها الأوَّل مع الفايد عَرَضَ عَلَيها وظيفةَ
في مكاتبه في " بارك لين" وَسَط لَنْدَن، إذْ سَتَكُون وظيفتها شِراء
التُّحَف والدِّيكورات. وَرَغْمَ أنَّ المَنْصِبَ بَدَا غَيْرَ مُحَدَّد ، إلا
أنَّها اعتقدتْ أنَّه قَدْ يَكُون مُمْتِعًا .
أعطاها خُطَطًا وتصاميم لمنازله ، وَطَلَبَ
مِنها اختيارَ الأثاث ، وَلَمْ تَشُك قَط في أنَّه كانَ لَدَيْه أيَّة دوافع خَفِيَّة.
وَمَعَ ذلك فَقَدْ وَجَدَتْ أنَّه مِن الغريب أنْ يُغْدِقَ عَلَيها بالهَدَايا
والمَالِ.وَتَتذكَّر" لَقَدْ شَعَرَ بالإهانة عِندما حاولتُ رَفْضَها ، لِذا
قُمْتُ فقط بتخزينها في دُرْج " .
وَعَنْ تفاصيل يَوْمِ اختطافها التي عَرَضَتْهَا
" ديلي ميل " تَذكُر ميليسا " في بِداية يَوْمِ عمله بمكتبه ،
سألني : هَلْ لَدَيْكِ جَوَاز سفرك ؟ ، فأجبتُ : نَعَم ، فقالَ : سنذهب إلى باريس
اليَوْمَ . وَتَقُول ميليسا : إنَّه لَوْ كانَ لَدَيها أوْ لَدَى والدها أيَّة شُكوك
حَوْلَ مُيول الفايد الاستغلالية لَمَا قَبِلَتْ العَمَلَ مَعَه أو الذهاب إلى
فرنسا .
وتستذكر ميليسا " في باريس ، أخَذَني
إلى شَقَّتِه في الشانزليزيه ، ثُمَّ إلى فُنْدُقِ الريتز، إذْ كانَ لَدَينا عَشَاء
مُفْتَرَض للعَملِ . شَعَرْتُ بعدمِ الراحةِ عِندما رَتَّبَ الفايد لنا الجُلوسَ
في رُكْنٍ مُريح كَما لَوْ كُنَّا في مَوْعِدٍ غَرامي، وَلَيْسَ معَ مُسَاعدته الشَّابَّة
" .
وَتُضِيفُ " أثناء العَشَاءِ ، بَدَأ يَضَع
يَدَيْه تَحْتَ تَنُّورَتي وَعَلى سَاقي ، قال لي : سَتَنَامِين في سَريري الليلة
. لكنَّني أكَّدْتُ له أنَّني لَنْ أكُونَ مَعَه في السرير أبَدًا " .
وَتَقُول ميليسا " في تلك الليلة ،
انطفأت الكهرباءُ في غُرفتي كَعِقاب لي لأنَّني لَمْ أَنَمْ مَعَه . وبحثتُ عَنْ هَاتِف
للاتصال بوالدي في لَنْدَن، لكنَّ أحد حُرَّاس الفايد تَابَعني فَوْرَ مُغادرتي
الغُرفة ".
كَمَا أخذَ الفايد جَوازَ سَفَرِها الدُّبلوماسي،
عَلى الرَّغْمِ مِنْ طلبها المُتكرر إعادته.وَتَقُول ميليسا: " شعرتُ وكأنَّني
سجينة في بلد أجنبي بلا وسيلة للهرب " .
وفي صباح اليوم التالي رأت فتاة فرنسية "
لا يتجاوز عُمرها 15 سنة " تتناول الإفطار في شَقَّة الفايد ، وَتَقُول :
" كانتْ على الأرجح خُطَّتَه الاحتياطية " .
وَعِندَما أخْبَرَها الفايد بأنَّها سَتُرافقه
إلى سانت تروبيه على يَخْتِه اعترضتْ، لكنَّه ادَّعَى أنَّ مُوَظَّفيه اتَّصَلُوا
بمكتب والدِها ، وَوَعَدُوه بإعادتها إلى لَنْدَن خِلال اليَوْمِ التالي .
وَتَقُول : " لَمْ أُصَدِّقْ كَلامَه ، لكنْ لَمْ يَكُنْ أمامي خِيار سِوى مُرافقتهم
" .
وَتَذكُر ميليسا وَبِحَسَبِ الصَّحيفة
البريطانية مُجَدَّدًا : " مَا مِنْ شيء كان يُمْكِن أنْ يَجْعلني أرغبُ في مُمارسة
الجِنس معَ هذا الكائن البائس . لكنْ أعتقدُ أنَّ عِنادي زَادَه إغراءً . حاولَ
التَّوَدُّدَ إلَيَّ أثناءَ العَشَاء في غُرفة مُغْلَقَة ، وخانقة ، وَمُزَيَّنة
بطريقة رخيصة . وَشَعَرْتُ وكأنَّني تَعَرَّضْتُ للاغتصابِ اللفظيِّ لساعات بسبب
وصفه الفاحش لِمَا كانَ يُريدُ فِعْلَه بي " .
وَتُضيفُ " بَدأ يَزْداد غَضَبًا
وإهانةً ، لأنَّه لَمْ يَحْصُلْ عَلى مَا يُريد . الاستسلامُ لَمْ يَكُنْ خِيَارًا
بالنِّسبةِ إلَيَّ. كُنْتُ فَقَط أُريدُ أنْ أخرجَ مِن القارب، وَشَعَرْتُ بالغَثَيَانِ
، وكُنْتُ في حَاجَةٍ إلى الهواء، وَتَركتُ مَائدةَ العَشاء ، وذهبتُ إلى السَّطْح
، وَتَبِعَني الفايد . وَرَأيتُ كَمْ كُنَّا بَعِيدين مِنَ الشَّاطئ ، وكُنْتُ
عالقةً في هذا القاربِ مَعَ رَجُلٍ مريض وَقَذِر ، يَكَاد يَكُون في نَفْسِ عُمر
والدي . وَلَوْ كانَ والدي هُنا لَمَا تَرَدَّدَ لَحظةً في قَتْلِه . أمَرَ
الفايدُ الجميعَ بِمُغادرة السَّطْح ، وَهَذه كانتْ أوَّلَ مَرَّة شَعَرْتُ فِيها
بخطرٍ حقيقي . كُنْتُ أرتعش " .
قُلْتُ لَه: " والدي سَيَنال مِنْكَ إنْ
فَعَلْتَ بي شيئًا . إذا آذَيْتني سَتَقَع في مُشكلة حقيقية " . لكنَّه حاولَ
التقليلَ مِنْ قِيمة والدي مُدَّعِيًا أنَّه أعلى مِنْهُ مَقَامًا وأغنى ، لكنَّه
في الواقعِ كانَ جَبَانًا . مُتظاهِرًا باحتضانِها مِنَ الخَلْفِ ضَغَطَ الفايدُ بِقُوَّةٍ
عَلَيها ، مُحتجِزًا إيَّاها بصورة أضْيَق وأضْيَق .
وَتَقُول ميليسا : " كانَ يُمْسِكُ بي
بإحكام مُقَيِّدًا ذِراعي وَجَسَدِي لدرجة أنَّه كانَ مِنَ الصعب التَّنَفُّس .
شعرتُ وكأنَّه كانَ يُحاول اغتصابي عَبْرَ ملابسي . وَخِلال الوقتِ نَفْسِه كانَ يَطْلُب
مِنِّي الاستلقاءَ على سطح السفينة . أتذكرُ أنَّني كُنْتُ أرغبُ في البُكاءِ ،
لكنَّني كَتَمْتُ دُمُوعي ، لأنَّني كُنْتُ أُفكِّر أنَّ الفايد قَدْ يُحِبُّ ذلك
". كانتْ احتجاجاتُها الصاخبة بِلا جَدْوى . وَتَقُول: " الشَّيْءُ
الوحيدُ الذي استطعتُ استخدامَه كانَ فَمِي ، فَعَضَضْتُهُ بِشِدَّةٍ في ذِراعه ،
وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عالٍ ، وَهُرِعَ المُوظَّفون لِمُساعدته ، لكنْ لَمْ يَسْألني
أحد كَيْفَ كُنْتِ " .
وفي خِضَمِّ الفَوضى ، تَمَكَّنْتُ مِن
الهربِ والعَودةِ إلى غُرفتي . وَتُضيف " لَمْ أتمكَّنْ مِنْ تشغيلِ المِياهِ
أو الأنوار ، وكانَ قَدْ أَمَرَ مُوَظَّفيه بإيقافها. وَمَرَّةً أُخْرَى كانَ يُعَاقبني
على تَحَدِّيه . وكانَ غَضَبُه يُخيفني . كانَ غاضبًا للغاية . كُنْتُ أخشى أنْ يَدْخُلَ
إلَيَّ في الليل لِيَأخذني ، وَرُبَّما لِيَقْتلني . كانَ الوَقْتُ نَحْوَ الرابعة
والنِّصْف صَبَاحًا ، عِندما أتى قَارِبٌ لِيَأخذني إلى الشاطئِ معَ اثنَيْن مِنْ
رِجال الأمْنِ التابعين له وامرأة مِنْ مُوَظَّفيه " .
وَلِدَهْشتها تُضيف " ديلي ميل "
: كانَ القَارِبُ الذي جاءَ لِيَأخذها إلى الشاطئِ يَحْمِل " بَدِيلًا، فتاة
في مِثْلِ سِنِّي ، جميلة ذات شَعْر أشقر طويل . كُنَّا نتبادل الأماكنَ ، فتاة أُخْرَى
للذَّبْح . أدركتُ أنَّ الفايد كان يُتاجِر بالنِّساءِ لِتَحقيقِ رَغَبَاتِه
المريضة " .
" ديلي ميل " ذَكَرَتْ أنَّ كثيرًا
مِنَ الأمُورِ حَدَثَتْ خَلْفَ الكواليس التي لا تَزَال غَيْرَ مُؤكَّدة حتى اليوم
، لكنْ يُعْتَقَد أنَّ تاتشر تَدَخَّلَتْ ، وَقَدْ وَصَلَتْ أخبارُ الاعتداءِ إلى
المَلِكَة .
وَتَذكُر الصَّحيفةُ البريطانية أنَّ السفير
الأمريكي برايس وأثناء اختفاء ابنته ذهب إلى رئيسة الوزراء لطلب المساعدة . وتقول
ميليسا : " لَمْ يَتَرَدَّدْ في التَّعْبير عن غضبه ، وسألها : ساعديني، لا
أستطيع العُثور على ابنتي . كانَ والدي اتَّصَلَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا بمكان عملي
في بارك لين ، وقالَ له المُوَظَّفُون حِينها : إنَّهُم لا يستطيعون العُثورَ
عَلَيَّ . كَذَبَوا لِمَصلحةِ الفايد " .
وَوَصَلَتْ ميليسا إلى هيثرو برفقة اثنَيْن
من رجال الأمن التابعين للفايد. وَلِحُسْنِ حَظِّها كانَ رِجال الأمن التابعون
لوالدِها معَ ضُبَّاط مِنْ شُرطة لَنْدَن في انتظارها، وفي لَنْدَن تَمَّ لَمُّ شَمْلِها
معَ وَالدَيْها المذعورَيْن .
والغريبُ أنَّ اليوم التالي أرسلَ الفايد
الهدايا إلى منزل السفير " سَمَك مُدَخَّن مِنْ مَزْرعته في إسكتلندا ، وساعة
باهظة الثمن لأُمِّي ، ورسائل رَفَضَ والدي فَتْحَها " .
وَتُضيفُ ميليسا " كَتَبَ والدي رسالةً
لي لأُوَقِّع عليها تُفيد بأنني لن أعود إلى عملي مع الفايد وألا يَتَّصل بي ، وأصَرَّ
على تسليم كُلِّ مَظروفات المال والهدايا التي كان قد مَنَحَها لي " .
قادَ ميليسا والدُها إلى مَقَرِّ الفايد في
" ماي فير". وَتَقُول ميليسا : " كانتْ هُناك كاميرات أمامَ المَبْنَى
وَحُرَّاس أمْن كانوا يُراقبوننا أثناء إرجاع كُلِّ شَيْء أمامَ شَقَّة الفايد.كُنَّا
نَعْلَم أنَّ ذلك سيؤلمه".
وبعد أشهر، استضافت السيدة تاتشر غَدَاءً
لها . وتقول ميليسا : " كانتْ طَيِّبَةً للغاية . إنَّها أجمل وأدفأ شخص
". وَتُضيف ميليسا التي تعيشُ الآن في الوِلايات المتحدة " قُلْتُ لها كُلَّ
شَيْء حَدَثَ، بِمَا في ذلك ما قاله حَوْلَ ما كان يَوَدُّ فِعْلَه بي على القارب
، وكانتْ مَصدومةً وغاضبة " .
" أَوَدُّ أنْ أقول : إنَّ هذا هو
السبب في أنَّه لَمْ يَحصل على جَواز سَفَرِه البريطاني " . كانَ والدا
ميليسا يَعْرِفَان كَمْ كانَ مُحَمَّد الفايد يَرغَب في الحُصول على جَواز سَفَر
بريطاني . وفي ظِلِّ هذه الظروف كان الشَّيْءُ الوحيد الذي يمكن أن يُفَكِّر فيه
والدُها للانتقام منه هو التأكد مِنْ أنَّه لَنْ يَحصل على الجِنسية البريطانية .
وَتقول : " والدي كان المسؤول إلى حَد
كبير عن التأكد مِن أنَّ مُحَمَّد الفايد لَنْ يَحْصل على الجِنسية البريطانية . مِن
الصَّواب أنَّه تُوُفِّيَ دُون أنْ يَحْصل على الجِنسية البريطانية " .
كانَ السَّيدُ والسَّيدةُ برايس أخبرا
رونالد ونانسي ريغان بما حدث لميليسا. وتقول ميليسا : إنَّ السَّيدة ريغان أيضًا
" كانتْ مَصدومةً مِمَّا كان يَوَدُّ الفايد فِعْلَه بي " . لأعوام ،
حاولتْ ميليسا عَبَثًا مَحْوَ تفاصيل ما حدث مِن ذاكرتها .
" ديلي ميل " قالت : " إنَّ
ميليسا لَمْ تَكُنْ تَنْوي التحدث عن هذه الحادثة حتى ربيع هذا العام عندما وصلتها
رسالة بالبريد مِن المُنتج البريطاني كيتون ستون، الذي كان قَدْ تَتَبَّعَ عَشَرَات
النساء في جميع أنحاء العالَم اللواتي تَعَرَّضْنَ للاعتداء مِنْ قِبَلِ الفايد .
وَبعد خمسة أسابيع قَرَّرَت التحدثَ إلى
السيد ستون لتأكيد أنَّها تَعَرَّضَتْ للاعتداء مِنْ قِبَلِ الفايد . واليَوْمَ ،
أصبحتْ ميليسا واحدةً مِمَّا لا يَقِلُّ عَن 170 امرأة انْضَمَمْنَ إلى دَعْوى
قانونية أطلقتها مجموعة " العدالة لناجيات هارودز " .
وَتُضيفُ ميليسا التي تَبْلُغ مِن العُمر 57
عامًا : " مِثْل باقي النساء اللواتي سَرَقَ هذا الوحشُ كثيرًا مِنْهُنَّ ،
فإنَّ هذه الحادثة ألقتْ بِظِلالها الطويلة على حياتنا جميعًا ، لكنَّني سعيدة أنَّ
الحقيقة بدأتْ أخيرًا في الظُّهورِ ، وأنَّ لَدَيْنَا مَعًا فُرصة حقيقية للحُصول
على العدالة " )) .
47
في عام 1990 ، أنهيتُ المَرحلةَ الثانويةَ
بِنَجَاحٍ وَتَفَوُّقٍ ، وَحَصَلْتُ عَلى مُعَدَّلٍ مُرتفع هُوَ نِتَاج سَنَوَات مِنَ
الدِّراسةِ والعملِ والاجتهادِ ، وَبَقِيَ أنْ أُقَرِّرَ الوِجْهَةَ القادمةَ ،
وَهِيَ الجامعة .
كانَ نَجَاحي الباهرُ حَدَثًا عاديًّا في
قَصْرِنَا . لَمْ يَفْرَحْ أحَدٌ ، وَلَمْ يُفَكِّرْ أحَدٌ بإقامةِ حَفْلَةٍ .
الجَميعُ مَشغولٌ بِحَيَاتِهِ الخَاصَّة ومُشكلاتِه الشَّخْصِيَّة . الأوضاعُ في
بِلادِنا الحبيبةِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية كانتْ في غَايةِ السُّوءِ ، حَيْثُ
حَدَثَت اشتباكاتٌ مُسَلَّحَة بَيْنَ المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ والمُخَابَرَاتِ
العَسكريةِ ، بسببِ الصِّرَاعِ عَلى
إثباتِ الوُجودِ ، وَبَسْطِ النُّفُوذِ ، واقتسامِ الغَنائمِ ، وتَقَاسُمِ
الأرباحِ والمَكَاسِب ، والسَّيطرةِ عَلى المَناصبِ ، والتَّحَكُّمِ بِمَفَاصِلِ
الدَّولةِ .
وأبي يَنَامُ خارجَ قَصْرِنا ، لأنَّه
مَشغولٌ بِعَقْدِ مُصالحةٍ بَيْنَ المُخابراتِ العَامَّةِ والمُخابراتِ العَسْكرية
، فَهُوَ نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، والرَّجُلُ الثاني في الدَّولةِ، وَالمَسؤولُ
عَنْ جَميعِ المِلَفَّاتِ الأمْنِيَّةِ في البِلادِ بِقَرَارٍ مِنْ فَخامةِ رئيسِ
الجُمهورية .
وَأُمِّي ميرنار الشَّركسية غارقةٌ بَيْنَ
أطفالِها العَشْرَة ، ومَشغولةٌ برعايتهم والعِنايةِ بِهِم ، والسَّهَرِ عَلى
راحتهم . ومَعَ هَذا، فَقَدْ قالتْ لِي وَهِيَ تُرْضِعُ طِفْلَهَا العاشرَ
مُهَنَّد سَهْم السُّلْطَة : (( ألْفُ مبروك يا هِشَام )) .
وَأُمِّي سميحة مَشغولةٌ بِتَنظيمِ حَمْلَة
لِجَمْعِ التَّبَرُّعَاتِ مِنْ رِجال الأعمالِ للجَمعيةِ الوَطنية لرعايةِ
المُعَاقين والمَشلولين التي تَرْأسُها . وَقَدْ تَفَرَّغَتْ أُمِّي بَعْدَ أنْ
طَلَّقَهَا أبي للعملِ الإنسانيِّ وَرِعَايةِ المُعَاقين والمَشلولين ،
وَدَعْمِهِم مَعنويًّا ومَاديًّا .
وَعِندَما عَلِمَتْ بِنَجَاحي الباهرِ،
قالتْ لِي: (( ألْفُ مَبروك يا حبيبي ، وَمِنَ الأعلى إلى الأعلى، وَعُقبال
الشَّهَادة الجامعيَّة ، وَإنْ شَاءَ اللَّهُ نَرَاكَ مَسؤولًا كبيرًا في الجَيْشِ
أو المُخابرات ، كَيْ تُسَاعِدَ أباكَ في حُكْمِ البِلادِ ، وَتَتَفَوَّق على
أولادِ الشَّركسيةِ الذينَ ازدادوا كالأرانبِ )) . وأشارتْ إلى إحدى الزَّوَايا في
الغُرفةِ ، وقالت : (( هُناك ساعة ذَهَب مُرَصَّعَة بأحجار ألماس ، تَبَرَّعَ
بِهَا رَجُلُ أعمالٍ للجَمعية، خُذْهَا، وَاعْتَبِرْهَا هَدِيَّةً مِنِّي لَكَ
بِمُناسبةِ نَجاحك )) .
قَرَّرْتُ الذهابَ إلى أمريكا مِنْ أجْلِ
الدِّراسةِ في إحدى جامعاتِها ، وتَكوينِ شِلَّةٍ أوْ عِصَابَةٍ أنا وابن وَزيرِ
الخارجيَّةِ وابن مُديرِ الأمْنِ الجِنائيِّ لِمُطاردةِ النِّسَاءِ ، واستهلاكِ
اللَّحْمِ الأجنبيِّ الرَّخيص.
ولا تَزَالُ كَلِمَاتُ ابْنِ وَزيرِ
الخارجيَّة تَرِنُّ في أُذُنَيَّ ، عِندما قالَ بِفَخْرٍ واعتزاز : (( عِندَما كُنْتُ أدْرُسُ في أمريكا، كُنْتُ أنامُ كُلَّ
لَيْلَةٍ معَ امرأةٍ جَديدةٍ ، النِّسَاءُ في أمريكا رَخِيَصَاتٌ ، وأكثرُ مِنَ
الفَلافِلِ.وإذا كُنْتَ غَنِيًّا، وَلَدَيْكَ سَيَّارَة فَخْمَة، فإنَّ النِّسَاءَ
سَوْفَ يَلْهَثْنَ وَرَاءَكَ، وَيَمْسَحْنَ حِذَاءَكَ)).
أردتُ أنْ أُصْبح صَيَّادًا كَيْ أُطَارِدَ
الفَرَائسَ ، أوْ قَنَّاصًا كَيْ أُطْلِقَ رَصَاصَةَ الرَّحمةِ عَلى أُنُوثَةِ
النِّعَاجِ . لا أحَد يَعْرِفُ مَاذا يُخبِّئ لَهُ المُستقبَل ، ولا أحَد يَعْرِفُ
مَا هِيَ نُقْطَة الانعطافِ التي سَتَقْلِب حَيَاتَه رَأسًا عَلى عَقِبٍ ،
وَتُغيِّرها 180 دَرَجَة . هَلْ سَأُصْبحُ مِثْلَ مُصطفى سعيد ؟ ، أغْزُو
الوِلاياتِ الأمريكيةِ وِلايةً وِلايةً بِسَيَّارَةِ فيراري، أوْ بورش،أوْ بي إمْ
دبليو، أوْ مرسيدس ، أوْ جاكوار. هَلْ سَأُصْبحُ مِثْلَ القاتلِ والمُغْتَصِبِ الأمريكيِّ تيد باندي ؟ . أنا ابنُ
نائبِ رئيسِ الجُمهورية ، فَوْقَ القانون،ولا يُوجَد مَخلوقٌ
يَسْتطيع مُحَاسَبتي ولا مُحَاكَمتي.سَوْفَ أَخْرُجُ مِنْ كُلِّ القَضَايا مِثْلَ
الشَّعْرَةِ مِنَ العَجِين. ولكنْ
مَا الفائدةُ مِنْ كُلِّ هَذا وأنا عَاجِزٌ جِنْسِيًّا
وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا ؟ .
بَعْدَ أسابيع ، نَجَحَ أبي في إنهاءِ الاشتباكاتِ المُسَلَّحَةِ
بَيْنَ المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ والمُخَابَرَاتِ العَسكريةِ ، وَعَقَدَ اتِّفاقيةَ مُصَالَحَةٍ بَيْنَهُما،
تَنُصُّ عَلى اقتسامِ الغَنائمِ والأرباحِ بالتَّسَاوي ، وَتَحقيقِ العَدالةِ في
السَّيطرةِ عَلى المَناصبِ الحَسَّاسَةِ في الدَّولةِ . وَرَسَمَت
الاتِّفَاقِيَّةُ خُطوطَ النُّفوذِ بَيْنَ الميليشيات المَحَلِّيةِ المُتناحِرةِ المَدعومة
مِنَ المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ والمُخَابَرَاتِ العَسكرية .
قُلْتُ لأبي وَقَدْ عادَ إلى قَصْرِنا سَالِمًا غَانِمًا بَعْدَ فَترةٍ
زَمنية لَيْسَتْ بالقصيرة :
_
لَقَدْ تَأخَّرْتُ كثيرًا عَن الالتحاقِ بالجامعةِ ، بسببِ انشغالكَ بالاشتباكاتِ المُسَلَّحَةِ
بَيْنَ المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ والمُخَابَرَاتِ العَسكريةِ ، وَأُريدُ أنْ
أُكْمِلَ دِرَاستي الجامعيَّة في أمريكا، وَأعُودَ كَيْ أَخْدُمَ بِلادي الحبيبةَ
، وأرْفَعَ اسْمَها في المَحَافِلِ الدَّوْلِيَّة ، وَأَضَعَ جُمهوريةَ الأحلامِ
الورديةِ عَلى خَريطةِ العَالَمِ ، وأدْعَمَ الوَحْدَةَ الوَطنيةَ والأمْنَ القَوْمِيَّ
وَحُقوقَ الإنسانِ في وَطَنِنا الرائع .
_ يا
هِشَام، صَحيحٌ أنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ ، وَصِرْتَ شَابًّا في الثامنةِ عَشْرَة مِنَ
العُمر ، ولكنَّ أمريكا دَولة كبيرة جِدًّا وَخَطِيرة ، وَأنتَ شاب بسيط وَمُبتدِئ
وَسَاذَج مِثْل الأطرشِ في الزَّفَّة . تَعيشُ في عَالَمِكَ الخاص ، مِنَ القَصْرِ
إلى المَدرسةِ الأجنبية ، وَمِنَ المَدرسةِ الأجنبيةِ إلى القَصْرِ . لا تَعْرِفُ
تَفاصيلَ المُجتمعِ ، ولا تَعْرِفُ مَفَاصِلَ الدَّولةِ، وَلَيْسَ لَكَ خِبْرَة في
الحَياةِ ، وَلَمْ تُسَافِرْ مِنْ قَبْل ، ولا تَعْرِفُ أحَدًا في أمريكا كَيْ
يُسَاعِدَكَ إذا حَدَثَ لَكَ مَكْرُوه ، لا سَمَحَ اللَّهُ .
_
أعْرِفُ رامي ابْنَ وَزيرِ الخارجيَّة،ورامز
ابنَ مُديرِ الأمْنِ الجِنائيِّ،وَهُمَا صَدِيقَان
عَزيزان يَدْرُسان في أمريكا ، وَيَعْرِفَان كُلَّ شَيْء عَن المُجتمع الأمريكيِّ
. وَسَوْفَ يُقَدِّمَان لِي كُلَّ مُسَاعَدَةٍ أحتاجُها .
مَا
إنْ سَمِعَ أبي بِهَذَيْن الاسْمَيْن حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِه ، وارتبكَ
بشكلٍ واضحٍ ، وقالَ وَهُوَ يُحاول السَّيطرةَ عَلى هُدوء أعصابِه :
_
هَذَان الوَلَدَان زبالة ، لَوَّثَا سُمعةَ بِلادِنا الحبيبة ، وَجَلَبَا الخِزْيَ
والعَارَ لِجُمهوريةِ الأحلامِ الوردية . وكُلُّ واحدٍ فِيهما أساءَ إلى عشيرته
وقبيلته . وَلَوْلا مرضهما لَقَدَّمْتُهما إلى مُحاكمة عَسْكرية بِتُهمة
الخِيَانةِ العُظمى .
وأردفَ قائلًا :
_
أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يا هِشَام إنَّكَ شاب بسيط وَمُبتدِئ وَسَاذَج مِثْل الأطرش في
الزَّفَّة ؟. رامي ورامز أُصِيبَا بِمَرَضِ الإيدز ، وَتَمَّتْ إعادتُهما مِنْ
أمريكا في السِّرِّ، وَوُضِعَا في جَنَاحٍ خاص في إحدى المُستشفيات العَسكرية في
العاصمةِ بعيدًا عَنْ أنظارِ وَسائلِ الإعلامِ والجُمهورِ والشَّخْصِيَّاتِ
المَرموقة ، خَوْفًا مِنَ الفضيحةِ ، وَتَشويهِ سُمعةِ العائلاتِ والعَشائرِ
والقَبائلِ .
أُصِبْتُ بِصَدمةٍ هائلةٍ شَلَّتْ تَفْكيري ، وَجَعَلَتْني عاجزًا عَن
الكلام ، وواقفًا مِثْلَ المَحكومِ بالإعدامِ . أحْسَسْتُ أنَّ أحلامي تَبَخَّرَتْ
فَجْأةً ، وَعَالَمي انهارَ بِلا مُقَدِّمَات، وطَريقي مَسْدُود .
وتابعَ أبي قائلًا وعَلاماتُ الحُزْنِ ظاهرة عَلَيْه :
_
قُلْتُ لوزيرِ الخارجية الحِمَار إنَّ ابْنَكَ مُدْمِنٌ عَلى البَنَاتِ
وَالنِّسْوَانِ ، فَضَحَنَا مَعَ المَسؤولين والدُّبلوماسيين ، زَوِّجْهُ فَتَاةً
مُحترمةً وجميلة وذات حَسَبٍ ونَسَبٍ ، أبوها وزير ، أوْ قائد عَسكري ، أوْ ضَابِط
مُخابَرات ، أوْ رَجُل أعمال ، ولكنَّه قالَ لي إنَّ الوَلَدَ لا يَزَال صغيرًا ،
ولا يَسْتطيع تَحَمُّلَ المَسؤوليةِ، ولا يَقْدِرُ عَلى فَتْحِ بَيْتٍ ، وهَذه
هِيَ النَّتيجة الكارثية .
وَصَمَتَ أبي بُرْهَةً ، ثُمَّ قالَ بأُسلوبِ العَالِمِ والحَكِيمِ :
_
إنَّ اللَّهَ سُبحانَه وتعالى خَلَقَ الغَرِيزةَ الجِنْسِيَّةَ في الإنسانِ .
والإنسانُ لا بُدَّ أنْ يُفَرِّغَهَا بالحَلالِ أو الحَرَامِ، وَنَعُوذ باللَّهِ
مِنَ الحَرَامِ .
وتابعَ أبي قائلًا بِلَهْجَةِ الناصحِ المُشْفِقِ :
_
اسْمَعْني يا هِشَام ، أنتَ ابْني الكبير ، ولا أُريدُكَ أنْ تَذهب إلى أمريكا
وأُوروبا لِكَيلا تَنحرِف أخلاقيًّا ، وتَضيع معَ الضائعين . سَوْفَ أُرسلكَ إلى
الجامعةِ الأمريكية في بَيْرُوت لِدِراسةِ القانونِ والحُقوقِ . وَبَعْدَ
تَخَرُّجِكَ ، سَوْفَ أُعَيِّنُكَ فَوْرًا في المُخابَراتِ العَامَّةِ أوْ مَحكمةِ
أمْنِ الدَّولةِ ، كَيْ تُصْبح مِن كِبارِ الشَّخْصياتِ في البِلادِ ، وَمِنْ
أهَمِّ المَسؤولين في إدارةِ الدَّولةِ . وَلُبنان هُوَ بَلَدٌ عَرَبيٌّ ،
وعاداتُنا مُتقاربة ، وتقاليدُنا مُتشابهة .
جَاءَتْني جُرْأةٌ غريبةٌ ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ ثابتٍ معَ شَيْءٍ مِنَ
التَّحَدِّي والوَقَاحَةِ :
_
هَلْ تُريدُ إرسالي إلى الحَرْبِ الأهليَّة اللبنانية كَيْ أمُوتَ وَتَرتاحَ
مِنِّي وَيُصْبح الطريقُ أمامَ أولادِ الشَّركسية مَفتوحًا لِتَوَلِّي المَناصبِ
المُهِمَّة في الدَّولة وَحُكْمِ البِلاد ؟ .
تَوَقَّعْتُ أنْ يَصْفَعَني أبي ، أوْ يَصْرُخَ في وَجْهي ، لكنَّه بَقِيَ
هادئًا ، وَنَظَرَ إلَيَّ بِعَيْنَيْن لامِعَتَيْن بشكلٍ مُخِيف ، وقال :
_
أنتَ مِسْكين يا هِشام ، سَوْفَ تَتْعَب في حياتك ، لأنَّ عَقْلَكَ أكبرُ مِنْ
سِنِّكَ ، وَتَعْرِف أكثرَ مِمَّا يَنْبغي. أولادُ الشَّركسيةِ هُمْ إخوانُكَ ،
وأنتَ أخوهم الكبيرُ الذي يَجِب أنْ تَرْعَاهُم ، وَتَعْتنيَ بِهِم ، وتَخَاف
عَلَيْهِم . وَلَوْ أردتُ قَتْلَكَ لأطلقتُ عَلَيْكَ الرَّصَاصَ مِنْ مُسَدَّسِي
الآن ، وَرَمَيْتُ جُثَّتَكَ للكِلابِ والقِطَطِ ، وَتَخَلَّصْتُ مِنْكَ ، وارتحتُ
مِنْ قَرَفِكَ ، وَلَنْ يُحَاسبني مَخلوق . وَلكنَّني أُحِبُّكَ لأنَّكَ ابْني
الكبيرُ مِنْ لَحْمِي وَدَمِي ، وأُريدُ مَصْلَحَتَكَ ، وأنْ تَكُونَ أفضلَ مِنْ
أبناءِ كِبَارِ الشَّخْصيات والمَسؤولين . والذي يَحْكُمُ البِلادَ هُوَ فَخامةُ
رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَهُوَ القائدُ الرَّمْزُ ، والأخُ المُنَاضِل ، وزَعِيمُنا
إلى الأبدِ . وكُلُّنَا جُنُودُهُ ، وخاضعون لأوامرِه .
وأردفَ قائلًا :
_ يا
ابْني يا هِشَام، الحربُ الأهليَّةُ اللبنانية انتهتْ. اتفاقُ الطائفِ أنهى
الحَرْبَ، وإنْ شاءَ اللَّهُ يَعُمُّ السَّلامُ في رُبوعِ لُبنان ، وَيَعُود إلى
عَصْرِه الذهبيِّ الذي أشرقَ مُنْذُ مُنْتَصَفِ الخَمْسينيَّات حَتَّى مُنْتَصَفِ السَّبْعينيَّات
، حَيْثُ لُقِّبَ بـِ " سويسرا الشَّرْق " . والجامعةُ الأمريكيةُ في
بَيْرُوت عريقة ، وَتَخَرَّجَ فِيها كِبَار الشَّخْصِيَّات ، وَسَوْفَ تَكُون
أوَّلَ شَخْصٍ في عائلتنا يَدْرُس فِيها . وسفارتُنا في بَيْرُوت سَوْفَ تُقَدِّمُ
لَكَ كُلَّ مَا تَحْتاج إلَيْه ، وَلَنْ تَشْعُرَ بالغُربةِ ، لأنَّ لُبنان
بَلَدُكَ الثاني ، والشَّعْبُ اللبنانيُّ الشقيق كريمٌ وَمِضْيَاف .
48
سَافَرْتُ إلى لُبنان، وَوَصَلْتُ بَيْرُوت في 13/10/1990 ، وَهُوَ نَفْسُ تاريخِ
انتهاءِ الحَرْبِ الأهلية. اسْتَقْبَلَني مُوظَّفو سَفارةِ بِلادِنا الحبيبةِ
جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية أفضلَ استقبالٍ ، وَجَهَّزُوا لِي كُلَّ سُبُلِ
الرَّاحةِ ، وَوَفَّرُوا لِيَ السَّكَنَ في بَيْتٍ فَخْم ، باعتباري ابن نائبِ
رئيسِ الجُمهورية .
كُنْتُ مُتَأخَّرًا عَن العامِ الدِّراسيِّ ، وأشعرُ بِخَوْفٍ عميق ،
وَقَلَقٍ بالغٍ ، جَرَّاءَ مُشَاهدتي لآثارِ الدَّمَارِ والخَرَابِ في بَيْرُوت .
ذَهَبْتُ أنا والمُلْحَقُ الثقافيُّ في سَفارتنا إلى الجامعة الأمريكية .
يُرافقُنا حارسان مُسَلَّحَان بثيابٍ مَدَنِيَّة . كانت الفَوضى عارمةً في الجامعة
، وَمِنَ الواضحِ أنَّها مُتَأثِّرة بالحربِ الأهلية. المُلْحَقُ الثقافيُّ
يَعْرِفُ كُلَّ المَسؤولين المُهِمِّين في الجامعة، وَقَدْ عَرَّفَهُم عَلَيَّ ،
واحترموني ، وَساعدوني في إتمامِ أوراقي بِلا تأخير . والجديرُ بالذِّكْرِ أنَّ
الاسم الرَّسميَّ للجامعةِ هُوَ " الجامعة الأميركية في بَيْرُوت "
وَتُعْرَف اختصارًا بـ AUB ، إلا أنَّني بَقِيتُ أنْطِقُها وأكتبها "
الأمريكية " ( راء ثُمَّ ياء )، لأنَّني تَعَوَّدْتُ عَلى ذلك .
أخْبَرُونا أنَّ الجامعة تَمَكَّنَتْ
مِنَ الاستمرارِ في العملِ خِلال الحرب ، إلا أنَّ مُعْظَمَ أعضاءِ هَيئة التدريس
غَيْر العرب فيها فَرُّوا مِنْ لُبنان بِحُلول أواخر الثمانينيات ، وأنَّه في
18/1/1984 ، تَمَّ اغتيال مالكولم هوبر كير رئيس الجامعة الأمريكية في بَيْرُوت ، برصاص
اثنَيْن مِنَ المُسلَّحين خارجَ مَكتبه . وفي المُجْمَلِ ، تَمَّ اختطافُ 30 شخصًا
مُرتبطًا بالجامعةِ أثناءَ الحرب .
أحْسَسْتُ بالرُّعْبِ ، وَخَشِيتُ أنْ يَتِمَّ اغتيالي . هَلْ سَيَغْتالونني
بإطلاقِ الرَّصَاصِ عَلَيَّ أوْ بِسَيَّارة مُفَخَّخَة ؟. سَأُخْفِي هُوِيَّتي عَن
الطُّلابِ والناسِ . لَنْ أُخبرهم أنَّني ابن نائب رئيسِ جُمهورية الأحلامِ
الوَردية خَوْفًا مِنْ قَتْلي أو اختطافي ومُطالبة أبي بِفِدْيَةٍ ، وأبي لَدَيْهِ
مِنَ المَصائبِ والكوارثِ مَا يَكْفي ، وَلا تَنْقُصه مُصيبة جديدة. طِيلة حَيَاتي،وأنا
أشعرُ أنَّ لَحظةَ مِيلادي هِيَ حُكْمُ إعْدَامي . وكأنَّني أُحَدِّقُ في الوُجوهِ
الأسْمَنْتِيَّةِ للضُّيوفِ المُشاركين في حَفْلِ تأبيني .
فَقَدْتُ الرَّغبةَ في الدِّراسةِ مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ ، بسببِ الدَّمَارِ
الهائلِ في بَيْرُوت . هَالَني مَنظرُ الخَرابِ المُنتشِر في كُلِّ مَكان.ذِكرياتُ
الحَرْبِ التي لَمْ أشْهَدْها هِيَ كوابيس تُطَاردني ، ودَبَابيس تَنهمر في ثُقُوبِ
جِلْدِي . والمَوْتُ تَحَوَّلَ مِنْ جَسَدٍ إلى طَيْفٍ . والنِّهايةُ تَتَجَلَّى
في كُلِّ بِدَاية .
حَرَصْتُ
عَلى الذهابِ إلى الجامعةِ ، والاستماعِ إلى المُحَاضَرَاتِ ، ولكنْ بِلا رُوحٍ
ولا رَغْبَة ولا أمَل . أنا رَجُلٌ آلِيٌّ بِلا مَشاعِر ، وأفعالي مِيكانيكيةٌ مَليئةٌ
بالمَخاوفِ والهَواجسِ ، وخاليةٌ مِنَ الأحلامِ والآمَالِ .
لَمْ
أَعْقِدْ صَدَاقات مَعَ الطُّلابِ ولا الطالباتِ. كُنْتُ خائفًا مِنَ الجَميعِ،ولا
أثِقُ بأحَدٍ . لا تَعْرِفُ الشَّخْصَ الذي تُقَابِله ، هَلْ هُوَ مُسْلِم أَمْ مَسِيحي
؟ ، هَلْ هُوَ سُنِّي أَمْ شِيعي ؟ ، هَلْ هُوَ ماروني أَمْ أُرثُوذُكْسي ؟ ، هَلْ
هُوَ دُرزي أَمْ علوي ( نُصَيْري ) ؟. لا تأخذ راحتك في الحَديث ، وَتُفَكِّر في
كُلِّ كَلِمَة قبل أنْ تَقُولَها خَوْفًا مِنْ أنْ تُحْسَب عَلَيْكَ ، أوْ
تُفَسَّر بشكلٍ سَيِّئ ، وتُصبح هُناك مُشكلة كبيرة،وكُلُّ عِبَارة يُمْكِن
تأويلُها دِينيًّا أوْ سِياسيًّا أوْ طائفيًّا أوْ اجتماعيًّا،لذلكَ صارَ
الصَّمْتُ سِلاحي.
بَدَأتُ في اكتشافِ بَيْرُوت بِكُلِّ تفاصيلِها وتناقضاتِها ، وَلَمْ
يُرافِقْني إلا حَارِسٌ شَخْصِيٌّ مُسَلَّحٌ بثيابٍ مَدَنِيَّة. هَذه العاصمة
العربية التي تُشْبِهُ امرأةً وحيدةً تَنَاوَبَ المُجْرِمُونَ عَلى اغتصابِها
واحدًا واحدًا . إنَّها المَرْأةُ المُغْتَصَبَةُ التي خَرَجَتْ مِنَ التاريخِ
والحَضَارَةِ . الدَّمَارُ في كُلِّ بُقْعَةٍ ، والخَرَابُ هُوَ عُنوان كُلِّ
شَيْءٍ ، وَالرَّصَاصُ صَوْتُ مَنْ لا صَوْتَ لَه ، وَهُوِيَّةُ مَنْ لا هُوِيَّةَ
لَه .
رُوحُ
المَكَانِ مُسْتَمَدَّةٌ مِنَ حَيَوَاتِ الناسِ وتَجَارِبِهم وأحلامِهم
وَرَغَبَاتِهم في ظِلِّ الصِّرَاعاتِ . الحَيَاةُ الحقيقيةُ في الشَّوارعِ
والأزقةِ والحَارَاتِ والمَحَالِّ التِّجارية والمُدُنِ ، وَلَيْسَ في أرْوِقَةِ
الجَامعاتِ والمَدارسِ . مَعنى الوُجودِ يُؤْخَذُ مِنْ وُجوهِ الناسِ ، وَلَيْسَ
مِنَ الكُتُبِ والدفاتر .
مَا
فائدةُ أنْ تَنْبِضَ مَمَرَّاتُ الجَامعاتِ بِضَحِكَاتِ الطُّلابِ والطالباتِ في
حِينَ أنَّ الجُثَثَ مُنتشرة في الشوارعِ والطُّرُقَاتِ؟.هَلْ يَحْمِلُ طُلَّابُ
المَدارسِ أحلامَهم وأمانيهم في حَقائبِهم الصَّغيرة أَمْ يَحْمِلُونَ أكفانَهم وجُثَثَ
آبائِهِم عَلى ظُهورِهم وَيَسِيرون بَيْنَ الحَواجزِ العَسكريةِ وأكياسِ
الرَّمْلِ؟.
كانتْ
بَيْرُوت مُنقسمةً إلى شَطْرَيْن : بَيْرُوت الغربية التي تُمثِّل مَنطقة
المُسْلِمِين ، وَبَيْرُوت الشَّرقية التي تُمثِّل مَنطقة المَسِيحيين ، معَ وُجود
الخَطِّ الأخضر كَحَدٍّ فاصل بَيْنَهما .
هُناك
صِدَامٌ في التاريخ،وَصِرَاعٌ على التاريخ،وكُلُّ طَرَفٍ يَخَافُ مِنَ الطَّرَفِ
الآخَرِ ، وَيَتَرَبَّصُ بِه. وكأنَّ وُجودَ الإنسانِ لا يَتَحَقَّقُ إلا بإلغاءِ
الآخَرِ ، وكأنَّ الوَطَنَ لا يُصبح طريقًا للحَيَاةِ ، وطَريقةً للعَيْشِ ، إلا
بِتَكريسِ المَنْفَى كَشَرْعِيَّةٍ وَمَشْرُوعِيَّةٍ . وَعَلَيَّ وَحْدِي أنْ
أُعيدَ تَرميمَ ذاكرةِ الحَرْبِ .
الحَرْبُ
تَرْسُمُ مَلامحَ وُجوهِ الناسِ، وَتُقَرِّر مَصائرَهم، وَتَتَحَكَّم
بِحَيَوَاتِهم . كَيْفَ وَصَلَ الجميعُ إلى حَافَةِ الهَاويةِ؟،كَيْفَ خَرَجَ
الضَّحَايا مِنَ التاريخِ لِيَكتبوا تاريخًا وهميًّا بِصَوْتِ الرَّصَاصِ؟. سالَ بَريقُ
الدِّماءِ في اللامَكَانِ، وَرَحَلَ الغُرَبَاءُ مِنْ هُنا إلى هُناك، وَلَمْ
يَعُدْ في مَدينةِ الرَّمَادِ هُنا ولا هُناك .
كانَ
يُمْكِنُ أنْ أكُونَ رَقْمًا مِنَ الأرقامِ ، أوْ ضَحِيَّةً مِنَ الضَّحَايا ، أوْ
جُنديًّا مَهزومًا ، أوْ لاجئًا ضائعًا،أوْ قائدًا خاسرًا. كانَ يُمْكِنُ أنْ
أكُونَ غَيْرِي،وأنْ يَأتيَ الغُزاةُ لِيَقْتلعوا وَشْمَ الدَّمْعِ مِنْ جِلْدِي .
ذاكرةُ القَتْلَى تَخُونُ أرقامَهم. والمَسافةُ بَيْنَ الجُثَثِ المَجهولةِ
الهُوِيَّة وَقُيودِ الأسْرَى تُعيدُ رَسْمَ حُدودَ الجُغرافيا في حَضارةِ
الوَهْمِ المُنقرِضةِ . والاشتباكاتُ مَزَّقَتْ قُلوبَ الناسِ في قَلْبِ المَدينةِ
المُمَزَّقِ، والتَّفجيراتُ فَصَلَتْ رُوحَ المَدينةِ عَنْ جَسَدِها ، وَصَارَ
المَوْتُ المُتَكَرِّرُ هُوَ نُقْطَةَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الدَّمِ والحِبْرِ.
وتاريخُ المِلْحِ خَرَجَ مِنْ مَعركةِ البَحْرِ مَهْزُومًا. والنِّظَامُ الطائفيُّ
يَتَبَخَّرُ في الفَوْضَى.
ضَاعَ
الوَطَنُ بَيْنَ مُلوكِ الطوائفِ وَشُيوخِ القَبائلِ ، وَضَاعَ الحُلْمُ بَيْنَ
الكَوابيسِ وَالدَّبَابيسِ ، وَضَاعَتْ حَقائبُ السَّفَرِ بَيْنَ الفَنادقِ
والخَنادقِ ، وَضَاعَتْ أحلامُ الطُّفولةِ بَيْنَ الرَّصَاصِ وَالخَلاصِ .
جَمِيعُ القَتَلَةِ يَتَحَدَّثُون في السِّياسةِ ، ولا أحَد يَفْهَم في
السِّياسةِ . والحَيَاةُ سِيناريو مُتَكَرِّرٌ في أعدادِ الضَّحَايا الذينَ ماتوا
بِدَمٍ باردٍ في النِّقَاطِ الساخنة . وَالغُرَبَاءُ يَحْتفلون معَ الغُرَبَاءِ ،
ويَنْتظرون وَقْفَ إطلاقِ النارِ في طُرُقَاتِ الحَطَبِ . تَخْرُجُ الحَضَارَةُ
مِنَ الزَّمانِ ، وَتُصْبح بُوصلةً للوَهْمِ ، وَبُنْدُقِيَّةً للصَّيْدِ ، وَتَخْرُجُ
الجُغرافيا مِنَ المَكَانِ ، وَتُصْبح خَريطةً للضَّيَاعِ ، وذاكرةً للنِّسْيَانِ
.
يَبْحَثُ القَتْلَى عَنْ جَماجمِهم في مُتْحَفِ الدُّمُوعِ ، والشَّوَارعُ
خاليةٌ مِنَ البَشَرِ وَالسَّيَّارَاتِ ، وَلَمْ يَكُنْ هُناك سِوَى طَعْمِ
الدِّمَاءِ ، وَرائحةِ البارودِ ، وَصَمْتِ الأزهارِ المُحترقة . انكسرَ المِلْحُ
في الخُبْزِ السَّاخِنِ في دُرُوبِ الحَرْبِ المُوحِشة . وبَيْرُوت صارتْ شَظَايا
وَمَرَايا ، وأنا الغريبُ في وَحْشَةِ الجَسَدِ وَوَحْدَةِ الرُّوحِ ، أمْشِي
وأسألُ أطلالَ قَلْبي : هَلْ سَتُصيبني رَصَاصَةٌ أَمْ شَظِيَّةٌ ؟ . وَنَهْرُ
الذِّكْرَيَاتِ انكَسَرَ في التَّفجيراتِ .
هَل
كانَ هَدَفُ المُقَاوَمَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ هُوَ تَحريرَ القُدْسِ أَمْ تَحريرَ
بَيْرُوت ؟ . الصَّليبُ مَصْلُوبٌ عَلى تابوتِ الخِيانة الذهبيةِ . هَلْ كانتْ
حَرْبًا أهْلِيَّةً أَمْ حَرْبَ الآخَرين على لُبْنَان ؟ . هَلْ كانَ ياسر
عَرَفَات وبشير الجميِّل وَجْهَان لِعُملة واحدة ؟ . إنَّها الهَزيمةُ في الحَرْبِ
، والهَزيمةُ في السَّلامِ .
الدَّوْلَةُ الطائفيةُ عِنْدَ نُقْطَةِ الاصطدامِ،وَجُثَّةُ البَحْرِ هِيَ
نُقْطَةُ التَّوَازُنِ بَيْنَ المَهْزُومين والمَهْزُومين، وَفُوَّهَاتُ
المَدَافِعِ صارتْ خُطُوطًا حَمْرَاء بَيْنَ أحزابِ اليَمِينِ وَأحزابِ اليَسَارِ
، والعَبيدُ المَجْهُولونَ يُطْلِقُونَ النارَ عَلى العَصَافيرِ التي أضاعتْ
أعشاشَها في أناشيدِ البَحْرِ القاتلةِ .
لُبنان زَهْرُ اللَّيْمُونِ التائهُ بَيْنَ الفِرْدَوْسِ المَفْقُودِ وَالجَنَّةِ
الضائعةِ ، وَانكَسَرَتْ أشجارُ الأرْزِ بَيْنَ الصَّدَاقَاتِ وَالغَرَامِيَّاتِ ،
واحترقت الرَّسائلُ الغَرَامِيَّةُ في لَيالي الخَرِيفِ الحَزينةِ . أُريدُ أنْ
أهْرُبَ مِنْ جِلْدِي إلى اللامَكَان . وأجنحةُ الحَمَامِ تَتَسَاقَطُ في
فُوَّهَاتِ المَدَافِعِ . وتاريخُ الأنقاضِ الأُرْجُوَانِيَّةِ صَارَ صَائِدًا
للصَّيَّادِ .
كانت
الحَرَكَةُ الوطنيةُ اللبنانيةُ تُطَالِب بإلغاءِ النِّظامِ الطائفيِّ في لُبنان ،
ولكنْ لا مُجِيب ، لأنَّ وُجود لُبنان قائمٌ على الطائفيةِ السِّياسية ، وإذا زالت
الطائفيةُ وَقَعَت الدَّولةُ اللبنانيةُ الهَشَّةُ . والناسُ عادوا إلى قَواعدِهم
لأنَّهُم غَيْرُ مُقتنعين بِوُجودِ الدَّولةِ ، فالمُسْلِمُ عادَ إلى مَنطقةِ
المُسْلِمِين، والمَسِيحيُّ عادَ إلى مَنطقةِ المَسِيحيين . والجَميعُ خائفٌ مِنَ
الخَطْفِ أو القتلِ عَلى الهُوِيَّة ، أو التَّهجيرِ القَسْرِيِّ ، أو الاغتيالِ .
الرَّصَاصُ هُوَ وَجْهُ المَدينةِ ، والانفجاراتُ هِيَ أقنعةُ البَحْرِ
التي تُوَاجِهُ المُخَيَّمَاتِ والحِكَايَاتِ . والمَبَاني تَعَرَّضَتْ لِرَصَاصِ
القَنَّاصَةِ . والأسمنتُ المُسَلَّحُ صارَ أعْزَلَ مِنْ كَثرةِ الرَّصَاصِ
المُنْهَمِرِ كالمَطَرِ الحامضِ . والطُّرُقَاتُ الحزينةُ تَبْكي بَيْنَ رَصَاصِ
القَنَّاصَةِ وَقَذائفِ الهاونِ . الحَمَامُ الزَّاجِلُ الذي أضاعَ الرَّسائلَ
هُوَ العَابِرُ ، وأنا الأثَرُ. ولا يُوجَد فُرَصٌ ضائعة ، كُلُّ مَا فَاتَكَ لَمْ
يَكُنْ لَكَ .
في
الحَرْبِ ، كانتْ إصابةُ كثيرٍ مِنَ الناسِ بَسيطةً ، ولكنْ لَمْ يَستطعْ أحَدٌ
نَقْلَهُم خارجَ دائرةِ القِتَالِ ، فَنَزَفُوا بِبُطْءٍ حَتَّى المَوْتِ .
والحَيَاةُ الخاليةُ مِنَ الحَيَاةِ صَارَتْ فُرْصَةً كَيْ تَتَأمَّلَ
الأُمَّهَاتُ صُوَرَ أبنائِهِنَّ القَتْلَى ، وَيَبْكِينَ بِلا دُمُوعٍ ولا
شُمُوعٍ . كُلُّ الطُّرُقَاتِ مُستحيلةٌ ، وَخُطُوَاتُ العابرين هِيَ سَكَاكين في
جَسَدِ المَكَانِ. والعُمْرُ مِسْمَارٌ في حَائِطٍ الوَدَاعِ الذي يَسِيلُ بَيْنَ
القَصْفِ والقَنْصِ.
المَتَارِيسُ عَلى مَدَاخِلِ البُيُوتِ والعِمَارَاتِ ، وَأكياسُ الرَّمْلِ
مَصْفُوفةٌ أمامَ المَبَاني كالنُّعُوشِ الجَديدةِ لِحَمَايَةِ البَشَرِ
وَالحَجَرِ مِنْ شَظَايا القَذائفِ ، وَتَهْرِيبُ السِّلاحِ والذَّخِيرَةِ صَارَ
دُسْتُورًا للميليشياتِ، والجَيْشُ بِلا عَقِيدَةٍ ، والعَقِيدةُ مُسْتَمَدَّةٌ
مِنْ تَحَالُفِ الأشِقَّاءِ مَعَ الأعداءِ .
الرَّصَاصُ فَوْقَ الرُّؤُوسِ ، والرُّؤُوسُ مَقْطُوعَةٌ وَمُعَلَّقَةٌ عَلى
رَاياتِ القَبائلِ المُنْقَرِضَةِ ، وأعلامِ الدُّوَلِ المُنَكَّسَةِ . فُقِدَ
الخُبْزُ مِنَ الأسْوَاقِ ، وَتَعَطَّلَت الأفرانُ ، وَجَفَّ الحليبُ في صُدورِ
الأُمَّهَاتِ الثَّكَالى . وَلَمَعَانُ الزَّنَابقِ يَتَحَطَّمُ في أعماقِ
الخَنَادِقِ. والرَّقيقُ الأبيضُ في السُّوقِ السَّوْدَاءِ .
الجُوعُ يُمَزِّقُ قَلْبَ المَدينةِ ، وأكياسُ الطَّحِينِ صارتْ أكفانًا
للغُرَبَاءِ وَالعَصَافيرِ . وَتُجَّارُ الحُرُوبِ وَمُحْتَكِرُو السِّلَعِ
يَسْرِقُون أرواحَ الناسِ وأجسادَهم . لا مَكَان للحُلْمِ في الشوارعِ التي تُمَزِّقُها
أصواتُ الرَّصَاصِ والانفجاراتِ . وانقطاعُ المَاءِ صَارَ نشيدًا وَطَنِيًّا
يَوْمِيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الوَطَنِ واغتيالِ الدَّولةِ . لا يُوجَد ماء للاستحمامِ
، والضَّائعونَ يَسْتَحِمُّونَ بِدِمَائِهِم وأشلائِهِم . وانقطاعُ الكَهْرَبَاءِ
صَارَ أُغْنِيَةً رُومانسيَّةً مُتَكَرِّرَةً بَعْدَ تَحطيمِ الإنسانِ وكَسْرِ
الذاكرةِ . لا تُوجَد كَهْرَباء لإضاءةِ نُعُوشِنا ، والتائهونَ يُولِّدون
الكَهْرَبَاءَ مِنْ هَيَاكِلِهِم العَظْمِيَّةِ .
لا
تَنتظر الوَطَنَ، ولا تَنتظر الدَّولةَ ، ولا تَنتظر الأحياءَ كَيْ يُخَزِّنُوا
حَبَّاتِ الزَّيْتُونِ في البَنَادِقِ الآلِيَّةِ ، ولا تَنتظر الأمواتَ كَيْ
يَسْقُوا الأزهارَ المَنْسِيَّةَ حَوْلَ شَوَاهِدِ القُبورِ . لَنْ يأتيَ أحَدٌ
لِمُساعدةِ أحَدٍ ، وَلَنْ يأتيَ أحَدٌ وَيَطْرُقَ بَابَكَ وَيَمْنَحَكَ يَوْمًا جَمِيلًا
، وَلَنْ يأتيَ أحَدٌ لإنقاذِكَ ، انْهَضْ ، وكُنْ أنْتَ بَطَلَ نَفْسِكَ،
وَاحْمِلْ جُثَّتَكَ عَلى ظَهْرِكَ، واركُضْ في طُرُقَاتِ الخَوْفِ وأزِقَّةِ
الأحلامِ الضائعة . إنَّ الأيَّامَ الجميلةَ لا تأتي إلَيْكَ، يَجِبُ أنْ تَذْهَبَ
إلَيْهَا .
الشُّمُوعُ وَحِيدَةٌ تَحْتَ القَصْفِ اللَّيْليِّ . وَمِلْحُ البَحْرِ
يُعِيدُ اكتشافَ تاريخِ مُلوكِ الطوائفِ وَشُيُوخِ القَبائلِ في رَوَائحِ
البَارُودِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ الرَّصَاصِ وَالقَذَائِفِ . وَفُوَّهَاتُ
المَدَافِعِ زَرَعَت التَّجَاعِيدَ في وَجْهِ البَحْرِ الدَّامي . يَخْرُجُ
الشَّاطئُ مِنْ جِلْدِهِ إلى سَاحَاتِ القِتَالِ ، وَيَرْجِعُ إلى نَزِيفِ الليلِ
مَيْتًا . وَحَبَّاتُ الرَّمْلِ لَن تَبْكي عَلى البَحْرِ بَعْدَ مَقْتَلِهِ في
المَعَارِكِ العَبَثِيَّةِ ، وَلَنْ يَبْكِيَ عَلَيْهِ أحَد .
أَحْرَقَ الغريبُ رَسائلَ العِشْقِ ، وصارَ يَتَدَرَّبُ عَلى التَّصْويبِ
بِسِلاحِ الكلاشنكوف . وَالمَنْبُوذُ يَبْحَثُ عَنْ قَريبِهِ الذي اخْتُطِفَ
عِنْدَ حَاجِزٍ عَسْكَرِيٍّ لِميليشياتِ الوَهْمِ المُقَدَّسِ . وأزيزُ الرَّصَاصِ
يُنَظِّمُ مُفَاوَضَاتٍ بَيْنَ الخَاطِفِ وَالمَخْطُوفِ . لا عَشِيرةٌ تَحْمِي
الغريبَ مِن انقراضِ الحَضَارَةِ ، ولا قَبيلةٌ تَحْرُسُ القَتِيلَ مِن انكسارِ
التاريخِ .
دَخَلَت الأحزابُ اللبنانيةُ والفِلَسْطِينيَّةُ إلى مَتَاهَةِ الاحتضارِ ،
حَيْثُ يُصبح التاريخُ فَخًّا ، والحَضَارَةُ مِصْيَدَةً . وإلغاءُ الطائفيةِ
السِّياسيَّةِ صَارَ القَلْبَ النابضَ للطائفية . والأغرابُ يَحْمِلُونَ السِّلاحَ
ضِدَّ ذاكرةِ البَحْرِ المَسْبِيَّةِ أو المَنْسِيَّةِ. والرِّجَالُ الذينَ عادوا
مِنْ سَاحَاتِ القِتَالِ صَارُوا عَاطِلِينَ عَن العَمَلِ ، أوْ مُهَاجِرِين ، أوْ
مُهَجَّرِين .
المَنْسِيُّونَ يَحْمِلُون السِّلاحَ في اللازَمَان ، وَيَخُوضُون
المَعَارِكَ في اللامَكَان . وَالمُقَاتِلُونَ كَذَبُوا الكِذبةَ وَصَدَّقُوهَا .
وَصُوَرُ القَتْلَى سَوْفَ تُحَطِّمُ البَرَاويزَ يَوْمًا ، وَتَخْرُجُ إلى
أبجديةِ الرَّمَادِ الذهبيِّ . وَدُفِنَتْ أسرارُ الفَرَائِسِ في قُبورِ
الصَّيَّادين. والأحياءُ يَقْتَسِمُونَ الوَهْمَ في أُغْنِيَاتِ الصَّدَى
الجَريحةِ.
تَحَوَّلَ البُكَاءُ إلى أُسْطُورَةٍ تَنْتَظِرُ تاريخَ الضَّحَايا كَيْ
يَكْتُبَهَا عَلى جُلُودِ العَبِيدِ المُحْتَرِقَةِ . تَدْريبٌ عَسْكَرِيٌّ
للشُّطآنِ الفَيْرُوزِيَّةِ عَلى اغتيالِ السُّنونو ، وَتَشْرِيحِ أشجارِ الأرْزِ
. وَرَّثَنَا البَحْرُ رائحةَ جُثَثِ الغَرْقَى ، وَرَحَلَ إلى الغُروبِ البعيدِ .
وَلَحْمُ الذِّكْرَيَاتِ مُمَدَّدٌ عَلى خَشَبَةِ المَذبْحِ في لُعْبَةِ
الاحتمالاتِ . وَيَاقُوتُ الحِكَايَاتِ مَفْرُوشٌ عَلى شَوَاهِدِ القُبورِ في
أحلامِ الطُّفُولَةِ .
خُطُوطُ التَّمَاسِّ بَيْنَ الإخْوَةِ الأعْدَاءِ . أحزانُ الرِّجَالِ
تَسِيلُ كَعَصِيرِ اللَّيْمُونِ في شَوارعِ القُمَامَةِ ، وكُحْلُ النِّسَاءِ
يَسِيلُ كَصَدَأ المُسَدَّسَاتِ في مَمَرَّاتِ البُكَاءِ المُعْتِمَةِ . البَحْرُ
يَرتدي أُغْنِيَاتِ الصَّمْتِ حِدَادًا عَلى أرواحِ القَتْلَى والقَتِيلاتِ في
الذِّكْرَيَاتِ وَالحِكَايَاتِ . والرَّمَادُ يَحْتَفِلُ بِنَصْرِ الصَّحْرَاءِ
الحَتْمِيِّ عَلى السَّرابِ . وَالليالي الطويلةُ مَليئةٌ بالدِّمَاءِ
وَالرَّصَاصِ وَالشُّمُوعِ . وضاعت الحِكَايَاتُ الغَرَامِيَّةُ في المَقَابرِ
الجَمَاعِيَّةِ . وَالمَعَارِكُ تَطْحَنُ عِظَامَ البَشَرِ والعَصَافيرِ .
الميليشياتُ المَارُونيَّةُ تُحَاصِرُ مُخَيَّمَ تَلِّ الزَّعْتَرِ،
ومَذبحةُ الدَّامورِ هِيَ الرَّدُّ عَلى مَذبَحَةِ الكرنتينا. والقائدُ
الفِلَسْطِينيُّ أبو إياد يُطْلِقُ تَصريحَه الشَّهير : " طريقُ القُدْسِ
تَمُرُّ مِنْ جُونية " . والفَوْضَى تُمَزِّقُ رُوحَ المَدينةِ ، والخَرَابُ
لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الجَسَدِ والطَّيْفِ . والجُثَثُ المَجهولةُ الهُوِيَّة
تَكْسِرُ رُوتينَ الحَرْبِ لِتُصْبِحَ حَرْبًا عَلى الفَرَاشَاتِ المُحترقةِ في
ضَوْءِ الدِّمَاءِ الرَّخيصةِ .
لا
أجْسَادَ لأمواجِ البَحْرِ سِوَى أكياسِ الرَّمْلِ وَالحَوَاجَزِ العَسْكَرِيَّةِ
. والاشتباكاتُ مُسْتَمِرَّةٌ بَيْنَ الضائعينَ والضائعين . والأحلامُ تَبَخَرَّتْ
كَوُجُوهِ الضَّحَايا وَأقنعةِ القَتَلَةِ . والمَعَارِكُ مُشْتَعِلَةٌ عَلى كُلِّ
الجَبَهَاتِ . وَنَوْبَاتُ الهَلَعِ تُحَطِّمُ أعصابَ التائهين في الحُرُوبِ .
القُوَّاتُ السُّوريَّةُ تَدْخُلُ عَنْوَةً إلى لُبنان بِكُلِّ خِزْيٍ
وَعَارٍ ، لإنقاذِ أحزابِ المَسِيحيين ، والتآمُرِ عَلى المُسْلِمِين
والفِلَسْطينيين. والقَصْفُ العَشْوَائيُّ يَصِلُ إلى تَفَاصِيلِ الجُغرافيا، وقَذائفُ
الهاونِ أوْ شَظَاياها يُمْكِنُ أنْ تَسْقُطَ عَلى رَأسِ أيِّ شَخْصٍ عَابِرٍ . والضائعونَ
فَرِحُوا لأنَّهُمْ لا يَزَالُون أحْيَاء . والقُوَّاتُ السُّوريَّةُ تَصُبُّ
حِمَمَهَا عَلى مَنْطِقَةِ المَدينةِ الرِّيَاضِيَّةِ.وَالعَلَمُ مُنَكَّسٌ بَيْنَ
الرَّصَاصَةِ وَالشَّظِيَّةِ.
عِندَما يَشْتَدُّ القَصْفُ يَهْرُبُ الناسُ إلى المَلاجئِ . وَطَنٌ ضائعٌ
لِكُلِّ الضائعين ، وَدَوْلَةٌ مَذبُوحَةٌ لِكُلِّ المَذبُوحين. والهُجُومُ
السُّوريُّ عَلى بَيْرُوت يَكْتُبُ انهيارَ الشَّرْقِ الذي ضَاع بَيْنَ الدَّمِ
والنِّفْطِ . وَشَظَايا القَصْفِ السُّورِيِّ تُصِيبُ مَنَازِلَ الذينَ لَيْسَ
لَهُمْ صَوْتٌ ولا صَوْلَجَان .
في
22/6/1976 ، هَاجَمَ الجَيْشُ السُّوريُّ والميليشياتُ المارونيةُ مُخَيَّمَ تَلِّ
الزَّعْتَرِ . وفي 12/8/1976 ، سَقَطَ مُخَيَّمُ تَلِّ الزَّعْتَرِ بِيَدِ
الميليشيات المارونيةُ بَعْدَ صُمود واستبسال طِيلة 52 يَوْمًا مِنَ القَصْفِ
الشَّديد ، تَحْتَ غِطَاء حَليفِها الجَيْشِ السُّوري . وارْتُكِبَتْ فيه أفظعُ
الجَرائمِ مِنْ هَتْكٍ للأعراضِ ، وَبَقْرٍ لِبُطونِ الحَواملِ ، وَذَبْحٍ
للأطفالِ والنِّسَاءِ والشُّيوخِ ، وكذلك ارتكبوا المَجَازِرَ والجَرائمَ ، مِن
اغتصابٍ، وَهَدْمٍ للبُيوتِ، وإبادةٍ للأطفالِ، وَسَلْبٍ للأموالِ .
صَارَ
الصَّمْتُ عَن القَتْلِ الانتقاميِّ مَصلحةً وَطنية ، وَمَرَاسِمُ الدَّفْنِ
رَسْمِيَّةٌ في الوَطَنِ اللارَسْمِيِّ. وضاعت الدَّولةُ ، والرَّايَةُ جُمْجُمَةٌ
. خَطَفْنَا البِلادَ ، وَطَالَبْنَا البَحْرَ بِدَفْعِ الفِدْيَةِ . وَأُمَرَاءُ
الحَرْبِ الصِّغَارُ يَتَعَلَّمُونَ الوَحْدَةَ الوَطَنِيَّةَ مِنْ أُمَرَاءِ
الحَرْبِ الكِبَارِ . وأضاعَ الأطفالُ طُفُولَتَهُم ، وَضَاعَتْ ألعابُهُم تَحْتَ
جَنازيرِ الدَّبَّابَاتِ . وَالدَّمُ رِحْلَةُ تَطَهُّرٍ مُسْتَمِرَّةٌ في مَرَايا
الرَّصَاصِ وَأزِقَّةِ الشَّظَايا ، والجُثَثُ مَفْرُوشَةٌ في طُرُقَاتِ العُمْرِ
الضَّائعِ . وَالقَتْلَى لا يَزَالُونَ يَحْلُمُونَ بالوَطَنِ الذي لا أزمنة فِيه
، ولا مَعنى لِحَرَكَةِ العَقَارِبِ في سَاعَةِ الحَائِطِ إذا كانَ الحَائِطُ مَثْقُوبًا
كَالغِرْبَالِ مِنْ أَثَرِ الرَّصَاصِ .
49
تَعَرَّفْتُ
عَلى بائعِ كُتُبٍ يَمْلِكُ مَكتبةً صغيرةً شبيهة بالمَخْزَنِ في أحَدِ أزِقَّةِ
بَيْرُوت الضَّيقة . نَجَت المَكتبةُ الصغيرةُ مِنَ أزيزِ الرَّصَاصِ وَالقَصْفِ
المِدْفعيِّ بأُعجوبة ، وَرُبَّمَا مَوْقعها في زُقَاقٍ ضَيِّق جَعَلَهَا بعيدةً
عَن الأنظارِ ، وَحَمَاهَا مِنَ الدَّمَار . اسْمُهُ أبو رياض . لَمْ أسأله عَنْ
دِينِه أوْ مَذهبه ، ولكنَّه كانَ يَشْتُمُ بشير الجميِّل وميشيل عون وياسر
عَرَفَات وجورج حَبَش وحافظ الأسد ووليد جنبلاط ونبيه بِرِّي . وَيَقُول إنَّهُم
دَمَّرُوا لُبنان مِنْ أجْلِ مَصالحِهم الشَّخصية ، وَحَوَّلُوا الشعبَ اللبناني
إلى قَتْلَى أوْ لاجئين أوْ مُهَجَّرين أوْ مُتَسَوِّلين . بَدَا لِي شخصًا ناقمًا
على كُلِّ شَيْء ، ومُتَمَرِّدًا على كُلِّ الأوضاعِ والسِّياساتِ ، وَغَيْرَ
طائفيٍّ ولا مُتَعَصِّبٍ . نَظَرْتُ إلى تفاصيلِ مَكتبته الصَّغيرة ( المَخْزَن)
باحثًا عَنْ هِلالٍ أوْ صَليبٍ أوْ شِعَارٍ أوْ صُورةِ زعيمٍ ، مِنْ أجْلِ مَعرفةِ
دِينِه أوْ مَذهَبِه أو انتمائه ، ولكنَّني لَمْ أَجِدْ شيئًا يدلُّ عَلى عقيدته
الدِّينية أو السِّياسية .
كانَ
يَكْرَهُ أنْ يُناديَه أحَدٌ بـِ " عَمِّي أبو رياض " ، ويُشدِّد على
أنَّه أبو رياض فَقَط لا غَيْر .
قُلْتُ
لَه :
_ أنا
هِشَام طالب في الجامعةِ الأمريكية ، جِئْتُ مِنْ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية .
_
أهلًا وسَهْلًا يا هِشَام ، لُبنان بَلَدُكَ الثاني ، معَ أنَّه ضَاعَ البَلَدُ،
وتَبَخَّرَت الدَّولةُ .
_
الحَمْدُ للَّهِ أن انتهت الحَرْبُ .
_
المُهِمُّ أنْ تَنتهي الحَرْبُ في قُلوبِ الناسِ وضَمائرِهم. الجَسَدُ للتُّرَابِ
، والرُّوحُ باقية . وللأسفِ الشديد، إخواننا العرب لا يُدرِكُون أنَّ الحَرْبَ
اللبنانيةِ لَمْ تَنْتَهِ، وَلَنْ تَنْتهي أبدًا ، لا في السِّياسة ، ولا في
الشارعِ ، ولا في النُّفُوس .
حَدَّقْتُ في تَجاعيدِ وَجْهِه ، وَقُلْتُ مُشْفِقًا :
_أنتَ
كبير السِّن يا " أبو رياض " ، ألا يُوجَد مَعَكَ أحَدٌ لِمُساعدتك في
مَكْتبتك ؟ .
_ عُمْري
الآن 60 سَنَة ، وأنا في الأصْلِ مِنْ ضَيعة بعيدة وفقيرة وبائسة ، ولكنَّني
جِئْتُ إلى بَيْرُوت في نِهَايةِ الخَمْسينيات ، للبَحْثِ عَنْ عَمَلٍ ، وَتَحسينِ
وَضَعْي الماديِّ ، وانتشالِ عائلتي مِنَ الفَقْرِ والحَاجَةِ . كانتْ بَيْرُوت في
الخَمْسينيات سويسرا الشَّرْق ، وَالوَضْعُ فَوْقَ الرِّيحِ ، وهُناك ازدهارٌ
اقتصادي، وَمُنَاخَاتٌ مِنَ الحُرِّية السِّياسية معَ تَصَاعُد تَيَّاراتٍ وأفكارٍ
تُمثِّل أطيافًا مُتَنَوِّعَة ، وانفتاحٌ ثقافي انعَكَسَ في الصَّحَافةِ
والطِّباعةِ وَحَرَكَةِ المَسْرَحِ والفَنِّ .
وَأَطْرَقَ مَلِيًّا ، ثُمَّ قالَ وَبَريقُ الدُّمُوعِ يَسِيلُ في
عَيْنَيْه :
_ في
الخَمْسينيات دَخَلَتْ بَيْرُوت عَصْرَها الذهبي . افْتُتِحَتْ فَنادق فَاخرة عَلى
شَواطئِ حَيِّ عين المريسة . وفي شارعِ فينيسيا انتشرتْ مَجموعة مُتنوعة مِنَ
النوادي الليليَّة ، وَهِيَ حَانَات أنيقة يُمْكِنُ للمَرْءِ أنْ يُصادف فيها
نَجْمًا سينمائيًّا ، أوْ شخصية أجنبية ، أوْ مَليونيرًا مِنْ دُوَلِ النِّفْط .
وكانت الجامعةُ الأمريكية مَركزًا ثقافيًّا ، والمَقَاهي المَحَلِّية تَعِجُّ
بالطُّلابِ الذينَ يَتَحَدَّثُون بِسُرعة ، وَيُدخِّنون بِشَرَاهَةٍ .
_
مَاذا عَمِلْتَ عِندَما جِئْتَ مِنَ الضَّيعةِ إلى بَيْرُوت في نِهاية الخمسينيات
؟ .
عَمِلْتُ
حارسًا في مَلهى لَيْلِيٍّ ، ولكنَّ صاحبَه طَرَدَني بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَتْ إحدى
الرَّاقصاتِ بِشَكوى ضِدِّي ، واتَّهَمَتْني ظُلْمًا بأنَّني أتَحَرَّشُ بِهَا ،
وأدخلُ غُرفتها وَهِيَ تُغيِّر مَلابسَها . ثُمَّ عَمِلْتُ نادلًا في مَطْعَمٍ
تَمْلِكُه أرملة لُبنانية غَنِيَّة ، يُطِلُّ عَلى صَخرةِ الرَّوشةِ . أستقبلُ
الزبائنَ ، وأُرَحِّبُ بِهِم، وأُرافقهم إلى الطاولة المُخَصَّصَة لَهُم ،
وأتَلَقَّى طَلباتِ الطعامِ والشَّرابِ مِنْهُم بِدِقَّة ، وأُقَدِّمُها في أسرع
وقت مُمْكِن ، وأحْرِصُ عَلى رِضَاهُم كَيْ يُصبحوا زبائن دائمين ، وأُنَظِّفُ
الطاولاتِ ، وأُرتِّبها بعد مُغَادرتهم .
وأردفَ قائلًا والحَنينُ ظاهرٌ عَلى مَلامحِ وَجْهِه :
_
كُنْتُ شَابًّا وسيمًا وَقويًّا ونشيطًا وَفَحْلًا في الثامنة والعِشرين مِنَ
العُمر . وَقَدْ أُعْجِبَتْ بِي السَّيدةُ صاحبةُ المَطْعَمِ، وتَزَوَّجْنَا بِلا
مُشكلات، معَ أنَّهَا تَكْبُرُني بِخَمْسِ سَنَوَات. وأنْجَبْنَا "
رياض" في عام 1960 ، وداود في عام 1962 ، وسالي في عام 1964 . وكُنَّا في
سَعادةٍ غامرةٍ ، ولكنْ للأسفِ الشَّديدِ ، الأيَّامُ الحُلوةُ لا تَدُوم .
عِندَما كانَ داود طِفْلًا في السابعة يَلْعَبُ معَ أولادِ الجِيران سَقَطَ في بِئْر
، ومات . وَلَمْ تَتَحَمَّلْ زَوْجتي الصَّدمةَ . وبدأتْ تَفْقِدُ جَمَالَها
وحيويتها ونَضارتها شيئًا فَشيئًا. حتى إنَّ قُواها العقلية تأثَّرَتْ سلبًا بهذا
الحادثِ الأليم . وَلَمْ أتْرُكْ طبيبًا إلا عَرَضْتُها عَلَيْه ، ولكنْ بِلا
فائدة ولا جَدْوَى . وَقَدْ قُتِلَتْ في عام 1977 خِلال الحَرْبِ الأهلية برصاصة
قَنَّاص بَيْنَ بَيْرُوت الشَّرقية وَبَيْرُوت الغربية . المُسْلِمُون ظَنُّوها
مَسِيحيةً ، والمَسِيحيون ظَنُّوها مُسْلِمَةً ، وَذَهَبَ دَمُها هَدَرًا ، وأرجو
أنْ تَكُونَ قَد ارتاحتْ مِنَ العَذابِ .
حَزِنْتُ بِشِدَّةٍ ، وتَأثَّرْتُ بِقِصَّةِ وَفَاةِ داود ، وَقُلْتُ
والأسَى وَاضِحٌ عَلى وَجْهي وَصَوْتي :
_ أخي
الكبير ناصر كانَ عُمْرُه ثلاث سَنَوَات، ويَلْعَب أمام بَيْتِنا ، ( وَلَمْ أقَلْ
لَه : زَريبة الأبقار في القَرية ) ، وفَجْأةً ، هَاجَمَه دِيك بشراسة ، وَقَتَلَه . وأُمِّي كادتْ تَفْقِدُ عَقْلَهَا بعد
هذا الحادث .
_ يا هِشَام ، المَصائبُ
تَجْمَعُ المُصَابين ، وكُلُّنَا في الهَمِّ شَرْق .
_ هَلْ كانتْ بَيْرُوت قَبْلَ
الحربِ الأهلية سويسرا الشَّرْقِ فِعْلًا بِدُون مُشكلاتٍ ولا أزَمَاتٍ ؟.
_ كانتْ بَيْرُوت الخَمسينيات
والسِّتينيات حتى مُنتصف السَّبْعينيات المَصيف والمُنتجع والمُستشفى والمَركز
التِّجاري الحُر والوحيد في الشرقِ الأوسط . بَيْرُوت مَدينة الفَنِّ والأقلام
والصَّحَافة الحُرَّة . بَيْروت الرَّوشة وشارع الحَمْرا والجامعة الأمريكية ،
مَدينة فَيْرُوز والرَّحَابنة ووديع الصافي وَنَصْري شمس الدِّين والمَسرح
الغِنائي . مدينة المَطابع والتَّرجمة والتَّوزيع إلى مَكتبات الوَطَنِ العَرَبيِّ
. كانت المَركزَ الوحيد لتداولِ جميع العُملات المَحَلِّية والعُملات الصَّعْبة .
كانتْ مَأوى الهاربين مِنَ السِّياسيين والأدباء المُضْطَهَدين .
وَتَوَقَّفَ فَجْأةً ، وأشعلَ
سِيجارةً ، وَسَحَبَ نَفَسًا عَمِيقًا كأنَّما يَسْحَبُ أحلامَ الماضي السَّحيقِ
الذي ذَهَبَ وَلَنْ يَعُود ، وقالَ بِحُزْنٍ عميق :
_ دَوَامُ الحَالِ مِنَ المُحَالِ ، والحُلْوُ مَا يكملش . في شَهْرِ
تَمُّوز / يوليو 1958 ، كانَ لُبنان مُهَدَّدًا
بحرب أهلية بَين المسيحيين الموارنة والمُسْلِمين . ابتدأ التَّوَتُّرُ مَعَ مِصْر
في عام 1956 ، عِندما رَفَضَ الرئيسُ اللبناني كميل شمعون ( الماروني المُوالي
للغرب ) قَطْعَ العَلاقات الدُّبلوماسيَّة معَ الدُّوَلِ الغربية التي هاجمتْ
مِصْر خِلال أزمة السويس والعُدوانِ الثُّلاثي ، مِمَّا أَثَّرَ عَلى الرئيسِ
المِصْرِيِّ جمال عبد الناصر . زادتْ حِدَّةُ هَذا التَّوَتُّرِ عِندما أعلنَ
شمعون تَقَرُّبَه مِنْ حِلْفِ بغداد الذي اعتبره عبد الناصر تهديدًا للقَوميةِ
العربية . دَعَمَ رئيس الوُزراء اللبناني المُسْلِم السُّنِّي رشيد كرامي عبد
الناصر في عَامَيْ 1956 و1958 . وَعِند قِيام الوَحدةِ بَيْنَ مِصْر وسُوريا باسمِ
الجُمهوريةِ العربية المُتَّحِدَة ، طالبَ اللبنانيون المُسْلِمُون مِنَ الحُكومةِ
اللبنانية الانضمامَ للوَحدةِ ، بَينما أرادَ المسيحيون التحالفَ معَ الدُّوَلِ
الغربية لتحقيقِ مصالحِهم الشَّخصية . وَحَصَلَ تَمَرُّدٌ إسلاميٌّ مُسَلَّح ،
واتُّهِمَ المُتمردون بالحُصولِ على السِّلاحِ مِنَ الجُمهوريةِ العربية المُتَّحِدة
، عَنْ طَريقِ الإقليمِ الشَّمَالي ( سُوريا ) ، مِمَّا دَفَعَ شمعون لتقديمِ
شَكوى لِمَجلسِ الأمْنِ . أعلنَ مُحَقِّقُو الأُمَمِ المُتَّحدة عَنْ عَدم وُجود
أيِّ دليل على تَدَخُّلِ الجُمهوريةِ العربية المُتَّحدة . في 14/7/1958 ، سَقَطَت
الحُكومةُ المَلَكِيَّةُ المُوالية للغربِ في العِراق ، فَحَصَلَ عدم استقرار
داخلي في لُبنان. عِندها طَلَبَ شمعون المُساعدةَ مِنَ أمريكا . استجابَ الرئيسُ
الأمريكيُّ أيزنهاور لطلبِ شمعون فِيما سُمِّيَ بعملية الخُفَّاشِ الأزرق في
15/7/1958 ، وكانَ هَذا أوَّلَ تطبيق لِمَبدأ أيزنهاور الذي أعْطَى الحَقَّ
لأمريكا بالتَّدَخُّلِ في الدُّوَلِ المُهَدَّدَةِ بالشُّيوعيَّة . كانَ الهدفُ
مِن العملية دَعْم حُكومة شمعون المُوالية للغربِ المُهَدَّدَةِ مِنْ سُوريا
وَمِصْر(الجُمهورية العربية المُتَّحدة). وكانت الخُطَّةُ تَقْضِي باحتلالِ وتأمينِ
مَطار بَيْروت الدَّوْلي ، وَمِيناءِ بَيْرُوت ، ومَداخلِ المَدينة . شاركَ في
العملية 14 ألف جُندي مِنَ الجَيْشِ والمارينز . نَجَحَ وُجودُ القُوَّاتِ
الأمريكية في قَمْعِ المُعارضة ، وَسَحَبَتْ أمريكا قُوَّاتِها في 25/10/1958 .
بَعَثَ الرئيسُ الأمريكيُّ أيزنهاور الدُّبلوماسيَّ روبرت ميرفي إلى لُبنان
مُمَثِّلًا له . لَعِبَ ميرفي دَوْرًا مُهِمًّا في إقناعِ الرئيسِ اللبناني كميل
شمعون في الاستقالةِ ، وانتخابِ قائدِ الجَيشِ المَسيحي المُعتدِل فؤاد شِهاب
بَدَلًا مِنْه بالتوافقِ معَ رئيسِ الجُمهوريةِ العربية المُتَّحدة جمال عبد
الناصر .
_ هَلْ حَصَلَ في السِّتينيات مُشكلاتٌ أوْ
أزَمَات عَدا عَنْ حَرْبِ 1967 الكارثية ؟ .
_ في عام 1966 ، حَدَثَتْ أزمة بنك إنترا
اللبناني ، وَهِيَ انهيار أكبر مُؤسَّسة ماليَّة في الشَّرْقِ الأوسطِ ، مِمَّا
أدَّى إلى شَلَلٍ في الاقتصادِ اللبناني ، وَهَزَّ ثِقَة اللبنانيين في قِطَاعِهِم
المَصرفي . تَعُود أسبابُ الأزمةِ إلى شُحِّ السُّيولةِ الذي أصابَ البنكَ ،
وَفِقْدَانِ الثِّقَةِ مِن المُودِعِين، فَضْلًا عَنْ ضَعفِ الرَّقابةِ المَصرفية
، وترافقت الأزمةُ معَ جَدَل حَوْل تَهميشِ الحُكومةِ اللبنانية للبنك ، وَنُفُوذِ
بعضِ السِّياسيين والمُنافِسين له ، وَهُوَ مَا تَسَبَّبَ في انهيارِه السَّريع .
وتابعَ قائلًا بِحُرْقَةٍ وَألَمٍ :
_ أنا شخصيًّا كُنْتُ أحَدَ المُودِعين في
بَنْكِ إنترا ، وَمَا إنْ سَمِعْتُ بانهيارِ البنك حَتَّى رَكَضْتُ إلَيْهِ
لِسَحْبِ أموالي، وَكانَتْ هُناك طوابير طويلة مِنَ المُواطِنين أمام البنك ، يُريدُون
سَحْبَ أموالِهم، وإنقاذَ وَدائعِهم .
_ كَيْفَ أَفْلَسَ هَذا البَنْكُ الضَّخْمُ
بِهَذه السُّرعةِ ، وانتقلَ مِنَ القِمَّةِ إلى القاع ؟ .
نَظَرَ إلَيَّ بِعَيْنَيْن ذابلتَيْن، وقالَ
بِصَوْتٍ ضعيف كأنَّه قادمٌ مِنْ حُفْرَةٍ عميقة :
_ مؤامرة. بطلُ قِصَّةِ بنك إنترا هو
الفِلَسْطينيُّ يُوسُف بَيْدَس المَولود في القُدْس عام 1912، لعائلة مَسِيحية
أُرثُوذُكْسِيَّة ، وَهُوَ ابنُ الأديبِ والمُترجم الرائد للأدبِ الرُّوسيِّ إلى
العربيةِ خليل بَيْدَس . بدأ حَيَاتَه في عَالَمِ الاقتصادِ بتأسيسِ شركة
للصِّرافةِ في بَيروت عام 1948 ، برأسمال قَدْرُه أربعة آلاف دولار أمريكي فقط .
وبفضلِ ذكائه ومَوهبته نَجَحَ في جذبِ رُؤوسِ الأموالِ الفِلَسْطينية الهاربة مِنْ
جَحيمِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ ، كما استطاعَ بعد ذلك جَذْبَ رُؤوس أموال سُورية
وخليجية . وبدأ يَتَوَسَّع ، وَيَقْفِز مِنْ نَجاحٍ إلى آخَر ، حتى تَمَكَّنَ بعد
ثلاثة أعوام فَقْط مِن تأسيسِ بنك إنترا ، الذي انطلقَ في بيروت عام 1951 ،
لِيُصبح إمبراطورية ماليَّة ضخمة في الشرق الأوسط . تَتَعَدَّد الرِّواياتُ حَوْلَ
عمليةِ إفلاسِ البَنْكِ ، وَتَقُول إحدى الرِّوايات : أثناء وُجود يُوسُف بَيْدَس
في أُوروبا ، انتشرتْ شائعات عن إفلاس البَنك ، وَهُروبِ مُؤسِّسه ، ورئيسِ مَجلسِ
إدارته خارج لُبنان ، فتدافعَ صِغَارُ المُودِعِين للحُصولِ عَلى أموالِهم ،
وَتَجَمَّعُوا في طوابير طويلة ، فَأمَرَ بَيْدَس إدارته في بَيْروت بدفعِ أموالِ
المُودِعِين ، دُون أيِّ تأخير ، وبعد نَفَادِ الأوراقِ النقدية مِنَ البنك ،
رَفَضَ البنكُ المركزي اللبناني إمدادَه بالأوراقِ النقدية لدفعِ الودائعِ
لأصحابِها ، رَغْمَ أنَّه قَدَّمَ مٌقابل ذلك كَفَالات عَيْنِيَّة عِبارة عَنْ
أملاك وشركات ، يَمتلكها البنكُ حَوْلَ العَالَمِ . وَوَضَعَت الدَّولةُ اللبنانية
يَدَهَا على البَنك ، وعِندما قُدِّمَ بَيْدَس للمُحاكمة ، ثَبَتَ تجاوز مُمتلكات
البنك عَنْ مُستحقاته ، ولكنَّ المؤامرة الصهيونية ضِد البنك الذي كانَ أشبه
بوزارة ماليَّة للثَّورة الفِلَسْطينية التي أَطْلَقَت العملَ الفِدائيَّ عام 1965
، كانتْ قَدْ أُحْكِمَتْ خُيوطها . والرِّوايةُ الثانية أنَّ عُنْصُرِيَّة
اللبنانيين ضِد مُؤسِّس البنكِ الفِلَسْطينيِّ بَيْدَس هِيَ السبب في انهيار البنك
. ومُشكلةُ بَيْدَس أنَّه عَمِلَ ضِمْن نِظَام لُبناني طائفيٍّ عُنْصُري حاقد ،
وَلَمْ يَكُنْ لِصًّا كَغَيْرِه . وَتُعْتَبَر قِصَّة بَيْدَس وبنك إنترا نذيرًا
مُبَكِّرًا للصِّرَاعاتِ الفِلَسْطينية اللبنانية التي تفاقمتْ في السَّبْعينيات ،
مِمَّا يَدُلُّ عَلى عَلاقة مُعقَّدة ومُتشابكة بَيْنَ الطَّرَفَيْن .
بَعْدَ أكثر مِنْ ثلاثين سَنَة مِنْ لِقائي
معَ " أبو رياض " ، قَرَأتُ مَقالًا للرِّوائيِّ اللبناني إلياس خوري في
جريدة القُدْس العربيِّ اللندنية بتاريخ 29/5/2023 ، بِعُنوان : انتقام يُوسُف
بَيْدَس . (( قال نجيب عَلَم الدِّين : " أنا
مُتَأكِّد مِنْ أنَّ سُقوط بنك إنترا كان بداية انهيار لُبنان ونِظَامِه
السِّياسيِّ.لَقَدْ حَكَمَتْ لُبنانَ حُكوماتٌ فاسدة بِدُون أخلاق أصابتْ لُبنانَ
بداءٍ قاتلٍ مُنذ الاستقلال. وأخيرًا رَمَت البلادَ في أُتُون حرب أهلية عام 1975
، أدَّتْ إلى خسارة وجودها كَدَولة مُستقلة " . أخَذَنَا عَلَم الدِّين ، النائب
والوزير السابق ، وأول رئيس لمجلس إدارة " شركة طيران الشرق الأوسط "
بعدما اشتراها بنك إنترا ، وَحَوَّلَها إلى أهم شركة طيران في العَالَمِ العربي ،
إلى بيروت عام 1966 ، يَوْمَ تَهَاوى بنك إنترا كنتيجة مُباشرة لرفع أسعار الفائدة
الأمريكية والأُوروبية ، مَا أدَّى إلى سُحوبات هائلة في ودائع البِتْرُو دولار .
الطُّغْمَةُ السِّياسية اللبنانية التي لَمْ يَكُنْ في مَقْدورها تَحَمُّل وُجود مَصْرِف
لُبناني بحجم إنترا ، له امتدادات في العَالَمِ بِأسْرِه ، انْقَضَّتْ عَلى البنك
بهدف الانتقام بِفَجاجة ودُونيَّة مِنْ يُوسُف بَيْدَس ، المَقْدِسِي الذي لجأ إلى
بيروت بعد النَّكْبَة ، وأسَّسَ أهَمَّ مَصْرِف في تاريخ لُبنان . تَعَالَوْا نَتَخَيَّل
المَشهد، شاب مُتَوَقِّد الذكاء بَنَى إمبراطوريته مِنْ مَكتب صغير برأسمال أربعة
آلاف دولار أمريكي ، وبدأ يقفز إلى الأعلى ، وَلَمْ يَتوقف أوْ يَرتدع أوْ يَخَاف
. نَجَحَ في جَذبِ رُؤوسِ الأموال الفِلَسْطِينِيَّة الهاربة مِن الجحيمِ
الإسرائيليِّ ، لكنَّه استطاع بعد ذلك جذب رؤوس أموال سورية وخليجية، لكنَّ
رأسماله الأكبر كان جُنون الذكاء الذي جعله يبني إمبراطورية لا سابق لها ، وَلَمْ
يَستطعْ أنْ يَرِثَهَا أحَد . عَمِلَ في إطار الفَوضى الاقتصادية اللبنانية في الخَمْسينيات،
وهو إطار مُريح لكنَّه مُخَادِع ، لكنَّ مُشكلته أنَّه لَمْ يَكُنْ لِصًّا كَغَيْرِه،
وَلَمْ يَستطع التأقلمَ معَ أجواء المافيات اللبنانية المُتَشَبِّعَة بالطائفية وَبِعُنْصُرِيَّة
فَجَّة، وَلَمْ يَندمجْ في مُناخات جُمهورية التُّجَّار والإقطاعيين الذي أُصِيبوا
بالرُّعْبِ أمام ذكاء بَرِّي لَمْ يَستطعْ أحَدٌ تَدجينَه ، فقرروا استغلالَ أزمة إنترا
المُستجدة مِن أجل الإطاحة بالرَّجُلِ ، وَوَضْعِ الاقتصاد اللبناني بِأسْرِه أمام
الهاوية . ماتَ يُوسُف بَيْدَس وحيدًا ومريضًا في سويسرا حَيْثُ دُفِنَ ، وصارَ
بَطَلَ رِوايةٍ لَمْ يَكتبها أحد، فَرِوايته يَلُفُّها الغُموض، تمامًا مِثْل
حياته التي مَرَّتْ سريعًا كَشِهَاب عَبْر سَماء بَيْرُوت ، وكان انطفاؤه العَلامةَ
المُبَكِّرَة على انطفاء المدينة . اليوم حين ننظر إلى حاضر المدينة نستطيع أن
نفهم بؤسَ الذين تَوَالَوْا على حُكْمِ لُبنان ، فهؤلاء لا علاقة لهم ببيروت التي
كانتْ . فَبَيْروت كانتْ طَفْرَة فَوْضى نَمَتْ وَسَط عَجْز الطبقة الحاكمة عن
بناء مُؤسَّسات عقلانية . مَرَّتْ بيروت فوق رؤوسهم ورؤوس أبنائها ، وكانت ابنةَ
العواصفِ السِّياسية والاقتصادية التي اجتاحت العَالَمَ العربي. وعندما قبضت
الطبقةُ الحاكمة على المدينة قامتْ بتدميرها، وابتدأ الدَّمَارُ بِتَفْليسِ بنك إنترا
بواسطة التآمُر والحَقَارة، ثُمَّ لَفَّهَا الخَراب،بحيث لَمْ نَعُدْ نَجِد بَيْروت
في بَيْروت.
عُدْتُ إلى يُوسُف بَيْدَس وأنا أتفرَّج على مَهزلة مُضْحكة مُبْكية
اسمها مُلاحقة حاكم مَصْرِف لُبنان مِنْ قِبَلِ القضاء الأوروبي . مَصَارِفُ
الزومبي اللبنانية صَنَعَتْ ثَرَوَاتِها الطائلة مِنْ سَرقةِ المُودِعِين، ومِن
التوظيفِ المُنعدِم الحِس الاقتصادي للمال في شراء دُيون دَوْلة مُفْلِسة، بهدف
الرِّبْح السريع، فانتهى بها الأمر إلى أكبر مَنهبة في التاريخ . كانَ يُوسُف بَيْدَس
الفِلَسْطيني صُورةً لِبَيروت الخَمْسينيات والسِّتينيات ، مدينة تنمو على حَافَةِ
المَشرقِ العربيِّ، تَلتمع فيها حداثة ناقصة، وتَعْصِف بِها احتمالات الثقافة
والثروة، فَتَحَوَّلَتْ إلى مِرْآة الاحتمالات العربية، وعاصمتها الثقافية البديلة
. دَخَلَ يُوسُف بَيْدَس مِنْ ثَغَرَاتِ الاحتمال، فكانَ يُشْبِه أبطالَ رِوايات جَبْرَا
إبراهيم جَبْرَا، لكنَّ مَصِيره التَّراجيدي كانَ مُرتبطًا بِجُنون طُموحاته ،
وارتطمَ بالمدينة التي صَنَعَتْهُ وَصَنَعَهَا . سُقوطُ بَيْدَس كانَ جُزْءًا مِنْ
تَناقضاتِ المدينة، لكنَّه لَمْ يَكُنْ مُجَرَّد سُقوط ناجم عَنْ سَكْرَةِ الرَّجُلِ
بنجاحه، وَجُموحِ خَيَالِه، وبعض تصرفاته الطائشة، بَلْ كان تعبيرًا عَن اصطدام بَيْرُوت
بتناقضاتها: آلَة طائفيَّة عُنْصُرية تَحْكُم ، وَنُخْبَة تتألَّف مِنْ خَليط مِنَ
اللاجئين والمُغامِرين الذين استخدموا فَوضى لُبنان مِنْ أجْلِ الوُصولِ إلى القِمَّة
، فكانَ لا بُدَّ مِنْ أنْ يَسْقُطَ الساحرُ بِيَدِ مَنْ سَحَرَهُمْ ، وَسَخِرَ مِنْهُم
، وَعَامَلَهُم باحتقار يَسْتحقونه . مِنَ المُهِينِ للعَقْلِ مُقارنة أخطاء يُوسُف
بَيْدَس وَتَهَوُّره وجُموحه، بالنَّهْبِ الذي قامتْ بِه عِصابات مَصْرفيي هذه
الأيام الذين يَتَصَرَّفون كاللصوص لأنَّهم لُصوص . مَجموعة مِنَ الشَّبِّيحة امْتَطَوا
السُّلطةَ ، وَحَوَّلوا الاقتصاد إلى لُعبة كشاتبين ، مُعْتَقِدِين أنَّ العَالَمَ
سَيُنْقذهم مِن السُّقوط، فَسَقَطُوا ، وَأسْقَطُوا مَعَهُم نِظامًا سِياسيًّا
اقتصاديًّا لَمْ يَعُدْ إصلاحُه مُمْكِنًا . في كِتابِه " إمبراطورية إنترا
وحِيتان المال في لبنان " ، روى كمال ديب حِكاية بَيْدَس مِنْ أَلِفِها إلى
يائها ، في بحث شائق جَمَعَ مَا بَين التَّحليلِ العِلْمي للاقتصاد اللبناني ،
وحكاية يُوسُف بَيْدَس المأساوية . المُغامرة البَيْدَسِيَّة اصطدمتْ بتناقضاتها
السِّياسية ، ولُعبة الرَّجُل الآتي مِن خارج الأُطُرِ التقليدية اصطدمتْ بجدار
التركيبة اللبنانية . خطأ بَيْدَس أنَّه راهنَ على الشِّهَابِيَّة التي كانتْ تَتَدَاعى
تحت ضَرَبَات البُنى التقليدية . لكنَّ بَيْدَس كانَ عَكْس فؤاد شِهاب الذي فَهِمَ
حُدودَ اللعبة ، فانكفأ ، وَصَمَتَ بعد رسالة قصيرة أَعْلَنَ فيها يأسَه . لَمْ
يَيْأسْ بَيْدَس ، وَلَمْ يَنكفئْ ، بَلْ مَضى في لُعْبته إلى نهايتها ، انفردَ وَتَفَرَّدَ
، غَامَرَ وَتَجَبَّرَ، وَلَمْ يَحْمِ مَصْرِفَه بِبُنى مُؤسَّساتية راسخة .
أتخيَّلُ أنَّه كانَ عَلى قَناعة بأنَّ بيروت واقتصادها هُمَا مَزِيج مِن المُغامَرة
والمُقامَرة . المُغامَرة لُعْبة ذكاء، والمُقامَرة لُعْبة حَظ ، ولا مكان هُنا لِمُؤسَّسات
تَضَعُ حُدودًا للمُغَامِر أوْ تَرْدَع المُقَامِر مِن الشَّطَط . قِيلَ الكثير عَنْ
مُغامَرات بَيْدَس ، وَعَنْ رُعْبِ جُمهورية التُّجَّار مِن استيلاء إنترا على مفاتيح
اقتصاد الخَدَمَات اللبناني : شركة طيران الشرق الأوسط، كازينو لُبنان، فُنْدُق
فينيسيا، إستوديو بَعَلْبَك، راديو أوريان، شركة مرفأ بَيْروت، وإلى آخره، ... .
غَيْر أنَّ إسقاط إنترا بِخُبْثٍ وَتَشَفٍّ لَمْ يَكُنْ يَدُلُّ سِوى على انحطاط
طبقة اللصوص ، التي سَيَتَّخِذ انحطاطُها بُعْدًا يَفُوق الخَيَالَ في زمن إفلاس
كُلِّ شَيْء اليَوْم . في اللهجةِ العاميَّة نستخدم كلمة " شلمستي " لِوَصْفِ
المُخادِع والفَهْلوي والدَّجَّال . أغلبُ الظَّنِّ أنَّ هذه الكلمة تَعُود إلى فِعْل
شَلَمَ ، أي سَحَرَ وَأبْهَرَ وأدْهَشَ ، كما جاء في " مُعْجَمِ الألفاظ
العاميَّة " للمُعَلِّم أنيس فريحة . هذه هِي الصِّفَة المُلائمة لِلُعْبة
المَصْرِفيين والسِّياسيين اللبنانيين ، الذين حَفَرُوا لأنفُسِهم حُفْرَةً لا قَرَار
لها . الآن عادتْ بَيْرُوت كما كانتْ في أوائل القَرْنِ التاسع عَشَر ، بِلا مَرفأ
وَبِلا مَصْرِف وَبِلا صَحَافة ، أعادها " الشلمستية " إلى الخُمولِ
الذي يَلِيق بِهِم، وَحَطَّمُوا الاحتمالَ العربي الذي تَحَوَّلَ إلى كابوس . أسْمَعُ
يُوسُف بَيْدَس يَبْكي وَيَضْحَك مِنْ قَبْرِه ، يَبْكي على مَدِينَتَيْه : القُدْس
وَبَيْرُوت ، وَيَضْحَك لأنَّ الزَّمَنَ انتقمَ لَهُ مِنْ عِصَابة اللصوص
والأغبياء التي انتحرتْ وهي تَعْتقد أنَّها تَبْني سُلطانَها وَتَسَلُّطَها )) .
50
تَرَكَّزَت الحربُ الأهليَّةُ
اللبنانية في العاصمةِ بَيْرُوت . حربُ شوارع مُتداخلة وَبِنَايات مُتقابلة وأحياء
مُتجاورة . حربُ الأزِقَّةِ الضَّيقةِ والمَسافاتِ الفاصلة بين المَناطقِ
السَّكنية . مَعارك شَرِسَة للاستيلاءِ عَلى البَشَرِ والحَجَرِ ، مِنْ أجْلِ
النُّفُوذِ والهَيمنةِ . شَبَابُ الأحياءِ هُمُ الذينَ يَتَقَاتَلُون ، ولَيْسَت
الجُيوش النِّظَامِيَّة . ميليشيات كثيرة تُحَوِّلُ وَلاءاتها ، وتُبدِّل
تحالفاتِها . التَّهجيرُ القَسْرِيُّ مِنْ أجْلِ التَّغييرِ الديمغرافيِّ ،
وإثباتِ حقائق جديدة على الأرض . تَمزيقُ العَلاقاتِ الاجتماعيةِ ، وَتَقطيعُ
أوصالِ المَدينةِ ، وإفرازاتُ الانقسامِ الطائفيِّ والمَذهبيِّ . انهيارُ البُنى
التَّحْتِيَّةِ ، وَخَرَابُ المَبَاني والأرصفةِ والشوارعِ ، والدَّمَارُ مُنتشر
في كُلِّ مَكان . وَنَحْنُ مَا زِلْنَا نَبْحَثُ عَنْ بَيْرُوت في بَيْرُوت،
وَلَنْ نَجِدَهَا أبَدًا. بَيْرُوت مَدينةُ المُستحيلِ التي تَكْمُنُ في الخَيَالِ
، وَلَنْ تَتَحَقَّقَ أبدًا .
أبو رياض أهَمُّ كَنْزٍ
عَثَرْتُ عَلَيْهِ في بَيْرُوت ، إنَّهُ يَعْرِفُها شِبْرًا شِبْرًا . كانتْ
أهَمُّ نَقْلَة في حَياتِه عِندَما تَحَوَّلَ مِنْ عَالَمِ المأكولاتِ
والمَشروباتِ في المَطْعَمِ إلى عَالَمِ الكُتُبِ والمَجَلَّاتِ في المَكتبة .
قالَ لي إنَّه قَرَأ مِئات الكُتُب والمَجَلَّاتِ والصُّحُفِ ، والتقى بأهَمِّ
المُفكِّرين والأُدباءِ العربِ الذين كانوا يَتَرَدَّدُون على بَيْرُوت "
أيَّام العِز " ، عِندما كانتْ بَيْرُوت المَدينةَ الدِّيمقراطية الوحيدة في
العَالَمِ العربيِّ ، ومَأوَى كُلِّ مُثَقَّفٍ هارب مِن استبدادِ حُكومته ،
وَبَطْشِ نِظَامِه .
وفي حَقيقةِ الأمْرِ ، إنَّ
بَيْرُوت مَدينة وَهْمِيَّة ، وعاصمة لِجُمهورية ضعيفة ، لا تَتَمَتَّع بالاكتفاءِ
الذاتيِّ ، وَقُوَّتُها مُستمدة مِنْ عوامل خارجية لا داخلية . وَلَمْ تَشْهَد
ازدهارًا حقيقيًّا إلا فَترةً قصيرةً لا تَتجاوز رُبُعَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَان،
مِنْ عام 1950 حَتَّى عام 1975 . وَعُمْرَانُ بَيْرُوت مَدِين لِعُنْصُرَيْن أسَاسِيَّيْن:
النَّكبة الفِلَسْطينية في عام 1948،التي أدَّتْ إلى تَدَفُّقِ أموالِ الأغنياءِ
الفِلَسْطينيين عَلى لُبنان ، وَمَعَهَا الأيدي العاملة المُدَرَّبَة أيضًا . وَطَبَقَةُ
أغنياءِ سُوريا التي راحتْ تَنْقُل أموالَها إلى لُبنان كُلَّمَا وَقَعَ انقلابٌ
عَسكري في دِمَشْق . ثُمَّ انتقلتْ بأموالِها وأعمالِها مَرَّةً واحدةً إلى لُبنان
عَشِيَّة الوَحْدَةِ المِصْرِيَّة السُّورية في عام 1958 ، لِتُطْلِقَ فَوْرَةً
عُمْرَانِيَّة لَمْ تَهْدَأ إلا في نِهايةِ السِّتينيات .
كُلَّمَا استحضرتُ بَيْرُوت
رُوحًا وَجَسَدًا ، تَذَكَّرْتُ مَقْطَعًا شِعريًّا في قَصيدةِ " الأرضِ
الخَرابِ " للشَّاعرِ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت عَن لندن : (( مَدينة
وهمية في الضَّبابِ البُنِّي لِفَجْرٍ شِتائيٍّ )) . وَتَذَكَّرْتُ مقاطع مِنْ
قصيدة " يا ضيعانك يا بَيْرُوت " للشاعرِ الشَّعْبي اللبناني عمر الزعني:
(( يا مناظر عالشاشة/ يا خَدَّاعة وَغَشَّاشة / يا عروس بخشخاشة / يا مصمودي
بالتابوت / يا ضيعانك يا بَيْرُوت/ الجُهَّال حاكمين/ والأراذل عايمين/ والأنذال
عايشين/ والأوادم عَمَّا تموت/ يا ضيعانك يا بَيْرُوت )) .
أخَذَني أبو رياض إلى مَكَانِ
سَكَنِه ، وَهُوَ عِبارة عَنْ شَقَّةٍ صَغيرةٍ مُسْتَأجَرَةٍ في عِمارة قديمة .
أخْبَرَني أنَّ صاحبَها شخص عِرَاقي فَرَّ مِنْ لُبنان أثناءَ الحَرْبِ الأهليَّة
، وعادَ إلى بَلَدِه . كانَ الأثاثُ بسيطًا، ورائحةُ العُفونةِ مُنتشرة في كُلِّ التفاصيلِ
. أبو رياض خَسِرَ أموالَه ومُمْتلكاتِه في الحَرْبِ ، وَهِيَ بالأساسِ أموال
ومُمتلكات زَوجته الغَنِيَّة الراحلة التي وَرِثَهَا .
قالَ لِي إنَّه يَعيشُ في
الشَّقَّةِ معَ ابْنِهِ رياض المَشلول(30 سَنَة)،وابْنَتِهِ سالي العانسِ(26 سنة).
وَهُوَ الذي وَصَفَهَا بالعانسِ،وَلَسْتُ أنا مَنْ وَصَفَهَا بذلك . وابْنَتُهُ
تَرْعَى أباها وأخاها، وَتَعْتني بِهما، وَتَسْهَر على راحتهما ، وَهِيَ مَوجودةٌ
في البَيْتِ بسبب عَجْزِه عَنْ تَدريسِها في الجامعةِ ، فَهُوَ لا يَمْلِكُ مالًا
لذلك .
أصابت ابْنَه رَصَاصَةٌ طائشة
في ظَهْرِه ، فَسَبَّبَتْ لَهُ الشَّلَلَ ، وَهُوَ الآنَ على كُرْسِيٍّ مُتَحَرِّك
. وابْنُهُ مُجَرَّد شاب عادي ، لَيْسَ لَهُ مُيول سِياسية، ولَمْ يَحْمِل
السِّلاحَ في يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ ، ولا يَعْرِف كَيْفَ يُمْسِكُ مُسَدَّسًا ، ولَمْ
يَنْضَم إلى أيِّ حِزْبٍ سِياسيٍّ ولا تَنظيمٍ مُسَلَّحٍ ، ولا ناقة له ولا جَمَل
في الحربِ الأهليَّةِ ، ومَعَ هَذا فَقَدْ دَفَعَ الثمنَ غاليًا . شاب وَسِيم ،
ألْفُ امرأةٍ تَتَمَنَّاه ، لكنَّه مَشلولٌ على كُرْسِيٍّ مُتَحَرِّك .
جَلَسْتُ عَلى حَصِيرة على
الأرضِ ، أنا وأبو رياض . واعتذرتْ لِي سالي ، لأنَّ المَاءَ مَقطوع ، ولا
تَسْتطيع إحضارَ كُوب ماء ، ولَيْسَ عِندَهُم شايٌ ولا قَهْوَة . قُلْتُ لَها
مُحاولًا التَّخفيف مِنْ شُعورِها بالحَرَجِ والأسَفِ .
_ وأنا أيضًا ، الماءُ مَقطوع
في شَقَّتي ، وَلَمْ أتناولْ طَعامَ الإفطارِ ، لا ماء ولا طعام لَدَيَّ ، ومعَ
هذا ، الدُّنيا مُستمرة ، والحَيَاةُ مُنطلقة ، وتَسْتحق أنْ نعيشها بِحُلْوِها
وَمُرِّها .
وبالتأكيدِ ، كُنْتُ كاذبًا .
فَلَدَيَّ أشهى المأكولاتِ وألَذُّ المَشروباتِ في شَقَّتي الفخمة ، وَالمَاءُ والكهرباءُ
مَوْجودان.وسَفارةُ بَلدي جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية تُشْرِفُ على شَقَّتي مِنَ
الألفِ إلى الياء، وَتُوفِّر لِي كُلَّ احتياجاتي ، ولا يَنْقُصُني شَيْء .
ولكنَّني أردتُ التضامنَ مَعَهُم ، كَيْ يَشْعُروا أنَّ الجَميعَ يُعَاني ، وأنَّ المُعَانَاة
شاملة لجميعِ الناسِ .
أدركتُ حَاجَةَ " أبو
رياض " إلى المَالِ ، ولكنَّه كانَ عَفِيفَ النَّفْسِ لا يَقْبَلُ الإحسانَ
ولا الصَّدَقَاتِ، فَهُوَ مُلتزم بمبدأ احترامِ الذاتِ ، وَيَرْفُض مَدَّ يَدِهِ
للناسِ ، ويَرى أنَّ سُؤالَ الناسِ أوْ قَبُول الصَّدَقَاتِ يَتعارض معَ كَرَامته
ومَكانته الاجتماعية وسُمْعةِ عائلته .
قَرَّرْتُ أنْ أُسَاعِدَ
" أبو رياض " بطريق غَيْرِ مُبَاشِر ، فَقُلْتُ لَه :
_ وَجَدْتُ لَكَ وَظيفة يا
" أبو رياض "، مَا رَأيُكَ أنْ تَعْمَلَ دليلًا سِياحيًّا مُقَابِل
أُجْرَة يَوْمِيَّة ؟ .
ضَحِكَ أبو رياض بأعلى صَوْتِه
، حَتَّى لَمَعَ الدَّمْعُ في عَيْنَيْه ، وقالَ :
_ دليل سِيَاحِي !، ولُبنان
خارج مِنَ الحَرْبِ ، والبِلادُ مُدمَّرة ، والخَرَابُ مُنتشر في كُلِّ مَكَانٍ .
_ اسْمَعْني يا " أبو
رياض " ، الحَرْبُ انتهتْ والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِين ، أُريدُ أنْ
تَشْرَحَ لِي أهَمَّ الأحداثِ في الحَرْبِ الأهليَّةِ مَعَ التواريخ ،
وبالتَّسَلْسُلِ الزَّمَنِيِّ ، وتأخذني إلى الأماكنِ التي حَصَلَتْ فِيها
المَعاركُ والمَجازرُ ، بِحُكْمِ خِبرتك وثقافتك وَمَعْرفتك الواسعة ، وأنا
سَأدفعُ لَكَ مِئة دُولار يَوْمِيًّا .
عِندَما سَمِعَ بالمِئة دُولار
، دَبَّ في جِسْمِهِ النَّشَاطُ والحيويةُ ، وصارَ وَجْهُهُ مُضيئًا ، وقالَ لِي
وَهُوَ غَيْرُ مُصَدِّقٍ :
_ هَلْ أنتَ جاد في كَلامِكَ
أَمْ تَمْزَحُ مَعِي وَتَسْخَر مِنِّي ؟ .
_ أنا جاد في كُلِّ كلمة
قُلْتُهَا ، وَلْنَبْدَأ مِنَ الغَدِ .
_ لِمَاذَا الغَد ؟ ،
سَنَبْدَأ مِنَ اليَوْمِ ، وَرِحْلَتُنَا انطلقتْ مِنَ الآن .
51
أخَذَني أبو رياض إلى مَنطقة
عَيْنِ الرَّمَّانَةِ ، وَوَقَفْنَا أمامَ كَنيسةِ سَيِّدةِ الخَلاصِ للرُّومِ
الكاثوليك . وقالَ لِي :
_ هَذه الكنيسةُ هِيَ شَرارةُ
الحَرْبِ الأهليَّةِ اللبنانية .
تَعَجَّبْتُ مِنْ هَذا الكلامِ
، وَقُلْتُ وأنا في غَايةِ الحَيْرَةِ والاستغرابِ :
_ هَذه كَنيسة ومَكَانُ
عِبَادة المَسِيحيين ، مَا عَلاقتها بالحَربِ والقَتْلِ والقِتالِ ؟ .
_ شَرارةُ الحربِ الأهلية
اللبنانية جاءتْ بعد مُحاولة اغتيال بيار الجميِّل ، وَهُوَ يُغادر كنيسةَ
سَيِّدةِ الخَلاصِ للرُّومِ الكاثوليك في مَنطقة عَيْنِ الرَّمَّانة يَوْمَ الأحد
13/4/1975 . أدَّتْ إلى قَتْلِ مُرافقه جوزيف أبو عاصي. وَوُجِّهَتْ أصابعُ
الاتِّهامِ يَوْمَها إلى الفَصائلِ الفِلَسْطينية.وفي نَفْسِ اليَوْمِ، وفي
المَنطقةِ ذَاتِها ، هاجمَ مُسَلَّحُون يَنْتَمُون لميليشيات الكتائبِ حافلةً (
بوسطة ) مَدَنِيَّة ، يُوجَد فِيها رُكَّاب فِلَسْطينيون ولُبنانيون، مُتَوَجِّهَة
إلى مُخَيَّمِ تَلِّ الزَّعْتَرِ، وأطلقوا النارَ عَلى رُكَّابِها، مِمَّا أدَّى
إلى وُقوع 27 قتيلًا بَيْنَهُم . واندلعتْ مَعارك في نَفْسِ الليلةِ بَيْنَ
الفِلَسْطينيين واليمينِ المَسِيحِيِّ .
_ بِصَراحةٍ يا " أبو
رياض " ، هَلْ حاولَ الفِلَسْطينيون اغتيالَ بيار الجميِّل ؟ .
_ يا هِشَام ، أنتَ طالبٌ في
الجامعةِ الأمريكية ، وشاب مُثَقَّف . إنَّ التعاملَ مَعَ الأحداثِ التاريخية
الغامضة خَطِير ، لأنَّ هُناك رِوَايَتَيْن دائمًا . والمَوَارنةُ يَعْتبرون أنَّ
الفِلَسْطينيين احْتَلُّوا لُبنان وَدَمَّرُوه ، والفِلَسْطينيون يَعْتبرون
المَوَارنة خَوَنَة وعُمَلاء لإسرائيل . وكُلُّ طَرَفٍ يَبْحَثُ عَنْ مَصلحته
وشَرعيةِ وُجودِه .
وأردفَ قائلًا :
_ روايةُ مِيليشيا الكَتائبِ
تَقُول : (( عِند الساعة الحادية عَشْرَة مِنْ قَبْلِ الظُّهْر
كانَ مُقَرَّرًا أنْ يَبْدَأ احتفال تَدْشين كنيسة سَيِّدة الخلاص للرُّوم الكاثوليك
في شارع مار مارون المُتفرِّع من شارع بيار الجميِّل بِحُضور الشيخ بيار الجميِّل
. وكانتْ طَلَبَتْ قُوَّةً للمحافظة على السَّيْرِ ، فعاونتهم المَفْرَزة المَحَلِّية
على ذلك . وفي الوقت ذاته كان الفدائيون الفِلَسْطينيون يَحْتفلون بمهرجان تأبيني أُقيمَ في مُخَيَّم صَبْرَا
لِشُهداءِ الثَّورةِ الفِلَسْطينية اشتركتْ فيه جميعُ الفصائل الفِلَسْطينية .
نَحْوَ الساعة العاشرة تقريبًا وَصَلَتْ إلى مكان الاحتفال سيارة فولكسفاغن يَقُودها
لُبناني يُدعَى مُنتصر أحمد ناصر ، وهو مِنْ مُقاتلي جبهة التحرير العربية ، وَهِيَ
الجَنَاح الفِلَسْطيني مِنْ حِزْبِ البَعْثِ العِراقي . كانتْ لَوْحَتُها مَكشوفةً
وَمَعروفةً بأنَّها تابعة للكِفاح المُسَلَّح الفِلَسْطيني . حاولَ رِجالُ
السَّيْرِ مَنْعَه مِنَ المُرور ، فتجاوزهم ، فاصطدمَ بجوزيف أبو عاصي مُرافق
الشيخ بيار الجميِّل وعدد مِن الشُّبَّان الذين حاولوا أيضًا
مَنْعَه مِنْ إكمالِ طريقه مِنْ أمام موقع الاحتفال ، فَلَمْ يَأبه ، وتابعَ طريقَه
مُسْرِعًا ، فَأُطْلِقَ الرَّصَاصُ عَلى السَّيَّارة ، فَتَوَقَّفَ ، وَنَزَلَ مِنَ
السَّيَّارة بِسُرعة ، وسقط على الأرض بعد أنْ أُصيبَ بِجُرْح في كَفِّه ، وعلى
الفَوْرِ نُقِلَ إلى مُستشفى القُدْسِ الذي تُشْرِف عليه المُقاومة الفِلَسْطينية
. وصباح اليوم التالي عِندما تَوَجَّهَتْ دَوْرِيَّة الدَّرَكِ لأخذِ إفادته كان
اختفى ، وَلَمْ يُعْثَرْ له على أثر . بَعْدَ ثُلُثَي الساعة تقريبًا وَصَلَتْ سَيَّارة فيات حمراء ،
غُطِّيَتْ لَوْحتها بأوراق تَحْمِل شِعارات فِلَسْطينية ، وبداخلها أربعة مُسَلَّحِين ، فتجاوزتْ
حاجزَ الدَّرَكِ الذي أُقيم إثْرَ عملية إطلاق النار السابقة ، وأخذَ المُسَلَّحُون
يُطْلِقُون الرصاصَ عَشوائيًّا على الأهالي المُتجمعين عِند مَدخل الكنيسة ، فَسَقَطَ
قتيلًا كُلٌّ مِنْ جوزيف أبو عاصي ، وأنطوان ميشال الحُسَيني ، وديب يُوسُف عَسَّاف،
وإبراهيم حَنَّا أبو خاطر. وأُصِيبَ سَبْعَة أشخاص بِجُروح مُختلفة. رَدَّ الأهالي
بالرصاص على السَّيَّارة وَهِيَ تُحاول الفِرَارَ ، فَقُتِلَ فِدائي ، وأُصِيبَ
اثنان نقلتهما قُوى الأمن إلى مُستشفى القُدْسِ، فِيما نُقِلَ القَتْلَى والجَرْحَى
مِنْ أهالي عَيْنِ الرَّمَّانَةِ إلى مُستشفى الحياةِ. عَلى صَوْتِ الرَّصَاصِ هَبَّ
شبابُ عَيْنِ الرَّمَّانة مِنْ مَنازلهم ، وأَسْرَعُوا إلى أسلحتهم ، وفي اعتقادهم
أنَّ هُجومًا تَتَعَرَّض له مَنْطقتهم، وراحت الأخبارُ تَنتشر عَنْ تَعَرُّض الشيخ
بيار الجميِّل لِمُحاولة اغتيال، وَمَا زادَ مِنْ حِدَّةِ الإشاعاتِ أنَّ الشيخ
بيار كان غادرَ المَحَلَّة قبل فترة دُون أنْ يُشاهده مُعْظَمُ الأهالي ، فاعتقدوا
أنَّ مَكْرُوهًا أصابه . في هذه الأجواء المشحونة والمُتوترة جِدًّا ، وَفِيما
الأهالي مَذهولون مِمَّا جَرَى ، ويُحاولون لَمْلَمَةَ آثار مَا حَدَثَ، وَدِماء
أحَدَ عَشَر شابًّا تُغطِّي الأرضَ، والشُّبَّان المُسَلَّحون يَقِفُون على
أعصابهم خَوْفًا مِنَ الساعات القادمة . فَجْأةً ، اقتحمت الشارعَ بوسطة مُزدحمة بالمُسَلَّحين الفِلَسْطينيين
كانوا مُتَوَجِّهين إلى مُخَيَّمِ تَلِّ الزَّعْتَر ، وبنادقهم وأعلامهم وثيابهم
المُرقَّطة ظاهرة مِنَ النوافذ ، وَهُمْ يُنْشِدُون الأناشيدَ الحَمَاسِيَّة ، فاعتقدَ
الأهالي أنَّ هُجومًا مُفاجئًا تَتَعَرَّض له عَيْن الرَّمَّانة استكمالًا لِمَا جَرى
. لحظات وانهمرَ الرصاصُ على البوسطة التي لَمْ يَنْجُ مِنْ رُكَّابِهَا سِوى
السائق واثنَيْن مِنْ رِجَال المُقاومة )) .
_ وَمَا هِيَ رِوايةُ الفِلَسْطينيين
للحادثةِ ؟ .
_ يَرى الفِلَسْطينيون وَمَعَهُم أحزاب الجَبْهَة
الوطنية اللبنانية أنَّ هذا الحادث المأساوي هُوَ نِتَاج تخطيط داخلي وإقليمي ودَوْلي
. فالعاملُ الأوَّل هُوَ حُصول سُلَيمان فرنجية على رِئاسة الجُمهورية اللبنانية ، وهو
قائد تنظيم المَرَدَة الذي عَمِلَ على تشكيله لاحقًا . وكانَ يُريدُ التَّخَلُّصَ
مِن اتفاق القاهرة الذي عُقِدَ إبَّان حُكْمِ سَلَفِه الرئيس شارل حلو معَ ياسر عَرَفَات ، وبإشراف
الرئيس جمال عبد الناصر ، والذي عُرِفَ فِيما
بَعْدَ باتفاق القاهرة . وفي هذا الاتفاقِ ضَمِنَتْ م.ت.ف (
مُنظمة التحرير الفِلَسْطينية ) رَفْعَ يَدِ
المكتب الثاني للمُخابرات اللبنانية وأدوات السُّلطة عَن العبث بالمُخَيَّمَاتِ الفِلْسْطينية ، ورفع القمع عن هذه المُخَيَّمات ، وذلك
بتشكيل الكِفاح المُسَلَّح الفِلَسْطيني الذي يَتَوَلَّى الأمْنَ داخل هذه المُخَيَّمات
بالتَّنْسيق مع أجهزة الدولة اللبنانية . والأمرُ الثاني هُوَ ضَمان المُقاومة مُنْطَلَقًا
لها مِنْ جَنُوب لُبنان ، في مَنطقة
تُدْعَى العرقوب لِمُمارسةِ نشاطها ضِد العَدُوِّ الصهيوني . وَمُنْذُ
مجيء الرئيس سُلَيمان فرنجية ، حاولَ إنهاءَ اتفاق القاهرة عن طريق الجيش اللبناني
في العام 1973 ، وذلك بالهُجوم على المُخَيَّمات الفِلَسْطينية ، ومُحاولة اعتقال
قادة المُقاومة . لكنَّ الخُطوة فَشِلَتْ ، وَلَمْ يَتمكن الجَيْشُ اللبناني مِنْ
دُخول المُخَيَّمات الفِلَسْطينية ، بَلْ حَصَلَ انشقاق داخله ، حَيْثُ قامَ أحدُ
ضُبَّاط الجَيْشِ اللبناني ، واسمه أحمد الخطيب بالانشقاق عَن الجَيْشِ ، وتشكيلِ مُا
سُمِّيَ بجيش لُبنان العربي . الأمرُ الثالث هُوَ وُجود هِنري كيسنجر وزير الخارجية
الأمريكي ، وهو يهودي هاجرتْ عائلته مِنْ ألمانيا إلى الوِلاياتِ المُتَّحدة
الأمريكية عام 1938 ، وكانَ يهدف مِنْ وراء خلط الأوراق على الساحة الفِلَسْطينية
إنهاء وُجود مُنظمة التحرير الفِلَسْطينية الرَّقْم الأصعب في حَلِّ مُعادلة القَضِيَّة
الفِلَسْطينية ، وإنهاء الهُوِيَّة الفِلَسْطينية التي هي نقيض الوجود الصهيوني
على أرض فِلَسْطين . الأمرُ الرابع هُوَ وُجود نِظام حافظ الأسد في سوريا ، والذي حصل على رِضَا أمريكا
بانقلابه عام 1970 ، وَبِتَضْييقه على القُوَّات العِراقية التي شاركتْ في حرب عام 1973 ، وَمَنَعَتْ
دِمَشْق مِنَ السُّقوط . وَجَدَ كيسنجر في هذه العوامل وغَيْرِها فُرصةً لإحكام
سيطرة النِّظام السُّوري على المُقاومة الفِلَسْطينية واحتوائها بِما يَخْدُم مُجْريات
التَّسوية التي خَطَّطَ لها . وَقَدْ لاقتْ هَذه السِّياسة مُعارضة الاتحاد السوفييتي في حِينِه ، ففي
الوقت الذي كانت فيه الدَّبَّابات السُّورية تَدْخُل الأراضي اللبنانية بالتَّفاهمات
التي أُجْرِيَتْ بَين سُوريا والكِيان الصهيوني عن طريق كيسنجر ، كانَ وزيرُ خارجيَّة
الاتحاد السُّوفييتي في حِينِه غروميكو يُصرِّح بأنَّ السُّوفييت يُعارضون الدُّخولَ
السُّوري إلى لُبنان .
_ أُريدُ أنْ أسألكَ يا " أبو رياض
" ، هَلْ مِنَ المَعقولِ أنَّ السبب الوحيد للحربِ الأهلية اللبنانية التي
استمرَّتْ 15 سنة ، وأسفرتْ عَنْ مقتل حوالي 120 ألف شخص ، وتَشريد مَليون لُبناني
، هُوَ إطلاق نار على حافلة ( بوسطة ) صغيرة ؟ .
_ لَمْ يَقُلْ أحدٌ إنَّها السَّبب الوحيد ،
ولكنَّها القَطْرَة التي أفاضت الكأسَ ، والقَشَّة التي قَصَمَتْ ظَهْرَ البَعِيرِ
. كانَ لُبنان مُتَعَدِّد الطوائف قبل الحرب ، حَيْثُ مَثَّلَ المُسلمون السُّنَّة
والمَسيحيون الأغلبية في المُدن الساحلية ، بَينما كانَ الشِّيعة مُسْتَقِرِّين
أساسًا في الجَنُوبِ ووادي البِقاع إلى الشرق، والدُّروز والمَسيحيون الأغلبية في
الجبال . وَسِياسيًّا ، كانت النُّخَبُ المَارُونِيَّة تُسيطر على الحكومة
اللبنانية،حَيْثُ عَمِلَ الانتدابُ الفرنسيُّ في الفترة ( 1920_ 1943 ) عَلى
تَقْويةِ تَدَخُّلِ الطائفية في السِّياسة ، وَدَفَعَ إلى تركيز هيكل برلماني يسمح
بتعزيز نفوذ المَسيحيين داخله.وعلى العَكْسِ مِنْ ذلك، كانَ المُسْلِمُون يُمثِّلون
أغلبيةَ السُّكان.وَقَدْ تَسَبَّبَ إنشاء دَولة إسرائيل إلى نُزوح مِئات الآلاف مِنَ
اللاجئين الفِلَسْطينيين إلى لُبنان خِلال الفَترةِ ( 1948_ 1967 ) ، مُؤَدِّيًا
إلى اختلالِ التَّوازنِ الدِّيمغرافي لصالح المُسْلِمين . زِدْ عَلى ذلك ، مَثَّلَت
الحربُ الباردة عاملَ تَفْتِيتٍ عَلى لُبنان ، الذي كانَ مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا
بحالة الاستقطاب التي سَبَقَت الأزمةَ السِّياسية في عام 1958 ، مُنْذُ انحياز
الموارنة إلى جانب الغرب ، وانحياز المَجموعات اليَسَارِيَّة والعربية إلى جانب
بقيَّة الدُّوَل العربية القريبة أيديولوجيًّا آنذاكَ مِنَ الاتحادِ السوفييتي .
كانتْ للحربِ الأهلية أسبابٌ عِدَّة ، بَعْضُها سِياسي ، وبَعْضُها اقتصادي .
اعْتُبِرَتْ أزمةُ 1958 بِمَثابةِ التَّهْيئةِ للحربِ الأهلية ، وَمِنْ ثَمَّ
بَدَأ التصادمُ المُسلَّح بَيْنَ الجَيْشِ اللبناني والمُقاوَمةِ الفِلَسْطينية في
عام 1973 ، وظُهور حِلْف ماروني في مُواجهة المُقاوَمة الفِلَسْطينية ، وتَكوين
ميليشيات ، وَرَفْض لُبنان لِقَرارات مؤتمر القِمَّة العربية في شأنِ
الفِلَسْطينيين . وَتَرَكَّزَتْ جَميعُ المصالح الاقتصادية في العاصمة بَيْرُوت ،
بَيْنَما تَرَدِّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في جَنُوب لُبنان والهَيْكَل
الاقتصادي اللبناني بِتَقْسيماته القِطَاعِيَّة ، واختلال تَوْزيعاته الجُغرافية ،
ارتبطَ إلى حَد كبير بالاعتبارات الطائفية
والسَّطْوة السِّياسية ، والذي أسهمَ إلى حَد كبير في فَدَاحَةِ الخَسائرِ التي مُنِيَ
بها لُبنان .
وتابعَ قائلًا بِحُزْنٍ وَحُرْقَةٍ وألَمٍ :
_ يُمْكِنُ إيجاز أسبابِ الحربِ الأهليَّة
في وُجود عوامل اقتصادية اجتماعية طبقية ناتجة عَن انتشار الفَقْرِ والعَوَزِ ،
وعوامل سِياسية طائفية يُجسِّدها انقسامٌ بَيْنَ مَطالبِ المُسْلِمِين والمَسِيحيين،
وعوامل خارجيَّة مِحْوَرُها قَضِيَّة المُقَاوَمَة الفِلَسْطينية والكِفاح المُسَلَّح
وَخَطَر التَّوْطين .
بَعْدَ سنوات طويلة مِنْ كَلام " أبو
رياض " ، قَرَأتُ كَلامًا خطيرًا للمُفكِّر المِصْري عبد الرَّحمن بدوي في
سِيرة حَياته ( 1/ 174 ) يَقُول : (( وأذكُرُ هُنا لِقَاءً بَيْني
وَبَيْن بيير الجميِّل رئيس الكتائب ، تَمَّ في مقهى باريس سنة 1949 ، دارَ الحديث
بَيْنَنا طِوال ساعتَيْن ، وفيه كَشَفَ عَنْ كراهية شديدة لِكُلِّ مَا هُوَ إسلامي
وعربي . وقال : إنَّنا نَحْنُ
النَّصَارى لَنْ نَسمح لِغَيْرنا أنْ تَكُون لهم السِّيادة في لُبنان ، إنَّ
اللبنانيين الحقيقيين ، كَذَا زَعَمَ ، هُمُ المَسيحيون ، وبخاصَّة الموارنة ،
وَمَنْ عَدَاهُم هُمْ لُبنانيون بالفُرصة . وراحَ يَهْذي بكلام غريب في هذا الباب
حتى قال مِنْ بَيْنَ مَا هَذَى بِه:لماذا تضع البلادُ العربية اللونَ الأسود في عَلَمِها
؟ ، فَعَجِبْتُ مِنْ هَذا الكلام ، وَقُلْتُ له: وألمانيا أيضًا تَضَع هذا اللونَ
الأسود في عَلَمِها .. وَعَلَمُ السُّعودية ليس فيه لَوْن أسود ، وكذلك علم اليمن
والمغرب ، ولا شأن لهذا اللون بِعُروبة ولا إسلام . وكانَ
وهو يَتكلم يَتَمَيَّز غَيْظًا ، ويُحَرِّك فَكَّيْه بعصبية غريبة ، فأنهيتُ
اللقاءَ وانصرفتُ . خُلاصة انطباعي ( مِن هذا اللقاء ) هي أنَّه لَوْ تَمَكَّنَ هَذا
الرَّجُل مِنَ الوُصول إلى الحُكْمِ ، وزيرًا أو أعلى ، فَسَيَكُون ذلك علامة
انهيار لُبنان . وَقَدْ صَدَقَتْ نُبُوءتي هذه كُلَّ الصِّدْق ، ووأسفاه !. إنَّ
دولة ( لُبنان الكبير ) التي أنشأها الانتداب الفرنسي سنة 1920 كانتْ دَوْلَةً مُفْتَعَلَةً
تمامًا. أقلية تَتَحَكَّم في أغلبية ، وَتَوَتُّر دِيني شديد بَين طوائفها، واستعداد
لِدُوَل أجنبية كَيْمَا تَتَدَخَّل ، وَتُسْنِد فريقًا ضِدَّ فريق ، وَنِفَاق
ظاهري يَسْتُر وَرَاءَه كراهية قاتلة ، وَعَصَبِيَّات أُسَرِيَّة تَخُوض فِيما بَيْنَها
بَعْضها وَبَعْض معارك طاحنة ، واتِّجَار بالسِّياسة سِلْعته التأييد لِمَنْ يَدْفَع
أكثر مِن جانب حكومات أجنبية . فَكَيْفَ يُمْكِن لِكِيَان مُفْتَعَلٍ كَهَذا أنْ يُصْبح
دَولةً بالمفهوم السِّياسيِّ الصحيح ؟! )) .
وَعَدَني أبو رياض أنْ يأخذني في الأيَّامِ
القادمةِ إلى الأماكن التي وَقَعَتْ فيها أحداثُ الحربِ الأهلية اللبنانية ، التي
وُصِفَتْ بأنَّها " حرب الآخرين على أرضِ لُبنان " . قالَ لِي إنَّه سَيَأخُذني
إلى الأماكنِ التي قَتَلَتْ فِيها الميليشيات المسيحية المِئات مِنَ
الفِلَسْطينيين واللبنانيين المُسْلِمِين بِنَاءً على بِطاقات الهُوِيَّة،التي
كانتْ آنذاكَ تُدوِّن مَذهبَ حاملِها، فِيما عُرِفَ لاحقًا بـِ " السَّبْت
الأسْوَد".
وَسَوْفَ نَزُورُ مَنطقة الكرنتينا ذات
الأغلبية المُسْلِمة ، التي كانَ يَسْكُنُها أكراد وسوريون وفِلَسْطينيون ، وَقَد
اقتحمتها الميليشيات المسيحية في 18/1/1976 ، وَقَتَلَتْ حوالي 1500 مِنْهُم،وَرَدَّتْ
المِيليشيات الفِلَسْطينية بقتلِ مِئات المسيحيين في مَنطقة الدامور. سَوْفَ
يأخذني إلى المَنطقتَيْن: الكرنتينا والدامور، المغضوب عليهما . ولا أعْرِفُ
طبيعةَ سُكَّانِهما بَعْدَ انتهاءِ الحرب .
وَقَدْ أدَّتْ هاتان المَجْزرتان إلى هِجرة
جَمَاعِيَّة للمُسْلِمين والمسيحيين ، وانقسمتْ بَيْرُوت إلى مَنْطِقَتَيْن
عُرِفَتَا بـِ " المَنطقة الشَّرقية " ، وأغلبُ سُكَّانِها مسيحيون ،
لكنَّها مُحاطة بِمُخَيَّمَاتِ الفِلَسْطينيين، و " المَنطقة الغربية "
التي كانتْ مُخْتَلِطَة، لكنَّ أكثرية أهْلِها مُسْلِمُون ، وَسُمِّيَ الخَط
الفاصل بَيْنَ المَنْطِقَتَيْن" الخط الأخضر". وَسَوْفَ نَذهَب إلى
مُخَيَّمِ تَلِّ الزَّعْتَرِ ، أوْ بالأحْرَى الأرض التي بُنِيَ عَلَيْهَا ، لأنَّ
المُخَيَّمَ أُزِيلَ مِنَ الوُجودِ خِلال الحربِ الأهلية اللبنانية بِمَذبحة تَلِّ
الزَّعْتَر .
في حَزِيران / يونيو 1976 ، طالبَ الرئيسُ
اللبناني سُلَيمان فرنجية سُوريا بالتَّدَخُّلِ لحمايةِ المسيحيين ، فَدَخَلَت القُوَّاتُ
السورية ، وَمَكَّنَت الميليشيات المسيحية مِن اقتحامِ دِفَاعاتِ مُخَيَّمِ تَلِّ
الزَّعْتَرِ ، وَقَتَلَتْ أعدادًا كبيرة مِنَ الفِلَسْطينيين ، مِمَّا أثارَ
غَضَبَ العَالَمِ العربيِّ ضِدَّ سوريا .
تَعَرَّضَ المُخَيَّمُ لقصفٍ شديد مِنَ
الميليشيات المسيحية ، وحِصَار دامَ 52 يَوْمًا، وَعِندما بدأ الناسُ يَمُوتون
عَطَشًا اسْتَسْلَمُوا ووافقوا على الجَلاءِ ، ثُمَّ سَوَّت البلدوزراتُ
المُخَيَّمَ بالأرضِ .
وَسَوْفَ يأخذني إلى مَنطقة إهدن ، وَهِيَ
بلدة جبلية تَقَع في قَضَاء زغرتا / الزاوية في مُحافظة الشَّمَالِ . في 13/6/1978
، وعَلى إثْرِ مَقتل عُضْو بارز في حزبِ الكتائبِ على أيدي قُوَّاتِ المَرَدَةِ ،
أرسلَ بشير الجميِّل قُوَّاتِه بقيادة سمير جعجع لاختطافِ طوني فرنجية قائد ميليشيات
المَرَدَةِ وابنِ الرئيسِ سُلَيمان فرنجية ، لإجبارِه على تسليمِ المسؤولين عَن
مَقتل العُضْو الكتائبي . إلا أنَّ العملية انتهتْ بمقتل طوني فرنجية وعائلته
ومُقَاتليه فِيما عُرِفَ بـِ " مَجزرة إهدن " . وعلى إثْرِها أنهى
سُلَيمان فرنجية ارتباطَ المَرَدَةِ بالجَبهةِ اللبنانية .
وَسَوْفَ نذهب إلى مَنطقة مارينا الصفرا
الواقعة بين جونية وجبيل . في 7/7/1980 ، أرسلَ بشير الجميِّل أيضًا قُوَّاتِه
للقَضَاءِ على ميليشيا نمور الأحرار بقيادة داني شمعون ، فَوَقَعَتْ" مَجزرة
الصَّفرا " ، وَهَرَبَ شمعون إلى بَيْرُوت الغربية .
أصبحَ بشير الجميِّل المُسيطِر الوحيد على
بَيْرُوت الشَّرقية ، فاندلعت المعاركُ بَيْنَه وَبَيْنَ القُوَّاتِ السورية فِيما
عُرِفَ بـِ " حرب المِائة يَوْم " ، وأثناءها استغاثَ بشير الجميِّل
بإسرائيل التي أرسلتْ طائراتِها الحربية ، وأسقطتْ مِرَوَحِيَّتَيْن سُورِيَّتَيْن
.
وَسَوْفَ نَذهَب إلى مَنطقة الأشرفية ،
لِنَتَعَرَّفَ على المَكانِ الذي اغْتِيلَ فيه بشير الجميِّل في 14/9/1982 ،
حَيْثُ انفجرتْ قُنبلة في مَعْقِلِ الكتائبِ . وَلَمْ يَستطعْ أحدٌ التَّعَرُّفَ
على الجُثَّةِ مِنْ خِلال وَجْهِه ، إلا أنَّها عُرِفَتْ لاحقًا مِنْ خِلال
خَاتَمِ الزَّواج الذي كانَ يَرتديه . وَنَفَّذَ عمليةَ الاغتيالِ حبيب الشرتوني ،
وَهُوَ مسيحي ماروني ، وعُضْو في الحِزْبِ السوري القَوْمي الاجتماعي .
اقتحمت الميليشيات المسيحية مُخَيَّمَيْ
صَبْرا وشاتيلا في 16/9/1982 ، وَقَتَلَتْ مَا يُقَارِب 3500 مَدَني ، مُعْظمهم
مِنَ الفِلَسْطينيين والشِّيعة اللبنانيين ، بِمُساعدة الجيش الإسرائيلي . وكانَ
الدافعُ المُعْلَنُ وَراءَ المَجزرةِ الانتقام لاغتيال بشير الجميِّل ، فَقَدْ
ظَنَّ أعضاءُ الميليشيا أنَّ الفِلَسْطينيين هُمُ المَسؤولون عَن اغتيالِه .
وأيضًا ، هاجمتْ حركة أمل الفِلَسْطينيين في مُخَيَّمَيْ صَبْرا وشاتيلا وبُرْج
البراجنة ، فاشتعلت الحربُ على المُخَيَّمَات مَا بَيْنَ عَامَيْ 1985 و1986 .
وَقَرَّرْنَا زِيارةَ مُخَيَّمَيْ صَبْرا
وشاتيلا ، وإجراء لقاءات معَ أقارب الضَّحَايا . وأيضًا ، قَرَّرْنا زِيارةَ جبل
الشوف ، حَيْثُ اندلعتْ معارك دامية بين المسيحيين والدروز في آب / أَغُسْطُس 1983
، انتهتْ بانسحاب المُقاتِلين المسيحيين إلى بَيْرُوت الشرقية .
في نَيْسَان / أبريل 1985 ، هاجمتْ حركةُ
أمل والحِزبُ التَّقَدُّمي الاشتراكي الدُّرزي ، بدعم مِنْ سُوريا ، القُوى
السُّنِّية القريبة مِنَ الفِلَسْطينيين ( تنظيم " المُرابطون " ) .
وَضَعَ أبو رياض جَدولًا زمنيًّا دقيقًا
لزيارةِ الأماكنِ التي جَرَتْ فيها أحداثُ الحربِ الأهلية اللبنانية . وَسَمَّيْتُ
هَذه العمليةَ مازحًا " السِّياحة الحَرْبِيَّة " ، فَضَحِكَ أبو رياض
مِنْ أعماقِ قَلْبِه ، وقالَ : (( هَذه سِياحة حَرْبِيَّة بِدُون دِمَاء ولا أشلاء
ولا صَوْت رَصَاص ولا دَوِيِّ مَدَافِع . إنَّها سِياحة حَرْبِيَّة في وَطَنٍ ضاعِ
بَيْنَ مُلوكِ الطوائفِ وأُمَرَاءِ الحُروبِ وَشُيوخِ القَبائل )) .
بَعْدَ عِدَّةِ أيَّام ، زُرْتُ " أبو
رياض " في شَقَّتِهِ البائسة المُسْتَأجَرَة ، فَوَجَدْتُهُ طَرِيحَ
الفِرَاشِ . قالتْ لِي ابْنَتُهُ سالي إنَّه مريضٌ بِشِدَّةٍ ، ولا يَمْلِكُون
أُجرةَ الطبيب . ذهبتُ إلى سَفارةِ بَلَدي جُمهورية الأحلامِ الوردية ، وَطَلَبْتُ
مِنْهُم مَبلغ أربعة آلاف دُولار فَوْرًا . اسْتَلَمْتُهُ مِنْ يَدِ السَّفيرِ ،
وَعُدْتُ إلى شَقَّةِ " أبو رياض ". فتحتْ لِي سالي البابَ . لَمْ
أدْخُلْ . أعْطَيْتُهَا المَبْلَغَ ، فَذُهِلَتْ ، وانعقدَ لِسَانُها مِنَ
الصَّدْمَةِ . وانصرفتُ .
لَمْ أرَ " أبو رياض " بَعْدَهَا
إطلاقًا ، والجَدولُ الزَّمنيُّ الذي وَضَعَه لزيارةِ أماكنِ الحَرْبِ ذَهَبَ
أدراجَ الرِّياحِ . والمَنطقةُ الوحيدةُ التي قُمْنَا بزيارتها هِيَ مَنطقة عَيْنِ الرَّمَّانَةِ .
وكَمْ تَمَنَّيْتُ أنْ نَزُورَ أماكنَ الحربِ للاطِّلاعِ عَلَيْها،وَرُؤيتها رَأيَ
العَيْنِ.ولكنْ للأسفِ الشديد،مَرِضَ أبو رياض، وَلَمْ يَقْدِرْ على الوفاء بوعده
لِي . ومعَ هَذا ، فَقَدْ سَامَحْتُكَ يا " أبو رياض " . وأطْلُبُ مِنْ
بَيْرُوت أنْ تُحِبَّني وَتُسَامحني، أنا ذلك الطِّفْل البائس الذي قَضَى حَيَاتَه
شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا في قَريةٍ صَغيرةٍ ومَعزولةٍ وَمَنْسِيَّةٍ ، وأنا الآنَ
في قَلْبِ عاصمةٍ عربية مُدمَّرة . لَيْتَني تَعَرَّفْتُ عَلَيْكِ يا بَيْرُوت
قَبْلَ الحَرْبِ .
لَقَدْ كَتَبْتُ قِصَّتَكَ يا " أبو
رياض " بَعْدَ سنوات طويلة مِنْ لِقائنا ، وَلا أعْلَمُ أيْنَ أنتَ الآن . هَلْ أنتَ حَيٌّ الآنَ أَمْ مَيْتٌ ؟ . أرجو أنْ
تَكُونَ قادرًا على قِراءةِ كَلامي هَذا . أنا هِشَام ، ذلك الطالب الذي كانَ
يَدْرُسُ في الجامعة الأمريكية في بَيْرُوت عام 1990 . تُرى كَيْفَ سَتَكُون
رِدَّةُ فِعْلِكَ يا " أبو رياض " لَوْ عَلِمْتَ أنَّني ابنُ نائبِ
رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية . هَلْ سَتَشْتُمُ رئيسَنا مِثْلَمَا كُنْتَ
تَشْتُمُ بشير الجميِّل وميشيل عون وياسر عَرَفَات وجورج حَبَش وحافظ الأسد ووليد
جنبلاط ونبيه بِرِّي . وَدَاعًا
يا " أبو رياض " ، وَدَاعًا لا لِقَاءَ بَعْدَه .
بَعْدَ مُضِيِّ كُلِّ هَذه السَّنَوَاتِ ،
لا زِلْتُ لا أعرفُ هَلْ أبو رياض مُسْلِم أَمْ مَسِيحي ، سُنِّي أَمْ شِيعي ،
ماروني أَمْ أُرثُوذُكْسي ، دُرْزي أَمْ نُصَيْري ( علوي ). ولكنَّني قَدَّمْتُ
لابنته المالَ ، وَمَضَيْتُ إلى حالِ سَبيلي ، وَلَمْ أُفَكِّرْ في دِينِهِ أوْ
مَذهَبِه . وكانَ مَبلغ أربعة آلاف دُولار في عام 1990 ضخمًا للغايةِ ، خُصوصًا
أنَّ لُبنان خارج مِنْ حَرْب طاحنة ، أَكَلَت الأخضرَ واليابسَ ، وَتَرَكَت الشعبَ
اللبناني الشَّقيق فقيرًا وجائعًا وبائسًا بِلا حَاضِر ، وَرُبَّمَا بِلا
مُسْتَقْبَل أيضًا .
52
في يَوْمِ الجُمُعَةِ 8/11/1991 ، كُنْتُ
أمْشِي معَ صديقة مسيحية مارونية في شارعٍ قريب مِنَ الجامعةِ الأمريكية ، اسْمُها
ساندرا ، وَهِيَ في نَفْسِ عُمري ، وَمُثَقَّفَة، وواسعة الاطِّلاع ، وَتَتَحَدَّث
عِدَّة لُغَات ، وَتَنْتمي إلى عائلة راقية ذات مكانة اجتماعية رفيعة في المُجتمع
المَسِيحي. وأخْبَرَتْني أنَّ عَمَّهَا كانَ قائدًا كبيرًا في حِزْبِ الكَتائبِ
اللبنانيِّ معَ فؤاد أبو ناضر وسمير جعجع وإيلي حُبَيْقة.
كانتْ ساندرا فَتاةً لطيفةً وجميلةً وساحرةً
وَمُتَحَرِّرَة في عَلاقاتِها وَملابسِها ، ولها مُحاولات في كِتابةِ الشِّعْرِ
والنَّقْدِ الأدبيِّ. مَازَحْتُهَا في أحَدِ الأيَّامِ قائلًا :
_ لَوْ تَقَدَّمْتُ لطلبِ يَدِكِ للزواجِ ،
هَلْ سَتُوَافقين يا ساندرا ؟ .
_ سَأُوَافِق ، ولكنَّ أهْلي سَيَرْفُضُون ،
لأنَّكَ مُسْلِم ، وأنا مسيحية .
_ مَا رَأيُكِ أنْ أَخْطِفَكِ وَنَهْرُبَ
مَعًا ، وَنَتَزَوَّج خطيفة .
ضَحِكَتْ ساندرا بأعلى صَوْتِها ، وقالتْ
مازحةً :
_ يَا مُتَوَحِّش ، هَلْ تُريدُ خَطْفي لِتُطَالِبَ
أهلي بِفِدْيَةٍ ؟ .
_ سَأُطالبهم بِدَفْعِ مَهْرِ زَواجِنا ،
وَلَيْسَ فِدْيَة .
وانفجرتْ ساندرا ضاحكةً . كانتْ تَضْحَكُ
بشكلٍ هِسْتيري ، وَظَهَرَتْ أسنانُها بَيْضَاء ولامعة . وقالتْ وَبَرِيقُ الألَمِ
الغامضِ يَنهمرُ عَلى عَيْنَيْهَا :
_ لَمْ أَضْحَكْ مِثْلَ هَذه الضحكةِ مُنْذُ
زَمَنٍ بعيد. لَقَدْ ذَكَّرْتَني بالضَّحِكِ يا هِشَام بَعْدَ أنْ نَسِيتُه.
أردتُ تَغييرَ المَوضوعِ ، فَقُلْتُ بشكلٍ
جِدِّيٍّ لا هَزَلِيٍّ :
_ أنتِ مَلِكَة جَمَال يا ساندرا ، كَيْفَ
حافظتِ عَلى بَيَاضِ أسنانكِ أثناءَ الحَرْبِ ؟ ، وَمَا سِرُّ جَمَالِ
المَسِيحِيَّات ؟ .
_ هَلْ تَتَغَزَّلُ بِي في الشارعِ يا
هِشَام ؟ .
_ أنا أسألُ مِنْ أجْلِ الاطِّلاعِ
والمَعرفةِ .
ابتسمتْ ساندرا بِخُبْثٍ ، وقالتْ بِلَهجةِ
المُنتصِرِ الحاسمة :
_ أنتَ وَلَدٌ مُرَاهِقٌ يا هِشَام ،
عِندَما تَكْبَرُ سَتَعْرِفُ الإجابةَ بِنَفْسِك .
تضايقتُ مِنْ هَذا الجَوَابِ ، خُصُوصًا
أنَّها قَالَتْهُ وكأنَّها تُعْلِنُ انتصارَها عَلَيَّ . لَمْ أَقْبَلْ بالهزيمة،
سَأرُدُّ لها الصَّاعَ صَاعَيْن ، وَأُعْلِنُ انتصاري عَلَيْهَا . كُنْتُ أعْرِفُ
أنَّها تَعْشَقُ بشير الجميِّل بِجُنون ، فَقَرَّرْتُ أنْ أضْرِبَ عَلى هَذا
الوَتَرِ الحَسَّاسِ مِنْ أجْلِ استفزازِها وَإغاظتها وَقَهْرِها ، فَقُلْتُ
واثقًا :
_ بشير الجميِّل خائنٌ لوطنه، وعميلٌ
لإسرائيل ، وكافرٌ، والكافرون سَيَذهَبُون إلى النار .
قُلْتُ لَهَا هَذا الكلامَ بصوتٍ مُنخفض
لِكَيْلا يَسْمَعَني أحَدٌ ، فَيَعْتَدِيَ عَلَيَّ ، أوْ تَحْدُث مُشكلة كبيرة ،
خُصُوصًا أنَّ لُبنان خارج مِنْ حرب أهليَّة طاحنة بَيْنَ المُسْلِمِين
والمَسِيحيين ، وأصغرُ كَلِمَة قَدْ تُؤَدِّي إلى فِتْنَة طائفية ، وَنُفُوسُ
الناسِ مُمتلئة بالحِقْدِ وَحُبِّ الثأرِ والانتقامِ . وَلَوْ سَمِعَني شَخْصٌ
مسيحي وأنا أقُول هَذه العِبارة في تِلْك اللحظة ، بالتأكيدِ ، سَوْفَ يَضْرِبُني
أوْ يَقْتُلُني .
فَقَدَتْ ساندرا أعصابَها ، وتضايقتْ
بِشِدَّة، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عالٍ :
_ قائدُنا بشير الجميِّل مُخْلِصٌ ،
وَبَطَلٌ ، وشهيد ، وَهُوَ في الجَنَّةِ معَ القِدِّيسين .
بَيْنَما نَحْنُ نتجادل في شأنِ بشير
الجميِّل ، سَمِعْنَا صَوْتَ انفجارٍ كبير وَمُرْعِب بالقُرْبِ مِنَّا . انفجرتْ
سَيَّارَة مَلغومة داخل حَرَمِ الجامعةِ الأمريكية ، وَدَمَّرَتْ جُزْءًا كبيرًا
مِنَ المَبْنَى الإداري الرئيسي الأثري " الكوليدج هول " ، بِما في ذلك
بُرْج الساعةِ الشهير ، الذي كانَ يُزيِّن البَوَّابَةَ الرئيسية للمَبْنَى .
مِمَّا أسْفَرَ عَنْ مَقْتَلِ حارسٍ ، وإصابةِ أربعة أشخاص. وكانَ هَذا التَّفجيرُ
أوَّلَ ضَرَرٍ مادي كبير يَلْحَق بالجامعةِ ، التي تُعْتَبَر مِنْ أرقى جامعاتِ
الشرقِ الأوسط .
مَا إنْ سَمِعَتْ ساندرا صَوْتَ الانفجارِ الهائلِ
حَتَّى ارتمتْ عَلَيَّ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ ، وَعَانَقَتْني في الشارعِ .
احْمَرَّ وَجْهي ، وشَعَرْتُ بِالخَجَلِ أمَامَ المَارَّةِ . وَمَعَ عِلْمي أنَّها
فتاة مُتَحَرِّرَة إلا أنَّني لَمْ أتَوَقَّعْ هَذه الحركةَ المُفاجِئة مِنها .
قُلْتُ لَهَا بِصَوْتٍ مَكسور :
_ هَيَّا نَهْرَب يا ساندرا .
كُنَّا خَائِفَيْن بِشِدَّةٍ . أمسكتُ
يَدَهَا بِقُوَّةٍ ، وَرَكَضْنَا في الشارعِ مِثْلَ طِفْلَيْن، ولا نَعْلَمُ أيْنَ
نَذهَب. سَقَطَتْ فَردةُ حِذاء ساندرا أثناءَ الرَّكْضِ الهِستيريِّ . عُدْتُ
والْتَقَطْتُهَا ، وَقُلْتُ لَهَا :
_ مِنَ الآنَ فصاعدًا ، أنتِ سندريلا ،
وَلَسْتِ ساندرا .
_ إذا كُنْتُ سندريلا فأنا أحتاجُ إلى أمير
يُخْرِجُني مِنْ رَمَادِ العُمْرِ إلى نُورِ الحُلْمِ .
_ أخشى أنْ يَظْهَرَ أميرُ حَرْبٍ يُحَوِّلُ
حَيَاتَكِ إلى رَمَادٍ وَرَصَاصٍ ومَدَافِع ، ويَنْتقل حُلْمُكِ مِنْ فَرْدَةِ
حِذاء إلى رَصَاصَةِ قَنَّاصٍ .
وتابعتُ قائلًا :
_ هَلْ أُوصِلُكِ إلى بَيْتِكِ ؟ .
_ أوْقِفْ لِي سَيَّارةَ أُجْرَة ، وأنا
سَأعُودُ إلى بَيْتي وَحْدِي . لَوْ رَآكَ أحَدٌ مِنْ أهْلي ، وَعَلِمَ أنَّكَ
مُسْلِمٌ ، فَرُبَّمَا يَقْتُلُونَكَ ، لأنَّ دِمَاءَ الحَرْبِ لا تَزَالُ ساخنةً لَمْ
تَبْرُدْ .
لَمْ أرَ ساندرا بَعْدَهَا إطلاقًا . غادرتُ
لُبنان بَعْدَ تَفْجيرِ الكوليدج هول في الجامعة الأمريكية ، وَعُدْتُ إلى بِلادي
الحبيبة جُمهورية الأحلام الوردية.لَمْ أستفدْ شيئًا مِنْ دِرَاستي الجامعية.
وَلَمْ أُوَدِّعْ أحَدًا ، وَلَمْ أُخْبِرْ أحَدًا بِقَرَاري . تَرَكْتُ جُزْءًا
مِنْ حَياتي وتاريخي في لُبنان، وسافرتُ بِلا مُقَدِّمَاتٍ .
الآنَ ، وبَعْدَ مُرور أكثر مِنْ ثلاثين
سَنَة عَلى مُغَادرةِ لُبنان ، مَا زِلْتُ أُفَكِّرُ في ذلك الحِوَارِ الذي دارَ
بَيْني وَبَيْنَ ساندرا. أخْبَرَتْني أنَّني عِندَما أكْبَرُ سَأعْرِفُ سِرَّ
جَمَالِ المَسِيحِيَّات .
إنَّ النِّسَاءَ المَسِيحِيَّات
مُتَحَرِّرَات في سُلوكهنَّ وملابسهنَّ ، وحريصات على المُوضةِ وإظهارِ مَفَاتنهن
، وكشفِ مَواضعِ الإغراءِ في أجسادهن ، والاعتناءِ بالبَشَرَةِ والشَّعْرِ ،
واستخدامِ المِكياجِ ومَساحيقِ التَّجميل. وهَذا يَجْعلهن جَذَّابَات وَمُثيرات
ومُلْفِتات للنَّظَرِ .
إذا كانتْ ساندرا عَلى قَيْدِ الحَياةِ ،
هَلْ لا تَزَالُ تَعْشَقُ بشير الجميِّل ؟.وَهَلْ لا يَزَالُ" من
هاك الملعب ما نسينا هل قامة الرمح المسحوب/عَ دعساتك نحنا مشينا دعساتك مرسومي
دروب ".
هَلْ ظَهَرَ لَهَا
أميرٌ يُخْرِجُها مِنْ رَمَادِ العُمْرِ إلى نُورِ الحُلْمِ ؟ . إنَّ قِصَّة
سندريلا تُحَاوِل أنْ تُجَسِّد الأملَ بالمُستقبَل ، وانتظار الحُسْنَى بَعْدَ العَذابِ
، والأمل بحياة أفضل . وهَذه الفَتَاةُ آمنتْ بأنْ تَتَزَوَّجَ الأميرَ ، وتعيش في
قَصْرٍ جميل مُنْذُ صِغَرِها ، إلى أنْ وَصَلَتْ إلى مُرادها ، وَتَحَقَّقَتْ كُلُّ
أُمْنِيَّاتِها بَعْدَ صَبْرِها الطويلِ ، وَعَمَلِها الشاق .
53
كانت
الحافلةُ ( البُوسطة ) تَسِيرُ في يَوْمٍ لُبنانيٍّ عاديٍّ ، لا يُشْبِهُ إلا
نَفْسَه . الطريقُ تَضِجُّ بأنفاسِ الناسِ ، أُولئك الذينَ اعتادوا أنْ يَحْمِلُوا
على أكتافِهم تَعَبَ البِلادِ ، وَيُواصِلُوا ، كأنَّهم يَسِيرون نَحْوَ أمَلٍ
بعيد لا يَعْرِفُون له اسْمًا .
في ذلك
اليَوْمِ الرَّهيبِ ، تَوَقَّفَت البُوسطة ، وَلَمْ يَكُن التَّوَقُّفُ بسببِ
عُطْلٍ في المُحرِّك أوْ زَحمةٍ في الطريق ، كانَ التاريخُ نَفْسَهُ يَشْهَق ،
ثُمَّ يَسْكُت .
في لَحظةٍ
واحدة ، تَحَوَّلَ الطريقُ إلى مِرْآةٍ للانفجارِ الأوَّل . رائحةُ الرَّصاصِ تَشُقُّ
صَدْرَ النهارِ، والناسُ الذينَ كانوا يَجْلِسُون عَلى المَقاعدِ ، لَمْ يَعْرفوا
أنَّهُم صاروا فَجْأةً حُدودًا بَيْنَ زَمَنَيْن: زَمَنٍ كانَ الناسُ فِيهِ
يَمُرُّون بجانبِ بعضِهم دُون أنْ يَسألوا عن الطائفة ، وَزَمَنٍ آخَر صارَ فيه
الاسْمُ بِطَاقَةَ نَجَاةٍ أوْ تَذكرةَ مَوْتٍ. كانت البُوسطة رمزًا عاديًّا
للحَياةِ ، وَوسيلةَ نَقْلٍ تَجْمَع الغُرَباء . لكنَّها في تِلْك اللحظةِ
تَحَوَّلَتْ إلى تابوتٍ جَمَاعِيٍّ للبَرَاءَةِ . سَقَطَ الدَّمُ على المَقاعد ،
وارتفعت الأصواتُ المَذعورة ، وكُلُّ رَصاصةٍ تَكْتُبُ عَلى جِدارِ الوطن : ((
لَقَدْ بدأ السُّقوط )) .
مِنْ هُناك
امتدَّ الحريقُ . لَمْ تَكُنْ حادثةُ البُوسطةِ مُجرَّد إطلاق نارٍ ، بَلْ كانت
الشَّرارةَ التي أحرقتْ نِصْفَ قَرْنٍ مِنَ الذاكرةِ اللبنانية . انقسمَ الناسُ
عَلى أنفُسِهم ، وصارت الأزِقَّةُ تَخَاف مِنْ صَدى أقدامِهم . صارَ الجَارُ
غريبًا ، والوَطَنُ سُؤالًا بِلا إجابة .
وَوَسَط
كُلِّ هذا الرُّكَامِ ، ظَلَّتْ صُورةُ البُوسطةِ المُحطَّمة تَمُرُّ في العُيون ،
كأنَّها جُرْحٌ يَتجدَّد كُلَّمَا ذَكَرْنا الحربَ . تِلْك الحادثة لَمْ تَنْتَهِ
يَوْمَ تَوَقَّفَت البُوسطة ، لَقَدْ واصلت السَّيْرَ في أعماقِ اللبنانيين ،
تَسِير بِبُطْءٍ داخلَ الذاكرةِ، تَمُرُّ بِمَحَطَّاتٍ مِنْ خَوْفٍ وَنَدَمٍ
وَصَمْتٍ طويل .
رُبَّمَا
بَعْدَ كُلِّ هَذه السَّنَوَات ، مَا زالت البُوسطةُ هُناك ، واقفةً عِندَ أوَّلِ
الطريقِ ، تَنْتظر مَنْ يُعِيدُ تَشغيلَ مُحرِّك الوَعْي ، مَنْ يُعِيدُ للبِلادِ
قُدْرَتَهَا على أن تَكُون وطنًا لا مُعَسْكَرًا ، وذاكرةً لا ثأرًا ، وحَيَاةً لا
انتظارًا جديدًا للمَوْتِ .
54
بَيْرُوت ،
المَدينة التي عَلَّمَت البَحْرَ كَيْفَ يَصْمُتُ حِينَ يَمُرُّ الحُزْنُ مِنْ
شُرُفاتِها . في زَمنٍ بعيدٍ لَيْسَ بِبَعيدٍ ، انقسمتْ كما يَنقسم القلبُ حِينَ
يُخيَّر بَيْنَ النَّبْضِ والبَقاءِ . شرقية ، وغربية ، كأنَّها جَناحان انكَسَرَا
على نَفْسِ الجسد ، يُحاولان الطَّيَرَانَ ، كُلٌّ في اتِّجَاهٍ مُختلِف ، بَينما
الجسد يَنْزِف في المُنتصَف .
كانتْ
بَيْرُوت قَبْلَ الحربِ أُنثى مِنْ ضَوْءٍ وَمِلْحٍ ، تَتعطَّر برائحةِ الكُتُبِ
والمَقاهي ، وَتَغْفُو على ألحانِ المَوْجِ كَطِفلةٍ مُدلَّلةٍ بَيْنَ ذِرَاعَي
المُتَوَسِّطِ . لكنَّها في لَحظةٍ مِنَ الغضبِ الإنسانيِّ أفاقتْ على صَوْتِ
الرصاص . خَطٌّ مِنَ الأسلاكِ الشائكةِ شَقَّ جَسَدَها ، فصارَ المَارُّ بَيْنَ
الجِهَاتِ المُشتعلةِ كَمَنْ يَعْبُر ذاكرةً مِنْ نارٍ ، يَحْمِلُ هُوِيَّتَه في
جَيْبِه ، كما يَحْمِلُ أحدُنا قَلْبَه ، بِخَوْفٍ دائمٍ مِنْ أنْ يُسْأل عَنْه .
في الشرقِ ،
كانت الكنائسُ تُقْرَعُ أجراسُها الخافتة ، تخافُ أنْ تُوقِظَ الجِرَاحَ . وفي
الغرب ، كانت المَآذِنُ تَبْكي أذانَها الأخيرَ عَلى غُروبٍ لا يَنْتهي . لَمْ
يَكُن الصِّراعُ بَيْنَ أحياءٍ وَدِيَانات ، بَلْ بَيْنَ ذَاكِرَاتٍ مُتَوَجِّسَةٍ
، كُلُّ واحدةٍ تَظُنُّ أنَّ الأُخْرَى تُريدُ مَحْوَها مِنَ الخَريطةِ ، وَمِنَ
التاريخِ .
بَيْرُوت لَمْ
تَمُتْ يَوْمَها ، لكنَّها شاختْ فَجْأةً . تَجَعَّدَ وجهُها في الصُّوَرِ ، وصارت
الأرصفةُ تَعْرِفُ أسماءَ القَتْلَى أكثرَ مِمَّا تَعْرِفُ أسماءَ العُشَّاقِ .
البُيُوتُ المُطِلَّةُ على الخَطِّ الأخضرِ حَفِظَتْ صَدى القَذائفِ كما يَحْفَظُ
القلبُ نَغْمَةَ الفَقْدِ . وحتى النوافذ التي نَجَتْ ، ظَلَّ زُجَاجُها يَرتجف
كُلَّمَا هَبَّت الرِّيحُ .
ومعَ ذلك ،
بَقِيَ في عُيونِ بعضِ أبنائِها بريقُ عِنادٍ لُبنانيٍّ خَالِص ، يُشْبِهُ عِنادَ
النَّخيلِ في أرضٍ لا مَاءَ فِيها . كانوا يَكْتبون على الجُدرانِ المُهدَّمة : ((
سَنَلْتقي في بَيْرُوت الواحدة )) . لَمْ يَكُونوا يَعْرِفُون مَتَى ولا كَيْفَ ،
لكنَّ الأملَ فِيهِم كانَ أقوى مِنَ الرَّصاصِ .
جاءَ
الصَّمْتُ بَعْدَ العاصفةِ ، صَمْتٌ مُثْقَلٌ بالأسئلةِ . كَيْفَ لِمَدينةٍ أنْ
تَغْفِرَ لِنَفْسِها ؟ ، كَيْفَ يُعَانِق الشرقيُّ الغربيَّ مِنْ جَديدٍ دُون أنْ
يَرتجف قلبُه ؟ . كَيْفَ يُمْكِن لِبَحْرٍ رأى كُلَّ ذلك أنْ يَعُودَ فَيُغَنِّيَ
كما كانَ ؟ . بَيْرُوت اليَوْمَ تَمْشِي عَلى عُكَّازَيْن مِنْ ذاكرةٍ وَرَمَادٍ ،
لكنَّها تَمْشِي . تَلُمُّ أطرافَها مِنْ جَديدٍ، وتُخبِّئ جِرَاحَها تَحْتَ
ثَوْبٍ مِنْ ضَوْءٍ وابتسامةٍ قديمة .
في المَساءِ،
حِينَ تَهْدَأ المَوجةُ ، يُمْكِن أنْ تَرَاها تَنظُر إلى نَفْسِها في ياقوتِ
المِيناءِ ، وَتَهْمِسُ بِصَوْتٍ خافتٍ: (( أنا لَسْتُ شرقيةً ولا غربية ، أنا
بَيْرُوت ، ابنةُ الفَجْرِ الذي رَفَضَ أنْ يُقَسَّمَ )) .
كانَ
الهَواءُ مُثْقَلًا برائحةِ الرَّصَاصِ والغُبارِ . جَلَسَ الغريبُ عَلى رَصيفِ
شارعِ الحَمراءِ ، يُراقِب المَدينةَ التي لا تُشْبِهُ نَفْسَها . بَيْرُوت التي
عَرَفَهَا طِفْلًا قَبْلَ سنواتٍ ، تَتحوَّل أمامَ عَيْنَيْه إلى رُقعةٍ مِنَ
الخَرائطِ ، تَنقسم بَيْنَ شرقٍ وغرب ، بَيْنَ آمالٍ مُحطَّمة وأحلامٍ مُهدَّدة .
كانَ شابًّا
حِينَ انقسمتْ بَيْرُوت . يَعْرِفُ أنَّ المدينة التي تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَجْمَع
بَين ألوانِ الناسِ وتاريخِهم وتقاليدِهم، أصبحتْ فَجأةً كَسَيِّدَةٍ مَريضة،
مَكسورةَ الجَنَاحَيْن ، تُجْبَر على اختيارِ جانبٍ، وكأنَّها لا تَسْتطيع أنْ
تَكُون كما كانت .
في الشَّرْقِ
، حَيْثُ البُيُوتُ قديمة الطِّرازِ تَحْمِلُ نوافذ تُطِلُّ على الأزِقَّةِ
الضَّيِّقَةِ ، كانت الكنائسُ تُقْرَعُ أجراسُها ، وَتَتَرَنَّح بَيْنَ الأملِ
واليأسِ . بَينما في الغربِ ، كانت المَآذِنُ تُردِّد أصواتَ الأذانِ بِخَوْفٍ
وألَمٍ .
كُلُّ جانبٍ
يَرى في الآخَرِ خَصْمًا ، وكُلُّ شارعٍ يَخْتبئ خَلْفَ جِدارٍ مِنَ الأسلاكِ
الشائكة . يَتَذَكَّرُ الغريبُ كَيْفَ كانَ يَمْشِي بَيْنَ الحِيطانِ المَكسورِة .
كُلَّمَا عَبَرَ إلى الجانبِ الآخَرِ اختلفَ الهواء . إنَّهُ يَحْمِلُ رائحةَ
الألَمِ والشَّتَاتِ . هُناك خَط أخضر ، ذلك الخَط الذي لَمْ يَكُنْ مُجرَّد حَدٍّ
جُغرافي ، بَلْ كانَ حَاجِزًا بَيْنَ حَياةٍ وأُخْرَى ، بَيْنَ حُلْمٍ مَفقودٍ
وَذِكرياتٍ تَتلاشى . والتاريخُ المُنهارُ يَخْتبئ خَلْفَ الدُّخَانِ ، والحَضارةُ
المُنقرِضة تُحَاوِلُ حِمَايةَ جَسَدِ البَحْرِ مِنْ أصواتِ الانفجاراتِ التي لا
تَنْتهي . لكنْ رَغْمَ كُلِّ ذلك ، كانتْ بَيْرُوت حَيَّةً في قُلوبِ عُشَّاقِها ،
تَنْبِضُ رَغْمَ الانقساماتِ والقَذائفِ . في عُيونِ الناسِ شُعلةٌ لا تَنطفئ ،
تَهْمِسُ بأملِ اللقاءِ مِنْ جَديدٍ . هُناك رسائل تُكْتَبُ عَلى الجُدرانِ: (( بَيْرُوت
سَتَعُود كما كانتْ ، أكثرَ قُوَّةً ، وأكثرَ حُبًّا )) .
المَدينةُ
تُكافِح مِنْ أجْلِ أن تَتَنَفَّسَ ، مِنْ أجْلِ أنْ تَصفو عَتَمَتُهَا . بَيْرُوت
بعد سنوات مِنَ الانقسام، لا تَزال تَحْمِلُ في وَجْهِها نُدوبَ الحربِ ، لكنَّها
أيضًا تَحْمِلُ قِصَصَ الصُّمودِ ، والحنينِ، والمَحَبَّةِ التي لا يَمْحُوها
الانقسامُ . بَيْرُوت لَيْسَتْ شرقيةً أو غربية فَقَط ، هِيَ المَدينة التي
تَعَلَّمَتْ أنْ تُحِبَّ ذَاتَها رَغْمَ كُلِّ شَيْء ، وَعَلَّمَتْنَا أنْ
نُحِبَّها رَغْمَ الجِرَاحِ .
كانَ عُمَر
شابًّا مِنْ بَيْرُوت الشرقية ، ابن حَي الجِمَّيْزِة . كانَ والدُه إمامًا في
مَسْجِدِ الحَيِّ ، وَرَبَّاهُ عَلى احترامِ الجميع ، عَلى مَحَبَّةِ المَدينةِ
التي جَمَعَتْ بَين الجميعِ في يَوْمٍ مِنَ الأيام . لكنَّه وَجَدَ نَفْسَه
مُحَاصَرًا بَيْنَ الجُدرانِ والأسلاكِ الشائكة ، وبَيْنَ دَوَّامَةِ الحَرْبِ
التي فَصَلَتْهُ عَنْ صَديقِه القديم جوزيف مِنْ بَيْرُوت الغربية ، الذي كانَ
يعيشُ في حَيِّ الحَمْراء .
جوزيف ،
الذي نشأ في عائلة مسيحية ، كانَ يُحِبُّ المُوسيقى والمَقَاهي التي تَملأ شارعَ
الحَمْراء . كانا معًا قبل الحربِ كالأخَوَيْن ، يَتشاركان أحلامَ الشَّبابِ ،
يُخطِّطان لحياةٍ مُشتركة في المَدينةِ التي لا تَعْرِفُ الانقسامَ ، لكنَّ الحرب
فَرَضَتْ على بَيْرُوت أنْ تَنقسِم ، وَفَرَضَتْ عَلى قَلْبَي عُمَر وجوزيف أنْ
يَقِفَا عَلى طَرَفَي نَقيض .
حِينَ حاولَ
عُمَر عُبورَ الخَطِّ الأخضر لزيارةِ صَديقِه القديم ، تَرَدَّدَ النَّبْضُ في
قَلْبِه كَخَفَقَانِ الطُّيورِ في العاصفةِ . وَقَفَ أمامَ الأسلاكِ الشائكة ،
يُراقِب المَدينةَ التي كانتْ تَشْتعل حَوْلَه. يَعْلَم أنَّ عُبورَه يَعْني
مَخاطِر كبيرة، ولكنَّ حنينه إلى الأيامِ الخَالِيَةِ كانَ أقوى مِنَ الخَوْفِ .
أمَّا جوزيف
، فَقَدْ كانَ يَنتظر في مَقهى صغير على طَرَفِ بَيْرُوت الغربية . يَتَذَكَّر
كَيْفَ كانت الشَّوارع تَمتلئ بالضَّحِكَاتِ والأصواتِ ، وكَيْفَ اختفتْ فَجْأةً
خَلْفَ جُدرانِ الحَواجزِ المُسلَّحة . كَتَبَ رِسالةً لِعُمَر. والرَّسائلُ
تُخَبَّأ في أشياء بسيطة ، في كِتابٍ أوْ وَرَقَةٍ تُتْرَك خَلْفَ نافذةٍ .
مَرَّت الأيامُ
، وَبَينما كانت المَدينةُ تَستمر في الانقسامِ ، كانت رسالةُ عُمَر لجوزيف تَصِلُ
عَبْرَ أحَدِ المَعَارِف: (( بَيْرُوت التي نُحِبُّها لا تَمُوت، حتى وإنْ
فَرَّقَنا الحُزْنُ والجُدرانُ. سَتَجْمَعُنا الأيام، وَسَتَعُود شوارعُنا كما
كانتْ ، لا تُفَرِّقُنا )). وهكذا ، في وَسَطِ الدَّمار ، حَمَلَ عُمَر وجوزيف
أملَ اللقاء، أملَ أنْ تَصفو بَيْرُوت يَوْمًا مَا، لا شرقية،ولا غربية، بَلْ
مَدينة تَضْحَك مِنْ جَديدٍ . بَيْرُوت ، حتى وإن انقسمتْ ، تَبقى نَبْضَ القُلوبِ
التي تُؤْمِنُ بأنَّ الحُبَّ أقوى مِنْ كُلِّ الأسلاكِ الشائكة .
في قَلْبِ
بَيْرُوت ، حَيْثُ تَلْتقي الأزِقَّةُ ، وَتَتَشابك الأرصفةُ ، كانَ عُمَر وجوزيف
يَعْرِفَان كُلَّ حَجَرٍ ، وَكُلَّ نافذةٍ ، وَكُلَّ مَقْهى . قَبْلَ أنْ تَسْكُنَ
الحربُ بَينهما ، كانا كالأخَوَيْن ، يَتبادلان الكُتَبَ والقِصَصَ ، وَيَضْحكان
على أحاديثِ الحَياةِ البسيطة .
في صَباحٍ قاتمٍ، استيقظتْ بَيْرُوت على صُراخِ
الرَّصاصِ،وهَديرِ الدَّبَّاباتِ. انقسمت المَدينةُ كما انقسمتْ حَياتُهما . أصبحَ
عُمَر في الجِهَةِ الشَّرقيةِ ، حَيْثُ تُسْمَع أصواتُ الأذانِ مُخْتَلِطَةً
برائحةِ البارودِ ، وجوزيف في الجِهة الغربية ، حَيْثُ تَصْدَح الأجراسُ وَسَطَ دُخَانِ
القذائفِ .
كُلَّ
صَباحٍ ، كانَ عُمَر يَمُرُّ أمامَ الأسلاكِ الشائكةِ التي تَفْصِلُ الحَيَّيْن ،
يَنظُر إلى الغربِ كما يَنظُر العاشقُ إلى وَجْهِ مَحبوبِه المَفقودِ . في
عَيْنَيْهِ حُزْنٌ عميق ، وَخَوْفٌ كبير ، لكنَّه كانَ يُخْفي ذلك خَلْفَ صَمْتٍ
مَهِيب . يَعْلَم أنَّ مُجرَّد النظر يكاد يَقْتُل الحُلْمَ باللقاءِ .
جوزيف ، في
المُقَابِل ، كانَ يَجْلِسُ في مَقْهى الحَمراءِ ، يُحاوِل أنْ يَجعل مِنْ أصواتِ
المَدافِعِ خَلْفِيَّةً صامتة ، لكنَّه لَمْ يَنْجَحْ . كَتَبَ رسائل طويلة لِعُمَر
، يَحْكي لَهُ عَن المطر ، والمُوسيقى التي اشتاقَ إلَيها ، والأمَلِ الضَّعِيفِ
الذي لا يَمُوت ، لكنَّه لَمْ يَجْرُؤْ عَلى تَسليمِها بِنَفْسِه .
ذات مَسَاء
، وَبَينما اشتدَّت الاشتباكاتُ ، جاءَ عُمَرُ خِلْسَةً عَبْرَ شارعٍ مَهجور ،
يَقْفِز فَوْقَ الحواجز ، ويَختبئ خَلْفَ الأعمدةِ المُحطَّمة . قَلْبُهُ
يُرَفْرِفُ كطائرٍ في قَفَصٍ . وَجَدَ جوزيف يَنتظره. يَرتجف مِنَ البَرْدِ
والخَوْفِ ، لكنَّه بابتسامةٍ حَمَلَتْ كُلَّ الحنين .
تَحَدَّثَا
بصمتٍ ، بالهَمَسَاتِ التي لا تَحْتمل صَوْتًا عاليًا . تَحَدَّثَا عَنْ بَيْرُوت
التي كانتْ ، والأصدقاءِ المفقودين ، والأملِ الذي لَمْ يَنْدَثِرْ رَغْمَ
الخَرابِ . لكنْ تِلْكَ اللحظة كانتْ مُهَدَّدَةً بِالمَوْتِ في كُلِّ ثانية .
وَعُمَر يَعْلَم أنَّ كُلَّ خُطَوْةٍ إلى الخَلْفِ تَعْني المَوْتَ ، وجوزيف
يَعْلَم أنَّ هذه اللقاءات هي النار التي تُحْرقهما مِنَ الداخل .
معَ انبلاجِ
الفَجْرِ ، وَدَّعَا بَعْضَهما ، كُلٌّ مِنهما يَعُود إلى جانبِه ، لكنَّهما
حَمَلَا مَعهما شيئًا أعظمَ مِنَ الخَوْف : رِسالة حُبٍّ لا تَهْزمها الحربُ ،
رِسالة بَيْرُوت التي لَمْ تَمُتْ .
بعد ذلك
اللقاءِ القصير، لَمْ يَعُدْ عُمَر وجوزيف يَلْتقيان إلا في ظِلالِ الليلِ ، في
أماكن مَهجورة بَين الأطلال ، حَيْثُ لا يُسْمَع صَوْتٌ سِوى أنفاسِهما المُتسارعة
، وَهُمْ يُحاولان إخفاءَ ألَمِ الفِرَاقِ .
المَدينةُ
تَئِنُّ تَحْتَ وَطأةِ الانقسامِ ، وعائلاتُهما رَغْمَ كُلِّ الحُبِّ والاحترامِ
القديمِ تَخْشَى عَلى حَياتهما. تَخْشَى أنْ يَتَحَوَّلَ اللقاءُ إلى مَأساةٍ .
أُمُّ عُمَر
تَجْلِسُ كُلَّ مَساءٍ عِند النافذة ، تُراقب شارعَ الحَيِّ ، تَدْعُو أنْ
يَحْمِيَ اللَّهُ ابْنَها مِنْ بَراثِنِ الحرب . وفي بَيْتِ جوزيف ، كانتْ أُمُّهُ
تُجهِّز له الطعامَ . تُحَاوِلُ أنْ تُخْفي الدُّموعَ خَلْفَ ابتسامةٍ مُتْعَبَة ،
تَعْرِفُ أنَّ ابْنَها لا يَسْتطيع العَيْشَ بِدُون تِلْكَ اللقاءات المَحفوفة
بالمَخَاطِر . وكُلُّ شَخْصٍ مُعرَّض للأذى ، وَقَدْ يَخْرُج مِنْ بَيْتِه ، ولا
يَعُود .
في أحَدِ
الأيام ، كانت الاشتباكاتُ عَلى أشُدِّها . وَرَغْمَ ذلك ، اختبأ عُمَر في زاويةٍ
مَهجورة في شرق بَيْرُوت يَنتظر جوزيف . وَصَلَ جوزيف مُتْعَبًا ، لكنَّ عَيْنَيْه
تَلْمعان مِنَ الفرح . تَحَدَّثا عَن المدينةِ التي كانا يَعْرفانها ، عَنْ أزقتها
التي لَمْ تَعُدْ كما كانتْ ، عَنْ أملٍ صغير في أنْ تَعُود بَيْرُوت يَوْمًا إلى
مَا كانتْ عَلَيْه. لكنْ فَجْأةً ، دَوَّتْ قذيفة بالقُرب مِنهما ، كادتْ تَقْتُل
الحُلْمَ قَبْلَ أنْ يُولَد. تَفَرَّقَا في الظلام ، وَحَمَلَ كُلٌّ مِنهما قلبَ
الآخَرِ كجريحٍ يُحاول أنْ يَجِدَ الشِّفاءَ .
مَرَّت
الأيامُ ، وتضاعفت الحواجز ، لكنَّ القُلوب لَمْ تَفْقِد الأملَ . في قلبِ
بَيْرُوت المُنقسِمة، كانَ عُمَر وجوزيف يُمثِّلان قِصَّةَ المَدينة الحقيقية :
قِصَّة الانقسام ، والحُزْن ، لكنَّهما أيضًا يُمثِّلان قِصَّةَ الصُّمودِ ،
والحُبِّ ، والأملِ .
بَيْروت
تَحْترق ، لكنْ في أعماقِها ، في تِلْك اللقاءات الخَفِيَّة ، كانتْ تَنْبِضُ
كقلبٍ لا يُريدُ أنْ يَتَوَقَّفَ عَن الحُبِّ. وفي كُلِّ مَرَّةٍ يُودِّعان
بعضَهما ، يَتَمَنَّيَان أنْ تَكُونَ المَرَّةُ القادمةُ نِهايةً للحربِ ،
وَبِدايةً لِمَدينةٍ واحدةٍ ، وَمُوَحَّدَةٍ ، وَحَيَّة .
في إحدى
الليالي ، حِينَ هَدَأ الرصاصُ قليلًا ، جَلَسَ عُمَر وجوزيف في شُرفة صغيرة
تُطِلُّ على البَحْر. السَّمَاءُ مُرصَّعةٌ بالنُّجُوم ، وكأنَّها تَحْرُسُ أحلامَ
المَدينةِ المَذبوحة . تَنَفَّسَا هَوَاءً نقيًّا ، يَمْلَؤُهُ عَبَقُ اليَاسَمِين
، وأصواتُ أمواجِ البَحْرِ الرَّقيقة .
قال عُمَر
بصوتٍ خافتٍ :
_ رُبَّمَا
لا نَعْرِفُ مَتَى ، لَكِنَّني أُؤْمِنُ بأنَّ بَيْرُوت سَتَعُود لَنَا ، مَدينةً
واحدة ، بِلا جُدْران ولا خُطوطٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ الناسِ .
ابتسمَ جوزيف
وَهُوَ يَلْتقط شَظَايا ذاكرته، وقال :
_ حتى وإنْ
طالت الليالي ، فإنَّ الأملَ هُوَ الشَّيْء الوحيد الذي لا يُمْكِن لأحَدٍ أنْ
يَسْرِقَه . بَيْرُوت سَتَظَلُّ تَنْبِضُ فِينا ، في حِكاياتِ أُمَّهَاتِنا ، وضَحِكَاتِ
أطفالِنا، وأناشيدِ الشُّطآنِ الذهبية .
الكَلِمَاتُ
تَحْمِلُ وَعْدًا ، لَيْسَ وَعْدًا سَهْلًا ، لَكِنَّه وَعْدٌ حقيقي . بَيْرُوت التي
عاشت الألَمَ والانقسامَ،لا تَزَال تَنْبِضُ بالحَياةِ،بِقُوَّةِ أرواحِ أبنائِها
التي لا تَسْتَسْلِم،وَبِحُبِّهِم الذي هُوَ نُورٌ لا يَخْبُو.
في قَلْبِ
كُلِّ حَجَرٍ مَهدوم ، وفي ضَوْءِ كُلِّ نافذةٍ تَشْتعل ، يَكْمُن الحُلْمُ بأنْ
يُزْهِرُ الغَدُ عَلى صَفْحَةٍ جديدة ، صَفْحَةٍ تُوحِّد المَدينةَ ، وتُضمِّد
جِرَاحَها . بَيْرُوت لَنْ تَمُوت ، لأنَّها لَيْسَتْ مُجرَّد مَكان ، بَلْ هِيَ
وَعْدٌ لا يَمُوت . بَيْرُوت مَدينةٌ تُشْبِهُ وَرْدَةً نَبَتَتْ في فُوَّهَةِ
بُركان ، تُصِرُّ عَلى أنْ تُزْهِرَ رَغْمَ الرَّمَادِ .
55
مّذبَحَةُ
تَلِّ الزَّعْتَرِ هِيَ جُرْحٌ مَحفورٌ في ذاكرةِ الأرضِ ، لا يَنْدَمِل مَهما
مَرَّ عَلَيه الزَّمْنُ . كانت المُخَيَّمَاتُ هُناك تَنام عَلى رائحةِ الخُبْزِ ،
وَتَصْحُو عَلى أصواتِ الأطفالِ ، وَهُمْ يُلاحِقُون أحلامَهم بَيْنَ الأزِقَّةِ
الضَّيِّقة ، حَيْثُ الجُدران تَشْهَد أنَّ الفَقْرَ لَمْ يَكُنْ عارًا ، بَلْ
كَرامةً مُضَمَّخَةً بالصَّبْرِ . ثُمَّ جاؤوا ، أُولئكَ الذينَ لا يَمْلِكُون
سِوى لُغَةِ الحَدِيدِ والنارِ ، فَحَوَّلُوا الضَّوْءَ إلى رَمَادٍ ، والحَيَاةَ
إلى دَرْسٍ دَامٍ في مَعنى القَسْوَةِ .
تَلُّ
الزَّعْتَرِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّد مَكانٍ عَلى خَريطةٍ مَنْسِيَّة ، كانَ وطنًا
صغيرًا ، مُتَشَبِّثًا بأملِ العَودةِ ، يَتَنَفَّس فِلَسْطينَ في كُلِّ زُقَاقٍ ،
وفي كُلِّ فَجْرٍ يَرتفع فِيهِ صَوْتُ المُؤذِّنِ رَغْمَ الحِصَارِ . هُناك ، في
ذلك الرُّكْنِ المُحَاصَرِ مَنْ بَيْرُوت ، وَقَفَ الناسُ عُزَّلًا إلا مِنْ
إيمانِهم ، يُواجِهون المَجاعةَ والرَّصاصَ بِقُلوبٍ تَرفُضُ أنْ تَنْحَني .
الأُمَّهَاتُ اللواتي كُنَّ يُخَبِّئْنَ أولادَهُنَّ تَحْتَ الثِّيَابِ ،
ظنًّا أنَّ الثَّوْبَ أرْحَمُ مِنَ الأُفُقِ المُشتعِل . والجَدَّاتُ اللواتي
نَثَرْنَ حِكَايَاتِهِنَّ الأخيرةَ عَلى جُدرانِ المُخيَّم ، لعلَّ التاريخَ
يَسْمَع أنَّهُنَّ كُنَّ هُنا ، وأنَّ المَوْتَ لَمْ يَكُنْ نِهايةَ الحِكايةِ
بَلْ بِدايتها .
الأطفالُ يَرْسُمُون بأصابعِهم عَلى التُّرابِ
بُيُوتًا لا تَهْدِمُها القذائفُ،وأحلامًا لا تُحْرِقُها النارُ. سُفِكَ الدَّمُ
في تَلِّ الزَّعْتَرِ كَمَا لَمْ يُسْفَكْ في مَكانٍ مِنْ قَبْل ، وامتلأت الأرضُ
بأسماء بِلا قُبور ، وأصواتٍ بِلا صَدى . لكنَّ الذاكرةَ الفِلَسْطينية لا تَمُوت
، فَهِيَ تَحْفظهم كما يَحْفظ القلبُ نَبْضَه ، وتُعيد إلَيهم الحياةَ في كُلِّ
ذِكرى ، وكُلِّ شَهْقَةٍ مِنْ شَهَقَاتِ الأُمَّهَاتِ حِينَ يَتَذَكَّرْنَ
أبناءَهُنَّ ، وكُلِّ بَيْتٍ مِنْ شِعْرٍ ، وكُلِّ لَوحةٍ تُرسَم بِلَوْنِ
التُّرابِ .
تَلُّ
الزَّعْتَرِ اسْمٌ أصبحَ رمزًا للثَّباتِ،وشاهدًا على أنَّ المَجازر لا تَقْتُل
الهُوِيَّةَ . قَدْ يُمْحَى المَكانُ مِنَ الوُجود، لكنَّه يَبْقَى مَحفورًا في
الوِجْدان، كَجُرْحٍ يُذكِّرنا أنَّ العَدالةَ لا تُكْتَبُ بالحِبْرِ، بَلْ
بالدَّمِ ، وأنَّ مَنْ صَمَدُوا هُناك عَلَّمُونا أنَّ الكَرامةَ لا تُقَاسُ
بِعَدَدِ البَنادقِ ، بَلْ بِقُدرةِ الإنسانِ عَلى البَقَاءِ إنسانًا في وَجْهِ
الوحشية . سَلامٌ عَلى مَنْ سَقَطُوا هُناك . سَلامٌ عَلى الذينَ ظَلُّوا
يَرْوُونَ للأجيالِ أنَّ المُخيَّم لَمْ يَكُنْ مَأساةً فَقَط ، بَلْ مَلْحَمَةً
مِنْ ضَوْءٍ قاومَ العَتَمَةَ ، وذِكرى تَصْرُخُ في وَجْهِ الصَّمْتِ : (( نَحْنُ
هُنا ، مَا زِلْنَا ننتظرُ الفَجْرَ رَغْمَ كَوابيسِ الليل )) .
المُخَيَّمُ
ينامُ عَلى رائحةِ الخُبْزِ، وَيَسْتيقظ على وَعْدٍ بالعَودةِ. والأطفالُ
يَحْلُمُون بوطنٍ لا تَحْرُسُ فَرَاشَاتِهِ البَنَادِقُ ، ولا تَسْرِقُ صَمْتَهُ
المَدَافِعُ .
في زُقَاقٍ
ضَيِّقٍ مِنَ التُّرابِ ، هُناك امرأةٌ تُخبِّئ ابنَها في حِضْنِها ، كأنَّ
صَدْرَها آخِرُ حِصْنٍ في وَجْهِ الليلِ الجارحِ . والجَدَّةُ تَسْقي الذاكرةَ
دُعَاءً ، وَتَقُول للحِجَارَةِ : (( احْفَظِي أسماءَنا ، فَقَدْ يَمُرُّ التاريخُ
مِنْ هُنا ولا يَرَانا )) .
تَلُّ
الزَّعْتَرِ اسْمٌ مِنْ طِينٍ وَدَمٍ ، وَمِنْ صَبْرٍ يابسٍ كَخُبْزِ الحِصَار .
حِصَارٌ امتدَّ كَظِلٍّ ثقيل ، يأكلُ القَمْحَ والماءَ والقُلوبَ ، لكنَّه لَمْ
يَأكُل الإرادةَ . كَمْ مِنْ طِفْلٍ وُلِدَ في ظُلْمَةِ القَصْفِ ، وَرَضَعَ مِنْ
صَدْرِ أُمِّهِ رائحةَ البارودِ ، ونامَ على أُنشودةٍ بِلا لَحْنٍ ، تَقُول : ((
سَنَعُود )) .
يا تَلَّ
الزَّعْتَرِ ، يا ذاكرةً مَحفورةً في اللحمِ ، يا وَجَعًا لَمْ يَجِف بَعْدُ مِنْ
عُيونِ الفُقَرَاءِ ، يا سُؤالًا يَصْرُخُ في وَجْهِ العَالَمِ : (( كَيْفَ
يُتْرَكُ الإنسانُ وحيدًا بَيْنَ جُوعٍ وَمَوْتٍ وَحُلْمٍ ؟ )) .
لَمْ تَكُنْ
مَجْزرةً فَقَط ، كانت اختبارًا لِضَميرِ الأرضِ ، والأرضُ صامتة . نَهَضَت
الأرواحُ كالسَّنابلِ مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ . قالوا : (( نَمُوتُ واقفين ، ولا
نَنْحَني إلا لِنَزْرَعَ جُلودَنا في التُّرابِ ، لِتُنْبِتَ زَهْرًا اسْمُهُ
الكرامة )). سلامٌ عَلَيْكَ يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، يا نُقْطَةَ الدَّمِ التي
صارتْ عَلَمًا ، يا وَجَعًا أنجَبَ الوَعْيَ ، يا جُرْحًا لا يُغْلَقُ لأنَّه لا
يُريدُ أنْ يَنْسَى .
يَنَامُ
الفَجْرُ عَلى صَوْتِ البَحْرِ المَبْحُوحِ ، وَتَسْهَرُ الجُدرانُ عَلى أنينِ
المَساكين. تَخْبِزُ الأُمَّهَاتُ الصَّبْرَ عَلى الحِجَارَةِ، وَيَغْزِلْنَ مِنْ رَمادِ
القَصْفِ شَالًا لأطفالٍ لَمْ يَعُودوا . يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، كَمْ مِنْ نَجْمٍ
انكسرَ في عَيْنَيْكَ ، كَمْ مِنْ شمسٍ ذابتْ في دُخَانِكَ . كَمْ مِنْ قلبٍ ظَلَّ
يَقْرَعُ الليلَ كبابٍ مُغْلَقٍ ، ولا يُجيبه أحد . كُلُّ حَجَرٍ فِيكَ قَتِيلٌ ،
وكُلُّ زُقَاقٍ آيَةٌ مِنْ سِفْرِ الدَّمِ ، وكُلُّ صَرْخَةٍ طَيْرٌ مَذعور ،
يَحُوم حَوْلَ ذاكرةٍ تَشتعل . يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، يا جُرْحًا يَفِيضُ كالوطنِ
، كَيْفَ صَبَرْتَ عَلى الطُّغَاةِ حِينَ قَطَعُوا عَنْكَ الماءَ والنُّورَ
وَالهواءَ ؟، لكنَّهم مَا استطاعوا أنْ يَقْطعوا عَنْكَ الأملَ والحُلْمَ.
الطِّفْلَةُ تَرْسُمُ فِلَسْطِينَ عَلى
الجِدَارِ ، فَتَسْقُط القذيفةُ عَلى جَدائلِها ، فَتُكْمِل الرَّسْمَ بِدَمِهَا،
وَتَضْحك كأنَّها وَجَدَت الطريقَ. والشَّيْخُ يُصلِّي تَحْتَ مطرِ الرصاصِ ،
يَقُول : (( اللهُمَّ لا تُطفِئ هَذا المُخيَّم ، فَفِيهِ نارُنا الأخيرة ، وفِيهِ
رمادُ أحلامِنا الأُولَى )) .
تاريخٌ طويلٌ
مِنَ الحِصَارِ والبُكَاءِ، ولا تَزَال رائحةُ الخُبْزِ في الرِّيحِ. الأرواحُ مَا
غادرت المَكانَ. يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، يا قصيدةَ الدَّمِ التي لَمْ تُكْتَبْ
بَعْد ، يا مِئذنةً مَكسورةً تُنادي مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ: (( هُنا شَعْبٌ لَمْ
يَمُتْ ، وَلَنْ يَمُوت )) . سَلامٌ عَلى مَنْ ساروا نَحْوَ مَوْتِهِم وُقُوفًا .
سَلامٌ عَلى نِسَاءٍ حَمَلْنَ المُخَيَّمَ في عُيُونِهِنَّ ، وأنْجَبْنَ ذاكرةً لا
تَمُوت . سَلامٌ عَلى الأرضِ التي أنجبتْ مِنْ جُرْحِها وَرْدًا ، وَسَمَّتْهُ
تَلَّ الزَّعْتَرِ .
في خَاصرةِ
الوَجَعِ ، حَيْثُ كانَ المُخَيَّمُ يُضِيءُ بِفَتيلِ الصَّبْرِ، وَيَحْلُمُ
الأطفالُ بِسَماءٍ أوسعَ مِنَ الحِصَارِ، كانَ الفَجْرُ يُولَدُ مِنْ لَيْلٍ مَثقوبٍ
بالقذائفِ، وَيَكْبَرُ في العُيونِ إصرارٌ عَلى البقاء.
يا تَلَّ
الزَّعْتَرِ ، يا نَشيدَ الأرضِ المَبتورَ ، كَيْفَ استطعتَ أنْ تُبْقِيَ للقلبِ
نَغْمَتَه ، وللأملِ ظِلَّه ، بَيْنَ جُوعٍ يَنْهَشُ الهواءَ ، وَمَوْتٍ يَزْحَفُ
مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ؟ . تَخْبِزُ الأُمَّهَاتُ الخُبْزَ مِنْ رَمادِ الجُوعِ ،
وَيُخَبِّئْنَ أبناءَهُنَّ بَيْنَ الأهازيجِ . الغِناءُ دِرْعٌ ، والحَنِينُ بابٌ
إلى النَّجَاةِ . تَرْسُمُ الطِّفلةُ خريطةَ الوطنِ عَلى جِدَارٍ مَهدوم ،
وَتُكْمِلُ الرَّسْمَ بأشلائها الذهبية ، ثُمَّ تَضْحَكُ . والاحتضارُ لَمْ يَقْدِرْ
أنْ يَسْرِقَ مِنها الطريقَ والطريقةَ .
يا تَلَّ
الزَّعْتَرِ ، يا ذاكرةً تُسافرُ في لَيْلِ المَنْفَى ، يا نَدْبَةً على وَجْهِ
الإنسانية ، صَعِدَ الشُّهَدَاءُ مِنْكَ لِيَكُونوا نُجُومًا في سَمَاءِ الذاكرةِ
. وَلَمْ يَجِئْ أحدٌ لِيُطْفِئَ نارَكَ . كُلُّ حَجَرٍ فِيكَ شَهَادَةٌ ، وكُلُّ
ظِلٍّ نِدَاءٌ ، وكُلُّ نَسْمَةٍ عابرةٍ تَحْمِلُ بعضَ أنينِكَ إلى البَحْرِ .
سَلامٌ عَلى
مَنْ ماتوا وَهُمْ يَزْرعون الرَّجَاءَ في أرضٍ مَصلوبة ، وسَلامٌ عَلى مَنْ
ظَلُّوا يَرْوُونَ الحِكايةَ كَمَنْ يُعيدُ نَبْضَ قلبٍ إلى جَسَدٍ مِنْ تُرابٍ .
يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، مَا كانتْ مَذبَحَتُكَ مَوْتًا ، بَلْ مِيلادًا جديدًا
للكَرامة، وَسُؤالًا أبديًّا في وَجْهِ العَالَمِ.كَمْ مَرَّةً يَجِبُ أنْ
نُذْبَحَ كَيْ يَعْترفوا بأنَّنا أحياء؟.
في البَدْءِ
كانَ المُخَيَّمُ حُلْمًا صغيرًا ، وَخَيمةً مِنْ قُمَاشٍ خَجُولٍ ، وَأُمًّا
تَزْرَعُ البَسْمَةَ في وَجْهِ الجُوعِ ، وَتَقُول لِوَلَدِهَا : (( اصْبِرْ يا
صَغِيري ، الوطنُ قريبٌ ، نَرَاهُ في الغَيْمَةِ إنْ صافحت الرِّيحَ ، وفي
الطِّفلةِ إنْ ضَحِكَتْ رَغْمَ الغِيَابِ )) .
هُناك ،
كانَ الفَقْرُ يُعلِّم الكَرامةَ ، وكَيْفَ تَمْشِي على قَدَمَيْن عَارِيَتَيْن .
الأزِقَّةُ تَحْفَظُ أسماءَ العائدين إلى وَطَنٍ لَمْ يَرَوْه ، لكنَّهم آمَنُوا
أنَّه يَنْتظرهم كما تَنْتظر الأُمُّ ابنَها الضائعَ . ثُمَّ جَاءَ الليلُ ، لا
يُشْبِهُ لَيْلَ اللَّهِ . لَيْلٌ مُحَمَّلٌ بالحَدِيدِ والنارِ . لَيْلٌ تَوَاطأَ
فِيهِ العَالَمُ ، وَوَقَفَت العَدالةُ عَمْيَاءَ عَلى أعتابِ المُخَيَّمِ .
حُوصِرَ الماءُ ، حُوصِرَ الهواءُ ، حَتَّى الضَّوْءُ صارَ عَدُوًّا ، لكنَّ
المُخَيَّمَ ظَلَّ يُضِيءُ بِنُورِ الإيمانِ .
في
الشَّوارعِ الجائعةِ ، كانت النِّساءُ يَحْمِلْنَ جِرَارَ الحَليبِ الفارغة ،
وَيَرْسُمْنَ عَلى الطِّينِ وَجْهَ الأرضِ ، والأطفالُ يَبْحَثُون عَنْ قَمَرٍ
يُطفِئ الخَوْفَ ، عَنْ ظِلٍّ لأبٍ لَمْ يَعُدْ مِنَ المَعركةِ .
يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، أيُّ قلبٍ احتملَ كُلَّ
هَذا ؟ ، أيُّ تُرابٍ مَا زالَ يَحْتفظ بِكُلِّ تِلْكَ الخُطُواتِ الصغيرةِ التي
لَمْ تَكْبَرْ ؟ . حِينَ انكسرت الجُدرانُ ، نَهَضَ الرِّجالُ بأجسادٍ مِنْ شَظايا
، قَاتَلُوا بالعَزيمةِ وَحْدَها ، وبالاسْمِ وَحْدَه ، وبالذاكرةِ التي تأبى أنْ
تُقْتَلَ .
السَّمَاءُ تُمْطِرُ نارًا ، لكنَّ الأرضَ هُناك
، أنبتتْ مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ وَرْدًا أحْمَر ، وَرَفَعَ الأطفالُ أيْدِيَهُمْ
نَحْوَ الغَيْمِ، كأنَّهُم يُبايِعُون الفَجْرَ .
يا تَلَّ
الزَّعْتَرِ ، يا قَصيدةَ الدَّمِ التي فاقتْ حُدودَ الشِّعْرِ ، يا صَرْخَةً مَا
زالتْ تُدَوِّي في ضَميرِ العَالَمِ النائمِ ، مَا ذَنْبُ الخُبْزِ كَيْ يُقْصَفَ
؟ ، مَا ذَنْبُ الحُلْمِ كَي يُذبَحَ في مَهْدِه ؟ ، لكنَّكَ رَغْمَ المَوْتِ
ظَلِلْتَ تُغَنِّي : (( سَنَعُود ، وَلَوْ بَعْدَ مِئَةِ مَوْتٍ )) .
كَمْ
مَرَّةً أُبيدت القُلوبُ ؟ ، الأُغْنِيَةُ بَقِيَتْ ، كَمْ مَرَّةً سُرِقَت
الأجسادُ ؟ ، الأرواحُ عادتْ تُضِيءُ مِنْ جَديدٍ . يا تَلَّ الزَّعْتَرِ ، يا
شَجَرَةً مِنْ عِظَامٍ ، يا كِتَابَ الفَقْدِ المَفْتُوحَ ، صِرْتَ رمزًا ، وصارَ
اسْمُكَ مِفتاحًا يُفْتَحُ بِهِ الحُلْمُ الجامحُ .
سَلامٌ
عَلَيْكَ ، سَلامٌ عَلى الجَوْعى الذينَ لَمْ يَبيعوا كَرَامَتَهُم ، سَلامٌ على
النِّساءِ اللواتي خَبَّأْنَ الوطنَ في ثِيَابِهِنَّ ، سَلامٌ عَلى الأطفالِ
الذينَ ماتوا وَهُمْ يَحْفَظُونَ نَشِيدَ العَودةِ، سَلامٌ على الشُّهَداءِ الذينَ
عَلَّمُونا أنَّ المَوْتَ حِينَ يَكُونَ مِنْ أجْلِ الحَيَاةِ لَيْسَ فَنَاءً ،
بَلْ هُوَ بَدْءُ الخُلودِ .
هَا نَحْنُ
بَعْدَ عُقودٍ مِنَ الرَّمادِ ، نَسْمَعُ في الليلِ صَوْتَكَ البعيد : (( أنا تَلُّ
الزَّعْتَرِ ، لَمْ أَمُتْ ، بَلْ صِرْتُ ذاكرةً تَمْشِي على الأرضِ ، وَصَوْتًا
يُوقِظُ الحِجَارَةَ إنْ نامتْ )) .
صَوْتُ
تَلِّ الزَّعْتَرِ يَتَكَلَّمُ مِنْ بَيْنِ الرَّمَادِ، لا كأرضٍ مُحَاصَرَةٍ ،
بَلْ كَكَائنٍ خالدٍ يَتجاوزُ الجُغرافيا، وَيُخَاطِبُ الإنسانيَّةَ بِصَوْتٍ
نابعٍ مِنْ عُمْقِ الذاكرةِ وَالدَّمِ وَالتُّرَابِ .
أنا لَسْتُ
تُرابًا مَبْلولًا بالدَّمِ ، ولا أطلالًا تَنْثُرُها الرِّيحُ ، أنا ذاكرةُ
الذينَ لَمْ يُكْمِلُوا الحِكَايَةَ ، وَأَحْلُمُ نِيَابَةً عَنْهُم . أنا
المُخَيَّمُ الذي لَمْ يَمُتْ ، بَلْ تَخَلَّى عَن الجَسَدِ كَيْ يُقيمَ في
الرُّوحِ . كُلُّ مَنْ نادى بالحَقِّ يَسْمَعُ نَبْضِي في صَدْرِهِ دُونَ أنْ
يَعْلَم . أنا صَوْتُ الأُمِّ التي خَبَّأتْ رغيفًا لأبنائِها ، فأكلت الجُوعَ
صَامتةً،وَلَمْ تَتَذَمَّرْ،وَصَوْتُ الطِّفلةِ التي كَتَبَتْ عَلى الجِدَارِ: ((
لَنْ نَمُوتَ، سَنَعُود )).
أنا في
كُلِّ طِفْلٍ وُلِدَ بَعْدي ، في كُلِّ نَخْلَةٍ تَصْمُدُ في وَجْهِ العاصفةِ ، في
كُلِّ عَيْنٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ تَرى الفَجْرَ مِنْ خَلْفِ الحِصَارِ . لَمْ أَمُتْ
، أنا انتقلتُ مِنَ الجُغرافيا إلى الوِجْدانِ ، وَمِنَ التُّرابِ إلى الكَلِمَةِ
، وَمِنَ الكَلِمَةِ إلى الخُلودِ ، أنا تَلُّ الزَّعْتَرِ ، وَجَعي قِنْدِيلٌ ،
وَدَمِي نَهْرٌ لا يَجِفُّ . كُلَّمَا ظَنُّوا أنَّني انطفأتُ ، أضأتُ مِنْ
جَدِيدٍ في ذاكرةِ طِفْلٍ يَكْتُبُ اسْمَهُ عَلى جِدَارِ المُخَيَّمِ ، وَيَقُولُ
بِثِقَةٍ تُشْبِهُ القِيَامَةَ : (( مَا زِلْنَا هُنا ، وَمَا زَالَ الضَّوْءُ
يُولَدُ مِنَ الرَّمَادِ )) .
مِنْ بَيْنِ
رَمَادِ الانكسارِ ، تَتَّقِدُ شَرَارَةٌ لا تَخُون ، اسْمُها الأملُ . وكُلُّ
ظُلْمَةٍ تَكْتَمِلُ ، تَلِدُ ضَوْءًا يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إلى القلب .
المُخَيَّمَاتُ
تَنَامُ ، وَهِيَ تَحْلُمُ بِفَضَاءٍ لا تَتَسَاقَطُ حِجَارَتُه . بَيْنَ الأزِقَّةِ
الضَّيِّقةِ ، كانَ الأطفالُ يَرْسُمُون عَلى الجُدرانِ طُيورًا مِنَ الطَّباشيرِ
، وَيَكْتُبُون أسماءَهُم كَي لا تَضِيعَ في الزِّحَامِ .
لَمْ يَكُنْ
في تَلِّ الزَّعْتَرِ مَا يُغْري أحدًا سِوى الإصرارِ عَلى البَقَاءِ . الحَيُّ
فقيرٌ ، لكنَّ الفَقْرَ فيهِ لَمْ يَكُنْ ذُلًّا ، بَلْ عَلامةَ حَياةٍ . كُلُّ بَيْتٍ
يُشْبِهُ كَفًّا مُشَقَّقَةً مِنَ العَمَلِ ، وكُلُّ وَجْهٍ فيهِ ظِلٌّ لِجَبَلٍ
بَعِيد اسْمُهُ فِلَسْطين .
أُمُّ بَكْر تَجْلِسُ كُلَّ مَساءٍ أمامَ بابِها،
تَمْسَحُ عَلى شَعْرِ حَفِيدِها ، وَتَقُول : (( حِينَ تَهُبُّ الرِّيحُ ، يا
صَغِيري ، لا تَخَفْ ، الرِّيحُ لا تَقْتُل أحدًا ، إنَّما تُذكِّرُنا بأنَّنا
أحياء )) .
لكنَّ
الرِّيحَ التي تَمُرُّ فَوْقَ المُخَيَّمِ لَمْ تَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الذي
يُطَمْئِن ، كانتْ مُحَمَّلَةً برائحةِ البارود، وَهَمْسِ الجُنودِ خَلْفَ
التِّلالِ .
ذات صباح ،
استيقظَ المُخَيَّمُ عَلى صَمْتٍ غريب . لَمْ يَكُنْ هُناك صَوْتُ سَيَّاراتٍ ،
ولا نِداء الخَبَّاز، ولا ضَحِك الأطفال ، الصَّمْتُ وَحْدَه يَمْلأ الأزِقَّةَ
كَدُخَانٍ كَثِيف .
مِنْ بَعيدٍ
، بدأتْ تتصاعد أصواتُ المَدافعِ ، قالَ أبو عُثمان ، وَهُوَ رَجُل نَحِيل
بِعَيْنَيْن تَمْلَؤُهُما التجاعيد : (( الحربُ لَيْسَتْ هُناك فَقَط ، إنَّها
تَزْحَفُ إلَيْنا )) .
في تِلْك
الأيام ، تَغَيَّرَ شكلُ الزمن . صارت الدقائقُ ثقيلةً ، والليالي بِلا نُجُوم . تَخْبِزُ
النِّساءُ الخُبْزَ تَحْتَ القَصْفِ ، والرِّجالُ يَحْفِرُون المَلاجِئَ بأيديهم
العَارِيَة . كُلُّ بَيْتٍ تَحَوَّلَ إلى وطنٍ صغيرٍ يُقَاتِلُ كَيْ لا يُمْحَى .
سَقَطَت
القذائفُ كالمطرِ ، لكنَّ المطرَ هَذه المَرَّة لَمْ يَكُنْ يَغْسِلُ شيئًا . في
أحدِ الأزِقَّةِ كانَ الفتى بَشَّار يُحاول أنْ يَسْحَبَ جُثمانَ صديقِه مِنَ
الرُّكَام . لَمْ يَكُنْ يَبْكي، فَقَط كانَ يَهْمِسُ : (( لَنْ أتركَكَ وَحْدَكَ
، حَتَّى لَوْ دَفَنُونا معًا )) . وَحِينَ سَقَطَ عَلَيْه جُزْء مِنَ الحائطِ
لَمْ يَصْرُخْ .
المَوْتُ في تَلِّ الزَّعْتَرِ لا يأتي مَرَّةً
واحدةً ، بَلْ يأتي عَلى دَفَعَاتٍ صغيرة ، معَ كُلِّ وَجْبَةِ خَوْفٍ ، ومعَ
كُلِّ نَبْضَةِ أملٍ تُخْنَقُ قَبْلَ أنْ تُولَدَ .
في الليلةِ
التي سَبَقَت النِّهايةَ ، اجتمعَ مَنْ تَبَقَّى مِنْ أهْلِ المُخَيَّمِ في
مَدرسةٍ مُهَدَّمَةٍ . جَلَسُوا مُتَلاصِقِين كَجُذوعٍ تَحْتمي مِنَ العاصفةِ ،
وَغَنَّت الطِّفلةُ لَيْلَى ، ذات الصَّوْتِ المَكسور ، أُغْنِيَةً عَن البُيوتِ
البعيدةِ والبَحْرِ . لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَعْرِفُ لِمَاذا تُغنِّي ، ولا لِمَنْ .
لكنَّهم جَميعًا بَكَوْا . كانَ الغِنَاءُ يُشْبِهُ حُلْمًا أخيرًا ، أوْ وَعْدًا
مُؤجَّلًا بالعَودةِ . وفي الخارجِ ، كانَ العَالَمُ يَصُمُّ أُذُنَيْه ،
وَيَدْخُل في انتحارِه التَّدريجيِّ بَيْنَ نَعْشِ التاريخِ وتابوتِ الحَضَارِة .
حِينَ
سَكَتَت المَدَافِعُ ، لَمْ يَتَبَقَّ مِنَ المُخَيَّمِ سِوى غُبارٍ كَثيفٍ ،
وأسماء مَحفورة عَلى الحِجارة. لكنْ بَيْنَ الرُّكام كانتْ أُمُّ بَكْر تَمشي
بِخُطُواتٍ بطيئة ، تَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا صُورةً صغيرةً لولدها . لَمْ تَكُنْ
تَبكي . نظرتْ إلى السَّماءِ ، وقالتْ بِصَوْتٍ خافت : (( مَا دامَ في الأرضِ أُمٌّ
تَبحث عن ابنِها، فَلَنْ يَنتصر الرمادُ )) .
بعد أعوامٍ
طويلة ، كَبِرَ الأطفالُ الذينَ نَجَوْا . صارَ بعضُهم لا يَذكُر وَجْهَ
المُخَيَّمِ تمامًا ، لكنَّهم كانوا يَرَوْنَهُ في أحلامِهم: أزِقَّة مِنَ
الغَيْمِ،وَأبواب مِنَ الخشبِ المائل،وَصَوْت امرأةٍ تَقُول: (( احْمِلُوا الذاكرةَ
كما تَحْمِلُون الخُبْزَ ، لا تُسْقِطُوها )) . تَلُّ الزَّعْتَرِ لَمْ يَمُتْ .
صارَ في كُلِّ مَدينةٍ تُحَاصَر ، وفي كُلِّ أُمٍّ تَنتظر ، وفي كُلِّ حَجَرٍ
يُصِرُّ عَلى أنْ يَكُون بَيْتًا .
بَعْدَ أن
انطفأت النِّيرانُ ، خَرَجَ الغُرَبَاءُ مِنْ بَيْنِ الرُّكامِ كأنَّهم أشباحُ
الذاكرةِ . كانوا قليلًا ، مُتْعَبِين ، بأقدامٍ حَافِيَةٍ ، وَوُجُوهٍ لا
تُشْبِهُ سِوى الغُبار . لَمْ يَعْرِفُوا إلى أيْنَ يَسِيرون ، لكنَّهم كانوا
يَسِيرون. قالَ أحَدُهُم وَهُوَ يُحدِّق في الأُفُقِ الرَّماديِّ : (( النَّجاة
لَيْسَتْ حَياةً جديدة ، وإنَّما هِيَ امتحان للذاكرة )) .
في الطريقِ
، كانتْ لَيْلَى تَمْشي بصمتٍ . لَمْ تَعُدْ تُغنِّي . إنَّها تَحْمِلُ في صدرها
آخِرَ نَغْمَةٍ مِنَ المُخيَّم ، كأنَّها تَخْشَى أنْ تَذُوبَ في الهواء .
كُلَّمَا مَشَتْ خُطْوَةً سَمِعَتْ صَدى صَوْتِ أُمِّ بَكْر يَقُول : (( الرِّيحُ
لا تَقْتُل أحدًا ، إنَّما تُذكِّرُنا بأنَّنا أحياء )) .
عِند الحَاجزِ
الأخيرِ ، وَقَفَ الجُنودُ يُفَتِّشون الهاربين . لَمْ يَكُنْ في حَقائبِهم سِوى
خُبْزٍ يابسٍ وَصُوَرٍ قديمة . حِينَ وصلتْ نَوبةُ أُمِّ بَكْر ، سألها الجُنديُّ
بِبُرود :
_ مَا الذي
تَحْملينه في يَدِكِ ؟ .
_ ظِل
وَلَدِي .
ضَحِكَ
الجُنديُّ ، لكنَّ ظِلَّ الوَلَدِ كانَ أثقلَ مِنْ ضِحْكته . وَحِينَ مَرَّتْ مِنَ
الحاجزِ ، نَظَرَتْ خَلْفَها ، فَرَأت المُخَيَّمَ يَبْتعد كَحُلْمٍ يُسْحَب مِنَ
العَيْنِ .
استقرَّ
بعضُهم في مَدينةٍ لا تَعْرِفُ أسماءَهم . عَمِلُوا في المَصانع ، في الأسواقِ ،
في البِنَاء . كانوا يَبْتسمون حِينَ يُسألون عَنْ أسمائِهم وأحلامِهم وذِكرياتِهم
.
وَصارَ
البَحْرُ يُغَنِّي في كُلِّ فُصُولِ الألَمِ . أُغْنِيَاتُهُ لَيْسَتْ عَن الحُبِّ
، بَلْ عَن المُخَيَّمِ . كانَ صَوْتُ البَحْرِ كَوِشَاحٍ مِنْ نارٍ عَلى الجُرْحِ
القديم، يَقُول لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُه: (( الأُغْنِيَةُ لَيْسَتْ نِسيانًا ،
إنَّها طريقة للبَقَاء )) .
بَعْدَ عِشْرين
عامًا، كَبِرَ الأطفالُ الذينَ خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الأنقاضِ . صارَ بعضُهم أطباء
، وبعضُهم شُعَراء ، وبعضُهم مُقاتِلين في حُروبٍ جديدة. لكنَّهم جميعًا كانوا
يَحْمِلُون رائحةَ الزَّعْتَرِ في دَمِهِم .
بَشَّار ،
الذي نَجَا بِأُعجوبة ، يعيشُ في أُوروبا . كُلَّمَا هَطَلَ المطرُ تَذَكَّرَ
اليَوْمَ الذي دَفَنَ فِيهِ صَدِيقَه بِيَدَيْه . كَتَبَ في دَفترِه ذاتَ مَرَّة :
(( لَمْ نَخْرُجْ مِنْ تَلِّ الزَّعْتَر ، بَلْ حَمَلْناه في دَاخِلِنا إلى كُلِّ
مَكان )) .
في إحدى
المُدُنِ ، أُقِيمَ نُصُبٌ تَذكاري صغير للمُخَيَّمِ . لَمْ يَكُنْ فخمًا ،
مُجرَّد حَجَر رمادي كَتَبُو عَلَيه : " تَلَّ الزَّعْتَر _ 1976 " .
الأُمَّهَاتُ يأتينَ كُلَّ عام ، وَيَضَعْنَ الأزهارَ . وَأُمُّ بَكْر ، رَغْمَ
شَيْخوختها ، كانتْ تأتي مُتَّكِئَةً عَلى عَصَاهَا . تَلْمَسُ الحَجَرَ ،
وَتَهْمِسُ : (( كُلُّ حَجَرٍ هُنا يُشْبِهُ ابْني ، لا شَيْءَ يَمُوت تمامًا إنْ
ظَلَّ لَهُ اسْم )) .
في نِهايةِ
العُمْرِ، قَرَّرَتْ أُمُّ بَكْر أنْ تَعُود إلى لُبنان ، إلى التَّلَّةِ التي
كانتْ يَوْمًا بَيْتَهَا . الأرضُ تَغَيَّرَتْ ، والبُيوتُ اختفتْ ، لكنَّ
الرِّيحَ كانتْ هِيَ نَفْسَها . جَلَسَتْ عَلى صَخرةٍ مُغَطَّاةٍ بالعُشْبِ ،
وقالتْ : (( هَا أنا أعُود ، لَيْسَ لِأبكي ، بَلْ لِأشهد أنَّ الذاكرة أقوى مِنَ
النار )) .
في المَساءِ
، هَبَّتْ رِيحٌ خفيفة ، فَرَفْرَفَ وِشَاحُها الأبيضُ . المُخَيَّمُ عادَ
لِلَحْظَةٍ واحدة ، في صَوْتِها ، في ظِلِّها ، في الحِكايةِ التي لَمْ تَمُتْ .
مِنْ رَمادِ
الزَّعْتَرِ نَبَتَتْ شَجَرَةٌ . قالَ الأطفالُ إنَّ جُذورَها تَسْقيها الدُّموعُ
، وإنَّ أغصانَها تَحْمِلُ أصواتَ مَنْ رَحَلُوا . صارت الشَّجرةُ مَزَارًا ،
يَكْتُبُ تَحْتَها الزائرون رَسائلَهم إلى الذينَ غابوا .
في إحدى
الليالي ، حِينَ مَرَّ نَسِيمٌ دافئ ، سَمِعَ بعضُهم صَوْتَ غِنَاءٍ خافتٍ
يَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ الأوراقِ . رُبَّمَا كانَ المُخَيَّمُ يُغَنِّي للخُلودِ
.
بَعْدَ
خَمْسِين عامًا ، وَقَفَ الجِيلُ الجديدُ يَرْوي القِصَّةَ . لَمْ يَكُن المَشْهَدُ
عَن الدَّمِ ، بَلْ عَن الإصرار . عَنْ أُولئكَ الذينَ حَمَلُوا الرمادَ ،
وَصَنَعُوا مِنْهُ خُبْزًا وكِتابةً وَغِنَاءً .
قالَ أحدُهم
في الذِّكْرى السَّنَوية : (( نَحْنُ الذينَ لَمْ نُقْتَلْ ، نَحْمِلُ الذاكرةَ
كَي لا يُقْتَلَ أحَدٌ بَعْدَهَا مَرَّتَيْن )) .
ثُمَّ
رَفَعُوا أيديَهم نَحْوَ السَّماء ، فَرَأَوا الطُّيورَ تَحُومُ فَوْقَ
الشَّجَرَةِ التي نَبَتَتْ مِنَ الرَّماد ، ورائحةُ الزَّعْتَرِ تَمْلأ الهواءَ
كما لَوْ أنَّ المُخَيَّمَ مَا زالَ هُناك . يَنَام ، وَيَحْلُم ، وَيُعَلِّم
العَالَمَ مَعْنى أنْ تَحْيَا دُونَ أنْ تَنكسِر . الصُّمُودُ هُوَ أنْ تَبتسِمَ
والعاصفةُ تُحَاوِلُ اقتلاعَ جُذورك ، لأنَّكَ تُؤْمِنُ أنَّ لَكَ فَجْرًا
يَنْتظرك . هُوَ أنْ تَمْضِيَ بِخُطى واثقة فَوْقَ رُفَاتِكَ ، كأنَّكَ خُلِقْتَ
لِتَبدأ مِنْ جَديد .
56
في لَيْلٍ
خانقٍ لا يُشبِه أيَّ لَيْلٍ ، كانتْ بَيْرُوت تَنْزِفُ، وكانَ القَمَرُ شَاهِدًا
عَلى مَا لَمْ يَحْتمله ضَوْءُ النهارِ . في مُخَيَّمَي صَبْرَا وشاتيلا ، لَمْ
يَكُن المَوْتُ طارئًا ، بَلْ كانَ ضَيفًا مُقيمًا يَعْرِفُ الأزِقَّةَ جَيِّدًا .
يَعْرِفُ وُجوهَ الأطفالِ ، يَعْرِفُ رائحةَ الخُبْزِ اليابسِ المَغموسِ بالدَّمِ
، وَيَعْرِفُ كَيْفَ يَصْمُتُ العَالَمُ حِينَ تَصْرُخُ الضَّحِيَّةُ .
تِلْكَ
الليلة، لَمْ تَكُنْ مُجرَّد مَجْزرة ، كانتْ طَعْنَةً في خاصرةِ الإنسانيَّةِ
كُلِّهَا . حِينَ تَسَلَّلَ القَتَلَةُ بَيْنَ الأكواخِ ، لَمْ يَحْمِلُوا
بَنادقَهم فَقَط ، بَلْ حَمَلُوا حِقْدًا عَميقًا ، وغُربةً عَنْ مَعنى الرَّحمةِ
. نِسَاءٌ مَذعوراتٌ يَضْمُمْنَ أطْفَالَهُنَّ ، وَرِجَالٌ يُلَوِّحُونَ بذاكرةٍ
لَمْ يَعُدْ فِيها سِوى أسماءِ الشُّهَدَاءِ وأرقامِ السُّجَنَاءِ. كُلُّ شَيْءٍ
يَنهار ، الجُدرانُ ، والأصواتُ ، والذِّكرياتُ ، وأحلامُ الطُّفولة .
الأرضُ
تَصْرُخُ مِنْ وَطأةِ الجُثَثِ، والهَواءُ يَخْتنق بِصَرَخَاتٍ لَمْ تَجِدْ مَنْ
يَسْمَعُها. وأجنحةُ الفَرَاشاتِ تَتساقط كَحِجَارةٍ مِنْ غَضَبٍ ، تَوَدُّ لَوْ
تَغْسِلُ هَذا العَارَ بِضَوْءِ احتضارِها . والوُجوهُ المَطبوعةُ عَلى الجُدرانِ
تَقُول : (( كُنَّا هُنا ، لَمْ نَرْحَلْ بإرادتنا )) .
أيُّ عَدْلٍ
هَذا الذي يَمُرُّ عَلى المَذبحةِ مُرورَ الغَيْمِ ؟، وأيَّة ذاكرةٍ يُمْكِنُها
أنْ تَحْتمل كُلَّ هَذا الحُزْنِ دُون أنْ تَتَفَتَّتَ ؟ . ماتَ الأطفالُ وَهُمْ
لا يَعْرِفُون لِمَاذا ، وماتت الأُمَّهَاتُ وَهُنَّ يُغَطِّينَ أبناءَهُنَّ بأجسادِهِنَّ.
الحَنَانُ دِرْعٌ يُمْكِنُهُ أنْ يُوقِفَ الرصاصَ . لكنَّ الدَّمَ لا يُنْسَى .
الدَّمُ يَكْتُبُ هُوِيَّتَه وَسُلْطَتَه وَإنْ لَمْ يَجِدْ وَرَقًا. والدَّمُ
يُكْتَبُ عَلى حِجَارَةِ المُخَيَّمِ ، وجُدْرَانِ المَنازلِ المُهَدَّمَةِ ،
وَصَمْتِ الناجين الذينَ لَمْ يَنْجُوا فِعْلًا .
مُخَيَّمَا
صَبْرَا وشاتيلا لَيْسَا مَكَانَيْن فَقَط ، وإنَّما هُمَا جُرْحَان في ذاكرةِ
أُمَّةٍ أَرْهَقَهَا البُكَاءُ ، وَلَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدَ كَيْفَ تَبْكي
بِصَوْتٍ مَسموع . إنَّهُما مِرْآةٌ للخِذلان ، حَيْثُ تَتَجَلَّى صُورةُ
العَالَمِ ، وَهُوَ يُديرُ وَجْهَه بعيدًا عَن الألَمِ ، وَيَكْتفي بالتَّعَازي
الباردةِ ، تُلْقَى كَمَا تُلْقَى الأوراقُ في العاصفةِ .
الأرواحُ التي
رَحَلَتْ مَا زالتْ تُضِيءُ الطريقَ إلى المُخَيَّمَاتِ الأُخْرَى،تَقُولُ بصمتٍ
خافتٍ، لكنَّه لا يَمُوت: (( سَنَعُود ، وإنْ سُفِكَ دَمُنا ألْفَ مَرَّة ،
سَنَعُود )) . صَبْرَا وشاتيلا شَاهِدَان لا يَشِيخَان ، يَرْوِيَان بصمتٍ مُوجِعٍ
حِكايةً عَنْ قَسْوَةِ الإنسانِ ، وَأمَلٍ يَرْفُضُ أنْ يُقْتَلَ حَتَّى في قَلْبِ
المَجْزرة.
في لَيْلٍ
بِلا قَمَرٍ ، في زاويةٍ مِنْ بَيْرُوت كانتْ تَنْزِفُ ، انطفأت الأضواءُ ،
وَبَقِيَ الدَّمُ وَحْدَهُ يُضِيءُ الطريقَ . تَسَلَّلَ المَوْتُ خَفِيفًا ،
إنَّهُ يَعْرِفُ المَكَانَ جَيِّدًا ، وَيَعْرِفُ الأبوابَ الخشبيةَ القديمة،
وَيَعْرِفُ أنَّ الأطفالَ هُناكَ يَنَامُون عَلى وَعْدٍ كاذبٍ بالأمَانِ .
يا صَبْرَا
، يا شاتيلا ، كَمْ مِنْ وَجَعٍ يَحْتمله اسْمُكُما ؟ . كَمْ مِنْ أُمٍّ وَضَعَتْ
رَأسَ طِفْلِها في حِضْنِها ثُمَّ استيقظتْ عَلى صَمْتِه الأبديِّ ؟ . كَمْ مِنْ
يَدٍ تَشَبَّثَتْ بِالحَياةِ فَلَمْ تَجِدْ إلا الفَرَاغَ ؟ .
الجُدرانُ
تَصْرُخ ، والهَواءُ يَخْتنق برائحةِ البارودِ ، والعَالَمُ يُواصِلُ نَوْمَه
العميقَ ، كأنَّ شَيئًا لَمْ يَحْدُثْ. حَتَّى البَحْر ، ذلك الشاهد البارد ،
أدارَ وَجْهَه خَجَلًا مِنْ مِلْحٍ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُطَهِّرَ الدَّمَ .
الحُزْنُ
أعْمَى ، والعَيْنُ تُبْصِرُ مَا لا يُرى . والأرضُ ارتَوَتْ بِدَمٍ لَمْ يَطْلُبْ
سِوى العَدْلِ . والأسماءُ تُمْحَى مِنَ السِّجِلاتِ، لكنَّها تُنْقَشُ في لَحْمِ
التاريخِ، وفي قُلوبٍ لَمْ تَنْسَ رَغْمَ كُلِّ شَيْء.
قالوا: ((
إنَّ المَجَازِرَ تَمْضِي ))، لكنَّ المَجَازِرَ لا تَمْضِي. إنَّها تَبْقَى
تَمْشِي فِينا. تَسْكُنُ اللغةَ ، وَتَنْدَسُّ في القَصائدِ ، وَتَبْكي حِينَ
نُغَنِّي، وَتَنْهَضُ كُلَّمَا مَرَّ طِفْلٌ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ إلى مَدرسةٍ
مُهَدَّمَةٍ .
يا صَبْرَا
، يا شاتيلا ، أنتُمْ لَمْ تَموتوا ، أنتُم صَرْخَةٌ عالقةٌ بَيْنَ السَّماءِ
والأرضِ ، وَزَهْرَةٌ مِنْ دَمٍ لا تَذْبُل ، وَرِوَايَةٌ لا تُكْتَبُ بالحِبْرِ ،
بَلْ بالذاكرةِ الجَريحةِ . سَنَقُولُ لأطفالِنا إنَّكُم كُنْتُم هُناك ، وإنَّكُم
لَمْ تَرْحَلُوا ، وإنَّ الحُزْنَ لَيْسَ نِهايةَ الحِكَايةِ . سَنَقُولُ لَهُم
إنَّ اللَّيْلَ مَهْمَا طالَ ، سَيَأتي فَجْرٌ يُشْبِهُكُم ، نَقِيًّا وعَنِيدًا ولا
يَخَافُ الضَّوْءَ .
في المَساءِ
الذي نَسِيَ اسْمَه ، كانَ الضَّوْءُ يَتَعَثَّرُ عَلى جِدَارٍ مِنْ رَمَادٍ ،
والأرواحُ تَخْرُجُ مِنَ الأبوابِ المُخَلَّعَةِ كَطُيورٍ بِلا اتِّجَاه . لَمْ
تَكُن الأرضُ تَعْرِفُ مَن احتضنتْ ، ولا الأُفُق كانَ قادرًا عَلى أنْ يَفْتَحَ
عَيْنَيْه .
في صَبْرا ،
نامت امرأةٌ عَلى ظِلِّهَا ، وفي شاتيلا ، بَحَثَ الطِّفْلُ عَنْ صَوْتِهِ في فَمِ
العاصفةِ . الزَّمَنُ هُناكَ انكَسَرَ ، فَلَمْ تَعُد الساعاتُ تُحْصِي سِوى
عَدَدِ الأنفاسِ الأخيرةِ . يا وَجْهًا مِنْ غُبارٍ وَمَاءٍ ، مَنْ ذَا الذي
رَسَمَكَ بالسِّكِّين ؟ ، مَنْ ذَا الذي وَضَعَ البارودَ عَلى فَمِكَ أيُّها
الغريبُ كَيْ لا تَصْرُخَ ؟. اللغةُ تَرتجفُ ، والحُروفُ تَعْرِفُ أنَّهَا
تُكْتَبُ عَلى جُرْحٍ لا يَنْدَمِل ، والحِجَارَةُ تُصْغِي، فَهِيَ وَحْدَهَا التي
تَفْهَمُ لُغَةَ الدَّمِ حِينَ يَصِيرُ نِدَاءً . لا أسماء هُناك ، الأسماءُ
تَذُوبُ ، تَصِيرُ طَيْفًا ، تَصِيرُ رائحةً، تَصِيرُ سُؤالًا في ضَمِيرِ
اللَّيْلِ . نَهَضَ عُصفورٌ مِنْ رَمادِ طِفْلٍ،حَمَلَ في جَنَاحَيْهِ مَا
تَبَقَّى مِنَ الحُلْمِ، وطارَ إلى جِهَةٍ لا جِهَةَ لَهَا، كأنَّه يَبْحَثُ عَنْ
سَماءٍ لَمْ تُدَنَّسْ بالبَنادقِ . المَدينةُ تَمْشِي في جِنَازَتِهَا ، لكنَّ
الجُثَثَ أبْهَى مِنَ الصَّمْتِ ، وأصْدَقُ مِنْ دُسْتُورِ البُكَاءِ . الاحتضارُ
يُوَزِّعُ أقْنِعَتَهُ بالتَّسَاوي ، إلا أنَّ الحَياةَ تَخْتبئ في عُيونٍ لَمْ
تُغْلَقْ بَعْد . أنتُم المَطَرُ الذي يأتي مِنْ فَمِ الجُرْحِ ، أنتُم المَعْنَى
الذي لَمْ يُفَسَّرْ بَعْد . وَحِينَ تَهْدَأ الرِّيحُ ، يَظَلُّ في الأُفُقِ
خَيْطُ صَوْتٍ صَغيرٍ يَقُول : (( لَمْ
نَنْتَهِ ))، اللَّيْلُ مَا زالَ يَحْرُسُكُم ، والفَجْرُ يَعْرِفُ الطريقَ .
في
البَعِيدِ ، حَيْثُ لا أسماءَ للأمكنةِ ، ولا وُجوهَ للزَّمَنِ ، يَمُرُّ طَيْفٌ
مِنْ رَمَادٍ يُشْبِهُ الإنسانَ . تَسألُه الرِّيحُ : (( مَنْ أنتَ ؟ )) ،
فَيُجيبها بصمتٍ يَسِيلُ كالمَاءِ عَلى الحِجارة . كانَ يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَرْدَةً مِنْ غُبارٍ ، وَيَهْمِسُ لَهَا: (( كُوني سَمَاءً ، فَرُبَّمَا نَنْجُو
مِنْ مَعْنى السُّقوطِ )) .
في تِلْكَ
البُقْعَةِ التي تُشْبِهُ الحُلْمَ المَكسورَ ، كانت الأرضُ تَهْمِسُ للغِيابِ :
(( لَقَدْ أرْهَقَني الدَّمُ ، أعيدوا إلَيَّ لَوْنَ التُّرابِ )) . لَمْ يَكُنْ
هُناكَ احتضارٌ ، بَلْ تَبَدُّلٌ في شَكْلِ الوُجُودِ ، كَأنَّ الأرواحَ قَرَّرَتْ
أنْ تَمْشي عَلى أطرافِ الضَّوْءِ خَجَلًا مِنَ البَقَاءِ .
مِنْ بَيْنِ
الشُّقُوقِ ، تَنْبُتُ ذاكرةٌ جديدةٌ ، لا تَعْرِفُ الأسماءَ ولا الجَنائزَ .
تَعْرِفُ أنَّ الإنسانَ حِينَ يُقْتَلُ كثيرًا ، يُصْبحُ مَعْنًى لا جَسَدًا .
وهَكذا ، ظَلَّ مُخَيَّمَا صَبْرا وشاتيلا بِلا عُنوان ، لكنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ
صارَ مَقْبَرَةً لِضَميرٍ واحد . وَمِنْ رَمادِهما ، تَعَلَّمَت الشُّمُوعُ كَيْفَ
تُولَدُ مِنْ قَلْبِ الجُرْحِ، وَكَيْفَ تُغنِّي ، حَتَّى وإنْ كانَ الصَّوْتُ
مِنْ دَمٍ. انطفأ الصَّمْتُ . بَقِيَ الصَّمْتُ يَسْبَحُ وَحْدَهُ في لازَوَرْدِ
الخَرَابِ . الرَّمَادُ نَهَضَ ، وَاغْتَسَلَ بِدَمٍ قَدِيمٍ ، وقالَ : (( أنا
الشَّاهِدُ الذي لَمْ يَمُتْ )) .
في
العَدَمِ، كانت الأشلاءُ تَدُورُ حَوْلَ جُرْحٍ واحدٍ، كَمَا تَدُورُ الأحزانُ
حَوْلَ نُورٍ غائب. يا أرْضُ، اغْفِرِي لِخُطُوَاتِنا ، لَقَدْ مَرَرْنا عَلَيْكِ
كثيرًا دُونَ أنْ نَحْمِلَ وَرْدَةً . مِنَ فَمِ الغِيابِ ، خَرَجَ نَفَسٌ خفيفٌ
حَمَلَ مَعْنى القِيامةِ ، أنْ يُولَدَ الضَّوْءُ مِنْ آخِرِ نُقْطَةٍ في الظِّلِّ
.
في ضَوْءٍ
شَاحِبٍ تَخَلَّلَهُ دُخَانُ الغُبارِ المُتصاعِدُ ، كانَ الطِّفْلُ أمجد يَقِف
معَ أُمِّهِ جَليلة في أحَدِ أزِقَّةِ مُخَيَّمِ شاتيلا، يُحاوِل أنْ يُمْسِكَ
بِيَدِها الصغيرةِ التي ترتجف مِنَ الخَوْفِ. أصواتُ إطلاقِ النار تَتردَّد مِنْ
بَعيدٍ ، وألسنةُ اللهبِ تَلْتَهِم المَنازلَ المُتناثرة حَوْلَهُم .
جَليلة ،
امرأة في أوائل الثلاثينيات ، تُحاوِل طَمْأنةَ أمجد ، رَغْمَ أنَّ قلبها يَعْتَصِر
ألَمًا وَخَوْفًا عَلى مُستقبَل ابنِها في هَذا المُخَيَّمِ الذي تَحَوَّلَ إلى
ساحةِ حَرْبٍ لا تَرْحَم .
عَلى
الجانبِ الآخَرِ ، كانَ سامي شابًّا فِلَسْطينيًّا في العِشْرينيات مِنْ عُمْرِه ،
يَعْمَل في مُنظَّمةِ إغاثة مَحَلِّية ، يُحاوِل بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ
تَوفيرَ الطعامِ والمَاءِ للمَدَنيين . لكنَّ الخطر يزداد كُلَّ لَحظةٍ ،
والدِّماءُ تَمْلأ الشوارعَ ، تاركةً وَرَاءَها صَرَخَات تَلْهَث للنَّجَاةِ .
في مَساءِ
يَوْمٍ قاتمٍ ، دخلتْ قُوَّاتٌ مُسلَّحة المُخَيَّمَيْن ، وأطلقتْ رَصاصاتٍ مِنْ
كُلِّ جانبٍ . أصواتُ البُكَاءِ تداخلتْ معَ الصُّراخِ ، وانهارت الآمالُ في
لَحظةٍ واحدة .
أمجد تَمَسَّكَ
بِأُمِّهِ بِقُوَّةٍ، ولكنَّ الغُبارَ والدَّمَ غَطَّيَا المَكَانَ. حاولَ سامي
أنْ يَهْرُبَ معَ مَجموعةٍ مِنَ الأطفال، لكنَّ الرَّصاصَ أسْرَعُ مِنْهُم .
كانتْ هُناك
امرأةٌ عَجُوز تُدعَى أُم عبد الخالق ، شاهدتْ كُلَّ شَيْء ، وراحتْ تَحْكي
بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ عَن الجُثَثِ التي مَلأت الأزِقَّةَ ، وعَن الوُجوهِ التي
تَحَوَّلَتْ إلى رَمادٍ قَبْلَ أنْ تَصِلَ يَدُ النَّجَاةِ.
بَعْدَ
المَجزرةِ ، بَقِيَت المَدينةُ صامتةً . الزَّمَنُ تَجَمَّدَ في تِلْك اللحظةِ
المُروِّعة . جليلة فَقَدَتْ أمجد، وسامي ظَلَّ يَبْحث عَنْهُ بَيْنَ القَتلى
والمَفقودين .
في هَذا
الصَّمت ، كَتَبَ سامي يَوْمِيَّاتِه ، يَحْكي فيها عَن الألَمِ ، والخَسارةِ ،
والأمَلِ الذي لَمْ يَمُتْ رَغْمَ كُلِّ ذلك . (( لَنْ نَنساكم يا أطفالَ صَبْرا
وشاتيلا ، لَنْ نَنْسَاكُم أبدًا )) .
مَرَّت
الأيامُ ، وأصبحَ مُخَيَّمَا صَبْرا وشاتيلا كابوسًا لا يُفَارِقُ ذاكرةَ الناجين
. جليلة رَغْمَ فِقْدانها أمجد ، لَمْ تَسْتَسْلِمْ. كانتْ تَتَنَقَّل بَين
الأحياءِ بَحْثًا عَنْ أيِّ أثَرٍ لِطِفْلِها، لا تَهْدأ عَيْناها مِنَ الدُّموعِ.
في قَلْبِها تَنْبِضُ رَغْبَةٌ في النَّجَاةِ ، رَغْبَةٌ في أنْ تَحْكي للعَالَمِ
عَن المَأساةِ التي حَلَّتْ بِهم .
في إحدى
الليالي ، بَينما كانتْ تَتَجَوَّل في الزُّقَاقِ صادفتْ سامي . كانَ وَجْهُه
مُغَطى بالغُبار ، وعَيْناه تَحْمِلان ثِقَلَ مَا رَأى . لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ
كَلِمَات ، لكنَّ عُيونَه قالتْ كُلَّ شَيْءٍ . تَشَارَكَ الاثنان قِصَّةَ الألَمِ
والخَسَارَةِ، وأقْسَمَا أنْ يَكُونا صَوْتًا لِمَنْ لا صَوْتَ له .
بدأ سامي
وجليلة بِتَوثيقِ مَا حَدَثَ في المَجازرِ . جَمَعَا شَهاداتِ الناجين ،
وَصَوَّرَا الجُثَثَ ، وَدَوَّنَا أسماءَ القَتلى والمَفقودين . تَحَوَّلا إلى
نَاشِطَيْن يَسْعَيَان لِنَقْلِ الحقيقةِ إلى العَالَمِ ، بالرَّغْمِ مِنَ
التَّهديداتِ والخَوْفِ . وَبَيْنَمَا كانا يَعْملان ، ظَهَرَتْ شَخصيةٌ جديدة ،
الصَّحفيةُ الفرنسية إيزابيل ، التي جاءتْ للمُخَيَّمِ لِتَغطيةِ الأحداثِ . كانتْ
تُحاوِل أنْ تَكْسِرَ جِدارَ الصَّمْتِ الدَّوْليِّ ، وَتَكْشِف القِصَّةَ
للعَالَمِ . تَحَدَّثَ سامي وإيزابيل عَنْ مَعنى العَدالةِ، والمَسؤوليةِ
الإنسانيَّةِ ، والقُوَّةِ التي تَكْمُنُ في الكَلِمَاتِ والصُّوَرِ لِنَقْلِ
الحقيقة .
في يَوْمٍ
مُشْمِس ، نَظَّمَ الناجون وَقْفَةً احتجاجيَّة في المُخَيَّم ، رَفَعُوا فِيها
صُوَرَ أحِبَّائِهِم ، وطَالَبُوا بالعَدالة. وَقَفَ سامي على المِنَصَّةِ . خاطبَ
الحُشودَ بِصَوْتٍ يَرتعِش ، لكنَّه صَادِقٌ : (( لَنْ نَنسى ، لَنْ نَغْفِرَ ،
لَكِنَّنا سَنَبْقَى هُنا ، نَنتظر العَدالةَ ، نَنتظر العَالَمَ لِيَشْهَدَ عَلى
مَا حَدَثَ ، عَلى دِماءِ أطفالِنا التي سالتْ عَبَثًا )) . جليلة تُلوِّح
بِصُورةِ أمجد ، وَعَيْنَاها تَغْرَقَان في دُموعٍ لَمْ تَجِف . وإيزابيل كَتَبَتْ
تَقاريرَها ، وَرَفَعَتْ صَرْخَةَ الحقيقةِ في وَسائلِ الإعلامِ الدَّوْلِيَّة .
مَرَّتْ
سَنَوَاتٌ ، وَشَبَحُ المَجزرةِ مَا زالَ يُطَارِد مُخَيَّمَي صَبْرا وشاتيلا ،
لكنَّه لَمْ يَعُدْ وَحْدَه . معَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ ، ازدادَ صَوْتُ الناجين
قُوَّةً ، وصارَ صَدى حِكاياتهم يَتردَّد في أرْوِقَةِ الأُمَمِ المُتَّحدة ، وفي
قَاعاتِ المَحاكمِ الدَّوْلِيَّة .
جَليلة ،
التي فَقَدَت ابنَها ، أصبحتْ رمزًا لِصُمودِ النِّساءِ اللواتي قَاوَمْنَ الألَمَ
بِلا استسلامٍ . سَامي ، الذي كانَ شَابًّا خائفًا ، تَحَوَّلَ إلى ناشطٍ مَعروف
على مُستوى العَالَمِ ، يُكافِحُ مِنْ أجْلِ العَدالةِ والكَرامةِ . إيزابيل ،
الصَّحفية التي لَمْ تَخَفْ ، قامتْ بنشرِ كِتابٍ وثائقي ضَخْم يُوثِّق المَجازرَ
، وَحَقَّقَ صَدى واسعًا في العَالَمِ أجْمَع ، مَا دَفَعَ حُكوماتٍ ومُنظَّمات
دَوْلِيَّة إلى التَّدَخُّل .
في إحدى
جَلَسَاتِ الأُمَمِ المُتَّحدة ، وَقَفَ سامي لِيَشْهَد . رَفَعَ صَوْتَه عاليًا :
(( لَنْ نَسْمَحَ لهذا الألمِ أنْ يَذهَب سُدى. العَدالةُ قادمة ، والحَقُّ سَيَظْهَر
مَهْما طالَ الزَّمَنُ )). وفي نَفْسِ الوقت، في المُخَيَّمِ ، كانتْ جَليلة تَزرع
شَجَرَةَ زَيتون ، رَمْز السَّلامِ والأمَلِ ، وَسَط الأطفال الذينَ كَبِرُوا
يَتعلَّمون عَنْ حَياتِهم ، وَحَقِّهِم في العَيْشِ بِكَرامةٍ . وأضاءتْ شمسُ
الصَّباحِ الجديدة قُلوبَهم ، مُعْلِنَةً بِدايةَ عَهْدٍ جديد ، يَحْمِلُ في
طَيَّاتِهِ وعدًا بأنْ لا تَنطفئ شَمعةُ الحُرِّيةِ والعَدالةِ أبدًا .
في قلبِ
الليلِ ، حَيْثُ سَكَنَ الصَّمْتُ العَميقُ ، وُلِدَ الأملُ بَيْنَ أنقاضِ
الدُّموعِ والصُّراخِ . زَرَعَت الأُمَّهَاتُ بُذورَ الحَياةِ في أرضِ الجِرَاحِ ،
وَغَنَّت الطُّيورُ رَغْمَ الرَّمادِ أُغْنِيَةَ الحُرِّيةِ . لَنْ تَمُوتَ
الذِّكرياتُ ، لكنَّها لَنْ تَكْسِرَ الرُّوحَ . في كُلِّ قَلْبٍ يَنْبِضُ
بالحَياةِ ، هُناك وَعْدٌ بأنْ يَنْتَهِي الظَّلامُ ، وَيُشْرِق الفَجْرُ عَلى
أرضِ السَّلامِ .
مُخَيَّمَا
صَبْرا وشاتيلا ، لَمْ يَكُونَا مُجَرَّد ذِكْرَى ، إنَّهما صَوْتٌ خالدٌ
يَتَرَدَّدُ في أرْوِقَةِ الزَّمَنِ ، يُعلِّمنا أنَّ الإنسانَ مَهْمَا اشتَدَّتْ
مِحْنَتُه ، يَبْقَى شُعلةً لا تَنطفئ ، تُشِعُّ نُورًا مِنْ رَحِمِ الألَمِ .
57
في زَوايا
الزَّمَنِ المُتَشَظِّي ، حَيْثُ تَلْتقي أطيافُ الحُلْمِ والمَأسَاةِ ، تَنْبِضُ
القُلوبُ بَيْنَ جُدرانِ المُخَيَّمَاتِ . هُناك ، حَيْثُ يَختلِط صَوْتُ البارودِ
بأُغْنِيَةِ الأُمَّهَاتِ الحَزيناتِ ، تَرْسُمُ الحَرْبُ لَوْحَةً قاسيةً مِنَ
الدَّمِ والدُّمُوعِ .
في تِلْكَ
الأرضِ الصغيرة التي لا تَكْبَر ، تَنْشَأ حِكاياتُ الألَمِ التي لا تَنْتهي ،
وَتُكْتَبُ صَفَحَاتُ الشَّتَاتِ بِحِبْرِ الذاكرةِ الأسْوَدِ . المُخَيَّمُ هُوَ
الوَطَنُ ، والشِّتاءُ خناجر باردة . والغَدْرُ يَسِيلُ في الليالي المُظْلِمَة .
لَمْ تَكُن الحَرْبُ على المُخَيَّمَاتِ مُجَرَّد اشتباكات ، بَلْ كانتْ سَرِقَةً
لِبَراءةِ الأطفالِ ، وتَشريدًا لأحلامِهم ، وتَحطيمًا لِكُلِّ لَحْظَةٍ سَلامٍ
مُحْتَمَلَةٍ .
يَصْرُخ الحاضرُ بألَمِ الماضي ، ويَرتجف
المُستقبَلُ في خَوْفٍ أبديٍّ . ومعَ ذلك ، رَغْمَ رَمادِ الحُطَامِ ، يَظَلُّ
الأملُ يَنْمُو كَزَهْرَةٍ عَنِيدَةٍ تَرْفُضُ الانكسارَ ، تَحْلُمُ بِغَدٍ بِلا
نارٍ، وبأرضٍ تُدْفَنُ فِيها الأحقادُ ، وَتُزْهِرُ فِيها الحُرِّية .
الحَرْبُ
على المُخَيَّمَاتِ لَيْسَتْ مُجرَّد نِزَاع ، بَلْ هِيَ جُرْحٌ غائرٌ في قلبِ
الإنسانِ ، وَصَرْخَةٌ تُطالِب بالسَّلام،وإنهاءِ دائرةِ العُنْفِ التي لا
تَنْتَهي، حَتَّى يَعُود المُخَيَّمُ وطنًا للحَياةِ لا سَاحَةً للدَّمَارِ.
في زَوايا
الزَّمَنِ المُمَزَّقِ، حَيْثُ تَتَلَوَّى الأيامُ بَيْنَ أنينِ البارودِ وَهَمْسِ
الحِكايات، تَنْبِضُ القُلوبُ في المُخَيَّمَاتِ كَزُهُورٍ تُحاوِل أنْ تَصْمُدَ
في عَاصفةِ الشَّتَاتِ . يَذُوبُ الحُلْمُ في رَمَادِ الطَّلَقَاتِ ، وَيَرتجف
الأُفُقُ مِنْ صَرَخَاتِ الوَجَعِ. تُنْسَجُ حِكايةُ الألَمِ مِنْ دُموعِ
أُمَّهَاتٍ فَقَدْنَ أطفالَهُنَّ، وَمِنْ صَمْتِ أطفالٍ مَا زالوا يَجْهَلُونَ
مَعْنى الحَرْبِ .
المُخَيَّمُ
هُوَ الوَطَنُ ، والشِّتَاءُ فِيهِ أقْسَى مِنَ الجُروحِ ، واللَّيْلُ فِيهِ
طَويلٌ كَعَهْدِ القَهْرِ ، والدَّمُ يَسِيلُ مِنْ جُدْرَانِ العَتَمَةِ كأنَّهُ
نَهْرٌ لا يَنْضُب . لكنْ رَغْمَ كُلِّ الخَرَابِ ، يَنْمُو الأملُ كَنَبْعٍ صغير
بَيْنَ الرُّكَامِ ، زَهرةٌ تَتَحَدَّى النَّزيفَ ، تَهْمِسُ للحَياةِ بأنَّها
سَتَعُود ، كَيْ تَزْرَعَ السَّلامَ في ثَنَايَاهَا .
الحَرْبُ
على المُخَيَّمَاتِ لَيْسَتْ سِوى صَدى مَأساةٍ في قلبِ لُبنان . صَرخةٌ تُطَالِبُ
بالسَّلامِ ، وَدَفْنِ الكَرَاهِيَةِ حَيْثُ لا يَعُودُ ألَمٌ يُولَد ، كَيْ
يُصْبحَ المُخَيَّمُ وطنًا ، لا مُجرَّد ذِكرى لِدَمٍ سُفِكَ . وَحِينَهَا فَقَط ،
تُشْرِقُ شمسُ الحُرِّيةِ مِنْ جَديدٍ ، وَتُغنِّي الطُّيورُ أُغْنِيَةَ الحَياةِ
.
في
المُخَيَّمِ ، يَغْفُو الحُزْنُ عَلى وِسَادَةٍ مِنْ تُرابٍ ، وتَتكسَّر الأحلامُ
كأصدافِ البَحْرِ بَعْدَ العاصفةِ ، وَيَنْبُع الخَوْفُ مِنْ جُدرانِ البُيوتِ كَأنَّه
نَهْرٌ خانَ البُحَيْرَةَ . حِكايةٌ تُروَى بِلا صَوْتٍ سِوى انفجارِ الليلِ
الحالكِ .
في زَوايا
المُخَيَّمِ المَنْسِيَّةِ ، يَخْبُو ضَوْءُ الطُّفولةِ تَحْتَ غَيْمَةِ الخَوْفِ
الثقيلةِ ، وَتَهْمِسُ الأُمَّهَاتُ بأسماءٍ مَفْقودة ، كأنَّهُنَّ يُقَبِّلْنَ
الهواءَ بَدَلًا مِنْ وُجوهِ أطفالِهِنَّ . لَكِنْ رَغْمَ كُلِّ الرَّمَادِ ،
هُناكَ أملٌ يَكْبَرُ كَزَهْرَةٍ بَيْنَ الأنقاضِ ، يُقَاوِمُ البَرْدَ ،
وَيَرْفُضُ الانكسارَ . يَحْلُمُ بِغَدٍ تُشْرِقُ فِيهِ الشَّمْسُ بِلا دُمُوعٍ ،
وَحِينَهَا يُصبح المُخَيَّمُ وطنًا للحَياةِ لا جَسَدًا للحَرْبِ .
تَرْقُصُ
الأرواحُ عَلى أنقاضِ الأمْسِ البعيد ، وتَبْحَثُ عَنْ فَجْرٍ جَديدٍ بَيْنَ
أطلالِ الحِكَاياتِ ، وَتَرْسُمُ بالحُبِّ طَريقَ السَّلامِ المُنْتَظَرِ ،
لِتَعُودَ الضَّحِكَاتُ تَملأ الأرجاءَ بِلا انكسارٍ . والدُّمُوعُ التي سَالَتْ
يَوْمًا لَنْ تَذْهَبَ سُدى ، بَلْ تُروَى بِها أرضُ الحُرِّيةِ المُزْهِرَةُ ،
وَيُكْتَبُ الغَدُ في دَفَاتِرِ العَاشِقِينَ سَلامًا ، على أرْضِ لُبنان ، حَيْثُ
يُولَدُ الحُلْمُ مِنْ جَديدٍ .
الأمَلُ بَذْرَةٌ
تَنْبُتُ في صَخْرِ الأيامِ ، تَسْقيها الدُّمُوعُ فَتُورِقُ ابتسامةً ،
والحُرِّيةُ نَغْمَةٌ في صَدْرِ الرُّوحِ ، لا تُعزَف إلا على أوتارِ الشَّجَاعةِ
. مَا أجْمَلَ أنْ يَعيشُ الإنسانُ بَيْنَ حُلْمٍ لا يَمُوت ، وَقَلْبٍ لا
يَعْرِفُ الانكسارَ .
في قلبِ
بَيْرُوت، حَيْثُ تَتداخل أصواتُ المَدافعِ معَ أنينِ الناسِ ، يَقَعُ مُخَيَّمُ
النِّسيانِ على أطرافِ المَدينةِ ، تَحْكي قِصَّتُهُ حِكايةَ الحُروبِ التي لا
تَنْتهي ، وحَياةً تُحاوِل الصُّمودَ .
في صَباحٍ
قاتمٍ ، استيقظَ سُكَّانُ المُخَيَّمِ عَلى صَوْتِ انفجاراتٍ لَيْسَتْ بِغَريبةٍ
عَنْ حَياتِهم . ولكنْ هَذه المَرَّة كانتْ مُختلِفةً . خِلافاتُ الفَصائلِ
تَزايدتْ ، وأصبحَ المُخَيَّمُ ساحةً لِصِرَاعٍ جَديدٍ .
نَصَّار ،
الذي كانَ يَعْمَل في وَرشةٍ صغيرة لإصلاحِ الأجهزةِ الكَهْربائية ، سَمِعَ بأنَّ
فَصِيل فِرَاس اسْتَوْلَى على أحدِ الأحياءِ المُهِمَّة ، وهَذا يَعْني أنَّ
الأوضاعَ سَتزداد سُوءًا .
خَدِيجة ،
مِنْ شُرفةِ بَيْتِها ، كانتْ تُراقِب الدُّخَانَ يَتصاعد ، وَقَلَمُها في يَدِها
يَرْسُمُ خَريطةَ المُخَيَّمِ ، لَيْسَ فَقَط جُغرافيًّا ، بَلْ قَلْبه وَرُوحه .
اجتمعَ
مُؤنِس معَ قادةِ الفَصائلِ للتَّوَصُّلِ إلى اتِّفَاقٍ لوقفِ إطلاقِ النارِ،لَكِنَّ
الغضب والشُّكُوك حالتْ دُون ذلك. وَبَينما كانت الاشتباكاتُ تزداد ، وَجَدَ
نَصَّار نَفْسَه مُضْطَرًّا للمُشاركة ، لَيْسَ فَقَط للدِّفاعِ عَنْ أهْلِه،بَلْ
أيضًا لِحِمايةِ خَديجة التي أصبحتْ كَأُخْتِهِ الصغيرة. وَفِرَاس، الذي يُعاني
داخليًّا مِنَ الصِّراعِ، حاولَ أنْ يُوقِفَ القِتالَ ، لكنَّه كانَ مُحَاصَرًا
بَيْنَ الوَلاءِ للفَصِيلِ وَصَداقةِ الطُّفولةِ .
في إحدى
الليالي، وَبَعْدَ قَصْفٍ عنيف، وَقَعَ انفجارٌ بالقُرْبِ مِنْ بَيْتِ خَديجة ،
وأصابتْ شظايا نَافِذَتَهَا . نَصَّار حَمَلَهَا إلى مُؤنِس الذي نَظَّمَ
مُحاوَلةَ إجلاء للنِّسَاءِ والأطفالِ إلى مَنطقةٍ أكثر أمَانًا.
في تِلْك
اللحظةِ ، أدركَ الجميعُ أنَّ الحربَ لَيْسَتْ صِرَاعًا على الأرضِ فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا على قُلوب الناس وأرواحِهم . وَرَغْمَ الألمِ والدمار ، استمرَّ الناسُ في
المُخَيَّمِ بالتَّمَسُّكِ بالأملِ .
خَديجة عادتْ
إلى الرَّسْمِ، لكنَّها هَذه المَرَّة رَسَمَتْ وُجوهَ الأطفالَ الذينَ فُقِدُوا .
نَصَّار وَفِرَاس جَلَسَا معًا يَتحدَّثان عَن المُستقبَل، عَنْ حُلْمِ السَّلامِ
الذي يَجِبُ أنْ يُولَدَ مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ. وَمُؤنِس استمرَّ في دَعَوَاتِه
للحِوار ، مُؤمِنًا بأنَّ نِهايةِ الحربِ لا تَبْدأ إلا بِخُطْوَةٍ صغيرة مِنَ
التَّسَامُحِ .
مَرَّتْ
أيَّامُ الحَرْبِ في المُخَيَّمِ كأنَّها دَهْرٌ ، وكانَ لِكُلٍّ مِنهُم ذِكرياته
الخاصَّة التي تَحَوَّلَتْ إلى جُروحٍ لا تَندمِل .
نَصَّار
بَيْنَ دُخَانِ المَعاركِ، وَجَدَ في حَقيبته القديمةِ دَفترًا كانَ يَحْتفظ فيهِ
بِرُسُوماتِه قَبْلَ أنْ تَبْتَلِع الحَياةُ تفاصيلَها. رُسُومات لأماكن يَحْلُمُ
بِهَا. شوارع بَيْرُوت النَّقِيَّة. حدائق لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْل .
في أحَدِ
الأيَّامِ ، وَبَينما كانَ يَبْحَث عَنْ مَوَاد للإسعافِ ، صادفَ طِفْلًا صغيرًا
يَبْكي وَسَطَ الأنقاضِ.اقتربَ مِنْه، وقالَ لَهُ بِصَوْتٍ هادئ : (( لا تَخَفْ،
سَوْفَ أُسَاعِدُكَ، سَنَخْرُجُ مِنْ هُنا معًا)). كانتْ تِلْك اللحظة بِداية
عَهْد جديد لِنَصَّار ، حَيْثُ حَمَلَ المَسؤوليةَ عَلى كَتِفَيْه .
خَديجة التي
تَحْلُم بأنْ تُصبح فَنَّانةً كبيرة، بَدَأتْ تُحاوِل جَمْعَ أطفالِ المُخَيَّمِ
حَوْلَها . أرادتْ أنْ تَصْنَعَ لَهُم مَساحةً يَهْرُبون فِيها مِنَ الواقعِ
المَرير. أنشأتْ وَرْشةَ رَسْمٍ صغيرة في أحدِ المَنازلِ المَهجورة، حَيْثُ كانتْ
تُعْطِي الفُرَشَ والألوانَ للأطفالِ. تُراقِب وُجوهَهم تَتَغَيَّرُ بَيْنَ
الحُزْنِ والفَرَحِ . تَعْرِفُ أنَّ هَذه اللحظات البسيطة هِيَ التي تُبْقيهم
أحياء .
معَ اشتدادِ
القَصْفِ ، تَذَكَّرَتْ خَديجة صَدِيقَتَهَا المُفَضَّلَةَ هِنْد ، التي ماتتْ في
إحدى الغارات. كانتْ خَسارةً مُوجِعة قَلَبَتْ مَشاعرَها مِنْ حُلْمٍ بريء إلى
نِضَال مِنْ أجْلِ الحَياة .
فِرَاس الذي
يُعاني مِنْ صِرَاعاتٍ داخليَّة ، التقى بِنَصَّار في إحدى الليالي على أطرافِ
المُخَيَّمِ، بعيدًا عَنْ أعْيُنِ الفَصائلِ . تَحَدَّثا عَن الماضي والطُّفولةِ والأحلامِ التي تَبَدَّدَتْ . قالَ
فِرَاس : (( لَمْ أَخْتَرْ هَذا الطريقَ ، لَكِنَّني أُريدُ أنْ أُنْهِيَهُ
بطريقةٍ تَجْعلنا نَعِيش ، لا نَمُوت )) .
نَصَّار شَعَرَ
بِصِدْقِ كَلامِه ، وبدأ الاثنان يُحاولان التَّوَسُّطَ بَيْنَ الفَصائلِ ،
مُحَاوِلين خَلْقَ جِسْرٍ صغير مِنَ السَّلامِ في قلبِ العاصفة .
مُؤنِس
جَمَعَ قادةَ الفَصائلِ في مُخَيَّمٍ صغير، وَدَعَاهُم للاستماعِ إلى صَوْتِ
الأطفالِ ، والنِّسَاءِ ، والشُّيوخِ ، الذينَ يُعانون بصمت .
كانت الجَلسة
مَشحونة. وَضَعَ مُؤنِس يَدَه على قلبه ، وقال : (( نَحْنُ لا نُحَارِبُ أعداءَنا
فَقَط، بَلْ نُحَارِبُ أيضًا أنفُسَنا ، وأطفالَنا ، وأحلامَنا )) .
بعد ساعاتٍ
مِنَ النِّقَاش ، بدأ زعيمُ إحدى الفَصائلِ يَتحدَّث عَنْ وقفِ إطلاقِ النارِ المُؤقَّت
، لِيَستريح الناسُ ، وَيُعيدوا بِناءَ مَا تَهَدَّمَ .
معَ بِدايةِ
الهُدنة ، بدأ الناسُ يُعِيدون ترتيبَ بُيوتهم . وَزَرَعُوا حدائق صغيرة بَيْنَ
الأنقاضِ ، وَفَتَحُوا مَدرسةً للأطفالِ .
خَديجة
أصبحتْ مُعلِّمةً للفَنِّ ، وَنَصَّار صارَ مُهندسًا يُساعد في إعادةِ تأهيلِ
المَنازل ، وَفِرَاس انضمَّ لِمُبادرةٍ للحِوارِ والسَّلامِ .
المُخَيَّمُ
لا يَزَالُ يَحْمِلُ نُدوبَ الحربِ ، لكنَّه بدأ يَتَنَفَّس مِنْ جَديد . يَحْمِلُ
قِصَصَ الألَمِ والحُبِّ والأملِ في ظِلِّ شمسِ لُبنان التي لا تَغيب .
لَمْ تَكُن الحربُ صِرَاعًا على أرضٍ فَحَسْب
، بَلْ أيضًا هِيَ مَعركة الإنسانِ معَ قَسوته ، ومُعاناة مَنْ فَقَدُوا وَطَنَهم
، وَوَجدوا أنفُسَهم بَيْنَ الظِّلالِ ، لكنْ رَغْمَ كُلِّ شَيْء ، هُناك دائمًا
شُعَاعُ نُورٍ في العَتَمَةِ ، وَأمَلٌ يَتجدَّد معَ كُلِّ فَجْرٍ جديد .
58
عُدْتُ إلى
بِلادي الحبيبة بَعْدَ طُولِ غِياب . الشَّوْقُ يَتفجَّر في عُيوني ، والسَّعَادةُ
تَسِيلُ عَلى جَوَارحي المَجروحةِ . كانتْ فَرحةُ أهْلي عظيمةً بِرُؤيتي . عانقتُ
أفرادَ عائلتي واحدًا واحدًا ، وَقَبَّلْتُهُم جميعًا . كانوا يَنْتظرون أنْ
أُخْبِرَهُم بِما حَدَثَ مَعِي في لُبنان ، وكَيْفَ سارتْ دِراستي الجامعية .
أخبرتُهُم أنَّني تَرَكْتُ دِراستي في الجامعةِ الأمريكية بعد تَفجير المَبْنَى
الإداريِّ الرئيسيِّ بواسطة سَيَّارة مَلغومة . أُمِّي سميحة صارتْ تَبْكِي ، وَتَلْطِمُ
، وَتَنْدُبُ حَظَّهَا ، وقالتْ بغضبٍ مُوَجِّهَةً كَلامَها لأبي :
_ هَلْ
أرسلتَ ابْنَكَ الكبيرَ " هِشَام " إلى المَوْتِ يا سَلْمَان ، كَيْ
تَفْرَحَ ميرنار الشَّركسية ، وَيُصْبح الطريقُ مَفتوحًا أمامَ أولادِها لاستلامِ
المَناصبِ المُهِمَّةِ في الدَّولةِ ؟ . هَلْ تُريدُ أنْ تَقْتُلَ ابْني الوحيدَ
مِنْ أجْلِ أولادِ الشَّركسية ؟ .
نَظَرَ
إلَيَّ أبي ، وقالَ والألَمُ ظاهرٌ عَلى مَلامحِه :
_ أُمُّكَ
سميحة مَجنونة ، فَقَدَتْ عَقْلَهَا . تَظُنُّ أنَّكَ ابْنُها فَقَط ، وَلَسْتَ
ابْني . هَلْ يُوجَد أبٌ عاقلٌ يُحِبُّ التَّخَلُّصَ مِن ابْنِه الكبير ؟! . أنا
حريصٌ على مَصْلحتك ومُستقبلك يا هِشَام ، أُريدُكَ أنْ تُصْبح رَجُلًا قويًّا
مُعْتادًا على الصُّعُوباتِ والشَّدائدِ والأزَمَاتِ ، كَيْ أَضَعَكَ في مَنْصِبٍ
مُهِم في المُخَابَرَاتِ العَامَّةِ ، أو المُخَابَرَاتِ العَسكرية ، أو قِيَادَةِ
الجَيْشِ .
وأردفَ
قائلًا بِحَزْمٍ وَصَرَامَةٍ :
_ إنَّ
الذينَ وُلِدُوا في العَواصفِ لا يَخَافُون هُبوبَ الرِّياحِ . والأشخاصُ الذينَ
يَمُرُّونَ بتجارِب صَعْبة وقاسية في حياتهم مُنْذُ الصِّغَرِ يُصْبحون أقوى
وأكثرَ قُدرةً عَلى مُواجهةِ التَّحَدِّياتِ والمَصاعبِ في المُستقبَل ، فلا تُخيفهم
المَصَاعِبُ التي تُوَاجههم ، لأنَّهُم أصبحوا مُعْتادين عَلَيْهَا. كما أنَّهُم
صاروا يَتَمَتَّعُون بالمُرونةِ النَّفْسِيَّةِ، أي : القُدرة على التَّكَيُّفِ
معَ الضُّغوطِ ، والتَّغَلُّبِ عَلى المَصَاعِب ، وَيَتَمَتَّعُون بالقُوَّةِ
الداخليَّة، أي: بِناء قُدرة داخليَّة قوية لِمُواجهةِ التَّحَدِّيات ،
وَيَتَمَتَّعُون بالخِبْرَةِ والمَعرفةِ ، لأنَّ العَيْش في الظُّروف الصَّعْبة
يَمْنَح الإنسانَ خِبْرَةً تَجْعَلُه لا يَخْشَى تَكرارَها .
وَرَدَّتْ
أُمِّي ميرنار الشَّركسية على أُمِّي سميحة :
_ يا سِت
سَميحة ، أولاد الشَّركسية الذينَ لا يُعْجِبُونَكِ هُمْ إخْوَة هِشَام ، وَهِشَام
هُوَ أخوهم الكبير ، الذي يُحِبُّهم ، ويَرْعاهم ، ويَعْتني بِهِم ، وَيَخَاف
عَلَيْهِم، والدَّمُ لا يُصْبح ماءً ، والظُّفْرُ لا يَخْرُجُ مِنَ اللحم .
وأحضرتْ أولادَها
العَشْرَة ، وأجْلَسَتْهُم إلى جانبي . زَيْد سَيْفُ الدَّولةِ ، وزايد دِرْعُ الجُمهوريةِ ، وزياد رُمْحُ
النِّظَامِ ، وزيدان صَقْرُ الثَّوْرَةِ ، وَمَنصور أسَدُ الكتائبِ ، وَقَيْس
حَامِي الدُّستورِ ، وَضِرْغَام خَنْجَرُ الحَقِّ ، وراكان مُوحِّد الطوائفِ،
وباسل زَعِيمُ القَبائلِ ، وَمُهَنَّد سَهْمُ السُّلْطَةِ .
قالتْ
أُمِّي ميرنار الشَّركسية بحماسةٍ شديدة :
_ سَوْفَ
ألتقطُ لَكُمْ صُورةً تَذكاريَّة ، كَيْ تَظَلُّوا إخْوَةً مُتَحَابِّين
وَمُتَعَاوِنين ، وَيَدًا واحدةً على أعداءِ الوطن . اذكُرُوا هَذه الصُّورةَ
جَيِّدًا عِندَما تَسْتلمون في المُستقبَل أهَمَّ المَناصبِ في الدَّولةِ .
قالتْ
أُمِّي سميحة وَهِيَ تُغَالِبُ دُموعَها :
_ يا لَيْتَ
" ناصر " كانَ مَوجودًا مَعَكُم في هَذه الصُّورة ، فَهُوَ أخُوكم
الكبير ، ولكنَّه ماتَ طِفْلًا صغيرًا. لَوْ بَقِيَ حَيًّا لكانَ عُمْرُه الآنَ 24
سَنَة. وَرُبَّمَا صارَ مُديرًا للمُخَابَرَاتِ أوْ قائدًا للجَيْشِ.
قُلْتُ
بِتَعَجُّبٍ :
_ أيْنَ أخي نارت ؟ ، لِمَاذا لا يَنْضَم
إلَيْنَا في الصُّورةِ التَّذكارية .
قالَ أبي :
_ نارت طالبٌ
في الكُلِّية الحربية. وَبَعْدَ انتهاءِ الدَّوَامِ ، يَتَدَرَّب في قِسْمِ
مُكافحةِ الإرهابِ في دائرةِ المُخابراتِ العَامَّة .
في مَسَاءِ
ذلك اليَوْمِ ، ناداني أبي إلى مَكْتبه في قَصْرِنا ، لأنَّهُ يُريدُ التَّحَدُّثَ
مَعِي في مَواضيع مُهِمَّة . جَلَسْنَا سَوِيَّةً ، وَشَرِبْنَا القَهْوَةَ . قالَ
لِي أبي بلهجةٍ حَانِيَةٍ غَيْرِ مَعهودة :
_ أنتَ
ابْني الكبير يا هِشَام ، وَرَجُلُ البَيْتِ وكبيرُ العائلةِ بَعْدِي . وَيَجِبُ
أنْ تَعْرِفَ كُلَّ شُؤونِ العائلةِ . بصراحةٍ ، هُناك عريسٌ لأُخْتِكَ نَجَاح ،
وأُريدُ أنْ آخُذَ رَأيَكَ في المَوضوعِ .
_ نَجَاح في
السابعة عَشْرَة،هَلْ هِيَ مُستعدة لحملِ مسؤولية الزواج والإنجاب وتربية
الأولاد؟.
_ نَجَاح لا
تُريدُ إكمالَ دِراستها . قالتْ لِي إنَّها لا تُريدُ دُخولَ الجامعةِ ، والبِنْتُ
أوَّلًا وأخيرًا لِبَيْتِ زَوْجِهَا ، وأخْشَى أنْ يَفُوتها القِطارُ ، وَتُصْبح
عانسًا ، أوْ تَتَعَرَّف على شخص يُحِبُّهَا وَتُحِبُّه ، وَيَلْعَب بعقلها ،
ويَضْحك عَلَيْها ، وَتَهْرُب مَعَه ، وَيَتَزَوَّجها رَغْمًا عَنِّي ، وتُسبِّب
لِي فَضيحةً في الدَّولةِ، خُصوصًا أنَّ مَنْصِبي حَسَّاس .
_ وَمَنْ
هَذا العريسُ ؟ ، هَلْ أنا أعْرِفُه ؟ .
_ ابنُ
رئيسِ مَحكمةِ أمْنِ الدَّولةِ . فَاتَحَني أبوه بالمَوضوعِ ، ويَنْتظر جَوَابي .
صَرَخْتُ
بأعلى صَوْتي :
_ طلال ! ،
هَذا شاب صايع وَمُتَهَوِّر وَمُدَلَّل ، وغَيْر قادر على فَتْحِ بَيْتٍ
وتَحَمُّلِ المَسؤولية .
_ أبوه
يُريدُ تَزويجَه كَي يَعْقل،وَيَفْرَح بِه،فَهُوَ ابْنُه الوحيد.والمَثَلُ
الشَّعْبي يَقُول:"زَوِّجُوه يَعْقل".
وتابعَ أبي
قائلًا وعَلاماتُ القَلَقِ مُسيطرة على وَجْهِه :
_ بصراحة ،
أنا مُتَرَدِّد . أُريدُ أنْ أعْرِضَ نجاح على فخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ ،
لَعَلَّه يَخْتارها زَوجةً لأحَدِ أبنائِه ، وهَذا يُعزِّز العَلاقةَ بَيْنَ رئيسِ
الجُمهوريةِ ونائبِه ، وَيَجْعلهما يَدًا واحدةً في مُواجهة الخَوَنَةِ
والعُمَلاءِ والإرهابيين وأعداءِ الوطن .
_ يا أبي ،
إذا وافقَ أحَدُ أبناءِ فَخامةِ رئيسِ الجُمهوريةِ عَلى الزَّواجِ مِنْ نَجَاح ، زَوِّجْهَا
لَه ، وإذا رَفَضَهَا زَوِّجْهَا لطلال ابنِ رئيسِ مَحكمةِ أمْنِ الدَّولة . وأنتَ
في الحَالَتَيْن رابح .
_ وَهُوَ
كذلك .
أطرقتُ
مَلِيًّا ، ثُمَّ قُلْتُ لأبي وأنا خائفٌ بَعْضَ الشَّيْء :
_ لا أُريدُ
أنْ أدْرُسَ في الدُّوَلِ العربية يا أبي،لأنَّها مُخْتَرَقَة أمْنِيًّا.أرْغَبُ
في الدِّراسةِ في بريطانيا.
_ مَا
رَأيُكَ يا هِشام أنْ أُرسلكَ إلى أكاديمية ساندهيرست العَسْكرية المَلَكِيَّة ؟ .
لَقَدْ تَخَرَّجَ فِيها أجيال مِنَ العائلاتِ المالكةِ في دُوَلِ العَالَمِ
والشرقِ الأوسط . وعِندما تُنْهي دِراستك فيها ، سَأطْلُبُ مِنْ فَخامةِ رئيسِ
الجُمهوريةِ أنْ يُعَيِّنَكَ قائدًا للقُوَّاتِ البَرِّيةِ في الجَيْشِ ، وَهَكذا
يُصْبح طَرِيقُكَ مَفتوحًا لِتَوَلِّي مَنْصِبِ قائدِ الجَيْشِ ، أوْ مُديرًا
لِمُخابراتِ العاصمة ، وهَكَذا يُصْبح طَريقُكَ مَفتوحًا لِتَوَلِّي مَنْصِبِ
مُديرِ المُخابراتِ العَامَّة .
ارتبكتُ ،
وَبَلَعْتُ رِيقِي عِدَّةَ مَرَّاتٍ ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ مُرتجف :
_ أرجوكَ يا
أبي، أُريدُ أنْ أدرسَ الأدبَ الإنجليزيَّ في جامعةِ أُكسفورد .
مَا إنْ
سَمِعَ هَذه العِبَارَةَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُه ، وصارتْ عَيْنَاه جَمْرَتَيْن .
ضَرَبَ المَكْتَبَ بِقَبْضَتِه ، وقالَ بعصبية واضحة :
_ سَتَظَلُّ
يا هِشَام حِمَارًا ، وَأُمُّكَ سميحة بَقَرَة . أنتما وَجْهَان لِعُملة واحدة .
أنتَ تُشْبهها ، ولا تُشْبهني . أنا أُريدُ مصلحتك ومُسْتقبلك ، سَيَتِمُّ
تَعْيينك في أهَمِّ المَناصبِ في الجَيْشِ أو المُخابراتِ، وأنتَ تَقُول لِي : أدب
إنجليزي . بلا أدب بلا بِطِّيخ . الأدبُ لا يُطْعِمُ خُبْزًا يا هِشام، والأُدَبَاءُ
صعاليك وفقراء وشَحَّاذون ومُتَسَوِّلُون ، لا مُستقبل للشِّعْرِ والرِّوايةِ ،
ولا أحَد يَقْرَأ .
_ سَأكون
مَعَكَ صريحًا يا أبي . أنا أَعِدُكَ أنْ ألتحقَ بأكاديمية ساندهيرست العسكرية بعد
دِراستي للأدبِ الإنجليزيِّ في جامعةِ أُكسفورد . عِندما أدْرُسُ الأدبَ
الإنجليزيَّ سَأتَعَرَّفُ على العقليةِ الإنجليزية ، وَعِندما أدرسُ في أكاديمية
ساندهيرست ، سَأتَعَرَّفُ عَلى الأسرارِ العَسكريةِ الإنجليزية ، وهَكذا يَتكامل
العقلُ والجِسْمُ معًا ، والعقلُ السليمُ في الجِسْمِ السليم .
هَدَأ أبي
عِندما سَمِعَ هَذا الكلامَ ، وقالَ بصوتٍ مُنخفض :
_ كلامك
عَقْلاني ومَنْطقي يا هِشام ، ولكنْ دُخول جامعة أُكسفورد صَعْب ، وشُروط القَبول
مُعَقَّدَة ، وَحَيَاةُ الإنجليزِ قائمة على القوانين والانضباط والصَّرَامَةِ .
_ تَحَدَّثْ
معَ السفيرِ البريطانيِّ ، أو اطْلُب مِنْ فَخامةِ رئيسِ الجُمهورية أنْ يُكَلِّمَ
المَلِكَة إليزابيث الثانية شخصيًّا .
_ المُشكلةُ
أنَّ العَلاقة بَيْنَ الرئيس مُراد عادل والمَلِكَة إليزابيث الثانية سَيِّئة
للغايةِ . والرئيسُ في آخِرِ خِطَابٍ لَهُ وَصَفَ المَلِكَةَ إليزابيث الثانية
بالعَجُوزِ الشَّمْطاءِ وريثةِ الاستعمارِ ، وطالبَ بإسقاطِ النِّظَامِ
المَلَكِيِّ في بريطانيا ، وتَحْويلها إلى جُمهورية . والمُصيبةُ الكُبرى أنَّ
بِلادَنا جُمهورية الأحلام الوردية مِنْ أكبر الداعمين للجَيْشِ الجُمهوريِّ
الأيرلنديِّ . وفي بداية هذه السَّنَة ، تَحْديدًا في 7/2/1991 ، أطْلَقَ الجيشُ
الجُمهوري الأيرلندي ثلاث قذائف هاون عَلى مَقَرِّ الحُكومةِ البريطانية في
مُحاولة لاغتيال رئيس الوُزراء جون ميجور وحكومته الحربية ، الذينَ كانوا
مُجْتمعين لِمُناقشةِ حربِ الخليج .
وتابعَ أبي
قائلًا :
_ اتْرُكْ مَوضوعَ
جامعةِ أُكسفورد عَلَيَّ، وَسَوْفَ أُكَلِّمُ السفيرَ البريطاني، وأطْلُبُ مِنْهُ
المُساعدةَ. والمُصيبةُ أنَّ السفير البريطاني خريج جامعة كامبردج ، وبَيْنَ
أُكسفورد وكامبردج صِرَاع وَصِدَام وخُصومة وكَرَاهِيَة .
بَعْدَ
أُسبوع أخْبَرَني أبي أنَّ السفير البريطاني قالَ لَه إنَّ الجامعات في بريطانيا
تَتَمَتَّعُ باستقلاليَّة، ولا سُلطة للحُكومةِ عليها ، وأنَّ بإمكاني تقديم
امتحان قَبول مِثْل باقي الطُّلابِ ، وَعَلَيَّ انتظار النتيجة . شَتَمْتُ السفيرَ
البريطاني في سِرِّي ، وأدركتُ أنَّ دُخولي لجامعة أُكسفورد مُستحيل رَغْمَ إتقاني
التام للغةِ الإنجليزية .
رَجَوْتُ
أبي أنْ يَتَدَخَّلَ بكلِّ الوسائلِ المُمكنة مِنْ أجْلِ إتمام دِراستي في هذه
الجامعة العريقة . في اليَوْمِ التالي ، تَبَرَّعَ أبي بمبلغ مَليون جنيه إسترليني
لجامعةِ أُكسفورد لدعمِ مَسيرةِ العِلْمِ والعُلماءِ. وبَعْدَ فترة قصيرة، جاءني
خِطَابٌ مِنَ الجامعةِ يُفيد بِقَبولي كطالبٍ في مَرحلة البكالوريوس في الأدب
الإنجليزيِّ ، معَ تَهنئة خاصَّة ، تَشْتمل على مَديحٍ شخصي لِي باعتباري مِنَ
الطُّلابِ الأذكياءِ أصحاب المواهب الخارقة الذينَ يَنْتظرهم مُستقبَل مُشْرِق ،
وَسَوْفَ يَتْرُكُون بَصمةً مُؤثِّرةً في التاريخِ البَشَرِيِّ ، والحَضَارَةِ
الإنسانيَّة ، والأدبِ العالميِّ .
59
بَدأتُ
أتَجَهَّزُ للسَّفَرِ إلى بريطانيا مِنْ أجْلِ الدِّراسةِ في جامعةِ أُكسفورد ،
معَ أنَّني كُنْتُ مُتَأخِّرًا جِدًّا ، وبالتأكيد، كُلُّ الطُّلابِ سَبَقُوني في
الدِّراسة . وَمَا إنْ سَمِعَتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية بخبرِ سَفَري حَتَّى
ثَارتْ وَهَاجَتْ وَمَاجَتْ ، وقالتْ لأبي بِنَبْرَةٍ حَادَّة :
_ هِشَام لا
يَزَالُ شَابًّا صغيرًا ، عُمْرُه 19 سنة، سَوْفَ يَضِيع معَ النِّسَاءِ
البريطانيات الشَّقْراوات الجَمِيلات، سَوْفَ يَلْهَثْنَ وَرَاءَه لأنَّه شاب أسمر
ووسيم وغَنِيٌّ ، وَإذا ابتعدَ عَنْهُنَّ لَنْ يَبْتَعِدْنَ عَنْه . سَوْفَ
يَسْقَطُ ضَحِيَّةَ إغراءِ اللَّحْمِ الأبيضِ المَكشوف ، وَسَيَضِيع مُسْتقبله ،
ونَخْسره إلى الأبَدِ .
قالَ أبي
وَقَد ارتسمتْ على وَجْهِهِ عَلاماتُ الخَوْفِ والقَلَقِ :
_ مَا هُوَ
الحَلُّ مِنْ وِجْهةِ نظرك يا ميرنار ؟ .
_ سَأخْطِبُ
لَهُ فَتَاةً شركسيةً مِنْ قَريباتي كَيْ يَتَعَلَّقَ بِهَا،ولا يَتَعَلَّق
بالأجنبيَّات،وَيَبْقَى عَلى صِلَة ببلادِنا الحبيبة جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ،
ولا تَجْعله الغُربةُ يَنْسَى وَطَنَه وأهْلَه وخطيبته . وَبَعْدَ إنهاءِ دِراسته
الجامعية في بريطانيا ، سَيَعُود إلى أرضِ الوَطِنِ ، ويَتَزَوَّجُ خطيبته في
حَفْلٍ ضَخْمٍ في أكبر فنادق العاصمة ، وَنَدْعُو إلَيْه فَخامةَ رئيسِ
الجُمهوريةِ ، وكِبارَ المسؤولين والشَّخْصيات في الدَّولة .
وَقَعَ هَذا
الكلامُ عَلى رأسي كالصاعقةِ. شعرتُ بِدُوَارٍ رهيب ، وأحسستُ أنَّ الأرضَ
تَتَحَرَّكُ مِنْ تَحْتي. هَذه مُصيبةٌ لَمْ أعملْ لها حِسابًا ، وكارثةٌ لَمْ
تَكُنْ على البالِ ولا على الخاطرِ ، وأزمة لَمْ تَكُنْ في الحِسْبان . ماذا
سَأقُول لأهْلِي ؟ . هَلْ أُخْبرهم بالحقيقةِ المُرَّةِ ؟. هَلْ أكْشِفُ لَهُمْ
سِرِّي الذي دُفِنَ معَ عَمِّي الراحل معالي الدُّكتور صَبْري رَشَاد ؟ . أنا عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا. كَيْفَ سَأتَزَوَّجُ وَأُنْجِبُ وأُكَوِّن أُسْرَةً
مِثْل باقي الرِّجال ؟ .
لَطَالَمَا
تَمَنَّيْتُ أنْ أكْبَرَ بِسُرعةٍ كَيْ أتَزَوَّجَ
أجملَ فَتَاةٍ شركسية ، وبذلك تَكُونُ أُمِّي شركسية ، وَزَوْجَتي شركسية ، وأُصبح
شخصًا مُهِمًّا وَرَاقِيًا ، وَأتَخَلَّصُ مِنَ الماضي الكابوسيِّ الذي يُطاردني
باعتباري ابنَ سميحة الخَدَّامة، أنا ذلك الطِّفْلُ البائسُ الذي قَضَى حَيَاته في
القَريةِ شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا وَمُشَرَّدًا . ولكنَّها مُجَرَّد أُمْنِيَّة ، وفِكْرة حالمة ، والأحلامُ الناعمة تختلف
عَن الواقعِ الخَشِن .
مَا زِلْتُ أذكُرُ كَلامَ
الطبيبِ لِعَمِّي الراحل في ذلك اليَوْمِ البعيد : (( يا دُكتور صَبْري ، أنا
أعتذرُ مِنْكَ بِشِدَّةٍ ، وآسِف أنْ أقُول هَذا الكَلام ، ولكنَّ التقرير
الطِّبِّي الذي أمامي يُبَيِّن أنَّ الشَّريف هِشَام القُرَشِيَّ أُصِيبَ بِعَجْزٍ
جِنْسِيٍّ إلى الأبَدِ . لَنْ يَسْتطيع إقامةَ عَلاقة مَعَ أيَّة امرأةٍ
مُسْتَقْبَلًا ، وَلَنْ يَقْدِرَ عَلى الزَّوَاجِ ، وإذا تَزَوَّجَ لَنْ يَنْجَحَ
في إتمام الأمْرِ ، وَلَنْ يُنْجِبَ ، وَسَتَحْدُث فضيحة في العائلة ، وَقَدْ
يَنْتشر خَبَرُها بَيْنَ الناسِ . وإذا انتشرَ الخَبَرُ سَوْفَ تَتَأثَّرُ رئاسةُ
الجُمهوريةِ بشكلٍ سَلْبي ، وَتُصْبح صُورة ثَوْرتنا المَجيدة مُشَوَّهَةً
ومُلَوَّثَةً في أذهانِ الشَّعْبِ ، باعتبار أنَّ الشريف هِشَام القُرَشيَّ هُوَ
الابنُ الوحيدُ للسَّيد اللواء سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي، وَهُوَ نائبُ رئيسِ الجُمهوريةِ ، وَأَحَدُ قادةِ
الثَّوْرَةِ وَصُنَّاعِهَا ، وَأوَّلُ مَنْ أذاعَ البَيَانَ
الأوَّلَ للثَّوْرَةِ .
والمُعَارَضَةُ السِّياسِيَّةُ سَوْفَ تَستغل هَذا الأمْرَ للتَّشكيكِ بِقِيَمِ
الجُمهوريةِ وإنجازاتِ الثَّوْرَة )) .
لَيْتَني
لَمْ ألْعَبْ مُباراةَ كُرَةِ القَدَمِ في المَدرسةِ ، تِلْك المُبَاراة الكارثية
التي وَقَعْتُ فِيها عَلى ظَهْري ، واصطدمَ ظَهْرِي بالأرضِ بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ بسبب سُرعتي الجُنونية واندفاعي
المُتَهَوِّرِ . مَا زالَ حَتَّى هَذه اللحظةِ يَتَرَدَّدُ في أُذُنَيَّ ضَحِكُ
الأولادِ والبَنَاتِ عَلَيَّ بأصوات عالية مُزَلْزِلَة . إنَّها المُباراةُ
الفَضِيحَةُ التي أدَّتْ إلى إصَابتي بِعَجْزٍ جِنْسِيٍّ دائم، وانهيارِ صُورتي في
أذهانِ الطُّلابِ والطالباتِ ، وَتَحطيمِ أُسْطُورتي القائمة على الخِدَاعِ
والكَذِبِ والوَهْمِ . وكُلُّ حَيَاتي كَانتْ كِذبةً كبيرةً
صَدَّقْتُهَا .
سَأعيشُ عاجزًا بِلا نَسْلٍ
ولا أولادٍ ولا عائلةٍ . وَحَتَّى لَوْ تَزَوَّجْتُ وأنجبتُ ، سَيَكُون نَسْلِي
فاشلًا وَمُعَقَّدًا بِلا أحلامٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ . سَيَكُون أولادي تائهين في
المُجتمعِ التائهِ ، وضائعين في الدَّولةِ الضَّائعة . عائلةٌ فاشلةٌ غارقة في
العُقَدِ النَّفْسِيَّةِ والأزماتِ الاجتماعيةِ والمَصائبِ الحياتية .
كانَ الزَّواجُ بالنِّسْبَةِ
إلَيَّ رِحْلَةً رُوحِيَّةً ، وَسَفَرًا إلى العَوالمِ الغامضة ، وانتقالًا إلى
الأحلامِ المَجهولة ، أمَّا الآنَ فالزَّوَاجُ كابوسٌ رهيبٌ يُطاردني . والأمرُ
صارَ حقيقةً واقعةً ، وَلَيْسَ مُجَرَّد حُلْم أوْ أُمْنِيَّة ، والمَوضوعُ جِدٌّ
لا هَزْل .
أردتُ التَّهَرُّبَ مِنَ
مَوْضوعِ زَواجي دُون أنْ يَظْهَرَ عَلَيَّ الخَوْفُ والقَلَقُ ، فَقُلْتُ
مُبْتَسِمًا وبثقةٍ مُصْطَنَعَة وهُدوء وَهْمِي :
_ أنا أسعدُ شخص في هَذا
العَالَمِ ، وأكادُ أطيرُ مِنَ الفَرَحِ . حُلْمُ زَواجي مِنْ فَتاةٍ شركسية
سَيَتَحَقَّق أخيرًا ، ولكنْ يا أُمِّي ميرنار أنا مَا زِلْتُ شابًّا صغيرًا ،
عُمْري 19 سنة . أُريدُ أنْ أُركِّز في دِراستي الجامعيةِ ، وبَعْدَ عَوْدتي مِنْ
بريطانيا سَأتَزَوَّجُ الفتاةَ التي تَخْتارينها لِي .
_ أنا السُّلطانة ميرنار
الشَّركسية ، كَلِمَتي لا تَنْزِلُ عَلى الأرضِ ، وعِندما أُصْدِرُ قَرارًا يجب
تَطبيقُه بِلا نِقَاش . أُريدُكَ أنْ تَرتبط بفتاةٍ شركسيةٍ طاهرة وشريفة مِنْ
أجْلِ حِمايتك مِنَ النِّسَاءِ الأجنبيات العاريات المُلَوَّثَات الدايرات عَلى
حَلِّ شَعْرِهِن .
وأردفتْ قائلةً بحماسةٍ واضحة
:
_ لَقَدْ قُلْتُ لَكَ قَبْلَ
سَنَوَات : أنتَ شَركسي أكثر مِنَ الشَّركسِ ،
وَعِندَمَا تَكْبَرُ سَوْفَ أُزَوِّجُكَ بِنَفْسِي أجْمَلَ فَتَاة شَركسية ،
شَعْرُها كَثِيفٌ طَويل ، وَبَشَرَتُهَا فاتحة ، وَعُيُونُها مُلَوَّنَة ،
ومَلامِحُهَا مُتَنَاسِقَة . وَمِنَ الآن فَصَاعِدًا ، لَنْ أُسَمِّيَكَ "
هِشَام " ، سَوْفَ أُسَمِّيكَ " شامل أبو شركس " .
قالَ أبي بِحَزْمٍ :
_ المَرْأةُ الشَّركسيةُ إذا
وَعَدَتْ أَوْفَتْ بالوَعْدِ يا هِشام ، اسْمَعْ كَلامَ أُمِّكَ ميرنار الشَّركسية
، فَهِيَ حريصة على مَصْلحتك ومُسْتقبلك ، وَتَعْرِف مَصْلحتك أكثرَ مِنْكَ ، وإذا
سَمِعْتَ كَلامَها فإنَّ مُسْتَقْبَلًا باهرًا يَنْتظرك .
أنا في وَرْطَةٍ لا يُمْكِن
الهربُ مِنها . وَقَعْتُ في مِصْيَدَةٍ لا يُمْكِن الخُروج مِنْهَا . إذا عَلِمَ
أبي أنَّني عاجزٌ جِنسيًّا فَسَوْفَ يَحْكُمُ عَلَيَّ بالخِيانةِ العُظمى ،
وَيُطْلِقُ عَلَيَّ رَصَاصَةَ الرَّحمةِ . وإذا عَلِمَ فخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ
فَسَوْفَ يُجْبِرُ أبي على تَقديمِ استقالته ، وبالتالي يَتِمُّ تَدمير المُسْتقبل
السِّياسي لأبي ، وتَحطيم صُورته أمامَ أجهزةِ الدَّولةِ . وإذا عَلِمَتْ
المُخابراتُ العَامَّة فَسَوْفَ يُؤَثِّرُ ذلك سَلْبًا عَلى خُطَطِها في مُكافحةِ
الإرهابِ . وإذا عَلِمَت المُخابراتُ العَسكرية فَسَوْفَ تَدْخُل في صِدَام جديد
معَ المُخابراتِ العَامَّة ، وإذا عَلِمَتْ قِيادةُ الجَيْشِ فَسَوْفَ تَنْهار
الرُّوحُ المَعنويةُ للجُنودِ، وَيُؤَثِّرُ ذلك سَلْبًا عَلى خُطَطِها لِتَحريرِ فِلَسْطين . وإذا عَلِمَتْ مَحكمةُ أمْنِ
الدَّولةِ فَسَوْفَ يُؤَثِّرُ ذلك عَلى مُحاكمةِ الخَوَنَةِ والعُمَلاءِ
والإرهابيين وأعداءِ الوَطَنِ . وإذا عَلِمَت المُعارَضةُ السِّياسيةُ فَسَوْفَ
تُوجِّه نَقْدًا عَلَنِيًّا للنِّظامِ الحاكمِ ، بهدفِ الوُصولِ إلى السُّلطةِ .
وإذا عَلِمَتْ الطوائفُ والعَشائرُ والقَبائلُ فَسَوْفَ تَحْدُث بَيْنَها حُروب
قَبَلِيَّة طاحنة . وإذا عَلِمَتْ أُمِّي ميرنار الشَّركسية فَسَوْفَ يُصْبح
مَوْقِفُها ضعيفًا أمامَ الشَّركسياتِ وأمامَ نِسَاء كِبار الشَّخصياتِ ، لأنَّني
أنا الأخ الأكبر لأولادِها العَشْرَة الذينَ سَوْفَ يَسْتلمون أهَمَّ المَناصبِ في
الدَّولةِ مُسْتَقْبَلًا . وَسَوْفَ يَقُولون عَنِّي إنَّني شَخْصٌ عاجزٌ ،
وَلَسْتُ رَجُلًا .
أنا في
حَيْرَةٍ مِنْ أمْرِي ، ولا أعرفُ ماذا أفْعَل . ومَا يَزيد المُشكلةَ تَعقيدًا
أنَّني لَسْتُ شخصًا عاديًّا مِنْ عَامَّةِ الشعبِ الفقيرِ البائسِ ، أنا ابنُ
نائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، والمَفروضُ أنَّني فَحْلٌ وقويٌّ وقادرٌ على إنجابِ
عَشْرَة أولاد مِنْ زَوجة واحدة كما فَعَلَ أبي . وهَذا الشِّبْلُ مِنْ ذاكَ
الأسدِ، ولكنْ للأسَفِ يَبْدُو أنَّني فأرٌ جَبَان وضعيفٌ وعاجزٌ، لا عَلاقة لِي
بِعَالَمِ الأشبالِ والأُسُودِ . لَقَدْ كانتْ حَياتي وَهْمًا صَدَّقْتُه ،
وَسَرَابًا طَارَدْتُهُ في دُروبِ الذاكرةِ المَنْسِيَّةِ والمَسْبِيَّةِ .
مِسْكينةٌ
أُمِّي سميحة، تَجْلِسُ صامتةً ، وَلَمْ تَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ . كانتْ تَعْمَل
في القَريةِ خَدَّامة ، وَهِيَ مَقطوعة مِنْ شَجَرَة ، لَيْسَ لها حَسَبٌ ولا
نَسَبٌ ولا عائلة ولا أقارب ولا قريبات ، تَطْمَح إلى تَزْويجي مِنْ واحدة
مِنْهُنَّ . ميرنار الشَّركسية هِيَ الكُلُّ في الكُلِّ ، ولها قريبات جميلات ،
وغَنِيَّات، وصاحبات منزلة اجتماعية رفيعة . لَيْتَ ميرنار الشَّركسية هِيَ أُمِّي
التي أنْجَبَتْني ، وأراحَتْني مِنْ سَمِيحة الخَدَّامة .
أُمِّي
سميحة تُريدُ أنْ تَفْرَحَ بِي ، ولكنَّني لا أستطيعُ نِسيانَ ذلك اليَوْمِ الذي رَفَعَتْ فيه يَدَيْهَا عاليًا قائلةً: ((اللَّه يَغضب
عَلَيْكَ يا هِشَام،ويَجْعلك عاجزًا، ويَقْطع نَسْلَك، آمين يا رَبَّ العَالَمِين)). لا أستطيعُ نِسيانَ كَلِمَاتها وَهِيَ تَدْعُو عَلَيَّ، عِندما
كُنَّا نعيشُ في زَريبةِ الأبقارِ في القَرية . وَمِنَ الواضحِ أنَّ نَسْلي انقطعَ
، وانتهى الأمرُ .
60
في يَوْمِ
الجُمُعَةِ 29/11/1991 تَمَّ عَقْدُ قِرَاني على الآنسةِ مَهَا أحمد ، وَهِيَ فَتَاة
شركسيَّة أكبر مِنِّي بِخَمْسِ سَنَوَات. أُمُّهَا ابنةُ خال أُمِّي ميرنار
الشَّركسية . كُنْتُ أشعُرُ بفارقِ السِّنِّ بَيْنَنَا ، ولكنَّ أُمِّي ميرنار
الشَّركسية قالتْ لِي إنَّ هَذا الفارق بسيط لا يُشكِّل مُشكلة ، وَأثَرُهُ غَيْرُ
ظاهرٍ عَلى مَهَا . ومَع أنَّها مُمتلئة إلا إنَّها ناعمةٌ ورقيقةٌ وجميلةٌ ،
تَفِيضُ بالأُنوثةِ والدَّلالِ ، وقالتْ لِي أيضًا إنَّها اختارتها مُمتلئةً كَيْ
تَتَحَمَّلَ كَثْرَةَ الحَمْلِ والولادةِ والرَّضَاعَةِ بَعْدَ الزَّواجِ ، فلا
بُدَّ أنْ أُنْجِبَ أولادًا كثيرين كَيْ أُوَزِّعَهُم عَلى المَناصبِ المُهِمَّةِ
في الجُمهوريةِ ، وأُحْكِمَ السَّيطرةَ عَلى مَفَاصِلِ الدَّولةِ ، باعتباري
الابنَ الأكبر لنائبِ رئيسِ الجُمهوريةِ ، ويَنْتظرني مُستقبَلٌ باهرٌ أنا وأولادي
في المُخابراتِ العَامَّةِ ، والمُخابَراتِ العَسكرية، وقِيادةِ الجَيْشِ ، ومَحْكمةِ
أمنِ الدَّولة .
وَمَهَا
ابنةُ عائلةٍ شركسية غَنِيَّة مِنْ النُّبَلاء ، تَمْلِكُ أراضي واسعة ،
وَثَرْوَةً طائلة ، وَهِيَ الابنةُ الوحيدةُ لأبيها المريضِ الذي قَدْ يَمُوتُ في
أيَّة لحظة ، وَسَوْفَ تَرِثُه ، وَتَؤُول ثَرْوَتُهَا إلَيَّ ، ويَتِمُّ
التَّزَاوُجُ بَيْنَ السُّلطةِ والثَّرْوَةِ . هكذا قالتْ لِي أُمِّي ميرنار
الشَّركسية التي تَمْتاز بِبُعْدِ النَّظَرِ ، والتفكيرِ الإستراتيجيِّ العَمِيقِ
، وتَحليلِ العَواملِ الحاليَّةِ والمُستقبلية ، وَوَضْعِ خُطَط طويلة الأمدِ
لتحقيق الأهدافِ المُحَدَّدَةِ . إنَّها تَنظُر إلى مَا هُوَ أبعد مِنَ الأمورِ
اليَوْمِيَّة ، معَ القُدرةِ عَلى التَّنَبُّؤ بالتَّغْييراتِ المُسْتقبلية ،
وَتَوَقُّعِ المَخاطرِ ، وَوَضْعِ استجابات فَعَّالة لتحقيقِ النتائجِ
المَرْجُوَّة .
أحْسَسْتُ
أنَّني جُزْءٌ مِنْ صَفْقَةٍ ، أوْ مَشروعٍ تِجَاريٍّ ، أوْ حِزْبٍ سِيَاسِيٍّ.
ومعَ هَذا كُنْتُ سعيدًا وَمُنْسَجِمًا معَ مَهَا إلى أبعدِ حَدٍّ .
أحْضَرَ أبي
المأذونَ إلى قَصْرِنا ، وَتَمَّ كَتْبُ الكِتَابِ ، وَهُوَ عَقْدُ الزَّواجِ
الشَّرْعِيِّ . وكانتْ حَفلة عائلية بسيطة وَضَيِّقَة،بعيدًا عَنْ وَسائلِ
الإعلامِ. حَضَرَ فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ ووزير الداخليَّة وقائد الجَيشِ
ومُدير المُخابراتِ العامَّة ومُدير المُخابرات العَسكرية. وَحَضَرَ والدُ مَهَا
وأعمامُها وأخوالُها .
سَيَكُونُ
حَفْلُ الزِّفافِ في أكبرِ فَنادقِ العاصمةِ بَعْدَ إنهاءِ دِراستي في جامعةِ
أُكسفورد ، وَعَوْدتي إلى بِلادي الحبيبةِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية . ومعَ
أنَّها صارتْ زَوجةً لِي إلا أنَّ العَلاقةَ بَيْنَنا لَمْ تَتَجَاوَز الحُدودَ
المَعقولة ، وانحصرتْ في اللَّمْسِ والتَّقْبيلِ ، وأكثرُ مِنْ ذلك سَيَكُون
الوَضْعُ لَيْسَ فيه مَصْلحة .
قالتْ أُمِّي
سميحة بِحَسْرَةٍ وحُرْقَةٍ وألَمٍ : (( يا لَيْتَ " ناصر " كانَ حَيًّا
، رُبَّمَا تَزَوَّجَ مَهَا ، لأنَّهما في نَفْسِ العُمْرِ ، وَبَحَثْنَا عَنْ
زَوجةِ ثانية لِهِشَام في نَفْسِ عُمْرِه )) .
لَمْ أَهْتَم
بِثَروةِ مَهَا ، وَلَمْ أُفَكِّرْ كَمْ سَتَرِثُ بَعْدَ وفاةِ أبيها المريضِ .
كُنْتُ مُهْتَمًّا بِهَا وَحْدَهَا دُون اعتبارات أُخْرَى. إنَّها شركسية ساحرة ،
سَحَرَتْني بِنُعومتها وَرِقَّتِهَا ، وَمَلَأتْ حَيَاتي بالبَهجةِ والسَّعادةِ
والسُّرور . إنَّها حُبُّ حَيَاتي الأبدي والحقيقي والوحيد . إنَّها حُلْمُ
عُمْرِي ، الفتاةُ التي رَسَمْتُهَا في مُخَيِّلَتي ، وَلَمْ أُصَدِّقْ أنَّني
وَجَدْتُهَا عَلى أرضِ الواقعِ ، وَلَمْ أُصَدِّقْ أنَّنا صِرْنَا زَوْجَيْن .
وَعَدْتُهَا
أنَّني سَأُنْهي دِراستي سريعًا في جامعةِ أُكسفورد ، وأعُودُ إلَيْهَا كَيْ نُنَظِّمَ
حَفْلَ زِفَافٍ أُسطوريًّا ، وَنَدْعُو إلَيْهِ كُلَّ الشَّخصياتِ المُهِمَّةِ في
العَالَمِ . أعضاء الأُسَرِ المَلَكِيَّة الحاكمة ، وَرُؤساء الدُّوَل ، وَرُؤساء
الوُزراء ، وقادة الجُيوش ، ومُدراء أجهزة المُخابرات ، ورجال الأعمال ، وَنُجُوم
الرِّياضة والسِّينما والغِنَاء . سَوْفَ نَدْعُو إلَيْهِ جَميعَ وَسائلِ الإعلامِ المَرئية والمَسموعة والمَقْروءة .
فَخَامَةُ
رئيسِ الجُمهوريةِ سَيُصْدِرُ عَفْوًا خَاصًّا عَنْ عَشَرَاتِ آلاف السُّجَناءِ
السِّياسيين بِمُناسبة زِفَافي أنا ومَهَا. وأبناءُ شَعْبي الجائعِ سَوْفَ يأكلون
الأرُزَّ وَاللَّحْمَ وأشهى الحَلَوِيَّاتِ ، وَسَوْفَ تَتَّحِدُ السُّلطةُ
والمُعارَضةُ السِّياسيةُ لأوَّلِ مَرَّةٍ ، وتَتَكَرَّسُ الوَحدةُ الوطنيةُ ،
وَيَنْتشر الفَرَحُ والسَّعادةُ في رُبُوعِ بِلادِنا الحبيبةِ . إنَّ حَفْلَ
زِفَافي أنا وَمَهَا سَيَكُون عُرْسًا وطنيًّا ، تَتلاحم فيه جميعُ قُوى الشَّعْبِ
بِكُلِّ أطيافِه وطبقاتِه وطوائفِه وأحزابِه المَحظورةِ وغَيْرِ المَحظورةِ .
سَوْفَ
يَتَحَدَّثُ الناسُ سنواتٍ طويلة عَنْ حَفْلِ زِفَافِ الشَّريفِ هِشَام القُرَشي
ابنِ نائب رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية وصاحبةِ الصَّوْنِ والعَفَافِ مَهَا
الشَّركسية المليونيرة . سَنَكُون أسعدَ زَوْجَيْن في العَالَمِ . ولكنَّ
المُشكلةَ الجَذرية والكابوسَ الذي يُطاردني هُوَ أنَّني عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا . لا أعرفُ ماذا أفعلُ عِندما تأتي سَاعَةُ الحقيقةِ .
وفي الامتحانِ يُكْرَمُ المَرْءُ أوْ يُهَان . عَلى أيَّة حال ، سَأحْلُمُ مَا
دَامَ الحُلْمُ مَجَّانِيًّا ، سأفرحُ اليَوْمِ ، وَلْيَكُنْ في الغَدِ مَا يَكُون
. " أحْيِني اليَوْمَ
وَمَوَّتْني بُكْرَة " .
في
1/12/1991 سافرتُ إلى بريطانيا ، أنا وحارسي الشَّخْصِي ، وَهُوَ مِنْ أفضلِ
الضُّبَّاطِ في القُوَّاتِ الخَاصَّةِ .
في الليلةِ
الماضيةِ مَشَيْتُ أنا وَمَهَا حَوْلَ المَسْبَحِ في قَصْرِنا ، أخْبَرْتُهَا كَمْ
أُحِبُّها ، وأنَّها سَتَظَلُّ في قَلْبي وَرُوحِي إلى الأبَدِ . وَسَوْفَ أُنْهي
دِراستي في جامعةِ أُكسفورد بِسُرعة ، كَيْ أعُودَ إلَيْهَا ، وَنعيشَ معًا في
قَصْرِنا بِكُلِّ هَناء وسَعادة . قُلْتُ لَهَا :
_ أُريدُكِ
أنْ تُنْجبي لِي أطفالًا كثيرين يا مَهَا ، كَي يَمْتلأ قَصْرُنا بِهِم .
كُنْتُ
أعْلَمُ أنَّني فاشلٌ وعاجزٌ جِنْسِيًّا، ولكنَّني أردتُ تمثيلَ دَوْرِ الزَّوْجِ
الفَحْلِ الواثقِ مِنْ نَفْسِه.
احْمَرَّتْ
خُدودُها ، وقالتْ لِي بِصَوْتٍ عَذْبٍ :
_ أنتَ شامل
أبو شركس ، وأنا مَهَا أُمُّ شركس .
لا تَزَالُ
هذه العِبارةُ السِّحْرية تَرِنُّ في أُذُنَيَّ بَعْدَ كُلِّ هذه السَّنَوَاتِ
الطويلةِ التي مَرَّتْ عَلى جَسَدِي كالخَناجرِ .
أعْطَتْني
مَهَا قَلْبَ حُبٍّ مِنَ الألماسِ كَيْ أحتفظَ بِه، وأتَذَكَّرَهَا في بِلادِ
الغُربةِ وَعَاصِمَةِ الضَّبَابِ. ولكنَّني أخْبَرْتُها أنَّ جامعة أُكسفورد تَقَع
في مَدينةِ أُكسفورد عَلى بُعْدِ 90 كم شَمال غَرْب لندن .
حَضَنْتُهَا،وَغَرِقْنَا في القُبُلاتِ،وَنَحْنُ نَبْكي بسببِ الفِرَاقِ،ثُمَّ
مَسَحْتُ دُموعَها،وَمَسَحَتْ دُمُوعي. والتقطتْ لَنَا أُخْتي نجاح صُورةً
تَذكارية داخلَ القَصْرِ. كُنْتُ أَضُمُّ مَهَا ، وَشَعْرُهَا يُظَلِّلُني كَالحُلْمِ
.
لَمْ آخُذْ
مَعِي إلى بريطانيا سِوى قَلْبِ الحُبِّ الذي أعْطَتْنِي إيَّاه مَهَا ، وثلاث
صُوَر . صُورةُ أخي ناصر ، التي يَظْهَرُ فِيها شَعْرُهُ الناعم ، وَعَيْنَاهُ اللامعتان ، وخُدُودُه
الطَّرِيَّة ، وابتسامته البريئة ، وَقَمِيصُهُ الأزرق الذي أعْطَوْهُ لأُمِّي
صَدَقَةً ، وَشَفَقَةً عَلَيْهَا ، وعلى ابْنِها الوحيدِ الذي وُلِدَ في عائلة
فقيرة بائسة لَيْسَ لَهَا جُذور ولا أغصان في قَرْيتنا التي
أُزيلَتْ مِنَ الخَريطةِ ، وَمُحِيَتْ مِنَ الوُجودِ . وَصُورتي معَ إخواني
العَشْرَة أولادِ الشَّركسية، كَيْ نَظَلَّ إخْوَةً مُتَحَابِّين وَمُتَعَاوِنين ،
وَيَدًا واحدةً على أعداءِ الوطن . وَصُورتي مَعَ زَوْجتي مَهَا الشَّركسية ، وَقَدْ
تَمَّ عَقْدُ زَواجِنا، ولكنَّنا أَجَّلْنَا الزِّفَافَ .
تَجَمَّعَت
اللحَظَاتُ في إطارٍ صغير، تَسْكُنُ فيهِ ابتساماتٌ لَمْ تَبُحْ بِها الشِّفَاهُ ،
وَعُيُونٌ لَمْ تَدْمَعْ بَعْد . صُوَرٌ تَرْوي قِصَّةَ زَمَنٍ مَضَى ، لكنَّها
تَحْفَظُ في ثَنَايَاهَا نَبْضَ الحاضرِ المُتَجَدِّدِ والمُتَدَفِّقِ .
طَلَبَ مِنِّي
أبي أنْ آخُذَ حقيبةً واحدةً فيها بعضُ المَلابسِ الشَّتَوِيَّةِ والأوراقِ
الرَّسْمِيَّة ، وقالَ لِي إنَّ سَفارتنا في لندن سَوْفَ تَتَكَفَّل بِكُلِّ تفاصيلِ
حَيَاتي في بريطانيا،فلا دَاعي للقَلَقِ أو الاضطرابِ. وَجَميعُ مَصاريفِ دِراستي
في جَامعةِ أُكسفورد سَتَكُون عَلى حِسَابِ حُكومتنا الرشيدةِ . والشَّعْبُ
الفَقيرُ البائسُ أوَّلًا وأخِيرًا هُوَ الذي سَيَدْفَع .
كُنْتُ
مُتَأكِّدًا أنَّني مُتَأخِّرٌ عَنْ جَميعِ الطُّلابِ في الدِّراسةِ . إنَّها
خُطْوَة خَجُولة ، ومُتَأخِّرَة جِدًّا ، لكنْ أنْ تَصِلَ مُتَأخِّرًا خَيْرٌ مِنْ
أنْ لا تَصِلَ أبَدًا. وَمَا بَثَّ في قَلْبي الطُّمَأنينةَ هُوَ أنَّ أبي
تَبَرَّعَ بمبلغ مَلْيون جنيه إسترليني لجامعةِ أُكسفورد ، لذلك كُنْتُ واثقًا
أنَّهُم سَيَحْترمونني وَيُقَدِّرُونني ، وَيُعَاملونني مُعَامَلَةً خَاصَّة ،
وَيَهْتَمُّون بِي ، وَيُعالجون كَافَّةَ مُشكلاتي ، وَيَطْلُبُون رِضَاي .
وأوَّلًا وأخيرًا ، أنا لَسْتُ شخصًا مِنْ عَامَّةِ الشَّعْبِ ، أنا الشَّريفُ
هِشام القُرَشي ابن اللواء سَلْمَان رَجَب نائب رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية
.
بَعْدَ
سَنَوَاتٍ طويلة ، عَرَفْتُ صُدْفَةً أنَّ تاريخَ زَواجي مِنْ مَهَا هُوَ نَفْسُ تاريخِ
تَقْسِيمِ فِلَسْطين . صُعِقْتُ ، وأصابني الخَوْفُ الشَّديد ، وَسَيْطَرَتْ
عَلَيَّ الوَسَاوِسُ .
في 29/11/1947
، أصدرت الجمعيةُ العَامَّةُ للأُمَمِ المُتَّحدة قَرَارًا
يَقْضي بتقسيم فِلَسْطِين إلى دَوْلَتَيْن ، عَرَبِيَّة وَيَهُودِيَّة ، وذلك بِمُوافقة
33 دَوْلة ، ورَفْض 13 دَوْلة ، وامتناع 10 دُوَل عَن التَّصويت . وَقَدْ أدَّى هذا القَرَارُ عمليًّا إلى الإعلان عَنْ قِيام"
دَوْلَةِ إسرائيل " .
61
في بريطانيا لَمْ أسْقَطْ ضَحِيَّةً للصَّدْمَةِ
الثَّقافيةِ ، وَهِيَ الشُّعورُ بالارتباكِ والقَلَقِ والمُفَاجَأةِ والخَوْفِ
الذي يُواجهه الشخصُ عِند الانتقالِ إلى بيئة ثقافية جديدة ، أوْ بيئة اجتماعية
مُختلفة عَنْ ثقافته المألوفة، لأنَّني دَرَسْتُ في مَدرسة أجنبية سَنَوَاتٍ طويلة
، وَتَعَوَّدْتُ عَلى أُسلوبِ الحَياةِ الغربية ، والثقافةِ الأمريكيةِ
والأُوروبية . إنَّني مُتَكَيِّفٌ ثقافيًّا، ومُتَأقْلِم اجتماعيًّا معَ إفرازاتِ
الحَضَارةِ الغربيةِ. وَلَمْ أَحُس بالانزعاجِ أو الإحباطِ أو الحَيْرَة أو عَدَمِ
اليقين . ولكنْ دَوَام الحَالِ مِنَ المُحَال.
لَمْ أُصَدِّقْ أنَّني صِرْتُ طالبًا في
جامعةِ أُكسفورد . أنا الطِّفْلُ الفقيرُ البائسُ الذي جاءَ مِنْ قَريةٍ
مَنْسِيَّةٍ ومَنبوذة ، وَقَضَيْتُ طُفولتي فيها شَحَّاذًا وَمُتَسَوِّلًا وبائعًا
مُتَجَوِّلًا أدُورُ عَلى البُيُوتِ ، وأَطْرُقُ الأبوابِ ، على أمل أنْ
يُشْفِقُوا عَلَيَّ ، وَيُحْسِنُوا إلَيَّ ، وَعِشْتُ في زَريبةِ الأبقارِ ،
والآنَ أنا طالبٌ في أقدمِ جامعة في العَالَمِ الناطقِ بالإنجليزية ، وَهِيَ
مُؤسَّسة أكاديميَّة مَرْموقة عالميًّا ، ومَعروفة بِتَمَيُّزِها في التَّعليمِ
والبحثِ العِلْمِيِّ . وَتَتَمَيَّز بمكانتها الرفيعة في التَّصنيفات العالميَّة ،
ومَبَانيها التاريخية ، ومَتَاحفِها، وبيئتها الأكاديميَّة والثقافية الفريدة ،
وتُصنَّف باستمرار كواحدة مِنْ أفضل الجامعاتِ في العَالَمِ ، وَخَرَّجَت العَديدَ
مِنَ العُلماءِ والمُفكِّرين والسِّياسيين والقادةِ عَلى مَرِّ العُصور.
إنَّ جامعتي جامعة أُكسفورد تَجْمَعُ بَيْنَ
الحَداثةِ والتاريخِ ، معَ مَتاحف ومَعالم تاريخية ، ومُجتمع مُتَنَوِّع ثقافيًّا
، وَتَضُمُّ طُلَّابًا مِنْ جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ ، مِمَّا يَخْلُق بيئةً
عالميَّة وثقافية نابضة بالحَياةِ . وتَتَمَيَّز مَبانيها بِتَنَوُّعِها
التاريخيِّ والمِعْمَاريِّ ، فَهِيَ لَيْسَتْ مَبْنى واحدًا ، بَلْ تَتَكَوَّن
مِنْ كُلِّيات وقَاعَات وأقسام أكاديميَّة مُنتشرة في قلبِ مَدينةِ أُكسفورد ،
وَتَشْمَل نماذج مِنَ العِمَارةِ الكلاسيكيَّة ، ومَبَانيَ تاريخيَّة تَعُود إلى العُصورِ
الوُسطى .
بَدَأتُ دِراستي بِحَماسةٍ شديدةٍ ،
وَثِقَةٍ مُطْلَقَةٍ ، وَنَشَاطٍ هائل ، ومَشاعر جَيَّاشَة ، وأحاسيس مُلْتهبة، ثُمَّ
أصابني المَلَلُ والفُتُورُ . صِرْتُ أشعُرُ بالضَّجَرِ وَعَدَمِ الاهتمام ، بسببِ
الرُّوتينِ ، والجَوِّ المَاطِرِ ، والغُيومِ الرَّماديَّة . لَمْ أَجِدْ مَا
يَشْغَل ذِهْني أوْ يُحفِّزه عقليًّا ، أوْ يَمْنحه شُعورًا بالرِّضا والتَّحَدِّي
. أحْسَسْتُ أنَّني مُنفصِل عَن الأنشطةِ ، ولا أستمتع بِها ، ولا أعْبَأ بأهميتها
. وَفَقَدْتُ الرَّغبةَ في الدِّراسةِ ، وَسَيْطَرَ عَلَيَّ التَّوَتُّرُ ،
والعصبيةُ ، والغضبُ ، والشُّعُورُ بالعَجْزِ ، وَاللامُبالاة ، وَسَقَطْتُ في
فَخِّ النَّظرةِ السَّوداويةِ للحَياةِ .
الرُّوتينُ اليَوْمِيُّ خَانقٌ يَجْعَل
الأيامَ مُتشابهة . وَأُعَاني مِنْ نَقْصِ التَّحفيز ، وعدمِ وُجود خِيارات كافية
للأنشطةِ . أَحُسُّ أنَّني مَحْصُورٌ في مَتَاهَةٍ ، وَمُحَاصَرٌ في وَضْعٍ لا
يُرْضيني . وَقَادَني هَذا الإحساسُ الرهيبُ إلى الإحباطِ ، والتَّعَاسةِ ،
والقلقِ ، وانقلبَ حالي 180 دَرَجَة .
قالَ لِي بعضُ الأصدقاءِ إنَّني مريضٌ
نَفْسِيًّا ، وَنَصَحُوني بالذهابِ إلى طبيبٍ نَفْسِيٍّ كَيْ يُعَالِجَني. لَمْ
يأتوا بشيء جديد ، فأنا أعرفُ أنَّني مريضٌ نَفْسِيًّا، حَيْثُ إنَّني أُعَاني مِن
اكتئابٍ حاد، واضطراب ثُنائي القُطْب ، والوَسْوَاسِ القَهْرِيِّ . وَقَدْ
أثَّرَتْ هَذه الأمراضُ على صِحَّتي البدنية سَلْبًا .
أشعُرُ بأنَّني مِثْل الآلَةِ ( حَيَوَان )
، ابتساماتي كاذبة ، وَضَحِكَاتي مُصْطَنَعَة ، وَحَيَاتي كئيبة ، وَعُمْري مِثْل
صَحْنٍ مَكسور ، وأيَّامي مُتَكَرِّرة ، وخالية مِنَ المَعْنى ، مِثْل أُسطوانة
مَشْروخة .
وَصَلْتُ إلى قَناعةٍ عجيبةٍ غريبةٍ ، لا
دَاعِي للدِّراسةِ ! . لِمَاذ أُتْعِبُ نَفْسِي في الدِّراسةِ وكُلُّ الوَظائفِ في
الدَّولةِ مَفتوحة أمامي باعتباري ابن نائب رئيس الجُمهورية ؟ . إنَّني أستوعبُ
وُجودَ طالبٍ فقير يَدْرُسُ بِجِدٍّ ، مِنْ أجْلِ الحُصولِ على وظيفة مَرموقة ،
وراتبٍ مُرتفع ، ويُغيِّر وَضْعَه وَوَضْعَ أُسْرته إلى الأفضل ، ولكنْ أنا غنيٌّ
، وأبي هُوَ الرَّجُلُ الثاني في الدَّولةِ ، وكُلُّ المَناصبِ المُهِمَّةِ
تَنْتظرني ، وكُلُّ أموالِ البنكِ المَركزيِّ تَحْتَ تَصَرُّفي ، فلماذا أسْهَرُ
الليالي في الدِّراسةِ والبَحْثِ والاستعداد للامتحانات ؟.لا دَاعِي للتَّعَبِ. سَوْفَ
أعتبرُ نَفْسِي سائحًا في بريطانيا . وَعَلَيَّ أنْ أُركِّز في المُتعةِ
والاستمتاعِ، فالحَياةُ قَصيرةٌ ، وَلَحَظَاتُ السعادةِ قليلة ، ولا بُدَّ مِن
استغلالها .
في
رأسِ السَّنَةِ، ذَهَبَ حارسي الشَّخْصِيُّ إلى أحَدِ المَلاهي الليليةِ للاحتفالِ
. عادَ في الثالثةِ فَجْرًا ، وَهُوَ مَخمورٌ . كانَ في حالةِ سُكْرٍ شديدة،
تَقُودُهُ امرأتان شَقْراوتان عَارِيَتَان ، واحدة عَنْ يَمينِه، والثانية عَنْ
يَسَارِه . دَخَلَ الغُرفةَ مَعَهُمَا ، وأنا ذَهَبْتُ إلى النَّوْمِ . حاولتُ
النَّوْمَ مِرَارًا وتَكْرَارًا، لكنَّني فَشِلْتُ . كانَ صُرَاخُ المَرْأتَيْن
أثناءَ مُمارَسةِ الجِنْسِ يُحَطِّمُ أعصابي ، ويُمزِّق جِلْدِي . ارتَدَيْتُ
مَلابسي ، وَنَزَلْتُ مِنَ الشَّقَّةِ ، وَرُحْتُ أمشي في قلبِ الليلِ الرَّهيبِ ،
كَيْ أُنَظِّفَ رَأسي مِنْ صُراخِهما المُرْعِبِ .
62
في مَطْلَعِ عام 1992 ، قَرَأتُ إعلانًا في
صحيفة بريطانية عَنْ حَاجَةِ لاعبة تنس أرضي صِرْبِيَّة إلى مُعَلِّم بريطاني،
يُعْطيها دُرُوسًا خُصُوصِيَّة في اللغةِ الإنجليزية قِراءةً وكِتابةً
ومُحَادَثَةً . سَجَّلْتُ رَقْمَ هاتفِها ، واتَّصَلْتُ بِها ، وَدَعَتْني إلى
زِيارتها في بَيْتِها في لندن وَفْقَ مَوْعِدٍ مُحَدَّد . رَكِبْتُ قِطارًا مِنْ
مَدينةِ أُكسفورد إلى مَدينةِ لندن ، وَذَهَبْتُ إلى عُنوانِ بَيْتِها الذي
أعْطَتْني إيَّاه ، بَعْدَ أنْ سألتُ كثيرًا مِنَ الأشخاصِ ، فأنا لا أمْلِكُ
خِبرةً ولا مَعلومات عَنْ الأماكنِ والأحياءِ في مدينة لندن .
قَرَعْتُ جَرَسَ البابِ ، فَفَتَحَتْ لِي
فَتَاةٌ طويلة بَيْضَاء البَشَرَة ، جِسْمُها مُتناسق ورياضي . وَمِنَ الواضح
أنَّها قوية الشَّخْصية، وواثقة مِنْ نَفْسِها، ومُستقلة، وَتَهْتَم بالمُوضةِ ،
وتُحافظ عَلى صِحَّتها. كانتْ تَرْتدي شورت يُغَطِّي الجُزْءَ السُّفْلي مِنْ
جِسْمِها ، معَ سُتْرَة جِلْدِيَّة مفتوحة مِنْ أعلى . فُوجِئَتْ بشكلي وَجِسْمِي
ومَلامحي ، وارتبكتْ أوَّلَ الأمْرِ ، لكنَّها رَحَّبَتْ بِي ، وَطَلَبَتْ مِنِّي
الدُّخُولَ ، وَجَلَسْنَا في صالون فَخْم .
قالتْ لِي باستغرابٍ وَبِلُغة إنجليزية
بسيطة ومُكسَّرة :
_ ظَنَنْتُ أنَّكَ رَجُلٌ بريطاني ، لأنَّني
عِندما تَحَدَّثْتُ مَعَكَ بالهاتفِ كُنْتَ تَتَكَلَّمُ الإنجليزيةَ بِطَلاقة ،
ولكنَّكَ أسمر البَشَرَة .
ابتسمتُ ابتسامةَ الواثقِ المُنتصِر ،
وَقُلْتُ بِثِقَةٍ مُطْلَقَة :
_ أنا هِشَام ، عربي مِنْ جُمهوريةِ
الأحلامِ الورديةِ ، ولكنَّني دَرَسْتُ في مَدرسةٍ أجنبيَّة ، وأنا الآنَ طالبٌ في
جامعةِ أُكسفورد .
وأردفتُ قائلًا لبيانِ ذكائي ومَوَاهبي مِنْ
أجْلِ أنْ تُعْجَبَ بِي :
_ وكَمَا تَعْلَمِين ، جامعة أُكسفورد لا
يَدْخلها إلا الأذكياءُ والعباقرةُ ، وأبناءُ العائلاتِ الراقية .
نَظَرَتْ إلَيَّ نَظْرَةَ تقديرٍ وإعجابٍ ،
وقالتْ وَوَجْهُهَا يَتَفَتَّحُ كالزَّهْرَةِ في فصلِ الرَّبيعِ ، مَعَ أنَّنا
كُنَّا في فَصْلِ الشِّتاء :
_ مِنَ الواضحِ أنَّكَ ذكيٌّ وعَبقري في
اللغةِ الإنجليزية . مِنَ الآنَ فصاعدًا ، اعْتَبِرْني تلميذتك في دَرْسِ اللغةِ
الإنجليزية ، اسْمِي نينا بروفيتش ، وأنا لاعبة تنس أرضي صِربية . أطْمَحُ أنْ
أُصْبح مِثْلَ شتيفي غراف ومونيكا سيليش ، وأتَمَنَّى أنْ أُشاركَ في بطولة
ويمبلدون هَذا الصَّيْف . وأُريدُ أنْ أُتْقِنَ اللغةَ الإنجليزية بشكل كامل ،
لأنَّني أُوقِّع عُقُودَ الإعلاناتِ والدِّعاياتِ بالإنجليزيَّة ، وأُشارِك في
مؤتمرات صحفية بالإنجليزية .
لاحظتْ نينا بروفيتش أنَّني أنظرُ إلى
الصليبِ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا المَكْشُوفَيْن ، فقالتْ :
_ أنا مسيحية أُرثوذكسية .
_ وأنا مُسْلِم ، ولكنَّ أُمِّي
بالرَّضَاعَةِ مسيحية أُرثوذكسية ، اسْمُها أُمُّ سِمْعَان . أرْضَعَتْني في
القَريةِ عِندما كُنْتُ طِفْلًا صغيرًا ، وأخواتي بالرَّضَاعَةِ : هيلدا وكريستين ومادلين ،
وَأخي بالرَّضَاعَةِ سِمْعَان كُنَّا نَلْعَبُ كُرةَ القَدَمِ مَعًا في نَفْسِ
الفريقِ .
ابتسمتْ نينا بروفيتش ، وَظَهَرَ عَلى
وَجْهِها الرِّضَا والسُّرورُ ، وقالتْ :
_ هَلْ يُوجَد أُرثوذكس عَرَب في بِلادِكُم
؟ .
_ نَعَم ، إنَّهُمْ مُنتشرون في مِصْر
والمَشْرِقِ العربيِّ ، وَيَسْعَوْنَ إلى استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الطُّقُوسِ
، وَتَعريبِ الكنيسةِ الأُرثوذكسية ، وخَاصَّة بَطْرِيَركِيَّة الرُّومِ
الأُرثوذكس في القُدْسِ الشريف ، لزيادةِ مُشاركتهم في إدارةِ شُؤونِ الكنيسةِ
وَمُمْتلكاتها ، والسَّيطرةِ على عقاراتِ البطريركيَّة ، لِتَسْخيرها لأغراض
اجتماعية . وَقَدْ بَدَأتْ هَذه المُطَالَبَاتُ مِنَ القَرْنِ التاسعِ عَشَر ،
وَتَطَوَّرَتْ لِتَشْمَلَ مَطالب سِياسيَّة واجتماعيَّة ضِد الهَيمنة اليونانية
على الكنيسة ، بالإضافةِ إلى مُقاومةِ بَيْعِ أراضي البطريركيَّة للمُسْتثمرين .
وَيَمْتَدُّ صِرَاعُ الأُرثوذكس العرب معَ الهَيمنةِ اليونانية إلى قُرون .
والأُرثوذكسُ العربُ يَنْتَمُون إلى العِرْقِ العربيِّ،إنَّهُم أُصَلاء،
وَلَيْسُوا أجانب ولا دُخَلاء على المَنطقة.
لَمْ تَكُنْ نينا بروفيتش حبيبةً ولا عشيقةً
. ولَمْ أنظُرْ إلَيْهَا نَظْرَةً شَهْوَانِيَّةً أوْ جِنْسِيَّة ، فأنا عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا ، ولا أسعى إلى إقامةِ عَلاقات
غَرَامِيَّة . إنَّها تلميذة وصديقة، كُنْتُ أُدرِّسها اللغةَ الإنجليزية،
وأُرافقها إلى بُطولات التنس الأرضي معَ طاقمِ التَّدريب ، وكأنَّني فَرْدٌ مِنْه
، وَأُقَدِّم لها الدعمَ النَّفْسِي خُصوصًا بعد الخسارةِ في المُبارياتِ .
إنَّها لاعبة مَغمورة ، ولكنَّها
تَتَدَرَّبُ بِجِدٍّ ونَشَاطٍ وحيوية . تُشارك في بُطولات التنس الصغيرة على أملِ
الوُصولِ إلى البُطولاتِ الكُبرى : أُستراليا وفرنسا ( رولان غاروس ) وويمبلدون
وأمريكا .
أردتُ تَغييرَ رُوتين حياتي ، وكَسْرَ
المَلَلِ ، لذلك حَرَصْتُ عَلى مُرافقةِ نينا بروفيتش في أسفارِها ورحلاتِها ،
والتقاط الصُّوَرِ التَّذكاريَّة مَعَهَا . وَمِنَ الوَاضحِ أنَّها أدركتْ بذكائها
وَدِقَّةِ مُلاحظتها أنَّني عاجزٌ جِنْسِيًّا ، أوْ لَيْسَ لِي رغبة جسدية بها ، ولا
أُشكِّل خَطَرًا عَلَيْهَا ، وَلَنْ أكُونَ ذئبًا مُتَوَحِّشًا أفترسُها ، أوْ
أغتصبُها ، أوْ أتَحَرَّش بِها ، أوْ أعتدي عَلَيْهَا ، لذلك اطْمَأنَّتْ لِي ، وَتَصَرَّفَتْ
عَلى طبيعتها في حُضُوري.وكُنْتُ أراها أثناء التدريبات بملابسها الداخليَّة،
وكُنَّا نَسْتَحِمُّ مَعًا، وَنَسْبَح مَعًا.
أهملتُ دِراستي في جامعةِ أُكسفورد ،
وكَرِهْتُ صَرَامَةَ الإنجليزِ ، وَبُرُودَ أعصابِهِم . وَأحطتُ نَفْسِي بِشَرنقةٍ
في عَالَمِي الخَاصِّ . حَتَّى إنَّني فَكَّرْتُ أنْ أنقلَ مَكانَ سَكَني مِنْ
مَدينةِ أُكسفورد إلى مَدينةِ لندن ، كَيْ أَظَلَّ قريبًا مِنْ نينا بروفيتش ،
لكنَّني تَراجعتُ عَنْ هَذه الفِكْرَة بسبب حارسي الشَّخْصِيِّ الذي صارَ لَهُ
عِدَّة عشيقات إنجليزيات في مَدينةِ أُكسفورد ، ولا يُريدُ مُفارقتهن . كَمَا أنَّ
حارسي الشَّخْصِيَّ تَعَرَّفَ عَلى تاجرِ مُخَدِّرَات ، وصارَ يُزوِّدنا
بالماريجوانا .
في نِهايةِ كُلِّ أُسبوع ، نَعْقِدُ أنا
وحارسي الشَّخْصِي جَلسةً في شَقَّتِنا لِتَعَاطي الماريجوانا ، وَهُوَ نَوْعٌ
مِنَ العقاقيرِ ، لَه تأثير نَفْسِي ، ويُسْتَخْرَج مِنْ نَبتةِ القُنَّبِ الهِندي
. يُستخدَم لأسباب طِبِّية ، وَتَرْفيهية ، وَيُمْكِن استخدام القُنَّبِ
بالتَّدخينِ ، أو التَّبخيرِ ، أو داخل الطعام ، أو كَمُسْتَخْلَص . للقُنَّبِ
تأثيراتٌ عقلية وجسدية ، مِثْل شُعورِ النَّشوةِ ، وتَغَيُّرِ الحالةِ الذهنيةِ
والشُّعورِ بالوقتِ ، وَصُعوبةِ التَّركيزِ ، وَتَحسينِ المِزاجِ ، وَضَعْفِ
الذاكرةِ ، وجَفَافِ الفَمِ والحَلْقِ ، وَتَغَيُّرِ الشُّعورِ في الحَوَاسِّ ،
وَضَعْفِ حركة الجِسْم ، واحمرارِ العَيْنَيْن ، والاسترخاءِ ، وزِيادة
الشَّهِيَّة .
أنا وحارسي الشَّخْصِيُّ ضائعان في مَدينة
ضائعة . أخْبَرَني في ساعةِ صَفَاء أنَّ هُناك ضُبَّاطًا كِبَارًا في المُخابراتِ العَامَّةِ
والمُخابراتِ العَسكرية يُتاجرون بالمُخَدِّرَاتِ في بِلادِنا الحبيبةِ جُمهوريةِ
الأحلامِ الوَردية . سَألْتُهُ باعتبارِه مِنْ أفضلِ الضُّبَّاطِ في القُوَّاتِ الخَاصَّةِ :
_ مَنْ هُوَ
أكبرُ تاجر مُخَدِّرَات في جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ؟ .
احْمَرَّ وَجْهُه
، وَتَغَيَّرَتْ مَلامحُه ، وقالَ والاضطرابُ ظاهرٌ عَلَيْه :
_ الجَوُّ
شديدُ البُرودةِ ، لَمْ يَنقطع المَطَرُ مُنْذُ يَوْمَيْن .
_ لا
تُغَيِّر المَوضوعَ ، ولا تَتَهَرَّبْ مِنَ الإجابةِ . لَنْ أترككَ حَتَّى
تُخْبِرَني .
_ أرجوكَ يا
سَيِّدي هِشَام أنْ تُعْفِيَني مِنَ الإجابة .
_ لا تَخَفْ
مِنْ أيِّ شَيْء ، أنا أستطيعُ أنْ أُوَفِّرَ لَكَ الحِمايةَ ، وَلَنْ يَجْرُؤ
أحَدٌ أنْ يَمَسَّكَ بأذى مَا دامَ أبي نائب رئيسِ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ،
وَهِيَ دَولةُ القانونِ والمُؤسَّسَاتِ والعَدالةِ والشَّفَافِيَّةِ. مَنْ هُوَ
أكبرُ تاجر مُخَدِّرَات في جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ؟ .
نَظَرَ
حارسي الشَّخْصِيُّ حَوْلَه كأنَّه يُريدُ التَّأكُّدَ مِنْ عَدَمِ وُجود أحَدٍ
يَسْمعنا ، ثُمَّ قالَ بصوتٍ خافتٍ أقرب إلى الهمس :
_ أبوكَ
اللواء سَلْمَان رَجَب نائب رئيسِ الجُمهوريةِ هُوَ أكبر تاجر مُخَدِّرَات في
جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية والوَطَنِ العربيِّ كُلِّه .
سَيْطَرَ
عَلَيَّ الغضبُ ، وفقدتُ أعصابي ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ عال :
_ أنتَ
كَذَّابٌ وَحَقِيرٌ ومَسطولٌ ، حِذاءُ أبي أشرفُ مِنْكَ وَمِنْ كُلِّ عائلتك .
أنتَ عميلٌ وخائنٌ وإرهابيٌّ وَمُنْدَس وَمُنْشَق ، وَعَدُوٌّ للوَطَنِ
والثَّوْرَةِ والنِّظامِ . أنتَ تَكْرَهُ أبي لأنَّه أوَّلُ
مَنْ أذاعَ البَيَانَ الأوَّلَ لِثَوْرَةِ 10 آب / أَغُسْطُس 1982 المجيدة ، وأحَدُ قَادَتِهَا
وَصُنَّاعِهَا ، وواحدٌ مِنْ أَهَمِّ العُقُولِ المُدَبِّرَة والمُخَطِّطَة لَهَا ،
وَلَهُ دَوْرٌ
عظيمٌ في الوَحْدَةِ الوطنية ، والأمْنِ القَوْمِيِّ ، ومُحاربةِ الفَقْرِ
والبَطَالَةِ والفَسَادِ ، وَمُكافحةِ الإرهابِ .
_ يا
سَيِّدِي هِشَام ، أنا صادقٌ مَعَكَ ، ولا أكْذِبُ عَلَيْكَ ، وَصَدِيقُكَ مَنْ
صَدَقَكَ ، وَلَيْسَ مَنْ صَدَّقَكَ ، والد حضرتك السَّيِّد
الشَّريف اللواء أركان حرب سَلْمَان بن رَجَب القُرَشِي نائب رئيس جُمهورية الأحلام الوردية هُوَ أكبر تاجر
مُخَدِّرَات في الوَطَنِ، ويُصدِّر المُخَدِّرَاتِ إلى آسيا وأُوروبا.
قُلْتُ
والألَمُ يُحَطِّمُ عِظَامي ، وَيَنْتزع جوارحي صَخْرَةً صَخْرَةً :
_ لَمْ
أُلاحِظْ أيَّ شَيْءٍ مُرِيبٍ في حياة أبي ، وَقَدْ عِشْنَا مَعًا سَنوات طويلة في
قَصْرِنا ، وتعاملتُ مَعَهُ يَوْمِيًّا عَنْ قُرْبٍ .
_ يا
سَيِّدي هِشَام ، إنَّ تاجرَ المُخَدِّرَاتِ لا يَتَعَاطَى ، لأنَّه يَعْرِفُ
أنَّها سُمٌّ قاتلٌ ، وَهُوَ يَعْتبر نَفْسَه رَجُلَ أعمالٍ ، ويُركِّز على
الرِّبْحِ فَقَط ، ويَرى نَفْسَه فَوْقَ الزبائنِ ، ولا يُريدُ أنْ يَرى نَفْسَه
ضَحِيَّةً لِمَا يَبيعُه . وَمُدَرِّبُ كُرَةِ القَدَمِ لا يُشَارِكُ في اللعبِ ،
وَمَنْ يَضَع القوانينَ هُوَ الذي يَكْسِرُها . إنَّهُ لا يَلْتزم بها ، بَلْ
يَسْتغل سُلطته للتحايلِ عَلَيها وتجاوزِها، وهَؤلاء لا يُحَاسَبُون مِثْلَ
عَامَّةِ الناس، بَلْ يَتَصَرَّفُون وكأنَّهم فَوْقَ القانون . إنَّهُمْ يَدُوسُون
عَلى القانونِ كأنَّهُم ظِلالٌ لا تُرى ولا تُحاسَب ، وَيَعْبَثُون بِمَصائرِ الناسِ
كَقِطَعِ شِطْرَنج بِلا رُوحٍ .
وأردفَ
قائلًا بِحُرْقَةٍ وألَمٍ والدَّمْعُ يَلْمَعُ في عَيْنَيْه :
_ يا
سَيِّدِي هِشَام ، بِلادُنا جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية غارقةٌ في الفَسَادِ ،
والشَّعْبُ يُعَاني مِنَ الفَقْرِ والبَطَالَةِ ، وَهُوَ يَلْهَثُ وَراءَ رَغِيفِ
الخُبْزِ ، وَرُبَّمَا لا يَجِدُه . فَخامةُ رئيسِ الجُمهوريةِ حَوَّلَ عَشَرَاتِ
المِليارات إلى بُنوكِ أمريكا وأُوروبا، واشترى فيها قُصُورًا له ولأولاده وبناته،
وكُلُّهُ مِنْ أموالِ الشَّعْبِ . الوَضْعُ أسوأ مِمَّا تَتَخَيَّل ، ولكنَّكَ
كُنْتَ تعيشُ في قَصْرٍ مَعزول خَلْفَ الأسوارِ العالية ، ولا تَعْرِفُ مَا يَجْري
في بِلادنا، والآنَ أنتَ تعيشُ في بريطانيا، وَتَدْرُسُ في جامعةِ أُكسفورد
العريقةِ ، ولا تَعْرِفُ شيئًا عَن انهيارِ التَّعليمِ في بِلادِنا، وكَثيرٌ مِنَ
الآباءِ لا يَمْلِكُون المالَ لِتَدريسِ أبنائهم .
لَمْ أَنَمْ
في تِلْكَ الليلةِ . سَقَطَتْ حَوَاسِّي في قَبْضَةِ الأرَقِ قَلْعَةً قَلْعَةً ،
واحتلَّ القَلَقُ مَلامحَ وَجْهي وذِكْرياتي وأحلامي . مَشاعرُ القلقِ هِيَ
استجابةٌ طبيعية أَمُرُّ بِهَا ، وَتَمُرُّ بِي ، بسببِ شُعوري بالخَطَرِ والغُموضِ
والتَّهديدِ ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّهديدُ حقيقيًّا أوْ مُبَاشِرًا .
أنا تائهٌ بَيْنَ الخَوْفِ والقلقِ . والخَوْفُ عَادَةً يَكُونُ مِنْ شَيْء واضح
ومُحَدَّد ، أمَّا القلقُ فَهُوَ شُعور عام وغَيْرُ مُحَدَّد .
أشعُرُ بالتَّوَتُّرِ
والارتباكِ ، وَأَحُسُّ أنَّ شَيئًا مَا غَيْر مُريح أوْ خاطئ ، دُون مَعرفة السَّبَبِ
بالضَّبْطِ. أُفكِّر كثيرًا في المُستقبَل ، وأتَوَقَّع الأسوأ . أنا في غُرفةٍ
مُظْلِمة ، ولا أعْرِفُ مِنْ أيْنَ سَتأتي الضَّرْبَةُ القَاضِيَةُ . أخافُ مِنَ
الفَشَلِ أو الرَّفْضِ ، خَاصَّةً في المَواقفِ الاجتماعيَّة أو المِهَنِيَّة .
ودائمًا هُناك تَحَفُّزٌ زائد ، وَشُعورٌ بأنَّني على أعصابي . وَأُعَاني مِنَ
الإرهاقِ العقلي ، وكَثرةُ التَّفكيرِ تُؤَدِّي إلى شُعورٍ بالإرهاقِ ، حَتَّى
دُون جُهْدٍ جَسَدِيٍّ .
أخْبَرَتْني
نينا بروفيتش أنَّ هُناك بُطولة تنس أرضي في سويسرا ، وسَألَتْني إذا
كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أُرافقها وأُشجِّعها وأدْعَمها . بالتأكيدِ ، أنا ذاهبٌ إلى
سويسرا كَيْ أكتشفَ المَناظرَ الخَلَّابةَ ، والطبيعةَ الساحرة . وبالتأكيدِ ،
سويسرا أجملُ مِنْ بريطانيا .
فازتْ نينا
بروفيتش في الدَّوْرِ الأوَّلِ على لاعبة إسبانيَّة ، لكنَّها خَسِرَتْ في
الدَّوْرِ الثاني أمامَ لاعبة إسبانيَّة أيضًا، وكأنَّها ثَأرَتْ لِمُواطنتها .
عُدْنَا إلى الفُنْدُقِ أنا ونينا بروفيتش والطاقم التَّدريبي الخاص بها . كانتْ مُنهارةً
بشكلٍ كاملٍ ، وَتَبْكي بِشِدَّةٍ. حاولتُ التَّخفيفَ عَنْهَا، وَرَفْعَ مَعْنوياتها
، وَمَسَحْتُ دُمُوعَها ، واستعملتُ كُلَّ أبياتِ الشِّعْرِ العربي القديم والحديث
، التي تَحُثُّ على الشَّجَاعَةِ والإقدامِ والبُطولةِ والتَّحَدِّي ،
وَتَرْجَمْتُهَا لَهَا مِنْ أجْلِ تَشجيعِها ، وتَقويةِ قَلْبِها ، وأخْبَرْتُهَا أنَّ
مُسْتواها يَتَحَسَّن ، وأنَّها تَتَمَتَّع بالصَّلابةِ الذِّهْنِيَّة ،
والذَّكَاءِ التَّكْتيكي، والانضباطِ في التَّدريب ، والرُّوحِ الرِّياضية، والاحترامِ
للخَصْمِ والحُكَّامِ، مِمَّا أدَّى إلى تَحسينِ مِزْاجِها ، وتَعزيزِ الثِّقَةِ
بِنَفْسِها، والرَّغبةِ في مُواصلةِ العملِ ، وتَحقيقِ الانتصاراتِ .
في
مُنْتَصَفِ الليلِ ، رَنَّ هاتفُ غُرْفتي في الفُنْدُقِ ، فاستيقظتُ خائفًا
مَذعورًا ، وَتَوَقَّعْتُ أنْ تَكُونَ نينا بروفيتش قَد انتحرتْ بإلقاءِ نَفْسِها
مِنْ شُرفةِ الفُنْدُقِ ، خُصوصًا أنَّها تُقيم في الطابقِ العاشرِ . قالتْ لي
بِصَوْتٍ مُنهار مَلِيء بالأحزانِ والانكساراتِ :
_ هِشَام ، هَلْ
يُمْكِنُ أنْ آتي وأنامَ مَعَكَ في السَّريرِ ؟ .
صُعِقْتُ
مِنْ هَذا الكَلامِ ، واضطربتُ ، وارتبكتُ . وَمِنْ شِدَّةِ ارتباكي وَعَدِم
تَركيزي ، قُلْتُ لَهَا بشكلٍ عَفْوِيٍّ وبآلِيَّةٍ ميكانيكية :
_ تَعَالَيْ
! .
بَعْدَ
خَمْسِ دقائق ، دَخَلَتْ نينا بروفيتش إلى غُرفتي ، وارتمتْ بِجَانبي عَلى
السَّريرِ ، ونامتْ .
بَعْدَ
سَنَوَاتٍ طويلة ، شاهدتُ لِقاءً تلفزيونيًّا معَ المُمَثِّلِ المِصْرِيِّ
العالميِّ عُمَر الشَّريف بِرِفْقَةِ الإعلاميِّ اللبناني ريكاردو كرم ، وَبِحُضورِ
المُمثِّلة المِصْرِيَّة لَيْلَى عِلْوي . قال عُمَر الشَّريف إنَّ المُمثِّلة
الأمريكية آفا غاردنر ، في رَأيِه ، كانتْ أجملَ امرأة في العَالَمِ ، وكانا في
إحْدَى المَرَّاتِ في نَفْسِ الفُنْدُقِ،وَهُوَ نائمٌ في السَّرير، فَكَلَّمَتْهُ
في الهاتفِ قائلةً: هَلْ أستطيعُ أنْ آتي وأنام مَعَكَ؟، قال لها : تَعَالَيْ . فَنَزَلَتْ
، ودَخَلَتْ إلى الغُرفةِ ، وَجاءتْ إلى السَّرير ، ونامتْ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ
أدارتْ ظَهْرَهَا . كانتْ مُحتاجةً إلى حَرارةِ إنسان ، ولا تُريدُ أنْ تَبْقَى
وَحْدَهَا . كانتْ تعيشُ وَحْدَهَا إلى آخِرِ عُمْرِهَا . هَذا مَا قاله عُمَر
الشَّريف .
63
اتَّصَلَ
بِي أبي ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، وبَلَّغَني سَلاماتِ وتَحِيَّاتِ العائلةِ كاملةً ،
وَسَألَني عَنْ دِراستي ، فَأخْبَرْتُهُ أنَّ الأُمُورَ عَلى أحْسَنِ مَا يُرام ،
وأنَّ جامعة أُكسفورد وَضَعَتْني عَلى قائمةِ الشَّرَفِ ، باعتباري طالبًا
مُجْتَهِدًا ، وَمِنْ أذكى الطُّلابِ فيها ، وَيَنْتظرني مُستقبَل باهر ومُشرق في
تاريخِ الحَضارةِ الإنسانيَّة ، وأنَّ البشرية تَنْتظرني كَيْ أقُودَها إلى بَرِّ
الأمَانِ . وبالطَّبْعِ ، كُنْتُ كاذبًا ، فأنا أهملتُ دِراستي ، وَصِرْتُ
أتَغَيَّبُ بكثرةٍ عَن مُحاضراتِ الجامعةِ . وَدَعْمُ نينا بروفيتش في بُطولاتِ التنس
الأرضي صارَ شُغلي الشاغل ، وَصِرْتُ أُفكِّر في كَيفيةِ رَفْعِ مُسْتواها كَيْ
تُشارك في بُطولة ويمبلدون ، وتُحقِّق حُلْمَها . أهملتُ حُلْمِي الشَّخْصِيَّ ،
وَصِرْتُ حريصًا عَلى تَحقيقِ حُلْمِها . وهَكذا صارَ للتَّضحيةِ مَعْنى .
بَدَا صَوْتُ
أبي مُرتجفًا بعضَ الشَّيْء، أوْ هَكذا خُيِّلَ إلَيَّ ، وأدركتُ أنَّ هُناك
مُشكلات في حَياتِه . وَبَيْنَما كُنْتُ في زَحمةِ أفكاري وضَجِيجِ خَوَاطري ، قالَ
لِي أبي :
_ اسْمَعْني
يا هِشَام ، الوضعُ في جُمهوريةِ الأحلامِ الوَردية عَلى صفيحٍ ساخن ، والبِلادُ
عَلى كَفِّ عِفْريت ، والدَّولةُ تَغْلي بسبب الصِّراعِ بَيْنَ قادةِ الثَّورةِ
ومَراكزِ القُوى ، والصِّراعِ بَيْنَ المُخابراتِ العَامَّةِ والمُخابراتِ
العَسكرية ، والصِّراعِ بَيْنَ الأغنياءِ والفُقراءِ .
وتابعَ
قائلًا :
_ فَخامةُ
رئيسِ الجُمهوريةِ حَوَّلَ عَشَرَاتِ المِليارات إلى بُنوكِ أمريكا وأُوروبا كَيْ
يُؤَمِّنَ مُسْتَقْبَلَه وَمُسْتَقْبَلَ عائلته . وأنا أُريدُ أنْ أفعلَ مِثْلَه ،
والدُّنيا حَيَاةٌ وَمَوْتٌ ، ولا أحد يَعْرِفُ ماذا يَنْتظره ، ولا يَدْرِي مَاذا
يُخبِّئ لَهُ القَدَرُ. سَوْفَ أسحبُ عَشَرَاتِ المِليارات مِنَ البَنْكِ
المَركزيِّ ، وأُرسلها إلَيْكَ يا هِشَام ، مِنْ أجْلِ أنْ تَضَعَهَا في حِساباتٍ
بَنْكِيَّة سِرِّية ، وتُنْشِئ شركات وهميَّة ، وَتَشْتَرِيَ قُصُورًا لعائلتنا .
والسَّيِّدُ الرئيسُ لَيْسَ أفضلَ مِنِّي ، ولا أذكى مِنِّي . صحيحٌ أنَّني لا
أعرفُ الإنجليزيةَ ، ولكنَّ الخَيْرَ والبَرَكَةَ فِيكَ يا هِشام ، فأنتَ تُتْقِنُ
الإنجليزيةَ أفضلَ مِنَ الإنجليز ، وهَذا سَيُفيدنا في إتمام المَوضوع كاملًا .
فُوجِئْتُ
بِهَذا الكلام ، وارتبكتُ ، واضطربتُ ، وازدادتْ نَبَضَاتُ قَلْبي ، وبَلَعْتُ
رِيقي عِدَّةَ مَرَّاتٍ ، وَقُلْتُ والقَلَقُ يُمزِّق حُروفي :
_ ولكنْ يا
أبي أنا لا أفهمُ في الأمورِ الماليَّة ، وَلَيْسَ لَدَيَّ خِبْرَة في الحِسَاباتِ
البنكية السِّرِّيةِ، والشَّرِكَاتِ الوهمية ، وَشِراءِ العَقَارات .
_ سَوْفَ
يَكُون مَعَكَ المسؤول المالي في سَفارتنا في لندن ، وَهُوَ خبيرٌ في هَذه القضايا
، وَمُتَخَصِّصٌ في المَلاذاتِ الآمِنَة . والأمرُ سهلٌ وبسيط يا هِشام ،
الحِساباتُ البنكية السِّرِّية هِيَ حِسابات تُستخدَم لإخفاءِ هُوِيَّةِ المالكِ ،
أوْ مَصْدَرِ الأموالِ ، قَدْ تَكُون في بُنوك تلتزم بِسِرِّية مُشدَّدة ، أوْ في
دُوَل تَسْمَح بإخفاء هُوِيَّةِ المُسْتفيد الحقيقي . والشَّرِكَاتُ الوهمية هِيَ
كِيَانات قانونية مُسجَّلة ، لكنَّها لا تُمارِس نَشَاطًا اقتصاديًّا حقيقيًّا ،
تُستخدَم كأداة لحملِ أُصُول ، أوْ تَحْويلات ماليَّة ، أوْ إخفاء المِلْكِيَّة
الحقيقية . وَشِراءُ العَقاراتِ هُوَ أداةٌ ، فالعَقَارُ يُستخدَم كثيرًا لتخزين
أوْ تَبْييض أموال ، لأنَّ له قِيمة مَلْموسة ، وَيُمْكِن تَحويل مِلْكيته بِطُرُق
تَبْدُو شَرْعِيَّة، مِثْل الشِّراء باسم شَرِكات، أوْ تَمْويلات،أوْ عُقود إيجار.
وَتَذَكَّرْ يا هِشام ، هَذه أموالُنا ، وَتَعَبُ العائلةِ ، ويَجِب أنْ نُحافظَ
عَلَيْهَا بأظافرِنا وأسنانِنا .
قُلْتُ والاضطرابُ
يَسِيلُ عَلى أعضائي كَالمَاءِ الحَارِّ :
_ ألَيْسَتْ
هَذه أموال الخَزينة وَثَرَوَات الشَّعْب ومُقدَّرات الدَّولة يا أبي ؟ .
_ يا هِشَام ، أنتَ مَا زِلْتَ شابًّا
مُرَاهِقًا طَيِّبَ القلبِ ، وعديمَ الخِبرة في شؤونِ الحياةِ ، هَذا الشَّعْبُ
مُتَخَلِّف ، إنْ لَمْ نَسْرِقْه ، سَيَأتي آخَرُون لسرقته ، والبِلادُ بَقَرَةٌ
حَلُوب ، والجميعُ يَحْلُبُهَا . والشَّعْبُ سَفِيهٌ لا يَعْرِفُ كَيفيةَ
التَّصَرُّفِ بأموالِه ، والسَّفِيهُ يُحْجَرُ عَلَيْه . نَحْنُ قادةُ الثَّوْرَةِ
، بَنَيْنَا البِلادَ مِنْ عَرَقِنا وتضحياتنا ، وَوَضَعْنَا اسمَ الجُمهورية عَلى خَريطةِ العَالَمِ ، وَرَفَعْنَا
اسْمَها في المَحَافِلِ الدَّوْلِيَّة . والشَّعْبُ يَأكُلُ ويَشْرَب ويتكاثرُ ،
وَيَنْعُم بالأمْنِ والأمانِ ، ماذا يُريدُ أكثرَ مِنْ هَذا ؟ . الحَمْدُ للَّهِ
رَبِّ العَالَمِين ، إنَّ حَالَنا أفضلُ مِنْ حال كثير مِنَ الدُّوَلِ .
والشَّعْبُ غَيْرُ مُؤهَّل لِمُمارسة الحُرِّيةِ والدِّيمقراطية
، لأنَّه جاهلٌ . يَقُول الشَّيْخُ مُحَمَّد رشيد رِضَا : " الثائرُ لأجْلِ
مُجتمعٍ جاهلٍ هُوَ شخصٌ أَضْرَمَ النِّيرانَ بجسدِه ، كَيْ يُضِيءَ الطريقَ لشخصٍ
ضَرِير " .
السَّيِّدُ
الرئيسُ ونائبُه ( أبي ) فَرَّغَا البنكَ المَركزي مِنَ العُملةِ الصَّعْبة ، وَسَرَقَا
الشَّعْبَ ، وَهَرَّبَا الأموالَ إلى المَلاذَاتِ الآمِنَةِ في الغرب ، وأنا
شخصيًّا ساهمتُ في سَرِقَةِ الشَّعْبِ . وَبَدَلًا مِن استغلال مَعْرفتي الواسعة
باللغة الإنجليزية في الفِكْرِ والأدبِ والثقافةِ، قُمْتُ بفتحِ حِسَابات بنكية
وهمية في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وسويسرا ، وإنشاء شركات وهميَّة ، واشتريتُ
عِدَّة قُصُور لِي ولعائلتي. واستفدتُ مِنْ خِبْرة المَسؤولِ المَاليِّ في
سَفارتنا في لندن، الذي عَلَّمَني كُلَّ التفاصيلِ المَاليَّة ، وأساليبَ التحايلِ
والالتفافِ على القوانين ، وكانَ مُتَحَمِّسًا لهذه العمليَّات المُعَقَّدةِ أكثرَ
مِنِّي وَمِنْ أبي ، وفي غايةِ السَّعادةِ ، وأظْهَرَ وَلاءً كاملًا لَنَا ،
وَتَحَرَّكَ بِكُلِّ اندفاعٍ لسرقةِ الشَّعْبِ . ولا شَكَّ أنَّ مُبالغته كانتْ
مِنْ أجْلِ التَّقَرُّبِ إلى السُّلطةِ، وإثباتِ وَلائه لَهَا ، وانتمائِه
إلَيْهَا . لَقَدْ سَرَقْنا أحلامَ الشَّعْبِ الفقيرِ الجائعِ الخاضعِ ، تاركينَ
خَلْفَنا صَمْتًا أثقَلَ مِنْ كُلِّ كَلِمَاتِ الخِيانة .
لَطَالَمَا
فَكَّرْتُ في ليالي الشِّتَاءِ الحَزينةِ والطويلةِ بِعِبَارة : " الثائرُ لأجْلِ
مُجتمعٍ جاهلٍ هُوَ شخصٌ أَضْرَمَ النِّيرانَ بجسدِه ، كَيْ يُضِيءَ الطريقَ لشخصٍ
ضَرِير " .
هَذه
العِبارةُ تَحْمِلُ طَابَعًا فلسفيًّا عميقًا ومُؤلِمًا في آنٍ معًا ، وَتَعْكِسُ
مَشاعرَ الإحباط التي قَدْ يَشْعُر بها بعضُ الثائرين أو المُصْلِحين ، حِينَ
يَصْطدمون بواقع مُجتمعات ترفض التَّغْييرَ ، أوْ لا تُقَدِّر التَّضحيات .
الثائرُ هُوَ الشخصُ الذي يَتَمَرَّد على
الظُّلْمِ أو الفسادِ أو التَّخَلُّفِ ، وَيَسْعَى إلى تَغييرِ الواقعِ نَحْوَ
الأفضل . والمُجتمعُ الجاهلُ هُوَ البيئةُ التي لا تَمْلِكُ الوَعْيَ الكافي ، أوْ
ترفضُ الوَعْيَ ، وتُقَاوِم التَّغييرَ ، بَلْ وَرُبَّمَا تُحَارِبُ مَنْ يُحاول
إيقاظَها. وإشعالُ الثائر للنار في جَسَدِه هُوَ رَمْزٌ قويٌّ للتَّضحية الكُبرى ،
حَيْثُ يَبْذُلُ الثائرُ حَيَاتَه وَرَاحَتَه مِنْ أجْلِ قضيته، لِيُضِيءَ الطريقَ
لشخصٍ أعمى. وَهَذه مُفارَقة مُؤلِمة . حَتَّى مَعَ النُّورِ الذي يُوفِّره
الثائرُ ، فإنَّ الأعمى ( المُجتمع غَيْر الواعي ) لا يَسْتطيع أنْ يَرى ،
وبالتالي لا يَسْتفيد مِنْ هَذه التَّضْحية .
والعِبارةُ
تُوصِل إحساسًا بـ " عبثية التَّضحية " في ظِلِّ غِيابِ الوَعْي .
والتَّغييرُ الحقيقيُّ لا يُمْكِنُ أنْ يَتِمَّ فَقَط بالتَّضحيةِ الفردية ، بَلْ
يَتَطَلَّب أيضًا استعداد المُجتمع للفَهْمِ والتفاعلِ والتَّغْييرِ الإيجابي ، واليَدُ
الواحدةُ لا تُصفِّق .
لَقَد
شَهِدَ التاريخُ ثُوَّارًا أُسْكِتَتْ أصواتُهم ، أوْ قُمِعَتْ حَرَكَاتُهم ،
لأنَّ المُجتمع لَمْ يَكُنْ جاهزًا لِتَلَقِّي رسائلهم . ومَعَ هَذا ، كُلُّ
تَضحيةٍ تُزرَع في الأرضِ قَدْ تُثْمِرُ لاحقًا ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَرَهَا أحَدٌ
في البِدايةِ . وَالأعمى لا يَرى الضَّوْءَ، لكنَّ حَرارةَ النارِ سَتُوقِظُه .
وَلَيْسَت النارُ عَبَثًا إنْ أيقظتْ ضميرًا ، وَلَيْسَت التَّضحيةُ هَبَاءً إنْ
حَرَّكَتْ ساكنًا. والمُجتمعُ الجاهلُ قَدْ لا يَرى ، لكنَّه يَسْمَعُ صُراخَ
الألَمِ ، وَقَدْ يَظَلُّ أعمى اليَوْم ، لكنَّه يَتَلَمَّسُ الطريقَ غدًا .
والثائرُ لا يُضِيءُ لأجْلِ أنْ يُرى ، بَلْ لأنَّه لا يَسْتطيع أنْ يعيشَ في
الظَّلام . وَلَيْسَ دائمًا يَحْصُدُ الثائرُ نتيجةَ تَضْحيته في حَيَاتَه ، وهَذا
لا يَعْني أنَّ تَضْحيته ذَهَبَتْ هَبَاءً مَنثورًا . وَلَيْسَ شَرْطًا أنْ
يَكُونَ الزارعُ هُوَ الحَاصِدَ .
64
في ربيع
1992 ، صِرْتُ أتَرَدَّدُ على لندن بكثرة ، كَيْ أدْعَمَ صَديقتي الصِّرْبية لاعبة
التنس الأرضي نينا بروفيتش في مسيرتها الرِّياضية . شَجَّعْتُهَا على بَذْلِ أقصى
جُهْدِها مِنْ أجْلِ المُشاركة في بُطولة ويمبلدون في الصَّيْفِ ، التي تُمثِّل
حُلْمًا لجميعِ لاعبي ولاعبات التنس المُحْتِرفين في العَالَم ، خُصوصًا أنَّهُ
لَمْ يَبْقَ إلا أشهُر قليلة .
في أحَدِ
المَرَّاتِ ، قُلْتُ في نَفْسِي : (( لماذا لا تَبْحَثُ عَنْ أكبر وأهَمِّ مَسْجِد
في لندن كَيْ تُصَلِّيَ فيه الجُمُعَةَ )) . صَوْتٌ داخليٌّ في أعماقي يَدْفعني
إلى هَذا الأمْرِ ، معَ أنَّني لَمْ أُصَلِّ مُنْذُ مُدَّةٍ بعيدة. سألتُ الناسَ
عَنْ أكبر وأهَمِّ مَسْجِد في لندن ، فأرشدوني إلى مسجد لندن المركزي ، وَيُسَمَّى
أيضًا مسجد ريجنت بارك . ذَهَبْتُ إلَيْهِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ ، وكانَ
المَسْجِدُ رائعًا وجميلًا ، وانبهرتُ بفخامته ، وهَالَني جَمَالُه وضَخامته ،
ومَا كُنْتُ أتَوَقَّعُ أنْ يَكُونَ للمُسْلِمين مَكَان عِبَادة بِهَذا الجَمَالِ
والرَّوْعَةِ في بلدٍ غَيْرِ إسلاميٍّ . وَهُوَ عِبارة عَنْ مَجموعة مِنَ المَباني
الرَّشيقةِ ذات الطابَعِ الإسلاميِّ المُتَمَيِّز ، حَيْثُ يُوجَد مَسْجِد
يَتَّسِع لـِ 5000 مُصَلٍّ ، وفيه مُصَلى خاص للسَّيداتِ ، يُطِلُّ عَلى شُرفة
القاعة الرئيسية في المَسْجِد ، كما يَضُمُّ مَكتبةً تَتَّسِع لـِ 100 ألف كِتاب. وفيه
قاعة كبيرة للمُحَاضَرَاتِ ، وَمَقَر للمجلسِ ومُوظَّفيه ، ومساكن للقائمين على
المَركز .
بَعْدَ
انتهائي مِنْ سَمَاعِ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ ، جَلَسْتُ مُسْنِدًا ظَهْري إلى أحدِ
الجُدران ، وَرُحْتُ أتأمَّلُ في الثُّرَيَّا المُعلَّقة في السَّقْفِ ،
والجُدرانِ ، والنوافذِ ، والسَّجَّادِ . كانَ كُلُّ شَيْء يَدُلُّ عَلى
الفَخَامَةِ ، وَبَيْنَمَا كُنْتُ أسْبَحُ في تأمُّلاتي ، اقتربَ مِنِّي شَيْخٌ
ذُو لِحية طويلة . وَقَفْتُ احترامًا له ، فقالَ لِي :
_ اجْلِسْ
يا أخي ، أنا الشَّيْخُ أبو حمزة الجزائري .
جَلَسْنَا
عَلى السَّجَّادِ ، وَقُلْتُ لَه :
_ أنا
هِشَام سَلْمَان يا سَيِّدَنا الشَّيْخ .
_ هَلْ
تعيشُ في لندن ؟ .
_ أنا
مُوَاطِن عربي مِنْ جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ، ولكنَّني أدرسُ في جامعةِ
أُكسفورد .
_ المسافةُ
مِنْ مَدينةِ أُكسفورد إلى مَدينة لندن 90 كم ، ما الذي جاءَ بِكَ إلى لندن ؟ .
وَقَعَ
عَلَيَّ هَذا السُّؤالُ كالمِطْرَقَةِ . ارتبكتُ ، واضطربتْ جَوَارحي ،
وَتَلَعْثَمْتُ في الكَلامِ ، وَبَحَثْتُ عِن كِذبة مَنطقية ، لكنَّني لَمْ
أَجِدْهَا ، وضاعت الكَلِمَاتُ مِنِّي . وفَجْأةً ، قالَ لِيَ الشَّيْخُ :
_ رَأيْتُكَ
أنتَ وفتاة عارية تَتَجَوَّلان في سَيَّارة مرسيدس مَكشوفة في شوارع لندن .
صُعِقْتُ ،
وكادَ يُغْمَى عَلَيَّ . وَغَرِقْتُ في الصَّمْتِ السَّحيق ، ثُمَّ أدركتُ أنَّ
أمْرِي مَكشوف ، وأنَّ الكذب لا يُنْجيني . قُلْتُ وَقَد استعدتُ شيئًا مِنْ
هُدوئي وتَركيزي :
_ بصراحة يا
سَيِّدَنا الشَّيْخ ، هَذه لاعبة تنس أرضي صِرْبِيَّة ، أُعَلِّمُها اللغةَ
الإنجليزيةَ ، وأُشجِّعها كَيْ تُشارك في بُطولة ويمبلدون للتنسِ هَذا الصَّيْف ،
ولَمْ يَحْدُثْ بَيْنَنا أيُّ شَيْء ، وأنا أُحاول إقناعَها أنْ تَلْبَسَ شورت
طويلًا يُغطِّي الرُّكْبَةَ ، ولكنَّها قالتْ لِي إنَّ الاتِّحاد الدَّولي للتنس
الأرضي يُلْزِمُ اللاعباتِ بارتداء تنانير قصيرة معَ كلاسين ، لجذبِ الجُمهورِ،
وزيادةِ شعبية اللعبة .
كُنْتُ أتحدَّثُ
وكأنَّني اخترعتُ القُنبلةَ النَّوويةَ ، أو اكتشفتُ شيئًا عظيمًا وخطيرًا
سَيُغَيِّر تاريخَ البشريةِ ، وَهُوَ أنْ تنتقل لاعبة التنس الأرضي مِن ارتداء
الكلسون إلى ارتداء الشورت . إنَّهُ أعظمُ إنجاز لِي في الحَضارةِ الإنسانية .
كُنْتُ سَاذَجًا وَبِدَائيًّا ذا تفكيرٍ سَطْحي .
_ يا أخِي
هِشَام، أنتَ شابٌّ عربيٌّ وَمُسْلِم ، إخوانُكَ يُذبَحُون ، وأنتَ تَلْعَبُ
وَتَتَسَلَّى معَ هَذه الفَتاةِ النَّصْرانية الكافرة العَارِيَة .
أصابني
الرُّعْبُ عِندما قالَ لِي: (( إخوانُكَ يُذبَحُون )).هَلْ قُتِلَ إخواني
العَشْرَة أولاد الشَّركسية في انقلابٍ عَسْكري ؟،وَهَلْ ضاعتْ فُرصة استلامِهم للمَناصبِ
المُهِمَّةِ في الجَيْشِ والمُخابراتِ ؟.
وأردفَ
الشَّيْخُ قائلًا بَعْدَ أنْ لاحظَ صَمْتي ودَهْشتي وَحَيْرتي :
_
إخْوَانُكَ يُذبَحُون في البُوسنة والهِرْسِك، لا لِذَنْبٍ ، إلا لأنَّهُم
مُسْلِمُون . إذا لَمْ تَقِفْ مَعَهُم، كَيْفَ سَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
يَوْمَ القِيامة ؟ .
_ يا
سَيِّدَنا الشَّيخ، إذا كُنْتَ تُريدُ تَبَرُّعَاتٍ،أنا مُسْتعد أنْ أتَبَرَّع
بآلافِ الدولاراتِ والجنيهات .
_ نَحْنُ
نُريدُكَ مَعَنَا يا هِشَام في قِتَالِ الصِّرْبِ الكُفَّارِ أعداءِ اللَّهِ في
البُوسنةِ والهِرْسِك .
_ ولكنْ أنا
طالبٌ جامعي ، وَلَسْتُ عَسْكَرِيًّا ، وَلَمْ أُمْسِكْ مُسَدَّسًا في حَيَاتي ،
ولا أعرفُ كَيفيةَ القِتالِ .
_ سَوْفَ
تَتَعَلَّمُ وَتَتَدَرَّبُ يا هِشَام مِثْلَ المُجَاهِدِين الأبطالِ . سَتُصْبح
مِثْلَ خالد بن الوليد وصلاح الدِّينِ الأيوبي ، وتُعيد أمجادَ الحَضارةِ العربيةِ
الإسلاميَّة .
_ هَلْ أنتَ
مُتَأكِّد يا سَيِّدَنا الشَّيْخ أنَّني أنا مَنْ سَيُعيدُ أمجادَ الحَضارةِ
العربيةِ الإسلاميَّة ؟ .
_ لا
تَسْتَهِنْ بِنَفْسِكَ يا هِشَام ، أنتَ شاب جامعي تدرسُ في أعظم جامعة في الغرب ،
وبالتأكيدِ ، سَيَكُون لَكَ دَوْرٌ حاسمٌ ، وَبَصْمَة مُؤثِّرة في التاريخِ
والحَضارة . هَذه فُرْصتك الذهبية كَيْ تُصْبحَ بَطَلًا. إذا ضاعتْ لَنْ تَعُودَ ،
وستظلُّ نَكِرَةً في هَذا الوُجودِ . أنتَ الفاسقُ سابقًا ، والمُجَاهِدُ حاليًّا
.
_ كَيْفَ
نَصِلُ إلى البُوسنةِ ؟ ، أنا لا أعرفُ أيْنَ تَقَعُ على الخريطة ، وأخافُ أنْ
نَضِيعَ وَنَمُوت مُشَرَّدِين عَلى حُدودِ الدُّوَلِ .
_ لا
تَقْلَقْ يا هِشام . إذا كانَ مَعَكَ الدَّليل فلا تَخَفْ مِنْ وَحشةِ الطريقِ .
سَوْفَ نُسافر بالطائرة إلى بَلَدٍ قريب مِنَ البُوسنة ، ثُمَّ سَيَأخذنا
مُهَرِّبُون مُحْتَرِفُون إلى البُوسنةِ بالسَّيَّارَةِ . وَاحْرِصْ عَلى أنْ
يَظَلَّ المَوضوعُ بَيْنَنا، وكُلُّ سِرٍّ جاوزَ الاثنَيْن شاعَ .
ثُمَّ قالَ
بِلَهْجَةٍ حاسمة :
_اسْتَعِد
يا أخي هِشَام للخُروجِ مِنَ الوَهْمِ والأيَّامِ المُمِلَّةِ،والدُّخُولِ إلى
قَلْبِ التاريخِ والحَضَارَةِ.
65
لا يُمْكِنُ
أنْ أنسى مَا حَيِيتُ لِقَائي معَ الشَّيْخِ " أبو حمزة الجزائري " في
يَوْمِ الجُمُعَةِ في ربيعِ 1992 . كانَ ذلك اليوم هُوَ عِيد مِيلادي العِشرين . عُدْتُ
إلى شَقَّتي في مَدينةِ أُكسفورد ، والأفكارُ تتلاعب بِي ، والهواجسُ تَنْقُلُني
عَبْرَ مَراحلِ حَياتي الخاليةِ مِنَ الحَياةِ . تَتَقَافَزُ في ذِهْني صُوَرٌ
مُتداخِلة . أخي ناصر الطِّفْل المَقتول ، ورائحةُ الخُبْزِ الساخنِ في بَيْتِنا
زَريبةِ الأبقارِ في القَريةِ المُندثرة . وَصَفِيرُ القِطاراتُ في المُدُنِ
البَعيدةِ ، والأحلامُ الورديةُ التي صارتْ رُموزًا للألَمِ والدَّمِ . حُلْمٌ
غامضٌ في الخَوْفِ الذي لا يَغِيبُ . نَبَضَاتُ قَلْبي كأنَّها شظايا قنابل ،
تَتَسَارعُ بِقَسْوَةٍ، لَيْسَ مِنْ رَهْبَةِ المَوْتِ فَقَط ، بَلْ أيضًا مِنْ
ثِقَلِ المُهِمَّةِ. سُؤالان لَمْ أَجِدْ لهما جَوابًا: هَل العَوْدَةُ مُمْكِنَة
؟، وَهَلْ سَأبقى كما أنا إنْ عُدْتُ ؟ .
في تِلْك
الليلة الرهيبة ، كانَ الصَّمْتُ عميقًا مِثْلَ الجُزْءِ المَخْفِيِّ مِنْ جَبَلِ
الجليدِ تَحْتَ الماء . جَلَسْتُ وَحْدي قُرْبَ النافذة . رَفَعْتُ رأسي إلى
السَّماءِ ، حَيْثُ النُّجُوم تتناثر ببرودتها الأبدية ، وَقُلْتُ في نَفْسِي : ((
اللهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْرِفُ أنَّني ذاهبٌ في سَبيلِ الحَقِّ ، فَثَبِّتْ قَلْبي
، وإنْ كُنْتُ مُخْطِئًا ، فَاغْفِرْ لِي جَهْلي )) .
الليلُ
يُنْصِتُ لِخُطُواتي ، كأنَّ الأرضَ تَعْرِفُ أنَّني أُوَدِّعُها . رِيحٌ باردةٌ تَمُرُّ
عَلى وَجْهي المُحَنَّطِ في الخَوْفِ . وَأصواتُ الأسئلةِ لا يُجِيبُ عَنْهَا
سِوَى ضَوْءِ القَمَرِ . هَلْ يَمْضِي الإنسانُ إلى الحَرْبِ أَمْ تَهْرُبُ الحربُ
إلَيْه ؟ . هَل الذِّكرياتُ تَكْفي لِتَطهيرِ الدِّماءِ مِنْ ظِلالِها
المَعْدِنِيَّةِ ؟ .
سَأمْشِي
عَلى رُكَامٍ يُشْبِهُ الحُروفَ التي انكَسَرَتْ في كُتُبِ التاريخِ المَنْسِيَّةِ
. رُبَّمَا أرى طِفْلًا يتيمًا يَنَامُ تَحْتَ نَجْمَةٍ خائفةٍ ، وَرُبَّمَا أرى
نَفْسِي في عَيْنَيْه ، وأركضُ في قَطَرَاتِ المَطَرِ الحَدِيدِيَّةِ باحثًا عَنْ
وَطَنٍ لَمْ يُولَدْ بَعْد . الليلةُ لَيْسَتْ لِوَدَاعٍ عاديٍّ ، بَلْ لامتحانِ
الرُّوحِ في الأرضِ الخَرَابِ .
قَرَّرْتُ
أنْ أكتبَ رسالةً وَدَاعِيَّةً لِزَوْجتي الشَّركسية مَهَا ، أُعَبِّرُ فِيها عَنْ
مَشاعرِ الفِرَاقِ والحُبِّ العميقِ. أمسكتُ قَلَمًا وَوَرَقَةً، وبَدأتُ في
الكِتابة: (( زَوْجتي الغالية،وحَبيبتي الأبدية، وَزَهْرَة قَلْبي ، مَهَا
الشَّركسية.أكتبُ لَكِ هَذه الكَلِمَاتِ ، وأنا أعْلَمُ أنَّ وَدَاعَنا لَيْسَ
سَهْلًا ، وأنَّ قَلْبي يَتَمَزَّقُ عَلى فِرَاقِكِ. في كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَيْناها
معًا، رَسَمْتِ في قَلْبي أجملَ الذِّكرياتِ ، وأعذبَ اللحظاتِ . أُحِبُّكِ يا أُمَّ
شركس، يا زَهْرَتي الشامخة. رَغْمَ أنَّ القَدَرَ فَرَّقَ بَيْنَنَا،يَبْقَى
حُبُّكِ مَحْفُورًا في أعماقي، وَرُوحِي تَشُدُّها ذِكْرياتُكِ ، وَصَوْتُكِ،وابتسامتُكِ
التي لا تُنْسَى. عزيزتي مَهَا، أنا ذاهبٌ إلى مَكَانٍ قَدْ لا أعُودُ مِنْه ، فلا
تَحْزني عَلى فِرَاقِنا ، ولا تَنْتَظريني ، فالوَدَاعُ بِدايةُ ذِكْرَى لا تَمُوت
. سَأحْمِلُ حُبَّكِ مَعِي حَيْثُمَا كُنْتُ ، وأدعوكِ أنْ تَحْفَظي قَلْبَكِ
النَّقِيَّ ، وتَعِيشي بسلامٍ وسَعادةٍ . دُمْتِ لِي أجملَ قِصَّةِ حُبٍّ ، وأغلى
هَدِيَّة مِنَ الزَّمَنِ. كُلُّ الرَّسائلِ التي قُمْتِ بإرسالِها لِي سَأُقَبِّلُهَا
، ثُمَّ أُحْرِقُهَا لِكَيْلا تَقَعَ في يَدِ شَخْصٍ غريبٍ . إيَّاكِ يا مَهَا أنْ
تَعْتقدي أنَّني وَجَدْتُ فَتَاةً غَيْرَكِ فَتركتكِ ، أنتِ كُلُّ شَيْءٍ في
حَيَاتي ، وأنتِ حَيَاتي بِكُلِّ تفاصيلِها، ولكنَّني سَأُلَبِّي النِّدَاءَ
القادمَ مِنَ البَعِيدِ . شَيْءٌ يُنادي عَلَيَّ ، ولا يَتركني.سأذهبُ إلى قَلْبِ
النار، وَدَاعًا يا حُبَّ العُمْرِ، وَدَاعًا يا نَبْضَ قَلْبي.شامل أبو شركس )).
لَمْ أستطع
النَّوْمَ في تِلْكَ الليلةِ الجارحةِ . فَكَّرْتُ في أعماقِ الظَّلامِ وحيدًا .
لَوْ قُتِلْتُ في البُوسنةِ فَسَوْفَ أذهبُ إلى النِّسْيَانِ . لَنْ يَتَذَكَّرَ
أحَدٌ اسْمِي ، أنا نَكِرَةٌ ، لَمْ أترُكْ أثرًا يَدُلُّ عَلَيَّ في هَذه
الحَيَاةِ ، وَعُمْري خالٍ مِنَ الإنجازات ، وحَيَاتي كانتْ وَهْمًا كبيرًا ،
وَخَدِيعَةً شاسعة . قَرَّرْتُ أنْ أكتبَ نَصًّا أدبيًّا ، وأُرْسِله إلى
الجَرائدِ العربية في لندن على أمَلِ نَشْرِه . وإذا قُتِلْتُ في البُوسنةِ ،
وَوُضِعَتْ جُثَّتي في التُّرابِ ، فَسَيَكُون لِي أثرٌ أدبي بَعْدَ رحيلي . إذا
اختفى جَسَدِي ، سَيَظَلُّ هُناك نَصٌّ لُغَوي عَلَيْهِ اسْمِي : " هِشَام سَلْمَان
"، وهَكذا يُصْبح اسْمِي خالدًا ، وكَلِمَاتي يَقْرَؤُها الناسُ .
كانَ
النَّصُّ خَيَالِيًّا وَغَيْرَ واقعيٍّ، ومَزِيجًا مِنَ الأحلامِ والأوهامِ
والوَسَاوِسِ والهَوَاجِسِ والهَلاوِسِ ، سَمَّيْتُه " خواطر أبي فِكْرَة ابن
أبي جَمْرَة قائدِ الثَّوْرَةِ ورئيسِ جُمهوريةِ احتضارِ الزَّهْرَةِ " :
(( كانَ أبي يَقُولُ لأُمِّي إنَّني بَيَّاعُ كَلامٍ ،
أضعتُ عُمْري معَ الأُدباءِ الصَّعاليك ، وَلَنْ أُفْلِحَ في حَيَاتي ، وَلَنْ
أنْجَحَ في مَسِيرتي. وَدَّ أبي لَوْ بَقِيَ أخي الكبيرُ حَيًّا ، وَمُتُّ أنا . لَمْ
أَخْرُجْ مِنْ ظِلِّ أخِي ، وَلَمْ أستطع الهُروبَ مِن اسْمِهِ الذي يُلاحِقُني
كَطَلْقَةِ مُسَدَّسٍ . أهْلي يُريدونني نُسْخَةً مِنْهُ بِلا شخصيةٍ ، ولا هُوِيَّة
، ولا مَشَاعِر ، ولا أحاسيس . قالَ رئيسُ الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في
ذِرْوَةِ نَجاحِه السِّيَاسِيِّ، وَبَعْدَ وُصُولِهِ إلى قِمَّةِ السُّلطة: "
لَيْتَ أبي كانَ عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ لِيَرَى أنَّني لَسْتُ فاشلًا ".
لَقَدْ حَقَّقَ مَا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ أحَدٌ ، خُصوصًا أنَّ والده تَنَبَّأ لَه
في شبابه بأنَّه لَنْ يَنْجَحَ في السِّياسةِ ، وَلَنْ يُفْلِحَ في الحَيَاةِ
العَامَّةِ .
عائلتي تَعْتبرني مريضًا نَفْسِيًّا
، وَقَبِيلتي تَعْتبرني مُنْشَقًّا ، وأبي يَعْتبرني طِفلًا . وَلَطَالَمَا سَمِعْتُهُ
يَقُول لأُمِّي إنَّ ابْنَكِ لَنْ يُصبحَ رَجُلًا في يَوْمٍ مِنَ الأيام. وَأُمِّي
تَعْتبرني وَلَدًا مُدَلَّلًا عَاشَ بَيْنَ البَناتِ كَالبِنْتِ . رَغْمَ كُلِّ
هذا ، سأظلُّ أحْمِلُ اسْمَ عائلة قائدِ الثَّوْرَةِ ، وَلَنْ يَتَخَلُّوا عَنِّي
، على الأقلِّ لِيَحْفظوا ماءَ وُجُوهِهِم أمامَ العائلاتِ والعَشائرِ والقَبائلِ
، وَلَيْسَ بالضَّرورةِ لأنَّهُمْ يُحِبُّونَني . هذه نُقْطَةُ قُوَّتي التي تُشْعِرُني
بأنَّني أُمْسِكُهم مِنَ اليَدِ التي تُوجِعُهم . وَرُبَّمَا كانتْ خِيَانَةً مُتَبَادَلَة
.
مَهْمَا فَعَلْتُ ، سَيَغْفِرُون
أخطائي ، وَيَسْتُرُون عَلى خَطَايَاي ، لَيْسَ حُبًّا فِيَّ ، ولا حِرْصًا
عَلَيَّ ، وإنَّما للحِفَاظِ عَلى سُمعةِ العائلة. هَكذا عِشْنا في عَالَمِ
الأقنعةِ والابتزازِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ضِمْنِيًّا . هذا الوَهْمُ اللذيذُ
يُريحُ أعصابي ، أنا الوَلَدُ المَكْسُورُ الوَحِيدُ بَيْنَ البَنَاتِ
المَكْسُوراتِ . أنا المُخَلِّصُ ، لكنَّني أحتاجُ إلى مَنْ يُخَلِّصُني . عَرَفْتُ
مَعْنَى الغُرْبَةِ مُبَكِّرًا ، غُربة الرُّوح في سِجْنِ الجَسَدِ ، وَغُربة المَعْنى
في عَالَمِ اللامَعْنَى،وَعَالَمِ التقاليدِ الاجتماعيةِ الصارمةِ التي تَحْتمي
بالرِّياءِ والمَظاهرِ والأقنعة. لَمْ تَكُنْ هُناك أهميَّة لِجُثَّةِ الجُنْدي ،
كانت الأهميَّةُ للأوسمةِ التي يَحْمِلُها . إنَّني غَريبٌ ، ولا أزالُ .
عَامَلَتْني أُمِّي مُنْذُ طُفولتي
كَالبِنْتِ . تُطِيلُ شَعْري ، وأحياناً تُلْبِسُني فُسْتَانًا . وكُلَّمَا رَأى
أبي هذا المَشْهَدَ فَقَدَ صَوَابَه ، وَحَطَّمَ المَزْهَرِيَّاتِ وَالمَرَايا ، وَحَلَفَ
عَلى أُمِّي بالطَّلاقِ . ولا أعْرِفُ لماذا كانَ يَختار المَزهرياتِ والمَرَايا لِيَصُبَّ
عَلَيْهَا غَضَبَه ، ولا يَختار شَيْئًا آخَر . وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ ،
فأموالُه كثيرة . وكُلُّ مَزهريةٍ يَكْسِرُها ، يُحْضِر مَزهريةً أثريةً أجْمَلَ
مِنْهَا . وكُلُّ مِرْآةٍ يُحَطِّمُها ، يُحْضِر مِرْآةً مَصْقُولةً أبْهَى مِنْهَا
. وكما يَقُول المَثَلُ المِصْرِيُّ الشَّعْبِيُّ : " اللي مَعاه قِرْش محيَّره
يجيب حَمَام ويطيَّره " .
صِرْتُ أشُكُّ أنَّه يَكْسِرُ
المَزهرياتِ والمَرَايا كُلَّ فَترةٍ زمنية ، كَيْ يَجِدَ المُبَرِّرَ لِتَجديدِ دِيكورِ
القَصْرِ . وَقَدْ تَعَزَّزَ هَذا الشَّكُّ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ حَتَّى وَصَلَ
إلى مَرحلةِ اليقين . إنَّهُ يَخترع الأسبابَ لِتَحطيمِ هذه الأشياءِ التي يَعْتبرها
مُنْتهية الصَّلاحِيَّة ، ثم يُحضِر أشياء أكثرَ جَمَالًا وَرَوْعَةً وَبَهَاءً ،
ويُعيد صِياغةَ الدِّيكورِ مِنْ مَنظوره الشَّخْصِيِّ دُون استشارة أحد . هذا هُوَ
أسلوبُه في الحياة ، وبسببِ استبدادِهِ صَارَ وزيرًا .
كانت المَرَايا تُحِيطُ بِنا مِنْ
كُلِّ الجِهَاتِ ، معَ أنَّنا قَضَيْنَا حَيَاتَنَا هاربين مِنْ وُجوهِنا . لَمْ نَمْلِك
الجُرْأةَ كَيْ نَنْظُرَ في المَرَايا، وَلَمْ نَجْرُؤْ عَلى النظر في وُجوهِنا، كُنَّا
نَهْرُبُ دائمًا مِنْ عُيونِ الآخرين، لِئلا تَكْتَشِفَ ضَعْفَنا. عِشْنا مَعًا
كالأغرابِ الذينَ تَجَمَّعُوا في مُعَسْكَرِ الاعتقالِ دُون مَوْعِدٍ مُسْبَقٍ .
أقفاصُنا هِيَ تاريخُنا الوحيد
، وَالحُزْنُ هُوَ رابطةُ الدَّمِ الوحيدة التي تَجْمَعُنا . أحيانًا يُخيَّل إلَيَّ
أنَّ عائلتي كانتْ تَتَمَنَّى أنْ تَتَخَلَّصَ مِنِّي كَيْ تَرتاحَ مِنْ قَرَفي ،
أنا وَصْمَةُ العَارِ في تاريخِ القَبيلةِ ، والنُّقْطَةُ السَّوداءُ في حَضارةِ
ذاكرةِ النِّسْيَانِ . عِظَامُنا دِيكورٌ ، وَالمَرَايا حِجَارَةٌ . لَمْ تَكُن
المَرَايا وَسِيلةً لاكتشافِ الذاتِ ، بَلْ كانتْ وَسِيلةً للهُرُوبِ مِنَ الذاتِ
.
سَأصِيرُ عَالِمَ رياضيات .
هذا مَا كُنْتُ أُؤكِّده لِنَفْسِي صَبَاحًا مَسَاءً . مُسْتقبلي مَضْمون .
قَبيلتي تُسَيْطِرُ عَلى المَناصبِ السِّيَاسِيَّةِ في بِلادي ، وأبي أبو جَمْرَة قائدُ الثَّوْرَةِ ورئيسُ جُمهوريةِ احتضارِ الزَّهْرَةِ
. لا يُوجَد أفضلُ مِنْ هَذا الوَضْعِ . سَأحْصُلُ عَلى الشَّهَادةِ الجامعيَّةِ مِنْ
جَامعةِ أُكسفورد ، وأفُوزُ بجائزةِ نُوبِل في الفيزياء أو الكيمياء ، لأنَّه لا
يُوجَد جائزة نُوبِل في الرِّياضيات . لأنَّ نُوبِل مُخترع الدِّيناميت كانَ
مُهندسًا ومُخترعًا وصِناعيًّا ، وَرَكَّزَ عَلى الجَوائزِ التي تُسَاهِم في فائدة
البشرية المُبَاشِرَة ، وَلَمْ يَعْتَبِر الرِّياضيات عَمَلِيَّةً . وَبَعْدَ أنْ
أترُكَ بَصْمتي في تاريخِ الحَضَارِة القَتيلةِ ، وحَضارةِ التاريخِ المَسروق ،
سَأعُودُ إلى أرضِ الوطنِ الذي لَمْ يَعُدْ فيه أرضٌ إلا لاحتضانِ قُبورِنا . أنا
الطائرُ الجريحُ الذي هَاجَرَ إلى البِلادِ الجريحة .
وَجَامعةُ أُكسفورد لا يَدْخُلها
إلا الأذكياءُ والأغنياءُ ، وأنا واحدٌ مِنْهُم . الوظيفةُ جاهزة ، والمَكْتب مَوْجُود
، والسِّكرتيرة تَنْتظرني بالأزهارِ والمِكْيَاجِ والصَّدْرِ المُمْتلئ وَالتَّنورةِ
القصيرة ، والمُوظَّفون تَحْتَ إمْرَتي ، يُجهِّزون قَصائدَ المَديحِ التي تَدُلُّ
على ذكائي وَمَهَاراتي الخارقة في الإدارةِ والعِلْمِ والثقافة .
وأبي وَصَلَ إلى قِمَّةِ
السُّلطةِ بَعْدَ عِدَّةِ انقلاباتٍ عَسْكرية وَرُومَانسية ، والعائلاتُ الراقيةُ
كعائلتي تَتَوَارَث المَنَاصِبَ ، وَمَناطقَ النُّفُوذِ ، وأماكنَ السَّيطرةِ ،
وَتَقْتَسِم الغَنائمَ ، وَتُوزِّع الأرباحَ فِيما بَيْنَها. والعائلاتُ في حَرْبٍ
للسَّيطرةِ عَلى مَراكزِ صُنْعِ القَرَارِ ، وزُعماءُ القبائلِ زَرَعُوا طُبولَ
الحَرْبِ في أعصابي إلى الأبدِ ، لذلكَ صِرْتُ مَرِيضًا بالوَهْمِ . لَمْ أرَ في
حَيَاتي رِجَالًا كَيْ أُصْبحَ رَجُلًا . عِشْتُ معَ العَبيدِ والسَّبايا في
مَتَاهَةِ الوَحْدَةِ الوطنية ، لذلكَ صِرْتُ نَخَّاسًا في سُوقِ الرَّقيقِ الأبيض
)) .
66
وَصَلَتْ مَجموعتنا إلى
البُوسنةِ في النِّصْفِ الثاني مِنْ عَام 1992 . أبو حمزة الجزائري ، وأبو عُمَر
الليبي، وأبو علي المِصْرِيِّ ، وأبو يَعْقُوب المَكِّي ، وأنا . كُلُّهُمْ كانوا
مُجَاهِدين في أفغانستان. أمَّا أنا فَكُنْتُ مِثْلَ الأطرشِ في الزَّفَّةِ .
لَيْسَ لِي كُنْيَة ، وَلَمْ أُجَاهِدْ في أيِّ مَكَانٍ ، وَلَمْ أذهبْ إلى
القِتَالِ في أيِّ بلد ، وَلَمْ أُمْسِكْ مُسَدَّسًا في حَيَاتي ، وَلَمْ أرفعْ
سِلاحًا في وَجْهِ أحَدٍ .
عاشوا بَيْنَ أصواتِ الأذَانِ
وَرَائحةِ البارودِ ، حَيْثُ كانت الحربُ لا تَغِيبُ عَن الأُفُقِ . خَمَدَتْ نارُ
الحَرْبِ في أفغانستان، لكنَّ النارَ في صُدورِهم لَمْ تَخْمُدْ . كانوا
يَبْحَثُون عَنْ مَعْنى جديد ، عَنْ قَضِيَّةٍ تَمْنحهم شُعورًا بأنَّ التَّضْحية
مَا زالتْ ذات جَدْوى . وساروا في طريقِ المَجْدِ والأسئلةِ .
تَركوا جُزْءًا مِنْ أرواحِهم
هُناك ، في أرضِ الجِهَادِ الأُولَى التي صَقَلَتْهُم . إنَّهُ حَنِينٌ مَمزوجٌ
برائحةِ البارُودِ وذِكرياتِ الخَنادقِ.رِحْلَتُهُمْ إلى البُوسنةِ لَيْسَتْ
هُروبًا،وإنَّما امتدادٌ لرسالةٍ يُؤْمِنُون بِها، فالواجب لا يَنْتهي بانتهاء
مَعركة ، والقَضِيَّةُ واحدةٌ ، وإن اختلفت الجُغرافيا ، وانكَسَرَ التاريخُ .
انتشرتْ في أنحاءِ العَالَمِ
صُوَرُ القَتْلِ والحِصَارِ ، حَيْثُ يُقْتَل المُسْلِمُون ويُهَجَّرُون ،
والقُرَى تُحْرَقُ ، والمُدُنُ تُبَاد ، وَتُغْتَصَب النِّسَاءُ ، فاشتعلتْ
مَشاعرُ الغضبِ والتعاطفِ . والدَّمُ الذي هَدَأ في عُروقِهم عادَ يَغْلي. لَمْ
يَكُونوا يَبْحَثُون عَنْ بُطولةٍ وأوسمةٍ، بَلْ عَنْ سَلامٍ داخليٍّ لَمْ
يَجِدُوه بَعْد .
خُطَبَاءُ المَساجدِ والدُّعَاةُ تَحَدَّثُوا
عَنْ نُصْرَةِ إخواننا في البُوسنة ، الشعبِ المُسْلِمِ الضعيف . وبدأتْ حَمَلاتُ
جَمْعِ التَّبَرُّعَاتِ والإغاثةِ . وَعَبَرَ بعضُ المُتطوعين العرب مِنْ كرواتيا
إلى البُوسنة . وَصَلُوا بشكلٍ مُتَفَرِّق ، وغالبًا بِطُرق غَيْر رَسْمِيَّة تحت
غِطاء إنسانيٍّ أوْ عَبْر مُنظَّمات إغاثية .
رُبَّمَا شَعَرُوا بِخَيْبَةٍ
حِينَ رَأَوْا أنَّ الجِهاد في أفغانستان انتهى بِصِرَاعاتٍ داخليَّة ، أوْ
بِتَدَخُّلاتٍ سِياسيَّة ، شَوَّهَتْ أهدافَه . غَادَرُوا مُثْقَلِين بالحُزْنِ
والألَمِ، وَهُم الآنَ يَبْحَثُون في البُوسنةِ عَنْ نَقَاءٍ ضائع. غُرَبَاء
بَيْنَ غُربةِ المَكَانِ وغُربةِ الذاتِ ، حَيْثُ تتقاطعُ الرُّوحُ الجِهاديةُ
والتَّجْرِبَةُ الإنسانيَّةُ والاغترابُ النَّفْسِيُّ .
التحقتُ بِكَتِيبةِ
المُجَاهِدِين ، وَرَأيْتُ مُقَاتِلين عَرَبًا كثيرين ، أصحاب لِحى طويلة ،
وأجسامٍ قوية . كانوا مَدْفُوعين بِفِكْرة أنَّ المُسْلِمين البُشْنَاق بِلا
حَوْلٍ ولا قُوَّةٍ أمامَ الصِّرْبِ الذينَ تَقِفُ وَراءهم قُوَّةٌ كُبرى، هِيَ
رُوسيا ، وأمام الكُروات المَدْعومين مِنَ البُلدان الغربية كفرنسا وألمانيا ،
بَيْنَما المُسْلِمُون يَقِفُون وَحْدَهُم مُحَاصَرِين ، وَوَضْعُهُم في غايةِ
الصُّعوبةِ لأنَّ الأُمَمَ المُتَّحدة ارتكبت الخطيئةَ العُظمى بِحَظْرِهَا
الأسلحة ، وهَذا حَرَمَ الحُكومةَ البوسنية مِنَ التكافؤ معَ الصِّرْبِ .
استثارتْ مَشَاهِدُ المَجازرِ وَقِصَصُ
الاغتصابِ داخلَ مَراكز الاعتقالِ مَشاعرَ الشَّبابِ الذينَ تَوافدوا لِنُصرةِ
المُسْتَضْعَفِين مِنْ بُلدانِهم الأصليَّة ، وَلَمْ يَسْبِقْ لَهُم القِتال .
وبالمُقَابِلِ كانتْ نِسْبة جَيِّدة مِنْهُم قَدْ قَدِمَتْ مِنْ أفغانستان، التي
عاشتْ حِينها حربًا أهليَّة بَيْنَ قادةِ الجِهادِ الأفغانيِّ ضِدَّ السُّوفييت
السابقين ، شَعَرَ بسببها كثيرٌ مِنَ المُقَاتِلِين العرب هُناك أنَّ المعركة لا
تَعْنيهم ، وكانَ لا بُدَّ مِنْ بَديلٍ يَسْتحق القِتالَ لأجْلِه ، مُسْلِمي
البُوسنةِ والهِرْسِك .
والعَجْزُ الغربيُّ وعَجْزُ
الأُمَمِ المُتَّحدة مِنَ الأسبابِ الرئيسية وَرَاءَ قُدوم المُتطوعين المُسْلِمين
للقِتالِ في البُوسنة . وَقَدْ كَشَفَتْ حَرْبُ البُوسنةِ التناقضات . الجَماهير
في العَالَمِ الإسلاميِّ تَعْتبر مِحْنَةَ البُوسنة حَرْبًا صليبية على الإسلامِ
والمُسْلِمين ، وَلَيْسَ دليلًا على العَجْزِ أوْ الشَّلَلِ . وَعِندما عَمَدَت
الأُمَمُ المُتَّحدة إلى تَعميقِ تَدَخُّلاتِها ، كانَ يُنظَر إلَيْهَا عَلى
أنَّها مُحاوَلة لخنقِ قُدرةِ المُسْلِمين البُوسنيين عَلى تَوَلِّي الأُمورِ
بأيديهم . وكانَ القاسمُ المُشترَكُ في هذه الانتقاداتِ هُوَ اتِّهَام الأُمَمِ
المُتَّحدة بمعايير مُزْدَوَجَة في الاستجابةِ السَّريعةِ لاستيلاءِ العِرَاقِ على
الكويتِ الغَنِيَّةِ بالنِّفْطِ ، معَ فَشَلِها في وقفِ الفظائعِ الجَمَاعِيَّة في
البُوسنة . وهَذا دليلٌ واضحٌ عَلى أنَّ النِّفْطَ أغْلَى وأهَمَّ مِنَ دِمَاءِ
المُسْلِمين الرَّخيصة .
كانت الرِّياحُ في مُعَسْكَرِ
التَّدريبِ تَمُرُّ مِثْلَ سَكَاكين مِنْ بَرْدٍ ، تَشُقُّ الخِيَامَ الرَّقيقة ،
وَتَدْخُل إلى العِظَام . في ذلك الرُّكْنِ مِنْ جِبَالِ البُوسنةِ ، عِند سَفْحٍ
تُغَطِّيه أشجارُ الصَّنَوْبَرِ ، وُلِدَتْ كتيبةٌ مِنْ رِجَالٍ جاؤوا مِنْ بِلادٍ
بعيدة . بَعْضُهُم تَرَكَ وَراءه عائلة ، وَبَعْضُهُم تَرَكَ مَدينةً مُزْدَحِمَةً
بالأسئلةِ والأحلامِ والذِّكرياتِ وَشظايا الماضي الذي لا يَمْضِي .
في الصَّبَاحِ كانَ الشَّيْخُ
أبو حمزة الجزائري ذُو اللحيةِ السَّوداءِ ، والعَيْنَيْن اللَّتَيْن تَحْمِلان غُبارَ
المَعَارِكِ وَتَعَبَ الحُروبِ ، يُصفِّر مِنْ فَوْقِ صَخرةٍ عالية ، ذلكَ كانَ
نِداء التَّدريب . يَصْطَفُّ المُقَاتِلُون في صُفوف مُنْتَظَمَة وَمُتْقَنَة ،
وَيَنْظُرون إلَيْهِ مُنتظرين خِطَابَه المصيري .
وَجَّهَ القائدُ أبو حمزة
الجزائري خِطَابَ قائلًا : (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ . السَّلامُ
عَلَيكم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه . أيُّها الجُنودُ الأبطالُ ، يا مَنْ حَمَلْتُم
أرواحَكُم عَلى أَكُفِّكُم ، وَوَقَفْتُم في وَجْهِ العاصفةِ ، لا تَهَابُون
المَوْتَ ، ولا تَرتجفون أمامَ الخطر . لَقَدْ آنَ أوانُ العَزْمِ ، وحانتْ ساعةُ
الحَقِّ التي تُميِّز بَيْنَ مَنْ صَبَرَ وَثَبَتَ ، وَمَنْ وَهَنَ وتراجعَ . إنَّ
عُيونَ التاريخِ تَنظُر إلَيْنَا اليَوْمَ ، وَسَتَكْتُب مَا نَفْعَل لا مَا
نَقُول. فَكُونوا كَمَا عَهِدْنَاكُم ، سُيوفًا لا تَنْثَني ، وقُلوبًا لا
تَعْرِفُ الخَوْفَ . عَدُوُّكُم أمامَكم ، يَحْمِلُ في صَدْرِه البَغْضَاءَ ، وفي
يَدِهِ الشَّرَّ ، يُريدُ أنْ يُطفِئ نُورَكم ، وَيَكْسِر عزيمتكم . فَلْتَكُنْ
إجابتُكم عَلَيه نارًا مِنَ الصِّبْرِ ، وَسِهَامًا مِنَ الإيمانِ ، وبارودًا في
المَيْدَانِ . تَذَكَّروا أنَّ الأرضَ التي نَقِفُ عَلَيها ارْتَوَتْ بِعَرَقِ
الأبطالِ وَدِمَاءِ الشُّهَداءِ ، فلا تَجْعلوا دِماءَهُم تَذهَبَ سُدى ، أنتُم
اليَوْمَ الامتدادُ لِتَضحياتهم ، والدِّرْعُ التي تَحْمِي الكرامةَ ، والسَّيْفُ
الذي يَذُود عَن الوطن . قَاتِلُوا بعقيدةٍ ، لا بغضبٍ . قَاتِلُوا مِنْ أجْلِ
مَنْ يَنْتظرونكم بِسَلامٍ ، مِنْ أجْلِ طِفْلٍ يَنَامُ آمِنًا ، وَأُمٍّ تَرْفَع
يَدَيْهَا بالدُّعَاءِ . وَاعْلَمُوا أنَّ النَّصْرَ لا يُهْدَى، بَلْ يُنْتَزَع
انتزاعًا مِنْ بَيْنِ أنيابِ المَوْتِ ، فَامْضُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تعالى ،
وارفعوا رايتَكم عاليةً ، فإنَّ خَلْفَكُم أُمَّةً تُؤْمِنُ بِكُم ، وأمامَكُم
مَجْدًا يُكْتَب بأيديكم . وإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ ، فَلْيَكُنْ مَوْتًا
يَلِيقُ بالأبطالِ ، مَوْتًا يُخَلَّدُ في الذاكرةِ )) .
كُنَّا نَتَدَرَّبُ مِنَ
الفَجْرِ حَتَّى المَسَاءِ عَلى تَسَلُّقِ الجِبَالِ ، وَنَصْبِ الكَمائنِ ،
وفَكِّ السِّلاحِ وتَركيبِهِ مَعْصُوبي الأعْيُن . كانتْ أصواتُ الرَّصَاصِ
تَمْتزج بِضَحِكَاتٍ مُتقطعة ، كأنَّهُم يُحاولون خِدَاعَ الخَوْفِ بالمَرَحِ .
تَعَلَّمْنَا أنَّ التَّدريبَ الحقيقيَّ لا يَبْدَأ في المَيدانِ ، بَلْ في القلبِ
. وكُنَّا نَتَدَرَّبُ لِنُحَارِبَ ، فَاكْتَشَفْنَا أنَّنا كُنَّا نَتَدَرَّبُ
لِنَفْهَمَ أنفُسَنا .
وفي الليلِ ، حِينَ يَهْدَأ
كُلُّ شَيْءٍ ، يَجْلِسُ الشَّيْخُ والقائدُ والأميرُ أبو حمزة الجزائري قُرْبَ
النار ، ويَرْوي لَنَا قِصَصًا عَنْ مُقاتِلين ماتوا وَهُمْ يَبْتسمون . سَألْتُ
نَفْسِي : (( هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَوْتُ ابتسامةً ؟ ، أوْ هَلْ يُمْكِنُ
أنْ يَكُونَ للمَوْتِ ابتسامةٌ ؟ )) .
كُنْتُ شَابًّا بَسِيطًا وَسَاذَجًا
وَمُبْتَدِئًا . دَخَلْتُ التَّدريبَ العَسكريَّ مُحَمَّلًا بالآمالِ العريضةِ ،
والأحلامِ الوَردية ، وَرَأيْتُ في نَفْسِي مُقَاتِلًا شُجَاعًا . أرفعُ رَأسَ
عائلتي بَيْنَ العائلاتِ ، وأرفعُ اسْمَ بِلادي في المَحافلِ الدَّوْلية ،
وأُعِيدُ أمجادَ الحَضارةِ العربيةِ الإسلاميَّةِ .
الحَمَاسُ يَمْلأ قَلْبي ،
لكنَّني سُرعان مَا اصطدمتُ بالواقعِ القاسي. تَسَلَّلَ التَّعَبُ إلى عِظَامي، والخَوْفُ
الدائمُ مِنَ الفَشَلِ .
أمسكتُ الرَّشَّاشَ ، وكانَ
ثقيلًا جِدًّا ، فَسَقَطَ مِنْ يَدَيَّ ، وصارَ الجميعُ يَضْحَكُ عَلَيَّ .
شَعَرْتُ بِثِقَلِ نَظراتِهم ، وكأنَّها تَخْترق مَا تَبَقَّى مِنْ ثِقَتي
بِنَفْسِي . قَلْبي يَضْطرب بَيْنَ الخَجَلِ والخِذلانِ ، وَصَوْتي الداخليُّ
يَلُومني : (( لماذا لَسْتُ مِثْلَهُم ؟ )) .
نَظَرْتُ إلى الرَّشَّاشِ .
لَمْ يَعُدْ رَمْزَ القُوَّةِ كَمَا كُنْتُ أتَخَيَّلُ ، بَلْ أصْبَحَ مِرْآةً أرى
فِيها ضَعْفي ، وَخَوْفي ، وأحلامي التي تَشَقَّقَتْ مِثْلَ حِذائي العَسكريِّ
القديم .
لَمْ أُكْمِل التَّدريبَ .
خَيَّمَ عَلَيَّ صَمْتٌ مُوجِعٌ . في تِلْكَ اللحظةِ الصادمة ، لَمْ أسْمَعْ سِوى
نَبَضَاتِ قَلْبي المُتسارعة ، وَصَدى خُطُوَاتي ، وأنا أُغَادِرُ الساحةَ .
أحْسَسْتُ أنَّ الحُلْمَ الذي كُنْتُ أراهُ طريقًا للكَرامةِ والرُّجولةِ يَتلاشى
أمامَ عَيْنَيَّ .
في أعماقي ، رَغْمَ المَرارةِ
، تَشتعل شَرَارَةٌ صَغيرةٌ مِنَ الأملِ ، وَيَتَدَفَّق إحساسٌ غامضٌ يَقُولُ لِي
إنَّ الفَشَلَ لَيْسَ النِّهايةَ ، بَلْ هُوَ طريق آخَر سَأكتشفه يَوْمًا مَا .
الوَقْتُ ثقيلٌ كَدِرْعٍ مِنْ
حَديدٍ ، والهواءُ مُشْبَعٌ برائحةِ التُّرَابِ والعَرَقِ والدَّمِ والخَيْبَةِ .
جِسْمِي يَرتجفُ بِشِدَّةٍ ، وجَسَدِي خانَ قَلْبي . وَدُمُوعي رَصَاصَاتٌ بِلا
صَوْتٍ . سَكَتَ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلي ، وَشَعَرْتُ أنَّ العَالَمَ ضَاقَ ، وأنَّ
الحُلْمَ الذي كانَ يَلْمَعُ في عَيْنَيَّ ذابَ في التُّرابِ .
في عُمْقِ هَزِيمتي ، وُلِدَ
شُعورٌ خافتٌ ودافئ ، كَجَمْرَةٍ صغيرة تَحْتَ الرَّمادِ ، يَقُولُ لِي إنَّني
قَدْ لا أكُونُ جُنديًّا في المَيدانِ ، لكنَّني سأنتصرُ يَوْمًا مَا في ساحةٍ
أُخْرَى .
سِرْتُ بِخُطُوَاتٍ مُثْقَلَةٍ
، كأنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تُعيدُ مَشْهَدَ سُقوطي . لَمْ يَكُن البَرْدُ شديدًا ،
لكنَّ شيئًا في دَاخِلي تَجَمَّدَ . وَصَدى أنفاسي المُتَقَطِّعَةِ يُحْرِقُ
عِظَامي .
مَرَّتْ أمامي صُوَرُ
الأيَّامِ الماضية،وَتَذَكَّرْتُ أحلامي التي كُنْتُ أُخَبِّئُهَا في صَدْري
لِكَيْلا تَنْكَسِرَ. الآنَ ، كُلُّ شَيْءٍ تَحَطَّمَ بِهُدوءٍ مُؤلِم ، بِلا
صُراخٍ ولا وَدَاعٍ .
رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إلى
الفَضَاءِ المَعْدِنيِّ ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ إلا فَرَاغًا يُشْبِهُني . تَمَنَّيْتُ
لَوْ تَبْكِي الطُّيورُ المُهَاجِرَةُ عَلَيَّ ، لَوْ يَغْسِلُ المَطَرُ هَذا
الحُزْنَ الجاثمَ عَلى صَدْري . أحْمِلُ صَمْتًا ثقيلًا يُشْبِهُ رَمَادَ المُدُنِ
بَعْدَ القَصْفِ . عَيْنَايَ زُجَاجِيَّتَان ، لا تَبْحثان عَنْ أحَدٍ ، كأنَّهما
فَقَدَتَا القُدرةَ عَلى التَّمييزِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ . في دَاخِلي
حَرْبٌ أُخْرَى لا تَهْدَأ ، حَرْبٌ بَيْنَ مَا كانَ يَجِبُ أنْ يَكُون ، وَبَيْنَ
مَا هُوَ كائنٌ . حَرْبٌ بَيْنَ صُورةِ البُطولةِ التي وُعِدْتُ بِهَا ، وَبَيْنَ
واقعِ هَزيمتي الذي يَسْكُنُ جِلْدِي .
كُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ أحَدَهُم
يَقُولُ وَهُوَ يَقْصِدُني بالتأكيد :
_ يا شَيْخ جزائري ، مِنْ
أيْنَ أحضرتَ هَذا الشَّابَّ الجاهلَ الضعيفَ ؟ ، إنَّه عَاجِزٌ عَنْ حَمْلِ
الرَّشَّاشِ ، ولا يَسْتطيع السَّيطرةَ عَلَيْه ، لَقَدْ سَقَطَ مِنْ يَدَيْهِ
أمامَ المُجاهدين . كَيْفَ سَيُقَاتِلُ الصِّرْبَ وَيَخُوضُ المَعَارِكَ ؟ . إذا
بَقِيَ مَعَنَا فَسَوْفَ يَقْضِي عَلَيْنَا ، ونَنْهزم أمامَ الأعداءِ ، وَيَضِيع
كُلُّ شَيْء . المَفْرُوضُ أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ معَ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ
معَ الرِّجالِ .
لُذْتُ بالصَّمْتِ ، وتظاهرتُ
بأنَّني لَمْ أسْمَعْ شيئًا . أحْسَسْتُ بالخِزْيِ والعَارِ والذُّلِّ . الخِزْيُ
شُعورٌ يَهْبِطُ عَلى الرُّوحِ ، كَمَا يَهْبِطُ الليلُ عَلى مَدينةٍ بِلا قَمَرٍ.
هُوَ ذلك الانحناءُ الداخليُّ الذي لا تَرَاه العُيون ، لكنَّه يُثْقِلُ القَلْبَ
، ويُمزِّق الحَنْجَرَةَ ، حَتَّى يُصْبحَ كُلُّ نَفَسٍ اعترافًا صامتًا بالهزيمةِ
. والعَارُ انكشافٌ مُؤلِمٌ أمامَ الذاتِ قَبْلَ الآخَرِين ، كَمَنْ يَقِفُ عاريًا
في سَاحَةٍ يَعْبُرُها الناسُ ، فَيَتَمَنَّى لَوْ يَبْتلعه الغِيابُ . إنَّه
النارُ التي لا تُرى ، لكنَّها تأكلُ الكَرامةَ بِبُطْءٍ هادئ ، وَتَتْرُك خَلْفَها
رَمادَ الثِّقَةِ بالنَّفْسِ. والذُّلُّ هُوَ أنْ تُكْسَرَ هَيْبَةُ الرُّوحِ ،
وأنْ تُسْلَبَ مِنْكَ القُدرة عَلى النَّظَرِ في العُيونِ ، وأنْ تُرْغَمَ عَلى
الانحناءِ ، وأنتَ تَعْلَمُ أنَّ جِسْمَكَ لَمْ يُخْلَقْ للانكسارِ ، وأنْ
تَسْمَعَ صَوْتَكَ ولا تَعْرِفُه ، لأنَّ شيئًا فِيكَ انطفأ . لَقَدْ ضاعَ حُلْمي
عِندما انكسرتْ رايتي .
تَلْتقي هَذه المَشاعر الثلاثة
عِند نُقْطَة واحدة : وَجَع الكَرامة . وَجَعٌ لا يُسْكِنُه الاعتذار ، ولا
يُخفِّفه الزمنُ بِسُهولة ، لأنَّه يَسْكُن في عُمْقٍ أبعد مِن الذاكرة ، في
مَوْضِعٍ يُسَمِّيه البعضُ الضَّمِيرَ ، وَيُسمِّيه آخَرُون الإنسانَ ذَاتَه .
مُنْذُ الطُّفولةِ ، وأنا
أحْمِلُ في دَاخِلي ظِلًّا لا يُفارقني ، ظِلًّا لا يُشْبِهُ ظِلالَ الآخَرين .
كُنْتُ أرى نَفْسِي أصغرَ مِنْ مَلامحي ، وأقَلَّ مِنْ وُجودي ، كأنَّ العَالَمَ
صُنِعَ لأُناسٍ آخَرين أكثر اكتمالًا ، وأكثر ثِقَةً، وأكثر قُدرةً عَلى
التَّنَفُّسِ دُون خَوْفٍ مِنَ الخطأ . كُلُّ ابتسامةٍ كُنْتُ أظُنُّها مُوجَّهةً
لِغَيْري، وكُلُّ نَظرةِ إعجابٍ كُنْتُ أستبعدُ أنْ تُقْصَدَ بِي . تَعَلَّمْتُ
الصَّمْتَ قَبْلَ الكلام ، وَارتبكتُ في حَضْرَةِ الضَّوْءِ الجارحِ . كَمْ
تَمَنَّيْتُ أنْ أكُونَ رَجُلًا مِثْلَ باقي الرِّجالِ ، وأنْ أكُونَ بَطَلًا
مِثْلَ الأبطالِ الذينَ كُنَّا نَقْرَأ عَنْهُم في كُتُبِ التاريخ.ولكنْ للأسفِ
الشديدِ، كُنْتُ شَبَحًا وَمَسْخًا وَنَكِرَةً في هَذا الوُجود.
مَرَّت السَّنَوَاتُ،
وَكَبِرْتُ جَسَدًا ، لكنَّ النَّقْصَ كَبِرَ مَعِي. هَرَبْتُ مِنَ المَرايا ، لَيْسَ
لأنَّها تَكْشِفُ مَلامحي،بَلْ لأنَّها تَفْضَحُ مَا لا يُرى ،ذلك الفراغ في مِلْحِ
دُموعي،وَتِلْكَ المَسافة بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِي. لكنَّني اليَوْمَ ، حِينَ
أنظرُ إلى ذلك الطِّفْلِ البعيد ، أُدْرِكُ أنَّه لَمْ يَكُن ناقصًا ، بَلْ كانَ
يَبْحث عَنْ مَعْنى للامتلاءِ في عَالَمٍ لا يُعلِّمنا سِوى المُقارَنة .
لَمْ أعْرِف الحَرْبَ إلا مِنْ
أصواتِها ، وَلَمْ أختبر المَوْتَ إلا في القِصَصِ التي يَرْويها المُقاتِلون
القادمون مِنَ اللامكان ، الذاهبون إلى اللازمان . لَمْ أَتَعَوَّدْ عَلى ثِقَلِ الحَديد
، ولا لَمعانِ الدَّمِ ، ولا تِلْك النَّظَرات الحَادَّة التي يَتبادلها الرِّجال
قَبْلَ أنْ يَندفعوا إلى المَجهول. قَلْبي يَخْفِقُ كَطَائرٍ حُبِسَ في قَفَصٍ
ضَيِّق ، يَبْحَث عَنْ مَنْفَذٍ للهواءِ أو للهربِ .
رآني القائدُ أبو حمزة
الجزائري مِنْ بَعيدٍ . كُنْتُ جالسًا على صَخرةٍ، أُحدِّق في الأُفُقِ البعيدِ، وأطرافي
تَرتجف . اقتربَ مِنِّي ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى كَتِفِي . وَعَمَّ الصَّمْتُ
بَيْنَنا . كانَ الصَّمْتُ أثقلَ مِنْ أصواتِ المَدافعِ ، لأنَّ المَدَافِعَ
تُدَوِّي ثُمَّ تنطفئ ، أمَّا الصَّمْتُ فَيَتْرُك صَدَاه في الداخلِ ، ولا
يَنْتهي بانتهاءِ اللحظةِ ، بَلْ يَظَلُّ عالقًا كَحَجَرٍ في الصَّدْرِ . إنَّهُ
الصَّمْتُ الذي يَسْبِقُ الانفجارَ ، أو الذي يَعْقُبُ الكارثةَ . وَالصَّمْتُ
هُوَ المُوَاجَهَةُ النِّهَائيَّةُ بَيْنَ الإنسانِ وَنَفْسِه . قالَ بِلَهْجَةٍ
أبَوِيَّة :
_ أُريدُ أنْ أُحَدِّثَكَ يا
هِشَام كإنسانٍ لإنسان ، وَلَيْسَ كقائدٍ لِجُندي .
طأطأتُ رأسي ، ومَلأ القلقُ
عَيْنَيَّ .
وتابعَ قائلًا :
_ رَأيْتُكَ حِينَ سَقَطَ
الرَّشَّاشُ مِنْ يَدَيْكَ . لَقَدْ عَجَزْتَ عَنْ حَمْلِهِ بسبب ارتجافِ يَدَيْكَ
، والقَلَقِ الذي يَتلاعب بأعصابِك . أنتَ تَبْذُلُ جُهْدَكَ ، لَكِنَّ قَلْبَكَ
لَيْسَ هُنا ، ولا يُوجَد نارٌ في عَيْنَيْكَ . الحَرْبُ لَيْسَتْ مَكَانَكَ ،
وأنتَ لا تَصْلُح للقِتال .
رَفَعْتُ رأسي بِحِدَّةٍ ،
كأنَّ طَعْنَةً غَيْرَ مرئية أصابَتْه . وارتعشتْ مَلامحي ، كأنَّ السُّيوفَ
هَوَتْ عَلى كِبريائي ، وَقُلْتُ والألَمُ يَعْصِرُني :
_ سَيِّدي الشَّيْخ ، هَلْ
تَقُول إنَّني جَبَان ؟ .
ابتسمَ ابتسامةً حَزينة لَمْ
يَستطعْ إخفاءَها، وقال :
_ لا يا هِشَام ، الجُبْنُ أنْ
تَبْقَى حَيْثُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ ، أمَّا الشَّجاعةُ فَهِيَ أنْ تَعْرِفَ
حُدودَ نَفْسِكَ قَبْلَ أنْ تَخُونَها . والجَبَانُ مَنْ يَخْتبئ خَلْفَ السِّلاحِ
لِيُخْفِيَ خَوْفَه ، أمَّا أنتَ فخائفٌ لأنَّ قَلْبَكَ حَيٌّ ، والقِتَالُ
يَحْتاجُ إلى قَسْوَةٍ لا تَمْلِكُها .
ثُمَّ أضافَ وَهُوَ يُحدِّق في
الفَضَاءِ المُلَوَّثِ برائحةِ البارودِ :
_ القِتالُ لَيْسَ للجميعِ ،
البعضُ خُلِقَ لِيَحْمِلَ السِّلاحَ ، والبعضُ خُلِقَ لِيَحْمِلَ الضِّمَادَ ،
وَيَبْنِيَ بَعْدَ أنْ تَهْدِمَ الحربُ كُلَّ شَيْءٍ ، أنتَ مِنْ هَؤلاء .
سَكَتُّ ، وانهمرتْ دَمعةٌ
واحدة عَلى خَدِّي ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ ذابل :
_ كُنْتُ أظُنُّ أنَّني
سَأخُونُ البُوسنةَ إنْ لَمْ أُقَاتِلْ .
_ البُوسنة لا تَحْتاج فَقَط
لِمَنْ يُطْلِقُ النارَ ، بَلْ لِمَنْ يُعيدُ النبضَ لِمَا يَتَبَقَّى مِنْهَا ،
والقِتالُ لا يَكُون دائمًا بالسِّلاحِ .
في تِلْكَ اللحظةِ ، أحْسَسْتُ
أنَّ الراية التي انكسرتْ في قلبي ، لَمْ تَسْقُطْ ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى رايةٍ
أُخْرَى، راية تُرَفْرِفُ فَوْقَ كُلِّ رُوحٍ اختارتْ اكتشافَ الحقيقةِ ومَعرفةَ
المَعْنى. عِندئذٍ، أدركتُ أنَّ حَيَاتي بَراءةٌ تائهةٌ في لَيْلِ البَنادقِ ،
وأنَّ عُمْري فَراشةٌ مُحترقة بَيْنَ حِصَار بَيْرُوت وَحِصَارِ سَراييفو .
أعطاني القائدُ أبو حمزة
الجزائريُّ مُسَدَّسًا ، ودَرَّبَني عَلَيْهِ بشكلٍ مُمتاز ، وَأخْبَرَني أنَّني
سأتركُ بَصْمَةً مُؤثِّرة في حَرْبِ البُوسنةِ ، دُون المُشارَكة في القِتال ،
لأنَّني غَيْرُ مُؤهَّل لِخَوْضِ المَعاركِ والحُروبِ . سَيَكُون لِي دُور في
مُساعدةِ المُجاهدين ، وتَجهيزِ وَسائلِ الرَّاحةِ لَهُم ، وإسعافِ المُصَابين ،
وإنقاذِ السُّكَّانِ ، وَتقديمِ الخِدمات لَهُم .
رَضِيتُ بِنَصيبي ، فأنا شاب
ضعيفٌ ، وغَيْرُ واثقٍ بِنَفْسِي ، وعديمُ الخِبرة في شُؤونِ القتالِ والحَرْبِ .
كُنْتُ أتَمَنَّى لَوْ كُنْتُ رَجُلًا قويًّا ، ومُقَاتِلًا صُلْبًا ، مِثْل
المُجاهدين الذينَ خاضَ كثيرٌ مِنْهُم معارك طاحنة في أفغانستان ، ولكنَّني لا
أعرفُ أيْنَ تَقَع أفغانستان على الخريطة ، فَكَيْفَ سَأكُونُ مُقَاتِلًا صُلْبًا
؟!. أنا الفاسقُ سابقًا ، المُجَاهِدُ حاليًّا ، أمسكتُ مُسَدَّسًا لأوَّلِ
مَرَّةٍ في حَيَاتي، في حِينَ أنَّ المُجاهدين كانوا يَحْمِلُون الرَّشَّاشاتِ
والأسلحةَ الثقيلة .
كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ
قائدًا عسكريًّا مِثْلَ خالد بن الوليد وصلاح الدِّين الأيوبي ، وأُعيدُ أمجادَ
الحَضارةِ العربيةِ الإسلامية . حَلُمْتُ أنَّ التاريخ سَيَذكُرني مَعَ القادةِ
والأبطالِ والفاتحين ، وانتظرتُ التاريخَ ، لكنَّه لَمْ يَأتِ. أنا شَبَحٌ
وَمَسْخٌ وَنَكِرَةٌ ، لذلكَ يُنْكِرُ التاريخُ وَجْهي ، ولا يَعْترف بِي . أنا
عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا ، لذلكَ تُمزِّق الحَضارةُ هُوِيَّتي ، ولا تُؤْمِنُ
بِحَقِّي في الوُجود .
ظَنَنْتُ أنَّ الحربَ فِيلم
أكشن أمريكي ، تُرافقه مُوسيقى صاخبة ، وَهُناك بَطَلٌ لا يُصاب برصاصةٍ مَهْمَا
اشتدَّ الرَّصاصُ . ظَنَنْتُ الحربَ مَشْهَدًا دِرَاميًّا ، يُعادُ تَصويرُه إنْ
لَمْ يُعْجِبْني ، وأنَّ الدُّخَانَ مُجرَّد مُؤثِّر بَصَري قابل للإيقافِ بِزِرٍّ
أحمر . لكنَّني حِينَ اقتربتُ مِنْها أدركتُ أنَّ الدَّمَ لَيْسَ طِلاءً ، وأنَّ
الصَّرخة لا يُعاد تَسجيلُها، وأنَّ البُطولة لَيْسَتْ عَضَلات مَفْتولة ، وإنَّما
هِيَ قَلْبٌ يُواصِل النَّبْضَ في عَالَمِ القَتْلِ والمَوْتِ والفَقْدِ . رأيتُ
طِفْلًا يَبْحث بَيْنَ الرُّكَامِ عَنْ لُعْبته ، وَجُنديًّا يَحْمِلُ جَسَدَ
صديقِه كما لَوْ أنَّه يَحْمِلُ العَالَمَ بأكمله ، وَسَمِعْتُ صَمْتَ
الأُمَّهَاتِ ، ذلك الصَّمْت الذي يَصْرُخ أكثرَ مِنْ ألْفِ قذيفة . حِينَها
فَهِمْتُ أنَّ الحربَ لَيْسَتْ مَشْهَدًا مِن فيلم ، وإنَّما هِيَ جُرْحٌ لا
يَنْتهي معَ شارةِ النِّهايةِ ، وأنَّ مَنْ يَنْجُو مِنْها لا يَعُود كَمَا كان ،
بَلْ يَخْرُج مِنْها شَبَحًا يَتَنَفَّسُ الذاكرةَ لا البُطولةَ .
ظَنَنْتُ أنَّ الحَرْبَ فيلم
أكشن أمريكي ، تُفْتَحُ فيه النِّيرانُ على إيقاعِ المُوسيقى ، وَيُبْعَثُ البطلُ
بَعْدَ كُلِّ انفجارٍ ، كأنَّ المَوْتَ مَشْهَدٌ قابلٌ للإعادةِ . لكنَّني حِينَ
اقتربتُ ، رَأيتُ الحقيقةَ تَمْشِي حافيةً بَيْنَ الرَّمَادِ ، وَرَأيتُ الوُجوهَ
بِلا ظِلالٍ . أدركتُ أنَّ الرَّصاصة لا تُميِّز بَيْنَ نَايٍ وَصَرْخَةٍ ، وأنَّ
البُطولة لَيْسَتْ اندفاعًا نَحْوَ المَوْتِ ، وإنَّما هِيَ بَقَاءُ قلبٍ نابضٍ في
مَدينةٍ فَقَدَتْ أنفاسَها .
رَأيْتُ الأُمَّهَاتِ
يُطَرِّزْنَ الصَّبْرَ عَلى الأكفانِ ، والأطفالَ يَبْحَثُون عَنْ ضَوْء في عُيونٍ
مُطْفَأة . هُناك ، في صَمْتٍ يُشْبِهُ نِهَايَةَ العَالَمِ ، فَهِمْتُ أنَّ
الحربَ لَيْسَتْ فيلمًا ، وإنَّما هِيَ ذاكرةٌ لا تَنَام ، وَجُرْحٌ لا يَعْرِفُ
كَلِمَةَ " قَطْع " .
67
في عام 1992 ، عُقِدَ استفتاء
على استقلال البُوسنة ، بَعْدَ تَفَكُّكِ يُوغُسلافيا ، وَتَصَاعُدِ النَّزْعَةِ
القَوْمِيَّةِ ، وَالتَّوَتُّراتِ العِرْقِيَّةِ . وكانَ الاستقلالُ مُحَبَّذًا
بِقُوَّةٍ مِنْ قِبَلِ مُسْلِمي البُوسنةِ وكُرواتِ البُوسنة ، في حِينَ قاطعَ
صِرْبُ البُوسنةِ الاستفتاءَ ، وَرَفَضُوه ، لأنَّ القَوْمِيِّين الصِّرْب كانوا
يَرْغَبُون في إنشاءِ " صِرْبيا الكُبرى" مِنْ خِلالِ ضَمِّ الأراضي
التي تَسْكُنُها أغلبيَّة صِرْبِيَّة في البُوسنةِ وكُرواتيا.
أعلنَ الرئيسُ البُوسني علي
عزت بيغوفيتش أنَّ البُوسنة والهِرْسِك جُمهورية مُستقلة ، وَصَدَّقَ البرلمانُ
على النتيجة . واعترفتْ أمريكا وأُوروبا بالبُوسنة والهِرْسِك كَدَولةٍ مُستقلة .
بَدَأت حَرْبُ البُوسنةِ
والهِرْسِكِ في 6 نَيسان / أبريل 1992 ، بَعْدَ الاعترافِ الدَّوْليِّ بالدَّولةِ المُستقلةِ
والجُمهوريةِ الجديدة. هاجمَ الصِّرْبُ مَدينةَ سراييفو المُسْلِمَة عاصمة
البُوسنة والهِرْسِك ، وحَاصَرُوها ، وَسَيْطَرُوا خِلالِ الأشهر الأُولَى للحربِ
عَلى 70 % مِنَ البُوسنةِ والهِرْسِك . وَتَمَّ دَعْمُ جَيْشِ جُمهوريةِ صِرْبِ
البُوسنةِ مِنْ قِبَلِ صِرْبيا ويُوغُسلافيا . وكانَتْ قُوَّاتُ صِرْبِ البُوسنةِ
بِقِيادةِ رادوفان كاراديتش ، وراتكو ملاديتش .
رادوفان كاراديتش طبيب نَفْسِي
، وشاعر ، وسِيَاسي سابق ، مِنْ صِرْبِ البُوسنةِ والهِرْسِك ، شَغَلَ مَنْصِبَ
رئيسِ جُمهورية صِرْب البُوسنة خِلالِ حربِ البُوسنة والهِرْسِك . وأُدِينَ فِيما
بَعْد بالإبادةِ الجَمَاعِيَّةِ ، والجرائمِ ضِد الإنسانيَّة ، وجَرائمِ الحَرْبِ
، مِنْ قِبَلِ المَحكمةِ الجِنائيَّة الدَّولية لِيُوغُسلافيا السابقة .
وراتكو ملاديتش مُجْرِم حَرْب
مُدان مِنْ صِرْبِ البُوسنةِ والهِرْسِك ، وعقيد قادَ جَيْشَ جُمهوريةِ صِرْبِ
البُوسنة خِلال حُروب يُوغُسلافيا . في عام 2017 ، أُدِينَ بارتكاب جرائم حرب ،
وجرائم ضِد الإنسانيَّة ، وجرائم إبادة جَمَاعِيَّة ، مِنْ قِبَلِ المَحكمةِ
الجِنائية الدَّوليةِ لِيُوغُسلافيا السابقة .
وَصَلَ المُجَاهِدُون العرب
إلى البُوسنةِ والهِرْسِكِ في النِّصْفِ الثاني مِنْ عام 1992 ، بهدفِ القتالِ
مِنْ أجْلِ الإسلام ، ومُساعدةِ إخوانِهم المُسْلِمين البُوسنيين على الدِّفاعِ
عَنْ أنفُسِهِم ضِد القُوَّاتِ الصِّرْبِيَّة والكُرواتيَّة .
عِندما اندلعت الحربُ في
البُوسنةِ والهِرْسِكِ بَعْدَ تَفَكُّكِ يُوغُسلافيا ، تَعَرَّضَ المُسْلِمُون
البُشناق لِمَجازر مُروِّعة، وعمليات تَطْهير عِرْقي ، على يَدِ القُوَّاتِ
الصِّرْبِيَّةِ والكُرواتيَّة .
انتشرتْ صُوَرُ المَجازرِ والاغتصاباتِ
في الإعلام ، فاستثارَ ذلك مَشاعرَ المُسْلِمين في العَالَمِ، خُصوصًا بَعْدَ أنْ
تَخَاذَلَ المُجتمعُ الدَّوْلي عَن التَّدَخُّلِ لِحِمايةِ المَدنيين . لذلك رأى
كثيرٌ مِنَ الشَّبَابِ المُسْلِمين أنَّ واجبَهم الدِّيني يَقْتضي نُصْرَةَ
إخوانِهِم في الدِّينِ ، فذهبوا إلى هُناك تَحْتَ شِعار" الجِهاد في سبيلِ اللَّهِ
دِفاعًا عَن المُسْلِمين " .
في تِلْك الفَترةِ ، كانتْ
حربُ أفغانستان ضِد السُّوفييت ( 1979 _ 1989 ) قَد انتهتْ ، وكانَ هُناك آلاف
المُقَاتِلِين العرب مِمَّنْ شاركوا فيها ، واكتسبوا خِبْرَةً قِتالية وتَنْظيمية
. بعضُ هَؤلاء انتقلَ إلى البُوسنةِ بدافعِ نُصْرَةِ المُسْلِمين ، ومُواصلةِ
الجِهاد ، بعد أفغانستان ، فصاروا يُعْرَفُون بِاسْمِ " المُجاهدين العرب في
البُوسنة " .
المُجتمعُ الدَّوليُّ ،
وخاصَّة الأُمَم المُتَّحدة ، فَرَضَ حَظْرًا عَلى السِّلاحِ ، شَمِلَ جَميعَ
أطرافِ النِّزَاعِ ، مَا جَعَلَ المُسْلِمين في البُوسنةِ عاجزين عَن الدِّفاعِ
عَنْ أنفُسِهِم . لذلك لَجَأ كثيرٌ مِنَ المُتعاطفين في العَالَمِ الإسلاميِّ إلى
إرسال مُساعدات ماليَّة وإنسانيَّة ومُقَاتِلين مُتَطَوِّعين .
بعضُ الأنظمةِ أو الحركاتِ
الإسلاميَّة رَأتْ في الحربِ فُرصةً لإبراز فِكرة " وَحْدَة الأُمَّةِ
الإسلاميَّة " ، أوْ لِتَقويةِ حُضورِها السِّياسي في العَالَمِ الإسلاميِّ ،
فَشَجَّعَتْ عَلى دَعْمِ البُوسنة .
حِينَ وَطِئَتْ أقدامُ
المُجاهدين العرب أرضَ البُوسنةِ ، كانَ الضَّبَابُ يَلُفُّ الجِبالَ ، كأنَّ
السَّماءَ تُحَاوِلُ إخفاءَ جِرَاحِ الأرضِ . جاؤوا بِنُورٍ يَشُقُّ العَتَمَةَ .
لَمْ يَحْمِلُوا مَتَاعًا كثيرًا ، بَلْ حَمَلُوا قُلوبًا امتلأتْ بِعَزْمٍ صادقٍ
، وَوُجُوهًا نُقِشَتْ عَلَيْهَا آثارُ السَّفَرِ الطويلِ ، والإيمانِ العميق .
جاؤوا مِنْ جِهَاتٍ شَتَّى، لا يَجْمَعُهُم نَسَبٌ، لكنَّهم الْتَقَوْا عِند نِداء
واحد ، نِداء المُسْتَضْعَفِين. كانت البُوسنةُ آنذاك تَنْزِفُ، تُنادي مِنْ
بَيْنِ الرُّكَامِ ، فاستجابوا لَهَا كأنَّ صَرْخَتها كانتْ تَصْدُرُ مِنْ أعماقِ أرواحِهِم.
في الطُّرُقِ المُوحِلَةِ ،
خَطَوْا خُطُواتِهم بثبات . وفي العُيونِ التي رَمَقَتْهُم كانَ الرَّجَاءُ
يَعُودُ . كُلُّ بَيْتٍ تَهَدَّمَ ، وكُلُّ أُمٍّ فَقَدَتْ أبناءَها ، وكُلُّ
فَتَاةٍ اغْتُصِبَتْ ، وكُلُّ رَجُلٍ قُتِلَ ، وكُلُّ شَابٍّ ضَاعَ مُسْتَقْبَلُه
، وكُلُّ طِفْلٍ ذُبِحَتْ أُمُّهُ أمَامَه ، رَأَوْا فِيهِم وَعْدًا بأنَّ الليلِ
لَنْ يَدُوم .
لَمْ يَكُونوا يَبْحثون عَن
نصرٍ يَرْفع أسماءَهم ، بَلْ عَنْ مَعْنى يُبَرِّر الحَياةَ نَفْسَها . كانوا
يَعْلَمُون أنَّ الطريقَ مَحفوفٌ بالمَوْتِ، لكنَّهم وَجَدُوا في احتمالِ المَوْتِ
حَياةً أكثرَ صِدْقًا .
في كُلِّ مَعركةٍ ، كانتْ
تَكبيراتُهم تَشُقُّ صَمْتَ الغاباتِ ، كأنَّها تُعِيدُ إلى الأرضِ تَوازنَها
بَعْدَ جُنونِ الدَّمِ.وَحِينَ سَقَطَ بَعْضُهم، لَمْ يَسْقُطوا إلا كَمَا
تَسْقُطُ الشُّمُوعُ، كَيْ تُضِيءَ الطريقَ لِمَنْ تَبَقَّى.
صارَ حُضُورُهُم في ذاكرةِ
البُوسنةِ لَيْسَ حِكايةَ حَرْبٍ فَحَسْب ، بَلْ فَصْلًا مِنْ فُصولِ الإيمانِ
الإنسانيِّ ، حِينَ يَنْهَضُ القلبُ مِنْ أقصى الأرضِ لِيَقُول : (( لَنْ نَتْرُكَ
المَظلومَ وحيدًا )) .
حِينَ اقتربوا مِنْ جِبالِ
البُوسنةِ ، كانَ الصَّباحُ يَتَهَجَّى أنفاسَهم الأُولَى ، والنَّدى يَلْمَعُ
عَلى البَنادقِ كَدَمْعَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ . لَمْ يَجيئوا غُزاةً ولا طُلَّابَ
مَجْدٍ عابرٍ ، بَلْ جاؤوا كَمَنْ يَسِيرُ نَحْوَ نِداء سَمِعَهُ القلبُ قَبْلَ
الأُذُنِ ، نِداء الأرواحِ التي اختنقتْ تَحْتَ رَمادِ الحرب .
الطُّرُقُ تَفْتَحُ لَهُم صَدْرَها رَغْمَ
الحِصَارِ ، والأشجارُ تَمِيلُ كأنَّها تَهْمِسُ : (( مَرْحَبًا بِمَنْ جاءَ
يَحْمِلُ وَجَعَنَا عَلى كَتِفَيْه )) . في عُيونِهم وَمِيضٌ غريبٌ ، وَخَلِيطٌ
مِنَ الحَنينِ والواجب ، كأنَّهم يَمْشُونَ عَلى خَيْطٍ مَشدود بَيْنَ الأرضِ
والسَّماءِ . وَعِندَما لامسوا تُرابَ القُرى المَحروقةِ ، رَكَعُوا لا
لِيَسْتريحوا ، بَلْ لِيَضُمُّوا الأرضَ كَأُمٍّ ضاعَ أبناؤُها . سَكَتَت
البَنادقُ لَحْظَةً ، كأنَّها أدركتْ أنَّ في حُضُورِهِم شيئًا مِنْ صَلاةٍ طويلة ،
صَلاةٍ تُرْفَعُ مِنْ بَيْنَ الرُّكَامِ إلى اللَّهِ وَحْدَه .
يَعْلَمُون أنَّ الطريقَ لا يَنْتهي إلا
بالمَوْتِ ، لكنَّهم لَمْ يَرَوْا في المَوْتِ سِوى بابٍ يُفْتَحُ عَلى الحَياةِ
الحقيقية . كانتْ تَكبيراتُهم تُمزِّق الضَّبَابَ ، وَتَصْعَد بَيْنَ الجِبالِ .
وَصَدى خُطُواتِهم نَشِيدٌ مِنْ طُهْرٍ ونارٍ : (( لَسْنَا نُحَارِبُ مِنْ أجْلِ
الحربِ ، بَلْ نَحْرُسُ بقايا الإنسانيَّةِ مِنَ السُّقُوطِ )) .
في كُلِّ فَجْرٍ جديد ، كانَ
بعضُهم يَغِيب . يَذُوب في التُّرابِ الذي أحَبَّه ، فِيما الباقون يَمْضُون
بأسمائهم التي لَمْ تُكْتَبْ ، وَبِنُورِهِم الذي لا يَنْطفئ . وهَكذا ، صارت
البُوسنةُ تَحْفَظُهُم في قَلْبِها ، لا كَجُنودٍ مَرُّوا ، بَلْ كَقَصيدةٍ مِنْ
دَمٍ وإيمان ، كَتَبَتْهَا السَّمَاءُ عَلى جَبينِ الأرضِ .
في النِّهايةِ ، حِينَ هَدَأتْ
أصواتُ البَنادقِ ، وَسَكَتَت الغاباتُ عَنْ رَجْعِ الصَّدى ، بَقِيَ أثَرُهُم
هُناك ، لا في كُتبِ التاريخِ ، بَلْ في العُيونِ التي رَأتْهُم ، في الجَداولِ
التي غَسَلَتْ دِمَاءَهُم ، في حِجارة القُرى التي تَذكُر مَلامحَهم إذا مَرَّتْ
عَلَيها الرِّيحُ .
لَمْ يَتركوا وَرَاءَهُم سِوى
رائحةِ التُّرابِ المَمزوجةِ بالحُبِّ ، وَصَدى تَكبيرٍ مَا زالَ يَتَرَدَّدُ في
لَيْلِ البُوسنةِ ، كأنَّه وَعْدٌ لَمْ يَنْتِهِ بَعْد . كانوا عابرينَ في
الجُغرافيا ، لكنَّهم مُقِيمون في المَعْنى ، في تِلْكَ المَسافةِ الدَّقيقةِ
بَيْنَ التَّضحيةِ والخُلودِ .
لَقَدْ رَحَلُوا ، نَعَم ،
لكنَّهم لَمْ يَغِيبوا ، لأنَّ مَنْ يُقَاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ ، لا يَمُوت
حِينَ يَسْقُط ، بَلْ يُولَد في كُلِّ قَلْبٍ يَسْتيقظ عَلى الإحساسِ بالعَدْلِ .
ظَلَّت البُوسنةُ تَذكُرُهُم كَمَا يَذكُر
العَطشانُ أوَّلَ قَطْرَةِ ماءٍ بَعْدَ طُولِ صَبْرٍ . تَذكُرُهُم لا كَظِلالٍ
مِنْ زَمَنٍ بعيدٍ ، بَلْ كَضَوْء لا يَزَال يَلْمَع فَوْقَ جِبالها،يَقُولُ
لِكُلِّ مَنْ يأتي بَعْدَهم : (( مَا دَامَ في الأرضِ ظُلْمٌ ، سَيَظَلُّ الإيمانُ
طريقًا نَحْوَ النُّورِ )) .
كانَ الغُروبُ آخِرَ مَا
رَأَوْهُ ، شمسًا حَمْراء تَغْسِلُ الأُفُقَ كأنَّها تَعِدُهم بلقاء قريب . في
تِلْكَ اللحظةِ ، سَكَنَ كُلُّ شَيْءٍ ، حَتَّى الرِّيح التي اعتادتْ أنْ تَصْرُخَ
بَيْنَ الأشجارِ بَدَتْ وكأنَّها تُصْغي . رَفَعَ أحَدُهُم نَظَرَه إلى السَّمَاءِ
، فابتسمَ ، لَمْ يَكُنْ يَرى الغَيْمَ ، بَلْ بابًا مِنْ نُورٍ يُفْتَحُ بِبُطْءٍ
.
تبادلوا نَظَرَاتٍ قصيرة ، لا
كَلامَ فيها ، لأنَّ اللغة تَضِيقُ حِينَ يَكُون القلبُ عَلى بُعْدِ نَفَسٍ مِنَ
الخُلودِ. ثُمَّ انطلَقوا بِخُطُواتٍ لا تَخَاف، كأنَّهُم يَسِيرون نَحْوَ وَطَنٍ
يَعْرفونه جَيِّدًا، وَلَمْ يَرَوْهُ مِنْ قَبْل.
وَحِينَ سَقَطُوا ، لَمْ
يَسْقُطوا كالأجسادِ التي تَفْقِدُ ثِقَلَهَا ، بَلْ كأوراقٍ تَعُود إلى جُذورها
خفيفةً مُطْمَئِنَّة.سالَ دَمُهُم على الثَّلْجِ، فأنبتَ دِفْئًا في قُلوبٍ بعيدةٍ
لا تَعْرِفُ أسماءَهم ، لكنَّها تَشعُرُ بِهِم كُلَّمَا نَطَقَتْ كَلِمَةَ الحَقِّ.
صارَ مَوْتُهُم حَيَاةً تَتَكَرَّرُ في كُلِّ رُوحٍ آمَنَتْ بأنَّ العَدْلَ لا
يُحْمَلُ بالسَّيْفِ وَحْدَه ، بَلْ بالنِّيَّةِ التي تُضِيءُ مَا حَوْلَها
كَفَجْرٍ لا يَغِيب .
68
في صَبَاحٍ مُلَبَّدٍ برائحةِ
البارودِ، صَبَاح يَوْمَ 6 نَيسان / أبريل 1992 ، شَنَّت القُوَّاتُ
الصِّرْبِيَّةُ مَدعومةً مِنَ الجَيْشِ اليُوغُسلافي حَمْلَةً عسكرية واسعة
للسَّيطرةِ على البُوسنةِ والهِرْسِك، وذلك معَ بَدْءِ حِصَار العاصمة سَراييفو.
قَصَفُوا المَدينةَ ومواقع أُخْرَى ذات أغلبيَّة بُوسنيَّة .
البُوسنةُ تَنْزِفُ . المُدُنُ التي كانتْ
تُصلِّي في صَمْتٍ للسَّلامِ ، صارتْ تَتَهَجَّى أسماءَها بالدَّمِ . هَا هُوَ
صَوْتُ الصِّرْبِ يَعْلُو في الأُفُقِ ، لا كَنِدَاءٍ للوطن ، بَلْ كعاصفةٍ مِنْ
نارٍ وَحَدِيدٍ ، تَحْمِلُ في طَيَّاتِهَا وَعْدًا بالخرابِ .
الأُمَّهَاتُ يَفْتَحْنَ نوافذَهُنَّ نَحْوَ
الفَراغِ، يَبْحَثْنَ عَنْ أولادٍ لَنْ يَعُودوا ، وَعَنْ سَمَاءٍ لَمْ تَعُدْ
تَعْرِفُ مَعْنى الطُّمَأنينة .
في سَراييفو ، اختلطتْ رائحةُ
الخُبْزِ المَحروقِ برائحةِ الجُثَثِ ، وَغَدَت المَسَاجِدُ المُدَمَّرَةُ
شَاهِدَةً عَلى إنسانٍ نَسِيَ إنسانيته .
لَمْ تَكُن الحربُ حَرْبَ أرضٍ
فَقَط ، بَلْ حَرْبَ هُوِيَّةٍ وذاكرةٍ . في كُلِّ بَيْتٍ مَهدومٍ قِصَّةُ حُبٍّ
لَمْ تَكْتَمِلْ . وفي كُلِّ نَهْرٍ مَرَّ بِلَوْنٍ داكنٍ صَرْخَةُ طِفْلٍ لَمْ
تُسْمَعْ . لكنْ رَغْمَ كُلِّ شَيْء ، ظَلَّت البُوسنةُ تَنْبِض ، وَتُخبِّئ
بَيْنَ جِبالِها بَذْرَةَ حَيَاةٍ عنيدةٍ ، وَتَقُول : (( قَدْ يُحْرِقُون
الجَسَدَ ، لكنَّهم لَنْ يُطْفِئوا الرُّوحَ )) . وهَكذا ، وَسَط صَمْتِ العَالَمِ
، كانت البُوسنةُ تَصْرُخ ، لا لِتَسْتَنْجِد ، بَلْ لِتَشْهَد أنَّ العُدوانَ
يَمُرُّ ، أمَّا الكرامةُ فَتَبْقَى .
البُوسنةُ الحزينة ، تِلْكَ
الأرضُ التي غَسَلَتْهَا الدُّموعُ قَبْلَ المَطَرِ ، واحتضنتْ بَيْنَ جِبالِها
صَدى الأذانِ المَمزوجِ بأنينِ الأُمَّهَاتِ، حِينَ شَنَّت القُوَّاتُ الصِّربيةُ
حَمْلَتَهَا العَاتِيَة ، لَمْ تَكُن الحربُ مُجرَّد صِرَاعٍ على أرضٍ أوْ حُدودٍ،
بَلْ كانتْ مُحَاوَلَةً لاغتيالِ رُوحٍ تَنْبِضُ بالإيمانِ والجَمَالِ .
القُرى تَحْترق ، لكنَّ الكرامة لا تَحْترق .
هَرَبَ الأطفالُ مِنْ لَهِيبِ المَدافع ، يَحْمِلُون في عُيونِهم أسئلةً أكبرَ
مِنْ أعمارِهم ، وَيَبْحثون عَنْ وَطَنٍ لا يُقْصَفُ بالظُّلْمِ . المَسَاجِدُ
تنهار ، لكنَّ صَوْتَ الأذانِ ظَلَّ يَعْلُو بَيْنَ الدُّخَانِ كطائرٍ يَرْفُضُ
السُّقوطَ .
وَرَغْمَ الألَمِ ، ظَلَّت
البُوسنةُ تُذكِّر العَالَمَ بأنَّ الدَّمْعَ لا يُغْرِقُ وطنًا مَا دَامَ فيه
مَنْ يُؤْمِنُ بالسَّلامِ ، وأنَّ الظلامَ مَهْمَا اشتدَّ، لا يَسْتطيع أنْ يُطفِئ
فَجْرًا وُلِدَ مِنَ الإيمانِ والدَّمْعِ . كُلُّ جُرْحٍ صارَ ذاكرةً، وكُلُّ
شَاهِدِ قَبْرٍ صارَ حِكايةً عَنْ صَبْرِ أُمَّةٍ لَمْ تَنْكَسِرْ .
يا بُوسنة النَّدى والجِرَاحِ
، يا زَهْرَةً نَبَتَتْ عَلى ضِفَافِ الدَّمِ ، وواجهت العاصفةَ بِوَجْهٍ مِنْ
نُورٍ وإيمان . حِينَ شَنَّت القُوَّاتُ الصِّرْبية حَمْلَتَهَا العَمْياء ، كانت
الأرضُ تَصْرُخُ بثلاث لُغَات ، وتَبْكي بِلُغَةٍ واحدة، اسْمُها الإنسان . تساقطت
المآذنُ كَدُموعِ السَّحَابِ ، وانطفأت نوافذُ البُيوتِ . في كُلِّ رُكْنٍ مِنْ
خَرائبِ المُدُنِ ، كانَ طِفْلٌ يَخُطُّ عَلى التُّرابِ اسْمَ وَطَنٍ لا يَمُوت .
النِّساءُ يُخْفِينَ الدَّمْعَ تَحْتَ الوِشَاحِ ، وَيَرْفَعْنَ الأكُفَّ إلى
السَّمَاءِ ، فالدُّعَاءُ أقوى الأسلحةِ وأطْهَرُها .
يا بُوسنة الحُلْمِ الجَريحِ ،
كَمْ مَرَّتْ عَلَيْكِ المَدافعُ والليلُ ، ومعَ ذلك ظَلِلْتِ تُنْبِتينَ الوَرْدَ
في المَقابر، وَتَنْقُشينَ عَلى حِجارةِ النَّهْرِ نَشِيدَ الصَّبْرِ والخُلودِ .
سَلامٌ عَلَيْكِ ، مَا بَقِيَتْ حِكاية تُرْوَى ، وَمَا بَقِيَ في قَلْبِ إنسانٍ
مَكَانٌ للنِّسْيَانِ. فأنتِ وَشْمُ الذاكرةِ ، وأنتِ النُّورُ الخارجُ مِنْ
رَحِمِ الدُّخَانِ.
نَصَبَت القُوَّاتُ
الصِّرْبيةُ مِدْفعيتها على الجِبالِ المُحيطةِ بِمَدينةِ سَراييفو ، وَشَرَعَتْ
في دَكِّهَا بوحشيةٍ دُون تَمْييز بَيْنَ المَدنيين والعَسْكريين ، فصارَ صَدى
القذائفِ يَرتَدُّ بَيْنَ السُّفُوحِ كأصواتِ غَضَبٍ لا يَهْدَأ . المَدينةُ في الأسفلِ
تَخْتنق تَحْتَ سَحَابَةٍ رَمَادِيَّة مِنَ الدُّخَانِ والخَوْفِ ، والناسُ
يَمْضُون في شوارعها على عَجَلٍ ، يَحْمِلُون مَا تَبَقَّى مِنْ حَياتهم في حقائب
صغيرة .
في الليلِ ، كانت الأضواءُ
المُنبعثة مِنَ النِّيرانِ تُلَوِّنُ السَّمَاءَ بِلَوْنٍ نُحَاسِيٍّ حزين ،
وكأنَّ الفَجْرَ نَفْسَه قَدْ تأخَّرَ عَنْ رُؤيةِ مَا يَجْري . ومعَ كُلِّ
انفجارٍ ، كانت النوافذُ تَرتجف ، والقُلوبُ مَعَهَا ، لكنَّ المَدينة ، رَغْمَ كُلِّ
شَيْء ، ظَلَّتْ تَنْبِضُ بإصرارٍ صامت، كأنَّها أقْسَمَتْ ألا تَركَع .
الأيَّامُ تَمُرُّ بِبُطْءٍ ثقيل ، حَتَّى صارَ
الزمنُ نَفْسُهُ يَبْدُو أسيرًا مِثْلَهُم . انقطعت الكهرباءُ ، وصارت الشُّموعُ
عُملةً نادرة ، تُشْعَلُ فَقَط في لَحَظَاتِ الوَداعِ ، أوْ عِندَ دَفْنِ
المَوْتَى لَيْلًا .
في الطوابقِ السُّفلية مِنَ
الأبنيةِ المُهَدَّمَةِ، اتَّخَذَ الناسُ مِنَ الأقبيةِ بُيُوتًا جديدة ،
جُدرانُها رَطْبَة باردة ، لكنَّها أكثرُ أمانًا مِنَ السَّماءِ المَفتوحةِ التي
تُمْطِرُ نارًا وَرَصَاصًا وقَذائف .
الأطفالُ لَمْ يَعُودوا
يَسْألون عَن المَدارس ، فَقَدْ تَعَلَّمُوا لُغَةَ الانفجاراتِ ، يُميِّزون
بَيْنَ صَوْتِ المِدْفَعِ والقَذيفةِ ، كَمَا يُميِّز الكِبَارُ بَيْنَ
نَغْمَتَيْن . تُخبِّئ الأُمَّهَاتُ خَوْفَهُنَّ خَلْفَ ابتساماتٍ مُتْعَبَة ، وَيَطْهُونَ
مَا تَبَقَّى مِنْ طَحِينٍ مَمزوج بالمَاءِ ، وَيُوَزِّعْنَهُ عَلى الصِّغَارِ
كأنَّه عِيد .
في المَسَاءِ ، حِينَ يَهْدأ
القَصْفُ قليلًا ، يَخْرُج البعضُ إلى الأزِقَّةِ المُظْلِمَةِ ، كَيْ يَبْحَثوا
عَنْ أخبارٍ أوْ رَغِيفٍ. يَعُودون غالبًا بصمتٍ طويل يَخْتصر كُلَّ شَيْء .
المَدينةُ تَئِنُّ ، لكنَّ أنينَها يَحْمِلُ في طَيَّاتِهِ رَجَاءً خَفِيًّا بأنْ
يَأتيَ الصَّباحُ مُخْتَلِفًا ، وَلَوْ مَرَّة واحدة .
وَجَدَ مُسْلِمُو البُوسنةِ
أنفُسَهم في مَوْقِفٍ دِفَاعيٍّ ضِدَّ الهَجَمَاتِ التي شَنَّتْهَا قُوَّاتُ
الصِّرْبِ المَدعومة مِنْ بعضِ الدُّوَلِ والجَمَاعَاتِ . وبسببِ نقصِ
الإمكانيَّاتِ العَسْكرية الرَّسْمِيَّة ، نَظَّمَ مُسْلِمُو البُوسنةِ مَجَاميع
مُسلَّحة مِنَ القَرَويين وأفرادِ المُجتمعِ المَدَني ، الذينَ كانوا يَحْمِلُون
بنادق صَيْد ، وأسلحة بسيطة ، في مُحاولة مِنْهُم لِصَدِّ العُدوانِ وحِمايةِ
مَناطقِهم .
كانتْ هَذه المَجَاميع
المُسلَّحة الشَّعْبِيَّة نُقْطَةَ بِدايةِ المُقاوَمة التي ساعدتْ في الحِفاظِ
عَلى بعضِ المَناطقِ مِنَ الاحتلالِ الصِّرْبيِّ . وَعلى الرَّغْمِ مِنْ تَسليحِهم
البسيطِ ، لَعِبُوا دَوْرًا مُهِمًّا في المُقاوَمة الشَّعْبية ، والدِّفاعِ عَن
المَدَنيين .
في قُرى البُوسنةِ الصغيرة ،
حَيْثُ تتناثر البُيوتُ عَلى تِلال خَضْراء ، وَيَعْبَق الهواءُ برائحةِ الأرضِ
الطَّيبة ، اجتمعَ الناسُ بِقُلوبٍ مُثْقَلَة وَهُمُومٍ ثقيلة . كانَ العُدوانُ
يُهدِّد أرضَهم وأحلامَهم ، والظلامُ يَلُوح في الأُفُقِ كَوِشَاحٍ قاتم . وَلَمْ
يَكُنْ أمامَ مُسْلِمي البُوسنةِ سِوى أنْ يَقِفُوا في وَجْهِ هَذا الخَطَرِ ،
بِكُلِّ مَا يَمْلِكُون مِنْ إيمانٍ وَعَزْمٍ .
بَدَأت المَجَاميعُ تَتَشَكَّل
. رِجَالٌ مِنَ القُرى القريبة ، وَصِبْيَة وَشُيوخ . جَميعُهم يَحْمِلُون في
أيديهم بنادقَ الصَّيْدِ القديمة ، تِلْكَ الأسلحة البسيطة التي وَرِثُوها عَنْ
آبائِهم . لَيْسَتْ مُدرَّعات حديثة ، ولا بَنادق آلِيَّة ، لكنَّها كانتْ
بالنِّسْبَةِ لَهُم رَمْزًا للصُّمودِ والأملِ .
تَجَمَّعُوا على الهِضَابِ ،
بَيْنَ الأشجارِ وأغصانِ الزَّهْرِ ، يَنْسِجُون مَعًا قِصَّةَ مُقاوَمة تبدأ
ببساطةِ الأسلحة ، وَتَنْتهي بِعَظَمَةِ الإرادة . أصواتُ البَنادقِ تَتَرَدَّد في
الصَّمْتِ ، ولكنَّها أبْلَغُ مِنْ كُلِّ الكَلِمَاتِ . تَرْوي حِكايةَ شَعْبٍ لا
يَرضى أنْ تُسْرَقَ مِنْهُ حُرِّيته وأرضُه ، حِكاية مُناضِلين لَمْ تَعْرِفْهُم
الكُتُبُ ، وَلَمْ تَرْسُمْ وُجوهَهم سِوى الرِّيحِ والغُيومِ ، لكنَّهم كانوا
أبطالَ قِصَّتهم الخاصَّة ، أبطال البُوسنة الذينَ وَقَفُوا ، رَغْمَ بَساطةِ
تَسليحِهم ، في وَجْهِ العاصفة .
مَا انقَضَت الأيامُ العَشْرَة
الأُولَى مِنْ نَيسان / أبريل 1992 ، حَتَّى دَخَلَت القُوَّاتُ الصِّرْبية
مَدينةَ زفورنيك الإستراتيجيَّة ، في شَمَالِ شَرْقِ البُوسنةِ والهِرْسِك ، عَلى
الضَّفَّةِ اليُسْرى مِنْ نَهْرِ دِرينا ، عازلةً بذلك سربرنيتسا عَنْ توزلا (
الحاضرة الثانية الأهم في الجَيْبِ المُسْلِمِ ) .
شَنَّت القُوَّاتُ الصِّرْبية هُجومًا واسعًا
على زفورنيك مُستخدمةً الدَّبَّاباتِ والمِدْفَعِيَّة ، مَا أدَّى إلى سُقوطِ
المَدينةِ بِسُرعة . وَعِندَما دَخَلَت القُوَّاتُ الصِّرْبية ، طَرَدَت السُّكَّانَ
المُسْلِمين مِنَ المَدينة ، وارتكبت انتهاكاتٍ جسيمة ، شَمِلَتْ عمليَّات قَتْلٍ
جَمَاعِيٍّ ، واعتقالات ، وتعذيب ، وَدَمَّرَت المَسَاجِدَ في المَدينةِ ومَا
حَوْلَهَا .
نَيْسَان قَدْ أزهرَ عَلى ضِفَافِ نَهْرِ دِرينا
، والماءُ يَعْكِسُ زُرقةَ السَّماءِ مِثْلَ وَعْدٍ بالهُدوءِ . كانتْ زفورنيك
تَسْتيقظ عَلى أصواتِ المَآذِنِ ، والبَاعَةِ ، ورائحةِ الخُبْزِ الصاعد مِنْ
أفرانِ الحَيِّ القديمِ . لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّ الهُدوء يُمْكِنُ أنْ
يُكْسَرَ بهذه السُّرعة ، وأنَّ المَدينة الصغيرة سَتُكْتَبُ في التاريخِ بِدُموعٍ
لا تَجِفُّ .
في الثامنِ مِنْ نَيسان /
أبريل ، بدأ كُلُّ شَيْءٍ يَتَغَيَّر . مِنْ جِهة الشَّرْق ، خَلْفَ نَهْرِ دِرينا
، سُمِعَ دَوِيٌّ ثقيل يُشْبِهُ صَريرَ بابٍ يُفْتَحُ عَلى الجَحِيم . لَمْ تَكُن
الأمطارُ هِيَ التي تَهْطُل ، بَلْ قذائف تَنْهمر عَلى البُيوتِ التي كانتْ مُنْذُ
ساعاتٍ فَقَط تَضِجُّ بِحَياةٍ عاديَّة .
رأى الناسُ الدَّبَّاباتِ
الصِّرْبية تَعْبُر الجُسورَ ، وأصواتُ المَآذنِ تَذُوبُ في الصَّمْتِ الحَديديِّ
. البُيوتُ اشتعلتْ . والنوافذُ التي كانتْ تُطِلُّ عَلى الحُقولِ ، صارتْ تَنْظُر
إلى الفَضَاءِ المُلتهِب . هَرَبَت العائلاتُ إلى الغاباتِ المُحيطةِ ، يَحْمِلُون
أطفالَهم وأسماءَهم ، كأنَّ الاسْمَ هُوَ آخِرُ مَا يُمْكِنُ أنْ يَنْجُوَ بِهِ
الإنسانُ .
في الأزِقَّةِ، تَحَوَّلَت
المَدينةُ إلى صَدى. الرِّجالُ يُفْقَدُون واحدًا تِلْوَ الآخَر ، والنِّساءُ
يَبْحَثْنَ عَنْ وُجوهٍ مألوفة بَيْنَ الرُّكَامِ. صارتْ زفورنيك، التي كانتْ
مَدينةً مِنْ حَجَرٍ وَمَاء، مَدينةً مِنْ رَمَادٍ وَغِيَابٍ.
في الليلِ، كانَ نَهْرُ دِرينا
يَجْري بصمتٍ غريب، كأنَّه سَمِعَ كُلَّ شَيْء ، لكنَّه لا يَسْتطيع الكلامَ.
النُّجُومُ فَوْقَه تُومِضُ بِخُفُوتٍ ، كأنَّها تَشْهَد ، ولا تَسْتطيع أنْ
تَشْهَد ، في الوَقْتِ نَفْسِه .
مَرَّت الأيَّامُ ،
وَتَوَقَّفَت الحربُ في مَكانٍ مَا ، لكنَّ زفورنيك لَمْ تَتَوَقَّفْ . في كُلِّ
حَجَرٍ فِيها حِكايةٌ ، وفي كُلِّ نَسْمَةٍ تَمُرُّ عَلى نَهْرِهَا رائحةُ الذينَ
رَحَلُوا .
كانتْ أمينة تَسْتيقظ كُلَّ
يَوْمٍ قَبْلَ الفَجْرِ بقليل . تَغْسِلُ وَجْهَها بماء بارد مِنَ الإبريقِ
المَعْدِنيِّ ، وتَفْتَح النافذةَ نَحْوَ نَهْرِ دِرينا . تَقُول دائمًا إنَّ
النَّهْرَ يُشْبِهُ وَجْهَ أبيها ، صامت ، لكنَّه يَحْمِلُ في العُمْقِ كلامًا
كثيرًا .
في ذلك الصَّباح ، لَمْ يَكُنْ
هُناك شَيْء غريب ، حَتَّى الطُّيور غَرَّدَتْ كَمَا تَفْعَل دائمًا . والرِّيحُ
حَمَلَتْ رَائحةَ الخُبْزِ مِنْ فُرْنِ الحَيِّ . لكنَّ نَصْرَت ، زَوْجَها ، لَمْ
يَبْدُ مُطمئنًّا . جَلَسَ إلى المائدةِ ، وَلَمْ يَأكُلْ . الراديو يَبُثُّ
أخبارًا مُتَقَطِّعَةً عَنْ تَوَتُّرٍ في المُدُنِ المُجاورة ، وَعَنْ حُشود
عَسْكرية صِرْبية عَلى الحُدود .
قالتْ أمينة ، وَهِيَ تَضَع
الشَّايَ أمامَه :
_ نَصْرَت ، زفورنيك بعيدة عَن
الحربِ ، نَحْنُ في أمان .
ابتسمَ بِهُدوء لا يُطَمْئِن
أحَدًا ، وقال :
_ الحربُ لا تَمْشي عَلى
قَدَمَيْن يا أمينة ، تأتي بالدُّخَانِ أوَّلًا ، ثُمَّ بالنار .
لَمْ تَمُر ساعة حَتَّى بَدَأ
الدُّخَانُ يَلُوحُ مِنْ جِهَةِ الجِسْرِ . ارتجفت الأرضُ تَحْتَ وَقْعِ القذائفِ
. المَدينةُ تُصْفَعُ عَلى وَجْهِها فَجْأةً . هُرِعَ الأطفالُ إلى حِضْنِ
أُمِّهِم ، وَتَرَدَّدَ صَوْتُ النِّداءِ في الحَيِّ : (( إنَّهُم يَعْبُرُون
النَّهْرَ، احْمُوا الأطفالَ )) .
خَرَجَ نَصْرَت إلى الشارعِ ،
مُحَاوِلًا فَهْمَ مَا يَحْدُث . رأى دَبَّاباتٍ تَتَقَدَّمُ بِبُطْءٍ ، كأنَّها
لا تَعْرِفُ الخَوْفَ . خَلْفَها رِجالٌ بِزِيٍّ عَسكري غريب ، بَعْضُهُم يَضْحَك
، وَبَعْضُهُم يُطْلِقُ النارَ في الهواء .
تَرَاجَعَ إلى البَيْتِ ،
وَهُوَ يَلْهَث ، وقالَ لأمينة :
_ عَلَيْنَا أنْ نَرْحَلَ الآن
، قَبْلَ أنْ يُغْلِقُوا الطُّرُقَ .
جَمَعَت أمينة بعضَ الثِّيابِ
، وَوَضَعَت القُرآنَ الكريمَ في حقيبتها . قَبْلَ أنْ يُغادروا ، التفتتْ نَحْوَ
النافذةِ التي تُطِلُّ عَلى نَهْرِ دِرينا ، النَّهْرِ الذي كانَ شاهدًا صامتًا ،
وَهَمَسَتْ كأنَّها تُودِّعه الوَدَاعَ الأخيرَ : (( احْرُس المَدينةَ يا دِرينا ،
نَحْنُ راحلون )) . خَرَجَت العائلةُ الصغيرة مِنْ بَيْتِها ، وَهِيَ تَسْمَع
خَلْفَها أصواتَ الانفجاراتِ تَتَعَالى، وَصَوْتُ المَدينةِ يَخْتنق بَيْنَ
الدُّخَانِ والرَّصَاصِ . لَمْ يَكُنْ أحدٌ يَعْلَم أنَّ زفورنيك لَنْ تَعُودَ كما
كانتْ أبدًا .
الجِبالُ صامتة ، تُراقِبُ المَارِّين فِها
بِحَذَرٍ قديم . سارتْ أمينة خَلْفَ نَصْرَت ، تُمْسِكُ بِيَدِ طِفْلِها الصَّغير
أمير ، بَيْنَما كانتْ ابنتها عائشة تَجُرُّ حقيبةً خفيفة ، فِيها بعضُ الخُبْزِ
اليابسِ ، وقارورة ماء نِصْف مُمْتلئة .
الرِّيحُ باردةٌ تُمزِّق
جَسَدَ نَيسان . مِنْ بَعيدٍ ، مَا زالَ صَوْتُ المَدَافِعِ يَتَرَدَّد مِثْلَ
صَدى مَدينةٍ تُحْتَضَر ، ولا تُريدُ أنْ تَمُوت بصمتٍ .
تَوَقَّفَ نَصْرَت فَجْأةً ،
وأصْغَى . كانَ هُناك بُكاء خافت بَيْنَ الأشجارِ . اقتربَ بِحَذَرٍ ، لِيَجِدَ
امرأةً عَجُوزًا تَجْلِسُ على الأرض ، تَحْمِلُ في حِضْنِها صُورةَ رَجُلٍ
مُغَطَّاة بالغُبار . نظرتْ إلَيْهِم ، وقالتْ بصوتٍ مَبْحُوح : (( القريةُ احترقتْ
، لَمْ يَبْقَ أحد )) . لَمْ يَعْرِفُوا مَا يَقُولون . أعطاها نَصْرَت شَرْبَةَ
مَاء ، ثُمَّ تابعوا السَّيْرَ .
الطريقُ نَحْوَ الغابةِ
مُمتلئٌ بالناسِ . وُجوهٌ شاحبة . أطفالٌ يَصْرُخون . رِجَالٌ يَجُرُّون أقدامَهم
بصمتٍ . لا أحد يَسأل أحدًا مِنْ أيْنَ جاءَ ، أوْ إلى أيْنَ يَذهَب . في الحربِ ،
تَقْتُلُ الأسئلةُ أكثرَ مِنَ الرَّصاصِ .
في المَسَاءِ ، جَلَسُوا
عِنْدَ سَفْحِ الجَبَلِ . أشعلَ نَصْرَت نارًا صغيرة ، وَوَضَعَ فَوْقَها قِطعةَ
خُبْزٍ يابس لِيُدَفِّئَهَا . قالتْ أمينة بِصَوْتٍ مَكسور :
_ هَلْ سَنَعُود يا نَصْرَت ؟ .
نَظَرَ إلَيها طويلًا ، كأنَّه
يُحَاوِل أنْ يَجِدَ جَوَابًا في عَيْنَيْها، ثُمَّ قال :
_ العَوْدَةُ لَيْسَتْ إلى
المَكانِ ، يا أمينة ، العَوْدَةُ أنْ يَنْجُوَ القلبُ .
نامَ الأطفالُ قريبًا مِنَ
النارِ. الغابةُ تَمتلئ بأصواتٍ غريبة : حفيف أوراق ، وأنين بعيد ، وَرُبَّمَا
صَدى خُطُوات لا تُرى .
في الظلامِ ، شَعَرَتْ أمينة
بِشَيْء مِنَ السَّلامِ رَغْمَ الخَوْفِ . قالتْ في سِرِّها : (( رُبَّمَا
سَيَحْمِلُنا الغَدُ إلى حَياةٍ أُخْرَى ، أوْ إلى نِهايةٍ كريمة )) .
مَعَ الفَجْرِ ، كانَ
الدُّخَانُ يَرتفع مِنْ جِهة زفورنيك ، لكنَّ الضَّوْءَ الأوَّل للشمسِ بَدَا
كأنَّه يَعِدُ الأرضَ بالرَّحمة ، وَلَوْ بَعْدَ حِين .
مَرَّتْ ثلاثة أيَّام في
الجِبال ، كأنَّها ثلاثة فُصول مِنْ عُمْرٍ آخَر . أمينة تَمْشِي وَقَدْ التصقَ
التُّرابُ بِثَوْبِها ، والألَمُ بوجهها. أمَّا نَصْرَت ، فَقَدْ صارَ صامتًا
تمامًا ، يَخْشَى أنْ يُوقِظَ الخَوْفَ بالكلامِ . كُلَّمَا سَمِعُوا صَوْتَ
رَصَاصٍ بعيدٍ ضَمَّ أمير رَأسَه إلى صَدْرِ أُمِّه ، فَتُغَنِّي لَهُ هَمْسًا
لِتُغَطِّي عَلى الرُّعْبِ بِصَوْتِها .
في اليَوْمِ الرابع، ظَهَرَتْ
أمامَهم قَريةٌ صغيرة عِندَ حَافَةِ الغابة. أكواخُها مُتواضعة ، لكنَّ الدُّخَانَ
الصاعد مِنْ مَداخنِها، بَدَا كأنَّه عَلَمٌ أبيض مِنْ حَياةٍ لَمْ تُهْزَمْ
بَعْد. استقبلهم رَجُلٌ نحيلٌ بِوَجْهٍ طَيِّب، قالَ إنَّه يُدعَى عبد اللَّه ،
وإنَّهُم آمِنُون هُنا لبعضِ الوقت .
دَخَلُوا كُوخًا خشبيًّا
دافئًا . جَلَسُوا قُرْبَ المَوْقِد. الأطفالُ يُحدِّقون في النارِ بِدَهشةٍ ، كما
لَوْ كانتْ وعدًا جديدًا .
قالَ عبدُ اللَّه بهدوء :
_ كثيرون مَرُّوا مِنْ هُنا ،
لا نَعْرِفُ مَنْ عادَ ، لكنَّنا نَحفظ أسماءَهم في الدُّعاء .
تبادلَ نَصْرَت مَعَهُ نَظرةً
طويلة ، نَظرة رِجَالٍ يَعْرِفُون أنَّ النَّجَاةَ لَيْسَتْ حَيَاةً ، وإنَّما
هِيَ " تأجيل المَوْتِ مِنْ أجْلِ مَنْ يُحِبُّون " .
في تِلْك الليلة عِندما نامَ
الأطفالُ، جَلَسَتْ أمينة عِند البابِ، تَنظُر إلى السَّماءِ المُلبَّدة بالغُيوم.
قالتْ لِنَصْرَت بصوتٍ خافت :
_ أتعرفُ ؟ ، إنَّ اللَّهَ
لَمْ يَتْرُكْنا ، رُبَّمَا هُوَ يَخْتبر قُلوبَنا ، هَلْ ما زالتْ قادرةً على
الحُبِّ بعد كُلِّ هَذا ؟ .
ابتسمَ نَصْرَت ، وَرَبَّتَ
عَلى كَتِفِهَا، وقالَ :
_ طَالَمَا أنتِ هُنا ،
فَثَمَّة ضَوْء ، حتى لَو احترقَ كُلُّ شَيْء .
في الصَّباحِ ، خَرَجَتْ أمينة
إلى النَّهْرِ الصغير الذي يَجْري قُرْبَ القَريةِ . غَسَلَتْ وَجْهَها بمائه
الباردِ ، وَنَظَرَتْ في انعكاسِها . لَمْ تَرَ امرأةً خائفةً ، بَلْ أُمًّا
نَجَتْ مِنَ النارِ لِتَرْوي الحِكايةَ . وَرَأتْ في البَعِيدِ الشَّمْسَ تَخْرُج
مِنْ خَلْفِ الجَبَلِ ، حَمْرَاء أوَّل الأمر ، ثُمَّ ذهبية ، تُشْبِهُ ابتسامةً
تُبْنَى مِنَ الرَّمَادِ . وفي قلبِ أمينة ، وفي ذاكرةِ زفورنيك، لَمْ تَنْتَهِ
القِصَّةُ بَعْد ، فَثَمَّة دائمًا مَنْ يَحْمِلُ النُّورَ ، حَتَّى في أكثر
الأماكنِ ظُلْمَةً . والأملُ هُوَ الشَّرارةُ التي تُضِيءُ العَتَمَةَ حِينَ
يَخْذُلُنا الطريقُ ، والإرادةُ هِيَ اليَدُ التي تَرْفَعُنا كُلَّمَا سَقَطَتْ
أرواحُنا. ولا مَفَرَّ مِنَ التَّمَسُّكِ بالحُلْمِ ، وَلَوْ بَدَا بعيدًا
ومُسْتحيلًا، فَكَمْ مِنْ نَجْمٍ وُلِدَ مِنْ رَحِمِ لَيْلٍ لا يُرى آخِرُه .
69
كَثيرٌ مِنَ المَدَنيين
الصِّرْبِ في البُوسنةِ ، خُصوصًا في المَناطقِ الرِّيفيَّةِ والمُخْتَلِطَةِ
عِرْقِيًّا ، انْضَمُّوا طَوْعًا أوْ أُجْبِرُوا على الالتحاقِ بالميليشياتِ
المَحَلِّية ، بسببِ الدِّعَايةِ القَوْمِيَّةِ ، حَيْثُ صَوَّرَ الإعلامُ
الصِّرْبيُّ الصِّراعَ كَحَرْبِ وُجودٍ ضِدَّ المُسْلِمين ، أوْ بدافعِ الانتقامِ
مِنَ المُسْلِمين بسببِ عُقَد تاريخيَّة مُتَعَلِّقَة بالدَّولةِ العُثمانية ، أوْ
تَحْتَ الضَّغْطِ الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ ، إذْ إنَّ هُناك قادة مَحَلِّيين
أَجْبَرُوا الرِّجالَ على حَمْلِ السِّلاحِ ، أوْ بدافعِ الطَّمَعِ وَجَمْعِ
الغَنائمِ ، وَنَهْبِ بُيُوتِ المُسْلِمين وَسَرِقَةِ مُمْتلكاتهم أثناءَ الحَرْبِ
.
في زَمَنٍ تهاوتْ فيه القِيَمُ
كما تتهاوى الجُدرانُ تَحْتَ القَصْفِ ، خَرَجَ مِنْ الأزِقَّةِ رِجَالٌ بِوُجوهٍ
مُتْعَبَةٍ ، لا يَحْمِلُون شَرَفَ الجُندية ، بَلْ جُوعَ الحِقْدِ . كانوا مِنْ
عامَّةِ الناسِ ، مِنْ أُولئكَ الذينَ كانَ جَيرانُهم المُسْلِمُون يَبْتسمون
لَهُم بالأمْسِ ، وَيُشاركونهم رغيفَ الخُبْزِ وأُغْنِيَاتِ المَسَاءِ . لكنَّ
النارَ حِينَ تشتعل في القلبِ تُطفِئ الذاكرةَ .
تَسَلَّحُوا لا بإيمانٍ أوْ
قَضِيَّةٍ ، بَلْ برغبة عارمة في النَّهْبِ ، في اقتسامِ الخَرابِ كما تُقْتَسَم
الغَنِيمة . تساقطت البُيوتُ التي كانتْ يَوْمًا تَزْهُو برائحةِ القَهوةِ
وَصَوْتِ المَطر ، وصارتْ أكوامًا مِنَ الذِّكْرياتِ المَكسورةِ . يَجُوبون
الشوارع كأشباح مأجورة . يَفْتحون الأبوابَ التي لَمْ تُغْلَقْ يَوْمًا في وَجْهِ
أحَدٍ ، وَيَسْرِقُون مَا تَبَقَّى مِنْ دِفْءٍ في العُيونِ الذابلة .
لَمْ تَكُن الحربُ وَحْدَها
التي دَمَّرَت المَدينةَ ، بَل الجَارُ الصِّرْبي الذي خَلَعَ إنسانيته ، كَمَا
يَخْلَع مِعْطَفًا قديمًا ، وانضمَّ إلى ميليشيا الطاعونِ ، كَيْ يَجِدَ مَعْنى
زائفًا للقُوَّةِ . كَمْ هُوَ ثقيلٌ أنْ تَرى الطُّفولةَ تَفِرُّ مِنَ البُيوتِ ،
والضَّحِك يَتَحَوَّل إلى ذِكرى مُحرَّمة .
وَمَعَ ذلك ، بَقِيَتْ في
الرُّكَامِ وَرْدَةٌ لَمْ تُسْحَقْ ، تَشْهَد أنَّ الأرضَ تَعْرِفُ أصحابَها ،
وأنَّ الحِقْدَ لا يُخلَّد ، مَهْمَا طالَ الليلُ ، وَمَهْمَا عَلا صُراخُ
النَّهْبِ فَوْقَ صَمْتِ الفَراشاتِ المُحترقة .
في مَسَاءٍ تَكَسَّرَ فيه
الضَّوْءُ على نوافذِ المَدينةِ ، خَرَجَتْ مِنَ البُيوتِ ظِلالٌ تُشْبِهُ
البَشَرَ . لَمْ تَكُنْ حَرْبًا فَقَط ، بَلْ أيضًا انكسار ضَوْءٍ في قُلوبٍ ضاقتْ
بالرَّحمةِ .
المَدَنِيُّون الصِّرْبُ
الذينَ كانوا بالأمْسِ يُلوِّحون لجيرانِهم المُسْلِمين عَبْرَ الأسوارِ ،
حَمَلُوا البنادقَ اليَوْمَ ، كأنَّهُم يُريدون أنْ يُطْفئوا مَا تَبَقَّى مِنْ
مَلامحِهم القديمة .
تَقَدَّمُوا نَحْوَ البُيُوتِ
التي تُناديهم بالأسماءِ ، فَنَهَبُوا الأبوابَ قَبْلَ أنْ يَنْهَبُوا الذهبَ ،
وَسَرَقُوا الذِّكرياتِ المُعلَّقة على الجُدران ، كَمَا يُسْرَق الدِّفْءُ مِنْ
صَدْرِ الشِّتاءِ .
تَخْتبئ النِّساءُ خَلْفَ
الدُّعاءِ، وصَوْتُ الأذانِ يَرتجف في المَآذِنِ التي لَمْ يَبْقَ حَوْلَها إلا
الرَّماد . أيُّ لَيْلٍ هَذا الذي يَجْعَل الجَارَ عَدُوًّا ، وَيَجْعَل الحِقْدَ خُبْزًا
يُقْتَات مِنْه ؟ . يَسِيرون بَيْنَ الرُّكامِ بِوُجوهٍ بِلا مَلامِح ، كأنَّهُم
خَرَجُوا مِنْ رَحِمِ العَدَمِ ، يَبْحَثُون عَنْ شَيْءٍ يُبَرِّر هَذا السُّقوطَ
مِنْ إنسانٍ إلى ظِلٍّ .
في آخِرِ الزُّقَاقِ ، كانتْ
شَجَرَةُ تُوتٍ تَقِفُ كَأُمٍّ ثَكْلَى ، تَرفع أغصانَها نَحْوَ السَّماءِ،
وَتَقُول بصمتٍ حزين : (( إنَّهُم سَيَذهبون ، وَسَتَعُود الطُّيورُ إلى أعشاشِها
، لكنَّ رائحة الخِيانة أطْوَلُ عُمْرًا مِنَ الدُّخَانِ )) .
70
في سَفْحِ الجَبَلِ ، كانتْ
مَدينةٌ تُدْعَى " النُّور " . لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الحربَ ، ولا
تُغْلِق أبوابَها في وَجْهِ أحَدٍ . الناسُ هُناك يُشْبِهون الغَيْمَ . يَعْبُرون
فَوْقَ بَعْضِهم دُون أنْ يَجْرَحُوا الهواء .
لكنْ ذات فَجْرٍ غامض ،
تَسَلَّلَ إلى المَدينةِ ضَبَابٌ غريب ، حَمَلَ مَعَهُ أصواتًا تُشْبِه الأناشيدَ
القديمة ، وأَعْيُنًا لا تَرى سِوى مَا في أيدي الآخَرين . مِنْ ذلك الضَّبَابِ
خَرَجَ الوُحُوشُ . كانوا مَدَنيين مِنَ الصِّرْبِ مِثْلَ سِواهم ، لكنَّ شيئًا في
أعماقِهم تَبَدَّلَ . نَبَتَتْ في صُدورِهم رَغبةٌ تُشْبِهُ الجُوعَ ، لا
تُشْبِعُها إلا النار .
انْضَمُّوا إلى الميليشيات
كَمَا يَنْضَمُّ الحطبُ إلى اللهيب . صاروا يَطْرُقُون أبوابَ جِيرانِهم
المُسْلِمين لا للزِّيارة ، بَلْ للسَّرِقَة . يَجْمَعُون الأثاثَ كَمَا لَوْ
أنَّه مَجْدٌ مَفْقود ، وَيَنْتزعون الصُّوَرَ العائلية مِنَ الجُدران ، كَمَنْ
يَنتقم مِنَ الذاكرةِ نَفْسِها . لَمْ يَكُنْ في المَدينةِ مَنْ يُقَاتِلُهُم سِوى
الصَّمْتِ . كُلُّ مَا تَبَقَّى مِنَ الأذانِ كانَ رَجْعَ صَوْتِهِ عَلى حِجارةِ
المَآذِنِ المُهَدَّمة ، وكُلُّ مَا تَبَقَّى مِنَ الرَّحمةِ كانَ طَيْفَ امرأةٍ
تُغطِّي طِفْلَها بِثَوْبٍ مَثقوبٍ بالرَّمَادِ .
في المَسَاءِ ، حِينَ هَدَأ
الدُّخَانُ ، ظَهَرَتْ عَلى أطرافِ المَدينةِ شَجَرَةُ زَيتون وحيدة . كانتْ
جُذورُها في التُّرابِ ذَاتِه الذي دُنِّسَتْ عَلَيْهِ الخُطَى . لكنَّها بَقِيَتْ
شامخةً . مَرَّ بِهَا أَحَدُ الناهبين الصِّرْبِ . رَفَعَ فَأسَه لِيَقْطعها ،
لكنَّ الضَّوْءَ انكسرَ في عَيْنَيْه ، وَرَأى انعكاسَه فِيها ، فارتجفَ .
مُنْذُ ذلك اليَوْمِ ، يَقُول
مَنْ مَرُّوا بِتِلْكَ الأرضِ إنَّ المَدينةَ لَمْ تَمُتْ ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى
مِرْآةٍ مِنْ رَمَادٍ ، كُلُّ مَنْ يَنْهَبُ فِيها يَرى وَجْهَه مُجَرَّدًا مِنَ
الظِّلالِ . وَجْهُهُ سَاكِنٌ كَجِدَارٍ بارد ، لا ضَوْءٌ يَعْترف بِه ، ولا
مَطَرٌ يَزُورُه . الذَّنْبُ انطبعَ عَلى مَلامحِه الحَجَرِيَّة ، حَتَّى صارَ
البُرُودُ شكلًا مِنَ النَّدَمِ المُسْتَتِر .
71
انكسرَ الضَّوْءُ في حَرْبِ
الظِّلالِ . استيقظتْ مَدينةُ الهَلَعِ عَلى لَوْنٍ غريب في السَّماء ، لَوْن لا
يُشْبِهُ الفَجْرَ ولا المَسَاءَ . النَّهارُ نَسِيَ نَفْسَه في مُنْتَصَفِ
العَدَمِ . في ذلك الجُرْحِ النازفِ ، بَدَأت الوُجوهُ تَنْسَلِخُ عَنْ أرواحِها .
المُجْرِمُون الصِّرْبُ يَسِيرون في الطُّرُقَاتِ بِوُجوهٍ تُشْبِهُهُم ، لكنَّها
لا تَعْرفهم . يَفْتحون الأبوابَ كأنَّهُم يَدْخُلون غابةً مِنْ زُجَاجٍ ،
يَنْهَبون الأشياءَ لا لأنَّهُم يُريدونها، بَلْ لأنَّ الفراغَ في صُدورِهم
يَطْلُب دَليلًا على أنَّه مَوْجود .
المَدينةُ نَفْسُها بَدَتْ
كَكَائنٍ ضَخْمٍ يُراقِب بصمتٍ ، تَتساقط مِنْها النوافذُ كَدُموعٍ مُتَحَجِّرة .
في وَسَطِها ، وَقَفَ بَيْتٌ واحدٌ لَمْ يُمَس ، لأنَّ بابَه كانَ مَفتوحًا عَلى
مِصْرَاعَيْه ، كأنَّه يَقُول : (( خُذوا ، إنْ كُنتم تَبْحثون عَنْ أنفُسِكم فِي
مَا تَسْرِقُون )) . لكنَّهم مَرُّوا بِهِ خائفين .
في الليلِ ، لَمْ تُسْمَعْ
أصواتٌ ، فَقَط صَدى بعيد لِخُطُواتٍ تَمْشي داخلَ الفَراغِ. وفي الصَّباحِ ،
حِينَ انقشعَ الضَّوْءُ الغريبُ ، اكتشفَ الناسُ أنَّ المدينة فَقَدَتْ مَلامحَها
. لَمْ تَعُدْ تُعْرَفْ بالشوارعِ ولا بالأسماءِ ، بَلْ برائحةٍ خفيفة مِنَ
البارودِ ، تُشْبِهُ ذاكرةَ طِفْلٍ نَسِيَ وَجْهَ أُمِّه . وَمُنْذُ ذلك اليَوْمِ
، كُلُّ مَنْ يَمُرُّ بِتِلْكَ الأرضِ يَرى ظِلَّهُ يَسِيرُ قَبْلَه بِخُطْوة ،
كَمَا لَوْ أنَّ الأرواحَ لَمْ تَعُدْ تَثِقُ بأجسادِها .
72
مَدينةٌ في أقْصَى الوَهْمِ ،
استيقظتْ ذات صَبَاحٍ بِلا أصوات . الطُّيورُ تُحلِّق على ارتفاعٍ مُنخفض ، تَخَاف
أنْ تُضَيِّعَ الطريقَ . والبُيوتُ واقفة كَمَا هِيَ ، لكنَّها بَدَتْ مُتْعَبَةً
، تُخْفي شيئًا لَمْ تُفْصِحْ عَنْهُ الجُدرانُ بَعْد .
في ذلك الصَّمْتِ ، خَرَجَ
الناسُ إلى الشوارع . لَمْ يَكُنْ في وُجوهِهم غَضَبٌ ولا دَهْشَة ، فَقَط خَوَاء
بارد ، يُشْبِهُ صَفحةَ مَاءٍ نُزِعَتْ مِنها السَّمكةُ الأخيرة . شيئًا فشيئًا
بَدَأ الغُزاةُ الصِّرْبُ يَنظُرون إلى بُيوتِ جِيرانِهم المُسْلِمين بطريقةٍ
مُختلفة ، نَظْرَةً لَمْ يَعْرفوها مِنْ قَبْل ، فِيها جُوعٌ لا يُشْبَعُ ،
وَخَوْفٌ يُشْبِهُ الرَّغبةَ . ثُمَّ حَدَثَ مَا لَمْ يُسَمُّوه حربًا ، لكنَّه
كانَ شيئًا يُشْبهها .
اقتحمَ اللصوصُ الصِّرْبُ
بُيوتَ المُسْلِمين . يَجْمَعُون مَا يَجِدُونه . يَقْتلعون الأبوابَ . يُكدِّسون
المَرَايا والأكوابَ والوَسائدَ القديمةَ في الساحات . يَنْهَبُون الأشياءَ كَمَا
لَوْ أنَّها ذُنُوبٌ يَجِبُ اقتلاعُها مِنَ الذاكرة . اجْتَمَعُوا في وَسَطِ
المَدينةِ حَوْلَ أكوامِ المَسْروقاتِ ، يَنْتظرون أنْ يَشْعُروا بالامتلاءِ ،
لكنَّ العُيونَ بَقِيَتْ خَاوِيَةً . لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ لماذا فَعَلُوا مَا
فَعَلُوا . قالَ شَيْخٌ يَجْلِسُ عَلى العَتَبَةِ : (( حِينَ يَهْرُبُ النُّورُ
مِنَ القُلوبِ تبدأ الأشياءُ في سَرِقَةِ أصحابِها )) .
في اليَوْمِ التالي ، اختفت
المَدينةُ . لَمْ تَشْتَعِلْ ، وَلَمْ تُدَمَّرْ . بَلْ تَلاشتْ بِبُطْءٍ ، كَما
يَتلاشى الحُلْمُ حِينَ يُحَاوِلُ أحَدٌ تَذَكُّرَه بِقُوَّةٍ . بَقِيَ مَكانَها
فَرَاغٌ يُشْبِهُ السُّكُونَ ، وعَلى أطرافِه شَجرةٌ صغيرة لَمْ تَذْبُلْ .
يَقُولُ العابرون اليَوْمَ إنَّهُم يَسْمعون مِنْ تَحْتِ تُرابِها هَمْسًا خافتًا
يُشْبِهُ الاعتذارَ ، ولكنْ لا أحد يَعْرِفُ مَن الذي يَعْتَذِر ، ولا عَنْ مَاذا
يَعْتذر .
73
الليلُ في البُوسنةِ ثقيلٌ ، والأُفُقُ
خَجِلٌ مِمَّا يَجْري تَحْتَه . تَتَسَلَّل أنفاسُ الخَوْفِ بَيْنَ الأزِقَّةِ
التي كانتْ بالأمسِ تَمْتلأ بِصَوْتِ المُؤذِّنِ ، فإذا بِها اليَوْمَ صَامتة إلا
مِنْ وَقْعِ أقدامٍ غريبة تُنْذِر بالخرابِ. والإنسانُ حِينَ يَنْسَى مَا يُضِيئُه
، يَبْدَأ في سَرِقَةِ ظِلِّه .
اقتحمَ الصِّرْبُ القُرى
المُسْلِمَة كريحٍ مَسمومةٍ تَحْمِلُ الحِقْدَ والدَّمَارَ. فَتَحُوا الأبوابَ
المُخلَّعة، وَسَرَقُوا مَا خَفَّ ومَا ثَقُلَ مِنْ بُيوتِ المُسْلِمين التي كانتْ
عامرةً بالطُّمَأنينة . الأواني المُعلَّقة ، والصُّوَر القديمة على الجُدران ،
كُلُّهَا لَمْ تَسْلَمْ مِنْ أيديهم. لَمْ يَكُن النَّهْبُ عِندَهم بحثًا عَنْ
مَالٍ ، بَلْ رَغبة في مَحْوِ الذاكرة،في سَحْقِ مَا يَدُلُّ عَلى أنَّ هذه الأرض
قَدْ عاشتْ يَوْمًا بالرَّحمةِ والإيمانِ.
تَرى النِّسَاءُ أثاثَ بُيوتهن
يُرْمَى في الشوارع ، والمَوَاقِد تُطْفَأ بأعقابِ السَّجائر ، والسَّتائر البَيْضَاء
تُدَاس بالأحذيةِ العَسكرية، والأطفال يَخْتبئون خَلْفَ جُدران مُهشَّمة ،
وقُلوبهم تَرتجف كُلَّمَا سَمِعُوا صُرخةً ، أوْ كَسْرَ زُجَاجٍ .
في الصَّباحِ ، بَعْدَ زَوَالِ
لَيْلِ الوَحشيَّةِ ، بَقِيَت البُيُوتُ عَارِيَةً مِنْ كُلِّ شَيْء إلا مِنْ
رائحةِ الدُّخَانِ وَدُمُوعِ أصحابِها . المَكَانُ والزَّمَانُ يَبْكِيَان ، وَالجُدرانُ
تَحْفَظُ في صَمْتِها أنينَ مَنْ سُلِبُوا دِفْءَ أعمارِهم . كانَ ذلك النَّهْبُ
الذي قامَ بِهِ الغُزَاةُ الصِّرْبُ أكثرَ مِنْ سَرِقَةٍ ، كانَ طَعْنَةً في
الذاكرة ، وَعُدوانًا عَلى الحَنِين ، وإعلانًا بأنَّ الشَّرَّ حِينَ يَلْبَسُ
وَجْهًا بَشَرِيًّا ، لا يَتْرُك وَرَاءَه سِوَى الرَّمَادِ والغِيَابِ .
74
كانت الليلةُ أثقلَ مِنْ أنْ
تُحْتَمَلَ. سَمَاءُ البُوسنةِ تقترب مِنْ جُلودِ الضَّحَايا ، كأنَّها تَشْهَد
جَريمةً تَعْرِفُ أنَّها سَتَبْقَى نَدْبَةً في وَجْهِ التاريخِ . الرِّيحُ
تَهُبُّ عَلى القَريةِ الصَّغيرةِ المُحَاصَرَةِ بَيْنَ التِّلالِ ، فَتُبَعْثِر
رَمَادَ المَواقدِ التي خَمَدَتْ مُنْذُ أيَّام ، بَعْدَمَا ذَهَبَ أغلبُ
الرِّجالِ إلى جَبَهَاتِ القِتَالِ ، وَبَقِيَت النِّسَاءُ والأطفالُ يَحْرُسُون
مَا تَبَقَّى مِنْ دِفْءِ البُيُوتِ ، وَيَحْرُسُون الوطنَ بِصَبْرٍ لا يُرى ، وَحُزْنٍ
يَصْنَعُ الحَياةَ مِنْ غِيَابِهم .
في بَيْتٍ صغير على أطرافِ
القَرية ، جَلَسَتْ فاطمة قُرْبَ النافذةِ المَكسورة ، تَحْتَضِن طِفْلَها
الصَّغيرَ آدم ، وتَنتظر . مُنْذُ أُسْبُوعَيْن وَهِيَ تَسْمَع الأحاديثَ الهامسة
عَن اقترابِ الغُزَاةِ الصِّرْبِ ، عَن القُرى التي نُهِبَتْ ، والنِّسَاءِ
اللواتي هَرَبْنَ في الظلام . لَمْ تَكُنْ تُصدِّق أنَّ الشَّر يُمْكِن أنْ يَصِلَ
إلى بَيْتِها ، حَتَّى رَأتْهُ يَقْترب عَلى هَيئة أضواء تَتحرَّك في الوادي ،
تَصْعَد شيئًا فشيئًا نَحْوَها .
حِينَ دَخلوا ، لَمْ يَكُنْ
هُناك صُراخ . فَقَط ضَجيج الأحذيةِ العَسكرية وَهِيَ تقتحم الأرضَ الطاهرة،وَصَوْتُ
الخَشَبِ يَتَشَقَّق تَحْتَ الرَّكْلِ.انتَزَعُوا الأبوابَ كما يَنْتزعون الأملَ
مِنْ قلبٍ ضعيف، وراحوا يُفَتِّشُون في الزَّوايا ، ويَنْهَبُون ، ويَضْحكون ،
ويَتَحَدَّثُون بِلُغتهم الغليظةِ وكأنَّهُم في نُزْهَة .
رَأتْ فاطمة بِأُمِّ
عَيْنَيْهَا كَيْفَ انتزعَ أحدُهم مُصْحَفًا مِنْ فَوْقِ الرَّفِّ . نَظَرَ إلَيْه
بازدراء ، ثُمَّ ألقاه أرضًا . صَرَخَتْ دُون وَعْي ، فَصَفَعَهَا آخَر حَتَّى
سَقَطَتْ أرضًا ، وارتطمَ رأسُها بالبابِ. طِفْلُها بكى ، فابتسمَ الجُندي . التقطَ
كَأسًا زُجاجيَّة مِنَ الطاولة ، وَرَمَاهَا نَحْوَ الحائطِ .
كانَ كُلُّ شَيْء ينهار
بِسُرعة : الصُّوَر القديمة على الجُدران . السَّجَّادة التي صَلَّى عَلَيها
والدُها الراحل . عُلبة الحُلِيِّ الصغيرة التي كانتْ إرثًا مِنْ أُمِّها . كُلُّها
تَبَعْثَرَتْ في لَحظةٍ واحدة ، وكأنَّ الزمن قَرَّرَ أن يَسْرق عُمْرَها دَفعةً
واحدة .
بعد ساعاتٍ طويلة مِن
الصُّراخِ والنَّهْبِ ، انسَحَبوا كما جاؤوا ، تاركين وراءهم صمتًا أثقلَ مِنَ
الرَّصاص . خرجتْ فاطمة إلى باحةِ البَيْت . الليلُ انكسرَ ، والفجرُ يُطِلُّ على
قريةٍ تَحَوَّلَتْ إلى أطلال . الجُدرانُ عَارِيَة ، والنوافذُ مفتوحة على فراغٍ
بارد ، والأرضُ مُغَطَّاة بِبَقَايا الزُّجَاجِ والخَوْفِ .
جَثَتْ عَلى رُكْبَتَيْهَا ،
وَضَمَّتْ طِفْلَها ، وَهَمَسَتْ بِصَوْتٍ مُرتجف : (( لَنْ يأخذوا رُوحَنا كما
أخذوا بَيْتَنا ، سَيَبْقَى شَيْءٌ فِينا ، لا يَقْدِرُون عَلى سَرِقَتِه )) ،
ثُمَّ رفعتْ رأسَها . وراء الدُّخَانِ الذي يُغطِّي القريةَ ، لَمَحَتْ أوَّلَ
شُعاعٍ للشمسِ ، شاحبًا ، لكنَّه مَوجود ، كأنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُذكِّرها أنَّ
الفجر يأتي دائمًا ، حتى بعد أكثر الليالي ظُلْمَةً .
كانَ الصَّبَاحُ رماديًّا
كوجهِ الأرضِ بعد الحريق . لَمْ يَعُدْ في القرية صَوْتٌ للحياة ، فَقَط نُباح
كَلْبٍ تائه ، وصفير الرِّيح وَهِيَ تَعْزِفُ على النوافذِ المكسورة لَحْنًا مِنَ
الوَحْشَة .
خرجتْ فاطمة وَهِيَ تَحْمِلُ
طِفْلَها آدم على صَدْرِها، وَغَطَّتْ رأسَها بِوِشَاحٍ أسْوَد مُغْبَر . لَمْ
تلتفتْ وراءها . تَعْرِفُ أنَّ النظر إلى البَيْتِ المُحترِق سَيَكْسِر مَا
تَبَقَّى مِنْ قُدرتها عَلى السَّيْر.
الطريقُ إلى المَدينةِ البعيدةِ
مَحْفُوفٌ بالخطر،لكنَّ البقاء صارَ مَوْتًا مُحَقَّقًا. على أطرافِ الغابة ،
التقتْ بامرأةٍ عَجُوز تُدْعَى كَرِيمة ، تَسِيرُ مُتَّكِئَةً عَلى عَصا،
وَتَجُرُّ حقيبةً صغيرة فيها بعض الخُبْز اليابس ، وصُورة ابنها المَفقود . لَمْ
تَتَحَدَّثا كثيرًا ، فالكَلِمَاتُ صارتْ عِبْئًا في زمنٍ يُقَاس فيه الأمل
بِقَدْرِ مَا تَبَقَّى مِنْ خُطُوات آمِنَة .
سَارَتا معًا في صمتٍ طويل ،
تَتْبَعَان أثرَ اللاجئين الذينَ عَبَرُوا قَبْلَ يَوْمَيْن . الثُّلوجُ تَبْتلع
الطريقَ شيئًا فشيئًا ، والرِّيحُ تَصْفَع الوُجوهَ حتى لا تَترك فِيها سِوى
لَوْنِ الرَّماد .
حِينَ مالت الشمسُ إلى
المَغِيب ، جلسوا قُرْبَ أطلالِ مَزرعةٍ مهجورة . أشعَلُوا نارًا صغيرة، بالكادِ
تَبْعَث الدِّفْءَ، لكنَّ شُعْلتها الضعيفة أعادتْ إلى فاطمة صُورةَ بَيْتِها
القديم . تَذَكَّرَتْ كَيْفَ كانتْ تَضَعُ في كُلِّ مَساءٍ صَحْنَ حَسَاءٍ أمامَ
زَوْجِها العائد مِنَ الحُقولِ ، وكَيْفَ كانَ آدم يَضْحَك حِينَ يُسرِّح والدُه
شَعْرَه بأصابعِه المُتْعَبَةِ. الآن ، كُلُّ شَيْءٍ صارَ ذِكرى بعيدة تَلْسَعُ
القلبَ .
قالتْ كَرِيمة بِصَوْتٍ خافتٍ
وَهِيَ تُحدِّق في النار :
_ حِينَ يَحترق البَيْتُ ، لا
تَمُوت الجُدران ، بَلْ تَموت الأرواحُ التي تَسْكُنها .
لَمْ تَرُد فاطمة . كانتْ تُحدِّق
في عَيْنَي طِفْلِها النائم ، وَتُفَكِّر . هَلْ سَيَكْبَرُ لِيَتذكر هَذا الخرابَ
أَمْ سَيَبْقَى في ذاكرته فقط دِفْء صَدرها حِينَ كانتْ تُهَدْهِدُه وَسَطَ هَذا
الجحيمِ ؟ .
في اليَوْمِ التالي ، استيقظوا
على دَوِيِّ انفجارٍ بعيد . ارتجفت الأرضُ تحت أقدامهم ، وارتفعَ الدُّخَانُ مِن
جِهة القرية . همستْ فاطمة : (( لقد عادوا لِيُكْمِلُوا مَا لَمْ يَنْتَهُوا مِنْه
)) . شَدَّتْ كَرِيمة على يدها ، وقالتْ : (( الآن عَلَينا أنْ نَنْجو ، لا أنْ
نَحْزَن )) .
انطلقتا تَمْشيان نَحْوَ
المجهول ، تَخْترقان الغابةَ التي صارتْ مَأوى الخائفين. كانتْ كُلُّ شجرةٍ فيها
شاهدةً عَلى نُزوحٍ جديد ، وكُلُّ طَريقٍ يَنْتَهي إلى قَريةٍ مُدمَّرة ، أوْ
حُدودٍ لا تُفْتَح إلا للمَوْتِ . لكنْ رَغْمَ كُلِّ ذلك ، في عَيْنَي فاطمة
بَقِيَ بَصِيصُ ضَوْء . تُؤْمِن أنَّ الطريق مَهما طالَ ، لا بُدَّ أنْ يَصِلَ إلى
مَكانٍ فيه بابٌ لا يُكْسَر، وَسَقْفٌ لا يَحْترق ، وأذانٌ يُرفَع مِن جديد .
بعد ثلاثة أيَّام مِنَ
السَّيْرِ عَبْرَ الغاباتِ والطُّرُقِ المُوحِلة ، وَصَلَتْ فاطمة ورفيقتها
كَرِيمة إلى سَهْلٍ واسع تَحَوَّلَ إلى مُخيَّم مِنَ الخِيَامِ البَيْضاءِ
المُهترئة . الرِّيحُ تَعْبَثُ بالأقمشةِ المُمَزَّقة ، وَصَوْتُ الأطفالِ
الجائعين يَخْتلط بِبُكاءِ النِّساءِ،وَنِداءاتُ الجُنود الذين يُوزِّعون الطعامَ
بِحَذَرٍ وَمَلَلٍ.
تَوَقَّفَتْ فاطمة طويلًا قَبْلَ أنْ تَدْخُل .
لَمْ يَكُن المكان يُشْبِه مَلْجَأ ، بَلْ مَقبرة مُؤقَّتة للأحلامِ . لكنَّها مَضَتْ،
لا خِيَار آخَر أمامَها. استقبلتهما امرأة شابة تُدعَى حَلِيمة مِنْ قريةٍ مُجاورة
. تَحْمِلُ دفترًا صغيرًا تُدوِّن فيه أسماء الوافدين الجُدُد. وَجْهُها شَاحِب ،
لكنَّ عَيْنَيْهَا تُخَزِّنَان شيئًا مِنَ الصَّبْرِ الجميل، ذلك الصبر الذي لا
يُتقنه إلا مَنْ ذاقَ الخَسارةَ مِرَارًا .
أعطتهما بَطَّانِيَّتَيْن ،
وقليلًا مِن الخُبز الجاف ، وأشارتْ إلى خَيمةٍ في الصَّف الأخيرِ . قالتْ
بِنَبْرَةٍ هادئة : (( هُنا يُمْكِن أنْ تناما الليلة ، غدًا نبحث عن مَكانٍ أفضل
، إنْ وَجَدْنا )) .
جلستْ فاطمة على الأرض
المُبتلَّة . وضعتْ طِفْلَها آدم في حِضْنِها ، وَغَطَّتْهُ بالبَطَّانِيَّة .
كانتْ كَرِيمة إلى جِوارها تَهْمِسُ بالأدعيةِ القديمة،تُردِّدها كأنَّها تُحاول
أنْ تُبْقي الذاكرةَ حَيَّةً بَيْنَ الخَرابِ.
في المساءِ، اجتمعَ الناسُ
حَوْلَ مَوْقِدٍ صغير . بَدَؤُوا يتحدثون . كُلٌّ مِنهُم يَحْمِلُ قِصَّةً
تُشْبِهُ الأُخْرَى : بَيْتٌ احترقَ . قريبٌ قُتِلَ . طريقٌ طويل نَحْوَ المجهول .
لكنْ رَغْمَ تَكرار المَأساةِ ، كانَ في أحاديثِهم نَوْعٌ مِن التَّمَسُّكِ
بالحياةِ ، تِلْك الحياة التي تَتَشَبَّت ببقايا الرَّماد ، لِتُثْبت أنَّها لَمْ
تَمُتْ بَعْد .
تَقَدَّمَتْ فتاةٌ صغيرة ، لا
تتجاوز العاشرة ، تَحْمل بَيْنَ يَدَيْها دُمْيَةً قُماشيَّةً بِلا ذِرَاعَيْن .
جَلَسَتْ إلى جانبِ فاطمة ، وقالتْ لَهَا :
_ أبي قالَ لِي إنَّ اللَّهَ
يَرَانا ، فَهَلْ سَيَرَانا هُنا أيضًا ؟ .
تَجَمَّدَتْ فاطمة لِلَحْظة ،
ثُمَّ ابتسمتْ بِمَرَارةٍ ، وقالتْ :
_ نَعَم يا صغيرتي ، اللَّهُ
يَرى كُلَّ شَيْءٍ ، ولا يَنسى أحدًا ، حتى الذينَ تاهوا في البَرْدِ .
في تِلْك الليلة ، حِينَ
خَمَدَت النِّيران ، وسكنت الأصواتُ ، رفعتْ فاطمة بَصَرَها إلى السَّماءِ
المُلبَّدة بالدُّخَانِ ، وهمستْ : (( يا رَب ، لا أطلبُ بَيْتًا جديدًا ، فَقَط
مَأوى لقلبٍ لَمْ يَتَعَلَّم الكَرَاهِيَةَ )). تَعْرِفُ أنَّ الحرب لَمْ تَنْتَهِ
بَعْد ، وأنَّ الغد قَدْ يَحْمِل وجهًا آخَر للفقد . لكنَّها أيضًا بدأتْ تشعر
أنَّ في هذا المكان ، بَيْنَ الخِيَامِ المُمَزَّقة ، تَنْبُت بُذور صغيرة مِنَ
الأملِ ، كأنَّ اللَّهَ يُخبِّئ الحياةَ في أضعفِ الأماكن .
مَرَّتْ أسابيع في المُخيَّم
كأنَّها أعوام. تَعَوَّدَتْ فاطمة على روتين الصباح المُوحِش: صَف طويل أمام
خَزَّان الماء ، تَوزيع قليل مِن الخُبز ، ثُمَّ ساعات انتظار لا تَنْتهي . لكنْ
في عَيْنَيْها بدأتْ ملامح جديدة تُولَد ، مَزِيج مِن الإرهاقِ والإصرار . تَحُسُّ
أنَّ الصبر وَحْدَه لَمْ يَعُدْ كافيًا ، وأنَّ عَلَيها أنْ تُمْسِكَ بِزِمَامِ
الحياةِ مِن جديد ، وَلَوْ بِيَدٍ واحدةٍ تَرتجف .
بدأتْ تُساعد حَلِيمة في تنظيم
النِّساءِ في الخِيَام ، تُعلِّم الأطفالَ الحُروفَ بأغصانٍ عَلى التُّرابِ ،
وتُشارك في إعداد الطعام لِمَنْ لا يَسْتطيعون المَشْي .
في البِداية كانتْ تَفْعَل ذلك
لِتُنْسِي نَفْسَها الألَمَ ، ثُمَّ صارتْ تَفْعله لأنَّها وَجَدَتْ فِيه مَعنى
وُجودِها الجديد : أنْ تَبْقَى للآخَرين ، حِينَ يَغِيبُ الجميع .
ذَاتَ مَساءٍ مُمْطِر ،
بَيْنما كانتْ تُفْرِز الأغطيةَ القديمة ، سَمِعَتْ صَوْتًا يُناديها مِنْ آخِرِ
الصَّف: (( فاطمة ؟ ، فاطمة بِنْت الحاج عُمَر ؟ )) .
تَجَمَّدَتْ . كانَ الصَّوْتُ
مألوفًا ، لكنَّه قادمٌ مِن زمنٍ بعيد ، مِنْ بَيْتٍ دُفِنَ تَحْتَ الرُّكَامِ . التفتتْ
بِبُطْء ، فَرَأتْ رَجُلًا نَحِيفًا ، لِحْيَتُهُ تُغطِّي نِصْفَ وَجْهِه ،
ومَلامِحُهُ أنهكتها الحربُ . احتاجتْ ثَوَانِيَ لِتُدْرِكَ أنَّ هذا الوَجْه ، رَغْمَ
مَا غَيَّرَه الزمن،هُوَ وَجْهُ سَلِيم ، زَوْجُها الذي ظنَّتْ أنَّه قُتِلَ في
الهُجومِ الأول . تَقَدَّمَا نَحْوَ بَعْضِهما بِخُطُواتٍ مُترددة ، كأنَّهما
يَخْشَيان أنْ تَكُونَ الرُّؤيةُ وَهْمًا . ثُمَّ حِينَ اقتربا ، بَكَتْ دُون
صَوْتٍ ، وانهارَ هُوَ عَلى رُكْبَتَيْه ، يَضُمُّها وطِفْلَهما بَيْنَ ذِرَاعَيْه
. لَمْ يَقُلْ أحدُهما شيئًا ، لأنَّ الكَلِمَات هَرَبَتْ مِنَ الفَقْدِ الطويل ،
ولأنَّ الصَّمْتَ كانَ أصدقَ مِنْ أيِّ نُطْقٍ .
تَجَمَّعَ الناسُ حَوْلَهم .
بعضُهم صَفَّقَ ، وبعضُهم بَكَى . أمَّا حَلِيمة فابتسمتْ قائلةً : (( حَتَّى
الحرب لا تَقْدِرُ على تفريقِ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُم اللقاء )) .
في تِلْكَ الليلةِ،جَلَسَ
سَلِيم يَرْوي كَيْفَ نَجَا مِنَ الأسْرِ،وكَيْفَ سارَ أيَّامًا في الجِبَالِ
بحثًا عَنْهُم. قال وَهُوَ يَنظُر إلى النار : (( ظَنَنْتُ أنَّني فَقَدْتُ كُلَّ
شَيْء ، حتى رَأيْتُكِ ، فَعَرَفْتُ أنَّ الرماد يُمكِن أنْ يُنْبِتَ حَيَاةً )) .
ابتسمتْ فاطمة بصمت ، وَشَدَّتْ على يده . لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذ شُهور ، أحَسَّتْ
أنَّ الدِّفْءَ لَيْسَ في النار ، بَلْ في الحُضور .
في الصباحِ التالي ، حِينَ
أشرقت الشمسُ على المُخيَّم ، بَدَت الخِيَامُ أكثرَ بَيَاضًا ، والهواءُ أقَلَّ
حُزْنًا . الناسُ الذينَ كانوا وُجوهًا مِنَ التعبِ ، صاروا يَتبادلون
التَّحِيَّةَ .
كانتْ فاطمة تَمُرُّ
بابتسامتها الهادئة ، تَحْمِل آدم على كَتِفها ، وَسَلِيم إلى جِوارها . كأنَّ
القَدَرَ أرادَ أنْ يَهْمِسَ لَهُم : (( حتى بعد الخراب ، يُمكِن للقلبِ أنْ
يَعْثُرَ على طريقٍ نَحْوَ الضَّوْءِ )) .
انقضتْ شُهورٌ طويلة بعد
اللقاء ، ومعها خفتتْ أصواتُ المَدافعِ في البُوسنةِ شيئًا فشيئًا . قِيلَ إنَّ
الحربَ انتهتْ ، وإنَّ القُرى يُمكِن أنْ تَعُود إلى أصحابِها ، لكنَّ أحَدًا لَمْ
يَعُدْ كما كان . الوُجوهُ تَغَيَّرَتْ ، والقلوبُ تَبَدَّلَتْ ، وحتى الريح صارتْ
تَعْرِف طريقَها إلى الأحزانِ قَبْلَ البُيوتِ .
قَرَّرَتْ فاطمة وسَلِيم أنْ
يَعُودا إلى قَرْيتهما ، تِلْكَ التي تَرَكَاهَا رمادًا . كانَ القرارُ يُشْبِهُ
العَودةَ إلى قَبْرٍ مَفتوح ، لكنَّه أيضًا يُشْبِهُ إصرارَ الزَّهْرِ عَلى
الخُروجِ مِنْ بَيْنِ الحِجارةِ . جَمَعَا أمتعتهما القليلة ، وَوَدَّعَا
المُخَيَّمَ الذي صارَ لَهُم بَيْتًا مُؤقَّتًا ، وَمَشَيَا معَ قافلةٍ مِنَ
العائدين . الطريقُ نَفْسُه ، لكنَّ الخُطُواتِ مُختلفةٌ ، وَأقَلُّ خَوْفًا ،
وأكثرُ وَعْيًا بِثِقَلِ الذاكرة . حِينَ وَصَلَت القافلةُ إلى أطرافِ القَريةِ ،
تَوَقَّفَتْ فاطمة . لَمْ يَبْقَ مِن البُيوتِ سِوى أطلالٍ وَسُقوفٍ مُنطفئة .
المَسْجِدُ بِلا مِئذنة ، والمِئذنة بِلا أذان. ومعَ ذلك، حِينَ وَطِئَتْ
قَدَمَاهَا التُّرابَ ، أحَسَّتْ أنَّ الأرض تَهْمِسُ باسمها ، كما لَوْ كانتْ
تَفْرَح بِعَوْدتها . دخلتْ بَيْتَها القديمَ ، أوْ مَا تَبَقَّى مِنْه .
الجُدرانُ نِصْفُ مُحترقة، والسَّقْفُ مَثقوب، لكنَّ في الزاوية بقايا قِطعة مِنَ
السَّجَّادِ، عَلَيْهَا أثرُ سُجودٍ قديم. جَلستْ عِندها . وضعتْ آدم إلى جِوارها
، وقالتْ بصوتٍ خافت : (( سَنَبدأ مِنْ هُنا )) .
بدأ سَلِيم بإصلاح البابِ
الخشبيِّ المائل ، بَيْنَما راحتْ فاطمة تُنظِّف المَكَانَ . لَمْ يَكُنْ مَا
يَفْعلانه بِنَاءً للحِجارةِ بِقَدْرِ مَا كانَ بِنَاءً للمَعْنى في عَالَمٍ
يَنْتحر . كُلُّ مِسْمَارٍ يُدَقُّ في الجِدارِ كانَ إعلانًا صغيرًا عَن الحياة ،
وكُلُّ ابتسامةٍ بَينهما كانتْ مَطَرًا مِنْ نَوْعٍ آخَر .
حِينَ خَفَتَ ضَوْءُ الشمس ،
وبدأت الطُّيورُ تَعُود إلى أعشاشِها ، خرجتْ فاطمة إلى الحديقة الصغيرة خَلْفَ
البَيْتِ. زرعتْ حَفْنَةً مِنَ البُذورِ كانتْ تُخبِّئها في ثَوْبِها مُنذ
المُخيَّم، وقالتْ :
_ هذه مِنْ أرضٍ بعيدة ، مِنْ
تُرابٍ لَمْ يُدَنِّسْهُ الحِقْدُ ، سَتَنْبُتُ هُنا يَوْمًا مَا .
وقفَ سَلِيم إلى جِوارها ،
ووضعَ يَدَه على كَتِفها قائلًا :
_ حِينَ تَنْبُت ، سَيَكُون
هَذا المَكانُ لَنا مِنْ جَديد .
ابتسمتْ وَهِيَ تُحدِّق في
الأُفُقِ ، حَيْثُ انسكبَ الضَّوْءُ الأخيرُ للشمسِ على الأنقاضِ . أحَسَّتْ أنَّ
الغُروب هذه المَرَّة لَيْسَ نِهَايةً ، بَلْ بِداية مُختلفة ، بِداية لزمنٍ
يَعْرِفُ الألَمَ ، لكنَّه لا يَخَافُه .
في تِلْكَ اللحظة ، مَرَّ
مُؤذِّنُ القَريةِ العَجُوز بَيْنَ الرُّكَامِ . رَفَعَ صَوْتَه بأذانٍ مَبحوح ،
لكنَّه واضح. ارتجفَ قلبُ فاطمة ، وانهمرتْ دُمُوعُها ، لأنَّها أدركتْ أنَّ
الأذانَ لا يُرفَع فَقَط للصَّلاةِ ، بَلْ أيضًا لِعَودةِ الأرواحِ إلى الحياة .
وَقَدْ أيقنتْ أنَّ الخَراب يَزُول ، والذاكرة تَبقى ، لكنْ مِنْ رَحِمِ الذاكرةِ
يُولَدُ الأملُ مِنْ جَديد ، كما يُولَد الضَّوْءُ مِنْ قلبِ الرماد .
75
انضَمَّ الشُّبَّانُ الصِّرْبُ
إلى الميليشيات المُجْرِمَة في قلبِ البُوسنةِ أثناءَ الحرب، بدافعِ الخَوْفِ، أو
الفَقْرِ ، أو الضَّغْطِ الاجتماعيِّ ، أو الطَّمَعِ ، أوْ كُل هذه الأشياء جميعها
. وَقَد اشتركوا في أعمالِ عُنْفٍ، وَنَهْبِ مُمتلكاتِ الجِيرانِ المُسْلِمين .
في مَكَانٍ مَنْسِيٍّ على
نَهْرٍ تَقُوم القَريةُ القديمة. هُناك بَيْتَان مُتقابِلان : بَيْت لعائلة كوفاتش،
وَبَيْت لعائلةِ حَسَّاني . كُلَّ صَباحٍ ، كانَ الجِيرانُ يَتبادلون التَّحِيَّةَ
عِندَ السِّياجِ القديم . مَالِكَا البَيْتَيْن عَمِلا معًا في السُّوقِ
المَحَلِّية ، تبادلا الكلامَ عَنْ مَحصولِ القمح ، وَعَنْ أولادٍ يَلْعَبون
الكُرَةَ في الحقل. لَمْ تَكُن السِّياسةُ في حياتهما مِحْوَرًا ، بَلْ كانت
الأرضُ والمَوَاشي وتأمين الخُبْز .
معَ سُقوطِ المُدُنِ الكبيرةِ
، وَصَلَ الخَوْفُ إلى القَريةِ في شَكْلِ شائعاتٍ وَصُوَرٍ مُتحركة مِنَ
الراديوهات . تَحْتَ وَطأةِ الخَوْفِ وَنَشَازِ الحَرْبِ ، بدأ حَبْلُ الجِيرانِ
يَتَرَنَّح .
ميلان، شاب في السادسةِ والعِشرين، لَمْ
يُكْمِلْ دِراسته . يَعْمل بنقلِ الأخشابِ معَ والده. رُوتينه بسيط . طُلِبَ
مِنْهُ مَرَّةً أنْ يُساعِد في تَفريغِ صُندوق في سَاحةِ البَلْدَة . كان ذلك
اليَوْم بَوَّابة دُخوله إلى مَجموعة مُسلَّحة جديدة تَشَكَّلَتْ مِنْ مَحَلِّيين
. قادةُ المَجموعة رِجالٌ كِبار في السِّنِّ ، عَرَفُوا كَيْفَ يُحوِّلون الخَوْفَ
إلى واجبٍ وطني. جَلَبُوا وُعودًا : أُجْرة ثابتة ، وحِماية للعائلة ، وفُرصة
لِتَمَلُّكِ مَنازل مَهجورة . انْضَمَّ إلَيه صديقه السابق ستيبان ، وشقيقه الأصغر
نيكولا . كُلٌّ مِنْهُم يَتَحَرَّك حَسَب دَوافعِه : مَنْ يَنْشُد الأمانَ ، ومَنْ
يُريدُ مالًا مِنْ أجْلِ الزَّواج ، وَمَنْ يَخْشَى أنْ يَرْفضه المُجتمعُ إنْ
لَمْ يُثْبِتْ وَلاءَه .
لَيلة واحدة تُغيِّر كُلَّ
شَيْء . تَلَقَّت القُوَّةُ أمْرًا بالتَّحَرُّكِ معَ الفجرِ إلى حَيٍّ كانَ
تَعيشُ فيه عائلات مُسْلِمة . " تَطْهير " ، كلمة استخدمها أحدُ القادةِ
بِلا خجل ، وَمَعَهَا رُكِّزَت الأهداف : مَنازل مَهجورة أوْ نِصْف مَهجورة ، أوْ
مَزارع قابلة للنَّهْب . خَرَجُوا تَحْتَ سِتار الظلام ، وَمَيَّزَتْهُم الأسماءُ
والأعلامُ أكثر مِنَ القِيَم والمَبادئ .
ميلان وقف أمام بَيْت حَسَّاني
. نَفْس البَيْت الذي كانَ يَتبادل معَ صاحبه المِزَاحَ حَوْلَ هُطولِ المطر .
طُلِبَ مِنْه فَتْح الباب ، وإخراج الأمتعة ، وتَسجيل كُلِّ شَيْء في دفتر صغير ،
مِنْ أجلِ سَرقته لاحقًا . لَمْ يُطْلِقْ رصاصةً ، لكنَّه رَكَلَ صُندوقًا يَحْتوي
على صُوَرٍ قديمة . تَبَعْثَرَت الصُّوَرُ على الأرض ، وَصَرَخَ الزمنُ في وَجْهِه.
صُوَر لأطفالٍ يَبْتسمون . صُوَرٌ لاجتماعات عائلية .
بعد أيام ، بدأت الأصواتُ في
عقله . نيكولا لَمْ يَكُنْ قادرًا على النَّوْمِ ، يَرى وُجوهًا في الحُلْمِ
تَتسلَّق الجُدرانَ . ستيبان الذي كانَ يَضحك دائمًا، بدأ يُحدِّق طويلًا في
مِرْآةٍ بِلا تَعْبير . الكِبَارُ الذينَ قادوا الميليشيا سَرَقُوا مُمتلكاتِ
المُسْلِمين، وَنَهَبُوا بُيُوتَهم . لكنَّ الانتصار لَمْ يَكُنْ كَما وُعِدُوا
بِه . حَطَب الحرائق لَمْ يَكُنْ يُدفِّئ القُلوبَ ، والمالُ لَمْ يُنَمِّ الضميرَ
.
في الناحيةِ الأُخْرَى ، عاشَ
الناجون مِثْل أُمِّ حَسَّاني صَدْمَةً تَختلِط بالغضبِ والحُزْنِ . لَمْ تَعُد
الدُّنيا كَمَا قَبْل . زُهورُ الحديقةِ داستها الأقدامُ ، والأبوابُ المَكسورةُ
تُذكِّر بفراغٍ أكبر مِنَ الخَسارةِ المادية .
بعد أشهُر مِنَ الصِّراعِ
المُكثَّف ، لَمْ يَصِلْ أحدٌ مُنتصِرًا بالكامل . ميلان عادَ إلى نَفْسِ الحَيِّ
، ولكنْ لَيْسَ لِيَأخذ شيئًا هَذه المَرَّة . سَمِعَ أنَّ أحد الجِيران يُحاوِل
استعادةَ مَا تَبَقَّى مِنْ مُمْتلكاته ، وأنَّ بعضَ العائلاتِ تُحاوِل إعادةَ
بِناء بُيوتها .
التقى ميلان بعبد الرَّحمن ،
ابن عائلة حَسَّاني ، الذي نَجَا بالغُموضِ . كانَ الرَّجُلُ مُختلِفًا ، لا
يَصْرُخ، ولا يَتَوَسَّل،لكنَّه يَحْمِلُ في صَمْتِه دَعْوَةً للحِوار.(( لَمْ
تَكُنْ وَحْدَكَ مَنْ فَعَلْتَ هَذا ))، قال عبد الرَّحمن بِهُدوء مَرِير . ((
هُناك مَنْ أعطى الأوامرَ ، وهُناك مَن اختارَ أنْ يُطيع . وهُناك بَشَرٌ
تَحَوَّلُوا إلى وُحُوش )) . بَدَتْ كَلِمَاتُه كَمِرْآةٍ تُظهِر الحقيقةَ
عَارِيَةً بِلا أقنعة .
ميلان لَمْ يَهْرُبْ مِنْ
قضيته . جلس أمامَ مَحكمة مَحَلِّية ، ومُحَاميه تَحَدَّثَ بِلُطْفٍ خَشِن . لَمْ
يُبَرِّئْه القانون مِنَ الاختيار،لكنَّه أُعْطِيَ فُرصةً لِيَشهد ، ويكشف
الأوامرَ العُليا ، والضُّغُوطَ ، والوُعودَ الكاذبة. اعترافُه لَمْ يُخَفِّف
الخَطيئةَ ، لكنَّه أضافَ فصلًا في الحقيقة . إنَّ الكثير مِنَ الذين ارتكبوا
الأفعالَ لَمْ يَفْعلوا ذلك بدافعِ كَرَاهِيَةٍ مُطْلَقَةٍ ، بَلْ بِمَزيجٍ خَطير
مِنَ الخَوْفِ ، والطمعِ، والطاعة .
وعادَ عبد الرَّحمن إلى
حَديقته كَيْ يَزرعها مِنْ جَديد ، وَيُعيد بِناء أحجار بَيْتِه بِنَفْسِه. لَمْ
يَرْغَبْ في إلغاء الماضي ، بَلْ رَغِبَ في تَثبيتِ ذِكرى الراحلين ، للتَّأكُّدِ
مِنْ عَدم نِسيان مَا حَدَثَ .
البَيَاضُ لَوْنُ الطينِ
المَغسولِ تحت أمطار نادرة ، وَلَوْنُ الثِّيابِ القديمةِ المُعلَّقة على حَبْلٍ
في ساحة ، واسْمٌ يَرْمُزُ إلى الفَراغِ الذي تركته الحربُ ، والأمَلِ الذي لا
يَمُوت . ظَلَّ البَيَاضُ عُنوانًا على لَوْحَةٍ زمنية . قِصَصٌ تقاطعتْ، وأفعالٌ
غَيْرُ مُبَرَّرَة ، وَوُجُوهٌ حاولتْ أنْ تَسْتَأنِفَ حَيَاتَها .
لَمْ تَكُنْ رِوايةُ الأحداثِ
عَنْ مَنْ رَبِحَ وَمَنْ خَسِرَ ماديًّا فَحَسْب . بَلْ عَنْ كَيْفَ تُحوِّل
أفعالُ الحربِ مَصيرَ الناسِ ، عَنْ كَيْفَ يَظَلُّ العُنْفُ يَطْبَعُ ذاكرةَ
المَكانِ والناسِ . مُعالجته تَتطلَّب أكثرَ مِنْ مَحَاكِم . تَتَطَلَّب اعترافاتٍ
، وَمُحَادَثَاتٍ ، وبِناء جُسور صادقة على أنقاضَ مَا تَهَدَّمَ .
والنُّصُوصُ اللغويةُ عَن
الأحداثِ الأليمةِ لا تُبرِّر ، ولا تُبرِّئ . هِيَ مُحاوَلاتٌ أدبية لفهمِ
حَتميةِ المَآلاتِ البشرية ، حِينَ تَختلط الخُرافاتُ الوطنيةُ معَ الفقرِ والخَوف
، وتَظْهر آلِيَّاتُ التَّجنيدِ الاجتماعيةِ والاقتصادية لجرائمِ الحرب .
ميلان جلس على كُرسي خشبي
مُهترئ في غُرفةٍ صغيرة مَهجورة ، تَتخلَّلها أشعةُ شمسٍ باهتةٌ مِن نافذةٍ
مَكسورة . في يَدِه دفترُ مُلاحظات قديم ، يَنظر إلى الكلمات التي كتبها في
الليالي التي تَلَت الأحداثَ ، كما لَوْ كانَ يَبحث عَن جَوابٍ لَمْ يَأتِ بَعْد .
(( لَمْ أخْتَرْ أن أكُونَ قاتلًا ، لكنْ هَل هذا عُذْر كافٍ ؟ )) ، تَرَدَّدَ
السُّؤالُ في ذِهنه بِلا تَوَقُّف .
قبل الحربِ ، كانَ ميلان
شابًّا بسيطًا ، يَعْمل معَ والدِه في نقلِ الأخشاب . لَمْ يَكُنْ يُفَكِّر كثيرًا
في السِّياسةِ ، لكنَّه كانَ يَسْمَع في السُّوقِ قِصَصًا عن الخطر القادم ، عَنْ
تَهديدٍ على قَوْمِه وعائلته. عِندما جاءَ الرِّجالُ المَجهولون إلى القَرية،
وَوَعَدُوه بالمالِ والحِمايةِ، لَمْ يَستطعْ أنْ يَرفُض.
(( كُنْتُ أخافُ على أُمِّي
وإخْوتي ، لَوْ رَفَضْتُ ، ماذا سَيَكُون مَصيرُهم ؟ )) ، كانَ يقول ذلك بصوتٍ
مُنخفض، كأنَّما يُبَرِّر اختيارَه ، لكنَّه يَعْلَم أنَّ ذلك لَمْ يَكَنْ بَراءة
.
كانتْ تِلْك الليلة في حَيِّ
المُسْلِمين ، حِينَ وَطِئَتْ قَدَمَاه أوَّلَ بَيْتٍ لِيَفْتحه ، حَيْثُ وَجَدَ
صُوَرًا قديمة لأطفال يَبْتسمون، وأبٍ يَقْرَأ القُرآنَ الكريم ، لَمْ يَكُنْ
بإمكانه كَبْح الشُّعور بالغُصَّةِ في حَلْقِه. (( كَيْفَ يُمكِن أن أكُونَ جُزءًا
مِن هذا الدَّمار ؟ )) . لكنَّ صوت القائد كانَ صارمًا : (( نَفِّذ الأوامرَ ، ولا
تَسأل )). الطاعةُ ، وَلَيْسَت الإرادة، هي التي حَكَمَتْ أفعالَه .
عادَ ميلان إلى القَريةِ بعد
عمليات نهبِ مُمتلكاتِ المُسْلِمين وسرقةِ بُيوتهم ، لكنَّه لَمْ يَعُدْ كما كان .
لَمْ يَفْرَحْ بالمالِ الذي جَمَعَه ، وَلَمْ يَشْعُرْ بالراحةِ في النَّوْمِ . ((
الذِّكرياتُ تُلاحقني ، وُجوه الأطفالِ والنِّسَاءِ ، النِّداءات الصامتة )) .
صَدى الأصواتِ يُطارده في كُلِّ زاوية ، حتى في الحُلْم .
بدأ يَكتب في دَفتره ،
مُحَاوِلًا تَرتيبَ أفكارِه ، لِيَفْهَمَ نَفْسَه ، وَيَبْحث عَنْ مَخْرَج مِنْ
دَوَّامةِ الذَّنْبِ التي أغْرَقَتْه . جلسَ أمامَ مِرآةٍ قديمة ، يَنظُر في
عَيْنَيْه المُتْعَبَتَيْن ، ويَتساءل : (( هَلْ يُمْكِنني أنْ أكُونَ أكثرَ مِنْ
رَجُلٍ شاركَ في الجرائم ؟ ، هَلْ يُمْكِنني أنْ أُصْلِحَ مَا كَسَرْتُهُ
رُوحِيًّا ؟ )).
يَعْلَمُ أنَّ الاعترافَ لَنْ يَمْحُوَ الماضي ،
وأنَّهُ مُجْرِمٌ صِرْبي ، وإنسان مُعقَّد ، يُعاني مِنْ نِزاعٍ داخلي بَيْنَ
ماضيه وَمُستقبَله . يَسِيرُ في طريقٍ صَعْب تائه بَيْنَ الظِّلالِ ، بِلا دُموعٍ
ولا شُموع .
ما زالَ ميلان يَذكُر لحظةَ
انضمامه إلى الميليشيا . الليلُ كانَ ساكنًا ، لكنْ في عقلِ ميلان كانتْ عاصفة لا
تَهدأ . وَقَفَ تحت شجرة قديمة عِند طَرَفِ القَرية ، يَتنفَّس بِعُمْقٍ
مُحَاوِلًا أنْ يُهدِّئ ضَرَبَاتِ قلبه المُتسارعة . سَمِعَ مِنْ بعيدٍ أصواتَ
الطَّلَقَاتِ وَقَذائفِ الهاون ، لكنَّه أَحَسَّ أنَّ المَعركة الحقيقية تَدُور في
دَاخِله .
أتى دراغان بِخُطُوات هادئة ،
واقتربَ مِنْه بِرِفْقٍ ، وقالَ بِنَبْرَةٍ حَمَاسِيَّة :
_ ميلان ، أنتَ تَعْرِفُ مَا
الذي يَنتظرك إذا بَقِيتَ ساكتًا ، لا أحد سَيَحْميك وعائلتك غَيْرُنا .
نظرَ ميلان إلى السَّماءِ ،
حَيْثُ النُّجوم تُخْفيها الغُيوم الثقيلة . أصابعُ يَدِهِ تَرتعشُ وَهُوَ
يُخْرِجُ السِّيجارةَ مِنْ جَيْبِه ، لكنْ لَمْ يُشْعِلْها . هَمَسَ :
_ أخافُ ، أخافُ أنْ أخسرَ مَا
تَبَقَّى لِي .
وَضَعَ دراغان يَدَه عَلى
كَتِفِ ميلان ، وقال :
_ الخَوْفُ طبيعي ، لكنَّه لا
يُوقِف مَنْ يُريد أنْ يَعيش . الانضمامُ لَيْسَ مُجَرَّد قِتال ، بَلْ هُوَ أيضًا
حِماية وَبَقَاء .
تَرَدَّدَ ميلان ، ثُمَّ أغلقَ
عَيْنَيْه لَحَظَاتٍ . صُوَرُ والدته وإخْوَتِه الصِّغار . صَوْتُهُم وَهُمْ يَطْلُبون
مِنْه ألا يَتركهم وحيدين. يُصَارِع كَي لا يَخُونَهم . فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْء
، وقالَ بِصَوْتٍ خافتٍ لكنَّه حَازِمٌ :
_ سَأنْضَمُّ ، لكنَّني لا
أعِدُكَ بِشَيء سِوى أنَّني سَأُحَاوِلُ ألا أفْقِدَ نَفْسِي .
ابتسمَ دراغان ، وكأنَّه
فَهِمَ مَا وَراء هَذه العِبارة ، وقال بِخُبْثٍ :
_ هَذا كُلُّ مَا نَحْتاجه في
البِداية .
76
التحقَ كثيرٌ مِنَ المَدنيين
الصِّرْب بالميليشياتِ المُجْرِمَة أثناءَ حربِ البُوسنة(1992_1995) وشاركوا في
عملياتِ نَهْبٍ وَسَلْبٍ واسعة لِمُمتلكاتِ المُسْلِمين وَبُيوتِهم في المُدُنِ
والبَلدات . وكانتْ ظاهرةً واسعة ومُؤثِّرة في مُجْرَيات الصِّراع ، وساهمتْ بشكلٍ
كبير في تَصعيدِ العُنْفِ ، وارتكابِ جَرائمِ الحربِ .
الخريفُ بدأ يَتسلَّل إلى
المَدينةِ بِهُدوء ثقيل ، كأنَّ الرِّيحَ نَفْسَها تَخْشى أنْ تُوقِظَ شيئًا
نائمًا في ضَميرِ الناسِ . السَّماءُ رمادية ، وأوراقُ الأشجارِ تَصْفَرُّ في
طُرُقَاتٍ خالية إلا مِنْ عُيون مُرتابة خَلْفَ النوافذ .
في ذلك الصَّباح ، خَرَجَ
فلاديمير مِنْ بَيْتِه مُرتديًا مِعْطَفًا عَسكريًّا مُسْتعارًا . لَمْ يَكُنْ
جُنديًّا ، وَلَمْ يَعْرِفْ شيئًا عَن الحربِ إلا مِنْ نَشَرَاتِ الأخبارِ التي
يَسْمعها في المَقْهى . لكنَّه اليَوْمَ انضمَّ إلى " الرِّجال " ، كما
قالوا له . (( إنَّها فُرْصتنا لِنَسْتعيد مَا سُلِبَ مِنَّا مُنذُ قُرون )) ،
هَكذا هَمَسَ لَهُ صَديقُه ستيفان ، وَهُوَ يُسلِّمه بُندقيةً قديمة . لَمْ يَسأل
فلاديمير عَن المَعْنى ، فالكلماتُ الكبيرةُ صارتْ رِيَاحًا تَدْفَع الأشخاصَ إلى
مَا لا يَفْهمونه تَمَامًا .
في الشارعِ ، كانَ الحَشْدُ يَتَكَوَّن بِسُرعة
. بعضُهم يَرتدي الزِّيَّ العَسكريَّ ، وبعضُهم يَرتدي ثِيابَ العملِ أو المَعاطفِ
الشَّتْوِيَّة ، لكنَّ العُيونَ جَمِيعَها تَشترك في البريقِ ذَاتِه ، مَزِيج مِنَ
الخَوْفِ والحَماسةِ والجهل .
حِينَ وَصَلُوا إلى حَيِّ
المُسْلِمين، كانت البُيوتُ هادئة ، نوافذها مُغْلَقَة . بدأت الأوامرُ تَتطايرُ
مِنْ دُون تَرتيب: (( اكْسِرُوا الأبوابَ، ابحثوا عَن الذَّهَبِ ، لا تَتركوا
شيئًا لَهُم )) .
لَمْ يَعُدْ فلاديمير يَسْمَع
. رأى الأيدي وَهِيَ تَمْتَدُّ إلى مَا لَيْسَ لها ، ورأى النارَ تَشْتعل في
بَيْتٍ كانَ بالأمْسِ بَيْتَ جاره الذي بَادَلَه التَّحِيَّةَ كُلَّ صَباحٍ، ورأى
امرأةً تُهْرَعُ إلى الطريقِ ، تَحْمِلُ طِفْلَها، وَتَصْرُخ بِلُغَةٍ يَعْرِفُها
، لكنَّها صارتْ غريبةً عَنْ أُذُنِه .
حِينَ سَقَطَ المَساءُ ، كانَ
الحَيُّ رَمادًا . وَقَفَ فلاديمير عِند أطرافِ المَدينة ، يَنظُر إلى الأُفُقِ
المُشتعِل، وإلى الدُّخَانِ المُتصاعِد مِثْل حُلْمٍ مَكسور. لَمْ يَشْعُرْ
بالنَّصْر، بَلْ شَعَرَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ التِّيهَ .
مَرَّتْ أسابيع بعد تِلْك
الليلةِ ، لكنَّ رائحة الحريقَ لَمْ تُغَادِرْ أنفَ فلاديمير . يَسْتيقظ فَزِعًا .
يَرى في المَنامِ وُجوهًا يُغَطِّيها الدُّخَانُ . يَسْمَع صُراخَ الأطفالِ مِنْ
بَيْنِ الجُدرانِ التي انهارتْ . زَوجته إيلينا لاحظتْ تَغَيُّرَه. صارَ صامتًا،
لا يَقْترب مِنَ المائدة ، ولا يَخرُج إلى المَقهى كما اعتادَ .
الصِّرْبُ الغارقون في
القَتْلِ والإبَادَةِ يَتحدَّثون بفخرٍ عَن " التَّطهيرِ " و"
استعادةِ الأرضِ ". لكنَّ فلاديمير لَمْ يَجِدْ في تِلْك الكلمات سِوى طَعْمِ
رَمَادٍ مُرٍّ . كانَ يَعُود إلى حَيِّ المُسْلِمين المُحترِق أحيانًا . يَسِير
على أنقاضِ البُيوتِ التي نُهِبَتْ . يَلْمِسُ الجُدرانَ المَكْسُوَّةَ
بالسَّوَادِ . يَنظُر إلى لُعَبِ الأطفالِ المُلْقاةِ في الطين .
في أحدِ الأيامِ ، وَجَدَ عِند
بقايا مَنزلٍ مُهدَّم كِتابًا مُحترِقَ الأطراف . فَتَحَه ، فقرأ بعضَ السُّطورِ
باللغةِ العربيةِ . لَمْ يَفْهَمْها ، لكنَّه رأى اسمًا مَكتوبًا بِخَطٍّ دقيق :
" سَلِيم حَسَن " . تَذَكَّرَ الرَّجُلَ الذي كانَ يبيع الفواكه في
السُّوقِ ، والذي لَمْ يَعُدْ أحدٌ يَرَاه مُنذُ اندلاعِ الحرب . أخذَ فلاديمير
الكتابَ إلى بَيته، وَضَعَه على الطاولةِ كَشَيء لا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتخلَّص
مِنْه. زوجته إيلينا سَألَتْهُ بِخَوْفٍ:
_ لماذا تَحتفظ بِهَذا ؟ .
أجابَ بِصَوْتٍ خافت :
_ لأنَّ صاحبه لَمْ يَعُدْ
يَمْلِكُ شيئًا في هَذه المَدينة ، رُبَّما هَذا مَا تَبَقَّى مِنْه .
مُنْذُ ذلك اليَوْم ، بدأ
فلاديمير يَخرُج سِرًّا لَيْلًا . يَجْمَع مَا تَبَقَّى مِنْ مَتاعٍ في بُيوتِ
المُسْلِمين المَحروقة. صُوَرٌ عائليَّة ، وثِيابُ أطفال ، وأيضًا مَصَاحِف ،
وَيُخْفيها في قَبْوٍ قديم خَلْفَ الكَنيسة.
لَمْ يَعْرِفْ لماذا يَفْعَل
ذلك بالضَّبْط ، لكنَّه شَعَرَ بأنَّ عَلَيْه أنْ يَحفظ مَا استطاعَ مِمَّا ضاعَ .
حِينَ اكتشفَ ستيفان أمْرَه ،
وَاجَهَه بغضبٍ وَدَهْشَة :
_ هَلْ جُنِنْتَ ؟ ، هَلْ
تُدافِع عَنهُم الآن ؟ .
ابتسمَ فلاديمير بِمَرارةٍ ،
وقالَ :
_ أنا لا أُدافِع عَنْ أحد ،
أنا فَقَط أُحَاوِلُ ألا أَكْرَهَ نَفْسي أكثر .
في إحدى الليالي، اختفى
فلاديمير. قِيلَ إنَّه عَبَرَ النَّهْرَ نَحْوَ المَدينة التي تُسيطر عَلَيها
القُوَّاتُ الدَّوْلِيَّة . وَقِيلَ إنَّ الميليشيا قَبَضَتْ عَلَيه . لكنَّ بعضَ
الأهالي في القُرى البعيدة تَحَدَّثوا عَنْ رَجُلٍ غريب يَزُور المَقابرَ بصمتٍ.
يَضَع وُرودًا على قُبور لا أسماء لها ، ثُمَّ يَخْتفي معَ أوَّل ضَوْء للفَجْر .
الثَّلْجُ بدأ يَتساقط
مُبَكِّرًا ذلك العام . المَدينةُ صامتة ، تُخْفي جِرَاحَها تَحْتَ غِطاء أبيض لا
يُدفِّئ شيئًا. عَلى أطرافِ الغابةِ، في كُوخٍ صغير مَهجور ، كانَ فلاديمير يَعيشُ
وَحْدَه مُنْذُ شُهور . نَسِيَه الناسُ، والجُنودُ لَمْ يَعُودوا يَبْحثون عَنْه.
لكنَّ الماضي ظَلَّ يَزُوره كُلَّ لَيْلَةٍ، في هَيئةِ وُجوهٍ مَحروقة، وأصواتٍ لا
تَعْرِفُ الهُدوءَ. في الزاوية، بَقِيَ الكتابُ المُحترِق على الطاولة، يُرافقه
كَظِلٍّ . كانَ يَفْتحه أحيانًا ، لا لِيَقْرأ ، فَهُوَ لا يَفْهَم اللغةَ ، بَلْ
لِيَشْعُر بأنَّ هُناك مَنْ عَاشَ هُنا ، مَنْ كانَ لَهُ اسْمٌ وَبَيْتٌ وَصَوْت .
في إحدى الليالي ، دَوَّى
صَوْتٌ بعيد في المَدينة ، إطلاق نار أو انفجار . هُرِعَ فلاديمير إلى البابِ . نظرَ
إلى السماءِ المُظلِمة، وشعرَ أنَّ الحربَ لَنَ تَنْتَهِي أبدًا . كُلُّ مَا
تَغَيَّرَ هُوَ شكلُ النار.
عادَ إلى الداخل، وأشعلَ
شَمعةً صغيرة . كتبَ على وَرَقَةٍ صَفْراء كَلِمَاتٍ مُتَقَطِّعَة بِصُعوبةٍ
بالغة: (( إلى مَنْ سَيَجِدُ هَذا الكتاب ، لَمْ أكُنْ قاتلًا ، لكنَّني وقفتُ
بجانبِ القَتَلَةِ ، سَامِحُوني إن استطعتُم ، وإنْ لَمْ تَفْعلوا ، فذلك حَقُّكُم
)) .
وَضَعَ الوَرَقَةَ داخلَ
الكتاب ، ثُمَّ أغلقه بِرِفْقٍ ، كَمَا تُغلِق العاصفةُ بابًا عَلى قَبْرٍ . في
الصَّباحِ ، حِينَ دَخَلَ الرُّعَاةُ الكُوخَ، وَجَدُوه جالسًا إلى الطاولة.
رَأسُه مائلٌ على صَدره، والشَّمعةُ قَد انطفأتْ. لَمْ يَكُنْ هُناك دَمٌ ولا
عُنْف . فَقَط سُكون ثقيل ، ومَلامح رَجُلٍ بَدَا وكأنَّه أخيرًا وَجَدَ مَا
بَحَثَ عَنْهُ طويلًا : الصَّمْت .
دَفَنَه الناسُ في مَكانٍ
مَجهول ، بِلا شَاهِدٍ ولا اسْمٍ. لكنَّ أحدَ الأطفالِ ، حِينَ كَبِرَ ، كانَ
يَزُور المَكانَ أحيانًا . يَحْمِلُ بَين يَدَيه كِتابًا مُحترِق الأطراف ،
ويَقْرَأ مِنْهُ للعَصافير . لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ فلاديمير ، لكنَّه
كانَ يَشعُر بأنَّ الحِكاية لَمْ تَكُنْ عَن الحربِ فَقَط ، بَلْ أيضًا عَنْ إنسان
أدركَ الحقيقةَ مُتَأخِّرًا ، حِينَ صارَ الخَلاصُ نَفْسُهُ رَمادًا .
77
قامَ الصِّرْبُ بِتَدميرِ قُرى
المُسْلِمين ، وَقَتَلُوا عَشَرَات الآلاف تَنفيذًا لِسِياسةِ التَّطهيرِ
العِرْقيِّ والإبادةِ الجَمَاعِيَّة . كانت القُرى تَنامُ على ضَوْءِ القمر ،
هادئة كأنَّها لَمْ تَعْرِفْ يَوْمًا طَعْمَ الخَوْفِ ، ثُمَّ جاءَ الصُّبْحُ مُلَوَّنًا
بالدُّخَانِ والدِّماءِ ، وصارَ التُّرابُ شاهدًا عَلى مَا لا تُحْتَمَل رُؤيته .
تَقَدَّمَت القُوَّاتُ
الصِّرْبيةُ بِخُطُواتٍ ثقيلة ، تَحْمِلُ في عُيونِها بَرْدَ الحِقْدِ ، وفي
صُدورِها صَدى صَرَخَات لَمْ تُولَدْ بَعْد . أحرقت البُيُوتَ كما لَوْ كانتْ
أوراقًا في مَهَبِّ الرِّيح ، وَتَحَوَّلَت الأزِقَّةُ التي كانتْ تَضِجُّ
بِضَحِكَاتِ الأطفالِ إلى صَمْتٍ دامٍ ، لا صَوْتَ فيه سِوى أنينِ الأرضِ .
قَتَلَت القُوَّاتُ الصِّرْبيةُ المُسْلِمِين
المَدَنيين العُزَّلَ ، واغتالوا مَلامحَهم ، ودَمَّرُوا ذاكرتَهم ، وَحَطَّمُوا
أناشيدَهم ، وكَسَرُوا نَبْضَهم الذي حَفِظَ للمَكانِ مَعنى الحَياةِ . الإبادةُ
أكثرُ مِنْ مَوْتٍ جَسَدِيٍّ . إنَّها مَحْوٌ مُتَعَمَّدٌ لِكُلِّ أثَرٍ يُمكِن
أنْ يَقُول : (( هُنا عاشَ بَشَر )) .
رَغْمَ الرَّمادِ الذي غَطَّى
كُلَّ شَيْء،بَقِيَ في الهَواءِ خَيْطٌ مِنَ الذاكرة، كأنَّه وَعْدٌ خافتٌ بأنَّ
العَدالة لا تَمُوت، حتى لَوْ مَرَّتْ عَلَيها أعوامٌ مِنَ الصَّمْتِ ، فالتاريخُ
مَهْمَا طالَ الظُّلْمُ لا يُتْقِن النِّسْيَانَ .
كانت القَريةُ تَستيقظ كُلَّ صَباحٍ على صِيَاحِ
الدِّيَكَةِ ، ورائحةِ الخُبْزِ الساخنِ . يَتعانق الدُّخَانُ المُتصاعِد مِنَ
الأفرانِ معَ ضَبابِ الجِبَالِ . المَكَانُ يَتهيَّأ لِيَوْمٍ جَديد يُشبِه
الأمسَ. لَمْ يَكُنْ أحدٌ يُصدِّق أنَّ السَّلام الهَش الذي عاشوه عُقودًا ، كانَ
هَشًّا إلى هَذا الحَدِّ .
في لَيلةٍ مُظلِمة ، وَصَلَهُم
صَوْتُ المُحرِّكات أوَّلًا. لَمْ يَكُنْ صَوْتُ شاحناتِ القمحِ المُعتاد ، بَلْ
كانَ شيئًا أثقلَ ، وأكثرَ قَسْوَةً ، كأنَّه زئير قادم مِنْ أعماقِ الأرضِ .
الأطفالُ الذينَ لَمْ يَعْرِفُوا الحربَ ، رَكضوا إلى النوافذ ، يُراقِبون أضواءَ
المَركَبات القادمة مِنَ الطريقِ التُّرابي، وَلَمْ يُدرِكُوا أنَّهُم يُراقِبون
مَوْتَهم القادم .
معَ بُزوغِ الفجر ، كانت
السماءُ رماديةً ، والبُيوتُ تشتعل . الصَّرَخَاتُ كثيرة ، ومُختلِطة بالرَّصاصِ ،
وارتجافِ الأرضِ تَحْتَ الأقدام . رَكَضَت النِّسَاءُ نَحْوَ النَّهْر ،
يَحْمِلْنَ أطفالَهُنَّ ، وَيُحَاوِلْنَ عُبورَ المَاءِ الذي صارَ يَبْتلع الجُثَثَ
بَدَلًا مِنْ أنْ يَرْوِيَ الحُقولَ .
في بَيْتٍ صغير عِند طَرَفِ
القرية ، جَلَسَتْ إيمان تَحْتَ السُّلَّمِ الخشبي ، تَضُمُّ بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا
أخاها الصغير . وَجْهُهُ مُغَطى بالدُّخَانِ والحُزْنِ ، وعَيْناه واسعتان ، لا
تَفْهمان شيئًا مِمَّا يَحْدُث . كُلُّ مَا سَمِعَتْهُ هُوَ طَرَقَات الأحذيةِ
العَسكرية في الخارج ، وأصوات أوامر بِلُغَةٍ غريبة ، وَصَرْخَة جارتها صافية ،
وَهِيَ تُسْحَب مِنْ شَعْرِها .
حِينَ دخلوا البَيْتَ ، لَمْ
يَكُنْ فيهِ سِوى الصَّمْتِ . أخذوا كُلَّ مَا وَجَدُوه ، الصُّوَر ، والثِّياب ،
والذِّكْريات . وأحرَقوها معَ الخشب . لَمْ يَكُن الحريقُ مُجرَّد نار ، كانَ
إعلانًا لِمَحْوِ الوُجود ، لإلغاءِ كُلِّ أثَرٍ يدلُّ على أنَّ هَذه القريةِ
كانتْ يَوْمًا تَسْكُنُها حياة . مَرَّتْ أيَّامٌ قليلة ، ثُمَّ لَمْ يَبْقَ شَيْء
، لا أسماء ، ولا قُبور تَحْمِلُ شَواهِد ، ولا مَدْرَسَة تُدرِّس التاريخَ الذي
طُمِسَ . الرَّمادُ يَتطاير معَ الرِّيح ، ورائحةُ المَوْتِ تَسكُن الصُّخُورَ .
بَعْدَ سَنَوات ، حِينَ عادَ بعضُ الناجين لِيَتَفَقَّدُوا المَكَانَ ، وَجَدُوا
على ضَفَّةِ النَّهْرِ لُعبةً صغيرةً مَحروقة ، دُمْيَة قُمَاشِيَّة فَقَدَتْ
ذِرَاعَها ، كانتْ تَخُصُّ فتاةً اسْمُها لَيْلَى. حَمَلَهَا أحدُ الرِّجال .
وَقَفَ طويلًا ، كأنَّه يَحْمِلُ قلبَ القريةِ كُلِّها بَيْنَ يَدَيْه .
قال بِصَوْتٍ مَبْحُوح : ((
لَمْ يَبْقَ شَيْء سِوى الذاكرة ، والذاكرةُ لا تُقْتَل )) . ثُمَّ مَضَى تاركًا
خَلْفَه رَمادًا ، وماءً مَا زالَ يَجْري ، وَشَاهِدًا لا يُنْسَى .
مَرَّت السَّنَواتُ بِبُطْءٍ
لا يُحْتَمَل . الذينَ نَجَوْا لَمْ يَعُودوا كما كانوا . وُجُوهُهُم مُحَاطة
بصمتٍ ثقيلٍ ، كأنَّ الكَلِمَات أصبحتْ خطيئةً . يَجُرُّون خُطُواتِهم فَوْقَ
الأرضِ التي تَحَوَّلَتْ إلى مَقبرةٍ مَفتوحة ، يَبْحثون بَيْنَ الأعشابِ عَنْ
أيِّ شَيْء يَدُلُّ على أنَّ أحدًا مِنهُم عاشَ هُنا ذات يَوْم .
عادتْ إيمان بعد تِسْع سَنَوات
. كَبِرَتْ ، لكنْ في مَلامحِها بَقِيَ أثرُ الطِّفلةِ التي اختبأتْ تَحْتَ
السُّلَّمِ الخشبيِّ. تَمَسَّكَتْ بِيَدِ أخيها الذي نَجَا بأُعجوبة ، وصارا
يَقْطَعان الطريقَ نَحْوَ القَريةِ التي لَمْ تَعُدْ قَريةً . الحُقولُ المُوحِشَة
، والأشجارُ اليابسة تَمِيلُ معَ الرِّيحِ كأنَّها تَنْحني على جُثَثٍ مَا زالتْ
تَحْتَ التُّرابِ .
حِينَ وَصَلَتْ إلى بَيتها
القديم ، لَمْ تَجِدْ سِوى بقايا الجِدارِ الحَجَرِيِّ . لَمْ تَبْكي في البِداية
. وقفتْ صامتةً ، تَلْمِسُ الجِدارَ بِيَدَيْهَا ، تُحاول أنْ تُعيدَ إلَيْه
ذاكرته ، ثُمَّ جَلَسَتْ . أخرجتْ مِنْ حقيبتها الصغيرة الدُّميةَ المحروقة التي
احتفظَ بها أحدُ الناجين ، وَوَضَعَتْهَا فَوْقَ كَومةِ الحِجارة. قالتْ لأخيها
بِهُدوء مَكسور : (( هَذه لَيْسَت النِّهاية ، المَكانُ مَا زالَ يَتذكرنا )) .
بدأ الناجون القلائل يَجْتمعون
مِنْ جَديدٍ . رَجَلٌ فَقَدَ زَوْجَتَه . امرأةٌ تَبْحث عَنْ صُورةِ ابْنِها .
شَيْخٌ لا يَزال يَحْمِلُ مَفاتيحَ بَيْتِه رَغْمَ أنَّ الأبواب لَمْ تَعُدْ
مَوجودةً . شَيَّدُوا أكواخًا صغيرةً مِنَ الخشب. جَمَعُوا الحِجارةَ المُتناثرة .
أعادوا بِناء بِئْر الماء ، لَيْسَ لِيَشربوا مِنْه فَقَط ، بَلْ لِيَقولوا إنَّ
الحياة يُمكِن أنْ تُزْرَعَ تَحْتَ الرُّكام .
كُلَّ مَساء ، كانتْ إيمان
تَجْلِسُ عَلى ضَفَّةِ النَّهْرِ . تَسْمَع صَوْتَ الماءِ ، وَتُغْلِق عَيْنَيْهَا
، فَتأتيها الوجوهُ القديمة ، وأصواتُ الضَّحِكِ ، وَصِياحُ الأطفالِ ، ورائحةُ
الخُبْزِ مِنْ فُرْنِ أُمِّها . الذِّكرياتُ جارحةٌ ومُؤلِمة ، لكنَّها الدليلُ
الوحيد على أنَّ أرواحَهم لَمْ تُمْحَ بالكامل .
في ربيعِ العامِ التالي ،
نَبَتَتْ زَهْرة حَمْراء قُرْبَ البِئْر . قالَ الشَّيْخُ بِصَوْتٍ مُرتجف : ((
الأرضُ تَذكُر مَنْ أحَبَّها حتى بعد الدَّم )) . وَقَفَ الجميعُ حَوْلَ
الزَّهْرةِ الصغيرة ، يَنظُرون إلَيها كما لَوْ كانتْ وَعْدًا . لَمْ يُصفِّقوا ،
وَلَمْ يَهْتِفُوا . تَنَفَّسُوا طويلًا ، وَأحَسُّوا بِشَيْءٍ يُشبِه السَّلامَ .
إنَّه سَلامٌ هَش لكنَّه حَيٌّ . وَمِنْ بَيْنِ الأطلالِ ، بدأ الأطفالُ الجُدُدُ
يَضْحَكون . ضَحِكُهُم لَمْ يَكُنْ نِسْيانًا ، بَلْ إعلانًا بأنَّ الذاكرة يُمكِن
أنْ تَتعايش معَ الأملِ . وفي حِضْنِ القلبِ تَتصافح الذاكرةُ والأملُ ، تُمْسِكُ
الأُولَى بِجِرَاحِ الأمسِ ، ويُضمِّدها الآخَرُ بِوَعْدِ الغَدِ .
بعد أعوام مِنَ العَودةِ
والبِناءِ البَطِيء، وَصَلَتْ إلى القَريةِ رسائل مَختومة بِخَتْمِ المَحكمةِ
الدَّوْلِيَّة. تَحْمِلُ أسماء ، وتواريخ ، ونِداءات إلى الشُّهود . لَمْ يَفْهَمْ
بعضُ الناجين في البِداية مَعنى العَدالةِ بعد كُلِّ هَذا الزمن، لكنَّهم قَرَّروا
الذهابَ، لَيْسَ انتقامًا،بَلْ لأنَّ الصمتَ صارَ عِبْئًا أثقلَ مِنَ المَوْت.
سافرتْ إيمان إلى المَدينةِ
البعيدة ، حَيْثُ تُقَام المُحَاكَمَات . الطريقُ الطويلُ أعادَ إلَيْهَا وُجوهَ
الجُنودِ الذينَ اقْتَحَمُوا قَرْيَتَهَا، وَصَوْتَ الرصاص، والبُيُوتَ المُشتعِلة.
جلستْ في القاعةِ الواسعة أمامَ مِنَصَّة مُرتفعة ، في مُواجَهة رَجُلٍ صِرْبي
كانَ ذات يَوْمٍ يَحْمِلُ السِّلاحَ الذي قَتَلَ بِهِ جِيرانَها . شَعْرُهُ شابَ ،
وعَيْناه مُتْعَبَتَان ، لكنَّه حِينَ رآها ، خَفَضَ رَأسَه كَمَنْ يَهْرُب مِنْ
نَفْسِه .
سَألَه القاضي :
_ هَلْ تَعْترف بِما فَعَلْتَ
؟ .
صَمَتَ الرَّجُل ، ثُمَّ قالَ
بِصَوْتٍ واهٍ :
_ كُنَّا نُطيع الأوامرَ .
عِندَها وقفتْ إيمان ، نظرتْ
إلَيه طويلًا ، وقالتْ بِهُدوءٍ جارحٍ :
_ أنا كُنْتُ هُناك، رَأيْتُ مَا
فَعَلْتُم،الأوامرُ لا تُبرِّر إحراقَ الأطفالِ،ولا تَجْعَل النَّهْرَ أقَلَّ
احْمِرَارًا.
سادَ القاعةَ صَمْتٌ كثيف . القاضي يَكْتُب ،
والمُترجِم يُترجِم ، والجُنودُ في الزاويةِ يَنظُرون بِلا تَعْبير . شَيْءٌ
تَحَرَّرَ في قلبِ إيمان . لَمْ تَكُن العَدالةُ انتقامًا ، إنَّها استعادة
للكَرامة ، وتَصحيحٌ بسيط في ميزانٍ اختلَّ لِسَنَوَاتٍ طويلة .
في الأيامِ التالية ، تتابعت
الشَّهَاداتُ . النِّسَاءُ اللواتي قُمْنَ بدفنِ أبنائهن بأيديهن ، والشُّيوخُ
الذينَ فَقَدُوا بُيُوتَهُم، والرِّجالُ الذينَ عادوا بذاكرةٍ مَثقوبة . كُلُّ
صَوْتٍ قِطعةٌ مِنَ الحَقيقة ، وكُلُّ دَمْعَةٍ سَطْرٌ في تاريخٍ حاولَ البعضُ
مَحْوَه . حِينَ صَدَرَ الحُكْمُ أخيرًا ، لَمْ يَكُنْ فَرَحًا خَالِصًا . الوَجَعُ
لا يُمْحَى بالحِبْر ، لكنَّ العَدالة ، وَلَو مُتَأخِّرَة ، كانتْ بِمَثابة
ضَوْءٍ صغير في آخِرِ النَّفَقِ .
عادتْ إيمان إلى قَريتها بعد
أسابيع . في يَدِها نُسْخَة مِنَ الحُكْم . وفي جَبينِها صُورةُ القريةِ القديمة
التي عُثِرَ عَلَيها في أرشيفٍ مَنْسِيٍّ . عَلَّقَتْهَا عَلى جِدار الكُوخ الجديد
، وجلستْ أمامَها طَويلًا . في المَساءِ ، اجتمعَ الأطفالُ حَوْلَها ، يَسألونها
عَن الماضي . ابتسمتْ ، وقالتْ : (( كانَ هُنا مَوْتٌ كثير ، لَكِنَّنا قَرَّرْنا
أنْ نَعيش ، هَذا هُوَ انتصارُنا الحقيقي )) . ثُمَّ أغلقت النافذةَ ، ونَظَرَتْ
إلى السَّماء . لَمْ تَعُدْ تَرى رَمادَ الحربِ ، بَلْ نُجومًا قليلة تَنعكس على
النَّهْر ، نَفْسِ النَّهْرِ الذي حَمَلَ يَوْمًا جُثَثًا كثيرة ، والآن يَحْمِلُ
انعكاسَ ضَوْءٍ جديد .
مَرَّتْ سَنَوَاتٌ كثيرة .
تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْء ، حتى مَلامِح الأرض التي كانتْ رَمادًا . في الربيع ،
امتلأت التِّلالُ بالزُّهورِ البَرِّيةِ،وعادَ صَوْتُ الأطفالِ يَمْلأ الطُّرُقَ
التُّرابية التي كانتْ مُمَزَّقَةً بالدَّبَّاباتِ. لَمْ يَبْقَ مِنَ الحربِ سِوى
آثار باهتة على الجُدرانِ ، وبعضِ النُّدوبِ على الوُجوه ، وذاكرة تَسْكُن
الصُّدورَ كَحَجَرٍ لا يَزُول .
إيمان صارتْ جَدَّةً .
شَعْرُها المَمزوج بالبَيَاضِ يُذكِّرها بالثلج الذي غَطَّى القَريةَ في ليالي
الرُّعْبِ الأُولَى ، لكنْ في عَيْنَيْهَا بريقٌ لا يَنطفئ . تَجْلِسُ كُلَّ
مَساءٍ على عَتَبَةِ بَيْتِها الجديد ، تَحْكي لأحفادِها قِصَصًا لا تُرْوَى في
الكُتُبِ، عَنْ كَيْفَ نَجَا النَّهْرُ مِنَ الدَّمِ، وَكَيْفَ نَجَا مِنَ اليأسِ
، وكَيْفَ يُمْكِن للقلبِ المَكسورِ أنْ يُصبح جِسْرًا نَحْوَ الحَياة .
في إحدى الأُمْسِيَات ، سَألَهَا حَفِيدُها
الأصغر :
_ جَدَّتي ، لِمَاذا لا
تَتَحَدَّثين عَن الكَرَاهِيَةِ ؟ .
ابتسمتْ بِهُدوءٍ طويل ، ثُمَّ
قالتْ :
_ الكَرَاهِيَةُ لا تُعِيدُ
مَنْ رَحَلُوا ، لكنَّها تُميتُ مَنْ يَبْقَى .
ثُمَّ أضافتْ بعد لَحْظَةِ
صَمْتٍ :
_ تَعَلَّمْنا أنَّ الذاكرة لَيْسَتْ
لِتَوريثِ الحِقْدِ ، بَلْ لِتَذكيرنا بِثَمَنِ الحَياة .
في العام الذي تَلا ذلك ،
أُقِيمَ في سَاحةِ القَريةِ نُصُبٌ حَجَرِيٌّ بسيط ، كُتِبَ عَلَيْه : (( هُنا
عاشَ أُنَاسٌ أحَبُّوا الحَيَاةَ، فَقُتِلُوا لأنَّهُم مُختلِفون.والذينَ بَقُوا
قَرَّروا أنْ يَكُونوا جُسورًا لا جُدرانًا )).
وَقَفَ الناسُ أمامَ النُّصُبِ
في صَمْتٍ . لَمْ يَكُنْ حُزْنًا هَذه المَرَّة ، بَلْ وَقَارًا . الأجيالُ
الجديدةُ وَضَعَت الزُّهُورَ ، بَيْنَما كانت العصافيرُ تَحُطُّ عَلى السُّورِ
المُحِيط ، كأنَّها تُراقبهم بِطُمَأنينة .
في آخِرِ المَساء ، حِينَ غابت
الشَّمْسُ خَلْفَ الجِبال ، نَظَرَتْ إيمان إلى النَّهْرِ مَرَّةً أُخْرَى .
الماءُ يَجْري بِهُدوء ، يَمُرُّ على الأحجارِ التي شَهِدَتْ كُلَّ شَيْء،
يَحْمِلُ في عُمْقِهِ رَمادًا مِنَ الماضي. لكنْ عَلى سَطْحِه يَلْمَعُ الضَّوْءُ.
رفعتْ رَأسَها نَحْوَ السَّماءِ ، وقالتْ بِصَوْتٍ خافتٍ كأنَّها تُخاطِب الغائبين
: (( هَا نَحْنُ باقون ، لَمْ نَتَحَوَّلْ إلى رَمادٍ ، نَحْنُ الزَّهْرة التي
نَبَتَتْ مِنْكُم )) . ثُمَّ أغلقتْ عَيْنَيْهَا ، واستراحتْ . وفي الصَّباحِ
التالي ، أشرقت الشمسُ على القَريةِ التي وُلِدَتْ مِنَ الرَّماد .
لَمْ تَعُدْ قَرْيَةَ مَوْتٍ ،
بَلْ قَرية ذاكرةٍ وَضِياء . لَقَد خَرَجَت القَريةُ مِنْ بُوصلةِ البارودِ
وَخَريطةِ الرَّماد ، كأنَّ الحريقَ لَمْ يَكُنْ ، وَغَرَّدَ العُصفورُ المَذبوحُ
فَوْقَ أطلالِ الأمْسِ المَكسور ، يُعْلِنُ بَدْءَ الحِكايةِ مِنْ جَديدٍ .
78
أرادَ صِرْبُ البُوسنةِ أنْ
يَكُونوا جُزْءًا مِنْ دَولةٍ صِرْبية مُهيمِنة في البَلْقَان . " صِرْبيا
الكُبرى " التي تَصَوَّرَهَا الانفصالِيُّون الصِّرْبُ مُنْذُ فَترةٍ طويلة .
في لَيْلِ البَلْقَان
المُظْلِم ، كانَ الصَّمْتُ يَصْرُخ ، والسَّماءُ تُمطِر رَمادًا لا مَطَرًا . تحت
أقدامِ الجُنودِ الصِّرْبِ ، كانت الأرضُ تَرتجِف ، تَحمِل في أحشائها أنينَ قُرى
أُحْرِقَتْ ، وأطفالًا لَمْ يَعرِفوا مَعنى الطُّفولةِ إلا في صُوَرٍ مُمزَّقة على
جُدرانِ البُيُوتِ المُهدَّمة .
كَمْ مِنْ أُمٍّ بَقِيَتْ
تنتظر عِند بابٍ مُنهار ، وكَمْ مِنْ شَيْخٍ خَبَّأ صَوْتَه في كَومةِ الذِّكْرياتِ
فَلَمْ يَسْمَعْهُ أحد. أرادوا أنْ يَصْنَعُوا وطنًا مِنْ رَماد الآخَرين، أنْ
يُؤَسِّسُوا دَولةً تُبنَى على عِظَامِ الأبرياء ، فصاروا يَكْتُبون تاريخَهم
بالحِقْدِ لا بالحِبْرِ ، وَيَزْرَعُون خَرائطَهم بِدِمَاءِ النِّساءِ والأطفالِ
والشُّيوخِ .
الدَّمُ لا يُمحَى بالصَّمْتِ، ولا تُقَامُ
دَولةٌ على أنقاضِ الإنسانيَّة . في كُلِّ رَصاصةٍ أطْلَقُوها ، وُلِدَتْ ذاكرةٌ ،
وفي كُلِّ قَبْرٍ حَفَرُوه ، نَبَتَتْ شَجرةُ مُقاوَمةٍ تُخبِر الأجيالَ أنَّ
العَدالة قَدْ تَغِيبُ حِينًا ، لكنَّها لا تَمُوت .
صِرْبُ البَلْقَانِ قَدْ
يَنالون الأرضَ ، لكنَّهم لَنْ يَنالوا الطُّهْرَ الذي سُفِكَ عَلَيْهِ دَمُ
الأبرياءِ . وذاكرةُ البُوسنةِ سَتَبْقَى شاهدةً على أنَّ الجُرْحَ وإنْ طالَه
النِّسْيان ، لا يَفْقِدُ صَوْتَه ، بَلْ يَتحوَّل إلى نِداءٍ خالدٍ في ضَميرِ التاريخِ
.
هاجمَ الصِّرْبُ البَلدات ذات
الأغلبيَّة البُوسنيَّة ، بما في ذلك زفورنيك ، وفوتشا ، وفيسيغراد ، وطَرَدُوا
المَدَنيين البُوسنيين قَسْرًا مِنَ المَنطقةِ في عملية وَحْشِيَّة عُرِفَتْ
لاحقًا بأنَّها تَطْهير عِرْقي ، وقاموا بعمليات قَتْلٍ واسعة ضِمْن مَنهجية
الإبادةِ الجَمَاعِيَّة .
يَختلف التَّطهيرُ العِرْقيُّ
عَن الإبادةِ الجَمَاعِيَّةِ في أنَّ هَدَفَه الأساسيَّ هُوَ طَرْدُ مَجموعةٍ مِنَ
الناس مِنْ مَنطقة جُغرافية ، وَلَيْسَ التَّدمير المادي الفِعْلي لِتِلْك
المَجموعة ، على الرَّغْمِ مِنْ إمكانيَّة استخدامِ نَفْسِ الأساليب ، بِما في ذلك
القَتْل والاغتصاب والتَّعذيب والتَّهجير القَسْرِي .
إنَّ التَّطهير العِرْقي هُوَ
مُحاولة إزالة مَجموعة عِرْقية أوْ دِينية مُعيَّنة مِنْ مَنطقة جُغرافية مُعيَّنة
، إمَّا عَنْ طريقِ التَّرحيلِ القَسْرِيِّ، أو العُنْف ، أو التَّهْجير ، بهدفِ
جعلِ المَنطقةِ " نَقِيَّة " عِرْقِيًّا .
والنِّيَّةُ الأساسيَّة هي
إفراغ مَنطقة مِنْ مَجموعة سُكَّانية مُعيَّنة ، وَلَيْسَ بالضَّرورةِ قَتْلهم
جميعًا ، وإنَّما طَرْدُهم أوْ إرغامهم على الفِرَار. والوَسائلُ هِيَ التَّهْجيرُ
القَسْري ، والتَّرويعُ بالعُنْفِ أو التَّهديد، والاعتقالات الجَمَاعِيَّة ،
وتَدمير المَنازل والمُمتلكات ، والاغتصاب والعُنْف الجِنْسِي ( كَوَسيلة تَرْويع
) ، وأحيانًا القَتْل ، ولكنْ كوسيلة ، وَلَيْسَ هدفًا أساسيًّا .
أمَّا الإبادةُ الجَمَاعِيَّةُ
فَهِيَ تَدْمير مَجموعة قَوْمِيَّة ، أوْ عِرْقية ، أوْ دِينية ، أوْ إثنية ،
بشكلٍ كاملٍ أوْ جُزئي . والنِّيَّةُ الأساسيَّةُ هِيَ قَتْلُ المَجموعةِ ، أو
القَضاء عَلَيها فِعْلِيًّا ، جُزئيًّا أوْ كُلِّيًّا ، بسببِ انتمائها العِرْقي ،
أو الدِّيني ، أو الإثني . والوَسائلُ هِيَ القتلُ الجَمَاعي ، وإحداثُ ضَرَر جسدي
أوْ نَفْسي جَسِيم لأفرادِ المَجموعة ، وَفَرْضُ ظُروف حياة تَهْدِف إلى تَدْميرهم
، ومنعُ الإنجابِ ، وَنَقْلُ الأطفالِ قَسْرًا مِنْ مَجموعة إلى أُخْرَى .
التَّطهيرُ العِرْقيُّ لَيْسَ
مُجرَّد طَمْسٍ لأرواحِ البشر ، بَلْ هُوَ أيضًا مَحْوٌ لذاكرتهم ، وتاريخِهم ،
وأغانيهم التي كانتْ تُغَنَّى في الأُمْسِيَات البعيدة . والإبادةُ الجَمَاعِيَّةُ
هِيَ اقترافُ الجَريمةِ بِاسْمِ الهُوِيَّةِ ، فَيُقْتَل الإنسانُ لأنَّهُ "
كانَ هُوَ " . في صَمْتِ العَالَمِ ، تُباد أُمَّةٌ كاملة ، وَتَبْقَى الأرضُ
شاهدةً عَلى صُراخٍ لَمْ يَسْمَعْهُ أحد .
في زوايا الذاكرةِ
المُدَمَّاةِ ، تَصْرُخُ الأرضُ مِنْ صَمْتِ القُبورِ الجَمَاعِيَّة. ولا ذَنْبَ
للضَّحَايا سِوى أنَّهُم وُلِدُوا عَلى هُوِيَّةٍ لَمْ تُرْضِ سَادَةَ الدَّمِ .
79
لَمْ يَكُنْ هُناك عاقلٌ
تَوَقَّعَ أنَّ المُسْلِمين البُشْناق سَيَجْرُؤُون عَلى مُواجهةِ آلَةِ الحربِ
الصِّرْبِيَّة ، التي سَيْطَرَتْ بشكلٍ كامل على أسلحةِ الجَيْشِ اليُوغُسلافي ( رابع
أكبر جَيْش في أُوروبا مِنْ حَيْثُ العُدَّة والعَتَاد ). وَلَمْ يَكُنْ
للمُسْلِمين البُشْناق أيُّ تَشكيلٍ عَسكري مُنظَّم ، أوْ حُدود مَفتوحة تَسْمَح
بِتَلَقِّي الدَّعْمِ . كانَ أمْرًا جُنونيًّا في نظرِ الكثيرين ، لكنَّه نَجَحَ
في الحَدِّ مِنَ الخَسائرِ في الأرضِ والأرواحِ ، وإيقاف الالتهام الصِّرْبي
لأراضي البُوسنة عِند حَدِّه . ويُعْزَى الفضلُ في ذلك بَعْدَ اللَّهِ لِبَسَالَةِ
الجَيْشِ البُوسني الذي تَشَكَّلَ على عَجَلٍ ، نِصْفُه مِنَ الجُنود المُسَجَّلين
، وَنِصْفُهُ الآخَر مِنَ المُتَطَوِّعين وَرِجَالِ الشُّرطة . وَضِمْنَ أقسامِ الجَيْشِ
كانتْ هُناك مَجموعة مُهِمَّة ، المُجاهِدون ، قاموا بِدَوْرٍ فَعَّال ، وأثاروا
الكثيرَ مِنَ الجَدَلِ فِيما بَعْد .
تَنَوَّعَت المَهَامُّ التي
قامَ بها المُجاهِدون ، وَأهَمُّها تدريب أفراد مِنَ الجَيْشِ البُوسني على
مَهارات القِتال ، وَتَوَلَّوْا مُهِمَّات الإغاثة والإسناد ، وَشَكَّلُوا رَأسَ
حَرْبَةٍ لأفرادِ الجَيشِ البُوسني في بعضِ مَعاركه . وَمِنْ إنجازاتِهم البارزة
مُشاركتهم القَوِيَّة في تَحرير مَناطق إستراتيجيَّة مِنَ السَّيطرةِ
الصِّرْبِيَّة .
كانَ لِجَيْشِ البُوسنةِ
والهِرْسِك وَحْداته الخاصَّة بِه ، لكنْ في المَراحلِ الأُولَى مِنَ الحربِ لَمْ
يَكُونوا عَلى مُستوى الجَيشِ الصِّرْبي . في الواقعِ ، كانَ للجانبِ الصِّرْبي
مِيزَة وَتَفَوُّق في كُلِّ شَيْءٍ تقريبًا . وكانَ الجَيشُ البُوسني بِحَاجَةٍ
إلى شَيْء لِمُوازنة الخَوف . المُجاهِدون كانوا المُضَادَّ القوي لهذا الخَوف .
وَهِيَ قُوَّاتٌ مُناسِبة لاستخدامِها في الصِّراعِ معَ القُوَّاتِ الصِّرْبِيَّة
، فَقَدْ كانتْ مُتَفَوِّقَة في كَسْرِ الحِصَار ، وكَيفيةِ الاقتحام ، وعُبور خطر
الألغام الأرضيَّة . هؤلاء هُمُ الأشخاصُ الذينَ شاركوا في المَعارِك ، مُدرَّبون
تدريبًا جَيِّدًا . وَسَوْفَ يَذهبون مُبَاشَرَةً إلى مَواقع مُعادِية ،
وَيَمُرُّون في حقلِ ألغامٍ ، وَيَقُومون بأشياء لَنْ يَفْعلها الجُنودُ
البُوسنِيُّون أبدًا . جاءَ المُجاهِدون الأجانبُ للمَوْتِ مِنْ أجلِ الإسلامِ ،
وكانَ البُوسنِيُّون يُريدون العَيْشَ مِنْ أجْلِه .
نَظَّمَت الحُكومةُ
البُوسنيَّة رسميًّا مُتَطَوِّعين أجانب في مَفْرَزَة تُعرَف باسمِ المُجاهِدين ،
مِنْ أجلِ فرضِ السَّيطرةِ والنِّظامِ. في البِدايةِ قَدَّمَ المُجاهِدون الأجانب
الطعامَ والضَّرُوريَّات الأساسيَّة الأُخْرَى للسُّكَّانِ المُسْلِمين
المَحَلِّيين الذينَ حَرَمَتْهُم القُوَّاتُ الصِّرْبِيَّة مِنْ ذلك .
بِمُجرَّد اندلاعِ الحربِ بَين
الحُكومةِ البُوسنيَّة والقُوَّاتِ الكُرواتية ، شاركَ المُجاهِدون أيضًا في
مَعارك ضَارِيَة ضِد مَا يُسَمَّى مَجْلِس الدِّفاعِ الكُرواتي جَنْبًا إلى جَنْبٍ
مَعَ وَحَدَات جَيش جُمهورية البُوسنة والهِرْسِك .
قامَ المُجاهِدون الأجانب
بِتَجنيد الشَّبابِ المَحَلِّيين ، وتَقْديمِ التَّدريبِ العَسكريِّ ، والزِّيِّ
العَسكريِّ والأسلحةِ . ونتيجة لذلك انضمَّ بعضُ البُشناق إلى المُجاهِدين الأجانب
، وأصبحوا في هذه العملية مُجاهِدين مَحَلِّيين . وَسُرعان مَا تَعَرَّضُوا
لانتقاداتٍ شديدة مِنْ بعضِ الناسِ الذينَ زَعَمُوا أنَّ وُجودهم دليل على
الأُصُولِيَّة الإسلاميَّة العنيفة في أُوروبا . حَتَّى إنَّ المُتَطَوِّعين
الأجانب أصبحوا لا يَتمتَّعون بِشَعْبية لَدى العَديد مِنَ السُّكَّانِ البُوسنيين
، لأنَّ الجَيش البُوسني كانَ لَدَيْه الآلاف مِنَ القُوَّات ، وَلَمْ يَكُنْ
بِحَاجَةٍ إلى المَزيدِ مِنَ الجُنود ، بَلْ إلى السِّلاح .
كانَ العَدِيدُ مِنْ ضُبَّاطِ
الجَيشِ البُوسني والمُثَقَّفين يُشَكِّكون في وُصولِ المُتَطَوِّعين الأجانبِ إلى
الجُزْءِ الأوسطِ مِنَ البِلاد ، لأنَّهُم أَتَوْا مِنْ سبليت وَزَغْرِب في
كُرواتيا ، وَقَدْ مَرُّوا عَبْرَ الجُمهوريةِ الكُرواتية في البُوسنةِ والهِرْسِك
دُون مَشاكل ، عَلى عَكْسِ جُنودِ الجَيشِ البُوسني الذينَ تَمَّ اعتقالُهم مِنْ
قِبَلِ القُوَّاتِ الكُرواتية بانتظام .
وَقَد اعتبرَ بعضُ القادةِ
البُوسنيين أنَّ المُجاهِدين الأجانب ذَوُو قِيمة رَمزية كدليلٍ على دَعْمِ
العَالَمِ الإسلاميِّ للبُوسنةِ والهِرْسِك ، معَ أنَّهُم لَمْ يُحْدِثُوا فَرْقًا
عَسكريًّا كبيرًا ، وأصبحوا عِبْئًا سِياسيًّا كبيرًا .
80
حِصَارُ سَراييفو ، إنَّه
الكابوسُ المُرعِب ، والجَحِيمُ المُخِيف ، الذي وَجَدْتُ نَفْسِي في قَلْبِه .
أنا الشَّخْصُ النَّكِرَةُ الذي كُنْتُ طِفْلًا في قَريةٍ مَنْبُوذة في صَحْرَاء
مَنْسِيَّة ، وأنا الآن شَابٌّ فاشلٌ وعاجزٌ وضعيفٌ في مَدينةٍ أُوروبية
مُحَاصَرَة . ماذا أفعلُ هُنا ؟ ، كَيْفَ وَصَلْتُ إلى رَحِمِ البُركان ؟ ، مَا
الذي جاءَ بِي إلى هَذا المَكانِ في اللامَكَانِ واللازَمَان ؟.لا أفْهَمُ لُغَةَ
الحِصَارِ،ولا أصْلُحُ للقِتَالِ.
إنَّهُ الحِصَارُ الأطولُ في
التاريخِ الحديث، حَيْثُ اسْتَمَرَّ أكثر مِنْ 1400 يَوْمًا . وهَذا أطْوَلُ ثلاث
مَرَّات مِنْ حِصَار ستالينغراد ، وأطْوَلُ بِسَنَةٍ مِنْ حِصَارِ لينينغراد .
" مَرْحَبًا بِكُم في
جَهَنَّم " ، عِبارة كانتْ مَكتوبةً على جِدار في سَراييفو ، عاصمةِ
البُوسنةِ والهِرْسِك ، لَخَّصَتْ حالَ المَدينةِ تَحْتَ أطول حِصَار في أُوروبا
بَعْدَ الحربِ العالمية الثانية ، الذي بَدَأتْهُ القُوَّاتُ الصِّرْبِيَّة في
نَيسان / أبريل 1992 ، واستمرَّ أربع سنوات .
سَيْطَرَ الصِّرْبُ عَلى
الجِبالِ المُحيطةِ بِسَراييفو ، مِمَّا أتاحَ لَهُم المُراقَبةَ الدَّقيقة
لِكُلِّ حَرَكَةٍ تَتِمُّ فِيها . كانَ السُّكَّانُ يَتَعَرَّضُون لإطلاقِ النار
بِكَثافةٍ عِندَما يُحاولون التَّسَلُّلَ إلى خارجها .
حاصرت القُوَّاتُ الصِّرْبيةُ
سَراييفو بآلاف الجُنود الذين تَمَركَزُوا عَلى التِّلال المُحيطة بالمَدينة ،
وَقَصَفُوا المَدينةَ بالمِدْفَعِيَّةِ ، وقذائفِ الهاون والدَّبَّابات ،
والمَدافعِ المُضَادَّة للطائرات ، والمَدافعِ الرَّشَّاشَةِ الثقيلة ، وقاذفاتِ
الصَّواريخ ، وَقَنابلِ الطائرات ، وَبَنادقِ القَنَّاصَة . وكانَ القَصْفُ
مُتواصلًا لا يَهْدَأ . وَقُوَّاتُ الدِّفاعِ البُوسنيَّة داخل المَدينةِ
المُحَاصَرَةِ ضعيفةٌ ، وغَيْرُ قادرةٍ عَلى فَكِّ الحِصَار، وَلَيْسَ لَدَيْهَا
خُطَّةُ عَمَلٍ ، وتَسليحُها بسيط .
أَحْكَمَ الصِّرْبُ الحِصَارَ
عَلى سَراييفو ، وَمَنَعُوا عَنها الغِذاءَ والدَّوَاءَ . جَعَلَت القَذائفُ
المَدينةَ كَوَجْهٍ أصابه الجُدَرِيُّ ، ونالتْ مِنَ الناسِ ، لكنَّها لَمْ تَنَلْ
مِنْ عَزيمتهم . سَيْطَرَت قُوَّاتُ الأُمَمِ المُتَّحدة على مَدْرَجِ المَطار ،
إذْ كانتْ خُطَّة مُحْكَمَة لِتَمكينِ الصِّرْبِ مِن استدامةِ حِصَارِهِم لِنِصْفَ
مَلْيُون مُسْلِم بُوسني .
حاولَ البُوسنِيُّون الخُروجَ
مِنَ المَدينة، إمَّا لِتَوفيرِ الغِذاءِ والاحتياجاتِ ، أو الفِرَار . كانتْ
نُقْطَةُ مَطَار سَراييفو هِيَ الأفضل ، إلا أنَّ العُبور كانَ يَعْني الانتحارَ
المُحَقَّق ، حَيْثُ قُتِلَ أكثر مِنْ 500 شخص ، وَهُمْ يُحاولون تَجَاوُزَ
المَدْرَجِ ، فَقُوَّاتُ الصِّرْبِ التي تُسيطِر على الجِبالِ المُحيطة بالمَطار،
تَحُول دُون وُصول الإمدادات العَسكرية أو الغِذائية إلى قلبِ المَدينةِ
المُحَاصَرِ .
أَطْبَقَ الصِّرْبُ الحِصَارَ
عَلى سَراييفو حتى جاعَ الناسُ ، وَلَمْ تَكْفِ المُساعدات التي تُلْقيها
الطائراتُ لِتَمْلأ الأمعاءَ الخاوية . أَكَلُوا أوراقَ الشَّجَرِ ، والتقطت
النِّسَاءُ الحَشائشَ مِنَ الأرضِ لِتَسُدَّ جُوعَ الصِّغَار ، وَسَقَطَ الآلافُ
بَيْنَ شَهيدٍ وجَريحٍ ، الغالبيَّةُ العُظمى مِنهُم مَدَنِيُّون ، وَدُمِّرَتْ
مَعالمُ المَدينةِ الثَّقَافِيَّة، وأدَّى الحِصَارُ إلى تَغَيُّرَاتٍ سُكَّانية
كَبيرة .
81
سَراييفو ، حِينَ بَكَت
التِّلالُ ، ونامت الأرواحُ جائعةً . في حِضْنِ الجِبال ، حَيْثُ كانت الأشجارُ
تَشْهَد عَلى كُلِّ وِلادةٍ وكُلِّ مَوْتٍ ، سقطتْ سَراييفو في مِصْيدةِ الزَّمَنِ
، لا لِذَنْبٍ اقْتَرَفَتْهُ ، بَلْ لأنها أحبَّت الحياةَ أكثرَ مِمَّا يَحْتمل
الطُّغاة .
كانت المَدينةُ تُطرِّز
أيَّامها بِقَهوةٍ تُسكَب عَلى حَوَافِّ الصَّباح ، وَبِضِحكةٍ تَتسلَّل مِنْ
نافذةِ طِفْلٍ يَتعلَّم كَيْفَ يَنطِق الكلمةَ الأُولى . للشِّتاءِ فِيها أنفاسٌ
دافئة ، وللثلجِ مَعْنى لا يُشبْه الحِصارَ ، بَلْ يُشبِه الذاكرةَ ، يُشبِه
النَّقَاءَ . فَجْأةً ، انقلبت الجِبالُ إلى فُوَّهات ، وانقلبت الشُّرُفَاتُ إلى
أهداف. لَمْ تَعُد النوافذُ تُفْتَح للهواء ، بَلْ لِتَتحقق مِن اتجاهِ القَنْص.
لَمْ يَعُد الطِّفْلُ يقول: (( أُمِّي ، هَلْ سَيَعُود العُصفور ؟ )) ، بَلْ
يَسألها بصوتٍ مُرتجف : (( هَلْ سنموت اليَوْمَ أمْ غدًا ؟ )) .
سَراييفو لَمْ تُحاصَر فَحَسْب
، بَلْ نُسِيَتْ ، تُرِكَتْ لِتَموت بِبُطْء . لَمْ يَعُدْ أحدٌ يَسْمع صوتَ
الانفجاراتِ فيها ، لأنَّها صارت اعتيادًا ، وَلَمْ يَعُدْ أحدٌ يُحْصِي القَتلى ،
لأنَّ المَوْتَ صارَ مُزْدَحِمًا فَوْقَ كُلِّ رَصيفٍ. المَدينةُ تُرِكَتْ
لِمَصيرها، تُقَاتِل وَحْدَها ، لَيْسَ ببنادق ، بَلْ بِخُبْزٍ تُخبِّئه
الأُمَّهَاتُ ، وبأملٍ يُهرَّب في نَظرةِ العَجائزِ إلى الأُفُقِ البعيد . يأكلون
الماءَ حِينَ لا خُبْز ، ويَشربون الظِّلالَ حِين لا ضَوْء . وفي كُلِّ لَيلةٍ ،
تُروَى الحِكاياتُ عَن شبحِ الحياةِ التي كانتْ ، قبل أنْ يَتسرَّب الجُنونُ إلى
كُلِّ زُقَاق . أيَّامٌ كثيرةٌ وطويلةٌ ، والثلجُ يَسقط فَوق الدم ، والشِّتاءُ
يَعْبُر دُون أنْ يُهدَى غِطاء لطفلٍ يَرتجف ، وَالمَدينةُ تَكتُب رسائلَها عَلى
جُدرانِها: (( كُنَّا نُحِبُّ ، كُنَّا نَعيش ، كُنَّا نُغَنِّي ، لا تَجعلوا
الذاكرةَ حُفْرَةً )) .
لَمْ تَكُنْ سَراييفو مُجرَّد
مَدينة تُقْصَف . إنَّها مِرْآة لإنسانيَّةٍ تَرتجف ، وَمِحْرَاب لصبرٍ يَفُوق
الوصفَ . لَمْ يَسْقطوا رَغْمَ كُلِّ شَيْء . العُيونُ المُنطفئةُ مَا تَزَال
تَحتفظ بِشَرارةٍ ، تِلْكَ التي تقول دُون كلام : (( أن نعيشَ ، وَلَوْ تَحْتَ
الأنقاضِ ، هُوَ انتصار )) .
واليَوْم ، حِينَ تَعْبُر
أقدامٌ جديدةٌ أرصفةَ المَدينةِ ، وَتَتعانق الضَّحِكَاتُ في ساحاتها ، لا تُسمَع
أصوات الانفجارات . لكنْ مَنْ يَعْرِفُها ، يَسْمَع النِّداءَ القديم في صَمْتِها
: (( تَذَكَّرُوني ، لا لأنَّني مِتُّ، بَلْ لأنَّني قاومتُ حتى النهاية )) .
82
تِلْكَ المَدينةُ المُحاصَرة
بَيْنَ الجِبال . سَراييفو تُشبِه قلبًا نابضًا داخل قفصٍ مِنَ الحديد . لَمْ
تَكُن الجِبالُ التي تُحيطُ بِها تضاريس طبيعية فَحَسْب، بَلْ هِيَ أيضًا عُيون
مِنْ حَجَرٍ تُراقِب أنفاسَها، وأنيابٌ مِنْ نارٍ تَتربَّص بِكُلِّ مَنْ يُحاوِل
أنْ يَلتقط نَسْمَةَ حُرِّيةٍ . هُناك ، فَوْقَ القِمَمِ الباردة ، كانَ الصِّرْبُ
يَزْرعون بَنادقَهم كَما تُزرَع الأشجار ، ويُمسِكون بِقَبضةٍ مِنْ حَديدٍ بِخُيوطِ
الحَياةِ التي تَنحدِر إلى الوادي ، حَيْثُ الناس ، والذكريات ، والبُيوت التي
تَنام على وَجَعٍ قديم .
سَراييفو تُرى كاملةً مِنَ
الأعلى: الأزِقَّة ، والأسْطُح ، والطُّرُقات الضَّيقة التي كانتْ يَوْمًا مَسالكَ
الأطفالِ نَحْوَ المَدارسِ والمَلاعبِ . كُلُّ حركةٍ فيها تُقَابَل بِحَدَقَةٍ
مُتربِّصة مِنْ بَعيدٍ ، وَعَدَسَةٍ تَبحثُ عَنْ هدفٍ جديد . صارَ الخُروجُ مِنَ
المَنزِل مُجَازَفَةً تُشبِه تَحَدِّي المَوْت ، وصارَ الهواءُ يُقَاسُ
بالرَّصَاصِ والبارود . لَمْ يَكُن الناسُ يَسِيرون ، بَلْ يَزْحَفون في الظِّلال
. يُخبِّئون أجسادَهم خلف جُدرانٍ مُتْعَبَة فَقَدَتْ لَوْنَها مِنَ الخَوفِ
والدُّخان .
كانَ الليلُ هُناك أكثرَ مِنْ
ظَلامٍ . إنَّه غِطاء مِنْ تَرَقُّب . تَهمِس الأُمهاتُ في العَتَمةِ للأطفالِ عَن
صَباحٍ سيأتي بِلا قَنْص ، وَعَن شمسٍ سَتُطِلُّ مِن خلف الجبال دُون أن تتلطَّخ
بالدَّم . لكنَّ الصُّبْحَ حِين يأتي ، لا يَحمِل معه سِوى صَفِير الرصاص ، وصَدى
الانفجارات التي تَصعَد إلى السَّماءِ كأحلامٍ مِنْ رماد . الحَياةُ تُصِرُّ على
أنْ تَبقى . امرأةٌ تُشعِل مَوْقِدَها لِتُعِدَّ الخُبْزَ رغم القَصْف ، وَرَجُلٌ
يُغامِر بحياته لِيَجْلِبَ دَلْوَ ماءٍ مِنْ نَبْعٍ قريب، وَطِفْلٌ يركضُ في لحظةِ
غَفلةٍ مِنَ العُيونِ القاتلة، لِيَقْطِفَ وَردةً مِنْ بَين الرُّكام. سَراييفو،
رَغْمَ الجُوعِ والحِصَار ، تُمارس فِعْلَ المُقاوَمة بصمتٍ نبيل ، وكأنَّها تقول
: (( لَنْ تهزموا مدينتنا ما دامَ فيها مَنْ يَحْلُم )) .
أرادوا أنْ يَجعلوا مِن الجبال
عُروشًا للهَيمنة ، وَمِنَ النظرِ إلَيها رمزًا للخَوف ، لكنَّ الجبال بِرَغْمِ ما
فيها مِنْ مَدافِع ، تَحفظ سِرَّ الأرضِ التي تحتها ، وَتَعرِف أنَّ مَنْ يَسْكُن
الوادي لا يُهزَم بسهولة ، وأنَّ العُيون التي تبكي اليوم ستصير غدًا نارًا مِن
عزيمة . وهَكذا ظَلَّتْ سَراييفو تُحاصَر وَتُراقَب ، لكنَّها لَمْ تُخنَق .
ظَلَّتْ تَنزِف ، لكنَّها لَمْ تَمُتْ . في كُلِّ حَجَرٍ فيها ، وكُلِّ نافذةٍ
مُهدَّمة ، وكُلِّ جِدارٍ اخترقته رصاصة ، كانَ هُناكَ نَفَسٌ مِنْ كِبرياء ،
يُردِّد للعَالَمِ أنَّ المدينة التي تُطلَق عَلَيها النار حِين تتحرَّك ، مَا
زالتْ تَتحرَّك . وفي النِّهايةِ ، حين انحسرَ الدُّخَان ، وباتت الجبالُ صامتةً
بعد طُولِ صَخَبٍ ، بَدَتْ سَراييفو كَعَجُوز خارجة مِن تحت الأنقاض. تَمسَح عن
وجهها غُبارَ الذاكرة ، وتَنهض. تَعرِف أنَّ مَنْ يُحاصَر بالجُدران قَدْ يُكسَر
جَسَدُه ، لكنْ لا يُمكِن لأحدٍ أنْ يُحاصِر رُوحًا وُلِدَتْ مِنَ الحَنينِ
والصَّبْر .
انتصرَ الصِّرْبُ في الارتفاع
، لكنَّهم خسروا في العُمْق. الجِبالُ التي ظَنُّوها مَقاعدَ للقُوَّة ، حفظتْ في
صُخورها أنينَ الأطفالِ ، وأسماءَ الذينَ مَضَوْا ، حتى صارتْ تَشهَد عَلَيهم لا
لَهُمْ . أمَّا سَراييفو فَقَدْ ظَلَّتْ تَتَنَفَّس بَين الجِراح ، كما تَتنفَّس
الأرضُ بعد المطر ، تُعيدُ بِناءَ ملامحها مِنَ الرماد، وَتَزرع وردًا في
الشُّقوقِ التي خَلَّفَها الرصاص.هُناك، في عُيونِ مَنْ بَقُوا، صارت المدينةُ
رمزًا لا يُطفَأ، رمزًا للذينَ أحَبُّوا الحياةَ رَغْمَ أنَّ الموت كان يُراقبهم
مِنْ كُلِّ قِمَّة، رمزًا لأُولئكَ الذين ساروا بِخُطُواتٍ واثقة في أرضٍ
مُعلَّمةٍ بالنِّيران ، فَقَط لِيَقُولوا : (( نَحْنُ هُنا ، وَمَا زالَ القلبُ
يَنبِض )) .
سَراييفو مَدينةٌ لَمْ
تُهْزَمْ ، بَلْ عَلَّمَت العَالَمَ أنَّ البقاء لَيْسَ أنْ تعيش ، بَلْ أنْ تُصِرَّ
على أنْ تَظَلَّ إنسانًا، حتى تَحْتَ قَصْفِ التِّلالِ ، وَقَنْصِ الجِبال ، وأنْ
تَحفظ في قلبك وَردةً لا يَراها أحد ، وأنْ تَرفع رَأسَكَ رَغْمَ انحناءِ
الجُدرانِ مِنْ حَوْلِكَ ، وأنْ تَسْمَعَ في صَخَبِ الدَّمارِ خَفْقَةَ الحياةِ ،
وأنْ تَبقى قادرًا على البُكاءِ دُون خَجَلٍ ، لأنَّ الدَّمْعَ تحت النارِ شَهادةُ
بقاءِ الرُّوحِ حَيَّةً .
83
الضَّبابُ يَهْبِطُ بِبُطْءٍ
على القِمَمِ البَيضاء ، يَغْمُر السُّفوحَ بالحُزْنِ نَفْسِه الذي اسْتَوْطَنَ
المَدينةَ مُنذ زمن لَمْ يَعُدْ أحدٌ يَقْدِر على تَذكُّره بِدِقَّة. هُناك ، على
الجِبالِ المُحيطةِ بِسَراييفو ، كانت العُيونُ الزُّجاجية للمَناظيرِ تَلْمَع في
الصَّباحِ مِثْلَ جَليدٍ لا يَذُوب . عُيون تُراقِب ، وَتُحْصِي الأنفاسَ ،
وَتَنتظر الحركةَ الأُولَى لِتُطْلِقَ النارَ . في الأزِقَّةِ الضَّيقة ، كانَ
الأطفالُ يَتعلَّمون كَيْفَ يَركُضون مِنْ ظِلٍّ إلى ظِلٍّ، وكأنَّ اللعبَ صارَ
تَدريبًا على النَّجاة . تَقْطَع النِّساءُ الطريقَ بَين البُيوتِ المُتداعية
بِخُطُواتٍ مَحسوبة . يَحْمِلْنَ أوعيةَ الماءِ الفارغة كأنَّها قنابل قابلة
للانفجار . صَوْتُ القَنْصِ يأتي مِنْ فَوْق ، حادًّا كَصَفِيرٍ مَعْدِنيٍّ
يَسْبِقُ الصَّمْتَ الأبَدِيَّ .
في أحَدِ البُيُوتِ المُحاصَرة
بالرُّكام ، جلستْ آمِنَة قُرب النافذة التي حَوَّلوها إلى ثُغْرَةِ مُراقَبةٍ .
تنتظرُ زَوْجَها الذي خرج مُنذ الفجر لِيَجْلِبَ قليلًا مِنَ الطحين مِنَ الطرفِ
الآخَر مِنَ الحَيِّ . لَمْ يَعُدْ بَعْد . عرفتْ أنَّ الطريق نَحْوَ الخُبْزِ
صارَ طريقًا نَحْوَ الغِياب . ظَلَّتْ تَنظُر إلى الجِبال ، إلى تِلْك النِّقَاطِ
الداكنة التي تَتحرَّك بَين الصُّخور ، كأنَّها تَترصَّد قَلْبَها بالذات .
في الليلِ ، حِينَ تَهدأ
الطَّلَقَاتُ، وتَبدأ أصواتُ الرِّيحِ في احتلالِ المَدينة ، كانَ الناسُ
يَتحدَّثون هَمْسًا عَن اليَوم الذي سَتَسْكُت فيه البَنادق . لَمْ يَكُنْ أحدٌ
يَجْرُؤ على الحُلْمِ بصوتٍ مُرتفع ، فالأحلامُ نَفْسُها باتتْ تُقْنَص إذا خرجتْ
مِنَ الفَمِ .
معَ كُلِّ فجرٍ جديد ، تَستيقظ
سَراييفو مِنْ تَحْتِ الرُّكامِ مِثْلَ طائرٍ جريح يُصِرُّ على رَفرفةِ جناحه
الأخير . لَمْ تَكُن الهَزيمةُ خِيارًا ، بَلْ كانت الضَّعْفَ المُؤقَّت قبل أنْ
يَسْتعيد القلبُ نَبْضَه . وَبَين الجبلِ والمَدينة، ظَلَّ خَطُّ النار قائمًا،
يَرسُم الحَدَّ الفاصلَ بَيْنَ مَنْ يُطِلُّ مِنْ فَوْق لِيَقْتُلَ وَمَنْ يعيش في الأسفل لِيَبقى إنسانًا مَهما
كانت الجِرَاح .
جَلَسَ القَنَّاصُ في مَوقعه
مُنذ الفجر ، خلف صخرةٍ تُشبِه كَتِفًا حجريًّا يُطِلُّ على المدينة . المَدى
واسعٌ أمامَه . لكنَّه لا يَرى سِوى دائرةٍ صغيرة في مِنظار البُندقية . دائرةٌ
تُخْتَزَل فيها حَياة كاملة : شارع ، شُرفة ، نافذة ، إنسان يَتحرَّك .
القَنَّاصُ يَعرِف أسماءَ
الأحياءِ ، لَيْسَ مِن خرائطِ الحرب ، بَلْ مِن هَمَسَاتِ اللاسِلْكي ، وَمِن
صَرَخَاتِ الذينَ يَسقطون.صارَ يُميِّز بَين أصواتِ الركض في الطِّينِ ، وأصواتِ
الركض عَلى الحَصَى. صارَ يَعرِف أيَّةَ لَحْظَةٍ يَخْتارها الخَوْفُ لِيَشُلَّ
الجسدَ .
حِينَ يضع إصبعَه على الزِّناد
، لا يَشعُر بالزمن ، بَلْ يَشعُر بالكراهِيَةِ والفَراغِ ، كأنَّ كُلَّ شَيْء في
داخله أُفْرِغَ مِنَ المَعْنى ، وَلَمْ يَبْقَ سِوى الواجبِ المُجرَّد مِن الرُّوح
. أمامَ المِنظار ، لا يَرى وجهًا بَلْ هدفًا . لا يَسْمَع صوتًا بَلْ حركة . لا
يَتذكَّر شيئًا سِوى أنَّ عَلَيْه أنْ يَضْغَط .
أحيانًا ، بعد الطَّلْقة ،
يَتأخَّر في إنزالِ البُندقية . يَبْقى مُحَدِّقًا في مَكانِ الجسدِ الساقط ،
كأنَّه يَنتظر مِنْه أنْ يَتحرَّك مِنْ جديد . في داخلِه وَحْشٌ كاسرٌ ،
وَجَمْرَةٌ خافتة تُذكِّره بأنَّه وَهْمٌ يُحاوِل إطفاءَ الصَّوْتِ الإنسانيِّ .
في الليلِ ، حِينَ يَعُود إلى
الكُوخِ الحجريِّ على القِمَّة ، يَخْلَع خُوذته ، ويَجلِس في الظَّلام . لا
يَتحدَّث معَ أحدٍ . فَقَط يَسْمَع الرِّيحَ وَهِيَ تَمُرُّ على الفُوَّهةِ
المَعْدِنية للبُندقية ، فَتُصدِر صَفيرًا خافتًا يُشبِه بُكاءً بعيدًا . أحيانًا
، يَضَع أصابعَه في أُذُنَيْه لِيُوقِفَ الصَّوْتَ . يَعُود إلى الحُلْمِ فَيَرَى
ذلك الوجه الصغير الذي لَمْ يَستطعْ نِسيانَه ، يُطِلُّ عَلَيه مِنْ أسفلِ الجبل
بِعَيْنَيْن مَفْتُوحَتَيْن عَلى الدَّهْشَةِ لا الخَوْفِ . مُنذ تِلْك الليلةِ ،
صارَ يَتردَّد قبل كُلِّ طَلْقة . يَدَاه تَرتجفان قليلًا ، والمِنظارُ يَغِيم.
لَمْ يَعُدْ يَعرِف مَنْ يُراقِب مَنْ : أهُوَ الذي يُحدِّق في المَدينة أَم
المَدينة التي صارتْ تَراه وتُحاسبه بصمتها المُمتد في كُلِّ اتِّجاه ؟ .
المَدينةُ في ذلك الصَّباحِ أكثرُ هُدوءًا مِنَ
المُعتاد. البنادقُ قَرَّرَتْ أنْ تأخذ قِسْطًا مِنَ الصَّمْت. خرجتْ آمِنَة إلى
فِناء بَيتها الصغير، تَحمِل دَلْوًا مِن الماءِ لِتَغْسِلَ شيئًا مِنَ الغُبار
الذي غَطَّى الوُجوهَ والجُدرانَ معًا . الهواءُ باردٌ ، لكنَّه نظيف للمَرَّةِ
الأُولَى مُنذ أسابيع .
رفعتْ رَأسَها نَحْوَ الجِبال
. لا شَيْء يَتحرَّك هُناك سِوى خَطٍّ رفيع مِنَ الدُّخَان يَتسلَّل مِنْ كُوخٍ
حَجريٍّ على القِمَّة . بَدَا لها كأنَّ الجبلَ يَتَنَفَّس ، ولا يُراقِب . لَمْ
تَكُنْ تَعْلَم أنَّ ذلك الدُّخَان صادرٌ مِنْ مَوْقِدٍ يُدفِّئ القَنَّاصَ الذي
أرهقه البَرْدُ والكوابيس .
في تِلْك اللحظة ، سقطتْ ورقةٌ
مِنْ شجرةٍ جافَّة في الفِناء ، فاستيقظَ في داخلِها شَيْءٌ يُشبِه الذِّكْرَى ،
الهُدوء نَفْسُه الذي كانَ يَسبِق العواصفَ دائمًا . انتابها خَوْفٌ غامضٌ ،
لكنَّها معَ ذلك تابعتْ تَنظيفَ الأرضِ بِبُطْء ، كأنَّها تُصالِح المَكانَ معَ
قَسْوَتِه، وَتَعْقِد هُدنةً بَيْنَ الزَّمَانِ والاحتضارِ.
في الأعلى، جلسَ القَنَّاصُ
قُرب النار ، يَنظُر مِنْ نافذته الحجرية إلى المدينة . رأى الدُّخَانَ يَصْعَد
مِن البُيوتِ المُتناثرة . وكانَ أحدُها يُصدِر خَيْطًا رقيقًا مِثْلَ الهَمْسِ .
شعرَ أنَّه يَعرِف هَذا الدُّخَانَ، وكأنَّه رأى تِلْك النافذة مِنْ قَبْل ،
يَوْمَ ارتجفتْ يَدُه قَبْلَ أنْ يَضْغَط الزِّنادَ . أطلقَ النارَ بِلا رَحمةٍ
ولا نَدَمٍ . شعرَ أنَّ مَا يَتحرَّك في الأسفلِ هُوَ هَدَفٌ بلا تاريخ ولا حضارة
، وَلَيْسَ حَيَاةً تُحاول البَقاءَ رَغْمَ كُلِّ شَيْء . أخذَ استراحةً مِن
القتلِ كَيْ يُعَاوِدَ القتلَ . وَضَعَ البُندقيةَ جانبًا ، وخرجَ مِنَ الكُوخ .
سارَ على الثلجِ الدَّمَوِيِّ دُون أنْ يَلْتفت . لَمْ يَكُنْ يَعرِف إلى أين
يَذهَب ، فَقَط أرادَ أنْ يَبْتعد عَنْ عَيْنِ المِنظار ، وَعَنْ نَفْسِه القديمةِ
التي تَجَمَّدَتْ خَلْفَه .
في المَدينةِ ، رفعتْ آمِنَة
بَصَرَها إلى السماء . الدُّخَانُ مِن فَوق الجبل يَنقطع بِبُطْء ، ثُمَّ يَتلاشى
في الهواء . لَمْ تَفْهَم السببَ ، لكنَّها أحَسَّتْ أنَّ شيئًا مَا تَغَيَّرَ في
ذلك الصَّباح ، كأنَّ الجبل نَفْسَه أغمضَ عَيْنَيْه أخيرًا .
مَرَّتْ أيَّامٌ قليلة ، وبدأت
الأخبارُ تَتسرَّب كالماءِ عَبْرَ الجُدران.طريقٌ فُتِحَ في الجِهة الجَنوبية،
والجِبالُ التي كانتْ تَلْمَع عُيونُها بالمَناظيرِ صارتْ صامتةً . لَمْ يُصَدِّقْ
أحدٌ في البِداية ، فالصَّمْتُ في سَراييفو لَمْ يَكُنْ يَعْني السَّلامَ ، كانَ
دَوْمًا مُقَدِّمَةً لِشَيْءٍ غامضٍ وَمَجهول .
لكنْ هَذه المَرَّة ، ظَلَّ
الصمتُ مُستمرًّا . لا طَلَقَات ، لا صَفِير رَصَاص . لا نِيران قَنَّاصَة . فَقَط
نُباح كلبٍ يأتي مِنْ مَكانٍ بعيد ، وَصَوْت عَرَبَةٍ تَجُرُّها يَدَان
مُتْعَبَتَان تَحْمِلان أكياسَ الطَّحين.
آمِنَة تَقِفُ عِند بابِ بَيتها ، تُراقِب
العابرين بِدَهْشَةٍ حَذِرَة . وُجُوهُهُم ما زالتْ مُتَوَتِّرة ، لكنَّها تَنطِق
بِمَلامح لَمْ تَرَها مُنذ زمن ، مَلامح مَنْ يُجرِّب الأملَ بعد طُولِ نِسْيان .
على الجِبال، لَمْ يَبْقَ سِوى
الخنادقِ الفارغة . الرِّيحُ تَمُرُّ عَلَيها ، وَتُحرِّك قِطَعَ القُماشِ
المُمزَّقة التي كانتْ شاراتٍ لِجُنودٍ رَحَلُوا . في أحدِ الخَنادقِ ، وُجِدَتْ
بُندقية مَوضوعة بِعِنايةٍ على حَجَرٍ مُسطَّح ، كما لَوْ أنَّ صاحبها تركها هُناك
لِيُعْلِنَ استسلامَه بصمتٍ . لَمْ يَعْرِفْ أحدٌ مَنْ كانَ يَمْلِكُها، ولا كَمْ
رُوحًا أَزْهَقَتْ ، ولا كَمْ مَرَّة ضَغَطَ عَلَيها صاحبُها .
معَ حُلولِ المَساءِ ، امتلأت
الشوارعُ بأصواتٍ صغيرة اختبأتْ طويلًا : ضَحِكَات الأطفال . وَقْعُ الأقدامِ فوق
الإسْفَلْت . نِداءات النِّساءِ على الأرصفةِ . حتى الطُّيور التي هاجرتْ مِن
المَدينة عادتْ تَبْحَث بَين الأنقاضِ عَنْ مَكانٍ لِبِناء عُشٍّ جديد .
جلستْ آمِنَة على عَتَبَةِ
دارها ، تَحمِل رغيفَ خُبْزٍ ما زالَ دافئًا . نظرتْ نَحْوَ الجِبالِ التي صارتْ
رماديةَ اللون تحت الغُروب ، وقالتْ في سِرِّها جُملةً لَمْ يَسْمَعْها أحدٌ : ((
رُبَّما لا تَنتصر المُدُنُ بالقُوَّة ، بَلْ بِقُدرتها على الحُلْمِ ، حتى وَهِيَ
تُحاصَر )) .
في تِلْك اللحظة، هَبَّتْ
نَسْمَةٌ خفيفة مِنْ جِهة الجِبال ، تَحمِل مَعَهَا رائحةَ الخشبِ المُحترِق،
ثُمَّ اختفتْ . لَمْ يَكُنْ في الهواءِ مَا يُنْذِر بالخطر بعد الآن . فقط ذاكرة
ثقيلة ، ومَدينة تُحاوِل أنْ تَتَعَلَّم كَيْفَ تُعيدُ إلى نَفْسِها نَبْضَ الحياة
.
عادَ الصَّمْتُ إلى سَراييفو ،
لكنَّه لَمْ يَكُنْ صَمْتَ الخَوْفِ هذه المَرَّة ، وإنَّما صَوْتٌ ثقيل ، يَحمِل
بَين طَيَّاتِه وعدًا خافتًا بالبِدايات . في شوارعِ المدينةِ التي كانتْ
مَسْرَحًا للصُّراخِ والدَّمِ ، بدأت الأصواتُ تَعُود شيئًا فشيئًا ، كَسَرَيَانِ
مِياهٍ هادئة بعد عاصفة طويلة .
في بَيْتِها المُتواضع ، جلستْ
آمِنَة قُرب النافذة التي لَطَالَمَا رَصَدَتْ مِنْ خِلالها ذلك الجبلَ الذي كانَ
يَلُفُّ المَدينةَ بِحِصَارٍ لا يُكسَر . قَلْبُها لا يَزَال يَعتصِره الألَمُ ،
لكنَّها لَمْ تَفْقِدْ مَا بَقِيَ مِنْ أملٍ ، ذلك الشُّعور الهَش الذي يُبْقينا
أحياءً رغْمَ كُلِّ شَيْء .
في أعماقِ الجِبال ، حَيْثُ
تَرَكَ القَنَّاصُ بُندقيته ، بدأ الرَّبيع يَنسِج خُيوطَه بَين الصُّخور .
يَنْثُرُ الأزهارَ في أماكن لَمْ يَكُنْ يُظَنُّ أنَّ الحياة سَتَعُود إلَيها. ذلك
القَنَّاص الذي أصبحَ الآنَ مَسْخًا يَجُرُّ وَراءه أشباحَ الذاكرة ، يَسِير في
طريقٍ بعيد عَنْ قِمَّةِ الجبل ، يَبْحَث عَنْ نَفْسِه بَيْنَ جُموعِ الناجين
الذينَ يُحاولون بِناء مُستقبَل لا يُنسَى .
لَيْسَت الحربُ مُجرَّد مَعركة
على أرضٍ أوْ على مَناظير . إنَّها اختبارٌ للإنسانيَّة ، وَصِرَاعٌ بَيْنَ
الرَّغبةِ في البَقاءِ والخِذلان، بَيْنَ صَرَخَاتِ الألَمِ وَهَمَسَاتِ الأملِ.
وتحت غِياب الأصوات المُدَوِّية، هُناك ، وسط الرُّكامِ والدُّموعِ ، يُولَد
الضَّوْءُ الجديد .
تَطَلَّعَتْ آمِنَة إلى
السَّماء . لَمْ تَتَوَقَّعْ أنْ تَعُودَ الحياةُ هَكذا ، بِبُطْءٍ وَلُطْفٍ ،
لكنَّها البِداية الوحيدة التي تَعرِفها . عَرَفَتْ أنَّ المدينة لا تَحتاج إلى
أبطال خارقين ، بَلْ إلى أُنَاس يَمتلِكون الشَّجَاعةَ لِيُحِبُّوا مِنْ جَديد
رَغْمَ كُلِّ شَيْء . كانتْ سَراييفو بِكُلِّ جِرَاحِها مَا زالتْ حَيَّةً .
84
في تِلْكَ المَدينةِ
المُحاصَرةِ بَين الجِبال ، كانت السَّمَاءُ تُمطِر نارًا لا ماءً . الأرضُ تَرتجف
تحت أنينها الطويل ، كأنَّها تَرفُض مَا يُفْرَض عَلَيها مِنْ مَوْتٍ وَعُزلةٍ .
سَراييفو ، المدينة التي تُشبِه لحنًا ناعمًا يَعزِفه نَهْرٌ غامضٌ بَين البُيُوتِ
القديمة ، تَحَوَّلَتْ إلى صَدى بعيد ، يَتردَّد في ذاكرةِ كُلِّ حَجَرٍ مُهدَّم ،
وكُلِّ نافذةٍ انطفأ فِيها الضَّوْءُ .
الناسُ هُناك يَعيشون على
الهامشِ الرفيع بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ. يَقْطَعون الطريقَ تَحْتَ القَنَّاصِين
كَما يَمُرُّ الندى على شَفْرَةِ سِكِّين . الأرصفةُ تَعرِف أسماءَ المَارَّة
الذينَ لَمْ يَعُودوا . والجُدرانُ تَحفَظ وُجوهَهم كأنَّها صُوَرٌ مَحفورة في
الطين . لَمْ يَكُن الجُوعُ وَحْدَه عَدُوَّهُم ، بَل الوَقْت أيضًا ، ذلك الوَقْت
الذي صارَ بطيئًا كَجُرْحٍ لا يَلْتَئِم .
في الليالي ، حِينَ يَهدأ
القَصْفُ قليلًا، كانت الأُمهاتُ يَهْمِسْنَ لأطفالهن بِحِكاياتٍ مِنْ زَمَنٍ
بعيد، عَن حَدائق تَنْبُتُ فيها الوُرودُ بَدَلَ الرُّكام ، وَعَنْ شوارع تَمتلئ
بِمُوسيقى الأمطارِ بَدَلَ الدُّخَان.
يُنْصِتُ الأطفالُ بِعُيون
لَمْ تَعْرِفْ إلا الخَوْفَ ، كأنَّهُم يُحاولون تَخَيُّلَ مَا تَعْنيه كَلِمَة
" سَلام " ، تِلْك الكَلِمَة التي صارتْ غَريبةً وَمَنْسِيَّةً ، تُقَال
كَما تُقَال أسماء الغائبين . رَغْمَ كُلِّ ذلك ، كانتْ سَراييفو تَنْبِضُ . في
وَسَطِ الخراب ، هُناك مَنْ يَعْزِفُ على كَمانٍ مَكسور ، وَمَنْ يَخْبِزُ آخَرَ
مَا تَبَقَّى مِنْ طَحينٍ لأحدِ الجِيران ، وَمَنْ يَكتب رسالةً إلى الغد ، لا
يَعرِف إنْ كانتْ سَتَصِل . المَدينةُ تُقَاوِم لَيْسَ بالسِّلاحِ فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا بِقُدرتها على أنْ تُحِبَّ ، وأنْ تَزرعَ وَردةً في فُوَّهَةِ مِدْفَعٍ ،
وأنْ تَرْسُمَ الذاكرةَ عَلى جَسَدِ قَذيفةٍ ، وأنْ تَضحك رَغْمَ أنَّ الضَّحِكَ
صارَ تُهْمَةً .
أرادوا أنْ يُطفئوا ضَوْءَ
المَدينةِ ، لكنَّها صارتْ شُعلةً في الوُجودِ الإنسانيِّ ، تُذكِّر بأنَّ الخرابَ
لا يَنتصر إلى الأبد ، وأنَّ المُدُنَ التي تُقْصَفُ لا تَمُوت ، بَلْ تَتحوَّل
إلى قَصيدةٍ طويلة ، يَكْتبها التاريخُ بِحِبْرِ الدَّمْعِ والدَّمِ .
سَراييفو ، تِلْكَ المَدينة
التي أبْكَت العَالَمَ بصمتٍ ، ثُمَّ علَّمته كيف يَكُون للكرامةِ صَوْتٌ ،
وللصبرِ وَجْهٌ ، وللألَمِ جَناحٌ يُرَفْرِفُ فوق الرماد . سَراييفو في ذلك الزمن
الرماديِّ تَخْتنق تحت سماء مَثقوبة بالرَّصَاصِ والقذائفِ والصواريخ .
مِنْ أعالي التِّلالِ ، حيث
استقرَّتْ فُوَّهاتُ المَدافعِ مِثْلَ وُحوشٍ مِنْ حَديد ، انهمرَ المَوْتُ على
المَدينةِ كأنَّ الجِبالَ نَفْسَها تُفَرِّغ حِقْدَها في الوادي . ارتَجَّت
الشوارعُ تحت وَقْعِ القذائف ، وَتَحَوَّلَ هَواءُ المَدينةِ إلى رَمادٍ وبارودٍ
وَصَدى .
النوافذُ تُغلَق على خَوفها ،
والأبوابُ تَرتجِف ، والناسُ يَمْضُون تحت المطرِ المَعْدِنيِّ بِوُجوهٍ شاحبة ،
يَجُرُّون خُطُواتِهم بَيْنَ الرُّكام كما لَوْ أنَّهم يَعْبُرُون حُلْمًا
كابوسيًّا لا نِهاية له . في كُلِّ زُقَاقٍ ظَلَّ قَنَّاصٌ يَنتظر ، صَبُورًا كَحَجَرٍ
، يَختار ضَحِيَّتَه بِعَيْنٍ باردة لا تَعرِف الرَّجْفة .
المَدينةُ التي كانتْ تَضِجُّ
بِزَقْزقةِ العَصافيرِ ، صارتْ الآنَ جسدًا مُحَاصَرًا بالنار ، يَئِنُّ بَيْنَ
كُلِّ انفجارٍ وآخَر . الليلُ فِيها بِلا نُجوم ، والنهارُ بِلا أُفُق ، والوَقْتُ
يَنساب بِبُطْءِ الدَّمِ مِنَ الجِرَاحِ المَفتوحة.ومعَ كُلِّ فجرٍ جديد ، كانتْ
سَراييفو تَنْفُضُ غُبارَها بصمتٍ، وتَبقى واقفةً. مَدينةٌ جريحة ، لكنَّها لا
تَركَع لِغَيْرِ اللَّهِ تعالى .
85
في الصَّباحِ الباردِ ، كانت
المَدينةُ تَتثاءب مِنْ ثِقَلِ الليلِ الطويلِ ، لكنَّ السُّكونَ كاذبٌ . عَلى
التِّلالِ المُحيطةِ ، انتشرَ آلافُ الجُنود الصِّرْب ، صامتين كالشَّياطين ،
يُراقِبُون كُلَّ تَحَرُّكٍ ، كُلَّ نَفَسٍ، كُلَّ وَهْجِ دُخَان يَتصاعد مِنَ
المَداخنِ المُتشققة . معَ كُلِّ طَلْقَةِ مِدْفعية ، تَهْتَز الجُدرانُ،
والنوافذُ تَتصدَّع ، والهواءُ يَمتلئ برائحةِ الغُبارِ والرَّصَاصِ .
في الشوارعِ الضَّيقة ، حاولَ
السُّكَّانُ الحِفاظَ على عاداتِهم اليَومية ، لكنْ كُلُّ خُطْوَةٍ كانتْ
مُخَاطَرَةً. كُلُّ بابٍ مُغلَق كانَ مأوى مُؤقَّتًا . كُلُّ طابقٍ سُفلي كانَ
مَلاذًا مِنْ مَطَرِ القذائفِ المُمِيتِ. أطفالٌ يَخْتبئون تحت الطاولات ،
وَنِسَاء يَجْلِبْنَ الماءَ مِنَ الأحواضِ ، وَوُجوه شاحبة تُطِلُّ مِنْ نوافذ
مَكسورة تُراقِب السماء ، كأنَّها تنتظر المَوْتَ القادم مِنْ فَوْق .
القَنَّاصَةُ في كُلِّ مَكان ،
على أسطُحِ المَنازل المُدمَّرة ، يَخْتبئون بَين الأنقاض كالأشباحِ ، يَختارون
أهدافَهم بِدِقَّة ، لا مَكَان آمِن في الشوارعِ المُزْدَحِمَة . كانَ كُلُّ
صَوْتٍ غَيْرِ مألوف ، وكُلُّ حَركة ، وكُلُّ صَرخة ، كَنِداءٍ مَحفوف بالخطر . كانَ
مِنْ بَيْنِ السُّكَّانِ رَجُلٌ مُسِنٌّ ، اسْمُه داود ، يَعْمل صانعَ ساعاتٍ . في
هَذا الحِصَار ، أصبحَ عَدَّادًا للانفجاراتِ . معَ كُلِّ دَوِيِّ مِدْفَعٍ ، كانَ
يَضَع عَلامةً على جِدار غُرفة صغيرة في قَبْوِ مَنزله، وكأنَّ كُلَّ علامة
تُهدِّئ قلبَه المُتعَب. زوجته صوفيا تُحاول الحِفاظَ على بَقِيَّةِ الرُّوحِ في
بَيْتهم، تُعِدُّ الطعامَ مِنْ مَا تَبَقَّى مِنَ الحُبوب ، وَتَغْسِل المَلابسَ
بالماءِ المُلوَّث ، وَتَهْمِس كَلِمَاتٍ حَنُونة لأطفالها الثلاثة ، مُحَاوِلَةً
أنْ تَصْنَعَ وَهْمَ الأمانِ في عَالَمٍ لا يَرْحَم . ليالي الحِصَارِ هِيَ الأصعب
. لَمْ يَكُنْ صَوْتُ الانفجاراتِ وَحْدَه كافيًا . الصَّمْتُ بَيْنَ الدَّوِيِّ
يَترُك الناسَ في حالةِ تَرَقُّبٍ مُمِيتة . في أحدِ الأيام ، انهارَ جِدارُ
المَدرسةِ القديمة ، وَتَدَفَّقَ الغُبارُ والرَّمْلُ عَلى الجميع ، مِمَّا أجبرَ
داود وصوفيا على سحبِ الأطفالِ إلى قَبْوٍ مُظْلِم، حيث كانوا يَسْمَعون الأطفالَ
الآخَرين يَبْكُون ، فيما كانوا يُحاولون مُقَاوَمَةَ شُعورِهم بالعَجْز.
معَ مُرورِ الأيَّام ، بدأت
المَدينةُ تَتَغَيَّر. لَمْ تَعُد الشوارعُ كما كانتْ، وَلَمْ تَعُد الوُجوهُ كما
كانتْ. كُلُّ شَيْءٍ مُشَوَّهٌ وَمُحَطَّمٌ . كُلُّ شَيْءٍ أصبحَ علامةً على
صِراعِ البَقاءِ . الجُدرانُ مليئةٌ بالشَّظايا ، والأشجارُ المَحروقة تُشبِه
أشباحًا مُتجمدة ، وحتى الهواء أصبحَ ثقيلًا ، يَخْتنق بالحرائقِ والرَّصَاصِ.
رَغْمَ الرُّعْبِ العميق ،
هُناك لَحَظَات قصيرة مِنَ الإنسانيَّة . جِيران يُشاركون الطعامَ . نِسَاء
يَغْسِلْنَ الجَرْحَى. أطفالٌ يَبْتسمون لبعضِهم البعض رَغْمَ كُلِّ شَيْء .
تِلْكَ الابتسامات الصغيرة كانتْ كَوَمِيضٍ مِنَ الأملِ ، شُعاع صغير يَرفُض
الانطفاءَ في ظَلامِ الحرب .
في أحدِ الأيامِ، بَينما كانَ
داود يَنظُر إلى الأُفُقِ المليء بالدُّخَانِ والرَّصَاصِ ، أدركَ أنَّ المدينةَ
هِيَ كائنٌ حَيٌّ، تَتألَّم، وَتَتَنَفَّس، وَتُقَاوِم. إنَّها لَيْسَتْ مُجرَّد
مَبَانٍ وحِجارة ، إنَّها قِصَص ، وذِكريات ، وَجُروحٌ لَمْ تَلْتَئِمْ بَعْد .
كُلُّ طَلْقَةٍ قادمةٍ ، وكُلُّ قَذيفةٍ ، وكُلُّ صاروخٍ ، وكُلُّ انفجارٍ ،
كُلُّها أجزاء مِنْ هَذه القِصَّة التي لا تُريدُ أنْ تَنْتهي. بدأت الأيامُ
تتشابك في نَسيجٍ لا يَنْتهي مِنَ القلقِ والخَوف .
داود يَخرُج أحيانًا بحذر،
مُحاوِلًا البحث عن أيِّ شَيْء صالح للأكلِ أو الشُّرْب ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ
يَعُود فيها إلى القَبْو، يَحْمِل في عَيْنَيْه أثقالَ المَشَاهِدِ التي رَأتْهَا
المَدينةُ كُلُّها . الشوارعُ لَمْ تَعُدْ تَعرِف البَشَرَ ، إنَّها حَقْلُ ألغام
، وَحُطَامٌ مُتناثِر ، وَجُثَثٌ مُبَعْثَرَة ، وَرَجْعُ صَدى الانفجاراتِ .
في إحدى الليالي ، اقتربتْ
صوفيا مِنْ نافذةٍ صغيرة في القَبْو . صَمْتُ الليلِ يَختلف عَنْ أيِّ صَمْتٍ
عَرَفَتْهُ مِنْ قَبْل ، لَيْسَ هُدوءًا ، بَلْ صَمْتًا مَحْشُوًّا بالتَّهديد . فَجْأةً
، انطلقتْ قذيفةٌ بعيدة ، وأضاءتْ السَّماءَ نُورًا قصيرًا ، كَفلاش ، ثُمَّ عادَ
الظلامُ لِيَبْتلع كُلَّ شَيْء . صوفيا أمسكتْ بأيدي أطفالِها الثلاثة، وَهُمْ
يَتسابقون على الأملِ الخافت،رُبَّمَا سَيَرَوْنَ الشمسَ في صَباحٍ بِلا دَمٍ ولا
دَمْعٍ، رُبَّما سَيَنْجُو أحدُهم .
داود لَهُ جارٌ اسْمُه عَدنان،
شابٌّ نشيطٌ وقوي.كانَ يَخرُج في الليلِ لِيَبحث عَن الطعامِ والماء، ثُمَّ يَعُود
مُجْهَدًا ، لكنَّه مُبتسِم . يُحاوِل أنْ يَنقُل إلى الجميعِ رسالةَ صَبْرٍ
وإصرارٍ . داود يُراقبه أحيانًا مِنَ القَبْو ، يُفَكِّر كيف يُمكِن لشخصٍ واحد أنْ
يَحْمِلَ هذا القَدْرَ مِنَ الشجاعةِ في عَالَمٍ يَنهار مِنْ حَوْلِه ؟ .
المدارسُ والمُستشفياتُ لَمْ
تَعُدْ مَوجودةً ، كُلُّ شَيْء أصبحَ مَلْعَبًا للقذائف . تَعَلَّمَ الأطفالُ
الحَياةَ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ ، وَمِنْ دَوِيِّ الانفجاراتِ ، وَمِن انفلاتِ
الذُّعْرِ في وُجوهِ مَنْ حَوْلَهُم . في قُلوبهم الصغيرة ، نَمَا شُعورٌ غريبٌ
بَيْنَ الرُّعْبِ والأملِ ، أمل صغير ، لكنَّه ثابتٌ . مَهما كانت الظروفُ قاسيةً
، الحياةُ تستمر ، وَسَوْفَ تُشرِق الشمس .
مَرَّتْ أسابيع ، وَتَحَوَّلَت
المَدينةُ إلى مَتاهةٍ مِن الأنقاض . كانَ لِكُلِّ شارعٍ اسْمٌ جديد : شارع الرصاص
، شارع القذائف ، شارع الانفجار ، شارع الشَّظايا . في قَلْبِ كُلِّ هَذا الدَّمار
، كانَ داود وصوفيا يُحاولان أنْ يُحافظا على قَدْرٍ مِنَ الإنسانيَّة . كانا
يَقْرَآن للأطفالِ قِصَصًا قصيرة ، يُحاولان أنْ يَزْرعا الأملَ ، وَلَوْ في
لَحَظَاتٍ صغيرة قَبْلَ أنْ يَخْتبئوا مُجَدَّدًا مِنْ قَنَّاصَةِ التِّلالِ .
ثُمَّ جاءَ يَوْمٌ غريب . لَمْ
يَكُنْ هُناك دَوِيُّ مِدْفعية كبير ، ولا رَشَقَات مُتتالية مِنَ البَنادق . بَدا
الصَّمْتُ مُطْبِقًا بشكلٍ غريب ، وكأنَّ العَالَمَ كُلَّه يَترقَّب شيئًا مَا .
خَرَجَ داود بِحَذَرٍ إلى
الشارع ، وَجَدَ بَقَايا المَدينةِ كأنَّها تَحْبِسُ أنفاسَها . وَهُناك ، في
ساحةٍ صغيرة بَيْنَ الأنقاض ، رأى الناسَ يَجْتمعون . لَمْ يَكُنْ تَجَمُّعًا
رسميًّا ، بَلْ لِقَاءً إنسانيًّا ، وَرَغْبَة جَمَاعِيَّة في أنْ يَقُول بعضُهم
لبعض : (( نَحْنُ مَا زِلْنَا هُنا )) .
في ذلك التَّجَمُّعِ الصغير ،
كانتْ هُناك لَحْظَة صَمْتٍ قبل أنْ يَبْدأ الأطفالُ باللعبِ بَين الأنقاض .
أصواتُ ضَحِكِهِم رَغْمَ ضِيقِ المَكانِ تُشبِه مُوسيقى خَفِيَّة تَخترق قلبَ
المَدينةِ المُدمَّرة. ضَحِكَاتُهُم هِيَ إعلان صامت أنَّ الإنسانيَّة لَمْ تَمُتْ
بَعْد، وأنَّ الأملَ رَغْمَ كُلِّ شَيْء لا يَزَال مُمْكِنًا .
معَ استمرار الحِصار، ومعَ
كُلِّ طَلْقَةٍ قادمة ، ومعَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُر ، أدركَ داود وصوفيا شيئًا
مُهِمًّا، أنَّ الحياة لَيْسَتْ فَقَط مَا يُمكِن تَدميره بالقنابل ، بَلْ هِيَ
مَا نَحْتفظ بِه في قُلوبنا ، في لَحَظَاتنا الصغيرة ، في رَغْبتنا البسيطة في
المُحافَظةِ على بَعْضِنا البعض .
سَراييفو تحت الحِصَار ، نَعَم
، لكنَّها لَمْ تَكُنْ مَدينةً مَيتة . إنَّها مَدينة تَتَنَفَّس ، وَتُقَاوِم ،
وَتُصِرُّ على البَقاء ، حتى لَوْ كانت الجِبالُ المُحيطة بِها مَليئةً بالأعداء ،
وحتى لَوْ كانَ كُلُّ يَوْمٍ جديد يَحْمِلُ المَوْتَ في كُلِّ زاوية .
مَرَّت الشُّهور ،
وَتَحَوَّلَت المَدينةُ إلى جُثَّةٍ نِصْفِ حَيَّة ، مَليئة بالأنقاضِ والدُّخَانِ
والغُبارِ الذي يَمْلأ كُلَّ شَيْء . التِّلالُ المُحيطةُ مُكْتَظَّة بالجُنود ،
وكُلُّ طَلْقَةِ مِدْفعية ، وكُلُّ انفجارٍ ، وكُلُّ صَدى بُندقيةِ قَنَّاصٍ يَشُقُّ
الأُفُقَ ، يُذكِّر سُكَّانَ سَراييفو بأنَّ البَقَاءَ هُوَ الأُسْطُورةُ
والأيْقُونةُ والمَلْحَمَةُ ، وَيُذكِّر تاريخَ الغُزاةِ بأنَّ كُلَّ لَحْظَةِ
حَياةٍ أصبحت انتصارًا .
في القَبْوِ ، كانتْ صوفيا
تَطْهُو بَقَايا طَعامٍ لا تَقْبَل بِه الحَيَوَانات ، بَينما داود يُعِدُّ الخشبَ
والجُدرانَ المُتهالِكة لِتَقويةِ المَلْجَأ . الأطفالُ الثلاثة ، رَغْمَ
خَوْفِهِم المُستمر ، بَدَؤُوا يَتعلَّمون شيئًا غريبًا ، هَذا العَالَمُ غارقٌ في
القَسْوَةِ ، لكنَّ الرُّوحَ يُمكِن أنْ تَجِدَ مُتَنَفَّسًا ، وَلَوْ في أصغرِ
لَحْظة .
ثُمَّ جاءَ اليَوْمُ الذي
انخفضَ فيه قَصْفُ التِّلالِ بشكلٍ مُفاجئ . لَمْ يَكُن النصرُ بَعْد ، وَلَمْ
يَكُن التراجعُ مُؤكَّدًا ، لكنَّه مَنَحَ المَدينةَ فُرصةً للتَّنَفُّسِ . خَرَجَ
داود بِحَذَرٍ ، يَمْشي بَين الأنقاض ، وَيَلْمِس الجُدرانَ المُحطَّمة ،
وَيَبْحَث عَنْ أيِّ أثَرٍ للحياة . هُناك ، وَجَدَ عدنانَ ، الجارَ الشَّاب ،
يَحفِر حُفَرًا صغيرة بجانبِ أحدِ البُيوتِ المُدمَّرة،يُحاوِل أنْ يُنقِذ بعضَ
الطعامِ المُخزَّن تحت الأرض.
اجتمعَ الجميعُ في ساحةٍ صغيرة
بَين الأنقاض ، بعضُهم مُصَاب ، وبعضُهم شَاحِبُ الوَجْهِ ، لكنَّهم جميعًا
مُتَشَبِّثُون ببعضهم البعض. بدأ الأطفالُ يَركُضون بَيْنَ الأنقاضِ ،
ضَحِكَاتُهُم تَتردَّد في أرجاءِ المَدينةِ، تَقُول لِكُلِّ الجِبالِ المُحيطة :
(( لَنْ نُهْزَمَ أبدًا )) .
معَ مُرورِ الأيام ، بدأ
السُّكَّانُ يُعيدون ترتيبَ حياتهم بِبُطْء . لَمْ تَعُدْ هُناك مَدارس ، ولا
أسواق، لكنْ كانتْ هُناك حياة صغيرة . إنَّهُم يَزرعون بعضَ البُذورِ في الحدائقِ
المُدمَّرة . يَجْمَعُون الماءَ مِنْ مَصادر بعيدة، ويَصْنَعون أدوات صغيرة لإعادة
البِناء . المَدينةُ تُولَد مِنْ حُطَامِها رَغْمَ الألَمِ والحُزْن.
الشمسُ تَخْتفي خلف التِّلال .
وقفَ داود وصوفيا على أنقاض ما كانَ يَوْمًا مَنْزِلَهما . يَحْمِلان الأطفالَ
الثلاثة بَين ذِرَاعَيْهما . نظرتْ صوفيا إلى الأُفُقِ ، حيث التِّلال لا تَزال
مليئة بالجُنود ، لكنَّها لَمْ تَعُدْ تَشعُر بالخَوْفِ كما في السابق . أدركتْ
بعد كُلِّ هذا الألَمِ أنَّ الحياة تَنتصر بالتَّصميم على البَقاء ، وأنَّ الأملَ
لا يُمكِن لأيِّ مِدْفَعٍ أوْ بُندقية أنْ يُدمِّره .
كانتْ سَراييفو تحت الحِصار ،
مَدينة دُمِّرَتْ جُدرانُها ، لكنْ لَمْ تُدَمَّرْ قُلوبُ أهلها . كُلُّ حَجَرٍ
مُحَطَّمٍ ، وكُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ ، وكُلُّ شارعٍ مليءٍ بالحُطَام ، أصبحَ
شاهدًا على مُقاومةِ البَشَر ، وَرَغْبَتِهِم في البَقاءِ والوُجود . هِيَ قُوَّةُ
الرُّوحِ التي تَتشبَّث بالحياةِ في أقْسَى الظُّروف . هِيَ عُنفوانُ الذاكرةِ
الحاضرةِ التي تَتَحَدَّى النِّسْيَانَ والغِيابَ .
بَيْنَ الأنقاضِ وَدَوِيِّ
القذائفِ المُتقطع،استمرَّت المدينةُ مِثْلَ قلبٍ يَنْبِضُ رَغْمَ كُلِّ شَيْء،
وكأنَّها تَقُول للعَالَمِ: (( يُمكِنكم تَدمير كُلِّ شَيْء،لكنْ لا يُمكِنكم
تدمير الحياة التي نَحتفظ بها داخلنا )).
86
في قلبِ سَراييفو ، حيث يَختلط
صَدى الرصاصِ بِخَفَقَاتِ القُلوبِ ، كانَ الضَّعْفُ يَتسلَّل بَين جُدرانِ
المَدينةِ مِثْلَ دُخَان أسْوَد لا يَنْتَهي .
قُوَّاتُ الدِّفاعِ
البُوسنيَّة المُثْقَلَة بالقِصَصِ عَن الشَّجاعةِ والكَرامة، كانتْ كَغُصْنٍ رقيق
في عاصفة لا تَرْحَم، تُحاوِل أنْ تَصْمُدَ في وجهِ حِصَارٍ لا يَعْرِفُ الرَّحمةَ
، وحَياةٍ تتلاشى أمامَ أعينهم بِلا صَوْت يَعْلُو سِوى صَدى الانفجارات . كُلُّ
يَوْمٍ اختبارٌ للقُوَّةِ التي بالكادِ تَكْفي لِكُلِّ قلبٍ يَنْبِضُ بالأملِ ،
لِكُلِّ يَدٍ تَمْتَدُّ لِتَحتضن الباقين ، لِكُلِّ عَيْنٍ تَبْحَث عَنْ غَدٍ لَمْ
يأتِ . يَعرِفون أنَّ مُهمتهم لَيست فقط الدِّفاع عَن شوارع وَبُيوت ، بَلْ أيضًا
الدِّفاع عَن رُوحِ المَدينة ، عن ذاك الوَهْجِ الذي يَرفُض أنْ يُمحَى، عَن
الإنسانِ الذي يُريدُ أنْ يَبقى حَيًّا رَغْمَ الألَم .
الحِصَارُ عَمِيقٌ كالظلام ،
يَبْتلع الطعامَ والدَّواءَ والأسلحةَ ، يَبْتلع الأملَ تَدْريجيًّا ، وكأنَّ
المَدينة نَفْسَها تُرهَق مِنَ المُقاوَمة . الجُنودُ البُوسنيون الذين يُعانون
مِنْ ضَعْفِ المَواردِ وَقِلَّةِ السِّلاح ، يَحْمِلُون على أكتافِهم عِبْءَ
تاريخٍ لَمْ يَخْتَرْه أحد، عِبْءَ حياةِ المَدنيين ، عِبْءَ الأطفالِ الذينَ
يَضحكون في وُجُوهِ المَوْتِ وأقنعته ، عِبْءَ النِّساءِ اللواتي يُخَبِّئْنَ
دُموعَهن خلف وُجوهٍ شاحبة .
معَ كُلِّ طَلْقَةٍ نارية،
ومعَ كُلِّ انفجارٍ يَهُزُّ الأرصفةَ والبُيوتَ ، كانت المَدينةُ تَهمِس لَهُم :
(( لا تَتركوني )) . وَقُلوبُهم تَهمِس بِدَورها : (( لَنْ نَتْرُكَ أحَدًا )) .
لكنَّهم في صَمْتِهم وعُيونِهم المُمتلئة بالرَّهْبَة ، يَعرِفون الحقيقةَ، وَهِيَ
أنَّ الحِصَار لا يَرْحَم ، وأنَّ ضَعْفَهم أصبحَ حقيقةً لا يُمكِن إنكارُها،
وأنَّ كُلَّ مُحاوَلةٍ لِفَكِّ الحِصَارِ كانتْ كَمَنْ يُحاوِل الإمساكَ بالمَاءِ
بأطرافِ أصابعه .
في تِلْكَ اللحَظَات، كانَ
الضَّعْفُ لَيْسَ مُجرَّد نَقْصٍ في السِّلاحِ أو العَدَدِ ، بَلْ كانَ ألَمًا
يَتسلَّل إلى الأعماق، وشُعورًا بالعَجْزِ أمامَ قَسوةِ العَالَمِ، وشُعورًا بأنَّ
المدينة التي يُحِبُّونها تُعاني في صَمْتٍ، وأنَّهُم عاجزون عَنْ حَمْلِ هذا
العِبْء وَحْدَهم. ومعَ ذلك، في كُلِّ عَيْنٍ تَدْمَع، وفي كُلِّ يَدٍ تَرتجف ،
كانَ هُناك شُعاع مِنَ المُقاوَمة ، شُعاع صغير لكنَّه عنيد ، كَلَمْحِ نارٍ في
لَيلةٍ باردة ، كَدَليلٍ على أنَّ الإنسانيَّة ، رَغْمَ كُلِّ ضَعْفِها ، لا
تَنكسِر بالكامل .
بَين الانفجاراتِ والألَمِ ،
بَين الصَّمْتِ والصَّرَخَاتِ ، بَقِيَتْ سَراييفو صامدةً ، لَيْسَتْ لأنَّ
قُوَّاتها قوية، بَلْ لأنَّ قُلوبَ أهلِها أقوى مِنْ أيِّ حِصَارٍ ، وأقوى مِنْ
أيِّ ضَعْفٍ ، وأعمقُ مِنْ أيِّ يأس ، وأكبرُ مِنْ أيِّ وَهْمٍ .
في قلبِ سَراييفو المُحاصَرة ،
حَيث تتشابك أصواتُ الانفجاراتِ معَ صَدى الخَوْفِ ، كانت المَدينةُ تَتَنَفَّسُ
بِصُعوبة. تَتَلَوَّى تحت وَطأةِ حِصَارٍ خَانِقٍ رهيب . قُوَّاتُ الدِّفاعِ
البُوسنيَّة مَحدودة الوسائلِ وضعيفة التَّسليح ، تُحاوِل أنْ تَحْمي كُلَّ شارعٍ
، كُلَّ رُكْنٍ ، كُلَّ بَيْتٍ ، لكنَّ ضَعْفَها كانَ ظاهرًا في كُلِّ حركة ، في
كُلِّ نَظْرَةٍ تَبحث عَنْ غَدٍ قَدْ لا يأتي .
الجُنودُ البُوسنيون يَسِيرون
بِخُطُواتٍ ثقيلة . كُلُّ خُطْوَةٍ تُذكِّرهم بأنَّهُم يَحمِلون على أكتافِهم
حَياةَ آلاف،وكُلُّ فشلٍ قَدْ يَكُون مَوْتًا لشخصٍ آخَر، وكُلُّ لَحْظَةِ
تَرَدُّدٍ قَدْ تُكَلِّف المدينةَ ثمنًا باهظًا. يُحاولون الصُّمُودَ ، وَيَلْهَثون
وَراءَ الأملِ الذي يَتبدَّد شيئًا فَشيئًا ، بَينما المَدينة تَصرُخ بصمتها،
تَتألَّم في زَوايا الشوارعِ المُدمَّرة،وفي البُيوتِ التي تَهَشَّمَتْ جُدرانُها
تَحْتَ وَطأةِ الرَّصَاصِ والقَصْف.
الضَّعْفُ لَيْسَ نقصًا في
الأسلحةِ أو العدد فَحَسْب ، بَلْ كانَ شُعورًا غامضًا بالحِصار الذي يَبْتلع
كُلَّ شَيْء. في عُيونِ المَدنيين ، الأطفالِ والنِّساءِ والشُّيوخِ ، كانَ هُناك
انتظار طويل . انتظَروا طَويلًا أنْ يأتي الفَرَج، أنْ يَرفع أحدُهم الحِصَارَ
عَنْهُم .كُلُّ يَوْمٍ يَحْمِل نَفْسَ الرَّهْبةِ ، وَنَفْسَ الألَمِ ، وَنَفْسَ
الشُّعورِ بالعَجْز . هُناك شَيْء أشد قُوَّةً مِنْ ضَعْفِهم: الإنسانيَّة. هُناك
يَدٌ تُمسِك بِيَدِ طِفْلٍ يَبْكي . هُناك ابتسامة تَرتجف على وَجْهِ امرأةٍ .
هُناك عُيون تَبْحَث عَن الأمَلِ رَغْمَ كُلِّ الخَرابِ . الجُنودُ البوسنيون
رَغْمَ ضَعْفِهم يَحمِلون هذه الإنسانيَّةَ مَعَهُم ، ويُحاولون حِمايةَ المَدينةِ
، لَيْسَ بالقُدرة ، بَلْ بالعَزيمة .
كُلُّ طَلْقَةٍ نارية هِيَ
صَدى مُقاوَمةٍ . كُلُّ انفجارٍ هُوَ دَرْسٌ في الصَّبْر . كُلُّ لَحْظَةِ خَوْفٍ
هِيَ تَذكير بأنَّ القُوَّة لا تُقَاس بالعَدَدِ أو السِّلاحِ، بَلْ بالشَّجاعةِ
في وَجْهِ اليأس . كانَ الضَّعْفُ هُناك ، حاضرًا في كُلِّ زُقَاقٍ،لكنَّه لَمْ
يَكُنْ نِهايةَ القِصَّةِ،بَلْ جُزْءًا مِنَ المَعركةِ التي خاضوها حتى آخِرِ
نَفَسٍ.
سَراييفو لَمْ تَسْقُطْ ،
لَيْسَ لأنَّها مُحصَّنة ، وَلَيْسَ لأنَّها قَوِيَّة ، بَلْ لأنَّها احْتَوَتْ
على قُلوبٍ لا تَعرِف الاستسلامَ ، وأرواحٍ تَتشبَّث بالحياةِ رَغْمَ كُلِّ
الصِّعاب ، وعزائم صغيرة لكنَّها لا تُقْهَر . وفي هذا الضَّعْفِ والألَمِ ، كانت
المَدينةُ تَنْبِضُ بالحياةِ كَاسِرَةً الحِصَارَ بِكُلِّ أشكاله .
المَدينةُ صامتة ، لكنَّ
صَمْتَها لَيْسَ هُدوءًا ، بَلْ هُوِيَّة كُلِّ لَحْظَةِ انتظار ، وتاريخ كُلِّ
صَرْخَةٍ مَكبوتة خلف جُدران مُدمَّرة . شوارعُ سَراييفو التي كانتْ يَوْمًا
مليئةً بالضَّحِكِ والألوانِ ، أصبحتْ مَتاهةً مِنَ الأنقاضِ والدُّخَانِ ،
ومَمَرَّاتٍ ضَيِّقة يَخْتبئ فيها الناسُ مِنْ قَصْفٍ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ حَيٍّ
وآخَر.
قُوَّاتُ الدِّفاعِ
البُوسنيَّة قليلة العدد ، ومُجهَّزة بأسلحة خفيفة بالكادِ تَكْفي . تَتحرَّك في
الأزِقَّةِ بِحَذَرٍ . كُلُّ خُطْوَةٍ تُذكِّرهم بمسؤوليةٍ ثقيلة لا يَسْتطيع أيُّ
إنسان حَمْلَها وَحْدَه . في وُجوهِهم عَلاماتُ التعب . في عُيونِهم ارتعاشُ
الخَوْفِ ، لكنْ كُلُّ واحدٍ مِنهُم يَعْرِفُ أنَّ أمامَه خِيَارَيْن فَقَط :
المُقاوَمة أو الانهيار .
يَركُض الأطفالُ بَيْنَ البُيُوتِ
المُهدَّمة . يَبْحثون عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأمان ، بَيْنما تَحْمِلُ النِّساءُ
فَوْقَ أكتافِهن ثِقَلَ الخَوْفِ والمَسؤولية ، يُحَاوِلْنَ إخفاءَ دُموعهن خلف
وُجوهٍ شاحبة ، يُحَاوِلْنَ ألا يَنهار الصِّغارُ أمامَ المَشَاهِدِ القاسية .
كُلُّ انفجارٍ يَهُزُّ الأرضَ ، وكُلُّ رَصاصةٍ تَخترق الهواءَ ، وكُلُّ قَذيفةٍ
تُمزِّق أجسادَ الناسِ ، تَجْعلهم يُدركون أنَّ المدينة بأكملها تقف على حَافَةِ
الهاوية ، وأنَّ دِفَاعاتهم ضعيفة أمامَ الحِصَار الذي يَلْتَفُّ كالأفعى
حَوْلَهُم مِنْ كُلِّ جانبٍ .
لكنَّ الضَّعْف ، معَ كُلِّ هَذا
، لَمْ يَكُنْ نِهايةَ القِصَّة . إنَّهُ شُعورٌ يُرافقهم ، يُثْقِلُ كاهلَهم ،
لكنَّه يَكشِف أيضًا شجاعتهم . الأيدي المُرتعشة تَمْتَدُّ لِتُسَاعِد ، والأصواتُ
الهامسةُ تُهدِّئ مِن ارتجافِ القُلوبِ ، والعُيونُ تَبْحَث عن الأملِ في
اللحَظَاتِ الأكثر قَتامة .
كُلُّ قَصْفٍ ، وكُلُّ طَلْقةٍ
نارية ، كانتْ صَدى مُقاوَمة . وكُلُّ ضَعْفٍ في الوَسائلِ والتَّسليحِ كانَ
دَرْسًا في الصبرِ والمُثابَرة . المَدينةُ حَيَّةٌ تَتنفَّس مِنْ خِلال أُولئك
الذينَ رَفَضُوا الاستسلامَ ، مِنْ خِلال جُنود ومَدَنيين ، رجال ونِساء وأطفال ،
كُلٌّ مِنهُم جُزْء مِنْ رُوحٍ واحدة : إرادة الحياة .
في كُلِّ زاوية ، في كُلِّ
شارع ، هُناك شُعور غريب ، مَزيج مِنَ الألَمِ والتَّمَسُّكِ بالحياة . كانَ
الضَّعْفُ حاضرًا ، لكنَّه لَيْسَ قَيْدًا ، بَل اختبارًا لِشَجاعةٍ لا تُقَاس
بالأسلحةِ أو العَدَد ، وإنَّما بالقُدرة على البَقاءِ ، وإنقاذِ الآخرين في ظِلِّ
الخَراب .
سَراييفو ، رَغْمَ كُلِّ
الخَرابِ والانكسارِ ، بَقِيَتْ نابضةً ، لَمْ تَسْتَسْلِمْ ، لأنَّها احتضنتْ
مَآذِن تَرفُض السُّقوطَ . كُلُّ لَحْظَةِ ضَعْفٍ ، وكُلُّ قَطْرةِ عَرَقٍ وَدَمٍ
، كانتْ دليلًا على أنَّ الإنسانيَّة المُحَاصَرَةَ تَسْتطيع أنْ تَصْنَعَ شُعاعًا
صغيرًا مِنَ الضَّوْء ، يَكْفي لإبقاء المَدينة على قَيْدِ الحياة .
الصَّباحُ بدأ كأيِّ صَباحٍ ،
لكنَّ الضَّحِكات اختفتْ ، وحَلَّ مَكَانَها صَمْتٌ ثقيل . خرجتُ إلى الشارع ،
أصواتُ الانفجاراتِ تَقْترب ، والرائحة تَختلط بَيْنَ دُخَانِ المَطاحنِ المُدمَّرةِ
والبارودِ . يَركُض الأطفالُ وراءَ بعضِهم البعض ، يَبْحثون عَنْ أيَّة لَحْظَةِ
مَرَحٍ ، وأنا أحْمِلُ مُسَدَّسِي كما لَوْ كانَ يَحْميني أكثرَ مِمَّا يَحْميهم .
كُلُّ خُطْوَةٍ أشعُرُ بِها ، وكأنَّ الأرضَ نَفْسَها تخافنا .
الغِذاءُ يَنْفَد ،
والدَّوَاءُ يَخْتفي . جُنودُنا يَظْهَر عَلَيهم التعبُ ، وَيَبْدُون مُنْهَكِين ،
لكنْ لا أحد يَجْرُؤ على التوقف . في كُلِّ بَيْتٍ ، نَجِدُ أشخاصًا يَنْتظرون أنْ
نَحْميهم ، وأنْ نُثبِت لهم أنَّ هُناك مَنْ يقف بَينهم وَبَين الخراب . أرى في
عُيونِ الناسِ مَرارةَ التعبِ ، لكنْ هُناك شُعاع صغير مِنَ العَزْمِ لا يَمُوت .
كُلُّ انفجارٍ يَجْعَل نَبْضَ القلبِ يَتسارع . كُلُّ طَلْقَةٍ نارية تُذكِّرنا
بأنَّ الحِصَار حَوْلَنا مُكتمِل . المَدنيون يَخْتبئون في الطوابقِ السُّفْلِيَّة
، يَسْمَعون أصواتَ الرصاصِ والانفجاراتِ ، وكأنَّها مُوسيقى الحياةِ الجديدة .
أُحَاوِلُ تَهدئةَ أحدِ الأطفال ، لكنَّه لَمْ يتوقف عن البُكاء . أمْسَكْتُهُ
بَيْنَ ذِرَاعَيَّ ، وأخبرتُه بأنَّنا سَنَنْجُو ، ولكنَّ كَلامي بَدا لِي فارغًا
، وخاليًا مِنَ المَعْنى .
الضَّعْفُ أصبحَ مَلموسًا ، في
كُلِّ رُكْنٍ ، في كُلِّ شوارعِ المَدينةِ المُدمَّرة . مُحاولةُ فَكِّ الحِصَارِ
تَبْدُو بِلا جَدْوَى . هُناك لَحْظة قصيرة في كُلِّ يَوْمٍ نَبتسم فيها للآخَرِين
، نُحاوِل أنْ نَنْقُلَ شُعورًا بالحياةِ في عَالَمٍ يَنتحر . أشعرُ بأنَّ المدينة
تَتحدَّث إلَيْنا . الأزِقَّةُ والجُدرانُ المَهدومةُ تَحْمِلُ قِصَّةَ صُمودٍ .
كُلُّ رَصاصةٍ نُطْلِقُها ، وكُلُّ إصلاحٍ جُزئي للكهرباءِ أو أنابيبِ الماءِ ،
هُوَ رسالة صغيرة تَقُول : (( لَسْنَا مَهزومين بَعْد )) . الضعفُ حاضرٌ ، لكنَّه
لَمْ يُنْهِ عزيمتنا . جَعَلَنَا نُدرِك أنَّ الحياة مَهما كانتْ مُحَاصَرَةً ،
تَسْتحق أنْ نُحَارِبَ مِنْ أجْلِها . نَحْنُ هُنا ، بَيْنَ الأنقاضِ والألَمِ ،
لكنَّ القُلوبَ لَمْ تَسْقُطْ . كُلُّ شَخْصٍ مِنَّا أصبحَ جُزءًا مِنْ رُوحِ
المَدينة ، وكُلُّ دَمْعَةٍ وكُلُّ ابتسامةٍ تُمثِّل مُقَاوَمَةً . رُبَّما
الحِصَار سَيَطُول ، وَرُبَّما سَنَشْعُر بالعَجْز، لكنَّنا لَمْ نَفْقِدْ
إنسانيتنا . حتى الضَّعْف أصبحَ شَهادةً على قُوَّتنا الحقيقية : القُدرة على
الاستمرارِ ، والحِماية ، والحياةِ ، رَغْمَ كُلِّ شَيْء .
المَدينةُ تَبْدُو مَيْتَةً ،
ولكنَّ أصوات الحياة تَتسلَّل بَيْنَ الرُّكام . أصواتُ خُطُواتٍ سريعة . أطفالٌ
يَخْتبئون خَلْفَ جُدران مُهدَّمة . نِسَاء يَصْرُخْنَ لطلبِ الماء . رائحةُ
الدُّخَانِ تَمْتزج برائحةِ الخُبْزِ المُحترِق مِنْ فُرْنٍ صغير مَا زالَ قائمًا
.
أحدُ الأطفالِ يَتشبَّث
بِقَدَمَيَّ ، يَقُول بصوتٍ مُرتعش : (( هَلْ سَتَبْقَى هُنا مَعَنَا ؟ )) .
أبتسمُ له رَغْمَ كُلِّ جُنونِ القَصْفِ ، وَأُجِيب : (( نَعَم ، لَنْ أتركك )) .
لكنَّني أعْلَمُ الحقيقةَ في داخلي ، وَهِيَ أنَّ المَدينة أقْوَى مِنْ كُلِّ المُسَدَّسَاتِ
والبَنادقِ ، وَنَحْنُ ضُعَفاء أمامَ حِصَارها .
الشارعُ لَمْ يَعُدْ مُجرَّد
طريق ، بَلْ مَتاهة مِنَ الأنقاضِ والبارود . كُلُّ مَنْزِلٍ يَحْمِل قِصَّةً :
جِدَار مُحطَّم ، نافذة مُهشَّمة ، صورة عائلية مقلوبة على الأرض . أسمعُ أحدَ
المَدنيين يَقُول : (( لَقَدْ قَضَى القَصْفُ على كُلِّ شَيْء ، لكنَّنا لا
نَستطيع المُغادَرةَ )) . أصواتُهم صَدى لِضَعْفِنا ، ومُحاوَلة للحِماية .
رَجُلٌ يُحاوِل إصلاحَ
مِدْفَعٍ صغير ، يَقُول بصوتٍ مُحبَط : (( إذا لَمْ يَكُنْ هُناك ذَخِيرة ، فما
الجَدوى ؟ )) . أَرُدُّ عَلَيه بِهُدوء : (( نَحْنُ هُنا ، وهذا وَحْدَه كافٍ
أحيانًا )) .
الليلُ قاتمٌ ، والمدينةُ
تَهْتَزُّ معَ كُلِّ انفجارٍ بعيد . الرائحةُ خانقة : دُخَان ، غُبار ، بَقَايا
طَعامٍ مُحترِق. المَدنيون يَخْتبئون في الطوابقِ السُّفْلية ، وأنا أُراقبهم مِنَ
الأعلى ، مُحَاوِلًا إخفاءَ ارتجافي.
أحدُ الأطفالِ يَصْرُخ فَجْأةً:
(( أُمِّي ! أُريدُ أُمِّي ! )). امرأةٌ تَجلِس بجانبه تَمْسِح دُموعَه بِهُدوء،
وتُحاول أنْ تَقُولَ له شيئًا مُطَمْئِنًا ، لكنَّ صَوْتَه يَختنق في الهواء .
أقتربُ ، أضعُ يَدِي على كَتِفِه ، وأقولُ : (( سنخرجُ مِنْ هُنا ، يَنبغي
التَّحَلِّي بالصبر )) .
أَحُسُّ بِثِقَلِ الكلامِ ،
لأنَّني أعْلَمُ أنَّ الصبر وَحْدَه لا يَكْفي . الضعفُ ملموس في كُلِّ زاوية .
الأسلحةُ محدودة، والغِذاء أقَلُّ ، والجُنودُ يَنْتقلون مُتْعَبِين كالأشباحِ .
كُلُّ رَصاصةٍ نُطْلِقُها تُشعِرنا بأنَّنا نَحْمي المَدينةَ ، لكنَّ كُلَّ انفجارٍ
يَجْعلنا نُدرِك هَشاشتنا. امرأةٌ تَجلِس على الأرض ، تَحمِل طِفْلَها، وتَهمِس:
(( إذا لَمْ نَنْجُ اليَوْمَ ، فماذا سَيَبْقَى ؟ )). أستجيبُ لها بصوتٍ مُرتعش:
(( سَتَبْقى المدينة ، وَسَتْبقى حياتُكم )) . كَلِمَاتُها تَكَاد تَخْترق قلبي،
وَتَجْعلني أشعُرُ بِعَجْزِنا أكثر مِنْ أيِّ وقتٍ مضى .
أصْبَحْنا مُتآلفين معَ
الضَّجيج : انفجارات ، صَرَخَات ، ضَحِك الأطفال المُخْتبئين ، بُكاء النِّساء.
كُلُّ شَيْء هُنا في اللاهُنا يُذكِّرنا بأنَّنا ضُعَفاء، لكنْ رَغْمَ كُلِّ شَيْء
، المَدينة لا تَزَال تَتَنَفَّس.
أحدُ الجُنودِ يَقُول لِي : ((
أَحُسُّ بأنَّ كُلَّ يَوْمٍ نَصْمُدُ فيه هُوَ نَصْرٌ صغير )). أبتسمُ له ، وأقول:
(( نَعَم ، وحتى في ضَعْفنا ، هُناك شجاعة )) . المَدينةُ تَنْبِضُ بِنا ،
وَبِكُلِّ مَنْ يعيشُ فيها . قَطْرَةُ الدَّمِ مُقَاوَمَةٌ صغيرة ، والابتسامةُ
مُقَاوَمَةٌ صغيرة ، لكنَّها حقيقية .
نَحْنُ هُنا ، بَيْنَ
الرُّكامِ والدَّمَارِ، لكنَّ أرواحَنا تُحلِّق . جَسدي صارَ جُزْءًا مِنْ رُوحِ
المَدينة . والأيادي المُرتعشة تُمْسِكُ بأيْدٍ أُخْرَى ، والعُيون تَبْحَث عَن
الضَّوءِ بَين الظِّلال .
الضَّعْفُ حَاضِرٌ، لكنَّه لا
يُقَيِّدُنا. الحياةُ مُستمرة، والمدينةُ تَستمر في التَّنَفُّسِ مِنْ خِلالِنا .
رُبَّما يَطُول الحِصَارُ ، وَرُبَّما سَنشعُر بالعَجْزِ مَرَّاتٍ عديدة ، لكنَّ
الإنسانيَّة هُنا ، وَسَط كُلِّ هذا الخراب ، هِيَ شَمْعةٌ صغيرة ، تَكْفي لأنْ
تَجْعَلَ المَدينةَ حَيَّةً ، وأن تَجْعَلَنا نُواصِل المُقاوَمةَ حتى آخِرِ
لَحْظَة .
المَدينةُ مُسْتلقيةٌ تحت
غُبارٍ رَماديٍّ كثيف . أشعةُ الشمسِ تُحاول التَّسَلُّلَ بَيْنَ الرُّكام ،
لكنَّها عاجزةٌ عَنْ كَسْرِ سَوَادِ الدُّخَان . أصواتُ انفجاراتٍ بعيدة تَهْتَزُّ
في الهَواء ، يُصاحبها رائحة بارود تَحْترق . والجُنودُ يَتحركون بَين المَباني
المُهدَّمة ، خُطُواتُهم ثقيلة ، وكُلُّ حَرَكَةٍ مَحسوبةٌ .
طِفْلَةٌ صغيرة تَظْهَر مِنْ
خَلْفِ جِدارٍ مُحطَّم ، عُيونُها واسعةٌ ، وَوَجْهُها مُتَّسِخٌ بالغُبار. تَرفَع
يَدَها، تَبْحَث عَنْ أيِّ شَيْءٍ مألوف . أحدُ الجُنودِ يَلْتفت بِسُرعة .
يَنْحني بِرِفْقٍ ، وَيُمسِك يَدَها . يَبتسم رَغْمَ أنَّ قلبه غارقٌ في الوَجَعِ
. (( كُلُّ شَيْءٍ سَيَكُون عَلى مَا يُرَام )) ، يَقُول ، لكنَّه يَعْلَم أنَّ
الحِصَار لا يَعرِف الرَّحمةَ .
الشارعُ ضَيِّقٌ ، ومَلِيء
بالأنقاضِ والقِطَعِ المَعْدِنِيَّة . فَجْأةً ، انفجارٌ قريبٌ يَهُزُّ الأرضَ ،
وَيَقْذِفُ الغُبارَ في الهَواء . الناسُ يَصْرُخُون ، والأطفالُ يَركُضُون ،
والنِّسَاءُ يَصْرُخْنَ للعُثورِ على أبنائهن ، والجُنودُ يُحاولون السَّيطرةَ على
الفَوْضَى ، يَرفَعون الأنقاضَ ، ويُهدِّئون الصِّغَارَ .
رَجُلٌ يَصْرُخ مِنْ خَلْفِ
الحائطِ : (( احْذَرُوا ! ، القذائف قادمة مِنَ الجانبِ الآخَرِ ! )) . أركضُ
باتِّجاهه.الأصابعُ تَرتجف على الزِّناد.كُلُّ طَلْقَةٍ نُطْلِقُها مُحَاوَلَةٌ
لإبعادِ الخطر، لكنَّها لا تَكْفي لوقفِ السُّقُوطِ حَوْلَنا .
يَتَجَمَّعُ المَدَنِيُّون في
الطوابقِ السُّفْلية للمَباني المُدمَّرة . هُناك رائحةُ عَرَقٍ وَرُطُوبةٍ .
أصواتُ بُكاءٍ مُمْتدة في كُلِّ رُكْنٍ . امرأةٌ تُحاول تَهدئةَ طِفْلٍ صغير ،
لكنَّ صَوْتَ انفجارٍ آخَر يَجْعَل الصغيرَ يَصْرُخ ، ويَرتجف مِنَ الرُّعْب . أجلسُ
بجانبه، وأُحاولُ التَّخفيفَ عَنْه. أتَنَفَّسُ بِصُعوبة ، وأهْمِسُ : (( ابْقَ
هادئًا ، نَحْنُ هُنا )) . الكلامُ يَبْدُو هَشًّا ، لكنَّه الشَّيْء الوحيد الذي
يُمكِن إعطاؤُه للناسِ .
المَدينةُ تَبدو أكبرَ وأكثرَ
رُعْبًا في الليلِ . انفجاراتٌ بعيدة تُضِيءُ السَّماءَ لِلَحْظَةٍ قصيرة ،
لِتَكْشِفَ أنقاضَ الشوارع ، والأسقُف المُهدَّمة ، والجُدران المُهشَّمة.
الجُنودُ يَنْتقلون بَين الظِّلال، يَتَحَقَّقُون مِنْ مَنازلِ المَدنيين ،
يَمْلَؤُونَ الدِّلاءَ بالماءِ ، وَيُصلِحون مَا يُمكِن إصلاحُه مِنْ خُطوطِ
كَهْرباء مَهْجورة . أرى رَجُلًا عَجُوزًا ، عَيْناه غارقتان في التعب ، يَجلِس
على الدَّرَجِ المُهدَّم ، يَنظُر إلى السَّماءِ بِلا هَدَفٍ، أسألُه : (( هَلْ
أنتَ بِخَيْر ؟ )). يَرفَع رَأسَه بِبُطْء ، ويَبْتسم ابتسامةً صغيرة ، وَيَقُول :
(( نُحاوِل الصُّمُودَ ، هَذا كُلُّ مَا نَمْلِكُه )) .
الفَجْرُ يُشرِق عَبْرَ
دُخَانٍ رَماديٍّ . المَدينةُ لا تَزَالُ واقفةً رَغْمَ الانفجاراتِ والدَّمارِ
المُنتشر كأجنحةِ الحَشَرَاتِ المُحَنَّطَة . والرِّجالُ يَتبادلون نَظَرَاتٍ
مليئة بالتَّعَبِ والخَوْفِ . والمَدينةُ تُولَدُ مِن احتضارها . طِفْلٌ يتيمٌ
يَخْتبئ خَلْفَ ثُقُوبِ جِدارٍ مُحَطَّم ، عَيْناه تَلْمَعَان بالخَوْفِ . جُنديٌّ
يَركُضُ نَحْوَه ، يَنْحني لِيُمْسِكَ يَدَه ، وَيَقُول : (( ابْقَ مَعِي ، لَنْ
يَلْمِسَكَ شَيْء )) . يَرتجف الطِّفْلُ ، لكنَّه يَمْشي خَلْفَه ، وكأنَّ المدينة
بأكملها أصبحتْ مَتَاهَةً لا نِهاية لها .
انفجارٌ هائلٌ يَهُزُّ الشارعَ
. الحَضارةُ الغربية تَنقرِض ، والغُبارُ يملأ الهواءَ . أصواتُ الصُّرَاخِ
والرَّكْضِ تَتداخل معَ هَديرِ الانفجارات. الرِّجالُ يَصْرُخُون لبعضِهم البعض ،
يَحْمِلُون الأطفالَ ، وَيَسْحَبُون الجَرْحَى . وتاريخُ الصَّليبِ المَصْلُوبِ
يَتساقط شَظَايا وَدَبابيس .
87
في قلبِ أُوروبا،تحت جِبالٍ
شاهقة وسماءٍ خانقة، كانتْ سَراييفو تُحاصرها الأسلحةُ والحديدُ، لكنَّها لَمْ
تَخْضَعْ بَعْد . شوارعُها مَسْرَحٌ لِصِراعٍ لا يَرْحَم ، والأبنيةُ المُدمَّرة
تَئِنُّ تحت وَطأةِ الرَّصاصِ والقصفِ مِثْلَ جُثَث لا تَستطيع أنْ تُغادر الأرضَ
. حِينَ تَنفجر الرَّصاصةُ في صَمْتِ الليلِ ، يَبْدُو الهواءُ نَفْسُه كأنَّه
يَصْرُخ . تَتَشَقَّق الجُدرانُ ، وَيَتطاير الغُبارُ كذاكرةٍ مُمزَّقة ، تَبْحَث
عَنْ مَلامِح بَيْتٍ كانَ هُنا ، وَضِحْكَةٍ كانتْ تملأ المَمَرَّ قَبْلَ أنْ
يُبْتَلَعَ كُلُّ شَيْءٍ في لَحْظةٍ واحدة . في خِضَمِّ القَصْفِ ، يُصبح الزمنُ
بِلا ملامح . ثانيةٌ واحدة تَمْتَدُّ كَعُمْرٍ كامل ، وَصَوْتٌ واحدٌ يَختزِل
كُلَّ مَا في الوُجودِ مِنْ وَجَعٍ . والأطفالُ يَتشبَّثون بالهواءِ اليابس ،
لَعَلَّهُم يَجِدُون فيه حِضْنًا آمِنًا ، والعُيونُ تَترقَّب الضَّوْءَ لا
لِتَفْرَحَ بِه ، بَلْ لِتَعْرِفَ مِنْ أيَّة جِهةٍ سَيَأتي الخَطَرُ هَذه
المَرَّة . وَوَسَط هَذا الجُنون، يَتعلَّم القلبُ كَيْفَ يَصْمُت . الحربُ لا
تَقْتُل الأجسادَ وَحْدَها ، بَلْ تُفَرِّغ الأرواحَ مِنْ دِفْئِها ، حتى يُصبح
البقاءُ شكلًا مِنْ أشكالِ الفَقْدِ .
داخل هَذه المدينة ، كانَ
الجُنودُ البُوسنيون يَقِفون على أطرافِ الأمل ، ضُعَفاء أمامَ مَدافعِ قُوَّاتِ
الصِّرْبِ التي تُحْرِقُ الأخضرَ واليابسَ. لا يَملِك الجُنودُ البُوسنيون
خُطَّةً، وَلَيْسَ لَدَيهم أسلحة كافية لِتَغيير مَجْرى الحِصَار . كانوا كَظِلالٍ
تَتحرَّك في الليلِ ، يَختبئون بَين الرُّكام ، يَحرُسون مَا تَبَقَّى مِنْ
حَياتهم . وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَخرُجون فيها لِمُواجهةِ العَدُوِّ ، كانوا يَعُودون
بأجسادٍ مُثْقَلَة بالجُروحِ والعُيونِ المُمتلئة بالخَوْف .
مِيرا ، إحدى المُمَرِّضَات ،
كانتْ تَسِير بَين الجَرْحَى وَهِيَ تُحاول أنْ تَمْسَحَ دُموعَهم بِحَنان .
تَعرِف أنْ لا شَيْء مِنْ جُهودها يُمكِن أنْ يُغَيِّرَ واقعَ الحِصارِ ، لكنَّها
استمرَّتْ ، لأنَّ التوقف عن المُحاولة يَعْني المَوْتَ المُؤكَّد لِكُلِّ مَنْ
بَقِيَ . أصواتُ الانفجاراتِ تَتردَّد بَين الأبنيةِ كَنَبَضَاتِ قلبٍ غاضبٍ ،
وأحيانًا تُسمَع صَرَخَاتُ الأطفالِ والنِّساءِ ، صَرَخَات يَخْتَلِط فيها
الخَوْفُ واليأسُ بصوتٍ خافتٍ مِنَ الأملِ .
إيفان ، جُندي شاب بالكاد
تَجاوزَ العِشرين، يُحدِّق في أطرافِ المَدينةِ كُلَّ صَباحٍ، يُحاول أنْ يَرى
مَخْرَجًا ، فَتِلْكَ الشوارع المُدمَّرة بالنِّسبةِ إلَيْهِ هِيَ خرائط لعوالم لا
يَعرِفها أحدٌ غَيْرُه. يَعرِف أنَّ القُوَّات البُوسنية صغيرة ، وأنَّ أيَّ هُجوم
مُضاد رُبَّما يُؤَدِّي إلى زوال مَا تَبَقَّى مِنْ حَياةٍ عاديَّة . لكنَّه لَمْ
يَسْتسلم ، لأنَّه يَعْلَم أنَّ كُلَّ لَحْظَةِ صُمودٍ تَحْمِلُ مَعْنى ، حتى لَوْ
لَمْ تَكُنْ كافيةً لِتَحريرِ المَدينة .
بَدأ الحِصَارُ يَخْلُقُ
واقعًا جديدًا. سُكَّانُ المَدينةِ أصبحوا يَمْشُون على أطرافِ الشَّوارعِ
المُدمَّرة، يَتقاسمون الطعامَ والشَّجاعة ، ويَحفِرون آبارَ الأملِ بَيْنَ
الرُّكام . الجُنودُ لَمْ يَكُونوا وَحْدَهُم في مَعْركتهم . السُّكَانُ صاروا
شُرَكاء في الصُّمُود ، يَحْدُوهُم شُعورٌ غريب بأنَّ مُقاوَمتهم الصغيرة ، مَهْما
كانتْ ضعيفةً ، تَحمِل نَوْعًا مِنَ الحُرِّية .
في إحدى الليالي ، وَبَيْنَما
كانتْ قذائفُ الهاون تَتساقط على المَدينة ، جَلَسَ إيفان بجانبِ نافذةٍ نِصْفِ
مُدمَّرة، يَتأمَّل السماءَ المُحترقة باللَّوْنِ الأحمر . شَعَرَ بِثِقَلِ
الهزيمةِ يَضْغَط على صَدْرِه، لكنَّه أيضًا شَعَرَ بِشَيْءٍ آخَر : قُوَّة
خَفِيَّة غَيْر مَرْئية تَجْعله لا يَسْتَسْلِم . رُبَّما لَمْ يَكُنْ لَدَيهم
القُدرة على فَكِّ الحِصَار ، لكنَّهم استطاعوا أنْ يُحافظوا على مَا تَبَقَّى
مِنْ كَرامتهم الإنسانيَّة ، وَرَوَابطِهم بالمَكان الذي أحَبَّهُم وَأحَبُّوه .
المَدينةُ تَئِنُّ ، والجُروحُ
تَتكاثر، والعَدُوُّ يَزداد قُوَّةً ، لكنَّ سَراييفو لَمْ تَمُتْ . كُلُّ جُنديٍّ
، كُلُّ مُواطِنٍ ، كُلُّ طِفْلٍ وشاب ، يَحمِل في قلبِه إحساسًا بأنَّهُم جُزء
مِنْ شَيْء أكبر مِنْ مُجرَّد الجُغرافيا ، جُزء مِنْ صُمودٍ لا يُمكِن أنْ
يَقْتله أقوى حِصَارٍ .
في النِّهاية، حتى عِندما بَدا
أنَّ كُلَّ شَيْء قَد انتهى، ظَلَّ إيفان وميرا وسُكَّانُ المَدينةِ يَتَنَفَّسُون
، وَيُحارِبون ، ويَكْتُبون تاريخَهم بصبرٍ لا يَلِين . لَمْ تَكُنْ لَدَيهم
القُوَّة العسكرية ، لكنَّهم امتلَكوا شيئًا آخَر: القُدرة على العَيْش،رَغْمَ
كُلِّ شَيْء،والقُدرة على أنْ يَكُونوا بَشَرًا في عَالَمٍ يُحاول أنْ يُحطِّمهم.
كانت الشَّوارعُ أكثرَ
قَتَامَةً مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى . الحُطَامُ أصبحَ جِدارًا دائمًا يُعِيق الحركةَ ،
والرَّصَاصُ يَتقاطع في الهواءِ كَما لَوْ كانَ يُحاول أنْ يَكْتُبَ نِهايةَ
المَدينةِ بِدِمَاءِ أبنائها . الجُنودُ البُوسنيون ، رَغْمَ شجاعتهم ، يُعانون
مِنْ نَقْصِ المُعَدَّاتِ والذخيرة . وكُلُّ خُطْوَةٍ خارجَ المَلاجئِ مُخَاطَرَةٌ
واضحةٌ بالمَوْتِ .
تَسَلَّلَ إيفان معَ زُمَلائه
عَبْرَ نَفَقٍ ضَيِّق تحت أطلال مَبْنَى مُحطَّم ، يَمْلَؤُهُ الغُبارُ والروائحُ
الكريهة للمَاءِ الراكدِ والجُثَثِ المُتَحَلِّلَةِ . إنَّهُم يَعْلَمُون أنَّ
العَدُوَّ الصِّرْبيَّ يُراقِب كُلَّ حركة ، وأنَّ أيَّ خطأ قَدْ يَكُون الأخيرَ .
أصواتُ الانفجاراتِ تَقْترب أكثرَ فأكثر ، كأنَّ المَدينة تَصْرُخ : (( لَمْ
يَعُدْ هُناك مَكان للاختباء )) .
في إحدى الزَّوايا ، شاهدَ
إيفان زميلَه " مُحَمَّد " ، يُحاول أنْ يُضَمِّدَ جُرْحَه في سَاقِه بِقِطعةِ
قُماش بالية.الدَّمُ يُلطِّخ جِلْدَه ، لكنَّه ابتسمَ بِخُفُوتٍ، وقال : (( لَنْ
نَسْتطيع تَغْييرَ الحِصَار ، لكنْ يُمكِننا البَقاء على قَيْدِ الحياةِ اليَوْم
)). كَلِمَات بسيطة ، لكنَّها شُعاعُ ضَوْءٍ في هَذا النَّفَقِ المُظْلِم .
على السَّطْحِ، ميرا تُحاول تَهدئةَ
مَجموعة مِنَ المَدَنيين، بَيْنَما الطَّلَقَات تَتساقط عَلى الجُدرانِ المُحطَّمة
. تَسْمَع صَرَخَاتِ الأطفالِ في الشارع . كُلُّ صَرْخَةٍ تَفْتَح جُرْحًا في
قلبِها ، لكنَّها لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ مَدِّ يَدِها . كُلُّ حَركةٍ صغيرة
تُثْبِتُ أنَّ القُوَّة الحقيقية لَيْسَتْ دائمًا في السِّلاحِ ، بَلْ في القُدرة
على أنْ تَبقى إنسانًا وَسَط الخراب .
في لَيْلَةٍ أُخْرَى، قَرَّرَ
إيفان وفريقُه مُحاوَلةَ الهُجومِ على موقعٍ صغيرٍ للعَدُوِّ الصِّرْبي ، مُحاوَلة
بسيطة لإيصال الطعامِ والدَّواءِ لِسُكَّانِ حَيٍّ مُحاصَر.الخُطْوَةُ تَبْدُو
مُستحيلةً، وَلَيْسَ لَهُم خِيار آخَر.
تَقَدَّمُوا بِخُطُواتٍ بطيئة
، كُلُّ صَوْتٍ لَهُم يُدَوِّي بَين الجُدرانِ المُدمَّرة . الرَّصَاصُ يُصِيبُ
الأرضَ حَوْلَهم ، والانفجاراتُ تَجْعَل الأرضَ تَهْتَزُّ تحت أقدامِهم .
الجُنودُ البوسنيون يَشعُرون
بالضَّعْفِ أكثرَ مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى . كانوا الحَلْقَةَ الأضعفَ في كُلِّ
المَجالات، لكنَّهم اسْتَمَرُّوا. استمرارُهم لَمْ يَكُنْ لِفَرْضِ النَّصْر، بَلْ
لإظهارِ أنَّهُم لَنْ يَخْتفوا بِسُهولة، وأنَّ الصُّمود مَهْمَا كانَ ضعيفًا
يُمثِّل شكلًا مِن أشكالِ المُقاوَمة .
بعد سَاعاتٍ مِنَ القِتالِ
الضاري ، عادَ الفريقُ مُتْعَبًا وَمُثْخَنًا بالجِرَاحِ ، يَحمِلون مَا استطاعوا
مِنَ الإمداداتِ. لَمْ يَنْتصروا عَسْكريًّا ، وَلَمْ يَتمكَّنوا مِنْ فَكِّ
الحِصَارِ ، لكنَّهم نَجحوا في إعادةِ الأملِ للحَيِّ الصغير: جَرْحَى أقل ،
وطَعام يَكْفي لأيام ، وابتسامة مُتْعَبَة على وَجْهِ طِفْلٍ رَأى أحدَهم يَخرُج
مِنَ الرُّكام لِيَحْمِلَه إلى الأمان .
المَدينةُ مُحَاصَرَةٌ ، والجُنودُ
والنِّسَاءُ والأطفالُ يُواجِهُون ضَعْفَهم، لكنَّهم ظَلُّوا عَلى قَيْدِ الحَياة،
يَبْنُون لَحْظَةً تِلْوَ الأُخْرَى ، رَغْمَ الألَمِ والخَوْفِ والشُّعورِ
بالعَجْز . كانَ واضحًا أنَّ الحربَ لَمْ تَكُنْ معَ العَدُوِّ فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا معَ اليأسِ والصَّمْتِ الذي يَضْغَط عَلى الرُّوحِ أكثرَ مِنْ أيَّة قَذيفة
.
بَيْنَ الأنفاقِ المُظْلِمَةِ
والشَّوارعِ المُحطَّمة ، وَبَيْنَ جَرْحَى لا يُمكِن إحصاؤُهم ، ظَلَّ إيفان
وميرا والجُنودُ يُسجِّلون يومياتِ المَدينةِ بِصُمودِهم،ويَعْلَمُون أنَّ
البَقَاءَ على قَيْدِ الحَياةِ في بعضِ الأحيانِ يَكُون أعظمَ مِنْ أيِّ نَصْرٍ
يُمكِن أنْ تَمْنَحَه الأسلحة .
الأيَّامُ تَحَوَّلَتْ إلى
أسابيع ، والأسابيعُ إلى شُهور ، والشُّهُورُ إلى سَنَوات ، والمَدينةُ بَقِيَتْ
مُحَاصَرَةً . لَمْ تَعُدْ أصواتُ القَصْفِ وَحْدَها تُشكِّل الخطرَ ، بَلْ أصبحَ
الجُوعُ والعَطَشُ والبَرْدُ والخَوْفُ أعداءً أكثرَ قَسْوَةً مِنْ أيَّة بُندقية.
إيفان بدأ يُلاحِظ أنَّ زُملاءه يَتغيَّرون . العُيونُ التي كانتْ مَليئةً
بالشَّجَاعةِ بَدَأتْ تَتَشَوَّه بالهَلَعِ المُستمر. الأصواتُ الصاخبةُ للقَذائفِ
كانتْ أقَلَّ رُعْبًا مِنَ الصَّمْتِ الطويلِ الذي يَمْلأ مَلاجِئَهُم . كُلُّ
جُنديٍّ يُحاول أنْ يُثْبِتَ نَفْسَه ، لكنَّ النَّقْصَ المُستمر في الطعامِ
والدَّوَاءِ جَعَلَ القُوَّةَ الجسديةَ تَتلاشى بِسُرعة. ميرا تَتجوَّل بَين
الجَرْحى والمَرْضى ، لكنَّها لَمْ تَعُدْ تَملِك الطاقةَ نَفْسَها كما قَبْل.
كُلُّ ضِحكةِ طِفْلةٍ تُصيبها بألَمٍ . كُلُّ بُكاءٍ يُذيبُ قلبَها مِثْلَ
الثَّلْجِ في الشمس. استمرَّتْ لأنَّها تَعرِف أنَّ تَوَقُّفَها يَعْني المَوْتَ
للكثيرين .
في أحدِ الأقبيةِ، جَلَسَ
إيفان بجانبِ زميله مُحَمَّد، وَيَدَاه تَرتجفان مِنَ البَرْدِ . أصواتُ القَصْفِ
تَخْفُتُ أحيانًا ، تاركةً صَمْتًا رَهيبًا ، صَمْتًا يُذكِّرهم بأنَّ المدينة
تَتألَّم . قال مُحَمَّد بصوتٍ مُنخفض :
_ أَحُسُّ أنَّ قُوَّتَنَا
تَتلاشى ، وأنَّنا مِثْل الرِّياح التي تَهُبُّ بَين الرُّكامِ ولا تَترُك أثَرًا
.
أجابَ إيفان وَهُوَ يُحاول
إخفاءَ القلقِ والاضطرابِ :
_ رُبَّما ، لكنْ حتى الرِّياح
تَترُك أثَرَها ، نَحْنُ هُنا ، نعيش ، وَنَتَنَفَّس ، ونُحاوِل .
في الشوارع ، أصبحَ
المَدَنِيُّون أشباحًا تَسِيرُ بِخُطى بطيئة بَين الأبنيةِ المُدمَّرة . الجُوعُ
أجبرَ بعضَهم على تبادلِ الطعامِ القليل ، والبَرْدُ جَعَلَ الأطفالَ يَلْتَفُّون
حَوْلَ أيَّة جُثَّة لِتَدفئةِ أجسادِهم الصغيرة . كُلُّ يَوْمٍ مَعركةٌ ضِد
اليأسِ ، وكُلُّ لَحْظَةِ صُمودٍ بِمَثَابة انتصارٍ صغير .
القَصْفُ المُستمر تَسَبَّبَ
في انهيار الأبنيةِ ، ومَعَه انهارت الأرواحُ أيضًا . لكنْ في هَذا الدَّمَار،
كانتْ تَظْهَر لَمَحَاتٌ مِنَ الإنسانيَّة : جُندي يُشارك قِطعةَ خُبْزٍ معَ
طِفْلٍ يَبْكي ، جريحةٌ تُساعِد أُخْرَى رَغْمَ ألَمِها ، كَلِمَات تَشْجيع تَنتشر
بَين المَلاجئِ كَشَرَارةٍ صغيرةٍ مِنْ أمَلٍ هَش .
إيفان بدأ يَكتُب يَومياته على
أوراقٍ مُمزَّقة ، يُحاول تَسجيلَ كُلِّ شَيْء : خَوْفه ، ألَم زُملائه ، صُمود
المَدَنيين ، حتى لَوْ كانَ الوَعْيُ بأنَّ الحِصَار مُستمر يَجْعل الكِتابةَ أشبه
بِمُحاولة الإمساك بالهواء . كُلُّ كَلِمَةٍ شاهدةٌ على ضَعْفِهم ، لكنَّها أيضًا
شاهدةٌ على قُوَّةِ أرواحِهم الصغيرة أمام واقعٍ أكبر مِنهُم . معَ مُرورِ الوقتِ
، أصبحَ واضحًا أنَّ المدينة لَيْسَتْ مُحَاصَرَةً بالقَذائفِ فَقَط ، بَلْ
بالحُزْنِ، والحِرْمانِ، والوَحْدَةِ المُستمرة . وَمَنْ بَقِيَ فِيها مِنَ
الجُنودِ والمُواطنين ، تَعَلَّمَ دَرْسًا صعبًا : البقاء على قَيْدِ الحَياةِ
أحيانًا هُوَ النَّصْرُ الوحيدُ المُمْكِن ، وأنَّ الإنسانية الحقيقية تَظْهَر
حِينَ يَكُون العَالَمُ كُلُّهُ ضِدَّكَ .
في نِهَاياتِ الليلِ الطويل ،
بَينما القذائف تَتساقط في الخارج ، كانَ إيفان يَنظُر إلى السَّماءِ المُحترِقة ،
ويَتذكَّر وُجوهَ زُمَلائه المَدَنيين والجُنودِ . وُجُوهٌ تُعَاني ، وتَرْتَجِف ،
لكنَّها لا تَنكسِر . ضَعفُهُم واضحٌ ، وَفُرَصُ فَكِّ الحِصَارِ ضئيلة ، لكنَّ
الصُّمُودَ المُستمر أكبرُ شَهادةٍ على قُوَّةِ الرُّوحِ.
المَدينةُ عَلى شَفِيرِ
الانهيار . الأسابيعُ الطويلة مِنَ القَصْفِ والجُوعِ والبَرْدِ جَعَلَتْ كُلَّ
زاويةٍ مِنْ سَراييفو تَحْكي قِصَّةَ ألَمٍ . الأنفاقُ والمَلاجئُ لَمْ تَعُدْ
مَأوى كاملًا ، بَلْ أصبحتْ مَسْرَحًا لِمَعركةٍ مُستمرة بَيْنَ اليأسِ والإرادةِ
، بَيْنَ ضَعْفِ الجَسَدِ وَعَزْمِ الرُّوحِ .
إيفان يَقِفُ على حَافَةِ أحدِ
الأبنيةِ المُدمَّرة ، يُراقِب الجيرانَ وَهُمْ يَسْحَبُون مَا تَبَقَّى مِنَ
الطعامِ والماءِ . بَدا المَشْهَدُ وكأنَّه لَوْحَة رَمادية . كُلُّ شَيْءٍ فيها
مُحَطَّم ، لكنَّ حركة البَشَر الصغيرة فيها كانتْ دَليلًا على الحَياةِ رَغْمَ الظلام.
في تِلْكَ اللحظة، سَمِعَ إيفان دَوِيَّ انفجارٍ أقوى مِنَ المُعتاد . تَحَرَّكَ
بِسُرعةٍ إلى الأنفاق . المدنيون والجُنودُ مُجْتمعون . رأى ميرا تُحاول تَهدئةَ
جَرْحى أُصِيبوا في الانفجارِ الأخير . عُيونُها مُتْعَبَة ، وَوَجْهُها مَلِيء
بالغُبارِ والدَّمِ، لكنَّها لَمْ تَفْقِدْ شجاعتها .
مُحَمَّد الذي أصبحَ الآن
أكثرَ هُدوءًا في مُواجهةِ الرُّعْبِ، اقتربَ مِنْ إيفان، وقال: (( كُلُّ شَيْء
يَنهار حَوْلَنا، وكُلُّ مَا يُمْكِننا فِعْله هُوَ البقاء على قَيْدِ
الحياة)).أوْمَأ إيفان برأسه مُدرِكًا أنَّ كلام زميله هو الحقيقة الوحيدة .
قُوَّتُهُم العسكرية غَيْرُ كافية ، لكنَّ مُقاومتهم الإنسانية أعظمُ مِمَّا
يَرَاه العَالَم.
بَيْنَ الأنقاضِ ، ظهرَ
بَصِيصُ أمَلٍ . عَدَدٌ قليل مِنَ الجُنود تَمَكَّنوا مِن فتحِ مَمَرٍّ ضَيِّق
لِتَوصيل الطعام إلى حَيٍّ مُحَاصَر بالكامل. لَمْ يَكُن الانتصارُ كاملًا ،
وَلَمْ يَنكسِر الحِصَار ، لكنَّه كانَ شُعاعًا صغيرًا وسط الظلام ، لَحْظة
تُؤكِّد أنَّ الصُّمود في أصغرِ أشكاله يُمكِن أنْ يُغَيِّرَ حَياةَ الناسِ .
في تِلْكَ الليلةِ ، بَينما
المَدينة تَغْرَق في صمتِ القَصْفِ المُتقطع ، جلسَ إيفان وميرا وَعَدَدٌ مِنَ
الجُنود حَول حُفرةٍ صغيرة للتَّدفئة . الأطفالُ يَلْتَفُّون حَوْلَهم ،
وَوُجُوهُهُم تَعكِس الخَوْفَ والبَرْدَ ، لكنَّها تَحْمِل أيضًا بَصِيصًا مِنَ الاطمئنانِ
والأمل . المَدينةُ تَنهار ، والجُنودُ ضُعَفاء ، لكنَّ الإرادةَ الإنسانية أقوى
مِنْ أيِّ حِصَار .
معَ إشراقِ الفجر ، كانَ هُناك
شُعور خافت بأنَّ المَدينة سَوْفَ تَستمر ، رَغْمَ كُلِّ مَا حَلَّ بِها . لا
يُوجَد انتصارٌ عسكري ، وَلَمْ يَكُن الحِصَارُ قَد انتهى ، لكنَّ البقاء على
قَيْدِ الحَياة ، وتَقديم المُساعدة ، والحِفَاظ على أيِّ أثَرٍ للكَرامةِ
الإنسانيَّةِ ، كانَ أكبرَ نَصْرٍ يُمكِن أنْ يَحْصُلوا عَلَيْه .
سَراييفو ، المُحاصَرة
والمَجْروحة ، لَمْ تَكُنْ قد انتهتْ . صَرَخَاتُها ضعيفة ، وأنينُها خَافِتٌ ،
لكنْ كُلُّ رُوحٍ فيها ، كُلُّ طِفْلٍ ، كُلُّ جُنديٍّ ، كُلُّ امرأةٍ ، كانَ
يَكتُب شَهادةً على أنَّ الضَّعْفَ لا يَعْني الانكسارَ ، وأنَّ الصُّمود يُمكِن
أنْ يُوجَدَ في أصغرِ النُّفُوسِ ، وفي أحْلَكِ اللحَظَات .
تَعَلَّمَت المَدينةُ أنَّ المُقاوَمة لَيْسَتْ
دائمًا في القُوَّةِ أو الأسلحةِ ، بَلْ أيضًا في القُدرة على العَيْشِ ، وحِمايةِ
الآخَرين ، والبقاء إنسانًا وسط التَّوَحُّش ، والبَقاء رُوحًا مُزْهِرَة في قلبِ
الخراب . وهَذا هُوَ النَّصْرُ الأكبرُ الذي يُمكِن أنْ تُحَقِّقَه المَدينةُ
المُحَاصَرَة .
88
في تِلْكَ الأيَّامِ التي
امْتَدَّتْ كَدَهْرٍ بِلا نِهَاية،كانتْ سَراييفو مَدينةً تَتَنَفَّسُ الألَمَ .
الشوارعُ خاليةٌ إلا مِنْ صَدى خُطُواتِ الجَوْعَى،وَصَمْتُ المَنازلِ أبْلَغُ
مِنْ كَلِمَاتِ العَزَاء. الحِصَارُ يَضِيقُ على الناسِ كَما يَضِيقُ الحَبْلُ
حَوْلَ عُنُقِ الحَياة.مَنَعَت القُوَّاتُ الصِّرْبيةُ الغِذاءَ عَنْ سُكَّانِ
سَرَاييفو،وَحَرَمَتْهُم مِنَ الدَّواء ، وأقفلت النوافذَ أمامَ أشِعَّةِ الشمسِ
التي بالكادِ تَسْتطيع أنْ تَصِلَ إلى قُلوبِ المُحَاصَرين .
في الأسواقِ الخاوية ، كانت
الرُّفُوفُ صامتةً ، وكأنَّها شاهدةٌ على مَوْتٍ صغير يَتكرَّر كُلَّ يَوْمٍ.
تَجْهَشُ الأُمَّهاتُ بالبُكاءِ على أطفالهن الذينَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أجسادِهم
القُوَّةُ شيئًا فشيئًا ، والأطِبَّاءُ يَلْهَثُون خَلْفَ أمَلٍ ضعيف، يَضَعُون
أصواتَ القُلوبِ المُمزَّقةِ بَيْنَ أيديهم ، وَيُحاولون عِلاجَ الجُروحِ بِلا
أدوات، وَيُخفِّفون الألَمَ بِلا دَواء .
رَغْمَ كُلِّ هَذا الظلام ،
كانتْ هُناك وَمْضَة مِنْ نُورٍ في العُيون . نَظَرَاتُ الناسِ لبعضِهم البعض
تَقُول: (( نَحْنُ هُنا ، لَنْ نَسْتسلِم )) . يَتقاسمون قِطْعَةَ خُبْزٍ ،
وَيَقْسِمُون قَطْرَةَ ماء ، وَيَمْنحون بعضَهم الدِّفْءَ مِنْ قُلوبِهم قَبْلَ
أنْ يَمْنحه لَهُم العَالَم. الألَمُ صَارِخٌ، لكنَّ الإنسانيَّة في أبْهَى
صُوَرِها كانتْ حَيَّةً ، تَتَحَدَّى وَخْزَ المَوْتِ .
في مُنْتَصَفِ الليلِ ، كانَ الصَّمْتُ يَخْنُقُ
المَدينةَ ، ويَترُك مَساحةً للبُكاءِ ، والتَّأمُّلِ في مَعْنى الحَياةِ .
سَراييفو لا تُحارِب مِنْ أجْلِ الطعامِ فَقَط ، بَلْ أيضًا مِنْ أجْلِ الحَقِّ في
أنْ تُذكَر على أنَّها مَدينة لا تُسحَق،وأنَّ سُكَّانَها لا يَرضَخون للظلام.
كُلُّ يَوْمٍ دَرْسٌ في الصَّبْرِ ، وكُلُّ دَمْعَةٍ شَهادةٌ على قُوَّةِ الرُّوحِ
التي لا يَكْسِرُها الحِصَارُ ولا المَوْتُ .
تَبْقَى صُوَرُ الأطفالِ الذينَ يَبْتسمون
رَغْمَ الجُوعِ، والنِّسَاءِ اللواتي يَحْضُنَّ أطفالَهن بِلا أيِّ ضَمَان لِغَدٍ
آمِن . القُوَّةُ الحقيقية لَيْسَتْ في السَّيطرةِ على المُدُنِ ، بَلْ في قُدرةِ
الإنسانِ على الصُّمودِ ، والتَّحَدِّي ، والحُبِّ ، والعَطَاءِ ، حتى حِينَ
يَبْدو أنَّ العَالَمَ كُلَّه قَدْ أغلقَ أبوابَه .
سَراييفو لَمْ تَمُتْ ،
لأنَّها كانتْ قلبًا يَنْبِضُ بالإنسانيَّة، وَلَمْ يَمُتْ شَعْبُها، لأنَّ
أرواحَهم حَمَلَتْ رسالةً واحدة ، حتى في أقْسَى الظُّروفِ ، لا يُقْتَل الأمل ،
ولا يُخْمَد نُورُ الإنسانيَّة .
المَدينةُ يُحاصِرُها
الصَّمْتُ والظلام . يَنْهَشُ الجُوعُ الأجسادَ ، وَيُذيبُ الأملَ في العُيون .
الطُّرُقَاتُ فارغةٌ إلا مِنْ خُطَواتِ التائهين المُشَتَّتَة ، والبُيوتُ
مَكتومةٌ بأنفاسِ الخَوْفِ والانتظارِ . والغِذاءُ اختفى ، والدَّوَاءُ صارَ
حُلْمًا بَعيدَ المَنَال ، لكنْ في عُيونِ الناسِ بَقِيَتْ وَمْضَةٌ لا تَمُوت .
يَبْتَسِمُ الأطفالُ رَغْمَ
الجُوعِ ، وَتَحْضُنُ النِّسَاءُ صِغَارَهن في صَمْتٍ . يُحَاوِلْنَ أنْ يَحْفظوا
لَهُم حَياةً لا يَملِكها العَالَمُ . في الأزِقَّةِ ، كانَ الجِيرانُ يَتقاسمون
لَمَسَاتِ الحَنانِ ، وكأنَّ الإنسانية هِيَ الذاكرة الوحيدة التي لَمْ يَسْحَقْها
الحِصَار .
معَ كُلِّ يَوْمٍ صعبٍ ، كانَ
هُناك صُمُود أكبر ، وعَزيمة أعْمَق ، وَجُرْأة في الاستمرارِ رَغْمَ أنْفِ
الألَمِ. المَدينةُ لَمْ تَمُتْ، والشعبُ لَمْ يَنْكَسِرْ، لأنَّ القُوَّة
الحقيقية لَيْسَتْ في السَّيطرةِ على الأماكن، بَلْ في صُمودِ الرُّوحِ في وَجْهِ
المُستحيل ، وفي القُدرةِ على الإبقاءِ على الأملِ حَيًّا رَغْمَ الجُوعِ ،
والخَوْفِ، والظلامِ. وَرَغْمَ كُلِّ الحَواجِز،يَبْقَى الأملُ شُعاعًا يَخْتبئ
بَيْنَ ثَنايا الألَمِ ، يَهْمِسُ في قُلوبِنا بأنَّ الفَجْرَ آتٍ مَهما طالَ
الليلِ. وفي ظِلِّ الحِصَارِ، يُصبح الأملُ هُوَ الحُرِّيةَ التي لا تُقَيِّدُها
جُدْران.
89
مَدينةُ سَراييفو تَعيشُ في
صَمْتٍ قاتلٍ . المَباني المُدمَّرة تَشهَد على أيَّامٍ غَرِقَتْ في الخَوْفِ
والوَجَعِ . والطُّرُقَاتُ الفارغةُ تَعكِس صَدى أصواتِ القذائفِ التي لَمْ
تَتْرُكْ للهُدوءِ مَكانًا . نوافذُ البُيوتِ المُحطَّمةُ تُشبِه عُيونًا حائرة ،
تُراقِب السماءَ بحثًا عَنْ شَيْء يُطَمْئنها ، عَنْ طائرةٍ تَحمِل خُبْزًا أوْ
دَواءً ، أوْ حتى رسالة قصيرة مِنَ الأصدقاءِ والعائلةِ الذينَ تَفَرَّقُوا عَن
المَدينةِ مُنذ شُهور .
في أحدِ الأحياءِ القديمة ، كانتْ
شَقَّة في الطابقِ الثالث تَسْتضيف عائلةً تَتَّسِعُ بالكادِ لأحلامِها . الأُمُّ
ناديا تُحاول أنْ تُخْفي تَعَبَها عَنْ أطفالِها ، لكنَّها لَمْ تَستطعْ كَبْحَ
الدُّموعِ حِينَ رَأت ابْنَتَهَا الصغيرة تُحاول أنْ تَكْسِرَ جِدارَ العَتَمَةِ
بابتسامة . الطعامُ نادرٌ ، والدَّواءُ شِبْه مَعْدوم ، والحُزْنُ في الليلِ
يُضَاعِفُ شُعورَهم بالعَجْز .
في الأسواقِ، لَمْ يَعُدْ
هُناك شَيْء يُمكِن شِرَاؤُه . البَاعَةُ جالسون أمامَ صَناديق فارغة ، يَهْمِسُون
بأسماء الأشياء التي لَمْ تَعُدْ مَوْجودةً ، وكأنَّ نُطْقَها قَدْ يَجْعلها
تَعُود . الخُبْز ، الزَّيْت ، الحليب ، كَلِمات تَطِير في الهواء مِثْل أشباح لا
تاريخَ لها ، تَتلاشى قَبْلَ أنْ تَصِلَ إلى أيِّ أُذُنٍ يُمكِن أنْ تَسْتجيب .
وأصواتُ القذائفِ أكثرُ مِنْ مُجَرَّد دَوِيٍّ ، إنها رسائل مَكتوبة بالحُزْنِ على
جُدْرانِ المَدينة ، تُذكِّر الجميعَ بأنَّ الحياةَ هُنا أصبحتْ حَرْبًا مِنْ
نَوْعٍ آخَر ، حَرْب على البَقاء . بَدأ الأطفالُ يَحْلُمُون بِوَجَبَاتٍ لَمْ
يَعْرِفُوها ، والنِّساءُ يُحَاوِلْنَ اختلاقَ وَصَفَاتٍ مِنَ الهواء ، حَيْثُ
تُمزَج التوابلُ المُخزَّنة مُنذ زمنٍ
بعيد معَ ماءٍ لا يَرْوي العَطَشَ .
زَوْجُها سُفيان ، شاب في
الخامسة والعِشرين ، يَخرُج كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَيْتِه لِيُحاول الوُصولَ إلى
المُسْتَوْدَعَاتِ المَهجورة ، بحثًا عَنْ أيِّ شَيْء يُمكِن أنْ يُخفِّف مِنْ
ألَمِ الجُوع . يَسِيرُ بَين الرُّكام كطائرٍ جَرِيح ، وَيُحاول ألا يُلاحِظ أنَّه
أصبحَ جُزْءًا مِنْ هذا الرُّكامِ نَفْسِه . كُلُّ خُطْوَةٍ مِصْيَدَةٌ ، وكُلُّ
صَوْتٍ خَلْفَ جِدارٍ مُتَهَدِّم يُثيرُ قَلْبَه ، هَلْ هُوَ قَصْفٌ جديد أَمْ
مُجرَّد سُقوط سَقْفٍ قديم ؟ .
في الليلِ ، كانت المَدينةُ
تَتَنَفَّسُ بِصُعوبة . سُكَّانُ الشُّقَقِ يَجلِسون حَوْلَ شَمْعةٍ واحدة ،
يَحْكُون قِصَصًا عن أيَّامٍ مَضَتْ ، وَضَحِكَاتٍ لَمْ يَعُدْ صَدَاها مَوجودًا ،
وأصدقاء اخْتَفَوْا كما لَوْ أنَّ الأرضَ ابتلعتهم . القُلوبُ تَتراكم فِيها
الوَحْدَة ، لكنْ رَغْمَ ذلك ، هُناك لَمَحَات صغيرة مِنَ الإنسانيَّة: جُمْلة
طَيِّبة ، ابتسامة خَجُولة ، مُشاركة قِطْعة خُبْز صغيرة بَيْنَ الجِيران .
معَ مُرورِ الأسابيع ، بَدأت
المَدينةُ تَتعلَّم لُغَةَ الصَّبْرِ ، لُغَةَ الانتظارِ التي لا تُعلَّم في المَدارس
، لُغَةَ الأملِ الصغيرة التي تَرفُض الانطفاءَ رَغْمَ كُلِّ شَيْء .
كانتْ لَحْظَةُ وُصولِ أوَّل
سَيَّارة إسعاف مَهجورة تَحمِل بَقايا دَواء بِمَثابة عِيدٍ صغير ، وكأنَّ الحياة
رَغْمَ القَسْوَةِ ما زالتْ تُحاول أنْ تَلمِس القُلوبَ المُتْعَبَة .
الأيَّامُ تَتكدَّس فَوْقَ
بَعْضِها ، وَتُصبح كَصَفَحَاتٍ مُتَّسِخة مِنْ كِتابٍ لَمْ يَعُدْ أحدٌ يَفْتَح
فُصولَه . ناديا تَجلِس كُلَّ مَساء على حَافَةِ النافذة ، تُراقب السماءَ
بِلَوْنِها الرمادي ، كما لَوْ أنَّ كُلَّ قَطْرَةِ مَطَرٍ تَحمِل مَعَهَا خَبَرًا
أوْ خُبْزًا ، أوْ حتى لَمْحة عن حياةٍ لَمْ تَعُدْ مَوجودة . الأطفالُ يَلْعَبون
حَوْلَها، لكنَّ ضَحِكَاتِهم فَقَدَتْ رَنينَها ، أصبحتْ مُجرَّد أصوات تُؤَشِّر
على استمرارِ الحَياةِ لا فَرَحِها .
في هَذه المَدينة ، أصبحَ
الطعامُ عُملةً نادرة ، والحُصولُ على أيِّ شَيْء مِنَ الأسواق أشبه بِمُغامَرة
مُستحيلة . سُفيان أصبحَ يُرافقه إحساسٌ بالذَّنْبِ في كُلِّ مَرَّة يَعُود فيها
بِشَيْء صغير ، لأنَّه يَعْلَم أنَّ هُناك آخَرين لَمْ يَحْصُلوا على شَيْء ، ولكنَّه
لَمْ يَستطع التَّوَقُّفَ، الجُوعُ لا يَنتظر الشَّفَقَةَ ، ولا يَهْتَم بالحُبِّ
أو الخَوْفِ .
في زاويةِ الشارعِ ، كانَ
رَجُلٌ مُسِن يَجلِس على صُندوقٍ فارغ ، يُراقِب مَنْ يَمُرُّ مِنْ أمامِه .
وُجُوهُ المَارَّةِ تَحمِل علامات التعب، والعُيونُ تقول أكثرَ مِمَّا تَسْتطيع
الكَلِمَاتُ قَوْلَه. يُنادي بِصَوْتٍ خافتٍ، لكنَّ أحدًا بالكادِ يَسْمَع ، (( أي
شَيْء ، حتى بَقَايا الطعام ، أي شَيْء )). صَرْخته صامتة ، لكنَّها تَحفِر في
الذاكرةِ مِثْلَ سَهْمٍ حاد .
أمَّا الأطفال ، فقدْ أصبحوا
يَعرِفون أنَّ الحياة لَيْسَتْ عادلة . يَخترعون ألعابًا مِنْ بَقَايا الوَرَقِ ،
وَيَحفِرون أنفاقًا صغيرة في الرِّمالِ أمامَ بُيوتهم ، كأنَّها مَخابئ للأمل،
مَخابئ يَخْتبئون فِيها مِنْ قَسْوَةِ العَالَمِ . وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَسْمَعون
صَوْتَ انفجارٍ بعيد ، يَتجمَّدون في مَكانهم ، ويتذكرون أنَّ الحَياةَ مَزِيجٌ
مِنَ الخَوْفِ والانتظارِ ، وأنَّ لَحْظة الأمانِ هِيَ مُجرَّد وَهْم مُؤقَّت .
في أحدِ الأيَّام ، جاءَ
خَبَرٌ بسيط لكنَّه أثارَ مَوْجَةً مِنَ التفاؤُل ، سَيَّارة صغيرة مُحمَّلة
بالطعامِ والدَّواءِ تَمكَّنتْ مِنَ الوُصولِ إلى المَدينة ، مُتأخِّرة ،
مُتْعَبَة ، لكنَّها وصلتْ . لَمْ تَكُنْ كمية الطعام كبيرة ، وَلَمْ يَكُن
الدَّواءُ كافيًا ، لكنَّها كانتْ تَذكيرًا للجميع بأنَّ الحياة لَمْ تَنْتَهِ
بَعْد ، وأنَّه حتى وَسَط الخَرَاب ، يُمكِن أن يَظْهَر شُعاع صغير . سُفيان
حَمَلَ الصَّناديقَ إلى الشَّقَّة ، وأثناء تَوْزيعها ، التفتَ إلى الأطفال الذينَ
تَجَمَّعُوا حَوْلَه ، وقال لَهُم : (( هَذا كُلُّ مَا لَدَيْنا الآن ، لكنْ غدًا
سَنَجِدُ المَزيدَ ، رُبَّما )). لَمْ يَكُنْ مُتأكِّدًا ، لكنَّه أرادَ أنْ
يَجْعلهم يَعيشون لَحْظةَ الأملِ ، وَلَوْ كانتْ صغيرة.
في الليلِ ، جلستْ ناديا على
السَّطْح ، تُراقِب النُّجومَ المُتَنَاثرةَ فَوْقَ المَدينة ، تتذكر الأيامَ التي
كانتْ فيها المَدينةُ مليئة بالحياة، والضَّحِكِ ،والروائحِ المُعتادة مِنَ
الخُبْزِ الطازَجِ في الأسواق.
تَسَاءَلَتْ : كَيْفَ يُمكِن
لشخصٍ أنْ يَنسى تِلْك الأيام ؟ ، وكَيْفَ يُمكِن للمَدينةِ نَفْسِها أنْ تَنسى
أصواتَ سُكَّانِها ؟ ، لكنَّها لَمْ تَسْتسلم . المَدينةُ ، رَغْمَ الحِصارِ
والألَمِ ، كانتْ تَتعلَّم أنْ تَبقى حَيَّةً ، وأنْ تُحافظ على نَفْسِها ، وأنْ
تُحاولَ البقاءَ على قَيْدِ الحُلْمِ .
المَدينةُ لَيْسَتْ مَكانًا
يُعرَف بالاسمِ ، إنَّها مَساحة مِنَ الألَمِ تَتَنَفَّسُ بِخِفَّةٍ بَين
الانفجاراتِ والنِّيران . الشوارعُ مليئة بالرُّكام ، والبُيوتُ المُدمَّرة
تَحَوَّلَتْ إلى صَوامِع للحُزْن ، لكنَّ السُّكَّان اسْتَمَرُّوا في التَّحَرُّكِ
بَيْنَ الظِّلال ، يَبْحَثون عن أيِّ شَيْء يُمكِن أنْ يُحافِظ على حياتهم أوْ
كَرامتهم.
سُفيان يَخْرُج كُلَّ يَوْمٍ
مُبَكِّرًا ، مُحَمَّلًا بِجُرأة تَارَةً ، وَبِخَوْفٍ تَارَةً أُخْرَى . كُلُّ
رِحلةٍ امتحانٌ للمَعنى ، هَلْ يَسْتحق المُخاطَرةَ ؟ . هَلْ يُمكِن أنْ يَجِدَ
شيئًا يَكْفي لِسَدِّ جُوعِ عائلته ؟ . أحيانًا ، كانَ يَعُود مُحَمَّلًا بالفشل ،
يَجُرُّ أقدامَه على الأرضِ. كُلُّ خُطْوَةٍ تُذكِّره بِخَيْبَةِ أمَلِه .
ناديا بَدأتْ تُلاحظ
تَغَيُّرَاتٍ دقيقة على الأطفال. الصغيرة سابينا تَتحدَّث أقل ، وتَرسُم مَناظر
حزينة على الجُدران ، مُشِيرَةً إلى الحنين إلى حَياةٍ لَمْ تَعْرِفْها بالكامل.
أمَّا الطِّفْلُ الأكبر فارس، فقدْ بدأ يَحْمِل على كَتِفَيْه مَسؤوليةَ تَفُوق
عُمْرَه ، يَسْعَى لإخفاءِ جُوعِه . يُخْفي دُموعَه ، وَيُقَدِّم مَا تَبَقَّى له
لإخْوَته الصِّغَار .
في أحَدِ الأيام ، جاءَ خَبَرٌ
مأساوي ، جارهم القديم ، الرَّجُل العَجُوز الذي كانَ يَجلِس دائمًا على صُندوقه
الفارغِ لَمْ يَعُدْ . سُفيان وعائلته لَمْ يَعرِفوا إنْ كانَ المَوْتُ قَدْ أخذَ
رُوحَه مُباشَرةً أَمْ أنَّ الجُوع أفناه تَدْريجيًّا، لكنَّ فَراغه كانَ حاضرًا
بِقُوَّة، يُذكِّر الجميعَ أنَّ البقاءَ لَمْ يَعُدْ أمْرًا مَفروغًا مِنه.
المأسأةُ لَمْ تَقْتُل
الإنسانيةَ بالكامل ، لكنَّها اختبرتْ حُدودَها . في أحدِ أركانِ الشارع ، بَدأتْ
مَجموعة صغيرة مِنَ السُّكَّانِ بِمُبادرة بسيطة : مُشاركة مَا لَدَيْهِم ، حتى
لَوْ كانَ قليلًا جِدًّا . قِطعةُ خُبْزٍ مَقسومة بَيْنَ اثنَيْن ، كُوب ماء
يُعطَى لِطِفْلٍ ضعيف ، لَحَظَات قصيرة مِنَ الرَّحمةِ وَسَط مَدينة صارتْ مَكانًا
للقِتالِ اليَوْمِيِّ مِنْ أجْلِ البقاء . وَمعَ مُرور الأسابيع ، أصبحَ صَوْتُ
الأطفالِ وَهُمْ يَضْحَكون بِصُعوبة، أوْ صَوْتُ خُطُواتِ سُفيان على الرَّصيفِ
المُهترِئ ، جُزْءًا مِنْ لَحْنِ المَدينةِ الجديدة . كانَ لَحْنًا حزينًا لكنَّه
حَيٌّ . لَحْنٌ يَعكِس صُمود البَشَرِ في أقسى الظُّروف .
في الليلِ ، جَلَسَتْ ناديا
على السَّطْح ، تُراقِب المَدينة بصمت ، وَتَشعُر بأنَّ هُناك شيئًا يَتحرَّك
رَغْمَ الخَرابِ. لَمْ يَكُن مُجرَّد الرِّيح أوْ أصوات الطَّلَقَات، بَلْ كانَ
شيئًا يُشبِه الأملَ. شُعور ضعيف ، لكنَّه حاضرٌ . الحَياةُ سَوْف تَستمر رَغْمَ
المَجازرِ والمَذابحِ والإبادةِ الجَمَاعِيَّةِ والتَّطْهيرِ العِرْقيِّ ،
والبَشَرُ قادرون على المُقاوَمةِ والتَّحَدِّي والتَّأقْلُمِ والعَطاءِ والحُبِّ
، حتى في أصعبِ اللحَظَات .
المَدينةُ عَلى حَافَةِ
الهاويةِ ، وشَفِيرِ الانهيار . القذائفُ لَيْسَتْ أصواتًا في الخَلْفية فَحَسْب ،
بَلْ أيضًا ضَرَبَات قاضية لِكُلِّ شَيْء حَيٍّ . المَباني المُتَبَقِّيَة تَتمايل
معَ كُلِّ انفجار ، وكأنَّها تُحاول التماسكَ رَغْمَ كُلِّ الخَراب . السُّكَّانُ
لَمْ يَعُودوا يَسْتطيعون التَّمْييزَ بَيْنَ الليلِ والنهار . الضَّوْءُ أصبحَ
مِنْ بَقَايا الشمسِ التي تَكَاد تَخْبُو بَيْنَ الدُّخَانِ والغُبار .
ناديا جلستْ معَ أطفالِها في
الزاوية الأكثر أمانًا في الشَّقَّة . سابينا رسمتْ على الجِدار شجرةً صغيرة ،
وكأنَّها مُحاوَلة لِجَلْبِ الحَياةِ إلى داخلِ غُرفةٍ مَمْلُوءة بالفراغ . فارس
حَمَلَ طِفْلًا أصغرَ مِنْه عَلى كَتِفَيْه ، وَعَيْناه تَقُولان مَا لَمْ
يَسْتطعْ أحدٌ نُطْقَه : الخَوْف ، والحُزْن ، والرَّغبة في البَقَاء .
سُفيان الذي أصبحَ الآنَ
شابًّا يَحْمِلُ عَلى كَتِفَيْهِ مَا تَبَقَّى مِنْ عَائلته ، قَرَّرَ أنْ
يَخْرُجَ مَرَّةً أُخْرَى بحثًا عن الطعام ، لكنَّه لَمْ يَعُدْ وحيدًا ، بعضُ
الجِيران قَرَّروا مُرافقته ، مُتَّحِدين معًا ضِد الجُوعِ والخطر . الرِّحلةُ صعبة
، ومَليئة بالرُّكامِ والذِّكريات ، وكُلُّ خُطْوَةٍ اختبارٌ للصَّبْرِ والقُوَّةِ
.
في الطريقِ ، شَاهَدُوا أصدقاء
قُدَامى اخْتَفَوْا مُنذ أشهُر . البَعْضُ رَحَلَ بالفِعْل ، والبَعْضُ الآخَرُ
ظَهَرَ كَظِلٍّ حَيٍّ بَيْنَ الرُّكام ، يَحمِل جِرَاحَه بصمت . لَمْ يَكُنْ هُناك
وَقْتٌ للبُكاء . التَّقَدُّمُ خُطْوَةً خُطْوَةً ، وَحَمْلُ بعضِ الأملِ المُنْهَكِ
الذي لَمْ يَخْتَفِ بالكامل. وأخيرًا ، وَجدوا مَخْزَنًا مَهجورًا ، يَحْتوي على
بعضِ الطعامِ والدَّواء. لَمْ يَكُنْ كافيًا للجميع ، لكنَّه كانَ كافيًا لِيُعيد
نَبْضَ الحياةِ قليلًا. سُفيان وَزُمَلاؤُه وَزَّعُوا الحِصَصَ بِحَذَرٍ . قِطعةُ
الخُبْزِ صارتْ ثَرْوَةً ، وَحَبَّةُ الدَّواءِ صارتْ وَعْدًا بالاستمرار . لَمْ
يَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ انتصارًا . فِقْدان الجارِ العَجُوز ، واختفاء بعضِ الأطفال ،
والمَوْت المُستمِر حَوْلَهم ، جَعَلَ المَدينةَ تَبْدُو وكأنَّها تَمْشِي على
حَبْلٍ مَشدود فَوْقَ فُوَّهَةِ بُركان . لكنْ رَغْمَ كُلِّ ذلك، كانتْ هُناك
لَحَظَات صغيرة مِنَ الجَمَال : ابتسامة مُتبادَلة بَيْنَ طِفْلَيْن ، يَد تَمْتَد
لِتَأخذ قِطعةَ خُبْزٍ مِنَ الآخَر ، حِكاية قصيرة تُروَى في زاوية مهجورة .
المَدينةُ لا تَزَال تَحْتفظ
بِرُوحِها. السُّكَّانُ في صَمْتِهم ، في أفعالِهم الصغيرة ، يُظهِرون أرْوَعَ ما
في الإنسانيَّة . سَراييفو ، المَدينة المُحاصَرة ، قَدْ فَقَدَت الكثيرَ ،
لكنَّها لَمْ تَفْقِدْ كُلَّ شَيْء ، والذينَ بَقُوا ، بَقُوا حاملين رُوحَ
المَدينةِ في أرواحِهم ، يُواصِلون التَّنَفُّسَ ، والاستمرارَ ، والتَّحَدِّي ،
والصُّمُود ، كَرُمُوزٍ حَيَّةٍ لِمَا يُمكِن للإنسانِ أنْ يُحَقِّقَه ، حتى
عِندما يَكُون العَالَمُ كُلُّه ضِدَّه .
المَدينةُ صَمَتَتْ قليلًا في
تِلْك الليلة . لَمْ تَعُدْ أصواتُ القذائفِ تَتردَّد بِنَفْسِ الوتيرة ، وكأنَّها
تَمْنَح سُكَّانَها لَحْظَةً للتَّنَفُّسِ ، وَلَوْ لِفَترةٍ قصيرة . الشوارعُ
مُغَطَّاةٌ بالرُّكام ، والجُدرانُ تَحمِل آثارَ القنابل ، لكنْ بَيْنَ كُلِّ هَذا
الدمار ، هُناك شَيْء آخَر : نَبْض الحياة .
سُفيان جَلَسَ معَ ناديا
والأطفالِ حَوْلَ قِطعة صغيرة مِنَ الخُبْز . لَمْ يَكُنْ كافيًا ، لكنَّه كانَ
كافيًا لِتَذكيرهم بأنَّهُم مَا زالوا مَوْجُودين وقادرين على المُقاوَمة . سابينا
نظرتْ إلى الرسمِ الذي صنعته على الجِدار،وفارس حَمَلَ أخاه الصغير على
كَتِفَيْه،وكأنَّهما يَحمِلان المَدينةَ بأكملها في جَسَدَيْهِمَا.
الألَمُ عميق ، والخَسارةُ
مَوجودة في كُلِّ زاوية ، لكنْ حتى في تِلْك اللحَظَات ، لَمْ يَمُتْ إحساسُهم
بالإنسانيَّة . أصغر الأفعال ، ابتسامة ، لَمْسَة ، مُشارَكة للقليلِ الذي
لَدَيْهِم ، كانتْ تُضِيء المكانَ أكثرَ مِنْ أيِّ ضَوْءٍ خارجي .
المَدينةُ مُحاصَرة ، لكنَّها
لا تَمُوت . كُلُّ ساكنٍ فيها ، وكُلُّ قلبٍ صَمَدَ ، وكُلُّ رُوحٍ رَفَضَت
الاستسلامَ ، كانتْ بِمَثابة شَهادة على القُوَّةِ التي يُمكِن للإنسانِ أنْ
يَمْتلكها ، والقُدرةِ على الاستمرار ، والحُبِّ ، والأملِ ، والحُلْمِ، حتى
عِندما يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ مَفقودًا .
سَراييفو، رَغْمَ الخَرابِ
والفِقْدَانِ، استمرَّتْ في التَّنَفُّسِ معَ سُكَّانِها، كَما لَوْ كانتْ تَقُول
لَهُم : (( حتى في أعمقِ نُقْطَةٍ في الحِصَارِ والمَجَاعَةِ ، الحَياةُ لا
تَزَالُ مَوجودةً ، وإنْ لَمْ يَنْجُ الجميع ، فإنَّ مَنْ بَقِيَ يَحمِل الأملَ في
قلبه ، ويُعيد بِناءَ مَا تَبَقَّى مِنْ هَذا العَالَمِ المُنهار )) .
90
في قلبِ المَدينةِ المُحاصَرةِ
، كانتْ سَراييفو تَتَنَفَّسُ بِصُعوبة . كُلُّ زُقَاقٍ يَحمِل صَدى الخَوْفِ
والاشتياقِ للحَياةِ التي كانتْ يَوْمًا مألوفة . يَتحرَّك الناسُ كَظِلالٍ
مُتَسَلِّلَة ، وَيَخْتبئون بَيْنَ الرُّكام ، ويَبْحَثون عَنْ فُسْحَةِ أملٍ ،
وطَريقٍ يَخْرُجُ بِهِم مِنْ دَائرةِ الرَّصَاصِ والخَرابِ .
الليلُ يَحمِل مَعَه صَمْتًا
ثقيلًا. صَمْتٌ لا يُطيقه سِوى مَنْ فَقَدَ كُلَّ شَيْء . صَمْتٌ يَجْعَل نَبَضَات
القلبِ تَصْرُخ بصوتٍ مُرتفع بَيْنَ جُدرانِ المَنازلِ المُدمَّرة . يَجُرُّ
الأطفالُ أصواتَهم الهاربة بَيْنَ الدُّخَانِ والغُبارِ، والوُجوهُ المُلطَّخة
بالغُبارِ تَتجمَّد عِنْدَ كُلِّ انفجارٍ، كَما لَوْ أنَّ المَدينةَ نَفْسَها
تَخْتنق.
في مُحاوَلةٍ للهربِ ،
يَتحوَّل الإنسانُ إلى مُجرَّد ظِلٍّ يَسِيرُ على أطرافِ الحياة ، مُتَشَبِّثًا
بأيِّ شُعاعٍ مِنَ الضَّوء يَلُوح بعيدًا . كُلُّ خُطْوَةٍ تَحمِل في طَيَّاتِها
رَهْبَةَ الفَقْدِ ، وكُلُّ نَظْرةٍ إلى الخَلْفِ تَحمِل عِبْءَ حِكَاياتِ الذينَ
لا يَسْتطيعون النَّجَاةَ . الخَوْفُ مِنَ الوُقوفِ في مَكانٍ واحدٍ أكبرُ مِنَ
الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ نَفْسِه ، فالمَوْتُ هُنا أصبحَ مألوفًا ، أمَّا الفِرَارُ
فَهُوَ حُلْمٌ مُستحيل، يَترُك القلبَ يَئِنُّ في صَمْتٍ .
الطُّرُقَاتُ مليئةٌ بالأنينِ
والهَمَسَاتِ . مُحاوَلاتُ عُبور شوارع مُشوَّهة بالخَرابِ ، مُتقاطعة معَ أصواتِ
الانفجاراتِ التي تأتي بِلا سَابِقِ إنذار . ومعَ كُلِّ خُطْوةٍ ، كانَ بعضُهم
يَتَشَبَّثُ بالحُلْمِ ، رَغْمَ أنَّه يَتضاءل في كُلِّ زاوية. ومعَ كُلِّ حَافَةِ
مَبْنى يَتَهَدَّم ، كانت المَدينةُ تَكشِف أقْنعتها القاسية ، وتُعلِّمهم أنَّ
الحُرِّية لَيْسَتْ خُروجًا مِنَ المَكانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هِيَ مَعركة
للبقاء على قَيْدِ الإنسانيَّةِ وَسَط الخَرابِ . وَالليلُ الطويلُ يُذيبُ كُلَّ
ألوانِ النهار ، تاركًا خَلْفَه ظِلالًا مِنْ فِقْدان وَحَنِين. يُواصِل البعضُ
السَّيْرَ ، وكأنَّهم يَحمِلون حُزْنَ المَدينةِ مَعَهُم في قُلوبِهم وأقدامِهم ،
وفي كُلِّ نَبْضَةٍ مِنْ نَبَضَاتِ خَوْفِهِم وأمَلِهِم .
لَمْ يَكُن الفِرَارُ هُروبًا
مِنَ المَكانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا مُحاوَلةٌ للحِفاظ على الأشياءِ الثمينة :
وُجودهم ، وذَوَاتهم ، والقليل مِنَ الحياةِ التي لَمْ تُسْتَبْدَلْ بَعْدَ
بالخَرابِ المُطْلَقِ .
في هَذا الصَّمْتِ المُرهِق، يَظَلُّ كُلُّ
إنسانٍ يَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ ، وَفُسْحَةِ أمَلٍ صغيرة ، كأنَّها آخِرُ شُعاعِ
شمسٍ يُمكِن أنْ يَلْمِسَه ، أوْ آخِرُ حَبْلٍ يَربِطُه بالحَياة . وكُلُّ مَنْ
يَنْجَح في المُرورِ يَتْرُك خَلْفَه أثَرًا مِنَ الألَمِ والصَّبْرِ ، أثَرًا
يَرْوي قِصَّةَ المَدينةِ الحزينة : صُمود الإنسانِ رَغْمَ الخَرابِ والمَوْتِ .
المَدينةُ تَختنق بصمتها الثقيل ، والأرصفةُ والأزِقَّةُ تَشْهَدُ عَلى الحِكَاياتِ
المَكسورة ، وأشِعَّةُ الشمسِ لَمْ تَعُدْ تَصِلُ إلا لِتَكْشِفَ الخَرابَ ،
والجُدرانُ المُهدَّمة تَهمِس بأسماءِ مَنْ رَحَلُوا قَبْلَنا ، كأنَّها تتذكر
كُلَّ وَجَعٍ مَضَى .
في الطُّرُقِ الضَّيقةِ ،
يَتحرَّك الناسُ كَظِلالٍ ، مُحاوِلين السَّيْرَ دُون أنْ يُكْتَشَفُوا .
يَخْتنقون بالخَوْفِ،وَيَخْتبئون خَلْفَ الأبوابِ المكسورة، خَلْفَ السَّياراتِ
المُحترقة، خَلْفَ أيِّ شَيْءٍ يُمكِن أنْ يَحْمِيَهُم مِنَ البَقاءِ عَلى مَرْمَى
الرَّصاص.كُلُّ خُطْوَةٍ اختراقٌ للذُّعْرِ،وكُلُّ نَفَسٍ مُحاوَلةٌ لاقتلاعِ
الحَياةِ مِنْ بَين أصابعِ المَوْتِ المُتَرَبِّصة . والليلُ هُنا أكثرُ حِدَّةً
مِنَ النهار . الظِّلالُ تَتشابك معَ الدُّخَانِ ، والهَواءُ يَحمِل رَائحةَ
الصَّمْتِ الذي يَئِنُّ مِنَ الألَمِ . الوُجوهُ المُتساقطة تَحمِل قِصَصًا ،
والعُيونُ الذابلة تَحْكي عَنْ فِقْدان حاد ، وأحلامٍ تَمَزَّقَتْ قَبْلَ أنْ
تَتحقَّق . يَجُرُّ الأطفالُ أصواتَهم المُنطفئة بَيْنَ الأنقاضِ ، والرِّجالُ
يُحاولون أنْ يَظَلُّوا صامتين ، كأنَّ صَمْتَهم يَمْنحهم فُرصةً أُخْرَى
للنَّجَاة .
في كُلِّ مُحاوَلةٍ للخُروجِ ،
يَتَحَوَّل الإنسانُ إلى شَيْء آخَر : جَسَد يَتقدَّمه الأمل ، وَرُوح تَتشبَّث
بأيَّة فُسْحة يُمكِن أنْ تُسمَّى حُرِّية . المَدينةُ تَتْبعهم بِعَيْنَيْهَا
المُحَطَّمَتَيْن ، وكأنَّها تَخْتبر قُدرتهم على الصَّبْرِ والعُبورِ ، دُون أنْ
يَفْقِدُوا كُلَّ شَيْء مِنْ أنفُسِهِم .
الخُطُواتُ تَتكرَّر ، والليلُ
يَطُول ، والنَّجَاةُ تُصبح أصغرَ مِنَ الطريقِ ، وأكبرَ مِنْ إرادةِ البَقَاء . وَمَنْ
يَنْجُو يَحمِل في قلبِه ذاكرةَ المَدينة : الخراب الذي صارَ مألوفًا ، والخَوْفُ
الذي صارَ رفيقًا ، والأملُ الذي صارَ كَضَوْءٍ خافتٍ يَرفُض أنْ يَخْتفي .
الفِرَارُ لَيْسَ حركةً في
المَكانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هُوَ رِحلة داخل الذات ، واختبار لِصُمودِ الرُّوحِ
وَسَط الانهيار . ومعَ كُلِّ خُطْوة ، يَكتشف الإنسانُ أنَّه رَغْمَ كُلِّ مَا
فَقَدَه ، وَرَغْمَ كُلِّ الرَّصاصِ والدُّخَانِ والخَرابِ، لا يَزَال هُناك شَيْء
داخل قلبِه يَرفُض أنْ يَنكسِر ، شَيْء يَجْعَل الرِّحلةَ مُستمرة، حتى لَوْ كانت
النِّهايةُ غَيْرَ مُؤكَّدة .
المَدينةُ تَتنفَّس بِصُعوبة،
كأنَّها جُثَّة مُمتدة على أزِقَّةٍ مُشوَّهة. المَباني المُهدَّمة تَشْهَق معَ
الرِّياح، والجُدرانُ المَكسورةُ تَتَلَوَّى في صَمْتٍ ، تُحاول أنْ تَحْمي مَنْ
تَبَقَّى مِنْ سُكَّانِها ، لكنَّها عاجزة عَن ذلك ، والشوارعُ تَنْحني تحت ثِقَلِ
الخَراب ، والبُيوتُ المَهجورةُ تَحْكي عَنْ وَجَعٍ لَمْ يَزِدْهُ الزمنُ إلا
عُمْقًا . والأيتامُ يَركُضون بَين الأنقاضِ ، أصواتُهم تَتقطَّع كُلَّما
صَادَفَتْهُم صَخْرة أوْ باب مُتَهَدِّم ، والفُقَراءُ يَتحرَّكون مِثْلَ الأشباحِ
، يُحاولون أنْ يَتَنَفَّسُوا بَيْنَ الدُّخَانِ والرَّمادِ ، كأنَّ المَدينة
تَمْنعهم مِنَ المُغادَرة ، أوْ تَخْتبر صَبْرَهم قَبْلَ السَّماحِ لَهُم
بالنَّجَاة .
الخُطُواتُ المَكسورةُ تَحمِل
ثِقَلَ الخَوْف ، والأنفاسُ المَكتومة تُصارِع الهواءَ المُلوَّث بالغُبارِ
والرَّصَاصِ. والمُدينةُ تُراقب القَتلى بِعَيْنَيْهَا الذابلَتَيْن ، تَحُسُّ
بالخطر ، وَتَشعُر بالألَمِ ، كأنَّها لا تُريدُ أنْ تَفْقِدَ آخِرَ مَنْ يَجْرُؤ
على البقاءِ فيها . والأشجارُ المُقْتَلَعَة والسَّياراتُ المُحترقة تَبْدُو
كأعضاء في جسدها الذي انهارَ ، وكُلُّ فَجْوَةٍ في الطريقِ هِيَ جُرْحٌ آخَر في
قلبها .
الليلُ يَهبِط كَغِطاء ثقيل ،
يُثْقِل الظِّلالَ ، وَيَزيدُ مِنْ صُعوبةِ الحركة . والهربُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد
عُبور مِنْ نُقْطَةٍ إلى أُخْرَى ، بَلْ هُوَ حِوارٌ صامت بَيْنَ الإنسانِ
والمَدينة . والطُّرُقاتُ المَنْسِيَّةُ تُؤَرِّخُ صِرَاعًا ، والمَباني المُنهارةُ
هِيَ تَسْجيل لِذِكْرَى مَا، ولا يَزَال الناسُ يَحمِلون المَدينةَ في قُلوبهم ،
وَيَرفُضون أنْ يَتركوها تَنْهار بالكامل .
في الصمتِ الطويل ، وبَين
الأنقاض ، يَظَلُّ الإنسانُ والمَدينةُ مُتشابكَيْن : المَدينة تَتألَّم مَعَه ،
والإنسانُ يَمْضي قُدُمًا ، مُحاولًا أنْ يَنْجُوَ ، ويَعيش ، ويَترُك خَلْفَه
الدَّمَارَ دُون أنْ يُصْبح جُزْءًا مِنه .
يَتشابك الخَوْفُ معَ كُلِّ
خُطْوة ، كأنَّه ظِلٌّ لا يَنفصِل عَن جسدِ الإنسانِ . الأصواتُ تُصْبح حَادَّةً
في رَأسِه. انفجارٌ بعيد. زُجَاجٌ يَتحطَّم. صَرْخَةٌ مُفاجِئة. وكُلُّ هَذه
الأصواتِ تَتراكض في داخله بِلا تَوَقُّفٍ. الهَواءُ ثقيلٌ ، مُحمَّل بالغُبارِ
والدُّخَانِ ، وكُلُّ نَفَسٍ يُشبِه صِراعًا صغيرًا مِنْ أجْلِ الوُجود.
يُحاولون السَّيْرَ بِهُدوء .
كُلُّ حركةٍ تُذكِّرهم بِمَا تَرَكُوه خَلْفَهم : مَنازل مُحطَّمة ، شوارع فارغة ،
وُجوه غائبة إلى الأبد . أيديهم تَرتجف بِلا سببٍ واضح ، لكنَّ السبب مَوجود
دائمًا ، يَكمُن في الزَّوايا المُظلِمة ، في كُلِّ صَوْتٍ غَيْرِ مألوف ، في
كُلِّ ظِلٍّ يَتحرَّك بطريقةٍ خاطئة .
كُلُّ زاويةٍ تُخبِّئ خَطَرًا ،
وكُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ قَدْ تَكُون عَيْنًا تُراقبهم . هُناك شَيْء يَضْغَط
عَلَيهم للاستمرار ، شَيْء صغير جِدًّا ، لكنَّه لا يَتْركهم يَسْتسلمون : الأمل .
أملٌ بأنَّ هُناك مَكانًا يَنْتظرهم، وهُناك حَياة بَعْدَ هَذا الخراب، رَغْمَ
أنَّ الطريق إلَيْه يَبْدو بِلا نِهاية .
المَدينةُ نَفْسُها تُشاركهم
هذا الرُّعْبَ . الجُدرانُ المائلةُ ، والنوافذُ المَكسورةُ ، تَشْهَد عَلَيهم ،
وكأنَّها تَتَنَفَّس مَعَهُم، تَتألَّم مَعَهُم ، تُحاول أنْ تَقُول لَهُم : (( لا
تَفْقِدُوا أنفُسَكم وَسَطَ الخَراب )).
في بعضِ اللحَظَات ، يَظُنُّ
المَرْءُ أنَّ المَباني تَنْحني لِتَمْنحهم مَمَرًّا صغيرًا . شُعور غريب
بالعِناية في قلبِ الدمار ، لكنَّ السُّرعة تُجْبِرهم على عدمِ التَّوَقُّف .
الليلُ أطْوَلُ مِمَّا يَنْبغي،
والظِّلالُ تُصْبح أكبرَ وأكثرَ تَهديدًا.يَسْحَب الأطفالُ أيدي آبائهم بِلا صَوْت،والفُقَرَاءُ
يَتحرَّكون كأنَّهم آلَةٌ واحدة.جسدٌ واحدٌ يُقَاوِم المَوْتَ خُطْوَةً بِخُطْوة.
كُلَّمَا مَرُّوا عَبْرَ شارعٍ مُحطَّم ، وَنَظَرُوا خَلْفَهُم ، وَرَأَوُا
الرُّكَامَ يُتابعهم ، اكْتَشَفُوا أنَّ الفِرَارَ لَيْسَ رَحيلًا مِنَ الأمكنة ،
وإنَّما هُوَ رَحِيلٌ داخلَ الرُّوحِ المُعذَّبة، واختبارٌ للصُّمُودِ لِمَنْعِ
الخَوْفِ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى استسلام .
معَ كُلِّ خُطْوَةٍ بعيدة عَن
المَدينة المُحاصَرة ، يَكتشفون أنَّ النَّجاةَ لَيْسَتْ مُجرَّد وُصول إلى مَكانٍ
آمِن ، بَلْ هِيَ شُعور غامض بالبقاءِ على قَيْدِ الحياة ، شُعور بأنَّهم مَا
زالوا قادرين على التَّنَفُّسِ ، والحركةِ ، والعَيْشِ ، رَغْمَ كُلِّ مَا حَدَثَ
.
في قلبِ هَذا الاضطرابِ
والدَّمار ، هُناك لَحْظة صَمْت صغيرة ، لَحْظة يَسْمَع فيها المَرْءُ نَبْضَ
حياته مَرَّةً أُخْرَى ، وَيَعرِف أنَّ الرِّحْلة لَمْ تَنْتَهِ بَعْد ، لكنَّها
بَدَأتْ .
الهواءُ صَفِيحٌ ساخنٌ ،
مُحمَّل برائحةِ الدُّخَانِ والرَّمادِ . كُلُّ نَفَسٍ يُشبِه تاريخًا مِنَ
الرُّعْبِ . تحت أقدامِهم، الحَصَى والحُطَامُ يَصْرُخان بصوتٍ مَذبوحٍ.
خُطُواتُهم اليابسةُ تُصْدِرُ صَرِيرًا يُذكِّرهم بأنَّ الأرضَ نَفْسَها تَشْهَد
عَلى مُعَاناتهم. الأيدي تَتشابك ، والأصابعُ تَرتجف بِلا إرادةٍ ، والأجسادُ
المُنْهَكَةُ تُحَاوِلُ التَّمَسُّكَ بأيِّ شَيْءٍ مَلموس وَسَطَ الفَوْضَى .
الظِّلالُ تَتحرَّك بِبُطْءٍ
على الحِيطانِ المُنهارة ، تَلْتَفُّ حَوْلَها ، كأنَّها حواجز غَيْر مَرئية .
كُلُّ حُلْمٍ يَحمِل كابوسًا خَفِيًّا . الألَمُ يَلْسَعُ وُجوهَهم ، ويَخْترق
مَلابسَهم ، وَيُذكِّرهم بأنَّهُم عُراة أمامَ العَالَمِ . أيَّة لَحْظَة يُمكِن
أنْ تَكُونَ الأخيرةَ . أصواتُ الانفجاراتِ بعيدةٌ ، لكنَّها قريبة جِدًّا ،
تَتَخَلَّلُ الجُمْجُمَةَ ، وَتَهُزُّ القلبَ ، وَتَجْعَل الدَّمَ يَتسارع في
العُروقِ بِلا تَوَقُّفٍ . وَصَرَخَاتُ الأطفالِ المَقْهُورين بَيْنَ الرُّكام
تَلْتقط الإحساسَ بالضَّياعِ ، وَوُجُوهُ الرِّجالِ تُحاول أنْ تَكُونَ صامدةً ،
لكنَّ التعب يَخْتفي في العُيونِ ، وَخُطوطِ الأجسامِ المُشوَّهة ، ويَتْرُك
أثَرَه العميقَ في الرُّوح .
91
طُرُقَاتُ المَدينةِ تَختنق .
ألسنةُ الدُّخَانِ تَتَلَوَّى بَيْنَ الأبنيةِ المُدمَّرة، والحُطَامُ يُشبِه
جِبَالًا صغيرةً تُغطِّي الشوارعَ الضَّيقة . كُلُّ نافذةٍ مُحطَّمةٍ كانتْ
كَعَيْنٍ تَبْكي عَلى مَنْ فُقِدَ ، وكُلُّ بابٍ مُغلَقٍ خَلْفَه جِدار مِنَ
الخَوْف . في وَسَطِ هَذا الدَّمار ، تَحَرَّكَتْ مَجموعة مِنَ السُّكان ،
يُحاولون أنْ يَجِدُوا طريقًا للخُروجِ مِنَ المَدينةِ المُحاصَرة ، مِنْ قلبِ
الليلِ الذي لا يَبْدُو لَهُ نِهاية .
عبد الرَّحيم ، شابٌّ في أوائل
العِشرينات، يَسْحَب حقيبةً صغيرةً خَلْفَه ، تَحْتوي على بعضِ المَلابسِ ،
وَيَضَع صُوَرًا عائليَّة مَطْمُوسة . خُطُوَاتُه مليئة بالحَرَجِ والخَوْفِ مِنَ
الانفجاراتِ المُفاجِئة أو القَنَّاصَةِ المُخْتبئين على أسْطُحِ المَباني
المُهَدَّمَة . إلى جانبِه كانتْ أُخْتُه عايدة ، فتاة شُجاعة رَغْمَ صِغَرِ
سِنِّها ، تُحاول تَهْدئته بابتسامة ضعيفة . (( هَلْ تَظُنين أنَّنا سَنَخْرُج
مِنْ هُنا ؟ ))، سألها بصوتٍ مُرتعش ، وكأنَّ السُّؤالَ مُخاطَرة .
عايدة لَمْ تُجِبْ فَوْرًا .
نظرتْ حَوْلَها إلى الشوارعِ الفارغة ، ثُمَّ إلى السماءِ المُلبَّدة بالدُّخَان ،
وقالتْ: (( عَلَيْنا أنْ نُحاول. إذا تَوَقَّفْنَا الآنَ،سَنُصْبح جُزْءًا مِنْ
هَذه المَدينةِ، لكنْ لَيْسَ كما نُريد)).
تَحَرَّكُوا عَبْرَ أنقاضِ
السُّوقِ القديمة ، حيث كانتْ هُناك رائحة غريبة مِنْ حَرْقِ الخشبِ والورقِ. في كُلِّ
زاويةٍ ، يُمكِن أنْ يَظْهَر المَوْتُ فَجْأةً ، بِلا إنذار. سَمِعُوا فَجْأةً
طَلَقَاتٍ نارية بعيدة ، تُذكِّرهم بأنَّ الوقتَ لَمْ يَكُنْ صديقَهم.
والخُطُوَاتُ الغَريبةُ تَتَكَّدَسُ فِيها احتماليَّةُ النِّهايةِ .
في إحدى الأزِقَّة، وَجَدُوا مَجموعةً
صغيرةً مِنَ الأطفالِ مُحَاصَرِين خَلْفَ جِدارٍ ، نِصْفٌ مِنْهُ مَهْدوم. أعْيُنُهُم
كبيرة يَمْلَؤُها الرُّعْب. عبد الرحيم اقتربَ مِنْهُم بِحَذَر . حاولَ رَفْعَ
الرُّوحِ المَعنوية قائلًا : (( سَنتجاوز هَذا مَعًا )). الرِّحْلةُ تَستمر
سَاعاتٍ ، كُلُّ ذَرَّةٍ في الطريقِ هِيَ اختبارٌ للصَّبْرِ والقُوَّةِ . عِندما
وَصَلُوا إلى نَفَقٍ مَهجور تحت الأرض ، اكتَشَفوا أنَّ الهواء مَلِيء بالغُبارِ والروائحِ
العَفِنَة،لكنْ كانَ يَبْدو كَخَلاصٍ مِنَ الفَوضى العُلْوِيَّة.هُناك، جلسوا
لبعضِ الوقت، يَلْتقطون أنفاسَهم، وَيَسْتمعون لِصَوْتِ قَطَرَاتِ الماءِ تَتساقط
على الأرض . في هذه اللحظة ، أدرَكوا أنَّ النَّجَاةَ لَيْسَتْ مُجرَّد عُبور مِنْ
مَكانٍ إلى آخَر ، بَلْ مُحاولة إيجاد إنسانيَّةِ الإنسانِ وَسَط الجُنون .
يَصْرُخون في أنفُسِهم ضِدَّ اليأس ، ويُحاولون أنْ يَحْتفظوا بِبَقايا الأمل ،
حتى لَوْ كانَ ذلك الأملُ ضئيلًا .
معَ بُزوغِ الفَجْر ، خَرَجُوا
مِنَ النَّفَقِ ، وَرَأَوْا على بُعْدِ مِئات الأمتارِ قَريةً لَمْ تَمَسَّهَا
الحربُ بَعْد. ضَوْءُ الشمسِ الأوَّلُ كَشَفَ عَن الوُجوهِ المُشوَّهةِ بالدُّموعِ
والغُبار،لكنَّها كانتْ وُجوهًا مَا زالتْ حَيَّةً، تَحمِل إرادةَ البَقاءِ ،
وَتُصِرُّ عَلى الوُجود .
عبد الرحيم وعايدة ، إلى جانبِ
الأطفالِ، تابَعوا السَّيْرَ بِلا تَوَقُّفٍ. بريقُ عُيونِهم بِمَثابةِ انتصارٍ
صغير . لَمْ يَكُنْ هُناك فَرْحَة كبيرة ، بَلْ هُدوء مُتَرَدِّد ، وشُعور
بأنَّهُم نَجَوْا مِنْ شَيْء لا يُمكِن وصفُه بالكلمات ، وأنَّ الحُرِّية مهما
كانتْ بسيطة ، تَسْتحق كُلَّ هَذا العَناء .
الخارجُ مُختلِفٌ . لَمْ يَعُد
الدُّخَانُ يَحجُب السماءَ ، وَلَمْ تَعُد القذائفُ تَصنَع المُوسيقى الرَّهيبة
للمَدينة. الحُرِّية الجديدة لَمْ تَعْنِ الراحةَ، فَقَدْ خَلَّفَت الحَرْبُ
جُروحَها العميقة في كُلِّ جسدٍ وَرُوحٍ.
عبد الرحيم وعايدة والأطفال
الأربعة الذينَ رافقوهم ، وَجدوا أنفُسَهم على حَافَةِ غابةٍ واسعة ، يَبْدُو
أنَّها تُشكِّل حَاجِزًا بَيْنَهم وَبين المُدُنِ البعيدة . الأشجارُ عَتيقةٌ ،
كأنَّها شُهود صامتون على المُعاناة ، وَفُروعُها تُحرِّكها الرِّياحُ كَما لَوْ
كانتْ تَهمِس لَهُم : (( ابْقُوا حَذِرين )) .
في الطريقِ، ظهرتْ مُعضِلة
جديدة: الطعام والماء.كُلٌّ مِنهُم كانَ يَحمِل القليلَ مِنَ الإمدادات، وأحيانًا
كانَ عَلَيهم أنْ يَخْتاروا ، إمَّا أخذ قِسْط مِنَ الراحة ، أو الاستمرار قبل أنْ
يَفْقِدوا آخِرَ مَا لَدَيهم . عايدة ، التي كانتْ قويةً رغم الخَوف ، قالتْ بصوتٍ
ثابت : (( عَلَيْنا أنْ نُحافظ على قُوَّتِنا ، كُلُّ خُطْوَةٍ تُقَرِّبُنا مِنْ نِهاية
الطريق ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تُبْعِدُنا عَن الخَوْفِ الرهيب )) .
الأطفالُ يَسْتمعون بصمتٍ ، يَلْتقطون كلماتِها
كَما لَوْ كانتْ مَصَابيح مَغْموسة في الأحلامِ المَكسورةِ ، لكنَّ الخَوْفَ لَمْ
يَتركهم . يُلاحقهم في الظِّلال ، في كُلِّ حَشَرَةٍ تَزحَف على الأرض ، في كُلِّ
صَوْتٍ مُفاجِئ .
في إحدى الليالي،بَينما كانوا
يُحاولون النَّوْمَ تحت شجرةٍ ضَخْمة، سَمِعوا خُطُواتٍ غَيْر مألوفة .
تَجَمَّدُوا في أماكنهم . كانَ الصمتُ أكثرَ رُعْبًا مِنْ أيِّ صَوْتٍ . ظَهَرَ
رَجُلٌ مُسِن ، يَحمِل حقيبةً صغيرةً وابتسامةً مُتْعَبَة، لكنَّه لا يَملِك سِوى
نَظْرَةٍ مليئة بالحَذَر . (( أنتم بعيدون عن المدينة ، والطريقُ لا يَزَال طويلًا
وخطيرًا )) ، قالَ بصوتٍ هادئ .
عبد الرحيم تَقَدَّمَ قليلًا ،
وسَألَه : (( هَلْ يُمكِن أنْ نَثِقَ بِك ؟ )) . الرَّجُلُ نَظَرَ إلَيهم ، ثُمَّ
أوْمَأ برأسه : (( لا يُمكِن للثِّقَةِ أنْ تُعطَى بِسُهولةٍ هُنا ، لكنْ أحيانًا،
الخِيَار الوحيد هُوَ المُخاطَرة )) .
معَ هَذا الرَّجُلِ، بَدَؤُوا
يَكتشفون أنَّ الرِّحْلة لَمْ تَكُنْ مُجرَّد عُبور للأماكن، بَلْ مُواجَهة
لِمَخاوفهم الداخلية . كُلُّ خُطْوَةٍ اختبارٌ للذكاءِ والصبر ، وكُلُّ قَرَارٍ بَيْنَ
الخَطَرِ والنَّجَاةِ يَزرَع فِيهِم شُعورًا بالمَسؤولية الذي لَمْ يَعرِفُوه مِنْ
قَبْل . مَرَّت الأيامُ ، ومعها تَغيَّرتْ وُجُوهُهُم . لَمْ يَعُد الخَوْفُ
وَحْدَه يُسَيطِر ، بَلْ ظهرَ شَيْء آخَر ، وَعْي بالقُدرةِ على التَّكَيُّفِ
والصُّمودِ وحِمايةِ بعضِهم بعضًا . كانوا يَضحكون أحيانًا، رغم كُلِّ شَيْء ،
لأنَّ الضَّحِكَ أصبحَ طاقةً صغيرةً تُمكِّنهم مِنَ الاستمرار .
بَعْدَ عُبورِ الغابة ، وَصَلُوا إلى ضِفَافِ
نَهْرٍ واسع. المِياهُ صافية ، تَتلألأ تحت الشمس، وكأنَّها تَعكِس بِدايةً جديدة .
رَكَضَ الأطفالُ نَحْوَ الماء ، يُغْرِقُون وُجوهَهم فيه ، وَيَضْحَكون بِلا خَوْف
.
عبد الرحيم وعايدة تَبادلا
نَظْرَةً . لَمْ يَكُن الأمرُ نِهايةَ الطريق ، هُناك شَيْءٌ أثقلُ مِنَ الخَوْفِ
، وأعمقُ مِنَ الحُزْن، شُعور بأنَّهُم نَجَوْا ، وأنَّ مَا هُوَ أمامَهم يَحمِل
وعدًا بالفُرصة ، حتى لَوْ كانت الحياةُ القادمةُ صعبةً كما كانتْ حياتهم السابقة
.
الحُرِّيةُ ، كما أدْرَكُوا ،
لَمْ تَكُنْ مُجرَّد غِياب الحَواجِز ، بَل القُدرة على السَّيْرِ رَغْمَ الألَمِ
، وَحِماية مَنْ يُحِبُّون ، وإيجاد بَصِيص أمل في أيِّ مَكان ، مَهما بَدا
مُظْلِمًا .
النَّهْرُ لَيْسَ نِهايةَ
الرِّحْلة ، بَلْ بِداية لِمُواجَهة جديدة . الضِّفَافُ الهادئة تُخْفي صُعوبةَ
العَيْشِ في مَكانٍ جديد.لا أحد يَعرِفهم، ولا يُوجَد مأوى آمِن، ولا كَلِمات
مُطَمْئِنة سِوى أصواتِ بعضِ الطُّيور.
بدأ عبد الرحيم وعايدة بتنظيمِ
حَياتهم على نَحْوٍ غريب، جَمَعُوا مَا استطاعوا مِنْ خَشَبٍ وأوراقٍ لِتَشييد
مأوى مُؤقَّت، وأحرَقوا القُمامةَ المُتبقية لإبعاد الروائح . الأطفالُ يَلْعَبون
بَين الأشجار ، لكنَّ ضَحِكاتهم أصبحتْ أكثرَ حَذَرًا ، كما لَوْ كانتْ تَعرِف
أنَّ العَالَمَ الجديد لا يَزَال مَلِيئًا بالمَخاطِر .
في أحدِ الأيام ، وَصَلوا إلى
قَريةٍ صغيرة على بُعْد عِدَّة كيلومِترات . السُّكَّانُ المَحَلِّيون رَحَّبُوا
بِهِم بِحَذَرٍ . عَرَفُوا مَنْ هُم القادمون مِنَ المَدينةِ المُحاصَرة ،
وَقِصَصُ الألَمِ والدَّمارِ لَيْسَتْ أُسطورةً، بَلْ هِيَ واقع . الحياةُ في
القَريةِ لَيْسَتْ سهلةً . العملُ قليل ، والطعامُ مَحْدود ، لا مَجَال للكَسَلِ
أو التهاون. عبد الرحيم أخذَ على نَفْسِه مَسؤوليةَ الحُصول على الطعام ، والبحث
عَنْ أيَّة فُرصة للبقاء على قَيْدِ الحياة . عايدة بَدأتْ تُعلِّم الأطفالَ
كَيْفَ يَجْمَعون الثِّمارَ الصالحة للأكل ، وكَيْفَ يَحْذَرون مِنَ الفِخَاخِ
التي خَلَّفَتْها الحربُ في الغابة .
الليالي صعبة . في صمتِ الظلام
، يَسْمَعون صَدى انفجارات الماضي في عُقولِهم . المَدينةُ المُحاصَرة لا تَزَال
تُلاحقهم رَغْمَ المَسافةِ الطويلة . عبد الرحيم أحيانًا كانَ يَنام قليلًا،
وَعَيْناه مَفتوحتان ، يُراقب الأطفالَ كما لَوْ أنَّ أيَّة لَحْظة يُمكِن أنْ
تُعيدهم إلى الجحيمِ القديم .
معَ مُرورِ الوقت ، بَدَؤُوا
يُلاحظون شيئًا غريبًا ، رَغْمَ الألَمِ والخَوْفِ ، بدأ الإنسانُ يَظْهَر في أبسط
صُوَرِه، ضِحْكة طِفْل، مُساعَدة جارٍ لجارٍ آخَر، ابتسامة عايدة عِندما تَنْجَح
في إشعال النار. كُلُّ هَذه التفاصيل الصغيرة أصبحتْ مَلاذًا لَهُم ، رَغْمَ كُلِّ
مَا فَقَدوه .
قَرَّرَ عبد الرحيم أنْ
يَسْلُكَ طريقَ الغابةِ مَرَّةً أُخْرى ، هذه المَرَّة لِجَلْبِ إمدادات أكبر ،
وللتأكُّد مِنْ عدم وُجود خطر يُهدِّدهم . الرِّحْلةُ صَعْبة، والأشجارُ العالية
تُلْقي بِظِلالها الطويلة على الأرض ، لكنْ كُلُّ خُطْوة كانَ فيها شُعور بأنَّ
الحياة تَستمر ، وأنَّهم يَسْتطيعون مُواجهةَ أيِّ شَيْء إذا كانوا معًا. حِينَ
عادَ ، لَمْ يَكُنْ يَحمِل الطعامَ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا كانَ يَحمِل شُعورًا أقوى
بالسَّيطرةِ على المَصير . عايدة ابتسمتْ له ، وقالتْ : (( لَمْ يَعُدْ لَدَيْنا
خَوْف ، لَدَيْنا فَقَط الطريق أمامَنا )) .
على ضِفافِ النَّهْر ، وَسَط
الغابةِ والقريةِ الصغيرة ، تَعلَّموا أنَّ الحُرِّية لَيْسَتْ مُغادَرةَ المَكانِ
فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هِيَ القُدرةِ على الاستمرارِ رَغْمَ كُلِّ شَيْء ،
وَحِمايةِ بعضِهم البعض ، والعُثورِ على بَقَايا الحُلْمِ مَهْمَا كانَ ضَئيلًا .
كَبِرَ الأطفالُ قليلًا ،
وَتَعلَّموا أنْ يَضْحكوا وَسَطَ الحُزْن ، وأنْ يَعيشوا معَ الماضي دُون أنْ
يَسْمحوا له بالسَّيطرةِ على حاضرهم . عبد الرحيم وعايدة اكْتَشَفَا أنَّ الحياة
بعد الحربِ لَيْسَتْ مُجرَّد نَجَاة ، بَلْ هِيَ بِناء جديد ، خُطْوة صغيرة وَراء
أُخْرَى ، على حَافَةِ الغد . والغَدُ مَهما كانَ مُظْلِمًا أوْ مُعَقَّدًا ، فَهُوَ
الآنَ مِلْكُهم .
92
تحت سَماء قاتمة، حَيْثُ
تَتشابك الجِبالُ كأقفالٍ حديدية حَوْلَ المَدينة ، تَقِفُ قُوَّاتُ الصِّرْبِ
المُتَوَحِّشَة ، صامتةً ، مُتربِّصة ، كأنَّها حَجَرٌ ضَخْمٌ أُلْقِيَ لِيَحْجُبَ
عَن المَدينةِ الهَواءَ والماءَ والخُبْزَ.
يُراقبون كُلَّ حركةٍ ، كُلَّ
هَمْسَةٍ ، كُلَّ مُحاوَلةٍ مِنَ المَدينةِ لإرسالِ يَدِها نَحْوَ الحياة .
الطريقُ إلى الإمدادات أصبحَ سَرابًا . الشاحناتُ والسَّياراتُ والآمالُ تُبْتَلَع
في صَمْتِ الصُّخورِ والحِجارة .
في الشَّوارعِ الضَّيقةِ
لِسَراييفو ، يَتحرَّك الناسُ كَظِلالٍ تَبْحَث عَنْ ضَوْء ، عَنْ لُقْمة ، عَنْ
خُبْز ، عَنْ نَبْضَةِ حَياةٍ.الوُجوهُ فقدتْ لَوْنَها، والعُيونُ لا تَعرِف
الفَرَحَ، والأطفالُ أصبحوا صامتين كالأشباح.
في كُلِّ بَيْتٍ ، هُناك
قِصَّة عَن انتظار ، عَنْ فِقْدان ، عَنْ صَوْتٍ بعيد للطائرةِ التي لا تأتي .
وكُلُّ ذلك بَينما الجِبال تُحرَس بِلا رَحْمة ، والطُّرُق المُؤدِّية إلى
المَدينة مُراقَبة . والغُزاةُ حُرَّاسٌ جَشِعُون لأرضٍ مَحْصورة . في الليلِ ، عِندما
تَهْدأ الطَّلَقَاتُ ، وَتَسْتقر الأرواحُ على حَافَةِ الحُلْمِ ، يَسْمَع سُكَّانُ
المدينةِ صَوْتَ الرِّياح وَهِيَ تَضرِب الجُدرانَ ، صَوْتَ الجُوعِ وَهُوَ يَطرُق
الأبوابَ ، صَوْتَ الخَوْفِ المُخْتَنِقَ في الحَناجِر . يَرفَعون وُجوهَهم إلى
الأحلامِ الضائعة ، لَيْسَ مِنْ أجْلِ البحثِ عَنْ تاريخِ الأنقاضِ ، بَلْ مِنْ
أجْلِ البحثِ عَنْ أيِّ أمَلٍ يُذكِّرهم بأنَّ الحياةَ لَمْ تَتَوَقَّفْ بالكامل ،
وأنَّ العَالَمَ هُناك ، خَلْفَ الجِبالِ لا يَزَال يَتَنَفَّس . رَغْمَ الحِصَارِ
، رَغْمَ الجُوع ، رَغْمَ خَسارةِ الأشياءِ الجميلة ، هُناك شَيْء يَرفُض الانكسارَ
: رُوح المَدينة . رُوحٌ تَنْبِضُ في كُلِّ زاويةٍ وشَارعٍ وقلبٍ مُتْعَبٍ، تقول
بصوتٍ خافتٍ لكنَّه ثابتٌ : (( لا يُمكِن للجِبال، ولا للقُوى التي تَقِفُ عَلَيها
، أنْ تَمْحو الذاكرةَ ، أوْ تَحبِس الأملَ . هِيَ صَرْخَةٌ صامتة ، لكنَّها
صَرْخة حقيقية ، تقول إنَّ الحِصَار قَدْ يُبطِئ الحياةَ ، لكنَّه لا يَستطيع
قَتْلَها )) .
تَظَلُّ الجِبالُ هُناك ، شاهدةً على المُعاناة
، لكنَّها أيضًا شاهدة على صُمود البَشَر ، وإرادةِ أُولئك الذينَ ما زالوا
يَكتبون الحياةَ بكلماتهم البسيطة، ويَزْرعون الخُبْزَ في قلوبِهم حِينَ لا
يَجِدونه في الأيادي. الجِبالُ تُحيط بالمَدينةِ كما لَوْ كانتْ حُرَّاسًا بِلا
قلبٍ ، صامتين، لكنَّ عُيونَهم لا تُفْلِت لَحْظَةً . الغُزاةُ الصِّرْبُ المُتَوَحِّشُون
يُسيطرون على الجِبالِ والتِّلالِ والقِمَمِ ، يُراقبون كُلَّ نَفَسٍ ، وكُلَّ
خُطْوَةٍ ، يَحجُبون عَن المَدينةِ كُلَّ طريقٍ للحياة ، وَيمَنعَون كُلَّ شاحنةٍ
تَحمِل خُبْزًا أوْ دَواءً أوْ أيَّ بَصِيصِ أملٍ. يَبْدو أنَّ المَدينة
المُحاصَرة مُنذ شُهور ، أصبحتْ مُجرَّد صُندوق زُجَاجي تحت وَطأةِ صمتِ الصُّخورِ
والثُّلوجِ والرِّياحِ الباردة .
الناسُ يَتحركون بَين الشوارعِ
الضَّيقةِ كَظِلالٍ تائهة ، وُجُوهُهم باهتة ، وعُيونُهم تَبحث عَنْ أيِّ علامةٍ
على الحياة . الأطفالُ يَلْعَبون بِلا صَوْتٍ . كُلُّ حَركةٍ مَحسوبةٌ ، وكُلُّ
ضِحكةٍ مكتومةٌ خَوْفًا مِنَ القادمِ المَجهول . والبُيوتُ صارتْ مَخازن للانتظار
. الزوايا تَحْكي عَن الفَقْدِ والانتظارِ والوَجَبَاتِ التي لَمْ تَصِلْ ،
والصَّرَخَاتِ التي لَمْ يَسْمَعْها أحد .
في الليلِ ، عِندما تَهدأ
الطَّلَقَاتُ ، ويَخْبُو ضَجيجُ النهار ، تَسمَع المَدينةُ صَهِيلَ الرياح وَهِيَ
تَضرِب النوافذَ ، صَهِيلَ الخَوفِ الذي يَتسلَّل بَيْنَ الجُدران ، صَهِيلَ
المَعِدَةِ الخاويةِ التي تَعرِف أنَّ الطريقَ مُغلَق مُنذ زمنٍ طويل . ولكنْ
رَغْمَ الظلام ، هُناك شَيْء يَرفُض الانهيارَ: أُنشودة المَدينةِ .
إنَّها أُنشودةٌ تَتشبَّث
بالحياةِ رَغْمَ الحِصار، أُنشودةٌ تَرفُض أنْ تَتحوَّل إلى مُجرَّد انتظار
للمَوْتِ . القُلوبُ النابضة تَكتب صَمْتَها على الجُدران ، والأنفاسُ تَصْرُخ
بهدوء بأنَّ المدينة لَمْ تَنكسِرْ بَعْد. الجِبالُ قَدْ تَكُون شاهدةً على
القَسوة ، لكنَّها أيضًا شاهدة على التَّحَدِّي والصُّمود ، والحُلْمِ الذي
يَخْتبئ في عُيونِ الناسِ رَغْمَ كُلِّ مَا يُحِيط بِهِم .
حتى في أحْلَكِ اللحَظَات ،
يَظَلُّ الأملُ يَنْمو في الصُّدور . المَدينةُ تَتَنَفَّس ، وَتَتَحَدَّى
الصُّخورَ ، والرِّياحَ ، وكُلَّ مَنْ حاولَ أنْ يَخْتزلها في مَكانٍ مُحَاصَرٍ .
هِيَ صَرْخة صامتة ، لكنَّها صَرْخة حقيقية ، لا يُمكِن للجِبالِ أنْ تَمْنَعَ
الحياةَ مِنَ البحثِ عَنْ طريقِها ، ولا يُمكِن للظلامِ أنْ يَمْحُوَ كُلَّ ضَوْء
. الجِبالُ تُحيطُ بالمَدينةِ مِثْل أسوار طبيعية ، شاهقة وثابتة وصامدة ،
وكأنَّها كائنٌ حَيٌّ يَتَنَفَّسُ بِبُطْء ، ويُحدِّق بِلا رَحمةٍ . مِنْ أعلى
القِمَمِ، تَبْدُو المَدينةُ كَطِفْلٍ صغير مُحاصَر بَيْنَ حِجارةٍ ضَخْمة .
الشوارعُ والبُيُوتُ والنوافذُ
تحت مُراقبةِ الجِبَالِ والجُنودِ الذينَ يَخْتبئون بَيْنَها . الطُّرُقُ
المُغلَقة تَتحوَّل إلى رُموزِ اختفاء . كُلُّ مُحاولةٍ لإرسالِ طَعامٍ أوْ دَواء
أوْ رِسالة ، تَتحطَّم على صُخورِ الغُزاةِ الصِّرْبِ ، كما لَوْ أنَّ الأرضَ
تَرفُض أنْ تَسْمَحَ للحياةِ بالدُّخُول .
عِندما تُحلِّق فوق المَدينةِ
في هُدوءِ الليل ، تَسْمَع أصواتًا صغيرة لكنَّها مَكتومة . وَقْع أقدام الأطفال
على الأرضِ الباردة . خَرِير الماء القليل المُتَبَقِّي في الأنابيب . هَمَسَات
الجِيران الذينَ يَبْحثون عَنْ أيِّ خبر مِنَ الخارج. وُجوهُ الناسِ باهتة،
وَعُيونُهم مُتعَبة ، لكنَّها لا تَزَال تَحمِل بَقايا مِنْ صُمودٍ لَمْ يَستسلمْ
بَعْد. وكُلُّ بَيْتٍ يَحْكي قِصَصَ انتظارٍ وَصَمْتٍ، وكُلُّ شارعٍ يَخْتَزِن
دُموعًا لا تُرى.
الرِّياحُ تَعصِف بَيْنَ
الطُّرُقاتِ الضَّيقة ، حاملةً مَعَهَا أصواتَ المَدينة . صَرِير النوافذ . أزيز
الفراغ في المَطاعمِ الفارغة . خَفَقَات قلبٍ يَئِنُّ جُوعًا ، وَيُصِرُّ على
البقاء . السماءُ مُظلِمة ، لكنْ في كُلِّ نافذةٍ هُناك شُعلة صغيرة، قِنديل صغير
أوْ شَمْعة حزينة، تُحاوِل مُقاوَمةَ الليلِ الطويل، وكأنَّها تقول: (( نَحْنُ مَا
زِلْنَا هُنا ، مَا زِلْنَا نَكتُب الحياةَ بِصَبْرِنا )) .
الجُوعُ والخَوْفُ يَلُفَّان
المَدينةَ، لكنَّ الصُّمودَ أكثرُ عِنادًا . كُلَّ يَوْمٍ ، يَذهَبون إلى المَوْتِ
وَيَعُودون . كُلَّ لَحْظَةٍ ، تَتَنَفَّسُ المَدينةُ مِنْ جَديدٍ ، رَغْمَ
الحِصَارِ والثُّلوجِ والبَرْدِ ، وَرَغْمَ كُلِّ مَنْ حاولَ أنْ يَخْنُقَها.
الناسُ يَتحركون بصمتٍ ، وَيَزْرعون الحُلْمَ في عُيونِ بعضِهم البعض ، كما
يَزْرَع المساءُ البُذورَ في الأرضِ الصُّلْبة . والمَدينةُ تَبْدُو وكأنَّها قلبٌ
حَيٌّ ، يَنْبِضُ بصمتٍ ، وَيَتحدَّى الصُّخورَ ، وَيُراقِب القَمَرَ والنُّجُومَ
، وَيُصِرُّ على أنْ يَظَلَّ حَيًّا .
في هذه اللحَظَاتِ ، حتى
الصُّخور والجِبال التي تُحيط بالمَدينة تَبْدو وكأنَّها شاهدة على شَيْء أكبر
مِنَ القَسْوة ، شاهدة على قُدرة البَشَرِ على المُقاوَمة ، وقُوَّةِ الأملِ التي
لا تنكسر ، والحياةِ التي تَرفُض أنْ تُخْتَزَلَ في الانتظارِ الجارح . المَدينةُ
المُحاصَرة ، رَغْمَ كُلِّ الجُوعِ والخَوْفِ والظلام، تَظَلُّ تَنْبِضُ ،
وَتَبْحَث عَن الضَّوْء ، وَتَقُول بصوتٍ صامتٍ لكنَّه واضح : (( نَحْنُ هُنا ،
نعيش ، ونَسْتمر في العَيْش، مَهما حاولت الجِبالُ أنْ تَمْنعنا )) .
الجِبالُ تُحيطُ بالمَدينةِ
كَحُرَّاسٍ لا يَرْحَمُون ، صامتة ، لكنَّها حاضرة في كُلِّ نَفَسٍ وَخُطْوَةٍ .
وأصواتُ العَواصفِ تَتقاطع معَ صَدى القَصْفِ . وكُلُّ حَجَرٍ يَبْدُو كأنَّ
يَشهَد على صُمودِ المَدينة . الشوارعُ خاوية ، والوُجوه ذابلة ، ولكنَّ العُيون
مَا زالتْ تَبْحَث عَنْ أيِّ أثَرٍ للحياة . والزَّوابعُ الجليديةُ تتلاعبُ
بالمَنازلِ الفارغة ، تَحمِل معها رائحةَ الجُوعِ والخَوْفِ ، وَتُمَزِّق خَفَقَاتِ
القُلوبِ التي تُصِرُّ على البَقَاء .
في كُلِّ زاويةٍ ، صَوْتُ
خُطُواتٍ صغيرة ، وَهَمَسَات مَكْتومة، وَصُراخ أطفالٍ يُحاولون اللعبَ في فَراغِ
المَدينة ، وَيُصِرُّون على أنَّ الحَياة لَم تَنكسِرْ بالكامل .
المَدينةُ تَستنشق
الصَّمْتَ،تُحاول أنْ تَقُولَ إنَّ الحِصَار لَنْ يَستطيع كَسْرَها.الجُوعُ
يَزداد، والليلُ يَطُول، ولكنَّ الأحلامَ تنهمرُ في عُيونِ الناسِ والشَّوارعِ
وبَقَايا الضَّوْءِ المُنبعِث مِنْ نوافذِ صغيرة . الجِبالُ شاهدةٌ على القَسوة ،
لكنَّها أيضًا شاهدةٌ على صُمودِ مَنْ يَرفُضون الانحناءَ أمامَ الظلام .
في قلبِ الليلِ، وَسَط
الرِّياحِ والقَصْفِ، المَدينةُ تَقُول بصمتها العالي: (( نَحْنُ هُنا، لا نَخْتفي
، لا نَستسلم ، نعيشُ رَغْمَ كُلِّ شَيْء . نبحثُ عَن الحياةِ بَين الصُّخورِ
والدَّمار ، وَنُثْبِت أنْ لا حائط ، مَهما عَلا ، يَستطيع حَجْبَ رُوحِ مَنْ
يَرفُض الانكسارَ )) .
المَدينةُ تحت الحِصار . كُلُّ
شارعٍ فيها كأنَّه نَفَقٌ مِنَ الزَّمَنِ اليابسِ . تبدأ المَشَاهِدُ مِنْ فَوْقَ
الجِبال ، حَيْثُ يَقِفُ الغُزاةُ الصِّرْبُ الصامتون مُراقِبين كُلَّ حركة.
طُرُقُ الإمداداتِ مُغلَقة . كُلُّ مُحاولةٍ للوصولِ إلى المَدينةِ تَتحطَّم على
صُخور الحِصَار . مِنَ الأعلى ، تُرى المَدينةُ صغيرةً ، لكنَّها نابضة بالحياةِ
رَغْمَ رَصاصِ القَنَّاصةِ ، وَفُوَّهَاتِ المَدافِع .
الشوارعُ الضَّيقة مَتروكةٌ
للغُبارِ والبارود . الأطفالُ يَلْعَبُون بِلا صَوْتٍ ، كَظِلالٍ تَبْحَث عَنْ
شَيْء يُذكِّرهم بالحياة . وُجوهُ الناسِ مُنطفِئة ، وَعُيونُهم تَحمِل صُمودًا
مَكْتومًا . الخُطْوَةُ مَحسوبةٌ بَيْنَ الخَوْفِ والجُوعِ . امرأةٌ تَحمِل دَلْوَ
ماء ، تَتَفَقَّد النوافذَ ، تتأكَّد أنَّ الشوارع آمِنَة قبل أنْ تَعُود إلى
بَيْتِها . والغريبُ يَذهَب كُلَّ يَوْمٍ إلى قَبْرِه ، وَيَعُود .
في زاويةٍ أُخْرَى ، رَجُلٌ
يَقْطِفُ بقايا الخُضَارِ مِنْ حَديقةٍ مُهمَلة ، يَبْتسم لطفلٍ صغير يُحاول أنْ
يَمُدَّ يَدَه لِقِطْعَةِ خُبْزٍ . الصَّوْتُ الوحيدُ هُوَ وَقْعُ أقدامِهم على
الأرضِ الباردة ، معَ صَوْتِ الرِّياحِ التي تَضرِب النوافذَ ، وَتَصْرُخ بَيْنَ
الجُدران . القَصْفُ في الخَلْفِيَّةِ يَبْدُو بعيدًا ، لكنَّه دائمُ الحُضورِ ،
يُذكِّر الجميعَ بأنَّ المدينة مُحاصَرة .
الليلُ يَهْبِط ، والمَدينةُ
تَحترقُ بزفيرِها الساخنِ . النوافذُ تَحمِل ضَوْءَ الشُّمُوعِ الصغير .
والضَّوْءُ يُصِرُّ على البَقَاء . الرِّياحُ تَتَسَرَّبُ عَبْرَ الشوارعِ ،
تَحمِل معها رائحةَ الجُوعِ ، ومَذَاقَ الهَمَسَات ، وَخَفَقَاتِ القُلوبِ التي
تُصِرُّ على الحياة . في أزِقَّةِ المَدينةِ ، حتى الجُدران تَبْدو وكأنَّها
تَحفَظ صُمودَ الناسِ ، وتَسْتَوْعِب أصواتَهم ، وَتَحْفَظ صَرَخَاتِهم الصامتة .
القَسوةُ تُحِيطُ بالمَدينةِ
مِنْ كُلِّ جانبٍ ، لكنَّ إرادةَ البَشَرِ تَجْعلها أقوى مِنْ أيِّ جِدار . المَدينةُ
تَقُول بصمتها العالي: (( نَحْنُ هُنا، مَا زِلْنا نعيش ، مَا زِلْنا نبحثُ عَن
الحياةِ ، وَنُحَاصِر الحِصَارَ )).
تَهُبُّ الرِّياحُ على
الشوارعِ الضَّيقة ، وتُصفِّر بَين المَباني المُدمَّرة ، وتَدفَع الغُبارَ في
وُجوهِ السُّكَّانِ . صَوْتُ القَصْفِ بعيدٌ ، لكنَّه دائمٌ ، كَنَبْضٍ لا يَهدأ ،
يُذكِّر الجَميعَ بأنَّ المَدينة مَذبوحة ،
وكُلَّ لَحْظةٍ تَحمِل تَهديدًا جديدًا .
خُطُواتُ الأطفالِ على الأرضِ
المُتشققة خافتة ، لكنَّها حاضرة ، كُلُّ خُطْوَةٍ مُحاوَلةٌ لإثباتِ أنَّ الحياة
مَا زالتْ هُنا . أصواتُ الحِجارةِ المُتساقطةِ مِنَ الجِبالِ تَتناغم معَ صَرِيرِ
النوافذ ، وخَريرِ المِياهِ القليلة المُتبقية في الأنابيب ، لِتَصْنَعَ سِمْفونية
مِنَ الحِصَارِ والخَوْفِ والصُّمود .
في زاويةٍ مَهجورة ، امرأةٌ
تَضَعُ بَقَايا خُبْزٍ على الطاولة لِطِفْلٍ يَرتجف ، وَصَوْتُ أنفاسِهما يَمْلأ
الغُرفةَ الصغيرة، يَتسلَّل إلى الشوارعِ كما لَوْ كانَ تَحَدِّيًا للصمتِ الكبيرِ
المُحيطِ بِهِم . الرِّياحُ تَدُقُّ على الأبوابِ والجُدران ، تَحمِل مَعَها صَدى
القَلَقِ والخَوْفِ ، لكنَّها لا تَسْتطيع كَتْمَ خَفَقَاتِ قُلوبِ الناسِ الذينَ
يُصِرُّون على الوُجود .
المَنازلُ تُحافظ على بصيصِ
ضَوْءٍ مِنَ الشُّموع ، شُعلة صغيرة تُكافِح الظلامَ الكثيف . كُلُّ نافذةٍ تَحمِل
بَصْمَةَ صُمودٍ ، وكُلُّ خَفْقَةِ قلبٍ تَقُول : (( نَحْنُ مَا زِلْنا هُنا ،
نعيشُ ، نَتَنَفَّس ، نَرفُض الانكسارَ )) . الجِبالُ تُحيطُ بِهِم ، شاهدة على
الألَم ، لكنَّها أيضًا شاهدة على إرادةٍ لا تُهزَم .
الصمتُ يَكتسِح المَدينةَ
أحيانًا ، لكنَّه صَمْتٌ مُشبَع بالحياة ، بذاكرةٍ مُقاوِمةٍ تَتحدَّى الظلامَ
والجُوعَ والبَرْدَ . المَدينةُ تَبْدُو كَكَائنٍ حَيٍّ ، تَتَنَفَّس بِبُطْء ،
تَسْمَع كُلَّ صَوْتٍ ، كُلَّ حركة ، كُلَّ هَمْسَة ، وَتُصِرُّ على مُحَاصَرَةِ
الحِصَارِ نابضةً حتى في أحلكِ اللحَظَات .
في كُلِّ زاوية ، في كُلِّ
شارع ، في كُلِّ نافذة ، هُناك نَبَضَات صُمود صغيرة ، تَتجمَّع لِتَصْنَعَ صُورةً
أكبر : مَدينة حَيَّة رَغْمَ كُلِّ الجِبالِ التي تُحاصرها ، رَغْمَ كُلِّ
الخَوْفِ والجُوع ، رَغْمَ كُلِّ القَصْفِ والرِّياح. المَدينةُ تَقُول بِصَوْتِها
الصامتِ : (( لَنْ تَنكسِر إرادتي ، لَنْ يُطْفَأ بريقي وقلبي )).
الحِصَارُ يَخنُق المَدينةَ ،
والرِّياحُ تَعصِف في الشَّوارعِ الجريحة ، وَتَصْفَع الجُدرانَ ، وتَدْفَع
الرَّمَادَ في حَناجرِ الناسِ . كُلُّ صَوْتٍ يُصْبح مُكَثَّفًا . وَقْع أقدام
طِفْل يُحاول اللعبَ . خَرير الماء في أُنبوب مُتَصَدِّع . صَرِير باب يُفْتَح بِحَذَر.
صوتُ أنفاسِ النِّساءِ والرِّجالِ المُتَوَتِّرين .
الجِبَالُ تُحيطُ بالمَدينةِ
كَجُدْران حَيَّة،شاهدة على كُلِّ حركةٍ وَهَمْسَةٍ وَنَبْضَةِ قلبٍ.الطائراتُ
تَمُرُّ في السَّماءِ ، لكنَّ الإمدادات لا تَصِلُ . وكُلُّ مُحاوَلة للخُروجِ
تُصْبح صَدى يَتلاشى بَيْنَ الصُّخُور.
في زاويةٍ مُظلِمة ، رَجُلٌ
يَقْطَع قِطْعةَ خُبْزٍ صغيرة ، يَمُدُّها لطفلٍ يَرتجف مِنَ البَرْدِ والجُوع .
الصَّوْتُ الوحيدُ هُوَ خَفَقَانُ قَلْبِه ، وَهَمْسُ الطِّفْلِ وَهُوَ يَقْضِمُ
الخُبْزَ بصمتٍ .
في غُرفةٍ مُظلِمة ، امرأةٌ
تُراقِب الشوارعَ ، عُيونُها تَلتقط أيَّةَ حركة . تُحاول أنْ تَمنح أطفالَها
شُعورًا بالأمانِ ، رَغْمَ أنَّ الخَوف يَمْلأ كُلَّ زاوية . الوقتُ يَمُرُّ
كالسِّكين ، والمَدينةُ تَتَنَفَّسُ بصمتها الخاص ، صامتة لكنَّها حَيَّة .
العَواصفُ تَصْنَع أصواتًا كأنَّها تَتحدَّث ، تَخلِط بَيْنَ الخَوْفِ والأملِ ،
بَيْنَ الجُوعِ والصُّمود . كُلُّ نافذةٍ تَحمِل ضَوْءَ شَمعةٍ صغيرًا ، وكُلُّ
ضَوْء يُصِرُّ على البَقَاء .
حتى معَ كُلِّ الصِّعابِ ،
هُناك نَبْضٌ واحدٌ ثابت . المَدينة حَيَّة . الناسُ يَتحركون بِبُطْء ، وَيَزْرعون
الأملَ في أصغرِ الأشياء. كُلُّ لَمْسَةٍ، كُلُّ ابتسامةٍ مَكْتومة، كُلُّ
خَفْقَةِ قلبٍ ، تَقُول : (( لَنْ نَسْتسلم ، لَنْ نَخْتفي )) . لا يَقْدِرُ
الحِصَارُ على حَبْسِ الحياةِ هُنا ، ولا تَسْتطيع الجِبالُ أنْ تَمنع المَدينةَ
مِنَ البحثِ عَن طريقِها بَين الظلامِ والبَرْد .
في زاويةٍ ضَيِّقة مِنَ الشارع
، يَجلِس طِفْلٌ على الأرضِ الباردة ، أصابعُه تَلتقط فُتَاتَ خُبْزٍ ضئيلًا.عُيُونُه
الكبيرةُ تَمْتَصُّ ضَوْءَ الشُّموعِ القليلة.خَفَقَاتُ قلبِه تَصرُخ بصمتٍ: ((
أُريدُ أنْ أعيشَ)). خَلْفَه ، والدُه يُراقِب الشارعَ بِعَيْنَيْن ذابلتَيْن ،
أُذُنَاه مُتَّجِهتان نَحْوَ أيِّ صَوْتٍ غريب ، وأيَّة حركة في الجِبال المُحيطة
، وأيِّ خَطَرٍ يُمكِن أنْ يَبْتلعهم في لَحْظة .
امرأةٌ تَمْسَحُ دُموعَها
بصمتٍ ، تُحاول أنْ تَمنع خَوْفَها مِنَ الوُصولِ إلى طِفْلِها . تَرْوي لَه
قِصَّةً قصيرة عن الأيامِ التي سَتَأتي بعد هَذا الليلِ الطويل . الأعاصيرُ تَضرِب
النوافذَ بِقُوَّةٍ ، وَتَصْنَع أصواتًا كأنَّها أشباح تَدُور في الغُرَفِ ، لكنَّ
صَوْتَ خَفَقَانِ قلبِها أكبرُ مِنَ الرِّياحِ والظلام .
شابٌّ يَحمِل دَلَوْ ماء،
كُلُّ خُطْوةٍ مَحسوبةٌ، كُلُّ حركةٍ مُراقَبةٌ بِعِناية . يُراقِب الظِّلالَ بَين
المَباني المُدمَّرة ، يَسْتمع إلى أصواتِ الغُبارِ المُتساقط مِنَ الجِبال ، إلى
صَدى القَصْفِ البعيد . جَسَدُه يَرتجف مِنَ البَرْدِ والجُوعِ ، لكنَّه يُواصِل
السَّيْرَ . كُلُّ خُطْوةٍ تَقُول : (( لَنْ أتْرُكَ أحدًا وَحْدَه )) . صَرْخةُ
الحياةِ الصغيرةُ تَنْهمر بَيْنَ الحِجارةِ والخَرابِ .
في لَحْظةٍ واحدة ، يَقِفُ
الجميعُ صامتين، يَسْمَعون الأعاصيرَ والقَصْفَ وأقدامَهم على الأرض. في هَذا
السُّكُوتِ الجارحِ ، يَشعُرون بِوُجودِ بعضِهم البعض ، بِوُجودِ المَدينةِ
نَفْسِها ، بِنَبْضِ الحَياةِ الذي يَرفُض الهزيمةَ . كُلُّ قَطْرَةِ دَمٍ هِيَ
انتصارٌ صامتٌ على الظلامِ والجُوعِ والحِصَارِ .
93
الجِبالُ تَتحرَّك في صَمْتِها
. لا صَوْتَ سِوى صَفِيرِ الرِّياحِ بَيْنَ الصُّخور ، وكأنَّها تَحرُس سَراييفو
في أزمنةِ الوَداعِ . مِنْ فَوْقِ هذه القِمَمِ المَهِيبة ، كانتْ قُوَّاتُ
الصِّرْبِ المُدجَّجة بالأسلحةِ تُسيطِر على كُلِّ مَسارٍ ، وتَمنع وُصولَ
الإمداداتِ ، وَتَترُك المَدينةَ تَحْتَ وَطأةِ الجَوْعِ والخَوْفِ .
في أحدِ الأحياءِ المُحاصَرة ،
جلستْ عَمْرَة على حَافَةِ شُرفةِ مَنزلها المُتَصَدِّع ، تَنظُر نَحْوَ السَّماءِ
المُلَبَّدَة بالغُيومِ الرمادية . في يَدَيْها طَبَقٌ صغير مِنَ البَطاطا
المَسلوقة ، آخِر مَا تَبَقَّى مِنْ مَخْزونها الغِذائيِّ. الأطفالُ يَلْعبون في
الشارعِ . لَمْ تَكُنْ هُناك ضَحِكَات ، فَقَط صَمْت طويل يَمْلأ العُيونَ الصغيرة
بالخَوْفِ .
مِنَ الجِبال، يُمكِن سَماع
أصواتِ البَنادقِ النادرة، والقذائفِ البعيدة. كُلُّ طَلْقَةٍ تَهديدٌ صامتٌ،
يُذكِّر سُكَّانَ المَدينةِ بأنَّ الحياة خارج الجُدران المُحصَّنة للمَدينةِ لا
تَزَال مُسْتحيلة . عِندَ أحَدِ المَعابر ، حاولتْ مَجموعة مِنَ المُتطوعين نقلَ بعضِ
الإمداداتِ الطبية عَبْرَ طُرُقٍ ضَيِّقَة بَيْنَ الصُّخور. الخُطُواتُ مَحْفوفةٌ
بالخَطَرِ، والنَّظَرَاتُ نَحْوَ الجِبالِ تَكشِف عَنْ أعْيُنِ الجُنودِ الذينَ لا
يَغْفَلُون. والضَّحَايا لَدَيْهِم عَزيمة لا تُقْهَر ، وشُعور بأنَّ المدينة لا
يُمكِن أنْ تُتْرَكَ تَمُوت في صمتٍ.
في أحَدِ الأيام ، وَصَلَ
صَوْتُ طائرة هليكوبتر مُحمَّلة بالمواد الغِذائية إلى سَماءِ المَدينة .
لَحَظَاتٌ مِنَ الأملِ اجتاحت الأحياءَ ، لكنَّ الغُيوم الثقيلة والرِّياح جَعَلَت
الهُبوطَ صعبًا للغاية . الأطفالُ، رَغْمَ خَوْفِهم، خَرَجُوا إلى الشوارعِ
يُلوِّحون بأيديهم، وكأنَّهُم يُحاولون لَمْسَ السماءِ بِبَراءة.
بَيْنَ هذه اللحَظَاتِ ، كانَ
الشابُّ دانيال عَيْنُه على الجِبال ، وقلبُه على المَدينة ، وعقلُه يُحاول أنْ
يَجِدَ ثُغْرَةً صغيرة في حِصَار يَبْدو بِلا نِهاية . كانَ يَكتُب في دَفتره
كُلَّ يَوْمٍ وصفًا لِكُلِّ وَجْبَةٍ مُتاحة ، لِكُلِّ ابتسامةٍ مَخْفِيَّة ،
لِكُلِّ صَوْتٍ يَنْجُو مِنَ الدَّمارِ المُحيط . يَعرِف أنَّ الكلمات هِيَ آخِرُ
إرْثٍ يُمكِنه تَرْكه ، شاهدًا على صُمودِ البَشَرِ في وَجْهِ القَسْوة .
أصبحت المَدينةُ أكثرَ
هَشَاشَةً ، لكنْ في كُلِّ شارعٍ ، في كُلِّ مَنْزِلٍ ، هُناك صَبْرٌ لا يَلِين .
الجُوعُ والخَوْفُ لَمْ يَقْتُلا رُوحَ المَدينةِ، بَلْ صَنَعَا شُعلةً صغيرة مِنَ
المُقاوَمة، شُعلة تَقُول إنَّ الحِصَارَ قَدْ يَكُون طويلًا ، لكنَّه لَنْ
يَكُونَ النِّهايةَ .
دانيال وعَمْرَة أصبحا
اليَوْمَ شَرِيكَيْن في الصَّمْتِ والجُوعِ ، يُحاولان البحثَ عَنْ أيِّ طريقٍ
يَربِط المَدينةَ بالعَالَمِ الخارجيِّ. الطُّرُقُ القديمةُ التي كانتْ
مُزْدَهِرَةً بالحياةِ قَبْلَ الحِصَار ، تَحَوَّلَتْ إلى مَسَاراتٍ مَحْفوفة
بالمَوْتِ . الصُّخُورُ الكبيرةُ وأصواتُ الرصاصِ كانتْ كَحَوَاجِز غَيْر مَرئيَّة
، تَمْنَع أيَّةَ خُطْوَة مِنَ الوُصولِ إلى الحُلْمِ الجامحِ .
في إحدى الليالي، اجتمعَ
دانيال معَ مَجموعة مِنَ الشبابِ المُتحمسين عَلى حَافَةِ المدينة ، يَتبادلون
النَّظَرَاتِ الصامتة قَبْلَ يَهُبُّوا نَحْوَ أحَدِ المَمَرَّاتِ الجبلية
الضَّيقة . كُلُّ واحدٍ يَعرِف أنَّ أيَّ خَطأ يَعْني المَوْتَ أو الأَسْرَ ،
ولكنَّ الحَاجَة أقوى مِنَ الخَوْفِ .
بَينما هُمْ يَقْتربون مِنْ
خَطِّ التَّمَاس،لاحظوا أنَّ الجُنود الصِّرْب على الجِبالِ يُراقبونهم بصمتٍ،
كَوُحُوشٍ مُتَعَطِّشَة للدَّمِ لا تَغْفَل عَنْ أيَّة حركة . تَوَقَّفُوا
لَحْظَةً ، يَخْتبئون خَلْفَ الصُّخُور ، يُراقِبون انعكاسَ ضَوْءِ القمرِ على
الأسلحةِ الباردة، ويُخطِّطون لِكُلِّ خُطْوَةٍ كما لَوْ كانتْ آخِرَ فُرصةٍ
للنَّجَاة.
عَمْرَة ، التي كانتْ تَصنع
الطعامَ المُتاح مِنْ بقايا المَخازن ، أحَسَّتْ بقلقٍ شديد . كُلُّ خُطْوَةٍ
يَقُوم بها الشبابُ تَعْني احتمالَ أنْ يَعُودوا جُثَثًا أوْ لا يَعُودوا إطلاقًا
. لكنَّها أيضًا أحَسَّتْ بِشَيْء آخَر: شُعور بالكَرامة ، بأنَّ هُناك مَنْ لا
يَرضَى بالاستسلام .
وَصَلَ رَجُلٌ غريب إلى
المدينة عَبْرَ أحَدِ المَمَرَّاتِ الخَلْفية ، مُنْهَكًا وَمُصَابًا . يَحمِل
أخبارًا عَنْ سُقوطِ إحدى القُرى المُجاورة ، وَوُصُولِ تَعْزيزات محدودة إلى
الجِبال ، لكنَّها لا تَكْفي لكسرِ الحِصَار . دانيال استقبله بِحَذَرٍ ، يَسأله
عَنْ أدَقِّ التفاصيل : أماكن الجُنود ، نِقَاط المُراقَبة ، أوقات الهدوء. كُلُّ
مَعلومةٍ كَنْزٌ صغير، إحساس بالسَّيطرةِ في عَالَمٍ يُسيطر عَلَيه الخَوْفُ
والفَوْضَى.
الرَّجُلُ الغريبُ تَحَدَّثَ
عَنْ قِصَصٍ صغيرة ، عَنْ بُطولات الناس العاديين : مُزَارِع وَزَوْجَتُه
يُقَدِّمَان طعامًا للجائعين . طِفْل صغير يُمرِّر رسائل مَحْفوفة بالمَخاطِر
بَيْنَ الأحياء . امرأةٌ تُعالِج جُروحَ المُصَابين بِعِناية رَغْمَ نُدْرةِ
الأدوية الطبية. كانتْ هذه القِصَص ، رَغْمَ بَساطتها ، كَجُرْعةِ أملٍ صغيرة . في
كُلِّ مَرَّةٍ يَسْمعها دانيال وعَمْرَة يَشعُران بأنَّ المدينة لَنْ تنكسر .
كُلُّ نَفَسٍ يُؤْخَذ وَسَط هَذا الحِصَار يُمثِّل انتصارًا على القَسْوة .
الأيامُ تَمْضي ، والثُّلوجُ بَدأتْ تَتَجَمَّعُ على قِمَمِ الجِبال . الرِّياحُ
الباردةُ تَقْطَعُ العِظَامَ ، والجُنودُ عَلى المُرتفعات يَزْدادون يَقَظَةً .
ومعَ ذلك ، هُناك لَحَظَات مِنْ إنسانيَّة غريبة : حِينَ يَتبادل الجائعون
ابتسامةً صغيرة عِندَ مُشارَكة لُقْمَة خُبْز ، أوْ حِينَ يُساعِد أحدُهم الآخَرَ
على عُبور شارع مُغَطى بالرُّكام .
دانيال بدأ تَدْوينَ كُلِّ
شَيْء في دفتره : الخرائط ، المُلاحَظات ، الوُجوه التي التقى بِها . أصبحَ هذا
الدفتر أكثرَ مِنْ مُجرَّد وثيقة . أصبحَ مِرْآةً للمَدينةِ نَفْسِها ، لِكُلِّ
صُمودِها وَخَوْفِها وشجاعتها . وفي إحدى الليالي ، بَينما كان القمرُ يُضِيء
مَمَرًّا ضَيِّقًا بَيْنَ الصُّخور ، أدركَ دانيال وعَمْرَة أنَّ المدينة لَنْ
تَسْتسلم بِلا قِتَالٍ . كُلُّ خُطْوةٍ ، وكُلُّ نَفَسٍ ، وكُلُّ لَمْحَةِ أمَلٍ ،
كانتْ دليلًا على أنَّ الصُّمود لا يَحتاج إلى أسلحة دائمًا ، بَلْ إلى العَزيمةِ
والإصرارِ على الحياة .
الرِّياحُ الجليديةُ قويةٌ هذه
الليلة ، تَهُبُّ مِنَ الجِبالِ بِشَراسةٍ ، وكأنَّها تَحمِل رسائل مِنْ قُوَّاتِ
الصِّرْبِ المُتوحشة . اختبأ دانيال وعَمْرَة خَلْفَ أنقاض مَبنى مُتَصَدِّع ،
يَنتظران مُرورَ الوقتِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَا الجُرْأةَ على التَّحَرُّك .
في المدينةِ، كانت الثَّوَاني
اختبارات للصَّبْر. الأصواتُ المُدَوِّيةُ للقذائف ، والصُّرَاخُ المُتقطع
للأطفالِ ، والبحثُ المُستمر عن الماءِ والطعام ، أصبحَ جُزْءًا مِنْ حَياةِ الناسِ
اليَومية . هُناك شَيْء أكثر عُمْقًا: مُقَاوَمة خَفِيَّة ، إرادة الحياة ، إصرار
على عدمِ السَّماحِ للخَوْفِ بالسَّيطرةِ على المدينة.
أحدُ الشبابِ حاولَ نقلَ حِصَص
طعام صغيرة مِنْ مُسْتَوْدَع إلى حَيٍّ آخَر . الطريقُ مُرْعِبٌ ، ومَحفوفٌ
بالمَخاطِر . الجِبالُ تَحرُسها أعْيُنُ الجُنودِ الصِّرْب. كُلُّ خُطْوَةٍ
مَحسوبةٌ بِعِناية ، وكُلُّ حركةٍ هِيَ رُوحُ التَّحَدِّي لقوانين القتلِ
المَفروضة على المدينة .
عَمْرَة لاحظتْ طِفلةً صغيرة ،
تَجلِس وَحيدةً قُرْبَ نافذةِ مَنزلها ، تَنظُر إلى القمرِ كما لَوْ كانَ يُرسِل
إلَيْها رِسالةَ أمَلٍ . دانيال أخذَ الطِّفلةَ بَيْنَ يَدَيْه ، حاولَ تَهْدئتها
بكلماتٍ بسيطةٍ وَصَوْتٍ هادئ ، في حِينَ أنَّ قلبه يَعتصِر مِنَ الخَوْفِ على
أطفالِ المدينة .
الرَّجُلُ الغريبُ الذي وَصَلَ
سابقًا ، أصبحَ جُزْءًا مِنَ الفريقِ الصغير الذي يُحاول كَسْرَ الحِصَار بأيَّة
طريقة مُمكِنة . يَرْوي لَهُم قِصَصًا عَنْ أُولئك الذين نجحوا في تَجَاوزِ
المَمَرَّاتِ الجبلية ، كيف استخدموا الصمتَ والظلامَ كَسِتَارٍ لهم ، وكيف أنَّ
الشَّجاعة الحقيقية لَيْسَتْ في القُوَّة ، بَلْ في الإصرار على الاستمرار .
في إحدى الليالي ، دَوِيُّ
القذائفِ كانَ أقربَ مِنَ المُعْتاد . المدينةُ ارتَجَّتْ ، والنوافذُ اهْتَزَّتْ
، والأرضُ تكاد تنفتح تحت أقدامِ الناس . دانيال ركضَ معَ عَمْرَة والطِّفْلة بَين
الأنقاض ، يُحاولون الوُصولَ إلى مَأوى مُؤقَّت . أثناء الركض ، رَأَوْا شخصًا
جريحًا على الأرضِ ، كُلُّ الخطرِ حَوْلَهم ، لكنَّهم تَوَقَّفُوا لِمُساعدته.
كانَ مَوْقِفًا صغيرًا،لكنْ في قلبِ الحِصَار هُوَ شُعلة إنسانية وسط الظلام.
كُلَّ لَيْلَةٍ كانوا يَعُودون
إلى المَنازلِ ، إلى الشُّرُفات ، إلى الشوارع المُدمَّرة ، حاملين معهم إرادةَ
الحياةِ التي لَمْ تَتَزَعْزَعْ . حتى في أصعبِ اللحَظَات ، هُناك شَيْء لا
يُقْهَر ، رَغْبة في الوُجود، رَغْبة في أنْ تُرْوَى قِصَّة المدينة، رَغْبة في
أنْ يَعْرِفَ العَالَمُ أنَّ الحِصَارَ لَمْ يَكُنْ كافيًا لكسرِ أرواحِ البَشَر.
الجِبالُ أكثرُ قَسْوَةً مِنْ
أيِّ وقتٍ مَضى . الصُّخورُ والأشجارُ والذكرياتُ تُراقِب تَحركات المدينة .
دانيال وفريقُه الصغير يَعْلَمُون أنَّ كُلَّ خُطْوةٍ خارج الشوارع المُحصَّنة
تَعْني مُواجَهةَ المَوْتِ مُبَاشَرَةً .
في صَباحٍ بارد ، حاولوا
تَهريبَ كَمِّية صغيرة مِنَ الطعامِ والدَّواءِ عَبْرَ مَمَرٍّ ضَيِّق بَيْنَ
الصُّخور . الأصواتُ المُدَوِّية للقذائفِ والرصاصِ حَوْلَهم جَعَلَتْهُم يَتحركون
بصمتٍ، وكأنَّ المدينةَ كُلَّها تَوَقَّفَتْ عَن التَّنَفُّسِ، والرَّجُلُ الغريبُ
كانَ يَقُود المَجموعةَ، يَعرِف كُلَّ فَجْوَةٍ وكُلَّ ظِلٍّ يُمكِنهم الاختباء
فيه.
بَينما كانوا يَتقدَّمون،
سقطتْ إحدى الصُّخورِ فَجْأةً، صَوْتُها كَصَرْخَةِ المَوْتِ في صَمْتِ الجِبال.
تَجَمَّدَ الجميعُ لِلَحْظة ، ثُمَّ واصَلوا المَشْيَ بِخُطُواتٍ بطيئة ومَدروسة .
كُلُّ حركةٍ رَقْصَةٌ على حَافَةِ الهاوية ، وكُلُّ نَفَسٍ مأخوذٌ بِثَمن ، لكنَّ
الإصرارَ أقوى مِنَ الرُّعْبِ .
في أحدِ الأحياء ، قامتْ
عَمْرَة بِتَحضير وَجْبة صغيرة للأطفال الذينَ لَمْ يَعرِفوا طَعْمَ الأمانِ مُنذُ
أشهُر. لَمْ يَكُنْ لَدَيها الكثير. كُلُّ لُقْمةٍ مُعْجِزَةٌ صغيرة. الأطفالُ
جلسوا حَوْلَها، أعْيُنُهُم تتأمَّل فِيها ، وكأنَّها رَمْزٌ للحياةِ في قلبِ
الخَراب .
دانيال جلسَ معها ، يُراقِب
المَمَرَّاتِ المُظلِمة بَيْنَ الأنقاضِ . يَعْلَم أنَّ أيَّة لَحْظة هُدوء يُمكِن
أنْ تَتحوَّل إلى فَوْضى ، لكنَّه شَعَرَ بِشَيْء لَمْ يَشْعُرْ بِه مُنذ وقتٍ
طويل ، شُعور بالإنسانية النَّقِيَّة ، وأنَّ الناسَ قادرون على صُنْعِ بُطولات
صغيرة في أيِّ مكانٍ ، حتى في أصعبِ الظُّروف .
بعد أيام مِن التَّخطيطِ
والمُخاطَرة ، قَرَّرَ الفريقُ الصُّعودَ إلى قِمَّةِ أحدِ الجِبالِ ، لكسرِ جُزْء
مِنَ الحِصَار عن طريق تمرير كَمِّية طعام صغيرة . الطريقُ صَعْبٌ ، والثُّلُوجُ تُغطِّي
الصُّخورَ ، والرِّياحُ الباردةُ تَكَاد تُجمِّد العِظَامَ . كانوا يَتحركون
بِهُدوء وذكاء . كُلُّ نَظْرةٍ نَحْوَ الجُنودِ عَلى القِمَمِ مليئةٌ
بالتَّرَقُّبِ. عِند وُصولِهم إلى قِمَّةٍ صَخْرية ، تَوَقَّفُوا لِلَحْظَةٍ ،
يَلْتقطون أنفاسَهم ، ويُشاهدون المَدينةَ تَحْتَهم ، صغيرة لكنَّها حَيَّة ،
تَنتظر مَنْ يُرسِل إلَيْها ضَوْءَ المَصابيحِ القديمة .
الرَّجُلُ الغريبُ هَمَسَ لهم
: (( هذه اللحظة لَيْسَتْ عَن الأسلحة ، بَلْ عَن الصُّمودِ والتَّحَدِّي ، إذا
نَجَحْنا ، سَنُرْسِل رسالةً واحدة : المَدينة لا تَسْتسلم )) .
الهُبوطُ أصعبُ مِنَ الصُّعود
. الحَياةُ مِسْمارٌ مُعلَّق على حائطِ الانهيار ، والذاكرةُ حَقْلُ ألغامٍ ، وَالخُطْوَةُ
مَحفوفةٌ بالمَخاطِر ، وكُلُّ صَخْرَةٍ يُمكِن أنْ تَكُون النِّهايةَ . وَصَلُوا
إلى الحَيِّ في المَدينةِ ، وَسَلَّمُوا الكَمِّيةَ الصغيرة مِنَ الطعامِ
والدَّواء .
احتضنَ الناسُ كَمِّيةَ
الطعامِ وكأنَّها كَنْزٌ لا يُقَدَّرُ بِثَمن . لَمْ يَكُن الغِذاءُ وَحْدَه هُوَ
المُهِم ، بَلْ رِسالة الحياة التي جاءَ بِها . عَمْرَة دارتْ حَوْلَ الأطفالِ ،
تبتسم لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذ أسابيع ، ودانيال أَحَسَّ بأنَّ المدينة تَنْبِضُ مِنْ
جَديد .
في جَوْفِ الحِصَارِ والخَرابِ
والرُّعْبِ ، هُناك لَحَظَات مِنَ النَّصْرِ الصغير ، إحساس بأنَّ الإرادة
الإنسانية يُمكِن أنْ تَتجاوز أقسى القُيود .
الجُنودُ على القِمَمِ كانوا
أكثرَ يَقَظَةً مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى . كُلُّ حَركةٍ صغيرةٍ في المَمَرَّاتِ
الجبلية مُرَاقَبَةٌ بِدِقَّة ، وَصُرَاخُ الهواءِ الباردِ يُمزِّق وَقْعَ
الأقدامِ كأوراقِ الخريف .
94
المَدينةُ تَمُوجُ بصمتٍ قاتلٍ. السَّماءُ
حَجَبَتْ أنفاسَها عَنْ سُكَّانِ سَراييفو . في الأزِقَّةِ الضَّيقة ، تَشْهَد
الجُدرانُ على صَرَخَاتِ الخَوْفِ والجُوع . الناسُ يَسِيرون كالأشباحِ ،
والخُطُوَاتُ تَئِنُّ تَحْتَ وَطأةِ القلقِ والرُّعْبِ .
الحِصَارُ الذي فَرَضَتْهُ
قُوَّاتُ الصِّرْبِ المُتوحِّشة لَمْ يَتْرُكْ شيئًا إلا رَمَادَ
المَدينة.الأسواقُ خَلَتْ، والمَتاجرُ أغلقتْ أبوابَها مُنذ زمنٍ طويل . لَمْ
يَعُدْ هُناك خُبْز يُدفِّئ الأيدي ، ولا ماء يَرْوي الحُلُوقَ المُتْعَبَة.
الأطفالُ يَبْكُون بصمتٍ ، والنِّسَاءُ يَنْهَضْنَ كُلَّ صَباحٍ ، يَبْحَثْنَ عَنْ
أيِّ شَيْء يُشبِع أفواهَهم الصغيرة . وأحيانًا ، لا يَجِدْنَ سِوى أوراقِ
الأشجارِ ، أو الحَشائشِ التي تَتساقط مِنْ بَيْنَ الشُّقُوقِ .
عِند زاويةٍ صغيرةٍ مِنْ شارعٍ
مَهجور ، كانتْ سَلمى تَحمِل حفيدَها الصغير، تبحث بَين الصُّخورِ والحَشائشِ عَنْ
شَيْء يُغَطِّي جُوعَه . عَينا الطِّفْلِ واسعتان ، تَعكِسان ألَمَ العَالَمِ . ((
سَنَجِدُ شيئًا اليَوْمَ يا صَغِيري ))، هَمَسَتْ بصوتٍ مُرتعِش ، لكنَّ الكلمات
ثقيلة كالتَّوَابيتِ الحديدية ، والثِّقَةُ تَتلاشى معَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ بِلا
طَعام .
في الليلِ ، كانت المَدينةُ
تَتَوَهَّجُ بنارِ الحِصار . أصواتُ القَصْفِ تَتردَّد في الشوارعِ كما لَوْ كانتْ
تَضحك على مُعاناةِ البَشَر . في أحدِ المَنازلِ المُتهدمة ، جَلَسَتْ عائلة كاملة
على الأرض. تقاسَموا حَفْنَةً صغيرةً مِنَ الحَشائشِ. أُمُّهُم تُحَاوِل أنْ
تَجْعَلَ مِنَ الفقرِ طعامًا،وَمِنَ الألَمِ حِكايةَ أملٍ.
هُناك لَحَظَات قصيرة مِنْ
إنسانيَّة بَحْتَة ، حِينَ يَلْتقي الجِيرانُ في الزُّقَاقِ لتبادلِ ابتسامةٍ ،
أوْ حِينَ يَتشارك شَخْصَان في قِطْعة خُبْز نادرة . المدينة لا تَزَال تَحْتفظ
بآخِرِ أصداءِ الإنسانيَّةِ في قلبها . لكنْ في أغلبِ الأوقاتِ كانَ الصمتُ
يُسيطِر على الأحداث ، والصِّراعُ على البقاءِ يَجْعَل كُلَّ نَفَسٍ أشبَه
بِمُحاولة للنَّجاة مِنْ عاصفةٍ لا تَنْتَهي .
معَ كُلِّ يَوْمٍ جديد ،
تَتضاعف مَأسأةُ الحِصَار . الأطفالُ يَفْقِدُون قُوَّتَهم ، والنِّسَاءُ
يَتْعَبْنَ مِنَ البحثِ عَنْ أيِّ شَيْء يُبْقي حياتَهن على قَيْدِ الوُجود . حتى
الأشجار التي كانتْ يَوْمًا مَصْدَرَ ظِلٍّ وَرَاحَةٍ ، صارتْ مَلاذًا أخيرًا للجائعين
. أوراقُها الخضراء صارتْ طعامًا ، وأغصانُها تَرْوي قِصَّةَ أملٍ يَتضاءل . لكنْ
، وَسَط هذه القَسْوة ، هُناك لَمَحَاتٌ مِنْ صُمودٍ لا يُصَدَّق . بعضُ
السُّكَّانِ يَزْرعون الحَشائشَ حَوْلَ مَنازلِهم ، يُحاولون أنْ يَجْعلوا الأرضَ
قريبةً مِنَ الحَياة ، رَغْمَ أنَّ المَوْتَ يَزْحَفُ عَلَيهم بِخُطى ثابتة .
تِلْك اللمَسَات الصغيرة مِنَ العِنايةِ والحُبِّ هِيَ مَا يُبْقِي المَدينةَ على
قَيْدِ الوُجود ، وَيَجْعَل مِنَ الحِصَارِ قِصَّةَ صُمودٍ لا تُنْسَى .
سَراييفو مَدينةُ الجُوعِ
والألَمِ ، صارتْ رَمْزًا للإنسانيَّةِ في أقسى صُوَرِها ، الجُوع والخَوْف
والمَوْت، ومعَ ذلك يَتكرَّس التَّحَدِّي والصُّمودُ الذي لا يَنكسِر .
المَدينةُ لَمْ تَمُتْ ،
وَلَمْ يَنهزم أهلُها ، بَلْ كانوا يَنتظرون يَوْمًا يَتحرَّرون فيه ، يَوْمًا
تَتَوَقَّف فيه القنابل ، وَيَعُود الخُبْزُ ، وَيَعُود الضَّوْءُ إلى أعْيُنِ
الأطفال الجائعة .
أصبحت الأزِقَّةُ أكثرَ صمتًا
معَ مُرورِ الأيام . المدينةُ بأكملِها تَحَوَّلَتْ إلى مَكانٍ لا يَعرِف إلا
الانتظارَ.النوافذُ المُتهالكة تَهْتَزُّ معَ كُلِّ انفجارٍ بعيد، والحِيطانُ
مُتشققة مِنَ الرصاصِ والقَصْفِ، لكنَّها مَا زالتْ صامدةً مِثْلَ البَشَرِ الذينَ
لَمْ يَعُدْ لَدَيْهِم خِيار سِوى المُقاوَمةِ بصمتٍ .
في
أحدِ البُيُوتِ المُدمَّرة ، كانتْ آسيا تُحاول إخفاءَ جُوعِها عَنْ أطفالِها
الثلاثة . تأخذُ أوراقًا يابسة مِنَ الأشجارِ المَقطوعة، تَغْسِلها بِعِناية ،
ثُمَّ تُعيدها إلى قِدْرٍ صغير معَ بعضِ الحَشائشِ التي التقطتها في الطريقِ.لَمْ
يَكُن الطعام ، بَلْ كانتْ مُجرَّد وسيلة
لإقناعِ الصِّغَارِ بأنَّ الحياة لا تَزَال مُمْكِنة. عُيونُ الأطفالِ تَتَّسِعُ
كُلَّمَا حَمَلَتْ لَهُم الطعامَ ، لكنْ بداخلها خَوْفٌ دائمٌ مِنْ أنْ لا يَكْفي
. الطِّفْلُ الصغير ، بِيَدَيْه النَّحِيلَتَيْن ، يُحاول أنْ يَلتقط كُلَّ وَرَقَةٍ
قبل أن تَخْتفي مِنْ بَيْنِ أصابعِ أُمِّه ، وكأنَّها كَنْزٌ لا يُعوَّض .
في الخارجِ ، كانَ الرِّجالُ
يَخرُجون بِلا هَدفٍ واضح سِوى البحثِ عَنْ أيِّ شَيْء يُمكِن أنْ يَمْلأ
البُطُونَ . عادَ بعضُهم مُحَمَّلًا بالأغصانِ ، والبعضُ الآخَرُ لَمْ يَعُدْ أبدًا
. أصواتُهم تَندمِج معَ صَرِيرِ الرِّياحِ التي تَمُرُّ بَيْنَ شُقوقِ البُيُوتِ ،
وكأنَّها تُعانِق المَدينةَ كُلَّها في ألَمِها .
مَارِيَة العَجُوز تَمْشي بَين الأنقاضِ،وَهِيَ
تَجْمَع الحشائشَ اليابسة مِنَ الأرض،ثُمَّ تَعُود بِها إلى أطفالِ الجِيران .
لَمْ تَكُنْ عائلتها معها ، لكنَّ قَلْبَها كانَ يَرفُضُ أنْ يَترك أحدًا يَمُوت .
نظراتُها مليئة بالحُزْنِ والصَّلابةِ ، وَيَدُها المُرتعشة تَلْمِسُ وُجوهَ
الأطفالِ بِلُطْفٍ ، مُحَاوِلَةً أنْ تَنْقُلَ لَهُمْ شُعورَ الأمانِ الذي لَمْ
تَعُدْ تَعْرِفُه هِيَ نَفْسُها . السُّكُونُ يَخنُق المَدينةَ ، وَيَترُك صَوْتَ
القَصْفِ البعيدِ يَرِنُّ في الآذانِ مِثْلَ جَرَسٍ يُذكِّر بأنَّ الحِصَار لَمْ يَنْتَهِ
بَعْد . في كُلِّ مَنْزِلٍ ، هُناك قِصَص صامتة : قِصَّة طِفْلٍ فَقَدَ
وَالِدَيْه، وَقِصَّة أُمٍّ تُقْسِمُ أنْ تَبقى صامدةً مَهما حَدَثَ ، وَقِصَّة
شاب يَتجوَّل بَين البُيوتِ المُدمَّرة بحثًا عَنْ أيَّة علامة للحياة. الحياةُ
تَتحوَّل إلى لَحَظَاتٍ صغيرة مِنَ التَّحَدِّي والصُّمُودِ . كُلُّ يَوْمٍ
مُغَامَرَةٌ جديدة ، وكُلُّ وَجْبةٍ وَرَقَةُ شَجَرٍ أوْ حَفْنَةُ حشائش ، تُصْبح حَدَثًا
يُذكَر . المَدينةُ تَتحرَّك رَغْمَ الألَمِ والجُوعِ واليأسِ. الأصواتُ الخافتةُ
للأطفال وَهُمْ يَلْعَبون بَيْنَ الأنقاضِ أكثرُ إشراقًا مِنْ أيِّ ضَوْء يُمكِن
أنْ يُضِيءَ المَدينةَ .
أصبحَ الناسُ يَعْرِفُون كُلَّ
شِبْرٍ مِنْ شَوارعِ المَدينةِ المُحاصَرة . كُلُّ زاويةٍ تُخبِّئ لَهُم مأوى ،
حتى لَوْ كانَ مُؤقَّتًا، وكُلُّ حائطٍ مُهَدَّمٍ يُشكِّل حاجزًا ضِدَّ الخطر ،
حتى لَوْ كانَ وَهْمِيًّا . لا مَكَانَ للرَّاحة، لكنْ هُناك مكان للإنسانية ،
وَلَوْ في أبسطِ صُوَرِها .
في كُلِّ يَوْمٍ جديد ،
يَكتشفون طُرُقًا صغيرة للبقاءِ على قَيْدِ الحياة . بعضُهم جَمَعُوا مِيَاهَ
الأمطار ، وآخَرُون جَمَعُوا بُذورًا مِنَ النباتات كَيْ يَزْرعوها في أصغر شُرفة
مُتاحة ، يُحاولون أنْ يَجْعلوا مِنَ المَدينة ، وَلَوْ جُزْءًا مِنها ، مَصْدَرَ
حَياةٍ مُستمرة .
معَ شُروقِ كُلِّ صَباح ،
كانتْ سَراييفو تَستيقظ على صمتٍ مُريب . المدينةُ الجريحةُ تَحبِس أنفاسَها . في
البُيُوتِ المُتهالكة ، كانت العائلاتُ تُحاول استيعابَ مَا تَبَقَّى مِنْ
قُوَّتِها . حتى صَوْت الرِّياح بَيْنَ الشُّقوق أصبحَ مألوفًا ، كأنَّه مُرافِق
دائم للمُعَاناة .
في أحدِ الأزِقَّة ، جلستْ
سَلمى على الدَّرَجِ المَكسور ، تُراقِب أطفالَها وَهُمْ يُحاولون اللعبَ بَيْنَ
الأنقاض . كانَ الطِّفْلُ الأكبر يَجْمَع بعضَ الحِجارةِ الصغيرة ، ويُحاول أنْ
يَصْنَعَ مِنها لُعْبَةً ، بَينما الأصغر يَبحث عَنْ أيِّ وَرَقَةٍ خضراء يُمكِن
أنْ تَكُون وَجْبَةً إضافية .
عُيونُ سَلمى مليئة بالحُزْنِ
، لكنَّها لَمْ تَفْقِدْ تِلْكَ اللمحة الخافتة مِنَ الأمل ، الأمل بأنَّهم سَوْفَ
يَستمرون ، وأنَّهُم سَيَبْقَوْنَ على قَيْدِ الحياةِ مَهما كَلَّفَهم الأمر .
في الجانبِ الآخَرِ مِنَ
المدينة، كانتْ آسيا تَبحث عن الحشائشِ في حَدائق مَهجورة ، تَحْمِلها في سَلَّةٍ
صغيرة ، وَتَعُود بها إلى أطفالها . تَمُرُّ بأجسادٍ مُتعَبة على الأرصفة ، بعضُهم
فَقَدَ القُدرةَ على الحركةِ بسببِ الجُوع ، لكنَّ عُيونهم لَمْ تَفْقِدْ بَريقَ
الحياة .
الأطفالُ ، رَغْمَ هَشاشتهم ،
يُحاولون أنْ يَكُونوا جُزْءًا مِنَ المَعركة اليومية للبقاء . يَجْمَعُون
الحُبُوبَ المُبَعْثَرَةَ بَيْنَ الأنقاض ، أوْ يَلْتقطون أيَّةَ أوراق يُمكِن
طَهْيُها ، وكانَ صُرَاخُهم أوْ ضَحِكُهُم الخافت أحيانًا يَقْطَع صَمْتَ المَدينةِ
المُطْبِق .
الرِّجالُ الذينَ بَقُوا يَبحثون
عن الطعامِ، يَتحدَّثون بصوتٍ مُنخفض ، يَحْكُون عَنْ تَجارِبهم ، والبُيُوتِ التي
رَأَوْهَا خاويةً ، والحَنينِ إلى حَياةٍ عاديةٍ مَضَتْ . كانَ بَيْنَهم مَنْ
فَقَدَ عائلته ، وَمَنْ فَقَدَ أملَ العَودةِ إلى حَياةٍ طبيعية ، لكنَّهم استمروا
في المَشْي والبحثِ والمُحاوَلةِ للبَقاءِ أحياءً .
مَارِيَة ، المَرْأة العَجُوز
، تَمُرُّ كُلَّ يَوْمٍ على البُيُوتِ المُنهارة ، تُقَدِّم يَدَ المُساعَدةِ
لِكُلِّ مُحتاجٍ . تَعرِف أسماء كُلِّ الأطفالِ في الحَيِّ ، وَتَعرِف العائلاتِ
التي لَمْ يَعُدْ لَدَيْها مَا تأكلُه . بالنِّسْبَةِ إلَيْهَا ، كُلُّ يَوْمٍ
مُهِمَّةٌ جديدةٌ ، وكُلُّ وَجْبةٍ صغيرة تُعْطيها للآخَرين هِيَ نَصْرٌ صامتٌ
عَلى الحِصَار .
الليلُ يَفْرِضُ ظَلامَه
الطويلَ على المدينة ، لكنَّه أيضًا كانَ وَقْتَ التواصلِ الصامتِ بَيْنَ الناسِ .
يَجلِس بعضُهم حَوْلَ نارٍ صغيرة . يَحْكي قِصَصَ الماضي ، أوْ يُشارِك الآخرين
الحِكاياتِ عَنْ أيَّام لَمْ تَعُدْ مَوجودةً، كأنَّهُم يُحاولون تَذكيرَ أنفُسِهم
بأنَّ الحياةَ لَمْ تَندثر بالكامل، والإنسانية لَمْ تَنقرض بَعْد . ومعَ كُلِّ
يَوْمٍ جديد ، تَتكشَّف قُوَّتُهُم الداخلية أكثر . يَتعلَّمون كيف يُحوِّلون
أوراقَ الشجر إلى طعام ، وكيف يَستخدمون أيَّ شَيْءٍ مُتاح لِيَبْقى أطفالُهم على
قَيْدِ الحياة . كُلُّ لَحْظَةٍ صغيرةٍ مِنَ البَقَاءِ تُصْبح شَهادةً على
الصُّمود ، وكُلُّ ابتسامةٍ على وَجْهِ طِفْلٍ جائعٍ تُصْبح دليلًا على قُدرة
الإنسان على المُقاوَمةِ في قَلْبِ الدَّمَارِ .
المَدينةُ فَقَدَت الكثيرَ ،
لكنْ لَمْ تَفْقِدْ قلبَها . الحِجارةُ والأزِقَّةُ والنوافذُ المكسورةُ أصبحتْ
جُزْءًا مِنْ رِوايةِ الصُّمود البطيء . وكُلُّ شخصٍ ، مِنْ طِفْلٍ إلى عَجُوز ،
هُوَ جُزْء مِنْ مَعركةٍ صامتة ضِد الجُوعِ والخَوْفِ والانكسارِ النَّفْسِيِّ
الذي حاولَ الحِصَارُ فَرْضَه .
معَ مُرورِ الأيام ، بدأتْ
علاماتُ التَّغْيير تَتسلَّل بهدوء إلى المَدينة . لَمْ يَتَوَقَّف القصفُ تمامًا
، وَلَمْ يَخْتَفِ الجُوع. الناسُ يُلاحظون أنَّ بعضَ الحَواجزِ التي تَمْنَع
وُصولَ الغِذاءِ بَدَأتْ تَنكسِر تَدريجيًّا بِفِعْلِ نَجاحِ المُقاوَمةِ
البُوسنيَّة ضِد الإرهابِ الصِّرْبيِّ . في أزِقَّةِ المَدينةِ ، اكتشفَ الأطفالُ
فَجْأةً حَفْنَةً مِنَ القَمْحِ المُبَعْثَرَةِ ، وكأنَّ الأرضَ تُعيدُ لَهُم
جُزْءًا مِنْ حَياتهم .
سَلْمى ، وَهِيَ تَحمِل
حفيدَها بَين ذِرَاعَيْها ، أحَسَّتْ لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذ زمنٍ طويل بأنَّ قلبَها
يُخفِّف مِنْ وَطأةِ الخَوف . الأطفالُ يَلعبون على أطرافِ الشوارعِ بَين الرُّكام
. ضَحِكَاتُهُم تَرتفع بشكلٍ خافتٍ . المَدينة تَتَنَفَّس معهم . آسيا ، بعد أيام
طويلة مِنَ البحثِ في الحدائقِ المهجورة ، عادتْ مُحمَّلةً بالحشائشِ وبعضِ
الخضراواتِ التي تَمكَّنتْ مِنْ إنقاذها، كَيْ تُقَدِّمَها لِكُلِّ الجِيران .
الرِّجالُ الذينَ يَطُوفون
المَدينةَ بِلا هدفٍ سِوى البحثِ عَنْ أيِّ شَيء يَمْلأ البُطونَ ، بَدَؤُوا
يَجِدُون طُرُقًا لإحضارِ الطعامِ مِنْ خارجِ الحِصَار. بعضُهم جَلَبَ خُبْزًا
قليلًا، وبعضُهم جَلَبَ المِيَاهَ ، وكُلُّ مَا يَصِلُ يُعْتَبَر كَنْزًا ثمينًا .
معَ كُلِّ وَجْبةٍ صغيرة ، ومعَ كُلِّ لَحْظةِ صمتٍ بعيدةٍ عَن القَصْفِ ، بدأ
السُّكَّانُ يَشعُرون بأنَّ المدينةَ لَمْ تَندثر . الأطفالُ الذينَ فقدوا
بَرَاءتهم وطُفولتهم ، بَدَؤُوا يَسْتعيدونها شيئًا فَشيئًا ، ويَلْعبون ،
وَيَضْحكون ، وَيَركُضون بَيْنَ الأنقاضِ ، كأنَّهم يُعْلِنون أنَّ الحياة لا
تَزَال مُمْكِنة ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرُّوا بِه .
مَارِيَة العَجُوز التي قَضَتْ أيَّامَها تَنْتقل
بَين البُيوت ، تُقَدِّم يَدَ العَوْنِ ، وَتُوزِّع مَا لَدَيْها مِنْ طَعامٍ بسيط
. شَعَرَتْ لأول مَرَّة مُنذ زمنٍ طويل بأنَّها لَمْ تَعُدْ وَحيدةً . النِّساءُ
اللواتي كُنَّ يَلْتَقِطْنَ الحَشائشَ ، الآنَ يَحْمِلْنَ بعضَ الخضراوات الطازَجة
، وَيَجْلِسْنَ معَ أطفالهن على أرضية مَكسورة. يَرْوِينَ قِصَصًا عن التَّحَدِّي
والصُّمودِ ، والقُدرةِ على البَقَاء ، وعَنْ كُلِّ لَحْظةٍ صغيرة مِنَ النصر الذي
تَحَقَّقَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ .
المَدينةُ تَعُود تَدريجيًّا
إلى الحياةِ بِبُطْءٍ شديد ، لكنْ بِعَزْمٍ لا يَنكسِر . كُلُّ بَيْتٍ مُتهدِّم
أصبحَ شاهدًا على القُوَّةِ الداخليَّة للبشر . وكُلُّ شارعٍ مَلِيءٌ بالألَمِ
صارَ رمزًا للثبات . حتى الأشجار ، التي كانتْ مُجرَّد أوراق يَأكلها الناسُ ،
بَدأتْ تُعْطي ثِمارًا صغيرة لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ سنوات ، وكأنَّ الطبيعة
نَفْسَها تُشارِك السُّكَّانَ صُمودَهم .
في نِهايةِ المَطافِ ، أصبحَ
واضحًا أنَّ الحِصَار ، رَغْمَ كُلِّ مَا سَبَّبَه مِنْ ألَمٍ وَجُوع ، لَمْ
يُنْهِ رُوحَ المدينة. تَعَلَّمَ الناسُ كَيْفَ يَصْمُدون، وكيف يَجِدون الطعامَ ،
وكيف يُحافظون على بعضِهم البعض، وكيف يَسْتعيدون الأملَ مِنْ بَيْنِ أنقاضِ
الماضي . كُلُّ لَحْظةِ بَقَاءٍ هِيَ انتصارٌ صامتٌ ، وكُلُّ ابتسامةِ طِفْلٍ
جائعٍ أصبحتْ شَهادةً على قُدرةِ الإنسانِ على المُقاوَمة في أصعبِ الظُّروف .
سَراييفو لَمْ تَمُتْ .
المَدينةُ ، رَغْمَ الخَرابِ والجُوعِ والألَمِ الذي لا يُنْسَى ، بَقِيَتْ عَلى
قَيْدِ الحياة . سُكَّانُها أثبتوا أنَّ الإنسانَ يُمكِن أنْ يُقَاوِم حتى عِندما
يَبْدُو أنَّ كُلَّ شَيْء قَد انتهى ، وَمَهما طالَ الليلُ ، سَيَأتي فَجْرٌ جديدٌ
، يَحمِل معه بَصيصَ حَياةٍ ، ومَعنى للصُّمود . ومعَ كُلِّ فَجْرٍ جديدٍ ،
تَظَلُّ الرُّوحُ البشريةُ قَوِيَّةً ، لا تُقْهَرُ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِها
مِنْ كوارث ومَصائب .
95
في مَدينةٍ تَصْرُخُ تحت
وَطأةِ الصَّمْتِ الثقيل ، كانت الأرواحُ تَتساقطُ كأوراقِ الخريفِ المُتعَبة .
كُلُّ وَرَقَةٍ تَحمِل معها قِصَّةً لا تُروَى ، وحُلْمًا لا يَتحقَّق ، وَطِفْلًا
لا يَعرِف الدِّفْءَ . آلافُ الوُجوهِ المُرْهَقَةِ ، وُجوه المَدنيين ، الرِّجال
والنِّسَاء والأطفال ، باتوا أرقامًا على صَفَحَاتِ الخَوْف ، أرقامًا تَتناثر
بَيْنَ الدَّمِ والحِجارة . المَدينةُ سَجينةٌ، كُلُّ شارعٍ فيها صارَ شَاهِدًا
على العَدَمِ، وكُلُّ جِدَارٍ يَحمِل صَدى الصُّرَاخِ الذي لا يَسْمَعُه سِوى مَنْ
يَمُرُّ بجانبه عَلى عَجَلَةٍ مِنْ أمْرِه . الحِصَارُ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد قَطْع
للطعامِ أو الماء ، بَلْ كانَ فصلًا طويلًا مِنَ الإحباطِ واليأس . فَصْلٌ يُكتَب
بالحِجارةِ بَدَل الأقلام ، وبالقذائف بَدَل الكَلِمات . الآلافُ الذينَ سقطوا
لَمْ يَكُونوا جُنودًا ، وإنَّما كانوا بَشَرًا عاديين يَطلُبون البقاءَ على
قَيْدِ الحَياة . يَرفعون أيْدِيَهُم في وجهِ الرصاصِ بحثًا عَنْ أيِّ أملٍ ،
وأيِّ مَهْرَبٍ مِنْ عَتَمَةٍ لا تَعرِف الرَّحمةَ . في كُلِّ مَرَّةٍ يَنهار
فِيها مَبْنى ، يَنهار معه جُزْء مِنَ الحياة ، وَيَفْقِد العَالَمُ بَراءةً
أُخْرَى ، وَيُصْبح قلبُ المَدينةِ أعمقَ جُرْحًا .
الصَّمْتُ هُنا لا يَعْني
السَّلامَ ، بَلْ هُوَ ثِقَلُ المَفْقودين، وَصَدى الغِيابِ الذي يَخنُق ،
وتَذكيرٌ دائمٌ بأنَّ البشر قادرون على أنْ يَكُونوا أقسى مِنَ الحَرْبِ نَفْسِها
. في كُلِّ دَمْعَةٍ هُناك قِصَّة . في كُلِّ صَوْتٍ صَرْخَةٌ لا تَصِلُ إلى آذانِ
أحد . في كُلِّ حِصَارٍ هُناك حقيقة واحدة ، إنَّ الألَمَ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ
مَدَنيٍّ وجُنديٍّ ، والأرواح التي تُزهَق بِلا سبب ، تَتْرُك وَراءها فَراغًا
يَصْعُب مَلْؤُهُ بالكَلِمَات .
رُبَّمَا كانَ مَا يَحْدُث
دَرْسًا بَشِعًا في هَشَاشَةِ الحياة ، وفي قُدرةِ الإنسانِ على أنْ يَتحوَّل مِنْ
صَانعٍ للحُلْمِ إلى شَاهِدٍ عَلى الخَراب . وأمامَ آلافِ الجُروحِ ، الصغيرة
والكبيرة ، تَبقى مَدينةٌ واحدة، وكأنَّها تَنطِق بصمتها المُؤلِم : (( تَذَكَّرُوا
، مَا سَقَطَ هُنا لَمْ يَكُنْ مُجرَّد مَبَانٍ ، بَلْ أحلام البشر وأمانيهم ،
ومَا تركته الحِجارةُ خَلْفَها لا يُمحَى بِسُهولة )) .
في قَلْبِ المَدينةِ
المُحاصَرة ، تَتناثرُ الأرواحُ كما يَتناثرُ الرمادُ في الرِّيح . كُلُّ رُوحٍ
تَحمِل معها تاريخًا مَكسورًا ، وَحُزْنًا عميقًا ، وَفَرَاشَاتٍ لا تَعرِف غَيْرَ
الاحتراقِ . الطُّرُقَاتُ التي كانتْ تَعِجُّ بالضَّحِكِ صارتْ سَاحَاتٍ خَرْسَاء،
تَبْكي تحت وَطأةِ الخَوْفِ ، وَتَئِنُّ تحت وَطأةِ الرصاص .
النوافذُ المُحطَّمة ،
والجُدرانُ المُنهارة ، تَرْوي فُصُولًا مِنَ الألَمِ . المَدينةُ باتتْ سِجْنًا
بِلا أبواب . الخُطُواتُ الخائفةُ تَحمِل خَطَرَ المَوْتِ ، وكُلُّ نَفَسٍ يُحسَب
ثَمَنُه بالدَّمِ . جُثَثُ النِّسَاءِ والأطفالِ أصبحتْ أرقامًا تَتصارع معَ
الزَّمَن . كُلُّ رَقْمٍ يَحمِل فاجعةً ، وكُلُّ صَرْخَةٍ مُخْتَنِقَةٍ تُكتَب على
الحِجارة . الجُوعُ والبَرْدُ والانتظارُ أصبحوا رُفَقَاء دائمين . في كُلِّ
بَيْتٍ ، هُناك صَمْتٌ قاتلٌ . وفي كُلِّ زاويةٍ، ظِلُّ خَوْفٍ يَترقَّب حركةً
واحدةً خاطئة. الحِصَارُ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد حِرْمان مِنَ الطعامِ والماء ، بَلْ
هُوَ فَصْلٌ طويل مِنَ المُعَاناة ، فَصْلٌ تُسطِّره القذائفُ، وَتَنحِته الحربُ
على صُدورِ البَشَرِ المَنْسِيين. عِندما تَنهار المَبَاني، تَنهار معها الذكريات،
وتَنهار معها حياة لا تُعَدُّ ولا تُحصَى . الأطفالُ الذينَ لَمْ يَعْرِفُوا
السلامَ ، والرِّجالُ الذينَ لَمْ يَعْرِفُوا الأمانَ ، والنِّسَاءُ اللواتي
فَقَدْنَ كُلَّ شَيْء ، كُلُّهُم يَتركون فَراغًا لا يَمْلَؤُهُ شَيْء .
في هذا الصمتِ ، هُناك دَرْسٌ
بَشِعٌ عَنْ هَشَاشَةِ الإنسان ، ومَدى قُدرته على التَّدمير ، وحَجْمِ الألَمِ
الذي يُمكِن أنْ يَتحمَّله قلبٌ بشريٌّ . المَدينةُ تَتَنَفَّسُ جُرْحَها ، وكُلُّ
حَجَرٍ هُنا يَصْرُخ بِمَا فَقَدَ . وكُلُّ دَمْعَةٍ هِيَ شَهادة على عَبَثِيَّةِ
العُنْفِ .
في النِّهايةِ ، مَا سَقَطَ
هُنا لَمْ يَكُنْ مُجرَّد مَبَانٍ ، بَلْ هُوَ حَياة ، وذِكريات ، وأحلام صغيرة
تَتلاشى، وأرواح تَبْحَثُ عَنْ خَلاصٍ لَمْ يَأتِ . الصَّمْتُ المُؤلِمُ يَصْرُخُ
بأعلى صَوْتِه : (( الحُروبُ لا تَقْتُلُ الأجسادَ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تَسْرِقُ
الإنسانيةَ نَفْسَها )) .
96
المَدينةُ تَحبِس أنفاسَها
بَيْنَ جُدرانِها المُدمَّرة . الشوارعُ الخاليةُ مِنَ الحَياةِ حَمَلَتْ صَدى
خُطُوَاتٍ قليلة . كُلُّ خُطْوَةٍ تَتردَّد كَصَرْخَةٍ في قلبٍ صامتٍ . الرِّجالُ
والنِّسَاءُ والأطفالُ أصبحوا ظِلالًا تَتصارع معَ البَرْدِ والجُوعِ ، وكُلُّ
نافذةٍ تُطِلُّ على رُكَامِ مَبْنى كانَ يَوْمًا مَأوَى للعائلات .
صَفِيَّة تَجلِس على حَافَةِ
نافذةٍ مَهجورة ، تَتأمَّل أطلالَ الحَيِّ القديمِ . تَنتظر أيَّ خبرٍ عَنْ أخيها
الذي خَرَجَ قبل أيام لجلبِ الطعام ، وَلَمْ يَعُدْ . أصواتُ الرصاصِ والمَدافعِ
تَقْتربُ شيئًا فَشيئًا ، كأنَّها جُزْء مِنْ تَنَفُّسِ المَدينة. في الزاويةِ
الأُخْرى، كانَ نديم يَحمِل جُرْحَ طِفْلٍ على صَدْرِه ، يُحاول أنْ يُوقف النزيفَ
بِيَدَيْن تَرتجفان . الدمُ سَاخِنٌ على جِلْدِه ، وَعَيْنَاه تَبْحثان عَنْ
عَلامات حَياةٍ في الطِّفْلِ ، في نَفَسِه ، في أيِّ شَيْء .
كُلُّ سَاعَةٍ كَالعُمْرِ ،
وكُلُّ يَوْمٍ كالسَّنَةِ . الناسُ يَمُوتون بِبُطْء ، لَيْسَ فَقَط بسببِ الرصاص
، بَلْ بسببِ الخَوْفِ والجُوعِ وفِقْدَانِ الأمان . الأسواقُ اختفتْ ، والمخابزُ
أُغْلِقَتْ ، والمُستشفياتُ لَمْ تَعُدْ قادرةً على استيعابِ الجَرْحَى .
المَدينةُ مِثْلُ طِفْلٍ صغير فَقَدَ وَالِدَيْه ، يَتَلَمَّسُ الجُدرانَ لِيَجِدَ
شيئًا يَحْمي مِنَ الألَمِ .
وَلَيْسَ بعيدًا ، كانَ عبد
الحميد يَكتُب في دَفْتَرٍ صغير ، يُحاول تَوثيقَ كُلِّ وُجوهِ المَوْتَى الذينَ
صَادَفَهُم . لَمْ يَكُنْ يُريد أنْ يَنسى أحَدًا . كُلُّ واحدٍ مِنهُم لَهُ
قِصَّة ، حُلْم ، رَغْبَة ، حَتَّى لَو انتهى عُمْرُه قَبْلَ أنْ تَكتمل .
وَرَغْمَ كُلِّ الألَمِ ، كانَ يَكتُب عَنْ لَحَظَاتٍ صغيرة مِنَ العَطْفِ : امرأة
أعْطَتْ آخِرَ رغيفِ خُبْزٍ لِطِفْلٍ جائعٍ ، رَجُل حَمَلَ جُثَّةَ جارته عَبْرَ
أنقاضِ مَبْنى ، طِفْل أخرجَ قِطَّةً مِنْ تحتِ الرُّكامِ لِيُطَمْئنها على الحياة
.
الحِصَارُ لَيْسَ حِصَارًا
جسديًّا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هُوَ حِصَار الرُّوح . ومعَ كُلِّ انفجارٍ ، وكُلِّ
صَرْخَةٍ، وكُلِّ فِقْدَان ، كانَ سُكَّانُ المَدينةِ يُحاولون أنْ يَتَشَبَّثُوا
ببقايا إنسانيتهم ، كما يَتَشَبَّث الغريقُ بِشَيْءٍ يَطْفُو على الماء . وبَينما
كانت الليالي أكثرَ ظُلْمَةً مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى ، بدأت المَدينةُ تَنبِض بأصواتِ
الذاكرة . قِصَصٌ صغيرةٌ عَن التَّمَسُّكِ بالحَياةِ الخاليةِ مِنَ الحَياةِ ،
عَنْ صُمودِ الناسِ في مُواجهةِ مَا يَفُوقُ الخَيَال، عَنْ ضَحِكَات الأطفال
الذينَ وَجَدُوا لَحْظَةَ فَرَحٍ وسط الرُّكَام .
صَفِيَّة ونديم وعبد الحميد ،
وكُلُّ مَنْ تَبَقَّى مِنَ المَدينة ، أصبحوا شَهاداتٍ حَيَّة على الألَمِ ،
لكنَّه ألَمٌ يَعِجُّ بالحياة . أدرَكوا أنَّ الأملَ لا يَمُوت رَغْمَ سُقوط
الآلاف . حتى وسط الخَرابِ ، يُمكِن أنْ يَكُون الحُبُّ والرَّحمةُ والذِّكْرَى
أجنحةً تَرْفعهم فَوْقَ الحُزْن .
المَدينةُ تَتَشَظَّى . كُلُّ زاويةٍ تَحمِل
قِصَّةً عَنْ سُقوطِ بَشَرٍ مَنْسِيِّين ، وكُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ تَرْوي لَحْظَةً
مِنْ لَحَظَاتِ الرُّعْب . الليلُ لَمْ يَعُدْ حاميًا ، بَلْ أصبحَ مِرْآةً
لِكُلِّ الجُروحِ ، لِكُلِّ الصَّرَخَاتِ التي لَمْ تَجِدْ مَنْ يَسْمعها .
في شارعٍ ضَيِّق ، جَلَسَ
حَسَن بجانبِ جُثَّةٍ صديقه . أصابعُ يَدِهِ ارتجفتْ وَهُوَ يُحاول أنْ يَلْتقط
صُورةً في ذلك اليَوْم ، صُورة سَتَبقى لِتُذكِّر الناسَ بأنَّهُم عاشوا ،
وأحَبُّوا . لَمْ يَكُنْ يُريدُ أنْ يَنسى أحَدٌ ، حتى لَوْ كانت الصُّوَرُ غارقةً
في الدِّمَاءِ ، وحتى لَوْ كانَ المَشْهَدُ غارقًا في الألَمِ .
صَفِيَّة لَمْ تَتَوَقَّفْ عَن البحثِ عَنْ
أخيها . تَتجاوز الأنقاضَ ، وَتَتسلَّل بَيْنَ المَباني المُدمَّرة ، تَسْمَع صَدى
أصواتِ الجُوعِ والخَوْفِ،وتُحاوِل أنْ تُمسِك بآخِرِ شُعاع مِنْ حَياةٍ الباقين
في المدينة. كُلُّ خُطْوَةٍ مَحفوفةٌ بالمَوْتِ ، لكنَّها تَتشبَّث بالأمَلِ
كَطِفْلٍ يَرفُض النَّوْمَ في ظَلام الليل الطويل .
في المَلْجَأ الصغيرِ تحت
الأرض ، كانَ الأطفالُ يَخْتبئون مِنْ أصواتِ القَصْف . يَرسُمون على الجُدرانِ
وُجوهًا مُبتسِمة ، ويُحاولون أنْ يَصنعوا عَالَمًا آخَر بعيدًا عَن الخَراب . ومعَ
كُلِّ رَسْمٍ ، كانَ هُناك ضَحِك ، وَلَوْ لَحْظة قصيرة ، يُشبِه الضَّوْءَ الذي
يَطرُق البابَ بعد العاصفة .
نديم ، الذي أصبحَ مُحَاطًا
بالجَرْحى والمَرْضى ، بدأ يَفْهَم أنَّ المُعَاناة لَيْسَتْ فَقَط في الألَمِ
الجسديِّ ، بَلْ في الشُّعورِ بالعَجْز ، وَفِقْدَانِ القُدرةِ على حِمايةِ
الآخَرين ، لكنَّه لَمْ يَسْتسلم . كُلُّ إصابةٍ جديدة كانتْ تَحَدِّيًا
لِصُمودِه،وكُلُّ طِفْلٍ أنقَذَه كانَ رِسالةً تَقُول : (( مَا زالتْ حَيَاةٌ هُنا
)).
في زَاوية مَنْسِيَّة مِنْ زَوايا المَدينة ،
جَلَسَ عبد الحميد يَكتُب عَن الأشخاصِ الذينَ لَمْ يَعُدْ لَهُمْ صَوْتٌ ،
والقِصَصِ التي لَنْ يَعْرِفَها أحدٌ إلا مِنْ خِلال كَلِماته . كَتَبَ عَنْ
رَجُلٍ فَقَدَ عائلته كُلَّها ، ولكنَّه جَلَسَ بجانبِ جُثثهم لِيَحْكِيَ لَهُم ،
كما لَوْ أنَّ الكلام يُمكِن أنْ يُعيد الرُّوحَ لَهُم ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ قصيرة
. المَدينةُ مَشْهَدٌ مِنَ الألَمِ ، لكنَّها أيضًا مَشْهَدٌ مِنَ الصُّمود . لَمْ
تَعُدْ مُجرَّد جُدران ، بَلْ أصبحتْ ذاكرةً جَمَاعِيَّةً لِكُلِّ مَنْ عاش ،
لِكُلِّ مَنْ رَحَلَ ، لِكُلِّ مَنْ أحَبَّ ، وَلَمْ يُعْطَ الفُرصة لِيَعيشَ
حُلْمَه الكامل. لَمَعَتْ شمسُ الصباحِ على بقايا شارعٍ مَهجور. شُعاعٌ صغيرٌ مِنَ
الضَّوْءِ اخترقَ الغُبارَ. لَمْ يَكُنْ مُجرَّد ضَوْء ، بَلْ كان رِسالة : (( حتى
في أكثر اللحَظَاتِ قَسْوَةً ، هُناك بَصِيص أمل ، وإمكانية للحياةِ أنْ تَسْتمر ،
حتى وسط الرُّكام )) .
في زُقَاقٍ مَهجورٍ في أحزانِ
المَدينة ، جلستْ عَدِيلة تَتحدَّث إلى صديقتها القديمة مِنْ خِلال نافذة مَكسورة
. أصواتُ الانفجاراتِ تَقْتَرِب ، لكنَّها حاولتْ أنْ تَجْعَلَ كَلِمَاتِها ناعمة
، كأنَّها تَعزِف لَحْنًا بعيدًا عَن الخَوْف .
(( أيْنَ سَنَجِدُ الطعامَ
اليَوْمَ ؟ ))، سَألَتْهَا الصَّدِيقة . صَوْتُها يَخْتنق بالخَوْف . ابتسمتْ
عَدِيلة ابتسامةً هَزيلة ، وقالتْ : (( سَنَجِدُ شيئًا ، دائمًا نَجِدُ شيئًا )).
حتى في اليأس ، هُناك تَصْميم على الاستمرارِ ، والعُثورِ على أيِّ شَيْء يُمكِن
أنْ يُبْقِيَهُم على قَيْدِ الحياة .
في أحدِ الأبنيةِ المُدمَّرة ،
كانَ يُوسُف يُحاول إشعالَ نار صغيرة لإعداد طعام شِبْه مَعْدوم . دُخَان خفيف
ارتفعَ بَيْنَ الأنقاض ، كأنَّه إشارة إلى الحياة وسط الصَّمْتِ المُرعِب . كُلُّ
حركةٍ مَحفوفةٌ بالمَخاطِر،وأيُّ صَوْتٍ يُمكِن أنْ يَجذِب الانفجارات، وأيَّة
خُطْوَةٍ خاطئةٍ قَدْ تَكُون الأخيرةَ.
في المَلْجَأ المُجاوِر ،
هُناك مَجموعة مِنَ الأطفالِ يَجلِسون حَوْلَ كِتابٍ مُهترِئ . لَمْ يَكُنْ هُناك
كَهْرباء ، ولا يُوجَد ضَوْء سِوى شُعاع الشمسِ الذي يَخْترق الجُدرانَ المُحطَّمة.
ومعَ ذلك ، كانوا يَقْرَؤُون ، وَيَحْلُمُون ، وَيَرْسُمون مُسْتَقْبَلًا بعيدًا
عن الحرب ، حتى لَوْ لَمْ يَعرفوا إنْ كان ذلك المُستقبَل سَيَأتي .
نديم وَصَفِيَّة وعبد الحميد
الآن كأسراب مِنَ الأملِ في المدينة . نديم يُدَاوي الجَرْحَى . صَفِيَّة تَبحث
عَنْ أيِّ أثَرٍ لعائلتها المفقودة . عبد الحميد يُوثِّق كُلَّ لَحْظَةٍ ، وكُلَّ
حَياةٍ ، وكُلَّ فِقْدَان . يَعْلَمُون أنَّ البقاء على قَيْدِ الحياة لَيْسَ
مُجرَّد مَسألة جَسَد ، بَلْ مَسألة رُوح ، مسألة أنْ لا يُمحَى أحد مِنْ ذاكرة
المدينة ، حتى لَوْ رَحَلَ عَن العَالَمِ .
في مَساءٍ آخَر ، جلستْ عَدِيلة
وَطِفْلٌ صغير بجانب نافذة مُحَطَّمة . نظرتْ إلى السماءِ ، وقالتْ: (( حتى لَوْ
لَمْ نَستطعْ رُؤيةَ النُّجومِ دائمًا ، فَهِيَ مَوْجودة )). الطِّفْلُ ابتسمَ،
وَهَمَسَ: (( هَلْ سَتَبقى مَوجودة لأجلي ؟ )) . ابتسمتْ عَدِيلة ، وَضَمَّت
الطِّفْلَ إلى صدرها ، قائلةً : (( نَعَم ، طَالَمَا نَحْنُ هُنا ، كُلُّ شَيْء
مَوجود )) .
المَدينةُ رَغْمَ الرُّكامِ
والدَّمارِ ، تَشتعلُ بالحياةِ في أصغرِ تفاصيلها : نَظْرة حُب ، ابتسامة ، يَد
تُمَدُّ لِمُساعدةِ آخَر، قِصَّة تُحكَى. المَدينةُ تَرفُض الاستسلامَ ، تمامًا
كما رَفَضَ سُكَّانُها الاستسلامَ، حتى في أحْلَكِ الليالي ، وحتى في أكثرِ
اللحَظَات قَسْوَةً .
في أحدِ الطوابقِ العُلْيا
لِمَبْنى مَهجور ، كانَ عادل يَكتُب رسائل صغيرة على قِطَع وَرَق مُمزَّقة ،
يَضَعُها في زَوايا المَبْنى على أمل أنْ يَصِلَ بَعْضُها إلى مَنْ يَعرِفهم.لَمْ
يَكُنْ مُتَأكِّدًا إنْ كانتْ سَتَصِلُ، لكنَّه أَحَسَّ بأنَّ الكَلِمات هِيَ آخِر
مَا يُمكِنه تقديمه للعَالَم ، شَهادة على حياته وخَوْفِه وأمَلِه .
في الشارعِ المُقابِل ، كانَ
بعضُ الشَّبابِ يَنْقُلُون الجَرْحَى إلى مَلْجَأ تحت الأرض . خُطُواتُهم مَحسوبةٌ
بِدِقَّةٍ وعِناية ، لأنَّها تحت الرَّصْدِ والمُراقَبة ، والخطأ الأوَّلُ قَدْ
يَكُون الخطأ الأخيرَ .
صَفِيَّة ، بعد يَوْمٍ طويل
مِنَ البحثِ، جلستْ على حَافَةِ نافذةٍ ، تَنظُر إلى المَدينةِ المُحترِقة ،
وَتَسْمَع أصوات انفجارات بعيدة . شعرتْ بِعَجْزٍ عميق ، لكنَّها تَذكَّرتْ
لَحَظَات صغيرة : ابتسامة طِفْل أنْقَذَتْه أمْس ، صوت ضَحِك سَمِعَتْهُ في
المَلْجَأ ، رغيف خُبْز تقاسمه يَتيمان . هذه اللحَظَات الصغيرة ، رَغْمَ قَسْوتها
، جَعَلَتْهَا تَسْتمر .
في أحدِ الأزِقَّة ، كانَ نديم
يُحاول ترتيبَ جَرْحَى مُتكدِّسين في زاويةٍ ضَيِّقَة . أحدُهم نَظَرَ إلَيْه
بِعَيْنَيْن يَمْلَؤُهُمَا الخَوْفُ،وقال: ((هَلْ سنموت هُنا ؟ )).ابتسمَ نديم،رَغْمَ
التعب، وقال : (( لا ، لَنْ نَفْقِدَ بَعْضَنا)).كانَ هذا أكثر مِنْ مُجرَّد
تَعْزية.إنَّه وَعْدٌ بأنَّ الإنسانية سَوْفَ تَستمر في قلبِ الدمار.
عبد الحميد ، الذي أصبحَ الآن
شَاهِدًا على كُلِّ شَيْء ، كَتَبَ عن الأشخاصِ الذينَ لَمْ يَعُدْ لَهُمْ صَوْتٌ
، عَن الضَّحايا الذينَ لَمْ يُدْفَنُوا ، عَنْ لَحَظَاتِ الشَّجَاعةِ الصغيرة :
امرأة تُرضِع طِفْلًا قُتِلَتْ أُمُّه ، رَجُل يُمزِّق ثِيَابَه كَيْ تَصِيرَ
قِطَعَ قُمَاشٍ لِتَضْمِيدِ جِرَاحِ المُصَابِين ، طِفْل يَسْبَحُ في الأنقاضِ
بِحْثًا عَنْ جُثَّةِ أبيه .
جَمَعَ عبد الحميد كُلَّ
دفاتره، وبدأ بتحويلها إلى كِتابٍ صغير يُوثِّق الحِكايات ، لَيْسَ فَقَط عَن
المَوْتِ والخَسارة، بَلْ عَن الإنسانية في أقصى الظُّروف، والتَّضحيةِ في أصعبِ
المَواقِف ، وشَجاعةِ الأطفالِ في الأحلامِ المُلَوَّثَةِ بالرَّصَاصِ والبارود ،
وَلَحَظَاتِ العَطْفِ الصغيرة التي لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها أحد . كانَ يَعْلَمُ
أنَّ هذه الكَلِمات سَتَبقى حَيَّةً ، وَسَتَكُون صَوْتَ المَدينةِ في عَالَمِ
الصَّمْت .
97
في قلبِ البَلْقَان ، حَيْثُ
تَنساب الأنهارُ بَيْنَ الجِبالِ ، وتَخْتبئ الأزِقَّةُ القديمةُ بَيْنَ ظِلالِ
التاريخ ، كانتْ سَراييفو مَدينةَ الحَياةِ والذكرياتِ والحِكايات ، مَدينة
الأرواحِ المُتشابِكة التي حَمَلَتْ على عاتقها عَبَقَ الثَّقَافاتِ المُتعددة .
المَسَاجِدُ والكَنائسُ تَشْهَد على مِئات السِّنين مِنَ الاختلاطِ الإنسانيِّ
والتعايشِ الذي نَدَرَ أنْ يُوجَد في مكانٍ آخَر .
الحربُ لا تَكْتفي بتفكيكِ
الجُيوشِ والحُدودِ ، بَلْ تَمْتَد إلى الأرواحِ والأجسامِ ، إلى الحِجارةِ
والمَكتبات ، إلى كُلِّ ما له صِلَة بالحياةِ المُستقرةِ والجَمَالِ الذي يُعانِق
العُيونَ قَبْلَ القُلوبِ .
الحِصَارُ الذي استمرَّ سنوات
طويلة لَمْ يَتْرُكْ للمَدينةِ سِوى صَدى القذائف ، وَرُكَامِ البُيُوتِ ،
وذِكرياتٍ تَتطاير كَرَمَادٍ في الرِّيح . الأسواقُ التي كانتْ تَمْتلئ بألوانِ
التوابلِ والأصواتِ ، والمَسارحُ التي كانتْ تَتَنَفَّس المسرحياتِ والشِّعْر
والمُوسيقى ، صارتْ حُطَامًا وَصَمْتًا يَئِنُّ تحت وَطأةِ الخَرابِ الشامل .
تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الشوارعِ
، وتَبَدَّلَتْ ألوانُها . سُكَّانُها الذينَ عاشوا على تفاهُمٍ وحِوارٍ طويل ،
وَجَدُوا أنفُسَهم مُضْطَرِّين للفِرَار ، يَخْتبئون بَيْنَ الحُدودِ ،
وَيَخْتصرون أحلامَهم في حَقيبةٍ صغيرة ، تاركين وَراءهم البُيُوتَ والمَبَاني
التي كانتْ تَحْكي قِصَصَ الأجيال ، والأشجارَ التي شَهِدَتْ أفراحَ الأطفالِ
وأحزانَهم ، والأسواقَ التي رَوَتْ أحاديثَ العُشَّاقِ والبَاعَةِ عَلى حَدٍّ
سَوَاء .
لَمْ يَكُن التغييرُ في
الحَجَرِ فَحَسْب ، بَلْ في الرُّوحِ أيضًا . مَنْ بَقِيَ في المَدينةِ أَحَسَّ
بالفَراغِ الثَّقَافيِّ والوُجوديِّ ، وكأنَّ الحِصَارَ لَمْ يُدَمِّر المَدينةَ
فَقَط ، بَلْ دَمَّرَ أيضًا قَلْبَها وَرُوحَها ، وجَعَلَهَا تَحْيا في حالة
انتظار دائم ، انتظار السلام الذي كانَ يَبْدُو بعيدًا كالنجمِ البعيد في السماء .
وحتى بعد انقضاءِ الحِصَارِ ،
بَقِيَتْ سَراييفو مَدينةً مُشوَّهة ، مَدينة تُحاول إعادةَ ترتيبِ نَفْسِها
بَيْنَ رُكَامِ الذكرياتِ وَنُدُوبِ القُلوبِ ، مَدينة تَستعيد هُوِيَّتَها شيئًا
فَشيئًا ، لكنْ بقلبٍ يَتعلَّم مِنْ جديد كَيْفَ يَثِقُ بأحلامِ الزمن .
تدميرُ المَعَالِمِ الثقافية وتَغْيير
التَّركيبة السُّكَّانية لَمْ يَكُنْ مُجرَّد خَسارة ماديَّة ، بَلْ هُوَ جُرْحٌ
عميق في الذاكرةِ الجَمَاعِيَّةِ ، في سَرْدِ المدينة ، في قُدرةِ الأجيالِ
الجديدة على لَمْسِ تاريخهم وَفَهْمِه . ولكنْ رَغْمَ كُلِّ الخرابِ ، تَبقى
الحِكاياتُ الحَيَّةُ في قُلوبِ مَنْ عاشوا ، وفي دَفاترِ الشُّعَراءِ
والفَنَّانين ، وفي كُلِّ حَجَرٍ صامدٍ لَمْ يَتساقطْ ، وكأنَّها تقول للعَالَمِ :
(( لَقَدْ حاولتُم أنْ تَمْحُونا ، لكنَّ رُوحَنا باقية هُنا ، تَتَنَفَّسُ مِنْ
جديد )) .
الأنهارُ تُعانِق المَدينةَ
بِرِفْقٍ ، والشوارعُ القديمةُ تَتَنَفَّسُ تاريخًا طويلًا مِنَ الحِكايات . كُلُّ
زاويةٍ تَحْمِلُ صَوْتَ ضِحْكة طِفْل ، وكُلُّ بابٍ يَرْوي سِرَّ عائلةٍ عاشتْ على
حُبِّها للحياة . المَدينةُ لَوْحَةٌ حَيَّة مليئة بالألوانِ والأنغام ، حَيْثُ
تَتشابك الثَّقَافاتُ كما تَتشابك خُيوطُ قَوْسِ قُزَح بعد المطر .
جاءَ الصَّمْتُ ، صمتٌ ثقيل
مَشُوب بالرُّكامِ والأنقاضِ والرَّمَادِ والغُبار . تَحَوَّلَت الأسواقُ إلى
مَساحاتٍ خاوية ، والمَسارحُ إلى جُدران صامتة تَئِنُّ تحت وَطأةِ الذكرياتِ .
كُلُّ حَجَرٍ في المَدينةِ صارَ شَاهِدًا على فِقْدان لا يُمكِن حَصْرُه ، وكُلُّ
نافذةٍ تُطِلُّ على حُلْمٍ لَمْ يَعُدْ مَوجودًا . لَمْ يَكُنْ مُجرَّد الحَجَر
مَنْ تَضَرَّرَ ، بَلْ كانت الرُّوحُ نَفْسُها تُسحَق ، وَتَنفصل المَدينةُ عَنْ
أنفاسِها وتاريخِها وَنَفْسِها . السُّكَّانُ الذينَ عاشوا على نَبْضِ المدينة،
وَجَدُوا أنفسَهم يَرحَلون ، وَيَختصرون حياتَهم في حقائب صغيرة ، تاركين وَراءهم
أزِقَّة عَرَفَتْهَا خُطُواتُ أجدادهم ، وأسواقًا احتضنتْ أحاديثَهم وأحلامَهم .
أُولئكَ الذينَ بَقُوا ، عاشوا وسط فَرَاغ لا يَمتلئ ، وسط صَمَت يَصْرُخ في
آذانهم ، وسط مكان يُحاول أنْ يَتذكَّر نَفْسَه بَينما تَتلاشى مَلامِحُه أمامَ
العُيونِ الحزينة .
تَغَيَّرَت المَدينةُ كما
يَتغيَّر وجهُ الإنسانِ بعد عاصفةٍ طويلة . أصبحَ كُلُّ شارعٍ يَحمِل نَدْبَةً ،
وأصبحَ كُلُّ حَجَرٍ يَحْكي قِصَّةَ الخَسارة . لكنْ بَيْنَ الرُّكام ، وَبَيْنَ
الصَّمْتِ ، وَبَيْنَ الظِّلالِ ، هُناك حَياةٌ تُحاول أنْ تَنْهَضَ ، وأملٌ
يَرفُض الرحيلَ ، وذِكرياتٌ لا تَمُوت. المَدينةُ تُعلِّم نَفْسَها مِنْ جَديدٍ،
وَتَتعلَّم كَيْفَ تَتَنَفَّس ، وكَيْفَ تَحْتفظ بذكرياتها رَغْمَ كُلِّ شَيْء .
لَمْ يُدَمَّرْ الحَجَرُ
وَحْدَه ، بَلْ تَمَّ اختبارُ القُدرة على التَّذكُّرِ ، والاستمرارِ ، والحُبِّ ،
رَغْمَ الخَسارة . المَدينة لَمْ تَندثر ، بَلْ صارتْ أكثرَ صِدْقًا ، وأكثرَ
قُدرةً على أنَّ تَحْكي للعَالَمِ عَن الصُّمود ، عَنْ ذاكرةٍ لا يُمكِن مَحْوُها
، عَنْ أرواحٍ لا تَعرِف الانكسارَ .
أنا المدينةُ القتيلة، كُنْتُ
قلبًا نابضًا، وَجِسْرًا بَيْنَ الأزمنة، وساحةً لِكُلِّ أصواتِ الحياة . أحتضنُ
خُطُواتِ الأطفالِ وَضَحِكَاتِ العاشقين ، وأُخْفِي في طُرُقاتِ أحزاني أسرارَ
أجيالٍ مَرَّتْ عَلَيَّ .
جاءَ الصَّمْتُ ، صمتٌ
يَنْهَشُ حَوَاسِّي ، ويُحرِق ألواني ، ويَمْحُو وُجوهَ مَنْ أحَبُّوني . شوارعي
باتتْ خاويةً ، والمَزهريات صارتْ صَدى مُوحِشًا لرغبةٍ غامضةٍ في البقاء .
أُولئكَ الذينَ رَحَلُوا تَركوا خَلْفَهم حقائب صغيرةً ، وقُلوبًا مليئةً بالحنين
، وأنا بَقِيتُ أَعُدُّ أنفاسي بَيْنَ الأنقاضِ ، أُحَاوِلُ أنْ أستعيدَ نَفْسِي
مِنْ جَديد . كُلُّ حَجَرٍ فِيَّ يَبْكي ، وكُلُّ نافذةٍ تُذكِّرني بِمَا فَقَدْتُ
. ومعَ ذلك ، رَغْمَ كُلِّ الدَّمار ، هُناك نَبْضٌ خافتٌ ، وَصَوْتٌ صغيرٌ
بُصِرُّ على الحياة . أنا المدينةُ التي حاولوا أنْ يَمْحوها ، لكنَّها تُذكِّر
نَفْسَها ، وَتَسْتعيد ذِكْرياتها ، وَتَعْلَم أنَّ الذاكرة أقوى مِنْ أيِّ خَراب
، وأنَّ الرُّوح، مَهْما انهارتْ ، تَسْتطيع أن تَنهض ، وتُولَد مِنَ النِّهاية .
وكَبْشُ الفِدَاءِ يَعُودُ مِنْ حَافَةِ الهاوية.
أنا المدينةُ التي تَضحك
بألوانها ، وَتُغَنِّي بأزِقَّتِها ، وَتَتَنَفَّس بَيْنَ الحِجارةِ وأحلامِ مَنْ
ساروا فَوْقَها. كُنْتُ مأوى للخُطُواتِ الصغيرةِ ، وَلَحَظَاتِ العاشقين ،
وأسرارِ الأجيالِ التي تَركتْ بَصَمَاتِها على كُلِّ زاويةٍ وكُلِّ بابٍ . جاءَ
الخَرابُ . جاءَ النَّزيفُ العميقُ ، والألَمُ الثقيلُ ، المَمْلُوءُ بالغُبار ،
وَجَعَلَ أسواري تَبْكي ، وأشجاري تَنهار ، وأساطيري تَتَبَعْثَرُ كَرَمَادٍ في
الرِّيح . شوارعي لَمْ تَعُدْ تَعرِف خُطُواتِ مَنْ أحَبُّوني ، وأسواقي أصبحتْ
صَدى ، والمَسْرَحُ الذي كانَ يَضْحَكُ بالحياةِ صارَ مُجرَّد حائط صامت يَئِنُّ
تحت وزن الذكريات .
الذينَ رَحَلُوا أخذوا معهم
أصواتَهم ، وأحلامَهم ، وألوانَهم ، وتَركوني أَعُدُّ أنفاسي بَيْنَ الحُطَامِ .
كُلُّ حَجَرٍ فِيَّ يَصْرُخُ بِخَسارةٍ ، وكُلُّ نافذةٍ تَئِنُّ لِشَوْقٍ لَمْ
يَعُدْ يُسمَع . بَين الصمتِ والغُبارِ، يَنْبِضُ شَيْء صغير، يَرفُض
الانكسارَ.أنا المدينةُ التي حاولوا أنْ يَمْحوها ، لكنَّها لا تَمُوت. أستعيدُ نَفْسِي
بَيْنَ الأطلال ، وأتَعلَّم أنْ أنسى الخَرابَ ، ولا أنسى مَا كُنْتُ عَلَيْه .
أحتفظُ بالذاكرة رَغْمَ النُّعُوشِ المَنْسِيَّة . والرُّوحُ مَهما تَهَشَّمَتْ ،
تَسْتطيع أنْ تَنهَض مِنْ جَديدٍ ، وَتُغنِّي مَرَّةً أُخْرَى، وَلَوْ بصوتٍ خافتٍ
، عَن الحياةِ التي لا تَمُوت .
أنا المَدينةُ التي أحَبَّت
الحياة ، وَضَحِكَتْ بالألوانِ والأصواتِ . جاءَ الدمارُ ، وسكتتْ ضَحِكاتي ، وانهارتْ
أسواري ، وَتَحَطَّمَ كُلُّ مَا كانَ يَربِطُني بالأحياءِ . رَحَلُوا ، وأخذوا
أصواتَهم وأحلامَهم ، وتَركوني أَعُدُّ انكساراتي بَيْنَ الأنقاضِ . لكنْ رَغْمَ
الصمتِ والغُبارِ ، مَا زِلْتُ أتَنَفَّسُ . أحتفظُ بِذِكرياتي ، وأصرخُ بألَمي ،
وَأتَعَلَّم أنَّ الرُّوح لا تَمُوت ، وأنَّني ، مَهما تَهَشَّمْتُ ، سأنهضُ مِنْ
جَديدٍ . كُلَّ يَوْمٍ أذهبُ لزيارةِ قبري وأعُود . لا تَحْزَنْ عَلَيَّ ،
سَأعُودُ بَعْدَ مَوْتي .
أنا المَدينةُ التي كانتْ
تَفِيضُ بالحياةِ ، حَيْثُ تَتشابك الألوانُ على الجُدران ، وَتُغَنِّي الأزِقَّةُ
بأصواتِ الأطفالِ والعاشقين . الآنَ ، كُلُّ شَيْءٍ مُحَطَّمٌ . الجُدرانُ
مُشَقَّقَة ، والنوافذُ مَكسورة ، والأسواقُ مَهْجورة ، والأبوابُ صامتةٌ كَجُثَثٍ
نائمةٍ تحت غُبارِ تاريخِ الرصاصِ وَجُغْرافيا البارود .
الشوارعُ مَليئةٌ بالأنقاضِ . كُلُّ
حَجَرٍ يَصْرُخُ بِخَسارة ، وكُلُّ زاويةٍ تَئِنُّ بألَمِ غِيابِ مَنْ رَحَلُوا .
الأشجارُ اقْتُلِعَتْ ، والمَقَاعِدُ تَهَشَّمَتْ ، والهواءُ ثقيلٌ برائحةِ
الخَرابِ والحَنين . لكنْ رَغْمَ كُلِّ الخَراب، هُناك نَبْضٌ خافت ، بَيْنَ
الغُبار ، بَيْنَ الرُّكام ، بَيْنَ الصمت . أتَنَفَّسُ ، وأحتفظُ بذاكرتي،
وأتَعَلَّم أنَّ الرُّوح ، مَهما انهارتْ ، تَسْتطيع أنْ تَنْهَض ، وَتُغَنِّي
مَرَّةً أُخْرَى ، وَلَوْ بِصَوْتٍ مُتَقَطِّع ، عَن الحَياةِ التي حاولوا
مَحْوَها .
98
في قلبِ أُوروبا ، كانتْ
سَراييفو تَتَنَفَّسُ تاريخًا عَتيقًا في كُلِّ زُقَاقٍ ، وكُلِّ بابٍ خشبيٍّ ،
يَئِنُّ مِنْ صَدى الزمن . المدينةُ التي شَهِدَتْ صَلَوَاتِ المَساجِد وأجراسَ
الكنائسِ ، وَنَقَشَ الحِرَفيون وُجوهَهم على أبوابِ الأسواقِ مُنذ قُرون ، كانتْ
مَلاذًا للثفافةِ والفَنِّ والتَّنَوُّعِ . أمَّا الآن ، فَقَدْ تَحَوَّلَ قلبُها
إلى لَوْحةِ حُطَامٍ ، يُغطِّيها غُبارُ الرصاصِ ، وَتَصْرُخ بَيْنَ جُدرانِها
الذكرياتُ المَفقودة .
جِهَاد يَقِفُ على أطلال مَا تَبَقَّى مِنَ
المَسرحِ الوطنيِّ ، يَنظُر إلى واجهته المُحطَّمة بِعَيْنَيْن جَافَّتَيْن مِنَ
الدَّمْع . كُلُّ حَجَرٍ يَسْرُد قِصَّةً ، وكُلُّ نافذةٍ مُحطَّمة هِيَ كِتاب
لَمْ يُقْرَأ بَعْد . (( كَمْ مِنْ أصواتٍ فَنِّية ، كَمْ مِنْ مُوسيقى واحتفالات
وصَرَخَات فَرَح ضاعتْ هُنا ؟ )) . تَمْتَمَ وَهُوَ يَجْمَع شظايا الزَّجَاج في
حقيبة بالية .
الحِصَارُ الذي فُرِضَ على
المَدينة ، جَعَلَ البَشَرَ أكثرَ هَشَاشةً مِنْ جُدرانِ المَبَاني . السُّكَّانُ
الذينَ بَقُوا يعيشون بَين القصفِ والجُوعِ والتَّشريد ، بَدَؤُوا يَخْتفون
بِبُطْء . هاجرَ بعضُهم إلى غربِ أُوروبا ، واختبأ آخَرُون في أقبيةٍ مُظلِمة
يَخْتنق فيها الهواءُ بالتُّرابِ . التَّغَيُّراتُ السُّكَّانيةُ مَلْموسةٌ ،
حَيْثُ اختفى الكثيرُ مِنْ جِيرانِ الأمسِ، وَحَلَّتْ مَحَلَّاتٌ خالية بَدَلَ
الحَوانيتِ التي كانتْ تَبيع كُتُبَ التاريخ ، والمُوسيقى التقليدية .
في أحدِ الأيام ، وَبَينما
كانَ جِهَاد يَمْشي على الجِسْرِ اللاتيني في سَراييفو ، لاحظَ وُجوهًا غريبةً
تَتجوَّل في أزِقَّةِ المدينة. وُجوه لَمْ يَعرِفها مِنْ قَبْل . الأطفالُ الذينَ
كانوا يَلْعبون في الساحات القديمة أصبحوا نادرين ، والأصواتُ المألوفة للمَدينةِ
تَتلاشى شيئًا فشيئًا . الحِصَارُ لَمْ يُدَمِّر الحَجَرَ فَحَسْب ، بَلْ هَدَمَ
الأرواحَ ، وأعادَ تَوزيعَ الناسِ كَقِطَعِ شِطْرَنْج على رُقْعةِ العَالَمِ .
هُناك لَمَحَاتٌ مِنَ الحياةِ تَصْمُد بَيْنَ
الرُّكامِ الجارحِ والأنقاضِ الوَهَّاجة : امرأة عَجُوز تَزرَع الزُّهورَ في حديقة
صغيرة بَيْنَ الحُطَامِ . مَجموعة شباب يَعزِفون على آلاتٍ مُوسيقية صَدِئة أمام
مَا تَبَقَّى مِنَ المَكتبةِ الوطنية ، يُحاولون الحِفاظَ على مَا تَبَقَّى مِنْ
هُوِيَّةِ المدينة . هذه اللحَظَات الصغيرة هِيَ نُورٌ خافتٌ ، تُذكِّر سُكَّانَ
سَراييفو بأنَّ المدينة لَيْسَتْ مُجرَّد حِجارة وجُدران ، بَلْ رُوح تَتشبَّث
بالحياةِ رَغْمَ الخَراب .
بَيْنَ الحَنينِ إلى الماضي
والرَّهْبةِ مِنَ المُستقبَل ، كانَ جِهاد يَشعُر بِثِقَلِ المسؤولية ، كأنَّه
حَامِلٌ لِشَهادةِ المَدينة . قَرَّرَ أنْ يُوثِّق مَا تَبَقَّى ، لَيْسَ فَقَط
مِنَ المَباني ، بَلْ مِنَ الذاكرةِ الجَمَاعِيَّةِ للناس ، مِنْ قِصَصِهم الصغيرة
التي تَعكِس صُمودَ الإنسانية في قلبِ الحربِ الطاحنة .
في هذه المَدينة ، حَيْثُ
اختلطَ الحُطَامُ بالذكريات ، أصبحَ الصَّمْتُ هُوَ اللغةَ الأكثرَ صِدْقًا ،
والخَرابُ هُوَ اللوحة التي يَرْوي بها التاريخُ فُصولًا لَمْ تُكْتَبْ في
الكُتُبِ بَعْد .
جِهاد لَمْ يَعُدْ وَحْدَه
بَيْنَ حُطَامِ الرُّوحِ وَرُكَامِ الجسد . بدأ يَتعلَّم لُغَةَ المَدينةِ الجديدة
التي فرضها الحِصَار : لُغَة الصمت بَيْنَ المَباني المُحطَّمة ، ولُغَة
النَّظَرَات بَيْنَ المَارِّين في الأزِقَّة . كانَ الأطفالُ قليلين، لكنَّ كُلَّ
طِفْلٍ يَحمِل معه قِصَّةً كاملة عن المدينة التي لَمْ يَعُدْ يَعرِفها . يَلْهُون
بألعاب قديمة صنعوها بأيديهم ، كَكُرَةٍ مِنْ وَرَقٍ قديم ، أوْ لُعْبة صغيرة مِنْ
قِطَعِ الخشب ، يُحاولون أنْ يُحافظوا على بَراءة غريبة وسط عَالَم مُحطَّم .
أمل فتاةٌ في السادسةِ عَشْرَة
مِنْ عُمْرِها ، تَجلِس كُلَّ يَوْمٍ على أطلال المَكتبة الوطنية ، تَقرأ مِنْ
كتاب وَجَدَتْهُ تحت الرُّكام . الصَّفَحَاتُ مُغَطَّاةٌ بالغُبار ، لكنَّها
احتفظتْ بِحُروفِها الصُّلْبة . بالنِّسْبةِ إلَيْها، كانَ كُلُّ سَطْرٍ يُشبِه
شِرْيان حياة في جسدِ المَدينةِ المُتعَب . جِهاد يُراقبها أحيانًا، وَيَتساءل:
كيف يُمكِن لِشَابَّةٍ أنْ تُبْقي قلبَها نابضًا في هَذا الدمارِ الشامل ؟ .
المَدينةُ تَغَيَّرَتْ . أماكن
كانتْ مألوفةً ، صارتْ غَريبةً ، وشوارع كانتْ تَمتلئ بالضَّحِكِ والحِكَاياتِ ، أصبحتْ
خاليةً مِنْ أيِّ صَوْتٍ سِوى الرِّيحِ العابرةِ بَيْنَ الأنقاض . السُّكَّانُ
الذينَ بَقُوا، أصبحوا مِثْلَ الأشباح، يَسِيرون بِسُرعةٍ عَبْرَ الأزِقَّةِ لِتَجَنُّبِ
القذائفِ،وَيَخْتبئون في الأقبيةِ المُتَّسِخَةِ، حَيْثُ الهواء ثقيل ،
والرُّطُوبة عالية .
في أحدِ الأيام ، وَبَينما
جِهاد وأمل يَجْمعان مَا تَبَقَّى مِنَ الكُتُبِ والمَخطوطاتِ القديمة ،
وَصَلَتْهُم أخبار عَنْ حَيٍّ آخَر في المَدينة ، حَيٍّ دُمِّرَ بالكامل ، وأهلُه
هَاجَروا أو اخْتَفَوْا . الأخبارُ تَصِلُ عَبْرَ الهَمَسَات أو الرسائل الصغيرة
التي تركها الناسُ على الأبواب . المَدينةُ التي كانتْ مَوْطِنًا لأجيالٍ مِنَ
التُّجَّارِ والفَنَّانين والكُتَّابِ ، بدأتْ تَتحوَّل إلى مَجموعة مِنَ الجُزُرِ
الصغيرةِ المُنعزلة ، كُلُّ جَزيرةٍ غارقةٌ في ضَجيج الحرب ، وَوَحيدةٌ في
صَمْتِها .
بدأ السُّكَّانُ يَجِدُون
طُرُقًا صغيرة للبقاء على قَيْدِ الحياة:حَديقة صغيرة على سَطْحِ مَبْنى مُنهار.
فِرْقَة مِنَ الشَّبَاب تَعزِف على آلاتٍ قديمة نِصْف مُدمَّرة . طَبَّاخ يُقَدِّم
وَجَبَات بسيطة على نار خافتة في الزُّقَاق . هذه اللحَظَات الصغيرة تُضِيف إلى المَدينةِ
رُوحًا لَمْ يَتَمَكَّن القَصْفُ مِنْ مَحْوُها.
جِهاد بدأ يُسجِّل كُلَّ شَيْء
: الوُجوه ، المَبَاني ، القِصَص اليومية ، وحتى الأشياء البسيطة مِثْل صَوْت
خُطُوات على الرصيف، أو انعكاس الضَّوْء على نافذةٍ مكسورة. يَعرِف أنَّ الخَرابَ
سَيَنْتهي ، وأنَّ الوقت سَيُغيِّر كُلَّ شَيْء ، لكنْ مَا يُسجِّله سَيَكُون
شَاهِدًا على المَدينةِ التي قاومتْ .
أصبحَ جِهاد وأمل جُزْءًا مِنْ
شَبَكَةٍ صغيرة مِنَ الناجين ، كُلُّ واحدٍ مِنهُم يَحمِل قِصَّةً عَنْ مَنْ
فُقِدَ وَمَنْ بَقِيَ . يَلْتَقُون في زُقَاقٍ ضَيِّق خَلْفَ مَا تَبَقَّى مِنْ
سُوقِ المَدينة القديمة ، يتبادلون الطعامَ والماءَ والأخبارَ . أصبحَ كُلُّ شَيْء
ثمينًا : قِطْعة خُبْز ، كِتاب قديم ، أوْ حتى لَحْظة صَمْت معَ شخصٍ يَفْهمك دُون
كَلِمات .
في أحدِ الأحياءِ ، لاحظَ جِهاد
تَغَيُّرًا مأساويًّا في السُّكَّان. عائلات كانتْ كبيرةً ومُتماسكة ، تَقَلَّصَتْ
إلى أفراد مَعْدودين، وجِيران الأمسِ صاروا غُرَباء. بعضُ البُيُوتِ التي كانتْ
تَمتلئ بالحياة، تَحَوَّلَتْ إلى خَرائب مُوحِشة ، والنوافذ المُحطَّمة باتتْ
كالعُيونِ الفارغةِ التي تُراقِب كُلَّ مَنْ يَمُرُّ .
الأطفالُ يُحاولون أنْ
يَحْتفظوا ببعضٍ مِنْ حياتهم الطبيعية . يَركُضون بَيْنَ الحُطَام ، ويَلْعبون
كأنَّ الحرب مُجرَّد لُعْبة كبيرة، ويَضْحكون بِبَراءةٍ تَبْدو غريبةً في قلبِ
الخَراب. أمل تُراقبهم أحيانًا. تَشعُر بِمَزيجٍ مِنَ الحُزْنِ والحُلْمِ ، الحُزْن
على مَا فَقَدُوه ، والحُلْمِ بِحَياةٍ تُحاوِل أنْ تَجِدَ طريقَها الناعمَ في
قَلْبِ الجَحِيمِ .
99
لَسْتُ بَطَلًا ، وَلَسْتُ
مُقَاتِلًا . كُنْتُ ضعيفًا وعَاجِزًا وَهَشًّا ، كما لَوْ أنَّني خَيْطٌ رفيع تَشَبَّثَتْ
بِهِ الريحُ يَوْمًا ، وَتَرَكَتْهُ في فَراغٍ لا أعرفُ لَهُ جِهَة . حُزْني
صَقْرٌ تائهٌ في ضَبابِ الحَضَارَةِ الكَثيف .
جَئْتُ إلى البُوسنةِ لأنَّني
أردتُ أنْ أَهْرُبَ . لَمْ أَكُنْ أبْحَث عَن المَوْتِ ، لكنَّني لَمْ أَكُنْ
أخْشَاهُ أيضًا . الوَطَنُ ضَيِّقٌ ، الناسُ فيه لا يَعرِفُون اسْمِي ، والليلُ
أطْوَلُ مِنَ العُمْرِ نَفْسِه . عِشْتُ في زَريبةِ أبقارٍ في القَريةِ التي
مُحِيَتْ مِنَ الوُجود . لا أخ يَسألُني : (( أيْنَ كُنْتَ ؟ )) ، ولا أُخْت
تَترُك لِي قِطعة خُبْز مُخَبَّأة تحت الوِسَادة .
حِينَ سمعتُ عن الحربِ في
البُوسنةِ ، والقُرى المُحترقة ، والنِّسَاءِ المُغْتَصَبَاتِ ، والرجالِ
المذبوحين ، أحْسَسْتُ بِشَيء يَتحرَّك في داخلي . ظننتُ أنَّني سأجدُ شيئًا هُناك
، أيَّ شَيْء ، يَمْنحني مَعْنى . سافرتُ كأنَّني أهْرُبُ مِنْ جَسَدي . حملتُ
بُندقيةً لا أعرِفُ كَيْفَ أستخدمها ، وانتهى بِيَ الأمرُ هُنا ، في سَراييفو
المَدينة المُحاصَرة .
الثلجُ يُغطِّي الجُثَثَ كما
يُغطِّي الأرصفةَ . لا أحد يَدفِن أحدًا بَعْدَ الآن . القَنَّاصُون لا يَمَلُّون
مِنْ صَيْدِ الناسِ . الخُبْزُ حُلْمٌ ، والماءُ مُعْجِزَةٌ . وفي الليلِ ، حِينَ
يَتَوَقَّفُ القَصْفُ قليلًا ، نَسْتطيع سَمَاعَ بَعْضِنا نَئِنُّ. لا أحد يَنام
فِعْلِيًّا، نحن فقط نغيب قليلًا، ثُمَّ نَعُود بِنَفْسِ التعبِ ، بِنَفْسِ
الجُوعِ.
لَمْ أَعُدْ أعرفُ كَمْ مَرَّ
مِنَ الوقتِ . تختلطُ الأيامُ معَ الشُّهورِ ، وَتَذُوب الشُّهورُ في السَّنَوَات
. لا مِرْآة هُنا ، لكنَّني أظُنُّ أنَّ وجهي صارَ يُشبِه الحائطَ ، تَشَقُّقَات ،
وَسَوَاد ، وَرُطُوبة باردة .
في البِداية ، كُنْتُ أكتبُ في
دَفْتري كُلَّ شَيْء : أسماء المَوْتى ، كَمْ طَلْقَة أُطْلِقَتْ ، كَمْ شَظِيَّة
التقطتُ مِنَ الأرضِ . الآن ، لَمْ أَعُدْ أكتبُ . الحُروفُ لا تَصِفُ رائحةَ
الحريقِ ، ولا نَظْرَةَ الطفلِ الذي ماتَ واقفًا .
كُنْتُ ضعيفًا، وما زِلْتُ
ضعيفًا ، لكنَّ شيئًا مَا تَغَيَّرَ . صارَ ضَعْفي سِكِّينًا صغيرة أقْطَعُ بِها
الليلَ. صارَ خَوْفي مِنَ الوَحْدَةِ رَفيقًا لا عَدُوًّا . تَعَلَّمْتُ أنْ
أتَنَفَّسَ بِبُطْءٍ كَيْ لا أستهلكَ مَا تَبَقَّى مِنَ الأمل، أنْ أُشاركَ نِصْفَ
رغيف خُبْزٍ معَ رَجُلٍ يُحْتَضَر ، أنْ أُدَفِّئ يَدَيَّ على نارٍ صغيرة مِنْ
صَفَحَات كِتاب لا أحد يَجْرُؤ على قِراءته .
في أحدِ الأيام ، وجدتُ
قِطَّةً صغيرة . كانتْ تَمُوء بِجُنون خَلْفَ مَبْنى مُهدَّم . حَمَلْتُهَا ،
وَوَضَعْتُهَا في مِعْطَفي. صارتْ تنامُ في صَدْري ، وتَوقِظني كُلَّمَا بدأ
القَصْفُ . لا أعرفُ كيف نَجَتْ، كما لا أعرفُ كيف نَجَوْتُ ، لكنَّها جَعَلَتْني أبكي.
جَعَلَتْني أتذكَّرُ أنَّ قَلْبي لَمْ يَمُتْ تَمامًا .
لا أمْلِكُ صُوَرًا مِنَ
الماضي . لا أحد يَتذكَّرني هُناك ، ولا أحد يَنْتظرني هُنا . لكنَّني أعيشُ
رَغْمَ كُلِّ شَيْء . أعيشُ لأنَّ هُناك ضَوْءًا صغيرًا في نِهايةِ المَمَرِّ،
لأنَّ القَنَّاصَ نَسِيَ أنْ يُطْلِقَ النارَ عَلَيَّ اليَوْمَ ، لأنَّ طِفْلًا
اقتسمَ مَعِي قِطْعَةَ تُفَّاحَةٍ .
سَراييفو لا تَرْحَمُ . وأنا ذلك الشاب العربي
الذي جاءَ بِلا ماضٍ ولا مُستقبَل ، صِرْتُ جُزْءًا مِنْ هذا الرماد . لَسْتُ
بَطَلًا ، لكنَّني لَمْ أهْرُبْ . بَقِيتُ ، وصارَ للوَحْشَةِ اسْمٌ : أنا .
البَرْدُ يَلْتهم أطرافي كما
تَلْتهم النِّيرانُ الحَطَبَ المُبلَّل ، بِبُطْءٍ ، بِعِنَادٍ ، بِلا رَحْمَةٍ .
الشِّتاءُ في سَراييفو لَيْسَ فصلًا ، بَلْ هُوَ كائنٌ حَيٌّ، يَنتظرني عِندَ
زاويةِ كُلِّ شارعٍ لِيَصْفَعَني بِيَدِهِ البَيْضَاء .
لَمْ أَعُدْ أذكُرُ مَتَى وَصَلْتُ
. التواريخُ لا تَعْني شيئًا هُنا . انكسرَ التاريخُ ، وتَحَطَّمَت الجُغرافيا ،
وَتَمَزَّقَت الخريطةُ ، وَسَقَطَت البُوصلة . نعيشُ بالأيامِ ، أوْ رُبَّما
بالساعات ، أوْ حتى باللُّقَيْمَات . هَلْ كانَ ذلك في صَيْفٍ بعيد أَمْ خَريفٍ
بعيد ؟ . لا أعْرِفُ ، ولا أُريدُ أنْ أعْرِفُ . كُنْتُ أرتدي سُتْرَةً بالية
اشتريتُها مِنْ سُوقٍ في مَكانٍ لا أذكُرُ اسْمَه . كانَ في جَيْبي وَرَقَة صغيرة
كَتَبَ لِي فِيها رَجُلٌ غريبٌ عُنوانًا ومَكانًا وَعِبَارة : (( سَتَجِدُ مَنْ
يُشْبِهُكَ هُناك )) . لكنَّني لَمْ أَجِدْ أحدًا يُشْبِهُني . لا في الوجوه ، ولا
في اللغة ، ولا حتى في النَّظَرَات . كانوا جميعًا مُنشغِلين بالمَوْت ، وأنا
كُنْتُ مُنشغِلًا بالخَوْفِ مِنْه . أتظاهرُ بالشَّجَاعةِ ، أُمْسِكُ البُندقيةَ
كما رَأيْتُهُم يَفْعلون ، لكنَّ أصابعي تَرتجف ، لا مِنَ البَرْدِ وَحْدَه ، بَلْ
مِنْ ذلك الشُّعورِ الدائمِ أنَّني ضَيْفٌ ثقيلٌ عَلى حَرْبٍ لا تَعْرِفُني .
أنا الغريبُ ، أنا ذلك العربي
النَّحيف الذي جاءَ مُتَأخِّرًا ، الذي يَلْتَفِت كثيرًا حِينَ يَمْشِي ، والذي لا
يَعرِف أسماءَ الشوارع ، ولا قوانين الحِصَار ، ولا طريقة تَحْمي صَدْرَه مِنَ
الشَّظَايا .
نِمْتُ في قَبْوِ مَدرسةٍ
مُحترِقة . كانَ مَعِي رَجُلان لا يَتحدَّثان كثيرًا ، يَتقاسمان صَمْتًا خَشِنًا
كَقُمَاشِ الخَيْشِ. أحدُهما فَقَدَ عَيْنَه ، والآخَرُ فَقَدَ ابنَه . لَمْ
يَسْألاني مَنْ أنا ، وَلَمْ أُخْبِرْهُما . هَذا النَّوْعُ مِنَ المَعَارِفِ لَمْ
يَعُدْ مُهِمًّا هُنا . في الصَّباحِ ، كانتْ هُناك رائحة حادَّة في الجَوِّ .
لَيْسَتْ رائحةَ مَوْتٍ ، بَلْ هُوَ شَيْء أقرب إلى الحديد . رائحة تُشبِه تِلْك
التي تَخرُج مِنَ اليَدِ إذا نَزَفَتْ قليلًا ، وَوَضَعْتَهَا قُرْبَ أنفِكَ. قالَ
أحدُ الرَّجُلَيْن : (( انفجرتْ قَذيفة في الشارعِ الخَلْفِيِّ )) . لَمْ
يَتَحَرَّكْ أحدٌ. لَمْ يُهْرَعْ أحد . صارَ القَصْفُ عادةً مِثَلَ المَطَرِ في
مُدُنٍ أُخْرَى .
مَشَيْتُ بَعْدَ الظُّهْرِ في
زُقَاقٍ ضَيِّق ، أبحثُ عَن رغيفِ خُبْزٍ . لا لآكُلَه وَحْدي ، بَلْ لأشعُر أنَّني
أفعلُ شيئًا يُشبِه الحياةَ . سمعتُ صَوتَ رَصَاصٍ في مَكانٍ مَا ، وَقَهْقَهَةً
بعيدةً لِرَجُلٍ لا أستطيعُ أنْ أراه . رُبَّما قَنَّاص ، رُبَّما مَجْنون . لا
فَرْق .
أوْقَفَني طِفْلٌ كانَ يَرتدي
مِعْطَفًا أحمر باهتًا ، وَعَيْنَاه واسعتان ، كأنَّهُما لَمْ تَتَعَلَّمَا كَيْفَ
تُغمِضان بَعْد . قالَ لِي بصوتٍ واهنٍ : (( أنتَ لَسْتَ مِنْ هُنا ، صحيح ؟ )) . هَزَزْتُ
رَأسِي بالمُوَافَقَةِ . ثُمَّ قال : (( يَعْني أنتَ أيضًا تنتظر أنْ تَنْتهي هذه
الحربُ )) . لَمْ أُجِبْ ، لأنَّني لا أعْرِفُ ، هَلْ أنتظرُ شيئًا ؟، هَلْ مَا
زِلْتُ أُؤْمِنُ بأنَّ هُناك نِهاية ؟ ، هَلْ يُوجَد وَطَنٌ ؟، هَلْ يُوجَد وَقْتٌ
آخَر يأتي بعد هذا الوقت ؟ .
حِينَ عُدْتُ إلى القَبْوِ ،
وَجَدْتُ الرَّجُلَيْن نائمَيْن. اقتربتُ مِنْ أحدِهما ، وتأكَّدْتُ أنَّه لا
يَتَنَفَّس. لَمْ أندهشْ . لَمْ أبْكِ . فقط جلستُ إلى جِواره ، وأخذتُ أحدَ
جواربه لأنَّه كانَ أثخنَ مِنْ جَوْربي . في مَكانٍ آخَر ، قَدْ يَكُون هَذا
التَّصَرُّفُ غَيْرَ أخلاقيٍّ . هُنا ؟ . هُنا هُوَ شكلٌ مِنْ أشكالِ النَّجَاة .
جلستُ قُرْبَه طَويلًا .
الجسدُ الذي كانَ مُنذُ ساعاتٍ يَضرِب الحطبَ بِبُندقيته كَيْ يُشعِل نارًا صغيرة
، صارَ الآن أكثرَ صمتًا مِنَ الجِدار . لَمْ يَكُنْ مَوْتًا مُفَاجِئًا ، كانَ
مَوْتًا يُشبِه النَّوْمَ الثقيل ، كأنَّ الجَسَدَ تَعِبَ مِنْ حَمْلِ نَفْسِه .
الرَّجُلُ الثاني لَمْ
يَتحرَّك . ظننتُ أوَّلَ الأمرِ أنَّه نائم ، ثُمَّ لاحظتُ عَيْنَيْه تُحدِّقان في
السَّقْفِ . لَيْسَ السَّقْفُ فِعْلِيًّا، بَلْ ذلك الفراغ الذي نُقِشَتْ عَلَيْه
ظِلالُ القذائفِ القديمة . قالَ بصوتٍ كأنَّما خَرَجَ مِنْ حَلْقِ حَجَرٍ : ((
اسْمُه فاضل ، كانَ يَضَعُ مِلْحًا في قَهْوته )) . لَمْ أُعلِّق . لَمْ أقُلْ له
إنَّ اسْمَه لَنْ يُغَيِّرَ شيئًا ، وإنَّنا جميعًا هُنا نَتحوَّل إلى أرقام أسرع
مِمَّا نَتَنَفَّس . لكنَّني تذكرتُ اسْمي فَجْأةً . شَيْء لَمْ أُفكِّر بِهِ مُنذ
أسابيع .نَطَقْتُهُ بصوتٍ خافتٍ ، وكأنَّه لا يَخُصُّني . ضَحِكَ الرَّجُلُ
الآخَرُ ضِحكةً قصيرةً وجَافَّة ، وقال : (( اسم جميل ، ولكنَّه غَيْرُ مُهِم )) .
نهضَ بعد قليل . سَحَبَ الجسدَ
بصمتٍ إلى الزاوية ، وغَطَّاه بِمِعْطَفٍ رمادي . لَمْ يَقُلْ : وداعًا . لَمْ
يُصَلِّ . لَمْ يَبْكِ . فقط جلسَ مِنْ جَديد ، وأخذَ قِطعةَ خُبْزٍ يابسٍ مِنْ
جَيْبِه ، كَسَرَها ، وأعطاني نِصْفَها . قُلْتُ لَه :
_ لَمْ تَسألني مِنْ أيْنَ
جِئْتُ .
_ وأنتَ لَمْ تَسألني لماذا
ابْني مات .
ثُمَّ ابتسمَ ، لأوَّلِ
مَرَّةٍ ، وأردفَ :
_ الأسئلة لا تُنقذك ،
الخُبْزُ يُنقذك ، النَّوْم ، الكَذِب على نَفْسِك ، ولكنْ لَيْسَ الأسئلة .
في الليالي التالية ، لَمْ
يَعُدْ يَتكلَّم كثيرًا . وأنا أيضًا ، تَعَلَّمْتُ كيف أكُون صامتًا دُون أنْ
أبْدُوَ غريبًا . كُنْتُ أُراقِب السَّقْفَ ، أَعُدُّ الشُّقُوقَ فيه ، وأتخيَّل
أنَّها طُرُقات نَحْوَ حَياةٍ أُخْرَى .
كُنْتُ أحيانًا أسمعُ أنينًا
قادمًا مِنَ الطابقِ العُلْوي ، وأتردَّد في الصُّعود . لكنَّ الصَوْتَ نَفْسَه
يَتردَّد، ويَخْتنق ، ثُمَّ يَخْتفي . كأنَّ المَدينة تَتَنَفَّس مِنْ خِلالِ
الجُدران ، وَتَئِنُّ فِينا لا حَوْلَنا .
في إحدى الليالي ، جاءَ
القَصْفُ أقربَ مِنَ المُعْتاد . سقطتْ قذيفة على مَبْنى مُجاوِر ، وتناثرَ
زُجَاجٌ وأحجارٌ في مَمَرِّنا.غَطَّاني الرَّجُلُ بجسده،رَغْمَ أنَّه لَمْ يَكُنْ
يَعرِفني،وَلَمْ أكُنْ أحدًا بالنِّسْبةِ إلَيْه.
عِندما استيقظتُ،وَجَدْتُ
وَجْهَه مُلَطَّخًا بالتُّرابِ والدَّمِ،لكنَّه حَيٌّ. قالَ بِهُدوء دُون أنْ
يَنظُر إلَيَّ: (( أنتَ أضعفُ مِنَ المَوْتِ بِسُهولة )) . شعرتُ بالخَجَلِ مِنْ
خَوْفي ، مِنْ جَسدي النحيل ، مِنْ عَيْنَيَّ المُرْتَعِشَتَيْن ، مِنْ حقيقة
أنَّني انتظرتُ الحِمايةَ . لكنَّه لَمْ يَسْخَرْ مِنِّي . عادَ إلى مَكانِه ،
وجلسَ يَشرَب الماءَ مِنْ زُجاجة بِلا غِطاء .
ذلك اليَوْم ، خرجتُ للمَرَّةِ
الأُولَى مُنذُ أُسْبُوعَيْن. كُنْتُ بِحاجةٍ إلى استنشاقِ الهَواء ، وَلَوْ كانَ
مُلَوَّثًا بالحريقِ والبارود . مَرَرْتُ بشارعٍ مَلِيء بالنوافذِ المُحطَّمة .
رَأيْتُ رَجُلًا يَحمِل مِرْآةً مَكسورةً ، يَسِيرُ بِحَذَرٍ كما لَوْ أنَّه
يَحمِل قَلْبَه . وفي الزُّقَاقِ نَفْسِه ، الْتَقَيْتُ بالطِّفْلِ مُجَدَّدًا .
كانَ جالسًا على دَرَجٍ ، يَحتضِن حَقيبة مَدرسية خَضْراء . قالَ لِي :
_ لَوْ كُنْتُ أمْلِكُ
بُندقيةً لَقَتَلْتُ القَنَّاصَ .
_ وَهَلْ تَعرِف شَكْلَه ؟ .
_ لا أعرفه ، لكنَّني أعرفُ ضِحْكَتَه
.
ثُمَّ سَكَتَ ، وأنا أيضًا ،
وَمَضَى كُلُّ واحدٍ في طريقه .
في المَساءِ ، عُدْتُ إلى
القَبْوِ ، وجلستُ بِقُرْبِ الرَّجُلِ الذي صارَ يَنام أكثرَ مِنَ اللازمِ .
سَألْتُه:
_ لماذا غَطَّيْتَني وَقْتَ
القَصْفِ ؟ .
_ لأنَّ واحدًا فِينا يجب أنْ
يَتذكَّر .
لَمْ أفْهَمْ تَمامًا ،
لكنَّني أحْسَسْتُ بِشَيْء يُشبِه الامتنانَ ، ذلك الإحساس الغريب الذي يأتيك
حِينَ لا تَملِك شيئًا ، ويُعْطيكَ أحدُهم شيئًا لا يُشترَى .
وقَبْلَ أن أنام ، كتبتُ على
الحائطِ بِخُنْصُرٍ مُتَّسِخ : (( اليَوْمَ مَرَّ ، وأنا أيضًا )) . مَرَّتْ أيامٌ
صعبة، يَختلِط فيها الصمتُ معَ صَوْتِ القصفِ في تناغُم مُريب . لَمْ أَعُدْ
أفْصِلُ بَيْنَ الليلِ والنهار، بَلْ كُنْتُ أحْسُبُ الوقتَ بِحَسَبِ عَدَدِ
الانفجاراتِ التي أسْمَعُها ، أوْ تِلْك التي لَمْ أسْمَعْهَا .
جاءَ رَجُلٌ جديد إلى القَبْو، لا يَبْدُو
كَجُنديٍّ ولا مُقَاتِل ، بَلْ أكثر شَبَهًا بسائرِ الرِّجالِ الذينَ رَأيْتُهُم
في المَدينة قبل أنْ تَتحوَّل إلى رماد. يَحمِل حقيبةَ ظَهْرٍ قديمة، وَيَبْدُو
عَلَيْهِ التَّعَبُ العميق .
وَقَفَ أمامَ الباب . نَظَرَ
إلَيْنَا بصمتٍ ، ثُمَّ قال بصوتٍ هادئ : (( اسْمِي عَمَّار ، جِئْتُ لأبحث عَنْ
إخْوَتي )) . لَمْ أُرِدْ أن أقول له إنَّني هُنا بِلا عائلة ، بِلا إخْوَة ، بِلا
اسْم . ظَلِلْتُ أُراقبه وأنا أسألُ نَفْسِي : (( ما الذي دَفَعَه للمَجِيء ؟ ، هَلْ
كانَ يَبْحَث عَنْ حَياةٍ أَمْ عَنْ مَوْتٍ ؟ )) .
عَمَّار كانَ مُختلِفًا . لا
يَتحدَّث كثيرًا ، لكنَّه يَملِك شيئًا في عَيْنَيْه لَمْ أعْرِفْه مِنْ قَبْل .
هَذا الشَّيْء لا يُشبِه الخَوْفَ ولا اليأسَ . يُشبِه شيئًا أقوى ، حتى وإنْ بدا
ضعيفًا مِنَ الخارج .
بدأتُ أتحدَّث معه أكثر .
يَستمع لِي وأنا أُخْبِره عَنْ حَياتي ، والطريقِ الذي أخذني إلى هُنا ،
واللحَظَاتِ التي شعرتُ فيها أنَّني مُجرَّد ظِل . قالَ لِي : (( كُلُّنَا ظِلال ،
لكنَّ الظِّلَّ هُوَ دليلٌ عَلى وُجودِنا )) . ضحكتُ ساخرًا ، لكنَّني لَمْ
أُخْبِرْه أنَّني لا أشعرُ بالوجودِ في هذا المكان .
في لَيلةٍ ما ، حِينَ كانَ
القَصْفُ أقَلَّ شَراسةً ، خَرَجْنا معًا خارجَ القَبْوِ . الجَوُّ ثقيلٌ برائحةِ
الرَّصَاصِ والدَّمِ ، لكنَّ النُّجوم كانتْ هُناك، كما لَوْ أنَّها تُراقبنا مِنْ
بعيد ، ولا تَعترِف بِما يَحْدُث لَنا.
جَلَسْنَا على رُكَامِ جِدَارٍ
مُهدَّم ، صَمَتْنَا طويلًا ، ثُمَّ قالَ :
_ أحيانًا ، أعتقدُ أنَّ الحِصَار
لا يَتعلَّق بالأسلحة ، بَلْ يَتعلَّق بالقُلوبِ التي تَتوقَّف عَن النَّبْض .
_ وأنتَ ماذا تَفْعَل ؟ .
ابتسمَ بِنِصْفِ وَجْهِه، وقال
:
_ أُحَاوِلُ أنْ أجعلَ قَلْبي
يَنبِض أكثر .
في تِلْك اللحظة ، أحْسَسْتُ
بِشَيْء غريب . لَمْ أكُنْ أعرفُ أنَّ صَوْتًا يُمكِن أنْ يَخرُج مِنْ شخصٍ مَا ،
في هذا الخراب ، ويُشعِل بداخلي شَرارةً صغيرةً مِنَ الأمل .
في القَبْوِ ، بَدَأنا نتشارك
الطعامَ والقِصَصَ . عَمَّار جعلني أكتبُ معه رسائل لأهله ، رسائل لا تُرسَل ،
لكنَّها تُخفِّف العِبْءَ . أخبرتُه عَن الطِّفْلِ ذِي المِعْطَف الأحمر ، عَن
الرَّجُلِ الذي فَقَدَ عَيْنَه ، عَن صَوْتِ القَصْفِ الذي لا يَنتهي. المَدينةُ
تَحترق ، ويَتلاشى الناسُ ، لكنَّنا مَا زِلْنا نُحاول أنْ نَكُون هُنا . رَغْمَ
كُلِّ شَيْء هُناك مَنْ لا يُريد أنْ يُنْسَى . أدركتُ أنَّ الحرب لَيْسَتْ فقط
خارج الجُدران، بَلْ داخلنا.الضَّعْفُ لَيْسَ نِهاية،والوَحْدةُ يُمكِن أنْ
تَتحوَّل إلى أمل،حتى في قلبِ الدَّمار . لَمْ يَعُد المَوْتُ غَريبًا . صارَ
جارًا يَطرُق البابَ كُلَّ يَوْمٍ ، يَطلُب دُخولًا ، ولا يَرْحَم مَنْ يَفْتَح له
.
في الصَّبَاح ، استيقظتُ على
صُراخٍ يأتي مِنَ الطابقِ العُلْوي . رَكَضْتُ بِلا وَعْي ، مَدفوعًا بِشَيْء لا
أعرفُ اسْمَه ، ووجدتُ الطِّفْلَ ذا المِعْطَفِ الأحمرِ واقفًا أمامَ بابٍ مُهشَّم
. عَيْنَاه لا تَسْتَوْعِبان مَا رآه لِلتَّوِّ . (( أُمِّي )) ، تَمْتَم بصوتٍ
مَكسور ، ثُمَّ انهارَ على الأرض .
لَمْ أعْرِفْ كَيْفَ أُوَاسي
طِفْلًا فَقَدَ كُلَّ شَيْء . لَمْ أجِدْ كَلِمات . في الحِصَار ، الكَلِمَاتُ
تَخْتنقُ أوَّلًا ، ثُمَّ الصَّمْت يَحُلُّ مَكانَها. عَمَّار جاءَ بِسُرعة.
حَمَلَ الطِّفْلَ بَيْنَ ذِرَاعَيْه ، وسارَ بِنا نَحْوَ القَبْوِ . هُناك ،
جَلَسْنَا معًا ، نَتشارك الألمَ الذي لا يُفَرِّق بَين صَغيرٍ وكبير .
في القَبْوِ، انتشرَ خَبَرُ
سُقوطِ الأُمِّ . الأطفالُ الذينَ بَقُوا ، صاروا أشباحًا تَتجوَّل بِلا هَدَفٍ ،
يَلْتقطون نَظَرَاتِنا وكأنَّنا أهلُ كَوكبٍ مُختلِف. تساءلتُ: كَيْفَ يَستمر الإنسانُ
حِينَ يَفْقِد كُلَّ شَيْء ؟، كَيْفَ تَستمر الرُّوحُ التي لا تَرى سِوى الجُدرانِ
المُحطَّمة ؟ .
في إحدى الليالي ، جلستُ
وَحْدي خارجَ القَبْوِ . الهواءُ باردٌ ، لكنَّ الفراغَ الذي خَلَّفَتْهُ تِلْكَ
الخَسَارة كانَ أكثرَ بُرودةً . نظرتُ إلى السماءِ لا النُّجُوم ، سُحُب ثقيلة
تُغَطِّي كُلَّ شَيْء .
عَمَّار جَلَسَ بِجَانِبي ،
وقال :
_ الفَقْدُ مِثْلُ حَجَرٍ في
الحقيبة ، لا يُمكِنك أنْ تَرْمِيَه ، ولا أنْ تَحمِله بِلا ألَمٍ .
ابتسمتُ رَغْمَ كُلِّ شَيْء ،
وأجبتُ :
_ رُبَّما عَلَيْنا أنْ
نَتعلَّم كيف نَمْشي معَ هَذا الحَجَرِ ، ولا نُحاول التَّخَلُّصَ مِنْه .
تَغَيَّرَ شَيْءٌ في داخلي بعد
ذلك اليَوْم . لَمْ أعُدْ أهْرُبُ مِنْ وَجْهي ، ولا مِنَ الخَوْفِ . تَعَلَّمْتُ
أنْ أحتضنَ الألمَ كَجُزْء مِنِّي، كَجُزْء مِنْ هَذا الحِصَار الذي لَمْ يَنْتَهِ
بَعْد .
بدأتُ أكتبُ رسائل جديدة ، هذه
المَرَّة لَيْسَ لأحَدٍ ، بَلْ لِنَفْسِي ، أُعلِّقها على جُدرانِ القَبْوِ ،
أقْرَؤُها حِينَ يَحُلُّ الظلامُ ، كَيْ أذكُرَ أنَّني مَا زِلْتُ هُنا ، مَا
زِلْتُ قادرًا على الكلامِ والبقاء .
مَرَّت الأيامُ الثقيلة ،
وصارَ القَبْوُ بَيْتًا مُؤقَّتًا لِقِصَصٍ لا تَنتهي ، لأحزانٍ تتناثر كرمادٍ تحت
أقدامِنا . كُنْتُ أُتابع " عَمَّار " وَهُوَ يَكْتُب ، ويَقْرَأ ،
وَيُحدِّثني عن أحلامِه البعيدة التي لَمْ تَعُدْ تَبْدُو مُستحيلة ، رَغْمَ كُلِّ
الخَراب. في تِلْك الليلة ، كانَ الهُدوءُ غريبًا ، كأنَّه يُشبِه سُكونَ قَبْضَةٍ
مَشدودةٍ قَبْلَ أنْ تُطْلَقَ . لَمْ يَكُنْ هُناك صَوْتُ انفجارٍ ، ولا هَمْسٌ ،
ولا حتى خُطُوات .
جلستُ وحيدًا ، أُراقِب
الضَّوْءَ الخافتَ الذي يَتسلَّل مِنْ فُتْحَةٍ صغيرة في السَّقْف . أحْسَسْتُ
بِشَيْء يَتغيَّر في داخلي ، كأنَّ الصَّمْتَ نَفْسَه صارَ ثقيلًا جِدًّا .
عَمَّار نَظَرَ إلَيَّ بِهُدوء
، وقال :
_ أحيانًا ، الصَّمْتُ هُوَ
أقوى مَا نَملِك .
_ هَلْ هَذا يَعْني أنَّنا
نَسْتَسْلِم ؟ .
_ لا ، الصَّمْتُ هُوَ
الاستماع لِمَا لا نَرَاه . هُوَ انتظار اللحظة التي نُقَرِّرُ فِيها أنْ نَقِفَ
مُجَدَّدًا .
كانتْ كَلِمَات بسيطة ،
لكنَّها حَقَنَتْ رُوحِي بأملٍ لَمْ أشعُرْ بِهِ مُنذُ زمنٍ طويل .
في اليَوْمِ التالي ، خَرَجْنا
معًا نَحْوَ أحدِ الشوارعِ التي كانتْ تَبْدو مَهجورةً . الهواءُ باردٌ ، لكنَّه
مُختلِف. بَدَا وكأنَّه يَحمِل وعدًا خافتًا بأنَّ الأمور قَدْ تَتغيَّر .
مَرَرْنا بَيْنَ الأنقاضِ ، وَرَأيْتُ وُجوهًا جديدة ، وُجوهًا لَمْ أعُدْ
أُميِّزها بَيْنَ الوُجوهِ القديمة . بعضُهم يَحمِلون أشياء صغيرة ، تَذكارات ،
أوْ رُبَّما بقايا حياة لَمْ تَمُتْ بَعْد . وقفتُ أمامَ جِدارٍ مَكسور ،
وَرَأيْتُ رسالةً مَكتوبة بِخَطٍّ غَيْرِ واضحٍ : (( لا تَنْسَ أنْ تعيش )) .
ابتسمتُ ، وكتبتُ تحتها : (( سَأُحَاوِل )) .
في ذلك القَبْوِ ، حَيْثُ اختلطَ
صوتُ الأنفاسِ الأخيرةِ بِوَقْعِ الأقدامِ المُتعَبة ، بدأتُ أسمعُ هَمَسَات لا
تُرى . جُدران تِلْك الزاوية المُظلِمة لَمْ تَكُنْ فَقَط حِجارةً وخَرَسَانة ،
أصبحتْ حاملةً لأسرارٍ وَقِصَصٍ لا تُحصَى . الليالي طويلة وثقيلة ، وفيها
تَتغيَّر الوُجوه ، وَيَتَحَوَّل الرِّجالُ إلى ظِلالٍ مُشوَّهة مِنَ الألَمِ
والخَوْفِ . بدأتُ أشعرُ بِقَبْضَةِ الحربِ على صَدْري ، لَيْسَتْ فَقَط مِنَ
البَرْدِ والجُوعِ ، بَلْ مِنْ داخلِ نَفْسي .
راقبتُ "عَمَّار".
كيفَ تَحَوَّلَ صَمْتُه إلى غُصَّة،وكيفَ صارَ جسدُه يَهْتَزُّ بَيْنَ الحِينِ
والآخَر، كما لَوْ أنَّ الجُدْران تَخْنُقُه بصمتها الطويل . في إحدى الليالي ،
رَأيْتُهُ يَتحدَّث إلى الهَواء بكلمات لا تَصِلُني ، وكأنَّها رصاصة يُطْلقها على
الظلامِ نَفْسِه . أحْسَسْتُ أنَّني أفْقِدُ نَفْسِي أيضًا . في داخلي شَيْءٌ
يَصْرُخ بِلا صَوْتٍ ، يَدْفَعُني لأنْ أكُونَ أكثرَ قَسْوَةً ، وأكثرَ عُدوانيةً
، حتى لا أظْهَرَ ضعيفًا .
ذات مَساء ، عَثَرْتُ على
رسالةٍ مَرسومةٍ بِحِبْرٍ أحمر . كانتْ رسالة مِنْ رَجُل لا أعْرِفُه ، لكنَّ
كلماته كالسَّكَاكين: (( في هذا الحِصَار ، لا يَمُوت الجسدُ فَقَط ، بَلْ تَمُوت
الرُّوحُ قَبْلَه . كُنْ حَذِرًا ، لا تَدَعْهُم يَقْتلونكَ مِنَ الداخل )) . قرأتُ الرِّسالةَ مَرَّاتٍ عِدَّة ، والبَرْدُ
الذي يَمْلأ جسدي لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِ شِدَّةِ بُرودةِ الكلمات .
في يَوْمٍ آخَر ، بَيْنَما
كُنَّا نَجْمَع الماءَ مِنْ نُقْطةٍ مهجورة ، سمعتُ صُراخًا بعيدًا . اقْتَرَبْنَا
بِحَذَرٍ، وَوَجَدْنا رَجُلًا مَجنونًا يَركُض بِلا هدف ، وَيَصْرُخ بأسماء لا
يَفْهمها أحد ، وَيَضْرِب جُدرانًا وهمية ، وَيَبْصُق على الهواء . حَاوَلْنا
تَهْدئته ، لكنَّ غضبه كانَ عَدْوى تَسْري بَيْنَنا . أحْسَسْتُ بِيَدٍ تَرتطم
بِكَتِفي ، وَعَيْناه المُتعَبتان تُحدِّقان بِي بِشَيْءٍ لا أُريدُ رُؤيته :
انهيار .
في تِلْك اللحظة ، عرفتُ أنَّ
الحِصَار الحقيقيَّ لَيْسَ فقط حَوْلَ المدينة ، بَلْ داخِلنا نَحْن ، يَلْتهمنا
بِبُطْء ، وَيُحوِّلنا إلى أشباح قَبْلَ أنْ نُدفَن . عُدْتُ إلى القَبْوِ ،
وجلستُ وَحْدي ، وسألتُ عِظَامي المَنثورةَ كالبَنادقِ الصَّدِئة : (( هَلْ هَذه
هِيَ النِّهاية أَمْ بِداية حَرْب أُخْرَى في دَاخِلي ؟ )) .
لَمْ أجِدْ جَوابًا ، وإنَّما
وَجَدْتُ صَمْتًا يَنْهَشُني . أختنقُ داخلَ نَفْسِي ، كما لَوْ أنَّني أتَنَفَّسُ
دُخَانًا كثيفًا لا يَسْمَح للحَياةِ أنْ تَدخل رِئتي. الحِصَارُ لَيْسَ حَوْلَ
المَدينةِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا في قلبي ، في دُموعي التي لا تَظْهَر ، في
صَرَخَاتي التي لا تَخْرُج .
عَمَّار بدأ يَبتعد عَنِّي ،
كأنَّه يَخاف أنْ أتحوَّل إلى شخصٍ لا يَعرِفه . وجدتُ نَفْسِي أُقَاتِل صمتًا
جديدًا ، صمتًا أكثر خُطورة مِنَ الرَّصَاص .
في إحدى الليالي ، سمعتُ
صَوْتَ طَرْقٍ خافتٍ على بابِ القَبْوِ. فتحتُ بِبُطْء ، ووجدتُ امرأةً تُمسِك
طِفْلَها الصغير. وَجْهُها مُلطَّخ بالدَّمِ ، وَعَيْناها تَحمِلان مَا يُشبِه
الفَجيعةَ المُجمَّدة . دخلتْ، وجلستْ على الأرض. لَمْ تَتحدَّث ، لكنَّها قالتْ
كُلَّ شَيء بصمتها . المَرْأةُ وَصَمْتُها المُرِيع جَعَلاني أتذكَّر أنَّ الحياة
ما زالتْ مَوجودة رَغْمَ الأنقاضِ . بدأتُ أُلاحظ تفاصيل صغيرة : ابتسامة الطِّفْل
حِينَ يَلْعَب بِخُيوطِ الشَّمس التي تَدخُل مِنَ الشُّقُوق . صوتٌ خفيفٌ
لِحَفِيفِ وَرَقٍ في الزاوية . دَقَّات قلبٍ تُخطِئ نَغْمَةَ الحُزْنِ أحيانًا .
في القَبْوِ ، صِرْنا نُكوِّن
عائلةً مِنْ جُثَثٍ وأشباحٍ وَدُموعٍ لا تُرى . نَختبئ مِنَ القَصْفِ ، وَمِنْ
أنفُسِنا. الأيامُ تَمْضي، لكنْ في داخلي شَيْء يَنكسر شيئًا فَشيئًا. رَأيْتُ
" عَمَّار " يَصْرُخ بِلا صوت، ويَرسُم على الجُدران ، وَيَركُض في
الزُّقَاقِ كطائرٍ مُحاصَر .
في تِلْك اللحظة ، فهمتُ أنَّ
الجُنون لَيْسَ هُروبًا ، بَلْ مُواجَهة حادَّة معَ الحقيقة ، معَ كُلِّ مَا
نَخَاف أنْ نَراه . مَرَّتْ أسابيع على تِلْك اللحظة التي وَقَفَ فيها عَمَّار
يَصْرُخ في الزُّقَاقِ . بَدَا وكأنَّه خَرَجَ مِنَ الحِصَارِ جسدًا فارغًا ، بِلا
مَلامِح ، ولا هُوِيَّةٍ . فَقَط عِبْء الرُّوح الثقيلة التي لا تَسْتطيع الهُروبَ
مِنْ حَافَةِ الجُنون. نظرتُ إلَيْه وَهُوَ يَضرِب الجُدرانَ بِقَبْضته ، كأنَّما
يُحاول تَحطيمَ كُلِّ شَيْء حَوْلَه لِيُحرِّر نَفْسَه. لا أعرفُ إنْ كانَ يُحارِب
المَوْتَ أَمْ كانَ يُحاوِل أنْ يُبْقِيَ الحياة في جسده .
أردتُ أنْ أُساعده ، لكنَّني
لَمْ أكُنْ أعرفُ كَيْفَ. أحْسَسْتُ أنَّني أيضًا عَالِقٌ . لا أستطيعُ أنْ
أهْرُبَ مِنْ هذا المكانِ الذي أصبحَ لِي سِجْنًا دائمًا . لا أستطيعُ أنْ أَفِرَّ
مِنَ المَوْتِ الذي يُلاحقني كما لَوْ كانَ ظِلًّا لِوُجودي .
في الأيام التي تَلَتْ تِلْك
اللحظة ، رَأيتُ " عَمَّار " يُقَلِّل مِنَ الحديث . يَنكمِش أكثرَ في
نَفْسِه ، وكأنَّه يَزداد ضَياعًا ، لكنَّه لَمْ يَعُدْ وحيدًا . بَدَأ يَكتشف
أشخاصًا في المَدينةِ كانوا في البِداية لا يَختلفون عَنَّا : أشباح لا ملامح لها
، إلا أنَّ رِحْلتهم كانتْ تُشبِه الرِّحْلةَ التي نَحْنُ فيها ، بِلا هدفٍ ، ولا
غايةٍ ، إلا النَّجَاة مِنْ أنفُسِنا .
في صَباحِ أحَدِ الأيام ،
خرجتُ معَ عَمَّار لِنَجْلِبَ الماءَ . عَبَرْنا الجِسْرَ الذي بَدَأ يَتصدَّع ،
وَتَجَاوَزْنا الطريقَ الذي أصبحَ أكثرَ ضِيقًا معَ مُرورِ الوقت . ابتعدَ
القَصْفُ ، لكنَّنا نَعْلَم أنَّ هَذا الهُدوء لَيْسَ أكثر مِنْ خُدْعة ، وأنَّه
الهُدوء الذي يَسْبِقُ العاصفةَ .
في الطريقِ ، مَرَرْنا بجانبِ
مَنزلٍ قديم ، كانَ أحدُ الجُدرانِ قَد انهارَ ، وأصبحَ الآن مَكشوفًا للسَّماء .
فَجْأةً ، وقفَ عَمَّار أمامه . عَيْناه تَلْمَعان بِشَيْء مِنَ الذُّهُول .
_ أنا هُنا مِنْ قَبْل ... .
قالها بصوتٍ خافت ، كأنَّه
يَتحدَّث إلى نَفْسِه .
_ متى ؟ .
سَألْتُه . لكنَّني كُنْتُ
أعرفُ الإجابةَ في أعماقي .
قالَ وَهُوَ يَنظُر إلى الخراب
:
_ في الماضي ، قَبْل كُلِّ هذا
، قَبْل أنْ نُجبَر على أنْ نعيشَ بَيْنَ الجُدْران .
أحْسَسْتُ بِشَيْء غريب
يَمُرُّ في داخلي،كأنَّما هذا المكان،هذا الجِدار، يَحمِل شيئًا مِنْ ماضي عَمَّار.
كانَ لا يَزَال يعيشُ في الذكرى ، في اللحظةِ التي فَقَدَ فيها كُلَّ شَيْء.
والغِيابُ يُعيدُ نَفْسَه .
أصْبَحْنا نعيشُ على أطلالِ
الذاكرة ، نُحاول أنْ نُعيد تشكيلَ عَالَمٍ انتهى مُنذُ زَمَنٍ . أسيرُ وراء
عَمَّار في صَمْت ، وأُراقِب عَيْنَيْه الضائعتَيْن في الأُفُقِ ، بَينما هُوَ
يَتأمَّل كُلَّ شَيْء حَوْلَه ، كما لَوْ كانَ يَبحث عَن شَيء ضائع . بدأتُ أفهمُ
أنَّ الحِصار لَيْسَ مُجرَّد جُدران وأسلحة ، بَلْ هُوَ أيضًا غِياب ، غِياب عَن
المُستقبَلِ والحُبِّ والأملِ ، غِياب عَن الإنسانِ الذي كُنَّا عَلَيْه قَبْل أنْ
نأتيَ إلى هُنا . في الليلِ ، بعد أنْ نَعُود إلى القَبْوِ ، نَلْتقط أنفاسَنا
بَيْنَ صَمْتٍ طويل ، وَعُيونٍ مُغمَضة على ظِلالِ الأملِ. لكنَّني كُنْتُ أرى في
عَيْنَي عَمَّار شيئًا مُختلفًا، يَخْتفي في عُمْقِ الظلام ، حتى كادَ يُصْبح
جُزْءًا مِنَ الخَراب ذَاتِه .
قالَ لِي وَصَوْتُه يَهْتَزُّ
مِثْلَ حَبْلِ غسيلٍ مُعلَّق في مَقبرةٍ قديمة :
_ أشعرُ أنَّني أمشي في حُلْمٍ
طويل ، حُلْمٍ مَكسور ، وأخشى أنْ أستيقظَ وأكتشفَ أنَّني لَمْ أَكُنْ هُنا .
لَمْ أُجِبْ ، لكنَّني شعرتُ
بِشَيْء يُشبِه الرَّغْبَةَ في الصُّراخ . وفي الوقتِ ذَاتِه ، رَغْبة في الصمتِ
الأبديِّ . الحِصَار بَدَأ يَزْحَف في داخلي ، ويَلْتهم رُوحي ، ويَجْعلني جُزْءًا
مِنْ هذا المَوْتِ الذي يَنْتشر في كُلِّ مكان .
مَرَّت الأيامُ وكأنَّها
امتداد لِلَيْلٍ لا نِهاية له . في صمتِ القَبْوِ ، كُنْتُ أسمعُ الرِّياحَ تَعصِف
في الخارج . تَصْطدم بالجُدرانِ المُتهدمة ، وَتَتمرَّد على السُّكونِ الذي
فَرَضَه الحِصَار . اليَوْمُ يأتي جديدًا ، لكنَّه لا يَحمِل أيَّ وَعْدٍ .
عَمَّار جَلَسَ في الزاوية ،
يَنظُر إلى الأرضِ ، كما لَوْ أنَّه يُحاول استخراجَ شَيْء مِنْ تَحْتِها ، شَيْء
مَفقود ، رُبَّما جُزْء مِنْ ذاته التي ضاعتْ هُنا ، بَيْنَ الأنقاض .
(( أحيانًا أشعرُ أنَّني لا أعيش
، أنا مُجرَّد ظِل للمكانِ المُنهار )) . قال عَمَّار ذات يَوْم بصوتٍ مُنخفض ،
كانَ يَزداد ضَعْفًا معَ مُرور الأيام . لَمْ أُجِبْ ، بَل اكْتَفَيْتُ بِمُراقبته
. أعْلَمُ أنَّ الكلمات في مِثْل هذه اللحَظَات تُصْبح عِبْئًا. حتى لَوْ حاولتُ
أنْ أُطَمْئِنه ، فإنَّني سَأكْذِبُ عَلَيْه . الكَذِبُ مَفقودٌ هُنا ، وَلَمْ
يَعُدْ لَهُ مَعْنى .
قَرَّرْنا أنْ نَذهب إلى مكان
أبعد قليلًا مِنَ القَبْوِ ، إلى أطرافِ المدينة ، حَيْثُ كانت الملامح التي تركها
القصفُ واضحةً أكثر ، حَيْثُ الأجساد التي تَسقط مِنْ أثَرِ الجُوع . المَدينةُ
تَحَوَّلَتْ إلى شَبَحٍ ، وَحَواجِز خَرَسَانِيَّة، وَقِطَع مَعْدِنِيَّة مِنْ
هُنا وهُناك . لَمْ نَتَوَقَّعْ أنْ نَجِدَ شيئًا جديدًا ، لكنَّنا وَجَدْنا
مَجموعةً مِنَ الناجين. كانوا يَجلِسون حَوْلَ نارٍ صغيرة ، وأعيُنُهُم مُثَبَّتَة
على الأرضِ ، وكأنَّهُم يَخْشَوْنَ أنْ يَنظروا إلى السماء .
إحدى النِّساءِ نظرتْ
إلَيْنا،وقالتْ بصوتٍ خافت: ((هَلْ تَعْتقدون أنَّ المَوْتَ سَيَصِلُنا أخيرًا ؟)).
لَمْ أستطعْ أنْ أُجِيب ، فَقَط نظرتُ إلى عَمَّار . كانَ يُحدِّق في النار
وكأنَّها تَكشِف له شيئًا مَا . لَمْ يُجِبْ أحدٌ عَنْ سُؤالِ المَرْأة، كأنَّنا
جميعًا نَعْلَم الإجابةَ. المَوْتُ لا يأتي عِندما نَتَوَقَّعُه ، هُوَ يَخْتبئ ،
وَيُراقِب ، وَيَسْتدرجنا في لُعْبةٍ مُؤلِمة .
في تِلْك اللحظةِ ، بَدَأنا
نتبادل النَّظَرَاتِ بَيْنَنا ، ولكنْ لا أحد مِنَّا كانَ يَتَمَنَّى المَوْتَ .
رُبَّما لأنَّ المَوْتَ في هذه الحربِ لَمْ يَعُدْ كما كانَ في السابق . لَمْ
يَعُدْ يَحمِل مَعْنى النِّهاية . أصبحَ تَكرارًا مُستمرًّا للحياةِ نَفْسِها،
يُعيدُ نَفْسَه في أشكالٍ مُختلفة .
عُدْنا إلى القَبْوِ ، حَيْثُ
الجُدْران التي احتفظتْ بِكُلِّ شَيْء ، وكُلُّ شَيْء أصبحَ يُقَاس بالوقتِ الذي
مَضَى بَيْنَ لَحْظَةٍ وأُخْرَى. كُلُّ واحدٍ مِنَّا يَحمِل في داخله عَدُوًّا
جديدًا: الخَوْف مِنَ اللاشَيْء، مِنَ الفَراغِ ، مِنَ النِّهايةِ التي لا تَبدو
قريبةً .
معَ مُرورِ الأيام ، بَدَأنا نَكْتُب
رسائل جديدة . لَمْ تَكُنْ رسائل مُوجَّهة إلى أحدٍ بِعَيْنِه ، بَلْ كانتْ
مُجرَّد كَلِمات نَكْتبها ، لِتَثبيتِ أنفُسِنا في هذا المَكانِ الذي بَدَأنا
نَفْقِدُه .
عَمَّار كَتَبَ على الجِدار :
(( في الحُروبِ، لا تَكُون الأسلحةُ هي الوحيدةَ التي تَقْتُل . هُناك أشياء صغيرة
بكثير يُمكِن أنْ تَقْضِي عَلَيْنَا )) .
أحْسَسْتُ بِشَيْء في دَاخِلي
. أحْسَسْتُ أنَّ الرَّسَائل لا تَحمِل أيَّة فائدة . لماذا نَكْتُب إذًا ؟ ، هَلْ
تُنْقِذُنا الكَلِمات أَمْ أنَّنا نَكْتُب كَيْ نُصدِّق أنَّ هُناك شيئًا يُمكِن
أنْ يُنْقِذَنا ؟ . لكنَّني مِثْل عَمَّار ، بدأتُ أكتبُ أيضًا . لَيْسَتْ رسائل
للأمل ، بَلْ رسائل للقَبُول . رسائل مِنْ نَوْعٍ آخَر : (( أنا هُنا ، وأنا لا
أرْحَل )) .
أخبرتُ نَفْسِي أنَّني مَا
زِلْتُ هُنا ، رَغْمَ الدَّمَارِ والضَّيَاعِ والحُطَامِ والأنقاضِ ، رَغْمَ
الأيامِ التي تَجْري بِلا وُجوهٍ ، رَغْمَ الجُدْرانِ التي تنهارُ مِنْ حَوْلِنا .
كُلَّما مَرَّ الوقتُ نَسِينا مَا كُنَّا عَلَيْه. الماضي أصبحَ ضَبابًا بعيدًا،
وكُلُّ شَيْء أصبحَ مُجرَّد تفاصيل صغيرة نَكْتبها على الجُدْران، كما لَوْ أنَّ
ذاكرة المَدينة تَتحطَّم مَعَنَا .
عَمَّار بدأ يَبتعد أكثرَ في
عَالَمِهِ الخاص . أصبحَ أكثرَ انعزالًا . عَيْناه تَغْرَقان في الفَراغِ أكثرَ .
في تِلْك اللحظة ، شعرتُ بِشَيْء يَتغيَّر ، شَيْء في داخلي ، كأنَّني أراه
يَبْتعد عَنِّي ، كأنَّنا لَمْ نَعُدْ مُتَّصِلَيْن كَمَا كُنَّا . ومعَ هذا ،
لَمْ أتكلَّمْ . لا نَملِك إلا الصمت . وكما نعيشُ في هذا الخراب ، نعيشُ في صمتٍ
يَلْتهمنا دُون أنْ نَشْعُر .
_ هَلْ سنخرجُ مِنْ هُنا
يَوْمًا مَا ؟ .
سألني عَمَّار ذات مَساء .
أجَبْتُهُ بصوتٍ ضاعَ بَيْنَ
الصمتِ والرِّياحِ :
_ رُبَّما . لكنْ ماذا إذا
لَمْ نَخْرُجْ ؟ .
نظرَ إلَيَّ كما لَوْ أنَّني
قُلْتُ شيئًا عميقًا ، ثُمَّ ابتسمَ ابتسامةً باردة .
_ سَنَظَلُّ هُنا إذًا .
قالها بِمَرارة .
100
أنا الفاسقُ سابقًا،
المُجَاهِدُ حاليًّا. مُجاهِد معَ وَقْفِ التنفيذ . لا أصْلُحُ للقِتَال ، لأنَّني
ضعيفٌ. أَحُسُّ بِعُقْدَةِ الشُّعورِ بالنقصِ طِيلة حَياتي ، لأنَّني عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا. تَمَنَّيْتُ لَو اشتركتُ في القِتَالِ مِثْل باقي
المُجاهِدين، لكنَّني غَيْرُ مُؤهَّلٍ لِخَوْضِ المَعاركِ والحُروبِ ، هَذا مَا
أكَّده لِي القائد والأمير أبو حمزة الجزائري .
كُنْتُ شابًّا ضائعًا بَيْنَ
الأضواءِ والفَراغِ . أركضُ وَراءَ لَذَّاتٍ لا تُشبَع، وأضحكُ ضِحْكةً لا تَمُتُّ
للسَّعادةِ بِصِلَةٍ . ظَنَنْتُ أنَّ الرُّجولةَ في الصَّخَب ، والكرامةَ في
العِناد ، والحُرِّيةَ في كَسْرِ القُيودِ كُلِّها ، حتى تِلْك التي تَحْفَظ
إنسانيتي مِنَ التلاشي . عِشْتُ كَمَنْ يَهْرُب مِنْ نَفْسِه ، يَمْلأ الليلَ
صَخَبًا كَي لا يَسْمَع أنينَ ضَميرِه في العَتَمَة .
ثُمَّ جاءتْ تِلْك اللحظة التي
تَشُقُّ القلبَ نِصْفَيْن : صُورة عابرة في شاشة باهتة لِمَدينةٍ مُغَطَّاة
بالدُّخَان ، وأُمٍّ تَحتضن طِفْلًا بِلا حَرَاك . لَمْ أعْرِفْ لماذا تَمَزَّقَ
حَلْقي ، وَوَجَدْتُني أصرخُ : (( مَا نَفْعُ حَياتي إنْ كانتْ هُروبًا دائمًا ؟
)) . شعرتُ بِشَيْء في صَدْري يَتحرَّك ، شَيْء مكسور حاولتُ نِسيانَه طوَيلًا ،
كأنَّ الإنسانية التي دَفَنْتُهَا في لَهْوِي وعَبَثي كانتْ تُطالبني بِثَمَنِ
خِيانتي .
جَمَعْتُ مَا أمْلِكُ ،
وَمَضَيْتُ نَحْوَ الحربِ كَمَنْ يسيرُ إلى امتحان لا يَعرِف نتيجته . ظَنَنْتُ
أنَّني سَأجِدُ نَفْسِي هُناك ، في صُفوفِ الرِّجالِ الذينَ يُضَحُّون
وَيُقَاتِلُون لأجْلِ مَعْنى ، بَعْدَ أنْ أضعتُ كُلَّ مَعْنى . أردتُ الخَلاصَ لا
النَّصْرَ . أردتُ أنْ أغْسِلَ وَجْهي مِنْ طِينِ الخَطيئة ، وأنْ أبدأ مِنَ
الصِّفْرِ وَلَوْ وسط النار . لكنَّ الحرب لَيْسَتْ كما تَخَيَّلْتُها ، لَيْسَتْ
لَوْحَةَ بُطولةٍ رُومانسيَّة ، بَلْ هِيَ وَحْش يأكلُ الأرواحَ.رَأيْتُ الخَوْفَ
في عُيونَ مَنْ ادَّعَوا الصَّلابةَ ، وَرَأيْتُ الجُثَثَ تَتَشَابه ، حتى لَمْ
أعُدْ أُميِّز العَدُوَّ مِنَ الرَّفيق .
أرتجفُ مِنَ البَرْدِ .
أحْمِلُ مُسَدَّسِي كما لَوْ كانَ عِقَابًا أوْ خَطِيئةً أوْ فَخًّا . كُلَّما
حاولتُ أنْ أكُونَ شُجَاعًا خَانَتْني رُكْبَتَاي ، وتذكرتُ ذلك الطِّفْلَ البائسَ
الذي كُنْتُهُ في طُرُقَاتِ قَرْيتي التي مُحِيَتْ مِنَ الوُجودِ . أنا الطِّفْلُ
اللاهي الذي لَمْ يَتعلَّم معنى الألَمِ إلا مُتَأخِّرًا .
كُنْتُ ضعيفًا . هذا الاعترافُ
أحْمِلُه كَجُرْحٍ لا يَلْتَئِم . لَمْ أستطعْ أنْ أُقَاتِلَ ، وَلَمْ أقْدِرْ على
مُواجهةِ النار . اختبأتُ خَلْفَ الأنقاضِ ، أخْتَلِقُ أعذارًا ، وأُقنِعُ نَفْسِي
أنَّ للضَّعْفِ حِكْمَةً . لكنَّني أعْلَمُ في قَرارةِ قَلْبي أنَّني لَمْ أكُنْ
سِوى شَخْصٍ جَبَان يُحاول أنْ يَغْسِلَ خَطَاياه بِبُطولةٍ مُستعارة .
في لَيَالٍ كثيرة ، كُنْتُ أبكي
بصمتٍ وأنا أنظرُ إلى السماءِ التي لَمْ تَعُدْ تُشبِه شيئًا ، وأتساءل : هَلْ
يَكْفي أنْ تَنْوِيَ لِتَتَطَهَّرَ ؟ ، هَلْ يَكْفي أنْ تَنْدَمَ لِتَبدأ مِنْ
جديد ؟ ، لَمْ أجِدْ جَوابًا . كُلُّ مَا وَجَدْتُهُ أنَّني صِرْتُ بَيْنَ
عَالَمَيْن : عَالَم الفِسْق الذي لَفَظَني ، وَعَالَم الطُّهْرِ الذي لَمْ
يَقْبَلْني .
أحْمِلُ في صَدْري فَراغًا أثقلَ مِنَ
الرَّصَاص . يُخيَّل إلَيَّ أنَّني لَمْ أعُدْ ذلك الفاسق الذي يَضحك بِوَقَاحةٍ،
ولا ذلك المُجَاهِد الذي يَحْلُم بالخَلاصِ. أنا فقط إنسانٌ يُحاول أنْ يَفْهَمَ
نَفْسَه، وأنْ يُدَاوِيَ هَشَاشَتَه بالصمتِ ، وأنْ يَتعلَّم كيف يعيش دُون أنْ
يَهْرُب ، وَدُون أنْ يَدَّعِيَ البُطولةَ .
رُبَّما لَمْ أكُنْ فاشلًا كما
أظُن ، وَرُبَّما الفشل هُوَ أوَّل دَرَجَات الفَهْم ، مَا أوجعَ أنْ تَكتشِف
أنَّكَ لَمْ تُخلَق لِتَكون بطلًا ، بَلْ لِتَتألَّم ، وَتَتعلَّم ، وَتَظَلَّ
تَبْحَث ، إلى أنْ تَنطفِئ .
أسِيرُ في غُرفةٍ بِلا نوافذ ،
تَتناوب عَلَيَّ نَظَرَاتُ الجُدرانِ الباردةُ كُلَّمَا حاولتُ أنْ أتَنَفَّسَ .
كُلُّ شَيْءٍ فِيَّ خافتٌ ، مُطْفَأ ، مَكسور في الزاوية . لا أعرفُ متى بدأ هذا
الانطفاء ، ولا كيفَ استطاعَ أنْ يَلْتهمني ، حتى صِرْتُ مُجرَّد ظِل لإنسانٍ
ظَنَنْتُهُ قادرًا على أنْ يَعيشَ مِثْلَ البَقِيَّة .
أنظرُ إلى المِرْآةِ ، فلا أرى
وَجْهي ، بَلْ أرى مَلامِحَ العَجْزِ تَتسلَّل مِنْ عَيْنَيَّ ، تَتهكَّم على
ضَعْفي ، تَهمِس لِي بأنَّني لستُ كالباقين . هُناك شَيْء ناقصٌ في داخلي ، شَيْء
يَرفُض أنْ يَكتمِل ، كأنَّني آلَةٌ صُنِعَتْ بِعَيْبٍ لا يُمكِن إصلاحُه . أضحكُ
أحيانًا لأُقْنِعَ نَفْسِي أنَّ الأمر بسيط ، لكنَّ ضِحْكتي تَنكسِر في مُنتصفها .
تَعُود صَدى أجْوَف يُذكِّرني بأنَّني لا أمْلِكُ حتى حِيلة التَّمثيل .
في كُلِّ لِقَاءٍ معَ الناس ،
أشعرُ كأنَّني طِفْلٌ ضائعٌ في سُوقٍ مُزْدَحِم . الكُلُّ يَعرِف طَريقَه إلا أنا
. أتكلَّم فَيَرتبك صَوْتي ، وأبتسم فَتَبْدو ابتسامتي مُصْطَنَعَة ، وأُحَاوِل
أنْ أكُون عاديًّا ، لكنَّني أفْشَلُ، أفْشَلُ دائمًا . حتى الصمت صارَ
يَفْضَحُني، كأنَّه يَتَوَاطأ معَ خَوْفي ، وَيُعَرِّيني أمامَ الناسِ جميعًا .
أمَّا ذلك الجانبُ مِنِّي ، ذاك الذي لا
أجْرُؤ أنْ أذكُرَه أمامَ الآخَرين ، فقدْ صارَ تَعَاسَتي الخَفِيَّة. عَجْزٌ
يَسْكُنُني في أعمقِ نُقْطة مِنْ رُجُولتي ، وَيَسْرِق مِنِّي ثِقَتي بِنَفْسِي ،
وَيُجرِّدني مِنْ مَعْنى الكمالِ الذي يَتباهى بِهِ الآخَرُون . كُلَّما حاولتُ
أنْ أتجاهله ، عادَ يَهمِس لِي في الليلِ ، في صَمْتِ الغُرفة، في نَظَرَاتي إلى
نَفْسِي ، لِيَقُولَ إنَّني ناقصٌ ، وإنَّني مَهما فعلتُ لَنْ أكُونَ رَجُلًا
حقيقيًّا .
أعيشُ في رأسي أكثرَ مِمَّا
أعيشُ في الواقعِ . هُناك أصواتٌ لا تَسْكُت ، تُجادلُني ، تُحاكِم ضَعْفي ،
تَسْخَر مِنْ مُحَاولاتي البائسة للنُّهُوض . أحيانًا ، أتمنَّى لَوْ أستطيع أنْ
أخْلَعَ هَذا الجَسَدَ ، وَهَذا العَقْلَ ، أنْ أتركهما في مَكانٍ مَا ، وأرْحَلُ
، لكنْ لا مَفَر مِنْ نَفْسِي ، ولا مَهْرَب مِنْ هَذا الكِيَانِ الثقيل الذي
يَجُرُّني كُلَّ يَوْمٍ نَحْوَ قاعٍ أعْمَق .
أحْسُدُ الناسَ على بَساطتهم ،
وقُدرتهم على الضَّحِكِ دُون خَوْف ، وَمَشْيِهِم في الشارعِ دُون أنْ يَلتفتوا
إلى الداخلِ مِثْلي . أمَّا أنا ، فَكُلُّ خُطْوَةٍ عِندي مُفَاوَضَةٌ ، وكُلُّ
كَلِمَةٍ حِسَابٌ ، وكُلُّ نَظْرَةٍ امتحانٌ ، كأنَّني أعيشُ مُحَاكَمَةً لا
تَنتهي ، وأنا المُتَّهَمُ والشاهدُ والقاضي في آنٍ واحدٍ .
لَمْ أَعُدْ أعرفُ ماذا أُريد
. لا الحُب ، ولا المَجْد ، ولا الأوسمة ، ولا الشُّهْرة ، ولا الذكريات ، ولا
أحلام الطُّفولة . أُريدُ فَقَط أنْ أصْمُتَ دُونَ أنْ يُؤْلِمَني الصمتُ ، أنْ
أتَنَفَّسَ دُون أنْ يُوجِعني الهواء ، أنْ أنظُرَ إلى نَفْسِي في المِرْآةِ دُون
أنْ أُبْعِدَ بَصَرِي عَنْها . أُريدُ أنْ أُصَدِّقَ أنَّني مَا زِلْتُ أستحق أنْ
أُحَبَّ ، رَغْمَ كُلِّ مَا فِيَّ مِنْ كَسْرٍ وَضَعْفٍ وَنَقْصٍ . لكنَّ الحقيقة
التي لا أستطيعُ الهُروبَ مِنها ، هِيَ أنَّني أصبحتُ غَريبًا حَتَّى عَنْ نَفْسِي،
غَريبًا إلى الحَدِّ الذي يَجْعلني أتساءل : هَلْ هَذا الذي يعيشُ في داخلي مَا
زالَ أنا أَمْ أنَّني فَقَدْتُني مُنْذُ زمنٍ وَلَمْ أجْرُؤ على الاعتراف ؟ .
وَجَدْتُ بِزَّةً عسكرية
مَرْمِيَّة في أحدِ المُستودَعاتِ المهجورة . أخذتُها ، وَغَسَلْتُها ، وارتديتُها
. ووضعتُ على رأسي قُبَّعَةً عَسكرية . وعثرتُ على جِهاز لا سِلْكي مَحمول ،
لكنَّه مُعطَّل ، فَوَضَعْتُه في جَيْبِ بِزَّتي بشكلٍ واضحٍ ، ووضعتُ المُسَدَّسَ
على جَانِبي بشكلٍ بارز ، كَيْ يَراه الناسُ ، ويَعرِفُوا أنَّني مُقَاتِلٌ صُلْب
، ومُجَاهِد مِقْدَام . سَمَّيْتُ نَفْسِي القائدَ الكَشْميري . سَمِعْتُ عَنْ
كَشْمير مِنَ المُجاهِدين الذينَ قاتلوا في أفغانستان ، وأنا لا أعرفُ أيْنَ
تَقَعُ كَشْمير وأفغانستان على الخريطة ، ولكنَّني أردتُ التَّشَبُّهَ بِهِم ،
واختراعَ بُطُولاتٍ وهمية . صِرْتُ أقُولُ للناسِ إنَّني قاتلتُ في كَشْمير
وأفغانستان رَغْمَ صِغَرِ سِنِّي ، وَحَقَّقْتُ انتصاراتٍ هائلة . ولا أعرفُ هَلْ
صَدَّقُوني بالفِعْل أَمْ أنَّهُم تَظَاهَرُوا بِتَصْديقي ، وَلَمْ يُريدوا أنْ
يُكذِّبوني . مُنْذُ طُفولتي ، وأنا أعيشُ في الأكاذيبِ والأوهام . أكْذِبُ
الكِذبةَ وأُصَدِّقها . أخترعُ الوَهْمَ اللذيذَ ، وأعيشُ فيه . حَياتي كَوْمَةٌ
مِنْ أحلامِ اليَقَظَةِ ، وَهُروبٌ مُستمر مِنَ الواقعِ . هربتُ مِنَ الحقيقةِ ،
لأنَّها تُحطِّم أوهامي اللذيذةَ ، وتَهْدِم قَصْري الرَّمْلِيَّ الذي شَيَّدْتُهُ
عَلى شاطئِ الخَيَال .
أردتُ أنْ أكُونَ رَجُلًا
مِثْلَ باقي الرِّجال ، وَمُجَاهِدًا مِثْلَ باقي المُجاهِدين . ولكنْ للأسفِ ،
لَمْ أكُنْ رَجُلًا ، لأنَّني عَاجِزٌ جِنْسِيًّا ، وَلَمْ أكُنْ مُجَاهِدًا ،
لأنَّني ضَعيفٌ ، لا أعرفُ حَمْلَ الأسلحة ، ولا أُتْقِن القِتَال . أنا مُهَرِّجٌ
في سِيرك مُحترِق ، وَبَيَّاعُ كلامٍ . سمعتُ أبي يَقُول لأُمِّي في إحدى
المَرَّاتِ: (( ابْنُكِ هِشَام بَيَّاعٌ كَلامٍ، وَلَدٌ أهْبَل وَمِسْكين ووحيدٌ
بَيْنَ أربع بَنَات، سَيَتْعَب في حَياته ، وَيَعيشُ فاشلًا ، وَيَمُوت فاشلًا ))
.
لَمْ أكُنْ أظُنُّ أنَّ
للبَرْدِ لَوْنًا ، حتى جِئْتُ إلى سَراييفو في الزَّمَنِ المُرعِب . البَرْدُ رمادي
مِثْل الدُّخَانِ الذي يَخرُج مِنَ البُيُوتِ المُحترِقة ، وَمِثْل الوُجوهِ التي
لا تَعرِف الفرقَ بَيْنَ النهارِ والليل . أبحثُ عَنْ مَعنى للنَّجَاةِ في زمنٍ
صارَ المَوْتُ فيه عادةً يَومية .
الْتَقَيْتُ بشاب بُوسني أعْرَج ، يَمْشِي
بِعُكَّازٍ خشبيٍّ صَنَعَه بِنَفْسِه مِنْ بابٍ مَكسور ، وكانَ يَضحك كثيرًا أكثرَ
مِمَّا يَسْمَح بِه هذا الخرابُ. اسْمُه مِيرزا . لَمْ يَكُنْ في وَجْهِه سِوى
العَزْمِ . وفي عَيْنَيْه تِلْك النَّظْرة التي لا تَرى المُستحيلَ رَغْمَ كُلِّ
مَا حَوْلَها مِنْ رَماد . يَمْضِي الأعرجُ بِخُطَاه المائلة ، لكنَّ عزيمته
تَمْشِي مُستقيمةً نَحْوَ المُستحيل حتى تُحِيلَه مُمْكِنًا .
قالَ لِي يَوْمَها وَهُوَ
يُناولني حقيبةً صغيرة مِنَ الأدوية : (( نَحْنُ لا نَملِك الكثيرَ ، لكنْ يَكْفي
أنْ نَملِك سببًا لِنَخْرُجَ مِنَ السَّريرِ كُلَّ صَباحٍ )) .
ضحكتُ ، وأنا أُحاول تَصديقَ
أنَّ في هذا الجحيم مَنْ يَسْتطيع قَوْلَ مِثْلِ هذا الكلام .
عَمِلْنا معًا في مُستشفى
مهجور، حَوَّلْنَاه إلى مَلْجَأ. لَمْ يَكُن فيه سِوى ضَوْءٍ خافتٍ مِنَ
الشُّمُوع، ورائحةِ الدَّمِ والبارودِ والخُبْزِ الجاف. كانَ مِيرزا ، رَغْمَ
عَجْزِه الظاهر ، يَدخُل كُلَّ يَوْمٍ حاملًا طِفْلًا ، أو امرأة جريحة ، أوْ
شَيْخًا لَمْ يَعُدْ يَقْوى على المشي . كُنْتُ أُساعده في تَضميدِ الجِرَاحِ .
وفي الليلِ كُنَّا نَجلِس قُرْبَ النافذةِ المَكسورة ، نُراقِب السماءَ وَهِيَ
تَتساقط عَلَيْنا قِطَعًا مِنَ الحديد .
ذَات مَسَاء ، جَلَسْنا صامتَيْن
نَسْمَع أصواتَ القَصْفِ مِنْ بعيد ، ثُمَّ قال : (( أتعرف ؟ ، الحربُ تُشبِه
المَرَضَ ، لكنَّها لا تَقْتُل الجميعَ ، فَقَط مَنْ يَنْسَى أنَّه مَا زالَ
حَيًّا )) . لَمْ أُجِبْ ، فَقَدْ كُنْتُ مَشغولًا بِرُؤيةِ ظِلِّهِ يَرتجف على
الجِدار ، نِصْفُه نُور ، وَنِصْفُه ظُلْمَة .
مَرَّت الشُّهور ، واشتدَّ
الحِصَار. نَفِدَت الأدوية ، ثُمَّ الطعام ، ثُمَّ الصَّبْر . بدأ الناسُ يأكلون
أوراقَ الشجر ، وأصواتُ الأطفالِ صارتْ أضعفَ مِنْ أنْ تُسمَع . وفي تِلْك الليلةِ
التي لَنْ أنساها أبدًا ، قَرَّرْنا أنْ نَخرُج معًا إلى المُستودَع القديمِ في
الطرفِ الآخَرِ مِنَ المَدينةِ لِجَلْبِ الإمدادات . الرِّحْلَةُ جُنون ، لكنَّ
الجُوعَ جُنون أكبر .
في مُنْتَصَفِ الطريقِ،
سَمِعْنا أزيزَ الرَّصَاصِ وَصَوْتَ انفجارٍ هائل . صَرَخَ مِيرزا بِي أنْ أختبئ
خَلْفَ الجِدار ، ثُمَّ رَكَضَ وَهُوَ يَجُرُّ سَاقَه العَرْجَاء . لَمْ أستطعْ
أنْ أمنعه ، وَلَمْ أرَهُ إلا بعد دقائق ، مُمَدَّدًا على الأرضِ . وَجْهُهُ
مُغَطى بالغُبار ، وَيَدُهُ لا تَزَال تَقْبِضُ على الحقيبةِ التي حَمَلَها .
حِينَ وصلتُ إلَيه ، فتحَ عَيْنَيْه بِصُعوبة ، وقالَ بصوتٍ مَبحوح : (( خُذْها،
الناسُ يَنتظرون )) . ثُمَّ ابتسمَ تِلْك الابتسامة التي لَمْ أرَ مِثْلَها في
حياتي ، ابتسامة تُشبِه الضَّوْءَ الذي يَظْهَر قبل الفجرِ بِثَوَانٍ .
عُدْتُ وَحْدي إلى المُستشفى،
أحْمِلُ الحقيبةَ بَيْنَ ذِرَاعَيَّ كأنَّها طِفْل . وَزَّعْتُ ما فيها مِنْ دَواء
على مَنْ بَقِيَ مِنَ المَرْضَى ، وكُنْتُ أسمعُ في كُلِّ صَرْخَةِ ألَمٍ صَوْتَه
، وفي كُلِّ أنينٍ أنفاسَه .
تركتُ قَلْبي هُناك، في المَمَرِّ
الباردِ الذي ماتَ فيه مِيرزا ، وَهُوَ يَحرُس مَعنى الإنسانية الأخير . الآنَ ،
كُلَّمَا سمعتُ صَوْتَ المطرِ على زُجاجِ غُرفتي تذكرتُ تِلْك الليالي الرَّمادية
. أتَخَيَّله يَبتسم . يُسْنِد جَسَدَه على عُكَّازِه الخَشَبِيِّ ، يَقُول لِي :
(( لا تَنْسَ أنَّ الحياة لا تَزَال قادرةً على أنْ تُولَدَ مِنْ تَحْتِ الرُّكَام
)) . صَدَقْتَ يا مِيرزا ، إنَّ الحياة تُولَد مِنْ تَحْتَ الرُّكَام ، كَزَهْرَةٍ
عنيدةٍ تَشُقُّ طريقَها نَحْوَ الضَّوْء ، لِتُثْبِتَ أنَّ الألَمَ لَيْسَ نِهايةً
، بَلْ بِداية جديدة للنَّبْض .
لا أستطيعُ أنْ أنسى صديقي
القتيل.مِيرزا ذلك الشاب البُوسني الأعرج الذي تَعَرَّفْتُ عَلَيْه في الحرب .
أتذكَّرُ تفاصيلَ عَلاقتي بِهِ التي اسْتَمَرَّتْ أيَّامًا كَشَريطٍ سِينمائي
مَنقوع في الدَّمِ والدَّمْعِ . الأُفُقُ يَبْكي بصمتٍ يُشبِه أنينَ الأُمَّهَات .
رَأيْتُهُ يَبتعد عَنِّي بِخُطُواته المُتَعَثِّرَة ، تِلْك الخُطُوات التي
أحْبَبْتُهَا أكثرَ مِنْ أيِّ لَحْنٍ سَمِعْتُهُ في حياتي . لَمْ تَكُنْ عُرْجَتُه
ضَعْفًا ، بَلْ كانتْ عَلامةً على نَجاته مِنْ مَوْتٍ سابقٍ ، مَوْتٍ تَرَكَه
ناقصًا في الجسد ، كاملًا في الرُّوح . كانَ يَمْشِي دائمًا كَمَنْ يُقَاتِل
الريحَ ، وكأنَّ الأرض تُحاوِل أنْ تَبْتلعه وَهُوَ يُصِرُّ أنْ يَترك عَلَيها
أثَرًا ، وَلَوْ بِثِقَلٍ مِنْ وَجَعٍ .
اسْمُهُ يَختصر تاريخًا مِنَ
الحُروبِ الصغيرةِ في صَدْرِه ، وَصَمْتُهُ يَرْوي أكثرَ مِمَّا تَقُول الكُتُبُ .
التقيتُ به وأنا أظُنُّ أنَّ الغُربة تَقْتُل الناسَ بِبُطْء ، فاكتشفتُ أنَّ
الحرب تَقْتلهم بِسُرعةٍ وَقَسْوَةٍ لا تُحْتَمَل . كانَ يَضْحَك أحيانًا مِنْ
أشياء لا تُضحِك . يَبتسِم في وَجْهِ البَرْدِ كَمَنْ يُواجِه عَدُوًّا قديمًا،
وَيَقُول لِي بصوتٍ مَبحوح : (( الوجعُ لا يَنتصر إنْ تَجَاهَلْتَه )) .
سِرْنا كثيرًا ، رَغْمَ
سَاقِهِ التي تَئِنُّ كُلَّ مَساء . لَمْ يَكُنْ يُريدُ أنْ يَتوقف . أراهُ يَتقدَّم
بَيْنَ الرُّكام ، وكأنَّه يَسِيرُ فَوْقَ ذاكرةِ المدينة . سَراييفو مِنْ
حَوْلِنا مَدينةٌ مَبتورة الأطراف ، بُيوت بِلا نوافذ ، وأرواحُ تائهة في
الدُّخَان، وأنا وَهُوَ نُقْطتان صغيرتان في صَفْحةٍ كبيرةٍ مِنَ الحُزْن الذهبي .
في ذلك اليوم ، حِينَ دَوَّى
الانفجارُ القريبُ ، شعرتُ أنَّ الزمن تَوَقَّفَ لِوَهْلَةٍ . لَمْ أرَ سِوى
الغُبار أوَّلًا ، ثُمَّ رَأيْتُه يَسقُط بِبُطْء يُشبِه مَشْهَدًا مُكرَّرًا في
حُلْمٍ قديمٍ . هُرِعْتُ إلَيْه ، أصرخُ بِاسْمِه، أبحثُ عَنْ عَيْنَيْه اللتَيْن
كانتا تَلْمعان رَغْمَ كُلِّ الكَوارث . ابتسامته الأخيرةُ أكثرُ صِدْقًا مِنْ
كُلِّ الكَلِماتِ التي نَطَقَتْهَا حَياتُنا القصيرة معًا . حَمَلْتُهُ بَيْنَ
ذِرَاعَيَّ ، وأنا أرى الدَّمَ يَمْتزج بالطين . يَدُهُ تَرتجف ، لكنَّها مَا
لَبِثَتْ أنْ سَكَنَتْ ، كما لَوْ أنَّه سَلَّمَني سُكونَه الأخير . لَمْ أبْكِ في
اللحظةِ الأُولَى . كُنْتُ أراهُ كأنَّني أراهُ للمَرَّةِ الأُولَى، بِلا خَوْفٍ،
بِلا قِناع ، بِلا ألَم. وَجْهُهُ هادئ على نَحْوٍ يُثيرُ الرُّعْبَ ، كأنَّ
الحَرْبَ لَمْ تَكُنْ هُنا نِهائيًّا ، وكأنَّ الأرضَ التي ابْتَلَعَتْهُ أشفقتْ
عَلَيْه أخيرًا .
مُنذُ ذلك اليَوْم ، لَمْ
أَعُدْ أسمعُ وَقْعَ خُطَاه، لكنَّ صَدى خُطُواته مَا زالَ يُرافقني في كُلِّ
شارعٍ أعْبُرُه. أسْمَعُهُ كُلَّمَا هَبَّتْ رِيحٌ باردة، وكُلَّمَا نظرتُ إلى
ظِلِّي المَمدودِ على الطريق. تَعَلَّمْتُ أنَّ بعضَ الأصدقاء لا يَغِيبون
بالمَوْتِ ، بَلْ يَتحوَّلون إلى صمتٍ يَسْكنك ، إلى حِكايةٍ تَرفُض أنْ تَنتهي .
كانَ صَدِيقي البُوسني الأعرج يَمْشي
بثباتٍ أكثر مِنْ كُلِّ الذينَ يَركُضون ، وَيَمُوت بِكَرامةٍ أكثر مِنْ كُلِّ
الذينَ عاشوا.تَرَكَ لِي وَصِيَّتَه في نَظْرةٍ لَمْ أستطعْ نِسيانَها: (( احْمِلْ
خُطَاي، ولا تَنْسَ أنْ تَمْشِيَ )). وَمُنذُ رحيلِه ، أمْشِي ، أعْرُجُ مِنَ
الداخل ، كأنَّ رُوحي فقدتْ سَاقَها هِيَ الأُخْرَى .
أخْبَرَني مِيرزا قَبْلَ
مَقْتَلِه أنَّه يُريدُ الانتقامَ مِنَ الجُنودِ الصِّرْبِ المُجرِمين ، لأنَّهُم
اغْتَصَبُوا أُمَّهُ وأُخْتَه ، وقَتَلُوهُما أمامَ عَيْنَيْه ، وَلَمْ يَستطع
الدِّفَاعَ عَنْهما. قُلْتُ لَهُ بأُسلوبي المُعتادِ في الكَذِبِ واختراعِ
البُطولاتِ الزائفة وابتكارِ الأوهامِ اللذيذة :
_ اطْمَئِن يا مِيرزا ، ولا
تَقْلَقْ ، ولا تُتْعِبْ نَفْسَكَ ، واترُكْ هذه المُهِمَّة لِي . أنا سأنتقمُ
لَكَ مِنَ الجُنودِ الصِّرْبِ المُجرِمين. أنتَ أعْرَج ، وغَيْر قادرٍ على القِتال
، أمَّا أنا فَقَدْ خُضْتُ مَعارك طاحنة في كَشمير وأفغانستان ، وَقَضَيْتُ حَياتي
في الحُروبِ . وكُلُّ الأعداءِ يَخافون مِنِّي ، وَيَرتعبون مِنْ مُجرَّد نُطْقِ
اسْمِي . لَمْ يَأتِ لَقَبي " القائد الكَشْميري " مِنْ فَراغ . اسألْ
أيَّ مُجَاهِد عائد مِنْ أفغانستان : ماذا فَعَلَ القائدُ الكَشْميري بالجُنودِ
الرُّوسِ ؟ . كانَ الجُنودُ الرُّوسُ يَهْرُبُون عِندَما يَسْمَعُون اسْمِي . لا
أُحِبُّ أنْ أمْدَحَ نَفْسِي ، وأكْشِفَ الأسرارَ الحَرْبية ، ولكنَّني كُنْتُ
المُنسِّق العام بَيْنَ أمريكا وبريطانيا والصين وباكستان وإيران والسعودية لدعمِ
المُجاهِدين الأفغان ، لأنَّني أُتْقِنُ اللغةَ الإنجليزيةَ بشكلٍ كامل . وأنا
الذي سَاهَمَ في تَفَكُّكِ الاتحادِ السُّوفييتي ، وَنِهايةِ الحربِ الباردة ،
وَتَحطيمِ صُورةِ الجيشِ الأحمرِ الذي لا يُقْهَر .
كُنْتُ أتحدَّث كَما لَوْ
كُنْتُ مَمَثِّلًا يُؤَدِّي دَوْرَه على خَشَبَةِ المَسْرَحِ . لَعِبْتُ الدَّوْرَ
بِحِرفية عالية، وَتَحَدَّثْتُ بِثِقَةٍ بالغة . كَذَبْتُ الكِذبةَ وَصَدَّقْتُهَا
، كَعَادتي في كُلِّ مَراحلِ حياتي . تَعَمَّدْتُ أنْ أنطِقُ جُمَلًا كاملة
باللغةِ الإنجليزية بِطَلاقةٍ مِنْ أجْلِ نَيْلِ المِصْداقية. وَلَسْتُ أدري هَلْ
صَدَّقَني مِيرزا فِعْلًا أَمْ أنَّه تَظَاهَرَ بِتَصْديقي ، وَلَمْ يُرِدْ أنْ
يُكذِّبني وجهًا لوجه .
قالَ لِي بِصَوْتٍ ضَعيفٍ
كأنَّه قادمٌ مِنْ أعماقِ بِئْرٍ بعيدة :
_ لماذا لا تُشَارِك
المُجاهدين في القِتَالِ على كَافَّةِ الجَبَهَاتِ وتَكْتفي بالتَّوَاجُدِ معَ
النِّسَاءِ والأطفالِ وكِبَارِ السِّنِّ ؟ .
أحْرَجَني بهذا السُّؤالِ
وأفْحَمَني.فَمَا كانَ مِنِّي إلا أنَّني ضحكتُ بصوتٍ عالٍ عَمْدًا،وَقُلْتُ
واثقًا:
_ أنتَ مَعذور يا مِيرزا ، لأنَّكَ
شاب مُبتدِئ وبسيط ، لَيْسَ لَدَيْكَ خِبْرة عَسْكرية ، وَلَمْ تُشاركْ في حربِ
أفغانستان مِثْلي . أنا قائدٌ ومُخطِّط إستراتيجي في غُرَفِ العمليات ، أضَعُ
الخُطَطَ العَسكرية للمُقاتِلين ، وأرسُمُ لَهُم الطريقَ ، وَهُمْ يَسِيرون
عَلَيْه ، وأُعْطي التَّعليمات ، وَهُمْ يُنَفِّذون ، وأُقدِّم لَهُم الدعمَ
اللوجِسْتي ، ولا أُشَارِك في القِتال ، لأنَّني إذا قُتِلْتُ لا يُمكِن تَعْويضي
. أمَّا المُقاتِلون فَيُمْكِن تَعْويضهم . أنا العقلُ المُدبِّر، ورَاسِمُ
السِّياساتِ الحربية . وكَما أنَّني أنا الذي وضعتُ الخُطَطَ العسكرية للمُجاهِدين
في أفغانستان، وتَمَكَّنُوا مِنْ هَزيمةِ الرُّوس ، فكذلك سأضعُ الخُطَطَ العسكرية
للمُجاهدين في البُوسنة ، كَيْ يَتمكَّنوا مِنْ هَزيمةِ الصِّرْب . الأمرُ بسيطٌ
وسهلٌ ، المُهِم أنْ يَلتزموا بالخُطَطِ التي أضَعُها، وَيَقُوموا بتطبيقها على
أرضِ الواقعِ بِلا زيادة ولا نُقْصَان ، والنتائجُ سَتَكُون باهرةً .
وأردفتُ قائلًا :
_ أُريدُ أنْ أسألك يا مِيرزا،
هَلْ رَأيْتَ مُدَرِّبَ كُرَةِ قَدَمٍ يُشارك في اللعبةِ معَ اللاعبين ؟ .
_ لا .
_ لَقَدْ أجَبْتَ نَفْسَكَ
بِنَفْسِكَ .
وتابعتُ قائلًا بِحَمَاسَةٍ
شَديدةٍ وَثِقَةٍ مُفْرِطَة :
_ إنَّ المُتَنَبِّي هُوَ أعظم
شاعر في اللغة العربية ، ولا أدري هَلْ سَمِعْتَ بِهِ أَمْ لا . لَدَيْه بَيْت
شِعْر يَقُول : إنَّ السِّلاحَ جَمِيعُ
الناسِ تَحْمِلُهُ وَلَيْسَ
كُلُّ ذَوَاتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ . هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ . لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَحْمِلُ السِّلاحَ شُجَاعًا ، كَمَا
أنَّ لَيْسَ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ أَسَدًا ، وَيُرِيدُ بِالسَّبُعِ الأَسَدَ. وَقَدْ
يَحْمِلُ الجَبَانُ السِّلاحَ كَمَا يَحْمِلُهُ الشُّجَاعُ .
أجلسُ هُنا ، على حَافَةِ
صَمْتٍ لا يَسْمعه إلا قَلْبي ، وأرتدي عَبَاءَةَ بُطولاتٍ وَهْمِيَّة لَمْ
تَحْدُثْ، وأرْسُمُ على وَجْهي ابتسامةً صُلْبة ، بَينما يَلْتفت إلَيَّ صَديقي
البُوسني مِيرزا بنظرةِ احترامٍ لا أعرفُ كيفَ أستحقها . أحْكي لَهُ عَنْ مَعارك
لا وُجود لها ، عَنْ سَاحاتٍ دُمِّرَتْ تحت قَدَمَيَّ ، عَنْ جُنود تابَعُوني
بإخلاصٍ مُطْلَق ، وأُلْقِي الكَلِمات كما يُلْقي الساحرُ تَعاويذَه ، على أملِ
أنْ تَصْنَعَ لِنَفْسِي وَهْمًا يَجْعلني قويًّا في عَيْنَيْه ، وفي عَيْنَيَّ .
أخْبَرْتُهُ أنَّني كُنْتُ
قائدًا ، واجهتُ المَوْتَ وجهًا لِوَجْهٍ ، وتَحَمَّلْتُ المَسؤوليةَ ، وكَسَرْتُ
كُلَّ القُيودِ التي تَمْنع الإنسانَ مِنْ أنْ يَكُون بَطَلًا . وكُلُّ هَذه
الجُمَل تَتدفَّق مِنْ فَمِي بِسُهولة ، دُون أيِّ تأنيبِ ضَميرٍ ، كأنَّها مِياه
عَذْبة مِنْ نَبْعٍ لا وُجود له ، بَيْنما جَسَدي الضعيف لا يَقْوَى على رفعِ رُمْحٍ
صغير ، وَيَدِي تَرتجف لَوْ أمسكتُ بأيِّ سِلاح .
في لَحَظَاتِ الصمتِ التي
تَلِي حَدِيثي ، أسمعُ في داخلي صَدى الحقيقة ، أنا مُجرَّد شاب صغير عاجز، لا
يَصْلُح للقِتال . لا يَعرِف شيئًا عَن المَعاركِ الحقيقية سِوى مَا قَرَأه أوْ
شاهده على الشاشة . وأحيانًا ، يَخْنُقُني الرُّعْبُ مِنْ مُجرَّد تَخَيُّل
مُواجهة قاتلٍ واحدٍ .
يَنصرِف مِيرزا، ذلك الشابُّ
البُوسني الأعرج ، وفي قَلْبي تَستقر فِكْرة واحدة ، هَل اكتشفَ هُوَ الحقيقة أَمْ
أنَّني كُنْتُ ماهرًا بِما يَكْفي لأُغْلِقَهَا بعيدًا عَنْ نَاظِرَيْه ؟ .
أسمعُ صَدى خُطُواته يَخْتفي ،
وأجلسُ وَحْدي في الزاوية ، أحتضنُ رُكْبَتَيَّ ، وأبكي بِحُرْقَةٍ لا يَعرِفها
أحد . دُمُوعي لَيْسَتْ دُمُوعَ الحُزْنِ وَحْدَه ، بَلْ دُمُوع الخَوْف ، دُمُوع
الرُّعْبِ مِنْ أنْ يَنكشِف ضَعْفي ، مِنْ أنْ يُواجهني العَالَمُ وأنا لا أمْلِكُ
مَا أُوَاجهه بِه . أحْسَسْتُ بِكُلِّ جَسَدي يَرتجف ، وكُلُّ نَبَضَاتِ قَلْبي
تَصْرُخُ بأنَّني لَمْ أكُنْ شيئًا ، وكُل هذه الأوهام التي نَسَجْتُهَا كانتْ
مُجرَّد حِبالٍ تَشْنُقُ رُوحي . أبكي وَحْدي في الظلامِ بَينما الليل يُراقِب
صَمْتي المُخْزِي . كُلُّ الشَّجاعةِ التي تحدثتُ عَنْها لَمْ تَكُنْ سِوى صَدى
لِرَغْبَةِ طِفْلٍ في أنْ يُحَبَّ ، أوْ لِرَجُلٍ يَهرُب مِنْ حقيقة أنَّه ضعيف .
وَهْمٌ كبيرٌ يَلْتهمني مِنَ الداخل ، وأنا أستسلم لَهُ بِبُطْء ، وأنا أَحُسُّ أنَّ
كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلي صَامِتٌ ، كأنَّه يَتَهَامَس عَنْ سِرِّ ضَعْفي أمامَ
نَفْسِي .
أرتعشُ في مَكانٍ تَنكسِر فِيهِ
الذاكرةُ والذكرياتُ. أغُوصُ في الأرضِ المُوحِلة . أصابعي تَتشابكُ في بعضِها
البعض ، كما لَوْ أنَّها تُحاول أنْ تَمنع جَسَدي مِنَ الانهيار . الصَّوْتُ
الأوَّلُ للمَدَافِعِ جَعَلَ قَلْبي يَتوقف عَن النَّبْض ، ثُمَّ استأنفَ ، ولكنْ
بِوَتيرةٍ أسرع مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى ، حتى شعرتُ أنَّ صَدْري سَيَتَمَزَّق .
لَمْ أعُدْ أذكُر متى كانَ
آخِر يَوْم شعرتُ فيه بالأمان ، أوْ حتى متى كانت المَرَّة الأخيرة التي لَمْ أرَ
فيها دَمًا أوْ دُخَانًا . كُلُّ مَا أعْرِفُه الآن هُوَ الرُّعْب الذي يَمْلأ
رِئَتَيَّ معَ كُلِّ نَفَسٍ ، والارتجاف الذي يَجْعلني أتساءل إنْ كُنْتُ سأتمكن
مِنَ المَشْي أو الوُقوف ، أوْ إذا كانَ جسدي سَيَخُونني قبل أيِّ شَيْء آخَر .
في إحدى اللحَظَات ، عِندما
ارتفعت الصَّيْحَاتُ حَوْلي ، واهْتَزَّت الأرضُ تحت أقدامي ، شعرتُ أنَّني فقدتُ السَّيطرةَ
بالكامل . لَمْ أستطعْ أنْ أحْبِسَ البَوْلَ ، وتدفقت الرَّهْبةُ مِنْ جسدي كما
لَوْ كانتْ تَسْخَر مِنِّي قبل أنْ يَسْخَر مِنِّي العَدُوُّ . لَمْ يَكُن ذلك
فَخْرًا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَنْبي ، كانَ مُجرَّد حقيقة ، إنَّني ضعيفٌ وعاجزٌ ،
ولستُ مِنْ هَذا العَالَمِ الذي اختارَ الحربَ لِتَحديدِ مَنْ يعيش وَمَنْ يَمُوت
. كُلُّ خُطْوَةٍ كُنْتُ أُحَاول أنْ أَخْطُوَها ، كانتْ ثقيلةً كأنَّها جَبَل ،
وكُلُّ صَوْتٍ حَوْلي كانَ أقوى مِنْ قُدْرتي على التَّحَمُّل . أسمعُ النِّداءات
والصَّرَخَاتِ ، وَبَرْدَ الشِّتاءِ المَمزوجِ بالرصاص . وكُلُّها تَجْعلني أذُوب
داخلَ نَفْسِي . أفتقدُ الشَّجَاعةَ والقُوَّةَ . وأحيانًا ، كُنْتُ أتمنى أنْ
يَبْتلعني هذا الرُّعْبُ كُلُّه دَفْعَةً واحدةً ، لأتوقف عَن الشُّعورِ بالخِزْيِ
والعارِ والخَوْفِ والضَّعْف . لكنَّني بَقِيتُ واقفًا ، على الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ
شَيْء . أتنفس بِصُعوبة. أتحرَّك بألَمٍ . أتَكَلَّم بِتَلَعْثُم . أختبئ في أيَّة
زاوية مُتاحة، مُحاوِلًا أنْ أعيش يَوْمًا آخَر، رَغْمَ أنَّني لا أعرفُ كَيْفَ
أُقَاتِلُ، ولا أعرفُ كَيْفَ أحْمِي نَفْسِي.
الرُّعْبُ أصبحَ صَديقًا يَضغط
على صَدْري بِلا رَحمة . أُحَاوِلُ أنْ أُخْفِيَ نَفْسِي بَيْنَ الحُطَام .
أتحرَّكُ بِحَذَرٍ كأنَّ الأرضَ نَفْسَها تَعرِف ضَعْفي ، وتُريد أنْ تَبْتلعه .
كُلَّما ارتجفَ جسدي أحْسَسْتُ أنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلي يُلاحِظ ذلك ، وَسَوْفَ
يَضْحكون عَلَيَّ لَو استطاعوا .
لَمْ أستطعْ أنْ أرفعَ سِلاحًا
، حتى مُجرَّد مَسْك البُندقية جَعَلَ أصابعي تَرتجف ، وكأنَّها تُحاوِل الفِرَارَ
مِنِّي . لَمْ أعُدْ أُمَيِّز بَيْنَ صَوْتِ الطَّلَقَاتِ والهَديرِ في داخلي .
كُلُّ شَيْءٍ حَوْلي كانَ ضَبَابِيًّا ، حتى صَرَخَات الجَرْحى والمَوْتى لَمْ
تَعُدْ تُثيرُ في نَفْسِي إلا شُعورًا بالدُّوارِ والضعف .
في إحدى الزوايا ، جلستُ على
الأرضِ ، وأنا أُحَاوِلُ أنْ أسْتُرَ نَفْسِي مِنَ المَطَرِ والوَحْلِ ، بَينما
يَجرح وَجْهي البَرْدُ والخَوْفُ معًا . جسدي يَخُونُني ، والبَوْلُ يَخرُج مِنِّي
بِلا إرادتي . لَيْسَ هُناك أيُّ شَيْء يُمْكِنني فِعْله لِتَغيير ذلك. كُنْتُ
وحيدًا، وأضعفَ مِمَّا يُمكِن لأيِّ شخصٍ أنْ يَتَخَيَّلَه. ومعَ ذلك ، كُنْتُ
أعيشُ ، وأتنفس ، رَغْمَ أنَّ كُلَّ لَحْظة كانتْ نازفة بِكُلِّ مَعنى الكَلِمة ،
لَحْظة تَحُسُّ فيها أنَّكَ على حَافَةِ الانهيار .
الحياةُ مُستمرة بطريقةٍ أوْ
بِأُخْرَى . ومعَ كُلِّ يَوْمٍ ، تَعَلَّمْتُ أنْ أتحرَّك كَطِفْلٍ ، أختبئ
كَظِلٍّ ، أتنفس كَحُلْمٍ . لَسْتُ بطلًا ولا مُقَاتِلًا ، لكنَّني بَقِيتُ
مَوجودًا ، وَوُجُودي هذا ، رَغْمَ كُلِّ ضَعْفي وَعَجْزي ، كانَ نَوْعًا مِنَ
المُقاوَمة ، نَوْعًا مِنَ الشَّجَاعةِ الخَفِيَّة التي لا يَرَاها أحد ، لكنَّها
هُناك ، في كُلِّ نَفَسٍ ألتقطه ، في كُلِّ خُطْوَةٍ أتحركها رَغْمَ أنَّني أخشى
حتى الصوت الأقرب لِي .
في بعضِ اللحَظَاتِ ، كُنْتُ
أُغْمِضُ عَيْنَيَّ ، وأتخيَّل نَفْسي بعيدًا عَنْ كُلِّ هذا الدمارِ الرهيب ،
بعيدًا عَن الدَّمِ والرُّعْبِ ، حتى لَوْ لِلَحْظة قصيرة . وأدركتُ أنَّ البقاءَ
على قَيْدِ الحياةِ لَيْسَ دائمًا يَنْبُعُ مِنَ القُوَّةِ أو الشَّجَاعةِ
المُعْلَنَةِ ، بَلْ أحيانًا يَنْبُعُ مِنَ القُدْرةِ على الاحتمالِ والاستمرارِ ،
رَغْمَ كُلِّ مَا يَنْهار حَوْلَكَ ، رَغْمَ كُلِّ مَا يَنْهار بداخلك .
101
لَمْ أكُنْ أمْلِكُ مَا
يُؤَهِّلُني للقِتال . لَسْتُ قَوِيَّ البُنْيةِ ولا شُجاعًا ، كَمَا يُحِبُّ
الجُنودُ أنْ يَظْهَروا أمامَ بَعْضِهِم البَعْض . جسدي هَشٌّ ، كأنَّ العِظَام
فيه مُجرَّد خُطوط مِنَ الطباشير . أتنفسُ بِصُعوبة حِينَ أركضُ ، وأتَعَثَّر حِينَ
أحْمِلُ السِّلاحَ ، فَيَضْحَك بعضُهم ، وَيَقُولون إنَّني أصْلُحُ لِحِراسةِ
الظِّلالِ لا الرِّجَال . جِئْتُ مِنَ الجَنُوبِ البعيد ، مِنْ بِلادٍ لا تُشبِه
هُنا . حَمَلَتْني الشاحناتُ معَ المُقَاتِلين والمُتطوعين والغُرَباء . لَمْ
أفْهَمْ لُغَتَهُم ، وَلَمْ يَفْهموا لُغَتي . لكنَّنا كُنَّا جميعًا نَفْهَم
صَوْتَ القَصْفِ ، ذلك الصَّوْت الذي لا يَحتاج إلى تَرْجمة .
حِينَ وصلتُ إلى البَلْدةِ
الصغيرة في شَمالِ البُوسنة ، كانتْ مُغَطَّاة برمادٍ كثيف يُشبِه الغُبارَ ،
ورائحةُ الدُّخَانِ تَسْكُن الهواءَ . لا يُوجَد سِوى الأنقاض ، وبقايا جُدران
تَتدلَّى مِنها ستائر مُحترِقة . رأيتُ عِند أطرافِ الطريقِ رَجُلًا أعْرَج ،
يَجُرُّ سَاقَه المَيْتَة خَلْفَه كما يَجُرُّ المَرْءُ ظِلَّه في مَسَاءٍ ثقيل.
قالوا لِي إنَّ اسْمَه إدريس .
كُلَّمَا نظرتُ إلَيْه تذكرتُ صَدِيقي القتيل مِيرزا ، ذلك الشاب البُوسني الأعرج
، وكأنَّ التاريخَ يُعيدُ نَفْسَه بأسماء جديدة وأشكالٍ جديدة . كانَ إدريس مِنْ
أهْلِ القرية، فَقَدَ سَاقَه في قَصْفٍ سابقٍ ، لكنَّه بَقِيَ هُنا ، يَرفُض
الرحيلَ. لَمْ يَكُنْ يَصْلُح للقِتالِ مِثْلي ، لذلكَ كُلِّفْنا معًا بحراسةِ
الملجأ الصغير في مَبْنى المدرسةِ القديمة،حَيْثُ احتمت النساءُ والأطفال.
كانت المَدرسةُ خَرِبَةً .
النوافذُ بِلا زُجَاجٍ ، والأبوابُ تَصرخُ كُلَّما لامَسَتْها الريح . في الطابقِ
السُّفْليِّ ، كانَ المَلْجَأ ، أوْ مَا تَبَقَّى مِنْه ، مُغَطى بالبطانيات
القديمةِ والروائحِ المَمزوجةِ بالخَوْفِ والعَفَنِ . في رُكْنٍ بعيد ، كانَ هُناك
مَوْقِد صغير بالكادِ يُدفِّئ شيئًا ، وَحَوْلَه يَجلِس الأطفالُ مُلْتَفِّين على
بَعْضِهِم كأغصانٍ مُبَلَّلَة .
إدريس كانَ قليلَ الكلامِ .
يَنهَض كُلَّ صَباحٍ رَغْمَ سَاقِه ، يَتَفَقَّد البابَ الحديديَّ ، ثُمَّ يَجلِس
على عَتَبَةِ المَلْجَأ يُراقِب الطريقَ المَهجور . يَحمِل بُندقيةً صَدِئة لا
تُطْلِقُ إلا حِينَ تُريد . أمَّا أنا فَكُنْتُ أحْمِلُ خَوْفًا أكبرَ مِنْ أيِّ
سِلاح . في الليلِ ، تَقْترب أصواتُ القذائفِ ، وتنام النِّساءُ على الأرضِ ،
يُغَطِّينَ رُؤوسَ الأطفالِ بأذْرُعِهِنَّ ، والأرض تَهْتَزُّ تَحْتَنَا كقلبٍ
مَذعور . أسمعُ أنينًا لا أعرفُ مَصْدَرَه ، رُبَّما مِنْ جُدْرانِ المَبْنى ،
وَرُبَّما مِنْ داخلي .
ذات مَساء ، جلستُ قُرْبَ
إدريس عِند الباب . السَّمَاءُ تَشتعل في الأُفُقِ بِلَوْنٍ أحمر غريب ، يُشبِه
الدَّمَ حِينَ يَختلِط بالماء . سَألْتُهُ بصوتٍ خافتٍ :
_ هَلْ تَظُنُّ أنَّنا
سَنَبْقَى أحياء حتى الغَد ؟ .
لَمْ يُجِبْ . ظَلَّ يَنظُر إلى
الطريق ، كأنَّ شيئًا مَا يَنْتظره هُناك . بعد لَحَظَات، قالَ بِبُطْء :
_ مَنْ يَبْقَى لا يَختار ،
المَوْتُ هُوَ مَنْ يَختار .
ثُمَّ رَفَعَ يَدَه المُرتجفة
نَحْوَ الأُفُقِ، وأضافَ :
_ نَحْنُ هُنا لِنُؤَخِّرَه
فَقَط ، ساعة ، رُبَّما لَيْلَة .
كَلِمَاتُه التصقتْ بِي
كَوَحْلٍ لا يُغَادِر . مُنذُ تِلْك الليلة ، صِرْتُ أَعُدُّ أنفاسَ الأطفالِ في
الظلام . أخشى أنْ يَتَوَقَّفَ أحدُهم فَجْأةً . كانت امرأة تُدعَى نايدا ،
تُغَنِّي لَهُم أحيانًا بصوتٍ ضعيف كَيْ يَناموا . صَوْتُها مُتعَب ، لكنَّه يَملِك
شيئًا مِنَ الحَنَانِ الذي يُذكِّر بالبُيُوتِ القديمة .
أحيانًا، كانتْ تَنفجر
بالبُكاءِ بعد أنْ يَغفو الأطفال، تَضَع رَأسَها بَين رُكْبتيها ، وتَهمِس بكلماتٍ
لا أفْهَمُها . أسمعُها دُون أنْ أقتربَ . لَمْ يَكُنْ في وُسْعي أن أقول شيئًا ،
كُلُّ الكلام صارَ بِلا طائل كالرصاصِ الضائعِ في العَرَاء .
في الصَّبَاحِ،كُنَّا نَفْتَح
البابَ الحديديَّ بِحَذَرٍ.الهواءُ الباردُ يَدخُل عَلَيْنا كَضَيْفٍ غَيْرِ
مَرغوب فيه. نتفقد الشارعَ ، فلا نجد إلا آثارَ الدُّخَانِ ، وبعضَ الغِرْبانِ
التي تَبْحث في الرُّكامِ عَنْ شَيْء لِتَأكله .
كُنْتُ أرى إدريس يَضَعُ يَدَه
على الجِدار أحيانًا ، يُربِّت عَلَيه كما يُربِّت أحدُهم على كَتِفِ صَديقٍ
يُحْتَضَر . قالَ لِي مَرَّةً :
_ هذه المَدرسة كانتْ بَيْتي ،
دَرَّسْتُ فيها الجُغرافيا .
نظرتُ إلَيه مَذهولًا . لَمْ
أتصوَّر أنَّ هذا الرَّجُل الذي يَحمِل بُندقية مَكسورة كانَ يَوْمًا مُعَلِّمًا .
أضافَ وهو يَبتسم نِصْفَ ابتسامةٍ :
_ لَمْ أتخيَّل أنَّني سأحرسها
يَوْمًا مِنَ الداخل .
ثُمَّ سَكَتَ ، وراحَ يَنظُر
إلى السَّقْفِ المُتآكِل. في عَيْنَيْه رأيتُ كُلَّ الحُروبِ التي لَمْ تَنْتَهِ
بَعْد .
الأرضُ تَبتلع أصواتَنا .
حِينَ نَهمِس تَسقُط الكلماتُ ثقيلةً في الصمتِ كأنَّها حِجَارة في بِئْرٍ لا قاع
له . المَلْجَأ ، وَهُوَ الطابق السُّفْلي مِنْ مَدرسةٍ هُدِمَ نِصْفُها ، كان
أشبه بقبرٍ كبير يتنفس بَيْنَ حِينٍ وآخَر . الجُدرانُ مُبلَّلة ، والهَواءُ
يَعْبَقُ بِرُطوبةٍ قديمة تَفُوح مِنها رائحةُ الحديدِ والبَطَّانِيَّاتِ
المُتعفنة . الأطفالُ كانوا أوَّلَ مَنْ يَنْهار عِند كُلِّ صوتٍ غريب . حِينَ
تُغلِق الريحُ بابًا في الأعلى ، تَرتجف أجسادُهم الصغيرة كأنَّهُم سَمِعُوا
نِهايةَ العَالَم . أرى عُيونَهم الواسعة تَلْمَع في الظلام ، عُيون لا تُشبِه
عُيونَ الأطفالِ ، بَلْ تُشبِه عُيونَ حَيَوَاناتٍ هَرَبَتْ مِنْ غابةٍ مُحترقة .
كانتْ نايدا ، تِلْك المَرْأة
النحيلة ، ذات الحِجَاب الكُحْلي ، تَجْمعهم حَوْلَها ، تَحْتضنهم واحدًا واحدًا ،
وَتُغَنِّي لَهُم أُغْنِيَةً بُوسنية حزينة لا أفهمُ كلماتها ، لكنَّ نَغْمتها
تَكْفي . حِينَ تُغَنِّي ، كانَ الصمتُ يُصْبح أقلَّ قَسْوَةً . أصابعُها الطويلة
تَمُرُّ على شَعْرِ طِفْلٍ أوْ خَدِّ آخَر ، وكأنَّها تَزرَع فِيهم وَعْدًا بأنَّ
الضَّوْء سَيَعُود .
في الزاويةِ الأُخْرَى ، كانت
امرأة شابَّة تُحدِّق في الجِدار لِسَاعات . لَمْ تَنطِق بكلمةٍ مُنْذُ وصلتْ سِوى
مَرَّةٍ واحدة حِينَ دخلتْ أوَّلَ لَيلةٍ ، وقالت : (( بَيْتي هُناك ، تحت الجِسْر
)) ، ثُمَّ سَكَتَتْ . بعد أيام ، أدركتْ أنَّ بَيْتَها لَمْ يَبْقَ مِنْه شَيْء ،
وأنَّ مَنْ كانوا فيه صاروا رَمادًا . لَمْ تَذْرِفْ دَمْعَةً . بَكَتْ بصمتٍ
آخَر، بصمتٍ يُمِيتُ مَنْ يَرَاه .
الأطفالُ يَتشاركون
بَطَّانِيَّات لا تَكْفيهم. بَعْضُهم حُفَاة ، وَبَعْضُهم فَقَدَ نِصْفَ ثِيابَه
في الهُروب. في الليلِ ، حِينَ يَهْدَأ القَصْفُ قليلًا ، نَسْمَع أنينَ البَرْدِ
مِنْ بَيْنِ أنفاسهم . كُنْتُ أَمُدُّ لَهُم مِعْطَفي الوحيدَ أحيانًا ، فأراه
يُغَطِّي طِفْلَيْن معًا ، وكأنَّنا نُحاول تَغطيةَ العاصفةِ بِقِطْعَةِ قُماش .
إدريس ، بساقهِ العَرْجاء ،
كانَ يتفقد البابَ الحديديَّ كُلَّ ساعةٍ . يَقُول إنَّ الطُّمَأنينة لا تأتي مِنَ
الجُدْران ، بَلْ مِنَ الأبوابِ التي تَبْقَى مُغْلَقَة . كُنْتُ أراه يَقِفُ
هُناك ، عُكَّازُهُ الخشبيُّ في يَدِه ، والبُندقيةُ على كَتِفِه . عِندما تَمُرُّ
قذيفة بعيدة ، يَضْغَط على فمه بأسنانه كَيْ لا يَصْرُخ . أعرفُ أنَّه يَتألَّم ،
فالساقُ الصِّناعية تَضْغَط على اللحم كُلَّما ارتَجَّت الأرضُ ، لكنَّه لَمْ
يَشْكُ مَرَّةً واحدة .
نَقْتَاتُ على مَا تَبَقَّى
مِنَ المُعلَّبات التي عَثَرْنا عَلَيْها في المَطبخِ القديمِ . العُلَبُ الفارغةُ
إلا مِنْ فُتَات صَدِئ ، والماء الذي نَشرَبه مُلوَّث بِطَعْمِ الحديد . كُلُّ
رَشْقَةٍ مُغَامَرَةٌ ، وكُلُّ لُقْمَةٍ انتظارٌ لِمَغْصٍ قَدْ يَقْتُل أحدَ
الأطفالِ .
أحيانًا ، كانتْ نايدا تُوزِّع
الطعامَ كما تُوزِّع الرَّحمةَ . تَفْتَح العُلبةَ الصغيرة ، تَنظُر إلى الأطفال ،
ثُمَّ تَضَع قِطْعَةً صغيرة في كُلِّ يَدٍ مُرتجفة . حِينَ يَصِلُ دَوْري ، كُنْتُ
أرفض ، فَتُصِر ، وَتَقُول بِلُغَتها المُكسَّرة : (( أنتَ الحارس ، الحارس يأكل
كَيْ يَبْقَى واقفًا )). لكنَّ الحقيقة أنَّني لَمْ أكُنْ حارسًا، بَلْ شَاهِدًا ،
شَاهِدًا على بَشَرٍ يَذُوبون بِبُطْء ، على نِسَاء يُسَرِّحْنَ شَعْرَ أطفالٍ
لَنْ يَكْبَرُوا ، على رُعْبٍ لَهُ صَوْتُ تَنَفُّسٍ وَدُمُوعٍ وارتعاشٍ في
الأصابع .
الليلُ في المَلْجَأ كانَ له
شكلٌ مُختلِف . لا يُشبِه الليلَ في الخارج ، ذلك الذي تَعرِف فيه النُّجُومَ
والرِّيحَ ورائحةَ الأرضِ . هُنا ، الليلُ كُتْلَةٌ واحدة ، مُتواصلة ، تَمْتَدُّ
مِنْ غُروبٍ إلى غُروبٍ دُون فَجْرٍ . أسمعُ دَقَّاتِ قَلْبي كأنَّها ساعة في
غُرفةٍ فارغة ، وأسمعُ تَنَفُّسَ إدريس المُتقطع ، كصوتِ آلةٍ قديمةٍ تُحاول ألا
تَتَوَقَّف .
ذَات مَرَّةٍ ، سقطتْ قذيفة
قريبة جِدًّا . اهْتَزَّ السقفُ ، وتطايرَ غُبارٌ كثيف حتى صِرْنا لا نَرى شيئًا .
صَرَخَ الأطفالُ ، والنِّسَاءُ ارْتَمَيْنَ على الأرض . أبحثُ عَن الضَّوْءِ
بِيَدَيَّ ، أتحسَّس الوُجوهَ لأتأكد أنَّ أحدًا لَمْ يَخْتَفِ . ثُمَّ سمعتُ
صَوْتَ إدريس ، يَصْرُخ مِنْ قُرْبِ الباب : (( لا تَفْتَحْه ، ابْقَوْا هُنا )).
عَيْناه دَامِعَتان. قالَ بصوتٍ خافتٍ ، وَهُوَ يَنظُر إلى الأرض : (( المَدرسةُ
التي أمامَنا سَقَطَتْ )) . لَمْ أسْألْه : ماذا يَعْني " سَقَطَتْ " ؟
. كُنْتُ أعرف . كلمة " سَقَطَتْ " صارتْ تُقَال عَن البُيُوتِ ،
والمُدُنِ ، والقُرَى ، والأحِبَّاء ، عَنْ كُلِّ مَا لَمْ يَعُدْ قائمًا . في
تِلْك الليلة ، جلستُ قُرْبَه طَويلًا . لَمْ نَتكلم .
كانتْ نايدا تَنَام وَهِيَ
تَحْتَضِن طِفْلًا يَتنفس بِصُعوبة . والنِّسَاءُ مُلْتَفَّاتٌ حَوْلَ بَعْضِهِنَّ
كدوائر خَوْفٍ بشرية . كُلُّ شَيْءٍ سَاكِنٌ إلا العُيون ، العُيون التي لا
تَنَامُ أبدًا . أدركتُ أنَّني لَمْ أَعُدْ أنتظرُ النَّجَاةَ . كُلُّ مَا
أرَدْتُهُ هُوَ أنْ يَمُرَّ الليلُ دُون أنْ يُقْتَلَ أحد ، أنْ يَبْقَى هَذا
المَلْجَأ قائمًا يَوْمًا آخَر ، فَقَط يَوْمًا واحدًا آخَر . لَمْ يَكُنْ أحدٌ
يَعرِف مِنْ أيْنَ بَدَأ القَصْفُ تِلْك الليلة. كُنَّا نَظُنُّ أنَّ الحربَ
تَبتعد عَنَّا شيئًا فَشيئًا، وأنَّ خَطَّ النارِ قَدْ تَجاوزَ القريةَ الصغيرةَ
وَنَسِيَهَا،لكنَّ الحربَ لا تَنْسَى أحدًا، فَقَط تَخْتبئ قليلًا لِتَعُودَ أكثرَ
جُوعًا .
بَدَأ كُلُّ شَيْء بصوتٍ بعيد
، كَدَوِيِّ الرَّعْدِ ، ثُمَّ اقتربَ سريعًا ، حتى صارَ الهواءُ نَفْسُهُ
يَهْتَزُّ . أوَّلُ قذيفةٍ سقطتْ على بُعْدِ مِئة مِتْر ، ثُمَّ الثانية أقْرَب ، والثالثة
لامستْ جِدَارَ المَدرسةِ القديمة . في لَحْظَةٍ واحدة ، انقلبَ المَلْجَأ إلى
فَوْضَى مِنَ الغُبارِ والصُّرَاخِ .
رَكَضَ الأطفالُ في كُلِّ
اتِّجاهٍ كعصافير بِلا أجنحة . صَرَخَت النِّسَاءُ بأسماء لا نَعرِفها ، رُبَّما
أسماء مَنْ رَحَلُوا ، أوْ مَنْ يَنْتَظِرْنَ وُجُوهَهم عَبَثًا. نايدا كانتْ
تَصْرُخ : (( انْبَطِحُوا ، لا تَتحركوا )) ، لكنَّ صَوْتَها ضاعَ بَيْنَ العَويلِ
والارتطام . أُحَاوِلُ أنْ أبْدُوَ هادئًا . صَرَخْتُ بالعربية دُون أنْ يَفْهمني
أحدٌ : (( إلى الأرض ، إلى الأرض )) . لكنْ لا أحد في الخَوْفِ يَسْمَعُ لُغَةَ
أحَدٍ . الغُرفةُ تَضِيق ، والغُبارُ يَمْلأ الأنفاسَ ، والسَّقْفُ يَهْتَزُّ
كأنَّه يُوشِك أنْ يَنهار . ثُمَّ سَمِعْنا صوتَ الحديدِ يَنكسر ، صوتَ البابِ
الخارجيِّ ، بابِنا الوحيد ، يَتفكَّك تحت ضغط الانفجار .
إدريس كانَ أوَّلَ مَن اندفعَ
نَحْوَه . رَأيْتُهُ يَجُرُّ سَاقَه بِسُرعة لا تَلِيق بِعَجْزِه ، يَصْطدم
بالجِدار ، يَلْتقط بُندقيته المَكسورة ، يَصرخ بِشَيء بِلُغته لَمْ أفْهَمْه .
ركضتُ خَلْفَه ، والغُبارُ يَلْسَعُ عَيْنَيَّ .
حِينَ وَصَلْنا البابَ ، كانت
الشَّظايا تُضِيءُ الظلامَ كَشَرَارات الجحيم . رائحةُ البارودِ امتزجتْ برائحةِ
الرُّطُوبةِ القديمة ، فصارتْ أنفاسي نارًا في صَدْري . قالَ إدريس بصوتٍ مُرتجف :
(( لا تَفْتَحْه ، سَيَظُنُّونَ أنَّنا نَرُدُّ عَلَيْهِم )) . لكنَّ البابَ
انفتحَ نِصْفَ فُتْحَةٍ ، تَكْفي لِمُرورِ الرُّعْبِ .
مِنْ خِلالِ الفُتْحةِ الصغيرة
، رَأيتُ الشارعَ يَشتعل ، والجُدران مائلة ، وَسَقْفٌ في الطرفِ الآخَرِ يَسْقُطُ
على رُؤوسٍ تَركُض . سمعتُ صَرْخَةَ امرأةٍ مِنَ الخارج ، ثُمَّ سُكونًا حادًّا
بَعْدَها . عُدْتُ إلى الداخل وأنا أرتجف . الأطفالُ مُلْتصقون ببعضهم في الزاوية
، والنِّسَاءُ فَوْقَهم كأجنحة تُحاول حَجْبَ السماءِ . نايدا تَضْغَط بِيَدَيْهَا
على أُذُنَي طِفْلَيْن ، تَهمِس بِشَيء مُتكرِّر : (( ناموا ، ناموا ، ناموا )) .
لكنَّ النَّوْمَ لَمْ يَعُدْ يَعرِف طريقَه إلى أحد . قذيفة أُخْرَى ، ثُمَّ
ارتطام ، ثُمَّ ظُلْمَة تامَّة . سَقَطَ ضَوْءُ المِصباحِ الوحيد ، وَتَحَوَّلَ
المَلْجَأ إلى لَيْلٍ داخليٍّ . لَمْ نَعُدْ نَرى ، بَلْ نَحُسُّ . نَحُسُّ
بالهواءِ وَهُوَ يَرْتَجُّ ، بالجُدرانِ وَهِيَ تَئِنُّ ، بالأرضِ تَحْتَنَا
وَهِيَ تَتَنَفَّس ألَمَهَا . صَوْتُ بُكَاءٍ خافتٌ تَسَلَّلَ مِنَ الرُّكْنِ ،
ثُمَّ آخَر ، ثُمَّ صارَ البُكَاءُ جَمَاعِيًّا . لَمْ يَكُنْ بُكَاءَ خَوْفٍ
فَقَط ، بَلْ بُكَاء انتظار ، انتظار النِّهاية التي يَعرِفها الجميعُ ، ولا
يُريدون أنْ يَرَوْهَا .
اقتربتُ مِنْ إدريس . أمسكَ
بِيَدِي بقوةٍ مُفاجئة ، وقال وهو يَلهث : (( إنْ سَقَطَ السقفُ ، لا تَهْرُبْ ،
ابْقَ مَعَهُم )). لَمْ أُجِبْ . نظرتُ حَوْلي إلى الوُجوهِ المُغْبَرَّةِ ،
والنِّسَاءِ اللواتي صِرْنَ كتماثيل مِنْ تُراب ، والأطفالِ الذينَ يَرتجفون بِلا
صَوْت . أدركتُ أنَّني لَنْ أهْرُب . حتى لَو استطعتُ ، لَمْ أعُدْ أمْلِكُ وجهًا
يَخرُج إلى النُّورِ بَعْدَ الأشياءِ التي رَأيْتُهَا .
ثُمَّ جاءَ الانفجارُ الأكبرُ
. كُلُّ شَيْءٍ اهْتَزَّ . السَّقْفُ تَشَقَّقَ . تَساقطَ الغُبارُ مِثْلَ مَطَرٍ
مِنْ رَمادٍ ، وَعَلَتْ صَرْخةٌ واحدة عظيمة ، لَمْ أعْرِفْ مَنْ أطْلَقَهَا ،
رُبَّما كُلُّنا معًا . بَعْدَ لَحْظةٍ ، سَكَنَ كُلُّ شَيْء . الهواءُ ثقيل ،
والرُّؤيةُ مُعْتِمَة . رفعتُ رأسي بِبُطْء ، سمعتُ أنينًا ، ثُمَّ بُكَاءً ،
ثُمَّ سُعَالًا مُتَقَطِّعًا . كانتْ نايدا ما زالتْ حَيَّةً ، تَحتضِن الأطفالَ
بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا . إدريس مُمَدَّدٌ قُرْبَ البابِ ، جسدُه مُغَطى بالتُّرابِ ،
لكنَّه يَتحرَّك. رفعتُ قِطْعَةً مِنَ الخشبِ عَنْ صَدْرِه ، فابتسمَ بِصُعوبةٍ ،
وقال: (( لَمْ يَسْقُط السَّقْفُ بَعْد )) .
في تِلْك اللحظة فَقَط، أدركتُ
معنى الحياةِ وَسَط الخَراب . أنْ تَبْقَى على قَيْدِ الألَمِ لا أكثر.
اسْتَيْقَظْنَا على صَوْتِ السُّعال . لَمْ يَصرُخ أحد ، فقط سُعال مُتقطع يَخرُج
مِنْ صُدورٍ مُغْبَرَّة . لَمْ أعرفْ كَمْ مِنَ الوقتِ مَرَّ مُنذُ الانفجارِ
الأخيرِ ، رُبَّما سَاعَة ، رُبَّما دقائق ، لكنَّ الزمن في المَلْجَأ صارَ مِثْلَ
الغُبار بِلا شكلٍ ولا وَزْنٍ . الرائحةُ خانقة ، وَمَزِيجٌ مِنَ الدُّخَانِ
والرُّطُوبةِ والدَّمِ. لَمْ أرَ شيئًا في البِداية . كُلُّ شَيْء حَوْلي كانَ
رَماديًّا ، كأنَّنا اسْتَيْقَظْنَا داخلَ غَيْمةٍ مُحترقة . ثُمَّ بَدَأت
الوُجوهُ تَظْهَر بِبُطْء ، وُجوه النِّساءِ وَقَد التصقَ التُّرابُ بِدُموعهن ،
وُجوه الأطفالِ وَقَدْ تَلَطَّخَت بالرَّمادُ حتى ظَهَروا كتماثيل صغيرة خرجتْ
مِنْ تحت الأرض .
نايدا كانتْ أوَّلَ مَنْ
تَحَرَّكَ . رَأيْتُهَا تَزْحَفُ نَحْوَ رُكْنٍ بعيد ، تَبْحَثُ بَيْنَ الرُّكَام
عَنْ شَيْء . صرختُ بِها كَيْ تَتوقف ، لكنَّها لَمْ تَسْمَعْ . حِينَ وصلتُ إلَيْها
، كانتْ تَرفع خشبةً سقطتْ على امرأةٍ شابَّة. المَرْأةُ لَمْ تَتحرَّك . نايدا
وضعتْ رأسَها في حِجْرِها ، تَنظُر إلَيْها بصمتٍ كأنَّها أُمٌّ فَقَدَت
ابْنَتَهَا مُنْذُ زمن. أمَّا إدريس ، فَقَدْ نَهَضَ بِصُعوبة. سَاقُه العَرْجاء
تَنْزِفُ مِنْ مَوْضِعِ الوَصْلِ المَعْدِنِيِّ ، والعَرَقُ يَلْمَعُ على جبينه .
كانَ يَتفقد الجِدارَ الخارجيَّ، يَطْرُق عَلَيْه بِعَصَاه الخشبية ، يَسْتمع إلى
صَدَاه .
حِينَ سَألْتُهُ ماذا يَفعل ،
قال: (( أبحثُ عَنْ شَقٍّ في الجِدار، إنْ كَبِرَ أكثر، سَيَنْهار المَكان )).
أُريدُ أنْ أصْرُخ ، أنْ أقُول
له إنَّ الجِدار لَيْسَ مَا يُخِيفُني ، بَل الصَّمْت . ذلك الصمت الثقيل الذي ملأ
المَكانَ بعد العَويل . صَمْتُ المَوْتِ حِينَ يَجلِس بَيْنَنا ، ولا يَخْرُج .
سَاعَدْنا النِّسَاءَ على
إخراجِ المُصَابين . هُناك فتاة صغيرة لا تَتجاوز الثامنة ، يَدُها مَحشورة تحت
لَوْحٍ مِنَ الطُّوب . حاولتُ أنْ أرفعَ الطُّوبَ بِيَدَيَّ ، لكنَّه كانَ أثقلَ
مِنْ قُدْرتي . نظرتْ إلَيَّ بِعَيْنَيْن واسعتَيْن ، فيهما شَيْء مِنَ الرَّجاءِ
، وشَيْء مِنَ الاستسلام . قالتْ بصوتٍ بالكادِ يُسمَع : (( لا تُؤْلِمْني )) .
حِينَ رفعتُ الحَجَرَ أخيرًا ، خرجتْ يَدُها مُتَوَرِّمَة ، لكنَّها حَيَّة .
بَكَتْ نايدا وَهِيَ تَضُمُّها إلى صَدْرها ، كأنَّها انتزعتْ قلبَها مِنْ بَين
الرُّكام .
أصواتُ الانفجاراتِ خَفَّتْ في
الخارج ، لكنَّ الرُّعْبَ لَمْ يُخفِّف قَبْضَتَه . كُنَّا نَسْمَع بَين حِينٍ
وآخَر أصواتًا غريبة ، طَرَقَات، صَرِيرًا بعيدًا ، خُطُواتٍ قَدْ تَكُون خَيَالًا
أوْ جُنودًا .
إدريس قالَ إنَّه سَيَصْعَد
إلى الطابقِ العُلْوي لِيَتَفَقَّدَ المَكانَ . صرختُ فيه أنْ لا يَفْعَل ، لكنَّه
ابتسمَ ابتسامةً صغيرة ، وقال : (( إذا دخلوا عَلَيْنا ، لَنْ يَبْقَى أحدٌ
لِيَحْرُسَ الأطفالَ )) . تَرَكَ عُكَّازَه ، وَتَسَلَّقَ السَّلالِمَ بِبُطْء ،
خُطْوَةً خُطْوَةً ، حتى ابْتَلَعَتْهُ العَتَمَة . مَرَّتْ دقائق كأنَّها قُرُون
. كُلُّ امرأةٍ تَحتضِن طِفْلَها كأنَّها تُودِّعه بصمت . أسمعُ صَوْتَ تَنَفُّسِي
وَهُوَ يَتسارع ، وَصَوْتَ دَقَّاتِ قَلْبي كأنَّها المِطْرقة الوحيدة في هذا
العَالَم .
عادَ إدريس . وَجْهُهُ رَمادي
، وَعَيْناه حَادَّتان كَمَنْ رَأى شيئًا لا يُمكِن وَصْفُه . قالَ بصوتٍ مُنخفض :
(( الطريقُ مَقطوع ، النارُ في كُلِّ مَكان )) . جَلَسَ قُرْبَ البابِ الحديدي ،
أسْنَدَ ظَهْرَه إلى الجِدار ، وقال : (( لَنْ نَخْرُجَ الليلةَ )) . انحنى ،
وأخذَ بُندقيته . مَسَحَ الغُبارَ عَنْها ، ثُمَّ راحَ يَنظُر إلى الأطفال . قالَ
لِي بِبُطْء :
_ نَحْنُ الحُرَّاس ، ألَيْسَ
كذلك ؟ .
_ بَلَى .
_ الحارسُ لا يَترُك مَنْ
يَحْرُسُهُم .
تِلْك الليلة لَمْ أَنَمْ .
جَلَسْنا أنا وإدريس قُرْبَ الباب ، نَسْمَع تَنَفُّسَهم في الظلام ، وأصواتَ
الأجسادِ المُرْهَقَة ، والهَمَسَات الخافتة كَفَرَاشَاتٍ بِلا ألوان ، وأبجدياتٍ
بِلا كَلِمَات . ظَنَنْتُ أنَّ الخَوْفَ سَيَقْتُلُنا ، لكنَّه لَمْ يَفْعَلْ .
صارَ شيئًا آخَر ، أكثرَ هُدوءًا ، وأكثرَ وَجَعًا ، كأنَّنا لَمْ نَعُدْ نَخافُ
المَوْتَ ، بَلْ نَخَاف أنْ يَتركنا على قَيْدِ الحياةِ هَكَذا .
عِندَ الفَجْرِ بدأ الضَّوْءُ يَتسلَّل
مِنْ فُتْحَةٍ في السَّقْفِ ، ضَوْء رَمادي باهت ، كأنَّه لا يَجْرُؤ على الدُّخول
. نظرتُ إلَيْه ، ثُمَّ إلى وُجوههم حَوْلي ، وَقُلْتُ في نَفْسِي : (( نَحْنُ
لَمْ نَنْجُ ، نَحْنُ فَقَط لَمْ نَمُتْ بَعْد )) .
في الصباح الذي تلا الهُجومَ ،
كانَ كُلُّ شَيء ساكنًا على نَحْوٍ غريب . حتى الريح ، التي كانتْ دائمًا تَزُورنا
عَبْرَ الشُّقُوق ، بَدَتْ خائفةً مِنَ الدُّخول . الهواءُ مُشبَع برائحةِ
التُّرابِ المَبلولِ والرَّماد، وكأنَّ الحرب تركتْ أنفاسَها مَعَنَا ، ثُمَّ
رحلتْ مُؤقَّتًا .
جلستُ قُرْبَ البابِ الحديديِّ
أُراقِب الضَّوْءَ الذي يَتسلَّل مِنْ فُتْحةٍ صغيرة . الأطفالُ مَا زالوا
نِيَامًا في أحضانِ أُمَّهاتهم ، وَوُجُوهُهُم المُغْبَرَّةُ تُشبِه أجنحةَ
الفَراشاتِ المَكسورةَ . نايدا كانتْ مُستيقظةً ، تُنظِّف بِقِطْعةِ قُماشٍ
مُبَلَّلَة جُرْحَ فَتاةٍ صغيرة في ساقها . كُلُّ حركةٍ مِنها كانتْ بِبُطْء
يُشبِه البَحْرَ الباكي ، كأنَّها تُداوي العَالَمَ لا الجُرْحَ .
إدريس يُراقبنا بصمتٍ مِنْ
زاويةِ الغُرفة . وَجْهُهُ شَاحِبٌ ، وَسَاقُه مَلْفوفة بِقِطْعةِ قُماش مُلطَّخة
بالدَّمِ . حِينَ حاولَ الوُقوفَ سَقَطَ ، ثُمَّ ضَحِكَ بِخُفُوتٍ ، وقالَ لِي :
(( أظُنُّ الحربَ كَسَبَتْ جَوْلةً جديدةً )) . لَمْ أرُد . سمعتُ في الخارجِ
شيئًا جديدًا ، صَوْتًا لَمْ أسْمَعْهُ مُنذُ أيام ، طَرَقَات ، خفيفة أوَّلًا ،
ثُمَّ أقْوَى . طَرْقٌ على الحديد .
نظرتُ إلى إدريس ، فَتَبَادَلْنا
النَّظْرةَ نَفْسَها ، مَزيج مِنَ الرَّجَاءِ والخَوْفِ . اقتربتُ مِنَ البابِ ،
وضعتُ أُذُنِي عَلَيْه. الصَّوْتُ كانَ بَشَرِيًّا واضحًا ، ثُمَّ جاءَ صَوْتُ
رَجُلٍ يَتحدَّث بِلُغَةٍ لا أفهمها تَمامًا، لكنَّني التقطتُ مِنها كَلِمَةً
واحدةً : (( مَدَنِيُّون )) .
صَرَخَ إدريس مِنْ مَكانِه :
_ مَنْ هُناك ؟ .
جاءَ الرَّدُّ بصوتٍ مَبحوح :
_ نَحْنُ مِنْ قَريةٍ بعيدة ،
نَبحث عَنْ مأوى ، مَعَنَا جَرْحَى .
نَظَرَ إلَيَّ إدريس طويلًا،
ثُمَّ قال: (( إنْ فَتَحْنَا، قَدْ يَدخُل إلَيْنَا المَوْتُ، وإنْ لَمْ نَفْتَحْ،
قَدْ نَمُوت في الداخلِ بِبُطْء )). ترددتُ لَحْظَةً ، ثُمَّ مَدَدْتُ يَدِي
نَحْوَ المِزْلاجِ الصَّدِئ . فَتَحْتُهُ بِبُطْء، فَصَدَرَ صَرِيرٌ حادٌّ جَعَلَ الأطفالَ
يَسْتيقظون مَفْزُوعين. انفتحَ البابُ نِصْفَ فُتْحَةٍ،وَدَخَلَ الضَّوْءُ
أوَّلًا، ضَوْءٌ شَاحِبٌ يَحمِل في طَيَّاتِه غُبارَ الطريقِ ، ثُمَّ وُجوه ثلاثة
رِجال مُنْهَكِين ، وامْرَأتَيْن تَحْمِلان طِفْلَيْن تَمَّتْ تَغْطيتهما
بالبَطَّانِيَّات. واحدٌ مِنَ الرِّجالِ كانَ يَنزِف مِنْ كَتِفِه ، والآخَرُ
يَعْرُج أكثرَ مِنْ إدريس .
قالَ إدريس وَهُوَ يَتَفَحَّصُهُم
:
_ كَمْ عَدَدُكُم ؟ .
رَدَّ أحدُهم بِلُغَةٍ
مُكسَّرة :
_ تِسْعَة ، والباقون لَمْ
يَصِلُوا .
أدْخَلْنَاهُم . امتلأ
المَلْجَأ فَجْأةً بأنفاسٍ جديدة ، أنفاس خَوْفٍ آخَر . لكنْ في عُيونهم شَيْء
يُشبِه الأملَ المَكسورَ ، الأمل الذي يَتَشَبَّث بالحياةِ ، لأنَّه لَمْ يَعُدْ
يَملِك سِوَاها .
جلسوا على الأرض ، وَبَدَؤُوا
يَحْكُون قِصَّتَهُم . كانوا مِنْ قَريةٍ بعيدة ، فَرُّوا بَعْدَ أنْ أحْرَقَ
الصِّرْبُ بُيُوتَهم . ساروا لَيْلَتَيْن في الغابة ، بِلا طَعامٍ ، بِلا نار ،
يَهْرُبُون مِنْ كُلِّ صَوْتٍ .
قالَ أحدُهم وَهُوَ يَرتجف :
(( سَمِعْنا أنَّ هذه المَدرسة فِيها أُنَاس لَمْ يُقْتَلُوا ، جِئْنَا نُشاركهم
الانتظارَ )) . هذه الجُملة عَلِقَتْ في رأسي : (( نُشاركهم الانتظارَ )) . كأنَّ
البَقَاءَ صارَ نَوْعًا مِنَ الطابور الطويل نَحْوَ المَجهول .
نايدا أحضرتْ مَا تَبَقَّى
مِنَ الماء . قَسَمَتْهُ بَيْنَهم كما كانتْ تَفْعَل دَوْمًا ، بَعْدَ أنْ تَسْقي
الأطفالَ أوَّلًا . أحدُ الرِّجال الجُدُدِ أخذَ رَشْفَةً صغيرة ، ثُمَّ نظرَ
إلَينا، وقال :
_الطريقُ إلى الغابةِ مَا زالَ
مَفتوحًا مِنَ الجِهةِ الغربية،إنْ أردتُم الهربَ،فَغَدًا هُوَ الفُرصة الأخيرة.
تَجَمَّدَ إدريس في مَكانِه ،
وقالَ بصوتٍ مُتعَب :
_ والغابةُ تأخذُنا إلى أيْن ؟
، إلى قَريةٍ أُخْرَى تُقْصَف ؟ .
_ رُبَّما ، أوْ رُبَّما إلى
لا شَيْء ، لكنْ لا شَيْء أفضل مِنَ المَقْبرةِ التي نعيشُ فِيها الآن .
سَكَتَ الجميعُ . حتى الأطفال
تَوَقَّفُوا عَن الحركة ، كأنَّهُم شَعَرُوا أنَّ شيئًا مَا في الهواءِ تَغَيَّرَ.
جلستُ بالقُرْبِ مِنْ إدريس .
يُحدِّق في الجِدارِ المَكسور ، في الشَّقِّ الذي نَمَا بعد الهُجوم . قُلْتُ له :
_ هَلْ سَنَهْرُب ؟ .
أدارَ وَجْهَه نَحْوي بِبُطْءٍ
، وابتسمَ ابتسامةً صغيرة ، وقال :
_ لا أدري يا صَديقي .
ثُمَّ نَظَرَ نَحْوَ النِّساءِ
والأطفالِ ، وقال :
_ بعضُ الأسوارِ لا تُغَادرها
الأقدامُ ، بَل القُلوب . والرَّحيلُ قَدْ يُنَجِّينا مِنَ المَكان ، وَيُبْقِينا
أسرى الذِّكْرَى .
أمْضَيْنَا بَقِيَّةَ النهارِ
نَحْزِمُ مَا تَبَقَّى لَدَيْنا : بَطَّانِيَّات مُمَزَّقَة، بعض المُعلَّبات ،
القليل مِنَ الماء ، بُندقية إدريس التي بالكادِ تَعْمَل . لَفَّت النِّساءُ
الأطفالَ بأقمشةٍ سميكة ، والرِّجالُ الجُدُدُ ناموا قُرْبَ البابِ كأنَّهم
يَسْتَعِدُّون للمُغادَرة في أيَّة لَحْظة . أمَّا أنا ، فجلستُ أكتبُ على جِدارِ
المَلْجَأ بِقِطْعةِ فَحْمٍ مُحترقة : (( هُنا انْتَظَرْنَا أنْ يَمُرَّ الليلُ
دُون أنْ يَسقُط السَّقْفُ )) . حِينَ نظرتُ إلى الجُملةِ ، شعرتُ أنَّها لَيْسَتْ
وَداعًا فَقَط ، بَلْ هِيَ وَعْدٌ مُعلَّق ، وَعْد بأنَّ مَنْ يَجِيء بَعْدَنا
سَيَعْرِف أنَّنا كُنَّا نَحْرُس شيئًا أكبرَ مِنْ أنفُسِنا : بعض الرَّحمة ، وبعض
الأمل .
وَقَبْلَ أنْ يَنَام إدريس ،
قالَ بصوتٍ مُنخفض : (( غَدًا ، إنْ خَرَجْنا ، سَنَمْشِي بِبُطْء ، حتى لا نُوقِظ
الاحتضارَ )) . غَادَرْنا المَلْجَأ عِند الغُروب . الضَّوْءُ الأخيرُ مِنَ النهار
يَنزلق على جُدرانِ المَدرسةِ المُهدَّمة ، كأنَّ الشمسَ نَفْسَها تُودِّعنا بخجل
. نايدا حَمَلَت الطِّفلةَ الجريحة على ظَهْرِها، والنِّسَاءُ الأُخْرَيَاتُ
تَبَادَلْنَ الأطفالَ فِيما بَينهن،أمَّا الرِّجال الجُدُد فَحَمَلُوا مَا تَبَقَّى
مِنَ الماءِ والمُؤَنِ. إدريس تَقَدَّمَنَا بِعُكَّازه الخشبيِّ، يَجُرُّ سَاقَه
بِبُطْء ، كُلُّ خُطْوةٍ مِنْهُ تُصدِر صَوْتًا يَختلِط بِصَفيرِ الرِّيح.
لَمْ نَلتفت خَلْفَنا . لَمْ
يَجْرُؤْ أحدٌ على النظر إلى المدرسةِ مَرَّةً أخيرة ، كأنَّنا لَوْ فَعَلْنا لَتَجَمَّدْنا
مَكاننا إلى الأبد. الطريقُ إلى الغابةِ صامتٌ إلا مِنْ أنينِ الأرضِ تحت أقدامنا.
الأشجارُ عَارِيَةٌ، كأنَّها هياكل لأرواحٍ قديمة تُراقبنا مِنَ الأعلى. كُلُّ
ظِلٍّ يَبْدُو تَهديدًا، وكُلُّ نَسْمَةِ هَواء تُشبِه هَمْسَةَ قَنَّاصٍ.
سِرْتُ بجانبِ إدريس ، أُراقب
وَجْهَه في العَتَمَة . كانَ وَجْهًا مَزيجًا مِنَ الألَمِ والإصرارِ . رَجُلٌ
يَجُرُّ ساقَه المَيْتة ، لكنَّه لا يَسْمَح لها أنْ تَجُرَّه إلى الخَلْف .
قُلْتُ له :
_ كَيْفَ تَعرِف الطريقَ ؟ .
قالَ دُون أنْ يَلتفت :
_ لا أعْرِفُه ، لكنَّني أعرفُ
اتِّجاهَ البَرْدِ ، والبَرْدُ عادةً يَقُود إلى الحياة .
ضَحِكْتُ بِخُفُوتٍ لا يُشبِه
الضَّحِكَ ، ثُمَّ تابعتُ السَّيْرَ . كُلُّ بِضْع دقائق كُنَّا نتوقف لِنَسْتمع .
الصَّمْتُ هُنا لَمْ يَكُنْ طُمَأنينة،بَلْ عَدُوًّا. أحيانًا، نَسْمَع في البعيدِ
صَدى إطلاقِ نارٍ، وأحيانًا،لا شَيْء سِوى دَقَّاتِ قُلوبنا المُتعَبة . النِّساءُ
كُنَّ يَهْمِسْنَ للأطفالِ كَيْ لا يَبْكُوا ، وبعضُهم نامَ بَيْنَ الأذْرُعِ
أثناء المَسير ، كأنَّ أجسادَهم الصغيرة استسلمتْ قبل أرواحهم . بعد ساعة أوْ أكثر
، بدأ البَرْدُ يَقْضِمُ أطرافَنا . الثلجُ يَنْتشر في الهواء كَرَمادٍ أبيض .
نايدا تَعَثَّرَتْ ، وسقطتْ على رُكْبَتَيْهَا ، فأسرعتُ إلَيْها. قالتْ وَهِيَ
تَلتقط أنفاسَها : (( الطِّفْلة ساخنة ، الحُمَّى تَشتعل فيها )) .
مَدَدْتُ يَدِي أتحسَّس جَبينَ الصغيرةِ .
جَسَدُها يَحترق . لَيْسَ لَدَيْنا دَوَاء ، ولا غِطاء كافٍ ، ولا مَكان نأوي
إلَيْه . نظرتُ إلى إدريس ، فَوَجَدْتُهُ صامتًا ، يَنظُر إلَيْنا بِعَيْنَيْن
دَامِعَتَيْن . قالَ بصوتٍ مَبحوح : (( عَلَيْنا أنْ نَصِلَ إلى النَّهْرِ قَبْلَ
الفَجْرِ، هُناك كُوخُ صَيْدٍ قديم ، رُبَّما نجد فيه نارًا )) .
تَابَعْنَا المَسِيرَ . كُلُّ
خُطْوةٍ مَعركةٌ بين الجسدِ والإرادة . إدريس كانَ يَتوقف كُلَّ بِضْع دقائق ،
يَتنفس بِصُعوبة ، ثُمَّ يقول لِي : (( لا تَدَعْهُمْ يَرَوْا أنَّكَ خائف ،
الخَوْفُ يَنْتشر أسرعَ مِنَ البَرْد )) .
استقرَّ الخَوْفُ فِينا مُنذُ
زمنٍ. صارَ جُزْءًا مِنْ لَحْمِنا ، مِنْ نَظَراتِنا ، مِنَ الأصواتِ التي لا
نَقُولها. حِينَ وَصَلْنا إلى تُخُومِ الغابةِ الكثيفة ، كانت السماءُ مُلبَّدة .
الثلجُ بدأ يَتساقط بِخِفَّة ، يُغَطِّي الطريقَ ، يَمْحو آثارَ أقدامِنا ،
وكأنَّه يُريد أنْ يَبْتلعنا . كُلُّ شَجَرَةٍ بَدَتْ كَجُنديٍّ مُتربِّص . وكُلُّ
فَرْعٍ يابسٍ يُصدِر طَقْطَقَةً تُشبِه طَلْقَةً . ثُمَّ سَمِعْنا صَوْتًا
حقيقيًّا . طَلْقةٌ واحدة ، حادَّة ، اخترقت الهواءَ . تَجَمَّدَ الجميعُ في
أماكنهم . نايدا ضَمَّت الطِّفْلةَ إلى صَدْرِها ، والنِّساءُ الْتَصَقْنَ ببعضهن
. إدريس رَفَعَ رَأسَه ، نَظَرَ حَوْلَه ، ثُمَّ هَمَسَ لِي : (( قَنَّاص ، فَوْقَ
التَّلِّ الأيسر )) .
لَمْ يَكُنْ في وُسْعِنا
العَودة ، ولا التَّقَدُّم بِسُرعة. تَسَلَّلْنَا بَيْنَ الأشجارِ بصمتٍ تام ،
نَحْبُو أحيانًا، نَحمِل الأطفالَ ، ونَزْحَف أحيانًا أُخْرَى . كُلُّ دَقيقةٍ
أطْوَلُ مِنْ عُمْرٍ . فَجْأةً ، سمعتُ صَوْتَ ارتطامٍ خَلْفِيٍّ . الْتَفَتُّ،
فَرأيتُ الرَّجُلَ الذي كانَ يَنزِف مِنْ كَتِفِه قَدْ سَقَطَ . دَمُهُ امْتَزَجَ
بالثلج ، صارَ الثلجُ أحمر . ركضتُ نَحْوَه ، لكنَّ إدريس جَذَبَني مِنْ ذِرَاعي ،
وقالَ بِقَسوةٍ لَمْ أعرفْها فيه : (( لا ، مَنْ يَعُود ، يَمُوت مَعَه )) .
تَجَمَّدْتُ مَكاني . لَمْ
أستطع الحَرَكَةَ ولا التَّفكيرَ . الرَّجُلُ يَنظُر إلَيَّ بِعَيْنَيْن
مَفتوحتَيْن ، كأنَّهما تَسْألان سُؤالًا لا يَملِك العَالَمُ كُلُّهُ جَوابًا
عَنْه . تَابَعْنا السَّيْرَ. لَمْ يَتكلَّم أحدٌ . تَبْكي النِّسَاءُ بصمتٍ،
والبَرْدُ يَلْسَعُ وُجوهَنا كالسِّيَاطِ . وَحِينَ لاحَ في البعيدِ وَهْجٌ صغير ،
كُوخ الصَّيَّادِ الذي تَحَدَّثَ عنه إدريس ، خُيِّلَ إلَيَّ أنَّنا رَأيْنا
جَنَّةً .
رَكَضْنا في عُمْقِ المَسافةِ
كَمَنْ يَهْرُب مِنْ لَيْلِه . حِينَ دَخَلْنا الكُوخَ ، أشعلَ إدريسُ النارَ
بِيَدَيْن مُرتجفتَيْن . الدِّفْءُ الذي ملأ المَكانَ كانَ أقربَ إلى البُكاءِ
مِنْهُ إلى الراحة . نايدا وضعت الطِّفلةَ قُرْبَ النار ، وَغَطَّتْهَا
بِمِعْطَفِها . الطِّفْلةُ فتحتْ عَيْنَيْها قليلًا ، ابتسمتْ ثُمَّ
أغْمَضَتْهُمَا مِنْ جَديد .
جَلَسَ إدريس إلى جِوَاري ،
عُكَّازُه إلى جانبِه ، والنارُ تَلْمَع في عَيْنَيْه . قالَ بصوتٍ ذابلٍ :
_ كُنَّا نَحرُس مَلْجَأً ،
والآنَ نَحرُس رَمَادَنا .
نظرتُ إلَيْه ، ثُمَّ إلى
النار ، وقُلْتُ :
_ رُبَّما هذا هُوَ القِتال
الحقيقي ، أنْ تَبْقَى حَيًّا رَغْمَ أنَّكَ لا تَملِك سببًا للبَقَاء .
لَمْ يُجِبْ . فَقَط مَدَّ
يَدَه نَحْوَ النار ، كأنَّه يُريدُ أنْ يَلْمِسَ شيئًا لَمْ يَعُدْ مَوْجودًا .
في الخارجِ ، كانَ الثَّلْجُ يُواصِل سُقوطَه بصمتٍ . يُغَطِّي الطريقَ الذي
جِئْنَا مِنْه ، وَيَمْحُو آخِرَ أثَرٍ لَنَا .
اسْتَقْبَلْنَا الفَجْرَ بصمتٍ
ثقيلٍ . الكُوخُ دافئٌ نِسْبِيًّا ، لكنَّه لَمْ يُخَفِّفْ مِنْ إحساسِنا
بالبَرْدِ الذي صارَ في عِظَامِنا . الثَّلْجُ خارجَ النوافذِ مِثْل حِجَابٍ أبيض
، يُغَطِّي كُلَّ شَيْء ، وَيَمْنعنا مِنْ رُؤيةِ العَالَمِ ، أوْ رُبَّما يَمْنَع
العَالَمَ مِنْ رُؤيتنا .
نايدا كانتْ تُنظِّف
الطِّفْلةَ، وجسدُها الصغير يَرتجف بَيْنَ يَدَيْها.النِّسَاءُ الجُدُدُ كُنَّ
مُسْتَسْلِمَاتٍ، أيديهن مُتشابكة ، وعُيونهن تَبحث عَنْ أيِّ شُعاعِ أمان . أنا
جلستُ على الأرضِ ، أُراقِب النارَ ، وأُفكِّر في المَلْجَأ : الغُرفة التي
تَرَكْناها وَراءنا ، الرُّكام ، الصُّرَاخ ، وُجوه الأطفالِ والنِّساءِ التي لا
تُنْسَى . إدريس جلسَ بِجَانبي صامدًا رَغْمَ الساقِ المُصَابة . قالَ: (( هَلْ
نَفْعلها ؟، هَلْ نَعُود ؟ )). أحْسَسْتُ أنَّ السُّؤال مِثْل حَجَرٍ في صَدْري .
العَودةُ تَعْني مُواجَهةَ الجُنودِ ، والقَنَّاصِين ، والمَوْتِ الذي يُمكِن أنْ
يَبْتلعنا في لَحْظة . لكنَّ البَقَاء هُنا ، في الغابةِ البعيدة ، يَعْني أنَّنا
سَنَحْصُل على حَياةٍ صغيرة ، باردة ، لكنَّها خالية مِنْ أُولئك الذينَ كُنَّا
نَحْميهم .
صَمَتْنَا طَويلًا ، ثُمَّ
قالتْ نايدا بصوتٍ مُنخفض : (( الأطفالُ ، لَنْ نَتركهم )) . الكَلِمَةُ كَسَرَتْ
شيئًا في داخلي . أعْلَمُ أنَّها مُحِقَّة . المَلْجَأ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد جِدار
وأرضية مُهدَّمة . كانَ مَلْجَأَ الأرواحِ ، والمكانَ الوحيدَ الذي شعرتْ فيه النِّسَاءُ
والأطفالُ بالسَّلامِ وَلَوْ لِلَحْظة .
إدريس رَفَعَ رَأسَه ، وقال :
(( إذا عُدْنا ، فَلَنْ تَكُون العَوْدة مُجرَّد سَيْر عَبْرَ الثَّلْجِ ،
سَتَكُون حَرْبًا أُخْرَى ، وَرُبَّما لَنْ نَعُود )) . أغمضتُ عَيْنَيَّ ،
أُفكِّر في الأطفالِ الذينَ كانوا يَخْتبئون خَلْفَ الأبوابِ ، والنِّسَاءِ
اللواتي حاولتُ تهدئتهن بِصَوْتي ، ووجوهِهن المُمتلئة بالخَوْفِ والثِّقَةِ بِي
رَغْمَ ضَعْفي. قُلْتُ بِلَهْجةٍ حازمة : (( لَنْ نَتركهم )) . وهكذا اتَّفَقْنا ،
رَغْمَ الرَّعْبِ والإرهاقِ .
بَدَأْنا التَّحضيرَ . أخَذْنا
القليلَ مِنَ الطعام . رَبَطْنا أعْيُنَ الأطفالِ ، وغَطَّيْنَاهُم
بالبَطَّانِيَّات ، وَتَأمَّلْنَا أنْ يَمْسَحَ الثَّلْجُ آثارَ أقدامِنا .
الخُروجُ كانَ أصعبَ مِمَّا تَخَيَّلْتُ . الثَّلْجُ وَصَلَ إلى رُكَبِنا أحيانًا
، والبَرْدُ صارَ مِثْلَ سَكَاكين صغيرة تَدْخُل في كُلِّ عَظْمَةٍ . سَارَتْ
نايدا بَيْنَ النِّساء ، تَدْعُوهُنَّ إلى الصَّمْتِ ، أمَّا إدريس فكانَ يُراقِب
التَّلَّ الذي عَرَفْنَا أنَّ القَنَّاصَ يَقِفُ عَلَيْه .
وبَيْنَما كُنَّا نَسْلُك
الطريقَ ، سَمِعْنا صَوْتَ إطلاقِ نارٍ . صَوْتٌ قريبٌ ، سريع ، يَخْرِقُ
الصَّمْتَ ، وَيَهُزُّ الأرضَ تحت أقدامِنا .
رَكَضْنَا نَحْوَه مُتجاوزين
الخَوْفَ والمَنْطِقَ . كُلُّ خُطْوةٍ تَحطيمٌ للرَّهْبة . حِينَ وَصَلْنا إلى
أطلالِ المَلْجَأ ، كانتْ أصواتُ بُكاءِ الأطفالِ والنِّسَاءِ قَد اختفتْ . كُلُّ
شَيْءٍ هادئٌ بشكلٍ مُخِيف . الدَّمَارُ أكبرُ مِمَّا تَوَقَّعْنا . الرُّكامُ في
كُلِّ مَكانٍ ، والصَّمْتُ أكثرُ صَخَبًا مِنْ أيِّ انفجار .
نايدا ركضتْ أوَّلًا ، تَصرُخ
بأسماء الأطفال ، صَوْتُها يَرتطم بالحُطَامِ . أنا وإدريس ونايدا نَرفَع القِطَعَ
الثقيلة ، نَحفِر بَين الخَراب . قُلوبُنا تَلْهَثُ مِنَ التَّعَبِ والخَوْفِ ،
لكنَّ الأملَ في وُجودِ أحدٍ حَيٍّ جَعَلَنَا نَستمر . سَمِعْتُ صَوْتًا ضعيفًا
مِنْ تحتِ سِقْفٍ مائلٍ : (( هُنا )) . صرختْ نايدا ، والجميعُ اقتربَ . خَرَجَ طِفْلٌ
صغير ، وَجْهُ مُغَطى بالرَّماد ، وَعَيْناه مَفتوحتان عَلى وُسْعِها . أمَّا
النِّسَاءُ فَكُنَّ مُحَاصَرَاتٍ بَين الحُطَام ، لَكِنَّهُنَّ على قَيْدِ الحَياة
.
وَقَفْنا هُناك ، نتنفس
بِصُعوبة ، نَستشعر حَجْمَ مَا حَقَّقْنَاه . لَمْ يَكُن النَّصْرُ على الحَرْبِ ،
بَلْ على الخَوْفِ الذي يُريدُ أنْ يَبْتلعنا جميعًا . إدريس التفتَ إلَيَّ ،
وقالَ بصوتٍ لا يُنسَى : (( أحيانًا ، الشجاعةُ الحقيقية لَيْسَتْ في القِتال ،
بَلْ في العَودةِ لأجْلِ مَنْ لا يَسْتطيعون حِمايةَ أنفسهم )) .
نظرتُ حَوْلي إلى الأطفالِ
وِالنِّسَاءِ والدُّموعِ التي تَلْمَع في عُيونهم ، وأدركتُ شيئًا جديدًا ، نَحْنُ
ضُعَفَاء ، نَعَم ، عاجزون عَنْ رَفْعِ البَنادقِ مِثْلَ المُحارِبين ، لكنَّنا
قادرون على شَيْء أكبر ، أنْ نَكُون أمانًا وسط الحرب ، أنْ نَحْمِيَ القُلوبَ
الصغيرةَ في عَالَمٍ مُحطَّم .
الثَّلْجُ بَدَأ يَخِفُّ ،
وكأنَّ الطبيعة نَفْسَها تَمْنحنا لَحْظةً مِنَ السَّلام. لكنَّنا عَرَفْنا أنَّنا
لَمْ نَنْجُ بَعْد ، وأنَّ الطريق إلى النَّجاةِ طَويل ، وَمَلِيء بالصَّمْتِ
والخَوْفِ ، لكنَّه الطريق الوحيد الذي يُمْكِننا أنْ نُسَمِّيَه حَيَاتَنا .
بَدَأنا المَشْيَ قَبْلَ أنْ
تُشرِق الشمسُ بالكامل . الثَّلْجُ يَلْمَع تحت أقدامِنا ، صامتٌ لكنَّه ثقيل،
وكأنَّه يَضْغَط على كُلِّ خُطْوةٍ نَخْطُوها . الهواءُ باردٌ إلى حَدٍّ يَجْعَل
التَّنَفُّسَ مُؤلِمًا ، والأصواتُ بعيدة جِدًّا ، حتى صدى أقدامِنا يَبْدُو
وكأنَّه في عَالَمٍ آخَر .
إدريس يَتَقَدَّمُنا بِبُطْء ،
عُكَّازُه يَنغرِس في الثَّلْجِ ، في كُلِّ خُطْوةٍ ، لكنَّ عَيْنَيْه يَقِظَتان .
نايدا كانتْ خَلْفَه مُبَاشَرَةً ، تُتابِع الأطفالَ الذينَ بَدَؤُوا يَشعُرون
بالإرهاق . أمَّا أنا ، فَكُنْتُ أسِيرُ في الخَلْفِ ، أحْمِلُ المُعلَّبات
القليلة والبَطَّانِيَّات المُتبقية ، وأُراقِب كُلَّ شَجَرَةٍ ، وكُلَّ ظِلٍّ .
الجُوعُ بَدَأ يَصْرُخُ داخلنا
بَصَوْتٍ لا يُمكِن تجاهله . الأطفالُ يَصْرُخُون أحيانًا مِنَ البَرْدِ ،
وأحيانًا مِنَ التَّعَبِ ، وأحيانًا مِنَ الخَوْفِ الذي يَختلِط بالكُلِّ . نايدا
كانتْ تُهَدِّئهم بالكَلِمَاتِ واللمَسَاتِ، كما لَوْ كانتْ تَعرِف أنَّ الأمل
يُمكِن نَقْلُه عَبْرَ يَدٍ دافئة .
سارتْ بِنَا الغابةُ ساعاتٍ
بِلا أيَّة عَلامة على البَشَرِ أوْ مَأوى . كانت الأشجارُ واقفةً ، وَظِلالُها
الطويلةُ تَجْعَلُ الطريقَ غامضًا ، حتى إنَّنا بَدَأْنا نَتساءل : (( هَلْ
نَسِيرُ في دائرة أَمْ أنَّ الغابة نَفْسَها تُريدُ أنْ تَبْتلعنا ؟ )). ثُمَّ
سَمِعْنا صَوْتَ إطلاقِ نارٍ بعيدًا . صرختْ إحدى النِّسَاء ، وأمسكت الطِّفْلَ
بِشِدَّةٍ. إدريس أمَرَنا بالانبطاح، وأنا وضعتُ يَدِي على كَتِفِه مُحَاوِلًا أنْ
أُطَمْئِنَه. قالَ بصوتٍ ضعيف: (( البقاء ساكنين أفضل مِنَ الركض ، القَنَّاصُ لا
يُخطِئ عِندما تَتحرَّك )) . انتظرْنا دقيقةً أوْ أكثر ، حتى اختفى الصَّوْتُ ،
ثُمَّ تَابَعْنا السَّيْرَ بصمتٍ . كُلُّ خُطْوةٍ نَحفِرها في ذاكرةِ المَوْت ،
وكُلُّ نَفَسٍ كأنَّه وَعْدٌ بالحياةِ بَيْنَ الماضي الذي لا يَمْضي، والزَّوالِ الذي
لا يَزُول .
عِندَ مُنتصَفِ النهار ،
وَصَلْنا إلى جَدْوَلِ ماء صغير ، تَجَمَّدَ جُزْءٌ مِنْه ، لكنَّ بَعْضَه كانَ
صافيًا . شَرِبَ الأطفالُ أوَّلًا ، ثُمَّ النِّسَاء ، وأخيرًا نَحْن . الماءُ
الباردُ تَسَبَّبَ في ارتجافِ أجسادِنا ، لكنَّه أعادَ الحَياةَ إلَيْها بطريقةٍ
غريبة . جلستُ لبعضِ الوقت ، أُرَاقِب إدريس وَهُوَ يَنظُر إلى السَّماءِ
الرَّمادية ، وكأنَّه يُحاول قِراءةَ مُسْتقبلنا بَيْنَ قَطَرَاتِ الثَّلْج .
ثُمَّ ، فَجْأةً ، حَدَثَ شَيْء لَمْ يَكُنْ في الحِسْبَان . صَرَخَ أحدُ
الرِّجالِ الذين فَرُّوا مَعَنَا مِنَ القَرية : (( هُناك ضَوْء ، نار )) .
تَوَجَّهْنا نَحْوَ الصَّوْتِ
بِحَذَرٍ . كُلُّ خُطْوةٍ تَجعل قُلوبَنا تَضطرب أكثر . اكتشفْنا في النِّهايةِ
مَجموعةً مِنَ المَدَنيين الآخَرِين، يُحاولون الاحتماءَ في كُوخٍ مُتداعٍ ،
وَقَدْ أشعَلوا نارًا صغيرةً تَحْميهم مِنَ البَرْد . نايدا هُرِعَتْ إلَيْهِم ،
وأطفالُهم ركضوا نَحْوَ أطفالنا . والدُّمُوعُ كانتْ على كُلِّ الوُجوهِ ، دُموع
الإعياءِ والخَوْفِ والفَرَحِ البسيطِ، لأنَّهُم لَيْسُوا وَحْدَهُم .
جلستُ معَ إدريس بجانبِ النار
. نَظَرَ إلَيَّ ، وقال : (( لَمْ أكُنْ أُصدِّق بأنَّ قَلْبي يَستطيع
التَّحَمُّلَ أكثر مِنْ هذا،لكنْ يَبْدو أنَّ البَشَرَ يَصْنعون الأملَ في أيِّ مكان،
حتى في قلبِ الجحيم)).
ابتسمتُ بِصُعوبة، وأنا أشعرُ
بأنَّ الرابط بَيْنَ المَوْجُودين صارَ أقوى. لَمْ نَكُنْ عائلة بالدَّمِ فَقَط،
بَلْ عائلة بالرَّحمةِ ، والخَوْفِ المُشترَكِ ، والنَّجاةِ المُتبادَلةِ .
الغابةُ الطويلةُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْد ، والجُوعُ والبَرْدُ يُلاحِقاننا . لكنَّنا
تَعَلَّمْنا شيئًا جديدًا ، وَهُوَ أنَّ الحياةَ لَيْسَتْ في المَسافةِ التي
نَقْطعها ، بَلْ في الأيدي التي تُمسِك بأيدينا أثناءَ المَشْي . في المَساءِ ،
حِينَ جَلَسْنا حَوْلَ النارِ ، سمعتُ أنفاسَ الأطفالِ وَهُمْ يَنامون . نايدا
همستْ : (( رُبَّما هذه المَرَّة ، سَيَحْلُمُون بالسَّلامِ ، وَلَوْ قليلًا )) .
إدريس التفتَ إلَيَّ ، وقال : (( لا شَيْءَ يَجْعل القلبَ أجرأ مِنَ الأملِ الذي
يُولِّده الآخَرُون )) .
نظرتُ إلى النارِ ، والوُجوهِ
المُرْهَقَةِ ، والسَّماءِ التي بَدأتْ تُلَوِّنها ألوانُ الشَّفَقِ . عَرَفْتُ
بأنَّنا ، رَغْمَ كُلِّ شَيْء ، مَا زِلْنا على قَيْدِ الحياة ، وهَذا وَحْدَه
كانَ انتصارًا صغيرًا ، لكنَّه حقيقي .
الليلُ حَلَّ بِسُرعة ، كأنَّه
يُريدُ أنْ يَبْتلعنا قبل أنْ نَتمكن مِنَ الوُصولِ إلى النَّهْر . الهواءُ قارسٌ
إلى حَد يَجْعل التَّنَفُّسَ مُؤلِمًا ، والثَّلْجُ تحت أقدامِنا أصبحَ مِثْلَ
قِطَعِ الزُّجَاجِ المَكسور .
الكُوخُ الذي وَجَدْناه كانَ
استراحةً قصيرة ، وَمَا كُنَّا نَملِك سِوى قليل مِنَ الطعامِ والماءِ ، بالكَادِ
يَكْفي للآخَرِين . إدريس يُراقِب الطريقَ أمامَه بِعَيْنَيْن حَادَّتَيْن ،
كَمَنْ يُحاوِل أنْ يَرى المَخاطرَ قبل أنْ تَصِلَ إلَيْنا . نايدا تَحْمِل
طِفْلَيْن بَيْنَ ذِرَاعَيْها ، كُلُّ واحدٍ مُلْتَفٌّ بِبَطَّانِيَّة ،
والنِّسَاء الأُخْرَيَات يَتَقَدَّمْنَ خَلْفَها ، صامدات رَغْمَ الإرهاقِ . أمَّا
أنا ، فَكُنْتُ أحْمِلُ أكبرَ قَدْرٍ مِنَ المُؤَنِ ، وأُراقِب مَا حَوْلَنا بآذان
مَفتوحة لِكُلِّ صَوْتٍ ، وَعُيون مَفتوحة لِكُلِّ حَركةٍ .
وَصَلْنا أخيرًا إلى النَّهْر
. الماءُ مُتجمِّد جُزئيًّا ، لكنَّه يُصدِر صَوْتًا مُخِيفًا أثناءَ تَحركه تحت
طَبَقَةِ الجليد . كانَ عَلَيْنا أنْ نَعْبُرَه ، وإلا سَتُصْبح الرِّحلةُ بِلا
نِهاية . تَجَمَّدَ الدَّمُ في عُروقي . كُلُّ خُطْوةٍ على الحَافَةِ هِيَ اختبار
للشَّجَاعة . إدريس هَمَسَ : (( لا تَتراجعْ ، لا نُريدُ المَوْتَ هُنا )) .
بَدَأْنا بالعُبور . أوَّلُ
خُطْوة هِيَ الأصعب .
الصَّوْتُ كانَ فَرْقَعَةَ
الجليدِ تَحت أقدامِنا . كُلُّ فَرْقَعَةٍ تَجْعَل قُلوبَنا تَخفِق بِشِدَّة .
الطِّفْلُ الذي تَحمِله نايدا بَدأ يَصْرُخ مِنَ البَرْدِ ، فأمسكتُ بِهِ بِقُوَّة
، وأشعلتُ النارَ في قَلْبي فَقَط لأُبْقِيَه دافئًا .
فَجْأةً ، ظهرتْ أشعةُ
الضَّوْءِ في الظلامِ ، قَنَّاص . رَمَيْتُ نَفْسِي على الأرض . شعرتُ أنَّ جسدي
يَخْضَع للبَرْدِ والخَوْفِ معًا . النِّسَاءُ والأطفالُ انبطحوا بِسُرعة ،
لكنَّنا كُنَّا مُرْهَقِين جِدًّا لِدَرَجَةِ أنَّ قلبَ كُلٍّ مِنَّا كادَ يَتوقف
مِنْ شِدَّةِ التَّوَتُّر . الرَّصَاصُ اخترقَ الجليدَ بالقُرْبِ مِنَّا ، صَوْت
انفجار الثَّلْجِ تحت قَذيفةٍ . أحْسَسْتُ بالرُّعْبِ يَتسلَّل إلى كُلِّ جُزْءٍ
مِنِّي .
في تِلْك اللحظة ، اكتشفتُ
شيئًا لَمْ أعْرِفْهُ عَنْ نَفْسِي . رَغْمَ الخَوْفِ والإرهاقِ ، لَمْ أستطعْ
تَرْكَ أيِّ شخصٍ خَلْفي. أمسكتُ بِيَدِ إدريس ، وَقُلْتُ بِصَوْتٍ مُرتجف : ((
لَنْ نَتْرُكَ أحدًا )) .
حَرَّكْنا الأطفالَ بِعِناية ، خُطْوة بِخُطْوة
، والجليدُ يَبْكي تحت أقدامِنا . نايدا تبكي بصمتٍ ، لكنَّها لَمْ تَفْقِد
السَّيطرةَ على نَفْسِها . تُشجِّع الأطفالَ ، وتَهمِس لَهُم : (( لا تَخافوا ،
نَحْنُ هُنا )).
العُبورُ استغرقَ ساعاتٍ ،
كُلُّ ثانيةٍ عُمْرٌ كاملٌ . الرَّصَاصُ تَوَقَّفَ فَجْأةً ، رُبَّما لأنَّ
القَنَّاصَ لَمْ يَعُدْ يَرى ، أوْ رُبَّما لأنَّنا أصْبَحْنا جُزْءًا مِنَ
الظلامِ نَفْسِه . وَصَلْنا أخيرًا إلى الضَّفَّةِ الأُخْرَى ، أرْجُلُنا تَرتعش ،
وأجسادُنا مُتعَبة حتى النُّخَاعِ ، لكنَّ النِّسَاءَ والأطفالَ كانوا على قَيْدِ
الحياة . جَلَسْنا هُناك على الثَّلْج ، نَلهَث ، وَنَرتجف ، لكنَّنا لا نَزَال
أحياء . إدريس الْتَفَتَ إلَيَّ ، وقالَ بِصَوْتٍ مَبْحُوح : (( لَمْ نَكُنْ
أقوياء ، لكنَّنا كُنَّا معًا ، وهَذا كافٍ )) .
نايدا نظرتْ إلَيَّ ، وقالتْ :
(( أحيانًا ، القُوَّةُ الحقيقية لَيْسَتْ في الجسد ، بَلْ في الأيدي التي تُمسِك
بأيدي الآخَرين )) .
نظرتُ إلى الأطفال ،
وُجُوهُهُم الصغيرة التي كانتْ مَليئةً بالخَوْفِ قبل ساعات ، والآن بَدأتْ تَعُود
إلَيها الحياة . عرفتُ في تِلْك اللحظة أنَّ الرِّحْلة لَمْ تَنْتَهِ بَعْد ،
لكنَّنا اكْتَسَبْنا شيئًا لَمْ تَمْنحه لنا أيَّة معركة ، الأمل المُشترَك ،
الرابط الذي يَجعل مِنَ الضُّعَفاءِ حُمَاةً للأملِ .
في تِلْك الليلةِ ، جَلَسْنا
بجانبِ النار ، نَحتضن بعضَنا البعض ، ونُحاول تَدفئةَ أجسادِنا ، وقُلوبُنا على
الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيء ، بدأتْ تَتعلَّم كَيْفَ تَبقى حَيَّةً وَسَطَ الجحيم .
جلستُ على جِذْعِ شجرةٍ مَيْتة
، أُراقِب الأطفالَ الذينَ بَدَؤُوا بالنَّوْم تحت بَطَّانِيَّات مُبلَّلة
بالثَّلْجِ والبَرْدِ . أصواتُ التَّنَفُّسِ المُتعَبة ، والصَّرَخَاتُ الصغيرة
التي صارتْ هَمْسًا ، كُلُّها شَكَّلَتْ سِمفونيةَ الضعفِ البشريِّ الذي أصبحَ
شيئًا أقوى مِنْ أيَّة بُندقيةٍ أوْ تَحصين .
إدريس جلسَ بجانبي ، سَاقُه
المُصابة مُلْتَفَّة بِقِطْعةِ قُمَاش ، لكنَّه كانَ يَبتسم ابتسامةً مليئةً
بالتعبِ والانتصارِ الصامتِ . نايدا تتأكَّد مِنْ أنَّ الجميع دافئون، تَلْمِس
جِباهَ الأطفالِ ، وتَحضُن النِّسَاءَ ، وتَهمِس : (( نَحْنُ مَا زِلْنا على قَيْدِ
الحياة )) .
الليلُ ساكنٌ ، وكأنَّ الغابةَ
نَفْسَها تَحْتضننا. لَمْ يَكُن الصمتُ راحةً كاملة ، كانَ يَحمِل تساؤلات عَن
المُستقبَلِ ، عَن المَلْجَأ الذي تَرَكْناه وراءنا ، عن القُرى التي رُبَّما لَمْ
تَبْقَ فيها حياة .
قُلْتُ لإدريس بصوتٍ مُرتعش :
_ ماذا سنفعل بعد الآن ؟ ،
نعيشُ هُنا إلى أنْ يَجِدَنا أحَدٌ أَمْ نَعُود ؟ .
أمسكَ يَدِي ، وقال :
_ العَودةُ سَتَكُون صَعْبة ،
لكنَّها الطريق الوحيد لِنُثْبِتَ أنَّ مَا قُمْنا بِه لَمْ يَكُنْ عَبَثًا .
نايدا نظرتْ إلَيَّ
بِعَيْنَيْن لَمْ أعرفْ لهما حُدودًا مِنَ الشجاعة، وقالت: (( المَلْجَأ ، كانَ
أمَلَهم ، أملَ الأطفالِ ، لا يُمْكِننا أنْ نَتركه )) . عرفتُ في تِلْك اللحظة
أنَّ الرِّحْلة لَمْ تَنْتَهِ بَعْد ، لكنَّها لَنْ تَكُون مُجرَّد عُبور للثَّلْجِ
والليلِ . كانتْ رِحْلَةً لإعادة بناء شَيْء أعظم مِنَ الجُدْران ، شَيْء لا
يُمكِن أنْ يَكْسِرَه الرصاصُ أو الجليد، الأمل ، الإيمان بالآخَرين ، الشَّجَاعة
التي تُولَد مِنَ الخَوْفِ نَفْسِه . جَلَسْنا هُناك ، نَتَنَفَّسُ البَرْدَ
والصَّمْتَ ، كُلٌّ مِنَّا يُفَكِّر في الطريقِ التالي . بَدأ الأطفالُ يَحْلُمُون
، وَرُبَّما أحلامهم الصغيرة كانتْ تَحْتوي على النُّور الذي لَمْ نَرَهُ مُنذُ
أيام . أمَّا نَحْن ، فَبَدَأْنا نَفْهَم أنَّ القُوَّة الحقيقية لَيْسَتْ في
المَعركة ، بَلْ في البقاءِ ، والحِمايةِ ، والعَودةِ رَغْمَ الخَوْف .
الثَّلْجُ بدأ يَتلاشى بِبُطْء
معَ فَجْرٍ جديد ، والضَّوْءُ يَكشِف مَعالمَ الغابةِ والنهارِ القادم . عرفتُ
أنَّنا سَنتحرَّك مَرَّةً أُخْرَى ، وَسَنُوَاجِه المَخاطرَ مَرَّةً أُخْرَى .
لكنْ ، لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ زمنٍ طويل ، شعرتُ أنَّنا لَسْنَا مُجرَّد ضُعَفاء
في عَالَمٍ مُحطَّم . كُنَّا حُمَاةً لأرواحٍ صغيرة ، حُمَاةً للأملِ ، وكُلُّ
خُطْوةٍ ، مَهما كانتْ شَاقَّةً ، هِيَ شَهادة على أنَّ الإنسانية مَوجودة حتى في
أكثرِ اللحَظَاتِ سَوَادًا .
نظرتُ إلى إدريس .
وابْتَسَمْنَا لبعضِنا البعض بِلا كَلِمَاتٍ . الصَّمْتُ يَكْفي ، والأملُ يَكْفي
. وفي أعماقِ قَلْبي ، عَلِمْتُ أنَّ المَلْجَأ لَمْ يَعُدْ مُجرَّد مكان .
كأنَّنا نَحْنُ ، مَعًا ، كُلُّنا معًا ، حِماية للعَالَمِ الذي لَمْ يَتركنا
بَعْد ، حتى لَوْ لَمْ نَصِلْ إلى النِّهاية .
جَلَسْنا جميعًا على الثلجِ
المُبلَّل ، والأطفالُ غاطسون في أحلامِهم الصغيرة ، تُراقبهم الأُمَّهَاتُ
بِعُيونٍ لا تَتْعَب . نظرتُ إلى وُجوههم ، وأيديهم الصغيرةِ التي تُمسِك بأيدينا
. أدركتُ شيئًا لَمْ أفْهَمْه مِنْ قَبْل ، الضعفُ لَيْسَ نِهايةَ الإنسانِ ، بَلْ
بِدايته ، حِينَ يُصْبح القلبُ أكبرَ مِنَ الخَوْفِ ، حِينَ تَتحوَّل الأيدي
المُرتعِشة إلى حُمَاة ، والحياةُ نَفْسُها تُصْبح مَعركةً هادئة ضِد الظلام .
المَلْجَأ الذي تَركناه
وَراءنا لَمْ يَكُنْ مُجرَّد مكان . كانَ فِكْرَةً ، شُعورًا ، وعدًا بالنجاةِ ،
صَوْتًا لِكُلِّ مَنْ لا صَوْتَ له . في أعماقي ، شعرتُ أنَّ كُلَّ خُطْوةٍ
قَطَعْناها ، وكُلَّ خَوْفٍ وَاجَهْناه ، وكُلَّ دَمْعةٍ انسكبتْ ، لَمْ تَذهب
سُدى .
كُنَّا أقوياء ، لأنَّنا لَمْ
نَستسلم ، وَلَمْ نَتْرُكْ مِنْ يَحْتاجنا خَلْفَنا ، مَهما كانت الحربُ كبيرةً ،
والليلُ طويلًا . النّهْرُ والجليدُ والرصاصُ ، كُلُّ شَيْءٍ صارَ خَلْفَنا ،
لكنَّ الدُّروسَ بَقِيَتْ مَعَنَا .
الحياةُ الحقيقيةُ لَيْسَتْ في
البقاءِ على قَيْدِ الحَياةِ فَقَط ، بَلْ أيضًا في البقاء إخْوَةً نَحْمي
بَعْضَنا البعض في أحْلَكِ الظُّروف .
وهَكذا ، معَ أوَّل شُعاع شمسٍ
يَلْمَعُ على الثَّلْجِ ، عَرَفْنا أنَّنا قادرون على المَزيد . لَمْ نَعُدْ مُجرَّد
ناجين ، كُنَّا مُدافِعين عَن التاريخِ والحَضارةِ ، وقُلوبُنا مَفتوحة للغَدِ ،
مَهما كَانَ مَجهولًا .
102
لَمْ أكُنْ يَوْمًا ذلك
الرَّجُل الذي يَمْلأ حُضُورُه المكانَ ، ولا ذلك الذي تَلْمَع في جبينه شجاعةُ
الأساطير. كُنْتُ شابًّا عربيًّا نَحيلَ الجسدِ ، كثيرَ التَّرَدُّدِ ، أحْمِلُ
خَوْفي في جَيْبي مِثْلَ وَرَقَةٍ مَطْوِيَّة ، وأدَّعِي أنَّني قادرٌ على سَحْقِ
العَالَمِ إذا استدعى الأمر. وعِندما عَبَرْتُ الحُدودَ إلى البُوسنةِ ، لَمْ
أكُنْ أحْمِل في رُوحي سِوى شُعورٍ مُلْتَبِس بالواجب ، وكِذْبَةٍ صغيرةٍ أتمسَّك
بِها كَي لا أنهارَ ، وَهِيَ أنَّني بطريقةٍ ما ، يُمكِن أنْ أكُون أكثرَ مِمَّا
أنا عَلَيْه .
حِينَ وَصَلْتُ إلى ذلك
المُسْتَوْدَعِ، كانَ الليلُ يَنْزِلُ على المَدينةِ مِثْلَ بَطَّانِيَّةٍ ثقيلة
مُبلَّلة بالحُزْنِ. أصواتُ القَصْفِ كانتْ بعيدةً ، لكنَّها كافية لِتَهُزَّ
أطرافَ النِّسَاءِ البُوسنياتِ الجالساتِ قُرْبَ الجُدْران . لَمَحْتُ في أعْيُنِهِنَّ
خَوْفًا لا يُشبِه أيَّ خَوْفٍ عَرَفْتُهُ مِنْ قَبْل ، خَوْفًا يَجْعَل العُيونَ
أوسعَ مِنَ اللازم ، والأنفاسَ أسرعَ مِمَّا يَجِب . عِندَها فَقَط ، شعرتُ
بِثِقَلِ الدَّوْرِ الذي قَرَّرْتُ تَمثيلَه .
رفعتُ صَدْري الضئيلَ ،
كأنَّني أمْلِكُ رِئَتَيْن مِنْ حَديدٍ ، وَعُدْتُ أضْبِطُ حِزَامي العَسكريَّ
مِرَارًا ، كَيْ يَبْدُوَ مَشدودًا أكثرَ مِمَّا هُوَ عَلَيْه . أخذتُ أستعرضُ
مُسَدَّسِي الصغيرَ ، المُسَدّسَ الذي لَمْ أُطْلِقْ مِنْهُ رَصاصةً واحدةً ،
والذي كُنْتُ أخشى أنْ يَرْتَدَّ في وَجْهي قبل أنْ يصل إلى عَدُوِّي . ثُمَّ
أخرجتُ جِهَازَ اللاسِلْكي المُعطَّل ، وأخذتُ أضغطُ أزرارَه بِكُلِّ ثِقَةٍ
مُصْطَنَعَةٍ ، وأرفعُ سَمَّاعَتَه إلى أُذُنِي ، كأنَّني أتلقَّى أوامر مُهِمَّة
مِنْ مَكانٍ بعيد .
كانت النِّساءُ يَنْظُرْنَ
إلَيَّ بِدَهْشَةٍ ، وبعضُهن يَنْظُرْنَ إلَيَّ بِنَوْعٍ مِنَ الطُّمَأنينة
المُترددة . لَمْ يَكُنَّ يَعْرِفْنَ أنَّ هذا الجِهاز مُعطَّل ، وأنَّ
المُسَدَّسَ أثقلُ عَلَيَّ مِنْ حقيقتي ، وأنَّ القُوَّة التي أتباهى بِها
لَيْسَتْ إلا سِتَارًا يَرتجف .
تَحَدَّثْتُ بصوتٍ عميق لَمْ
أعْرِفْه مِنْ قَبْل ، صَوْت حاولتُ أنْ أمنحه صَلابةً تَكْفي للوُقوفِ في وَجْهِ
الحرب . قُلْتُ لَهُنَّ إنَّني جِئْتُ لحمايتهن ، وإنَّني أعرفُ الطُّرُقَ ،
وإنَّني أقوى مِمَّا يَبْدُو ، لكنَّ داخلي كنافذةٍ مَفتوحة على ريحٍ باردة ،
تَرتعش ستائرُها معَ كُلِّ كَلِمَةٍ أتَفَوَّه بِها .
أرى في أعينهن شيئًا لَمْ
أفْهَمْه في البِداية ، لَمْ يَكُنْ إعجابًا ، ولا تَصْديقًا كاملًا ، بَل
امتنانًا هادئًا ، امتنانًا لإنسانٍ يُحاول ، وَلَوْ كانَ ضعيفًا . حُضُورُ رَجُلٍ
يَدَّعي القُوَّةَ ، حتى لَوْ كانتْ قُوَّةً واهية ، أفضلُ مِنَ الفَراغِ ، وأقلُّ
قَسْوَةً مِنْ نَظْرةِ الخَوْفِ حِينَ لا يَجِدُ المَرْءُ أحدًا يَسْتند إلَيْه .
في تِلْك اللحظة ، صَدَّقْتُ
كِذْبتي قليلًا . شعرتُ أنَّ الدَّوْرَ الذي أُمثِّله قَدْ يَتَحَوَّل ، وَلَوْ
لِلَحَظَات، إلى حقيقة صغيرة . رُبَّما لأنهن احْتَجْنَ أنْ يَرَيْنَ قائدًا ،
واحتجتُ أنا أنْ أكُون شيئًا غَيْرَ ذلك الفَتى الذي يَرتجف كُلَّما دَوَّى صَوْتُ
المِدْفَعِ .
ومعَ كُلِّ لَحْظةٍ قَضَيْتُها
هُناك ، كُنْتُ أتعلَّم أنَّ القُوَّة لَيْسَتْ تِلْك التي يَسْتعرضها الإنسانُ ،
بَل التي يُحاول تقديمَها ، وَهُوَ يَعْلَم أنَّه لا يَملِك مِنها إلا الظِّلالَ .
أسمعُ صَدى خُطُواتي على أرضِ المُسْتَوْدَعِ ، فأتخيَّلها أثقلَ مِمَّا هِيَ
عَلَيْه ، وأضعُ يَدِي على مُسَدَّسي كأنَّني مُستعد لِمُواجهةِ جَيْشٍ كامل ،
بَينما أنا في الحقيقةِ لَمْ أكُنْ مُسْتَعِدًّا سِوى لِمُواجهةِ ضَعْفي . ومعَ
ذلك ، بَقِيتُ . بَقِيتُ لأنَّ البقاءَ هُوَ الشَّيْء الوحيد الذي أستطيعُ
تقديمَه، ولأنَّ الخَوْفَ يُصبح أقلَّ شَرًّا حِينَ يُقْسَمُ على رَأسَيْن .
بَقِيتُ لأنَّ نَظْرةً واحدة مِنْ أعْيُنِهِنَّ كفيلة بأنْ تَمْنحني شيئًا يُشبِه
الشجاعةَ ، أوْ على الأقل، تَمْنحني إذْنًا بأنْ أتظاهرَ بِها . وهكذا ، وسط ذلك
المُسْتَوْدَع الضَّيِّق ، اكتشفتُ أنَّ الإنسانَ قَدْ يَكُون هَشًّا إلى حَدِّ
الانكسارِ ، لكنَّه قادرٌ بشكلٍ عجيبٍ على أنْ يُصْبح جِدَارًا رقيقًا بَيْنَ
الآخَرين والمَوْتِ ، حتى لَوْ كانَ هذا الجِدَار يَرتجف في كُلِّ لَحْظة .
ولأوَّلِ مَرَّةٍ ، شعرتُ أنَّ ضَعْفي لَمْ يَعُدْ فَضيحةً ، بَلْ حقيقة يُمكِن
حَمْلُها بشرفٍ . لكنَّ الليلة التي تَلَتْ ذلك كَشَفَتْ لِي كَمْ يُمكِن لهذه
الحقيقة أنْ تَتَّسِعَ ، وكيفَ يُمكِن لِضَعْفٍ واحد أنْ يَتحوَّل إلى جِسْرٍ صغير
يَعْبُر عَلَيْه الآخَرُون نَحْوَ طُمَأنينة مُؤقَّتة ، وَلَوْ كانتْ مُعَلَّقَةً
بِخَيْطٍ .
جَلَسْنا جميعًا قُرْبَ
مَدْفأة مَعْدِنِيَّة أَكَلَ الصدأ أطرافَها ، تُحاول أنْ تَبْعث دِفْئًا يُشبِه
الدِّفْءَ أكثرَ مِمَّا تَملِك فِعْلًا. كُنْتُ بَيْنَهُنَّ ، أُراقِب الوُجوهَ
الشاحبة التي أنهكتها الأسابيع ، وأُتابع ارتجافَ الأصابعِ التي تُحاول أنْ
تُثبِّت الأملَ في الهواءِ البارد . كانتْ إحداهُنَّ تُمسِك بِمِعْطَفِهَا
المُمَزَّقِ ، وكأنَّه الدِّرْعُ الأخيرُ الذي يَفْصِلُها عَنْ الفَناء . نظرتْ
إلَيَّ ، وقالتٍ بصوتٍ ذابل شيئًا لَمْ أفْهَمْه ، لكنَّني أدركتُ مِنْ نَبْرَةِ
حَنْجرتها أنَّها تُحدِّثني بِوَصْفِي رَجُلًا قادرًا على الصُّمود ، وأنا الذي
بالكادِ كُنْتُ أصْمُدُ أمامَ ضَوْضَاءِ أفكاري .
معَ ذلك، وَجَدْتُني أنظرُ
لها،وأضعُ جِهَازَ اللاسِلْكي المُعَطَّل على رُكْبَتَيَّ كأنَّه يَنْقُل لِي
مَعلومات مُهِمَّة . مَرَّرْتُ أصابعي على هَوَائِيِّهِ القصيرِ بحركةٍ خبيرة لَمْ
أتعلَّمها مِنْ أحد ، لكنَّها بَدَتْ مُنَاسِبَةً للمَشْهَدِ. تَخَيَّلْتُ
لِلَحْظَةٍ أنَّني فِعْلًا أتلقَّى نِدَاءً مِنْ وَحْدةٍ تقف على أطرافِ الغابة ،
وأنَّ عليَّ اتِّخاذ قَرار سَيُغَيِّر مَجْرَى هَذا الليل. أخذتُ نَفَسًا عميقًا .
تظاهرتُ بأنَّني أُفكِّر . ثُمَّ قَرَّرْتُ أنْ أمنحهن شيئًا لَمْ يَمْنحني أحدٌ
إيَّاه مِنْ قَبْل ، الطُّمَأنينة . قُلْتُ لَهُنَّ بصوتٍ ناعمٍ هذه المَرَّة ،
دُون ادِّعَاء ، إنَّ الأمور تحت السَّيطرة ، وإنَّ الليل لَنْ يَطُول ، وإنَّنا
جميعًا سَنخرج مِنْ هُنا في نِهايةِ المَطافِ ، حتى لَوْ لَمْ أكُنْ أعرفُ كيفَ
سَيَحْدُث ذلك .
لَمْ أكْذِبْ عَلَيهن بِقَدْرِ
مَا كُنْتُ أُحاول أنْ أصنعَ مَساحةً ضئيلة للتَّنَفُّسِ، لِي وَلَهُنَّ معًا.
لَمْ يَعُد الأمرُ مُجرَّد تمثيل دَوْر، بَلْ مُحاولة لإنقاذِ شَيْء مَا مِنَ
الانطفاءِ داخل الأرواح . مَرَّتْ دقائق طويلة، كانَ الصَّمْتُ فيها أثقلَ مِنَ
القَصْفِ نَفْسِه . ثُمَّ رفعتْ إحدى النِّساءِ رَأسَها . نظرتْ إلَيَّ نَظْرةً
قصيرة ، عابرة ، لكنَّها مُختلفة عَنْ كُلِّ النَّظَرَاتِ التي سَبَقَ أنْ
تَلَقَّيْتُهَا في حَياتي . لَمْ تَكُنْ نظرةَ إعجابٍ ، ولا تَقْديس ، ولا انتظار
لِمُعْجِزَةٍ . كانتْ نَظْرة تَقُول : (( نشعرُ بِكَ ، ونَرى خَوْفَكَ ، ونَشكرك
لأنَّكَ رَغْمَ ذلك تَجلِس هُنا مَعَنَا )) . وهذه النَّظْرةُ وَحْدَها كَفَتْني .
في تِلْكَ اللحظة ، فهمتُ أنَّ
القُوَّة الحقيقية لا تَكمُن في العَضَلات ، ولا في المُسَدَّس ، ولا في جِهازِ
لاسِلْكي . القُوَّةُ هِيَ أنْ أظَلَّ مَوجودًا رَغْمَ رَغْبتي العارمةِ في الهرب
، أنْ أكُونَ حاضرًا ، وَلَوْ كُنْتُ مَرْعُوبًا . ولأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ
عَبَرْتُ الحُدودَ ، شعرتُ أنَّني لستُ غريبًا بَيْنَهم ، أنا جُزْءٌ صغيرٌ مِنْ
عَالَمٍ يَنكسر يُحاول أنْ يُقَاوِم . شعرتُ أنَّ ضَعْفي أصبحَ مَلموسًا وصريحًا ،
لكنَّه لَمْ يَعُدْ عارًا ، بَلْ صارَ جُزْءًا مِنَ الحِكايةِ التي يُبْنَى
عَلَيها الليل . وَبَينما كانت الرِّياحُ تَعصِف بالأبوابِ الخشبية ، وَقَطَرَاتُ
المطرِ تَتسرَّب مِنْ سَقْفِ المَلْجَأ ، أدركتُ شيئًا لَمْ أتعلَّمه في أيِّ
كِتابٍ ، ولا لَقَّنَه لِي أيُّ قائدٍ ، إنَّ الإنسانَ قَدْ يقف أمام الحربِ بِلا
شَجاعةٍ كاملة ، وبِلا سِلاحٍ فَعَّال ، وبِلا خُطَّةٍ ، لكنَّه يَسْتطيع أنْ
يَمْنح الآخَرين شُعورًا بأنَّهُم لَيْسُوا وَحْدَهم ، وهَذا أعمق انتصار
عَرَفْتُهُ في حَياتي .
في تِلْك السَّاعَاتِ
المُتأخِّرة مِنَ الليلِ ، حِينَ خَمَدَت الأصواتُ العاليةُ في الخارج ، وهَدأت
الأنفاسُ داخل المُسْتَوْدَعِ، وجدتُ نَفْسي أخيرًا وَحْدي معَ حَقيقتي، الحقيقةِ
التي كُنْتُ أهْرُبُ مِنها طِوَال الطريقِ ، والتي لَمْ تَستطعْ كُلُّ مُحاولاتِ
التظاهرِ أنْ تُطْفِئها .
اقتربتُ مِنَ الجِدارِ
الحَجَرِيِّ الرَّطْبِ ، أسندتُ ظَهْري إلَيْه ، وأحْسَسْتُ بأنَّ البُرودة
تَتسلَّل عَبْرَ مِعْطَفي العَسْكريِّ ، لِتَصِلَ إلى العَظْمِ مُبَاشَرَةً ،
كأنَّها تُذكِّرني بأنَّ كُلَّ مَا تَقَمَّصْتُهُ مِنْ أدوارٍ لا يَزَال هَشًّا .
مَدَدْتُ يَدِي إلى مُسَدَّسِي ، لَيْسَ لأستعرضه هذه المَرَّة ، بَلْ لأشعرَ
بوزنه الحقيقيِّ . كانَ ثقيلًا ، أثقلَ بكثير مِنْ قُدْرتي على حَمْلِ المَعنى
الذي يُفْتَرَض أنْ يَتضمنه ، كأنَّ الحديدَ ذَاتَه يَسْألني : (( هَلْ أنتَ
مُستعِد لِمَا تَدَّعِيه ؟ )) . لَمْ أستطع الإجابةَ .
قَبْلَ أنْ أغرقَ في دَوَّامةِ
الشَّكِّ ، سمعتُ حركةً خفيفةً خَلْفي . الْتَفَتُّ لأجدَ الفتاةَ ذات المِعْطَفِ
المُمَزَّقِ تقف على مَسافةٍ قريبة ، تُراقبني دُون أنْ تَنطِق . اقتربتْ خُطْوَةً
واحدة ، ثُمَّ جلستْ بِلُطْفٍ إلى جانبِ الجِدارِ . لَمْ تَطْلُبْ شيئًا . لَمْ
تَسألْ شيئًا . فَقَط كانتْ هُناك ، حُضُور صغير ، صامت ، لكنَّه أشبه بِيَدٍ
تُوضَع فَوْقَ كَتِفِكَ لِتَقُولَ لَكَ إنَّكَ لَسْتَ مَرْئيًّا بِقَدْرِ مَا
تَخْشَى ، ولا وحيدًا بِقَدْرِ مَا تَعتقد . قالتْ بصوتٍ ذابل ، كأنَّها تَخشى أنْ
تُوقِظَ الحُزْنَ مِنْ نَوْمِه : (( أنتَ خائفٌ مِثْلُنا )) . لَمْ أُنكِرْ . لَمْ
أستطعْ . شعرتُ بِتِلْك الجُملة تَغرِس نَفْسَها في صَدْري كحقيقةٍ دافئة ، لا
كاتِّهَام . وكأنَّها أزاحت السِّتَارَ عَنْ كُلِّ مَا حاولتُ إخفاءَه ، لكنَّها
لَمْ تَفْعَلْ ذلك لأجلِ فَضِيحتي ، بَلْ لأجلِ إنسانيتي . هَزَزْتُ رأسي بصمتٍ .
ابتسمت ابتسامةً صغيرة ، مُنْهَكَة ، لكنَّها أثمنُ مِنْ كُلِّ مَظاهرِ القُوَّةِ
التي جَرَّبْتُها ، ثُمَّ قالتْ : (( لكنَّكَ رَغْمَ خَوْفِكَ ، تأتي نَحْوَنا ،
تَجلِس هُنا ، تَسْمَع أصواتَنا ، هَذا يَكْفي )) .
كَلِمَةُ " يَكْفي " أثقلُ مِنْ
كُلِّ الأسلحةِ التي حَمَلَها الرِّجالُ الأقوياء الذينَ مَرُّوا بالحربِ ، وَلَمْ
يَعترضوا طَريقَها . شعرتُ لِوَهْلَةٍ بأنَّ العَالَمَ يَتقلَّص ، يَنكمش
لِيَتَّسِعَ فَقَط لهذا المُسْتَوْدَعِ ، لهؤلاء الوُجوهِ التي تُرْهقها الحربُ ،
ولشابٍّ ضعيفٍ يَكتشف فَجْأةً أنَّه قادرٌ على أنْ يَكُون سندًا ، وَلَوْ كانَ
يَترنَّح مِنَ الداخل . شعرتُ أنَّ خَوْفي لَمْ يَعُدْ عارًا ، بَلْ جِسْرًا
هَشًّا يُمكِن للآخَرين أنْ يَعْبُرُوا عَلَيه بِحَذَرٍ . جِسْر لا يَعِدُ
بالسَّلامةِ ، لكنَّه يَعِدُ بالبقاء .
رفعتُ رأسي إلى السقفِ
المُتصدع ، واستنشقتُ الهواءَ الباردَ بِكُلِّ ما فيه مِنْ رَمادٍ وَرُطوبةٍ
ورائحةِ البقاءِ . لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ دُخولي الحرب ، لَمْ أشعُرْ أنَّني غريبٌ
عنها ، بَلْ جُزْء صغير مِنْ قِصَّتها ، جُزْء قَدْ لا يُدوِّنه المُؤرِّخون ، ولا
يُلاحِظه المُقَاتِلُون ، لكنَّه جُزْء يُمسِك بالجُروحِ كَي لا تَنْزِفَ أكثر. في
تِلْك اللحظة ، أدركتُ أنَّني مَهما كُنْتُ ضعيفًا ، فإنَّني على طريقتي الناقصة ،
أُنقِذُ أحدًا مَا مِنَ العُزلة ، وَأُؤخِّر عَن قلبٍ مَا لَحظةَ الانهيارِ .
وأدركتُ أنَّ هُناك أنواعًا مِنَ القُوَّةِ لا
تَتطلَّب عَضَلات ، ولا تَحْتاج إلى طَلَقَات ، ولا تَعْترف بالأدوار . قُوَّة
تأتي مِنْ صِدْقِكَ حِينَ تَقُول : (( نَعَم ، أنا أخاف ، لكنَّني هُنا )) . وهذه
" الهُنا " وَحْدَها كانتْ أعظمَ بُطولةٍ امْتَلَكْتُها في حياتي .
أحْسَسْتُ بِحُزْنٍ عميقٍ
وألَمٍ رهيبٍ ، لأنَّني مَوجود معَ النِّسَاءِ والأطفالِ ، وَلَسْتُ مَوجودًا في
جَبَهَاتِ القِتَالِ معَ الرِّجال الذينَ يَحمِلون السِّلاحَ .
جِئْتُ إلى البُوسنةِ أحْمِلُ
وهمًا أكبرَ مِنْ جَسَدي الهزيل ، ظَنَنْتُ أنَّ الحرب سَتَمْنحني مَا عَجَزَ
قَلْبي عَنْ صِناعته ، قُوَّة تُثْبِتُ أنَّني لستُ مُجرَّد ظِل يَمْشي بَيْنَ
الناسِ .
القائدُ والأميرُ أبو حَمْزة
الجزائري نَظَرَ إلَيَّ طويلًا ، ثُمَّ قالَ بصوتٍ لا يَقْبَلُ اعتراضًا : ((
ابْقَ معَ النِّسَاءِ والأطفالِ ، وَاحْرُسْهُم ، السِّلاحُ أثقلُ مِنْ أنْ
تَحْمِلَه )) .
جَرَحَتْني كَلِمَاتُه أكثرَ
مِمَّا قَدْ يَفْعَل الرصاصُ . أحْسَسْتُ كأنَّني عارٍ أمامَ نَفْسي ، كَأنَّ
ضَعْفي انكشفَ فَجْأةً أمامَ الجميع ، لكنْ حِينَ اختبأتُ معهم في المُسْتَوْدَعِ
الضَّيِّقِ أثناءَ القَصْف ، وَرَأيتُ وُجوهًا صغيرةً تَرتجف ، أدركتُ أنَّ دَوْري
لَيْسَ أقلَّ شأنًا كما ظَنَنْتُ . أمسكتُ بِيَدِ طِفْلٍ يَكْتُمُ خَوْفَه ،
فَشَدَّ على أصابعي كأنَّني آخِرُ مَا يَربِطه بالحياة .
لَمْ أُحَارِبْ ، وَلَمْ
أُطْلِقْ رَصاصةً واحدة ، لكنَّ قَلْبي كانَ دِرْعَيْن ، أحدُهما لِي كَيْ لا
أنهارَ ، والآخَرُ لَهُمْ كَيْ لا يَسْقُطوا . وَتَعَلَّمْتُ هُناك ، بَيْنَ
الرُّكَامِ والخَوْفِ ، أنَّ الضعفَ لَيْسَ عيبًا ، بَلْ مَساحة صغيرة في الرُّوح
يُمكِنها أنْ تُصْبح مَلْجَأ حِينَ تَعْجِزُ عَنْ أنْ تَكُونَ سَيْفًا .
103
في عَتَمَةِ المُسْتَوْدَعِ
الحَجَرِيِّ ، حَيث تَختلط رائحةُ الرُّطوبةِ بِصَدى الانفجاراتِ البعيدة ، تَجلِس
امرأةٌ بُوسنيَّة تحت مِصْباحٍ خافتٍ يَكَاد يَذُوب ضَوْؤُهُ مِنَ الخَوْفِ .
احتضنتْ بَين ذِرَاعَيْهَا طِفْلًا يتيمًا جائعًا ، ثُمَّ آخَر ، ثُمَّ ثالثًا ،
كأنَّ قَلْبَها اتَّسَعَ لِيَكُون وطنًا صغيرًا لِكُلِّ مَن ابتعدتْ عَنْه يَدُ
أُمٍّ كانتْ تَمْسَحُ جَبينَه ذات يَوْم .
كانتْ ضَخْمَةَ الثَّدْيَيْن،
مُمْتلئةَ الصَّدْرِ ، لا كَصِفَةٍ تُذكَر ، بَلْ كَنِعْمَةٍ وَهَبَهَا اللَّهُ
لها ، تَمُدُّ بِها الحَياةَ في مكانٍ أُريدُ له أنْ يَكُون مَقبرةً للأحلام .
تُقَدِّمُ حَليبَها للصِّغَارِ الباكين مِنَ الجُوعِ ، الذينَ فَقَدُوا دِفْءَ
أُمَّهاتهم ، فَيَتَحَوَّل صَدْرُها إلى نافذةِ ضَوْءٍ وَسَط ظَلامٍ عَنيف ،
ومَرْفأ أمانٍ فَوْقَ أمواجِ الحربِ المُتلاطِمة . بُكاءُ الأطفالِ يَهْدأ شيئًا
فَشيئًا ، كأنَّهُم يَشرَبون معها طُمَأنينةً لا تُرى ، وَذِكرياتٍ مِنْ رَحِمِ
العَالَمِ قَبْلَ أنْ يَتصدَّع .
لَمْ تَعْرِفْ أسماءَهم ، ولا
مِنْ أيْنَ جاؤوا ، ولا أيْنَ سَيَذهبون إنْ كُتِبَ لهم أنْ يَخرجوا مِنْ هذا
الجحيم . لكنَّها تَعرِف شيئًا واحدًا ، أنَّه مَا دامتْ قادرةً على مَنْحِ الحياة
، فَلَنْ تَتْرُكَ ظُلْمَةَ الحربِ تَنتصر. كانتْ تُرْضعهم وكأنَّها تكتبُ بحليبها
رسالةَ مُقَاوَمَةٍ ، وَتَقُول للحربِ دُون صَوْتٍ إنَّ قَلْبَ الأُمِّ ، وَلَوْ
كانَ قَلْبَ امرأةٍ واحدةٍ ، أقوى مِنْ ألْفِ مِدْفَعٍ .
كُلَّمَا ضَمَّتْ طِفْلًا إلى
صَدْرِها شعرتْ كأنَّها تُعيدُ تَرتيبَ شُقوقَ رُوحِها ، وتَسْتعيد جُزْءًا مِنْ
إنسانيتها المُمَزَّقَةِ بَيْنَ صُرَاخِ القذائفِ وَصَمْتِ الجُثَثِ . الحربُ
بَثَّت الشَّيْخُوخةَ في كُلِّ شَيْءٍ حَوْلَها إلا قَلْبَها . ذلك القَلْبُ ظَلَّ
غَضًّا نابضًا ، يَرفُض أنْ يَتخشَّب مِثْلَ الجُدْرانِ التي يَرتجف فَوْقَها
الغُبار . في تِلْك الليالي التي لا يُميِّز فيها المَرْءُ بَيْنَ هَديرِ الرِّيحِ
وَهَديرِ المَدافِع ، كانتْ تَجلِس وَسَطَ الأطفالِ، وَتُغَنِّي لَهُم بِصَوْتٍ
خفيض ، كأنَّها تُحاول تَرميمَ العَالَمِ مِنْ شُقوقِه الصغيرة . أُغْنِيَةٌ لا
يَفْهمون كلماتِها ، لكنَّ نَبْرتها وَحْدَها تَكْفي لِيَشْعُروا بأنَّ الحياةَ
لَمْ تَنْسَهُم ، وَلَمْ تُهْمِلْهُم .
تَنظُر إلى وُجوههم النائمةِ
على كَتِفَيْهَا ، وَتُفَكِّر بالأُمَّهاتِ اللواتي لَنْ يَعُدْنَ ، وَتُفَكِّر
بالمُدُنِ التي تَبْتلع أبناءَها ثُمَّ تَبْكي عَلَيهم في صَمْتٍ . تَمْسَحُ على
خَدِّ كُلِّ طِفْلٍ كأنَّها تَعِدُه بربيعٍ قادمٍ ، وأنَّ هُناك يَوْمًا
سَيَكْبَرُون فيه ، وَيَغْسِل المطرُ آثارَ هذا الليلِ . في كُلِّ مَرَّةٍ تَهْدَأ
فيها دَقَّاتُ قُلوبِ الصِّغَارِ فَوْقَ صَدْرِها ، كانتْ تَشعُر أنَّها لا
تُنقِذهم وَحْدَهم ، بَلْ تُنقِذُ جُزْءًا مِنَ المُستقبَل ، جُزْءًا مِنَ
الحَنَانِ الذي رَفَضَ أنْ يُقْتَلَ . أصبحتْ دُون أنْ تُدرِك صُورةً خَفِيَّةً
للأملِ ، امرأة واحدة تَخْتبئ مِنَ الحَرْب، لكنَّها تَهزِمها بِحِضْنٍ ، وبقلبٍ
يَظَلُّ واسعًا مَهْمَا ضَاقَ المُسْتَوْدَع .
صَدْرُها المُمْتَلِئ يَنهَض ويَنخفض
بأنفاسٍ مُتعَبة ، كأنَّه يَحمِل في داخله احتياطًا مِنَ الحَنَانِ ادَّخَرَتْهُ
الأيامُ لِمِثْلِ هذه اللحَظَات . امتلاءُ صَدْرِها لَمْ يَكُنْ مَظْهَرًا فَحَسْب
، بَلْ أيضًا قُدرة خَفِيَّة على مَنْحِ الدِّفْءِ ، وَقَدْ جَعَلَه اللَّهُ
مَخْزَنًا صغيرًا للحياة .
عِندَما تَضُمُّ طِفْلًا
إلَيْها ، كانَ صَدْرُها يَسْتجيب تِلْقائيًّا ، يَلِين وَيَسْتوعب الجسدَ الصغير
، فَيتدفق مِنْه الحليبُ بِطُمَأنينة تُشبِه انفتاحَ نافذةٍ في غُرفةٍ خانقة .
يَتَشَبَّثُ الطِّفْلُ بِحُلْمِهِ الجديدِ ، بَينما يَنسابُ حَليبُها كَخَيْطٍ
أبيض يُعيدُ رَبْطَهم بالعَالَمِ الذي فَقَدُوه . تَشعُر بِحَرارته على بَشَرَتِها
، بِحَرارةٍ لا تُذكِّرها بجسدها بَلْ بِدَوْرِها ، وأنَّها تُحارب القَسْوَةَ
بأقرب مَا يُمكِن للإنسانِ أنْ يَمْنحه ، غِذاء يَنْبُع مِنْ جَسَدٍ ضعيفٍ لكنَّه
مُصِرٌّ على الحياة . بَدَا صَدْرُها كقلبٍ ثانٍ ، يَنبِض بتفاصيلِ الوُجودِ ،
ويَمْتَدُّ بِما فيه مِن امتلاء لِيُعَادِلَ نَقْصًا فادحًا خَلَّفَتْهُ الحَرْبُ
في صُدورٍ كثيرة .
كُنْتُ ، أنا الشابُّ العربيُّ
النَّحيلُ ، أقِفُ عِندَ مَدْخَلِ المُسْتَوْدَعِ ، أحْمِلُ بِيَدَيَّ
بَطَّانِيَّةً مُهترئة ، أُحَاوِل نَشْرَها على الأرض ، لأُوَفِّرَ للأطفالِ
مَزِيدًا مِنَ الدِّفْءِ . وَحِينَ الْتَفَتُّ قليلًا ، لَمَحْتُ المَرأةَ جالسةً
في الزاويةِ المُضيئة بِخَيْطِ ضَوْءٍ خافتٍ ، تَضُمُّ طِفْلًا إلى صَدْرِها
لِتُرْضِعَ ، وَتُهَدْهِدَه كما لَوْ كانتْ تُخْفيه عَن العَالَمِ .
لَمْ يَتوقف بَصَري أكثرَ مِنْ
طَرْفَةِ عَيْن . أحْسَسْتُ بِثِقَلِ اللحظةِ وحُرْمتها . طأطأتُ رأسي على
الفَوْرِ ، وأدَرْتُ وَجْهي جانبًا ، وَقَد امتلأتْ مَلامحي باحترامٍ صادقٍ لا
يَحتاج إلى كَلِمَات . أدركتُ أنَّ صَدْرَها المُمْتلئ ، الذي تُحاول أنْ تُخْفيه
بِثَوْبِها قَدْرَ مَا يَسْمَح الوَضْعُ ، لَيْسَ إلا أداةَ حَياةٍ في زَمَنٍ
يَسرِق الحَياةَ مِنَ الجميع ، وأنَّ وُجودي هُنا لا يَنْبغي أنْ يَقْتَرِب مِنْ قُدْسِيَّةِ
مَا تَفْعَلُه .
ابتعدتُ خُطْوةً إلى الخَلْفِ
، كأنَّني أُفْسِحُ الطريقَ للحَنَانِ ، ووقفتُ أحْرُسُ الصَّمْتَ كَيْ لا
أُرْبِكَهَا، وَكَيْ أمْنَحَ الأطفالَ فُرْصةً للراحةِ في حِضْنٍ يُشبِه آخِرَ مَا
تَبَقَّى مِنَ العَالَمِ القديم .
في داخلي ، أَحُسُّ أنَّ
المَشْهَدَ وَهِيَ تُرضِع الأيتامَ الجائعين لَيْسَ شيئًا يُنظَر إلَيْه ، بَلْ
يُوقَّر ، كما تُوقَّر يَدٌ تُطفِئ حَريقًا، أوْ رُوحٌ تَمْنَحُ نَفْسَها دُون
حِسَاب . وقفتُ هُناك ، بِلا حَوْلٍ ولا قُوَّةٍ ، أَحُسُّ أنَّ ضَعْفي الجَسَدِيَّ
لا يَقِلُّ ألَمًا عَنْ عَجْزي عَنْ حِمايةِ هَؤلاء الأطفالِ مِنْ عَالَمٍ يَنهار
فَوْقَ رُؤوسِهم . حِينَ سَمِعْتُ خُفُوتَ بُكاءِ الصغيرِ بَيْنَ ذِرَاعَيْها ،
شعرتُ أنَّ شيئًا هادئًا يَتَدَلَّى في قَلْبي مِثْلَ غُصْنٍ أخيرٍ بَقِيَ مِنْ
شَجَرَةٍ نَجَتْ مِنَ الحَريق. لَمْ أجْرُؤْ على الالتفاتِ نَحْوَها، لكنَّني
التقطتُ مِنَ الجَوِّ المُحيطِ مَا يَكْفي لأفْهَمَ أنَّ المَشْهَدَ أمامي لَيْسَ
مُجرَّد امرأة تُرضِع طِفْلًا ، بَلْ هُوَ إنسان يُرمِّم صُدوعَ الحربِ بجسدٍ
أنْهَكَتْهُ الأيامُ ، لكنَّه مَا زالَ قادرًا على مَنْحِ الحَياة .
سَمِعْتُ تَنَفُّسَ الطِّفْلِ
وَقَدْ هَدأ ، وَصَوْتَها الخَفِيضَ وَهِيَ تَهمِس له بكلماتٍ لا يَسْمعها أحد ،
فأحْسَسْتُ أنَّ الثَّوْرَةَ الحقيقية على الخَرابِ تَجْري هُناك ، في الزاويةِ
التي لا أنظرُ إلَيْهَا احترامًا .
رفعتُ البَطَّانِيَّةَ قليلًا
لأُوَسِّعَ مَكانًا لِطِفْلٍ آخَر ، ثُمَّ جلستُ على رُكْبَتَيَّ رَغْمَ ألمهما ،
مُحاولًا أنْ أصنعَ بِيَدَيَّ الضعيفتَيْن مَا يُشبِه عُشًّا آمِنًا . لَمْ أكُنْ
أرى المَرْأةَ ، لكنَّني كُنْتُ أشعرُ بِهَيْبتها في الهواء، تِلْك الهَيْبة التي
لا تأتي مِنْ قُوَّةٍ ، بَلْ مِنْ قُدرةٍ على العَطاءِ لا تُقَاس .
مَرَّتْ لَحْظة طويلة ، أوْ
رُبَّما قصيرة ، لكنَّني أحْسَسْتُ فيها أنَّ الحرب ، مَهما ارتفعَ صُراخُها، لا
تَسْتطيع أنْ تُطفِئ ذلك الضَّوْءَ الرقيق المُنبعِث مِنْ زاويةِ المُسْتَوْدَعِ .
ضَوْءٌ لا يُرى بالعَيْنِ ، بَلْ بالرُّوح ، كانَ كافيًا لِيَجْعلني أُؤمِن أنَّ
الإنسان ، حتى في أشدِّ لَحَظَاتِه انكسارًا ، قادرٌ على أنْ يَصْنَعَ شيئًا
يُشبِه النَّجَاةَ . جَسَدُها ، في تِلْك الزاويةِ الضَّيقةِ مِنَ المُسْتَوْدَعِ
، يَبْدُو كأنَّه خُلِقَ لِيُقَاوِمَ القَحْطَ . صَدْرُها المُمتلِئ العامرُ
بالحليبِ ، لَمْ يَكُنْ مُجرَّد عُضْو في الجسد ، بَلْ أيضًا هُوَ خَزَّان صغير
للنَّجَاة ، يَحتفظ في عُمْقِهِ بِقُدرةٍ لا تُقْهَرُ على مَنْحِ الغِذاءِ
والدِّفْءِ . امتلاءُ صَدْرِها يَشِي بِقُوَّةٍ هادئة ، قُوَّة لا تَصْرُخ ، ولا
تَسْتعرض ، بَلْ تتدفق في هُدوء يَلُمُّ شَتَاتَ الأطفالِ الأيتامِ الجائعين
الذينَ أَكَلَت الحربُ أُمَّهَاتِهم .
عِندَما كانتْ تَضُمُّ أحدَهم
إلى حِضْنِها ، بَدَا صَدْرُها كأنَّه يَتَّسِعُ أكثرَ ، يَلِين وَيَتشكَّل
لِيَحْمِلَ الصغيرَ كما تَحْمِل الأرضُ مَطَرَ أوَّلِ الربيع . لَمْ يَكُنْ في
حِضْنِها أيُّ إشعارٍ بالجسدِ ، بَلْ كُلُّ الإشارةِ كانتْ إلى الحياةِ ،
والامتلاءِ الذي يَطْرُد الجُوعَ ، والحَرارةِ التي تَطمِس خَوْفَ الليلِ ،
والحَنَانِ الذي لا يَحْتاج إلى كَلِمَةٍ لِيُفْهَمَ . هَكذا ، في قلبِ الخَرابِ ،
أصبحَ صَدْرُها رَمْزًا لا للمَظْهَرِ، بَلْ للقُدرةِ على صِناعةِ مَساحةٍ صغيرةٍ
مِنَ السلام ، مَساحة تَكْفي لِطِفْلٍ واحدٍ كَيْ يَنْجُوَ ، ثُمَّ لِطِفْلٍ آخَر
، ثُمَّ لآخَر ، في يَوْمٍ سَرَقَتْ فيه الحربُ كُلَّ مَا يُمكِن أنْ يُمنَح .
امتلاءُ صَدْرِها يَدُلُّ على
نُعومةٍ خَفِيَّة ، كأنَّه يَحمِل في داخله سِرًّا قديمًا عَنْ قُدرةِ الجسدِ على
صَوْنِ الحَياةِ رَغْمَ كُلِّ مَا يَتهدَّده. لَمْ يَكُنْ ضخمًا فَحَسْب، بَلْ
أيضًا كانَ مُمتلئًا بذلك الثِّقَلِ الحَنُونِ الذي يَجْمَع بَيْنَ القُوَّةِ
واللين ، كَقَارِبٍ مَتين يَطْفُو فَوْقَ مَوْجٍ هائجٍ لِيَحْمِلَ مَنْ بَقِيَ
مِنَ الأطفالِ نَحْوَ شاطئ أكثر أمانًا. صَدْرُها يُوزِّع الدِّفْءَ على الأطفالِ
اليَتامى المُتَجَمِّدين مِنَ البَرْدِ، وخُيوطُ الحليبِ تَمْتَدُّ باتِّجاهِ كُلِّ
طِفْلٍ يَصْرُخ أوْ يَرتجف . يَسْتجيب لحاجته دُون أنْ يَسْأله مِنْ أيْنَ جاءَ ،
أوْ إلى أيْنَ سَيَذهَب . صَدْرُها المُمتلئ يُشبِه مَخْزُونًا مِنَ الضَّوْءِ ،
لا يُرى ، لكنَّ أثَرَه يَنعكِس على وُجوهِ الأطفالِ البائسين كَلَمْعَةٍ صغيرة
مِنَ الطُّمَأنينة .
الشَّهيقُ العميقُ الذي يَسبِق
إرضاعَها للطِّفْلِ يَمْنَح المَشْهَدَ هُدوءًا خَاصًّا ، كأنَّ صَدْرَها نَفْسَه
يَتَنَفَّسُ نِيابةً عَنْهُم . يَفْتَح مَسَاحَتَه لِيَحْتَوِيَ خَوْفَهم ،
وَيُسكِت ارتجافَهم ، وَيَصُبُّ في أجسادِهم الذابلةِ شيئًا مِنْ بقايا الأمان .
وكُلَّما ازدادَ ضغطُ الحربِ في الخارجِ بَدَا هذا الامتلاءُ أكثرَ ثباتًا ،
وكأنَّ الجسد يَرفُض الانهيارَ كَيْ لا يَنهار هؤلاء الأطفالُ مَعَه . وهَكذا ،
ظَلَّ صَدْرُها ، بِعَرْضِهِ وامتلائهِ وَدِفْئِه ، لَيْسَ مُجرَّد مَصْدَر غِذاء
، بَلْ أيضًا جُغرافيا مِنَ الحَنَانِ تَقِفُ في وجهِ الخَرابِ الزاحفِ على
التاريخِ والحَضارة ، جُغرافيا يَتَّكئ عَلَيْها كُلُّ طِفْلٍ ضائعٍ حتى يَسْتطيع
أنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ دُون خَوْف .
الأطفالُ يَتقاطرون نَحْوَ
حِضْنِها واحدًا بَعْدَ آخَر ، كأنَّهُم يَعرِفون بشكلٍ حَدْسِيٍّ أنَّ لَدَيْها
مَا يَكْفيهم مِنَ السَّكِينة . تُمسِك الصغيرَ بِرِفْقٍ بالغٍ، كأنَّها تُهيِّئه
لِطَقْسٍ صغيرٍ مِنَ النَّجَاة. تُسنِده بِيَدٍ ، وتُحِيط ظَهْرَه بالأُخْرَى ،
ثُمَّ تُقَرِّبُه إلَيْهَا في انسجامٍ هادئ يَسبِق اندفاعَ الحليبِ. إنَّها لَحْظة
صَمْتٍ عميقة تُشبِه الشَّهِيقَ الذي يَسبِق البُكاءَ. وَحِينَ يَلتقِم الطِّفْلُ
ثَدْيَها، يَتبدَّل كُلُّ شَيْء، ويَتباطأ الزمنُ ، وَتُصْبح أنفاسُه الصغيرة
مُتناغمة معَ نَبْضِ صَدْرِها الذي يَعْلُو ويَنخفض في إيقاعٍ يَسْمَعُهُ هُوَ
وَحْدَه .
يَنسابُ الحليبُ بانتظامٍ
يُشبِه تَسْكينَ جُرْحٍ ، لا يُرى بالعَيْنِ ، لكنَّه يُلمَس في تَحَوُّلِ
الطِّفْلِ نَفْسِه ، ارتخاء كَتِفَيْه ، استسلامه لِطُمَأنينة مُفاجِئة ، تِلْك
اللمعة التي تَلُوح في عَيْنَيْه قَبْلَ أنْ يَغْفو.
تَحُسُّ باهتزازٍ خفيفٍ
يَمُرُّ مِنْ جَسَدِه إلى جَسَدِها ، كأنَّهما يَتبادلان سِرًّا صغيرًا لا يُقَال
. وَيَزْداد تَدَفُّقُ الحليبِ عِندما يَشْتَدُّ جُوعُ الطِّفْلِ ، فَيَتْرُك على
وجهها إحساسًا دافئًا لا يُشبِه الأُمُومَةَ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يُشبِه إعادةَ
كِتابةِ العَالَمِ مِنْ جَديد ، نُقْطَةً نُقْطَة ، قَطْرَةً قَطْرَة .
وبَينما يَشْرَبُ الطِّفْلُ ،
كانتْ تُراقِب حركةَ فَمِهِ الدقيقة ، ذلك الجُهْد الصغير الذي يَبْذُلُه لِيقتنصَ
لَحْظَةَ حَياةٍ في وسطِ الفَوْضَى . وكُلَّما أحَسَّتْ أنَّه بَدأ يَشْبَع ،
كانتْ تَتحرَّك بِبُطْء ، كأنَّها تَخْشَى أنْ تُوقِظَ الحُزْنَ الذي نامَ أخيرًا
على كَتِفَيْه .
لَمْ يَكُن المَشْهَدُ
احتضانًا فَقَط ، بَلْ أيضًا كانَ عِلاجًا ، وَمُقَاوَمَةً ، واستمرارًا عَنيدًا
للنَّفَسِ الأخيرِ للحياةِ في قلبِ الدَّمار. عمليةُ الإرضاعِ تَتحوَّل إلى فِعْلٍ
يُقَاوِمُ المَوْتَ، فِعْل تَصْنعه بِيَدَيْهَا، وبصدرٍ اختارَ أنْ يَكُون جِسْرًا
يَعْبُر عَلَيْه الأطفالُ إلى غَدٍ قَدْ يَتأخَّر ، لكنَّه لَمْ يَمُتْ بَعْد .
في قَلْبِ حَرْبٍ أطفأتْ كُلَّ
شَيْء ، كانتْ تِلْك المَرْأة البُوسنيَّة تُشعِل الحياةَ مِنْ صَدْرٍ امتلأ
رَحْمَةً لا شَهْوَةً . تَحمِل الأيتامَ كأنَّها تَجْمَع مَا تَبَقَّى مِنَ
العَالَمِ بَيْنَ ذِرَاعَيْها ، وتَسكُب لَهُمْ طُمَأنينةً تُعَانِدُ الدُّخَانَ والخَرابَ.
صارَ حليبُها وعدًا صغيرًا بأنَّ الخَيْرَ ، مَهما انكسرَ ، لا يَمُوت .
104
أنا غارقٌ في النَّدَمِ
الشديدِ ، وأُعَاني مِنْ نَوْباتِ هَلَعٍ مُتكررة ، جَعَلَتْني عاجزًا عَن النَّوم
. تُطَاردُني الكوابيسُ عَنْ نِسَاء وأطفالٍ تَلْتهمهم النِّيران . أُعَاني مِنْ
قِلَّةِ النَّوْمِ ، أو النَّوْم المُتقطع والأرقِ ، وانقطاعِ النَّفَسِ أثناءَ
النَّوْم . أستيقظُ كُلَّ عِدَّة ساعات ، ولكنَّني أعُود إلى النَّوْم ، ولا
تَتجاوز ساعات نَوْمي خَمْسَ ساعات ، وَتَكُون مُتقطعة . مُؤخَّرًا ، أصبحتُ
عِندما أستيقظُ لا أستطيعُ العَوْدَةَ إلى النَّوْم ، وهَذا يُقْلِقُني ،
ويُرْعبني كثيرًا .
أَجُرُّ قَدَمَيَّ في طُرُقاتٍ
لا تَعرِف الرَّحمةَ ، كأنَّ كُلَّ خُطْوةٍ تُذكِّرني بِضَعْفي الذي حاولتُ
إخفاءَه طَويلًا خَلْفَ كلماتٍ صُلْبة ، وَصَمْتٍ مُتماسك . وصلتُ إلى أرضٍ لا
تُشبِه أزِقَّةَ طُفُولتي ، إلى حربٍ تَلْتهم الوقتَ والرُّوحَ معًا ، إلى
البُوسنة. وهُناك اكتشفتُ أنَّ قلبي أوْهَنُ مِمَّا ظَنَنْتُه ، وأنَّ الصَّوْتَ
المُرتجِف في داخلي أعلى مِنْ هَديرِ المَدافِع .
الليالي الجارحةُ هي امتحاناتٌ
قاسية . جلستُ أُراقبُ السَّماءَ الداكنة ، وكُلُّ اهتزازٍ في الأرضِ يُسْقِطُ
جُزْءًا مِنِّي . لَمْ أكُنْ شُجاعًا ، وَلَمْ أدَّعِ ذلك . كُنْتُ شَابًّا
عربيًّا يُلاحِق سببًا غامضًا يَجْعله يَقِفُ بِشَجاعة ، لكنَّ النَّبْضَ
المُتسارِع فَضَحَني ، كانَ قاسيًا عَلَيَّ أكثرَ مِنَ الحربِ نَفْسِها . كُلَّما
حاولتُ أنْ أُغْمِضَ عَيْنَيَّ رَأيْتُ النِّيرانَ تَمْتَدُّ نَحْوَ وُجوهٍ صغيرة
. نِسَاء يَصْرُخْنَ بِلا صَوْتٍ ، وأطفال يَبْحثون عَنْ حِضْنٍ لَمْ يَعُدْ
مَوجودًا . المَشْهَدُ يَعُود إلَيَّ مِرَارًا ، كأنَّه يَسْتعير مَلامحي
لِيُعِيدَ تَشَكُّلي بطريقةٍ أكثر انكسارًا .
نَوْبَاتُ الهَلَعِ صارتْ
رَفيقتي . أطرافي تَرتجف ، وأنفاسي تَختنِق ، وَصَدْري يَضِيقُ كأنَّ الهواءَ
حَوْلي يَنسحب فَجْأةً . أخْشَى النَّوْمَ أكثرَ مِمَّا أخْشَى المَوْتَ .
النَّوْمُ بَوَّابةٌ تُفْتَحُ عَلى عَالَمٍ أحترقُ فيه مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ . في
النهارِ أخافُ مِنَ الحقيقةِ ، وفي الليلِ أخافُ مِنَ الذاكرة . لَمْ أَجِدْ
مَهْرَبًا مِنْ أيٍّ مِنهما . أحيانًا ، أضعُ رأسي على رُكْبَتَيَّ ، وأُحاول أنْ
أتماسكَ ، لكنَّ داخلي هَشٌّ كَزُجَاجٍ مَكسور . كُلُّ صَوْتٍ بعيدٍ يُوقِظُ في
جَسَدِي رُعْبًا دَفينًا . كُلُّ ظِلٍّ على الجِدارِ يَتحوَّل إلى قِصَصٍ لا
أُريدُ أنْ أتذكرها . لَمْ أكُنْ بطلًا ، بَلْ إنَّني لَمْ أحْلُمْ يَوْمًا
بالبُطولة . جِئْتُ فَقَط لأُثبِتَ لِنَفْسِي أنَّني أستطيعُ الوُقوفَ، لكنَّني
اكتشفتُ أنَّ الوُقوفَ نَفْسَه يَحتاج إلى قلبٍ أثقل مِنْ قَلْبي .
كتبتُ لِنَفْسِي رسائل قصيرة
لا يَقْرَؤُها أحد ، أُحاولُ فيها أنْ أُرتِّب خَوْفي مِثْلَ رُفوفٍ مُبَعْثَرَةٍ
. أقولُ لِنَفْسِي إنَّ الليلَ سَيَمُرُّ ، وإنَّ الشمسَ سَتُشْرِق ، لكنَّ داخلي
يَعرِف الحقيقةَ ، وَهِيَ أنَّ الحربَ لا تَنتهي عِند طُلوعِ الصَّباح ، وأنَّ مَا
يُحْرِقُ الرُّوحَ لا يُطْفِئه الضَّوْءُ .
وَرَغْمَ كُلِّ ذلك ، كُنْتُ
أَجُرُّ نَفْسي إلى الغَدِ . لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ مَا أتشبَّث بِه سِوى فِكْرة
صغيرة ، وَهِيَ أنَّني ، مَهما كُنْتُ ضعيفًا ، أستطيعُ أنْ أستمر يَوْمًا
إضافيًّا ، يَوْمًا واحدًا فَقَط . يَوْمٌ أتنفَّس فِيه رَغْمَ الضِّيقِ ، وأمشي
رَغْمَ رَعْشَةِ سَاقَيَّ ، وأرفعُ رأسي رَغْمَ ثِقَلِ الهَزيمةِ في صَدْري .
لا أعرفُ إنْ كُنْتُ سأعودُ
كَما كُنْتُ ، أوْ إنْ كانَ في داخلي شَيْء لَمْ يَتَفَحَّمْ بَعْد ، لكنَّني
أعرفُ شيئًا واحدًا فَقَط ، وَهُوَ أنَّ الضعفَ لَيْسَ عارًا ، وأنَّ الإنسانَ
حِينَ يُواجِه الليلَ وَحْدَه ، يَعرِف أخيرًا أنَّ الشَّجَاعة لَيْسَتْ صُرَاخًا
ولا صَلابة ، بَلْ قُدْرة صغيرة على البَقَاء ، حتى لَوْ كانَ قَلْبُهُ يَرتجف .
مُنذُ سَنَوات ، وأنا أشعرُ
بِفَراغٍ داخليٍّ ، لا أمْلِكُ مَشاعر تُجَاه الآخَرين ، وأَحُسُّ أنَّني أعيشُ في
هذه الحَياةِ بِلا سبب ، وَلَيْسَ لَدَيَّ أحلام ولا أهداف . أشعرُ بالخِزْيِ
والعارِ تُجَاه نَفْسي ، وأنَّني مُذنِب ، وكارهٌ لِنَفْسي ، فأنا كثيرُ التفكيرِ والقلقِ
والوَسْواسِ ، ودائمًا تأتيني مَشاعرُ الخَوْفِ والهَلَعِ بِلا سبب ، وَتَدْفعني
إلى البُكاءِ، والبحثِ عَن الأمانِ ، والتفتيشِ عَن الخَلاص .
هَا أنا أكتبُ وكأنَّني
أُفَرِّغُ صَدْري على الوَرَقِ ، كأنَّ الكلمات وَحْدَها قادرة على حَمْلِ هَذا
الثِّقَلِ الذي يَسْكُنُ داخلي مُنذُ سنوات طويلة، سنوات لا أعرفُ كَيْفَ مَرَّتْ
، ولا لماذا مَرَّتْ أصلًا.
أَحُسُّ دائمًا أنَّ شيئًا
ناقصًا في داخلي ، شيئًا لا أراه ، ولا أعرفُ اسْمَه ، لكنَّه يَجُرُّني كَظِلٍّ
ثقيل لا يَنفصل عَنِّي . أَحُسُّ أنَّني مُفرَغ مِنَ الداخل ، مُجوَّف كَغُرفةٍ
مَهجورة ، تَتردَّد فيها أصواتُ الماضي ، ولا يَسْكُنُها أحد. العَالَمُ يَتحرَّك
حَوْلي بألوانِه وَضَجيجِه ، وأنا ثابتٌ في مَكاني ، أُراقِب مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ
سَميكٍ لا أستطيعُ كَسْرَه. أَسِيرُ بَيْنَ الناسِ بجسدٍ حاضرٍ وَرُوحٍ غائبة،
وكأنَّني مُمثِّل سَيِّئ نَسِيَ دَوْرَه ، لكنَّه مَا زالَ واقفًا على خَشَبَةِ
المَسْرَحِ ، لأنَّ عَلَيْه أنْ يَبْقَى ، فَقَط يَبْقَى .
أسألُ نَفْسِي : لماذا أنا هُنا ؟، ما السبب ؟،
ما الجَدْوى ؟ . ولا أجِدُ إجابة . لا أمْلِكُ أحلامًا أتعلَّق بِها، ولا أهدافًا
أركضُ نَحْوَها . كُلُّ شَيْءٍ يَبْدُو بعيدًا وَضَبَابيًّا ، بِلا طَعْمٍ .
أتظاهرُ بالاهتمام ، وأتصنَّعُ الرَّغْبَةَ ، وَأُلَوِّنُ كَلِماتي بفرحٍ لا
أشعُرُ بِه ، لكنَّني أعرفُ في أعماقي أنَّني أعيشُ عَلى هامشِ الحياة .
أتَنَفَّسُ فَقَط لأنَّ الجسد لَمْ يَتعلَّم بَعْدَ كَيْفَ يَتوقف .
أكْرَهُ نَفْسِي كثيرًا .
أكْرَهُ ذلك الاضطرابَ الذي يَسْكُنُ رأسي ، ذلك القلق الذي يُشبِه آلَةً تَدُور
بِلا تَوَقُّفٍ ، وَتِلْك الأسئلة التي تَنهَشُني طِوَالَ الليلِ . أفكاري تَتشابك
، وَتَتصارع ، وَتُثْقِل على صَدْري حتى أختنق . أستيقظُ مَذعورًا بِلا سببٍ واضحٍ
، وكأنَّ الخَوْفَ يَتسلَّل إلَيَّ مِنْ مَكانٍ أعْرِفُهُ جَيِّدًا ، لكنَّه يُصِرُّ
على أنْ يَبْقَى مَجْهولًا .
أبكي بصمتٍ ، بِلا مُقدِّمةٍ
ولا تَفْسيرٍ . دُمُوعٌ تَهبِط كأنَّها تَعرِف الطريقَ أكثرَ مِمَّا أعْرِفُهُ أنا
. لا أحد يَفْهَم لِمَاذا ، وأنا نَفْسِي لا أفْهَم . فَقَط أشعرُ أنَّ هُناك
شيئًا يَخْنُقُني ، وَيَضْغَط على صَدْري بِقُوَّةٍ تَجْعَل البُكاءَ الوسيلةَ
الوحيدةَ للنَّجَاةِ لَحَظَاتٍ مَعْدُودة .
أتمنَّى أحيانًا أنْ أستريحَ
مِنْ كُلِّ هذا الصِّراعِ الداخليِّ ، أنْ أصْمُتَ دُون أنْ يَصْرُخَ رأسي في
وَجْهي ، أنْ أعيشَ يَوْمًا واحدًا دُون خَوْف ، دُون ذلك الفراغِ الذي يَبْتلع
كُلَّ مُحَاوَلَةٍ مِنِّي لأكُونَ طبيعيًّا. أُحَاوِلُ أنْ أبْدُوَ قويًّا ، لكنَّ
الحقيقة هِيَ أنَّني هَشٌّ ، هَشٌّ لِدَرَجَةِ أنَّ كَلِمَةً عابرةً قَدْ تُسْقِطُ
مَا بَقِيَ واقفًا في كِيَاني . رَغْمَ كُلِّ هَذا الثِّقَلِ ، هُناك جُزْء صغير
في داخلي ، ضعيف لكنَّه مَوجود ، يُريد أنْ يَنْجُوَ . يُريدُ أنْ يَتعلَّم كَيْفَ
يَشْعُر ، كَيْفَ يَحْلُم ، كَيْفَ يَهْدَأ . يُريدُ أنْ يَسْمَعَ العَالَمَ
مَرَّةً أُخْرَى دُون ذلك الضَّجيج المُؤلِم في الرأس . لا أعْرِفُ إنْ كُنْتُ
سَأصِلُ يَوْمًا إلى ذلك، لكنَّني أكتبُ لأتذكرَ أنَّني مَا زِلْتُ أُحَاوِلُ ،
وَلَوْ بِبُطْءٍ شديد . أكتبُ لأنَّ الكَلِمَاتِ لا تَحْكُمُ عَلَيَّ ، ولأنَّها
تَمْنَحُني لَحْظَةً أتَنَفَّسُ فِيها دُون خَوْفٍ . وحتى لَوْ ظَلَّ هَذا
الفَراغُ يَسْكُنُني ، فَرُبَّما سَيَأتي يَوْمٌ أتعلَّم فيه أنْ أمْلَأَهُ
بِشَيْءٍ يُشبِه الحَيَاةَ أوْ يُشْبِهُني .
105
قُيُودٌ صَدِئة تَنهَض مِنْ باطنِ التاريخ ،
تَصْطَكُّ حَلَقَاتُها كُلَّمَا نَطَقَ شخصٌ بِعِبَارة " نَحْنُ
الأرقى"، فَيَتَكَوَّر الهواءُ حَوْلَ تِلْك الكَلِمَاتِ مِثْل طِفْلٍ
مَذعور، يَعْلَم أنَّ الشَّرَّ حِينَ يُولَدُ لا يَصْرُخ ، بَلْ يَتَنَفَّس بِهُدوء
مريض .
القَوْمِيَّةُ العِرْقِيَّةُ
الفَاشِيَّةُ لا تأتي راكضة ، بَلْ تَتسلَّل بِبُطء ، أصابعُها مَلْساء كالأكاذيبِ
القديمة، تَلمِس وُجوهَ الناسِ لِتُعِيدَ تَشيكلَهم وَفْقَ قوالب جامدة لا
تَتَّسِعُ لِنَبْضِ قلبٍ واحدٍ . تُغْريهم بِفِكْرَةِ التَّفَوُّق ، بِفِكْرَةِ
الانتماءِ الخالصِ ، بِفِكْرَةِ أنَّ العَالَمَ يَجِبُ أنْ يُصَبَّ في قَالَبٍ
واحدٍ ، وأنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ " هُمْ " فَهُوَ غُبارٌ عالقٌ على
حَافَةِ الوجود .
يَا لَهَا مِنْ فِكْرة تُشبِه حُلْمًا
مَصْبُوبًا بالرصاص ، يَلْمَعُ مِنْ بَعيدٍ ، وَيُمِيتُ مِنْ قَريبٍ . كَمْ مِنْ
قلبٍ أُطْفِئَ لأنَّ لَوْنَه لَمْ يُوافق مَعاييرَ الوَهْمِ . كَمْ مِنْ رُوحٍ
حُمِّلَتْ وِزْرَ اختلافِها . كَمْ مِنْ مَساحات أُحْرِقَتْ ، لَيْسَ لأنَّها
خائنة ، بَلْ لأنَّها لَمْ تَكُنْ امتدادًا للصُّورةِ المُتَوَهَّمَةِ في المِرْآةِ
.
القَوْمِيَّةُ الفَاشِيَّةُ لا
تَبْني وطنًا ، إنَّها تَبْني جِدارًا حَوْلَ عَقْلِ الإنسانِ ، وَتُلْقي بِهِ في
زِنزانةٍ ضَيِّقَةٍ لا يَرى فيها سِوى نَفْسِه ، ثُمَّ تَقُول له : (( هذه هِيَ
الحقيقة )) . لكنَّ الحقيقة أكبرُ مِنْ ذلك ، وأوْسَعُ مِنْ أنْ تُخْتَزَلَ في
لَوْنٍ أوْ دَمٍ أوْ سُلالةٍ .
الحقيقةُ هِيَ أنَّ البَشَرَ ،
على اختلافِهم ، يُشْبِهُون تُرْبةَ الأرضِ ، لَوْ كانتْ مِنْ نَوْعٍ واحدٍ لَمَا
نَبَتَ فِيها شَيْء .
كُلَّما انتفختْ شِعاراتُ
النَّقَاءِ العِرْقِيِّ انكمشَ جُزْءٌ مِنْ إنسانيتنا. وكُلَّما ارتفعتْ راياتُ
الكَرَاهِيَةِ سقطتْ راياتُ الطُّمَأنينةِ في صُدورٍ تَتُوق إلى السلام . لا
يُوجَد أشدُّ قَسْوَةً مِنْ قَلْبٍ تَسَوَّرَتْ حَوْلَه فِكْرَةُ التَّفَوُّقِ ،
يُصْبح كَصَخْرَةٍ تَعجِز الزُّهورُ عَن الالتصاقِ بِها .
مَا أثقلَ الخُطَى التي تَقُود
الشُّعوبَ إلى الوَهْمِ ، ومَا أمْجَدَ الشَّجاعة التي تُعِيدهم إلى الحقيقة.
الحقيقةُ هِيَ أنَّ العَالَمَ لا يُضِيئه عِرْقٌ واحدٌ ، بَلْ تَتوهَّج ألوانُه
حِينَ تَتلاصق أكتافُ المُختلِفين ، حِينَ يُدرِك الناسُ أنَّ جَرَسَ الخطرِ
لَيْسَ في الوُجوهِ المُتنوعة ، بَلْ في اليَدِ التي تُحاولُ صَهْرَها في
بَوْتَقَةٍ واحدة .
القَوْمِيَّةُ الفَاشِيَّةُ
لَيْسَتْ سِوى ظِلٍّ طويلٍ يَمْتَدُّ مِنْ زَمَنٍ جريحٍ إلى حاضرٍ يَرفُض أنْ
يُشْفَى . لكنَّ الظِّلالَ مَهْما طالَ امتدادُها، تَتلاشى عِندما يَجِدُ الإنسانُ
جُرْأةَ الوقوفِ في الضَّوْءِ، وَيَقُول: (( هُنا تَتساوى الخُطَى ، وَهُنا يَبْدأ
الوطنُ الحقيقيُّ ، وَطَنٌ لا يَحْتاج إلى نَقَاءٍ مَزعومٍ كَيْ يَبْقَى )) .
في قلبِ أُوروبا ، حَيْثُ
تَبْدو المُدُنُ هادئةً ، وشوارعُها تَعِجُّ بالحياة ، كانَ هُناك وَطَنٌ صغير
يَنبِض بأحلامِ أهْلِه ، ثُمَّ انقلبَ كُلُّ شَيْء إلى كابوسٍ لَمْ يَعْرِف
العَالَمُ مِثْلَه مِنْ قَبْل .
كانت البُوسنة بِسِحْرِها
الطبيعيِّ وقُلوبِ سُكَّانِها الصافيةِ مَسْرَحًا لِفَصْلٍ مُظلِم مِنَ التاريخِ
الإنسانيِّ . في تِلْك الأرضِ ، حَيْث الأطفالُ يَضْحَكون ، والنِّساءُ يَحْمِلْنَ
الأملَ في أبصارهن ، ظهرتْ وُجوهُ القَسْوَةِ ، وَجَعَلَت الحَياةَ تَهْتَزُّ
تَحْتَ وَطأةِ الرُّعْبِ .
لَمْ يَكُنْ هُناك شَيْء
يَحْمي الناسَ مِنْ أنينِ الطَّلَقَاتِ وَقَسْوَةِ الجُنودِ . المَنازلُ التي
احتضنتْ أفراحَ العائلاتِ صارتْ خَرابًا ، والحدائقُ التي كانتْ تَفِيضُ بالألوانِ
صارتْ رَمادًا . مَنْ قُتِلَ ، وَمَن اختفى ، وَمَنْ تَرَكَ وَراءَه أحلامَه
وأهْلَه ، لا يَعرِف أحدٌ عَنْ مَصيرِه شيئًا إلا في ذِكْرى الفَقْدِ والحُزْنِ
المُستمر. صَرَخَاتُ الألَمِ ، والأطفالُ الذينَ فَقَدُوا بَراءَتهم في لَحْظة .
كُلُّ شَيْء أصبحَ جُزْءًا مِنْ ذاكرةِ الأرضِ نَفْسِها ، ذاكرة لا يُمكِن
مَحْوُها بالوَقْتِ أو النِّسْيَانِ .
في تِلْك اللحَظَات ، لَمْ
يَكُن الدَّمُ مُجرَّد لَوْن ، كانَ قِصَّةَ كُلِّ حُلْمٍ قُتِلَ قَبْلَ أنْ
يُولَدَ . كانَ صَدى كُلِّ قلبٍ تَحَطَّمَ . كانَ شَهَادَةً صامتةً على
وَحْشِيَّةٍ لا تُصَدَّق . الشوارعُ التي كانتْ تَمتلئ بالأحاديثِ اليَوْمِيَّةِ
صارتْ مَليئةً بالظِّلالِ ، والهواءُ نَفْسُه بَدَا ثقيلًا مِنْ حُزْنٍ لا يَنتهي
. وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَمُرُّ أحدُهُم بجانبِ رُكَامِ بَيْتٍ مُهَدَّمٍ ، يَختلِط
الشُّعورُ بَيْنَ الصَّدْمَةِ والغَضَبِ والحُزْنِ العميق ، وكأنَّ كُلَّ شَيْء
مِنْ حَوْلِه يَشْهَدُ على انتهاكٍ لا يُمكِن تَصَوُّرُه . لكنْ وَسَط الخراب ،
هُناك لَحَظَات تَبْرُز فيها الإنسانية رَغْمَ المِحْنَة . عُيون الناجين تَنظُر
حَوْلَها بحثًا عَنْ أحِبَّائِهَا ، أصابع تَمْتَدُّ لِتُلامِسَ الأحياءَ، أصوات
تَتحدَّث عَن الحُبِّ الذي لَمْ يَقْتُلْهُ الرَّصَاصُ . ومعَ كُلِّ دَمْعةٍ
تَنْزِلُ ، وكُلِّ قلبٍ يَخْفِقُ على أملِ النَّجَاة ، يَظْهَر جَمَالُ الصُّمُودِ
البَشَرِيِّ ، ذلك الصُّمُود الذي يَرفُض أنْ يُقْهَرَ حتى في أحْلِكِ الظُّروف .
إبادةُ الصِّرْبِ الوُحُوشِ
للمُسْلِمِين الأبرياءِ العُزَّلِ لَمْ تَكُنْ مُجرَّد أرقام في تقارير،بَلْ كانتْ
حَيَاةً. قِصَص أطفال لَمْ يَعرِفوا طُفُولَتَهُم ، نِسَاء فَقَدْنَ عائلاتهن ،
رِجَال دُمِّرَ مُسْتَقْبَلُهُم . كُلُّ زاويةٍ مِنْ تِلْك المُدُنِ تَحْكي عَنْ
فَجِيعة . كُلُّ حَجَرٍ يَحمِل ذِكرى صَمْتٍ رهيبٍ . كُلُّ ظِلٍّ يَحمِل وجعًا لا
يَزُول. وفي النِّهايةِ ، تَبقى الذِّكْرى ، لا لِتُغْرِقَ القُلوبَ في اليأس ،
بَلْ لِتُذَكِّرَ البشريةَ بأنَّها أمام امتحانِ الرَّحمة ، وأنَّ القَسْوَةَ لا
يُمكِن أنْ تُنسَى أبدًا .
البُوسنةُ تُعلِّمنا درسًا
غاليًا ، أنَّ الشَّرَّ قَدْ يَتسلَّل إلى أيِّ مكان ، لكنَّ الصُّمُودَ
الإنسانيِّ ، والذكرى ، والحُب الضائع ، كُلُّ ذلك يَبْقَى شاهدًا حَيًّا على مَا
كان . رُبَّما لَمْ يَعُدْ بإمكانِ الضَّحَايا الكلام ، لكنَّ صَدى مُعَاناتهم مَا
زالَ يَرِنُّ في العُقولِ والقُلوبِ ، يُذكِّرنا بأنَّ البشرية بِحَاجَةٍ دائمًا
إلى الحَذَرِ ، والتعاطفِ ، والشجاعةِ ، لِمُواجهةِ أيِّ خَطَرٍ قادمٍ . هُناك
حَيْثُ تَسْكُنُ الظِّلالُ،تُرسَم على وُجوهِ مَنْ فَقَدُوا كُلَّ شَيْء، وُجوه
حُبِسَتْ بَيْنَ قُضْبان مِنْ حَديدٍ وَصَرَخَاتٍ لَمْ يَسْمَعْها أحد . في
مُعَسْكَرَاتِ الاعتقالِ التي أقامها الغُزاةُ الصِّرْبُ ، كانَ الزَّمَانُ يَتوقف
، واللحَظَاتُ تُصْبح خَنْجَرًا في قلبِ مَنْ عاشها ، يَقْتُل الأملَ ، ويَطْعَن
الحنينَ إلى الحياة . الأطفالُ ينامون على أرضٍ باردة ، وأحلامُهم تَتَفَتَّت معَ
كُلِّ صَباحٍ جديدٍ ، أمَّا النِّسَاءُ والرِّجالُ فَقَدْ صاروا أرقامًا تُسجَّل
بِلا أسماء ولا هُوِيَّات ، كأنَّ وُجودَهم لَمْ يَكُنْ يَوْمًا . وكُلُّ ضِحْكَةٍ
لَمْ تُسْمَعْ ، وكُلُّ دَمْعَةٍ لَمْ تُمْحَ ، كانتْ شاهدةً على وَحشيةِ
الصِّرْبِ الذينَ قَتلوا البُوسنيين بِلا رَحْمة . في صَمْتِ الليلِ ، كانَ
الصَّدى الوحيدُ هُوَ صَدى الألَمِ ، صدى الذكرياتِ التي تَلتهم القلبَ ، صَدى
الأصواتِ التي لا تُسْمَع ، لكنَّها لا تَزَال حَيَّةً في عُيونِ الناجين.
الحُزْنُ يَكْتُبُ على الجُدرانِ تواريخَ المِيلادِ والمَوْتِ ، وَيَترُك رائحةَ
الخَوْفِ تَتسلَّل إلى كُلِّ زاوية ، حتى أصبحَ الصَّمْتُ قاتلًا . وَرَغْمَ كُلِّ
هَذا ، بَقِيَت الرُّوحُ صامدةً ، كَزَهْرَةٍ صغيرة تَنْمُو بَيْنَ شُقوقِ
الخَرابِ، تَرفُض أنْ تَمُوت. والحُرِّيةُ التي تُسلَب بالقُوَّةِ تَبْقَى في
القَلْبِ ، وإنْ تَأخَّرَ النُّورُ ، فإنَّ للأملِ طريقًا دائمًا إلى مَنْ يَنتظر
. الأملُ يأتي مُتْعَبًا أحيانًا ، لكنَّه لا يَتَخَلَّى عَنْ قَلْبٍ ظَلَّ يَقِفُ
عِندَ نافذته ، يَنْتظره كما لَوْ أنَّ نَجَاتَه مُعلَّقة بِعَوْدَتِه .
القُرى هُناك تُطْوَى كَمَا تُطْوَى صَفْحَةٌ
مُمزَّقة مِنْ كِتابٍ كانَ يُمكِن أنْ يَكتمِل . بُيوتٌ بَيضاء تُضِيءُ سُفُوحَ
التِّلالِ انطفأتْ فَجْأةً ، كأنَّ الرِّيحَ حَمَلَتْ معها أنفاسَ أهْلِها
دَفْعَةً واحدة .
المَساءُ يَهبِط ثقيلًا ، لا
لأنَّ الليلَ طويل ، بَلْ لأنَّ صَمْتَ البَشَرِ أطْوَلُ . صَمْتٌ وُلِدَ مِنَ
الخَوْفِ ، وَمِنْ أقدامٍ غريبةٍ تَسِيرُ بِثِقَلِ الكَرَاهِيَةِ فَوْقَ ذاكرةِ
المَكانِ .
الناسُ يَخرُجون مِنْ بُيوتِهم، كأنَّهُم
يُغادِرُون أجسادَهم ، يَحمِلون مَفاتيحَ لا يَعرِفُون إنْ كانوا سَيَعُودُون
لِيَبْحَثُوا عَنْ أبوابِها . نِسَاء يُشَدِّدْنَ على أيدي أطفالهن حتى لا يَنتزع
الليلُ أسماءَهم . رِجَالٌ يَلْتفتون إلى الوَراءِ لِيَحْفظوا آخِرَ مَلامحِ
الشوارعِ التي شَاخَتْ فَجْأةً مِنَ الرُّعْبِ . وكُلَّما ارتفعتْ رائحةُ
الدُّخَانِ مِنَ القُرى ، انكمشَ القلبُ مِثْلَ وَرَقَةٍ مُبْتَلَّةٍ بالدَّمْعِ ،
عَاجِزًا عَن الاحتفاظِ بِشَكْلِهِ الأوَّلِ .
لَمْ تَكُن المُدُنُ تُهدَم
بالحِجارةِ فَقَط ، بَلْ كَانتْ تُسَاقُ إلى العَتَمَةِ بِنَزْعِ وُجوهِ أهْلِها
عَنْها . كانَ التَّطْهيرُ العِرْقِيُّ الذي يُمارِسُه الغُزاةُ الصِّرْبُ
الوُحوشُ ضِدَّ المُسلِمين جُرْحًا لا يَكْتفي بالقَتْلِ ، بَلْ يَمُدُّ يَدَه إلى
أرشيفِ الأرواحِ ، يَمْحُو لُغَاتِهِم وَهَمَسَاتِهِم وَضَحِكَاتِهِم التي
عَلِقَتْ في جُدْرانِ المَطابخِ والساحاتِ . وصارت الطُّرُقَاتُ بِلا ظِلٍّ ،
كأنَّ الشمسَ فَقَدَتْ مَا يَسْتحق أنْ تُسْقِطَ نُورَها عَلَيْه . رَغْمَ
الرُّكام ، كانتْ بعضُ النوافذِ التي تَهَشَّمَتْ تُقَاوِمُ بالنظرِ إلى السَّماء
. وَرَغْمَ تَشْرِيدِ القُلوبِ ، بَقِيَتْ هُناك ذاكرة تُوَاجِهُ المَحْوَ، ذاكرةٌ
تَقِفُ عَنيدةً في وَجْهِ الفَنَاءِ ، كأنَّها تَقُول : (( إنَّ مَا يُقْتَلَعُ
مِنَ الأرضِ قَدْ يَنْبُتُ مِنْ جَديدٍ في صُدورٍ أُخْرَى ، وإنَّ البَشَرَ ،
مَهْمَا طَارَدَتْهُمُ النِّيرانُ ، يَتركون في المَكانِ أثَرًا لا يَسْتطيعُ
الجَحيمُ أنْ يُلْغِيَه )) .
كُلُّ حَرْبٍ ، أيًّا كانَ
شكلُها أوْ راياتُها ، تبدأ بصوتٍ يُشبِه الانفصالَ عَن الإنسانِ نَفْسِه .
تَمْتَدُّ كَظِلٍّ أسْوَد فَوْقَ القُلوبِ ، وَتَترُك في كُلِّ بَيْتٍ مَقْعَدًا
فارغًا لا يَمْلَؤُهُ شَيْء ، وَصَمْتًا طَويلًا يَرتجف عِند سَمَاعِهِ حتى
الحَجَر . الحربُ لا تَنتصر فيها الأُمَّهات ، ولا يَكْبَر فيها الأطفال ، ولا
يَحتفظ الناسُ فيها بِمَلامحِهم الأُولَى ، إذْ تُغيِّرهم كما تُغيِّر النارُ
مَلامحَ الخشبِ ، وَتَترُك رَمادًا يُحاول العَالَمُ بَعْدَ كُلِّ مَوْسِمٍ أنْ يَنْفُخَ
فيه رُوحًا مِنْ جَديدٍ دُون جَدْوَى .
مَهْمَا اختلفت الساحاتُ ،
تَبْقَى الحُروبُ مُتَشَابِهَةً في جَوْهَرِها ، جُرْحٌ يَتَّسِع ، وذاكرةٌ
تَنْزِف ، وَقُلوبٌ تَدُوسُ عَلَيْها الأقدامُ الراكضةُ نَحْوَ نِهايةٍ مَجْهولة .
مَا مِنْ حَرْبٍ عادلةٍ في عَيْنِ مَنْ فَقَدَ ، ولا مَجْد يَلْمَعُ فَوْقَ
الرُّكام ، ولا نشيد يُغَطِّي صَوْتَ النَّدَمِ حِينَ يَهْدَأ الغُبار . الحُروبُ
كُلُّها تَتحرَّك بِطَاقَةٍ واحدةٍ ، أنْ تَهْدِمَ أكثرَ مِمَّا تَبْني ، وأنْ
تُطفِئ في الرُّوحِ مَا لا يُعِيدُ إشعالَه الزمنُ .
في النِّهاية، لا يَرْبَحُ
أحدٌ، الجميعُ يَخْسَرُ قِطْعَةً مِنْ نَفْسِه، وَمَنْ يَبْقَى يَحْمِل عِبْءَ
الحِكايةِ إلى آخِرِ العُمْرِ، مُدْرِكًا أنَّ السَّلامَ لَيْسَ نَصْرًا ، بَلْ
هُوَ شِفَاء بَطِيء لِجُرْحٍ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أنْ يُفْتَحَ أصلًا.
في المُجتمعاتِ التي آمنتْ أنَّ
اختلافَ البَشَرِ لَيْسَ صَدْعًا في الجِدَارِ ، بَلْ نافذة للضَّوْءِ ،
تَتَنَفَّسُ الأرواحُ بِحُرِّيةٍ أكبر . هُناك ، حَيْثُ تَتجاورُ الحِكاياتُ كما
تَتجاورُ الألوانُ على لَوْحَةٍ رَسَّامٍ ماهرٍ ، يُولَد مَعنى جديد للإنسانيَّة ،
مَعنى لا يُقَاسُ بِلِسَانٍ واحدٍ ، ولا يُحَدُّ بِحُدودٍ رَسَمَتْهَا يَدٌ
مُرتجفة مِنَ الخَوْفِ .
في مُجتمعٍ يَحتضِن
التَّعَدُّدِيَّةَ الثقافية ، يُصْبح الاختلافُ لُغَةً مُشتركة ، ويَغْدُو الغريبُ
مِرْآةً تَكشِف لَنَا مَا خَفِيَ مِنْ جَمَالِنا . لا يَعُودُ الآخَرُ تَهْديدًا ،
بَلْ يُصْبح امتدادًا لَنَا ، وخُطْوةً إضافية في طَريقِ فَهْمٍ أوْسَع للعَالَمِ
وَلِذَواتنا. تُطْوَى المَسافاتُ بَيْنَ الناسِ كما تُطْوَى الرسائلُ القديمة ،
لِيَبْقَى جَوْهَرُها . إنَّنا نَبحثُ جَميعًا عَنْ مَعْنى ، عَنْ أمان ، عَنْ
مَساحةٍ نَكُون فيها كما نَحْنُ بِلا أقنعة .
ذلك المُجتمعُ لا يَنتظرُ مِنْ
أفرادِه أنْ يُشْبِهُوا بَعْضَهم ، بَلْ يَنتظر مِنهُم أنْ يَحترموا جُذورَهم ،
وَيُصْغُوا إلى جُذورِ الآخَرين . يَعْرِفُ أنَّ ثقافةً واحدةً لا تَكْفي لِحَمْلِ
كُلِّ هَذا الضَّوْء ، وأنَّ لَحْنًا واحدًا لا يَنْهَضُ بأُغْنِيَةِ الحياة .
إنَّه المكان الذي تَتصافحُ فيه اللغاتُ ، وتتعانق فيه الذكرياتُ ، وَيَقِفُ
الإنسانُ فيه على أرْضٍ مُشتركة مَهْمَا تَنَوَّعَتْ طُرُقُه .
هُناك فَقَط، يُصْبح العَيْشُ
فِعْلَ حُبٍّ ، والتواصلُ فِعْلَ شَجاعةٍ ، والتَّنَوُّعُ وعدًا بِمُستقبَلٍ
أرْحَب. وفي حِضْنِ ذلك المُجتمع ، يُدرِك المَرْءُ أنَّ أجملَ ما في العَالَمِ
أنَّه يَسَعُ الجَميعَ .
هَا هِيَ الأرضُ التي نَمْشِي
عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ ، تَبْدُو لَنَا في ظَاهرِها تُرابًا وَحِجَارَةً ، لكنَّها
في حقيقتها ذاكرةٌ حَيَّةٌ تُنصِت لِخُطُواتِنا ، وَتَحْفَظ صَدى أصواتِنا ،
وَتَجْمَعُنا تَحْتَ ظِلِّ اسْمٍ واحدٍ مَهْمَا تَفَرَّقَتْ بِنا المَلامحُ
واللغاتُ . الهُوِيَّةُ القَوْمِيَّةُ لَيْسَتْ دَمًا يَجْري وَحْدَه ، ولا
سُلالةً تُتْلَى في كُتُبِ الأنسابِ . إنَّها عَقْدٌ صامتٌ بَيْنَ غُرَباء صاروا
أهلًا ، وَوَطَنٍ لا يَكتمِل إلا بِهِم جَميعًا .
في المُوَاطَنَةِ المُشترَكةِ يَنكشِف السِّرُّ
، أنْ تَكُون لنا أرضٌ نَحْرُسُها ، وَقِيَمٌ نَنْهَضُ بِها ، وَمَصِيرٌ نَصْنَعُه
معًا . في تِلْك المساحة التي تَتقاطعُ فيها آمالُ الناسِ ، يَتحوَّل الاختلافُ
مِنْ جِدَارٍ إلى جِسْرٍ ، وَمِنْ عِبْءٍ إلى طَاقةٍ تَدْفَعُ الأُمَّةَ إلى
الأمام . لَيْسَ الوَطَنُ هُوَ مَا نُولَد فيه فَقَط ، بَلْ مَا نَخْتار أنْ
نَحْيَا لأجْلِه ، وَمَا نَضَعُ فِيه مِنْ حُلْمٍ أكبر مِنْ أسمائِنا الفَرْدِيَّة
.
وَحِينَ تَشْتَدُّ العاصفةُ ،
لا يَبْحَث المَرْءُ عَمَّنْ يُشْبِهُه ، بَلْ عَمَّنْ يُشاركه القَلَقَ ذَاتَه ،
والرَّجَاءَ ذَاتَه ، والمُستقبَلَ ذَاتَه . عِندَها تَتجلَّى الهُوِيَّةُ
القَوْمِيَّةُ في أبهى صُوَرِها ، انتماء يَتجاوز المَظْهَرَ إلى المَبْدَأ ،
وَيَتَخَطَّى الأصلَ إلى الفِعْلِ ، ويَجْعَل مِنْ كُلِّ مُوَاطِنٍ حَجَرًا في
جِدارٍ واحد ، يَنْهَضُ بِهِ الوَطَنُ، أوْ يَنهار بِغِيابه. إنَّنا لا نُمنَح
الهُوِيَّةَ القَوْمِيَّة، بَلْ نَصْنعها نَحْن. نَكْتبها في طَريقةِ عَيْشِنا
معًا ، وَعَدْلِنا، وَشَجَاعَتِنَا ، وَقُدْرَتِنَا على أنْ نَرى في الآخَرِ
امتدادًا لأنفُسِنا . تِلْكَ هِيَ الهُوِيَّة التي تَبْقَى ، هُوِيَّة تُبنَى مِنَ
البَشَرِ لا مِنَ الشِّعَاراتِ .
هَا أنا أكتبُ وفي حَلْقي
شَظِيَّةُ صَمْتٍ لا تَذُوب ، كأنَّ حَرْبَ البُوسنةِ لا تُريدُ أنْ تَنْتهي ،
بَلْ تَرَكَتْ بابًا مَفتوحًا في الذاكرة ، يَنطلق مِنْهُ صَوْتُ مَنْ رَحَلُوا ،
وَصَدى خُطُوَاتِ مَنْ بَقُوا .
هُناك ، بَيْنَ الجِبَالِ
النابضةِ بالخُضْرَةِ والقُلوبِ المَعجونةِ بالرَّمادِ ، وُلِدَ وَعْدٌ لا يَلِيقُ
بالبَشَرِ أنْ يَنْقُضُوه ، إنَّه وَعْدُ الحقيقةِ . الالتزامُ بإظهارِ الحقيقةِ
لَيْسَ فِعْلَ شَجاعةٍ فَقَط ، بَلْ أيضًا فِعْل نَجَاةٍ. نَجَاة للأحياء مِنْ
كابوسِ الإنكارِ ، ونَجَاةٌ للأمواتِ مِنْ أنْ يُدفَنوا مَرَّتَيْن ، مَرَّةً تحت
التُّرابِ ، وَمَرَّةً تحت الصمت . كَمْ مِنْ أُمٍّ مَا تَزَالُ تَضُمُّ ثَوْبَ
ابنِها ، وتَقُول : (( قُولوا لِي ماذا جَرى ، دَعُوني أُوَاجِه الحقيقةَ وَلَوْ
كانتْ كَسَيْفٍ على صَدْري )). وكَمْ مِنْ رُفَاتٍ يَنتظر اسْمًا يُعيدُ إلَيْهِ
كَرامةَ الوَداعِ.
الحقيقةُ في حَرْبِ البُوسنةِ
لَيْسَتْ وَثيقةً تُعلَّق ، ولا شَهادةً تُوقَّع . إنَّها حَقٌّ إنسانيٌّ للأُمِّ
، والطِّفْلِ، والشَّيْخِ ، والجُنديِّ المَجهولِ. إنَّها الجِسْرُ بَيْنَ
العَدالةِ والسَّكِينةِ، بَيْنَ الذاكرةِ والضَّميرِ . والصَّمْتُ عَن الظُّلْمِ
لَيْسَ حِيَادًا ، بَلْ هُوَ انحيازٌ للطُّغْيان ، وَتَزْييفُ الألَمِ أخطرُ مِنَ
الألَمِ نَفْسِه .
لَيْسَت الحقيقةُ قاسيةً ، كما
يَظُنُّ البعضُ ، القاسي هُوَ دَفْنُها ، أمَّا كَشْفُها فَهُوَ شَقُّ طَريقٍ
للسَّلامِ داخلَ الرُّوحِ قَبْلَ الأرضِ . هِيَ يَدٌ تَمْتَدُّ إلى الماضي لا
لِتُعِيدَ فَتْحَ الجِرَاحِ ، بَلْ لِتُطَهِّرَهَا مِنَ الغُبارِ والظِّلالِ ،
كَيْ لا يَنْبُتَ فَوْقَها ظُلْمٌ جديد . فَلْنَقُلْهَا إذًا كما هِيَ ، بِلا
تَلَعْثُم ، ولا خَوْفٍ ، ولا تَجْميلٍ . وَلْنُحَمِّلْهَا للأحياءِ لِتَنْهَضَ
ذاكرتُهم ، وللأمواتِ لِيَطْمَئِنَّ نَوْمُهم . مَا مِنْ حَرْبٍ تَنْتهي حَقًّا
حتى تُقَالَ الحقيقة ، وَمَا مِنْ شَعْبٍ يَتعافى حتى يَجْرُؤَ على سَمَاعِها .
في سَراييفو ، لَمْ يَكُن
البَقَاءُ فِرَارًا عابرًا ، بَل امتحانًا للرُّوحِ أمامَ جَحيمٍ لا يَنْتهي .
المَدينةُ المُحَاصَرَةُ تَتَنَفَّسُ بِصُعوبة . يَخْتنق هَواؤُها برائحةِ
البارودِ ، لكنْ في عُيونِ أهْلِها بَقِيَ وَهْجٌ صغيرٌ يُشبِه عِنَادَ الضَّوْءِ
عِندَ حَافَةِ العَتَمَةِ . أمْشِي بَيْنَ الأبنيةِ المَثقوبةِ كأنَّني أعْبُرُ
جُرْحًا مَفتوحًا ، وكُلُّ خُطْوةٍ تَحمل صَدى قَذيفةٍ مَضَتْ ، أوْ نِداء أُمٍّ
تَخاف أنْ تُنادي بِاسْمِ ابنِها فَتَستيقظ الفاجعة . ومعَ ذلك ، بَقِيتُ .
بَقِيتُ كَيْ لا تَضِيعَ الحِكايةُ ، كَيْ لا تَبْتلعها فُوَّهَاتُ المَدافعِ ،
وَتَخُونَها الذاكرة .
أكتبُ على عَجَلٍ ، بالقَلَمِ
نَفْسِه الذي يَرتجف في يَدِي حِينَ تَسْقُطُ قَذيفةٌ عَلى بُعْدِ شَارِعَيْن .
أُدَوِّنُ صَمْتَ الشوارعِ ، ضِحْكَةَ طِفْلٍ خَجُولة اختبأتْ تحت أنقاضِ الخَوْفِ
، رَجْفَةَ رَجُلٍ فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ إلا الكَرَامة ، حُزْنَ امرأةٍ تَمْسَحُ
الغُبارَ عَنْ صُورتها العائلية كما لَوْ أنَّها تَمْسَحُ وَجْهَ البَقَاءِ . لَمْ
يَكُن التَّوثيقُ مُجرَّد كَلِمَات ، بَلْ مُحاوَلة يائسة لإبقاءِ النَّبْضِ
حَيًّا في مَدينةٍ تُنْزَعُ عَنها الحياةُ كُلَّ يَوْمٍ. أحْسَسْتُ أنَّني
أُمْسِكُ بِيَدِ سَراييفو كَيْ لا تَسْقُطَ في هُوَّةِ النِّسْيَانِ ، وأنَّ كُلَّ
سَطْرٍ أكْتُبُهُ هُوَ خَيْطٌ آخَر يَشُدُّها إلى العَالَمِ والحقيقةِ والإنسانية
.
في تِلْك الليالي الرَّهيبةِ
التي طالَ فيها الحِصَارُ حتى صارَ الزمنُ ثقيلًا كالحديد ، أدركتُ أنَّ البَقَاءَ
لَيْسَ بُطولةً ، بَلْ وَفَاء . وَفَاء لِمَدينةٍ أصَرَّتْ أنْ تَحْيا ، حتى
وَلَوْ على ضَوْءِ شَمْعَةٍ تَرتجف خَلْفَ نافذةٍ مُحطَّمة . وهكذا كَتَبْتُ ، لا
لأرْوِيَ قِصَّةَ الحَرْبِ ، بَلْ لأرْوِيَ قِصَّةَ الذينَ اختاروا أنْ يَكُونوا
بَشَرًا رَغْمَ الحَرْبِ .
في صَمْتِ المُدُنِ المُهدَّمة
، حَيْثُ تَبْكي الجُدْرانُ مِنْ صَدى القذائفِ ، يَقِفُ البُوسنِيُّون كأرواحٍ
مُعلَّقة بَيْنَ الماضي والحاضرِ. أطفالُهم يَلهثون بَيْنَ أطلالِ الحُلْمِ
المَفقود ، وَعُيونُ الأُمَّهَاتِ تَحْمِلُ قِصَصًا لا تَستطيعُ الكَلِمَاتُ
حَمْلَها . الأرضُ هُنا لَمْ تَعُدْ مأوى ، بَلْ شَهادة صامتة على قَسْوَةِ
الحَرْبِ ، وَقَسْوَةِ البَشَرِ الذينَ نَسُوا أنَّ الإنسانية لا تُقَاسُ
بالقُوَّةِ ، بَلْ بالرَّحمة .
ضَحايا القِتَالِ لَيْسُوا
أرقامًا في تقارير ، ولا عناوين عابرة في صُحُف . هُمْ وُجوهٌ عَارِيَةٌ مِنَ
الطُّمَأنينة . قُلوبُهم تَهْتَزُّ معَ كُلِّ انفجار ، وأرواحُهم تَئِنُّ على
فَرَحٍ لَمْ يَعْرِفُوه . وفي أعماقِ هذه المُعَاناة ، يُولَدُ صَبْرٌ يُشبِه الحَجَرَ
، لكنَّه قَلْبٌ حَيٌّ لا يَنْسَى ، يَهْمِسُ لِكُلِّ العَالَمِ : (( نَحْنُ هُنا
، رَغْمَ الألَمِ والدَّمَارِ ، رَغْمَ كُلِّ شَيْء . نَحْنُ مَوجودون لِنَشْهَدَ
، وَنَحْلُمَ بالسَّلام )) .
الأرضُ تَشتعل ، لأنَّ قُلوبَ
البَشَرِ ضاقتْ . تَندلعُ الحُروبُ حِينَ يَتحوَّل المالُ إلى تاجٍ ، والسُّلطةُ
إلى مَعْبَدٍ ، والأفكارُ إلى أبوابٍ مُغلَقة لا تَسْمَحُ بِعُبورِ أيِّ ضَوْء .
يُشعِلون الفَتيلَ وَهُمْ يَزْعُمون أنَّهُم يَحمِلون الحقيقةَ ، ثُمَّ يَمْضُون
فَوْقَ الرَّمادِ كأنَّ الأرواحَ التي سَقَطَتْ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا تَحْلُم ، أوْ
تَضْحَك ، أوْ تَنتظر غدًا أفضل .
في زَوايا المُدُنِ التي ابتلعتْ أصواتَها،
يَقِفُ الناسُ مَذهولين . كَيْفَ يَسْتطيعُ الإنسانُ أنْ يَقْتُلَ إنسانًا آخَر
فَقَط لأنَّه لا يُشْبِهُه ؟. كَيْفَ تَتحوَّل القِيَمُ إلى سَكاكين ، والمَبادئ
إلى حِجارةٍ تُرمَى ؟. كَيْفَ يَجلِس البَعْضُ على عُروشٍ مِنْ دَمٍ ، ثُمَّ
يَدَّعُونَ أنَّهُم يُحافظون على الحياة ؟ .
الحَرْبُ لا تُولَدُ مِنْ
فَراغٍ ، بَلْ مِنْ كَلِمَةٍ جاهلة ، أوْ فِكْرَةٍ مُتَعَجْرِفَة ، أوْ رَغْبَةٍ
صغيرةٍ في الامتلاكِ تَكْبَرُ حتى تَبْتلع العَالَمَ ، أوْ قَلْبٍ يَنْسَى أنَّ
القُوَّةَ لَيْسَتْ في السَّيطرةِ ، بَلْ في أنَّ تَتَّسِعَ للآخَرِ .
ويَبْقَى السُّؤالُ مُعَلَّقًا
في هَواءٍ ثقيل : (( هَلْ سَنَفْهَمُ يَوْمًا أنَّ الدَّمَ الذي يَسِيلُ لا
يَصْنَعُ مَجْدًا ، وأنَّ الخَرَابَ الذي يَتركه الطمعُ لا يُبنَى فَوْقَه وَطَنٌ
، وأنَّ الحَرْبَ التي تبدأ بِفِكْرَةٍ تَنْتهي دائمًا بانكسارِ رُوحٍ مَا ؟ )) .
هَكذا تَشتعل الحُروبُ ، وَهَكذا يَنطفئ الإنسانُ ، شيئًا فَشيئًا ، قَبْلَ أنْ
يَنتبه إلى أنَّ مَا كَانَ يُقَاتِلُ مِنْ أجْلِه لَمْ يَكُنْ يَسْتحق كُلَّ هَذا
الفَقْدِ .
في ليالي سَراييفو
المُحَاصَرَةِ ، كانَ الهَواءُ يَخْتَزِنُ صَرَخَاتِ المَدينةِ كَمَا لَوْ أنَّه
يَتذكَّرها نِيَابَةً عَنْهَا . شوارعُها الضَّيقة التي كانتْ ذات يَوْمٍ تُردِّد
ضَحِكَاتِ العابرين ، أصبحتْ مَمَرًّا لِخُطُواتٍ ثقيلة . خُطُواتُ رِجَالٍ لَمْ
يَحمِلوا السِّلاحَ حُبًّا في الحَرْبِ ، بَلْ حُبًّا في النَّجَاةِ ، وَحُبًّا في
المَدينةِ التي لا يُريدون أنْ يَرَوْهَا تَنطفئ .
يَقِفُون على المَتاريسِ
وكأنَّهُم يَقِفُونَ على حُدودِ القَلْبِ نَفْسِه ، يَذُودون عَنْ أحياءٍ
أنهَكَهَا الجُوعُ والخَوْفُ ، ويُخبِّئون في صُدورِهم رَغْبةً شديدةً في أنْ
يَتَنَفَّسَ أطفالُهم صَباحًا بِلا رُعْبٍ .
كُلُّ واحدٍ مِنْهُم يُواجِه
المَوْتَ بِوَجْهٍ يَعرِف جَيِّدًا مَعنى الحَياةِ ، ويَعرِف أنَّ مَا يُدافِع
عَنْه أكبرُ مِنْ جَسَدِه بكثير . بَعْضُهُم لَمْ يَعُدْ ، تَرَكَ خَلْفَه وعدًا
صامتًا يَمُرُّ في الأزِقَّةِ كَرِيحٍ حَانِيَة : (( لَنْ تَسْقُطي يا سَراييفو ))
. وَبَعْضُهُم يَعُودُ كُلَّ مَساءٍ وَجَسَدُه مُرْهَق ، لكنَّ عَيْنَيْهِ
تَشُعَّان بِصَلابةٍ تُخجِل الحَرْبَ ، وكأنَّهما تَقُولان : (( نَحْنُ لَنْ
نَنكسِر )) .
هَؤلاء الحُمَاةُ كانوا صَوْتَ
المَدينةِ حِينَ خَفَتَ صَوْتُها ، وَدَقَّاتِ قَلْبِها حِينَ خافتْ أنْ
يَتَوَقَّفَ النَّبْضُ . كانوا الجِسْرَ الرفيعَ بَيْنَ البَقَاءِ والفَنَاءِ ،
وكانوا الشُّهُودَ على أنَّ الشَّجَاعة لَيْسَتْ صُرَاخًا في وَجْهِ الخَطَرِ ،
بَلْ خُطْوة هادئة وَسَط الدَّمارِ تَقُول للظلام : (( لَنْ تأخُذَ كُلَّ شَيْء ))
.
ظَلَّتْ سَراييفو نابضةً ،
لأنَّ قُلوبًا شُجاعة وَقَفَتْ على أطرافِ الجِرَاحِ كَيْ لا تَبْتلعها العَتَمَةُ
. قُلوبٌ كَتَبَتْ بِدَمِهَا أجْمَلَ مَا يُمكِن أنْ يُكْتَبَ ، المَدينة التي
تُحَبُّ لا تُهزَم .
أقِفُ على حَافَةِ قَارَّةٍ بأكملها ، أحْمِلُ
بَيْنَ يَدَيَّ قلبًا مُمَزَّقًا ، وَأُلَوِّحُ بِهِ نَحْوَ الغَرْبِ ، لعلَّهم
يَرَوْنَ مَا لَمْ تَلْتقطه عَدَسَاتُهُم الباردة . أكتبُ الرسائلَ بِدُموعِ
النِّسَاءِ اللواتي يُهْرَعْنَ بأطفالهن بَيْنَ ألسنةِ النار ، وأخْتِمُها
بِصَوْتِ الرِّجالِ الذينَ صَاروا ظِلالًا تَبْحَثُ عَنْ ظِلٍّ . ومعَ كُلِّ
رِسالةٍ ، كُنْتُ أرجو أنْ تَعْبُرَ المُحِيطَ بِقُوَّةِ الصَّرْخَةِ لا بِخِفَّةِ
الوَرَقِ .
حَدَّثْتُهُم عَنْ مَدينةٍ
تُقْصَفُ كما لَوْ أنَّها خطأ جُغرافي ، وَعَنْ شوارع باتتْ تَنْبُتُ مِنْ
حِجارتها أسماءُ الشُّهَدَاءِ، وَعَنْ ضَوْءٍ خافتٍ في عُيونِ الناجين يُشبِه
آخِرَ بُقْعَةِ أمَلٍ قَبْلَ أنْ يَنطفئ الليلُ تَمَامًا . حَدَّثْتُهُم عَن
الخَوْفِ حِينَ يُصْبح هَوَاءً ، وعَن الانتظارِ حِينَ يَتحوَّل إلى عُقوبة .
أدْعُوهُم إلى مُشَاهَدَةِ مَا
وَراء البَيَانات ، وفَهْمِ أنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ خَبَرًا ، بَلْ هِيَ نَبْضٌ
يُسحَق . أرجو أنْ يُدرِكوا أنَّ التَّدَخُّلَ لَيْسَ فِعْلًا سِيَاسِيًّا فَحَسْب
، بَلْ هُوَ امتدادٌ لإنسانيتهم نَفْسِها . ومعَ ذلك ، ظَلَّتْ أيديهم المُرتجفةُ
مُعَلَّقَةً فَوْقَ خَرائطِهم الكُبرى ، كما لَوْ أنَّ حَياةَ شَعْبٍ كاملٍ
تَفْصيلٌ صغير يُمكِن تأجيلُه . ومعَ كُلِّ تأجيل ، كانَ الليلُ في البُوسنةِ
يَطُولُ أكثرَ ، والنِّدَاءاتُ تَصِيرُ أعمقَ، وأصدقَ ، وأشدَّ وَجَعًا .
أيُّهَا الغَرْبُ، أيُّها
المُجتمعُ الدَّوْلِيُّ ، أيُّها العَالَمُ الحُرُّ . لَمْ نَطْلُبْ أنْ تَحمِلوا
عَنَّا أوجاعَنا ، بَلْ أنْ تَمْنحوا لهذا العَالَمِ مَعنى واحدًا بسيطًا، وَهُوَ
أنَّ الألَمَ حِينَ يَبْلُغُ الحَدَّ الذي رَأيْتُموه في عُيونِنا، لا يَجُوز لَهُ
أنْ يُترَك وحيدًا .
في ليالي سَراييفو المُبْتَلَّةِ
برائحةِ البارودِ، كانَ الجُنْدُيُّ البُوسنيُّ يَقِفُ عَلى حَافَةِ خَنْدَقٍ
ضَيِّقٍ ، يَنظُر إلى الآفاقِ التي ازدحمتْ بالرَّمَادِ أكثرَ مِمَّا ازدحمتْ
بالحِكَاياتِ . لَمْ يَكُنْ يَحمِل سِوى بُنْدُقِيَّةٍ أنهَكَهَا الرَّصَاصُ ،
وَقَلْبٍ يَرفُضُ أنْ يَتَعَلَّمَ الانطفاءَ . في تِلْكَ العَتَمَةِ ، كانَ
يَشْعُرُ أنَّ العَالَمَ يَبْتَعِدُ عَنْهُ خُطْوَةً بَعْدَ أُخْرَى ، وأنَّ
صَمْتَهُ أحيانًا أثقلُ مِنْ وَقْعِ القذائفِ .
لكنْ عَلى حَوَافِّ تِلْك
العُزْلَة ، جاءتْ خُيوطٌ خَفِيَّةٌ مِنْ بَعيدٍ ، خُيوطٌ حَمَلَتْهَا طُرُقٌ لَمْ
يَعْرِفْها ، وَسُفُنٌ لَمْ يَرَهَا ، وقُلوبٌ في الرِّياضِ وأنقرة وإسلام أباد
لَمْ تَلْتَقِ بِهِ يَوْمًا ، لكنَّها أحَسَّتْ بِثِقَلِهِ وكأنَّها تعيشُ
الحَرْبَ مَعَه . الإمداداتُ العَسْكريةُ تَصِلُ كرسائل غَيْر مَكتوبة: (( سَوْفَ
تَنْتَصِر )) . تَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يُعيدُ التوازنَ إلى كَفِّه ،
وَيَصْنَع فَجْوَةً ضئيلة في جِدَارِ اليأسِ ، تَكْفي لِجُنْدِيٍّ أنْ يُوَاصِلَ
يَوْمًا آخَر . رأى في تِلْكَ المُسَانَدَةِ امتدادًا لِنَبْضٍ غَيْرِ مَرْئيٍّ ،
أشبه بِتِلْك القُوَّةِ الهادئةِ التي تَمْنَح الإنسانَ قُدْرَةً على الوُقوفِ
بَعْدَ كُلِّ سُقوطٍ ، وتُذكِّره بأنَّ الانهياراتِ لا تَكتمِل ما دَامَ هُناك
مَنْ يَمُدُّ يَدَه ، وَلَوْ مِنْ وَراءِ البِحَارِ . صارَ لِكُلِّ رَصاصةٍ
تَصِلُهُ مَعْنى ، وَلِكُلِّ صُنْدُوقِ ذَخيرةٍ قِصَّة ، وَلِكُلِّ خُطْوَةٍ
يَقْطَعُها في الثَّلْجِ صَدى يَهْمِسُ لَهُ بأنَّ هُناك مَنْ يُراهِن على بَقَائه
.
لَمْ تَكُنْ تِلْكَ المُسَانَدَة
مُجرَّد عَتَاد ، كانت اعترافًا بِوَجَعِه ، وشَهَادَةً على أنَّ مُقَاوَمَةِ
الظُّلْمِ ، حِينَ يَشْتَدُّ الخِنَاقُ ، تَحْتاج إلى كَتِفٍ تُسْنِدُها حتى لَوْ
كانتْ بعيدة . وهَكذا ، وَسَطَ الفَوْضَى ، شَعَرَ الجُنْدُيُّ البُوسنيُّ أنَّ
قَلْبَه يَشتعل مِنْ جَديدٍ غَضَبًا ، وامتنانًا يَلْمَعُ في داخله كَشَرَارَةٍ
صغيرةٍ تَقْهَرُ ظَلامَ الحَرْبِ . وَبَيْنَ هَديرِ المَدافعِ وَصَمْتِ المَقابرِ
، أدركَ أنَّ الشُّعوبَ التي تَتقاسمُ الخَوْفَ تَسْتطيعُ أيضًا أنْ تَتقاسمَ
الأملَ ، وأنَّ النَّجَاةَ أحيانًا تُولَدُ مِنْ بَعيدٍ ، لكنَّها تَصِلُ تَمامًا
في الوَقْتِ الذي يَحْتاجه المَرْءُ كَيْ لا يَسْقُطَ .
البَنَادِقُ في سُفُوحِ البُوسنةِ تَرتجفُ كما
لَوْ أنَّها تَعرِف وَحْدَها ثِقَلَ العُمْرِ الذي سُرِقَ مِنْ شَبابِ القُرى
والوِدْيَانِ . هُناك ، بَيْنَ الضَّبابِ الذي يَهبِط معَ الفَجْرِ ، كانت
العُيونُ تَتَرَقَّبُ خَبَرًا لا يأتي إلا عَبْرَ طُرُقٍ بعيدةٍ ، طُرُقٍ حَمَلَتْ
على أكتافِها رَجاءً وَهَّاجًا بأنْ يَصِلَ مَا يُبْقي القُلوبَ واقفةً .
اعتمدَ الجَيْشُ البُوسنيُّ
على أنفاسٍ بعيدةٍ تُرسَل مِنَ السُّعوديةِ وتُركيا وباكستان ، أنفاسٍ تَحَوَّلَتْ
إلى صَناديقِ ذَخيرةٍ ، وَقِطَعِ غِيَارٍ ، وَمُؤَنٍ تُصارِع الطريقَ قَبْلَ أنْ
تُصارِع الحَرْبَ .
الإمداداتُ العَسكرية القادمةُ
مِنْ تِلْكَ البِلادِ أشبَه بِخُيوطِ ضَوْءٍ رفيعة ، تَشُقُّ طريقَها فَوْقَ
جِبَالٍ مَكْلُومة ، لِتُوقِظَ في الجُنودِ إحساسًا بأنَّ العَالَمَ لَمْ يُدِرْ
ظَهْرَه لَهُم تَمَامًا .
كُلُّ صُندوقٍ يُفْتَحُ كانَ يُعِيدُ لِجُنودِ
البُوسنةِ شيئًا مِنَ الثَّباتِ ، وشيئًا مِنَ القُدْرَةِ على الوُقوفِ سَاعةً
إضافية في وَجْهِ الجُوعِ والخَوْفِ والليلِ الطويل . وفي كُلِّ مَرَّةٍ كانوا
يَرُصُّونَ فِيها الطَّلَقَاتِ القادمة مِنْ وَراء البِحَارِ ، كانوا يَرُصُّونَ
مَعَهَا مَا تَبَقَّى لَهُمْ مِنَ الأملِ .
وَرَغْمَ أنَّ السَّماءَ
بَقِيَتْ رَماديةً ، وَرَغْمَ أنَّ الطُّرُقَ تُقْطَعُ أحيانًا قَبْلَ أنْ
تَبْلُغَ القَوافلُ غَايَتَهَا ، ظَلَّت الإمداداتُ العسكريةُ عَلامةً على أنَّ
الحَرْبَ مَهْمَا اشتدَّتْ ، لا تَسْتطيعُ إطفاءَ كُلِّ الجُسُورِ بَيْنَ البَشَرِ
، فاليَدُ التي تُرسِل العَوْنَ ، حتى وإنْ جاءتْ مُتأخِّرَةً أوْ مُثْقَلَةً
بالمَخاطرِ ، تَبْقَى أصدقَ مِنَ المَدافعِ التي تُدْمي الأرضَ . في ذلك الزمنِ
الحالكِ ، صارَ اعتمادُ الجَيْشِ البُوسنيِّ على تِلْكَ البُلْدَانِ الثلاثة
لَيْسَ مُجرَّد بَحْث عَنْ قُوَّةٍ ، بَلْ أيضًا بَحْث عَنْ مَعْنى ، مَعْنى أنْ
يَجِدَ المُقَاتِلُ في أصواتٍ بعيدةٍ صَدى يَقُول له : (( لَسْتَ وَحْدَكَ في هَذا
الليل )) .
في ليالي البَلْقَانِ التي
أثقَلَهَا الرُّكام ، كانت الرِّيحُ تَمُرُّ فَوْقَ المُدُنِ كأنَّها تُحْصِي
الشُّقُوقَ التي خَلَّفَها رحيلُ يُوغُسْلافيا عَنْ ذَاتِها . لَمْ يَكُن
التَّفَكُّكُ حَدَثًا سِياسيًّا فَحَسْب ، بَلْ كانَ انكسارًا داخليًّا لِرُوحٍ
تَظُنُّ أنَّها عَصِيَّة على الانقسام . رُوحٌ جَمَعَت البَحْرَ والجَبَلَ واللغةَ
والمُوسيقى ، ثُمَّ تَرَكَتْهَا العَجْرَفَةُ القَوْمِيَّةُ تَتشظَّى كما يَتشظَّى
الزُّجَاجُ عِنْدَ أوَّلِ صَرْخَةٍ .
كانَ الصِّرْبُ والكُرْواتُ بِكُلِّ
مَا حَمَلَتْهُ ذاكرتُهُم مِنْ تاريخٍ مُثقَل ، يَنظُرون إلى الأرضِ نَظْرَةً
مُختلفة. بَعْضُهُم رأى الحُدودَ جُدْرانًا تَحْمي الهُوِيَّةَ ، وَبَعْضُهُم
رَآهَا خُطُوطًا رَسَمَهَا الخَوْفُ أكثرَ مِمَّا رَسَمَهَا الحُبُّ. ثَمَّة
آخَرُون، وَرُبَّمَا كانوا الأكثرَ حِكْمَةً، لَمْ يَنشغلوا بِحُدودٍ تُرسَم على
الوَرَقِ ، بَلْ بِحُدودٍ أعْمَق ، حُدود القَلْبِ ، وحُدود الذكرى ، وحُدود
الدَّمِ الذي يَرفُض أنْ يُقَسَّمَ .
في زَحْمَةِ الشِّعاراتِ
وطُبولِ الحَرْبِ،لَمْ يَسْأل الشَّبَابُ عَنْ إثنِيَّتِهِم بَقَدْرِ مَا سَألوا
عَنْ مَصيرِ أُغْنِيَةٍ كانوا يُحِبُّونها ، وعَنْ مُصَافَحَةٍ كانوا يَتبادلونها
عَلى ضِفَافِ نَهْرٍ واحدٍ. لَمْ يَكُونوا أقَلَّ قَوْمِيَّةً ، بَلْ رُبَّما
كانوا أكثرَ إنسانيَّةً ، يَبْحَثُون عَنْ وَطَنٍ لا تَصْنَعُه الخَرائطُ ، بَلْ
تَصْنَعُه الصُّدورُ الواسعة . تَتَفَكَّكُ الدُّوَلُ ، نَعَم ، لكنَّ الأصعبَ
هُوَ تَفَكُّكُ الأرواحِ . وَحِينَ تَتهاوى الجُدْرانُ بَيْنَ الذاكرةِ والحاضرِ ،
يُدرِك أبناءُ البَلْقَانِ أنَّ التَّضَادَّ لَيْسَ حَتْمِيًّا ، وأنَّ الحُدود
مَهْمَا اشتدَّتْ ، لا تَستطيعُ أنْ تَمْنَعَ الحَنينَ .
الشَّرْخُ الخَفِيُّ الذي
يَتسلَّل بَيْنَ القُلوبِ كَسَهْمٍ بِلا صَوْتٍ ، اسْمُهُ " التَّعَصُّب
" ، ذلك العَمَى الذي يَجْعل الإنسانَ يَرى لَوْنَ الفِكْرَةِ ، ولا يَرى
مَلامحَ الإنسانِ خَلْفَها .
يُولَدُ البَشَرُ مِنْ ضَوْءٍ
واحد ، لكنَّهم يَكْبَرُون في ظِلالٍ مُتعددة ، ومَا كانَ اختلافُ الظِّلالِ
يَوْمًا عَيْبًا . العَيْبُ هُوَ أنْ يَتحوَّل الظِّلُّ إلى جِدَارٍ ، والجِدَارُ
إلى سِجْنٍ ، والسِّجْنُ إلى سِلاحٍ يُرفَع في وَجْهِ الآخَرِ فَقَط لأنَّه
يَختلِف ، لا لأنَّه يُخطِئ .
مَا أقْسَى أنْ يَتحوَّل
الإنسانُ مِنْ كَائنٍ يَبْحَثُ عَنْ مَعْنى إلى كائنٍ يُدافِع بِوَحْشِيَّةٍ عَنْ قَيْدٍ
لَمْ يَصْنَعْه بِنَفْسِه. يَصْرُخ ، يَثُور ، يَجْرَح ، فَقَط لِيُثْبِتَ وَلاءَه
لِشَيْءٍ لَمْ يُفَكِّرْ فيه يَوْمًا ، وكأنَّ العَقْلَ آخِرُ ضَيْفٍ يُسمَح لَهُ
بالدُّخُول .
التَّعَصُّبُ يَسرِق مِنَ
القُلوبِ هَشَاشَتَهَا الجميلة ، يَجْعلها صُلْبَةً كالحديد ، يَطْرُقُ بَعْضُها بَعْضًا
حتى تَتشظَّى . ويا للسُّخْرية ، كُلُّ هذا بِاسْمِ الحَقِّ ، بَيْنَما الحَق
أوْضَح مِنْ أنْ يَحْتاج إلى عَصا .
كَمْ حِكايةٍ انطفأتْ قَبْلَ
أنْ تُحكَى ، وكَمْ يَدٍ تَرَدَّدَتْ قَبْلَ أنْ تَمْتَدَّ ، وكَمْ حُبٍّ وُئِدَ
في مَهْدِهِ لأنَّ أحَدَهُم قَرَّرَ أنَّ اختلافَ الإيمانِ ، أو الطُّقُوسِ ، أو
الكَلِمَاتِ ، سببٌ كافٍ لِقَطْعِ الطريقِ .
إنسان يُعَادي إنسانًا لَمْ
يَعْرِفْه ، وَلَمْ يُجَالِسْه، وَلَمْ يَسْمَعْ نَبْضَه، فَقَط لأنَّ قَالَبًا
قديمًا قالَ لَه : (( كُنْ ضِدَّه )) . وكأنَّ أجْمَلَ مَا في البَشَرِ ، وَهُوَ
قُدْرتهم على الفَهْمِ ، قَدْ جَرَى نَفْيُه إلى مَنْفى بعيد. أتمنَّى لَوْ نَملِك
شَجاعةَ النظرِ في عُيونِ بَعْضِنا كما هِيَ ، بِلا أقنعةٍ ، ولا حُرَّاسٍ ، ولا
أسلحة، تُرفَع بِاسْمِ الوَلاءِ الأعمى . أتمنَّى أنْ يَفْهَمَ كُلُّ وَاحدٍ
مِنَّا أنَّ اليقينَ ، أيًّا كانَ شَكْلُه ، لا يُقَاسُ بِتَعظيمِ الجِدار ، بَلْ
بالقُدرةِ على عُبورِه للوُصولِ إلى الآخَرِ بِسَلام . رُبَّما يَبْدَأ التَّغييرُ
حِينَ يَتوقَّف الإنسانُ عَن الدِّفاعِ عَنْ أفكارٍ وَرِثَهَا بِلا وَعْيٍ ،
ويَبْدَأ بالدِّفاعِ عَنْ إنسانٍ يَقِفُ أمامَه ، إنسان يُشْبِهه أكثرَ بكثير
مِمَّا نَجْرُؤ على الاعترافِ .
في ليالي البَلْقَانِ
المُثقَلة بالدُّخَانِ والبَرْدِ والخَوْفِ ، حِينَ كانَ الأُفُقُ يُنصِت لِصَرَخَاتِ
المُدُنِ المُحَاصَرَةِ ، ولا يُجِيب ، بَدا العَالَمُ صغيرًا وعاجزًا أمامَ
نَهْرِ الدَّمِ الذي يَفِيض . كانت البُوسنةُ تُنَادي بِصَوْتٍ يَتهدَّج بَيْنَ
الخَرَابِ والرَّجَاءِ ، تَبْحَث عَنْ جَسَدٍ يُوقِفُ الجُنونَ لا عَنْ كَلِمَاتٍ
تُحْصي الخَسائرَ . هُناك ، في تِلْكَ اللحْظَةِ الحارقةِ مِنَ التاريخ ، كانَ
حِلْفُ شَمالِ الأطلسيِّ هُوَ الجِهَةَ الوحيدةَ التي تَملِك صَلابةَ الفِعْلِ لا
رَجْفَةَ البَيَانِ ، القُوَّة التي تَستطيع أنْ تُسكِت مَدافعَ الصِّرْبِ لا
بالوُعودِ ، بَلْ بِقَرارٍ يَقْطَعُ الطريقَ على النارِ . لَمْ يَكُن الأمرُ
استعراضًا للقُوَّةِ ، بَل استجابة لِصَوْتٍ بَشَرِيٍّ مُنكسِر ، يَشْتهي
النَّجَاةَ قَبْلَ أنْ يَشْتَهِيَ العَدالةَ .
ولأنَّ التاريخَ أحيانًا
يَحْتاج إلى كَتِفٍ أعلى ، وإرادةٍ لا تَرتعش أمامَ بَشاعةِ الواقعِ ، ظَهَرَ حِلْفُ
شَمالِ الأطلسيِّ كَمَنْ يَمُدُّ يَدَه فَوْقَ الهاويةِ ، يُوقِف الانحدارَ ،
ويُعِيدُ للعَالَمِ شيئًا مِنْ ضَميرِه .
في تِلْكَ اللحْظَةِ، لَمْ
تَكُن الصواريخُ مُجرَّد أدوات حَرْبٍ ، كانتْ أشبه بِجَرَسٍ ضَخْمٍ يُوقِظُ
الإنسانيَّةَ مِنْ غَفْوَتِها ، ويُعلِن أنَّ الألَمَ قَدْ تَجاوزَ حَدَّ
الصَّمْتِ . وهَكذا ، حِينَ توقفت المَدافعُ ، وَحِينَ تَنَفَّسَ الناسُ في
سَراييفو شيئًا يُشبِه الهواءَ لا الرَّمادَ ، بَدا وكأنَّ الحِلْفَ لَمْ يُنْهِ
حَرْبًا فَقَط ، بَلْ أعادَ تَرتيبَ نَبْضٍ أُوروبيٍّ كانَ يَتفكك ، وَذَكَّرَ
العَالَمَ بأنَّ القُوَّةَ حِينَ تَتَّجِهُ نَحْوَ حِمايةِ الحَياةِ ، تَتحوَّل
مِنْ صَدى الحديدِ إلى فِعْلِ رَحْمَةٍ صارم . لَحْظَةٌ أثبتتْ أنَّ بَعْضَ
القَراراتِ لَيْسَتْ سِياسيَّةً فَقَط ، بَلْ أخلاقية أيضًا ، وأنَّ حِلْفًا
واحدًا ، في زَمَنِ العَتَمَةِ ، كانَ قادرًا على أنْ يَضَعَ حَدًّا لِلَيْلِ
البُوسنةِ الطويل .
في قَلْبِ أُوروبا ، حَيْثُ
تُزهِرُ الأرضُ بالذكرياتِ ، وَيَغْرَقُ الأُفُقُ في صَمْتٍ قاتلٍ ، وقفت
البُوسنةُ وَحيدةً ، عَارِيَةً أمامَ نارِ الحرب ، بَينما كانَ العَالَمُ يُراقِب
مِنْ خَلْفِ سِتارِ البيروقراطية والمَكاتبِ الباردة . الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ
فَرَضَتْ حَظْرَ السِّلاحِ على الحُكومةِ البُوسنيَّة ، وكأنَّها تَمْنَع
الضَّحَايا مِنَ الدِّفاعِ عَنْ أنفُسِهِم ، وتُحاصِر الحَقَّ بالأسلاكِ والقوانين
، تاركةً الأرواحَ تَهِيمُ في جَليدِ الرُّعْبِ . كُلُّ طَلْقَةٍ لَمْ تُطْلِقْها
القُوَّاتُ البُوسنيَّةُ كانتْ صَرْخَةً مَكتومة في الصُّدور . قَلْبُ طِفْلٍ
يَنْزِفُ خَوْفًا على وَالِدَيْه . والدُّمُوعُ ثقيلةٌ على جَبينِ الإنسانيَّةِ
الدَّامِي . حَظْرُ السِّلاحِ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ، بَلْ كانَ سَيْفًا على
رِقَابِ المَظلومين ، وَصَمْتًا مُطْبِقًا أمامَ الظُّلْمِ .
كَيْفَ يُمكِن لِمَنْ يُراقِب
أنْ يَدَّعِيَ الحِيَادَ حِينَ تُسْلَبُ الأيادي التي تُريدُ الدِّفاعَ عَن
الوَطَنِ ؟. كَيْفَ يُمكِن لقانونٍ مَكتوبٍ أنْ يُعادِل دِمَاءَ أحياءٍ تَسْقُط
بَيْنَ الرُّكام ؟ . الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ في سُكونِها الباردِ ، لَمْ تَمْنَح
البُوسنةَ حَقَّ الدِّفاعِ عَن النَّفْسِ ، بَلْ حَوَّلَت العَدالةَ إلى قَيْدٍ
ثقيلٍ على صَدْرِ مَنْ يَرفَعُون رَايةَ الحَياةِ لا السِّلاحَ .
حَظْرُ السِّلاحِ حِينَ
يُفْرَضُ بِلا حِكْمَةٍ ، لَيْسَ مُجرَّد قَيْدٍ ، بَلْ هُوَ أيضًا مَوْتٌ بَطِيء
، وَصَمْتٌ يُلْبِسُ الضَّحَايا عَبَاءَةَ الانتظارِ ، وَوَجَعٌ يُكْتَبُ عَلى
الجُدْرانِ دُون أنْ يَراه أحد .
أيُّها العَالَمُ الذي
تَتَحَدَّثُ عَن السَّلامِ ، وأنتَ تَمْنَعُ المَظلومين مِنْ أبوابِ الحِماية ،
أيْنَ وَعْدُكَ حِينَ أُحْرِقَت المُدُنُ ، وَحُجِبَت الأسلحةُ عَنْ أيادي
المُدافِعين عَنْ دِمائهم ؟ .
الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ سَاحةُ
المَكاتبِ الباردة ، حَيْثُ تُكتَب القوانين ، وأرواحُ البَشَرِ مُجرَّد أرقام .
حَظْرُ السِّلاحِ الذي فَرَضْتُمُوه كانَ غِطَاءً للظُّلْمِ ، وَسَيْفًا على
رِقَابِ البُوسنيين ، وَدِمَاءً تُسْحَقُ بِلا رَحْمَةٍ . هَلْ كانَ صَمْتُكُم
دِفَاعًا عَن العَدالةِ أَمْ مُجرَّد صَمْت الجَلَّادِ الذي يُرَاقِبُ ضَحَاياه ؟
. كُلُّ قُنْبُلَةٍ سَقَطَتْ ، وكُلُّ طِفْلٍ فَقَدَ أهْلَه ، كانَ نَتيجةَ حَظْرٍ
رهيبٍ ، وقانونٍ جاف ، وَقَلْبٍ مِنْ حَجَرٍ . تَرَكْتُم البُوسنةَ وَحْدَهَا في
العَرَاءِ تَتَنَفَّسُ دُخَانَ الحَرْبِ. وَحِينَ تَتحدَّثون عَن السَّلامِ تَكُون
كَلِمَاتُكُم أكاذيبَ تُطْعِمُ الجِيَاعَ. أمَّا نَحْنُ، فَنَعْرِفُ أنَّ
السَّلامَ بِدُونِ دِفَاعٍ مَا هُوَ إلا جِنَازة أُخْرَى تُحفَر بِبُطْء.
يا مَنْ تَرفَعُونَ رَاياتِ
العَدالةِ ، تَذَكَّرُوا أنَّ حَظْرَ الأسلحةِ لَيْسَ قانونًا ، بَلْ جَريمة .
وكُلُّ دَمٍ سَالَ كَانَ شَاهِدًا عَلى صَمْتِكُم ، وكُلُّ طِفْلٍ فَقَدَ وَطَنَهُ
كانَ شَهَادَةً عَلى جَبَرُوتكم .
يا أُمَمَ العَالَمِ ، يا مَنْ
تُوَزِّعُونَ العَدالةَ كَما تُوزَّع جَداولُ الاجتماعاتِ ، أتَعْرِفُونَ كَيْفَ
يَبْدُو الإنسانُ حِينَ يُحَاصَر ؟ . حِينَ تُمْنَعُ عَنْهُ القُدرةُ على
الدِّفاعِ ويُترَك عَارِيًا أمامَ عاصفةٍ مِنْ نارٍ ؟ .
لَقَدْ فَرَضْتُم حَظْرَ
السِّلاحِ ، وكأنَّكُم تَقُولون للبُوسنةِ : (( قَاوِمِي بِصَدْرٍ عارٍ ،
وَاحْصُدِي مَوْتَكِ بِصَمْتٍ )) . يا لِصَقِيع تِلْك القَرارات ، ويا لِبُرُود
تِلْك الأصابعِ التي وَقَّعَتْ على وَرَقَةٍ خَنَقَتْ شعبًا بأكْمَلِه . نَحْنُ لَمْ
نَطْلُبْ مِنكُم حَرْبًا . طَلَبْنا عَدْلًا ، طَلَبْنا أنْ تَسْمَحُوا لليَدِ
الضَّعيفةِ أنْ تُمْسِكَ بِدِرْعٍ ، أنْ تَمْنَحُوا الرُّوحَ المُحَاصَرَةَ
فُرْصَةً واحدةً للحياة . لَكِنَّكُم سَدَّدْتُم سِهَامًا مِنْ نَوْعٍ آخَر ،
سِهَامًا مِنْ لامُبَالاة . أيَّةُ جريمةٍ هذه ؟، أنْ يُتْرَكَ الإنسانُ لِيُذبَح
بَيْنَما يَقِفُ العَالَمُ تَحْتَ مِظَلَّةٍ زَرْقاء يَتحدثَّ عَن السَّلام ،
وَيَتَغَاضَى عَن الدَّمِ المَسْفُوحِ تَحْتَ قَدَمَيْه .
لَقَدْ جَعَلْتُم الليلَ
أطْوَلَ ، والخَوْفَ أعْمَقَ، والجُثَثَ أكثرَ ، كأنَّ حَظْرَ السِّلاحِ لَمْ
يَكُنْ قَرارًا سِيَاسِيًّا ، بَلْ كانَ أبوابًا مِنْ حَدِيدٍ أُغْلِقَتْ عَلى
آخِرِ أنفاسِ البُوسنةِ . ومعَ ذلك ، نَهَضَت البُوسنةُ مِنْ بَيْنِ الرَّمَادِ،
سارتْ فَوْقَ الشَّظَايا، لأنَّ الرُّوحَ التي تُمْنَعُ مِنَ السَّلاحِ ، تَصْنَعُ
سَلاحَهَا مِنَ الصَّبْرِ، مِنْ جِرَاحِها ، مِنْ حُرِّيتها التي لا تُقَيَّد .
هَذا لَيْسَ تاريخًا ، هَذا نِداء ، صَرْخَة تَقُول للعَالَمِ : (( لا تُحَاصِرُوا
المَظْلُومَ مَرَّتَيْن ، مَرَّةً بالعُدْوانِ ، ومَرَّةً بالقوانين )) .
كانت البُوسنةُ في تِلْكَ
السَّنَوَاتِ تُشبِه قَلْبًا مُعَلَّقًا عَلى حَدِّ السِّكِّينِ ، لا يَسْقُط ،
ولا يُمكِن إنقاذُه . في الطُّرُقَاتِ التي الْتَهَمَهَا الغُبارُ، مَرَّ جَيْشُ
صِرْبِ البُوسنةِ كَعَاصفةٍ عَمْياء ، تَنْفُثُ الخَرابَ كأنَّها لا تَرى في
البَشَرِ إلا ظِلالًا يَجِبُ أنْ تُطْفأ . لَمْ تَكُنْ حربًا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا
كانتْ تَشويهًا عَميقًا لِفِكْرَةِ الإنسانِ. في كُلِّ قَرْيَةٍ دَخَلَهَا
الغُزاةُ الصِّرْبُ، كانت البُيُوتُ تَتَفَتَّتُ قَبْلَ أنْ يَلْمِسُوها ،
وكأنَّها تَعرِف مَا سَيَحْدُث . عائلاتٌ تُقْتَادُ إلى المَجهولِ . رِجَالٌ
يُفْصَلُونَ عَنْ أحِبَّتِهِم تَحْتَ فُوَّهَاتِ البَنادقِ . نِسَاءٌ يُسلَب
مِنهُن الأمانُ قَبْلَ أنْ يُسلَب مِنهُن كُلُّ شَيْءٍ آخَر . لَمْ تَكُنْ أصواتُ
البُكَاءِ تُسمَع ، الخَوْفُ أعلى ، والرُّعْبُ يَكْتُبُ يَوْمِيَّاتِهِ عَلى الوُجوهِ
قَبْلَ الجُدْران .
في البُوسنةِ الجَريحةِ ،
تَجَمَّدَ الهواءُ مِنْ شِدَّةِ الفَجِيعةِ ، وَجَرَى فَصْلُ الأرواحِ عَنْ
أجسادِها ، كَما تُنْتَزَعُ الأوراقُ اليابسةُ مِنْ أغصان تُحْتَضَر. آلافُ
الرِّجالِ والصِّبْيَانِ اقْتِيدُوا في صَمْتٍ قاسٍ ، لَمْ يَكُنْ أحدٌ يَعرِف إلى
أيْن ، لكنَّ الجميعُ يَشعُر أنَّ النِّهاية تَنتظر خَلْفَ التِّلالِ . ومَا زالَ
التُّرابُ هُناك يَحتفظ بِحَرارةِ تِلْكَ الخُطُواتِ الأخيرةِ ، خُطُوات لَمْ
تَعُدْ إلى أهْلِها .
جَرائمُ جَيْشِ صِرْبِ
البُوسنةِ لَمْ تَكُنْ مُجرَّد فُصول سَوْداء في كِتابٍ قديم، كانتْ مَحْوًا
للوُجوهِ، للذكرياتِ ، للهواءِ نَفْسِه . يَترُكون وَراءَهم مُدُنًا خَاوِيَة ،
وحدائق بِلا أشجارٍ ، وأُمَّهَاتٍ يَفْتَرِسُهُنَّ الانتظارُ حتى اليَوْم .
يَسْحَبُون الحَياةَ مِنَ المَكانِ كَما يُسحَب الضَّوْءُ مِنْ غُرفةٍ أُغْلِقَتْ
نوافذُها .
الذاكرةُ لا تُباد ، كُلُّ
شَاهِدٍ نَجَا ، كُلُّ قَبْرٍ بِلا اسْمٍ ، كُلُّ صُورةٍ مُعَلَّقَةٍ على جِدارٍ
أُعِيدَ بِنَاؤُه ، تَقِفُ اليَوْمَ كَشَهَادَةٍ لا يُمكِن للعَتَمَةِ أنْ
تَمْحُوها. الضَّحَايا ما زالوا يَضَعُون أيْدِيَهُم عَلى كَتِفِ العَالَمِ،
وَيَرْجُونَهُ ألا يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى .
إنَّ الحَديثَ عَنْ تِلْكَ
الجَرائمِ لَيْسَ استدعاءً للمَوْتِ، بَلْ حِراسة للحياة ، كَيْ لا يَتكرَّر الجُرْحُ،
وكَيْ يَظَلَّ الألَمُ ، مَهما كانَ قاسيًا ، دَليلًا على أنَّ الإنسانيَّة ما
زالتْ قادرةً على أنْ تَتَذَكَّرَ وَتَقِفَ .
في قَلْبِ الحَرْبِ، حَيْثُ
تَتلاشى الحُدودُ بَيْنَ الألَمِ والأمَلِ ، يَقِفُ الصَّحَفِيُّ وعَامِلُ
الإغاثةِ عَلى خَطِّ النارِ ، لا يَملِكون سِوى شَجاعةٍ لا تَعرِف الانكسارَ ،
وَضَميرٍ يَرفُض الصَّمْتَ .
في حَرْبِ البُوسنةِ ، لَمْ
تَكُن الكاميراتُ مُجرَّد عَدَسَات ، بَلْ كانتْ شُهودًا على الحقيقةِ . وكُلُّ
كَلِمَةٍ مَكتوبةٍ كانتْ صَرْخَةً في وَجْهِ الظُّلْمِ . يَمُرُّون بَيْنَ
الرُّكام ، بَيْنَ البُيُوتِ المُحترقة ، بَيْنَ الأجسادِ المُمَزَّقَةِ والقُلوبِ
المَكْلومة، يَحمِلون مَعَهُم رِسالةَ الإنسانيَّةِ التي لَمْ تُمَزِّقْها
قَسْوَةُ الحَرْبِ. يَتَشَبَّثُونَ بالقِصَصِ ، والوُجوهِ ، والذكرياتِ الصغيرةِ
للبشرية ، وَيُحوِّلون الألَمَ إلى صَدى يَصِلُ إلى كُلِّ قارئ ، وكُلِّ مَنْ يُمكِن
أنْ يَتَغَيَّرَ بِفَضْلِ الحقيقة . هُمُ الذينَ يَسْهَرُون على الأرصفةِ
المُوحِلَةِ ، ويُخَاطِرُون بحياتهم كَيْ يَكُونوا نافذةً على الأمل ، وَشُعلةً في
ظُلامِ الحَرْبِ ، ويُظْهِرُوا أنَّ هُناك مَنْ لا يَبيعُ ضَميرَه ، ولا يَرضى
بالصَّمْت. كُلُّ تَقْريرٍ ، كُلُّ صُورةٍ ، كُلُّ عُلْبَةِ طَعامٍ ، كُلُّ جُرْحٍ
شُفِيَ ، كُلُّ ابتسامةٍ أُعِيدَتْ ، هِيَ شَهادة على تَضْحياتٍ لا تُقَاسُ ولا
تُقَدَّر ، لكنَّها تَزرع في قَلْبِ العَالَمِ شيئًا مِنَ الإنسانيَّةِ رَغْمَ
الخَرابِ. هؤلاء الرِّجالُ لَمْ يَكُونوا أبطالًا على الوَرَقِ ، بَلْ كانوا
أبطالًا على أرضِ الواقعِ ، يَرفَعون شُعلةَ الحقيقةِ والخَيْرِ وَسَطَ الرَّماد ،
لِيَقُولوا للعَالَمِ : (( حتى في أعْتَى الحُروبِ ، تَبقى الإنسانيَّةُ حَيَّةً ،
وإنْ لَمْ نَحْمِهَا نَحْن ، فَمَنْ سَيَحْمِيها ؟ )) .
عَلى الطُّرُقِ التي كانتْ
يَوْمًا شَرايين للحَياة ، انتصبتْ حواجز غليظة نَصَبَتْهَا ميليشياتُ صِرْبِ
البُوسنةِ ، كأنَّها جُدران تَفْصِلُ الإنسانَ عَنْ نَفْسِه . يَقِفُ المُسافرُ
هُناك ، تتثاقلُ أنفاسُه ، وَيُسَاقُ القَلْبُ فَجْأةً إلى مَنطقةٍ رمادية بِلا
شَكْلٍ ولا اسْمٍ . الوُجُوهُ المُتَجَهِّمَةُ خَلْفَ البَنادقِ لا تَنظُرُ إلى
الحَواجزِ العَسكريةِ بِقَدْرِ مَا تَنْظُرُ إلى الخَوْفِ . والرُّعْبُ هُوَ
الوثيقةُ التي يُطلَب إبرازُها قَبْلَ المُرورِ.
الشاحناتُ المُتوقفةُ هِيَ
قُبورٌ مُؤقَّتة ، والهَواءُ مَشحونٌ بارتجافٍ خَفِيٍّ ، لا يَسْمَعُهُ إلا مَنْ
تَذَوَّقَ قُرْبَ النِّهايةِ. في تِلْكَ اللحَظَاتِ المُمْتَدَّةِ عَلى حَافَةِ
الليلِ ، يَشعُر الإنسانُ أنَّ الضَّياعَ لَيْسَ أنْ تَبتعد عَنْ وطنك ، بَلْ أنْ
تَظَلَّ واقفًا أمامَ حَفْنَةٍ مِنَ الغُرَبَاءِ يُقَرِّرُون بِبُرُودٍ مَا إذا
كُنْتَ سَتُتَابِع الطريقَ أوْ سَتُدْفَن فيه . ومعَ ذلك ، يَبقى في داخلِ
الرُّوحِ وَمِيضٌ صغير ، يُصِرُّ على التماسكِ . في قَلْبِ العَتَمَةِ ، تَنْبِضُ
رَغْبَةٌ جامحة في النَّجَاةِ ، واحتضانِ مَا تَبَقَّى مِنْ حَياةٍ لا يُريدُ
لَهَا أحدٌ أنْ تُسْلَبَ . وهَكذا ، وَسَط الدَّمَارِ ، يُواصِل القَلْبُ
خَفَقَانَه ، لا لأنَّه قَوِيٌّ ، بَلْ لأنَّه يَرفُض أنْ يَكُونَ آخِرُ مَا
يَفْعله هُوَ الاستسلامَ .
الطريقُ يَمْتَدُّ مِنْ جَديدٍ
، لا يُشبِه مَا كانَ عَلَيْه . الأرضُ تَخَلَّتْ عَنْ دِفْئِها ، وصارتْ لَوْحَةً
باهتةً يَعْلُوها غُبارُ الخَوْفِ . عِندَ الحَواجزِ التي أقامتها ميليشياتُ
صِرْبِ البُوسنةِ ، تَتَغَيَّرُ مَلامحُ الزَّمَنِ ، يَضِيق ، يَتَجَهَّم ،
يَتَحَوَّل إلى مَمَرٍّ ضَيِّقٍ لا يَسْمَحُ إلا بالرَّهْبَةِ أنْ تَعْبُرَ
أوَّلًا .
يُوقِفُ رِجَالٌ قُسَاةُ
المَلامحِ خَطَّ السَّيْرِ ، يَتَفَحَّصُون العابرين بِعُيونٍ لا تَبْحَثُ عَن
الحقيقة ، بَلْ عَنْ ذَريعةٍ لاقتلاعِها . تَتردَّد في الجَوِّ هَمَسَاتٌ
مَقْمُوعة ، لا تَدْري هَلْ هِيَ شَهَقَات مُتأخِّرة أَمْ بَقَايا صَرَخَاتٍ لَمْ
تَجِدْ طَريقَها للخُروج . يَمُرُّ الراحلون كَظِلالٍ مَفزوعة . يَعتقد كُلٌّ
مِنهُم أنَّ النَّظْرَةَ المُوَجَّهَةَ نَحْوَه آخِرُ مَا سَيَحْمِلُهُ مِنْ هَذا
العَالَمِ . لكنْ مَا يُثير الدَّهْشَةَ هُوَ أنَّ الرُّوحَ في أكثرِ اللحَظَاتِ هَشَاشَةً
تَكتشف خَيْطًا خَفِيًّا مِنَ الشَّجَاعة ، لَيْسَ صَخَبًا ولا بُطولة ، بَلْ هُوَ
نَبْضٌ صغيرٌ يَرفُضُ أنْ يَنطفئ . تَنْكَمِشُ المَخَاوِفُ كُلُّها حَوْلَ هَذا
الوَمِيضِ ، وَهُوَ وَحْدَه يَعْثُرُ عَلى مَمَرٍّ ضَيِّقٍ يَنْجُو مِنْ خِلالِه .
وهَكذا ـ وَسَطَ صَرِيرِ الحَديدِ وانكساراتِ الصَّمْتِ ، يَحمِل كُلُّ عابرٍ
قِطْعَةً مِنَ الضَّوْءِ داخلَه، ضَوْء لا يَرَاه أحد . لكنَّه يَكْفي لِيُبْقِيَ
الخُطْوَةَ التاليةَ مُمْكِنَةً ، وَلَوْ على أرضٍ فَقَدَتْ مُنْذُ زَمَنٍ
القُدرةَ على الطُّمَأنينة .
في ليالي البُوسنةِ الثقيلة ،
كانت الأرضُ تَرتجف قَبْلَ أنْ تَهْوِي القذيفة ، كأنَّ الثَّرَى يَعرِف مُسْبَقًا
أنَّه سَيُجْرَحُ مِنْ جَديد . تَمْتَدُّ القُرى على سُفوحِ الجِبالِ كأطفالٍ
مَنْسِيِّين ، تَفْتَحُ نوافذَها عَلى خَوْفٍ لا يَنْتهي ، وَتُغلِق أبوابَها على
وَجَعٍ لا يُروَى .
الميليشيات الصِّرْبِيَّةُ ،
بِخُطُواتٍ لا تَخْفَى ، تَتقدَّم عَلى الطُّرُقاتِ الضَّيقة ، وخَلْفَهَا ظِلالٌ
ثقيلة لِقُوَّاتِ الجَيْشِ الوطنيِّ اليُوغُسْلافيِّ ، كأنَّ الليلَ بِأكمله
يَدْفعهما إلى الأمام . لَمْ تَكُن الأرضُ تُحْتَلُّ بِقَدْرِ مَا كانت الأرواحُ
تُسْلَبُ ، قِطْعَةً بَعْدَ قِطْعَةٍ ، وَقَرْيَةً تِلْوَ أُخْرَى، الخَريطةُ
تَبْكي تَغَيُّرَ مَلامحِها . لَمْ يَكُن المَشْهَدُ صِرَاعَ جُغْرافيا فَحَسْب ،
بَل انكسار حَياةٍ . نِسَاءٌ يُخَبِّئْنَ أطفالَهُنَّ في صُدورهن كَوَصَايا أخيرة
. رِجَالٌ يُودِّعون بُيوتَهم بِخُطُواتٍ مُترددة كَمَنْ يُغَادِر ذِكْرياتِه .
شُيوخٌ يُحدِّقون في تاريخِ الحَضارةِ المُنْقَرِضَةِ بَحْثًا عَنْ عَدالةٍ
مُؤجَّلة .
كانت البُوسنةُ ، رَغْمَ
اتِّسَاعِ جِرَاحِها ، تُحاوِل أنْ تَقِفَ . شَجَرَتُها العتيقةُ لا تَزَالُ تُحْنِي
أغصانَها للمَارَّة ، كأنَّها تَحْتضنهم جميعًا ، ضَحَايا وخائفين وناجين
بالصُّدْفة . وَرَغْمَ صَمْتِ العَالَمِ آنذاك ، كانت الأرضُ تَكْتُبُ
شَهَادَتَهَا بِدَمْعِ الناسِ قَبْلَ دَمِهِم .
وفي قَلْبِ تِلْكَ العَتَمَةِ
، ظَلَّ شَيْءٌ صغيرٌ لا يُقْهَرُ ، شَرارةُ أمَلٍ تَخْتبئ في صَدْرِ أُمٍّ تَحْكي
لِطِفْلِها عَنْ غَدٍ لا يَعرِف الحربَ ، ونُورٍ سَيَأتي وَلَوْ بَعْدَ حِين ،
لِيُعِيدَ للوادي صَوْتَه ، وللنَّهْرِ انعكاسَ السَّماءِ ، وللقُلوبِ حَقَّها
البسيطَ في الطُّمَأنينة .
البُيُوتُ تَرتجفُ مِنْ وَقْعِ
الخُطَى قَبْلَ وَقْعِ الرَّصَاصِ . أتى الغُزاةُ الصِّرْبُ كعاصفةٍ سَوْدَاء ،
يَجُرُّون ظِلَّ الحربِ خَلْفَهم ، يَقْتلعون مِنَ القُلوبِ أسماءَها الأُولَى :
أُم ، طِفْل ، وَطَن .
وَلَمَّا ارتفعَ صُراخُ الأرضِ
إلى السَّماءِ ، ظَلَّ العَالَمُ واقفًا عِندَ النوافذِ ، يُشاهِد المَشْهَدَ
كأنَّه فِيلم بَعيد ، لا رائحة فيه للدَّمِ ، ولا رَجْفَة فيه لِيَدٍ تَبْحَثُ
عَنْ يَدٍ .
القُرى تُذبَح بِصَمْتٍ
يَشُقُّ الرُّوحَ ، والأنهارُ تَحمِل في تَيَّارِها وُجوهًا لَمْ تَكْتَمِلْ
قِصَصُها بَعْد . رَجُلٌ يَركُضُ نَحْوَ المَجهول . امرأةٌ تَضُمُّ أشلاءَ طِفْلٍ
. شمسٌ تَخْجَلُ أنْ تُشْرِقَ فَوْقَ هَذا الخَرابِ . ومعَ كُلِّ صَرْخَةٍ
تُكْتَمُ ، كانت البَشَرِيَّةُ تُخْتَبَرُ ، وَتَسْقُط . لَكِنَّ البُوسنةَ ،
رَغْمَ الجِرَاحِ ، لَمْ تُطْفِئْ قَلْبَها. مِنْ تَحْتِ الرَّمادِ ، نَهَضَتْ
أُمٌّ تَحْمِلُ صُورةَ ابْنِها، وَتَمْضِي ، لا لِتَنْسَى ، بَلْ لِتَشْهَدَ .
وَمِنْ بَيْنَ الأنقاضِ ، خَرَجَ صَوْتٌ واحدٌ ، خافتٌ أوَّلَ الأمْرِ ، ثُمَّ
رَاحَ يَعْلُو : (( لَنْ يُمْحَى الألَمُ ، وَلَنْ يَنْكَسِرَ الحَقُّ )) . هَكذا
، ظَلَّت البُوسنةُ رَغْمَ الطَّعَنَاتِ تَفْتَحُ بابَ الصَّبَاحِ مَرَّةً أُخْرَى
. فَهُناك شُعوبٌ تَمُوت ، وهُناك شُعوبٌ تُقْتَلُ ، لكنَّها تُقَاوِمُ حِينَ
يَتحوَّل التاريخُ إلى شَاهِدٍ لا يُنْكِرُ وَجَعَهَا .
لَمْ تَكُنْ حَرْبُ البُوسنةِ
حَرْبًا ، بَلْ مَجْزرة دَمَوِيَّة . إنَّها انطفاء جَمَاعِيٌّ لِقُلوبٍ كانتْ
تَنْبِضُ بالحَياةِ ، وَدَرْسٌ فادحٌ في كَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ الإنسانِ بِبُطْءٍ
أوْ بِسُرْعَةٍ إلى جُرْحٍ بِلا مَلامِح . المَجازرُ هُناك لا تُشبِه ضَجيجَ
السِّلاحِ الذي نَعرِفه ، بَلْ كانتْ صَمْتًا ثقيلًا يَهبِط على البُيوتِ،
فَيَجْعَل الجُدرانَ تَرتجف كأنَّها تَعرِف أنَّ الدَّوْرَ سَيَصِلُ إلَيْها. لَمْ
يَكُن الناسُ يَتقاتلون ، بَلْ كانَ البُوسنِيُّون يُقْتَلُون. يُنْتَزَعُون مِنْ زَمَنِهِم
انْتِزَاعًا ، كأنَّ الحَياةَ تُسحَب مِنْ تحتِ أقدامِهم بِلا تَفْسير، ولا إنذار
، ولا ذَنْب. لَمْ تَكُنْ حَرْبًا، فالحَرْبُ مَهْما اشتدَّتْ، تَمْنحك حَقًّا مَا
في أنْ تُدافِع، وتَخْتبئ ، وتُحَاوِل. أمَّا مَا حَدَثَ في البُوسنةِ فكانَ
تَجْريدًا كاملًا مِنْ كُلِّ حَقٍّ، كانَ طَعْنًا في أبْسَطِ مَعنى للإنسانِ .
يَكْبَرُ الأطفالُ خِلالَ
لَيْلَةٍ واحدة ، وتَحمِل النِّسَاءُ قُلوبًا لَمْ تَعُدْ تَعرِف مَعْنى الاطمئنان
، وَيَمْشِي الرِّجالُ بِثِقَلِ مَنْ شَهِدُوا أكثرَ مِمَّا يَحْتمله العُمْر .
الدَّمُ يَكْتُبُ على الأرضِ حِكاياتٍ لا يَسْتطيعُ التاريخُ أنْ يَرْوِيَهَا كَما
يَجِب ، حِكايات تَتجاوز الأرقامَ والصُّوَرَ والتَّوْثيقَ ، لأنَّها بِبَسَاطَةٍ
كانتْ وَجَعًا نَقِيًّا ، لا يُمكِن تَمثيلُه ولا اختزالُه .
في البُوسنةِ ، لَمْ تُفْتَحْ
جَبَهَاتُ قِتَالٍ ، بَلْ فُتِحَتْ أضلاعُ مَدينةٍ كاملةٍ لِتَظْهَرَ قَسْوَةُ
البَشَرِ عَارِيَةً بِلا قِنَاعٍ . وهُناك ، وَسَطَ كُلِّ ذلك الظَّلام ، ظَلَّتْ
بَعْضُ القُلوبِ تُقَاوِمُ كَيْ تُثْبِتَ أنَّ الإنسانيَّةَ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ ،
لَيْسَتْ قابلةً للانقراضِ . وَمَا زالت الذاكرةُ إلى اليَوْمِ تَهْمِسُ ، لَمْ
تَكُنْ حَرْبًا ، بَلْ كانتْ مَجْزَرَةً دَمَوِيَّةً ، وجُرْحًا يَرْفُضُ أنْ
يَلْتَئِمَ . فَاتَ الأوَانُ لِكُلِّ شَيْءٍ . الكَلِمَاتُ لَنْ تُوقِفَ الوقائعَ
الوَحْشِيَّةَ للقَتْلِ ، والتَّشْرِيدِ ، والدَّمَارِ ، وتَهْجِيرِ السُّكَّانِ
بالقُوَّةِ ، وَهِيَ الحَقائق الجديدة على أرضِ الواقعِ في حَرْبِ البُوسنةِ ، أوْ
بالأحْرَى، الحرب على البُوسنة .
لَمْ تَعُد الكَلِمَاتُ تَستطيعُ
أنْ تَلْحَقَ بِخُطُواتِ المَوْتِ ، وَهُوَ يَجُوبُ الطُّرُقاتِ بِثِقَةِ سَفَّاحٍ
يَعرِف طَريقَه. لَمْ تَعُد البياناتُ ولا الوُعودُ ولا خُطَبُ الأُمَمِ النائمة
قادرةً على أنْ تُوقِفَ هَديرَ الدَّبَّابَاتِ ، ولا أنْ تُعِيدَ الأطفالَ الذينَ
ناموا على أصواتِ الانفجاراتِ لا الحِكَايَاتِ .
في البُوسنةِ ، تَغَيَّرَتْ
مَلامِحُ الأرضِ قَبْلَ أنْ يَنْتَبِهَ الأُفُقُ . انهارت البُيُوتُ كما تَنهارُ
الذاكرةُ حِينَ يَثْقُلُ عَلَيْهَا الفَقْدُ . وتناثرت الأرواحُ في الأزِقَّةِ
الباردةِ كأوراقِ خَريفٍ لَمْ يَجِدْ شَجَرَةٌ تَحْضُنُه . القَتْلُ لَمْ يَعُدْ
حَدَثًا ، صارَ هُوِيَّةَ المَكانِ ، والتَّشْرِيدُ لَمْ يَعُدْ خَبَرًا ، صارَ
طَريقًا طَويلًا تَفْتَرِشُهُ دُمُوعُ الهاربين ، بَحْثًا عَنْ سَماء لا تُمطِر
قذائف .
كَمْ صَرَخَت الأُمَّهَاتُ ، لكنَّ
الصَّرَخَاتِ تُبْتَلَعُ في الهَواءِ المُشْبَعِ برائحةِ البارود . وكَمْ رَكَضَ
الأطفالُ ، لكنَّ الطُّرُقَ أقْصَرُ مِنْ أحلامِهِم ، وأضْيَقُ مِنْ أنْ تَتَّسِعَ
لِحَيَاتِهِم الصغيرة .
فاتَ الأوَانُ،وَدَاعًا
لِكُلِّ شَيْءٍ.لَمْ يَعُدْ بالإمكانِ إعادةُ الزمنِ إلى الوراء،ولا إيقافُ
طُوفانِ الدَّمارِ الذي اجتاحَ القُرى كأنَّه قَرَارٌ نِهائيٌّ لا رَجْعَةَ فِيه .
البُيُوتُ التي احترقتْ أصبحتْ رَمَادًا ، والوُجُوهُ التي اخْتَفَتْ خَلْفَ
ضَبابِ الحَرْبِ لا تَعُودُ إلا في الذاكرة ، والذاكرةُ خائنةٌ حِينَ تَتكرَّرُ
المَآسِي .
هَذه هِيَ الحَقائقُ الجديدةُ
على أرضِ الواقعِ . دَمٌ عَلى حِجَارَةِ الطُّرُقِ ، وَغُرَبَاء صاروا لاجئينَ في
وَطَنِهِم ، وأرضٌ كانتْ تُزْهِرُ قُلوبًا ، صارت اليَوْمَ مَقْبَرَةً للصَّمْتِ .
ومعَ ذلك ، يَبْقَى السُّؤالُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ ، كَيْفَ وَصَلَت
الإنسانيَّةُ إلى لَحْظَةٍ يُصْبحُ فِيها فَوَاتُ الأوَانِ هُوَ الحَقيقةَ
الوحيدةَ التي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الجميعُ ، بَعْدَ أنْ صارَ الألَمُ أكبرَ مِنْ
أنْ يُقَال ، وأعْمَقَ مِنْ أنْ يُكْتَبَ ، وأقْسَى مِنْ أنْ يُغْفَرَ ؟ .
في ليالي سَراييفو
المُمَزَّقَةِ ، كانَ الزَّمَنُ يَتَدَلَّى كَقِنْديلٍ مَكسور ، يَقْطُرُ ظَلامًا
فَوْقَ الأرصفةِ التي حَفِظَتْ وَقْعَ الخُطُواتِ الهاربة . القَصْفُ لَمْ يَكُنْ
حَدَثًا عابرًا في دَفْتَرِ الحَرْبِ ، بَلْ نَفَسًا آخَر تُخْرِجُهُ المَدينةُ
المُرْهَقَةُ،وكأنَّ السَّماءَ تَعَوَّدَتْ على صَوْتِ الانفجاراتِ،فَبَاتَتْ
تُعِيدُ صَدَاه إلى الأبَدِ.
أَحُسُّ أنَّ قَصْفَ العاصمةِ
البُوسنيةِ سَراييفو سَوْفَ يَسْتَمِرُّ إلى الأبَدِ . الليلُ يَشِيخُ بِسُرْعَةٍ
. تَتَجَعَّدُ رُوحُهُ معَ كُلِّ صَرْخَةٍ تَشُقُّ حِجَارَةَ البُيُوتِ ، ومعَ
كُلِّ نافذةٍ تَنطفئ قَبْلَ أنْ تَكْتَمِلَ حِكَايَتُهَا .
في قَلْبِ سَراييفو ، كانت
الأرواحُ تَلتصقُ ببعضها البعض كَيْ لا تَتساقط مِنْ فَرْطِ الخَوْفِ ، كأنَّها
تَعْرِفُ أنَّ الغَدَ لَيْسَ وَعْدًا، بَل احتمالًا هَشًّا . يا مَدينةً تُتْقِنُ
الصُّمُودَ كما لَوْ كانَ فَنًّا عَريقًا ، وتُخبِّئ وَجَعَهَا في جُيوبِها
الضَّيقةِ كَمَنْ يَخْشَى أنْ يُفْلِتَ مِنْهُ شَيْءٌ يَخُصُّه . القَصْفُ قَدْ
يَطُولُ بِلا انتهاء، وكأنَّ العَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وَضَعَهَا عَلى هَامِشِ
صُرَاخِه ، فَبَقِيَتْ وَحْدَهَا تُوَاجِهُ الليلَ الطويل .
في تِلْكَ الأزِقَّةِ ، كانَ
الناسُ يَمْشُون بِخِفَّةٍ غَريبة ، لا لأنَّهُم بِلا وَزْنٍ ، بَلْ لأنَّ
أحلامَهم خَفَّتْ مِنْ كَثْرَةِ مَا حُوصِرَتْ . يَمْشُونَ وفي أعْيُنِهِم ضَوْءٌ
صغير ، يَخافُ أنْ يُرى فَيُقْصَف ، ويَخافُ أنْ يَنطفئ فَيَمُوت . سَراييفو
الغارقةُ في الرَّمَادِ تُخبِّئ في صَدْرِهَا وصُدورِ أبنائِها جَمْرَةً مِنْ
حَياةٍ تُقَاوِمُ الانطفاءَ . جَمْرَةٌ تَقُولُ للأُفُقِ : (( إنْ طالَ القَصْفُ
ألْفَ عامٍ ، فَهُناكَ دائمًا قَلْبٌ واحدٌ يَكْفي لِتَذكِيرِ العَالَمِ بأنَّ هذه
المَدينةَ خُلِقَتْ لِتَبْقَى ، لا لِتَخْتَفي )) .
سَراييفو تُخْتَبَرُ في كُلِّ
لَحْظَةٍ ، تُقَاسُ قُدْرَتُهَا على الاحتمالِ بِمِيزانٍ مِنْ نارٍ . لَمْ يَعُد
الدُّخَانُ يَتَصَاعَدُ مِنَ الأبْنِيَةِ فَقَط ، بَلْ أيضًا مِنْ صُدورٍ أنهَكَهَا
الانتظارُ ، انتظار تَوَقُّفٍ يَبْدُو أبْعَدَ مِنَ النُّجُوم . كُلُّ دَقيقةٍ
تَمُرُّ تُشْبِهُ سِكِّينًا حَادَّةً تُمَزِّقُ جَسَدَ الزَّمَنِ ، فَيَغْدُو
المُسْتَقْبَلُ مُجرَّد ظِلٍّ يَتلاشى كُلَّمَا حاولَ أحدٌ الاقترابَ مِنْه .
المَدينةُ تَذُوبُ في صَوْتِ
المَدافعِ كَمَا لَوْ أنَّه إيقاعٌ قَبيحٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ الأيَّامُ قَسْرًا .
قَصْفٌ يَتَرَدَّدُ بِلا بِدَايَةٍ ولا نِهَايَةٍ ، يُشْبِهُ شَرْخًا في الذاكرةِ
لا يَلْتَئِمُ مَهْمَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ دُموعٍ . ومعَ كُلِّ سُقوطٍ جَديدٍ
للقذائفِ ، كانتْ سَراييفو تَشْعُرُ وكأنَّ العَالَمَ قَدْ أدارَ ظَهْرَه لها ،
تاركًا صَدَاها يَضِيعُ في فَراغٍ لا يَعترِف بالإنسان . الطُّرُقَاتُ التي كانتْ
تَضِجُّ بالحَياةِ صارتْ مِثْلَ صَفَحَاتٍ مُحترقة ، لا تَحْمِلُ سِوى صُوَرٍ
مَبْتُورَةٍ ، وَوُجُوهٍ عَلِقَتْ في الهَواءِ قَبْلَ أنْ يَبْتلعها الصمتُ .
هُناك ، على تِلْكَ الأرضِ التي هُجِّرَتْ مِنَ الأمانِ، كانَ الناسُ يَتعلَّمون
لُغَةً جديدة ، لُغَةَ النَّجَاةِ مِنْ لَحْظَةٍ لا يُمكِن التَّنَبُّؤُ بِها،
وَلُغَةَ الخَوْفِ الذي يَتسلَّل بِلا اسْتِئْذَان .
في كُلِّ لَيْلَةٍ يَتكرَّر
المَشْهَدُ ذَاتُه ، أضواءٌ بعيدةٌ تَشتعلُ في السَّماءِ ، لا تُبشِّر بِفَجْرٍ ،
بَلْ تُعْلِنُ استمرارَ الألَمِ ، وكأنَّ القَصْفَ قَدْ عَاهَدَ نَفْسَه على ألا
يَتوقف ، على أنْ يَبْقَى جُزْءًا مِنْ نَبْضِ المَدينةِ ، يُدَوِّنُ حُضُورَه على
الجُدْرانِ التي لَمْ تَعُدْ تَحتمل المَزِيدَ .
وَسَطَ هَذا الامتدادِ
المَرِيرِ للعُنْفِ ، كانتْ سَراييفو تُمْسِكُ بِخَيْطٍ رَفيعٍ مِنْ عِنَادٍ
يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ. تُصَارِعُ فِكْرَةَ الخُلودِ القاتمِ للقَصْفِ ، رافضةً
أنْ يَتحوَّل مَصيرُها إلى قِصَّةٍ بِلا نِهاية . تَقِفُ رَغْمَ الانهيارِ كأنَّها
تُعْلِنُ أنَّ الحُطَامَ مَهْمَا تَرَاكَمَ ، لا يَسْتطيعُ أنْ يُلْغِيَ
رَغْبَتَهَا في النُّهُوضِ مِنْ جَديدٍ .
حَتَّى إنْ بَدَا القَصْفُ
أبَدِيًّا ، يَبْقَى في قَلْبِ هَذه المَدينةِ نَبْضٌ صغيرٌ ، يُصِرُّ على أنْ
يُذكِّرَ الكَوْنَ بأنَّ البَقَاءَ لَيْسَ مُجرَّد صُدْفَة ، بَلْ هُوَ اختيارٌ
يَتكرَّر كُلَّ يَوْمٍ ، رَغْمَ الضَّجِيجِ والجِرَاحِ والليلِ الذي لا يُريدُ أنْ
يَنْقضي .
في صَمْتِ الجِبَالِ الباردةِ
، وعلى ضِفَافِ الأنهارِ التي شَهِدَتْ آلافَ الحِكايات ، ارتفعتْ أصواتُهم أوَّلَ
مَرَّةٍ كَهَمْسٍ ، ثُمَّ صارتْ صُرَاخًا بِلا صَدى . نَجَحَتْ مَجموعةٌ مِنْ
قَوْمِيِّي صِرْبِ البُوسنةِ المُتَشَدِّدِين ، مُمَوَّلِينَ مِنْ حُلَفَائِهِم
وَدَاعِمِيهِم في صِرْبيا ، مُزَوَّدِين بالمالِ ، وَمِنْ خِلالِ الدِّعَايَةِ
الماهرةِ والتَّرويعِ ، في حَشْدِ غَالِبِيَّةِ صِرْبِ البُوسنةِ حَوْلَ قَضِيَّةِ
صِرْبيا الكُبْرى ، وَدَمَّرُوا البُوسنةَ كما وَعَدُوا بذلك. نَهَضُوا وكأنَّهُم
تَجسيدٌ لِمَصيرٍ قُدِّرَ لَهُمْ مُنْذُ زمنٍ بعيدٍ . يَعرِفُون كَيْفَ
يُشْعِلُونَ الخَوْفَ في النُّفُوسِ ، وكَيْفَ يُحوِّلون الغَضَبَ إلى سِلاحٍ ،
والحِقْدَ إلى اتِّحَادٍ وَهْمِيٍّ يَجْمَعُ الشَّتَاتَ تَحْتَ رَايةِ صِرْبيا
الكُبْرى . لَمْ تَكُن العمليةُ عَفْوِيَّةً ، بَلْ خُطَّة مُحْكَمَة ،
رَسَمَتْهَا أيادٍ في صِرْبيا ، مَطبوعة على صَفَحَاتِ التاريخِ قَبْلَ أنْ
تُطْبَعَ على أرضِ الواقعِ . ومعَ كُلِّ خِطَابٍ مَلِيء بالوُعودِ والتَّهْديداتِ
، ومعَ كُلِّ صُورةٍ تُحْفَرُ في الذاكرةِ الجَمَاعِيَّةِ ، تَمَكَّنُوا مِنْ حَشْدِ
غَالِبِيَّةِ الصِّرْبِ حَوْلَ فِكْرَةٍ واحدة ، لا بُدَّ مِنَ القُوَّةِ والانتقامِ
والمَجْدِ الوَهْمِيِّ .
وفي النِّهايةِ، تَحَقَّقَ مَا
وَعَدُوا بِه ، البُوسنة ، تِلْك الأرض المُتعَبة مِنْ صِراعاتها ، تَهَشَّمَتْ
بَيْنَ أيديهم . لَمْ يَكُن الخَرابُ مُجرَّد تَدْمير بالمَقاييسِ المادية ، بَلْ
أيضًا كانَ تَحطيمًا للنَّسيجِ الاجتماعيِّ ، والثِّقَةِ ، والأملِ الذي حَمَلَه
الناسُ لِعُقود . كانت الدِّعَايَةُ والتَّرْويعُ والخَوْفُ أدواتِهم الأثرية ،
وَهِيَ التي خَطَّتْ على الأرضِ جُرْحًا لَنْ يَنْدَمِلَ بِسُهولة .
بَيْنَ أنقاضِ المُدُنِ
والقُلوبِ، بَقِيَت الحقيقةُ الصامتة ، وَهِيَ أنَّ القُوَّةَ المُمَوَّلَةَ
والمُبَرْمَجَةَ بِعِنَايَةٍ، مَهْمَا بَدَتْ ساحقةً ، لا تَستطيعُ أنْ تَمْحو
التاريخَ ، ولا أنْ تَنْزِعَ مِنَ الشُّعوبِ ذِكرياتِ النُّورِ الذي سَبَقَ
الظلامَ . حتى في أعماقِ الخَرابِ ، يُولَد سُؤالٌ واحد ، صامتٌ لكنَّه صَارِخٌ ،
هَلْ كُلُّ هَذا النَّجَاحُ مُقَدَّسٌ أَمْ أنَّه مُجرَّد وَهْمٍ سَيَتْرُكُ
أثَرَه على الجميعِ وَلَيْسَ على البُوسنةِ وَحْدَها ؟ .
في ليالي البُوسنةِ المُبَلَّلَةِ
بِدُموعِ الجِبالِ، كانَ الصَّمْتُ يَصْرُخُ . هُناك ، حَيْثُ كانت المَآذِنُ
تُعَانِقُ الفَجْرَ ، وَتُسْمِعُ القُرى آياتِ الأمانِ ، جاءتْ يَدٌ غَريبة تَحمِل
في قلبِها ظَلامًا كَثيفًا ، يَدٌ أرادتْ أنْ تَقتلعَ الجُذورَ ، وتُخرِس
النِّدَاءَ ، وتُطفِئ ذاكرةَ الحَجَرِ قَبْلَ ذاكرةِ البَشَرِ .
في تِلْكَ الأيامِ الكالحةِ ،
لَمْ يَكُن المُسلِمون يُقْتَلُون فَقَط ، بَلْ أيضًا كانتْ ذِكرياتُهم تُدفَن
مَعَهُم . الغُزاةُ الصِّرْبُ يَعْبُرُون القُرى كَرِيحٍ سَوْدَاء ، يَجْمَعُونَ
مَا تَبَقَّى مِنَ الدِّفْءِ في البُيوتِ ، وَيَتركون جَمْرًا مِنْ خَوْفٍ ،
وَرَمَادًا مِنْ أسماء لَمْ تُكْتَبْ بَعْد على شَواهدِ القُبور .
يُحْرِقُونَ المَصَاحِفَ
المُقَدَّسَةَ التي ضَمَّتْهَا صُدورُ الأجدادِ ، ويَهْدِمُون المَساجدَ التي
كانتْ نَوافذَ الرُّوحِ ، وَيُسْقِطُون المَدارسَ والزَّوايا التي حَمَلَت
العِلْمَ قُرونًا طويلة . لَمْ يَكُن الحُطَامُ مُجرَّد حِجارة ، بَلْ كانَ أيضًا
صَدى أعمارٍ بكاملِها . كانَ تاريخًا يُحذَف مِنْ ذاكرةِ الأرضِ بِقَسْوَةٍ لا
تَعرِفُ مَعنى الجِيرةِ ، ولا حُرْمَةَ المَكَانِ .
رَغْمَ الحِصَارِ والجُوعِ
والخَوْفِ المُمْتَدِّ مِنْ جِدَارٍ إلى آخَر ، بَقِيَتْ في القُلوبِ شُعْلَةٌ لا
تُطْفَأ ، شُعْلَة تَرفُض أنْ تَسْتسلم . تُخبِّئ النِّسَاءُ في دُموعِ أطفالهن
طُقوسَ النَّجَاةِ، والرِّجالُ يُسلِّمون التُّرابَ وَصَايَاهُم ، حتى لا يَضِيعَ
اسْمُه ، وحتى تَبقى البُوسنةُ وَطَنًا وَلَوْ تَكَسَّرَ ألْفَ مَرَّة .
أرادَ الغُزاةُ الصِّرْبُ
اقتلاعَ المُسلِمين مِنْ أرضِهم ، لكنَّ الأرضَ تَحفظ أنفاسَهم ، والجِبَالُ
تَشْهَدُ ، والأنهارُ تَحْفَظ ، والحِجَارَةُ تَبْكي . وَحِينَ عادت الشمسُ
لِتُطِلَّ فَوْقَ السُّهولِ التي نَزَفَتْ طويلًا، كانت الأرواحُ التي حَاولوا
قَتْلَها تَعُودُ كَنَسِيمٍ لا يُهْزَم ، تُعِيدُ للبُوسنةِ أسماءَها ،
وَحِكَايَاتِها، وأصواتَ المَسَاجِدِ، وَحُقُولَها التي اشتاقتْ إلى ضَحِكَاتِ
مَنْ غُيِّبُوا عَنْها . هَذه البِلادُ التي حاولَ المَوْتُ أنْ يَبْتلعها ،
رَدَّتْ الحَياةَ على الأشياء . لَنْ تُمحَى ذاكرةٌ نُقِشَتْ بالدَّمْعِ
والصَّبْرِ ، وَلَنْ يُطْفَأ تاريخٌ حَمَلَتْهُ القُلوبُ ، وَلَوْ هُدِمَتْ
فَوْقَه آلافُ المَآذِنِ . البُوسنةُ لَيْسَتْ حِجارةً وجُدْرانًا فَقَط ، إنَّها
أيضًا نَبْضُ الذينَ صَمَدُوا ، وَصَرْخَةُ الذينَ رَحَلُوا ، وذِكرى مَنْ لَمْ
يُمْنَحُوا حتى فُرْصَة الوَداعِ .
في البُوسنةِ ، كانت
التَّعَدُّدِيَّةُ الثقافيةُ تَبْدُو مِنْ بَعيدٍ كَقِطْعَةِ فُسَيْفِسَاء تُبهِر
العَيْنَ بألوانِها . لكنْ مَنْ يَقترب أكثرَ يَسْمَع تحت الزُّجَاجِ المُتَلألِئ
صَرِيرَ الشُّقوقِ . المَآذِنُ تُنادي بِجِوَارِ الأجراسِ ، وتَتمازج اللُّغَاتُ
في الأسواقِ. الأرضُ تَحْفَظُ دَرْسًا قديمًا في التعايش ، دَرْسًا يُتْلَى
بأفواهٍ مُبتسمة ، وَقُلوبٍ تتثاءب مِنْ ثِقَلِ الشَّكِّ .
في زَمَنٍ سَبَقَ العاصفةَ ،
كانَ الجيرانُ يُحَيُّونَ بعضَهم ببساطةٍ يَوميَّة تُخْفي تحتها تَوَاطُؤًا صامتًا
: (( دَعُونا لا نَلْمِس الجُروحَ ، دَعُونا لا نُسمِّي الاختلافَ خَوْفًا )) .
وحِينَ جاءت الحربُ ، اتَّسَعَ الشَّرْخُ الصغيرُ الذي تَجَاهَلُوه حتى صارَ
واديًا مِنَ الصَّرَخَاتِ . انكشفت الأقنعةُ ، وانفجرت الذاكرةُ كَقُنْبلةٍ
مُؤجَّلة ، وَظَهَرَت التَّعَدُّدِيَّةُ على حقيقتها، جَمَال هَشٌّ ، كَرِيشةٍ على
فُوَّهَةِ البُنْدُقِيَّةِ ، جَمَالٌ يُمكِن أنْ يَنكسِر بِنَظْرَةِ ارتيابٍ
واحدةٍ .
في البُوسنةِ ، أثناءَ الحربِ
، لَمْ تَكُن المُشكلةُ في اختلافِ الثقافاتِ ، بَلْ في نِفَاقِها حِينَ تَصْمُتُ
عَن الحَقِّ ، وفي عَداوتها المُستتِرة التي كانتْ تَتغذَّى على الحِكاياتِ
القديمةِ ، وتَنتظر لَحْظَةَ الضَّعْفِ كَي تَنْهَشَ . وهَكذا ، صارَ الجَارُ
ظِلًّا غَريبًا ، وصارتْ أسماءُ الشوارعِ تُتْلَى كوثائقِ اتِّهَامٍ . وَرَغْمَ
ذلك، وَرَغْمَ الدَّمِ والبارودِ والمَجازرِ التي حَوَّلَت البَشَرَ إلى أرقامٍ في
نَشَرَاتِ الأخبارِ ، بَقِيَ شَيْءٌ مَا يُقَاوِمُ . ظِلُّ طِفْلٍ يَركُضُ خَلْفَ
حَمَامَةٍ ، وامرأةٌ تَصْنَعُ خُبْزًا لِجُنديٍّ جائعٍ ، وَرَجُلٌ يَبْكي أفرادَ
عائلته الذينَ قَتَلَهُم الغُزاةُ الصِّرْبُ الوُحُوشُ الذينَ لا تاريخَ لَهُم
سِوى الصَّليبِ الدَّمَوِيِّ.
في قَلْبِ الحَرْبِ ، أثبتت
البُوسنةُ أنَّ التَّعَدُّدِيَّةَ لَيْسَتْ قَصيدةً تُنشَد ، ولا شِعارًا يُرفَع ،
ولا احتفالًا فولكلوريًّا تَلْتقطه الكاميرات . التَّعَدُّدِيَّةُ مَعركةٌ يَومية
ضِد الخَوْفِ ، واعترافٌ شُجَاعٌ بأنَّ البَشَرَ قادرون على العَيْشِ المُشْتَرَكِ
بِقَدْرِ قُدْرتهم على صِناعةِ الأحلامِ. تَبْقَى البُوسنةُ دَرْسًا مُوجِعًا،
أجملُ الثقافاتِ يُمكِن أنْ تَتحوَّل إلى رَمادٍ إذا لَمْ تَتَّكِئْ على عَدالةٍ
حقيقية ، وَصِدْقٍ لا يَرتجِف ، وَمَحَبَّةٍ لا تُخْفي سِكِّينًا وَراءَ ظَهْرِها
. والسَّلامُ لَيْسَ أنْ نَعيشَ معًا ، بَلْ أنْ نُؤْمِنَ حَقًّا بأنَّ الآخَرَ
لَيْسَ قُنبلةً مُؤجَّلة . كانت البُوسنةُ قَبْلَ أنْ تَنطفئ مَصابيحُها حَديقةً
بَشرية نادرة، يَنساب فيها النِّداءُ إلى الصَّلاةِ بِجِوَارِ تَراتيلِ الكَنيسةِ،
وَتَتَنَفَّس حِجارتُها العَتيقةُ أُوكسجين التَّعَدُّدِيَّةِ كأنَّها اعتادتْ
مُنْذُ قُرون أنْ تُتَرْجِمَ الاختلافَ إلى انسجام . مَكانٌ ساحرٌ تَعَلَّمَ أنْ
يَبْتَسِمَ بِلُغَاتٍ كثيرة ، وأنْ يَحْفَظَ في زَوَاياه ضَحِكَاتٍ بألوان
مُتَبَايِنَة، كأنَّه كِتابٌ مَفتوحٌ على صَفْحَةِ سَلامٍ مُمْتَد .
ثُمَّ جاءَ الليلُ الثقيلُ ، لَيْلٌ
لَمْ يَكُنْ ظَلامًا فَقَط ، بَلْ كانَ انطفاءً عَنيفًا لِرُوحٍ كاملة . قَتَلَ
الصِّرْبُ الوُحُوشُ مِئات الآلاف مِنَ المُسلِمين، لا لأنَّهُم حَمَلُوا سِلاحًا،
بَلْ لأنَّهُم حَمَلُوا هُوِيَّاتِهِم ، لأنَّ أسماءَهم كانتْ صَدى لتاريخٍ مَا ،
وَلِطَرِيقَةٍ مَا في الحُبِّ والحُلْمِ والعَيْشِ . سَقَطُوا واحدًا تِلْوَ
الآخَرِ ، بَيْنَما كانت الجِبَالُ شاهدةً على صَمْتِ العَالَمِ ، والمَوَاقِدُ
القَديمةُ في سَراييفو تَرتجف كأنَّها تَفْهَمُ أنَّ الدِّفْءَ أصبحَ مُهَدَّدًا
بالانقراضِ .
لَمْ تَكُن الحَرْبُ حَرْبَ
أرضٍ ومَوَاقِع ، إنَّها حَرْبُ ذاكرةٍ ، وإبادةٌ ثقافية . مُحَاوَلَةٌ يائسةٌ
لِمَحْوِ قُرون مِنَ التعايُشِ ، لِطَمْسِ الشوارعِ التي اعتادتْ أنْ يَمُرَّ
المُسْلِمُ والمَسِيحِيُّ واليَهُودِيُّ دُونَ أنْ يَسْألَ أحَدُهُم عَنْ
هُوِيَّةِ الآخَرِ ، لأنَّ الهُوِيَّةَ كانتْ تُقْرَأ في العُيونِ لا في الجُدْرانِ
، وفي الإنسانيةِ قَبْلَ كُلِّ عَقيدةٍ .
وَبَقِيَ السُّؤالُ مَعَلَّقًا
فَوْقَ الجَثامينِ ، وفي الأُفُقِ المُحترِق : (( كَيْفَ يُمْكِنُ للعَالَمِ أنْ
يَسْمَحَ بانهيارِ مَدينةٍ وادعةٍ كانتْ أقربَ إلى لَوْحَةِ فُسَيْفِسَاء، كُلُّ
قِطْعَةٍ فِيها تَحْمِلُ لَوْنًا وَدِينًا وَقَلْبًا مُخْتَلِفًا، وَمَعًا
تُشَكِّلُ دَهْشَةً حَضَارِيَّةً لا تَتَكَرَّر ؟ )) .
رَغْمَ الخَرابِ والدَّمِ والرَّمَادِ الذي
غَطَّى الحِكَاياتِ ، لَمْ يَمُت الضَّوْءُ تَمامًا . ثَمَّة شَيْء في الرُّوحِ
البُوسنِيَّةِ يَرْفُضُ الفَنَاءَ ، ذِكرى أُمٍّ فَتَحَتْ بابَها لجارتها في
لَيْلَةِ قَصْفٍ ، وَمُدَرِّسٌ وَزَّعَ كُتُبَهُ عَلى أطفالٍ مِنْ كُلِّ الطوائفِ
، وأذَانٌ خافتٌ تَسَرَّبَ فَجْرًا مِنْ مَسْجِدٍ نِصْفِ مُهَدَّمٍ ، كأنَّهُ
يَصْرُخُ للعَالَمِ : (( مَا زالت الحَيَاةُ هُنا ، وَمَا زالَ الحُبُّ مُمْكِنًا
)) .
الجَريمةُ لَمْ تَقْتُل
التسامحَ ، جَرَحَتْهُ فَقَط . والتاريخُ مَهْمَا نَزَفَ سَيَنْهَضُ يَوْمًا
وَيُعِيدُ تَرتيبَ فُسَيْفِسَاءَ البُوسنةِ ، لأنَّ الأماكنَ التي تَعَلَّمَتْ أنْ
تَضُمَّ المُخْتَلِفِين لا تَمُوت، بَلْ تَنتظر أنْ يَعُودَ إلَيْهَا مَنْ
يُؤْمِنُ بالجَمَالِ ، لِيُعِيدَ بِنَاءَهَا مِنْ قَلْبِهِ قَبْلَ أنْ يُعِيدَ
بِنَاءَ حِجَارتها .
الرِّياحُ في ليالي الحُزْنِ تَمُرُّ فَوْقَ
الخَنادقِ . تَجُرُّ خَلْفَها ذاكرةَ قَرْنٍ كاملٍ مِنَ الآلام. الجُنُودُ البُوسنِيُّون
يَقِفُونَ في مَواقعِهم . وُجُوهُهُم مُغَطَّاةٌ بالغُبارِ، وجُلُودُهُم
مُغَطَّاةٌ بالصَّلابةِ التي تَصْنَعُها سَنَوَاتٌ مِنَ الفَقْدِ . لَمْ يَكُونوا
يَبْحثون عَنْ بُطولة ، ولا عَنْ رَاياتٍ تُرفَع . يَبْحثون عَنْ مَعْنى لِبَلَدٍ
لَمْ يتوقف عَن النَّزيفِ مُنْذُ أنْ خَذَلَتْهُ الجُغْرافيا، وخَانَه التاريخُ
المُعَدَّلُ وِرَاثِيًّا .
وَحِينَ ارتَجَّت الأرضُ
تَحْتَ وَقْعِ القذائفِ ، خَرَجَتْ مِنْ صُدورِهم تَهديداتٌ تُشْبِهُ صُراخَ
الجِبالِ حِينَ تُشَقُّ ، تَهْديدات حَارَّة ، مَكْسُوَّة بالدَّمْعِ المَكبوتِ ،
تُحذِّر أُوروبا مِنْ أنَّ للصَّمْتِ حُدودًا ، وأنَّ للكَرامةِ حِينَ تُنْتَهَكُ
صَوْتًا لا يُمْكِنُ خَنْقُه .
خَلْفَ تِلْكَ الكَلِمَاتِ
المُتَوَتِّرَة ، كانَ هُناكَ قَلْبٌ آخَر نابض ، قَلْبُ جُنْدِيٍّ يُريدُ أنْ
يَعِيش . يُريدُ أنْ يَعُودَ إلى أُمٍّ تَنتظر رِسالةً ، وإلى حَقْلٍ عَلَّمَهُ
مَعْنى أنْ تَنْمو الحَياةُ رَغْمَ كُلِّ شَيْء .
يُلوِّحون بغضبهم ، نَعَم ،
لكنَّه غَضَبُ الإنسانِ الذي وُضِعَ في الزاوية ، لا غَضَبُ مَنْ يَبْحَثُ عَن
الدَّمار. يَقُولون للعَالَمِ إنَّ الأوطانَ حِينَ تُدَاس ، فإنَّها تَنْهَضُ مِنْ
تَحْتِ التُّرَابِ ، وَتَصْرُخُ بألْفِ صَوْتٍ . وفي عُيونِهم ، تَحْتَ ذلك
البَريقِ الحَادِّ ، كانَ هُناك حُزْنٌ أكبر مِنَ الحَرْبِ نَفْسِها ، حُزْن
يَسألُ أُوروبا : (( كَيْفَ تَرَكْتُمُونا هُنا وَحْدَنا نُوَاجِهُ ظَلامًا يَلْتَهِمُ
الحَجَرَ قَبْلَ البَشَرِ ؟ )) .
عَلى خُطوطِ المُوَاجَهَةِ ،
وَوَسَط رائحةِ البارودِ ، لَمْ يَكُن الجُنُودُ البُوسنِيُّون يُهدِّدون
بالانتقامِ بِقَدْرِ مَا كانوا يُعلِنون آخِرَ مَا تَبَقَّى لَهُمْ مِنْ
إنسانيَّة.يُحَاوِلُونَ أنْ يَقُولوا للعَالَمِ إنَّ الظُّلْمَ حِينَ يَطُول،
فإنَّ الأرضَ تَبدأ في الكَلامِ ، وَبِقَسْوَةٍ .
في أرْوِقَةٍ ضَيِّقَةٍ
مُعْتِمَةٍ ، كانتْ مَكَاتِبُ السِّيَاسِيِّين البُوسنِيِّين تَعِجُّ بأنفاسٍ
ثقيلة تُشبِه صَرِيرَ الأبوابِ القديمة . يَتَدَلَّى المِصْبَاحُ كَجُرْحٍ مَفتوح
، يُلْقي ظِلالًا مُرتجفة على وُجوهِ السِّياسِيِّين الذي أنهَكَتْهُم كُلُّ
الليالي التي لَمْ تَنَمْ .
خَلْفَ الزُّجاجِ المُتشققِ
للنافذةِ ، كانت الحَرْبُ تَمْضُغُ أصواتَ البَشَرِ ، وتَنْشُر غُبارَها في صُدورِ
الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والأطفالِ بالتَّسَاوي. جَلَسُوا حَوْلَ طاولةٍ خشبية غابتْ
عَنْها الطُّمَأنينة مُنْذُ زَمَنٍ ، يَتبادلون كَلِمَاتٍ أقرب إلى البُخَارِ
الساخنِ الخارجِ مِنْ فَمٍ جَريحٍ . لَمْ تَكُنْ تِلْكَ التَّهْديدات التي تَطْفُو
في الهَواءِ مُجرَّد صَرَخَاتِ غَضَبٍ ، كانتْ نِتَاجَ خَوْفٍ طَويلٍ ،
وَمَرَارَةِ أُمَّةٍ تَشْعُرُ أنَّ العَالَمَ تَرَكَهَا في مُنْتَصَفِ الليلِ على
قارعةِ المُعَاناة .
قالَ أحَدُهُمْ بِصَوْتٍ
مُتَكَسِّرٍ ، كأنَّ الكَلِمَاتِ تُجرَح في الطريقِ إلى شَفَتَيْه : (( سَتَدَفْعُ
أُوروبا الثَّمَنَ غاليًا، أُوروبا سَتُدْرِكُ أنَّ كُلَّ تَجَاهُلٍ يُخلِّف رَمَادًا
يَصْرُخ )) .
لَمْ يَكُن الانتقامُ في
جَوْهَرِ العِبَارة ، بَل الإحساس المُر بأنَّ مَنْ يُنادي في الظلامِ ولا يُجِيبه
أحَدٌ ، يَتحوَّل نِدَاؤُه شيئًا فَشيئًا إلى زَمْجَرَةٍ خائبة . وفي تِلْكَ
اللحَظْةِ ، بَدَت الغُرفةُ كأنَّها تَتَنَفَّسُ مَعَهُم ، مُضْطَرِبَةً ،
قَلِقَةً، تَلْتَهِم أشِعَّةَ المِصْبَاحِ الضعيفةَ لِتَصُبَّهَا في وُجوهٍ
أنهَكَتْهَا الخَيْباتُ .
يَعْلَمُون في أعماقِهم أنَّ
أُوروبا عَدُوٌّ خَفِيٌّ خَبِيثٌ ، وَمِرْآةٌ تُظهِر لَهُمْ هَشَاشَتَهُم
المَنْسِيَّة . لكنَّ الحَرْبَ لا تُصْغي إلى صَوْتِ الحِكْمة . الحَرْبُ تُلوِّن
النُّفُوسَ بالألَمِ ، وتُحوِّل الكَلِمَاتِ إلى حِجَارة.
خَرَجُوا مِنَ المَكاتبِ واحدًا
تِلْوَ الآخَرِ، مُحمَّلين بِظِلالٍ أطْوَل مِنْ أجسادِهم ، وبتاريخٍ ثقيلٍ
يَضْغَطُ عَلى صُدورِهم . بَقِيَ المِصْبَاحُ مُعَلَّقًا ، يَتَأرْجَحُ كَقَلْبٍ
تائهٍ ، يَشْهَدُ عَلى زَمَنٍ الجُرُوحِ .
في مَقَاهي العَواصمِ
الأُوروبيةِ ، حَيْثُ يَختلِط بُخَارُ القَهْوَةِ بِضَحِكَاتٍ لا تَعْني لَهُم
شيئًا ، يَجلِس البُوسنِيُّون المَنْفِيُّون كأنَّهُم ظِلالٌ لِمَاضٍ لَمْ
يُدْفَنْ بَعْد . تَتَدَلَّى مِنْ أصواتِهم مَرَارةُ السَّنَوَاتِ، وفي عُيونِهم
مَذاقُ الرَّمادِ الذي خَلَّفَتْهُ المُدُنُ التي تَركوها خَلْفَهُم تَحترِق .
عِندَ الطاولاتِ الصغيرة ،
يَهْمِسُون ، ثُمَّ تَرتفع الهَمَسَاتُ كأنَّها أنينُ حَجَرٍ يَتحرَّك في
الصَّدْرِ : (( أُوروبا سَتَدْفَعُ الثَّمَنَ غاليًا )). لكنَّها لَيْسَتْ جُمْلةَ
تَهديدٍ بِقَدْرِ مَا هِيَ صَرْخة رُوحٍ تَشْعُرُ أنَّها تُرِكَتْ وَحْدَها في
العاصفة ، ثُمَّ حُوسِبَتْ عَلى صُمودِها . يَقُولونها انكسارًا لا تَعَالِيًا ،
كأنَّهُم يُلْقُون الكَلِمَاتِ في الفَراغِ ، لَعَلَّ أحَدًا يَسْمَعُ وَجَعًا
عُمْرُهُ أعوام . يَقُولونها لأنَّ الذاكرةَ لا تَزَالُ تَجْري تَحْتَ جُلودِهم
مِثْلَ نَهْرٍ خائفٍ، ولأنَّ القُلوبَ التي عاشت الحَرْبَ لا تَنْسَى بِسُهولةٍ ،
ولا تُشفَى بِسُرعة ، ولا تَعرِف كَيْفَ تَضَعُ سَيْفَ الأحزانِ جانبًا .
هُمْ لا يُريدون أنْ يَنْتقموا
. يُريدون فَقَط أنْ يُرى ألَمُهُم ، وَتُسْمَعَ حِكاياتُهم ، وتَتوقف الأرضُ
لَحْظَةً واحدةً كَيْ تَعترف بأنَّهُم فَقَدُوا أكثرَ مِمَّا يَستطيعُ المَنْفَى
أنْ يُجْبِرَه .
لكنَّ الكَلِمَاتِ حِينَ
تَتَكَثَّفُ دَاخِلَ الصَّدْرِ تَطْلُعُ حَادَّةً وجارحةً ، تَبْدُو كأنَّها
وَعِيد ، بَيْنَما هِيَ في الحَقيقةِ طَلَبُ اعترافٍ ، وَمُطَالَبَةٌ بالعَدالةِ ،
وحُلْمٌ بأنْ يَعُودَ الزَّمَنُ خُطْوَةً إلى الوَراءِ ، كَيْ لا يُقْتَلَعُوا
مِنْ جُذورِهم .
في المَسَاءِ ، حِينَ تُطْفَأ
الأنوارُ ، وَتَبْقَى المَقَاعِدُ فارغةً ، يَظَلُّ صَدى أصواتِهم يَطْفُو فَوْقَ
المَدينةِ ، صَدى لا يُشْبِهُ التَّهْديدَ بِقَدْرِ مَا يُشْبِهُ رَجَاءً أخيرًا
مِنْ قُلوبٍ أنهَكَتْهَا الخَسَارَةُ : (( أنْ يَسْمَعَ العَالَمُ مَا لَمْ
يَسْمَعْهُ يَوْمَ كانَ يَجِبُ أنْ يَسْمَعَ )) .
الماءُ في سَراييفو يُشْبِهُ الحُلْمَ ، قريبًا
حَدَّ اللَّمْسِ ، بعيدًا حَدَّ الخَطَرِ . يَخْرُجُون نَحْوَه وَهُمْ يَحْنُونَ
ظُهورَهم ، كأنَّهم يَعتذرون لِظِلِّهِم عَنْ جُرْأةِ الخُطْوَةِ ، أوْ كأنَّ
الأرضَ تَسْتحق أنْ يَقْتربوا مِنها بِهَذه الهَيْبَةِ . يَزْحَفُون في الأزِقَّةِ
المَكسورةِ ، يَحْتضنون الهواءَ الباردَ ، يَتحسَّسون نَبْضَهم بَيْنَ ضُلوعٍ
تَرتجف لا مِنَ البَرْدِ ، بَلْ مِنْ فِكْرَةٍ أنَّ الرَّصاصة قَدْ تَصِلُ قَبْلَ
قَطْرَةِ الماءِ .
امرأةٌ تَلُفُّ إبريقًا
مَعْدِنِيًّا تَحْتَ مِعْطَفِها ، كأنَّها تُخْفي طِفْلًا . رَجُلٌ يَقِيسُ
المَسافةَ بِنَظْرَةٍ واحدةٍ، ثُمَّ يَتْرُك قَدَمَيْه تَتَوَلَّيَان الباقي ،
وَهُمَا تَعرِفان جَيِّدًا مَعْنى أنْ تَمْشِيَ لِتَشْرَبَ ، وَقَدْ لا تَشْرَبُ
أبدًا .
أصواتُ القَنْصِ تَقْرَعُ
الأُفُقَ مِثْلَ مَطَرٍ حَديديٍّ ، وكُلُّ جَسَدٍ يَتحوَّل فَجْأةً إلى أُمْنِيَّة
، أنْ يَعُودَ واقفًا نابضًا حَيًّا . ومعَ ذلك ، يَمْضُون . يَتقدَّمون نَحْوَ
الماءِ وكأنَّهم يَتقدَّمون نَحْوَ حَلْوى طُفولية سَرَقَهَا الزَّمَنُ ، أوْ
نَحْوَ ذاكرةٍ بسيطةٍ لا يُريدون أنْ يَخْسروها . والحُلْمُ كُوبُ مَاءٍ باردٍ ،
يُرفَع إلى الفَمِ دُون خَوْف. يَعرِفون أنَّ الرَّصاصة قَدْ تَخْتارُ أحدَهم ،
لكنَّ العَطَشَ يَخْتارهم جَميعًا . لذلك ، كانوا يَذهَبون مُنْحَنِين لا خائفين .
إنَّهُم شُجْعان بِمَا يَكْفي لِيَنْتَزِعُوا الحَيَاةَ مِنْ فَمِ المَوْتِ ،
ويَحْمِلُوها بَيْنَ أيديهم .
العَالَمُ يَقِفُ في مَمَرٍّ طَويلٍ بِلا نوافذ
، مَمَرٍّ تُعلَّق على جُدرانِه شِعَاراتُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ ، وَهِيَ في
الحقيقةِ الأُمَم المُفَكَّكَة، وَتَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِهِ وُعُودٌ مُتعَبة
فَقَدَتْ بَريقَها . هُناك ، في زاويةٍ بعيدةٍ ، تَجلِس الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ
كَشَيْخٍ يَرْوي حِكاياتٍ مُكرَّرة ، بَيْنَما تَتساقط مِنْ جُيوبِه كُلُّ
الحَقائقِ التي يَخْشَى الاعترافَ بِها .
يُحدِّثوننا عَنْ نِظامٍ
عالميٍّ ، جَديدٍ أوْ قَديمٍ ، كأنَّهُم يَبيعون سَرابًا في زُجَاجةٍ . يَقُولون
إنَّ العَدْلَ سَيَأتي ، وإنَّ السَّلامَ مَسألةُ وَقْتٍ ، وإنَّ الحُقوقَ تُكتَب
بِحِبْرٍ لا يُمحَى ، لكنَّنا نَرى الحِبْرَ يَنْزِفُ عَلى الوَرَقِ ، ويُلطِّخه ،
ويُحوِّل الوُعودَ إلى ظِلالٍ باهتة .
الحقيقةُ هِيَ أنَّ العَالَمَ
لا تَحْكُمُهُ مَواثيق ، بَلْ تَحْكُمُه القُلوبُ حِينَ تَقْسُو ، والأيدي حِينَ
تَشْتَدُّ قَبْضَتُهَا ، والخَرائطُ حِينَ تُرْسَمُ بِعُيونٍ لا تَعْرِفُ سِوى
مَصْلحتها . أمَّا الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ ، تِلْكَ المُؤسَّسة العِمْلاقة التي
تَزْعُمُ أنَّها بَيْتُ البشرية ، فَلَيْسَتْ سِوى مِرْآةٍ مَشروخةٍ تَعكِس وُجوهَ
الأقوياءِ فَقَط ، بَيْنَما تَتكسَّر صُورةُ الضُّعَفَاءِ فِيها بِلا صَوْتٍ .
لا يُوجَدُ نِظامٌ عالميٌّ ،
لا جديدٌ ولا قديمٌ . هُناك فَقَط مَسَرْحٌ واسعٌ تَتبدَّل فيه الأقنعةُ ،
وَيَبْقَى العَرْضُ نَفْسُه . مَنْ يَملِك القُوَّةَ يَكْتُب القوانينَ ، وَمَنْ
لا يَملِكها يعيش بَيْنَ هامشٍ وآخَر ، يُحاولُ أنْ يَصْرُخَ فَلا يَسْمعه إلا
الصَّدى . ومعَ ذلك ، يَظَلُّ في الإنسانِ جُزْءٌ عنيد ، يَرفُضُ أنْ يُصفِّق
للكِذْبَةِ المَطْلِيَّةِ بالألوانِ الخادعة . جُزْء يُؤْمِنُ بأنَّ الحقيقة لا
تَحْتاج إلى مَجْلِسٍ ولا قَرارٍ ، بَلْ تَحْتاح إلى قلبٍ يَجْرُؤ على أنْ يَقُول
: (( العَدالةُ لَيْسَتْ إعلانًا ، والسَّلامُ لَيْسَ بَيانًا ، والأُمَمُ
المُتَّحِدَةُ لَيْسَتْ أكثرَ مِنْ قِصَّةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ ، وَرُبَّما لَنْ
تَكْتَمِلَ أبَدًا )) .
البُوسنةُ تَمْشِي على أطرافِ الخَوْفِ . الأرضُ
فَقَدَتْ قُدْرَتَهَا على حَمْلِ كُلِّ هَذا الوَجَعِ . كانوا أُنَاسًا بُسَطَاء ،
يَحْلُمُون بِبُيُوتٍ دافئةٍ ، وأُغْنِيَاتٍ تُغَنَّى عِندَ المَساء ، فإذا
بالعَالَمِ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِم ، ويُحوِّل الحُلْمَ إلى رَمَادٍ . لَمْ يَكُن
القَتْلُ طَلَقَاتٍ تُطلَق أوْ جُثَثًا تُحمَل فَحَسْب ، بَلْ أيضًا كانَ اقتلاعًا
بَطيئًا لِرُوحٍ جَمَاعِيَّةٍ ، كانتْ تَنْبِضُ بالحَياةِ، وَتَتَشَبَّثُ
بِبَقَايا الأملِ. يُسَاقُونَ في صَمْتٍ، فَيُدْفَنُون في مَقابر جَمَاعِيَّةٍ ،
كأنَّهم أرقامٌ ضاعتْ بَيْنَ أصابعِ التاريخِ ، بَيْنَما كانوا قَبْلَ سَاعاتٍ
فَقَط أسماءً ، وَوُجُوهًا ، وَضَحِكَاتٍ ، وَحِكَاياتٍ ، وأحلامًا تَنْظُرُ إلى
غَدٍ أجْمَل .
هُناك ، في عُمْقِ الغاباتِ
التي شَهِدَت الفاجعةَ ، تَسْكُنُ الآنَ أصْوَاتٌ لَمْ يَستطع الزَّمَنُ أنْ
يُخْمِدَها ، صَرَخَاتٌ تُطِلُّ مِنْ بَيْنِ الأشجارِ ، تُخْبِرُ العابرَ بأنَّ
الدَّمَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا لَوْنًا يُهْدَرُ ، بَلْ كانَ ذاكرةً تُورَّث ،
وَوَجَعًا لا يَعْرِفُ الانطفاءَ .
رُبَّما لَمْ يَستطعْ أُولئكَ
الذينَ رَحَلُوا أنْ يَكْتُبُوا شَهاداتِهم ، لكنَّ الأرضَ كَتَبَتْهَا بالتُّرابِ
، والهَواءُ حَفِظَ أنفاسَهم الأخيرةَ . وَمِنْ بَعْدِهِم بَقِيَت الحِكايةُ
شَاهِدَةً عَلى أنَّ القَتْلَ الجَمَاعِيَّ لا يَقْتُلُ الجَسَدَ وَحْدَه ، بَلْ
يَقْتُلُ جُزْءًا مِنْ إنسانيَّةِ العَالَمِ بِأسْرِه .
ظَلَّ في العُيونِ التي نَجَتْ
بَريقٌ صغيرٌ ، كَفَتِيلِ شَمْعَةٍ تَتَحَدَّى عَتَمَةً لا تَنْتهي . بَرِيقٌ
يَقُولُ إنَّ مَا سَقَطَ في البُوسنةِ لَمْ يَكُن النِّهايةَ ، بَلْ بِداية عَهْدٍ
تَرِثُ فيه الذاكرةُ مَعْنى الصُّمُودِ ، وَيَتَحَوَّلُ فِيهِ الوَجَعُ إلى
شَهادةٍ لا تُنسَى .
البُوسنِيُّون يُقْتَلُون ، لا لأنَّهم حَمَلُوا
السِّلاحَ ، بَلْ لأنَّ العَالَمَ كُلَّه قَرَّرَ أنْ يَضَعَ أصابعَه في أُذُنَيْه
، وأنْ يُغْلِقَ بابَ العَدالةِ خَلْفَه بِهُدوءٍ باردٍ لا يَلِيقُ حتى بِحِجارةِ
الطُّرُقاتِ .
البُيُوتُ تُحرَق ،
والأُمَّهاتُ يَركُضْنَ بِقُلوبٍ عَارِيَة ، والطُّفُولَةُ تُدفَن في مَقابر لَمْ
تَكْتَمِلْ حُروفُ أسمائها بَعْد ، بَيْنَما الأُمَم التي تتفاخر بأنَّها حارسة
الإنسانية ، كانتْ تَكْتُبُ بَياناتٍ مُحَايِدَة ، كأنَّ الدَّمَ الذي يَسِيلُ
هُناك لَيْسَ دَمَ البَشَرِ ، بَلْ مُجرَّد حِبْرٍ فائضٍ على خرائط بعيدة .
قِيلَ لَهُم : (( لا
تُدافِعُوا عَنْ أنفُسِكُم )) . قِيلَ لَهُم : (( انتَظِرُوا ، العَالَمُ
سَيَتَحَرَّك )) . لكنَّ العَالَمَ لَمْ يَتَحَرَّكْ، بَلْ تَحَرَّجَ مِنَ النظرِ
إلَيْهِم، كَمَنْ يَخْشَى أنْ يَلْتَقِيَ بِعَيْنَيْ ضَحِيَّةٍ يَعْرِفُ أنَّه
خَذَلَهَا، فَيَشِيح بِوَجْهِهِ كَيْ لا يَرى الحقيقةَ في ضَوْءِ دِمائها .
يُقْتَلُونَ لأنَّهُم تُرِكُوا وَحْدَهُم ، لأنَّ الحِمايةَ التي وُعِدُوا بِها
لَمْ تَكُنْ أكثرَ مِنْ مِظَلَّةٍ وَرَقِيَّةٍ في عاصفةِ رَصَاصٍ . والقَوِيُّ
حِينَ يُقَرِّرُ أنْ يَصْمُتَ ، يَفْتَح للظُّلْمِ بِوَّابَاتٍ لا تُغلَق .
وَرَغْمَ ذلك ، ظَلَّ في عُيونِ البُوسنِيِّين ضَوْءٌ صغيرٌ ، ضَوْءٌ عنيدٌ ،
يُشْبِهُ اشتعالَ رُوحٍ تَرْفُضُ أنْ تُمْحَى . ضَوْءٌ يَقُولُ للعَالَمِ : ((
نَحْنُ لَمْ نُهْزَمْ ، أنتُمْ مَنْ هُزِمْتُمْ أمامَ إنسانيتكم )) . وهَكذا ،
وَسَط الرُّكامِ والخِذْلان ، بَقِيَ صَوْتُهُم يَرتفع مِنْ تَحْتِ الدُّخَانِ :
(( نَحْنُ أحياء ، لأنَّنا لَمْ نَقْبَلْ أنْ يَتَحَوَّلَ الصَّمْتُ إلى نَزِيفٍ ،
وَيَصِيرَ الظُّلْمُ تاريخًا يُعَاد )) .
في حَمْلَتِهِ الانتخابية ،
كانَ بيل كلينتون وَعْدًا يَلْمَعُ في عُيونِ العَالَمِ ، وَعَدَ بِوَقْفِ الألَمِ
، وإنقاذِ البُوسنِيِّين مِنَ التَّطْهيرِ العِرْقِيِّ . صُورَتُهُ تَلْمَعُ عَلى
الشاشاتِ ، كأنَّها شُعاعُ أملٍ في زَمَنٍ لَمْ يَعْرِف الرَّحمةَ ، وكَلِمَاتُهُ
تَتَدَفَّقُ بَيْنَ حَناجرِ الجماهير ، تَعِدُهُم بِيَدٍ حَانِيَة ، بِعَزْمٍ لا
يَنكسِر ، بِحَقيقةِ أنَّه سَيَقِفُ أمامَ الظُّلْمِ .
لَكِنْ حِينَ جَلَسَ على
كُرْسِيِّ الرئاسة، تَحَوَّلَ الوَعْدُ إلى صَدى خافتٍ في أرْوِقَةِ البَيْتِ
الأبيضِ. أكثر مِنْ سَنَةٍ مَرَّتْ وَهُوَ في حالةِ تَأهُّبٍ ، يُتابع الأخبارَ ،
يَحْسُبُ الخُطُواتِ ، يُصوِّب القَرارات ، بَيْنَما البُوسنة تَنْزِفُ ، والشعبُ
البُوسنيُّ يُذبَح ، والبَرَاءةُ تُقْتَلُ أمامَ عَيْنَيْه . وَعْدٌ كانَ شُعلةً ،
أصبحَ سَرَابًا يَذُوبُ في حَرارةِ السِّياسةِ والبيروقراطية ، والألَمُ لا يَتوقف
، والدَّمُ يَستمر في السَّيَلانِ .
هُنا تَقِفُ الحقيقةُ
المُوجِعة ، صُورةُ الرَّجُلِ الذي أرادَ أنْ يَكُونَ مُنْقِذًا ، وَصَوْتُ
الجَماهيرِ التي وَثِقَتْ بِكَلِمَاتِه ، والواقعُ الذي أظْهَرَه عاجزًا أمامَ الدِّماءِ
. بيل كلينتون ، بَيْنَ الحَمَلاتِ والوُعودِ ، بَيْنَ الأملِ والخَيْبَةِ ، صارَ
ذِكْرى قاسيةً عَنْ قُوَّةِ الكَلامِ وَضَعْفِ التَّنْفِيذِ ، وَعَنْ حَجْمِ
المَسؤوليةِ حِينَ يَكُونُ العَالَمُ كُلُّهُ يُراقِب عَيْنَيْكَ ، ولا تَفْعَلُ
شيئًا .
كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ
تُصْبحَ سَراييفو أخبارًا قديمة في صَفَحَاتِ التاريخ ، مُجرَّد ذِكرى عابرة
بَيْنَ رُكَامِ المُدُنِ والصُّوَرِ المُتَهَالِكَةِ ، لكنَّ الدَّمَ الذي سالَ في
شوارعها ، والصَّمْتَ الذي خَيَّمَ عَلى العَالَمِ ، لَمْ يَسْمَحَا لذلكَ أنْ
يَحْدُث . البُوسنةُ لَنْ تَنْسَى ، وَلَنْ تَغْفِرَ لأُوروبا المُتخاذِلةِ التي
نَظَرَتْ إلى الألَمِ بِعَيْنِ الجُمودِ ، والتي اختارت الحِيَادَ عِندما كانَ
الواجبُ الإنسانيُّ يَصْرُخ .
في كُلِّ زاويةٍ مِنْ سَراييفو
، هُناك صَدى الصَّرَخَاتِ ، هُناك وُجُوه الأطفالِ الذينَ لَمْ يُكْمِلُوا
أحلامَهم ، وهُناك النِّسَاء والرِّجال الذينَ حَمَلُوا ذاكرةَ الألَمِ عَلى
ظُهورِهم ، كأنَّها شِعَارُ البَقَاءِ . لَنْ تُصْبحَ أخبارًا قديمة ، لأنَّ
الألَمَ الذي يُقَاسُ بالقُلوبِ لا يَشِيخُ ، والحَقُّ الذي يَصْرُخُ لَنْ
يُدْفَنَ تَحْتَ رُكَامِ الزَّمَنِ .
البُوسنةُ تَعْلَمُ أنَّ
النِّسْيانَ خِيانة ، وأنَّ العَفْوَ عَن التقاعُسِ مَسؤولية لَنْ تُحمَل ، وَلَنْ
تتوقف عَنْ تَذكيرِ العَالَمِ أنَّ هُناك لَحَظَات لا تَقْبَلُ فِيها الإنسانيةُ
المُهَادَنَةَ ، وأنَّ التخاذُلَ يُصْبح وَصْمَةً لا تُغْتَفَرُ عَلى جَبينِ مَنْ
يَدَّعِي العَدالةَ بَيْنَما يُغْلِقُ عَيْنَيْهِ عَن الحقيقة .
سَراييفو لَيْسَتْ تاريخًا
فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا صَرْخَةٌ باقية ، وشَاهدةٌ على كُلِّ دَمْعَةٍ ، وكُلِّ
خِذْلان ، وكُلِّ وَعْدٍ . تَمْنَعُ العَالَمَ مِنَ النِّسْيانِ والتَّغَاضي ،
وتُذكِّرهم بأنَّ الألَمَ الحقيقيَّ لا يَمُوت ، ولا يَغْفِرُ الزَّيْفَ .
لَوْ كانَ في العَالَمِ قَلْبٌ
يَنْبِضُ بالإنسانيَّة ، وَلَوْ كانت العَدالةُ أكثرَ مِنْ مُجرَّد شِعارات
مُعلَّقة عَلى جُدْرانِ المُؤتَمَرَاتِ ، لَمَا تَرَكَتْ أمريكا وأُوروبا
الشَّعْبَ البُوسنيَّ المُسْلِمَ يَغْرَقُ في بَحْرِ الدَّمِ ، بِلا رَحمةٍ ولا
اسْتِحْيَاء،حَيْثُ تُهْدَرُ الأرواحُ كما تُهْدَرُ أوراقُ الخريف . كانَ بإمكانِ
القُوى العُظْمى أنْ تُوقِفَ الإبادةَ الجَمَاعِيَّةِ بِحَقِّ مُسْلِمي البُوسنةِ
، وَتَمْنَعَ التَّطْهيرَ العِرْقيِّ في البُوسنةِ ، لكنَّها اختارت الصَّمْتَ
لإزالةِ الوُجودِ الإسلاميِّ مِنْ قَلْبِ الغَرْبِ،وَجَعْلِ أُوروبا خاليةً مِنَ
المُسْلِمِين. هَذا الصَّمْتُ لَمْ يَكُنْ عَفْوِيًّا ، بَلْ كانَ صَمْتًا
مُتَعَمَّدًا ومَقْصُودًا ، يَتساوى فيه الجميعُ في الجُرْمِ . أمريكا تَتفرَّج
مِنْ وَراءِ سِتَارِ المَصالحِ ، وأُوروبا تَتفرَّج مِنْ خَلْفِ سِتَارِ
الدُّبْلُومَاسِيَّةِ . دِمَاءُ المُسْلِمِين رَخيصةٌ، لَيْسَتْ إلا حَصَاةً عَلى
طُرُقَاتِهِم ، ولَيْسَتْ حَيَاةَ بَشَرٍ .
كُلُّ صَرْخَةِ طِفْلٍ ،
وكُلُّ دَمْعَةِ أُمٍّ ، وكُلُّ جُثَّةٍ مُلْقَاةٍ في التُّرابِ، كانتْ شَاهِدَةً
على تَقَاسُمِ أمريكا وأُوروبا الجَبَانِ للقَتْلِ ، واشتراكِهما في التَّخَاذُلِ
الذي لَمْ يَقُلْ : (( سَوْفَ نَتَدَخَّل )) ، بَلْ قالَ بِصَوْتٍ خافتٍ وباردٍ :
(( دَعُوا المَذبَحَةَ تَسْتَمِر )) . لَمْ يَكُن العَالَمُ عادلًا ، وَلَمْ
يَكُنْ هُناكَ رَحْمَة ، بَلْ كانتْ هُناكَ لُعْبَةٌ باردةٌ بَيْنَ عُظَمَاء
يَتبادلون فيها المَسؤوليةَ عَنْ دِمَاءِ الأبرياءِ ، وكأنَّ الإنسانيَّة بَنْدٌ
في جَدْوَلِ أعمالِهم قابلٌ للتأجيلِ والإلغاءِ .
في قَلْبِ هَذه المَأساةِ ،
يَبْقَى السُّؤالُ المُؤلِمُ ، كَيْفَ يَنَامُ العَالَمُ وأمريكا وأُوروبا وَقَدْ
رَأَوُا العُنْفَ يَلْتَهِمُ المَساكين ، وَرَأَوُا الإبادةَ تُرتَكَبُ أمامَ
أعْيُنِهِم ، واختاروا أنْ يَكُونوا شُرَكَاء فِيها بصمتهم وتقاسُمِهِم المُتْقَنِ
للجُبْنِ ؟. هُناك ، في البُوسنةِ ، كانت الإنسانيةُ تَمُوت ، وكانوا هُمْ بِكُلِّ
غُرورِهِم وَتَبَجُّحِهِم يُراقِبُون مَوْتَها ، كأنَّهُم لا يَسْمَعُون إلا صَدى
مَصالحِهم ، وكأنَّ الدِّماءَ لَيْسَتْ سِوى ضَجيجٍ بَعيدٍ عَنْ بُيُوتِهِم .
البُوسنةُ تَنْزِفُ ، والعَالَمُ يُحدِّق في
جِرَاحِها كما لَوْ أنَّها صَفْحَة مِنْ كِتابٍ بعيدٍ لا يَعْنِيه . وفي مَكانٍ
مَا على خَشَبَةِ السِّياسةِ الدَّوْلِيَّةِ ، كانَ يَقِفُ الأمينُ العامُّ
للأُمَمِ المُتَّحدة بُطْرُس غالي ، يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَفاتيحَ القَرارِ ،
ومَفاتيحَ الرَّجاءِ ، لكنَّه لَمْ يَمُدَّها إلى الأبوابِ التي كانتْ تَسْتغيث .
في الذاكرةِ ، يَبْدُو
المَشْهَدُ كأنَّه مَركَبٌ يُوشِكُ على الغَرَقِ ، والصَّوْتُ الذي كانَ يَنْبغي
أنْ يَصْرُخَ : (( أنقِذُوه )) ، اختارَ الصَّمْتَ ، أو اختارَ أنْ يَضِيعَ في
مَتَاهَةِ التوازنات ، يَقِيسُ المَآسِي بِمِيزانٍ بارد ، بَيْنَما كانت الأرواحُ
تُقَاسُ بالدَّمِ الساخنِ .
البُوسنةُ تَسْتَحِقُّ أنْ
تَكُونَ الأوْلَوِيَّةَ الأُولَى ، والنِّداءَ الأوضح ، والصَّفْحَةَ التي لا
تُهْمَلُ ، لكنَّ الأوْلَوِيَّةَ سَقَطَتْ مِنْ يَدِه ، كَما يَسْقُطُ كِتابٌ مِنْ
رَفٍّ عالٍ ، لا لأنَّ الرِّيحَ قَوِيَّة ، بَلْ لأنَّ اليَدَ لَمْ تُمْسِكْ بِهِ
كَما يَجِب .
كانَ بُطْرُس غالي يَسْتطيعُ
أنْ يَقِفَ بِصَلابةِ التاريخِ ، ويَجْعَلَ دِفاعَه عَن البُوسنةِ عُنوانَ
مَرْحلته ، وَيَجْعَلَ مِنْ صَوْتِهِ مَلْجَأ ، وَمِنْ قَرارِه حِصْنًا . لكنَّ
خُطُواتِه جاءتْ مُتَرَدِّدَةً ، وَمُحَايِدَةً إلى حَدِّ القَسْوَةِ ، وَبَعيدةً
إلى حَدِّ أنْ يَضِيعَ النِّداءُ في دَهاليزِ الدُّبْلُومَاسِيَّة .
حِينَ تُذكَر البُوسنة ، يَنْهَضُ
في القَلْبِ سُؤالٌ مُوجعٌ : (( كَيْفَ يُمكِن لقائدٍ أنْ يَرى النارَ تَلْتَهِم
البُيُوتَ ، ثُمَّ يَخْتار أنْ يَحْرُسَ قواعدَ اللعبةِ لا أرواحَ البَشَرِ ؟ )) .
التاريخُ لا يَرْحَمُ الفُرَصَ
التي تُهْدَر ، وَمَوْقِعُ القُوَّةِ لَيْسَ شَرَفًا فَقَط ، بَلْ أيضًا هُوَ
عِبْءٌ وَمَسْؤولية ، لا يَجُوز أنْ يُتْرَكَ مُعَلَّقًا بَيْنَ " كانَ
بإمكاني " و " لَكِنَّني لَمْ أفْعَلْ " .
وَتَبْقَى البُوسنةُ شَاهِدَةً
على أنَّ التَّقصيرَ حِينَ يَكُون في مَقَامِ القُدرةِ على الإنقاذِ ، يُصْبح
جُرْحًا في الذاكرةِ لا يَلْتَئِم ، حتى لَوْ تَغَيَّرَ الأُمَنَاءُ ،
وَتَبَدَّلَت الأُمَمُ .
في لَيالٍ كثيرةٍ يَعُودُ
السُّؤالُ ذَاتُهُ لِيَطْرُقَ نافذةَ الرُّوحِ : (( لِمَاذا لَمْ يَرْفَعْ بُطْرُس
غالي صَوْتَه دِفَاعًا عَن البُوسنةِ ، أوْ عَنْ فِكْرَةِ الدَّولةِ المُتعددة
الأعراق ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ تُسكِّن وَجَعَ التاريخ ؟ )) .
تَبْدُو الإجابةُ ، أحيانًا ،
كَظِلٍّ يَهْرُبُ كُلَّمَا اقْتَرَبْنَا مِنْه ، لكنْ مَا يَبْقَى في القَلْبِ
لَيْسَ حُكْمًا سِيَاسِيًّا ولا سِجَالًا دُبْلُومَاسِيًّا ، بَلْ مَرَارة
الإنسانِ حِينَ يَرى المَأساةَ تَمُرُّ أمامَ العُيونِ بِلا كَلِمَةٍ تُشْبِهُ
البَلْسَمَ ، ولا حتى صَرْخَة تَكسِر الصَّمْتَ .
البُوسنةُ جُرْحٌ مَفتوحٌ في
جَسَدِ العَالَمِ . أصواتُ الأُمَّهَاتِ ، وَبُكَاءُ الأطفالِ ، والبُيُوتُ
المَحروقة ، والأنهار التي حَمَلَتْ رَمَادَ القُرى التائهةِ بَيْنَ الإبادةِ
الجَمَاعِيَّةِ والتَّطْهِيرِ العِرْقِيِّ . كُلُّ ذلك يَسْتحق كَلِمَةً تَمْنَحُ
الضَّحَايا شُعورًا بأنَّ العَالَمَ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْهُم ، وإحساسًا بأنَّ
فِكْرَةَ التعايُشِ لا تَزَال تَسْتحق أنْ تُحْمَى ، وَلَوْ بِبَيَانٍ أخلاقيٍّ .
الصَّمْتُ جُزْءٌ مِنْ
حِساباتِ السِّياسةِ ، والكَلِمَاتُ تُقَاسُ بِمِيزانٍ لا يَفْهَمُ حَرَارَةَ
الدَّمِ ، ولا رَجْفَةَ الخَوْفِ ، لكنَّ التاريخَ لا يَسْألُ عَن المُبَرِّرَاتِ
بِقَدْرِ مَا يَسْألُ : (( أيْنَ كانَ صَوْتُ العَدالةِ حِينَ تَكَسَّرَتْ حَياةُ
الأبرياءِ ؟، وأيْنَ كانتْ كَلِمَةُ الدَّعْمِ لأُولئكَ الذينَ حَاوَلُوا أنْ
يَبْنُوا دَوْلَةً تَتَّسِعُ لِوُجوهٍ مُختلفةٍ وقُلوبٍ مُتآلِفة ؟ )) .
إنَّ أكثرَ مَا يُؤْلِمُ في
صَمْتِ الكِبَارِ أنَّه يُشعِر الصِّغارَ بأنَّ آلامَهم لَيْسَتْ كافيةً لِتَحريكِ
العَالَمِ . وفِكْرَةُ العَيْشِ المُشْتَرَكِ حِينَ تُذبَح ، لَنْ تَجِدَ مَنْ
يَبْكِيها إلا الذينَ حَلُمُوا بِها مِنْ قَبْلَ أنْ تُولَدَ. وَسَيَظَلُّ
الوَجَعُ الرَّهِيبُ الذي تَرَكَه غِيابُ الصَّوْتِ في زَمَنٍ كانتْ فِيهِ
الكَلِمَةُ قادرةً ، وَلَوْ قَليلًا ، على أنْ تَكُونَ سَنَدًا ، أوْ عَزَاءً ،
أوْ شَاهِدًا لا يَخُون .
في زَوايا التاريخِ المُظْلِمِ
، هُناكَ أسماء لا تُنسَى ، لا لِتَضْحياتهم ، بَلْ لِدَهائهم في الإحباطِ ،
وَنَسْجِ خُيوطِ اليأس . الأمينُ العام للأُمَمِ المُتَّحِدَة بُطْرُس غالي هُوَ
رَأسُ الأفعى ، أحْبَطَ أيَّةَ مُسَاعَدَة عَسْكرية للبُوسنيين الذينَ يُقْتَلُونَ
بِدَمٍ باردٍ . بُطْرُس غالي يَقِفُ مِثْلَ ظِلٍّ ثقيلٍ على أحلامِ البُوسنيين،
يُراقِب أيَّ شُعاعِ أمَلٍ يَتسلَّل مِنَ الغَرْبِ ، أيَّ دَعْمٍ عَسْكريٍّ قَدْ
يَهْبِطُ عَلَيْهِم ، فَيَسْخَر مِنْهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ . كُلُّ وَعْدٍ
بالحِمايةِ ، وَكُلُّ قافلةِ أسلحةٍ ، يَتَحَوَّلان بَيْنَ يَدَيْهِ إلى رَماد .
أصبحَ تَقْصِيرُ بُطْرُس غالي
المُتَعَمَّدُ فَنًّا لا يُعلَّم ، وَقَسْوَةً مُنظَّمة تَلتهم الطُّمَأنينةَ
والرَّجاءَ ، تَزرع في القُلوبِ بُذورَ الخَوْفِ بَدَلَ الثِّقَة ، وتُعلِّم
الأجيالَ دَرْسًا مُرًّا ، أنَّ العَدُوَّ قَدْ لا يأتي مِنَ الجَبْهَةِ ، بَلْ
أحيانًا مِنَ العَقْلِ الذي يُبْدِعُ في حِصَارِكَ ، وَمَنْعِ وُصولِ القُوَّةِ
إلى يَدَيْكَ .
في صَمْتِ المُدُنِ
المُدَمَّرَةِ ، وَصَرَخَاتِ الأرضِ المُمَزَّقَةِ ، يَبْقَى الثعلبُ الصَّلَيبيُّ
بُطْرُس غالي المَارُّ بِسُخْريةٍ عَلى كُلِّ مُحَاوَلَةٍ ، يُجهِض أيَّ أملٍ .
قَلْبُهُ المُظْلِمُ يَمْنَعُ وُصولَ السِّلاحِ إلى الضَّحَايا العُزَّلِ للدِّفَاعِ
عَنْ وطنهم . هُناك ، في فَراغِ الضَّيَاعِ ، يُصْبحُ الإحباطُ آلَةَ حَرْبٍ أكثر
دَمَارًا مِنْ أيَّةِ بُنْدُقِيَّةٍ ، وأكثر قَسْوَةً مِنْ أيِّ حِصَارٍ . في
النِّهايةِ ، يَبْقَى الحُلْمُ المُؤلِمُ مُعَلَّقًا . كَيْفَ يَتَحَوَّلُ
العَقْلُ إلى سِجْنٍ للأمَلِ ؟ ، وكَيْفَ يُصْبحُ إحباطُ الآخَرِينَ أكثرَ فَتْكًا
مِنَ القنابلِ ؟ .
لَيْلُ البُوسنةِ صَمْتٌ
يُشْبِهُ الحُلْمَ الذي لا يَجِدُ أُفُقًا يُصْغي . المُدُنُ تَحترقُ بِبُطْء ،
كأنَّها تَخْتَبِر صَبْرَ الحَياةِ ، بَينما العَالَم الحُر، ذلك الذي يَتباهى
بأنَّه حارسُ العَدالةِ ، يُراقِب مِنْ مَقاعِد بعيدة ، مُتَّكِئًا على شِعاراتِه
اللامعة ، تاركًا الأرواحَ تَرتجف في وَحْشَةِ العَجْزِ .
كَمْ بَدَتْ أُوروبا مِثْلَ
قَارَّةٍ عَجُوز فَقَدَتْ بَصَرَهَا عَمْدًا ، تُغمِض عَيْنَيْهَا كَي لا تَرى
الدُّخَانَ يَتصاعد مِنَ البُيُوتِ الصغيرة ، ولا تُشاهِد دَمْعَةَ طِفْلٍ يَبْحَثُ
عَنْ أُمِّهِ تَحْتَ الأنقاض .
وكَمْ بَدا حِلْفُ الناتو ،
بِكُلِّ مَا يَحمِله مِنْ قُوَّةٍ وجُيوشٍ ، كَعِمْلاقٍ اختارَ أنْ يَقِفَ
مَكْتوفًا ، يُراقِب النَّزِيفَ وكأنَّه مَشْهَدٌ عابرٌ لا يَسْتحق سِوى بَيَانِ
قَلَقٍ باردٍ .
أمَّا المُؤسَّساتُ الأمريكيةُ
، تِلْكَ التي لَطَالَمَا ادَّعَتْ أنَّ نَبْضَ العَالَمِ يَهُمُّها ، فَقَدْ
بَدَتْ كَمَنْ يَسْمَعُ الاستغاثةَ ولا يَمُدُّ يَدَه ، تَتردَّد ، تَتأمَّل ،
تَحْسُب ، ثُمَّ تَتْرُك الزمنَ يَبتلع مَا تَبَقَّى مِنْ حَياةٍ بَيْنَ أصابعِ
المَوْتِ . يا لِمَرَارَةِ الشُّعوبِ حِينَ تَكتشِف أنَّ العَدالةَ التي نادتْ
بِها لَمْ تَكُنْ سِوى صُورةٍ عَلى جِدار ، وأنَّ القُوى الكُبْرى التي وَعَدَتْ
بالحِمايةِ لَمْ تَكُنْ سِوى ظِلالٍ تَتلاشى قَبْلَ أنْ تَصِلَ إلى الضَّحِيَّةِ.
يا لِوَجَعِ الأيَّامِ حِينَ يُدرِك الناسُ أنَّ العَالَمَ لا يَفْتَقِد القُدرةَ
، بَل الإرادةَ ، وأنَّ التَّقصيرَ حِينَ يَكُونُ مُتَعَمَّدًا ، يُصْبح أشدَّ
قَسْوَةً مِنَ الحَرْبِ نَفْسِها . ومعَ ذلك ، بَقِيَ هُناك في البُوسنةِ قَلْبٌ
يَنْبِضُ ، يَكْتُبُ على الجُدْرانِ المُحترقةِ : (( سَنَنْهَضُ رَغْمَ أنَّهُم
تَرَكُونا وَحْدَنَا )) . وكأنَّ الألَمَ حِينَ لا يَجِدُ نَصِيرًا ، يَتجذَّر
أكثرَ ، لِيَتَحَوَّلَ في صُدورِ الناجين إلى ذاكرةٍ لا تُمحَى ، وإيمانٍ بأنَّ
الضَّوْءَ الحقيقيَّ لا يأتي مِنْ جُيوشٍ بعيدة ، بَلْ مِنْ صُمودٍ صغيرٍ يَرفُضُ
أنْ يَنطفئ .
هَزيمةُ الحَقِّ أمامَ القُوَّةِ
لَيْسَتْ حَدَثًا عابرًا في تاريخِ البَشَرِ ، بَلْ نَدْبَة قَديمة تَتكرَّر في
صَفَحَاتِ الزَّمَنِ ، كأنَّها امتحانٌ لا يَنتهي . كَمْ مِنْ فِكْرَةٍ نبيلةٍ
سُحِقَتْ تَحْتَ أقدامِ الطُّغَاةِ ، وكَمْ مِنْ صَوْتٍ صادقٍ خُنِقَ قَبْلَ أنْ
يَكْتَمِلَ صَدَاه . الحَقُّ في جَوْهَرِهِ هادئٌ ، لا يَصْرُخ ، ولا يَبْطِش . يَمْشِي
واثقًا بِضَعْفِهِ القَوِيِّ ، بَيْنَما القُوَّةُ تَنْفُخُ صَدْرَها ، وَتَسْتعرض
صَلابةً زائفة ، وَتَثُور ، وَتُزَمْجِرُ كَيْ تُخْفي خَوْفَهَا مِنَ الحقيقة .
كُلُّ هَزيمةٍ للحَقِّ تَبْدُو
كأنَّها خَيْبَةٌ نِهائية ، لكنَّها في العُمْقِ بَذْرَةٌ . البُذورُ تُسحَق
أحيانًا ، نَعَم ، لكنَّ السَّحْقَ هُوَ مَا يُساعدها على الانشطارِ لِتَبْدأ
الحياة . قَدْ يَنكسِر الحَقُّ أمامَ جَبَرُوتٍ أعْمَى ، وَقَدْ تَنطفئ شُعْلَتُهُ
لَحْظَةً في عَتَمَةٍ خانقة ، لكنَّه لا يَمُوت . يَتَخَفَّى ، يَنتظر ، يُعيدُ
تَرتيبَ نَفْسَه حتى يَحِينَ الوَقْتُ الذي يُصْبحُ فيهِ الظُّلْمُ ثقيلًا عَلى
صُدورِ الناسِ أكثرَ مِمَّا يَحْتَمِلُون .
التاريخُ يُعلِّمنا أنَّ
القُوَّةَ تُتْقِنُ الفَوْزَ ، لكنَّها عاجزةٌ عَن الاحتفاظِ بِه . أمَّا الحَقُّ
، وإنْ خَسِرَ مَعركةً تِلْوَ أُخْرَى ، فَيَظَلُّ يَربَح الرُّوحَ والوفاءَ
والقلبَ الذي لا يُشترَى . وَحِينَ يَنْهَضُ الحَقُّ مِنْ تَحْتِ التُّرابِ ،
يَنْهَضُ كَرَبيعٍ مُفاجِئ ، كأنَّ جُروحَ الزَّمَنِ تَعِبَتْ مِنَ النَّزيفِ ،
وقَرَّرَتْ أنْ تَرُدَّ للحَقِّ اعتبارَه . فلا تَعْجَبْ إذا رَأيْتَ القُوَّةَ
تَنتصر اليَوْمَ ، فَرُبَّما كانَ هَذا انتصارَها الأخيرَ ، وَرُبَّما كانَ
الحَقُّ الذي يَبْدو مَهزومًا الآنَ هُوَ مَنْ سَيَكْتُبُ الصَّفْحَةَ التاليةَ
مِنَ التاريخ بِيَدٍ ناعمةٍ لكنْ لا تُقْهَر.
كُلَّمَا ظنَّت الذاكرةُ
أنَّها خَفَّتْ عادتْ ثقيلةً كَجِدارٍ رَطْبٍ في أُمْسِيَةٍ بِلا قَمَرٍ . مِئاتُ
الآلاف مِنَ المُسلِمين البوسنيين لَمْ يُغْتالوا في العَتَمَةِ ، بَلْ قُتِلُوا
عَلى مَرْأى مِنْ عُيونِ العَالَمِ . الكاميراتُ لَمْ تَكُنْ سِوى مَرايا باردةٍ
تَعكِس مَوْتَهم بِلا صَرْخَةٍ ولا ارتعاشةِ إنسان . قُتِلُوا والضَّوْءُ
مُسَلَّطٌ عَلَيْهِم ، لا لِيُنْقَذُوا ، بَلْ لِيُشَاهَدُوا وَهُمْ يُقْتَلَعُونَ
مِنْ رَحِمِ الحياة .
النَّزيفُ يَكْتُبُ أرقامَه
فَوْقَ الطريقِ . أكثرُ مِنْ مَلْيُونَيْن اقْتُلِعُوا مِنْ بُيوتِهم كما
تُقْتَلَعُ الصَّفَحَاتُ مِنْ كِتابٍ نادرٍ. حُمِلُوا إلى المَجهول، يَحمِل كُلٌّ
مِنهُم مِفْتاحَ بابٍ لَمْ يَعُدْ لَهُ وُجود ، وَصُورةَ جِدارٍ صارَ رُكَامًا ،
وَذِكْرى جِيران تَفَرَّقُوا كالحَصَى تَحْتَ سَيْفِ القَسْوَةِ التي لا تُشبِه
البَشَرَ .
أيُّ قانونٍ هذا الذي سَمَحَ
بأنْ تُدمَّر دَوْلة كاملة ، البُوسنة التي اعترفتْ بِها أُوروبا وأمريكا
والأُمَمُ المُتَّحِدَة ، ثُمَّ تُترَك وَحيدةً كَعُصْفُورةٍ انكسرَ جَناحُها في
عاصفةٍ حديدية ؟ . أيُّ عَدْلٍ ذاك الذي يَشْهَدُ الخَرَابَ ، يَرَاه ، يُوثِّقه ،
ثُمَّ يَكْتفي بالصَّمْتِ ؟. يا لِدَهْشَةِ هَذا القَلْبِ الذي لَمْ يَمُتْ .
البُوسنةُ لَمْ تُطْفِئْها النِّيرانُ ، بَلْ صارتْ جَمْرَةً تَخْتبئ تَحْتَ
رَمادِ الخِذْلان . ظَلَّتْ أُمًّا تَبْكي أبناءَها ، وَطِفْلَةً تَحْضُنُ كُتُبَها،
وَرَجُلًا يُرمِّم بِيَدَيْهِ مَا استطاعَ مِنْ جِدَارٍ نَجَا مِنَ السُّقُوطِ .
ظَلَّتْ وَطَنًا يُصِرُّ أنْ يَحْيا ، مَهْما طالَ الليلُ ، وَثَقُلَ الحُزْنُ ،
وَظَنَّ العَالَمُ أنَّه انتهى . لَيْسَتْ البُوسنةُ سَطْرًا في أرشيفٍ مَنْسِيٍّ
. إنَّها وَصِيَّةُ الذاكرةِ ، لا تُصدِّقوا صَمْتَ الكاميراتِ ، فالوَجَعُ الذي
صُوِّرَ يَوْمًا صارَ اليَوْمَ نُورًا لا يَنطفئ. والحَقُّ مَهْمَا تَأخَّرَ
يَعْرِفُ طَريقَه إلى أبوابِ الذينَ صَمَدُوا .
البُوسنةُ تَنْزِفُ ،
والعَالَمُ يَصْنَعُ ضَوْضَاء لِيُغَطِّيَ صَوْتَ الجُرْحِ . وفي زاويةٍ بعيدةٍ
مِنَ الخَرابِ ، وَقَفَت الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ كَظِلٍّ مُتَأرْجِحٍ بَيْنَ
الضَّوْءِ والعَجْزِ . صَنَعَت العارَ ، وَحَمَلَتْه ، وَسَمَحَتْ له أنْ يَتَدَلَّى
مِنْ رَاياتِها الزَّرقاءِ كَقَطْرَةٍ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ .
لَمْ تَكُنْ يَدُ الأُمَمِ
المُتَّحِدَةِ هِيَ التي أشعلت الحرائقَ ، لكنَّ صَمْتَها هُوَ الوَقُودُ الذي أبقى
النارَ يَقِظَةً . الوُجوهُ العابرةُ تَسْتغيث ، وَأرواحُ الضَّحَايا نَظَرَت إلى
الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ كما يَنظُر الغريقُ إلى مَركَبٍ لا يَقْتَرِب ، وكأنَّ
عَلى ظَهْرِه قانونًا يَمْنعه مِنْ مَدِّ يَدِ العَوْنِ .
نَفَّذَت الأُمَمُ
المُتَّحِدَةُ العارَ حِينَ اكْتَفَت بالشُّهُودِ، واختارتْ أنْ تُحْصي الضَّحَايا
بَدَلَ إنقاذِهم، وَحِينَ صارت القَراراتُ وَرَقًا أثقلَ مِنَ الجُثَثِ ،
والبَياناتُ أشدَّ بُرودةً مِنْ شِتاءِ سَراييفو .
والتاريخُ رَغْمَ قَسْوَتِه لا
يَنْسَى التفاصيلَ الصغيرة ، تِلْكَ النَّظَرَات التي انتظرتْ عَدْلًا فَلَمْ
يَأتِ ، وَتِلْكَ الأرواح التي آمنتْ بِعَالَمٍ أوْسَع مِنَ الحَرْبِ
فَخَذَلَتْهَا القوانين .
في قَلْبِ البَلْقَانِ ،
وُلِدَ دَرْسٌ لا يَنطفئ . العارُ لَيْسَ دائمًا مَنْ يَصْنَع الجريمةَ ، بَلْ
أحيانًا مَنْ يَقِفُ قريبًا بِما يَكْفي لِيَمْنَعَهَا ، ولا يَفْعَل . وهَكذا ،
بَقِيَت الذاكرةُ تَقُول : (( إنَّ الأُمَمَ قَدْ تُخطِئ ، وَقَدْ تَعْجِز ، لكنَّ
أقْسَى الأخطاءِ أنْ تُمَدِّدَ للعَتَمَةِ حَقَّ البَقَاءِ ، وأنْ تَتْرُكَ نُورَ
العَدالةِ وَحيدًا يَرتجفُ في الرِّيحِ )) .
في قَلْبِ أُوروبا ، حَيْثُ
يَلْتقي ضَبَابُ الغَسَقِ بالأنهارِ الصامتة ، عَانَى شَعْبُ البُوسنةِ مِنْ
صَمْتِ العَالَمِ أمامَ صَرَخَاتِه. انكسرت الأشجارُ تَحْتَ وَطأةِ الرَّصَاصِ ،
وَغَرِقَ الأطفالُ في عُيونِ الأُمَّهَاتِ المُتْعَبَةِ . وجاءَ قَرَارُ مَنْعِ
وُصولِ الإمداداتِ العَسْكريةِ لِشَعْبِ البُوسنةِ الأعزلِ الذي يُقْتَلُ،
لِيَكُونَ شَاهِدًا على ظُلْمٍ مَكتوبٍ في صَفَحَاتِ البَرْدِ القَاسِيَةِ .
مَنْعُ السِّلاحِ عَنْ مُسْلِمي البُوسنةِ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد قَرارٍ سِياسيٍّ ،
بَلْ كانَ سَيْفًا مُسَلَّطًا عَلى صُدورِ الأبرياء ، يَزْداد ثِقَلًا معَ كُلِّ
انفجارٍ يَقْتلعُ الأبنيةَ والأرواحَ . وُجُوهٌ شَاحِبَة ، وعُيونٌ تَتَرَقَّبُ
الغَدَ بِقَلَقٍ، وَيَدٌ تَرتجفُ وَهِيَ تُمْسِكُ بُنْدُقِيَّةً كانت الحُلْمَ
الأخيرَ للحَياة . في كُلِّ رَصاصةٍ مَحرومةٍ، كانَ هُناكَ حُلْمٌ قُتِلَ. وفي
كُلِّ جَريحٍ بِلا إسعافٍ، كانَ هُناكَ صَرْخَةٌ لَمْ يَسْمَعْها أحدٌ . حَظْرُ
السِّلاحِ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد سِياسة ، بَلْ كانَ جُرْحًا مُمْتَدًّا في جَسَدِ
الأُمَّةِ ، يُعلِّمها مَعْنى الصَّبْرِ ، ويَجْعَل مِنَ الألَمِ صَدى لا يُنْسَى
.
رَغْمَ الظُّلْمِ والظلامِ،
ظَلَّ القَلْبُ البُوسنيُّ يَنْبِضُ بالأمل ، كَمَا يَنْبِضُ النَّهْرُ العميقُ
رَغْمَ الصُّخورِ التي تُحاصِره. عَلَّمَتْهُم الحَياةَ أنَّ الحُرِّيةَ لا تُعطَى
، وأنَّ الشَّجَاعة تُولَد مِنْ رَحِمِ الألَمِ ، وأنَّ صَوْتَهم مَهْما حاولَ
العَالَمُ إسكاتَه، سَيَظَلُّ يَهْتِفُ في الذاكرة، في قُلوبِ مَنْ عاشوا ، وفي
دِمَاءِ مَنْ رَحَلُوا ، شاهدًا على أنَّ الإنسانية لَيْسَتْ مُجرَّد حُدودٍ أوْ
قَرارات،بَلْ هِيَ قَلْبٌ يَنْبِضُ بالحَقِّ رَغْمَ كُلِّ القُيودِ.
في زَوايا التاريخِ المُظْلِمِ
، حَيْثُ تَصْمُتُ الأبصارُ ، وتُغلَق القُلوب ، كانَ البُوسنِيُّون يَصْرُخُون
بِلا صَوْتٍ، يَختنقون بَيْنَ أنينِ الأرضِ وَدِمَاءِ الأُفُقِ . وَبَيْنَما
تَنهمِر رَصَاصَاتُ الطُّغْيانِ على أجسادِ الأبرياء ، كانت الأُمَمُ
المُتَّحِدَةُ والمُؤسَّساتُ التي تَرْفَعُ شِعاراتِ الحِمايةِ الإنسانية ،
كَتِمْثَالٍ باردٍ ، تُشاهِد بِلا مُبَالاة ، كأنَّ الألَم لَيْسَ ألَمَهَا ،
وكأنَّ الدِّمَاءَ لَيْسَتْ دِمَاءً تَسْتحق أنْ تُحْتَضَن .
لَمْ يَكُنْ هُناك سِوى صَدى
صَمْتِهم . صَمْتٌ قاتلٌ يُضخِّم وَحْشِيَّةَ القَتْلِ ، ويَغْرِسُ شُعورًا
بالقَهْرِ في كُلِّ قَلْبٍ تَوَّاقٍ للعَدالة . لَمْ تُحَرِّكْهُم دُمُوعُ
الأراملِ ، وَلَمْ تَهْتَز ضمائرُهم لِمَوْتِ الأطفالِ الذينَ لَمْ يَعرِفوا شيئًا
سِوى الرُّعْبِ . العَالَمُ يَمُرُّ بجانبهم ، يَتظاهر بالاهتمام ، بَيْنَما
الحقيقة الوحيدة هِيَ أنَّهُم كانوا شاهِدِين على المَجْزرة ، بِلا أيَّة
مُحَاوَلَة لِتَغْييرِ الواقعِ ، وبِلا أيِّ جُهْدٍ لإنقاذِ الأرواحِ . إنَّه
شُعورٌ مَرِير. العَدالةُ تَتَعَرَّضُ للاغتيال ، والإنسانيةُ تَتَخَلَّى عَنْ
نَفْسِها في لَحْظَةِ ضَعْفِها الأعظمِ . تَبْقَى الصَّرَخَاتُ في الهَواء ،
وَتَبْقَى الجِرَاحُ مَفتوحةً ، والذِّكْرَى مُرَّة ، لكنَّ القَلْبَ رَغْمَ كُلِّ
شَيْءٍ يَرْفُضُ أنْ يَنْسَى . ذُبِحَ التاريخُ في البُوسنةِ . كَمْ هُوَ مُؤلِمٌ
أنْ يَتحوَّل الصَّمْتُ الذي احتضنَ المُدُنَ والأنهارَ والجُسورَ إلى صُراخٍ
يَذُوبُ في رَمادِ الدَّمِ . الأزِقَّةُ القَديمةُ تَرْوي قِصَصَ الأجداد .
نُسِفَت الذِّكْرَيَاتُ ، وَتَبَدَّدَتْ ألوانُ الماضي بَيْنَ دُخَانِ القَنابلِ
وَدُموعِ الأطفال .
في قَلْبِ سَراييفو ، حَيْثُ
كانت المُوسيقى تَهْمِسُ بأملِ الحياة ، صارَ الهَواءُ يَحْمِلُ صَدى صُراخِ
الأبرياءِ بَدَلَ نَغَمَاتِ الكَمَانِ . وصارَ التاريخُ يَصْرُخُ مِنْ بَيْنِ
حِجارةِ المَدينةِ المُهَدَّمَةِ ، صارخًا : (( هَا أنا هُنا ، يَقْتلعونني مِنْ
جُذوري )) . كُلُّ حَجَرٍ ، كُلُّ نافذةٍ مُهَدَّمةٍ ، كُلُّ جِدارٍ مَحروقٍ ،
يَحْكي قِصَّةَ ذَبْحِ الثقافةِ والهُوِيَّةِ ، ذَبْحِ الإنسانيةِ أمامَ عُيونِ
العَالَمِ .
لكنَّ التاريخَ رَغْمَ كُلِّ
الجِرَاحِ لا يَمُوت . يَبْقَى في قُلوبِ الناجين ، وَأصواتِ الأطفالِ الذينَ
يَصْرُخُون وَيَضْحَكُون، والشَّجَرِ الذي يَنْبُتُ مِنْ تَحْتِ الرُّكامِ ،
والذاكرةِ التي تَحْفَظُ أسماءَ الضَّحَايا، لِتُصْبِحَ شَهَادَةً أبَدِيَّةً على
أنَّ الحَرْبَ لا تَسْتطيعُ أنْ تَمْحو الوُجودَ ، وأنَّ رَصَاصَ القَنَّاصَةِ لا
يَقْدِرُ عَلى إطفاءِ نُورِ الحقيقة . ذُبِحَ التاريخُ في البُوسنةِ ، لكنَّه لَمْ
يَمُتْ . صارَ صَرْخَةً ، صَرْخَةً ضِدَّ النِّسْيَانِ ، صَرْخَةً ضِدَّ الظلامِ ،
صَرْخَةً تَقُولُ إنَّ الإنسانية قَدْ تُجرَح ، لكنَّها لا تُهزَم .
الغَرْبُ يَقِفُ عَلى رَبْوَةٍ
عالية ، يُراقِب دُخَانَ البُوسنةِ وَهُوَ يَتعالى بِبُطْءٍ يُشْبِهُ أنينَ أُمٍّ
تُنادي أبناءَها مِنْ تَحْتَ الرُّكام . الخَرائطُ واضحة ، والأصواتُ واضحة ،
والجَرائمُ واضحة ، لكنَّ الإرادةَ غائبة ، كَشَمْعَةٍ قَرَّرَتْ أنْ تنطفئ في
أكثرِ ليالي التاريخِ حَاجَةً إلى النُّورِ .
لَمْ تَكُن البُوسنةُ
تُفَتِّشُ عَنْ مُعْجِزَةٍ . كانتْ تُريدُ يَدًا تَمْنَعُ الجُرْحَ مِنَ
الاتِّسَاعِ ، وكَلِمَةً صادقةً تُوقِفُ السَّكَاكين ، وَغَضْبَةً تُذكِّر
القَتَلَةَ بأنَّ العَالَمَ مَا زالَ حَيًّا . لكنَّ الغَرْبَ بِكُلِّ ثِقَلِهِ
وَضَجِيجِهِ وَحَضَارَتِهِ ، وَقَفَ مُتَرَدِّدًا ، يَزِنُ الدَّمَ بِمِيزانِ
السِّياسةِ ، وَيَقِيسُ الصَّرَخَاتِ بأشرطةِ المَصالحِ ، كأنَّ حَيَاةَ البَشَرِ
مَسألةُ حِساباتٍ لا ضَمَائر .
صارَ لَيْلُ سَراييفو أطْوَلَ، والثَّلْجُ
الذي لَطَالَمَا كانَ أبْيَضَ اكتسبَ لَوْنَ الدَّمِ ، وانتشرتْ أسماءُ الضَّحَايا
في جَسَدِ الأرضِ المُمَزَّقِ ، وتكاثرت الجُثَثُ التي كانَ يُمكِن أنْ تَظَلَّ
قُلوبًا نابضة ، لَوْ أنَّ الغَرْبَ حَرَّكَ إصْبَعًا واحدًا قَبْلَ أنْ
تَتَدَحْرَجَ المَأسَاةُ إلى قَاعِهَا .
مَا أقْسَى أنْ يَكُونَ
المَوْتُ قَابِلًا للتَّجَنُّبِ ، ثُمَّ يَجِيء بِكُلِّ هَذا الجُمُوحِ ، لأنَّ
العَالَمَ اختارَ أنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْه . ومَا أثقَلَ تِلْكَ الحقيقة على
القَلْبِ ، أنَّ بَعْضَ الحُروبِ لَمْ تُولَدْ مِنْ عَجْزِ البَشَرِ ، بَلْ مِنْ
صَمْتِهِم . والبُوسنةُ شَاهِدٌ باقٍ تَقُول للغَرْبِ الذي يُسَمِّي نَفْسَه
كَذِبًا وَزُورًا العَالَمَ الحُر ، بِصَوْتٍ لا يَزَالُ يَتردَّد: (( لَقَدْ كُنْتُم
قادرين عَلى وَقْفِ إبادةِ المُسْلِمِين ، ولكنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا، لأنَّكُم أرَدْتُم
أُوروبا حَديقةً للصَّليبيين خَالِيَةً مِنَ المُسْلِمِين )) .
الأزِقَّةُ التي حَمَلَتْ لِخَمْسَةِ قُرونٍ
أنفاسَ المَآذِنِ ورائحةَ الخُبْزِ الفَجْرِيِّ ، تَسْتيقظُ فَجْأةً على وَقْعٍ
خُطى غريبة ، خُطى لا تَحْمِلُ سَلامًا ، بَلْ تُبدِّد مَا تَبَقَّى مِنْ ذاكرةِ
المَكانِ .
في البُوسنةِ ، حَيْثُ
امْتَدَّ أثَرُ إسلامِ أُوروبا 500 عام ، كانت الحِجارةُ تَعْرِفُ أسماءَ أهْلِها
، والجُدْرانُ تَحْفَظُ الهَمَسَاتِ التي سافرتْ بَيْنَ الأجيالِ ، والمَآذِنُ
تُشْبِهُ أصابعَ تُشِيرُ نَحْوَ أُفُقٍ أوْسَع مِنْ حُدودِ الأرضِ .
ذَلِكَ الصَّباحُ كانَ
مُخْتَلِفًا، انفتحَ البابُ على الغُزاةِ الصِّرْبِ المُدَجَّجِين بالأسلحةِ ،
يَدْفَعُون الأهالي دَفْعًا إلى الخارج . البُيُوتُ التي شاختْ مَعَهُم صارتْ
فَجْأةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِم . رأى الناسُ أثاثَهم يَتناثر ، وصُوَرَهُم تُدَاس
، ونَوَافِذَهُم تُغلَق مِنَ الداخلِ بِخَتْمِ القُوَّةِ . وكأنَّ لَحْظَةً واحدةً
تَكْفي لاقتلاعِ جُذور خَمْسَة قُرون مِنْ ذَاكرةٍ صالحةٍ للعَيْشِ .
في الطُّرُقَاتِ ، امتزجَ الغُبارُ بِصَوْتٍ
كانَ أعْتَى مِنَ القَصْفِ ، صَوْتِ انكسارِ الرُّوحِ حِينَ يُنْتَزَعُ وَطَنُها .
كانت المَسَاجِدُ تُنسَف واحدًا تِلْوَ الآخَر ، وتَتطايرُ الحِجارةُ التي
حَمَلَتْ دَعَوَاتِ العابرين، وكأنَّها طُيورٌ مَذعورة . لَمْ تَكُن المَبَاني
تُدمَّر فَحَسْب ، بَلْ أيضًا كانَ يُمحَى تاريخٌ طويلٌ مِنَ الأذانِ الذي
تَعَلَّمَتْهُ الجِبالُ ، وَمِنَ الليالي التي أُضِيئَتْ بِقَناديلِ العُلَمَاءِ ،
وَمِنَ المَمَرَّاتِ التي مَشَى فِيها الحَرْفُ العَرَبيُّ حَامِلًا دِفْءَ
القُرونِ .
لَمْ يَكُن المَشْهَدُ مُجرَّد حَرْبٍ ، بَلْ
كانَ أيضًا مُحَاوَلَةً لاقتلاعِ ذاكرةٍ أُوروبية مُسْلِمَة عُمْرُها 500 عام .
الرَّمادُ يَتصاعدُ مِنْ بَقَايا المَسَاجِدِ القديمة ، فَيَصْعَد مَعَهُ كُلُّ
دَرْسٍ كُتِبَ بِخُطوطٍ عُثمانية ، وكُلُّ حِكَايَةٍ هَمَسَتْ بِها جَارَاتٌ
مُسِنَّات ، وكُلُّ هُوِيَّةٍ امْتَدَّتْ بثباتٍ عَبْرَ العُصور .
كانوا يُريدون أنْ يَجْعلوا
المُدُنَ كأنَّها لَمْ تَعْرِفْ هَذا الامتزاجَ الحَضَاريَّ يَوْمًا ، كأنَّ
خَمْسَة قُرون لَمْ تَمُر ، كأنَّ الدِّمَاءَ التي امتزجتْ في التاريخِ لَمْ
تَكُنْ سِوى وَهْمٍ يُمكِن تَبديدُه بالمُتفجِّرات .
في وَسَطِ الخَرابِ ، وَقَفَ
البعضُ يَنظُرون إلى أطلالِ المَسَاجِدِ ، لا بُكاءً ولا صُرَاخًا ، بَلْ بِصَمْتٍ
ثقيلٍ يُشْبِهُ احتضارَ الشَّجَرِ في فَصْلٍ لَمْ يُكْتَب لَهُ رَبيع. يُدرِكُون
أنَّ الحَجَرَ يُمكِن أنْ يُدمَّر، لكنَّ صَوْتَ الأذَانِ الذي تَرَّدَدَ 500 عام
لا يُمكِن أنْ يُطْفَأ بِمُجرَّد نَسْفٍ أوْ تَهْجيرٍ .
سَارَ المُهَجَّرُون في طوابير
طويلة تَحْمِلُ مَفاتيح بِلا أبوابٍ ، وذِكرياتٍ بِلا بُيُوتٍ ، وقُلوبًا مُثْقَلَةً
بأنينٍ لا يُقَال. يَمْضُونَ بعيدًا ، لكنَّ مَلامحَهم ظَلَّتْ مُعَلَّقَةً فَوْقَ
تِلْكَ المَآذِنِ المُهَدَّمَةِ ، كَوَشْمٍ يُقْلِتُ مِنْ قَبْضَةِ الجَرَّافَاتِ
.
خَمْسَةُ قُرون مِنْ حُضورِ
إسلامِ أُوروبا لَمْ تَكُنْ تاريخًا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا كانتْ حَياةً بكاملها
تُقْتَلَعُ مِنْ جُذورها . ومعَ ذلك ، وَسَط الرَّمَادِ ، بَقِيَ أثَرٌ خَفِيٌّ
يَرْفُضُ أنْ يَنْطفئ ، أثَرٌ يَقُولُ إنَّ الأشياءَ التي تُعَاشُ لِقُرُونٍ ، لا
يُمكِن إخمادُها في يَوْم .
كانت البُوسنةُ قَبْلَ
العاصفةِ تُشْبِهُ ضَوْءًا مُعَلَّقًا فَوْقَ نَهْرٍ هادئ ، مَدينةً تَتقاطعُ
فِيها اللُّغَاتُ كأنَّها خُيوطُ حَريرٍ مَنسوجة على نَفَسِ التاريخ . لكنَّ
الحَرْب جَاءتْ كَيَدٍ عَمْياء ، أمطرت الظِّلالَ فَوْقَ البُيُوتِ ، وابتلعت
الأسماءَ ، وحَوَّلَت الأراضي الخَضْرَاءَ إلى أرشيفٍ دَامٍ للغِيَاب .
هُناك ، حَيْثُ كانت القُرى
تَسْتَيْقِظُ عَلى رائحةِ الخُبْزِ ، صارَ الصَّمْتُ هُوَ اللغةَ الوحيدةَ
الباقية. صَمْتٌ ثقيلٌ كَجِدَارٍ يَخْتَزِنُ صَرَخَاتٍ لَمْ تَجِدْ طَريقَها إلى
الهواء . الأرضُ بَدَتْ خائفةً مِنْ خُطُواتِ الناجين . كُلُّ حَجَرٍ صَارَ
يُشْبِهُ شَاهِدًا عَلى حَياةٍ مَحذوفة ، وكُلُّ طَريقٍ يَمُرُّ بِمُحَاذَاةِ
مَقْبَرَةٍ جَديدةٍ يَعْرِفُ في دَاخِلِهِ أنَّه يَمْشِي فَوْقَ ذاكرةٍ مَكسورة .
صارت البُوسنةُ في تِلْكَ
السَّنَوَاتِ القاسيةِ مُتْحَفًا مَفتوحًا للتَّطْهيرِ العِرْقيِّ والإبادةِ
الجَمَاعِيَّةِ ، مُتْحَفًا بِلا جُدْران ، بِلا زُجَاجٍ ، بِلا أدراج
مُخْمَلِيَّة تَحْفَظُ القِطَعَ . المَعْرُوضَاتُ كانتْ أجسادًا لَمْ يُسْمَحْ
لَهَا أنْ تَهْرَمَ . طُفولةٌ مَبتورة . وُجُوهٌ نُسِيَتْ في العَتَمَةِ . رسائل
لَمْ تُرْسَلْ . مَنازل تَعْرِفُ أنَّها لَنْ يَطْرُقَ أبوابَها أحَدٌ بَعْدَ الآن
. كُلُّ شَيْءٍ هُنا يَتحدَّث بِصَوْتٍ واحدٍ : الوَجَع .
لَمْ يَنْجَح الخَرابُ في قَتْلِ الذاكرة . بَقِيَت
البُوسنةُ رَغْمَ الجِرَاحِ تُصِرُّ على أنْ تَرْوي قِصَّتَهَا ، كَيْفَ أصبحَ
النَّهْرُ شَاهِدًا لا يَشِيخُ ، وكَيْفَ ظَلَّت الأشجارُ واقفةً تَحْرُسُ مَنْ
رَحَلُوا ، وَكَيْفَ استطاعت الأرواحُ التي تَعَلَّقَتْ بِشُقُوقِ الجِبَالِ أنْ
تَمْنَحَ الحقيقةَ وَزْنًا لا يَنْهَار .
إنَّها لَيْسَتْ أرْضًا
عَبَرَتْهَا الحَرْبُ فَحَسْب ، إنَّها دَفْتَرٌ مَفتوح ، صَفَحَاتُهُ حُفِرَتْ
بالدَّمِ والحَنينِ، يَحْمِلُ في طَيَّاتِهِ وَصِيَّةً صامتة ، أنْ يُذكَرَ كُلُّ
الذينَ ذابوا في هَواءِ المَأسَاةِ ، وأنْ يُفْهَمَ كَيْفَ تَحَوَّلَت الجُغْرافيا
إلى شَهَادَةٍ ضِد النِّسْيَانِ .
البُوسنةُ تُشْبِهُ قَلْبًا واحدًا في لَيْلٍ
ثقيل ، يَلْمَعُ فِيهِ الخَوْفُ أكثرَ مِمَّا يَلْمَعُ الضَّوْءُ . والرِّياحُ
تَحْمِلُ نَبَأً واحدًا لا يَتغيَّر ، الصَّرْبُ وَوُكَلاؤُهُم على الضَّفَّةِ
الأُخْرَى لا يَنْقُصُهُم شَيْء مِنْ أدواتِ الحرب . وَرِثُوا مَخازن أسلحة كاملة
مِنَ الجَيْشِ اليُوغُسْلافيِّ الوطنيِّ ، مَخازن كانتْ تَمْشي إلَيْها الذاكرةُ ،
فَتَتَعَثَّر بِوَقْعِ خُطُواتٍ تُشْبِهُ زَحْفًا لا يُريدُ أنْ يَنتهي .
لَمْ تَكُن البَنادقُ وَحْدَها
هِيَ التي تتكاثرُ في أيدي الصِّرْبِ الوُحُوشِ . الدَّعْمُ يَأتيهم مِنْ بَعيدٍ ،
مِنْ طُرُقٍ لا تَصِلُها إلا رائحةُ البارودِ ، مِنْ رُوسيا التي أرسلتْ إلَيْهِم
مَا يُثْقِلُ الأُفُقَ مِنَ الأسلحةِ ، وَمِنَ اليُونانِ التي أضافتْ إلى جِراحِ الأرضِ
مِلْحًا حارقًا. وكُلُّهُم نَصَارى أُرثُوذُكْس ، وَجُزْءٌ مِنْ حَمْلَةٍ صَليبية
مَكشوفة . صَلِيبُهُم هُوَ رَصَاصُ القَنَّاصَةِ ، وإنجيلُهُم الأسْوَدُ هُوَ
دُسْتُورُ الإبادةِ الجَمَاعِيَّةِ .
في مُقَابِلِ هَذا الفَيْضِ ،
كانَ أهْلُ البُوسنةِ يَقِفُونَ بِصُدورٍ مَفْتوحة . الحَرْبُ امتحانٌ للرُّوحِ
قَبْلَ أنْ تَكُونَ امتحانًا للبارودِ . يُدرِكُون أنَّ التَّفَوُّقَ في العَدَدِ
لا يَعْني التَّفَوُّقَ في الحَقِّ ، وأنَّ الطُّغْيانَ المُسَلَّحَ مَهْما
اتَّسَعَتْ مَخازنُه يَبْقَى هَشًّا أمامَ وُجوهٍ تُصِرُّ على البَقَاءِ .
المَشْهَدُ مُعَلَّقٌ بَيْنَ
سَماءٍ تَتثاقلُ بِغُيومِ الحَديدِ ، وأرْضٍ تَبْحَثُ عَنْ شَقٍّ ضَيِّقٍ يَمُرُّ
مِنْهُ الأملُ . وَبَيْنَهُمَا بَقِيَت البُوسنةُ تُحاول أنْ تَتَنَفَّسَ،رَغْمَ
كُلِّ مَا حَوْلَها مِنْ جُدْران تُشيَّد بالسِّلاحِ لا بالحِكمة.
البُوسنةُ تُشْبِهُ صَدْرًا
مَفتوحًا عَلى العَالَمِ ، لا تُجِيدُ حِساباتِ السَّواترِ ، ولا تُتْقِنُ بِناءَ
الجُدْرانِ . لَمْ تُقِم البُوسنةُ يَوْمًا قُوَّةً حُدودية تُلوِّح بالسِّلاحِ
أوْ تُخِيف العابرين . اعتادتْ بِبَرَاءةِ الأوطانِ التي تُحِبُّ أكثرَ مِمَّا
تَحْذَرُ ، على أنَّ الجِيرةَ حِصْنٌ ، وأنَّ الوُدَّ يَكْفي لِمَنْعِ السُّقوطِ .
لكنْ حِينَ انْشَقَّ الصَّباحُ على صَوْتِ الحديدِ ، وَتَحَوَّلَت الخُطوطُ
الهادئةُ إلى نِيران ، اضْطُرَّتْ إلى بِناءِ دِفاعِها وَهِيَ تَنْزِفُ . صَنَعَت
بَنادقَها مِنَ ارتجافِها ، وَجَمَعَتْ رِجالَها مِنْ ظِلالِ البُيُوتِ
المُهَدَّمَةِ ، وَوَلَّدَتْ قُوَّتَها مِنْ بَيْنِ شُقوقِ الخَوْفِ . لَمْ
تُنْشَئْ تِلْكَ القُوَّة قَبْلَ القِتال ، بَلْ وُلِدَتْ تَحْتَه ، كأنَّها
طِفْلة دَفَعَتْهَا الفَوْضَى إلى النُّورِ قَبْلَ الأوَانِ .
رَغْمَ الألَمِ والعَرَاءِ
وَقَفَت البُوسنةُ . عَرَفَتْ أنَّ الدِّفاعَ لَيْسَ جِدَارًا مِنْ حِجارة ، بَلْ
هُوَ نَبْضٌ يَرْفُضُ أنْ يَذُوب . عَرَفَتْ أنَّ الوَطَنَ حِينَ يَصِيرَ كَبْشَ
فِدَاءٍ ، وَيُدفَع إلى حَافَةِ الهاوية ، يَسْتخرج مِنْ ضَعْفِهِ صَلابةً
تُدْهِشُ حَتَّى العَدُوَّ .
وهَكذا ظَلَّت البُوسنةُ
رَغْمَ الجِرَاحِ شَاهِدَةً عَلى أنَّ القُوَّةَ التي تُبْنَى تَحْتَ القَصْفِ لا
تُهزَم ، وأنَّ الشُّعوبَ التي تُجبَر على حِمايةِ حُدودِها فَجْأةً ، تُتْقِنُ
القِتالَ كَمَا لَوْ كانتْ تَحْفَظُهُ مُنْذُ الأزَلِ ، لا لأنَّ الحَرْبَ شَغَفُها،
بَلْ لأنَّ البَقَاءَ حَقٌّ لا يَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ .
كانت السَّمَاءُ فَوْقَ
سَراييفو مُنْخَفِضَةً ، كأنَّها تَقْتَرِبُ مِنْ وُجوهِ المُقَاتِلِين لِتَسْمَعَ
هَمَسَاتِ خَوْفِهِم . في الأزِقَّةِ الضَّيِّقةِ ، انكمشتْ قُوَّاتُ الحُكومةِ
البُوسنيَّةِ كأنَّ الأرضَ تَطْلُبُ مِنْهُم الاحتماءَ بِصَدْرِها الحَجَرِيِّ ،
بَيْنَما قَصْف الصِّرْبِ يَهُزُّ الجُدْرانَ ، وَيُبَعْثِرُ مَا تَبَقَّى مِنْ
يَقِينٍ .
كُلُّ حَجَرٍ يَرتجِف ، وكُلُّ
ظِلٍّ يَتَحَوَّلُ إلى إنذار . وحتى الهَوَاء صارَ خَفِيفًا ، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ
شَهِيقٍ وَرَصَاصَةٍ . لَمْ يَعُدْ أحدٌ يَجْرُؤ على رَفْعِ رَأسِه فَوْقَ خُطوطِ
المَتاريسِ ، فَهُناك، عَلى سُفوحِ الجِبَالِ والتِّلالِ السَّوْدَاءِ ، تَنتظرُ
عُيونُ القَنَّاصَةِ الصِّرْبِ أيَّةَ حَرَكَةٍ ، أيَّ ارتجافٍ لِحَاجِبٍ أوْ
وَهْجٍ لِعَدَسَةٍ ، لِيُوَسِّعُوا صَمْتَ الحَرْبِ بِطَلْقَةٍ أُخْرَى .
الجَبْهَةُ تَتَقَلَّصُ مِثْلَ
قَلْبٍ خائفٍ ، تَتراجعُ أمتارًا لِتَحْتَفِظَ بِمَا تَبَقَّى مِنْ نَبْضٍ . ومعَ
ذلك ، وَسَط الخَوْفِ المُكَدَّسِ ، كانَ هُناك صُمودٌ خافتٌ ، يُشْبِهُ جَمْرَةً
تَتَّقِدُ في صَقِيعِ الليلِ . جَمْرَةُ الرَّغْبَةِ في النَّجَاةِ والحِمَايَةِ
وَعَدَمِ تَحَوُّلِ المَدينةِ إلى فَريسةٍ كاملةٍ لِظِلالِ البَنَادِقِ البَعيدة .
المُقَاتِلُونَ يَتَحَسَّسُون
وُجُوهَهم بأطرافِ أصابع مُرتجِفة ، كأنَّهُم يَتأكَّدُون مِنْ أنَّهُم ما زالوا
هُنا ، بَيْنَ نَبْضِ الأرضِ وَصَدَى الجِبَالِ ، يَحْمِلُون هَشَاشَتَهُم مِثْلَ
دِرْعٍ خَفيفة ، وَيُوَاصِلُونَ النَّظَرَ إلى الأمامِ دُونَ أنْ يَرفعوا رُؤوسَهم
.
لَمْ يَكُن التَّطْهيرُ
العِرْقيُّ ضِدَّ مُسْلِمي البُوسنةِ مُجرَّد جَريمةِ حَرْبٍ تُسجَّل على الهامشِ
، بَلْ كانَ جُرْحًا مَفتوحًا في قَلْبِ الإنسانية ، وَصَرْخَةً مَكتومةً في
ذاكرةِ الأرضِ . كانَ أكثرَ مِنْ دَمٍ أُرِيقَ أوْ بُيُوتٍ هُدِّمَتْ . إنَّه
مُحَاوَلَةٌ لاقتلاعِ رُوحٍ مِنْ جُذورِها ، وَمَسْحِ حُضُورِ شَعْبٍ كاملٍ كَيْ
يَسْهُلَ عَلى الغُزاةِ الصِّرْبِ أنْ يَمُدُّوا ظِلالَهم فَوْقَ أرْضٍ أُفْرِغَتْ
مِنْ أصحابِها، أرْضٍ أرادوا لَهَا أنْ تَصْمُتَ كَيْ يَتَكَلَّمَ فِيها صَوْتٌ
واحدٌ لا يُنازعهم .
كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ القاسي
تَكْتيكًا مُتَعَمَّدًا لإعادةِ رَسْمِ خَرائطِ البُوسنةِ بِلا شُهودٍ ، ولا
وُجوهٍ تَعترِض ، ولا ذاكرةٍ تُعِيدُ التَّذكيرَ بأنَّ لهذهِ الأرضِ هُوِيَّةً
أُخْرَى ، ورائحةً أُخْرَى ، وتاريخًا لا يُمْكِنُ مَحْوُهُ مَهْما حاولت
القَسْوَةُ أنْ تَطْمِسَ مَلامِحَه .
يُدْرِكُ الصِّرْبُ الوُحُوشُ
أنَّ السَّيطرةَ على الأرضِ تَبْدأ بالسَّيطرةِ على مَنْ يَسْكُنُها ، فَحَوَّلُوا
حَياةَ الآمِنِين إلى صَدى مَفْقود ، وَتَرَكُوهُم يَتساقطون مِثْلَ أوراقِ
الخريفِ ، كَيْ لا يَبْقَى في الطريقِ أحَدٌ يُذكِّر بأنَّ الحَقَّ لَيْسَ مِلْكًا
للغالبين .
ظَلَّت الأرواحُ التي نَجَتْ
تَحْمِلُ الحقيقةَ بَيْنَ ضُلوعِها ، وَتَرْوي أنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ
حَرْبًا فَقَط ، بَل اختبارًا أخلاقيًّا للعَالَمِ كُلِّه . والتاريخُ مَهْمَا
بَدَا صامتًا ، لا يَنْسَى مَنْ حاولَ أنْ يَقْتُلَ شَعْبًا لِيَمْتَلِكَ أرضًا ،
ولا يَغْفِر لِمَنْ أرادَ أنْ يَسْتبدل خريطةَ البَشَرِ بِخَريطةِ الخَوْفِ .
جُنُودُ الحُكومةِ
البُوسنِيَّةِ ، أُولئكَ الذينَ لَمْ تُنْحَتْ أرواحُهم على هَيئةِ جُنودٍ ، بَلْ
عَلى هَيئةِ مَدَنِيِّين جُرِّدُوا مِنْ حياتهم السابقةِ عَلى عَجَلٍ ، ثُمَّ
دُفِعُوا نَحْوَ الجَبَهَاتِ كَمَنْ يُرْسِلُ قَلْبًا أعْزَلَ إلى عاصفةٍ بِلا
مَلامِح .
يَمْشُونَ بِخُطى غَيْرِ
عَسْكرية ، خُطُوات تُشْبِهُ خُطُواتِ رَجُلٍ خَرَجَ للتَّوِّ مِنْ مَخْبَزٍ ، أوْ
شابٍّ قَطَعَ الطريقَ إلى جامعته ، أوْ أبٍ يَبْحَثُ في جَيْبِهِ عَنْ صُوَرِ
أطفالِه . طَريقَتُهُم في المَشْيِ لا تَدُلُّ على صَلابةِ الجُنودِ ، ومَلامحُ
وُجُوهِهِم لا تَدُلُّ على قَسْوَةِ المُحارِبين ، كانوا أقربَ إلى مُواطنين
يَتدرَّبون فَقَط عَلى احتمالِ نِهايةِ اليَوْمِ .
في كُلِّ مَرَّةٍ يَرفَعون
بَنادقَهم ، كانَ الارتجافُ يَسْبِقُ الطَّلْقَةَ ، لأنَّ اليَدَ التي اعتادتْ
عَلى حَمْلِ كُتُبِ المَدرسةِ ، أوْ حَقائبِ العملِ ، لَمْ تُخْلَقْ لِحَمْلِ
السِّلاحِ . يَتعلَّمون القِتالَ كَما يَتعلَّم المَرْءُ لُغَةً جديدةً في سَاعةٍ
مُتَأخِّرَةٍ مِنَ العُمْرِ ، بِتَلَعْثُمٍ واضحٍ ، وبإصرارٍ مُوجِع ، وبإحساسٍ
داخليٍّ بأنَّهُم يَفْعَلُون شيئًا لا يُشْبِهُهُم .
في عُيونِهم بُطولةٌ مِنْ
نَوْعٍ آخَر ، بُطولة المَدَنيِّ الذي لَمْ يَخْتَر الحَرْبَ ، لكنَّه وَقَفَ
فِيها كَيْ لا يَسْقُطَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِه ، بُطولة الذينَ يَحمِلون
خَوْفَهم عَلَنًا ، وَيُواصِلُون رَغْمَ ذلك التَّقَدُّمَ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ
، كأنَّ الأمَلَ يَدْفَعُهُم مِنَ الخَلَفِ .
تِلْكَ هِيَ المُفَارَقَةُ
المُؤلِمَةُ في حَرْبِ البُوسنةِ ، جُنود بِلا هَيئةِ جُنودٍ ، وَمُقَاتِلُون
تَصْنَعُهُم الضَّرُورةُ لا السِّلاحُ ، وأرواحٌ تَمْشِي بَيْنَ خُطُوطِ النارِ
بِمِشْيَةِ مَنْ لَمْ يُتْقِن الحَرْبَ ، لكنَّه أتقنَ الدِّفاعَ عَنْ حَقِّهِ في
أنْ يَبْقَى حَيًّا .
في قَلْبِ أُوروبا، بَيْنَ
شوارع نَظيفةٍ وَوَاجِهَاتٍ بَرَّاقَة ، عاشَ البُوسنِيُّون حُلْمًا هَشًّا .
حُلْمٌ بأنَّ مُجرَّد حَمْلِهِم لَقَب" أُوروبيين " سَيَصْنَعُ لَهُمْ
دِرْعًا مَنِيعة ضِد أهوالِ الحَرْبِ. يَمْشُونَ في أسواقِهم ، ويَبْتسمون ،
ويَتحدَّثون لُغَةَ المُدُنِ الكُبْرَى ، وكأنَّهُم يَظُنون أنَّ الانتماءَ إلى
صُورةٍ مِثاليةٍ للعَالَمِ كَفِيلٌ بأنْ يَحْمِيَهُم مِنْ نارِ الفَتْكِ الذي
يَقْتَرِبُ مِنْ أبوابِهم .
لكنَّ الحُروبَ لا تَلتفت إلى
الشِّعاراتِ ، ولا تَعْبَأ بالأوراقِ الرَّسمية . الحُرُوبُ لا تَهُمُّها
الانتماءاتُ ولا التَّحالفات، بَلْ تأتي على كُلِّ شَيْءٍ ، كالرِّيحِ التي
تَقْتَلِعُ الأشجارَ في مُنْتَصَفِ الليلِ.
اكتشفَ البُوسنِيُّون أنَّ
أُوروبا لَمْ تَكُنْ جِدارًا حقيقيًّا ، وأنَّ مُجرَّد التَّشَبُّث بِهُوِيَّةٍ
أُوروبية لَمْ يَكُنْ سِوى وَهْمٍ دافئ في لَيْلٍ باردٍ ، وأنَّ الأرضَ التي
أحَبُّوها ، واعْتَقَدُوا أنَّها سَتُبْقِيهِم في أمان ، صارتْ مَسْرَحًا
للصُّرَاخِ والخَرَابِ . الألَمُ يَكْبَرُ في عُيونِهم ، كَيْ يَستمروا بالبَحْثِ
عَنْ مَلْجَأ في قُلوبِ بَعْضِهِم البَعْض ، في ذِكرياتِ الأهل ، في بَقَايا
المَنازلِ التي دُمِّرَتْ ، مُحاوِلين أنْ يَجِدُوا مَعْنى لِمَا فَقَدُوه . كانتْ
لَحْظَةُ إدراكِهم المُوجِعَةُ أنَّ الحُلْمَ الأُوروبيَّ لَمْ يَحْمِهِم لَحْظَةً
مُؤلِمةً تَكَادُ تَكْسِرُ الرُّوحَ ، لكنَّها كانتْ أيضًا درسًا قاسيًا عَنْ
هَشَاشَةِ الأمانِ الزائفِ، وعَبثيةِ الأوهامِ حِينَ يَصطدم الواقعُ بِقَسْوَةِ
التاريخِ. ولا شَكَّ أنَّ الحَرْبَ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّمَالِ المُتَحَضِّرِ
والجَنُوبِ المُتَخَلِّفِ، لأنَّ القَتْلَ يُوحِّد جَميعَ الجِهَات. كَمْ هُوَ
غريبٌ ذلك التَّصَوُّر الراسخ في أذهاننا، أنَّ الحَرْبَ تَندلعُ دائمًا في دُوَلِ
الفَقْرِ والجُوعِ، في بُيُوتٍ تَتهالك مِنَ البُؤْسِ ، بَيْنَ شوارع يَفتقِر صَدى
أقدامِ أطفالِها إلى أمَانِ الطُّفُولةِ . بَيْنَمَا يُفْتَرَضُ أنْ يَسُودَ
السَّلامُ في تِلْكَ الأرْضِ الغَنِيَّةِ ، حَيْثُ الشوارع مَرصوفة بالرُّخَامِ،
والمُدُن تَتَلألأ بالحَضارةِ والتَّقَدُّمِ، وَحَيْثُ يَعيشُ الرَّجُلُ الأبيضُ
في عَوالِمه المُتَقَدِّمَةِ ، في أُوروبا التي كَتَبَ التاريخُ عَنْ فُتوحاتِها
وَغَزَوَاتِها وَدَمِها المَسفوحِ . كَمْ هُوَ مُوجِعٌ أنْ نُفَكِّرَ في أنَّ
الدَّمَ لَمْ يَعُدْ حِكْرًا على الفُقَراءِ فَقَط، وأنَّ التاريخَ العَنيفَ الذي
حاولَ الغَرْبِيُّون نِسيانَه يُطاردهم في كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أركانِ مُدُنِهِم
المُزَخْرَفَةِ . المَفْرُوضُ أنَّ الحَضارةَ تُولَد مِنْ رَحمةِ الأثرياءِ ، أنْ
يَزرعوا سَلامًا لا سَيْفًا ، أنْ يَكُونَ العَالَمُ الحُرُّ الحقيقيُّ حاملًا
لِمَشْعَلِ الإنسانيةِ قَبْلَ المَصالحِ والمَنافعِ والغنائمِ . لكنَّ الغَرابة في
أنَّ الحُروبَ قَدْ تَتسلَّل أحيانًا إلى قَلْبِ البَذَخِ ، لِتُذكِّرَنا بأنَّ
الجُغْرافيا وَحْدَها لا تَصْنَعُ العَدالةَ، وأنَّ الثَّرْوَةَ لا تَضْمَنُ أنْ
تَظَلَّ القُلوبُ بعيدةً عَن القَسْوَةِ والدِّماءِ . ولذلكَ، كُلَّمَا عاشَ
الناسُ هُدوءَ أُوروبا شَعَرُوا بالخَطَرِ المُسْتَتِرِ في كُلِّ زاويةٍ ، وأنَّ
التاريخَ الدَّمَوِيَّ مَا زالَ هُناك ، يُراقِب صَمْتَ المُدُنِ الهادئةِ،
لِيَهْمِسَ بأنَّ السَّلامَ مَهْما ارتدى ثَوْبَ الحَضارةِ يَبْقَى هَشًّا ، وأنَّ
العَالَمَ الغَنِيَّ لَيْسَ مُحَصَّنًا ضِدَّ الحُروبِ ، وأنَّ الرَّجُلَ
الأبْيَضَ ذَاهِبٌ إلى سُوقِ القَتْلِ السَّوْدَاءِ .
ظَنَّ البُوسنِيُّون في
قُلوبِهم المَمْلوءةِ بالأملِ والحَنينِ أنَّ ضِفَافَ أُوروبا سَتَمْنحهم حَياةً
مَاديَّةً خَالِيَةً مِنَ الألَمِ ، وأنَّ شوارعَها الواسعةَ وأضواءَها
البَرَّاقَةَ سَتُطْفِئ عِبْءَ الماضي الذي حَمَلُوه مَعَهُم في أمتعتهم
المُمَزَّقَةِ . جاؤوا بأحلامٍ صغيرة ، وبابتساماتٍ مُتَوَتِّرَة ، ظَنُّوا أنَّ
المالَ سَيَشْتري لَهُمُ الأمانَ ، وأنَّ الوظائفَ والرواتبَ سَتُغْني عَنْ دِفْءِ
الوَطَنِ ، وَصَوْتِ الأُمِّ ، وَدِفْءِ الحَنينِ الذي لا يَتركهم وَحْدَهُم .
لكنَّهم اكْتَشَفُوا سَريعًا أنَّ السَّعادةَ لا تُوزَنُ بالعُمْلاتِ، ولا تُقَاسُ
بالرَّصيدِ البَنْكِيِّ، وأنَّ العُزْلةَ في الغُرْبةِ قَدْ تَكُون أثقلَ مِنْ أيِّ شَقاءٍ ماديٍّ عاشوه في بُيُوتِهم
القَديمةِ . اكْتَشَفُوا أنَّ قَلْبَ الإنسانِ لا يَهْدَأ إلا حَيْثُ يَزدهِر
بالذِّكْرياتِ ، وأنَّ الثَّمَنَ الماديَّ مَهْما ارتفعَ ، لا يَمْلأ الفَرَاغَ
الذي تَرَكَه الوَطَنُ في أعماقِهم .
ظَلُّوا يَتساءلون ، في صَمْتِ
غُرَفِهِم الباردةِ ، هَلْ كانتْ سَعادتُنا في أُوروبا حَقيقةً أَمْ مُجرَّد
وَهْمٍ جَمِيلٍ صَنَعْناه لِنِسْيَانِ الألَمِ ؟ . هَا هُمْ ، رَغْمَ الأموالِ
والفُرَصِ ، يَحْمِلُون الحَنينَ كَجَنَاحٍ لا يُرى ، ولا يَسْتطيع أيُّ قَصْرٍ
أوْ رَاتبٍ أنْ يُمَزِّقَه .
كانَ هُناكَ ظَنٌّ سائدٌ ،
هَشٌّ كَزُجَاجِ الشَّمْسِ في صَباحٍ شِتائيٍّ ، أنَّ الحَرْبَ الدَّمَوِيَّة لَمْ
تَعُدْ تُرهِق حَياةَ الأُوروبيين البِيضِ الأغنياءِ ، وأنَّ العَالَمَ قَدْ
دَخَلَ مَرحلةَ الحَضارةِ ، وأنَّ التاريخَ قَدْ وَصَلَ إلى نِهايته ، حَيْثُ
الصِّرَاعات الكُبْرى صارتْ مُجرَّد صَفَحَاتٍ صَفْراء في كُتُبِ الغُرَفِ
المُضَاءَةِ بألوانِ الأثاثِ الفاخرِ . يَظُنُّون أنَّ الدَّمَ الذي سالَ على
طُرُقاتِ القُرى والمَزارعِ البعيدةِ باتَ شيئًا مِنَ الماضي ، وأنَّهُم بأيديهم
قَدْ أمْسَكُوا بِعَصَا التَّقَدُّمِ والطُّمَأنينةِ .
لكنَّ التاريخَ دائمًا يَخْتبئ
خَلْفَ ابتساماتِهم البَيْضَاءِ ، خَلْفَ طاولاتِ العَشَاءِ المُزْدَانَةِ
بالفِضَّةِ والكريستالِ . العَالَمُ لا يَزَالُ يَئِنُّ ، لا يَزَالُ يَنْزِفُ في
أماكن لَمْ يَجْرُؤْ أحدٌ على النظرِ إلَيْهَا ، حَيْثُ لا يَصِلُ صَوْتُ
الأُوركسترا ، ولا يَتساقطُ ثَلْجُ الشوارعِ المُهَذَّبَةِ ، حَيْثُ تَصْرُخُ
الأرضُ بِوَجَعٍ لَمْ يَفْهَمْهُ الغَنِيُّ مِنْ وَراءِ نافذةٍ مَصْقُولةٍ .
كانَ الظَّنُّ بأنَّ الحَرْبَ
قَدْ وَلَّتْ مُجرَّد حُلْمٍ دافئ في لياليهم الهادئة . لا يُدرِكُون أنَّ
الحَرْبَ لا تَمُوت،بَلْ تَنتظر، تَخْتبئ، تَعُود لِتُذكِّرهم بأنَّ الحَضارةَ
لَيْسَتْ سِوى طَبَقَةٍ رقيقةٍ تُغطِّي فَوْضى عارمة.
في كُلِّ صَرْخَةٍ مَكتومةٍ ،
في كُلِّ عَيْنٍ فارغةٍ مِنَ الأملِ ، كانَ التاريخُ الحَقيقيُّ يَهْمِسُ ، لا
نِهاية للتاريخ ، ولا يُوجَدُ سَلامٌ نِهائيٌّ . يُوجَدُ وَهْمٌ أنيقٌ يَرتدي
ثَوْبَ الهاويةِ ، وإنجيلُ الحَضارةِ سَيْفٌ .
أُوروبا تِلْكَ القَارَّة التي
امْتَدَّتْ على صَفَحَاتِ التاريخِ كأرضِ الحَضارةِ والفُنُونِ والعُلومِ،لكنَّها
في عُمْقِها حَمَلَتْ وَجْهًا آخَر،وَجْهًا وَحْشِيًّا دَمَوِيًّا لا يَعْرِفُ
الرَّحْمَةَ يُطِلُّ مِنْ وَراءِ عَباءةِ الثقافةِ والنَّهضةِ.
في كُلِّ مَرَّةٍ يَرْفَعُ
الإنسانُ الأُوروبيُّ رَايَتَه ، تَخْتبئ خَلْفَها خُيولُ الحَرْبِ ، وَتَصْرُخُ
الأرضُ تَحْتَ أقدامِ الجُنودِ والآلِيَّاتِ ، فَيَتَبَدَّد ضَوْءُ التَّقَدُّمِ
أمامَ صَخَبِ المَدافِعِ وَصَلِيلِ السُّيُوفِ .
وَحْشِيَّةُ أُوروبا لَيْسَتْ
مُجرَّد أحداثٍ عابرة ، بَلْ هِيَ نَبْضٌ في تاريخها الدَّمَوِيِّ . يَسْرِي
التَّوَحُّشُ والوَحْشِيَّةُ في شَرايينِ أُوروبا معَ كُلِّ نِزاعٍ ، ومعَ كُلِّ
صِرَاعٍ على السُّلْطةِ أو الدِّينِ أو العِرْقِ . لا يَتجلَّى هَذا الوَجْهُ إلا
حِينَ تَتلاشى القِيَمُ ، وتَتحوَّل المُدُنُ إلى رُكَامٍ ، وَتَصِير الأنْفُسُ
أرقامًا في إحصاءات لا تَعْكِسُ الألَمَ ، بَلْ مُجرَّد سَرْدٍ باردٍ للفظائعِ
والجَرائمِ .
في حَرْبِ البُوسنةِ ، ارتَدَت
أُوروبا أقنعتها القديمة ، وظهرتْ على حقيقتها . سقطت الجُسورُ ، وَتَدَفَّقَت
الأنهارُ بالدِّماءِ ، واختلطَ الصُّراخُ بالغُبارِ والرَّمادِ ، وَبَرَزَت
الهَمَجِيَّةُ التي ظَنَّ الناسُ أنَّها مَنْسِيَّة في دَفاترِ التاريخِ . لَمْ
تَكُن الحَرْبُ مُجرَّد صِراعٍ ، بَلْ كانتْ إعلانًا صامتًا عَنْ وَجْهِ أُوروبا
الحقيقيِّ ، قَسْوَة مُدَجَّجَة بالقانونِ والمَراسمِ ، وَوَحْشِيَّة مُخَبَّأة
وَراء طُقوسِ الدُّبْلُومَاسِيَّةِ والبَلاغةِ . تَعَلَّمَ العَالَمُ أنَّ
الوَحْشِيَّة يُمكِن أنْ تَرتدي عَباءةَ الحَضارةِ ، وأنَّ أُوروبا رَغْمَ
أبراجِها العاليةِ ومَتاحفِها الأنيقةِ ، لَمْ تَتَخَلَّ عَنْ شَهْوَةِ القُوَّةِ
والدَّمِ . لَكِنْ مِنْ رَحِمِ هَذه الوَحْشِيَّةِ يُولَدُ الوَعْيُ ، وَمِنْ
رَمادِها يَنُبُتُ سُؤالٌ صادمٌ لا يُمكِن تَجاهلُه ، هَلْ أُوروبا التي يُحِبُّها
الكثيرون ويَسْتلهمون مِنها الجَمَالَ والفِكْرَ قادرة على مُصَارَحَةِ نَفْسِها
بِوَحْشيتها أَمْ سَتَظَلُّ تَدْفِنُ أفْظَعَ لَحَظَاتِها تَحْتَ سِتَارٍ مِنَ
الإنجازاتِ والمُوسيقى والفَلْسَفَةِ ؟ . أُوروبا تِلْكَ الأرض التي تَحمِل بَيْنَ
ضُلوعِها عَبَقَ التاريخِ وأحلامَ البَشَرِ، تَبْدو مِثْلَ أثينا القديمة، مَدينة
الحِكْمَةِ والفَلسفةِ ، لكنَّها في الواقعِ جامعةُ العَبيدِ . هُنا تَتجلَّى
المُفَارَقَةُ بَيْنَ القِيَمِ التي تَرْفعها الشِّعاراتُ، وَبَيْنَ الحَقيقةِ
التي تَكشِفها العُيونُ المَقهورة . وهُنا يَتَّضِحُ التناقضُ بَيْنَ أعمدةِ
المَعَابِدِ التي تَشْهَدُ عَلى عَبْقَرِيَّةِ الإنسانِ، وَبَيْنَ أرصفةِ المُدُنِ
التي تَحتضِن الأرواحَ المَنْسِيَّةَ. أُوروبا أرْضٌ تُزيِّن نَفْسَها بالألقابِ
العظيمةِ: الحُرِّية،الدِّيمُقْراطية ، الثقافة، الحضارة ، المَدنية. لكنَّها في
صَمْتِها المَريرِ تَبتلعُ أحلامَ الذينَ لَمْ يُولَدوا فِيها،وتَزرع القُيودَ في
نُفُوسِهم تَحْتَ مُسَمَّى الانضباطِ والنِّظَامِ. أُوروبا مَلِكَةٌ جميلة
وجَامعةٌ عظيمة، ولكنَّ قَلْبَها مُعْتِمٌ ، ومَلِيءٌ بالوَحْدَةِ والظُّلْمِ،
تَتَغَنَّى بالحُرِّيةِ، لكنَّها تَجْمَعُ العَبيدَ في صَمْتٍ، عَبِيد اليَوْمِ، وعَبِيد
الأمْسِ، وَعَبِيد المُسْتَقْبَلِ الذي لَمْ يُولَدْ بَعْد . ماذا يَسْتفيدُ
العبيدُ مِنْ تاريخِ الوَحْشِيَّةِ وَحَضَارَةِ الدَّمِ ؟. أُوروبا بأضوائها
الباهرةِ ، هِيَ أثينا التي تَتَلَوَّى بَيْنَ مَجْدِها ومَأساتِها، بَيْنَ
فَلسفةِ الحُرِّيةِ وسَلاسلِ العَبِيدِ.
في صَمْتِ الليلِ، إذا مَرَّت
الرِّياحُ بَيْنَ الشوارعِ الحَجَرِيَّةِ ، يُمكِن أنْ تَسْمَعَ صَدى خُطُواتِهِم
، خُطُوات أشباحٍ سُحِقَتْ أحلامُهم ، خُطُوات تَحْكي عَنْ حُرِّيةٍ لَمْ
يَعرِفوها إلا على الوَرَقِ .
في قَلْبِ البُوسنةِ ،
تَتشابكُ الشوارعُ الضَّيِّقةُ معَ المَيادينِ الواسعةِ ، وَأزِيزُ الرَّصَاصِ
يُعْلِنُ عَنْ حُضورِه بِلا اسْتِئْذان ، والأماكنُ تَتَنَفَّسُ خَوْفًا ،
وَقَذائفُ الدَّبَّابَاتِ تَخترِق الصَّمْتَ المُتَوَتِّرَ ، وَتُفَتِّتُ جُدْرانَ
المَباني العالية ، وكأنَّها أوراق خَريفٍ هَشَّة ، وَيَلْتَفُّ صَوْتُها
الرَّهيبُ حَوْلَ النوافذِ المَكسورةِ ، وَيَرِنُّ في أرْوِقَةِ المَكاتبِ
والشُّقَقِ ، وَيَقْتَحِم حَدائقَ المَدينةِ الأنيقةَ التي كانتْ بالأمْسِ تَزْهُو
بالوُرودِ والخُضْرَةِ ، والآنَ تَصْرُخُ تَحْتَ وَقْعِ الرَّصَاصِ . صَارت
الحَدائقُ مَقابر بِلا شواهد .
صَفِيرُ طَلَقَاتِ
القَنَّاصَةِ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد صَوْتٍ ، كانَ رَسائلَ المَوْتِ المُعلَّقةَ في
الهَواءِ ، يُسَافِرُ عَبْرَ الزَّوايا والأركانِ ، وَيَلْتَفُّ بَيْنَ الطاولاتِ
المُتَلألئةِ في المَقَاهي ، وَبَيْنَ رُفُوفِ المَعَارِضِ الفَنِّيةِ ، حَيْثُ لَوْحات
الألوانِ الحَيَّةِ شَاهِدَة على حَضارةٍ تَهْتَزُّ . حتى في المَتاحفِ ، حَيْثُ
الزَّمَن يَبْدُو مَحْفُوظًا بَيْنَ الجُدْرانِ ، صارَ الرَّصَاصُ يُدَوِّي كُلَّ
لَحْظَةٍ ، يَنْسِفُ هُدوءَ العُصورِ الماضيةِ ، وكأنَّ التاريخَ نَفْسَه يَصِيحُ
مُسْتَنْجِدًا .
المَتاجرُ التي كانتْ تَفُوحُ
مِنها رائحةُ القَهْوَةِ الطازَجَةِ والمَخْبُوزاتِ ، ومَعارضُ السَّيَّاراتِ التي
كانتْ تَستعرضُ بَرِيقَ المَعْدِنِ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ ، لَمْ تَعُدْ سِوى
أطلالٍ صامتة ، يُغَطِّيها الغُبارُ والدُّخَانُ. حتى الشوارع التي كانتْ
تَسْتضيفُ ضَحِكَاتِ الأطفالِ ، صارتْ مَسْرَحًا لِخَوْفٍ مُتواصِل. كُلُّ نافذةٍ
، وكُلُّ حَديقةٍ ، وكُلُّ رُكْنٍ مِنَ المَدينةِ ، أصبحَ هَدَفًا مُحْتَمَلًا .
الأماكنُ مَجروحةٌ
ومُتَمَسِّكَةٌ بالحَياةِ في الوَقْتِ ذَاتِه . بَيْنَ رُكَامِ المَتاجرِ ومَقاعدِ
المَقاهي المَقلوبةِ ، وَبَيْنَ اللَّوْحَاتِ المُمَزَّقَةِ والنوافذِ
المُحَطَّمَةِ ، هُناكَ نَبْضٌ خَفِيٌّ ، حَياة صغيرة تَتَشَبَّثُ بالبَقَاءِ ،
طِفْلة تَلْعَبُ خَلْفَ بابٍ نِصْفُه مَكسور ، رَجُل يَضَعُ وَرْدَةً على نافذةِ
مَنْزِلِهِ المُهَدَّمِ ، أُمٌّ تَحْمِلُ طِفْلَها بَيْنَ أطلالِ المَعْرَضِ
الفَنِّي، كأنَّهُم يَقُولون للحَرْبِ : (( لَنْ تُمْحَى الذاكرةُ الجميلة )).
سَراييفو ، التي كانتْ
تَتَنَفَّسُ الفَنَّ والتاريخَ والجَمَالَ ، صارت الآنَ مَدينةً مِنْ أصواتِ
الحَرْبِ، وَصَرِيرِ الدَّبَّابَاتِ ، وَصَفِيرِ الرَّصَاصِ ، وَتَفَتُّتِ
الحَجَرِ والحَنينِ معًا . لكنَّها رَغْمَ الدَّمَارِ مَا زالتْ تَحْفَظُ بَيْنَ
أنقاضِها قِصَصَ الحُبِّ والصُّمُودِ ، تَرْويها أزِقَّتُهَا المُغْبَرَّةُ
لِكُلِّ مَنْ يَجْرُؤ على الاستماعِ. وحتى تَحْت قَسَوْةِ الرَّصَاصِ ، يُمكِن أنْ
يُزْهِرَ الإنسانُ بِصَمْتٍ ، كَزَهْرَةٍ وَحيدةٍ عَلى حَافَةِ نافذةٍ مَشروخة
تَنتظرُ عَوْدَةَ الفَجْرِ .
106
أهْلًا بِكُمْ في الجَحِيمِ . كانَ
صَيْفُ 1992 في البُوسنةِ صَيْفًا بِلا ظِلٍّ ، صَيْفًا أُطْفِئَتْ فيهِ
الطُّمَأنينة كَما تُطْفَأ شَمْعَةٌ في مَمَرٍّ يَزْدَحِمُ بالخَوْفِ . في ذلك
الصَّيْفِ ، لَمْ تَكُن الشَّمْسُ تُشْرِقُ عَلى البُيُوتِ ، بَلْ عَلى القُلوبِ
المَفتوحةِ كَجُرْحٍ لا يُريدُ أنْ يَلتئم . الهَواءُ يَحْمِلُ ارتجافةَ مَنْ
سَمِعُوا دَوِيَّ الساعاتِ قَبْلَ أنْ تُسْمَعَ أصواتُهم . والأطفالُ يَنامون على
وسائد مِنَ التَّرَقُّبِ لا مِنَ الراحة . كأنَّ الأحلامَ كُلَّها تآمَرَتْ
لِتُصْبحَ نارًا واحدة ، تُذيبُ مَا تَبَقَّى مِنْ طُمَأنينةٍ في الأزِقَّةِ
والبُيُوتِ .
أتذكَّرُ امرأةً تَقِفُ عِند
نافذةٍ نِصْفِ مُهَدَّمَةٍ، تُمسِك بِقِطْعةِ قُماشٍ كأنَّها آخِرُ مَا تَبَقَّى
مِنَ الوَطَن. عَيْناها كَانَتَا بَلَدًا آخَر ، بَلَدًا لَمْ يَغْتَصِبْهُ
الخَرابُ ، لكنَّ الدَّمْعَ الذي انحدرَ مِنهما يَعْرِفُ الطريقَ جَيِّدًا إلى
التُّرَابِ . وكانَ رَجُلٌ عَجُوز يَجْلِسُ قُرْبَ بَوَّابةٍ مَهجورةٍ يُكلِّم
الصَّمْتَ كأنَّه رَفيقٌ قديم ، يَسألُه عَن الغائبين ، ولا يَنتظر إجابةً .
في تِلْكَ الأيَّامِ ،
تَعَلَّمَ البَشَرُ أنْ يُحِبُّوا بِصَمْتٍ ، وأنْ يَخافوا بِصَمْتٍ ، وأنْ
يَحْلُمُوا بِصَمْتٍ ، لأنَّ الصَّوْتَ صارَ رَفَاهِيَةً . وَتَعَلَّمُوا أنْ يَسْتيقظوا
كُلَّ صَباحٍ وَهُمْ يَحْتَضِنُون قُلوبَهم لأنَّها مَا زالتْ قادرةً عَلى
الخَفَقَانِ في عَالَمٍ يُحاولُ أنْ يُسْكِتَها .
ومعَ ذلك ، وَسَط الجَحيمِ ،
كانت الحَياةُ تُصِرُّ عَلى أنْ تُزْهِرَ . أُمٌّ تُخْفي ضِحْكَةَ ابْنِها
الصغيرةَ تَحْتَ ثَوْبِها كَكَنْزٍ لا يَجِبُ أنْ يَسْمَعَ بِهِ المَوْتُ .
يَتيمان يَتقاسمان رَغيفًا واحدًا ، وَسَمَاءً واحدةً ، وَنَظْرَةً واحدةً ،
تَكْفي لِيَعْبُرَ كِلاهُمَا الليلَ بأقلِّ قَدْرٍ مِنَ الانطفاءِ .
صَيْفُ 1992 في البُوسنةِ لَمْ
يَكُنْ فَصْلًا مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ ، كانَ امتحانًا لِصَلابةِ الرُّوحِ ،
وشَهادةً عَلى أنَّ البَشَرَ قَدْ يُكسَرون ، لكنَّهم لا يَسْقُطون جَميعًا في آنٍ
واحدٍ .
كانَ جَحِيمًا ، نَعَم ، لكنْ
تَحْتَ رَمادِه ظَلَّتْ قُلوبٌ صغيرةٌ تُضِيءُ ، كأنَّها تُقَاوِمُ لِتَكْتُبَ
تاريخًا آخَر ، تاريخًا يَقُولُ إنَّ الإنسانيةَ مَهْمَا انكمشتْ لا تَمُوت .
سَراييفو، مَدينة أُوروبية
كانتْ تَتَلألأ مِثْلَ جَوهرةٍ بَيْنَ الجِبالِ ، فإذا بِها اليَوْم تَقِفُ عَلى
حَافَةِ الحُزْنِ ، تَتَّكِئ على أطلالِها كأنَّها شَيْخٌ تَعِبَ مِنْ حَمْلِ
ذاكرةٍ أكبر مِنْ جَسَدِه .
لَمْ تَكُنْ تَتخيَّل أنَّ
المُرتَفَعَات التي كانتْ تُطِلُّ عَلَيْهَا بِحُنُوٍّ ، سَتَتَحَوَّلُ يَوْمًا
إلى مِنَصَّاتٍ يُطْلِقُ مِنها الجُنُودُ الصِّرْبُ النِّيرانَ ، ويُحوِّلون
صَمْتَ الجِبالِ إلى صَدى لانهياراتٍ مُتتابِعة ، تَهْوي فِيها الحِجارةُ كَمَا
لَوْ أنَّها دَمْعٌ يابسٌ . وَالبُيُوتُ تُفْتَحُ عَلى الفَراغِ ، والنوافذُ
تُشَرِّعُ ضُلوعَها للرِّيحِ ، كأنَّ كُلَّ شَيْءٍ في المَدينةِ يَصْرُخُ دُونَ
صَوْتٍ . الأزِقَّةُ التي كانتْ تَمتلئ ضَحِكًا ، تَحَوَّلَتْ إلى خُيوطِ دُخَانٍ
رَقيقٍ ، والهواءُ صارَ أثقلَ مِنَ اللازمِ ، مُحَمَّلًا برائحةِ البارودِ وأسئلةِ
الوُجودِ .
الغَرْبِيُّون يُراقِبون
المَشْهَدَ بِدَهْشَةٍ باردةٍ، دَهْشَةٍ تَلِيقُ بِمَنْ يَرى انهيارَ لَوْحَةٍ
كانَ يَظُنُّها مُعَلَّقَةً في مُتْحَفٍ ، لا في قَلْبِ عَالَمٍ حَيٍّ . يَقِفُون
مَشْدُوهين ، كأنَّ المَأساةَ دَرْسٌ في كِتابِ تاريخٍ . لا مَدينة تُقْصَفُ ، ولا
بَشَر يَخْتبئون خَلْفَ جُدْرانٍ خائفة. دَهْشَةٌ تُشْبِهُ الأُفُقَ الغائمَ ، لا
مَطَرٌ يَنْزِلُ ، ولا شَمْسٌ تَنْقَشِع .
سَراييفو ، المَدينةُ التي لا
تَزَالُ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ تَحتفظُ بقلبٍ نابضٍ ، كانتْ تُواجِه وَحْدَها
لَحْظَةً يَتصدَّع فيها الزمنُ ، لَحْظَةً تَقُول فيها الحِجارةُ : (( كُنْتُ
بَيْتًا ، وكُنْتُ أُمًّا وَطِفْلًا ، فلماذا صِرْتُ رُكَامًا ؟ )). ومعَ ذلك ،
وَسَط الأنقاضِ ، كانتْ ثَمَّة شُعْلةٌ صَغيرةٌ لا تنطفئ . المَدينةُ تُعلِن
أنَّها لَنْ تَسْتَسْلِم ، وأنَّ كُلَّ مَا يُهْدَمُ فِيها سَيَعُود يَوْمًا
لِيُبْنَى ، لأنَّ الأرواحَ التي سَكَنَتْ شوارعَها أعمقُ مِنْ أنْ تُقْصَفَ ،
وأقوى مِنْ أنْ تُنْسَى .
في مَسَاءٍ يُشْبِهُ رَمَادَ
المُدُنِ المَنكوبة ، وَقَفْتُ عِندَ ضِفَافِ نَهْرٍ في البُوسنةِ ، كانَ الماءُ
يَجْري مُتَثَاقِلًا كأنَّه يَحْمِلُ جُثَثَ الذاكرةِ . هُناك ، حَيْثُ تُرِكَت
الأرواحُ مُعَلَّقَةً بَيْنَ صَرْخَةٍ وأُخْرَى ، أدركتُ أنَّ العَالَمَ لَمْ
يَكُنْ أعْمَى، بَلْ كانَ مُنحازًا ، وأنَّ المَركزية الأُوروبية التي ادَّعَتْ
مُنْذُ قُرونٍ أنَّها مِرْآةُ الإنسانِ وَمِيزانُ الحَضارةِ ، لمَّا وُضِعَتْ
أمامَ اختبارٍ أخلاقيٍّ صارخٍ كَهذا ، تَكَشَّفَتْ هَشَاشَتُهَا ، وَظَهَرَ
التَّحَلُّلُ القِيَمِيُّ الذي كانتْ تُخْفيه خَلْفَ الأقنعةِ اللامعةِ .
في شوارعِ سَراييفو
المُمَزَّقَةِ ، لَمْ يَكُن الدُّخَانُ وَحْدَه يَمْلأ السَّماءَ ، كانَ هُناكَ
دُخَانٌ آخَر لا يُرى ، يَتصاعدُ مِنْ ضَميرٍ مُتَصَدِّع ، مِنْ عَالَمٍ أشاحَ
وَجْهَه ، وأدارَ ظَهْرَه ، مُكْتَفِيًا بِبُرودةِ التَّحليلِ ، وَبِخِطاباتٍ
تُصَاغُ في قَاعاتٍ مُضاءة جَيِّدًا بَيْنَما تُطْفَأ أرواحٌ في العَتَمَةِ .
المَشْهَدُ أكبرُ مِنْ حَرْبٍ ، إنَّه مَشْهَدُ سُقوطٍ أخلاقيٍّ مُدَوٍّ ،
سَقَطَتْ فِيهِ القِيمةُ الإنسانيةُ مِنْ أعلى دَرَجَاتِ الشَّرَفِ المَزعومِ إلى
قَاعِ التَّبْريرِ والصَّمْتِ .
كُلُّ ذلك حَدَثَ لأنَّ
المَركزية الأُوروبية تَصَوَّرَتْ أنَّها هِيَ وَحْدَها الإنسانُ الكاملُ ، وأنَّ
الألَمَ لا يَكتسِب شرعيته إلا إذا وَقَعَ في قَلْبِها ، ومَا سِوَاه عِبارة عَنْ
هَامِشٍ يُمْكِنُ تَجاهلُه ، أوْ تأجيلُه ، أو النظرُ إلَيْهِ بِفُتُورٍ ونَظَّاراتٍ
تُخْفي أكثرَ مِمَّا تُظْهِرُ . هَكذا تَحَوَّلَت المَذبحةُ إلى خَبَرٍ باردٍ ،
والمُعَانَاةُ إلى رَقْمٍ ، والدَّمُ إلى إحصائية ، وكأنَّ البُوسنة لَمْ تَكُنْ
سِوى نُقْطَةٍ صغيرةٍ خارجَ الخَريطةِ التي رَسَمَتْهَا المَركزيةُ الأُوروبيةُ
لِنَفْسِها .
في تِلْكَ اللحَظَاتِ ، كانَ
الصَّمْتُ أشدَّ فَتْكًا مِنَ الطَّلَقَاتِ . الصَّمْتُ نَفْسُه كانَ سِلاحًا
يُطْلِقُهُ عَالَمٌ خاضعٌ لِفِكْرَةِ أنَّه مَركَزُ الكَوْنِ، وأنَّ القِيَمَ التي
يَرْفعها لا تُطبَّق إلا حِينَ تَخْدُمُ صُورَتَه. وبذلك ، لَمْ تَتَحَلَّل
الأخلاقُ فَقَط ، بَلْ سَقَطَتْ مِنْ دَاخِلِه ، كَهَيْكَلٍ بَدَا صُلْبًا مِنَ
الخارجِ ، بَيْنَما كانَ السُّوسُ يَنْخِرُهُ مِنَ الداخلِ مُنْذُ زَمَنٍ .
وَحِينَ يَعُودُ المَرْءُ إلى
تِلْكَ الحَرْبِ ، لا يَسْمَعُ فَقَط أصواتَ الضَّحَايا ، بَلْ يَسْمَعُ أيضًا
صَرِيرَ انهيارِ الأخلاقِ عَلى بُعْدِ قَارَّات . يَسْمَعُ الحقيقةَ المُرَّةَ ،
وَهِيَ أنَّ المَركزية الأُوروبية أدَّتْ إلى التَّحَلُّلِ الأخلاقيِّ . المَركزيةُ
الأُوروبية لَمْ تَكْتَفِ بإنتاجٍ رُؤيةٍ مُنحازةٍ للعَالَمِ ، بَلْ أنتجتْ
مَعَهَا هَشَاشَةً أخلاقيةً خطيرة ، ظهرتْ بِوُضوحٍ حِينَ احتاجت البُوسنةُ إلى
عَدالةٍ صادقة ، وإنسانيةٍ لا تَعْرِفُ التَّجْزِئَةَ .
وأمامَ نَهْرٍ لا يَزَالُ
يَحْمِلُ آثارَ المَأسأةِ ، يَبْقَى السُّؤالُ مُعَلَّقًا ، هَلْ يُمْكِنُ
لِعَالَمٍ يَدَّعي القِيادةَ الأخلاقيةَ ، وَهُوَ عاجزٌ عَنْ إنصافِ الأرواحِ
البعيدةِ عَنْ مَركَزِه المُتَخَيَّلِ ، أنْ يَتحدَّث حَقًّا عَن الحَضارةِ أَمْ
أنَّ الحضارةَ الحقيقيةَ تَبْدَأ فَقَط حِينَ نَكْسِرُ تِلْكَ المَركزيةَ ، وَنَرى
الإنسانَ إنسانًا لا مَوْقِعًا عَلى الخَريطة ؟ . هَا هِيَ الأرْضُ ، في كُلِّ
مَرَّةٍ تُثْقَلُ فيها الذاكرةُ بِصَرَخَاتٍ قديمة ، تَعُود لِتُذكِّرَنا بأنَّ
الأسلاكَ الشائكة لا تُقَامُ لِحِمايةِ الحُدودِ بِقَدْرِ مَا تُقَامُ لِحِمايةِ
الخَوْفِ . بَعْضُ الدُّوَلِ لَمْ تَتَعَلَّمْ أنَّ الحَديدَ لا يَحْفَظُ كَرامةً
، وأنَّ النَّزْعَةَ الاستبدادية ، مَهْمَا ازدانتْ بالشِّعَاراتِ ، لَيْسَتْ سِوى
جِدارٍ آخَر يَنْهار عِنْدَ أوَّلِ نَسْمَةِ حُرِّيةٍ .
أتأمَّلُ وُجوهَ الذينَ
حَاصَرُوا أنفُسَهم بالجُدْرانِ ، فأراهم يُشْبِهُون الظِّلالَ التي فَقَدَتْ
شَكْلَها . يَرفَعون الأسلاكَ إلى السَّمَاءِ ظَنًّا مِنْهُم أنَّها سَقْفٌ جَديدٌ
، بَيْنَما هِيَ في الحقيقةِ قَفَصٌ أوْسَع ، تَتَّسِعُ مَسَاحَتُهُ كُلَّما ضاقتْ
أرواحُهم . تِلْكَ الأسلاكُ تُشْبِهُ الاعترافَ غَيْرَ المُعْلَنِ بأنَّ الخَوْفَ
أصبحَ هُوَ اللغةَ الرَّسْمِيَّةَ في صِرْبيا وكُرْواتيا .
وَحِينَ يَعُودُ الطَّيْفُ
الثقيلُ لِحَرْبِ البُوسنةِ ، تِلْكَ الحَرْب التي مَرَّتْ كَخَنْجَرٍ أسْوَد
عَبْرَ القَلْبِ الإنسانيِّ ، نُدرِك كَيْفَ يُمكِن للاستبدادِ حِينَ يَتحالفُ معَ
الضغائنِ أنْ يَشُقَّ الأرضَ نِصْفَيْن : نِصْفٌ للناجين الذينَ يَمْشُون فَوْقَ
الحُطَامِ وَيَتظاهرون بأنَّ الحياةَ تَسِير ، وَنِصْفٌ للذينَ ضاعتْ أسماؤُهُم
وَلَمْ يَبْقَ مِنهُم إلا صَدى النِّداءِ .
البُوسنةُ مِرْآةٌ قاسية
تُظْهِرُ للعَالَمِ كَيْفَ يَتحوَّل الإنسانُ حِينَ تُغَذِّيه الكَرَاهِيَةُ
وَيُطْلِقُه الحُكْمُ المُطْلَقُ بِلا ضَابِطٍ ، وكَيْفَ تَتحوَّل الحُقولُ
الهادئةُ إلى مَسارح مُغْلَقَةٍ بالأسلاكِ ، يَرفُض الهَواءُ ذَاتُهُ المُرورَ
فَوْقَها .
مَا أقْسَى أنْ تَرى وَطَنًا
يَتدرَّب عَلى تَكْرارِ أخطاءِ التاريخِ ، كأنَّه لَمْ يُشَاهِدْ خَريطةَ
الأُمَّهَاتِ اللواتي انْتَظَرْنَ أبناءهن على بَوَّاباتٍ صارتْ أطْوَلَ مِنْ
العُمْرِ نَفْسِه . وَمَا أوْجَعَ أنْ تَرى العُيونَ الشَّابَّةَ تُحَاصَرُ
بالحُدودِ ، لا لِتَمْنَعَ الحَرْبَ ، بَلْ لِتَصْنَعَهَا بشكلٍ آخَر .
وَرَغْمَ كُلِّ ذلك ، يَبْقَى
في داخلِ كُلِّ قَلْبٍ بَشَرِيٍّ شَيْءٌ مُرْهَفٌ لا تَصِلُهُ الأسلاكُ ، شَيْءٌ
يُشْبِهُ نافذةً صغيرةً لا تُفْتَحُ إلا عِندَ الفَجْرِ . هُناك ، في تِلْكَ
الفُسْحَةِ الخَفِيَّةِ ، تَتجمَّع أُمْنِيَّاتُ الناسِ ، أُولئكَ الذينَ
يَخْرُجُون مِنْ تَحْتِ رُكَامِ الاستبدادِ حاملينَ فِكْرَةً بسيطة ، وَهِيَ أنَّ
الحُرِّيةَ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ هِيَ الهَواءُ الوحيدُ الذي لا يَقْبَلُ
القِسْمَةَ ولا المُصَادَرَةَ .
البُوسنةُ بآلامِها العميقةِ
جاءتْ لِتَقُولَ للعَالَمِ : (( إذا خُدِشَ وَجْهُ الإنسانِ مَرَّةً واحدةً ،
فَلَنْ تُصْلِحَه الأسلاكُ ، بَل الكَلِمَات الصادقة ، والمُصَالَحَة ، والعَدالة
، وذاكرة لا تُزيَّف )) .
في هَذا الزَّمَنِ الذي
تَختلِط فيهِ الحُدودُ بالخَوْفِ ، تُصْبحُ الأفكارُ كَشَمْعَةٍ صغيرةٍ أمامَ
لَيْلٍ مِنَ الأسلاكِ، لَعَلَّ ضَوْءَها يُذكِّر بأنَّ الاستبدادَ مَهْما طالَ
عُمْرُه سَوْفَ يَشِيخ ، أمَّا رَغْبَة الإنسان في حَياةٍ بِلا خَوْفٍ ، فَهِيَ
وَحْدَها التي لا تَشِيخ .
كانوا يَقُولون إنَّ أُوروبا
بديمُغْرافيتها المُتْعَبَةِ سَوْفَ تَتَّسِعُ للجميع ، سَتَغْدُو قَارَّةً
تُطرِّزها الثقافات كما تُطرَّز أطرافُ مِنديلٍ أبْيَض بالوَرْدِ . قالوا إنَّ
الزمنَ يعمل لصالحِ التَّنَوُّعِ ، وإنَّ الأرقامَ وَحْدَها تَكْفي كَيْ تُعِيدَ
تَشكيلَ الوِجْدانِ .
لكنَّ البُوسنةَ كانتْ تَقِفُ
في طَرَفِ المَشْهَدِ كَصَرْخَةٍ مَرْمِيَّةٍ عَلى حَافَةِ العَقْلِ ، تُكذِّب
كُلَّ مَا اعْتَقَدْنَاه يَقِينًا . هُناك ، في سَراييفو ، لَمْ تَكُن الأرقامُ
قادرةً على وَقْفِ قَنَّاصٍ صِرْبيٍّ مُتَوَحِّشٍ يَخْتارُ أرواحَ البَشَرِ كَما
يَخْتارُ الصَّيَّادُ الطُّيورَ في مَواسمِ الجَفَافِ . لَمْ تَكُنْ فِكْرَةُ
التَّعَدُّدِ قادرةً على حِمايةِ امرأةٍ تَحْمِلُ طِفْلَها ، وَهِيَ تَعْبُرُ
شارعًا عَرَّفَه العَالَمُ باسمِ " شارع القَنَّاصَة " . الدَّمُ أقوى
مِنَ الإحصاءات ، والحِقْدُ أسْرَعُ مِنْ أيِّ حُلْمٍ بالاندماجِ .
أُوروبا التي زُعِمَ أنَّها
تَتَألَّفُ تِلْقائيًّا مِنْ خَليطِ الأجناسِ والثقافاتِ ، كانتْ في البُوسنةِ
تُظْهِرُ وَجْهًا آخَر، وَجْهًا يَخافُ التَّنَوُّعَ حِينَ يُصْبحُ امتحانًا
حقيقيًّا، وَيَهْتَزُّ حِينَ تَخْتبره نارُ القَوْمِيَّةِ العَمْياءِ.
الوَهْمُ لَمْ يَكُنْ في
الحُلْمِ ذَاتِه ، بَلْ في الثِّقَةِ السَّاذَجَةِ بأنَّ المُجْتَمَعَات تَتغيَّر
عَبْرَ الزمنِ وَحْدَه، لا عَبْرَ شجاعةِ البَشَرِ ، ولا عَبْرَ قُدْرتهم على
احتضانِ المُخْتَلِفِ عِندما يَحترق البَيْتُ المُشترَك .
الليلُ في المُدُنِ
البُوسنِيَّةِ يَهْبِطُ مُبَكِّرًا ، لا بسببِ الشِّتاءِ وَحْدَه ، بَلْ لأنَّ
الأرواحَ مُثْقَلَة بِظَلامٍ لا علاقة له بالدِّيمُغْرافيا ، ظَلام يَنْبُعُ مِنْ
سُؤالٍ بَسيطٍ وقاسٍ : (( كَيْفَ نُؤْمِنُ بِغَدٍ مُتعدِّد الألوان إذا كُنَّا
عاجزين عَنْ حِمايةِ لَوْنٍ واحدٍ مِنَ الانطفاءِ ؟ )) .
وَسَط الرُّكَام ، وفي شُقوقِ
الجُدْرانِ التي عَبَرَتْهَا الشَّظَايا ، كانتْ زَهْرَةٌ صغيرةٌ تَنْبُتُ كُلَّ
رَبيعٍ . زَهْرَةٌ وحيدةٌ لا تَعْني أنَّ أُوروبا صارتْ مُتَعَدِّدَةَ الثقافاتِ ،
ولا أنَّ التعايُشَ تَحَقَّقَ . لكنَّها تَقُولُ شيئًا آخَر : (( إنَّ الوفاءَ
للتَّنَوُّعِ لَيْسَ نَتيجةَ أرقامٍ ، بَلْ هُوَ عَهْدٌ يَقْطعه البَشَرُ معَ
أنفُسِهِم ، كَيْ لا يُعَادَ المَشْهَدُ ، وكَيْ لا تَبْتلع القَارَّةُ نَفْسَها
مَرَّةً أُخْرَى بِاسْمِ الخَوْفِ )) . سَيَظَلُّ التَّغييرُ وَهْمًا مَا لَمْ
يُحْمَلْ على أكتافِ الوَعْيِ والذاكرةِ ، فالتَّعَدُّدُ لا يُصْنَعُ في
المُسْتَقْبَلِ المُتَوَقَّعِ ، بَلْ يُصْنَعُ في الماضي الذي نَجْرُؤ على ألا
نُعِيدَه .
في السَّماءِ البُوسنِيَّةِ ،
حَيْثُ يُفْتَرَضُ أنْ يَعْلُو الطَّيْرُ بِحُرِّية ، باتَ المَجالُ الجَوِّي
قَيْدًا لا يُكْسَر ، مُغْلَقًا أمامَ مَنْ يَحمِل السَّلامَ ، ومَفتوحًا أمامَ
مَنْ يَحمِل المَوْتَ . هُناك ، فَوْقَ المُدُنِ والقُرى ، تَعْبُرُ الطائراتُ
الحربيةُ الصِّرْبية كَظِلالٍ سَوْداء تَخْترق قَلْبَ السَّماءِ ، لا تُمَيِّزُ
بَيْنَ الشُّيوخِ والأطفالِ والنِّسَاءِ ، ولا تُفَرِّقُ بَيْنَ المَنازلِ
والمَدارسِ والمُستشفياتِ . كُلُّ شَيْءٍ يَندثر تَحْتَ أجنحتها ، وكُلُّ صَرْخَةٍ
تُسْمَعُ في الأرضِ تُقَابَلُ بِصَمْتِ المَوْتِ في الأعلى .
أبناءُ البُوسنةِ يُحدِّقون إلى السَّماءِ
بِعُيونٍ يَمْلَؤُهَا الرُّعْبُ واليأسُ ، يَسْمعون هَديرَ المُحرِّكاتِ وكأنَّها
إعلانُ نِهايةِ كُلِّ أحلامهم . لَمْ يَعُدْ الهواءُ مِلْكًا لَهُم ، صارَ حقلًا
للخَرابِ والرَّصاصِ ، وَشِرْيَانُ الحَياةِ تَحَوَّلَ إلى صَدى انفجاراتٍ لا
يَنقطع . وفي كُلِّ دَقيقةٍ تَمُرُّ ، تَتَكَسَّرُ الأرواحُ كما تَتَكَسَّرُ
البُيُوتُ ، ويَذُوب الأملُ كَثَلْجٍ في شَمْسِ الحَرْبِ الحارقة .
المَجَالُ الجَوِّي البُوسني
المُغْلَقُ أمامَ الطَّيَرَانِ سِوى غَزْوِ الطائراتِ الحَرْبيةِ الصِّرْبيةِ
أصبحَ رَمْزًا للظُّلْمِ ، حَيْثُ الحُرِّية مُحَاصَرَة في الأرضِ ، والمَوْتُ
يُحلِّق فَوْقَها بِحُرِّية ، والقُلوبُ التي كانتْ تَنْبِضُ بالأملِ ، الآنَ
تَرتجفُ كُلَّما ارتفعت الطائراتُ، تَتساءل : (( هَلْ سَيَأتي يَوْمٌ تُفْتَحُ
فيهِ السَّماءُ لِتَتَنَفَّسَ البُوسنةُ أَمْ سَيَبْقَى الليلُ هُنا بِلا قَمَرٍ،
يُراقِب البَشَرَ وَهُمْ يَنْهارون تَحْتَ أجنحةِ الحَرْبِ ؟)).
يُوغُسْلافيا، ذلك الاسْمُ
الذي يَرِنُّ في قَلْبِ الوَهْمِ كَما يَرِنُّ صَدى جِسْرٍ قَديمٍ عَلى نَهْرٍ
عَميقٍ، جِسْر لا يَعرِف الاستقرارَ ولا الاستراحةَ . هُناك ، على هَذه الأرضِ ،
تَتقاطعُ خُطوطُ التاريخِ كَما تَتقاطعُ الأنهارُ في فَوْضَى لا نِهاية لَهَا .
يُوغُسْلافيا ضَحِيَّةُ مَا
يُسَمَّى بـِ " لَعْنَة الجُغْرافيا " . تَقَعُ بَيْنَ العَالَمِ
الأُرثُوذُكْسِيِّ والعَالَمِ الكاثوليكيِّ ، كَطِفْلٍ حائرٍ بَيْنَ أبيهِ
وأُمِّهِ ، لا يَعرِف مَنْ يَنْتمي إلَيْه ، ولا أيْنَ يَضَعُ قَدَمَيْه . رُوحُها
مُشْتَعِلَةٌ بِصِرَاعاتٍ قَديمةٍ قَبْلَ أنْ تَتَنَفَّسَ الحُرِّيةَ أوْ تَشْعُر
بالسَّلامِ . الصِّرَاعُ لا يَنحصِر بالأديانِ وَحْدَها ، بَلْ يَمْتَدُّ إلى
حَضاراتٍ أقوى مِنَ الحِجَارَةِ التي تُشَيِّدُ القِلاعَ ، إلى إمبراطورياتٍ
رَسَمَت الحُدودَ . مِنَ الشَّرْقِ جاءُ العُثمانيون حَامِلِي السُّلْطَانِ
والحَضَارة والفُتوحاتِ ، وَمِنَ الغَرْبِ جاءَ الهَابِسْبُورغ حَامِلي الإنجيل
الأسْوَد والصَّليب الدَّمَوِي ، وكأنَّ الأرضَ هُنا خُلِقَتْ لِتَكُونَ حَلْبَةَ
صِرَاعٍ لا تَهْدَأ ، مَكانًا لا يَعرِف الهُدوءَ ولا الاستقرارَ . يُوغُسْلافيا
لَمْ تُولَدْ لِتَسْتَقِر ، لَمْ تُولَدْ لِتَعْرِفَ السَّلامَ الكاملَ ، بَلْ
لِتَعْرِفَ الصِّراعَ ، وتَصِيرَ مَسْرَحًا مِنَ الانقساماتِ والنِّزَاعاتِ
والهُوِيَّاتِ التي تُجْبَرُ على التَّشَابُكِ والتَّصَارُعِ . يُوغُسْلافيا لَمْ
تُخْلَقْ لِتَنْجو . لَمْ تُخْلَقْ لِتَكُونَ مِثالًا للسَّلامِ بَيْنَ الشَّرْقِ
والغَرْبِ ، بَيْنَ الأُرثُوذُكْسِ والكاثوليكِ ، بَيْنَ العُثمانيين
والهابِسْبُورغ . بَلْ وُجِدَتْ لِتَكُونَ شاهدةً عَلى الجُروحِ التي لا تَنْدَمِل،
على الانقساماتِ التي تَصْنَعُ تاريخَها أكثرَ مِمَّا تَصْنَعُ حاضرَها. مَكَانٌ
تائهٌ بَيْنَ المَلْهَاةِ والمَأسَاةِ ، مَكَانٌ يَبْحَثُ عَن العَظَمَةِ في
الصِّرَاعِ ، وَيُفَتِّشُ عَن الجَمَالِ في الألَمِ ، وَيُنَقِّبُ عَن الهُوِيَّةِ
في التَّمَزُّقِ . كُلُّ حَجَرٍ في شوارعِها القَديمةِ ، وكُلُّ جَدْوَلِ مَاءٍ
يَمُرُّ بَيْنَ الجِبالِ ، وكُلُّ طائرٍ يُحَلِّقُ فَوْقَ سُهولِها ، يَحْمِلُ
ذِكْرى مِنْ ذاكرةٍ مُمْتَدَّةٍ لا تَعْرِفُ الاستراحةَ . هِيَ يُوغُسْلافيا ،
الأرضُ التي تُعَلِّمُ العابرِين أنَّ الجُغْرافيا حاكمةٌ على التاريخِ ، وأنَّ
التاريخَ كَبْشُ المَحْرَقَةِ عِندَما تُصْبحُ الحَضَارَةُ هِيَ المَحْرَقَةَ .
تَختلِط الأرضُ بِذِكْرياتٍ
ثقيلة ، تَلْتقي الأحقادُ المَوْروثةُ معَ نُزُوعٍ قَديمٍ نَحْوَ العُنْفِ ،
فَتَشْتَعِل نارٌ لا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ . هُناك، بَيْنَ الجِبالِ والأنهارِ ،
لَمْ تُولَد الحُروبُ فَجْأةً ، بَلْ كانتْ تَرَاكُمَاتِ الغَضَبِ القديمِ ،
وَصَدى الأحقادِ التي وَرِثَهَا الأجدادُ ، يَهْمِسُ في آذانِ الأحفادِ، ويَزرَع
الخَوْفَ ، وَيُغَذِّي الكَرَاهِيَةَ. الغُزاةُ الصِّرْبُ ، بِجَبَروتهم
الوَحْشِيِّ ، وَصَليبِهم الدَّمَوِيِّ ، وإنجيلِهم العَنِيفِ القائمِ على
السَّيْفِ ، لَمْ يَكُونوا فَقَط جَيْشًا ، بَلْ صُورة مُرعِبة لتاريخٍ مُشَوَّهٍ
، تاريخٍ أعطاهُم إذْنًا لقتلِ الأرواحِ دُونَ تَرَدُّدٍ، للانقضاضِ على
الإنسانيةِ كما لَوْ أنَّها غَريبة عَنْهُم . يَقْتُلُون ، يَنْهَبُون . لا يَهْدِمُون جُسورَ المُدُنِ فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا يَهْدِمُون جُسورَ القُلوبِ والأرواحِ تاركينَ وَرَاءَهم جُروحًا لا
تَنْدَمِلُ إلا إذا جَرَّدْنا التاريخَ مِنْ غُبارِ الحِقْدِ . الصِّرْبُ وُحُوشٌ
كالمَغُولِ ، وَهَمَجٌ كالتَّتَارِ .
والأكثرُ إيلامًا أنَّ
الضَّحَايا لَمْ يَكُونوا غُرَباء ، بَلْ كانوا جِيرانًا وأقارب ، وأطفالًا لَمْ
يَعرِفوا سِوى الحُبِّ قَبْلَ أنْ يَتعلَّموا الخَوْفَ . كُلُّ بَيْتٍ مَهدومٍ ،
وكُلُّ دَمْعَةٍ مَسكوبةٍ ، وكُلُّ نَحِيبٍ يَعْلُو في السَّماء، كانَ نَتيجةَ
إرْثٍ ثقيلٍ، إرْثٍ زَرَعَ الحِقْدَ في النُّفُوسِ، وأشعلَ نُزُوعًا عَنيفًا لَمْ
يَعْرِف الرَّحْمَةَ.
حَرْبُ البُوسنةِ لَمْ تَكُنْ
مُجرَّد صِراعٍ سِياسيٍّ أوْ عَسْكريٍّ ، بَلْ كانتْ مِرْآةً لِمَاضٍ لا يَمْضِي ،
وَغِيَابٍ لا يَغيب، وَزَوَالٍ لا يَزُول ، وَصَدى لتاريخٍ لَمْ يَتْرُكْ أحقادَه،
وَصَوْتًا صامتًا لِكُلِّ رُوحٍ بريئةٍ دُمِّرَتْ تَحْتَ وَطأةِ نُزوعِ الإنسانِ
إلى تَكْرَارِ خَطايا الأجدادِ ، وإعادةِ أخطاءِ التاريخِ .
في صَباحِ يَوْمِ 28 حَزيران /
يونيو 1914 ، كانتْ شوارعُ سَراييفو تَعِجُّ بالحَرَكَةِ ، لكنَّ قَلْبَ المَدينةِ
كانَ يَخْتنق بِصَمْتٍ قاتلٍ ، وَلَمْ يَكُنْ أحدٌ يُدرِك أنَّ التاريخَ نَفْسَه
كانَ يَتربَّص بَيْنَ الظِّلالِ .
عَلى عَرَبَةٍ مَكشوفةٍ ،
يُطِلُّ الدُّوق فرانز فرديناند ، وَلِيُّ عَهْدِ النَّمْسَا ، وعَيْناه تَحْمِلان
بَريقَ السُّلْطَةِ وَحُلْمَ الاستقرارِ في إمبراطوريةٍ مُشتعِلة بالصِّرَاعاتِ
الداخلية ، لكنَّ القَدَرَ كانَ يُخبِّئ لَهُ نِهايةً لا يَعرِفها سِوى أزيزِ
الرَّصَاصةِ القادمة .
صَوْتُ الطَّلَقَاتِ لَمْ
يَكُنْ مُجرَّد انقطاعٍ للحَياة ، بَلْ صَرْخة مَكتومة في وِجْدانِ أُوروبا
بِأسْرِهَا . الدُّوق الذي كانَ يَرَاه البعضُ رمزًا للإصلاحِ ذَهَبَ في لَحْظَةٍ
، تاركًا خَلْفَه زَوْجَتَه صوفي ، وَهِيَ تَسْقُطُ بَيْنَ ذِرَاعَيْه ، رمزًا
للضَّعْفِ الإنسانيِّ أمامَ عَجَلَةِ التاريخِ التي لا تَرْحَمُ . في تِلْكَ
اللحْظَةِ ، لَمْ تُقْتَلْ حَياةُ إنسَانَيْن فَقَط ، بَلْ تَبَخَّرَ حُلْمٌ
بِسَلامٍ مُحتمَل ، وضاعتْ إمكانيةُ إعادةِ رَسْمِ حُدودِ القُوَّةِ بِعَقْلانية،
وتَحَطَّمَت الآمالُ عَلى صُخورِ الصِّرَاعاتِ المُنْدَلِعَةِ .
اغتيالُ فرانز فرديناند لَمْ
يَكُنْ مُجرَّد حادثٍ عابرٍ في صَفْحَةِ التاريخ ، بَلْ شَرارة أشعلتْ أُوروبا
بِأكْمَلِهَا.كانتْ أُوروبا، تِلْكَ القارَّة الغارقة في أوهامِ الحَضارةِ
والثقافةِ والمَدَنِيَّةِ، عَلى شَفَا الانفجار، وحَافَةِ الهاويةِ . ومعَ صُراخِ
الرَّصاصِ في سَراييفو ، بَدأتْ عَقاربُ الحربِ العالميَّةِ الأُولَى
بالدَّوَرَانِ ، حاملةً مَعَهَا مَلايينَ الأرواحِ المُمَزَّقَةِ ، وقُلوبًا انْتُزِعَتْ
مِنْ أزمنةِ السَّلامِ. كُلُّ رَصاصةٍ ، وكُلُّ سُقوطٍ ، وكُلُّ دَمْعَةٍ ،
حَمَلَتْ مَعَهَا أسئلةَ الوُجودِ ، كَيْفَ يُقَرَّرُ مَصيرُ مَلايينِ البَشَرِ في
لَحْظَةٍ واحدةٍ ؟ ، كَيْفَ يُمْكِنُ لِلَحْظَةٍ واحدةٍ مِنَ الغَضَبِ
والكَرَاهِيَةِ أنْ تُغَيِّرَ مَجْرَى التاريخِ بأكْمَلِه ؟ .
تِلْكَ اللحَظَاتُ في سَراييفو
كانتْ مِرْآةً للحَياةِ ، صادمةً ومُرْعِبَةً ، لكنَّها تَحْمِلُ في طَيَّاتِها
دَرْسًا عَميقًا عَنْ هَشَاشَةِ السُّلْطَةِ والسَّلامِ ، وعُمْقِ المَأساةِ
الإنسانيةِ ، حِينَ يَتقاطعُ الطُّموحُ السِّياسيُّ معَ إرادةٍ فَرْدِيَّةٍ قاتلةٍ
. رُبَّما لَمْ يَكُنْ فرانز فرديناند أكثرَ مِنْ رَجُلٍ ضائعٍ بَيْنَ أهواءِ
السِّياسةِ وأحقادِ التاريخِ ، لكنَّه أصبحَ رمزًا لِلَحْظَةٍ حاسمةٍ ، لَحْظَة
كَشَفَت الوَجْهَ القاسي للحَياةِ ، وأعادتْ رَسْمَ حُدودِ العَالَمِ بِدِمَاءِ
الأبرياءِ .
في كُلِّ زاويةٍ مِنْ سَراييفو
، وفي كُلِّ قَلْبٍ مِنْ قُلوبِ أُوروبا التي اهْتَزَّتْ بِتِلْكَ الأخبارِ ،
بَقِيَت الصَّرْخَةُ الصامتةُ للرَّصاصةِ التي أُطْلِقَتْ عَلى العَرَبَةِ
المَكشوفةِ صَرْخَةً عَنْ الفِقْدان ، وَصَرْخَةً عَن الألَمِ ، وَصَرْخَةً عَنْ
بِدايةِ زَمَنٍ لَنْ يَكُونَ كما كانَ مِنْ قَبْل . والذاكرةُ الإنسانيةُ رَغْمَ
مُرورِ أكثرِ مِنْ قَرْنٍ ، مَا زالتْ تَحْمِلُ تِلْكَ اللحْظَة كما تَحْمِلُ
جُرْحًا عَميقًا لا يَلْتَئِم ، جُرْحًا يُذكِّرنا بأنَّ التاريخَ يُصْنَعُ في
لَحَظَاتٍ قصيرة ، ويُذكِّرنا أيضًا بأنَّ حَيَاةَ إنسانٍ واحدٍ قَدْ تُغَيِّرُ
مَصِيرَ العَالَمِ بِأسْرِه .
في ثَنايا التاريخِ ، تَنْبِضُ
أرواحُ البَلْقَانِ كَلَوْحَةٍ مُزِجَتْ ألوانُها بَيْنَ الفَرَحِ والألَمِ ،
بَيْنَ الانتماءِ والفِقْدَانِ . كانت البُوسنةُ والهِرْسِك ، وَصِرْبيا ،
والجَبَلُ الأسْوَد ، ومَقْدُونيا ، أذْرُعًا مُمْتَدَّةً مِنْ جَسَدِ
الإمبراطورية العُثمانية ، تَنْبِضُ بِرُوحٍ واحدةٍ رَغْمَ تَعَدُّدِ الأصواتِ
واللغاتِ . هُناك ، بَيْنَ الجِبالِ والأنهارِ ، حَمَلَت الأرضُ حِكَاياتِ
السَّلاطينِ والفُتوحاتِ ، لكنَّها حَمَلَتْ أيضًا أحلامَ الشُّعوبِ الصغيرةِ ،
تِلْكَ التي تَنْبِضُ بالحياةِ رَغْمَ كُلِّ التَّغَيُّرَاتِ .
كانَ العُثمانيون ظِلًّا
طَويلًا على هذه الأراضي ، ظِلًّا جَمَعَ بَيْنَ الصَّرْحِ والإنسانِ ، بَيْنَ
القُوَّةِ والحَنينِ،بَيْنَ التاريخِ والذاكرةِ.وكُلُّ حَجَرٍ هُناك يَحْكي
قِصَّةً، وكُلُّ نَسْمَةِ هَواء تَحْمِلُ رَائحةَ الماضي، تِلْكَ الرائحة التي لا
تَزُول ، التي تَجْعَلُ قَلْبَ الإنسانِ يَخْفِقُ بِحَنينٍ إلى شَجَرِ الزَّيتونِ
، وأزِقَّةِ المُدُنِ القديمة ، وحِكَايَاتِ العائلةِ التي كانتْ جُزْءًا مِنْ
تِلْكَ الإمبراطوريةِ العَتيقة .
تَغَيَّرَت الحُدودُ ، واصْطَفَّ
التاريخُ في دَفاترِ الأحزانِ ، ولا يَزَالُ القَلْبُ البَلْقَانيُّ نابضًا
بالذكرياتِ ، كأنَّه يَقُول : (( كُنَّا هُنا ، وَعِشْنَا ، وَعَلَّمْنا العَالَمَ
مَعْنى البَقَاءِ رَغْمَ التَّحَوُّلاتِ )) .
إنَّها أرضٌ تُعَلِّمُكَ أنَّ
الزَّمَنَ يَمْضي ، ولكنْ مَا تَرَكَه الماضي في رُوحِكَ لا يَمُوت أبدًا ، بَلْ
يُصْبحُ جُزْءًا مِنْكَ ، جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِكَ ، وَألَمِكَ ، وعِشْقِكَ
للحَياةِ .
البُوسنةُ غَريبةٌ في قَلْبِ أُوروبا ، كَحُلْمٍ
لَمْ يَكْتَمِلْ ، كَقَصيدةٍ كُتِبَتْ على جِدارِ الزَّمَنِ وَلَمْ تُقْرَأْ بَعْد
. هُناك ، حَيْثُ تتعانقُ الجِبالُ معَ الأنهارِ في صَمْتٍ عَميق ، تَشْعُرُ أنَّ
الرُّوحَ لا تَمْلِكُ إلا أنْ تُعانقَ هَذا الجَمالَ الحَزين . المُدُنُ هُناكَ
تَحْمِلُ وُجوهَ التاريخِ بِكُلِّ تَجاعيدِها ، والبُيُوتُ القديمةُ تَهْمِسُ
بأسرارِ الحَرْبِ والسَّلامِ ، بالحُبِّ والفِقْدَانِ .
البُوسنةُ لَيْسَتْ مُجرَّد
مَكانٍ ، إنَّها شُعورٌ بالاغترابِ في الوَطَنِ ، وسَكينةٌ في قَلْبِ العاصفةِ ،
وجَمَالٌ في خَفَاء. غَريبةٌ لكنَّها صادقة ، حَنُونة لكنَّها حَزينة ، تُعلِّمك
أنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ فَراغًا ، وأنَّ الاغترابَ أحيانًا يَكُون وَطَنًا .
وأنتَ تَتجوَّل في شوارعِها ، تَشْعُر أنَّ الحِجارةَ والأنهارَ والأشجارَ
تَحْمِلُ قِصَصًا لَمْ تُحْكَ بَعْد ، كأنَّها تَنتظر مِنْكَ أنْ تَلْتقط قَلْبَكَ
وتَفْهمها .
في البُوسنةِ ، الحُبُّ
يَكْبَرُ في الصَّمْتِ ، والألمُ يُصبحُ قصيدةً ، والغُربةُ تُصبحُ وطنًا للرُّوحِ
. هُناك ، في قَلْبِ أُوروبا، تَقِفُ غَريبةً ، لكنَّها لا تُنْسَى .
عِندما يَنهارُ كُلُّ شَيْءٍ، وَتَتَهَدَّمُ
البُيُوتُ ، وَتَخْتفي الضَّحِكَاتُ بَيْنَ أنقاضِ المُدُنِ ، وَتَذُوبُ
الكَلِمَاتُ في صَمْتِ المَوْتِ ، يُدرِك الإنسانُ فَجْأةً حقيقةً قاسيةً ، أنَّ
مَا يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ الخَرابِ لَيْسَ الحُب ، ولا الرَّحمة ، ولا حتى الأمل ،
بَل الحِقْد .
في البُوسنةِ ، حَيْثُ ارتسمتْ
خُطُوطُ الحَرْبِ على الجُدْرانِ والوُجوهِ والأرضِ وَدِمَاءِ الأبرياء ، هُناكَ
أدركَ البَشَرَ أنَّ الحِقْدَ لا يَمُوت . يَظَلُّ حَيًّا كَظِلٍّ قاتمٍ يُلاحِقُ
الأرواحَ ، ويَزْرَعُ في القُلوبِ رِمَاحًا لا تُكْسَر ، وَيُغَذِّي نَفْسَه مِنْ
ألَمِ كُلِّ فَجِيعَةٍ . الحِقْدُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد شُعورٍ ، إنَّه أثَرُ
الحَرْبِ الذي يَلتصِق بالذاكرةِ ، وَيَكْبَرُ في العَتَمَةِ حتى يُصْبحَ كُلُّ
شَيْءٍ حَوْلَه رَمادًا .
لكنَّ الغريبَ أنَّ هَذا
الحِقْدَ ، رَغْمَ قُوَّتِهِ الظاهرةِ ، لَيْسَ سِوى صَرْخَةٍ ضعيفةٍ مِنْ رُوحٍ
تائهةٍ تَبْحَثُ عَنْ مَعْنى وَعَدْلٍ وَضَوْءٍ وإنسانيةٍ ضائعة . وفي هذا
البَقَاءِ المَريرِ ، بَيْنَ الرُّكامِ والأرواحِ المُحترقةِ ، يُدرِك مَنْ
يَنْجُو أنَّ الحِقْدَ هُوَ آخِرُ مَنْ يَبْقَى ، لكنَّه لَيْسَ انتصارًا ، إنَّه شَهادةٌ
على هَشَاشَةِ البَشَرِ ، وخَيْبَةِ الأملِ ، وقُدرةِ الحَرْبِ على أنْ تُحَوِّلَ
كُلَّ قَلْبٍ نابضٍ إلى مِرْآةٍ سَوْدَاء لا تَعْكِسُ سِوى الألَمِ .
وفي النِّهايةِ ، يَبْقَى
السُّؤالُ صامتًا ، هَلْ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يُولَدَ شَيْءٌ آخَر مِنْ هَذا الحِقْدِ
، شَيْءٌ يَشْفِي الجُروحَ،شَيْءٌ يُعيدُ للمَدينةِ وَجْهَها البَشَرِيَّ،شَيْءٌ
لا يَنْثُرُ عَلى جُلودِنا مَناديلَ الوَدَاعِ ؟.
غادرَ البُوسنِيُّون وَطَنَهُم
كَما يُغَادِرُ الغَيْمُ السَّمَاءَ مُحَمَّلِين بالوَجَعِ أكثرَ مِمَّا يَحْمِلُ
الجَسَدُ . قُلوبُهم تَنْبِضُ بِحِكَايَاتِ الأرضِ العَتيقةِ . وَجَدُوا أنفُسَهم
فَجْأةً بِلا مَأوَى ، بِلا تاريخٍ مَكتوبٍ على جُدْرانِ مَنازلِهم ، بِلا صَوْتٍ
غَيْرِ دَقَّاتِ قُلوبِهم المُرتجفة . الحَرْبُ لَمْ تَكْتَفِ بقتلِ أحلامِهم ،
بَل التهمتْ كُلَّ شَيْءٍ يَمْلِكُونه ، كُلَّ زَهْرَةٍ زَرَعُوها ، كُلَّ ذِكرى
احتضنوها ، كُلَّ بَصْمَةٍ تَركوها عَلى هَذه الأرضِ التي أحَبُّوها .
هَرَبُوا بِجُلُودِهم كَمَا
يَهْرُبُ الطائرُ مِنْ عَاصفةٍ قاسيةٍ ، حَامِلِينَ مَعَهُم الألَمَ الصامتَ ،
والشُّعورَ بالغُربةِ في وَطَنِهِم نَفْسِه . لَمْ يَعُدْ لَدَيْهِم سِوى
الذكرياتِ ، لكنَّها كانتْ أثقلَ مِنْ كُلِّ حَقائبِ الدُّنيا، وأشدَّ إيلامًا
مِنْ أصواتِ القذائفِ التي مَزَّقَت الأُفُقَ.وَمَا تَبَقَّى لَهُم هُوَ الصَّبْرُ
، وَبَقَايا الأملِ ، وَحُلْمٌ بأنْ يَعُودوا يَوْمًا لِيَزْرَعُوا الحياةَ مِنْ
جَديدٍ على تُرابِهم الذي اشتاقَ إلَيْهِم بِقَدْرِ مَا اشتاقوا إلَيْه .
حتى في الرَّحيلِ ، بَقِيت
البُوسنةُ في عُيونِهم ، تَحمِلهم كما تَحمِل الأُمُّ طِفْلَها ، رَغْمَ الجِرَاحِ
والضَّيَاعِ ، وَرَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ .
في قَلْبِ البُوسنةِ ، حَيْثُ
السَّمَاء تَصْرُخُ بالرَّصاصِ ، والأرضُ تَشْهَدُ عَلى الدِّمَاءِ ، وَقَفْنَا
نَحْنُ الأحياء، نَختنقُ مِنْ رائحةِ الدُّخَانِ وَوَجَعِ القُلوبِ . لَمْ يَكُن
المَوْتُ بعيدًا ، بَلْ كانَ جارًا لَنَا ، يُطِلُّ مِنْ نافذةِ كُلِّ بَيْتٍ ،
يَختبئ خَلْفَ كُلِّ جِدارٍ مَهدوم . القَنَّاصَةُ لا يَرْحَمُون ، وعُيونُهم
الباردةُ لا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ ، تُصوِّب عَلى كُلِّ نَبْضَةِ قَلْبٍ تُخالِف
مَسَارَ الخَوْفِ .
كُنَّا نَمْشِي بَيْنَ أنقاضِ
المُدُنِ ، نُصْغي إلى صَرَخَاتِ الجُوعِ والفِقْدَانِ ، ونَشُمُّ رائحةَ البارودِ
والقذائفِ الصاروخيةِ التي تُمَزِّقُ الأُفُقَ ، كَما تُمزِّقنا مِنَ الداخلِ .
التَّطْهيرُ العِرْقيُّ لَمْ
يَكُنْ مُجرَّد سِياسةٍ ، بَلْ كانَ جُرْحًا مُتَوَاصِلًا في رُوحِ الأُمَّةِ .
دُموعُنا تَسِيلُ معَ أزيزِ الرَّصَاصِ ، وأحلامُنا تَتطايرُ معَ دُخَانِ
الحَرائقِ .
رَغْمَ كُلِّ الرَّصَاصِ
والدَّمَارِ ، رَغْمَ كُلِّ القَسْوَةِ ، ظَلَّ الإيمانُ بالحُرِّيةِ نِبْرَاسًا .
تُعلِّمنا أنْ نَعيشَ رَغْمَ المَوْتِ ، وأنْ نُحِبَّ رَغْمَ الخَوْفِ ، وأنْ
نَحْلُمَ رَغْمَ صُرَاخِ فُوَّهَاتِ المَدَافِعِ .
في عُيونِنا ، بَيْنَ
الرُّكَامِ ، يَلْتقي الحُزْنُ بالشَّجَاعةِ ، والخَوْفُ بالأملِ ، وكأنَّ
البُوسنةَ نَفْسَها تُحاولُ أنْ تَقُولَ لَنَا: (( ابْقُوا صامدين، فالحَياةُ أقوى
مِنْ كُلِّ سِلاحٍ، والحُبُّ أقوى مِنْ كُلِّ حِقْدٍ)).
كُلُّ خُطْوَةٍ بَيْنَ
الأنقاضِ كانتْ شَهَادَةً ، وكُلُّ نَفَسٍ كانَ انتصارًا صغيرًا على الظلامِ ،
وكُلُّ دَمْعَةٍ كانتْ حِكايةً عَنْ إنسانيةٍ تُحاولُ الصُّمودَ في وَجْهِ
الخَرابِ . وَلَعَلَّنَا ، يَوْمًا مَا ، نَعيشُ في أرضٍ بِلا قَنَّاصَةٍ
يَحْفَظُونَ مَلامحَ وُجوهِنا ، وبِلا مَدَافِع تَصْنَعُ نَغَمَاتِ الأُفُقِ ،
بَلْ تَبْقَى فَقَط حِكَايات عَن البَسَالَةِ ، والصُّمودِ ، والرُّوحِ التي
رَفَضَتْ أنْ تَنْكَسِرَ .
في أزِقَّةِ الحَرْبِ الجليدية،
حَيْثُ الصَّمْت يَصْرُخُ بِصَوْتِ الدَّمِ ، كانَ هُناكَ أُولئكَ الذينَ لَمْ
يَرتَدُوا دُروعًا مِنْ حَديدٍ ، بَلْ دُروعًا مِنْ إنسانيةٍ لا تَلِين. عُمَّالُ
الإغاثةِ ، نُفُوسُهُم قناديلُ مُضيئةٌ في لَيْلِ البُوسنةِ الطويلِ ، يَمْشُون
بَيْنَ الأنقاضِ والحُطَامِ ، يَحْمِلُونَ فَوْقَ أكتافِهِم آمَالَ المَساكين ، وَدُمُوعَ
الأُمَّهَاتِ، وَوَجَعَ الأطفالِ الذينَ لَمْ يَعْرِفُوا مَعْنى الأمْنِ .
عُمَّالُ الإغاثةِ لَمْ
يَعْرِفُوا الراحةَ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا النَّوْمَ بِلا صَوْتِ الانفجاراتِ الذي
يَخْرِقُ السَّمَاءَ . ومعَ ذلك، كانوا يَمُدُّونَ أيْدِيَهُم إلى مَنْ فَقَدَ
كُلَّ شَيْءٍ ، ويَزْرَعون الحَياةَ وَسَطَ الخَرابِ ، ويَغْرِسُونَ الأملَ حَيْثُ
يَشْتَدُّ الظلامُ . كُلُّ خُطْوَةٍ لَهُمْ كانتْ شَهادةَ صَمْتٍ ، وكُلُّ
ابتسامةٍ كانوا يَرْسُمُونها على وُجوهِ اليائسين كانت انتصارًا عَلى قَسْوَةِ
الحَرْبِ .
تَضْحِيَاتُهُم لَمْ تُكْتَبْ
عَلى النُّصُبِ التَّذكاريةِ ، وَلَمْ تُسْمَعْ في خُطَبِ الحُكوماتِ ، لكنَّها
نُقِشَتْ في وِجْدانِ الإنسانيةِ ، في قَلْبِ كُلِّ طِفْلٍ عاشَ لِيَبْتَسِمَ ،
وفي رُوحِ كُلِّ مَفْقُودٍ وَجَدَ طَريقَه إلى الأمانِ بِفَضْلِ يَدٍ مَمْدودة ،
وَقَلْبٍ لا يَعْرِفُ الخَوْفَ . هؤلاء هُمُ الجُنودُ الحقيقيون ، جُنود الرَّحمةِ
، الذينَ جَعَلُوا مِنَ الدَّمارِ حِكايةَ أمَلٍ ، وَمِنَ الخَرابِ شَهادةَ حَياةٍ
.
107
كانتْ سَراييفو ، في تِلْكَ
الأيامِ ، مَدينةً تُمْسِكُ أنفاسَها بَيْنَ نَبْضِ الحَياةِ وَرَجْفَةِ المَوْتِ
. لَمْ تَكُن المَبَاني العَامَّةُ مُجرَّد حِجارةٍ صامتة ، كانتْ تَقِفُ خَلْفَ
أكياسِ الرَّمْلِ كَجُنودٍ مُرْهَقِين يُحاولون صَدَّ العاصفةِ . وعلى أسْطُحِ
المَبَاني التِّجاريةِ ، ارتفعت البَنَادِقُ الطويلةُ كَعُيونٍ ساهرةٍ لا تَعْرِفُ
النَّوْمَ ، تَرْقُبُ الشوارعَ التي أصبحتْ تَمْتَدُّ كَجُروحٍ مَفتوحةٍ على
وَجْهِ المَدينةِ . وَنِقَاطُ التَّفْتيشِ الثابتةُ لَمْ تَكُنْ بَوَّاباتٍ
عَسكرية فَحَسْب ، بَلْ كانتْ مَحَطَّاتٍ يُفْحَصُ عِندَها مِقْدار مَا تَبَقَّى
في الأرواحِ مِنْ أمَلٍ . كانَ العابرون يَرفَعون أيْدِيَهُم في حَرَكَةٍ
مِيكانيكية صُلْبَة ، لكنَّ نَظَرَاتِهِم تَحْكي خَوْفًا لا يُقَال ، وخَسَائر لا
تُحْصَى .
خَطُّ النارِ كانَ حَبْلًا
مُشْتَعِلًا يَشْطُرُ المَدينةَ إلى شَطْرَيْن ، جانبٌ يَعِيشُ على الاحتمالِ ،
وجانبٌ آخَر يَعِيشُ على الذِّكْرَى . وَبَيْنَهُمَا يَركُضُ الناسُ كأنَّهُم
يُحاولون الإمساكَ بالحَياةِ مِنْ ذَيْلِها ، قَبْلَ أنْ تُفْلِتَ إلى العَدَمِ .
وفي ظِلِّ التَّعْبئةِ العَامَّةِ ، لَمْ يَعُدْ أحدٌ عابرًا في يَوْمِه ، بَلْ
صارَ كُلُّ شَخْصٍ يَحْمِلُ في دَاخِلِهِ مُعَسْكَرًا صَغيرًا، وحقيبةً جاهزة ،
وَقَلْبًا مُتَحَفِّزًا ، وذاكرةً تَتثاقلُ بِمَا يَجِبُ نِسْيَانُه، وَمَا
يَسْتَحِيلُ نِسْيَانُه .
سَراييفو تُشْبِهُ جَسَدًا كبيرًا يُضَمِّدُ
نَفْسَه بأكياسِ الرَّمْلِ ، وَيَشُدُّ أعصابَه بِبَنَادِق عَلى الأسْطُحِ ،
وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خِلالِ نِقَاطِ التَّفْتيشِ ، وَيَحْيَا رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ
في مَساحةٍ ضَيِّقةٍ بَيْنَ طَلْقَةٍ وَدَمْعَةٍ .
المَدينةُ تَنْهَضُ كُلَّ
صَباحٍ ، تُعِيدُ تَرتيبَ كَرامتها فَوْقَ الرُّكَامِ ، وَتَقُولُ للعَالَمِ
بِصَوْتٍ لا يَسْمَعُهُ أحَد : (( مَا زِلْتُ هُنا ، وَمَا زالَ القَلْبُ يَطْرُقُ
جُدْراني بَحْثًا عَنْ ضَوْءٍ )) .
كانتْ أبراجُ الحَمَامِ في
سَراييفو ذاتَ يَوْمٍ تَفْتَحُ قَلْبَها للسَّماءِ ، تُبَعْثِرُ هَديلَها فَوْقَ
الأزِقَّةِ كأنَّها تَحْرُسُ الطُّفولةَ مِنَ الغُبارِ . حِجَارَتُها الدافئةُ
تَحْفَظُ أسرارَ العابرِين ، وأجنحةُ الطُّيورِ فِيها كانتْ تُعَلِّمُ الناسَ
خِفَّةَ السَّلامِ وَطُمَأنينةَ البُيُوتِ ، لكنَّ الحَرْبَ لا تَفْهَمُ لُغَةَ
الهَديلِ .
تَغَيَّرَ لَوْنُ الهَواءِ ،
صارتْ أبراجُ الحَمَامِ أبراجًا للمَوْتِ . تَحَوَّلَ الخَشَبُ الذي كانتْ تَنَامُ
عَلَيْهِ فِرَاخُ الحَمَامِ إلى مِنَصَّاتٍ باردةٍ يَخْتبئ خَلْفَها القَنَّاصَةُ
الصِّرْبُ . المَدينةُ تَسْمَعُ صَدى الرَّصَاصِ يَعْلُو فَوْقَ مَا تَبَقَّى مِنْ
أصواتِ الأجنحةِ . الحَرْبَ اختطفتْ رُوحَ المَكانِ ، وَوَضَعَتْهَا في إصْبَعٍ
يَضْغَطُ عَلى الزِّنادِ .
لَمْ تَعُد الأبراجُ تَحْمِلُ
دِفْءَ عُشٍّ أوْ نَبْضَ طائرٍ ، صارتْ تَحْمِلُ خُطْوَةَ مَوْتٍ تَخْتبئ خَلْفَ
صَمْتٍ ثقيلٍ . وكُلُّ نافذةٍ في الحَيِّ تَعْرِفُ أنَّ ظِلَّ القَنَّاصِ هُوَ
آخِرُ مَا يَوَدُّ المَرْءُ رُؤيَتَه . الأطفالُ يَمْشُونَ بِمُحَاذاةِ الجُدْرانِ
، يَبْتلعون خَوْفَهم كَيْ لا يَنكسِر في الهَواءِ ، وَتَسِيرُ النِّسَاءُ
مُنْخَفِضَاتِ الرُّؤوس ، يُخَبِّئْنَ قُلُوبَهُنَّ كَمَا تُخَبَّأ الذَّخِيرة .
وَرَغْمَ كُلِّ ذلك ، بَقِيَ في الذاكرةِ أنَّ أبراجَ الحَمَامِ كانتْ يَوْمًا
مَكانًا للحَياةِ . بَقِيَتْ تُذكِّرُنا بأنَّ الحَرْبَ لا تُغَيِّرُ الحَجَرَ
فَقَط ، بَلْ تُغَيِّرُ المَعْنى أيضًا ، تَأخُذُهُ مِنْ دِفْءٍ إلى فاجعةٍ ،
وَمِنْ هَديلٍ إلى صَرْخَةٍ .
ومعَ كُلِّ طائرٍ عادَ بَعْدَ
الحَرْبِ ، ومعَ كُلِّ جَناحٍ تَجَرَّأ على اختراقِ السَّماءِ مَرَّةً أُخْرَى ،
كانَ في الهَواءِ شَيْءٌ يُشْبِهُ اعتذارَ المَدينةِ لأبراجِ الحَمَامِ التي
سُرِقَتْ مِنْهَا بَرَاءَتُهَا ، وَشَيْءٌ يُشْبِهُ وَعْدًا بأنَّ الهديلَ لَنْ
يُمْحَى ، مَهْمَا طالَ دُخَانُ البَنادقِ. الأرضُ في البُوسنةِ تَتذكَّر كُلَّ
خُطْوَةٍ لَمْ تَجْرُؤ الأقدامُ على إتمامِها . تُرابٌ خائفٌ ، يَخْتبئ تَحْتَه
وَجَعُ يَطُول ، وَجَمْرٌ لا يَنطفئ ، فالألغامُ هُناكَ لَيْسَتْ مَعَادِن
مَدْفُونة ، بَلْ هِيَ نَبَضَاتُ مَوْتٍ تَنتظر ، وتاريخٌ يَرفُضُ أنْ يُدْفَنَ .
في تِلْكَ الحُقولِ ، يَنْبُتُ
الخَوْفُ قَبْلَ العُشْبِ ، وَتَكْبَرُ الفَجَوَاتُ في قُلوبِ الناسِ أكثرَ مِمَّا
تَكَبَرُ في الطُّرُقَاتِ . يَمْشِي الأطفالُ على أطرافِ أحلامِهم ، يَخْشَوْنَ
أنْ تَزِلَّ بِهِمُ الطريقُ ، وَتَبْقَى الأُمَّهَاتُ يُرَاقِبْنَ التُّرابَ كَما
لَوْ أنَّه كائنٌ مُتَقَلِّبُ المِزَاجِ ، قَدْ يَفْتَحُ فَمَهُ فَجْأةً ،
وَيَبْتلعُ مَا تَبَقَّى مِنَ الحَياةِ . الحَرْبُ سَتَنْتهي يَوْمًا مَا ، لكنَّ
الأرضَ لَمْ تُصَدِّق الخَبَرَ بَعْد .
مَا زالتْ أوحالُ الطُّرُقَاتِ
تَرتجفُ عِنْدَ كُلِّ خُطْوةٍ ، وَتَشُدُّ على أحشائها الحَديديةِ بِقَسْوَةٍ ،
كأنَّها تَقُولُ للعَابِرِين : (( لا تَثِقُوا بِي كثيرًا ، لَقَدْ تَعَلَّمْتُ
الخِيانةَ في زَمَنٍ كانَ الكُلُّ فِيهِ يَخُون )) .
في الليالي ، حِينَ يَهْدَأ كُلُّ
شَيْءٍ ، تَبْقَى تِلْكَ القَنابلُ الصامتةُ يَقِظَةً ، كَذِكْرَيَاتٍ تأبى
المَغْفِرَةَ ، وَكَنُدُوبٍ لا تُرِيدُ أنْ تَبْرُدَ . هُناكَ ، في البُوسنةِ ، لا
يَحتاجُ الحُزْنُ إلى كَلِمَاتٍ ، يَكْفي أنْ تَمُرَّ يَدُكَ على جِدَارٍ
تَصَدَّعَ في مُنْتَصَفِ الحَرْبِ ، أوْ أنْ تَرى الطريقَ الذي انقطعَ في
مُنْتَصَفِ الحُلْمِ ، لِتَفْهَمَ أنَّ بَعْضَ الجُروجِ تَظَلُّ مَفتوحةً مَهْمَا
طالَ السَّلامُ .
معَ كُلِّ صَباحٍ جديدٍ ،
يُحاولُ الناسُ أنْ يُقْنِعُوا الأرضَ بأنْ تَعُودَ أُمًّا لا مَقْبَرَةً .
يُحاولونَ إعادةَ الطُّمَأنينةِ إلى التُّرابِ ، وَزَرْعَ الضَّوْءِ في أماكن
نَسِيَتْ شَكْلَ النَّهَارِ . لكنَّ الحقيقةَ تَبْقَى مُعَلَّقَةً في الهَواءِ ،
وَهِيَ أنَّ أخْطَرَ مَا خَلَّفَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَكُن الدَّمَارَ، بَلْ ذَلِكَ
الخَوْف المَزروع تَحْتَ الأقدامِ ، يُذكِّرهم في كُلِّ خُطْوةٍ بأنَّ المَاضِي
لَمْ يَمْضِ بَعْد .
الطوابيرُ تَمْتَدُّ كأنَّها
ظِلُّ الحَرْبِ نَفْسُه،تَصْطَفُّ عَلى بابِ فُرْنٍ صغيرٍ نَجَا مِنْ القَصْفِ بِأُعْجُوبَةٍ.
وُجُوهٌ أنهَكَتْهَا الأيامُ، لكنَّها مَا زالتْ تَتَمَسَّكُ بِفَتِيلِ حَياةٍ
رَقيقٍ اسْمُه " الخُبْز ". في حَرْبِ البُوسنةِ، لَمْ يَكُن الخُبْزُ
طَعامًا فَحَسْب ، كانَ وَعْدًا بأنَّ الإنسانَ مَا زالَ قادرًا على أنْ يَستيقظَ
غدًا .
أذكُرُ امرأةً بُوسنِيَّةً
كانتْ تَقِفُ في الصَّفِّ كُلَّ صَباحٍ ، تَضَعُ يَدَها عَلى صَدْرِها ، كأنَّها
تَتَحَسَّسُ نَبْضًا تَخْشَى أنْ يَنطفئ ، وَتَشُدُّ يَدَ طِفْلِها كَيْ لا يَضِيعَ
بَيْنَ الأجسادِ المُتْعَبَةِ . كانَ في عَيْنَيْهَا خَوْفٌ هادئ ، كَخَوْفِ أُمٍّ
تَعْرِفُ أنَّ القذائفَ قَدْ تَسْقُطُ في أيَّةِ لَحْظَة ، لكنَّها رَغْمَ ذلك
تَنتظر ، تَنتظرُ رَغيفًا مِنَ الطُّمَأنينة ، قِطْعَةً صغيرةً مِنَ العَالَمِ
القديمِ الذي تَهَشَّمَ أمامَها .
الرِّجالُ يَقِفُون بِصَمْتٍ
ثقيلٍ ، يُحاولون إخفاءَ قَلَقِهِم ، وكأنَّهُم يَخْشَوْنَ أنْ يَسْمَعَ أحدٌ
ارتجافَ قُلوبِهم . يُحدِّقون بعيدًا ، إلى نُقْطَةٍ مَا خَلْفَ الضَّبَابِ
والدُّخَانِ ، كأنَّهُم يَبحثون عَن البابِ الذي خَرَجَ مِنْهُ السَّلامُ ، وَلَمْ
يَعُدْ . ومعَ ذلك ، وَسَطَ الخَرابِ ، كانَ هُناكَ شَيْءٌ يَلْمَعُ كَجَذْوَةٍ
عَنيدةٍ : " الإنسان " . حِينَ
يَقتربُ الدَّوْرُ مِن امرأةٍ مُسِنَّةٍ ، يَتراجعُ شابٌّ خُطْوَةً إلى الخَلْفِ
احترامًا . حِينَ يَبْكي طِفْلٌ مِنَ الجُوعِ ، يُربِّت رَجُلٌ على كَتِفِه ،
وَيُقْسِمُ لَهُ أنَّ الخُبْزَ سَيَصِلُ إلَيْهِ أوَّلًا . الطابورُ الطويلُ
رَغْمَ الألَمِ والمُعَاناةِ كانَ مَدرسةً صغيرةً للنَّجَاةِ ، وَدَرْسًا كبيرًا
في الرَّحمةِ .
في تِلْكَ الطوابيرِ ،
وُلِدَتْ قِصَصُ حُبٍّ خَجُولة ، وَصَدَاقاتٌ لَمْ تَكُنْ لِتُوجَدَ لَوْلا
الخَوْف المُشترَك ، وأحلامٌ صغيرةٌ طارتْ فَوْقَ رُؤوسِهِم مِثْلَ حَمَامَات لا
تَعْرِفُ الحَرْبَ . الناسُ يَعْرِفُون أنَّ الرَّصاصة قَدْ تَسْبِقُهُم إلى
الغَدِ،لكنَّهم احْتَفَظُوا بِشَيْءٍ أثمَن: رَغْبتهم في الحَياةِ مَهْما طالَ
الانتظار.
وهَكذا ، كانَ الخُبْزُ
مُجرَّد سببٍ ، أمَّا الطابورُ فكانَ شَهادةً على أنَّ القَلْبَ يَستطيعُ أنْ
يَعْلُوَ فَوْقَ الحَرْبِ ، وَلَوْ لِدَقائق قليلة . وَمَدينةُ الأحزانِ تَمُدُّ
يَدَهَا نَحْوَ رَغيفٍ دافئ يُذكِّرها بأنَّ الدِّفْءَ مَا زالَ مُمْكِنًا .
عَلى خُطوطِ المُواجَهةِ في
حَرْبِ البُوسنةِ ، كانَ الليلُ أثقلَ مِنَ الدُّخَانِ ، والبَرْدُ يَعَضُّ أطرافَ
الجُنودِ كَما لَوْ أنَّه يُحاولُ أنْ يَنْتَزِعَ مِنْ أرواحِهم مَا تَبَقَّى مِنْ
دِفْءِ الحَياةِ . هُناك ، حَيْثُ تتقاطعُ الخَنادقُ معَ الخَيْبَاتِ ، كانَ كُلُّ
حَجَرٍ يَشْهَدُ عَلى حِكايةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ ، وكُلُّ رَصاصةٍ تَنْحِتُ في
الذاكرةِ جُرْحًا جَديدًا .
كانت امرأةٌ مَا ، خَلْفَ
نافذةٍ مُحَطَّمَةٍ ، تَتَلَمَّسُ الهَواءَ كأنَّها تَبْحَثُ عَنْ وَجْهِ ابْنٍ
لَمْ يَعُدْ . تُصْغي إلى صَوْتِ الانفجاراتِ ، وَتُقْسِمُ في سِرِّها أنَّها
سَتَتَذَكَّرُ ضِحْكَتَه بَدَلًا مِنْ هَديرِ المَدافعِ .
وعَلى الجِهَةِ الأُخْرَى ، في
الظِّلِّ القَريبِ، كانَ شابٌّ يَضْغَطُ عَلى صَدْرِهِ المُصَابِ ، لا يُريدُ
للمَوْتِ أنْ يَسْمَعَه يَتَنَهَّد ، يَخْشَى أنْ يَقتربَ مِنْهُ في لَحْظَةِ
ضَعْفٍ . عَيْناه تَتْبعان ضَوْءًا بعيدًا ، لَيْسَ أمَلًا واضحًا ، بَلْ مُجرَّد
بَقَايا رَغْبَةٍ في الوُجود .
في تِلْكَ الأرضِ
المُمَزَّقَةِ ، كانت الأرصفةُ تَعْرِفُ وَقْعَ الأقدامِ المُرتَجِفَةِ ،
وَتَعْرِفُ أيضًا أنَّ القُلوبَ التي تَمْشِي عَلَيْهَا أثقلُ مِنَ الحَقائبِ التي
يَحْمِلُها الناجون . كانت البُيُوتُ نِصْفَ واقفةٍ ، وَنِصْفَ مُنهارةٍ ، مِثْلَ
الأرواحِ التي تَعَلَّقَتْ بَيْنَ الفَقْدِ والصُّمُودِ .
وَهُناك ، عِندَ خَطِّ
المُوَاجَهَةِ ذَاتِه ، وُلِدَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الحقيقةَ ، لا أحَدَ يَعُودُ كَما
كان . الحَرْبُ لا تَتْرُكُ مَساحةً إلا وَتَمْلَؤُهَا بِطِينِ الخَوْفِ ، ولا
تَتْرُكُ قَلْبًا إلا وَتَرْسُمُ عَلَيْهِ ظِلَّ مَنْ فَارَقُوا .
في قَلْبِ الرَّمادِ ، كانَ
هُناكَ دائمًا مَنْ يُصِرُّ على أنَّ الحَياةَ على هَشاشتها أقوى مِنْ صُرَاخِ
البَنادقِ ، وأنَّ ضَوْءَ النوافذِ البعيدةِ يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ دليلًا ،
وَلَوْ ضَئيلًا ، إلى غَدٍ أقلَّ ظَلامًا .
في نَشيدِ الأرضِ المَحروقةِ ،
حَيْثُ تَتساقطُ الأبنيةُ كَما لَوْ كانتْ أحلامًا مُهَشَّمَةً ، تَبقى
البَرَاءَةُ صامدةً ، كَطِفْلٍ يَبتسمُ رَغْمَ كُلِّ الخَرابِ. عُيونُهم الصغيرةُ
تَحمِل قِصَصًا لَمْ تُكْتَبْ بَعْد ، وأصواتُهم تَرتعشُ في صَمْتِ الشوارعِ
الفارغةِ ، وَهُمْ يَرْسُمُون على الجُدرانِ اليتيمةِ ألوانَ الحَياةِ التي لَمْ
يَعْرِفُوها . الضَّحَايا لَيْسُوا مُجرَّد أرقامٍ أوْ أخبارٍ عابرةٍ ، إنَّهُم
وُجوهٌ تُسحَب مِنْ بَيْنِ الأشلاءِ ، وقُلوبٌ تَنْزِفُ بِلا صَوْتٍ،وَنُفُوسٌ
تَتَشَظَّى أمامَ عَدالةٍ غَريبةٍ لَمْ تُعْرَفْ عَلى هذه الأرض. ومعَ ذلك، هُناكَ
فضيلةٌ تَتسلَّل بَيْنَ الرُّكَامِ ، وَتَتَجَلَّى في يَدٍ تُقَدِّمُ حُلْمًا
لِطِفْلٍ جائعٍ ، في عَيْنٍ تَحْنُو عَلى يَتيمٍ لا تاريخَ لَهُ سِوى الاحتضارِ ،
في قَلْبٍ لا يَبْكي رَغْمَ كُلِّ مَا شَهِدَ .
رُبَّما الحَرْبُ تُخْفي
الرُّوحَ الإنسانية ، لكنَّها لا تَستطيعُ أنْ تَمحوها . البَراءةُ تُصْبحُ شُعلةً
صغيرةً في ظَلامِ العُنْفِ ، والضَّحِيَّةُ تَتَحَوَّلُ إلى مِرْآةٍ تَصْنَعُ مِنَ
الألَمِ دَرْسًا في الرَّحمةِ ، والفَضيلةُ تَبْقَى خَيْطًا رَفيعًا يَرْبِطُ مَا
تَبَقَّى مِنَ الإنسانيةِ .
في تِلْكَ اللحَظَاتِ، حِينَ
يَنْهَضُ أحَدُهُم لِيَحْمِلَ آخَر مِنْ تَحْتِ الأنقاضِ، حِينَ يُشارِك طِفْلٌ
مَا قَليلًا مِنْ طَعامِه معَ صَديقِه ، يُصْبحُ الألَمُ مَعْنًى ، والخَرابُ
مَكانًا للنُّورِ ، والحَرْبُ مُجرَّد اختبار للرُّوحِ التي لَمْ تَفْقِدْ قُوَاها
بَعْد . في صَمْتِ المُدُنِ المُدَمَّرَةِ ، حَيْثُ تَنهارُ جُدْرانُ البُيُوتِ
كَما تَنهارُ الأحلامُ ، يَطْفُو الناسُ على بَحَيْرَةٍ مِنَ الذكرياتِ الثقيلة .
الحَرْبُ لَمْ تَكُنْ مُجرَّد دُخَانٍ ونِيران ، بَلْ فِكْرَة زُرِعَتْ في
العُقولِ ، جَعَلَتْ مِنْ كُلِّ قَلْبٍ خَنْجَرًا ، وَمِنْ كُلِّ ابتسامةٍ سِلاحًا
مَخْفِيًّا .
إنَّ مَا يُقَاوِمُ في الداخلِ
أقْوَى مِنْ أيِّ دَمَارٍ خارجيٍّ . يُمكِن للإنسانِ أنْ يَطْرُدَ الحَرْبَ مِنْ
عَقْلِهِ كَما يَطْرُدُ دُخَانًا خانقًا مِنْ نافذةٍ مَفتوحة، بالذكرياتِ
الطَّيبةِ ، والضَّحِكَاتِ التي لَمْ تُسْرَقْ بَعْد ، والكِتابةِ عَلى الحِيطانِ
القَديمةِ بِكَلِمَاتِ الحُبِّ والحُرِّيةِ ، يَبْدَأ القَلْبُ في الشِّفَاءِ .
حِينَ يَلتفتُ الناسُ إلى
بَعْضِهِم البَعْض ، عِندَما يُمسِكون بأيدي بَعْضِهِم في الظلامِ ، تَتَفَتَّتُ
الأسوارُ في الرَّأسِ قَبْلَ أنْ تَتَفَتَّتَ البُيُوتُ . في صَوْتِ طِفْلٍ
يَضْحَكُ ، في زَهْرَةٍ تَكْسِرُ الخَرَابَ ، في نَظْرَةٍ لا تَعْرِفُ
الكَرَاهِيَةَ ، هُناكَ تَكْمُنُ المُقَاوَمَةُ الحقيقية . حَرْبُ العُقولِ
تُهْزَمُ بالإنسانيةِ ، والحَنَانِ ، والشَّجَاعَةِ عَلى أنْ يَرى العَالَمَ
غَيْرَ مُظْلِمٍ رَغْمَ كُلِّ الدُّخَانِ . وعِندَما يَخْرُجُ الناسُ مِنْ جَحِيمِ
الصِّراعِ الداخليِّ ، يَكُونون قَدْ أدْرَكُوا شيئًا عَميقًا ، أنَّ السَّلامَ
يَبْدَأ دَاخِلَ كُلِّ عَقْلٍ ، قَبْلَ أنْ يَبْدَأ في الأرضِ .
بَيْنَ أطلالِ الجُدْرانِ
المُشَوَّهَةِ وَرُكَامِ البُيُوتِ التي لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ لَوْنَ السَّماءِ ،
يَعيشُ المَكانُ عَلى وَقْعِ دَقَّاتِ قَلْبٍ لا يَهْدَأ . كُلُّ حَجَرٍ يَهْمِسُ
بِذِكْرى ، وكُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ تَحْمِلُ وَجْهَ طِفْلٍ ، امرأة ، رَجُل ، لَمْ
يَخْتارا إلا أنْ يَكُونا هُناك . الرِّياحُ تأتي مُحَمَّلَةً برائحةِ الخَوْفِ
والغُبارِ ، تُحَاكِي صَرَخَاتٍ غائبةً ، وأحلامًا لَمْ تُولَدْ .
أصواتُ المَدَافِعِ والصواريخِ
، تِلْكَ التي تَرْسُمُ عَلى الجُدْرانِ خُطوطَ المَوْتِ ، لا تَسْتطيعُ أنْ تَمحو
الحَنينَ إلى بَقَايا الحَياةِ . هُنا ، على الأرضِ التي مَزَّقَتْها الرَّصَاصات
، يَظَلُّ الناسُ يَزرَعون الأملَ في شُقوقِ الحَجَرِ ، ويَبْحَثون عَنْ ضِحْكَةٍ
تَتسلَّل بَيْنَ الانفجاراتِ ، وَعَنْ حَياةٍ تَتَحَدَّى الانكسارَ . وحتى في
وَسَطِ الدَّمَارِ ، هُناكَ لَمَحَاتٌ مِنَ الإنسانيةِ تُكافِح للبَقَاءِ ، يَدٌ
تَمْتَدُّ لِتُسَاعِدَ ، وَعَيْنٌ تُحاوِل أنْ تَلْمَحَ الأمَانَ ، وَقَلْبٌ
يُصِرُّ على النَّبْضِ رَغْمَ الخَرابِ . المَكانُ صارَ شَاهِدًا على قُوَّةِ
الهَشَاشَةِ ، وَصُمودِ الرُّوحِ ، وَعَلى أنَّ البَقَاءَ أحيانًا يَكُون مُجرَّد
شَجاعةٍ في مُوَاجَهَةِ العَدَمِ .
هُنا، في مَرْمَى المِدْفَعِيَّةِ
، لا تَصْنَعُ الخَرائطُ العَدالةَ، ولا تَحْمي الحُدودُ الأحلامَ . وَمَا يَبْقَى
هُوَ صَدى الحَياةِ البَسيطةِ ، صَدى قَلْبٍ يَعْرِفُ أنَّ كُلَّ لَحْظَةِ سَلامٍ
، حتى لَوْ قَصيرة ، هِيَ ثَوْرَةٌ صغيرةٌ في زَمَنِ الانفجارِ .
كانت العَرَبَاتُ العَسْكريةُ
المُتَفَرِّقَةُ عَلى الطُّرُقَاتِ الباردةِ في حَرْبِ البُوسنةِ تُشْبِهُ شَظايا
ذاكرةٍ انكسرتْ فَجْأةً . كُلُّ لَوْحةٍ مَعْدِنِيَّةٍ عَلَيْهَا رَقْم ، وكُلُّ
رَقْمٍ يَحْمِلُ خَلْفَه وَجْهًا لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ الأمْسَ . العَرَبَاتُ
تَمْضِي كأنَّها تُسَاقُ بِثِقَلِ الأرواحِ التي مَرَّتْ فِيها ، مُحَمَّلَة
بارتجافاتِ الجُنودِ ، وَبَقَايا رَائحةِ الخَوْفِ ، وَصَمْتٍ يُشْبِهُ لَحْظَةَ
مَا قَبْلَ الانهيارِ . وَتَتناثرُ العَرَبَاتُ عَلى السُّفُوحِ ، بَعْضُها
مُطْفَأ المُحَرِّكَاتِ كَقَلْبٍ تَوَقَّفَ عَن الصُّرَاخِ ، وَبَعْضُها يَجُرُّ
خَلْفَه آثارَ العَجَلاتِ عَلى الوَحْلِ ، كأنَّ الأرضَ نَفْسَها تَحْفَظُ
شَهَقَاتِ الفَارِّين والمُقَاتِلِين مَعًا . في كُلِّ عَرَبَةٍ حِكَايَةٌ ، وفي
كُلِّ حِكَايَةٍ نافذةٌ مَكسورةٌ ، أوْ مَقْعَدٌ مَا زالَ دافئًا مِنْ جَسَدٍ
غَادَرَهُ قَبْلَ قَليلٍ .
لَمْ تَكُن العَرَبَاتُ
مُجرَّد آلاتٍ ، إنَّها رسائل لَمْ تُقْرَأ بَعْد ، رسائل مِنْ زَمَنٍ انطفأتْ
فِيهِ المُدُنُ، وانكسرتْ فِيهِ البُيُوتُ أمامَ الرِّيحِ . كانتْ شاهدةً عَلى
مُرورِ بَشَرٍ ظَنُّوا أنَّهُم مَاضُون إلى سَاحَةِ مَعركةٍ ، بَينما كانوا في
الحَقيقةِ يَسِيرُون نَحْوَ حَافَةِ أعمارِهم .
في المَساءِ ، عِندَما يَهُبُّ
الهَواءُ الباردُ عَلى المَعْدِنِ الصامتِ ، كانت العَرَبَاتُ تُصْدِرُ أنِينًا
خَافِتًا ، يُشْبِهُ اعترافًا مُتَأخِّرًا بأنَّ الحَرْبَ لا تَنْتهي بِنِهَايَةِ
الطَّلَقَاتِ ، بَلْ تَبْقَى عالقةً في الحَدِيدِ والتُّرابِ ، والعُيونِ التي
شَهِدَت الطريقَ ، وَلا يُمْكِنُ أنْ تَنْسَى .
يَمْشِي الشَّبَابُ عَلى
طُرُقٍ مُلَطَّخَةٍ بالتُّرابِ والغُبارِ ، تَحمِل كُلُّ خُطْوةٍ فِيها صَدى
الألَمِ وَصَرْخَةَ الذكرياتِ . عُكَّازَاتُهُم المَعْدِنِيَّةُ تَصْدَحُ بِصَوْتٍ
حَزينٍ معَ كُلِّ انحناءةٍ ، وأطرافُهُم الصِّناعِيَّةُ الطويلةُ تَلْمَعُ تَحْتَ
الشَّمْسِ ، وكأنَّها شاهدةٌ صامتةٌ عَلى جَسَدٍ يَنْزِفُ ، وَرُوحٍ لَمْ
تَكْسِرْها الحَرْبُ . كُلُّ حَرَكَةٍ تَبْدُو كَصِرَاعٍ معَ الزَّمَنِ ، وكُلُّ
نَفَسٍ تَسْتَنْشِقُهُ أجسادُهُم يُذكِّرهم بِمَا فَقَدُوه ، وَمَا بَقِيَ مِنْ
أحلامِهِم المُتَنَاثِرَةِ عَلى حَافَةِ الرَّصَاصِ .
في عُيونِهِم حِكايةٌ لا
يَجْرُؤُ أحدٌ عَلى سَماعِها كاملةً ، حِكايةُ شَجاعةٍ دُفِنَتْ بَيْنَ أنقاضِ
البُيُوتِ، وَصَدى ضَحِكَاتٍ كانتْ يَوْمًا أمَلًا ، وَصَرَخَاتٌ كانتْ نَزِيفًا
غَيْرَ مَسْمُوعٍ. يُوَاصِلُون السَّيْرَ، والنِّضَالَ معَ أنفُسِهِم ، ومعَ
العَالَمِ، الألَمُ أصبحَ جُزْءًا مِنْهُم، وَعَلامةً تُذكِّرهم بأنَّهُم لَمْ
يُقْتَلُوا بَعْد ، وأنَّ العَزيمةَ أقوى مِنَ الحَديدِ الذي يَحمِلونه مَعَهُم .
كُلُّ خُطْوَةٍ عَلى
العُكَّازِ ، وكُلُّ ارتكازٍ عَلى طَرَفٍ صِنَاعِيٍّ ، هُوَ شَهادةٌ عَلى الحَياةِ
وَسَطَ الخَرابِ، عَلى الصَّبْرِ وَسَطَ الخَسَارَةِ، عَلى إرادةٍ لا تَعْرِفُ
الانكسارَ، حتى وإنْ تَكَسَّرَت الأجسادُ ، وتلاشت المُدُنُ. في الماضي ، كانَ
السِّلاحُ يَتْرُكُ جُرْحًا في اللحمِ ، وعَلامةً حَمْراء على الجَسَدِ ، وشَهادةً
عَلى صِرَاعٍ يُمْكِنُ للجَسَدِ أنْ يَحْتَمِلَه . أمَّا اليَوْم ، فَقَدْ
تَحَوَّلَت الأسلحةُ إلى آلاتٍ لا تَرْحَمُ ، تُهَشِّمُ العِظَامَ قَبْلَ أنْ
يَستوعبَ الألَمُ أيَّ مَعْنى ، فتنهار الأجسادُ وكأنَّها أوراق جَافَّة ،
وَتَظَلُّ صَرَخَاتُ الأطفالِ المُخْتبئين تَحْتَ الرُّكَامِ تَتَرَدَّدُ بِلا
نِهايةٍ . لَمْ تَعُد الحَرْبُ مُجرَّد صِرَاعٍ بَيْنَ جَسَدَيْن، بَلْ أصبحتْ
صِرَاعًا بَيْنَ حَياةٍ وكُلِّ مَا تَبَقَّى مِنْ إنسانيةٍ، حَيْثُ يَنهارُ
الحُلْمُ قَبْلَ أنْ يُولَدَ ، وَتَغْدُو الأرضُ قُبورًا بِلا أسماء، وَسَمَاءً
بِلا أوسمة . هذه الأسلحةُ، الباردةُ والمَعْدِنِيَّةُ، لَيْسَتْ مُجرَّد أدواتٍ ،
بَلْ هِيَ قُلوبٌ مِنْ حَديدٍ ، تَمْنَحُ المَوْتَ سَطْوَةً بِلا مُقَاوَمَةٍ ،
وَتَتْرُكُ وَراءَها صَمْتًا أشدَّ وَقْعًا مِنْ كُلِّ انفجارٍ .
تَقِفُ النُّصُبُ التَّذكاريةُ
في صَمْتِها الصارخِ ، شاهدةً عَلى وُجوهٍ رَحَلَتْ قَبْلَ أنْ تَستكملَ قِصَصَها
، على أرواحٍ أطفأتْهَا رَصَاصَاتُ الحَرْبِ قَبْلَ أنْ تَشتعلَ الحَياةُ فِيها .
هُناك ، بَيْنَ الحَجَرِ الباردِ والنُّقُوشِ الصامتة ، يَنْبِضُ الألَمُ في
صَمْتٍ يَصْرُخُ أكثرَ مِنْ ألْفِ صَرْخَةٍ ، وَيَهْمِسُ الحَنينُ إلى مَا كانَ
يُمْكِنُ أنْ يَكُون . كُلُّ اسْمٍ مَحفورٍ على الصَّخْرِ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَةٍ
، بَلْ حَيَاة تَوَقَّفَتْ ، وَحُلْمٌ تَحَطَّمَ ، وَقَلْبٌ تَوَقَّفَ عَن
النَّبْضِ ، وَعَيْنٌ لَمْ تَعُدْ تَرى ضَوْءَ الصَّبَاحِ .
يَمُرُّ الزائرُ بِجَانِبِ
النُّصُبِ التَّذكارية ، فَيَشْعُر أنَّ كُلَّ حَجَرٍ يَحْمِلُ صَدى صَمْتٍ عَميقٍ
. صَمْتٌ يَفْرِضُ عَلى القَلْبِ الوُقُوفَ والتَّأمُّلَ. صَمْتٌ يَرْوي قِصَصَ
الأطفالِ الذينَ لَمْ يَكْبَرُوا ، والآباءِ الذينَ لَمْ يَرَوْا أبناءَهم،
والأُمَّهَاتِ اللواتي جَفَّتْ دُمُوعُهُنَّ قَبْلَ أنْ تَكْتَمِلَ رِحْلَتُهُنَّ
في الحَياةِ. والنُّصُبُ التَّذكاريةُ لَيْسَتْ مُجرَّد حِجَارَةٍ ، بَلْ مَرايا
للذاكرةِ ، تُذكِّرنا بأنَّ الحَرْبَ لا تَقْتُلُ الجَسَدَ فَقَط ، بَلْ تُهشِّم
الأحلامَ ، وتَزرَع الفَراغَ في الأماكنِ التي كانتْ تَعِجُّ بالحُبِّ والأمَانِ .
كُلَّما تَأمَّلْنَا الحَرْبَ
شَعَرْنا أنَّ الألَمَ هُنا خالدٌ ، والتَّضْحية حاضرة في كُلِّ نَفَسٍ ونَقْشٍ
وَرَمَقٍ مِنَ الهَواءِ الباردِ الذي يَمُرُّ بَيْنَ الأحجارِ . هُناك ، حَيْثُ
الصَّمْت أقوى مِنَ الصَّوْتِ ، والذِّكْرى أثقل مِنَ الكَلِمَاتِ ، يَتعلَّم
الإنسانُ مَعْنى فِقْدانِ البَراءةِ ، ومَعْنى أنْ يَبْقَى التاريخُ شاهدًا على
وَجَعٍ لَمْ يَلْتَئِمْ بَعْد .
في شوارعِ المَدينةِ التي
صَارَتْ رَمَادًا ، يَتظاهرُ بعضُ الناسِ بأنَّ الحياةَ مُستمرة ، يَبْتسمون أمامَ
بَعْضِهم ، وَيَتبادلون الكَلِمَاتِ كأنَّ الحَرْبَ لَمْ تَتْرُكْ أثَرًا ، وكأنَّ
الألَمَ لَمْ يَحْفِرْ عَميقًا في صُدورِهم. لكنَّ الأقنعة ثقيلة ، ثقيلة جِدًّا ،
وفي لَحْظَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ ، تَبدأ الشُّقُوقُ بالظُّهُورِ . يَنهارُ
الصَّمْتُ المُزَيَّفُ ، وتَنكشفُ العُيونُ التي تُحاولُ إخفاءَ الرُّعْبِ ،
وَتَتَّضِحُ الوُجوهُ التي اختبأتْ وَراءَ البَسْمَةِ المُصْطَنَعَةِ . تَسْمَعُ
في الهَواءِ صَدى الصُّراخِ المُخْتَنِقِ ، وَصَدى الذكرياتِ التي لا تُريدُ
المُغَادَرَةَ ، ثُمَّ تُدرِك أنَّ كُلَّ هؤلاء الذينَ اعتقدتَ أنَّهُم صامدون ،
مَا هُمْ إلا أرواح تَتصارعُ معَ نَفْسِها ، وتُحاولُ النَّجَاةَ في عَالَمٍ
فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ بَراءته . وفي هَذا السُّقُوطِ البَطيءِ للأقنعةِ ،
تَكْشِفُ الحَرْبُ وُجُوهَها الحقيقية ، وُجُوهَ مَنْ نَسُوا كَيْفَ يَكُونون
بَشَرًا ، وَوُجُوهَ الذينَ لَمْ يَنْسَوا الألَمَ ، وَوُجُوهَ الذينَ يَعيشون على
أطلالِ الماضي ، وَيَبْحثون عَنْ شَيْءٍ يُسْنِدُهُم بَيْنَما الأرض تَهْتَزُّ
تَحْتَ أقدامِهم. الحياةُ الطبيعيةُ هِيَ وَهْمٌ مَطْلِيٌّ بالذَّهَبِ المَكسورِ،
والآنَ لَمْ يَبْقَ سِوى الحقيقةِ المُرَّةِ، كُلُّ شَخْصٍ هُنا يُقَاتِلُ ،
لَيْسَ مِنْ أجْلِ البَقَاءِ فَقَط ، بَلْ مِنْ أجْلِ ألا يَفْقِدَ آخِرَ مَا
تَبَقَّى مِنْ إنسانيته .
في تِلْكَ الأرضِ التي احتضنت
الدَّمَ والرَّمَادَ ، صارت المُدُنُ مَسْرَحًا للغَدْرِ والصَّمْتِ مَعًا .
البُوسنِيُّون المُتَحَضِّرُون حَمَلُوا شِعاراتِ الحَضارةِ والإنسانيةِ على
أكتافِهم ، وَوَاجَهُوا الصِّرْبَ المُتَوَحِّشِين البَرابرة الذينَ لا يَعْرِفُون
التاريخَ ولا الحَضارةَ ولا الرَّحمةَ ، يَقْتلعون الضَّحِكَاتِ مِنْ وُجوهِ
الأطفالِ كَما يَقْتلعون الأشجارَ مِنْ جُذورِها .
الحَرْبُ تَقُصُّ حِكاياتِها على الجُدْرانِ
المُحَطَّمَةِ ، والأرصفةِ المُلَطَّخَةِ بالدَّمِ ، والنوافذِ التي تَنْظُرُ إلى
السَّماءِ كأنَّها تَتوسَّل الرَّحمةَ . البُوسنِيُّون المُتَحَضِّرُون الذينَ
حَلُمُوا بالسَّلامِ اكْتَشَفُوا أنَّ حَضارتهم كانتْ وَرَقَةً ضعيفةً في
مُوَاجَهَةِ فَوْضَى الصِّرْبِ البَرَابرة ، لكنَّهم تَمَسَّكُوا بالأملِ ،
والغِنَاءِ الصامتِ للإنسانيةِ في أعماقهم ، بَينما تَتَهَاوَى مِنْ حَوْلِهم
القِيَمُ والقوانين .
والمُتَفَرِّجُ عَلى هَذا
الجُنونِ ، يَشْعُر بِثِقَلِ الزَّمَنِ يَتراكمُ عَلى قَلْبِه ، وَيُصْغي إلى
صَرَخَاتِ الأرضِ وَهِيَ تَتَلَوَّى مِنْ ألَمِهَا . لكنْ حتى وَسَط الخَرابِ ،
يَظَلُّ هُناك بَقَايا مِنْ نُورٍ ، بَقَايا مِنْ رُوحٍ تُحاولُ أنْ تَتشبَّث
بالإنسانية ، حتى لَوْ كانَ العَالَمُ كُلُّهُ قَدْ تَحَوَّلَ إلى مَسْرَحٍ
للرُّعْبِ .
الحَرْبُ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ
المُتَحَضِّرِين والبَرَابرةِ ، إلا أنَّ الذاكرة تَحتفظ بِمَنْ صَمَدَ ، وَمَنَ
سَقَطَ ، وَمَنْ حاولَ أنْ يُبْقِيَ قَلْبَه حَيًّا في ظِلِّ هَذا المَوْتِ
الكبيرِ .
في قَلْبِ المَدينةِ التي
كانتْ تَعِجُّ بالحَياةِ، صارت البُنُوكُ صامتةً كَقُبورٍ للمَالِ والحُلْمِ .
لَمْ يَعُدْ هُناكَ وَرَقٌ يُعَدُّ ، ولا أصواتُ مُعَامَلاتٍ تَتَرَدَّدُ في
القاعاتِ الواسعة ، فَقَط صَدى انفجاراتٍ يَتَسَلَّلُ عَبْرَ الجُدْرانِ
المُشَقَّقَةِ ، كأنَّه يَهْمِسُ بأنَّ المَكَانَ الذي جَمَعَ البَشَرَ في
طُموحاتِهم صارَ شَاهِدًا على الخَوْفِ والفَرَاغِ .
أمَّا الفَنَادِق ، فكانتْ
مَرَايا لأيَّامٍ كانت الأحلامُ فِيها ضُيوفًا مُرَحَّبًا بِهِم ، واليَوْمَ
أصبحتْ غُرَفُها صَدى للوَحْدَةِ والخَوْفِ ، حَيْثُ تُرِكَت الأسِرَّةُ بِلا
عِنايةٍ ، والطاولات فارغة مِنْ ضَحِكِ الزائرين .
كُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ هِيَ
عَيْنٌ حَزينةٌ تُرَاقِبُ المَدينةَ وَهِيَ تنهار ، وكُلُّ رَدْهَةٍ فارغةٍ تَرْوي
قِصَّةَ انتظارٍ لا يَنتهي لِعَوْدَةِ الحَياةِ إلى مَكانٍ رَحَلَ مِنْهُ البَشَرُ
قَبْلَ الرَّحيلِ .
أمَّا المَتاحفُ ، فَقَدْ
صارتْ خزائن للذكرياتِ المَنهوبة ، والصُّوَرِ القديمةِ ، واللَّوْحَاتِ التي لَمْ
يَعُدْ لَهَا مَنْ يَحْميها . كانَ الفَنُّ فِيها آخِرَ مَلْجَأ للرُّوحِ ،
واليَوْمَ هُوَ شَاهِدٌ على العَدَمِ ، والخَيَالِ الذي قَتَلَتْهُ رَصَاصَاتُ
الحَرْبِ ، والأصواتِ التي اخْتَنَقَتْ بَيْنَ الجُدْرانِ الحَجَرِيَّةِ التي
حاولت الصُّمُودَ بِلا جَدْوى .
كُلُّ زاويةٍ في المَدينةِ ،
مِنَ البُنُوكِ إلى الفَنادقِ إلى المَتاحفِ ، كانتْ تَحْكي قِصَّةَ الناسِ الذينَ
أحَبُّوا الحَياةَ ، وَوَجَدُوا أنفُسَهم في مِرْآةِ الحُزْنِ ، يَلْتَقِطُون
خُيوطًا مِنْ مَاضِيهِم بَيْنَ الأنقاضِ ، وَيَتساءلون: (( كَيْفَ يُمْكِنُ
للمَالِ والرَّاحةِ والجَمَالِ أنْ تُقَاوِمَ عُنْفَ الحَرْبِ ؟ )) .
في أرْضِ البُوسنةِ ، حَمَلَ
البَشَرُ عِبْءَ مَا لَمْ يَخْتاروه ، صَامِدِين وَسَطَ الخَرابِ ، كأشجارٍ
جُذورها عَميقة رَغْمَ العَواصفِ . كُلُّ بَيْتٍ مُحَطَّمٍ كانَ شَاهِدًا عَلى
قِصَّةِ فَقْدٍ ، وكُلُّ شَارعٍ مَهجورٍ كانَ يَصْرُخُ بِاسْمِ مَنْ رَحَلُوا
قَبْلَ أوانِهِم. الحَرْبُ لَمْ تَأخُذْ مِنْهُم الحَياةَ فَقَط ، بَلْ حاولتْ أنْ
تَمْحو وُجودَهم مِنَ الذاكرةِ . ومعَ ذلك ، بَقِيَتْ أرواحُهُم تَتَشَبَّثُ
بِبَقَايا الحَياةِ ، والكَرامةِ التي لَمْ تَنْكَسِرْ. في عُيونِهم حِكَايَاتٌ
لَمْ تُرْوَ ، عَنْ طُفولةٍ انطفأتْ ، وأملٍ وُلِدَ مِنْ قَلْبِ الرَّمادِ .
والحَنينُ مَوْجَةٌ خَفِيَّةٌ تَضْرِبُ القَلْبَ فَجْأةً ، فَتُعِيدُهُ إلى مَا
كانَ، وَتَتْرُكُهُ مُعَلَّقًا بَيْنَ مَا مَضَى ومَا لا يَعُود .
البُوسنِيُّون شَعْبُ
الضَّحَايا ، نَعَم ، لكنَّهم أيضًا شَعْبُ الصُّمُودِ ، شَعْبٌ يَعْرِفُ كَيْفَ
يَصْنَعُ مِنَ الألَمِ مِرْآةً تُظْهِرُ القُوَّةَ في قَلْبِ الدَّمارِ ، وكَيْفَ
يُثْبِتُ أنَّ الإنسانَ رَغْمَ كُلِّ الخَرابِ قادرٌ على أنْ يَظَلَّ حَيًّا في
صَمْتِهِ وَوَجَعِه .
في مُعَسْكَرَاتِ الاعتقالِ
الصِّرْبِيَّةِ ، حَيْثُ يَخْتَلِطُ الحَدِيدُ بالدَّمِ ، والظلامُ يَبْتَلِعُ
النَّظَرَاتِ المَكسورة ، عاشَ البُوسنِيُّون كأنَّهُم أشياء بِلا رُوحٍ .
الأسوارُ الشائكةُ لَمْ تَفْصِلْهُم عَن العَالَمِ فَقَط ، بَلْ عَنْ إنسانيتهم ،
وكُلِّ مَا تَبَقَّى مِنْ كَرامتهم. هُناك ، على الأرضِ الباردةِ ، كانت
الخُطُوَاتُ قليلةً، والقُلوبُ تَرتَجِف ، والعُيونُ تَبْحَثُ عَنْ أيِّ بَصِيصِ
أمَلٍ في مَكَانٍ لا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ .
الهَواءُ مُثْقَلٌ بالرُّعْبِ
، والغُرَفُ الضَّيِّقَةُ تَحْبِسُ الصَّرَخَاتِ قَبْلَ أنْ تَصِلَ إلى الآذَانِ .
الجُوعُ والضَّرْبُ والبَرْدُ كانتْ طُقوسًا يَوْمِيَّةً ، وكُلُّ لَحْظَةٍ كانتْ
اختبارًا للبَقَاءِ عَلى قَيْدِ شَيْءٍ اسْمُهُ حَيَاة . الأطفالُ والشَّبَابُ
والشُّيُوخُ كُلُّهُم أصبحوا أرقامًا ، وكُلُّ رَقْمٍ يَحْكي قِصَّةً دَمَعَ فِيها
الأُفُقُ عَلى صَمْتِ الأرضِ. ومعَ كُلِّ هَذا الرُّعْبِ ، ومعَ كُلِّ مُحَاوَلَةٍ
لإطفاءِ الإنسانيةِ ، كانَ هُناكَ شَيْءٌ لا يُقْهَرُ: الذاكرة . ذاكرةُ
الضَّحَايا بَقِيَتْ حَيَّةً ، تَحْمِلُ ألَمَهُم وَخَوْفَهُم ، وكُلَّ لَحْظَةِ
ظُلْمٍ عاشوها دَاخِلَ تِلْكَ المُعَسْكَرَاتِ. حَتَّى لَوْ حاولَ الظلامُ أنْ
يَبْتَلِعَهُم ، فإنَّ صَرْخَتَهُم الصامتة ، وَوَجَعَهُم المَحْفُورَ في
الجُدْرَانِ ، سَيَبْقَى شَاهِدًا عَلى القَسْوَةِ التي عَرَفَهَا البَشَرِ ،
وعَلى الصُّمودِ الذي لَمْ تَستطعْ أيَّةُ يَدٍ أنْ تَمْحوه .
في قَلْبِ التاريخِ ، هُناكَ
شُعوبٌ تَتَشَبَّثُ بِمَاضِيها كَما تَتَشَبَّثُ الأشجارُ بِجُذورِها ، لا لِتَنْمو
مِنها ، بَلْ لِتُكْمِلَ بِهَا جِرَاحَها . الصِّرْبُ المُتَوَحِّشُون ، في حَرْبِ
البُوسنةِ ، لَمْ يَكُونوا مُجرَّد جُنودٍ أوْ مُقَاتِلِين ، بَلْ صَدى لِمَاضٍ
قَوْمِيٍّ صَارمٍ وعَنيفٍ ومُتَحَجِّرٍ ، يَرفُضُ أنْ يَرى في تاريخِ الأُمَمِ
الأُخْرَى إنسانيةً أوْ حَقًّا أوْ تاريخًا أوْ حَضارةً . كانتْ أعْيُنُهُم
مُمْتَلِئَةً بالعُنْصُرِيَّةِ ، وَقُلُوبُهُم مَمْلُوءَةً بِغُرُورٍ يَسْتَحِيلُ
مَعَهُ الاعترافُ بآلامِ الآخَرِين .
لَمْ يَكُنْ تَطَرُّفُ
الصِّرْبِ كَرَاهِيَةً عابرة، بَلْ ثقافة مُتَأصِّلَة ، تُزْهِرُ كُلَّمَا ذُكِرَ
اسْمُ الوَطَنِ أو العِرْقِ. كانَ الماضي بالنِّسْبَةِ إلَيْهِم دِرْعًا ، وكانتْ
ذِكْرياتُ الأُمَمِ الأُخْرَى بالنِّسْبَةِ إلَيْهِم غُبارًا لا قِيمة لَه .
في كُلِّ قَرْيَةٍ بُوسنِيَّةٍ
، في كُلِّ مَدينةٍ انهارتْ تَحْتَ النارِ ، كانَ صَمْتُ العَالَمِ يَصْنَعُ
فَجْوَةً بَيْنَ تاريخِ الغُزاةِ الصِّرْبِ والتاريخِ الإنسانيِّ . لَمْ يَرَوْا
في دَمِ الضَّحَايا سِوَى تَهديدٍ لأُسطورةِ قَوْمِيَّتِهِم ، وَلَمْ يَسْمَعُوا
سِوَى صَدى أنفُسِهِم، واثقينَ بأنَّ مَاضِيهم المَلِيءَ بالبُطولاتِ
القَوْمِيَّةِ الوَهْمِيَّةِ يُبَرِّرُ قَتْلَ الأبرياءِ .
إنَّها مَأسَاةُ الشُّعُوبِ
حِينَ يُصْبحُ الانتماءُ إلى الماضي حَجَرًا يُثْقِلُ أعناقَهم ، وَحِينَ
يَتَحَوَّلُ التاريخُ إلى سِجْنٍ للضَّمِيرِ ، وَحِينَ لا يَرى الإنسانُ سِوى
انعكاسِ صُورَتِهِ في مَرايا العِرْقِيَّةِ المُتَطَرِّفَةِ، غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا
حَلَّ بِأُمَمٍ أُخْرَى . هُناك ، في البُوسنةِ المُدَمَّرَةِ ، كَتَبَ
التَّوَحُّشُ الصِّرْبيُّ الأُرثُوذُكْسِيُّ صَفَحَاتِهِ عَلى جُدْرَانِ القُرى ،
لِيَبْقَى وَسْوَاسُ التَّمَسُّكِ بالماضي القَوْمِيِّ شَاهِدًا عَلى فَشَلِ
الإنسانيةِ في رُؤيةِ الآخَرِ .
في قَلْبِ كُلِّ حَرْبٍ ، تَنْمُو
الرِّواياتُ كَما تَنْمُو الجُروحُ . كُلُّ جَمَاعَةٍ تَحْمِلُ عَلى أكتافِها
ثِقَلَ الماضي ، وَتَرى في نَفْسِها الضَّحِيَّةَ الأُولَى والأخيرةَ . كُلُّ
ذِكْرى ، كُلُّ صُورةٍ ، كُلُّ صَرْخَةٍ مَدفونةٍ في التُّرابِ ، تَتَحَوَّلُ إلى
دَليلٍ لا جِدَالَ فِيهِ على الألَمِ الذي لا يَزُول . وفي حَرْبِ البُوسنةِ ،
كَما في أيِّ صِرَاعٍ مِنْ صِرَاعَاتِ البَشَرِ ، يَبْدُو الكَثِيرُون أسْرَى
لِفِكْرَةِ أنَّهُم تَألَّمُوا أوَّلًا ، وأنَّ التاريخَ مَنَحَهُمُ الحَقَّ في
الحُزْنِ ، وَرُبَّمَا حَتَّى في الانتقامِ .
لكنَّ الحقيقة المُرَّة
تَكْمُنُ في أنَّ الألَمَ لا يُقَسَّمُ بالتَّسَاوي ، ولا يُقَاسُ بِمَوَازينِ
العَدالةِ البَشَرِيَّةِ. كُلُّ دَمْعَةٍ ، كُلُّ فَقْدٍ ، كُلُّ صَرْخَةٍ إنسانية
، هِيَ واحدة ، سَوَاءٌ جاءتْ مِنْ هُنا أَمْ هُناك ، مِنْ هَذا الطَّرَفِ أَمْ
ذاك . ومعَ ذلك ، يُصِرُّ كُلُّ طَرَفٍ عَلى أنْ يُقْرَأ التاريخُ مِنْ مَنظورِ
جُرْحِهِ وَحْدَه ، وكأنَّ العَالَمَ كُلَّهُ يَجِبُ أنْ يُحَاكَمَ وَفْقَ
تَوْقِيتِ ألَمِه . في النِّهايةِ ، يَبْدُو أنَّنا جَميعًا ضَحَايا الماضي ، لا
لأنَّنا ضُعَفَاء ، بَلْ لأنَّنا بَشَرٌ ، نَحْمِلُ دَاخِلَنَا ذاكرةً لا تَنَام ،
وَقُلوبًا لا تَهْدَأ ، وَنَظَرَاتٍ تَبْحَثُ عَن العَدالةِ في مَرايا حقيقيةٍ لا
وُجُود لَهَا . والكارثةُ الأكبرُ هِيَ أنَّ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لِفَهْمِ الآخَرِ
تَصْطَدِمُ بِسُورٍ مِنَ الألَمِ ، كَما لَوْ أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يَقِفُ
عَلى حَافَةِ حُفْرَةٍ مِنْ نارٍ ، يَرى نَفْسَه يَحْتَرِقُ وَحْدَه، مُتَنَاسِيًا
أنَّ النارَ واحدةٌ ، وأنَّ الدُّخَانَ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ وآخَر .
بَرَاءَةُ البُوسنِيِّين كانتْ
كالزُّجَاجِ الرَّقيقِ في قَلْبِ حَرْبٍ لَمْ تَعْرِف الرَّحْمَةَ . الأطفالُ
والنِّسَاءُ والشُّيُوخُ ، كُلُّهُمْ يَحْمِلُون في عُيونِهم نَقَاءً لَمْ
تَطْعَنْهُ الوَحْشِيَّةُ . في نَظَرَاتِهِم بَرَاءَةٌ مَكتوبةٌ بالدَّمِ والحِرْمَانِ،
بَرَاءَةٌ لَمْ تُمْسَحْ رَغْمَ كُلِّ الرَّصَاصِ والانفجاراتِ . يَمْشُونَ بَيْنَ
الدَّمَارِ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، يُحاولون الحِفَاظَ عَلى مَا تَبَقَّى مِنْ
إنسانيتهم ، عَلى بَسْمَةٍ صَغيرةٍ ، عَلى لَمْسَةِ أمَلٍ وَسَطَ الخَرَابِ.
أمَّا غُرُورُ الصِّرْبِ
القاتلُ ، فكانَ كالظِّلِّ الثقيلِ الذي يُطَارِدُ كُلَّ زاويةٍ ، يَظُنُّ
نَفْسَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ ، يَظُنُّ أنَّ القُوَّةَ الحقيقية في تَدميرِ
الآخَرِين ، وَتَحويلِ البُيُوتِ إلى رَمَادٍ ، والقُلوبِ إلى جُثَثٍ صَامتةٍ .
كانتْ وَحْشِيَّةُ الصِّرْبِ لا تَعْرِفُ حُدُودًا ، وَغَطْرَسَتُهُم لا تَهْتَزُّ
أمامَ دِمَاءِ الأبرياءِ ، لكنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا أنَّ البَرَاءَةَ رَغْمَ كُلِّ
الجِرَاحِ تَرْفُضُ الانكسارَ .
في كُلِّ نَظْرَةِ فَتَاةٍ
يَتيمةٍ ، وفي كُلِّ يَدٍ مُرْتَعِشَةٍ لامرأةٍ فَقَدَتْ أحبابَها ، وفي كُلِّ
دَمْعَةٍ سَقَطَتْ بِصَمْتٍ ، هُناكَ شَهادةٌ عَلى نَقَاءٍ لا يُمْكِنُ لأيِّ
غُرورٍ قاتلٍ أنْ يَمْحوه . البُوسنِبُّون مَجْرُوحُون بِلا رَحْمَةٍ ، يَحْمِلُون
في أعماقِهم رُوحًا حَيَّةً ، وَصَرْخَةً صامتةً تَقُول : (( حتى في وَجْهِ
الوَحْشِ ، البَرَاءَةُ تَبْقَى أبديةً ، والغُرورُ القاتلُ يَنهارُ أمامَها
عَاجِلًا أَمْ آجِلًا )) .
وَصَلْتُ إلى البُوسنةِ وأنا
أحْمِلُ قَلْبي عَلى كَفِّي ، ظَنَنْتُ أنَّ الحَرْبَ بعيدةٌ عَنْ عُيونِنا ،
لكنَّها هُنا ، تُخْرِجُ مِنْ وُجوهِ الأطفالِ الرُّعْبَ ، وَمِنْ عُيونِ
النِّسَاءِ الألَمَ . وَصَرَخَاتُ المَوْتِ صَارَتْ طُقُوسَ الحَياةِ
اليَوْمِيَّةِ . رَأيْتُهُم ، البُوسنِيُّون الأبرياء ، يُقْتَلُون بِدَمٍ باردٍ
أمامي ، الحَياةُ أصبحتْ سِلْعَةً رَخيصةً تُبادُ بِلا رَحْمَةٍ . وُجُوهُهُم تَحْكي
قِصَصَ الخَوْفِ ، والدِّمَاءُ تَرْوي الرِّواياتِ التي لا يَقْوَى القَلَمُ على
كِتابتها .
الصِّرْبُ ، هَؤلاء
الصَّليبِيُّون الوُحُوشُ الهَمَجُ ، يَمْشُونَ بَيْنَنا كأنَّهُم شياطين
جُسِّدَتْ عَلى الأرضِ ، لا يَعْرِفُون الرَّحْمَةَ ولا الإنسانيةَ ، يَقْتُلُونَ
بِلا ذَنْبٍ ولا سَبَبٍ سِوى أنْ يَنْشُرُوا الرُّعْبَ . يَنْهَبُون الأرضَ
والرُّوحَ معًا ، وَيَزْرَعُون المَوْتَ في كُلِّ زاويةٍ .
كُلُّ صَرْخَةٍ تَقْطَعُ
صَدْري ، وكُلُّ دَمْعَةٍ رَأيْتُهَا كانتْ تَخْنُقُني. شَعَرْتُ بالعَجْزِ الذي
يَنْهَشُ قَلْبي، وأنا أشهَدُ هَذا العَبَثَ البَشَرِيَّ . كَيْفَ يُمْكِنُ
لِعَقْلٍ أنْ يَفْهَمَ أنَّ هُناكَ مَنْ يَستطيعُ مُمَارَسَةَ القَسْوَةِ بِهَذا
الجُنونِ ؟ ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِقَلْبٍ أنْ يَنْسَى مَنْظَرَ الأبِ يَدْفِنُ
ابْنَه ، والطِّفْلَةِ تَصْرُخُ بِاسْمِ أُمِّهِا القَتيلةِ ؟ . أمْشِي بَيْنَ
الحُطَامِ ، وأتَنَفَّسُ رائحةَ المَوْتِ ، وَأُحَاوِلُ أنْ أحْفَظَ صُوَرَهُم في
ذاكرتي ، لأنَّ العَالَمَ يَجِبُ أنْ يَعْرِفَ ، لأنَّ التاريخَ لا يَجُوزُ أنْ
يَنْسَى . إنَّ الصِّرْبَ قَتَلَةٌ بِلا قَلْبٍ ، يَنْهَبُون الجَسَدَ والرُّوحَ .
الأرضُ تَبْكي ، والأشجارُ تُحَاوِلُ إخفاءَ دُموعِها عَن الفَراشاتِ
المُحْتَرِقَةِ .
في قَلْبِ هَذا الجَحِيمِ ،
أدركتُ أنَّني لَنْ أستطيعَ أنْ أعُودَ كَمَا كُنْتُ . كُلُّ لَحْظَةٍ شاهدتُ
فِيها وَحْشِيَّةَ الصِّرْبِ ، وكُلُّ دَمْعَةٍ مَزَّقَتْ عِظَامي ، وكُلُّ
صَرْخَةٍ شَقَّت الصَّمْتَ ، أصبحتْ جُزْءًا مِنِّي ، وَجُزْءًا مِنْ وَجَعِي
الأبَدِيِّ تُجَاه هَذا العَالَمِ الذي يَسْمَحُ للصِّرْبِ الوُحُوشِ بأنْ
يَمْشُوا بَيْنَنا .
قَبْلَ أنْ تَشتعلَ الحَرْبُ
في قَلْبِ البُوسنةِ ، كانت عُيونُ الصِّرْبِ المُتَوَحِّشِين تَتَطَلَّعُ إلى
كُلِّ شَيْءٍ : الشُّرْطَة ، والحُكومة ، والجَيْش . كُلُّ مُؤسَّسَاتِ
الدَّوْلَةِ كانتْ في نَظَرِهِم هَدَفًا ، كأنَّها مِلْكِيَّة خاصَّة لَهُمْ
وَحْدَهُم . لَمْ يَكُنْ طُمُوحُهُم مُجرَّد رَغْبَةٍ في النُّفُوذِ ، بَل انعكاس
لِعُقودٍ طويلةٍ مِنَ العُقَدِ التاريخية ، وَحِقْدٍ مُتَرَاكِمٍ ، وَتَعَصُّبٍ
دِينيٍّ أعمى ، يَجْعلهم يَرفُضُون رُؤيةَ الآخَرِ إلا عَبْرَ مِرْآةِ الضَّغِينة
.
الأرضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ
أقدامِ الأبرياءِ ، وأرواحُ الناسِ تَتلألأ في العُيونِ قَبْلَ أنْ تُطْمَسَ
بألوانِ الطائفيةِ والكَرَاهِيَةِ . كُلُّ صِرَاعٍ صَغيرٍ يَنْبُعُ مِنْ جُرْحٍ
قَديمٍ ، وكُلُّ دَمٍ يُسْفَكُ كانَ صَدى لِعُقُودٍ مِن استعلاءٍ لَمْ يُشْفَ . في
تِلْكِ اللحَظَاتِ ، بَدَا التاريخُ وكأنَّه يَسْخَرُ مِنَ الإنسانيةِ ، يُذكِّرنا
بأنَّ الحِقْدَ حِينَ يَتَرَسَّخُ في القُلوبِ يُصْبحُ كالسَّيْفِ حَادًّا لا
يَرْحَمُ ، وَيَقْطَعُ كُلَّ خَيْطٍ يَرْبِطُ البَشَرَ بِبَعْضِهِم .
في قَلْبِ هَذا الظلامِ ، كانت
الرُّوحُ البُوسنِيَّةُ تُحاولُ أنْ تَتَنَفَّسَ ، وَتَبْقَى إنسانيةً ، رَغْمَ
كُلِّ مُحَاوَلاتِ الإقصاءِ والتَّشْوِيهِ. الأملُ الوحيدُ لا يَخْتبئ،
والمَحَبَّةُ سَوْفَ تَنْتَصِرُ عَلى العَمَى والكَرَاهِيَةِ.
في صَيْفِ 1389 م ، شَهِدَتْ
أرضُ كُوسُوفو يَوْمًا لَمْ يَعْرِفْهُ التاريخُ مِنْ قَبْل ، انتصارُ العُثمانيين
، وهَزيمةُ الصِّرْبِ الصَّليبيين . هُناك، ارتفعتْ أصواتُ السُّيوفِ ،
وَصَرَخَاتُ الرِّجالِ ، لكنْ مِنْ بَيْنِ كُلِّ هَذه الأصواتِ ، سَطَعَ نُورُ
البُطولةِ العُثمانية ، قُوَّة لا تُهْزَم ، وَعَزْمٌ لا يَعْرِفُ التراجعَ .
تَقَدَّمَ العُثمانيون إلى ساحةِ المَعركةِ كالإعصارِ ، قُلُوبُهُم مُشْتَعِلَة ،
وَعَزِيمَتُهُم صُلْبَةٌ كالصَّخْرِ ، يَقْطَعُون الصُّفُوفَ ، ويَخترِقون
الحُصُونَ البَشَرِيَّةَ ، وَيُسطِّرون في كُلِّ خُطْوَةٍ اسْمَ النَّصْرِ.
أمَّا الصِّرْبُ ، فَقَد
اهْتَزَّتْ صُفُوفُهُم أمامَ بَسَالةِ العُثمانيين ، وتهاوتْ جُيوشُهم تَحْتَ
الضَّرَبَاتِ الشَّديدةِ القاصمةِ . ارتسمَ الخَوْفُ عَلى وُجُوهِهِم ، وانكسرَ
ظَهْرُهُم أمامَ رِجَالٍ لا يَعْرِفُون الهزيمةَ . كُلُّ سَهْمٍ يُطْلَقُ مِنَ
العُثمانيين كانَ شُعلةً ، وكُلُّ هُجومٍ كالصاعقةِ ، فانهارتْ آمالُ الصِّرْبِ ،
وانكسرَ صَليبُهُم ، وَتَبَدَّدَتْ أمانيهم ، وَظَهَرَت الحَقِيقةُ للجَميعِ ،
النَّصْرُ هُنا للأقوى ، والأكثرِ شَجاعةً ، والأكثرِ إصرارًا .
كانتْ كُوسُوفو شاهدةً على
عَظَمَةِ العُثمانيين ، وَسَطْوَةِ البُطولةِ ، وَعَلى لَحْظَةٍ خُلِّدَتْ في
التاريخ . كَتَبَ الفُرْسَانُ في ذلك اليَوْمِ فَصْلًا خالدًا عَن الشَّجاعةِ ،
والقُدرةِ عَلى تَحويلِ الذكرياتِ إلى رِمَاحٍ ، وتَحويلِ الحُلْمِ إلى إرادةٍ لا
تَعْرِفُ المُستحيلَ . أمَّا الصِّرْبُ ، فَقَدْ حَمَلُوا هَزيمتهم كَوَصْمَةِ
عَارٍ عَلى جَبينِ تاريخِهم المَكسورِ ، شَاهِدَةً على أنَّ الإرادةَ تَتَخَطَّى
كُلَّ عَدَدٍ وَجَيْشٍ ، وكُلَّ حُلْمٍ زائفٍ بالانتصارِ . في ذلك اليَوْمِ ، لَمْ
يَكُن النَّصْرُ مُجرَّد حَدَثٍ ، بَلْ كانَ إشعالًا لِشُعْلَةٍ لا تَنطفئ ،
وَرَمْزًا للشَّجَاعةِ العُثمانية ، ودَليلًا على أنَّ مَنْ يَمْتَلِك قَلْبًا
مِقْدَامًا لا يُهْزَمُ أبدًا .
كوسوفو 1389 ، كَتَبَ التاريخُ
بِعَزيمةِ العُثمانيين الأبطالِ وَدِمَائِهِم فَصْلًا مِنَ المَجْدِ ، وَفَصْلًا
مِنَ الانكسارِ الأبَدِيِّ للصِّرْبِ المَهزومين .
أُوروبا، حَيْثُ تَتشابكُ
الأنهارُ القديمة، وَتَصْرُخُ الجُدْرانُ مِنْ صَدى الصُّلْبَانِ السَّوْدَاءِ
الدَّمَوِيَّةِ . جاءَ العُثمانيون ، لَمْ يَكُونوا أبطالًا فاتحين فَحَسْب ، بَلْ
كانوا أيضًا رُسُلًا للحِكْمَةِ . بَيْنَ صَهِيلِ الخُيولِ وَصَوْتِ الرِّماحِ ،
كانَ هُناكَ شَيْءٌ آخَر : صَمْتٌ يَهْمِسُ بالعَدْلِ ، وَرِعَايَةٌ تَفْهَمُ
الاختلافَ قَبْلَ أنْ تَهْزِمَه .
لَمْ تَكُن الفُتوحاتُ
العُثمانية مُجرَّد سَيطرةٍ ، بَلْ تَجْرِبَة إنسانية نادرة . في الأسواقِ ، تلاقت
الألْسُنُ والأديانُ، ولَمْ تَكُن المَساجدُ بجانبِ الكنائسِ مُجرَّد مَشَاهِد ،
بَلْ شُعور حَيٌّ بأنَّ الاختلافَ لَيْسَ تَهديدًا ، بَلْ فُرْصَة للتَّفَاهُمِ .
القوانينُ العُثمانيةُ لَمْ تَهْدِمْ هُوِيَّةَ أحَدٍ ، بَلْ وَفَّرَتْ لِكُلِّ
رُوحٍ مَكانَها ، لِكُلِّ مُعْتَقَدٍ حِضْنَه ، لِكُلِّ قَلْبٍ أمَانَه .
بَرَزَ التسامحُ العُثمانيُّ
كأقوى سِلاحٍ ، أقوى مِنَ السَّيْفِ ، وأشد تأثيرًا مِنْ أيِّ حِصْنٍ . كانت
الرَّحمةُ التي عاشها الناسُ ، رَغْمَ الخَوْفِ مِنَ القادمِ ، شَهادةً حَيَّةً
على أنَّ القُوَّةَ الحقيقية لَيْسَتْ في السَّيطرةِ ، بَلْ في العَطَاءِ
والقُدرةِ على أنْ تَرى في الغريبِ أخًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ خَصْمًا .
وهَكذا، يَظَلُّ التسامحُ العُثمانيُّ
في قَلْبِ أُوروبا لَيْسَ مُجرَّد حَدَثٍ تاريخي، بَلْ دَرْس خالد، أنَّ الحَضارةَ
لا تُبنَى على الدِّمَاءِ والجَماجمِ ، وأنَّ المَجْدَ الحقيقيَّ يُولَدُ حِينَ
يَمْتَزِجُ الانتصارُ بالرَّحمةِ.
في بَقَايا المُدُنِ
المُمَزَّقَةِ ، حَيْثُ تَتشابكُ رائحةُ التُّرابِ معَ صَدى الانفجاراتِ التي لَمْ
تَزَلْ تَتَرَدَّدُ في أُذُنِ الزَّمَنِ ، أدركتُ أنَّ الماضي لَيْسَ حَجَرًا
مَيْتًا ، بَلْ هُوَ قَلْبٌ يَنْبِضُ في حَاضِرِنا .
كُلُّ شَارعٍ مُحَطَّمٍ ،
وكُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ ، هِيَ مِرْآة تَضَعُ أمامَنا صُورةَ مَا كُنَّا عَلَيْه ،
وَتُتِيحُ لَنَا أنْ نُعِيدَ رَسْمَ مَا يُمْكِنُ أنْ نَكُونَ عَلَيْهِ الآن .
في حَرْبِ البُوسنةِ ،
تَعَلَّمْتُ أنَّ الذكرياتِ لَيْسَتْ عِبْئًا ، بَلْ هِيَ خُيوطٌ نُحَاكي بِها
حَاضِرَنا . كُلُّ صَرْخَةٍ ، وكُلُّ وَجَعٍ ، وكُلُّ فَقْدٍ ، يُمْكِنُ أنْ
يَتحوَّل إلى لَحْظَةِ حَياةٍ جَديدةٍ ، وَحُضُورٍ مُخْتَلِفٍ . نَحْنُ لا نَستعيدُ
الماضي كَما كانَ ، بَلْ نُعِيدُ صِيَاغَتَه ، نُعِيدُهُ بألوانِ الحاضرِ ،
وَنَصْنَعُ مِنْهُ أمَلًا يُولَدُ مِنْ بَيْنِ الرُّكَام. أمْسَكْتُ بأيدي مَنْ
فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ ، وَرَأيْتُ في عُيونِهم صُوَرًا مِنَ الحَرْبِ ، لكنَّها
لَمْ تَكُنْ مُجرَّد صُوَرٍ ، بَلْ بَصِيص حَياةٍ نُعِيدُ بِنَاءَها. نَختارُ أنْ
نَعِيشَ وَنُحِبَّ وَنَتَذَكَّرَ بِرَحْمَةٍ . نَصْنَعُ الحَاضِرَ مِنَ المَاضِي ،
وَنَجْعَلُ مِنْهُ قَصيدةَ حَياةٍ ، أقوى وأصْدَقَ ، رَغْمَ كُلِّ الدَّمَار .
الماضي يَعُودُ في كُلِّ
خُطْوَةٍ ، لكنَّه الآنَ يَهْمِسُ لَنَا : (( لَيْسَ فَقَط مَا كُنْتُم ، بَلْ مَا
يُمْكِنُ أنْ تُصْبحوا )). الحاضرُ مِرْآةُ الماضي ، والماضي نافذةٌ للحَياةِ .
نَحْنُ نَكْتُبُ الزَّمَنَ مِنْ جَديدٍ ، وَنُولَدُ مِنْ بَيْنِ الأنقاضِ رُوحًا
لا تَمُوت . والحَضَارَةُ تُعَلِّمُ ضَحَايَاهَا صِياغةَ الماضي في صُورةِ الحاضرِ
.
في صَمْتِ التاريخِ ،
تَتَحَدَّثُ أرواحٌ لا تُرى عَنْ ثَمَنِ الهُوِيَّةِ ، مَلايين ماتوا في التاريخِ
البَشَرِيِّ ، كانَ مَوْتُهُم صَرْخَةً صامتةً في وَجْهِ الزَّمَنِ ، دِفَاعًا
عَنْ أنْ يَكُونوا أنفُسَهم ، وَيَحْمِلُوا أسماءهم ، وَلُغَاتِهِم ، وعاداتِهم
التي رَسَمَتْ مَلامحَهم . كُلُّ دَمٍ سُفِكَ ، وكُلُّ قَلْبٍ تَوَقَّفَ ، كانَ
إعلانًا أنَّ الحُرِّية لَيْسَتْ هَدِيَّةً ، بَلْ مَعْرَكَة ، وأنَّ الهُوِيَّةَ
لَيْسَتْ مُجرَّد كَلِمَاتٍ عَلى وَرَقٍ ، بَلْ هِيَ نَبْضٌ في الصُّدورِ لا
يُبَاعُ ولا يُقْهَر .
في كُلِّ زاويةٍ مِنَ التاريخِ
، تَتَجَلَّى الشَّجَاعةُ في صُورةِ رَجُلٍ أو امرأةٍ رَفَضَا التنازلَ عَنْ
جُذورِهم، وحقيقتهم ، وَرُوحِهم . ومَهْمَا حاولت الرِّياحُ مَحْوَ ذِكْرَاهُم ،
يَظَلُّ صَدى أصواتِهِم يَهُرُّ القُلوبَ ، ويُذكِّرنا بأنَّ الهُوِيَّة أغلى مِنَ
الحَياةِ ، والمَوْت أحيانًا يَكُون الطريقَ الوحيدَ للحِفَاظِ عَلَيْهَا .
إنَّهُم لَيْسُوا أرقامًا في
سِجِلٍّ مُمِلٍّ ، وإنَّما هُمْ أبطالٌ مِنْ دَمٍ وذاكرةٍ ، يَحمِلون على أكتافِهم
تاريخَ الإنسانيةِ ، ويُعلِّموننا أنَّ الكَرامةَ لا تُقَايَضُ ، وأنَّ الدِّفاعَ
عَن النَّفْسِ والأصلِ هُوَ أسْمَى أنواعِ الحُبِّ . حُبٌّ للذاتِ والأرضِ وَلِمَا
نَحْنُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُحاولَ العَالَمُ أنْ يُنْسِيَنَا .
في قَلْبِ البُوسنةِ ، حَيْثُ
تَختلطُ الأنهارُ معَ تِلالِ الزَّمَنِ ، ارتسمتْ صُورةُ الحَرْبِ عَلى وُجوهِ
الرِّجالِ . لَمْ تَكُنْ مُجرَّد مَعركةٍ بَيْنَ جُيوش ، بَلْ كانتْ حربًا معَ
الأشباحِ القديمةِ ، حربًا معَ تاريخِ الصِّرْبِ المَهزومين في كُوسوفو عام 1389 م
على أيدي العُثمانيين الفاتحين المُنتصِرين . هُنا ، في هَذا الرُّكْنِ الضائعِ
بَيْنَ الجِبالِ والغاباتِ ، خَرَجَتْ قُوَّاتُ صِرْبِ البُوسنةِ التائهةُ بَيْنَ
الضَّبابِ والخَوْفِ ، لا تَرى في الجَيْشِ الحُكوميِّ البُوسنِيِّ إلا ظِلَّ
الجَيْشِ العُثمانيِّ القديمِ ، الذي سَبَقَ لَهُ أنْ ألْحَقَ بِهِم الهَزيمةَ
قَبْلَ سِتَّةِ قُرُون .
قُوَّاتُ صِرْبِ البُوسنةِ
أشارتْ إلى قُوَّاتِ الحُكومةِ البُوسنِيَّةِ على أنَّها الجَيْشُ العُثماني ،
وعَبَّأت الجُنودَ بِزَعْمِ الانتقامِ لهزيمتهم في كُوسُوفو عام 1389 م . عَبَّأت
القُلوبَ لا الجُنودَ فَقَط . زَرَعَتْ في صُدورِهم بُذورَ الانتقامِ مِنْ هَزيمةِ
الماضي . صَرَخَاتُ الأسلافِ ، وأسماءُ المَهزومين صارتْ خُيوطًا في الليلِ
الطويلِ بِلا شُمُوعٍ . كُلُّ خُطْوَةٍ على الأرضِ ، وكُلُّ هَديرِ بُنْدُقِيَّةٍ
، كانَ يَحْمِلُ صَدى ذلك التاريخِ البعيدِ ، صَدى الخِيانةِ والهَزيمةِ
والنَّدَمِ الذي لَمْ يَمْحُهُ الزَّمَنُ . لَمْ يَكُنْ عَدَاؤُهُم مُجرَّد
سِياسةٍ أوْ مَصَالِح . كانَ شُعورًا مُتَأجِّجًا ، وَدَمًا يَسْرِي في العُروقِ ،
وَحِكَايَةً لَمْ تُرْوَ إلا للذينَ يَعْرِفُونَ مَعْنى الألَمِ القَدِيمِ ،
وَمَعْنى الانتظارِ الطويلِ للثأر . عِندَما رَأى الصِّرْبُ المُتَوَحِّشُون
جُنودَ الحُكومةِ البُوسنِيَّةِ يَتَقَدَّمُون ، لَمْ تَكُنْ أعْيُنُهُم تَرى
الرِّجالَ الذينَ أمامَهم ، بَلْ صُوَر الجُنودِ العُثمانيين القُدَامى . الخُيولُ
التي ارتعشتْ تَحْتَ وَقْعِ خُطَاهُم ، والدِّروعُ التي تَصَدَّتْ للسُّيوفِ الصِّرْبِيَّةِ
في مَعركةِ كُوسُوفو. ارتجفت القُلوبُ، واشتعلت الأرواحُ بِلَهِيبِ الغَضَبِ
والانتقامِ، كأنَّ كُلَّ هَزيمةٍ قَديمةٍ كانتْ تَنتظرُ هَذا اليَوْمَ ، تَنتظرُ
لَحْظَةً لِتَسْتَعِيدَ كَرَامَتَهَا ، وتثأرَ لِهَزيمتها .
في كُلِّ صَرْخَةِ
بُنْدُقِيَّةٍ ، كانَ الماضي يَحُومُ حَوْلَ الصِّرْبِ المهزومين ، يَهْمِسُ
لَهُمْ بِاسْمِ قَتْلاهُم ، بِاسْمِ أبطالِهِم الذينَ هَرَبُوا أوْ سَقَطُوا ،
وَلَمْ يُنْتَقَمْ لَهُمْ ، ولَمْ يُؤْخَذْ بِثَأرِهِم ، وَذَهَبَ دَمُهُمْ
هَدَرًا . عُيونُ الصِّرْبِ الوُحُوشِ تَلْمَعُ بِانكِسَارٍ ، والأصواتُ تَهْتِفُ
بِصَمْتٍ : (( هُنا سَنَصْنَعُ الثأرَ ، هُنا سَنُعِيدُ لأجدادِنا كَرَامَتَهُم
المَهدورة )) . لَمْ يَكُن الانتقامُ هَدَفًا عابرًا ، بَلْ كانَ أيضًا شُعورًا
وَحُلْمًا وَذِكْرى تَتَغَذَّى عَلى دُمُوعِ الأيامِ ، وَتَتَعَزَّزُ معَ كُلِّ
نَبْضَةِ قَلْبٍ .
وهَكذا اختلطَ الأُفُقُ
بالسَّمَاءِ ، والماضي بالحاضرِ ، وصارَ كُلُّ جُنْدِيٍّ يَحْمِلُ في صَدْرِهِ
مَعركةَ كُوسُوفو، وكأنَّ الزَّمَانَ كُلَّهُ لَمْ يَكُنْ إلا جِسْرًا يُوصِلُهُم
إلى هَذهِ اللحْظَةِ ، لَحْظَةِ الانتقامِ والاستعادةِ، لَحْظَة أنْ يُواجِهوا
مَنْ يَظُنُّونه العَدُوَّ الحَقيقيَّ ، بَيْنَما التاريخ يَهْمِسُ في آذانِهِم :
(( هَذهِ لَيْسَت الحَرْبَ الأُولَى ، وَلَنْ تَكُونَ الأخيرةَ ، لكنَّها لَحْظَة
أنتَ تَعرِف فيها نَفْسَك )) .
بَيْنَ وِدْيَانِ البُوسنةِ وَجِبَالِهَا ،
وُلِدَتْ قِصَصٌ جديدةٌ عَن الغَضَبِ ، والوَلاءِ ، والألَمِ القَديمِ الذي
يَطْفُو على سَطْحِ الحَياةِ ، والانتقامِ الذي لَمْ يَعُدْ مُجرَّد فِكْرَةٍ ،
بَلْ صارَ شُعورًا ، ونارًا ، وَدَمًا مُخْتَلِطًا بالذكرياتِ .
في ذلك العَصْرِ الذي انهارَ
فيهِ النِّظَامُ الشُّيوعيُّ،أصبحَ المُسْتَقْبَلُ كَلَوْحَةٍ فارغةٍ مُرْعِبَةٍ
لا تَعْرِفُ الألوانَ التي سَوْفَ تَرسُمها الحياةُ . هُناك ، بَيْنَ الرُّكامِ
المُتَحَرِّكِ مِنَ الذكرياتِ والسِّياسَاتِ المُمَزَّقَةِ، بَدأ الكُرْوَاتُ
الكاثوليكُ والصِّرْبُ الأُرثُوذُكْس يَحِيكُون البُطولاتِ الوَهْمِيَّة ،
ويَخترعون الانتصاراتِ الزائفة ، وَيَنْسِجُون خُيوطَ الماضي كَما يَشاءُ الخَوْفُ
والحَاجَةُ النَّفْسِيَّةُ . لَمْ يَكُنْ مُجرَّد تَزْيين للتاريخ ، بَلْ كانَ
وسيلةً للبَقَاءِ عَلى قَيْدِ الواقعِ، كأنَّ الخُرافة تُعيدُ للرُّوحِ توازنَها
المُهْتَز .
بَدَؤُوا باختراعِ البُطولاتِ العظيمةِ
الخَيَالِيَّةِ . أبطالٌ وَهْمِيُّون لَمْ يَعْرِفْهُم التاريخُ إلا في سِجِلَّاتِ
قُلوبِهم. أشخاصٌ رَفَعُوا الراياتِ في مَعارك لَمْ تَحْدُثْ إلا في خَيَالِ
الجَمَاعَةِ ، وابْتَدَعُوا انتصاراتٍ لَمْ تُكْتَبْ إلا على صَفَحَاتِ الألَمِ
المُتَخَيَّلِ. كُلُّ ألَمٍ وَهْمِيٍّ ، وكُلُّ جُرْحٍ لَمْ يُوجَدْ إلا في
المُخَيِّلَةِ ، كانَ يَحِيكُ شُعورَهم بالهُوِيَّةِ والاعتدادِ بالنَّفْسِ .
يُعِيدُون رَسْمَ الماضي كَيْ يُطَمْئِنُوا الحاضرَ ، ويُزيِّنوا المُسْتَقْبَلَ
الذي لا يَجْرُؤ الواقعُ عَلى مَنْحِهِ لَهُم .
في كُلِّ خُرَافَةٍ ، كانَ
هُناكَ صَدى لِنُدُوبٍ لَمْ تُعْرَفْ إلا في القُلوبِ . صَرْخَة نابعة مِنْ
فَرَاغٍ لَمْ يَحْدُثْ . انكسار لَمْ يُسَجَّلْ في التاريخ . حِيَاكةُ الآلامِ
الخَيَالِيَّة كانتْ بِمَثَابةِ القَفَّازَاتِ التي تَمْسَحُ الجُرُوحَ ، لكنَّها
في الوَقْتِ نَفْسِهِ تَسْقِي الرُّوحَ بِجُرْعَاتٍ مِنَ الكِبْرياءِ المُخْتَلَقِ
، لِتَجْعَلَ الحاضرَ يَحتمِل نَفْسَه ، وَتَمْنَحَ المُسْتَقْبَلَ بَريقًا
وَهْمِيًّا مِنَ الأملِ .
أصبحَ الماضي مَسْرَحًا لَهُمْ
، وَمَلْعَبًا لِخَيَالاتِهم ، كأنَّ كُلَّ انتصارٍ وَهْمِيٍّ ، وكُلَّ دَمٍ
مُخْتَلَقٍ ، وكُلَّ جُرْحٍ لا وُجود له إلا في سَرْدياتهم ، يَشْفي مِنَ الخَوْفِ
القادم . هُمْ لَمْ يَكذِبُوا على الآخَرين فَحَسْب ، بَلْ كَذَبُوا أيضًا على
أنفُسِهِم بِعِنَايَةٍ ، كَيْ تَظَلَّ الرُّوحُ قويةً أمامَ المُستقبَلِ الغامضِ ،
وتَستعيدَ السَّيطرةَ على الحاضرِ الضائعِ بَيْنَ انهيارِ النِّظامِ وارتجافِ الزَّمَنِ
.
حِينَ يَنظُر التاريخُ إلى هَذه الأرض ، سَيَرى
أوراقَه مَليئةً بالأبطالِ الذينَ لَمْ يُولَدوا ، والمَعاركِ التي لَمْ تَقَعْ ،
والآلامِ التي لَمْ تَلْمِس الجَسَدَ ، لكنَّه لَنْ يُدْرِكَ أنَّ وَراءَ كُلِّ
وَهْمٍ هُناك خَوْفٌ عَميقٌ مِنَ الفَراغِ،وَحَاجَةٌ مُلِحَّةٌ لِصِنَاعَةِ
الخُرافةِ ، كَيْ يَتَخَيَّلَ العَبيدُ أنَّهُم كانوا أسيادَ مَصائرِهم .
هَا هِيَ الذاكرة ، كَقَمِيصٍ
مُلَطَّخٍ بالدَّمِ ، مَا زالتْ تُعلَّق عَلى هَواءِ البُوسنةِ ، كأنَّها لَمْ
تُطْوَ يَوْمًا . تَمُرُّ الأرواحُ الراحلةُ في الأزِقَّةِ التي خَلَتْ مِنَ
الضَّحِكَاتِ ، تُنادي ، ولا أحَدَ يُجِيب . أمواتٌ لَمْ تُغْلَقْ أعْيُنُهُم
رَغْمَ رَحِيلِهِم ، مَا زالوا يُفَتِّشُون عَنْ مَعْنى العَدالةِ التي تَأخَّرَتْ
، أوْ عَنْ يَدٍ تُربِّت على قُلوبِهم الباردةِ في التُّرابِ .
أُولئكَ الذينَ مُسِحُوا مِنْ
جُذورِهم ، لأنَّ دَمَهُم كانَ خَطأً في عَيْنِ القاتلِ . وُجُوهٌ بَيْضَاء تائهةٌ
بَيْنَ أشباحِ الرُّعْبِ ، وَجُلُودٌ سَوْدَاء مِنْ دُخَانِ البُيُوتِ المُحترقة ،
تَتمايلُ في الذاكرةِ مِثْلَ صُوَرٍ مُمَزَّقَةٍ ، لكنَّها لا تَسْقُط .
والتَّطْهيرُ العِرْقِيُّ لا يَمْحُو البَشَرَ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يُحوِّل
صَرَخَاتِهِم إلى جُدْران تُحِيطُ بالزَّمَنِ كُلِّه، تَمْنَعُ العَالَمَ مِن
ادِّعَاءِ البَرَاءَةِ .
والحِكَاياتُ تُرْوَى دُونَ
صَوْتٍ . نِسَاءٌ حُمِّلْنَ عَارًا لَيْسَ عَارَهُنَّ . في أعناقِهِنَّ حَبْلٌ
مِنَ الألَمِ يَتَدَلَّى كَجَمْرٍ لا يَنطفئ . أجسادٌ كُسِرَتْ ، وَجُرِّدَتْ مِنْ
حَقِّهَا في أنْ تَكُونَ آمِنَةً ، وفي أنْ تَظَلَّ أرواحُها مُتماسِكة . كُنَّ
يَقِفْنَ بَعْدَ السُّقُوطِ ، يَجْمَعْنَ مَا اسْتَطَعْنَ مِنْ شَظَايَاهُنَّ ،
وَيُكْمِلْنَ الطريقَ وَلَوْ بِتَوَازُنٍ مَكسورٍ .
والأطفالُ خَرَجُوا مِنَ
الحَرْبِ بأطرافٍ ناقصةٍ ، وَبِعُيونٍ لا تَفْهَمُ لِمَاذا انهارَ العَالَمُ
فَجْأةً ، وَبِقُلُوبٍ كَبِرَتْ قَبْلَ أوَانِهَا. أطفالٌ شَوَّهَتْهُمُ القنابل ،
لا مَلامِح واضحة في وُجُوهِهِم سِوى السُّؤالِ: (( لِمَاذا كُنَّا هَدَفًا ؟ )).
كانوا يَلْعَبُون قَبْلَ أيامٍ قليلة ، ثُمَّ وَجَدُوا أنفُسَهم يَركُضُون بَيْنَ
أنقاضٍ تَبتلعُ أحلامَهم مِثْلَ حُفْرَةٍ بِلا قَاعٍ .
البُوسنةُ لَيْسَتْ حَرْبًا
انتهتْ ، إنَّها ذاكرةٌ حَيَّة تَقِفُ عَلى صَدْرِ الليلِ ، وَتُذكِّر كُلَّ مَنْ
يَمُرُّ بِها أنَّ الألَمَ لا يَمُوت ، بَلْ يَتَحَوَّل إلى ضَوْءٍ خافتٍ يَلْمَعُ
في العُيونِ حِينَ نَتَخَيَّلُ وُجُوهَ الذينَ رَحَلُوا . في هَذا الرُّكَامِ ، في
هَذا السُّكُونِ الذي يَمْلَؤُهُ البُكَاءُ المَكتوم ، تَبْقَى خُيوطٌ رَفيعةٌ
مِنَ الإنسانيةِ تَمْتَدُّ مِنْ قَلْبٍ لآخَر ، تَقُولُ إنَّ الإنسانَ ، رَغْمَ
كُلِّ مَا انكَسَرَ فيه ، مَا زالَ قادرًا على حَمْلِ الحَقيقةِ ، وَمَنْحِ
المَوْتَى مَا يُشْبِهُ العَزَاءَ ، وَمَنْحِ الأحياءِ مَا يُشْبِهُ النَّجَاةَ .
في خَنادق ضَيِّقَةٍ عَلى
خُطوطِ المُوَاجَهَةِ في حَرْبِ البُوسنةِ ، كانَ الهَواءُ يَمُرُّ مُثْقَلًا
برائحةِ الخَوْفِ ، يَتَلَمَّسُ وُجوهَ الجُنودِ البوسنيين لِيَتأكَّدَ أنَّهُم
مَا زالوا على قَيْدِ الانتظارِ . هُناك ، تَحْتَ الأرضِ، كانت القُلوبُ أعلى مِنَ
البَنادقِ ، تَخْفِقُ بِصَوْتٍ يَسْمعه مَنْ فَقَدُوا القُدرةَ على رَفْعِ
رُؤوسِهم نَحْوَ السَّماءِ ، وَمَنْ عَلِقُوا بَيْنَ مَا يُريدون قَوْلَه ، وَمَا
تَخُونه حَناجرُهم المُرتجفة .
في تِلْكَ الحُفَرِ التي
تَصِيرُ أحيانًا وَطَنًا مُؤقَّتًا ، وأحيانًا قَبْرًا مُؤجَّلًا ، كانَ
الجُنْدُيُّ البُوسنيُّ يَتعلَّم شَكْلَ الصَّمْتِ . صَمْتٌ لا يُشْبِهُ صَمْتَ
الليلِ . صَمْتٌ يَختزِن كُلَّ شَيْء ، صُورة أُمٍّ تَفْتَحُ البابَ عَبَثًا ،
رِسالة لَمْ تُكْتَبْ بَعْد ، انتظار حَبيبٍ يُراقِب نَشْرَةَ الأخبارِ كَمَنْ
يُفَتِّشُ عَنْ نَبْضِه ، وَطِفْل لا يَعْرِفُ لِمَاذا تأخَّرَ والدُه كثيرًا هَذه
المَرَّة .
الخَنْدَقُ لَيْسَ مَكانًا
للحَرْبِ فَقَط . إنَّه مَكان تَتغيَّر فيهِ مَلامحُ البَشَرِ ، تُصقَل الرُّوحُ
هُناك عَلى حَافَةِ الانهيارِ ، يَتكثَّف الخَوْفُ حتى يُصْبحُ صَدِيقًا لا
يُمْكِنُ الاستغناءُ عَنْه ، وَتَتعلَّم الأكتافُ أنْ تَحْمِلَ مَا هُوَ أثقل مِنَ
السِّلاحِ : الذكريات .
تَنْبُتُ مَشاعِر صَغيرة
تُشْبِهُ الأعشابَ التي تَظْهَرُ بَيْنَ الصُّخُورِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَنينٌ
عَنيد ، ابتسامةٌ مُباغِتة في وَجْهِ المُستحيلِ ، وَتِلْكَ الرَّغْبَةُ التي
تُشْبِهُ الضَّوْءَ الأخيرَ لِشَمْسٍ تَرفُضُ أنْ تَغِيبَ بِلا مُقَاوَمَةٍ .
في خَنادقِ البُوسنةِ ، لَمْ
تَكُن الحَرْبُ وَحْدَها التي تُقَاتِلُ . القُلوبُ تُقَاتِلُ كَيْ لا تَفْقِدَ
دِفْئَهَا ، كَيْ لا تَتحوَّل إلى حِجارةٍ ، وَكَيْ تَبقى قادرةً وَلَوْ
بِمُعْجِزَةٍ بَشَرِيَّةٍ خالصةٍ على تَذَكُّرِ أنَّ الحَياةَ يُمكِنها أنْ تُزْهِرَ
في أكثرِ الأماكنِ ظُلْمَةً وعُمْقًا .
في تِلْكَ الحَرْبِ التي
مَزَّقَت البُوسنةَ ، كانَ الناسُ يَمْشُون فَوْقَ رَمادٍ لَيْسَ مِنَ البُيُوتِ
وَحْدَها ، بَلْ مِنْ هُوِيَّاتٍ صُنِعَتْ عَلى عَجَلٍ . نُحِتَتْ بأظافرِ
الخَوْفِ ، وَلُوِّنَتْ بِدَمٍ لَمْ يَسألْ صاحبَه لأيِّ عِرْقٍ يَنْتمي. هُناك ، بَيْنَ
صَرَخَاتِ الجُدْرانِ المُتَصَدِّعَةِ، اكْتَشَفَ البَشَرُ أنَّ الاسْمَ يُمكِن
أنْ يُصْبحُ سَيْفًا، وأنَّ لَوْنَ المَلامِحِ قَدْ يُحِيلُ صَدِيقًا إلى عَدُوٍّ
قَبْلَ أنْ يَنْطِقَ أحَدُهُم بِكَلِمَةٍ . كُلُّ واحدٍ يَظُنُّ أنَّه يُدَافِعُ
عَنْ جُزْءٍ مِنْ ذَاتِه ، لكنَّه لَمْ يَنْتَبِهْ إلى أنَّهُم جَميعًا يَخْسَرُون
الجُزْءَ الذي يَجْعَلُهُم بَشَرًا .
ارتَسَمَت الهُوِيَّاتُ عَلى
الوُجوهِ كأنَّها أقنعة . كُلُّ قِنَاعٍ أُجْبِرُوا عَلى وَضْعِهِ كَيْ يَنْجُوا ،
حتى صارَ الخَلاصُ قَيْدًا . صارت العائلةُ خَنْدَقًا ، والجِيرَةُ جَبْهَةً ،
والطُّفولةُ ذاكرةً مُحَاصَرَةً لا تَعْرِفُ لأيَّةِ جِهَةٍ يَجِبُ أنْ تَمِيلَ
كَيْ تَبْقَى حَيَّةً . لَمْ يَكُنْ أحدٌ يَخْتار ، الخَوْفُ كانَ الرَّسَّامَ
الوَحيدَ ، يَرْسُمُهُم بِخُطوطٍ حَادَّة ، وَيُقَسِّمُ القَلْبَ إلى جِهَتَيْنِ
لا تَلْتَقِيَان . ومعَ ذلك ، وَسَط ذلك الليلِ الكثيفِ ، كانَ هُناكَ مَنْ
يُؤْمِنُ سِرًّا بأنَّ الإنسانَ أكبرُ مِنْ سُلالته ، وأوْسَعُ مِنْ حُدودِ
الدَّمِ . كانوا يَدْفِنُونَ صُوَرَهُم القَديمةَ في جُيوبِهم ، لا خَوْفًا مِنْ
ضَياعِها ، بَلْ خَشْيَة أنْ تُذكِّرَهم بأنَّهُم كانوا يَوْمًا قادرِين على
العَيْشِ بِلا أسوارٍ .
في حَرْبٍ كَهَذه ، لَمْ
يَنْتَصِرْ أحَدٌ ، فالهُوِيَّةُ التي تُبنَى فَوْقَ الرُّكَامِ تَبْقَى هَشَّةً ،
تَتَشَقَّقُ عِندَ أوَّلِ لَمْسَةِ دِفْءٍ . والقَلْبُ ، مَهْمَا حَاوَلُوا أنْ
يُقَزِّمُوه داخلَ حُدودِ العِرْقِ ، يَظَلُّ يَعْرِفُ أنَّه خُلِقَ لِيَسَعَ
أكثرَ بكثيرٍ مِمَّا أرادَتْهُ الحَرْبُ .
اعْتَقَدَ رِجَالُ الدِّينِ
الأُرثُوذُكْس أنَّ الشَّعْبَ الصِّرْبيَّ قَد اختاره اللَّهُ لِحِمايةِ الحُدودِ
الغَرْبيةِ للأُرثُوذُكْسِيَّةِ . كانوا يَتحدثون عَن الصِّرْبِ كَمَا لَوْ أنَّ
القَدَرَ قَدْ نَقَشَ أسماءَهم عَلى الحَافَةِ الغَرْبيةِ للعَقِيدةِ ،
وَجَعَلَهُم حَجَرَ الأساسِ في جِدارٍ بَيْنَ الشَّرْقِ المُصَلِّي والغَرْبِ
المُتَقَلِّبِ . لَمْ يُنْظَرْ إلى الصِّرْبِ الأُرثُوذُكْسِ كَشَعْبٍ فَحَسْب ،
بَلْ أيضًا كَعَلامَةٍ وَوَصِيَّةٍ ، كأنَّ تاريخَهم الدَّمَوِيَّ المُتَوَحِّشَ
جُبِلَ مِنْ صَلابةِ الجِبَالِ ، وَصَمْتِ الأدْيِرَةِ المُرْعِبَةِ التي تَحْرُسُ
أسوارَ المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ .
كانَ الاعتقادُ
الأُرثُوذُكْسِيُّ المُتَطَرِّفُ يَنسابُ عَبْرَ الأجيالِ ، أنَّ الصِّرْبَ
أُمَّةٌ لَمْ تُتْرَكْ لاختياراتِها وَحْدَها ، بَلْ حُمِّلَتْ دَوْرًا لا
يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلا مَنْ عَرَفَ طَعْمَ المَرارةِ وَطَعْمَ النُّهُوضِ . كانوا
يَقُولون إنَّ الصِّرْبيَّ يُولَدُ وفي رُوحِهِ شَرارةُ حارسٍ قَديمٍ ، وإنَّ
الجُغرافيا لَيْسَتْ صُدْفَةً ، بَلْ هِيَ امتحان يَخْتَبِر قُدْرَةَ القَلْبِ
عَلى البَقَاءِ .
في أعماقِ الأدْيِرَةِ
المُوحِشَةِ ، حَيْثُ يَخْفِتُ صَوْتُ العَقْلِ ، وتَعْلُو أجراسُ الإبَادَةِ،
كانَ الرُّهْبَانُ يَلْمَحُون في وَحْشِيَّةِ الصِّرْبِ مَعْنًى خاصًّا، يَرَوْنَ
فيهِ دِرْعًا تَلْمَعُ فَوْقَ حُدودٍ بَعيدةٍ لا تَنْتهي . كُلُّ انتصارٍ لَهُمْ
مَجْدٌ دُنيوي ، ودَلالةٌ على أنَّ القِلاعَ مَا زالتْ قائمةً ، وأنَّ الأيدي التي
تُمْسِكُ بالأرضِ مَا زالتْ ثابتةً .
رَفَضَ الصِّرْبُ
المُتَوَحِّشُون أنْ يَكُونوا مُجرَّد أبناء للبَلْقَانِ ، آمَنُوا كَمَا يَهْمِسُ
الكَهَنَةُ بأنَّهُم أبناء مُهِمَّةٍ أكبر مِنهُم، مُهِمَّة لا تَسْألهم عَنْ
رَغَبَاتِهم،بَلْ عَنْ قُدرتهم على الوُقوفِ حِينَ يَتراجعُ الآخَرُون. وفي كُلِّ
مَرَّةٍ يُخْتَبَرُ فِيها صَبْرُهُم ، كانوا يَعُودون أكثرَ التصاقًا
بِهُوِيَّتِهِم ، لأنَّ الإرهابَ الأُرثُوذُكْسِي يُذكِّرُهُم بالدَّوْرِ الذي لا
يَنْفَكُّ يَلْحَق بِهِم . وهَكذا ، صارَ الاعتقادُ تَرنيمةً تُقَالُ للعَالَمِ ،
هَذا الشَّعْبُ الصِّرْبيُّ ، في نَظَرِ كَنيسته الحائرةِ بَيْنَ الإنجيلِ
الدَّمَوِيِّ والصَّليبِ الأسْوَدِ ، لَيْسَ جَمَاعَةً عَلى هَامِشِ الخَريطةِ ،
بَلْ هُوَ خَطُّ المُوَاجَهَةِ الأوَّلُ في مَعركةٍ طويلةٍ بَيْنَ البَقاءِ
والانطفاءِ ، والحِراسةُ مَهْمَا أثقَلَت الكَتِفَيْن هِيَ قَدَرٌ تَعلَّمه
الصِّرْبُ جَيِّدًا ، وَقَبِلُوه ، وَرَضُوا بِه ، لأنَّ الحُدودَ لا تَقِفُ
وَحْدَها ، بَلْ تَحتاجُ إلى وَحْشِيَّةٍ صَليبيةٍ لا تَرَاجُع فِيها ولا
اسْتِسْلام .
كانتْ سَراييفو قَلْبًا
مَكشوفًا تَحْتَ المَطَرِ ، بَينما مَدَافِع الصِّرْبِ المُعْتَدِين تُنْزِلُ عَلَيْها
الحَديدَ والنارَ ، تُريدُ أنْ تُطفِئ نَبْضَها الأخيرَ . لَمْ يَكُن القَصْفُ
مُجرَّد صَوْتٍ مَعْدِنِيٍّ يَقْطَعُ الهَواءَ ، كانَ قَتْلًا جَمَاعِيًّا ،
وَجُرْحًا يَتَّسِعُ معَ كُلِّ انفجارٍ .
الميليشياتُ الصِّرْبِيَّةُ
تُحَاصِرُ المَدينةَ كَذِئابٍ عَطْشَى ، تُطلِق قذائفَها عَلى البُيوتِ ،
والمَدارسِ، والمُستشفيات ، والأرصفةِ التي دَاسَتْ عَلَيْهَا أقدامُ الأطفالِ
يَوْمًا مَا في طَريقِهم إلى الأحلامِ البَسيطةِ . لَمْ يَكُنْ في السَّماءِ سِوى
لَوْنٍ واحد : رَمَادٌ يَتساقطُ مِنْ قَسْوَةٍ مُخَطَّط لَهَا بِعِناية .
في كُلِّ شارعٍ ، تَرَكَ
الإجرامُ أثَرَه واضحًا ، صُورة أُمٍّ تَحمِل بَقَايا نافذتها المُحطَّمة ،
وَرَجُل يَبْحَثُ عَن ابْنِهِ بَيْنَ الغُبارِ ، وَطِفْل يُحاولُ أنْ يَفْهَمَ
لِماذا تَحَوَّلَ لَيْلُه إلى سَاحةِ نارٍ .
سَراييفو تَتَلَقَّى ضَرَبَاتِ القُوَّاتِ
الصِّرْبِيَّةِ الغَازِيَةِ التي تَرْمي إلى كَسْرِ عَزيمتها ، وتَرويعِ أهْلِها ،
وَمَحْوِ مَعالمِها خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ. وَمَعَ ذلك، كُلَّما سَقَطَتْ
قَذيفةٌ نَهَضَتْ مِنْ تَحْتِها قِصَّةٌ جديدةٌ ، تَقُول إنَّ المدينة وإن
اخْتُبِرَتْ بِكُلِّ هذا الإجرامِ ، مَا زالتْ قادرةً على أنْ تَنْبِضَ وتَقِفَ
وَتَكْشِفَ لَيْلًا طَويلًا حاولتْ تِلْكَ المَدافعُ أنْ تُخَلِّدَه . سَراييفو
تَنْزِفُ ، نَعَم ، لكنَّها تَنْزِفُ لِتَشْهَدَ عَلى مَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهَا ،
وتَنْجو .
كانتْ شوارعُ البُوسنةِ
والهِرْسِكِ يَوْمًا مَا مَسْرَحًا لِحَياةٍ بسيطةٍ تُشْبِهُ خَيْطًا طَويلًا مِنْ
دِفْءِ الجِيرةِ . المُسْلِمُون والكُرْوَات والصِّرْبُ يَتشاركون المَقاعدَ
ذَاتَها في المَدارسِ ، ويَتبادلون الأقلامَ والضَّحِكَاتِ ، ويَركُضون في سَاحاتِ
اللعِبِ مِنْ دُون أنْ يُفَكِّرَ أحَدُهُم في لَوْنِ الرايةِ التي يَنتمي إلَيْهَا
الآخَر . في المَصانعِ والمَزارعِ والوِرَشِ الصغيرةِ ، كانوا يَعْمَلُون كَتِفًا
إلى كَتِفٍ ، يُنْهُون يَوْمَهم بالإجهادِ نَفْسِه ، ويَعُودون إلى بُيوتِهم
عَبْرَ الطُّرُقِ ذَاتِها التي يَعرِفونها كأنَّها امتداد لِجُذورهم .
في المُدُنِ الكبيرةِ ، حَيْثُ
تَختلِط الأزِقَّةُ مِثْلَ أنفاسِ الناسِ ، كانت العائلاتُ تَتَصَاهَر ، فَيَنْشَأ
أطفالٌ يَحمِلون في مَلامحِهم تَنَوُّعَ المَكانِ واتِّسَاعَ القَلْبِ . كانت
الجِيرةُ أكبرَ مِنَ الفَوارِق ، وكانت الذاكرةُ اليَوْمِيَّةُ مَزِيجًا مِنْ
أصواتٍ مُتَدَاخِلَةٍ ، ضَحِكَات الأعراسِ ، وَنِداءات السُّوقِ ، ورائحة الخُبْزِ
التي تَعْبُرُ مِنْ بَيْتٍ إلى آخَر دُون أنْ تُسْألَ لِمَنْ يُخْبَز . الناسُ
يَعرِفون بَعْضَهم كَما تُعرَف النُّقطةُ الأُولَى في بِدايةِ قِصَّةٍ مُقَدَّر
لَها أنْ تُكْتَبَ بِنَبْرَةٍ واحدةٍ .
ثُمَّ جاءت الدِّعَايةُ ،
جاءتْ كَغَيْمَةٍ سَوْداء لا تُنذِر بالمَطَرِ ، بَلْ بِشَيْءٍ آخَر يُشبِه
الضَّياعَ . لُعبةٌ خادعةٌ صُمِّمَتْ كَيْ تُجْري صَرْخةً صغيرةً في النُّفُوسِ ، صَرْخة
لا تَسْمعها الأُذُنُ ، ولكنْ يَسْمعها الخَوْفُ . صارَ كُلُّ جارٍ يُدفَع
بِحَذَرٍ إلى زاويةِ الشَّكِّ ، وكُلُّ وَجْهٍ مَألوفٍ يَتَحَوَّلُ بالتَّدريجِ
إلى عَلامةِ استفهامٍ . تَسَرَّبَ السُّمُّ إلى العَلاقاتِ التي بُنِيَتْ في
المَدارسِ والمَصانعِ والأحياءِ ، سُمٌّ يَهْمِسُ : (( احْذَرْ )) . هَكذا تَبدأ
الحُروبُ بِهَمْسَةٍ لا بِرَصاصةٍ .
لَمْ تَكُن البِدايةُ صاخبةً ،
بَلْ كانت ارتجافًا داخليًّا صغيرًا . الناسُ الذينَ عاشوا العُمْرَ كُلَّه معًا
بَدَؤُوا يَتساءلون فَجْأةً : (( هَلْ مَا زالَ جاري كَما أعْرِفُه ؟ ، هَلْ مَا
زالتْ ضِحْكَتُهُ كَما كانتْ ؟ )) .
وَحِينَ يَفْقِدُ الإنسانُ
ثِقَتَه في مَاضِيه ، يَسْهُل أنْ يَخَافَ مِنْ حَاضِرِه . وهَكذا ، كَبِرَت
المَسافةُ بَيْنَ البُيوتِ ، لَيْسَ لأنَّ الأرضَ اتَّسَعَتْ ، بَلْ لأنَّ
القُلوبَ انقبضتْ .
ثُمَّ اندلعت الحَرْبُ . لَمْ
تَكُنْ حَرْبًا بَيْنَ جُيوشٍ غَريبة ، بَلْ كانتْ حَرْبًا بَيْنَ الأيدي التي
كانتْ قَدْ تشابكتْ يَوْمًا . انقلبت الطُّرُقُ التي شَهِدَتْ صَداقةَ العُقودِ
إلى مَساراتِ خَوْفٍ ، والحُقول التي كانتْ تُزرَع للمُسْتَقْبَلِ تَحَوَّلَتْ إلى
حُدود للمَوْتِ . ومعَ مُرورِ الأيامِ ، صارَ كُلُّ شَيْءٍ أكثرَ قَسْوَةً مِمَّا
يَتَصَوَّرُه العَقْلُ . الإبادة الجَمَاعِيَّة ، والتَّطْهير العِرْقي ،
والاقتلاع الجَذْري لِكُلِّ مَا كانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُم . لَمْ يَعُدْ هُناك مَا
يُشْبِهُ البِداياتِ الأُولَى ، بَلْ صارَ كُلُّ شَيْءٍ مُعْتِمًا ، والتاريخُ
اختارَ أنْ يَكْتُبَ تِلْكَ المَرحلةَ بِحِبْرٍ ثقيلٍ .
وَلأنَّ المأساةَ لَيْسَتْ
مُجرَّد أحداثٍ ، بَلْ هِيَ جُرْحٌ يَتخلَّل الوِجْدَانَ ، فَقَدْ بَقِيَ
السُّؤالُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ بَعْدَ أن سكتت البنادقُ ، كَيْفَ يُمكِن
لِجِيران عاشوا قُرونًا معًا أنْ يَتَحَوَّلُوا إلى خُصُومٍ ؟ ، وكَيْفَ يُمكِن
للذاكرةِ المُشترَكةِ أنْ تُمحَى بِتْلَكَ السُّرعةِ ؟ .
في كُلِّ المَدينةِ ، كانَ
هُناكَ دائمًا بَيْتٌ بَقِيَتْ عَلى بَابِهِ آثارُ يَدٍ كانتْ تَطْرُقُهُ طَلَبًا
للمُسَاعَدَةِ ، ثُمَّ أصبحتْ تَطْرُقُهُ خَوْفًا. وهُناك وُجوهٌ بَقِيَتْ في
الصُّوَرِ القديمةِ تَبتسمُ بِثِقَةٍ كاملة ، بَينما المُستقبَل الذي يَنتظرها
كانَ قَدْ بَدأ يَتَصَدَّعُ دُون أنْ تَدْري .
حتى في أكثرِ اللحَظَاتِ قَتَامَةً ، بَقِيَت
الحَقيقةُ التي لا تُمحَى ، أنَّ الحَرْبَ لَمْ تَبدأ حِينَ أُطْلِقَت النارُ ،
بَلْ حِينَ زُرِعَ الخَوْفُ ، وأنَّ الجِيرانَ لَمْ يَتَغَيَّرُوا في جَوْهَرِهِم
، بَلْ خُدِعُوا حَتَّى نَسُوا مَا كانوا عَلَيْه . انتشرت المَآسِي في الدَّمِ
الذي سُفِكَ ، وَالقِصَصِ التي انكسرتْ فَجْأةً ، والصَّدَاقَاتِ التي كانَ
يُمْكِنُ أنْ تَستمر، والأطفالِ الذينَ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكْبَرُوا بِلا ذاكرةٍ
للدَّمَارِ ، ولا بُوصلةٍ للحُطَامِ، ولا خَريطةٍ للأنقاضِ .
هذه الحِكاية ، بِكُلِّ مَا
فِيها مِنْ ألَمٍ ، لَيْسَتْ مُجرَّد فَصْلٍ مِنْ تاريخِ مَنطقة مُحدَّدة ، بَلْ
هِيَ دَرْسٌ يَلْمِسُ جَوْهَرَ الإنسانِ ، كَيْفَ يُمكِن لِكَلِمَةٍ تُبَثُّ في
الظلامِ أنْ تَقْلِبَ عَالَمًا بِأكْمَلِه ؟ ، وكَيْفَ يُمكِن لِجِدَارٍ واحدٍ
مِنَ الخَوْفِ أنْ يَهْدِمَ مَدينةً بُنِيَتْ مِنَ الثِّقَةِ عَبْرَ أجيالٍ ؟ .
رُبَّما يَبْقَى الأملُ
الوحيدُ في كُلِّ ذلك هُوَ أنَّ الذاكرةَ لا تَمُوت تَمَامًا، وأنَّ مَا جَمَعَ
الناسَ يَوْمًا، مَهْمَا بَدا مَكسورًا ، يَبْقَى شَاهِدًا على أنَّ مَا فُرِّقَ
بالذُّعْرِ يُمكِن أنْ يُرمَّم بالشَّجاعةِ ، وأنَّ الجِيرةَ التي عاشتْ عُقُودًا
لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً ، بَلْ كانتْ صَنِيعًا إنسانيًّا يَستحِق أنْ يُسْتعاد .
في مُدُنٍ تاهتْ بَيْنَ
الدُّخَانِ والرَّمَادِ،صارتْ وُجوهُ الناسِ مِرْآةً للرِّيبةِ والخَوْفِ. لَمْ تَعُد
الجُدْرانُ تَحْمي ، وَلَمْ يَعُدْ الحَنِينُ مَوْطِنًا . أصواتُ القَنابلِ
تَصْنَعُ فاصلًا بَيْنَ القُلوبِ ، وَتَقْسِمُ البَشَرَ كَما تُقْسَمُ الأرضُ بِلا
رَحمةٍ . في كُلِّ شارعٍ قِصَصُ مَوْتٍ مُبَعْثَرٍ ، وذِكرياتٌ تُسحَق تَحْتَ
أقدامِ الغَضَبِ والكَرَاهِيَةِ .
لَمْ يَكُن الدَّمُ أبْيَضَ
ولا أسْوَد ، لكنَّه صارَ وَسيلةً للتَّمْييز ، وَرَمْزًا للعَداوةِ التي زَرَعَهَا
الجَهْلُ والحِقْدُ . طِفْلٌ يَصْرُخُ عَلى أُمِّه ، امرأة تَبْكي عَلى زَوْجٍ
رَحَلَ . كُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ تُثْبِتُ أنَّ العِرْقَ لا يُبَرِّر العُنْفَ ،
وأنَّ الخَوْفَ حِينَ يَتحوَّل إلى كَرَاهِيَة ، يَقْتُلُ رُوحَ الإنسانِ قَبْلَ
أنْ يَقْتُلَ الجَسَدَ .
ومعَ كُلِّ هَذه الظِّلالِ ،
يَبْقَى الأملُ خافتًا ، يَخْتبئ بَيْنَ الرُّكَامِ ، وَيَهْمِسُ بأنَّ قُلوبَ
البَشَرِ تَستطيعُ أنْ تَتجاوزَ الانقسامَ ، إذا تَجَرَّأتْ على النظرِ إلى
الآخَرِ كإنسانٍ لا كَعَدُوٍّ . لكنْ في لَحْظةِ الحَرْبِ ، يَبْدُو هَذا الأملُ
بَعيدًا ، كَحُلْمٍ ضائعٍ بَيْنَ أطلالِ مَدينةٍ كانتْ يَوْمًا مَأوى للحَياةِ .
في حَرْبِ البُوسنةِ ،
السِّياسةُ تَتلاشى بَيْنَ أصواتِ البَنادقِ ، وتَخْتفي الكَلِمَاتُ الفاخرةُ
خَلْفَ دُخَانِ الحَرائقِ والأنقاضِ . لا مَكَان للمُبَرِّرَات ، ولا وَقْت
للوُعودِ المُلوَّنة بالدُّبْلُومَاسِيَّة . الدَّمُ هُوَ اللغةُ الوحيدةُ التي
يَفْهمها العَالَمُ هُناك ، والتاريخُ يَكْتُبُ نَفْسَه عَلى الجُدرانِ المُحترقةِ
، وَوُجُوهِ الأطفالِ الذينَ فَقَدُوا أحِبَّتَهُم قَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا مَعْنى
الوُجودِ .
كُلُّ لَحْظَةٍ تُشْبِهُ
صَرْخَةً صامتة ، وكُلُّ دَمْعَةٍ تَسِيلُ تَحمِل مَعَهَا وِزْرَ كُلِّ غِيابٍ ،
وكُلِّ مَوْتٍ بِلا مَعنى . لَيْسَ هُناك قَادَة يَحْكُمُون بالعَدْلِ ، ولا
إستراتيجيات تُعِيدُ مَا فُقِدَ . فَقَط هُناك فَرَاغٌ ، وجُروحٌ عميقة لا يَشْفيها
سِوى الذاكرةِ التي تَرفُضُ أنْ تَنْسَى ، وقُلوبٌ تَحْمِلُ عِبْءَ الأوقاتِ
المُتكاثرةِ كالخَناجر .
حَرْبُ البُوسنةِ لَيْسَتْ
سِياسةً، بَلْ هِيَ دَمٌ مُتَجَمِّدٌ في صَفَحَاتِ التاريخِ ، وَصَدى صَرْخَةِ
إنسانٍ لَمْ يَعُدْ يَعرِف كَيْفَ يَصْرُخ .
تَتَصَدَّعُ الأرضُ تَحْتَ أقدامِنا ، وتَنفجر
مَحَطَّاتُ البَنْزين كَما لَوْ أنَّ الأُفُقَ يَصْرُخُ مِنْ وَجَعِه . الرِّياحُ
مُحَمَّلَةٌ برائحةِ دُخَانِ الحَديدِ والوَقُودِ ، تَحمِل صَدى انفجاراتٍ لا
تَتْرُكُ قَلْبًا صامدًا . المَدافعُ الرَّشَّاشَةُ غَرَبَلَت الأكشاكَ ، وهاجمتْ
صَمْتَ العُمَّالِ الذينَ كانوا يَحْلُمُون بالغَدِ ، فتلاشتْ أحلامُهم بَيْنَ
الشَّظَايا . وَالسَّلالِمُ التي يُفْتَرَضُ أنْ تَقُودَنا إلى النَّجَاةِ،
أصابتها قَنابلُ الهاون ، وَتَحَوَّلَتْ إلى فَوْضَى حَادَّةٍ مِنَ المَعْدِنِ
المُمَزَّقِ . كُلُّ خُطْوَةٍ أصبحتْ مُخَاطَرَةً ، وأنفاسُنا صارتْ ثَمَنًا
مَحتومًا للحَياةِ ، والعَيْنَان رَغْمَ دُموعهما تَبْحَثان عَنْ فُسْحَةِ أمَلٍ،
وَرُكْنٍ آمِن، لكنَّ العَالَمَ صارَ نِيرانًا تَلتهِم كُلَّ شَيْءٍ ، لا تَتْرُك
خَلْفَها سِوى الصَّمْتِ الحارقِ للغائبين والمُهَجَّرِين . في هَذا الخَرابِ ،
يُولَد شُعورٌ غَريبٌ ، الخَوْفُ يَختلِط بالحَياةِ ، والألَمُ يَختلِط بالعَزْمِ
عَلى البَقَاء ، والقَلْبُ رَغْمَ كُلِّ الشَّظَايا يُصِرُّ على النَّبْضِ ، وأنْ
يَرى شيئًا حَيًّا في هَذا الانفجارِ الذي لا يَرْحَم .
في قَلْبِ البُوسنةِ ، حَيْثُ
كانت القُرى الصغيرة تَحتضِن الحَياةَ بِصَوْتِ الأطفالِ وَضَحِكَاتِ النِّسَاءِ، لَمْ
يَبْقَ مِنْ ذلك سِوى صَدى أقدامِ مَنْ رَحَلُوا فَجْأةً ، وَظِلالِ البُيُوتِ
المُهَدَّمَةِ التي تَبْكي تَحْتَ وَطأةِ الصَّمْتِ . القَنابلُ لَمْ تُفَرِّقْ
بَيْنَ جِدَارٍ حَجَرِيٍّ وَوِجْدَانِ إنسانٍ ، هَشَّمَتْ كُلَّ شَيْءٍ بِلا
رَحمةٍ ، كأنَّها تَكْتُبُ على الأرضِ حِكايةَ الحُزْنِ الطويلةِ .
الجُسُورُ شَرايينُ الحَياةِ
واللقاءِ ، التي كانتْ تَرْبِطُ بَيْنَ ضِفَافِ الأنهارِ ، هُدِمَتْ لِتَبْقَى
الأنهارُ وَحْدَها شَاهِدَةً على انفصالِ القُلوبِ. كُلُّ جِسْرٍ مَهدومٍ أصبحَ
شَاهِدًا صامتًا على الغِيابِ . والعُيونُ التي كانتْ تَتَطَلَّعُ إلى ضِفَافٍ
صَديقةٍ ، لَمْ تَعُدْ تَصِلُ إلَيْهَا سِوى ذِكْرياتٍ مُشَتَّتَةٍ ، وأحلامٍ
مَنْسِيَّةٍ .
حُقُولُ الألغامِ تَنتشرُ
كأنَّها لُغَاتٌ غامضةٌ مَكتوبة على الأرضِ ، تَمْنَعُ العَوْدَةَ والخُطْوَةَ ،
وتَزرَع الخَوْفَ في كُلِّ قَلْبٍ يَجْرُؤ على العَودةِ . كُلُّ خُطْوةٍ فِيها
قَدْ تَكُون الأخيرةَ ، وكُلُّ خُطْوةٍ تَحْمِلُ مَعَهَا حِكايةَ اختفاءٍ أوْ
صَرْخَةً لَمْ يَسْمَعْها أحد . الأرضُ نَفْسُها صارتْ جُرْحًا مَفتوحًا ،
تَغْرِسُ أشواكَ المَوْتِ تَحْتَ كُلِّ قَدَمٍ ، وتُحوِّل البَراءةَ إلى يَقَظَةٍ
مُستمرة .
وَمَوَاقِعُ المِدْفَعِيَّةِ ،
تِلْكَ البُقَعُ السَّوْدَاءُ عَلى الخَريطةِ ، تَحْرُسُ الصَّمْتَ القاتلَ ،
وَتَصُبُّ الرَّصَاصَ والصُّخُورَ عَلى القُرى كما لَوْ كانتْ تَكْتُبُ نِهاياتٍ
لا تَنتهي . طُبُولُ الحَرْبِ الحَديديةُ هِيَ نَبَضَاتُ المَوْتِ ، تَصْعَدُ في
الليلِ معَ دُخَانٍ يُغَطِّي أحلامَ الفَراشاتِ المُحترقةِ ، وَيَخْنُقُ أيَّةَ
مُحَاوَلَةٍ للفَرَحِ أو الأملِ .
في هَذا المَشْهَدِ، يَبْقَى
الإنسانُ وَحْدَه، يَلْمِسُ بِيَدِهِ الأطلالَ ، وَيَسْمَعُ أصواتَ الراحلين ،
وَيَشْعُرُ بِثِقَلِ كُلِّ حَجَرٍ مُحَطَّمٍ فَوْقَ أصابعِه . كُلُّ زاويةٍ في هذه
القُرى تَحْمِلُ قِصَّةً ، وكُلُّ نافذةٍ مَكسورةٍ تَحْمِلُ نَظَرَاتٍ مَفقودة .
وَحَقْلُ الألغامِ كابوسٌ يُولَدُ فِينا ومَعَنَا ، وَيَرْحَلُ مِنَّا إلَيْنَا .
هُناك ، حَيْثُ الدَّم والرَّمَاد ، لا يَبْقَى سِوى الحَنينِ إلى حَياةٍ سُرِقَتْ
، وأرضٍ لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ الطُّمَأنينةَ .
الذاكرةُ أثقلُ مِنَ الطِّينِ
، وأعمقُ مِنَ الخَنادقِ ، وأقْسَى مِنْ حَديدِ المَدَافِعِ ، لكنَّها صامدةٌ ،
تَحتفظُ بالصَّوْتِ الذي لَنْ يَمُوت ، صَوْت البَشَرِ الذينَ أحَبُّوا ،
وَضَحِكُوا ، وَحَلُمُوا ، قَبْلَ أنْ تَتَحَوَّلَ الحَياةُ إل حِكايةٍ حَجَرِيَّة
صامتةٍ ، وَمُهَيَّأةٍ لِتَسْتَقْبِلَ صَرَخَاتٍ جَديدة في كُلِّ صَباحٍ حَزينٍ .
108
كانت البُوسنةُ في تِلْكَ الأيامِ تَنَامُ
عَلى صَوْتٍ يُشْبِهُ ارتجافَ قَلْبٍ سُحِبَ مِنْهُ الدِّفْءُ ، وتَستيقظُ عَلى
غُبارٍ يُشْبِهُ مَا يَتَبَقَّى مِنْ رُوحٍ ضُرِبَتْ في مَوْضِعٍ قُدْسِيٍّ مِنْ
أعماقِها .
في الأزِقَّةِ التي اعتادتْ
أنْ يَحمِل هَواؤُها نَبْرَةَ المُؤذِّنِ ورائحةَ الخُبْزِ الطازَجِ ، أصبحَ
الصَّدَى غَريبًا مُعَلَّقًا بَيْنَ خَوْفٍ يَقْضِمُ الجُدْرانَ وَدَهْشَةٍ
تَشُقُّ الصَّدْرَ كُلَّما انهارَ شَيْءٌ مِنَ الأشياءِ .
القُوى القَوْمِيَّةُ الصِّرْبِيَّةُ
المُتَطَرِّفةُ تَسِيرُ بِخُطى ثقيلة ، الأرضُ تَنكمِش وَهِيَ تَراها تَقْتَرِب .
لَمْ تَكُن الدَّبَّابَاتُ وَحْدَهَا تَهُزُّ التُّرابَ ، بَل النِّيَّةُ التي
تَحمِلها في دَاخلها ، نِيَّة اقتلاعِ صَوْتِ الأذانِ ، وَمَسْح ذاكرةِ الأحياءِ،
وَدَفْن هُوِيَّةٍ كانتْ مُزْدَهِرَةً بَيْنَ هَذه التِّلالِ مُنْذُ قُرون.
الغُزاةُ الصِّرْبُ يَهْدِمُون
المَسَاجِدَ ، لا بِصِفتها أبنية مِنْ حَجَرٍ ، بَلْ بِوَصْفِها ذاكرةً للناسِ ،
ومَلاذًا لَهُم ، ومَرَايا لِمَدينتهم . كُلَّما أسْقَطُوا مِئذنةً سَقَطَتْ
مَعَهَا مَلامِح حَيٍّ بأكمله .
المَشْهَدُ يَتكرَّر بِوَحشيةٍ
لا نَظِيرَ لَهَا ، يَتصاعدُ غُبارُ الرُّكَامِ أوَّلًا ، وَيَختنِق الهواءُ ،
وتَظْهَر الجَرَّافات . تَدفعُ الأنقاضَ جانبًا بِبُرودٍ أشبه بالإنكارِ . وَبَعْدَها
يَضَعُ الصِّرْبُ الوُحُوشُ الأساسَ الجديدَ ، يُرسَم عَلى الأرضِ نَفْسِها التي
كانتْ مُنْذُ سَاعاتٍ قليلةٍ تَحمِل ظِلالَ المُصَلِّينَ المُوَحِّدِين أساسُ
كَنيسةٍ أُرثُوذُكْسِيَّة ، تُقَامُ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ المَهدومِ ، الذي كانَ
فيهِ صَوْتُ التَّسْبيحِ وَذِكرياتُ الأجيالِ.تَبْدُو العمليةُ كأنَّها
مُحَاوَلَةٌ لِزَرْعِ تاريخٍ غَريبٍ بالقُوَّةِ في قَلْبِ أرضٍ تَعرِف تاريخَها
جَيِّدًا . لَمْ يَكُن الألَمُ حُزْنًا على حِجارةٍ اختفتْ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا
كانَ حُزْنًا على قِصَصٍ لَمْ تَجِدْ مَكانًا تُواصِل فيه الحَياةَ،عَلى طِفْلٍ كانَ
يَركُضُ في بَاحَةِ المَسْجِدِ بَعْدَ الدَّرْسِ،عَلى امرأةٍ كانتْ تَرْفَعُ
يَدَهَا مُوَدِّعَةً جَارَتَهَا أمامَ البَوَّابةِ الخشبيةِ،على شَيْخٍ كانَ
يُوزِّع ابتسامةً دافئةً على كُلِّ مَنْ مَرَّ بِجِوَارِه. تِلْكَ التفاصيلُ
تُسحَق بِلا رَحمةٍ ، كأنَّ الزَّمَنَ يُعادُ تَشكيلُه عَلى مَقَاسٍ واحدٍ لا
يَحْتَمِلُ التَّنَوُّعَ .
في القُرى التي سالتْ فيها
الدُّمُوعُ أسرعَ مِنَ الأنهارِ ، كانَ الناسُ يُحاولون أنْ يَجْمَعُوا مَا بَقِيَ
مِنْ مَعْنى للوطن. يَعرِفون أنَّ الهَدْمَ لَيْسَ مُجرَّد تَهشيمِ سَقْفٍ
ومِئذنةٍ ، بَلْ مُحَاوَلَة لِطَمْسِ هُوِيَّةِ البُوسنيين الجَمَاعِيَّةِ ،
واستئصالِ ثقافتهم ، واجتثاثِ الإسلامِ مِنْ قُلوبِهم وأرضِهم مَرَّةً واحدةً ،
وللأبدِ . كانوا يَتمسَّكون بِشَظايا الذكرياتِ كَما يَتمسَّك الغَريقُ بِلَوْحِ
خَشَبٍ صغيرٍ . ومعَ ذلك ، كانَ في أعماقِهم شَيْءٌ لا يُهْدَم، إحساس خَفِي بأنَّ
الأماكنَ تُبعَث مِنْ جَديدٍ حِينَ يَحتفظ البَشَرُ بِرُوحِها في صُدورِهم .
في الليلِ ، حِينَ يَخْفِتُ
ضَجيجُ الحَرْبِ قليلًا ، كانت المُدُنُ الجَريحةُ تَبْكي بِصَمْتٍ. تَتساءل:
كَيْفَ يُمكِن لِحَجَرٍ أنْ يُسْتَبْدَلَ بِحَجَرٍ،وَلِصَوْتٍ أنْ يُمْحَى
بِصَوْتٍ،وَلِرُوحٍ أنْ تُغَيَّرَ بِمِعْوَلٍ وجُدران؟.
البُوسنةُ ، رَغْمَ الوَجَعِ ،
تُخْفي في أعماقِها وَعْدًا صغيرًا ، أنَّ الهُوِيَّةَ التي تُهدَم في الخارجِ ،
إنْ بَقِيَتْ حَيَّةً في القُلوبِ ، سَتَجِدُ طَريقَها يَوْمًا مَا للَعْوَدَةِ .
في قَلْبِ الخَرابِ المُمْتَدِّ ، هُناكَ دائمًا
شَخْصٌ مَا يَلتقطُ قِطْعَةً مِنْ جِدارٍ سَقَطَ ، ويَنْفُضُ عَنْها الغُبارَ ،
ويُحدِّق فِيها طَويلًا . لَيْسَ لأنَّه يَتشبَّث بالماضي فَقَط ، بَلْ أيضًا
لأنَّه يُؤْمِنُ بأنَّ الذاكرةَ يُمكِن أنْ تَكُونَ أقوى مِنَ الهَدْمِ ، وأنَّ
العَدالةَ حتى لَوْ تأخَّرَتْ قَدْ تأتي يَوْمًا على هَيئةِ حَياةٍ جَديدةٍ تُبنَى
فَوْقَ الرُّكَامِ ، لا فَوْق النِّسْيَانِ .
هَكذا ظَلَّت البُوسنةُ
تَنْبِضُ ، قَلْبٌ جَريحٌ ، لكنَّه رافضٌ أنْ يَتوقَّف . وَطَنٌ يَسِيرُ بَيْنَ
الأطلالِ ، لكنَّه يَعرِف تَمامًا أيَّ صَوْتٍ يَنْتمي إلَيْهِ ، وأيَّ
مُسْتَقْبَلٍ يُريدُ أنْ يَنْهَضَ نَحْوَه ، وَلَوْ بَعْدَ زَمَنٍ طَويلٍ.
المَنازلُ القَديمةُ في القُرى
المُسْلِمَةِ تَصَرُخُ تَحْتَ ثِقَلِ الغِيابِ، جُدرانُها تَنكمِش مِنَ الذُّهُولِ
، لا تُصَدِّقُ بأنَّ آلاف الخُطُواتِ الغريبة تَطَأ عَتَبَاتِهَا دُون أنْ تَحمِل
حَرارةَ أهْلِها ، أوْ رائحةَ خُبْزِهِم ، أوْ صَدى ضَحِكَاتِ صِغارهم . بُيُوتٌ
وحُقولٌ وأشجارٌ عَتيقةٌ زَرَعَتْهَا أجيالٌ مُتَعَاقِبَةٌ ، تُنْتَزَع فَجْأةً
مِنْ تاريخِها كأنَّ جُذورَها تُقْصَفُ مِنْ تَحْتِ الأرضِ .
معَ بِداياتِ الحَرْبِ الصِّرْبِيَّةِ
الكُرْوَاتِيَّةِ عام 1991 ، حِينَ اندفعتْ قَوافلُ الصِّرْبِ الهاربين مِنْ
كُرواتيا نَحْوَ الشَّرْقِ ، كانت العَواصفُ البشريةُ تُفَتِّشُ عَنْ مَأوى ،
لكنَّ الأوامرَ جاءتْ بأنْ يَكُونَ المَأوى جاهزًا مُسْبَقًا ، في أملاكِ الغَيْرِ
. تَمَّ تَوطينُ الصِّرْبِ الأغرابِ في أملاكِ المُسْلِمِين . وُضِعَت المَفاتيحُ
في أيدي الصِّرْبِ الأغرابِ ، مَفاتيح لَمْ يَصْنعوها ، وَلَمْ يَعرِفوا أسماءَ
أصحابِها ، مَفاتيح حَمَلَتْ ذَاكرةَ أصابعِ أُخْرَى ، وهواجس أُخْرَى ، وحِكايات
نَوْمٍ قَديمة رَوَاها آباء لأبنائِهم قَبْلَ أنْ يُطرَدوا مِنْ دِفْءِ أحلامِهم .
دَخَلَ الصِّرْبُ الأغرابُ إلى
بُيُوتِ المُسْلِمِين كما يَدْخُلُ المَرْءُ إلى حَياةٍ لا تَخُصُّه ، يُغَيِّر
مَواقعَ الأثاثِ ، يَزِيحُ الصُّوَرَ المُعلَّقة عَلى الجُدران ، يُخْفِي مَا
يَشْهَد عَلى هُوِيَّةِ المَكانِ الحقيقية ، بَيْنَما في الخارجِ كانت الحُقُولُ
تَشْهَد عَلى مَا لَمْ تَسْتَطِع الجُدْرَانُ قَوْلَه. الأرضُ تُحْتَلُّ كَما
تُنْتَزَعُ الرُّوحُ ، والأشجارُ حِينَ تُنْتَزَعُ مِنْ أصحابِها تَبْكي كأنَّها
تُحاولُ الاعتذارَ .
تَجَمَّدَتْ أسماءُ العائلاتِ
المُسْلِمَةِ في السِّجِلَّاتِ مُؤقَّتًا ، ثُمَّ مُسِحَتْ مِنَ اللافتاتِ
الخشبيةِ عَلى مَداخلِ الأراضي ، وَبُدِّلَتْ بِغَيْرِها ، لكنَّ الحِجَارَةَ
ظَلَّتْ تَحْفَظُ مَا لا يُمحَى . كُلُّ حَجَرٍ يَعرِف لِمَنْ يَنْتمي،وكُلُّ
دَرَجٍ في فِنَاءِ مَنْزِلٍ قَديمٍ يَتذكَّر الخُطُوَاتِ التي كانَ يَفْرَحُ بِها.والظُّلْمُ
يَمْشِي بِبُطْءٍ، ثقيلًا ، كأنَّه يُدرِك أنَّ مَا يُسْلَبُ مِنَ البَشَرِ لا
يُسْتَمْلَكُ أبدًا ، بَلْ يَبْقَى عَالِقًا بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ ، يُلاحِق
الغَريبَ مِثْلَ ظِلٍّ لا يَنْفَصِل .
في الليلِ ، حِينَ تَهدأ
حَرَكَةُ الجُنودِ ، وَتَخْفِتُ ضَوْضَاءُ الحَرْبِ خَلْفَ الأُفُقِ ، كانت القُرى
المُسْلِمَةُ تَشْعُرُ بِتَنْهيدةٍ عظيمةٍ ، تُحاولُ استعادةَ جُزْءٍ مِنْ
هُوِيَّتِهَا المَفقودةِ . الصِّرْبُ الأغرابُ يَحْتَلُّونَ مَنازلَ المُسْلِمِين
، وَيَتَحَصَّنُون في دَاخِلِهَا ، لكنَّ الجُدْرانَ تَهْمِسُ بِقِصَصِ مَنْ عاشوا
فِيها قَبْلَهُم ، أُولئكَ الذينَ تَركوا خَلْفَهم مَا لا يُمكِن حَمْلُه : دِفْء
سَنَوَاتِهم ، ورائحة مَواسمِهم ، وَصَوْت المَاءِ حِينَ يَسِيلُ على أطرافِ
حُقولِهم في رَبيعٍ بعيدٍ .
الصِّرْبُ الأغرابُ يَبحثون
عَنْ مأوى بأيِّ ثَمَنٍ ، والمُسْلِمُون أصحابُ الأرضِ يُقْتَلَعُون مِنْ جُذورِهم
، لأنَّ الحَرْبَ لا تَعرِف العَدالةَ ، ولا تَكترِث لِذِكْرياتِ أحَدٍ . بُيُوتُ
المُسْلِمِين المَسلوبةُ شاهدةٌ صامتةٌ لا تَنحازُ إلا للحقيقة . الأرضُ تَعرِف
أبناءَها ، حتى حِينَ يُطرَدون مِنها ، وَيُقِيم الآخَرُون فَوْقَها ، وتُكتَب
الأسماءُ الجديدةُ على الأبوابِ القديمة .
في قَلْبِ العاصفةِ ، بَقِيَ
شَيْءٌ واحدٌ لا يُسرَق : الحَنِين . ذلك الشُّعورُ الذي ظَلَّ يَتردَّد في
الفَراغِ ، يَعُود كُلَّ مَساءٍ ، ويَتَحَسَّس الأبوابَ المُغلَقة ، ويَتجوَّل في
البَساتينِ الخاليةِ ، مُنْتَظِرًا اليَوْمَ الذي تَعُود فيهِ الحَياةُ إلى
أصحابِها الحقيقيين ، وَيَعُود الحَجَرُ إلى مَكانِه ، وَتَعُود الأرضُ إلى
نَبْضِها الأوَّلِ ، نَبْضِ مَنْ زَرَعُوها يَوْمًا بالحُبِّ قَبْلَ أنْ تُزْرَعَ
بالقَهْرِ .
القُرى المُبَعْثَرَةُ عَلى
سُفوحِ البُوسنةِ كانتْ تَتوهَّج بِدِفْءِ المَساءِ . نوافذ تُطِلُّ على سُهولٍ
خَضْراء ، وأبوابٌ تُفْتَحُ عَلى ضَحِكَاتٍ خفيفةٍ ، وأحجارُ البُيُوتِ تَحْفَظُ
آثارَ أقدامِ الصِّغَارِ ، وَهُمْ يَركُضُون خَلْفَ حُلْمٍ بَسيطٍ . لكنَّ
الحَرْبَ حِينَ جاءتْ ، لَمْ تَكْتَفِ بأنْ تَقْطَعَ أوتارَ الحَياةِ ، بَلْ
مَزَّقَتْ كُلَّ شَيْءٍ حتى صَمْت الأرضِ ، وَجَعَلَت الذاكرةَ نَفْسَها تُضمِّد
جِرَاحًا لا تَبْرَأ .
مَرَّ الغُزاةُ الصِّرْبُ في
القُرى مِثْلَ عاصفةٍ سَوْداء لا تَعرِف التَّرَدُّدَ . بُيُوتُ المُسْلِمِين ،
تِلْكَ التي بُنِيَتْ بِعِنايةِ الآباءِ وجُهودِهم ، صارتْ فَجْأةً مُجرَّد
جُدْران تَرْتَجُّ قَبْلَ أنْ تُسحَق تَحْتَ الدَّبَّابَاتِ . جُدران كانتْ تَحفَظ
أسرارَ العائلاتِ ، وتَختزِن رائحةَ الخُبْزِ الصَّبَاحِيِّ ، وتَرتجف عِندَ
صَوْتِ العُودِ في ليالي الصَّيْفِ ، كُلُّ ذلك تَحَوَّلَ إلى رُكَامٍ صامتٍ ،
وغُبارٍ يَصْعَدُ إلى الأُفُقِ كأنَّه يَبْحَثُ عَنْ مَعْنى لِمَا جَرى .
لَمْ يَكُن الغُزاةُ الصِّرْبُ
يَهدِمون مَنازلَ البُوسنيين فَحَسْب، كانوا يَقتلعونها مِنْ جُذورِها الإنسانية.
حِينَ يُقْصَفُ سَقْفٌ فَوْقَ ذِكرياتِ أهْلِه ، لا يَنهارُ الخَشَبُ والحَجَرُ
وَحْدَهما ، بَلْ تَنهارُ مَعَهُما السَّنَوَاتُ التي نَضِجَتْ بَيْنَ تِلْكَ
الجُدرانِ . تَركُضُ النِّسَاءُ بَيْنَ الرُّكامِ ، وَيُفَتِّشْنَ عَنْ شَيْءٍ
لَمْ يَعُدْ لَهُ وُجُود : قِطْعة قُمَاش مِنْ ثَوْبِ زِفَاف ، صُورة مَطْوِيَّة
في صُندوق ، أوْ حَتى حَديدة صغيرة مِنْ سَريرِ طِفْلٍ لَمْ يُكْمِلْ عَامَه
الأوَّلَ . هذه الأشياءُ الصغيرةُ بالنِّسْبَةِ إلَيْهِنَّ هِيَ آخِرُ مَا تَبَقَّى
مِنْ عَالَمٍ سُرِقَ قَسْرًا .
الرِّجالُ الذين عَمِلُوا عَلى
حِمايةِ تِلْكَ القُرى ، كانوا يَقِفُون أمامَ الأطلالِ عَاجِزِين . صَدْمَةٌ
هائلةٌ أنَّ يَرى الإنسانُ أنَّه خَسِرَ كُلَّ مَا كانَ يَحمِله في صَدْرِه مِن
انتماء . لَمْ يَكُن الخَرابُ مُجرَّد نَتيجةٍ للحَرْبِ ، كان رِسالةً قاسية .
البُيُوتُ التي كانتْ تَحْضُنُ الناسَ يُمكِن أنْ تُصْبحَ في لَحْظَةٍ واحدةٍ
شَاهِدَةً على الألَمِ بَدَلًا مِنَ الأُلْفَةِ .
الطريقُ التُّرَابيُّ الذي
يَصِلُ بَيْنَ القُرى ، ذاكَ الذي اعتادَ أنْ يَسْمَعَ وَقْعَ أحذيةِ العائِدِين
مِنَ السُّوقِ ، أوْ خُطى الأطفالِ وَهُمْ يَتسابقون إلى المَدرسةِ ، صارَ مُجرَّد
مَسَارٍ يَمُرُّ بجانبِ أنقاضٍ بَكْمَاء . الرِّيحُ تَعْبُرُ فَوْقَ الحِجارةِ
المُحترِقة ، وَتُصْدِرُ صَفِيرًا يُشْبِهُ نَحِيبًا طَويلًا ، وكأنَّها تَنْعَى وُجُوهًا
غابتْ قَبْلَ الأوَانِ .
لَمْ يَكُنْ أصعبُ مَا في
الحَرْبِ هُوَ الفِقْدَانَ الماديَّ ، بَل الفَرَاغ الرُّوحي الذي خَلَّفَتْهُ
تِلْكَ البُيُوتُ المُهَدَّمَة . حِينَ تَسْقُطُ القُرى ، يَسْقُطُ مَعَهَا جُزْءٌ
مِنْ هُوِيَّةِ أهْلِها ، وَيَتَحَوَّل المَكانُ الذي كانَ يَمنحهم الاستقرارَ إلى
جُرْحٍ مَفتوحٍ في القَلْبِ . الإنسانُ يُمكِنه أنْ يَرْحَلَ مِنَ المَكانِ ، لكنْ
كَيْفَ يَرْحَلُ عَنْ بَيْتٍ كانَ امتدادًا لِرُوحِه ؟ ، وكَيْفَ يُمكِن لِرُوحٍ
مَبتورةٍ أنْ تَجِدَ توازنَها بَعْدَ أنْ صارَ الوَطَنُ حُطَامًا ؟ .
البُوسنةُ مَلِيئةٌ بِالبُقَعِ
الرَّمَادِيَّةِ ، حَيْثُ كانت المَنازلُ يَوْمًا مَا قائمةً . مَرَّ الزَّمَنُ ،
وَزُرِعَت الأزهارُ عَلى بَعْضِ الأطلالِ ، لكنَّ بَعْضَها الآخَرَ ظَلَّ كَما
هُوَ ، شَاهِدًا لا يَصْمُت ، كأنَّ كُلَّ حَجَرٍ مِنْ تِلْكَ الأنقاضِ يَقُول :
(( هُنا كانتْ حَيَاة ، هُنا كانَ دِفْء ، هُنا كانَ ناسٌ أحَبُّوا ، وَبَنَوْا ،
وَحَلُمُوا ، قَبْلَ أنْ يَبْتَلِعَ الدُّخَانُ كُلَّ شَيْءٍ )) .
بَقِيَت القُرى المُدَمَّرَةُ صَفَحَاتٍ
مَفتوحةً في ذاكرةٍ لا تُريدُ أنْ تُطوَى ، لأنَّ ذِكْراها لَيْسَتْ مُجرَّد
سَرْدٍ لِحَرْبٍ مَضَتْ ، بَلْ شَهادة عَلى الألَمِ الإنسانيِّ حِينَ يَتحوَّل
البَيْتُ ، أبْسَطُ رُموزِ الأمَانِ ، إلى غُبارٍ يَتطايرُ معَ الرِّيحِ ، تاركًا
خَلْفَه قُلوبًا تُحاولُ أنْ تَتعلَّم الحَياةَ مِنْ جَديدٍ فَوْقَ أرضٍ مَا زالتْ
تَتَنَهَّدُ تَحْتَ الأقدامِ المُشَقَّقَةِ .
في تِلْكَ السَّنَوَاتِ التي
اسْوَدَّ فيها القلبُ الأُوروبيُّ ، كانَ البَرْدُ في البُوسنةِ أشدَّ مِنَ
الشِّتاءِ ، والدَّمُ يَسْبِقُ الثَّلْجَ إلى الطُّرُقَاتِ . قُرى كاملةٌ تَستيقظُ
عَلى صَرِيرِ الأحذيةِ العَسكريةِ ، لا على أصواتِ الدِّيَكَةِ ، وتَنامُ عَلى
صَدى الصُّرَاخِ لا عَلى الأغاني الهادئةِ للأُمَّهَاتِ .
البُوسنِيُّون المُسْلِمُون
يُسْحَبُون مِنْ بُيوتهم كَما تُسْحَبُ الذكرياتُ مِنَ الذاكرة . تُكسَر الأبوابُ،
وتُدَاس الصُّوَرُ ، وَتُنهَب الأيدي القليلةُ التي كانتْ بالكادِ تُمسِك بالحياة
. لَمْ يَكُن الذَّبْحُ حادثةً عابرةً،بَلْ صِناعة تُدَار بالجُمْلَةِ،بِبُرُودٍ
يَجْعَلُ المَوْتَ إجراءً رُوتينيًّا،وَيَجْعَلُ الإنسانَ رَقْمًا يَنتظر دَوْرَه
.
في العُيونِ التي أُغْلِقَتْ
قَسْرًا قَبْلَ الطَّعْنَةِ ، كانت أسئلة لَمْ تَجِدْ وقتًا للإجابةِ : لِمَاذا ؟
، وَمَا السَّبَبُ ؟ ، وبأيِّ ذَنْبٍ ؟. وفي الأزِقَّةِ التي اغْتُصِبَتْ
كَرَامَتُهَا، كانت الوَحْشِيَّةُ الصِّرْبِيَّةُ تَتَفَنَّنُ ، ضَرْب، إذلال،
سَلْب ، حِقْد يَتَغَذَّى عَلى اختلافِ الاسْمِ وَالهُوِيَّةِ . لَمْ يَكُن
الهَدَفُ جَسَدًا فَقَط ، بَلْ مُحَاوَلَة مَحْوِ أثَرٍ ، وَطَمْس ثقافةٍ ،
واقتلاع تاريخٍ ، وكَسْر رُوحِ جَمَاعَةٍ كاملة .
حَمَلَت الأُمَّهَاتُ
أبناءَهُنَّ مِنْ أجْلِ وَدَاعِهِنَّ لا حِمَايَتِهِنَّ . وَقَفَ الرِّجالُ
عُزَّلًا مِنَ السِّلاحِ إلا مِنَ الكَرامةِ ، فصارت الكَرامةُ تُهْمَةً . امتلأت
المَقابرُ قَبْلَ أنْ تُحْفَرَ ، لأنَّ الأرضَ تَعْرِفُ أنَّ القادمَ أثقلُ مِنْ
أنْ يُحْتَمَلَ .
في رُوحِ الليلِ الكَثيفِ ،
بَقِيَت الحِكاياتُ تَتناقلُ الوَجَعَ كَيْ لا يُنسَى ، وَبَقِيَت الذاكرةُ
تُقَاوِمُ السِّكِّينَ . كُلُّ قَطْرَةِ دَمٍ بَريئةٍ صارتْ شَاهِدَةً ، وكُلُّ
صَرْخَةٍ مَكتومةٍ تَحَوَّلَتْ إلى نَصٍّ لا يَمُوت ، يَفْضَحُ عُنْفَ الصِّرْبِ
ووحشيتهم ، ويُؤَكِّد أنَّ الضَّحَايا وإنْ تَمَّ إسكاتُهُم ، لا يُمكِن مَحْيُهُم
.
حِينَ يَهدأ القِتالُ، لا يأتي
الصَّمْتُ بَريئًا . يَهبِط عَلى المَكانِ مِثْلَ غُبارٍ كَثيفٍ ، وَيَمْلأ الرِّئَتَيْن،
وَيَخْنُقُ الذاكرةَ . البَنادقُ سَكَتَتْ ، لكنَّ الخَوْفَ ظَلَّ واقفًا عِندَ
الأبوابِ ، يَتَفَحَّصُ الوُجوهَ الباقيةَ كَما لَوْ كانَ يَعُدُّها واحدًا واحدًا
.
في تِلْكَ القُرى
البُوسنِيَّةِ الوادعةِ ، حَيْثُ البُيُوت مُتلاصِقَة كَقُلوبِ أهْلِها ، خَرَجَ
الغُزاةُ الصِّرْبُ بَعْدَ انطفاءِ النارِ لا لِيَبْحَثُوا عَن سَلامٍ ، بَلْ
لِيُكْمِلُوا مَا بَدَأتْهُ الحَرْبُ بوسائل أكثر هُدوءًا وَقَسْوَةً . يَطْرُقُون
الأبوابَ التي لَمْ تَسْقُطْ ، ويَفْتحون النوافذَ التي لَمْ تَتَحَطَّمْ ،
وَيُشِيرُون بأصابع باردة إلى الطُّرُقِ المُؤَدِّيَةِ خارجَ الحَياةِ . ((
ارْحَلُوا )) ، كَلِمَة قصيرة ، لكنَّها أثقلُ مِنَ المَدافعِ . البُوسنِيُّون
المُسْلِمُون الذينَ نَجَوْا مِنَ القَصْفِ ، والحِصَارِ ، والجُوعِ ، وَجَدُوا
أنفُسَهم فَجْأةً غُرَباء في بُيُوتِهم . لَمْ يَكُنْ مَطلوبًا مِنهُم سِوى أنْ
يَحمِلوا مَا خَفَّ وَزْنُهُ مِنْ ذِكْرياتٍ ، وأنْ يَتركوا خَلْفَهم كُلَّ مَا
يُثْقِلُ القَلْبَ : صُورة على الجِدَار ، سَرير نامَ عَلَيْهِ طِفْلٌ لَمْ
يَكْبَرْ ، شَجَرَة زُرِعَتْ في يَوْمِ زِفَافٍ ، رائحة خُبْزٍ مَا زالتْ عالقةً
في المَطْبَخِ .
الخُطُوَاتُ المُرتجِفةُ عَلى
الطُّرُقَاتِ المُوحِلَةِ تُشْبِهُ جِنَازَاتٍ بِلا نُعُوشٍ . نِسَاءٌ
يَلْتَفِتْنَ خَلْفَهُنَّ ، كَأنَّهُنَّ يُرِدْنَ حِفْظَ البُيُوتِ في الذاكرةِ
قَبْلَ أنْ تُنْتَزَعَ. رِجَالٌ يَعَضُّونَ عَلى الصَّمْتِ كَيْ لا يَسْقُطُوا .
أطفالٌ يَسألونَ سُؤالًا لا جَوَابَ لَه : لِمَاذا نَرْحَلُ إذا لَمْ نَعُدْ
نَسْمَعُ صَوْتَ الرَّصَاصِ ؟ .
القوافلُ البَشَرِيَّةُ تُدفَع
خارجَ المَكانِ ، والشاحناتُ تأتي مِنَ الجِهَةِ الأُخْرَى . وُجوهٌ جَديدةٌ ،
لَهَجَاتٌ مألوفةٌ للغُزاةِ ، وأحلامٌ باردةٌ بالسَّكَنِ والاستقرارِ .
المُسْتَوْطِنُونَ الصِّرْبُ دَخَلُوا بُيُوتَ المُسْلِمِين المَطرودين مِنها ،
كَما يَدْخُلُ المَرْءُ فُنْدُقًا جاهزًا : الجُدران قائمة ، والسُّقُوف لَمْ
تَسْقُطْ، والأبواب مَا زالتْ تَعرِف أسماءَ أصحابِها الحقيقيين .
جَلَسَ الغُزاةُ الصِّرْبُ
القادمون الجُدُدُ عَلى مَوائد لَمْ يَصْنَعُوها، وناموا في غُرَفٍ مَا زالتْ
تَحمِل آثارَ حَياةٍ لَمْ تُمْحَ ، وَفَتَحُوا خَزائن فِيها مَلابس لَيْسَتْ لَهُم
، والبُيُوتُ تُدرِّب نَفْسَها على الصَّمْتِ القَسْرِيِّ ، والحِجارةُ
تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَكْتُمُ الشَّهَادَةَ .
لَمْ يَكُن الاستيطانُ مُجرَّد
انتقالِ أجسادٍ ، كانَ مُحَاوَلَةً لِطَمْسِ الذاكرةِ لإقناعِ المَكانِ بأنَّه
لَمْ يَكُنْ بُوسنِيًّا مُسْلِمًا ، وأنَّ الضَّحِكَات التي سَكَنَتْ هَذه
الجُدْرَانَ لَمْ تُوجَدْ ، وأنَّ الأسماءَ المَكتوبةَ على اللَّوْحَاتِ يُمكِن
مَحْوُها بِسُهولةٍ .
البُيُوتُ تُقَاوِمُ بطريقتها
الصامتةِ ، تَصْرُخُ حِينَ تُغْلَقُ أبوابُها بأيْدٍ غَريبةٍ ، وَتَرتجف حِينَ
يُنْقَلُ أثاثُها مِنْ زاويةٍ إلى أُخْرَى ، وَتَحْفَظ في شُقوقِها أصواتَ مَنْ
رَحَلُوا قَسْرًا ، أصوات لا يَسْمَعُها إلا مَنْ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ . هَكذا
اكتملت المَأسأةُ بِلا دُخَانٍ ولا قَصْفٍ ، طَرْد بَعْدَ نَجَاةٍ ، واستبدال بَعْدَ
صَمْتٍ ، وَحَرْب تَستمر حتى بَعْدَ أنْ يُعْلَنَ انتهاؤُها . وفي المَسافةِ
بَيْنَ الخارجِين والداخِلِين ، ظَلَّت الأسئلةُ مُعَلَّقَةً : كَيْفَ يُمكِن
لِبَيْتٍ مَسروقٍ أنْ يُصبحَ وَطَنًا ؟ ، كَيْفَ يُمكِن للتاريخِ أنْ يُطرَد كَما
يُطرَد البَشَرُ دُون أنْ يَصْرُخ ؟ ، كَيْفَ يُمكِن للغاصبِ أنْ يَنامَ
مُطْمَئِنًّا على وِسَادَةٍ مِنْ أسماء مَسروقة ؟ ، كَيْفَ تَتحوَّل الجَريمةُ إلى
قانونٍ حِينَ يُوقِّعها الأقوياء ؟ ، كَيْفَ تُطَالَبُ الضَّحِيَّةُ بإثباتِ
ألَمِها بَيْنَما الجُرْح مَا زالَ مَفتوحًا ؟ ، كَيْفَ يُعادُ تَعريفُ الوَطَنِ
بِلا أهْلِه ، والتاريخِ بِلا شُهودِه ؟ .
النارُ تَمْشِي بثباتٍ في
أزِقَّةِ البُوسنةِ ، لا كظاهرةٍ عَمْيَاء ، بَلْ كَأدَاةٍ واعيةٍ تُقَادُ بذاكرةِ
الحِقْدِ والكَرَاهِيَةِ . لَمْ تَكُنْ ألسنةُ اللهبِ تَلْتَهِمُ الحَجَرَ فَقَط ،
بَلْ كانتْ تُدرَّب على اختيارِ أهدافِها : قِبَاب اعتادتْ أنْ تَعْكِسَ
السَّمَاءَ ، مَآذِن تُشيرُ إلى المَعْنَى ، ساحات تَشَبَّعَتْ بِخُطُوَاتِ
المُصَلِّين عَبْرَ قُرونٍ مِنَ الصَّبْرِ. كُلُّ ذلك كانَ يُحَاصَر ، وَيُرَشُّ بالوَقُودِ
، ثُمَّ يُسلَّم للانفجارِ ، المَطْلُوبُ لَيْسَ الهَدْمَ وَحْدَه ، بَلْ مَحْو
الإشارةِ الأخيرةِ إلى أنَّ هُنا حَيَاةً كانتْ تَنطِقُ بِرُوحٍ مُختلفة .
الغُزاةُ الصِّرْبُ لَمْ
يُدَمِّرُوا المَسَاجِدَ مُصَادَفَةً ، بَلْ كانوا يَسْتهدفونها بِوَصْفِها ذاكرةً
وثقافةً ، وَشَهادةً عَلى حُضورٍ لا يُحْتَمَل . وَحَرْبُ الصِّرْبِ ضِد الشَّعْبِ
البُوسنيِّ هِيَ حَرْبُ إبادةٍ دِينيةٍ وثقافيةٍ بالدَّرَجَةِ الأُولَى . إنَّ
الصِّرْبَ الوُحُوشَ رَافِعي الصَّليب الأسْوَد كانوا يَزرَعون جُدرانَ المَساجدِ
بالمُتَفَجِّرَاتِ ، وحِينَ يَعْلُو الدُّخَانُ لَمْ يَكُنْ يَخْتفي البِنَاءُ
فَقَط ، بَلْ كانتْ تَختنقُ مَعَهُ الحِكاياتُ ، وَتَتكسَّر الأصواتُ التي
حَفِظَتْ أسماءَ الناسِ وَصَلَوَاتِهِم وَهُمُومَهم اليَوْمِيَّة . لَمْ يَكُن
الانهيارُ نِهايةً ، بَلْ بِداية لِطَقْسٍ آخَر أشد قَسْوَةً .
بَعْدَ أنْ يَبْرُدَ
الرَّمَادُ ، يَدْخُلُ أفرادُ ميليشياتُ الصِّرْبِ إلى المَكان ، يَمْشُون فَوْقَ
مَا تَبَقَّى مِنَ السَّجَّادِ المُحترِق، وَقِطَعِ الزَّخْرَفَةِ المَكسورةِ،
وكأنَّهُم يَعْبُرُون جِسْرًا إلى إعلانٍ جَديدٍ.تُزالُ الأنقاضُ بِعِنايةٍ باردة
، لا بدافعِ الإعمارِ ، بَلْ مِنْ أجْلِ الاستعدادِ لِوَضْعِ الأساسِ ، الأساس
هُنا لَيْسَ أسْمَنْتًا وَحَدِيدًا فَقَط، بَلْ رِسالة مُشَفَّرَة تَقُولُ إنَّ
الانتصارَ لا يَكتمِل إلا إذا تَغَيَّرَ شَكْلُ المَكانِ وَمَعْنَاه .
تَبدأ عَلاماتُ الكَنائسِ
الأُرثُوذُكْسِيَّة بالظُّهُورِ في مَوَاقِعِ المَسَاجِدِ التي فَجَّرَهَا
الغُزاةُ الصِّرْبُ : قِيَاسَات ، أوتاد ، صُلْبَان تُغرَس في الأرضِ التي كانتْ
قَبْلَ ساعاتٍ قليلة تَحمِل أثَرَ السُّجُودِ . كانَ تَشْييدُ تِلْكَ الكَنائسِ
مِعْيارًا للغَلَبَةِ والانتصارِ ، خَتْمًا يُوضَع عَلى الجُغْرافيا ، لِيُعْلِنَ
أنَّ اليَدَ التي دَمَّرَتْ هِيَ ذَاتُها التي تُعيدُ التَّشكيلَ وَفْقَ
سَرْدِيَّتِهَا الخَاصَّةِ . البِنَاءُ لَمْ يَكُنْ فِعْلَ إيمانٍ ، بَلْ فِعْل
سَيْطرة، وإعادة كِتابة للمَشْهَدِ، كَيْ لا يَبْقَى أيُّ التباسٍ حَوْلَ مَنْ
يَملِك الذاكرةَ ، وَمَنْ يَفْرِضُ الرَّمْزَ .
في تِلْكَ اللحْظَةِ ، كانَ
الصَّمْتُ أثقلَ مِنَ الانفجارِ . صَمْتُ الناسِ الذينَ رَأَوْا أماكنَهم
تُسْتَبْدَل، وتاريخَهم يُعاد صَبُّه في قوالب لا تُشْبِهُهم. العُيونُ تُراقِب
الأساساتِ وَهِيَ تُمَدُّ ، لا لأنَّها تَجْهَلُ مَا يَحْدُث ، بَلْ لأنَّها
تَعرِف أنَّ كُلَّ حَجَرٍ جَديدٍ يُوضَع هُوَ مُحاوَلة لإقناعِ الأرضِ بِنِسْيَانِ
مَا كان . لكنَّ الأرضَ مَهْمَا أُثقِلَتْ بالحَديدِ والنارِ ، تَحتفظُ بِأثَرِ
الخُطُواتِ القديمةِ ، وَتَعرِف الفَرْقَ بَيْنَ بِناءٍ يُولَد مِنَ الحَاجَةِ ،
وَبِناءٍ يُفْرَضُ بِوَصْفِهِ إعلانَ انتصارٍ . ثَمَّة بِنَاءٌ يُشْبِهُ
الدُّعَاءَ حِينَ تُمْلِيه الضَّرُورة ، وَثَمَّة بِنَاءٌ يُشْبِهُ الصَّرْخَةَ
حِينَ يُشَيَّدُ لِيَقُول : (( انتصرتُ ، وَلَوْ على الفَراغِ والناسِ )) . هَكذا ،
تَحَوَّلَت المَسَاجِدُ المُحترِقةُ إلى مَواقِع إنشائية، وَتَحَوَّلَت المَوَاقِعُ
الإنشائيةُ إلى شَوَاهِدِ عَلى زَمَنٍ اختلطَ فيهِ الهَدْمُ بالادِّعَاءِ ،
والرَّمْزُ بالقُوَّةِ . لَمْ يَكُن الهَدَفُ إنشاءَ كَنيسةٍ فَحَسْب ، بَلْ إقامة
عَلامة دائمة على أنَّ الحَرْبَ لَمْ تَكُنْ معَ الناسِ وَحْدَهم ، بَلْ مَعَ
المَعْنى ذَاتِه. ومعَ ذلك ، ظَلَّ في الرُّكَامِ صَدى لا يُرى ، يَهْمِسُ بأنَّ
الذاكرةَ لا تُنسَف بالكاملِ ، وأنَّ الحَجَرَ ، مَهْمَا تَغَيَّرَ شَكْلُه ، لا
يَنْسَى اليَدَ التي حاولتْ أنْ تَمْحو قِصَّتَه .
فَوْقَ العاصمةِ البُوسنِيَّةِ
سَرَاييفو، لا يُقِيمُ الليلُ وَحْدَه ، هُناكَ شَيْءٌ أثقلُ مِنَ الغَيْمِ ،
وأقْسَى مِنَ الصَّقِيعِ ، يَرْقُدُ عَلى التِّلالِ المُحيطةِ بالمَدينةِ كَوَحْشٍ
صامتٍ يَفْتَحُ فَمَه الحَديديَّ عَلى الدَّوَام .
مَدَافِعُ الصِّرْبِ لا تَبدو مُجرَّد أسلحةٍ ،
إنَّها عُيونٌ جامدةٌ تُراقِب نَبْضَ المَدينةِ ، تَزِنُ أنفاسَها ، وَتُقَرِّرُ
مَتَى يَتحوَّل الصَّبَاحُ إلى رَمَادٍ .
مِنَ الأعلى ، حَيْثُ تَرتفعُ
المَدافعُ في خَنادق مَحفورةٍ بِعِنايةٍ باردةٍ ، تَبدو سَرَاييفو صَغيرةً ،
مَكشوفة ، كَكَفِّ طِفْلٍ مَمدودة في مَهَبِّ الرِّيحِ . الأسفلتُ الذي كانَ
يَعرِف وَقْعَ الخُطَى العَجُولَةِ صارَ يَحْفَظُ صَدى القذائفِ . النوافذُ التي
اعتادتْ أنْ تَعْكِسَ وُجوهَ العائِدِين صارتْ شظايا مُعلَّقة في الهَواء . وكُلُّ
شَيْءٍ في المَدينةِ صارَ مَحسوبًا بِزَاويةِ إطلاقٍ ، وَبِمَسافةِ سُقوطٍ ،
وَبِمِزَاجِ إصبعٍ عَلى زِنَادٍ .
المَدافعُ هُناك لا تَنام ،
تَسْتلقي عَلى ظُهورِها المَعْدِنِيَّةِ ، وتُحدِّق إلى الأسفلِ ، إلى الأزِقَّةِ
الضَّيِّقَةِ ، إلى الجُسورِ ، إلى المَقابرِ التي لَمْ تَكُنْ مَقابر يَوْمًا .
كُلُّ بَيْتٍ في سَراييفو صارَ هَدَفًا مُحْتَمَلًا ، وكُلُّ نافذةٍ احتمالُ
مَوْتٍ ، وكُلُّ شارعٍ مَعْبَرٌ بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَأُخْرَى . حتى النَّهْرُ الذي
يَشُقُّ المَدينةَ بَدا كأنَّه يُحَاوِلُ الهَرَبَ مُسْرِعًا كَمَنْ يَخْشَى أنْ
يُصَابُ وَهُوَ يَمُرُّ .
المَدينةُ في الأسفلِ لَمْ تَكُنْ مُجرَّد
حِجارةٍ . كانتْ ذاكرةً حَيَّة ، مُوسيقى تَختبئ في المَقَاهي ، وَضَحِكَات
تَخْرُج مِنَ المَدارِس ، وأحاديث تُسْتَكْمَلُ على أرصفةٍ لَمْ تَكُنْ تَعرِف
الخَوْفَ . فُوَّهَاتُ المَدافعِ فَوْقَ الجِبالِ والتِّلالِ تَعَلَّمَت الجُنونَ
والانتظارَ الطويلَ . تَعرِف أنَّ الجُوعَ حَلِيفُها ، وأنَّ الحِصَارَ لُغَةٌ
تَفْهمها الجُدْرَانُ قَبْلَ البَشَرِ .
كُلُّ قذيفةٍ تَنطلقُ مِنْ
تِلْكَ الجِبالِ والتِّلالِ تَحمِل احتقارًا للحَياة ، وَبُرودةً لا عَلاقة لها
بالشِّتاءِ، تَنزِل القذيفةُ كَقَرَارٍ نِهائيٍّ ، بِلا تَرَدُّدٍ ، وَتَتْرُك
وَراءَها فَراغًا أكبرَ مِنَ الحُفْرَةِ التي أحْدَثَتْهَا . الفَراغُ في
الصُّدورِ والصُّوَرِ المُعلَّقةِ والمَقاعدِ الفارغةِ عَلى موائد لَمْ تَكْتَمِلْ
.
سَراييفو تَرفَعُ رَأسَها . المَدينةُ التي
تُقْصَفُ مِنَ الأعلى تَعَلَّمَتْ أنْ تَنْظُرَ إلى الأعلى دُونَ انكسارٍ. تَعرِف
أنَّ المَدافعَ، مَهْمَا ارتفعتْ،لا تَفْهَمُ مَعْنَى أنْ تَبْقَى،لا تَفْهَمُ
كَيْفَ يُمكِن لِمَدينةٍ أنْ تَتَنَفَّسَ تَحْتَ النارِ، أنْ تَخْبِزُ خُبْزَها في
الظلامِ ، أنْ تَزْرَعَ الأملَ في مَزهرياتٍ مَكسورة .
فُوَّهَاتُ مَدافعِ الصِّرْبِ
كانتْ ثابتةً ، وَسَراييفو تَنْزِفُ وَتَتحرَّك وَتَتألَّم وَتَكْتُب وَتُدْفَن
وَتَنْهَض . بَيْنَ قَذيفةٍ وأُخْرَى ، كانت المَدينةُ تَقُولُ بِصَمْتِها إنَّها
أكثرُ مِنْ هَدَفٍ ، وأكثرُ مِنْ خَريطةٍ عَسْكرية ، وأكثرُ مِنْ زاويةِ رَمْيٍ .
تَقُولُ إنَّ مَا تَحْتَ المَدافعِ لَيْسَ فَرَاغًا ، بَلْ حَياة عَنيدة ، لا
تُقَاس بِمَدى القَصْفِ ، ولا تُهزَم بِعُلُوِّ التِّلالِ .
وهَكذا بَقِيَ المَشْهَدُ
مُعَلَّقًا في الذاكرة ، مَدافِع تَرْقُدُ فَوْقَ العاصمةِ ، ومَدينة في الأسفلِ
تَرْفُضُ أنْ تَتحوَّل إلى مُجرَّد صَدى لانفجارٍ . سَراييفو ، تَحْتَ القَصْفِ
المِدْفَعِيِّ ، لَمْ تَنتظرْ رَحمةً . صَنَعَتْ مَعْناها الخاص وَسَطَ الحَديدِ
والنارِ .
في سَاعاتٍ مَسروقةٍ مِنْ
وَقْتٍ مُحترِق ، حِينَ تَخْفِتُ أصواتُ المَدافعِ قليلًا ، ولا تَخْفِتُ رائحةُ
الدَّمِ ، كانَ الغُزاةُ الصِّرْبِ المُتَوَحِّشُون يَخْلَعُون خُوذَاتِهِم عِنْدَ
مَدْخَلِ مَطْعَمٍ سِياحيٍّ أنيق ، كأنَّهُم يَخْلَعُون الحَرْبَ نَفْسَها عِندَ
العَتَبَةِ . خَشَبٌ مَصْقُولٌ ، ونوافذ تُطِلُّ على مَنْظَرٍ يُرى مِنْ عُيونٍ
عادتْ تَوًّا مِنَ الحِصَارِ ، ومُوسيقى خفيفة تَتسلَّل بَيْنَ الطاولاتِ مِثْلَ
اعتذارٍ مُتَأخِّر . هُناك ، في قَلْبِ المُفَارَقَةِ ، كانوا يَجلِسون .
أمامَهم رُقْعَةُ الشِّطْرَنْجِ ،
مُرَبَّعَاتُها سَوْداء وَبَيْضاء ، كأنَّها خَريطةٌ مُخْتَصَرَةٌ للعَالَمِ الذي
اعتادوا على تَقْسِيمِه بِقَراراتٍ باردة . أصابعُهم ، التي أمْضَت الصَّبَاحَ
تُحْصي الإحداثياتِ وَتُوَقِّع الأوامرَ ، تَتحوَّل إلى لاعِبِين مَهَرَة ،
تَدْفَعُ البَيَادِقَ بِثِقَةٍ ، وَتَحْبِسُ الأنفاسَ قَبْلَ كُلِّ نَقْلَةٍ .
المَلِكُ مُحَاط ، الوَزيرُ يَتقدَّم ، الحِصَانُ يَقْفِز . لُعْبَةٌ نظيفة بقواعد
واضحة ، لا صُراخ فيها ولا فَوْضى ، لا أطفال يَركُضُون ، ولا نِسَاء يَصْرُخْنَ .
لُعْبَةٌ تُكَافِئُ الصَّبْرَ ، وَتُعَاقِبُ التَّسَرُّعَ ، وَتَمْنَحُ الخَسارةَ
شكلًا أنيقًا يُمكِن ابتلاعُه .
كُؤُوسُ الخَمْرِ تَلْمَعُ
تَحْتَ الضَّوْءِ ، سائلٌ أحْمَر يَدُور بِبُطْء، يُرفَع ويُحْتَسَى في صَمْتٍ
مُتواطئ. ضَحِكَاتٌ قصيرة ، نِكَاتٌ عابرةٌ ، تَعْليقٌ على نَقْلَةٍ ذكية ،
تَنْهيدةُ رِضا بَعْدَ فَوْزٍ صغير . الخَمْرُ يُدفِّئ حَناجرَهم ، ويَقْتَحِم ذَاكِرَتَهُم
، وَيَمْنَحُ أوقاتَهم مَلْمَسًا مُخْمَلِيًّا وَهْمِيًّا . في تِلْكَ اللحَظَاتِ
، يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ قَابِلًا للسَّيطرةِ ، كأنَّ العَالَمَ رُقْعَةٌ يُمكِن
إعادةُ تَرتيبِها ، وكأنَّ الألَمَ خارجَ الجُدرانِ مُجرَّد ضَجيجٍ بَعيدٍ .
المَطْعَمُ السِّيَاحِيُّ
يُواصِل دَوْرَه بإتقان : أطباقٌ مُرتَّبة ، نَادِلٌ يَعرِف مَتى يَقْتربُ ومَتى
يَبْتعد ، ستائر تَتحرَّك معَ نَسِيمٍ مُلُوَّثٍ بالذكرياتِ . عَلى الجُدْرانِ
صُوَرٌ لِمَناظِر طبيعية ، أنهار وجِبَال ، أماكن لَمْ تَتَعَلَّمْ مَعْنى
الحِصَارِ . المَكانُ كُلُّهُ يَتآمَر على صِناعةِ فَاصِلٍ بَينَ الداخلِ والخارجِ
، بَيْنَ الرَّاحةِ والحُطَامِ ، بَيْنَ لُعْبَةٍ تُلْعَبُ للمُتعةِ وَحَرْبٍ
تُدارُ بِلا شُهودٍ .
ومعَ كُلِّ نَقْلَةِ شِطْرَنْج
، يَتَّسِعُ الشَّرْخُ. هُناك ، عَلى بُعْدِ كيلومِتْرَات ، ساعاتٌ لا تَعْرِفُ
الراحةَ، وأجسادٌ لا تَجِدُ كُرْسِيًّا ولا كأسًا ولا رُقْعَةً تُلْهِيها . هُناك
، الزَّمَنُ لا يُقَاسُ بالدقائقِ بَيْنَ رَشْفَةٍ وأُخْرَى ، بَلْ بالأنفاسِ
المُتَبَقِّيَةِ . وهُنا ، الزَّمَنُ يُقْتَلُ بِلَبَاقَةٍ . هُنا ، الساعاتُ
تُحْتَضَنُ حتى تَمُرَّ .
في تِلْكَ الجَلَسَاتِ ، لا
تُذكَر الأسماء ، ولا تُسْتعاد الوُجوه . تُطوَى الخَرائطُ الكبيرةُ داخلَ
الجُيوبِ ، وَتُفْتَحُ خَرائط صغيرة على الطاولة . يُخْتَزَلُ الصِّرَاعُ في
مَلِكٍ مُهَدَّدٍ ، وَيُنْسَى أنَّ المُلوكَ الحقيقيين لا يَسْقُطُون وَحْدَهُم. كُلُّ
شَيْءٍ مُعَدٌّ لِيَبْدُوَ عاديًّا : الشَّراب ، اللعبة ، الضَّحِك ، أقنعة
مُحْكَمَة الإغلاق .
وَحِينَ يَنتهي الدَّوْرُ ،
وَتُعاد القِطَعُ إلى العُلَبِ ، وَتُمْسَحُ الطاولةُ مِنْ آثارِ الكُؤوسِ ،
يَنْهَضُون وُحُوشًا ، يَسْرِقُون تاريخَ الإبادةِ مِنْ حَضارةِ الاندثارِ .
يَلتقطون خُوذاتِهم ، وَيَسْتعيدون الحَرْبَ كَما تُسْتعادُ مَعَاطِفُ الشِّتَاءِ.
المَطْعَمُ يَعُودُ مَطْعَمًا، والليلُ يَبْتَلِعُ الضَّوْءَ ، والرُّقْعَةُ
تَبْقَى صَامِتَةً ، وَشَاهِدَةً عَلى مُفَارَقَةٍ لَيْسَ لَهَا حَلٌّ ولا عِلاجٌ
: كَيْفَ يُمكِن للراحةِ أنْ تُجَاوِرَ القَسْوَةَ بِهَذهِ السَّلاسَةِ ؟ ،
وكَيْفَ يُمكِن لِلُعْبَةٍ أنْ تُخدِّر ضَميرًا بَيْنَما العَالَم خارج النافذةِ
لا يَجِدُ حتى رَفَاهِيَة اللعبِ ؟ .
في أيدي المُحَارِبِين في
البُوسنةِ ، كانت العُمْلاتُ المَعْدِنِيَّةُ تُصْدِرُ رَنينًا أجْوَف ، كأنَّها
تَفْضَحُ خَوَاءَهَا قَبْلَ أنْ تُلامِسَ الأكُفَّ . والأوراقُ الماليَّةُ مُهترئة
، ألوانُها باهتة ، تَحمِل أرقامًا لا تَستطيعُ شِراءَ دِفْءٍ ولا إسكاتَ جُوعٍ ،
ولا إقناعَ بابٍ أنْ يُفْتَحَ . النُّقُودُ المَحَلِّيةُ هِيَ وَعْدٌ كاذبٌ ،
تَعِدُ ولا تَفِي ، تُحسَب ولا تُحسَب لها قِيمة ، وَتَتهاوى أمامَ أوَّلِ اختبارٍ
حقيقيٍّ للحَياةِ في زَمَنِ النارِ .
في الأسواقِ المُؤقَّتة ،
حَيْثُ تُنصَب الطاولاتُ مِنْ ألواحٍ مَكسورةٍ ، وَحَيْثُ تُقَاسُ الأشياءُ
بالنَّجَاةِ لا بالتَّرَفِ ، كانَ المِيزانُ مُخْتَلًّا مُنْذُ البِداية . رَغيفُ
الخُبْزِ لا يَعرِف لُغَةَ الأرقامِ المَطبوعةِ عَلى الأوراقِ ، والأشياءُ لا
تَعترِف بتاريخِ العُمْلَةِ ولا بِاسْمِها.البَنْزِينُ شِرْيَانُ الحَرَكَةِ
الوَحيدُ لا يَلتفِت إلى الشِّعَارَاتِ ، ولا إلى الخَتْمِ الرَّسْمِيِّ .
تَتساقطُ العُمْلاتُ المَحَلِّيةُ مِنْ قِيمتها ، كَما تَتساقطُ القُشُورُ مِنْ
جُرْحٍ قَديمٍ ، وَتَظْهَر الحَقيقةُ عَارِيَةً بِلا تَجميلٍ . كانَ الدُّولارُ
يَمُرُّ مِنْ يَدٍ إلى يَدٍ كَرِسالةٍ مَختومةٍ باليقين . قِطْعَةٌ خَضْرَاء صغيرة
، لكنَّها ثقيلةُ المَعنى ، قادرة على فَتْحِ أبوابٍ مُغلَقة ، وإشعالِ مُحرِّكاتٍ
صامتة . وَمَعَهُ ، كانَ المارك الألمانيُّ يَتقدَّم بِثَباتٍ هادئ ، عُمْلة
صُلْبة كالفُولاذِ الذي صُنِعَتْ مِنْهُ المُدُنُ الصِّناعية البعيدة . لَمْ
يَكُنْ مُجرَّد وَرَقٍ ، كانَ ضَمَانًا ، وَوَعْدًا يُنَفَّذ ، ولُغَةً مُشترَكةً
في البَلْقَانِ الجَديدِ ، لُغَة يَفْهمها الجَميعُ دُونَ مُتَرْجِم .
في الخَنادقِ ، حَيْثُ
تَتراكمُ الأيَّامُ فَوْقَ بَعْضِها ، كانَ المُحَارِبُون يَعُدُّونَ مَا في
جُيوبِهم ، لا لِيَعِيشُوا الغِنى ، بَلْ لِيَقِيسُوا المَسافةَ بَيْنَ البَقَاءِ
والزَّوَالِ . العُمْلاتُ المَحَلِّيةُ هُناك لا تَشْتري سِوى الذكرياتِ ، ولا
تُسْعِف سَاعَةَ الحَاجَةِ . أمَّا الدُّولارُ والمارك ، فكانا أشبه
بِمِفْتَاحَيْن صَغِيرَيْن ، يَفْتحان نافذةً في جِدارِ الحِصَارِ ، أوْ يَمْنحان
دقيقةً إضافيةً للحَياةِ . لَمْ تَكُن المَسألةُ تَفْضيلًا اقتصاديًّا ، بَل
اختيارًا وُجوديًّا ، وَقَرَارًا يُتَّخَذُ تَحْتَ القَصْفِ ، وَبِعَيْنٍ لا
تَنَام .
تَغَيَّرَتْ خَريطةُ القِيَمِ . لَمْ يَعُدْ
للوطنِ المَختومِ عَلى الوَرَقِ قُوَّةُ الشِّراءِ ، وَلَمْ تَعُد السِّيادةُ
المَطبوعةُ تَكْفي لِتَشغيلِ مُوَلِّدٍ أوْ مَلْءِ خَزَّانٍ . صارَ العَالَمُ
أصغرَ ، وأقْسَى ، وأكثرَ صَرَاحَةً. العُمْلَةُ التي تُنْقِذُ الناسَ تُتَوَّج
عُمْلَةَ الغَدِ ، والعُمْلَةُ التي تَخْذُلُ الناسَ تُرْمَى جانبًا مَهْما كانَ
تاريخُها.
في البُوسنةِ ، وَسَطَ دُخَانِ
المَعاركِ، وُلِدَتْ حَقيقةٌ مَرِيرة ، القِيمةُ لَيْسَتْ فِيما نَحْمِلُهُ مِنْ
أوراقٍ، بَلْ فِيما تَستطيعُ تِلْكَ الأوراقُ أنْ تَفْعَلَه حِينَ تَضِيقُ
الخِيَارات .
العُمْلاتُ في أيدي
المُحَارِبِين مِرْآةٌ للزَّمَنِ ، زَمَنٌ لا يَرْحَمُ الرُّمُوزَ ، ولا يُجَامِلُ
الأسماءَ ، ولا يَعْتَرِفُ إلا بِمَا يَصْمُد . وَمِنْ زُجَاجَةِ بِيرة تُطفِئ
عَطَشَ الخَوْفِ إلى لِتْرِ بَنْزين يُبْقي العَجَلَةَ دائرةً ، كانَ الثَّمَنُ
واحدًا ، عُمْلَة قادرة على أنْ تَكُونَ وَعْدًا صادقًا في عَالَمٍ لا يَحتمِل
الكَذِبَ .
في سَرَاييفو ، حِينَ
قَرَّرَتْ بَنادقُ قُوَّاتِ الصِّرْبِ أنْ تُحَاصِرَ الشَّرايينَ ، لَمْ تَبْدأ
المَأساةُ بالرَّصَاصِ ، بَلْ بالصَّمْتِ . صَمْتُ الصَّنابيرِ حِينَ أُغْلِقَتْ
أفواهُها ، وَصَمْتُ المَصابيحِ حِينَ خُنِقَتْ أسلاكُها . يَوْمَها ، لَمْ يَكُن
انقطاعُ المَاءِ والكَهْرباءِ حَدَثًا تِقْنِيًّا ، بَلْ كانَ إعلانًا بطيئًا عَنْ
حَرْبٍ تُدارُ ضِد التفاصيل الصغيرةِ التي تَحفظ للإنسانِ اسْمَه .
أفاقت المَدينةُ على عَطَشٍ
يُشبِه الخِيانةَ . الماءُ الذي كانَ يَمُرُّ خَفيفًا في البُيُوتِ صارَ حُلْمًا
ثقيلًا ، يُحمَل في أوعيةِ الذاكرةِ لا في الجِرَارِ. وَقَفَت النِّسَاءُ في
طوابير طويلة عِنْدَ نَبْعٍ مَكسورٍ ، يَقْتَسِمْنَ الانتظارَ كما يَقْتَسِمْنَ
الخَوْفَ ، يُرَاقِبْنَ السَّمَاءَ لا طَلَبًا للمَطَرِ ، بَلْ تَحَسُّبًا
لِطَلْقَةٍ قَدْ تُسْقِطُ جَرَّةً أوْ حُلْمًا . تَعَلَّمَ الأطفالُ باكرًا أنَّ
الصَّوْتَ الذي يُصَفِّرُ لَيْسَ لُعْبَةً ، وأنَّ الجَرْيَ لَيْسَ دائمًا فَرَحًا
. كانوا يَحْسُبُون المَسافةَ بَيْنَ بابِ البَيْتِ وَنُقْطَةِ الماءِ كَما تُحسَب
أعمارُ البَشَرِ في زَمَنِ الحِصَارِ ، خُطْوة ثُمَّ دُعَاء ثُمَّ خُطْوة .
وَحِينَ انطفأت الكَهْرَباءُ ،
لَمْ تُطْفَأ المَصابيحُ فَقَط ، بَل انطفأت الوُجوهُ في المَرايا. الليلُ تَمَدَّدَ
عَلى المَدينةِ بِلا اسْتِئذان، يَجُرُّ ذَيْلَه فَوْقَ النوافذِ. الشُّمُوعُ
صارتْ عُمْلَةَ النَّجَاةِ ، تُشعِلها الأُمَّهَاتُ بِحَذَرٍ ، كَأنَّهُنَّ
يُوقِظْنَ طِفْلًا نائمًا . في العَتَمَةِ ، كانت الهَمَسَاتُ أعلى مِنَ القَذائفِ
، والقِصَصُ تُرْوَى لِتَسُدَّ فَجْوَةَ الضَّوْءِ . صارَ للظِّلالِ حَيَاةٌ ،
وصارت البُيُوتُ جُزُرًا مَعزولةً في بَحْرٍ مِنَ السَّوَادِ .
قُوَّاتُ الصِّرْبِ لَمْ
تَقْطَع الأسلاكَ والأنابيبَ فَحَسْب . قَطَعَت الإيقاعَ اليَوْمِيَّ للمَدينةِ .
قَطَعَتْ صَوْتَ الغَلَّايَةِ صَباحًا ، ورائحةَ الخُبْزِ عِندَ الفَجْرِ ، وَدِفْءَ
الشِّتاءِ حِينَ يَتسلَّل البَرْدُ كَعَدُوٍّ يَعرِف طَرْقَ أبوابِ البُيُوتِ .
صارَ الشِّتاءُ قاسيًا كَحُكْمٍ بِلا مُحَاكَمَةٍ . يَتسلَّق العِظَام ، وَيَكْتُب
شَهَادَتَه عَلى النوافذِ المُتَجَمِّدَةِ. نامَ الناسُ بِمَلابسهم ،
وَاحْتَضَنُوا أبناءَهُم كأنَّ الأذْرُعَ مَدافِئ مُؤقَّتة .
في سَرَاييفو ، كانَ الماءُ
يُقَاسُ بِالقَطَرَاتِ ، والكَهْرَباءُ تُقَاسُ بالذكرياتِ . الساعةُ تَتَوَقَّفُ
عِنْدَ لَحْظَةٍ بِعَيْنِها، لَحْظة انتظارِ التَّيَّارِ، لَحْظة انتظارِ العَودةِ
إلى حَياةٍ بسيطة. لَمْ تَتَوَقَّف المَدينةُ عَن التَّنَفُّسِ . مِنْ بَيْنِ
العَتَمَةِ ، خَرَجَتْ مُوسيقى خافتةٌ مِنْ بَيْتٍ بِلا كَهْرباء ، خَرَجَتْ
ضِحْكَةٌ صغيرةٌ تُقَاوِمُ المَنْطِقَ ، خَرَجَتْ قَصيدةٌ مَكتوبة عَلى ضَوْءِ
شَمْعَةٍ .
دَفَعَ المَرْضَى ثَمَنَ
العَطَشِ والعَتَمَةِ مُضَاعَفًا . المُسْتَشْفَيَاتُ عاشتْ على الطوارئِ الدائمة
، أجهزةٌ صامتة، أيْدٍ تَرتجِف، قُلوب تُديرُ مَعركتها الخاصَّة.الماءُ صارَ عِلاجًا،
والكَهْرَباءُ صارتْ حَياةً، والأطِبَّاءُ يُقَاتِلُون بِمَا لَدَيْهِم : شَجَاعة
تُولَد مِنَ الضَّرُورةِ ، وابتكارٌ يُولَد مِنَ القَهْرِ .
المَدينةُ التي اعتادتْ أنْ
تُضَاءَ لَيْلًا ، تَعَلَّمَتْ أنْ تُضِيءَ نَفْسَها مِنَ الداخل . تَقَاسَمَ الجِيرانُ
آخِرَ شَمْعَةٍ، وَآخِرَ دَلْوِ مَاءٍ ، وَآخِرَ خَبَرٍ جَيِّد . صارَ
التَّضَامُنُ لُغَةً، وصارَ الصَّبْرُ فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ . لَمْ تَكُنْ سَراييفو
ضَحِيَّةً صامتةً ، كانتْ شَاهِدَةً تَتكلَّم بِعُيونِها ، تُسجِّل أسماءَ الأيامِ
عَلى الجُدرانِ ، وَتَحْفَظ الوُجوهَ كَيْ لا يَبْتلعها الظلامُ الباهر .
كانَ قَطْعُ المَاءِ
والكَهْرباءِ مُحَاوَلَةً لِقَطْعِ الرُّوحِ ، لكنَّ الرُّوحَ أفلتتْ. أفلتتْ في
قَبْضَةِ أُمٍّ تَمْسَحُ جَبينَ طِفْلِها بِقَطْرَةِ ماءٍ ، في يَدِ رَجُلٍ
يُصْلِحُ شَمْعَةً لِتُضِيءَ لَيْلَةً أُخْرَى ، في مَدينةٍ قَرَّرَتْ أنْ تَعِيشَ
رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ . سَراييفو، في تِلْكَ الأيَّامِ ، كانتْ مَدينةً بِلا مَاءٍ
وكَهْرباء ، لكنَّها أعادتْ تَعريفَ الحَياةِ حِينَ تُجرَّد مِنْ أبْسَطِ حُقوقِها
، وَأثبتتْ أنَّ العَتَمَةَ مَهما طالَ أمَدُها لا تُطفِئ ذاكرةَ الضَّوْءِ .
عَلى نِقَاطِ التَّفتيشِ، حَيْثُ
يَتَوَقَّفُ الزَّمَنُ، وَتُسحَق الكَرامةُ بَيْنَ حَديدِ السِّلاحِ وَنَظَرَاتِ
الشَّكِّ، كانَ الجُنودُ الصِّرْبُ يَقِفُون كَظِلالٍ مُتَعَفِّنَة ، لَمْ يَلْمِس
المَاءُ جُلودَهم مُنْذُ أيام ، وَلَمْ تَمُر شَفْرَةُ الحِلاقةِ عَلى وُجوههم
مُنْذُ أسابيع. لِحَاهُم مُتشابكةٌ كغابةٍ مُهْمَلَة، تَتَدَلَّى مِنها رائحةُ
العَرَقِ والبارودِ، كأنَّ أجسادَهم تَحَوَلَّتْ إلى امتدادٍ للحَرْبِ ، ودَليلٍ
حَيٍّ عَلى مَا تَفْعَلُهُ الوَحْشِيَّةُ حِينَ تَسْكُنُ الإنسانَ ، وَتَطْرُدُهُ
مِنْ إنسانيته .
نِقَاطُ التَّفتيشِ مَسَارِحُ
صامتةٌ للرُّعْبِ . كُلُّ حَجَرٍ فِيها كانَ شَاهِدًا ، وكُلُّ نَسْمَةِ هَواءٍ
تَحْمِلُ أنينًا عالقًا لَمْ يَجِدْ طَريقَه إلى الخَلاصِ . الجُنودُ الصِّرْبُ
بِمَلابِسِهِم المُلَطَّخَةِ يَقِفُون مُتَّكِئِين عَلى بَنادقِهم ، وعُيونُهم
غارقةٌ في قَسْوَةٍ جَافَّة ، لا تَعْرِفُ الرَّحمةَ ، ولا تَعترِف بالضَّعْفِ .
لَمْ تَكُنْ قذارتُهم مُجرَّد إهمالٍ جَسديٍّ ، بَلْ كانت انعكاسًا دَقيقًا لداخلٍ
فاسدٍ، لِقُلوبٍ صَدِئة ، لِضَمائر أُغْلِقَتْ عَلَيْهَا الأبوابُ بإحكامٍ .
حِينَ يَقْتربُ العابرُ مِنَ
الحَاجِزِ ، كانَ يَصطدمُ أوَّلًا بالرائحةِ : مَزيجٌ خانقٌ مِنَ العَرَقِ
القَديمِ ، والدُّخَانِ ، والدَّمِ الذي لَمْ يَجِف . رائحةٌ تُعلَن قَبْلَ
الكَلِمَاتِ أنْ لا أمانَ هُنا ، وأنَّ كُلَّ خُطْوةٍ مَحسوبةٌ بِثَمَنٍ . وُجوهُ
الجُنودِ الصِّرْبِ غَيْرُ المَحلوقةِ كانتْ خَشِنَةً كَصُخورِ المَقابرِ ،
مَلامحُها قاسية ومَشدودة ، كأنَّها خُلِقَتْ لِتُخِيفَ لا لِتُرَى . لَمْ يَكُنْ
في أعْيُنِهِم أسئلةٌ ، بَلْ أحكامٌ جاهزةٌ ، وَسَكَاكين مُعلَّقةٌ خَلْفَ
الجُفُونِ . أيديهم المُتَّسِخَةُ تَتحرَّك بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ ، تُفَتِّشُ
الحَقائبَ ، وَتُقَلِّبُ الأوراقَ ، وَتُفَتِّشُ الوُجوهَ بَحْثًا عَنْ ذَرِيعة .
كُلُّ حَرَكَةٍ تَحْمِلُ إهانةً ، وكُلُّ صَمْتٍ يَحْمِلُ تَهديدًا . لَمْ يَكُن
العابرُ يُعامَل كإنسان ، بَلْ كَشَيْءٍ ، كَرَقْمٍ مُؤقَّت يُمكِن مَحْوُهُ
بِنَزْوَةٍ أوْ شُبهة . تِلْكَ اللحَظَات القصيرة عِندَ الحاجزِ كانتْ أطْوَلَ
مِنَ العُمْرِ ، لأنَّ الخَوْفَ يَمُدُّ الزَّمَنَ ، وَيَجْعَلُهُ جَلَّادًا
إضافيًّا . وَحْشِيَّتُهُمْ لَمْ تَكُنْ صُرَاخًا دائمًا ، بَلْ كانتْ هُدوءًا
مُرْعِبًا ، وَبُرودًا مَدروسًا ، وَضِحْكَةً جانبية تُقَالُ في غَيْرِ
مَوْضِعِهَا . يَعْرِفُونَ قُوَّتَهُم ، وَيَتَلَذَّذُون بِها ، وَيَترُكون
الآخَرين يَتَذَوَّقُون العَجْزَ قَطْرَةً قَطْرَةً . قَذارةُ أجسادِهم إعلانٌ
عَنْ قَذارةِ الفِعْلِ ، والاستهانةِ بِكُلِّ قِيمةٍ ، وَتَحَوُّلِ الإنسانِ إلى
أداةِ سَحْقٍ بِلا تفكير . عِنْدَ نِقَاطِ التَّفتيشِ ، كانَ العَالَمُ يَنْكَمِشُ
إلى مَساحةٍ ضَيِّقَةٍ بَيْنَ فُوَّهَةِ بُنْدُقِيَّةٍ وَقَلْبٍ يَرتجِف . والجُنودُ
الصِّرْبُ ، بِوُجوههم غَيْرِ المَحلوقةِ وأجسادِهم التي لَمْ تَعْرِف المَاءَ ،
يَقِفُون كَرَمْزٍ فَجٍّ لِوَحْشِيَّةٍ لا تَحتاجُ إلى تَفْسير . وَحْشِيَّة تُرى
، وتُشَم ، وَتُحَس، وَتَتْرُك نُدُوبَها العميقةَ في الذاكرةِ، نُدُوبًا لا
يَغْسِلُها زَمَنٌ ، ولا يَمْحُوها نِسْيان .
بَعْدَ سُقوطِ يُوغُسْلافيا
وَتَفَكُّكِهَا ، لَمْ تَسْقُطْ دَولةٌ فَحَسْب ، بَلْ تَهَشَّمَتْ مِرْآةٌ كانَ
الناسُ يَرَوْنَ فِيها وُجوهَهم مُتجاورةً ، وإن اختلفتْ مَلامحُها . سَقَطَ الاسْمُ
الجامعُ ، فَتَدَحْرَجَت الحُروفُ مِنْ عَلى الخَريطةِ ، وكُلُّ حَرْفٍ صارَ وطنًا
صغيرًا ، وكُلُّ وَطَنٍ صارَ جُرْحًا مَفتوحًا . خَرَجَ البُوسنِيُّون والصِّرْبُ
والكُرْوَاتُ مِنْ ظِلٍّ واحدٍ ، كأنَّهُم أبناءُ بَيْتٍ قَديمٍ انهارَ سَقْفُه ،
فَوَقَفَ كُلٌّ مِنهُم تَحْتَ سَماءٍ واحدةٍ ، لا تعترفُ بِقَرَابَةِ الأمْسِ .
كانَ التَّفَكُّكُ أشبه بِزِلزالٍ بَطِيء ، لا يُسقِط الجُدْرانَ دَفْعَةً واحدةً
، بَلْ يُصدِّع القُلوبَ أوَّلًا . المُدُنُ التي كانتْ تَتَنَفَّسُ بِلُغَاتٍ
مُتعددة ، بَدأتْ تَختنقُ بأسماء جَديدة للشوارع ، وبأعلامٍ تُرفَع لِتُغَطِّي مَا
انكشفَ مِنْ خَوْفٍ . في البُوسنةِ ، كانت الأنهارُ تَعرِف الجَميعَ،لكنَّها
فَجْأةً صارتْ حُدودًا صامتة. في صِرْبيا ، ارتفعتْ ذاكرةُ القُوَّةِ مِثْلَ سَيْفٍ
قَديمٍ أُخْرِجَ مِنْ غِمْدِه. في كُرْواتيا، نَبَتَتْ فِكرةُ الاستقلالِ
كَشَوْكَةٍ حادَّة ، جَميلة في الوَعْدِ ، مُؤلِمة في الطريق.
اندلعت المَعاركُ ، لا
كَصَاعِقَةٍ ، بَلْ كَحَريقٍ تُغذِّيه الرِّياحُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ . الجِيرانُ
الذينَ تَبَادَلُوا الخُبْزَ ، تَبَادَلُوا الشَّكَّ . المَدارسُ التي عَلَّمَت الحُروفَ
، عَلَّمَت الخَنادقَ أسماءً جديدةً للمَوْتِ . لَمْ يَكُن الرَّصَاصُ يَسألُ عَن
الأغاني المُشترَكةِ ، والأعراسِ المُخْتَلِطَةِ ، وضَحِكَاتِ المَقَاهي ، كانَ
يَسألُ عَن الانتماءِ ، ويَكْتفي بالإجابةِ الأقربِ إلى فُوَّهَتِه .
وَجَدَ البُوسنِيُّون أنفُسَهم
بَيْنَ مِطْرَقَةِ التاريخِ وَسِنْدَانِ الجُغْرافيا ، يُحاولون حِمايةَ بُيُوتٍ
مِنْ ذاكرةٍ تتآكلُ. حَمَلَ الصِّرْبُ ثِقَلَ سَرْدِيَّةٍ طَويلة،تَختلط فِيها
القُوَّةُ بالخَوْفِ مِنَ الذَّوَبَانِ،فاشتدَّ القَبْضُ على السِّلاحِ. رأى
الكُرْوَاتُ في الانفصالِ وِلادةً مُؤجَّلة، فَدَفَعُوا ثَمَنَ المَخَاضِ نارًا
ودَمْعًا. وكُلُّ طَرَفٍ يَكْتُبُ قِصَّتَه بِدَمِهِ غَيْرَ مُدْرِكٍ أنَّ
الصَّفَحَاتِ تَتشابكُ، وأنَّ الحِبْرَ واحدٌ مَهْما تَغَيَّرَت الأيدي.
الليلُ في تِلْكَ السَّنَوَاتِ
كانَ طَويلًا ، لا لأنَّ الشَّمْسَ غابتْ ، بَلْ لأنَّ الأملَ يَتَعَثَّر . نَسِيَت
الأُمَّهَاتُ أسماءَ الأبناءِ وأرقامَ الجَثَامين. والآباءُ يُحدِّقون في
الطُّرُقَاتِ كأنَّهُم يَنتظرون عَوْدَةَ الزَّمَنِ. اتَّسَعَت المَقابرُ ،
وَضَاقَت البُيُوتُ ، واللغةُ صارتْ سِلاحًا آخَر ، كَلِمَة تُحْيي ، وَأُخْرَى
تُمِيت .
في قَلْبِ هَذا كُلِّه ، كانتْ
يُوغُسْلافيا الغائبة تَحُومُ كَطَيْفٍ ثقيلٍ. لَمْ تَعُدْ دَوْلَةً ، لكنَّها
لَمْ تَمُتْ تَمَامًا . تَدَفَّقَتْ في العاصفةِ أسئلةٌ مُؤلِمة : كَيْفَ يُمكِن
لِفُسَيْفِسَاء جَميلة أنْ تَتحوَّل إلى شظايا ؟ ، كَيْفَ يُخْتَصَرُ التاريخُ في
لَحْظَةِ غَضَبٍ ؟ ، كَيْفَ يُصْبحُ الاختلافُ سَبَبًا للقَتْلِ لا سَبَبًا للغِنى
؟ .
انتهت المَعاركُ على الوَرَقِ
، وَتَوَقَّفَت المَدافعُ ، لكنَّ الصَّدَى بَقِيَ . بَقِيَ في الذاكرةِ ،
وَنَظَرَاتِ العابِرِين ، والصَّمْتِ الذي يَلِي ذِكْرَ الأسماءِ . بَقِيَت
الخَرائطُ الجَديدةُ ، لكنَّ خُطُوطَ الألَمِ لَمْ تُمْحَ مِنَ الجُغْرافيا الضائعةِ
بَيْنَ ضَجيجِ الرَّصَاصِ وَنَشِيدِ الخَلاصِ .
بَعْدَ سُقوطِ يُوغُسْلافيا ،
لَمْ يُولَد السَّلامُ كاملًا ، وُلِدَ هَشًّا ، يَحتاجُ إلى شَجاعةٍ مِنْ نَوْعٍ
آخَر: شَجاعة الاعترافِ بأنَّ مَا انكسرَ بَيْنَ البُوسنيين والصِّرْبِ
والكُرْواتِ لَمْ يَكُنْ حَجَرًا فَقَط، بَلْ مَعْنى العَيْشِ معًا ، وتَرميمُه لا
يَكُونُ بالسِّلاحِ ، بَلْ بذاكرةٍ لا تَنْسَى ، وَقَلْبٍ يَتعلَّم بِبُطْءٍ
كَيْفَ يَختارُ الحَياةَ .
في تِلْكَ السَّنَوَاتِ التي
تَكَسَّرَ فيها الزَّمَنُ على أبوابِ البُوسنةِ ، لَمْ تَكُن الحَرْبُ وَحْدَها
هِيَ التي تُدارُ مِنْ خَلْفِ السِّتارِ ، بَلْ كانت الكَلِمَاتُ تُشحَذ كَما
تُشحَذ السَّكَاكين ، وَتُرمَى في وُجوهِ الناسِ لِتَصْنَعَ طاعةً عَمْياء .
مُجْرِمُو الحَرْبِ الصِّرْبُ ، وَهُمْ يَتَشَبَّثُون بالكراسي كَغَريقٍ يَتَشَبَّثُ
بِخَشَبَةٍ ، أدْرَكُوا أنَّ السُّلطة لا تعيشُ على القُوَّةِ العَارِيَةِ وَحْدَها
، بَلْ تحتاجُ إلى أُسطورةٍ تُغَذِّيها ، وَقَوْمِيَّةٍ تَنْفُخُ فيها الرُّوحَ
حتى تَتَحَوَّلَ إلى عاصفة .
عَزَفُوا على أوتارِ
القَوْمِيَّةِ الصِّرْبيةِ بإتقانٍ باردٍ . اخْتَرَعُوا ذاكرةً انتقائية ،
اقْتَطَعُوا مِنها مَا يَخْدُمُهُم ، وتَركوا مَا سِواه في ظِلالِ النِّسْيانِ .
جَعَلُوا الماضي خَنْدَقًا ، والهُوِيَّةَ دِرْعًا ، والخَوْفَ نشيدًا يَوْمِيًّا
. قالوا للناسِ إنَّهُم مُحَاصَرُون ، وإنَّ العَالَمَ يَتآمَر عَلَيْهِم ، وإنَّ
البَقاءَ مَرهون بالالتفافِ حَوْلَ الزَّعيمِ ، حَوْلَ البُنْدُقِيَّةِ ، حَوْلَ
الخِطابِ الذي لا يَقْبَلُ سُؤالًا ولا شَكًّا .
في نَشَرَاتِ الأخبارِ ،
والخُطَبِ ، وَهَمَسَاتِ المَقَاهي ، كانت اللغةُ تُعادُ صِياغتها . صارَ الجَارُ
خَطَرًا مُحْتَمَلًا ، وصارَ الاختلافُ تُهْمَةً ، وصارت البُوسنةُ ساحةَ اختبارٍ
لأُسطورةِ التَّفَوُّقِ والبَقَاءِ . لَمْ يَكُن الهدفُ حِمايةَ شَعْبٍ بِقَدْرِ مَا
كانَ تثبيتَ سُلطةٍ ، وتَحويلَ الغضبِ الشَّعْبيِّ إلى وَقُودٍ يُحرِّك آلَةَ
الحَرْبِ ، وَتَوْجِيهَ الألَمِ نَحْوَ عَدُوٍّ مُصَنَّعٍ بِعِناية .
هَكذا اسْتُخْدِمَت
القَوْمِيَّةُ لا كَهُوِيَّةٍ ثقافية ، بَلْ كَسِلاحٍ . رُفِعَت الراياتُ لا
لِتَدُلَّ على تَنَوُّعٍ إنسانيٍّ ، بَلْ لِتُغَطِّي على الجرائمِ . كُلَّما
اهْتَزَّت الكراسي اشتدَّ الخِطَابُ ، وكُلَّما انكشفَ الدَّمُ عَلا الصُّراخُ عَن
الكَرامةِ . السُّلطةُ تُعيدُ إنتاجَ نَفْسِها عَبْرَ الخَوْفِ : خَوْف مِنَ
الآخَر ، خَوْف مِنَ المُستقبَل ، خَوْف مِنْ فِقْدانِ الامتيازاتِ التي وُعِدَ
بِها الناسُ إنْ هُمْ صَمَتُوا ، وسَاروا في القَطيعِ .
في البُوسنةِ ، حَيْثُ كانت
المُدُنُ تُحاصَر ، والبُيُوتُ تُفَرَّغُ مِنْ دِفْئِها ، كانَ اللعبُ على أوتارِ
القَوْمِيَّةِ الصِّرْبيةِ يَنْجَحُ لأنَّه بسيطٌ في قَسْوَتِه ، نَحْنُ وَهُمْ .
مُعادَلةٌ تَختصر العَالَمَ ، وتُريحُ الضَّميرَ مِنْ عِبْءِ التَّفكيرِ. مُجْرِمُو
الحَرْبِ الصِّرْبُ فَهِمُوا هذه القاعدةَ جَيِّدًا ، فَحَوَّلُوا السِّياسةَ إلى
مَسْرَحٍ، والجُمهورَ إلى رَهائن للعاطفة ، والحقيقةَ إلى ضَحِيَّةٍ أُخْرَى .
لكنْ تَحْتَ هذا الضَّجِيج ،
كانت الحقيقةُ تَنْزِفُ بِصَمْتٍ . السُّلطةُ التي تُبنَى على الكَرَاهِيَةِ لا
تَحْمِي نَفْسَها ، بَلْ تأكلها ، ولا تَحْمِي شعبًا ، بَلْ تَسْتهلكه ،
والقَوْمِيَّةُ حِينَ تُستعمَل لِتَبريرِ الجَريمةِ تَفْقِدُ مَعْناها، وَتَتحوَّل
إلى قِناعٍ ثقيلٍ ، يَخْنُقُ مَنْ يَرتديه قَبْلَ أنْ يَخْنُقَ الآخَرين . في
حَرْبِ البُوسنةِ، لَمْ تَكُن الأوتارُ التي عُزِفَ عَلَيْهَا مُوسيقى فَخْرٍ ،
بَلْ كانتْ نُوَاحًا طَويلًا ، مَا زالَ صَدَاه يَتردَّد في ذاكرةِ المَنطقةِ ،
شَاهِدًا على كَيْفَ يُمكِن لِلْكَلِمَةِ حِينَ تَفْسُدُ أنْ تُصْبحَ شريكًا في
الجَريمة .
القَنَاعَةُ تَتشكَّل في
العَتَمَةِ بِبُطْءٍ يُشبِه تَشَقُّقَ الزُّجَاجِ تَحْتَ ضَغْطٍ صامتٍ ، حتى صارتْ
فِكرةً كاملةَ المَلامِح في عُقولِ مُجْرمي الحَرْبِ الصِّرْب ، لَمْ تَعُدْ هُناك
يُوغُسْلافيا . ذلك الاسمُ الذي كانَ يَوْمًا مِظَلَّةً واسعةً ، صارَ عِبْئًا
ثقيلًا ، وَذِكْرى لا تَصْلُحُ إلا للحَرْقِ . وَمِنْ رَمَادِهِ ، أرادوا وِلادةً
أُخْرَى ، وِلادة مُشَوَّهَة اسمُها " صِرْبيا الكُبْرى " .
لَمْ تَكُن الفِكرةُ مُجرَّد
شِعارٍ سِياسيٍّ ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى عَقيدةٍ قاسية ، وَعَدَسَةٍ يَرَوْنَ مِنْ
خِلالِها العَالَمَ . كُلُّ مَا لا يَنتمي إلى هذا الحُلْمِ الضَّيِّقِ صارَ
فائضًا عَن الحَاجَةِ ، وكُلُّ اختلافٍ عُدَّ تَهديدًا، وكُلُّ تَعَايُشٍ قَدِيمٍ
صارَ خَطأً تاريخيًّا يَجِبُ تَصحيحُه بالقُوَّة ، هَكذا انقلبت الجُغْرافيا إلى
ذَرِيعة ، والدَّمُ إلى حِبْرٍ لِكِتابةِ خَرائط جديدة ، والبُيُوتُ إلى أهداف ،
والذاكرةُ إلى سَاحَةِ حَرْبٍ .
لَمْ يُعلَن مَوْتُ يُوغُسْلافيا ببيانٍ رَسميٍّ
، بَلْ أُعْدِمَ عَلى دَفَعَاتٍ ، في القُرى المُحاصَرة، في المُدُنِ التي
أُفْرِغَتْ مِنْ أصواتها، في الطُّرُقاتِ التي امتلأتْ بالهاربين وَهُمْ يَحمِلون
أعمارَهم في حقائب صغيرة. كانَ الإصرارُ عَلى " صِرْبيا الكُبْرى "
يَعْني أنَّ الماضي المُشترَك لَمْ يَعُدْ صالحًا ، وأنَّ العَيْشَ معَ الآخَرِ
جَريمةٌ ، وأنَّ التَّنَنُّوعَ مَرَضٌ يَجِبُ القَضاءُ عَلَيْه .
تَقَدَّمَ مُجْرِمُو الحَرْبِ الصِّرْبُ بِخُطى
واثقة، القناعةُ الجديدة مَنَحَتْهُم حَصَانةً أخلاقية مَزعومة . صارت القَسْوَةُ
واجبًا وطنيًّا في نَظَرِهِم ، وصارَ الخَرابُ وسيلةً مشروعة لبناءِ وَطَنٍ
مُتخيَّل. لَمْ يَرَوْا في الضَّحايا وُجوهًا ولا أسماء ، بَلْ أرقامًا تُعِيقُ
اكتمالَ الحُلْمِ . ومعَ كُلِّ جَريمةٍ ، كانوا يَبتعدون أكثرَ عَنْ أيِّ مَعْنى
للإنسانية، وَيَقْتربون أكثرَ مِنْ فَراغٍ لا يَمْلَؤُهُ نَصْرٌ ، ولا تُشبِعه أرض
.
قُوَّاتُ الصِّرْبِ الغارقةُ
في الإجرامِ ، انخرطتْ في هَذا المَسارِ ، فَقَدْ وَجَدَتْ نَفْسَها تُنفِّذ فِكرةً
قَبْلَ أنْ تَعرِف ثَمَنَها . السِّلاحُ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد أداةٍ ، بَلْ صارَ
لُغَةً وَحيدة ، لُغَةً تَصْرُخُ بأنَّ الاتحادَ انتهى،وأنَّ القُوَّةَ وَحْدَها مَنْ
تُقَرِّرُ شكلَ المُستقبَل.لَكِنَّ هَذا المُستقبَل كانَ مُحَمَّلًا بأشباحِ
الحاضرِ، بأصواتِ الأُمَّهاتِ، بِعُيونِ الأطفالِ ، بِمُدُنٍ سَتَظَلُّ تَذكُر
مَنْ حاولَ مَحْوَها . وهَكذا ، حِينَ قالوا في قَرارةِ أنفُسِهِم : (( لَمْ
تَعُدْ هُناكَ يُوغُسْلافيا ، فَلْتَكُنْ صِرْبيا الكُبْرى )). كانوا في الحقيقةِ
يُعلِنون نِهايةَ وَهْمٍ وَبِدايةَ مَأساةٍ. لَمْ يَبْنُوا وطنًا بِقَدْرِ مَا
فَتَحُوا جُرْحًا عميقًا في جَسَدِ المَنطقة، جُرْحًا لا يَلتئم بِسُهولةٍ، لأنَّ
القَنَاعات التي تُصَاغ مِنَ الإقصاءِ لا تُخلِّف إلا أطلالًا، ولأنَّ الأحلامَ
التي تُسقَى بالخَوْفِ لا تُثمِر إلا نَدَمًا ثقيلًا يَتوارثه الزَّمَنُ . في
تِلْكَ السَّنَوَاتِ التي احترقَ فيها اسْمُ البُوسنةِ عَلى خَرائطِ العَالَمِ ،
لَمْ تَكُن المَأساةُ وَحْدَها هِيَ مَا يُوجِع الذاكرةَ ، بَل الخِيانة
المُتْقَنَة التي ارتَدَتْ بِذْلَةً رسمية ، وَحَمَلَتْ شارةً زَرْقاء ،
وَتَحَدَّثَتْ بِلُغَةِ القانونِ بَيْنَما كانتْ تُغمِض عَيْنَيْهَا عَن الدَّمِ .
كانت الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ
تَقِفُ في المُنْتَصَفِ ظاهريًّا ، لكنَّ أقدامَها مَغروسةٌ في جِهَةٍ واحدةٍ مِنَ
الوَحْلِ . قالتْ إنَّها جاءت لِتَحْمي ، ففتحتْ مِظَلَّاتِها فَوْقَ الصِّرْبِ
القَتَلَةِ ، وتركت البُوسنيين الضَّحَايا عُراةً تَحْتَ مَطَرِ القذائفِ . قالتْ
إنَّها مُحايِدة ، لكنَّ حِيَادَها كانَ سِكِّينًا باردة في خاصرةِ المُسلِمين المُحَاصَرِين
، وَوَرَقَةَ تَوقيعٍ عَلى صَكِّ النَّجَاةِ للجُنودِ الصِّرْبِ ، لا للبُوسنيين
المَدَنيين الذينَ احْتَمَوْا بِوُعودِها الكاذبة .
الخُوذاتُ الزَّرقاءُ لَمْ
تَكُنْ زَرقاء كَما البَحْر الذي ابتلعَ صَرَخَاتِ الهاربين ، بَلْ كانتْ باهتةً
كضميرِ العَالَمِ. وقفتْ عَلى الحَواجزِ، راقبتِ القوافلَ تُسَاقُ إلى المصير،
عَدَّتِ الأجسادَ بالأرقام ، وَسَجَّلَتِ المُلاحَظات بَيْنَما كانت القُرى
المُسلِمة تُمحَى مِنَ الذاكرة . لَمْ تُطْلِقْ رَصاصةً حِينَ كانَ إطلاقُها
سَيُنْقِذُ حَياةً، لكنَّها أطلقتْ بَيانات حِينَ صارَ الكلامُ رَمادًا .
لَمْ يَكُن الصَّمْتُ حِيادًا
، كانَ مُشَارَكَةً . الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ سَلَّمَتْ مَفاتيحِ "
المَنَاطِقِ الآمِنَةِ " للصِّرْبِ المُدَجَّجِين بالسِّلاحِ ، وَحِينَ صارَ
الشِّعارُ الأُمَمِيُّ خَتْمًا على أبوابِ المَوْتِ ، فَهِمَ الناسُ أنَّ الحِمايةَ
وَعْدٌ يُستعمَل للاستهلاكِ لا للاستخدامِ . هُناكَ ، لَمْ يَكُن الجُنودُ
الدَّوْلِيُّون حُرَّاسًا ، بَلْ كانوا شُهُودَ زُورٍ ، وَقَفُوا بَيْنَ
الجَلَّادِ والضَّحِيَّةِ ، واختاروا أنْ يَتَفَرَّجُوا بَدَلَ أنْ يَتَدَخَّلُوا .
تَحَالُفُ الأُمَمِ
المُتَّحدةِ معَ الصِّرْبِ لَمْ يُعْلَنْ في مُؤتمَر ، لكنَّه كُتِبَ في التفاصيلِ
الصغيرةِ ، في تأخيرِ الإغاثة ، في نَزْعِ سِلاحِ البُوسنيين المُحَاصَرِين ،
وَتَرْكِ أسلحةِ الصِّرْبِ المُعْتَدِين ، في المُفَاوَضَاتِ التي ساوتْ بَيْنَ
المُسْلِمِين الذينَ يُدافِعُون عَنْ حَيَاتهم ، والأُرثُوذُكْسِ الذينَ يَبْنُونَ
مَجْدَهم عَلى المَقابرِ. كانَ تَحَالُفًا بِلا راياتٍ، لكنَّه فَعَّالٌ بِما يَكْفي
لِيُطِيلَ عُمْرَ المَجازرِ والمَذابحِ .
يا لِلْمُفَارَقَةِ ، الأُمَمُ
المُتَّحدةُ مُؤسَّسةٌ وُلِدَتْ مِنْ رَمادِ الحُروبِ ، أعادتْ إشعالَها
بِصَمْتِها . مُؤسَّسَةٌ رَفَعَتْ رَايةَ حُقوقِ الإنسانِ ، ثُمَّ سمحتْ بانتهاكها
أمامَ عَدَسَاتِها . كأنَّها قالتْ للضَّحَايا : (( مَوْتُكُمْ مُؤسِفٌ ، لكنَّه
لَيْسَ مُسْتَعْجَلًا بِما يَكْفي لِخَرْقِ البروتوكول )) .
الذاكرةُ لا تَنْسَى كَيْفَ
كانَ العَالَمُ يُفَاوِضُ على الزَّمَنِ بَيْنَما كانت الأرواحُ تُقَايَضُ
بالدقائق ، ولا تَنْسَى كَيْفَ صارَ القانونُ قِناعًا ، والشَّرْعِيَّةُ
مِتْرَاسًا ، واللغةُ الدُّبْلُومَاسِيَّةُ سِتَارًا يُخْفي تَحَالُفًا قَذِرًا
معَ الأقوى ، ولا تَنْسَى أنَّ الأُمَمَ المُتَّحدة ، في تِلْكَ الحَرْبِ ، لَمْ
تَكُنْ جِسْرًا للنَّجَاةِ ، بَلْ سَقْفًا واطئًا سَقَطَ عَلى رُؤوسِ الأبرياءِ .
هذه لَيْسَتْ مَرْثيةً
للتاريخِ ، بَل اتِّهَامًا مَفتوحًا ، لأنَّ الألَمَ الذي لَمْ يُحَاسَبْ ،
يَتحوَّل إلى دَرْسٍ مَكسورٍ، ولأنَّ الخِيانة حِينَ تُسمَّى حِيَادًا تَتكرَّر
بأسماء جديدة .
البُوسنةُ لَمْ تُهْزَمْ فَقَط
بالسِّلاحِ ، بَل أيضًا بالكَلِمَاتِ التي قِيلَتْ في القاعاتِ المُكيَّفة ،
وبالقراراتِ التي تأخَّرَتْ حتى صارَ التأخيرُ سِيَاسَةً . ماذا يُسَاوي العَالَمُ
حِينَ يَختارُ النِّظَامَ الوَهْمِيَّ عَلى الإنسانِ ؟ ، وماذا تَعْني الأُمَمُ
المُتَّحِدَةُ حِينَ تُصْبحُ مِظَلَّتُها للجَلَّادِ ؟ . في البُوسنةِ ، كانَ
الجَوَابُ دَمًا ، وكانَ الصَّمْتُ تَوْقيعًا ، وكانَ التَّحَالُفُ خَفِيًّا
لَكِنَّه قاتلٌ .
سَراييفو مَدينةٌ تُقْصَفُ وَهِيَ واقفة ، لا
تَركَعُ ولا تَنَام . السَّمَاءُ فَوْقَها لَمْ تَكُنْ سَمَاءً ، بَلْ فُوَّهَة
مَفتوحة ، تَتساقطُ مِنها القذائفُ كَما تَتساقطُ الكَلِمَاتُ القاسيةُ مِنْ
أفواهٍ لا تَعرِف الشَّفَقَةَ . الجِبالُ المُحيطة ، التي كانتْ يَوْمًا تَحْرُسُ
المَدينةَ ، تَحَوَّلَتْ إلى عُيونٍ باردةٍ ، يَخْتبئ فِيها القَنَّاصَةُ ،
يُراقِبون الشوارعَ مِثْلَ فَريسةٍ لا حَوْلَ لها ولا قُوَّة .
القَصْفُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ
نافذةٍ ومَدرسةٍ، بَيْنَ سُوقٍ وَمَلْعَبِ أطفالٍ . الجُدْرانُ تَرتجفُ ، لا مِنَ
الخَوْفِ فَقَط ، بَلْ مِنَ العَجْزِ . كُلُّ حَجَرٍ في سَراييفو تَعَلَّمَ مَعْنى
الانتظارِ القاتلِ ، انتظارِ صَفِيرِ القذيفةِ ، انتظارِ الانفجارِ ، انتظارِ
الصَّمْتِ الذي يأتي بَعْدَه ، مُثْقَلًا بالغُبارِ والدُّمُوعِ والحِكاياتِ .
أمَّا الأطفالُ ، فكانوا أكثرَ
مَنْ يَعْرِفُ مَعْنى المَوْتِ . أجسادٌ صغيرةٌ تَركُضُ بِسُرعةِ البَراءةِ ،
لكنَّ الرصاصةَ أسرعُ . قَنَّاصٌ يَضْغَطُ على الزِّنادِ مِنْ بَعيدٍ ، بِلا
وَجْهٍ ، ولا اسْمٍ ، فَيَسْقُط طِفْلٌ كانَ يَحْمِلُ خُبْزًا ، أوْ دَفْتَرًا ،
أوْ حُلْمًا بَسيطًا عَن الغَدِ. الشوارعُ امتلأتْ بِدَمٍ لَمْ يَجِف ، لأنَّ
الحُزْنَ كانَ يَغْسِلُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَديدٍ .
فَتَحَت الأُمَّهَاتُ النوافذَ
بِحَذَرٍ ، لا لِيَدْخُلَ الهواءَ ، بَلْ لِيَتَأكَّدْنَ أنَّ أبناءَهُنَّ ما
زالوا يَتَنَفَّسُون. والآباءُ يَتعلمون كَيْفَ يُشيِّعون أبناءهم بِصَمْتٍ ،
لأنَّ الصُّراخَ قَدْ يَجْلِبُ رَصَاصَةً أُخْرَى .
في سَراييفو ، حتى البُكَاء
يَحتاج إلى شَجاعةٍ . المَدينةُ لَمْ تَمُتْ دَفْعَةً واحدةً ، بَلْ قُتِلَتْ
بالتَّقْسِيطِ . قُتِلَتْ حِينَ صارت الطُّفولةُ هدفًا ، وَحِينَ أصبحَ العُبورُ
مِنْ شارعٍ إلى شارعٍ مُقَامَرَةً بالحياةِ . قُتِلَتْ حِينَ صارَ المَوْتُ أمْرًا
يَوْمِيًّا ، يُدَوَّنُ في الذاكرةِ بَدَلَ أنْ يُنْسَى .
لَمْ تَخْتَفِ سَراييفو ، بَقِيَتْ واقفةً
وَسَطَ الرُّكامِ ، تَنْزِفُ ، لكنَّها تَرفُضُ السُّقُوطَ . بَقِيَتْ لأنَّ
الألَمَ لَمْ يَكْسِرْها ، بَلْ كَشَفَ عُمْقَها . بَقِيَتْ شاهدةً عَلى قَسْوَةٍ
لا تُنْسَى ، وعَلى دَمٍ بَرِيءٍ مَا زالَ يَكْتُبُ قِصَّتَهُ عَلى جُدْرانِها ،
لِيَقُولَ للعَالَمِ: (( هُنا كانتْ مَدينة ، وهُنا حَاوَلُوا قَتْلَ إنسانيتها ،
وَلَمْ يَنجحوا )) .
في تِلْكَ البِقَاعِ التي
كانتْ تُشبِه الحُقولَ قَبْلَ أنْ تُصَابَ بالعارِ، شَيَّدَ الغُزاةُ الصِّرْبُ
مُعَسْكَرَاتٍ لا تَحْمِلُ أسماءً ، كأنَّها تَخْجَلُ مِنْ نَفْسِها ، كأنَّ
الجُدْرانَ تَعرِف أنَّ مَا سَيُكْتَبُ عَلَيْهَا مِنْ صَمْتٍ أثقل مِنْ أيَّة
لافتة. مُعَسْكَرَاتُ الاعتقالِ التي أقامها الصِّرْبُ ، وُلِدَتْ في الظِّلِّ ،
لا لِتَأوي البَشَرَ ، بَلْ لِتُجَرِّدَهُم مِنْ بَشَريتهم ، وَتُحوِّل الوُجوهَ
إلى أرقامٍ، والأنفاسَ إلى عِبْءٍ ، والذاكرةَ إلى جريمة .
الليلُ هُناكَ أطْوَلُ مِنَ
الليلِ ، لا لأنَّ الشَّمْسَ تأخَّرَتْ ، بَلْ لأنَّ الفَجْرَ خافَ أنْ يأتي .
الأسلاكُ الشائكةُ لَمْ تَكُنْ حُدودًا ، بَلْ أفكارًا مُلْتوية صُنِعَتْ
لِتَطويقِ الإنسانِ مِنْ داخله ، لِتَقُولَ له : (( هُنا تُمْحَى الأسماءُ ، هُنا
يُعادُ تَشكيلُك كَشَيْءٍ قابلٍ للكَسْرِ )) .
في مُعَسْكَرَاتِ الاعتقالِ
الصِّرْبيةِ ، لَمْ يَكُن الصَّمْتُ سَلامًا ، بَلْ كانَ انتظارًا مَذعورًا ،
وكانت الخُطُواتُ القادمةُ في المَمَرَّاتِ تُشبِه نُبُوءَةً سَوْدَاء لا تُخطِئ .
ذَبَحَ الصِّرْبُ البوسنيين
المُسلِمين لأنَّهم كانوا مُختلِفين ، لأنَّ ذاكرتهم تَحمِل لُغَةً أُخْرَى ،
وَوَجَعًا آخَر ، وَصَلابةً لا تُشبِه مَا أراده الجَلَّادُ . لَمْ يُقْتَلُوا
فَقَط برصاصِ البَنادقِ وَقَذائفِ المَدافعِ، بَلْ أيضًا قُتِلُوا بالأفكارِ التي
سَبَقَت البَنادقَ والمَدافعَ ، بالأكاذيبِ التي مَهَّدَتْ للإبادةِ
الجَمَاعِيَّةِ والتَّطْهيرِ العِرْقيِّ ، بالتَّحريضِ الذي جَعَلَ الجَريمةَ
تَبدو كأنَّها واجبٌ . هُناك ، في تِلْكَ الزنازين ، كانَ الإنسانُ يُخْتَبَرُ إلى
أيِّ مَدى يُمكِن أنْ يُسحَق دُونَ أنْ يَتحوَّل إلى وَحْشٍ .
الجَلَّادُ لَمْ يَكُنْ دائمًا
صاخبًا ، أحيانًا كانَ هادئًا ، يُنْهي عَمَلَه بِبُرودِ المُوظَّف ، يُغْلِقُ
بابَ الزِّنزانةِ كَما يُغْلِقُ مِلَفًّا إداريًّا . تِلْكَ البُرودة كانتْ أشدَّ
قَسْوَةً مِنَ الصُّراخِ ، لأنَّها كَشَفَتْ أنَّ القَتْلَ يُمكِن أنْ يُصْبحَ
رُوتينًا، وأنَّ الدَّمَ قَدْ يُخْتَزَلُ إلى مُلاحَظَةٍ هامشية في جَدْوَلٍ
يَوْمِيٍّ .
لَمْ تَنْتَصِر مُعَسْكَرَاتُ الاعتقالِ
الصِّرْبِيَّةُ . لَمْ تَنتصر الأسلاكُ الشائكةُ ولا أبراجُ المُرَاقَبَةِ ولا
البَنَادِقُ الآلِيَّةُ ولا فُوَّهَاتُ المَدَافِعِ ، لأنَّ الذاكرةَ التي
حَاوَلُوا خَنْقَها خَرَجَتْ مِنْ تَحْتِ الرُّكام ، لأنَّ الأُمَّهَات اللواتي
انْتَظَرْنَ أبناءَهُنَّ بِلا أجوبةٍ، حَوَّلْنَ الانتظارَ إلى شَهادةٍ ، ولأنَّ
الغائبِين تَركوا فَراغًا صارَ دليلَ إدانةٍ للغُزاةِ لا يَمتلئ . كُلُّ حَجَرٍ في
تِلْكَ الأماكنِ صارَ شَاهِدًا ، كُلُّ هَواءٍ مَرَّ بِها تَعَلَّمَ أنْ يَحْمِلَ
القِصَّةَ .
لَيْسَ هَذا رِثَاءً فَقَط ،
بَلْ أيضًا اتِّهَامٌ ، اتهامٌ لِعَالَمٍ رأى وَبَطَّأ خُطَاه ، وَلِضَمِيرٍ
تَدَرَّبَ على النَّظَرِ بعيدًا . تِلْكَ المُعَسْكَرَاتُ لَمْ تَكُنْ حادثًا عابرًا
، بَلْ مِرآة سَوْداء تُظهِر مَا يَحْدُثُ حِينَ يُنزَع الإنسانُ مِنْ إنسانيته
بِاسْمِ الخَوْفِ والكَرَاهِيَةِ . وَمَا دامَ هُناكَ مَنْ يَتذكَّر ، فإنَّ
الجَريمةَ لَمْ تُغْلَقْ ، ومَا دامَ الألَمُ يُرْوَى ، فإنَّ الصَّمْتَ لَنْ
يَكُونَ خَاتِمَةً .
صارَ الجَسَدُ بِطَاقَةَ
هُوِيَّةٍ ، لَمْ يَعُدْ للاسْمِ وَزْنٌ ، ولا للأبحديةِ نَجَاة ، ولا للذكرياتِ
حَقٌّ في الدِّفاعِ عَنْ أصحابها . صارَ السَّجِينُ واقفًا أمامَ عُيونٍ باردة ،
لا تُفَتِّشُ في القَلْبِ ولا في الفِكْرِ ، بَلْ في اللَّحْمِ وَحْدَه. الإنسانُ
اخْتُزِلَ في عَلامةٍ بُيولوجية صامتة . كان الفَرْقُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ
لا يُسألُ عَنْهُ في السُّؤالِ ، بَلْ يُنْتَزَع انْتِزَاعًا ، بإيماءةٍ قاسيةٍ
نَحْوَ السِّرْوَالِ ، وكأنَّ التاريخَ قَرَّرَ أنْ يَكْتُبَ فُصُولَه على
الأجسادِ لا على الوَرَقِ .
كانَ المُسلِمون مَخْتُونين ،
وهذه حَقيقةٌ دِينية قديمة ، بريئة في أصْلِها ، لكنَّها في تِلْكَ اللحْظَةِ
تَحَوَّلَتْ إلى فَخٍّ ، إلى وَشْمٍ لا يُمْحَى ، إلى دَليلِ إدانةٍ لا يَحتاجُ
إلى مَحْكمة . أمَّا الصِّرْبُ الأُرثُوذُكْسُ فَلْمَ يَكُونوا كذلك ، صارَ
الاختلافُ الجَسَدِيُّ سِكِّينًا مَعْرفية ، ووسيلة سَريعة رخيصة ، لا تَتطلَّب
تَحقيقًا ولا اعترافًا. إنزالُ السِّرْوَالِ كانَ أسرعَ مِنْ طَرْحِ سُؤالٍ،
وأوْضَحَ مِنْ سَمَاعِ لَهْجَةٍ ، وأكثرَ صِدْقًا مِنْ أيَّة وثيقة . هَذه هِيَ
البَسَاطَةُ والفَظَاعَةُ في آنٍ معًا .
كانَ السَّجِينُ يَعْرِفُ مَا
سَيَحْدُثُ قَبْلَ أنْ يَحْدُث ، يَعرِف أنَّ ثوانيَ قليلة سَتَفْصِلُ بَيْنَ
كَوْنِهِ إنسانًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ هَدَفًا . لَمْ يَكُن الخَوْفُ فَقَط مِنَ
المَوْتِ ، بَلْ أيضًا مِنَ الإذلالِ الذي يَسْبِقُه ، مِنْ تِلْكَ اللحْظَةِ التي
يُجْبَرُ فيها الإنسانُ عَلى أنْ يُعَرَّى لا لِيُفَتَّشَ ، بَلْ لِيُفْضَحَ ، لا
لِيُعْرَفَ ، بَلْ لِيُحَدَّدَ مَصيرُه . العُرْيُ هُنا أقْسَى مِنَ الرصاصِ ،
لأنَّه يَسْرِقُ آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنَ الكَرامةِ قَبْلَ أنْ تُسْرَقَ النَّفْسُ
.
لا حَاجَة للصُّراخِ ، الصَّمْتُ
كانَ أعْلَى . نَظَرَاتٌ مُتَيَبِّسَةٌ ، أيْدٍ تَرتجِف ، أجسادٌ لا تَعْرِفُ
أيْنَ تَقِفُ ، أرضٌ لا تَعْرِفُ كَيْفَ تَحْمِلُ هَذا الثِّقَلَ . التاريخُ واقفٌ
هُناك ، لكنَّه لَمْ يَكْتُبْ شيئًا ، كانَ شَاهِدًا صَامِتًا. لا يُوجَد التباسٌ
ولا إشاعة ولا استعارة ولا كِنَاية ، بَلْ حادثة حقيقية ، جَرَتْ حِينَ صارَ
الاختلافُ سببًا كافيًا للإلغاءِ ، وَحِينَ صارَ الجَسَدُ نَصًّا يُقْرَأ
بالقُوَّة .
مَا أقْسَى أنْ يُولَدَ
الإنسانُ بِعَلامةٍ لا يَخْتارها، ثُمَّ تُستخدَم لاحقًا لِتَحديدِ إنْ كانَ
سَيَعِيشُ أَمْ لا. مَا أقْسَى أنْ يَتحوَّل مَا كانَ رَمْزًا للانتماءِ
الرُّوحِيِّ إلى دَليلٍ ماديٍّ للمَوْتِ . لَمْ يَكُن السَّجِينُ يُفَكِّرُ في
العَقيدةِ، ولا في الجَدَلِ، ولا في الهُوِيَّةِ الكُبْرى. كانَ يُفَكِّرُ فَقَط
في أُمِّه ، في وَجْهٍ لَمْ يُوَدِّعْه ، في بَيْتٍ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ إنْ كانَ
سَيَعُودُ إلَيْه ، في حَياةٍ تُسحَب مِنْه لأنَّ جَسَدَه قالَ مَا لَمْ يَنْطِقْ
بِه .
هذه الحادثةُ لَيْسَتْ رَقْمًا
في كِتابٍ ، ولا هَامِشًا في تقرير ، بَلْ هِيَ جُرْحٌ مَفتوحٌ في ذاكرةِ البَشَرِ
. إنَّها تَذكيرٌ مُرعِب بِمَدى سُهولةِ أنْ يَنحدِر الإنسانُ حِينَ يُجرَّد
الآخَرُ مِنْ إنسانيته ، وَحِينَ يَتحوَّل الجَسَدُ إلى حُجَّةٍ ، والدِّينُ إلى
تُهْمَةٍ ، والاختلافُ إلى حُكْمٍ فَوْرِيٍّ . هُنا ، لَمْ يَكُن القَتْلُ نَتيجةَ
غَضَبٍ لَحْظِيٍّ ، بَلْ نَتيجةَ مَنْهَجٍ ، طَريقة مَدروسة ، اختصار وَحْشي
لِمَعرفةِ مَنْ يَجِبُ أنْ يُكْمِلَ حَيَاتَه ، وَمَنْ يَجِبُ أنْ يَنطفئ .
الإنسانُ حِينَ يَسْمَحُ
للتاريخِ أنْ يُعاد بهذه الطريقة ، فإنَّه يُوقِّع على احتمالِ تَكْرَارِه .
والمَأسَاةُ الحقيقية لَيْسَتْ فَقَط في إنزالِ السِّرْوَالِ ، بَلْ في إنزالِ
الإنسانِ مِنْ مَرتبته ، حتى يَصِيرَ مُجرَّد عَلامةٍ تُفْحَصُ ، ثُمَّ تُمْحَى .
الغُزاةُ الصِّرْبُ يَعرِفون
جَيِّدًا أنَّ الرصاصة التي تُصيبُ جسدًا واحدًا لا تُسْقِطُ أُمَّةً ، لكنَّ
الرصاصة التي تُصيبُ العقلَ تُسْقِطُ المُستقبَلَ بأكمله . لذلك لَمْ تَكُن
البَنادقُ عَمْيَاء ، والقَتْلُ كانَ فَوْضَوِيًّا وَمَنْهَجِيًّا في آنٍ معًا .
اختيارُ الضَّحَايا يَتِمُّ بِبُرودِ الحِساباتِ الكُبْرى ، بِخَرائط لا تُظهِر
الشوارعَ ، بَلْ تُظهِر العُقولَ ، وبقوائم تَضُمُّ أسماءَ الكُتَّابِ ،
والأساتذةِ ، والأطباءِ ، والمُهندسين ، وكُلُّ مَنْ يَحْمِلُ في رَأسِه مَشروعَ
غَدٍ مُحتمَل .
الغُزاةُ الصِّرْبُ لَمْ
يُطاردوا البَشَرَ فَقَط ، بَلْ كانوا يُطاردون الفِكرةَ البُوسنيةَ ذاتَها .
يُدرِكون أنَّ الدَّولة لا تُبنَى مِنْ تُرابٍ وَحَديدٍ ، بَلْ مِنْ وَعْيٍ قادرٍ
على التَّنظيم ، وَمِنْ نُخْبةٍ تَعرِف كَيْفَ تُحوِّل الألَمَ إلى نِظَامٍ ،
والفَوضى إلى قانون ، والذاكرةَ إلى مُؤسَّسات، لذلكَ صَدَرَ الأمرُ واضحًا
وقاسيًا، اقْتُلُوا أكبرَ عَدَدٍ مِنَ المُسلِمين المُثَقَّفين ، اقْتُلُوا مَنْ
يَعرِف كَيْفَ يَكْتُب ، كَيْفَ يُعلِّم ، كَيْفَ يُدِيرُ، كَيْفَ يُفَكِّر .
العَقْلُ المُفَكِّرُ يُشكِّل خطرًا على الغُزاةِ والطُّغاةِ ، والحَلُّ هُوَ
استئصالُه والقَضَاءُ عَلَيْه.
الغُزاةُ الصِّرْبُ يُريدون
أرضًا بِلا ذاكرةٍ ، وشعبًا بِلا قادةٍ . يُريدون أُمَّهَاتٍ يَبْكِينَ أبناءً لا
يَعْرِفْنَ لِمَاذا اسْتُهْدِفُوا تَحديدًا ، وطُلَّابًا يَعُودون إلى مَدارس بِلا
مُعلِّمين ، ومُستشفياتٍ بِلا أطباء ، وَمُدُنٍ بِلا أصواتٍ قادرةٍ على تفسيرِ مَا
جَرى . الإبادةُ هُنا لَمْ تَكُنْ نَزْوَةَ دَمٍ ، بَلْ سِياسةً مُكتمِلةَ الأركان
، وَمَشروعًا لَهُ هَدَفٌ واحد ، ضَمَان ألا تَقُوم أيَّة دَوْلة بُوسنية
مُسْتَقْبَلًا بِكَفاءةٍ ، وألا تَنْهَضَ مِنْ تَحْتِ الرُّكامِ بعقلٍ سليمٍ .
كُلُّ مُثَقَّفٍ بُوسنيٍّ
مُسْلِمٍ قَتَلَه الصِّرْبُ المُتَوَحِّشُون ، كانوا يَرَوْنَ فيهِ حَجَرَ أساسٍ
يُزالُ مِنْ بِناءٍ لَمْ يَكْتَمِلْ . في كُلِّ كِتابٍ أحْرَقُوه ، كانوا يَحتفلون
بالانطفاءِ . في كُلِّ أُستاذٍ جامعيٍّ أَعْدَمُوه ، كانوا يَطْمَئِنُّون إلى أنَّ
جِيلًا كاملًا سَيَكْبَرُ بِلا مُرْشِدٍ يَدُلُّهُ على طريقِ الفَهْمِ . لَمْ
يَكُن المَوْتُ هُوَ الغايةَ النِّهائيةَ ، بَل الفَرَاغ الذي يُخلِّفه المَوْتُ
حِينَ يُصِيبُ نُخْبَةَ المُجتمعِ البُوسنيِّ وَالصَّفْوَةَ المُثَقَّفَةَ .
مَجازرُ الصِّرْبِ تُدارُ
بعقلٍ بارد ، لأنَّ القَتْلَ العَشْوائيَّ قَدْ يَخْلُقُ أساطيرَ مُقَاوَمَةٍ ،
أمَّا قَتْلُ النُّخْبَةِ فَيَخْلُق صمتًا طويلًا . يُريدون شعبًا مَيْتًا
مَعْرفيًّا ، بِلا أثَرٍ ولا تأثيرٍ ولا تاريخٍ ولا حضارةٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ. إبادةُ
النُّخْبَةِ البُوسنِيَّةِ كانت الطريقَ الأسرعَ إلى ذلك ، لأنَّ الأُمَّةَ التي
يُقْطَعُ رَأسُها قَدْ تَمْشِي بدافعِ الغَريزةِ ، لكنَّها عاجزةٌ عَن الرُّؤيةِ .
لَمْ يَكُن الدَّمُ قادرًا على
مَحْوِ الحقيقةِ كاملةً . الأفكارُ التي حاولوا قَتْلَها ، كانتْ قَدْ تَسَلَّلَتْ
إلى دَفاترِ الطُّلابِ ، وذاكرةِ المُدُنِ ، واللغةِ نَفْسِها . صحيحٌ أنَّهُم
اغتالوا أجسادًا لامعةً ، لكنَّهم تَركوا خَلْفَهم فَراغًا فاضحًا يَكشِف الجريمةَ
في كُلِّ زاويةٍ . كُلُّ جامعةٍ صامتةٍ كانتْ شَهادةً ، وكُلُّ مَكتبةٍ ناقصةٍ
كانت اتِّهَامًا، وكُلُّ مُحَاوَلَةٍ يائسةٍ لإعادةِ البِناءِ كانتْ تَذكيرًا
بأنَّ مَا فُقِدَ لَمْ يَكُنْ عاديًّا، بَلْ كانَ عِمَادَ الكَفاءةِ وَرُوحَ
الدَّولةِ. هَذه لَيْسَتْ حِكايةَ حَرْبٍ فَقَط ، بِلْ حِكاية خَوْفٍ مِنَ العَقْلِ
، وَرُعْب مِنَ الوَعْيِ ، وَهَلَع مِنْ شعبٍ إذا أُتيحَ لَهُ أنْ يُفَكِّرَ قَدْ
يَنْهَض ، لذلك كانَ استهدافُ المُثَقَّفين البُوسنيين المُسلِمين فِعْلًا
مَحسوبًا ، وَجَريمةً تَهْدِفُ إلى شَلِّ المُستقبَلِ. ومعَ أنَّ الجِراحَ عميقة،
إلا أنَّ الذاكرةَ لا تَزَالُ تُقَاوِمُ ، وتَكْتُب، وتَشْهَد ، وتَفْضَحُ تِلْكَ
اللحَظْةَ التي ظَنَّ فيها القَتَلَةُ الصِّرْبُ أنَّ إبادةَ صَفَوْةِ البوسنيين
وَنُخْبَةِ المُسلِمين ، تَعْني نِهايةَ الحِكاية ، دُون أنْ يُدرِكُوا أنَّ
الحِكايات المُؤلِمة هِيَ الأكثرُ عِنَادًا وإصرارًا على البَقَاءِ .
تَرَاكَمَ الخَرابُ في
أزِقَّةِ المَدينةِ كَما لَوْ أنَّ الأرضَ نَفْسَها تَمَرَّدَتْ على أهلها .
مَنازلُ البوسنيين المُسلِمين التي كانتْ يَوْمًا مَأوى للضَّحِكِ وأصواتِ
الأطفالِ ، صارت الآن مُجرَّد كَوْمَةٍ مِنْ حِجارةٍ مُتَفَرِّقَة ، تَصْرُخُ تحت
وَطأةِ القَصْفِ الصِّرْبيِّ العنيف . الطَّلَقَاتُ اخترقتْ جُدْرانَها كَما لَوْ
كانتْ تُصِرُّ على شَطْبِ كُلِّ ذِكْرى فيها ، وكُلِّ صُورةٍ عَلى الجُدران ،
وكُلِّ زاويةٍ تَحتضِن الأسرارَ الصغيرةَ لأجيالٍ مَضَتْ . أمَّا بُيُوتُ
الصِّرْبِ فَهِيَ واقفة كَما لَوْ لَمْ يَلْمِسْها الزَّمَنُ ولا القَصْفُ ، صامدة،
تَحمِل على جُدرانِها صمتًا غَريبًا ، تَشْهَدُ على عَبَثِيَّةِ العَدالةِ في هَذا
العَالَمِ.وفي حِينَ كانت النارُ تلتهمُ بُيُوتُ البوسنيين ، وَتَلُوحُ أعمدةُ
الدُّخَانِ وكأنَّها تَبْكي دَمًا ، لَمْ يَكُنْ هُناك سِوى صَمْتٍ مَشحونٍ
بالخَيْبَةِ والغضبِ ، صَمْت يَصْرُخُ داخلَ القُلوبِ أكثرَ مِنْ أيَّة رَصاصةٍ .
المَدينةُ لَمْ تَعُدْ تَعرِف
نَفْسَها ، كُلُّ شارعٍ أصبحَ شَاهِدًا عَلى فِقْدَانِ الحِمايةِ والأمانِ ، كُلُّ
حَجَرٍ يُذكِّرُكَ بأنَّ مَا كانَ يَوْمًا مَأوى وحَياةً ، أصبحَ ذِكْرى تتناقصُ
معَ كُلِّ رَمادٍ يَتساقط . في الليلِ، عِندَما يَهُبُّ النَّسِيمُ ، يَحمِل
بَيْنَ طَيَّاتِهِ رائحةَ الرَّمَادِ والدُّخَانِ ، وَيُرافقه صَوْتُ القُلوبِ
المُمَزَّقَةِ التي تَبْحَثُ عَنْ مَا لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا .
هُناكَ شَيْءٌ أقْسَى مِنَ
الخَرابِ نَفْسِه ، وَهُوَ الشُّعورُ بالتَّمْييزِ الظاهرِ في المَناطقِ : بَيْتُ
البُوسنيِّ المُسلِم يَحترِق ، وَبَيْتُ الصِّرْبيِّ الأُرثُوذُكْسِيِّ لا
يَمَسُّهُ سُوء ، وكأنَّ كُلَّ شَيْءٍ أصبحَ مَسألةَ لَوْنٍ وَجُغْرافيا، وَلَيْسَ
إنسانية أوْ حَياة . تَحَوَّلَت الشوارعُ إلى مَتاحِف مِنَ الألَمِ ، والذاكرةُ
لَمْ تَعُدْ تَكْفي لِتَضُمَّ كُلَّ مَا فُقِدَ .
لِمَاذا كُلُّ دَمْعَةٍ تُذرَف
هُنا تَبدو بِلا صَدى هُناك ؟ . كُلُّ حَجَرٍ مُتَسَاقِطٍ ، وكُلُّ نافذةٍ
مُحَطَّمَةٍ ، تَحْكي قِصَّةَ غِيابِ الأمَانِ ، وكُلُّ بَيْتٍ مُحْتَرِقٍ
يَحْمِلُ بَيْنَ أنقاضِهِ أرواحًا فَقَدَتْ مَأواها . إنَّها لَحَظَاتٌ لا تُمْحَى
، لَحَظَات تُثْبِتُ أنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ دَمَارًا فَقَط. تَمَّ اسْتِنْسَاخُ
الألَمِ ، وانتشرَ فِيهِ الظُّلْمُ، والبَشَرُ صاروا مُرَاقِبين لِمَا تَبَقَّى
مِنْ حَياةٍ لَمْ تَعُدْ مِلْكَهم .
في البُوسنةِ ، لا يَسِيرُ
الوَقْتُ كَمَا يَفْعَلُ في بَقِيَّةِ الأرضِ . لا يَزْحَفُ إلى الأمام ، بَلْ
يَتراجع، وَيَسْتعيدُ نَفْسَه في دَوَّامةٍ مِنَ الظِّلالِ والذكرياتِ
المُتَجَمِّدَة . لا حَاضِرٌ يُمكِن أنْ يُعَاش، ولا لَحْظَةٌ مِنَ السَّكِينةِ
يُمكِن أنْ تَتَنَفَّسَ بِحُرِّيةٍ. كُلُّ شَيْءٍ هُنا مُرتبطٌ بالماضي ،
مُتَشَبِّثٌ بِصِرَاعَاتِهِ القديمةِ كأنَّها جَمْرٌ لا يَنطفئ. الشوارعُ تَتحدَّث
بِلُغَةِ الصَّمْتِ، وأبوابُ البُيُوتِ تَحْمِلُ وُجوهًا لا تَزَالُ مَرسومةً
بألوانِ الحُزْنِ ، كأنَّها لَمْ تُغَادِرْ جُدرانَ الحَرْبِ .
تَمُرُّ في المَدينةِ.
تَشْعُرُ أنَّكَ تَتسلَّل بَيْنَ حِكاياتٍ لَمْ تُكْتَبْ نِهاياتُها بَعْد، بَيْنَ
أصواتٍ لَمْ تَعُدْ صَاخبةً ، لكنَّها لَمْ تَخْتَفِ أيضًا ، بَيْنَ أشباحٍ
تَحُومُ فَوْقَ المَيادين ، تَحمِل وَجَعَ أجيالٍ مَضَتْ . حتى ضَوْء الشمس يَبْدو
هُنا مَأسورًا بالماضي ، يَمُرُّ عَبْرَ الأشجارِ كَما لَوْ أنَّه يَتردَّد في
كَشْفِ أسرارِ تِلْكَ الأرضِ المَحروقة . الناسُ هُنا يَسِيرُون بَيْنَ الذكرياتِ
كأنَّها خَرائط ، لا يَعرِفون الطريقَ إلى الغَدِ . يَعِيشون في الحاضرِ كَما لَوْ
أنَّه انعكاسٌ لرِغَبْةِ الماضي في البَقاء . كُلُّ ابتسامةٍ تَحمِل ثِقَلَ مَا
حَدَثَ ، وكُلُّ كَلِمَةٍ مُثْقَلَةٌ بِظِلِّ مَا فاتَ . الحاضرُ مِرْآةٌ
تَتَأرْجَحُ بَيْنَ الأمْسِ واليَوْمِ ، لكنَّها لا تَنكسِر أبدًا ، كَيْ تَكْشِفَ
عَن الغَدِ الرهيب. في البُوسنةِ،لا يُمْحَى الماضي، ولا يُعَاش المُستقبَل .
هُناكَ فَقَط دَوَّامة مِنْ زَمَنٍ مُتراجِع ، يَلتهِم اللحْظَةَ، ويُعيدُها إلى
بِداياتها الأُولَى ، إلى صَرَخَاتٍ لَمْ تَهْدَأ بَعْد ، إلى صِرَاعَاتٍ لَمْ
تَنْدَمِلْ جُروحُها . حتى الأنهار هُنا تَتَدَفَّقُ بِعَكْسِ التَّيَّارِ ، تُحاولُ
العَوْدَةَ إلى مَنابعِها، كَما لَوْ أنَّ الأرضَ تَرفُضُ السَّيْرَ نَحْوَ الأمام
.
عِندَما تُغادِر هَذا
المَكَانَ ، تَحمِله مَعَكَ في صَمْتِ قَلْبِكَ ، وفي شُعورٍ غَريبٍ أنَّكَ قَدْ
عِشْتَ زَمَنَيْن في آنٍ واحدٍ : زَمَنك وَزَمَنه . لكنَّ زَمَنَه هُوَ الذي
يَلْتَهِمُكَ أكثر ، ويَتركُكَ تَتساءلُ إنْ كُنْتَ خَرَجْتَ مِنْ هُناكَ أَمْ
بَقِيتَ أسيرًا بَيْنَ أطيافِ الماضي ، تَبحثُ عَنْ حَاضِرٍ لَمْ يُولَدْ بَعْد .
في تِلْكَ الليالي الباردةِ ، كانت
الأصواتُ تَتعالى مِنْ دَاخلِ الجُدرانِ الخَرَسَانِيَّة ، أصواتٌ مُخْتَنِقَة
بَيْنَ صُراخٍ وَخَوْفٍ وَبُكاءٍ مَكتومٍ . تَجْلِسُ النِّسَاءُ في الزوايا ،
أجسادُهُنَّ مُتشابِكة ، تَبْحَثُ عَنْ دِفْءٍ وَهْمِيٍّ في حِضْنِ الوَهْمِ .
كُلُّ نَظْرَةٍ تَحمِل تاريخًا مِنَ الألَمِ ، وكُلُّ صَمْتٍ يَصْرُخُ بِمَا لا
يُمْكِنُ قَوْلُه .
تَمَّ تَجْمِيعُهُنَّ كَقِطَعٍ
عَلى رُقْعَةِ الشِّطْرَنْجِ ، وَاحدةً تِلْوَ الأُخْرَى ، بِلا رَحمةٍ ، بِلا
سببٍ سِوى الرَّغْبَةِ في إذلالِهِنَّ وتَحطيمِ كَرَامَتِهِنَّ. كانَ الاغتصابُ
آلَةً ، مَنظومةً مَدروسةً لِكَسْرِ الرُّوحِ ، لِتَدميرِ الأجسادِ ، وَتَرْكِ
القُلوبِ مُحَطَّمَةً بِلا حِمايةٍ . الأصابعُ التي كانتْ تُعَانِقُ أحبابَها ،
والأجسادُ التي كانتْ تَتحرَّك بِحُرِّيةٍ في بُيُوتِها ، تَحَوَّلَتْ إلى سَجينةٍ
جَسَدِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ ، تَصْرُخُ تَحْتَ وَطأةِ وَحشيةٍ لا يُمْكِنُ وَصْفُها
.
هُناك، بَيْنَ أسوارِ
مُعَسْكَرَاتِ الاعتقالِ الصِّرْبية ، فقدت الكلماتُ مَعناها ، وصارَ الصَّمْتُ
لُغَةً مُشترَكةً بَيْنَ مَنْ تَبَقَّى. الاغتصابُ لَيْسَ فَقَط جَسَدًا يُهْدَم ،
بَلْ هُوَ أيضًا تاريخٌ يُمْحَى ، وذِكرياتٌ تُنْهَب ، وأحلامٌ تُقْتَلُ قَبْلَ
أنْ تُولَد . كانَ كُلُّ يَوْمٍ حِقْبَةً زمنية ، وكُلُّ لَحْظَةٍ أبَدِيَّةً .
الألَمُ لَيْسَ لَحْظَةً عابرةً ، بَلْ عملية مُستمرة لِتَكسيرِ كُلِّ مَا هُوَ
إنساني .
في قَلْبِ هَذه الظُّلُمَاتِ ، تُوجَد بقايا
مِنْ صُمودٍ داخليٍّ. عُيونُ النِّسَاءِ، رَغْمَ الخَوْفِ والرُّعْبِ ،
تَحَمَّلَتْ حِكاياتٍ لَمْ يَسْمَعْ بِها أحد ، حِكايات عَنْ قُوَّةٍ باقية ، عَنْ
رُوحٍ تُصِرُّ على الحَياةِ رَغْمَ المِحَنِ . لَمْ يَكُن الانتقامُ مُتَاحًا ،
وَلَمْ يَكُن الفَرَحُ سَهْلًا ، لكنَّ البَقَاءَ كانَ مُقَاوَمَةً ، والنُّهُوض
بَعْدَ كُلِّ سُقوطٍ كانَ انتصارًا صامتًا .
هذه المُعَسْكَرَاتُ
الرَّهيبةُ لَمْ تَكُنْ مُجرَّد أماكن للاحتجاز ، بَلْ كانتْ مُخْتَبَرَاتٍ
للوَحشية ، حَيْثُ تُخْتَبَرُ حُدودُ الإنسانِ ، وَتُسْحَقُ أجسادٌ لا حَوْلَ لها
، وَتُسْرَقُ هُوِيَّاتٌ بِلا قَلْبٍ . وفي كُلِّ مَرَّةٍ يُفْرَضُ فيها الألَمُ
يُخَتَبَرُ صَبْرُ الرُّوحِ ، حَتَّى تَبْقَى الذكرى شاهدةً على مَا يُمكِن أنْ
يَفْعَلَه البَشَرُ بِبَعْضِهِم البَعْض حِينَ يُحرَمون مِنَ الإنسانية .
في ظِلالِ الحَرْبِ ، حَيْثُ
تَتطايرُ القنابلُ ، ويَتصاعدُ الصُّراخُ والرصاصُ ، وَجَدْتُ نَفْسي أبحثُ عَنْ
مَلاذٍ ، وَصَمْتٍ يَحْميني مِنْ فَوْضَى العَالَمِ . المَقْبَرَةُ ، ذلك البَحْرُ
الصامتُ مِنَ الحِجَارَةِ والمَسَاميرِ الباردةِ ، أكثرُ أمانًا مِنْ أيِّ جِدارٍ
أوْ مَنْزِلٍ يُمكِن أنْ يَخُونَني . هُنا ، بَيْنَ القُبورِ ، يُصبحُ الزمنُ
مُخْتَلِفًا ، الصَّوْتُ المَبحوحُ للعَالَمِ الخارجيِّ يَتلاشى ، ولا يَبقى سِوى
دَقَّاتِ قَلْبي تَتَنَاغَمُ معَ سُكونِ التُّرابِ . أختبئ بَيْنَ الحِجارةِ
الباردةِ ، وأنامُ على الأرضِ كَما لَوْ كُنْتُ أحَدَ أُولئك الأمواتِ الذينَ
سَبَقُوني، وأتنفسُ بِصَمْتٍ، وأحْلُمُ بالسَّلامِ وَلَوْ لِبُرْهَةٍ ، هُناكَ، في
أحضانِ الأمواتِ، يَتَبَدَّدُ الخَوْفُ ، وَيَغْدو ظِلالًا بعيدة ، لأنَّ الحَرْبَ
بِكُلِّ وَحْشيتها لا تَجْرُؤ على اقتحامِ صَمْتِ المَقْبَرَةِ . كانَ النَّوْمُ
فِيها أكثرَ عُذوبةً ، رَغْمَ البُرودةِ الخَشِنَةِ ، لأنَّ كُلَّ غَمْضَةِ عَيْنٍ
تَمْنَحُني هُدوءًا غَيْرَ مَوجودٍ في العَالَمِ الخارجيِّ ، الذي أصبحَ جَحيمًا
مُتَنَقِّلًا .
أغْمَضْتُ عَيْنَيَّ ،
وَتَصَوَّرْتُ وُجوهَ الذينَ رَحَلُوا ، وكَيْفَ أنَّهُم رَغْمَ غِيابِهم
يَحْرُسُونني بِصَمْتِهِم الأبديِّ . في هذه الأرضِ المليئةِ بالغِيابِ ،
تَعَلَّمْتُ أنَّ الأمانَ لا يأتي مِنَ البَشَرِ ، ولا مِنَ الجُدْرانِ، بَلْ مِنَ
السُّكُونِ الذي يُحِيطُ بالقِصَصِ المَدفونةِ تَحْتَ التُّرابِ . حتى الرِّياح ،
التي كانتْ تَحْمِلُ رائحةَ الدُّخَانِ والخَرابِ ، لَمْ تَكُنْ قادرةً على إزاحةِ
هَذا الغِطاءِ الهادئِ ، هَذا الجِدار الصامت الذي يَفْصِلُني عَن الجَحِيمِ
الخارجيِّ . أستمعُ إلى دَقَّاتِ قَلْبي السِّرِّيةِ ، أوْ رُبَّما صَدى القُلوبِ
المَيْتَةِ ، وأجِدُ في هَذا السُّكُونِ عَزَاءً لا يُوجَد في أيِّ حِضْنٍ
بَشَرِيٍّ . كَتَبْتُ رسائل لِنَفْسِي بَيْنَ القُبورِ، أحْكِي فيها عَن الفَقْدِ
والألَمِ، والشُّعورِ المُؤلِمِ بالوَحْدَةِ التي تَحْمِي أحيانًا أكثرَ مِمَّا
تُؤْذِي . الحَرْبُ صَوْتٌ يَتردَّد خَلْفَ الحِجارةِ ، بَيْنَما النَّوْم بَيْنَ
الأمواتِ يَلُفُّني كَما لَوْ كُنْتُ مُحَاطًا بِجَيْشٍ مِنَ الأمانِ الصامتِ ،
جَيْش لا يَنْشُرُ إلا السَّلامَ الخَفِيَّ .
في المَقْبَرَةِ ، تَعَلَّمْتُ
أنَّ المَوْتَ والحياةَ مُتشابِكان ، وأنَّ هُناك نَوْعًا مِنَ السَّلامِ يُمكِن
أنْ تَجِدَه فَقَط عِندما تُلامِس المَوْتَ بِصَمْتٍ ، عِندما تَخْتبئ بَيْنَ
الأجسادِ التي رَحَلَتْ قَبْلَ أنْ يَحِينَ دَوْرُكَ . أصبحت القُبورُ حِضْنًا
أكثرَ دِفْئًا مِمَّا يَستطيعُ العَالَمُ أنْ يَمْنَحَه . لَمْ يَكُنْ هُناكَ
خَوْفٌ ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ قِتَال، لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ سِوى السُّكُونِ
العَميقِ ، السُّكُون الذي يُغَنِّي لَكَ أُغْنِيَةَ النَّجَاةِ بَيْنَ صَمْتِ
الأمواتِ .
عَلى التِّلالِ التي تُحِيطُ
بِسَرَاييفو، يَقِفُ الجُنودُ الصِّرْبُ كَظِلالٍ ثقيلة لا تَهْتَزُّ ، يُراقِبُون
المَدينةَ مِنَ بَعيدٍ ، كأنَّهم يَقْتَفُون خُطى المَوْتِ قَبْلَ أنْ
يَقْتَفِيَهَا أهْلُها . وفي كُلِّ صَباحٍ ، حِينَ يَنسابُ النُّورُ بِخَجَلٍ
بَيْنَ أزِقَّةِ المَدينة ، تَبْدأ مَأساةٌ جديدة ، رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَشُيوخٌ وأطفالٌ
يَدْفِنُون مَوْتَاهُم ، يَحْفِرُون الأرضَ بِأيْدٍ مُرتعِشة مِنَ الحُزْنِ
والخَوْفِ ، كأنَّهُم يُحاولون دَفْنَ الألَمِ معَ الجُثَثِ .
أصواتُ الطَّلَقَاتِ تَخترِق
الهواءَ صَريحةً بِلا رَحْمَةٍ ، تَستهدِف القُلوبَ قَبْلَ الأجسادِ . كُلُّ
رَصَاصَةٍ تأتي كَصَرْخَةٍ مِنَ التِّلالِ ، تَهُزُّ الأرضَ والرُّوحَ ، تَجْعَل
المُشَيِّعِين يَتجمَّدون في أماكنِهم ، بَيْنَ الرُّعْبِ والوُجومِ ، يَتَنَاوبون
على البُكاءِ والصَّمْتِ . أمَّا الطِّينُ الذي يُرفَع لِيَكُونَ قَبْرًا ،
فَيَخْتَلِط بالدَّمِ والدُّموعِ ، فلا يَعُود هُناكَ فَرْقٌ بَيْنَ الأرضِ
والمَأساةِ ، بَيْنَ القَبْرِ والحُزْنِ .
الجُنودُ عَلى التِّلالِ
يُراقِبون ، وَيُصوِّبون ، وَيَعُودون إلى صَمْتِهم بَعْدَ كُلِّ انفجارٍ
للرَّصَاصِ ، كأنَّهُم جُزْءٌ مِنَ التِّلالِ نَفْسِها ، بِلا قَلْبٍ ولا وَعْيٍ ،
كَائنات حَيَّة مَيْتَة تَتحرَّك على شَكْلِ أشباحٍ . أمَّا أهْلُ المَدينةِ ،
فَيَصْنَعُون مِنَ الألَمِ إرادةً ، وَمِنَ الرُّعْبِ عَزيمةً على المُضِيِّ في
دَفْنِ أحِبَّائِهِم ، رَغْمَ أنَّ كُلَّ قَبْرٍ يَبْدو وكأنَّه دَعْوَةٌ
للدَّمارِ القادمِ .
الهَوَاءُ مُشْبَعٌ بالخَوْفِ ،
والأُفُقُ شَاحِبٌ كأنَّه يَخافُ أنْ يَشْهَدَ مَرَّةً أُخْرَى تِلْكَ المَآسِي .
وفي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الصَّمْتِ النادرِ ، تَشْعُر المَدينةُ كُلُّها أنَّها
تَتحدَّث بِصَوْتٍ واحدٍ ، بِصَوْتِ أُولئكَ الذينَ فَقَدُوا حَيَاتَهُم ،
وأُولئكَ الذينَ دَفَنُوا مَوْتَاهُم ، وَهُمْ يُقَاوِمُون الرصاصَ الغادرَ .
كُلُّ نَظْرَةٍ إلى التِّلالِ ثِقَلًا مِنَ الخَوْفِ ، وكُلُّ خُطْوَةٍ إلى
القُبورِ هِيَ مَعركةٌ صَغيرةٌ ضِد الغَدْرِ والوَهْمِ .
هَكذا تَمْضي الأيامُ في
سَراييفو، بَيْنَ دَفْنِ الأمواتِ وَمُرَاقَبَةِ الرصاصِ ، بَيْنَ الصَّمْتِ
والصَّرْخَةِ، بَيْنَ الألَمِ والحَرارةِ التي تَلتهمُ القلبَ . عَلى تِلْكَ
التِّلالِ ، تَظَلُّ رُوحُ المَدينةِ حَيَّةً ، رَغْمَ كُلِّ الطَّلَقَاتِ ،
رَغْمَ كُلِّ الدُّموعِ ، رَغْمَ كُلِّ مَشْهَدٍ يُذكِّر الإنسانَ بأنَّ المَوْتَ
والحَياةَ يَلْتقيان في لَحْظَةٍ واحدةٍ لا تَعْرِفُ الرَّحمةَ .
كانَ مَلْعَبُ كُرَةِ القَدَمِ
يَوْمًا مَا مَملكةَ الصُّراخِ والضَّحِكِ ، حَيْثُ تَتراقصُ أرواحُ اللاعِبِين
بَيْنَ العُشْبِ الأخضرِ ، وتتقاذفُ الكُرَةَ كَما تتقاذفُ الأحلامَ الصغيرة ،
وَتَختلِط رائحةُ التُّرابِ بالعَرَقِ والشَّغَفِ . المُدَرَّجَاتُ تَمتلئ
بالوُجوهِ المُشرِقة ، وَيَعْلو الصِّيَاحُ والتَّشجيعُ ، وَتَنْبِضُ القُلوبُ
بِخَفْقَةٍ واحدةٍ معَ كُلِّ تَسْديدةٍ ، معَ كُلِّ هَدَفٍ .
الآن ، هُدوءٌ ثقيلٌ
يَكْتَنِفُ المَكانَ . لَمْ يَعُد المَلْعَبُ سِوى صَمْتٍ رَهيبٍ ، صَمْت
يُمَزِّقُ الصَّدْرَ ، صَمْت تَقْطُرُ مِنْهُ رائحةُ المَوْتِ الباردِ.
السُّلُطاتُ المَحَلِّيةُ حَوَّلَت المَلْعَبَ الذي كانَ يَنْبِضُ بالحَياةِ إلى
مَقْبَرَةٍ مَفتوحةٍ ، لاستيعابِ فَيْضِ جُثَثِ البُوسنيين مِنْ مَشْرَحَةِ
المُسْتَشْفَى . كُلُّ زاويةٍ مِنَ الزَّوايا ، وكُلُّ خَطٍّ مِنْ خُطوطِ
المَيدانِ ، أصبحَ شاهدًا على فِقْدَان لا يَرْحَم ، وَحُضُورِ المَوْتِ في أبْهَى
صُوَرِهِ السَّوداء .
الأرضُ التي كانتْ تَحْتَضِنُ
خُطُواتِ اللاعِبِين ، تَحْتَضِنُ الآنَ الأجسادَ الهامدة . العُشْبُ الأخضرُ الذي
كانَ يَلْمَعُ تَحْتَ الشَّمْسِ ، أصبحَ تَحْتَ وَطأةِ الجُثَثِ بَاهِتَ
اللَّوْنِ. الحَياةُ انْسَحَبَتْ مِنَ المَكانِ. المَقَاعِدُ التي كانتْ تَعْلُوها
الوُجوهُ الصافية ، أصبحتْ شَاهِدَةً صامتةً على عُيونٍ فارغةٍ لا تَعْرِفُ
الدُّموعَ . الهَوَاءُ يَثْقُلُ برائحةِ الرُّعْبِ والفَقْدِ ، وَيَهْمِسُ
بِصَوْتٍ لا يَسْمَعُهُ إلا مَنْ يَعْرِفُ مَعْنى الألَمِ الحَقيقيِّ .
تَمُرُّ اللحَظَاتُ بِبُطْءٍ .
الزَّمَنُ تَوَقَّفَ . المَكانُ اسْتَسْلَمَ لِشَبَحِ المَوْتِ . كُلُّ ضِحْكَةٍ
سابقةٍ ، وكُلُّ صِيَاحِ فَرَحٍ ، يَبْدُو الآنَ ذِكْرى بعيدةً ، كَصَفْحَةٍ
مُمَزَّقَةٍ مِنْ كِتابٍ لَمْ يَعُدْ يَقْرَؤُه أحد . وَيَظَلُّ الإنسانُ يَقِفُ
عاجزًا أمامَ هَذا المَشْهَدِ ، وعاجزًا عَنْ فَهْمِ كَيْفَ يُمكِن للمَرَحِ
والحَياةِ أنْ يَتَحَوَّلا فَجْأةً إلى صَمْتٍ وكَآبَةٍ وَحُزْنٍ جامدٍ لا يَزُول
.
في هَذه المَقبرةِ المُؤقَّتة
، تَتقاطعُ قِصَصٌ لا تُروَى ، وأسماءٌ لا تُذكَر ، وَوُجُوهٌ لَمْ تَعُدْ سِوى
طَيْفٍ . الطُّفولةُ التي كانتْ تَلْعَبُ بَيْنَ خُطوطِ المَلْعَبِ لَمْ تَعُدْ
سِوى صَدى صامتٍ . والرُّوحُ التي كانتْ تَتعلَّق بالأملِ ، تَكاد تَنْحني تَحْتَ
وَطأةِ الواقعِ المَريرِ . هُنا ، على هَذا العُشْبِ الذي شَهِدَ حُلْمَ المَلايين
، تَستقر الجُثَثُ كأنَّها تُثْبِتُ أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بعيدًا عَن الحَياةِ ،
وأنَّ الفَقْدَ يُمكِن أنْ يُحَوِّلَ أجْمَلَ الأماكنِ إلى مَأساةٍ صامتةٍ. وكُلَّمَا
مَرَّت الأيَّامُ ازدادَ المَكَانُ ثِقَلًا ، وَازْدَادَ الحُزْنُ عُمْقًا.
المَلْعَبُ ذاكرةٌ مَمْلُوءَةٌ
بالغِيابِ والوَجَعِ . لكنْ حَتَّى في هَذا الصَّمْتِ الثقيلِ ، هُناك صَرْخَةٌ
خَفِيَّةٌ تَرْفُضُ أنْ تُنْسَى ، صَرْخَة تُذكِّر بأنَّ الحياةَ كانتْ هُنا ،
وأنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد حَدَثٍ عابرٍ ، بَلْ مُحَاوَلَة للذاكرةِ
أنْ تَصْمُدَ وَسَطَ الخَرابِ. المَلْعَبُ لَمْ يَعُدْ مَلْعَبًا ، لكنَّه ظَلَّ
شاهدًا على كُلِّ مَا فَقَدْناه ، وكُلِّ ضِحْكَةٍ تَوَقَّفَتْ، وكُلِّ قَلْبٍ
حَطَّمَتْهُ الحقيقةُ الباردةُ .
هُناكَ طَريقتان لِتَصويرِ
الجنائزِ ، الأُولَى على قَدَمَيْكَ ، تَتَقَدَّمُ بَيْنَ الأحياءِ ، وفي عُيونِهم
دَهْشَةٌ قاتمةٌ وَخَوْفٌ كَامِنٌ ، وفي صَمْتِهِم صَدى الكَلِمَاتِ التي لَمْ
تُقَلْ ، والأنفاسِ التي تَكْتُمُ الغَضَبَ والحُزْنَ معًا. تَمْشِي بَيْنَ
الجُموعِ، تَلمِس الأكتافَ العابرةَ، وَتُشَاهِد العُيونَ وَهِيَ تَرتجفُ مِنَ
الخَوْفِ أو الألَمِ ، وَتَرى الجُروحَ الصغيرةَ في وُجوهِ الأطفالِ الذينَ لَمْ
يَعرِفوا مَعْنى السَّلامِ ، وتَسْمَعُ أصواتَ الحَنينِ لِمُستقبَلٍ لَمْ يَكُنْ
لَهُم. على قَدَمَيْكَ، تُصْبحُ الخُطْوَةُ شَهَادَةً ، والحَرَكَةُ العابرةُ هِيَ
حِكَايَةٌ عَن الفِقْدَانِ ، والصَّوْتُ الصامتُ دليلٌ على حُزْنٍ دَفِينٍ يُثْقِلُ
القَلْبَ . الجِنازةُ لَيْسَتْ مُجرَّد مَوْتٍ ، بَلْ مَسِيرة الأحياءِ نَحْوَ
فَهْمِ الفَقْدِ ، مُحَاطِين بِصَمْتٍ مُمِيتٍ ، يَرتجفُ فيهِ كُلُّ حَجَرٍ ،
وكُلُّ شارعٍ .
الطريقةُ الثانية ، على رُكْبَتَيْكَ بَيْنَ
الأمواتِ . هُناكَ حَيْثُ لَمْ تَعُد الكَلِمَاتُ تَصِلُ ، ولا العُيون تَرْقُب ،
ولا الأصوات تَصْمُدُ في مُوَاجَهَةِ الصَّمْتِ . الجَسَدُ يَتحدَّث ، وَيَرْوي
قِصَصَ الألَمِ المَكتومِ ، وَيَنْزِفُ صَمْتًا لا يَنْتهي . الجُثَثُ مُتراكِمةٌ
، بَعْضُها يَمتلئ بِرَوائحِ الحَرْبِ ، والبَعْضُ الآخَرُ يَحتفظُ بِآخِرِ
خَفْقَةٍ للحَياةِ في يَدٍ مَمدودةٍ أو ابتسامةٍ مُتَجَمِّدَةٍ . على رُكْبَتَيْكَ
، تَقْتَرِبُ مِنَ المَوْتِ كما لَوْ كانَ ضَيْفًا عَرَفَكَ مُنْذُ الأزَلِ ،
وَتَسْمَعُ الحِكاياتِ المَيْتَة ، وَتَسْتَوْعِبُ مَا لَمْ يَستطع الأحياءُ
استيعابَه ، الخِيانة والدِّمَاء والذكريات التي تَنكسِر مِثْلَ الزُّجَاجِ تَحْتَ
وَطأةِ الصَّمْتِ . لا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُم إلا في النَّفْسِ الأخيرةِ
التي مَا زِلْتَ تَمْلِكُها لِتَتَنَفَّسَ ، بَيْنَما هُمْ صاروا جُزْءًا مِنَ
الحَرْبِ نَفْسِها ، وَجُزْءًا مِنَ الأرضِ والرُّكامِ والدَّمِ والحِكايات .
في قَلْبِ البُوسنةِ،
تَتَجَسَّدُ الحَقيقةُ المُرَّةُ ، أنَّ الفَقْدَ لَيْسَ مُجرَّد لَحْظَةٍ ، بَلْ
هُوَ رِحْلة مُستمرة، بَيْنَ مَا يُرى وَمَا لا يُرى ، بَيْنَ الأحياءِ والأمواتِ
، بَيْنَ الخُطُواتِ على الأرضِ وَبَيْنَ الرُّكُوعِ على الرُّكام . الجِنازةُ
صَرْخَةٌ مَكتومة ، وشاهدةٌ على اختلاطِ المَوْتِ والحَياةِ ، وأنَّ الحَرْبَ لا
تَتْرُكُ أحَدًا كَما هُوَ ، سَوَاءٌ كانَ يَسِيرُ عَلى قَدَمَيْهِ بَيْنَ
الأحياءِ أَمْ يَركعُ على رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ الأمواتِ .
في هَذا الخِضَمِّ ، تَعرِف
مَعنى أنْ تَلْمِسَ المَوْتَ بأصابعك ، وأنْ تَشْعُرَ بالجُثَثِ الثقيلةِ ، وأنْ
تَرى الأحياءَ يُحاولون الصُّمودَ بَيْنَما يَنهارُ العَالَمُ مِنْ حَوْلِهِم .
كُلُّ جِنازةٍ ، كُلُّ جُثَّةٍ ، كُلُّ دَمْعَةٍ ، هِيَ سِجِلٌّ صامتٌ لِمَعركةٍ
لَمْ تَعُدْ مُجرَّد حَرْبٍ، إنَّها دَرْسٌ قاسٍ في الإنسانيةِ نَفْسِها .
في الطوابيرِ الطويلةِ ،
حَيْثُ يَمْتَدُّ الانتظارُ كَظِلالٍ بِلا نِهايةٍ ، يَقِفُون . وُجُوهُهُم شاحبةٌ
، وَعُيُونُهُم غارقةٌ في بَحْرٍ مِنَ التَّعَبِ والجُوعِ ، وأجسادُهُم
المُنْهَكَةُ تَتمايلُ بَيْنَ الحَياةِ وَالمَوْتِ . كُلُّ خُطْوَةٍ إلى الأمامِ
تُمثِّل مَعركةً صغيرةً، وكُلُّ نَفَسٍ تَذكيرٌ بالحَياةِ التي لَمْ تَعُدْ تَعرِف
الطُّمَأنينةَ . هُناك، بَيْنَ الرُّكامِ والهُتَافاتِ الصامتةِ ، تُحصَد الأرواحُ
بِهُدوء ، كما يُحصَد القَمْحُ في حُقولٍ جَافَّةٍ ، بِلا رَحمةٍ ولا شَفَقَةٍ .
تَسْقُطُ جُثَثُهُم واحدةً
تِلْوَ الأُخْرَى ، لَيْسَ في المَعاركِ المُعْلَنَةِ فَقَط ، بَلْ أيضًا في
انتظارِهم للخُبْزِ والماءِ في هَذا الطابورِ البائسِ الذي كانَ يُفْتَرَضُ أنْ
يَكُونَ مَلاذًا للأملِ . تَنسابُ أجسادُهُم بِلا صَوْتٍ ، والهَواءُ يَكْتَظُّ
بِرَائحةِ الفَقْدِ والخَيْبَةِ ، بَيْنَما يُواصِل الآخَرُون الوُقُوفَ
مُحَاوِلِين تَجَاهُلَ الصَّمْتِ القاتلِ الذي يَلُفُّ المَكانَ . كُلُّ جُثَّةٍ
تَحمِل قِصَّةَ حَياةٍ تَوَقَّفَتْ قَبْلَ أوانِها ، وكُلُّ جَبْهَةٍ مَشدودةٍ
تَحمِل أثقالَ الخَوْفِ والجُوعِ ، وكُلُّ يَدٍ تَمْتَدُّ طلبًا للمَاءِ تَنكسِر
في الصَّمْتِ الباردِ .
في عُيونِ مَنْ بَقِيَ عَلى
قَيْدِ الحَياةِ ، تَختلِط الدُّمُوعُ بالغَضَبِ ، وَيَتشابكُ الأنينُ معَ
صَرَخَاتِ الصَّمْتِ. العَالَمُ يَبْدُو بعيدًا جِدًّا ، كَصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعْهُ
أحد . الزَّمَنُ اختفى مِنْ هَذا المَكانِ تاركًا خَلْفَه أجسادًا تتناثرُ
كالرَّمادِ. ولكنْ في قَلْبِ هَذا الخَرابِ ، تَظَلُّ الأسئلةُ الجارحةُ تَصْرُخُ
: لِمَاذا تُحصَد الأرواحُ في الطوابيرِ كَما تُحصَد السَّنابل ؟ ، لِمَاذا
يَبْقَى المَوْتُ حَاضِرًا بَيْنَما كُلُّ شَيْءٍ آخَر يَنهار ؟ . لِمَاذا تُقَاسُ
الخَسَارَاتُ بالأرقامِ بَيْنَما لا يُقَاسُ الوَجَعُ ؟ ، لِمَاذا تُكسَر الأحلامُ
بِسُهولةِ الزُّجَاجِ ولا يُسمَع صَوْتُ انكسارِها ؟ ، لِمَاذا يَطُولُ لَيْلُ الخَوْفِ
وَيَقْصُرُ عُمْرُ الطُّمَأنينةِ ؟ ، لِمَاذا نَعتادُ الغِيابَ كأنَّه أمْرٌ عابرٌ
؟ ، لِمَاذا تَمْضِي الأيامُ بَطِيئةً حِينَ نَحتاجُها مُسْرِعَةً ؟ ، لِمَاذا
يَبْقَى السُّؤالُ حَيًّا حِينَ تَتْعَبُ الإجاباتُ ؟ ، لِمَاذا تُدفَن الحَقيقةُ
تَحْتَ ضَجِيجِ التَّبريرِ ؟ ، لِمَاذا يَبْدُو الصَّمْتُ أحيانًا أعلى مِنْ كُلِّ
الأصواتِ ؟ ، لِمَاذا يُصْبحُ الإنسانُ رَقْمًا في زِحَامِ الفاجعةِ وَيَضِيعُ
اسْمُهُ في أرشيفِ الضَّحَايا ؟ ، لِمَاذا تَسْقُطُ الأحلامُ وَيَبْقَى الألَمُ
واقفًا كأنَّه لا يَشِيخُ ؟ . لِمَاذا يُصْبحُ المَوْتُ هُوَ الأبجديةَ
المُطْلَقَةَ في العَالَمِ المَنْسِيِّ بَيْنَ احتضارِ الكَلِمَاتِ وَنَزِيفِ
الحُرُوفِ ؟ .
لا شَيْءٌ يُوَاسِي ، ولا شَيْءٌ
يُخَفِّفُ مِنْ وَطأةِ الانتظارِ . الجُوعُ لا يَرْحَمُ ، ولا الانتظارُ ، ولا
الخَوْفُ . وفي كُلِّ زاويةٍ مِنْ هَذا الطابورِ الطويلِ ، هُناكَ شَخْصٌ يُودِّع
الحَياةَ بِصَمْتٍ ، وَيَتْرُكُ وَرَاءَه أثَرًا مِنَ الألَمِ لا يَمْحُوه أيُّ
شَيْءٍ . وَعِندَما تَمُرُّ الأيامُ ، سَتَظَلُّ هَذه الأرواحُ حَيَّةً في ذاكرةِ
المَكانِ، كأنَّها صَرَخَاتٌ صامتةٌ ، وَدُمُوعٌ لا تُمْحَى ، وَجُثَثٌ لا تُنْسَى
، شَاهِدَةً على قَسْوَةِ العَالَمِ ، وَوَحْشِيَّةِ البَشَرِ ، وَضَعْفِنا أمامَ
مَا يَفُوقُ قُدُرَاتِنا عَلى الفَهْمِ .
كانتْ سَراييفو مَدينةً
تَتَنَفَّسُ الحَياةَ في كُلِّ زُقَاقٍ ، حَيْثُ كانت الحَدائقُ تَتناثرُ
كَلَوْحَاتٍ طبيعية على جَنَبَاتِ الشوارعِ ، وتَزدهرُ ألوانُ الوُرودِ في
مَواسمِها ، وَتَهْمِسُ الأشجارُ القديمةُ بِحِكَاياتِ السِّنينِ التي شَهِدَتْ
ضَحِكَاتِ الأطفالِ وَعِنَاقَ الأحبابِ . في تِلْكَ الحَدائقِ ، كانَ الهواءُ
مُشْبَعًا بِرَائحةِ الأرضِ الرَّطْبَةِ بَعْدَ المَطَرِ ، وَنَسَمَاتُ الصَّباحِ
تُنْعِشُ الأرواحَ قَبْلَ العُيونِ . المَدينةُ كانتْ قَلْبًا نابضًا
بالطُّمَأنينةِ والجَمَالِ ، لَكِنَّ الزَّمَنَ لا يَرْحَمُ . ومعَ اندلاعِ
الحَرْبِ ، تَحَوَّلَ كُلُّ هَذا إلى صَمْتٍ قاتلٍ ، وَخُضْرَةٍ ماتتْ قَبْلَ أنْ
تُلَمْلِمَ أوراقَها ، وَحدائق أصبحتْ تِلالًا جَرْدَاء .
نِيرانُ مَدافعِ الصِّرْبِ
لَمْ تَتْرُكْ شيئًا إلا حُطَامَ الجُدْرانِ والذكرياتِ المُمَزَّقَة .
والرَّشَّاشَاتُ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ حَجَرٍ وَزَهْرَةٍ ، بَيْنَ طِفْلٍ
وَحُلْمٍ . صَوْتُ الانفجاراتِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ التِّلالِ ، يَبتلعُ كُلَّ
شَيْءٍ حَيٍّ ، حتى الهواء بَدَا مُلَوَّثًا بِالخَوْفِ والرَّمَادِ ، والمَدينةُ
صَرَخَتْ قَبْلَ أنْ تَختنِق .
كانت الأشجارُ التي تُظلِّل
الشوارعَ تُقْصَفُ حتى تَحترقَ جُذورُها ، وكُرَاتُ اللهبِ تَلتهِم كُلَّ رَمْزٍ
للحَياةِ . الزُّهورُ التي تَتراقصُ معَ النَّسِيمِ أصبحتْ رَمادًا على الأرضِ
القاحلةِ ، والأرضُ التي كانتْ خَضْرَاء تَتَشَقَّقُ تَحْتَ حَرارةِ المَوْتِ .
تِلالٌ جَرْدَاء تَشْهَدُ عَلى عَجْزِ البَشَرِ أمامَ آلَةِ تَدْميرٍ لا تَعْرِفُ
الرَّحمةَ ولا الشَّفَقَةَ .
في كُلِّ زَاويةٍ مِنْ زَوايا
سَراييفو القَديمةِ ، كانَ الحَنينُ يَصْرُخُ بِصَمْتٍ ، يُذكِّر باللحَظَاتِ التي
كانَ فِيها قَلْبُ المَدينةِ نابضًا بالضَّحِكَاتِ التي كانتْ تَملأ الحَدائقَ ،
بالقِصَصِ التي كانتْ تُرْوَى عَلى المَقاعدِ الخَشبيةِ في المَساءِ . اليَوْمَ ،
كُلُّ هَذا صَمْتٌ ، وكُلُّ هَذا غُبارٌ ، وكُلُّ هَذا خَوْفٌ يَطُولُ بِلا نِهايةٍ
. وَرَغْمَ كُلِّ الدَّمَارِ ، يَبْقَى في المَدينةِ أثَرُ الصُّمُودِ ، في قُلوبِ
الناجين ، في وُجوهِ مَنْ لَمْ يُنْسَوْا ، في أمَلٍ خافتٍ يَرْفُضُ أنْ يَمُوت .
سَراييفو لَمْ تَعُدْ كَما
كانتْ ، لكنَّ رُوحَها مَا زالتْ حَيَّةً في الذكرياتِ والحِكاياتِ ، في دُموعِ
مَنْ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ ، في صَدى حَدائقِها القَديمةِ التي لَمْ تَمُتْ
بالكاملِ ، التي تَحْيا في قُلوبِ مَنْ عَرَفُوا الجَمَالَ قَبْلَ أنْ يَتَحَوَّلَ
إلى تِلالٍ جَرْدَاء .
في الليلِ البُوسنيِّ الطويلِ ،
كانت المَدينةُ تَتَنَفَّسُ خَوْفًا. الهَواءُ يَختنقُ بِرَائحةِ الحُزْنِ
والخَرابِ. الجُدْرانُ الصامتةُ مُنْذُ قُرونٍ أصبحتْ شاهدةً على انتهاكٍ لَمْ تَعْرِفْهُ
الإنسانيةُ مِنْ قَبْل . اختيارُ الجُنودِ الصِّرْبِ للنِّسَاءِ البُوسنِيَّاتِ
المُسْلِمَاتِ كَما لَوْ كُنَّ أوراقًا في كِتابٍ سَوْفَ يَقْرَؤُونَهُ بِلا
رَحمةٍ . أعْيُنُهُم تَتجوَّل بِلا قَلْبٍ ، تَبحثُ عَنْ ضَحايا ، والضَّحَايا
لَيْسَ لَهُنَّ مَكانٌ للهربِ ، ولا صَوْتٌ يُسمَع في العَتَمَةِ سِوى صَدى
الدُّموعِ والصَّرَخَاتِ التي تَتفجَّر في الخَفَاءِ .
الاغتصابُ هُناكَ لَيْسَ
مُجرَّد فِعْلٍ وَحْشِيٍّ ، بَلْ هُوَ حَرْبٌ على الجَسَدِ والرُّوحِ معًا ،
وَمُحَاوَلَةٌ لإخضاعِ الإنسانيةِ نَفْسِها ، وَسَلْبِ المَرْأةِ شُعورَ الأمانِ
والكَرامةِ . كُلُّ امرأةٍ ، كُلُّ وَجْهٍ شاحبٍ مِنَ الخَوْفِ ، كانَ عُرْضَةً
للاختيارِ العَشْوائيِّ . حَيَاتُها لُعْبَةٌ في أيدي الغُزاةِ الذينَ فَقَدُوا
كُلَّ إحساسٍ بالرَّحمةِ . الليلُ يَتحوَّل إلى كابوسٍ حَيٍّ ، يَمُرُّ بَيْنَ
البُيُوتِ المَهجورِة ، يَجُرُّ مَعَهُ صَدى الألَمِ الذي لا يَزُول . وَسَطَ هَذا
الظلامِ ، هُناكَ عُيونٌ تَحترقُ بالدُّموعِ ، وَقُلوبٌ تَصْمُدُ رَغْمَ
الصَّدَمَاتِ ، تُحَاوِلُ أنْ تُبْقي شُعلةَ الحَياةِ مُتَوَهِّجَةً دَاخِلَها. كُلُّ
انتهاكٍ ، كُلُّ ألَمٍ ، تَرَكَ جُرْحًا لا يَراه إلا مَنْ عَاشَه ، جُرْحًا في
الذاكرةِ والرُّوحِ . ومعَ ذلك ، في صَمْتِ تِلْكَ العُيونِ ، هُناك قِصَّةُ
صُمودٍ ، صَرْخَةٌ غَيْرُ مَسموعةٍ للعَالَمِ كُلِّهِ تَقُول : (( لَنْ تُمْحَى
كَرَامَتُنَا مِنَ التاريخ )) .
هذه المَأساةُ لَيْسَتْ
مُجرَّد ذِكْرى ، بَلْ هِيَ شَهادةٌ على الوحشيةِ ، والظُّلْمِ الذي يَسْقُطُ على
الأبرياءِ حِينَ تَفْقِدُ الإنسانيةُ عَقْلَها . وَهِيَ أيضًا تَذكيرٌ بأنَّ
الألَمَ لا يَمُوتُ بِسُهولةٍ ، وأنَّ الحقائق القاسية يَجِبُ أنْ تُعْرَفَ ،
لِيَبْقَى في الذاكرةِ دَرْسٌ للبشريةِ . القُوَّةُ الحقيقيةُ لَيْسَتْ في
السِّلاحِ ، بَلْ في قُدرةِ الرُّوحِ على المُقاوَمة ، والاعترافِ بالحقائقِ
مَهْمَا كانتْ صادمةً ، والاحتفاظِ بالكَرامةِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ . في أرضِ
البُوسنةِ ، حَيْثُ كانت الحَياةُ تُزْهِرُ بألوانِها البريئةِ ، جاءَ الظلامُ
مُتَنَكِّرًا في شَكْلِ قُوَّاتٍ مُسَلَّحَةٍ ، لا تَعرِف الرَّحمةَ ، تَزْرَعُ
المَوْتَ والخَرابَ بِلا هَوَادة . مِئاتُ الآلاف مِنَ البُوسنيين المُسلِمين
الأبرياء قُتِلُوا . لَمْ يَكُونوا مُقَاتِلِين ، إنَّهُم مَدَنِيُّون لَمْ
يَعرِفوا سِوى حُلْمِ الأمانِ اليَوْمِيِّ. أرقامٌ تَبْدُو كَصَفَحَاتٍ سَوْدَاء
مِنَ التاريخ ، أسماءُ بَشَرٍ تَحَوَّلَتْ إلى أرقامٍ ، وَسَكَنُوا القُبورَ .
ضَحايا جَرائم بَشِعَة لا يُمكِن تَصديقُها ، وكُلُّ رُوحٍ مِنهُم كانتْ تَحمِل
قِصَّةً وَحُلْمًا وقلبًا نابضًا .
لَمْ تَتَوَقَّف الجَرائمُ عِنْدَ
القَتْلِ . امْتَدَّتْ إلى الانتهاكِ الأشدِّ قَسْوَةً ، حَيْثُ عَشَرَات آلاف
النِّسَاء المُسلِمات تَعَرَّضْنَ للاغتصابِ. سِياسةٌ مَنْهَجِيَّةٌ للغُزاةِ
الصِّرْبِ الصليبيين لِتحَطيمِ الإنسانيةِ، والقَضاءِ عَلى مَعاني الطَّهَارةِ.
كُلُّ رَقْمٍ هُنا لَيْسَ مُجرَّد رَقْمٍ ، بَلْ هُوَ جَسَدٌ مُهْدَر ، وَحُلْمٌ
مَسحوق ، وكَرامةٌ دُمِّرَتْ بِلا شِفَقَةٍ . كُلُّ امرأةٍ كانتْ شاهدةً على
وَحشيةٍ لا يُمكِن تَصَوُّرُها ، عَلى أيْدٍ نَجِسَةٍ لا تَعْرِف الرَّحمةَ ، عَلى
صَمْتِ العَالَمِ الذي لَمْ يَكُنْ يَكْفي لِوَقْفِ هَذا الجُنونِ . الأرضُ
نَفْسُها صَمَتَتْ ، لكنَّها لا تَنْسَى . جَرائم خالدةٌ في التُّرابِ ، وأنهارُ
الدَّمِ تَسِيلُ بِلا تَوَقُّفٍ في ذاكرةِ الأشجارِ التي شاهدتْ صَرَخَاتِ
الأبرياءِ . كُلُّ جِدَارٍ ، وكُلُّ شارعٍ ، وكُلُّ رُكْنٍ في المُدُنِ
البُوسنِيَّةِ ، يَحْكي حِكايةً عَن الألَمِ والرُّعْبِ وَقَسْوَةِ بَشَرٍ اختاروا
أنْ يَسْحَقُوا الآخَرين بِلا سَبَبٍ سِوى القُوَّةِ .
في هَذه الحَرْبِ ، لَمْ
يَكُنْ هُناكَ مَكَانٌ للأمَانِ . لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَلاذٌ . لَمْ يَكُنْ هُناكَ
مَهْرَبٌ مِنَ الإجرامِ.الأعدادُ هُنا لَيْسَتْ مُجرَّد إحصائيات، بَلْ هِيَ
وُجوهٌ وأسماءٌ ودُموعٌ وَصَرَخَاتٌ مَكتومة. كُلُّ رَقْمٍ يَرْوي مَأساةً لا
تُنْسَى، كُلُّ رَقْمٍ يَحْمِلُ صَدى صَمْتِ العَالَمِ أمامَ فَظَاعَةٍ
بَشَرِيَّةٍ تَكَادُ لا تُصَدِّق .
هَذا التاريخُ الأسْوَدُ ، رَغْمَ مُحَاوَلَةِ
نِسْيَانِه ، يُصِرُّ على أنْ يُذكَر ، لَيْسَ فَقَط لأجلِ العَدالةِ ، بَلْ أيضًا
لِكَيْ يَعْرِفَ كُلُّ مَنْ يأتي أنَّ الإنسانية يُمكِن أنْ تُهْدَرَ في لَحْظَةٍ
، وأنَّ الظُّلْمَ أحيانًا يَتَجَسَّدُ في أعدادٍ ضَخْمَةٍ ، وأيْدِي بَشَرٍ لا
يَعرِفون الرَّحمةَ ، وأرواحٍ أُزْهِقَتْ قَبْلَ أوانِها .
في صَمْتِ المَقابرِ
الجَمَاعِيَّةِ ، حَيْثُ تَنامُ العِظَامُ تَحْتَ التُّرابِ المُلَوَّثِ بالدَّمِ
والدُّموعِ ، تَقِفُ فِرَقُ البَحْثِ عَن الحِمْضِ النَّوَوِيِّ كَجُنودٍ بِلا
سِلاحٍ سِوى الحقيقةِ . يَرفَعون رُؤوسَهم ، وَيَقْتَربون مِنَ الأرضِ بِحَذَرٍ .
كُلُّ حَبَّةِ تُرابٍ تَحْمِلُ صَرْخةً مِنَ الماضي ، وَنِدَاءً مِنْ أرواحٍ لَمْ
تَعْرِف العَدالةَ . العِظَامُ المَنثورةُ ، والرَّمَادُ المُتَبَقِّي هُوَ
شَهادةٌ صامتةٌ على وَحْشِيَّةِ الصِّرْبِ التي لا تُوصَف ، وَقَسْوَةٍ ارتكبها
مَنْ فَقَدُوا إنسانيتهم ، وَاعْتَقَدُوا أنَّ الإبادةَ هِيَ الحَلُّ
لِمُفَارَقَةِ العِرْقِ والدِّينِ .
يَجِدُون بَيْنَ التُّرابِ
المُكَدَّسِ، بَيْنَ الأحجارِ المُتساقطة، جُثَثًا لأطفالٍ لَمْ يَتجاوزوا سِنَّ
البَراءةِ، وَنِسَاءٍ كانَ في عُيونهن حُلْمُ الحياةِ قَبْلَ أن تَحترقَ بِوَحشيةِ
الغُزاةِ ، وَشُيوخٍ على أكتافهم تاريخٌ لَمْ يَحْمِهِم مِنْ جَحيمِ البَشَرِ . بَقَايا
الجُثَثِ تَحمِل قِصَّةَ مَوْتٍ مُخِيفٍ وَفِقْدَانٍ لا يُمكِن التَّعبيرُ عَنْهُ
بالكَلِمَاتِ ، وحِكايةَ صَمْتٍ دَامَ طَويلًا ، حتى جاءَ أُولئكَ الذينَ يَملِكون
أدَوَاتِ العِلْمِ لِيَمْنحوا هَذه العِظَامِ صَوْتًا لِيُخْبِرُوا العَالَمَ بِما
لَمْ يُرَ أوْ يُسْمَع .
قُوَّاتُ الصِّرْبِ
المُتَوَحِّشَة ، في تِلْكَ الحَرْبِ القاسيةِ ، لَمْ يَعرِفوا الشَّفَقَةَ .
جُثَثُ المَدَنيين أرقامٌ في مُخَطَّطاتهم الشِّرِّيرة . المَقابرُ الجَمَاعِيَّةُ
هِيَ مَسَاحَاتٌ لِتَأكيدِ الهَيمنةِ والإرهابِ الصَّليبي . ارتكابُهُم الإبادة
الجَمَاعِيَّة لَمْ يَكُنْ عَشْوائيًّا ، كانَ مَنْهَجِيًّا وَمَدروسًا وَرَمزيًا
في وَحْشيته . لكنَّ فِرَقَ البَحْثِ عَن الحِمْضِ النَّوَوِيِّ ، بِهُدوئهم
وَصَبْرِهم وَصَرَخَاتِهم الخَفِيَّة ، يَرفُضون أنْ تَظَلَّ هَذه الوَحْشِيَّةُ
بِدُون شُهودٍ . كُلُّ تَحليلٍ ، كُلُّ تَطَابُقٍ ، كُلُّ خَيْطٍ مِنَ الحِمْضِ
النَّوَوِيِّ ، يُعِيدُ للضَّحَايا هُوِيَّةً ، وَيُعِيدُ لَهُمُ الحَياةَ في
ذاكرةِ مَنْ بَقِيَ عَلى قَيْدِها ، وَيَضَعُ حَدًّا للظُّلْمِ الصامتِ العميق .
إنَّهُم يَحمِلون مَشَاهِدَ
الرُّعْبِ على أكتافِهم ، لكنَّهم لا يَركَعون أمامَها . في كُلِّ عَظْمٍ يُرفَع ،
في كُلِّ جُثَّةٍ تُنقَل بِعِنايةٍ ، يُكتَب فَصْلٌ مِنَ العَدالةِ ، ويُذكِّر
العَالَمَ بأنَّ الإنسانَ ، مَهْما حاولَ أنْ يَكُونَ وَحْشًا ، لَنْ يَستطيعَ
مَحْوَ الحقيقة . في مُواجَهةِ وَحشيةِ قُوَّاتِ الصِّرْبِ ، يَجِدُ أُولئكَ
العُلَمَاءُ الباحثون عَن الحِمْضِ النَّوَوِيِّ في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ التي
تَضُمُّ جُثَثِ البُوسنيين المُسلِمين الأبرياءِ قُوَّتَهُم في الصَّبْرِ، والإصرارِ
على كَشْفِ الظلامِ ، والوَفاءِ الصامتِ لأرواحٍ مَا زالتْ تَنتظرُ الاعترافَ بِها
، والعَدالةَ لها .
كُلُّ يَوْمٍ يَقْضُونَه
بَيْنَ الحَفْرِ والتَّنْقيبِ ، بَيْنَ التَّحاليلِ المُخْتَبَرِيَّةِ
والمُطَابَقَةِ الجِينيةِ ، هُوَ شَهادةٌ على أنَّ الذاكرةَ لا تَمُوت ، وأنَّ
الإنسانيةَ رَغْمَ كُلِّ الرُّعْبِ تَستطيعُ أنْ تَنْهَضَ مِنْ تَحْتِ الأنقاضِ .
وَبَيْنَ الحُزْنِ والغَضَبِ واليأسِ، يُولَد الأمَلُ ، أمَلٌ في أنْ يَعْرِفَ
العَالَمُ ، أمَلٌ في أنْ تُحْكَى الحقيقةُ، أمَلٌ في أنْ تُضِيءَ العَدالةُ
طَريقًا لأُولئكَ الذي قَتَلَهُم الصِّرْبُ ظُلْمًا وَبِدُون رَحْمَةٍ .
في زوايا المُدُنِ
البُوسنِيَّة، حَيْثُ كانَ الصَّمْتُ قَبْلَ الحَرْبِ يَحمِل وُعودَ الحَياةِ،
حَلَّت القذائفُ كالطُّوفان ، مَزَّقَت الجُسورَ وكأنَّها خُيوطُ الزَّمَنِ التي تُوصِل
بَيْنَ قَلْبٍ وَقَلْبٍ ، بَيْنَ ذِكْرى وأمَلٍ . كُلُّ جِسْرٍ أصبحَ شاهدًا
صامتًا على الألَمِ والفَقْدِ وقَسْوَةِ الحَرْبِ التي لا تَعرِف الشَّفَقَةَ .
لَمْ تَعُد الأنهارُ تَجْري بِحُرِّية ، غَطَّاها رُكَامُ الجُسورِ المُدمَّرة ،
وكأنَّها تَعكِس حالَ النُّفُوسِ ، مَجروحة ، مُتَصَدِّعَة، تَبحثُ عَنْ مُنقِذٍ
لَمْ يَأتِ بَعْد .
الحِيطانُ التي كانتْ تَحمِل
رسائلَ الحُبِّ والضَّحِكِ ، تَحَوَّلَتْ إلى صَفَحَاتٍ سَوْداء مِنَ الرَّصَاصِ ،
تُعلِن حُضورَ المَوْتِ في كُلِّ زاويةٍ . الرَّصَاصُ نَقَشَ على خَشَبِ الأشجارِ
قِصَصَ الأطفالِ الذينَ لَمْ يُكْمِلُوا أحلامَهم ، وَدُمُوعَ الأُمَّهاتِ اللواتي
كُنَّ يَنْتَظِرْنَ عَوْدَةَ أبنائهن ، وأحلامَ الأزواجِ الذينَ فَرَّقَتْهُم
شظايا الحَرْبِ قَبْلَ أنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُم الحَياةُ. كُلُّ ثَقْبٍ في
الجِدارِ ، كُلُّ تَشَقُّقٍ في الطُّوبِ ، بِمَثَابةِ نَعْيٍ صامتٍ ، وَصَرْخَةٍ
مَكتومة للمَدينةِ التي لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ نَفْسَها .
الشوارعُ أصبحتْ مَسْرَحًا
لِحَوَاجِز عَسْكرية ، لا تَعرِف سِوى لُغَةِ الخَوْفِ والتَّرَقُّبِ .
الطُّرُقَاتُ التي كانتْ تَحْضُنُ خُطُواتِ الناسِ العابِرِين ، صارتْ أسوارًا
مِنَ الحَديدِ والخَوْفِ والمَوْتِ المُحْتَمَلِ عِنْدَ كُلِّ مُنْعَطَفٍ .
الحَوَاجزُ والأسلحةُ والصُّلْبَانُ المَعْدِنِيَّةُ والأناجيلُ الدَّمَوِيَّةُ ،
تُذكِّر بأنَّ الحُرِّية هُنا أصبحتْ سِلْعَةً نادرةً ، والطُّمَأنينة لَمْ تَعُدْ
سِوى ذِكْرى قَديمةٍ تتطايرُ معَ غُبارِ المَعاركِ .
في قَلْبِ هَذا الخَرابِ
الرَّهيبِ، مَا زالَ هُناكَ شَيْءٌ باقٍ ، شَيْءٌ لا تَستطيعُ القذائفُ أنْ تَمحو
أثَرَه : صُمُود الرُّوح ، بَيْنَ الرُّكَامِ ، بَيْنَ الحَواجز ، بَيْنَ
الجُدْرانِ المثقوبة ، يَنبعثُ صَوْتُ الحياةِ مِنْ جَديدٍ ، كَزَهْرَةٍ تَنْبُتُ
بَيْنَ شظايا الخَرابِ ، كَقَلْبٍ يَنْبِضُ رَغْمَ كُلِّ الألَمِ ، كَصَرْخَةٍ
صغيرةٍ تَقُولُ إنَّ الأمَلَ لا يَمُوتُ حتى وإنْ غابَ العَالَمُ .
الحَرْبُ لا تَتْرُكُ سِوى
أثَرِها ، لكنَّها لَمْ تَتمكَّن مِنْ قَتْلِ الحَنين ، وَلَمْ تَمْنَع البَشَرَ
مِنْ أنْ يُحِبُّوا مِنْ جَديد، أوْ أنْ يَحْلُمُوا، وَلَوْ بِخَجَلٍ ، بأنَّ
يَوْمًا مَا سَتَنْهَضُ الجُسُورُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَتَغْدو الحِيطانُ مَساحاتٍ
للضَّحِكِ والرسائل ، وَتَعُود الشوارعُ شرايين للحَياةِ ، لا للحَواجزِ والخَوْفِ
.
في قَلْبِ سَراييفو المُحَاصَرَةِ
، حَيْثُ تُعَانِقُ المَدينةُ الخَرابَ ، لَمْ تَسْلَم المُسْتَشْفَيَاتُ مِنْ
وَطأةِ القَصْفِ المُتَوَاصِلِ لِقُوَّاتِ الصِّرْبِ . الجُدْرانُ المُتَصَدِّعَةُ
تَشْهَدُ على الألَمِ والدِّمَاءِ . أطِبَّاء يُسَابِقُون الزَّمَنَ الجَامِحَ،
يُحاولون إنقاذَ مَنْ تَبَقَّى مِنَ الجَرْحَى . الغُرَفُ المُظْلِمَةُ تَشْهَدُ
مَعارك رَهيبة، مَعارك بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ ، حَيْثُ يَضْطَرُّ الجَرَّاحُون
لِرَفْعِ الشُّموعِ فَوْقَ الطاولاتِ لِتَتَسَاقَطَ أشِعَّتُهَا الخافتةُ على
الجُروحِ المَفتوحة . يَعْمَلُون تَحْتَ ضَوْءَ الشُّموعِ ، تُحْرِقُ أعْيُنَهم ،
وَتَرْسُمُ على وُجوههم مَلامحَ التَّعَبِ الذي لا يَعرِف حُدودًا، بَيْنَما
تَصْطَفُّ أدَوَاتُهُم بجانبِ الدِّماءِ على الطاولاتِ. المِشْرَطُ رَمْزُ
البُطولةِ الصامتةِ التي لا يَرَاها أحد . وفي أحيانٍ كثيرة ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ
بَدِيلٌ سِوى النوافذِ، حَيْثُ يَقِفُون بالقُرْبِ مِنها لِيَستغلوا نُورَ النهارِ
الهزيلَ . شُعاعُ الشمسِ يُصبحُ حَياةً مُؤقَّتة للجَرْحَى ، وكُلُّ ظِلٍّ قَاتِمٍ
يُذكِّرُهم بأنَّ الحَرْبَ لَمْ تَتْرُكْ شيئًا إلا الدَّمَار .
يُجْرِي الأطِبَّاءُ عَمَلِيَّاتِ
البَتْرِ بِقُلوبٍ مُثْقَلَة ، يَدٌ واحدة تُمسِك المِشْرَطَ ، وأُخْرَى تَرتجفُ
مِنَ الغَضَبِ والعَجْزِ والحُزْنِ . كُلُّ إصابةٍ هِيَ صَرْخَةٌ صامتة ، وكُلُّ
فِقْدَانِ عُضْوٍ هُوَ شَهادةٌ على قَسْوَةِ الواقعِ. في تِلْكَ اللحَظَاتِ ،
يُصْبحُ المُسْتَشْفَى كُلُّهُ جَسَدًا واحدًا مِنَ الألَمِ ، مِنَ الرُّوحِ التي
تُحَاوِلُ الصُّمُودَ في وَجْهِ العُنْفِ المُطْلَقِ . أصواتُ القذائفِ
تَتَخَلَّلُ كُلَّ غُرفةٍ، تَتسلَّل إلى أُذُنِ الطبيبِ كَما تَتسلَّل إلى
الجَرْحَى ، لكنَّهم لا يَملِكون الوَقْتَ للخَوْفِ أوْ الحُزْنِ . الوَقْتُ
للعَمَلِ والبَقَاءِ .
رَغْمَ كُلِّ ذلك، كانتْ
هُناكَ لَحَظَاتٌ قصيرةٌ مِنَ الإنسانيةِ النَّقِيَّةِ ، ابتسامة طِفْلَةٍ
فَقَدَتْ سَاقَها، لَمْعَة أمَلٍ في عُيونِ شابٍّ نَجَا ، يَدٌ تَلمِس الجَرَّاحَ
في شُكْرٍ صامتٍ . هؤلاء الأطِبَّاءُ الذين كانوا يُجْرُونَ العَمَلِيَّاتِ على
ضَوْءِ الشُّموعِ أوْ قُرْبَ النوافذِ ، أشبَه بالنُّجُومِ في ظَلامِ الليلِ
الدامسِ ، يُنيرون مَا حَوْلَهم بِصَبْرٍ لا يَنكسِر، وَبِشَجاعةٍ لا تَعرِف
حُدودًا. في تِلْكَ المُسْتَشْفَيَاتِ المُدَمَّرَةِ، كانَ كُلُّ يَوْمٍ مَعركةً
صغيرةً ، وكُلُّ حَياةٍ تُنْقَذ هِيَ انتصارٌ على القَصْفِ واليأسِ والظلامِ الذي
يَلتهمُ المَدينةَ.وفي كُلِّ عمليةِ بَتْرٍ، هُناكَ دَرْسٌ صامتٌ.الحَياةُ مَهْما
اقتربَ المَوْتِ مِنها،تَرْفُضُ أنْ تَسْقُطَ ، والإيمانُ بالبَقَاءِ والإصرارُ
على النَّجَاةِ قَدْ يَكُونان أقوى مِنْ أزيزِ الرَّصَاصِ وَصُرَاخِ قذائفِ
المِدْفَعِيَّة.
عَلى أسْطُحِ العِمَارَاتِ،
وَعَلى قِمَمِ الجِبَالِ ، كانتْ عُيونُ القَنَّاصَةِ الصِّرْبِ لا تَنَام .
المَناظيرُ تَثْقُبُ جَسَدَ الصَّمْتِ ، تُراقِب كُلَّ خُطْوَةٍ ، وكُلَّ حَرَكَةٍ
، وكُلَّ ابتسامةٍ عابرةٍ في الشارع . لَمْ تَكُنْ هَذه مُرَاقَبَةً عابرةً ، بَلْ
لُعْبَة دَقيقة ، تُمارسها أيْدٍ باردةٍ على أرواحٍ لَمْ تَطْلُبْ شيئًا سِوى
الحَياةِ . الأطفالُ يَركُضُون في الأزِقَّةِ ، يَلْعَبُون الكُرَةَ ، يَضْحَكون ،
وَتَمُرُّ النِّساءُ على الأرصفةِ ، يَحْمِلْنَ أكياسَ الخُضَارِ الفارغة ،
يَنْظُرْنَ إلى السَّماءِ كَما يَفْعَلُ الجَميعُ، دُونَ أنْ يُدْرِكْنَ أنَّ
هُناكَ مَنْ يَرى ضِحْكَتَهُنَّ بِعَيْنِ الخَطَرِ ، مَنْ يُحَوِّل حَيَاتَهُنَّ
اليَوْمِيَّةَ إلى هَدَفٍ ثابتٍ خَلْفَ مِنْظَارٍ .
القَنَّاصَةُ الصِّرْبُ لَمْ
يَكُنْ لَدَيْهِم اسْتِعْجَال . كُلُّ شَيْءٍ جُزْءٌ مِنَ التَّسَلْسُلِ
المَنْهَجِيِّ للقَتْلِ . كُلُّ رَصَاصَةٍ مَحسوبةٌ كَفَصْلٍ مِنْ كِتابٍ مَملوء
بالبارود . أصابعُهم تَستقرُّ على الزِّنادِ وكأنَّها على أزرارِ لُعْبَةٍ .
والأنفاسُ المُطْمَئِنَّةُ للمَارَّةِ تَحْتَ مَرْمَاهُم تَتحوَّل إلى لَحَظَاتٍ
مَشحونة بالخَطَر ، لكنَّهم لا يَعرِفون ، لا يُمكِنهم أنْ يَعرِفوا ، ولا يَجِبُ
أنْ يَعرِفوا .
المَدينةُ تَتحرَّك في
صَمْتِها الشَّرِسِ . الشوارعُ تَشْهَدُ عَلى حَياةٍ تَتصارعُ معَ الخَوْفِ ،
وَقِمَمُ الجِبَالِ تَعْكِسُ الظِّلالَ الطويلةَ لأبراجِ المُرَاقَبَةِ عَلى
الأرصفةِ . الرَّصَاصُ يَحْصُدُ البَرَاءَةَ ، وَيُهَشِّمُ تفاصيلَ الحَياةِ
اليَوْمِيَّةِ كأنَّها مُجَسَّمَاتٌ صغيرةٌ تُوضَع على طاولةِ اللعبِ . لَمْ
يَكُنْ الدَّمُ مُجَرَّد لَوْنٍ ، بَلْ هُوَ سِجِلٌّ على الزُّجاجِ والجُدرانِ
وأعْيُنِ مَنْ كانوا يُشاهِدون بِلا حَرَاكٍ ، مُحَاصَرِين بَيْنَ جُدْرانِ المَدينةِ
وَمَناظيرِ القَنَّاصَةِ، مَحكومٌ عَلَيْهِم بأنْ يَكُونوا شُهودًا صَامِتِين عَلى
وَحْشِيَّةٍ صَليبية حاقدة .
في كُلِّ لَحْظَةِ مُرَاقَبَةٍ، كانَ
القَنَّاصُ يَشْعُرُ بالقُدرةِ المُطْلَقَةِ ، بانتصارِ اللامَعْنى ،
بِكَيْفِيَّةِ تَحويلِ ضَحِكَاتِ الأطفالِ إلى صَدى سَحيقٍ ، وَتَحويلِ خُطُواتِ
النِّسَاءِ إلى نَبَضَاتٍ مُتَوَقِّفَة قَبْلَ أوانِها . كُلُّ شَيْءٍ يَسِيرُ
وَفْقَ نِظامٍ لا يَرْحَمُ . لُعْبَةٌ تَتجاوزُ الحُدودَ الإنسانية . لُعْبَةٌ
تَفتقدُ إلى أيِّ رَصِيدٍ مِنَ الرَّحمةِ أو التَّعَاطُفِ . لُعْبَةٌ تَجْعَلُ
مِنَ الوُجوهِ الحَيَّةِ مُجرَّد أهدافٍ تَتعاقبُ في مِنظارِ البَصَرِ الباردِ .
لُعْبَةٌ يَختلِطُ فيها الخَوْفُ بالدَّهْشَةِ ، والحَيَاةُ بالمَوْتِ ، قَبْلَ
أنْ تُدْرِكَ نَفْسَها .
كُلُّ زاويةٍ مِنَ المَدينةِ
شَاهِدَةٌ ، وكُلُّ نافذةٍ مَحَطُّ نَظَرٍ ، وكُلُّ ضِحْكَةِ طِفْلَةٍ تَتَحَوَّلُ
إلى شَظِيَّةٍ في ذاكرةِ المَكانِ ، وكُلُّ امرأةٍ تَعْبَرُ الشارعَ تُصْبحُ
خَريطةَ ألَمٍ مُحْتَمَلَة ، وكُلُّ لَحْظَةِ فَرَحٍ عابرةٍ تُصْبحُ وَسيلةً
لِتَوثيقِ الوَحشيةِ على شَكْلِ مَشْهَدٍ ثابتٍ خَلْفَ العَدَسَةِ الباردةِ
للمِنْظَارِ . وهَكذا ، وَسَطَ الجِبَالِ والقِمَمِ ، وفي صَمْتِ العِمَاراتِ
العالية ، اسْتَمَرَّت اللعبةُ ، لُعْبَةٌ لا يَرْبَحُ فيها إلا القاتلُ ،
والمَدينةُ كُلُّها تَشْهَدُ على أنَّ الحَياةَ يُمكِن أنْ تَتحوَّل فَجْأةً إلى
خَشَبَةٍ في مَسْرَحِ الرَّصَاصِ ، والبَرَاءَة إلى هَدَفٍ ، والوُجود إلى فَراغٍ
.
109
في 25 آب / أَغُسْطُس 1992 ،
قامَ الغُزاةُ الصِّرْبُ المُتَوَحِّشُون بِقَصْفِ مَبنى المَكتبةِ الوَطنيةِ في
سَراييفو بالقذائفِ الحارقة ، وَمَنَعُوا المِياهَ مِنَ الوُصولِ إلى المَكتبة .
أدَّى القَصْفُ إلى اندلاعِ حَريقٍ هائل دَمَّرَ المَبنى التاريخيَّ ، وأتلَفَ مَا
يُقَدَّرُ بِمَلْيُونَي كِتاب ووثيقة ومَخطوطة نادرة لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ ، مِنْ
بَيْنِها أرشيفات تَعُود لِقُرون . لَمْ يَكُن الهُجومُ ذا قِيمةٍ عَسْكريةٍ ، بَل
اعْتُبِرَ إبادةً ثقافيةً، وَفِعْلًا رمزيًّا استهدفَ الهُوِيَّةَ التاريخية
للبُوسنةِ ، وَمُحَاوَلَةً لإلغاءِ تاريخِ المُسلِمِين وَحَضَارَتِهِم.
أرادَ الصِّرْبُ الصَّليبيون
شَطْبَ الثقافةِ الإسلاميةِ التي يَعُود إلَيْهَا الفَضْلُ في مَا وَصَلَ إلَيْهِ
المُنْتَجُ الحَضَاريُّ الأُوروبيُّ . وَعَصْرُ النَّهْضَةِ الأُوروبيُّ هُوَ
الابْنُ الشَّرْعِيُّ لِتَزَاوُجِ الثقافةِ الإسلاميةِ بالثقافةِ الأُوروبية .
لَقَدْ تَنَكَّرَتْ أُوروبا لِمَوْروثها الثقافيِّ الإسلاميِّ ، وَطَارَدَتْهُ في
حَمَلاتِ إبادةٍ عِرْقِيَّةٍ فَظيعةٍ، لِتُحَوِّلَ مَدينةً بِسَمَاحَةِ سَراييفو
وَجَمَالِها إلى مَجْزرةٍ مَفتوحةٍ على الهَواءِ الطَّلْقِ ، تَمتلئ بالجُثَثِ المُتَحَلِّلَةِ
، والسَّيَّاراتِ المُتَفَحِّمَةِ ، وَرُكَامِ المَبَاني المُرْعِبِ .
في سَراييفو ، حِينَ اشتعلتْ
سَماءُ الليلِ بِلَوْنِ الوَرَقِ المُحترِقِ ، لَمْ تَكُن النِّيرانُ تأكلُ
حِجَارَةَ مَبْنى ، بَلْ كانتْ تَلتهِمُ ذاكرةَ أُمَّةٍ كاملة . كانت المَكتبةُ
الوطنيةُ تَقِفُ على ضَفَّةِ النَّهْرِ مِثْلَ قَلْبٍ مَفتوحٍ ، تَجْمَعُ في
رُفوفِها لُغَاتٍ وَلَهَجَاتٍ وَتَواريخ وحَضَاراتٍ وَمَخطوطاتٍ كُتِبَتْ بِعَرَقِ
القُرونِ . وَحِينَ انهمرَ القَصْفُ ، لَمْ يَكُن الهدفُ مُجرَّد صَمْتٍ ثقافيٍّ ،
كانَ الهدفُ أنْ يُمحَى الصَّوْتُ ، أنْ تُكْسَرَ السِّلْسِلَةُ التي تَصِلُ الحاضرَ
بالماضي . رأى الناسُ الحُروفَ تتطايرُ كَطُيورٍ مَذعورةٍ ، وَرَأَوُا الرَّمَادَ
يَسْقُطُ مِثْلَ ثَلْجٍ أسْوَد ، وَسَمِعُوا صَرِيرَ الصَّفَحَاتِ وَهِيَ تَستغيثُ
بِلا صَوْتٍ .
وفي غَرْناطة ، بَعْدَ سُقوطِ
الأنْدَلُسِ ، تَكَرَّرَت الحِكايةُ بِلُغَةٍ أُخْرَى ، وفي زَمَنٍ آخَر . لَمْ
يَكُن الحَريقُ حَدَثًا عابرًا في ساحةٍ مَنْسِيَّة ، بَلْ كانَ قَرارًا بِقَطْعِ
الجُذورِ . مَكتباتٌ تَراكمتْ فِيها عُلومُ الطِّبِّ والفَلَك والفَلْسَفَة
والشِّعْر ، ومَخطوطاتٌ نُسِخَتْ بِعِنايةٍ ، وَشُروحٌ كُتِبَتْ عَلى الهَوَامِشِ
لِتَصحيحِ فِكْرَةٍ أوْ تَوسيعِ مَعْنى ، أُلْقِيَ بِها في مَحرقةٍ واحدةٍ .
هُناكَ ، تَحَوَّلَت المَعرفةُ إلى دُخَانٍ ، وَتَحَوَّلَ الحِبْرُ إلى سَوَادٍ
يَعْلُو السَّمَاءَ ، وكأنَّ المَدينة تُجرَّد مِنْ عَقْلِها قَبْلَ أنْ تُجرَّد
مِنْ أسوارِها .
بَيْنَ سَراييفو وَغَرْناطة
مَسافةُ قُرونٍ ، لكنَّ النارَ تَعرِف الطريقَ نَفْسَه . في المَكَانَيْن ، لَمْ
تُحرَق الكُتُبُ لأنَّها أوراق، بَلْ لأنَّها شَهَادات، لأنَّها تَقُول: (( كُنَّا
هُنا، وَفَكَّرْنا، وَاخْتَلَفْنَا ، وَتَرَكْنَا أثَرًا )).
النارُ رِسالةٌ سِياسية
بِقَدْرِ مَا كانتْ جَريمةً ثقافية ، حِينَ تَعْجِزُ القُوَّةُ عَنْ مُجَابَهَةِ
الفِكْرَةِ ، تُحَاوِلُ إحراقَها . وَحِينَ يُخشَى التاريخ ، يُلقَى في اللهبِ .
في سَراييفو، كانت القذائفُ
تَختارُ المَبنى الذي يَضُمُّ ذاكرةَ التَّعَايُشِ، ذاكرةَ المَدينةِ المُتعددة،
وكأنَّ الحريقَ يُعلِن أنَّ التَّعَدُّدَ خَطَرٌ . وفي غَرْناطة ، كانَ الحَريقُ
يُعلِن نِهايةَ عَصْرٍ بِأكْمَلِه ، وَمَحْوَ لُغَةٍ مِنَ المَجالِ العام ،
وَتَدْجِينَ الذاكرةِ لِتُصْبحَ رِوايةً واحدةً . التفاصيلُ تَختلفُ ، لكنَّ
النتيجةَ واحدةٌ ، صَمْتٌ ثقيلٌ بَعْدَ صَخَبٍ طويل .
الذينَ حَاوَلُوا إنقاذَ
الكُتُبِ في سَراييفو ، وَهُمْ يَركُضون تَحْتَ القَصْفِ ، يُشْبِهُون أُولئكَ
الذينَ خَبَّؤُوا مَخطوطاتِ غَرْناطة في الجُدْرانِ والسَّرَاديبِ . كُلُّهُمْ
أدْرَكُوا أنَّ الكِتابَ لَيْسَ شيئًا يُقْتَنَى للزِّينةِ ، بَلْ هُوَ كائنٌ حَيٌّ
تَجِبُ حِمَايَتُه . الصَّفْحَةُ لَيْسَتْ سَطْحًا أبْيَض ، بَلْ مِرْآة لِوُجوهٍ
غابتْ ، واحتراقُها لَيْسَ مُجرَّد خَسارةٍ مادية ، بَلْ هُوَ بَتْرٌ للذاكرةِ ،
وَطَمْسٌ للتاريخِ ، وَتَدميرٌ للحَضارةِ .
وِحِينَ نَنظرُ إلى الرَّمادِ
في المَكَانَيْن ، نَفْهَمُ أنَّ النارَ لا تُنْهِي الفِكرةَ تَمَامًا . بَعْضُ
الكَلِمَاتِ تَنْجو في الصُّدورِ ، وَبَعْضُ العَنَاوين تَعْبُرُ الأزمنةَ
شَفَهِيًّا ، وَبَعْضُ الأسئلةِ تَظَلُّ مُعَلَّقَةً تَبْحَثُ عَنْ قارئٍ . لكنَّ
الخَسَارَةَ تَبقى فادحةً ، لأنَّ مَا احْتَرَقَ لَمْ يَكُنْ مُجرَّد مُحْتوى ،
بَلْ هُوَ سِيَاقٌ كاملٌ .
سَراييفو وَغَرْناطة مِرْآتان
مُتقابِلتان . سَراييفو شَهِدَت العَصْرَ الذي يَزْعُمُ التَّحَضُّرَ
والمَدَنِيَّةَ وَهُوَ يُعِيدُ ارتكابَ الخَطيئةِ القديمةِ نَفْسِها . وَغَرْناطة
شَهِدَتْ بِدَايَةَ جُرْحٍ طَويلٍ في ذاكرةِ المُتَوَسِّطِ . في المَدِينَتَيْن ،
وَقَفَ الإنسانُ عاجزًا أمامَ نارٍ اختارتْ أنْ تُحْرِقَ العَقْلَ قَبْلَ الجَسَدِ
. بَقِيَت الأسئلةُ تَتردَّد بَيْنَ الأنقاضِ : لِمَاذا تَخافُ السُّلطةُ مِنْ
كِتَابٍ ؟ ، لِمَاذا تُعَامَلُ الذاكرةُ كَعَدُوٍّ ؟ ، لِمَاذا تَحْتَجِبُ
الحُرِّيةُ خَلْفَ جُدْرانِ الخَوْفِ ؟ ، لِمَاذا تَبْكي الذكرياتُ حِينَ
نُحَاوِلُ نِسْيَانَها ؟ ، لِمَاذا يَخْشَى الإنسانُ أنْ يَرى نَفْسَه في
المِرْآةِ ؟ ، لِمَاذا تُعَامَلُ الأحلامُ كَما لَوْ كانتْ وَهْمًا ؟ .
الكِتَابُ يَفْضَحُ الكَذِبَ ،
وَيُقَاوِمُ النِّسْيَانَ ، وَيَصْنَعُ استمراريةً لا تَهْزِمُها الجُدْرانُ .
لذلكَ أحْرَقَ الغُزَاةُ الصِّرْبُ الصليبيون مَكتبةَ سَراييفو ، كَمَا أحْرَقَ الغُزاةُ
الإسبانُ الصليبيون مَكتبةَ غَرْناطة.
الصَّليبُ الدَّمَوِيُّ
والإنجيلُ الأسْوَدُ هُمَا الرُّكْنَان اللذان يَقُوم عَلَيْهِمَا القَتْلُ
المَنْهَجِيُّ والتَّطْهيرُ العِرْقيُّ والمَحَارِقُ والمَذابحُ والمَجَازِرُ
والإبادةُ الثقافيةُ والمَقَابرُ الجَمَاعِيَّةُ وَمَحَاكِمُ التَّفْتيشِ .
في قَلْبِ مَدينةِ سَراييفو ،
حَيْثُ تتقاطعُ الشوارعُ كَعُروقٍ تَحْتَ جِلْدِ الأرضِ ، كانت المَكتبةُ
الوَطنيةُ صامتةً كَقَلْبٍ يَكْتُمُ أنينَه . لَمْ يَكُن الصَّمْتُ غِيَابًا
للأصواتِ فَحَسْب ، بَلْ كانَ أيضًا حِضْنًا للخَرابِ الذي يَلْتَفُّ حَوْلَ
الجُدْرانِ ، ويَلتهِم الظِّلالَ ، وَيَخْنُقُ الهَواءَ . ومعَ قَطْعِ الصِّرْبِ
الوُحوشِ للمِيَاهِ عَن المَنطقةِ المُحيطةِ بالمَكتبةِ ، أصبحتْ كُلُّ قَطْرَةِ
مَاءٍ رِسالةً مُستحيلة ، هُنا كانَ الأمل ، والآن يَختنِق .
الكُتُبُ هِيَ الصَّدَاقةُ المُخلِصة
، انطلقتْ مِنها صَرَخَاتُ الحِبْرِ التي لَمْ يَسْمَعْها أحد . صَفَحَاتُها
تَتقلَّب معَ الرِّيحِ الحارقةِ ، تَنْثُرُ الذكرياتِ والمَعرفةَ والتاريخَ بَيْنَ
اللهبِ الذي اجتاحَ الصُّروحَ ، وكأنَّ المَدينة تَفْقِدُ عَقْلَها شيئًا فَشيئًا
. النِّيرانُ لَمْ تَكُنْ مُجرَّد نِيران ، بَلْ كانتْ شَبَحًا مُتَوَحِّشًا
يُلاحِقُ كُلَّ مَن اقتربَ ، يَبتلعُ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لإنقاذِ مَا تَبَقَّى مِنْ
عَوالِم مَطبوعة على الوَرَقِ .
وَصَلَ رِجَالُ الإطفاءِ
بأجسادِهم المُرْهَقَةِ . عُيُونُهم المُزْدَوَجَةُ بَيْنَ الخَوْفِ والإصرارِ ،
لكنْ دُون الماء . كُلُّ رَذَاذٍ مِنْهُم يَتحوَّل إلى هَبَاء. الصَّوْتُ
المُستمِر للمَدافعِ والرَّشَّاشاتِ أشبَه بِعَزْفِ مَوْتٍ . نَغْمَةٌ مُتواصِلةٌ
تُمَزِّقُ الآذانَ ، وَتَجعل أيَّةَ مُحاوَلة لإنقاذِ الكُتُبِ تَبْدو مُستحيلةً .
في كُلِّ مَرَّةٍ يَرْفَعُ أحَدُهُم الخُرْطُومَ ، يُقَابِلُهُ انفجارُ دُخَانٍ ،
وهُتافاتُ مِدْفَعِيَّةٍ تَجتاحُ المَكتبةَ التي تَتَلَوَّى في ألسنةِ اللهبِ .
الأطفالُ الذينَ كانوا
يَمُرُّون في الشوارعِ القريبةِ ، شاهَدوا الصَّمْتَ يَتحوَّل إلى صَرْخَةٍ . لَمْ
يَعُدْ بإمكانهم رُؤية الكُتُبِ ، ولا سَمَاع الأوراقِ . كُلُّ شَيْءٍ أصبحَ
رَمادًا وَسَوادًا . المَدينةُ تعيشُ لَحْظَةَ مَوْتٍ جَمَاعِيٍّ . الثقافةُ
تَمُوت ، والذاكرةُ تَمُوت، وكُلُّ ذلك وَسَط صَمْتٍ دَوْليٍّ ، وَتَجَاهُلٍ
مُخِيفٍ.
في زاويةٍ مِنَ المَكتبةِ ،
وَقَفَ بعضُ المُواطِنِين ، عُيونُهُم تَلْمَعُ بالبُكاءِ والغَضَبِ ، يُحاولون
إنقاذَ كُتُبِهِم ، وتاريخِهم ، وحُلْمِهِم . أيديهم المُبْتَلَّةُ بالغُبارِ
والرَّمادِ تُحاولُ الإمساكَ بالصَّفَحَاتِ ، بَيْنَما المِدْفَعِيَّة لا تَعْرِفُ
الرَّحمةَ. يَركُضون مِنْ زاويةٍ إلى أُخْرَى. يَنهارون أحيانًا تَحْتَ وَقَعِ
القذائفِ، ثُمَّ يَقِفُون مَرَّةً أُخْرَى ، لأنَّ قَلْبَ الإنسانِ ، حتى عِندما
يَكُون مُحَاصَرًا بالنِّيرانِ والدَّمَارِ ، يَعْرِفُ قِيمةَ مَا هُوَ إنسانيٌّ .
كُلُّ كِتابٍ يُحرَق كانَ
صَرْخَةً مَدفونة ، وَقِصَّةً محذوفةً مِنْ ذاكرةِ البَشَرِيَّةِ . التاريخُ
يَنهارُ أمامَ أعْيُنِ الناسِ ، والمَدينةُ تَتذكَّرُ كَيْفَ يُمكِن أنْ يَكُونَ الألَمُ
جَمَاعِيًّا ، وَمُتَّصِلًا مِثْلَ الشِّرْيَانِ المَفتوحِ تَحْتَ جِلْدِها .
الحُزْنُ في وُجوهِ الجَميعِ ، لَيْسَ فَقَط على فِقْدَانِ الكُتُبِ ، بَلْ أيضًا
على فِقْدَانِ مَا تُمثِّله : الهُوِيَّة ، والماضي ، وكُلُّ حُلْمٍ يُمكِن أنْ
يُبْنَى عَلى المَعرفةِ . جاءَ الليلُ مُتَأخِّرًا لا يَحْمِلُ مَعَهُ الرَّاحةَ .
الضَّوْءُ الأحمرُ للنِّيرانِ يَملأ السَّماءَ ، وَيَنعكِس على الوُجوهِ المُتعَبة
، ويَتدفَّق عَلى الخَرَابِ ، ويُذكِّر الجَميعَ بأنَّ الحَياةَ ، حتى في أبْهَى
صُوَرِها ، يُمكِن أنْ تُحْرَقَ في لَحْظَةٍ . لَمْ يَكُنْ هُناك مَاء ، ولا
نَجْدَة. لَمْ يَكُنْ هُناكَ سِوى الرَّغبةِ البَشَرِيَّةِ العميقةِ في الصُّمودِ
، على الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . صُمُودُهُم هُوَ الشِّعْرُ الوحيدُ الذي
يَكتبونه بِعَرَقِهِم، وَدِمَائِهِم ، وأيديهم المُبْتَلَّةِ بالرَّمادِ ،
وَعُيُونِهِم المُمْتَلِئَةِ بالدُّموعِ . صُمُودُهُم يُقَاوِمُ الخَرَابَ ، حتى
لَوْ خَسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ .
حِينَ انتهى اليَوْمُ ، بَقِيَتْ رَائحةُ
الحَريقِ ، ورائحةُ الوَرَقِ المُحترِقِ ، كأنَّها تُذكِّر المَدينةَ بِمَا
فَقَدَتْهُ ، وَمَا كانَ يُمكِن أنْ يَكُون . الكُتُبُ لَمْ تَعُدْ هُناك ،
لكنَّها لَمْ تَخْتَفِ تَمامًا . إنَّها تَحْيا في قِصَصِ الذينَ شاهَدوا ، في
الصَّمْتِ الذي تَركوه ، في الصَّرْخَةِ التي لَمْ تُسْمَعْ .
وهَكذا ، وَسَطَ الخَرابِ
والجُدرانِ المُحترقةِ والحُزْنِ الجامحِ ، بَقِيَ الإنسانُ مُحَاصَرًا بَيْنَ
النارِ والرَّمادِ ، مُحَاوِلًا أنْ يَحْمِلَ ذَرَّةً مِنَ المَعرفةِ ، حتى لَوْ
كانتْ مُجرَّد رقائق رَمَادٍ تَتطايرُ في الهواء . والمَعرفةُ مَهْما احترقتْ ،
تَظَلُّ حَيَّةً في قَلْبِ مَنْ يَذكُرها ، وَيَحْلُمُ بِها ، ولا يَسْمَح
للنِّيرانِ أنْ تَمْحوها مِنْ رُوحِه . المَدينةُ تَتَنَفَّسُ بِصُعوبةٍ في صَباحٍ
خَفيفٍ مَشحون بالهُدوء . المَكتبةُ الوطنيةُ واقفةٌ كَأُفُقٍ صامتٍ ، جُدرانُها
العَتيقةُ تَحْمي مَا تَبَقَّى مِنْ ذاكرةِ البَشَرِ ، وَرُفُوفُ الكُتُبِ
مُرتَّبة كَما لَوْ أنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ لَحْظَةً أمامَها . الهواءُ لَمْ
يَكُنْ بَريئًا ، يَشِي بأنَّ شيئًا مَا سَيْطَرَأ . شُعورٌ غريبٌ يُشبِه قَبْضَ
اليَدِ على القَلْبِ . المَارَّةُ في الشوارعِ بَدَؤُوا يَلْتفتون حَوْلَهم ،
والأطفالُ يَركُضون بأقدامٍ خفيفة ، والرِّجالُ يَحمِلون رَهْبَةً لا يُمكِنهم
تَفسيرها . كُلُّ كِتَابٍ عَلى الرَّفِّ يَبْدو كنافذةٍ صغيرةٍ لِعَالَمٍ آخَر ،
وكُلُّ صَفْحَةٍ تَنْبِضُ بالحَياةِ ، تَنتظرُ أنْ تُلْمَسَ وتُقْرَأ وَتُحْفَظ .
معَ قَطْعِ قُوَّاتِ الصِّرْبِ
للمِياهِ عَن المَنطقةِ ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ . الخُرطومُ الذي يُوصِلُ
الحَياةَ صَارَ بِلا جَدْوى ، وأيدي رجالِ الإطفاءِ الجاهزةُ لإنقاذِ كُلِّ لَحْظَةٍ
ضاعتْ في مَتاهةِ العَجْزِ .
المَدينةُ حَوْلَ المَكتبةِ
تَختنقُ ، والشوارعُ يَلْتهمها الغُبارُ ، والمَباني المُحيطةُ تَلَوَّنَتْ
بالحُزْنِ القاتلِ الصامتِ . النوافذُ والأبوابُ تَصْرُخُ بالحِرْمَانِ، وكُلُّ رَشْفَةِ
مَاءٍ تَبدو حُلْمًا بَعِيدَ المَنَالِ .
معَ أُولَى قذائفِ
المِدْفَعِيَّةِ ، بَدأت النِّيرانُ في التَّسَلُّلِ إلى المَكتبة . النَيرانُ
وَحْشٌ يَبتلعُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَيُحطِّم الأصواتَ ، وَيَخْنُق الهَواءَ .
الرَّشَّاشاتُ ومَدافعُ الهاون تَعْزِفُ سِمْفونيةَ الرُّعْبِ ، وتَجْعَلُ أيَّة
مُحاوَلة لإنقاذِ الكُتُبِ مُستحيلةً . الصَّفَحَاتُ اشتعلتْ ، والدُّخَانُ
الأسْوَدُ تصاعدَ كثيفًا ، يَلتصقُ بالجُدرانِ ، يَسْحَب مَعَه كُلَّ الذكرياتِ
المُخزَّنةِ بَيْنَ رُفُوفِ المَكتبةِ. صَوْتُ الحَرْقِ يَمْتَزِجُ بالصَّرَخَاتِ
المَكبوتةِ للمَدَنيين ، وكُلُّ مُحَاوَلَةٍ لإطفاءِ الحَريقِ تَتلاشى في هَدِيرِ
الانفجاراتِ .
اقتربَ المُواطِنون ، أيديهم
تَرتعشُ ، وُجُوهُهُم مَشحونةٌ بالدُّموعِ والغَضَبِ . كُلُّ كِتَابٍ يُنْقَذُ
كانَ انتصارًا صَغيرًا ، وكُلُّ صَفْحَةٍ تُنقِذها اليَدَان هِيَ مَعركة بَيْنَ
الحَياةِ والمَوْتِ .
رِجَالُ الإطفاءِ ، بِلا مَاءٍ
، أصبحوا أشباحًا تتقافزُ بَيْنَ اللهبِ والدُّخَانِ ، يُحاولون إنقاذَ مَا يُمكِن
إنقاذُه . يَسْقُطُون أحيانًا تَحْتَ وَقْعِ القذائفِ ، ثُمَّ يَقِفُون مَرَّةً
أُخْرَى ، لأنَّ الصُّمُودَ أصبحَ لُغَةَ المَدينةِ الوحيدةَ .
معَ غُروبِ الشَّمْسِ، ظَلَّ
الدُّخَانُ الأحمرُ يُغَطِّي السَّمَاءَ ، ويَمْلأ الشوارعَ ، ويَختلِط بِرَائحةِ
الوَرَقِ المُحترِق . الكُتُبُ لَمْ تَعُدْ مَوجودةً ، لكنَّ ذِكْراها بَقِيَتْ في
كُلِّ دَمْعَةٍ سالتْ .
المَدينةُ تَعِيشُ مَوْتًا
جَمَاعِيًّا للذاكرةِ ، والمَكتبةُ لَمْ تَعُدْ مُجرَّد مَبْنى . إنَّها شُعُورٌ ،
وَفِكْرَةٌ ، وَحُلْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كُلِّ مَنْ عَرَفَ قِيمَتَهَا . وَسَطَ
الرَّمادِ والخَرابِ ، ظَلَّ الناسُ يَحمِلون مَا تَبَقَّى في قُلوبِهم . كُلُّ
كِتابٍ مُحْتَرِقٍ أصبحَ قِصَّةً تُرْوَى ، وكُلُّ صَفْحَةِ رَمَادٍ أصبحتْ ذِكْرى
لا تُنْسَى . المَدينةُ لَمْ تَعُدْ مَكانًا ، بَلْ شَهادة على الألَمِ
والمُقَاوَمَةِ والرَّغْبَةِ في الحِفَاظِ على المَعرفة .
حتى معَ كُلِّ الرَّمادِ ،
بَقِيَ الإنسانُ صامدًا ، يَحْلُمُ ، ويَتذكَّر ، ويُحاوِل أنْ يُبْقِيَ ذاكرةَ
الكُتُبِ حَيَّةً مَهْمَا حاولت النِّيرانُ أنْ تَمْحوها .
في قَلْبِ المَدينةِ
المُمَزَّقَةِ ، حَيْثُ أصوات الانفجاراتِ تَخترِق صَمْتَ الشوارعِ كَما لَوْ
كانتْ تَكتبُ نِهايةَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقَفَ أهلُ سَراييفو ، صَعَقَتْهُم
الصَّدمةُ المُعَلَّقَةُ على وُجوههم أمامَ حائطٍ مِنَ الرَّمادِ والغُبارِ .
يَعرِفون أنَّ هُناكَ كَنْزًا أعْمَقَ مِنَ الذهبِ والمُجَوْهَرَاتِ ، كَنْزًا لا
يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ : الكُتُب ، والصَّفَحَات التي حَمَلَتْ تاريخَهم وأحلامَهم
ومَعرفتهم ، وكُلَّ مَا جَعَلَهُم بَشَرًا .
حِينَ تَحَوَّلَت المَكتبةُ
الوطنيةُ إلى جَبْهَةِ حَرْبٍ ، لَمْ يَكُنْ أمامَهم سِوى خِيارٍ واحدٍ ، أنْ
يُقَاوِمُوا اليأسَ ، ويَتَشَبَّثُوا بالحياةِ بِعَكْسِ الأشياءِ التي حَوْلَهم ،
وَيَصْنعوا مُعْجِزَةً صغيرةً وَسَطَ الفَوْضى . وَبِصَوْتٍ صامتٍ لكنَّه أقْوَى
مِنْ أيِّ انفجارٍ ، شَكَّلَ القائمون على المَكتبةِ والمُتَطَوِّعُون سِلْسِلَةً
بَشَرِيَّةً مُتشابكة كأوردةِ القلبِ،تُمرِّر الكُتُبَ مِنْ يَدٍ إلى يَدٍ،كأنَّها
شُعْلَةُ حَياةٍ تَحترق في وَجْهِ المَوْتِ.
نِيرانُ القَنَّاصَةِ تَتسلَّل
بَيْنَ الأزِقَّة ، تُحاولُ اختطافَ الأملِ ، لكنَّ الأيدي التي أمسكتْ بالكُتُبِ
لَمْ تَرتجف.كُلُّ خُطْوةٍ كانتْ تَحَدِّيًا،وكُلُّ لَحْظَةِ انتظارٍ هِيَ اختبارٌ
لِشَجاعةٍ لَمْ يَعرِفوا أنَّهم يَملِكونها.
لَمْ يَكُن الأمرُ إنقاذَ صَفَحَاتٍ فَحَسْب ،
بَلْ هُوَ أيضًا إنقاذُ رُوحِ المَدينةِ ، رُوحِ الأجيالِ القادمةِ. المَعرفةُ لا
تَمُوت، والحُرِّيةُ تَبْدأ مِنَ الكَلِمَاتِ . في وَجْهِ الانفجاراتِ والصَّمْتِ
الذي يَعُمُّ بَعْدَ كُلِّ قذيفةٍ ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ صَوْتٌ سِوى هَمَسَاتِ
المُتَطَوِّعِين ، وَنَبْضِ الكُتُبِ المُمَرَّرَةِ مِنْ يَدٍ إلى يَدٍ ، وكأنَّها
تَقُول: (( لَنْ نَخْتفي )). العُيونُ تَلْمُع بالدُّموعِ ، لَيْسَ مِنَ الخَوْفِ
فَقَط ، بَلْ مِنْ إدراكِ أنَّ الإنسانَ حِينَ يُقَرِّرُ الدِّفاعَ عَن الإنسانيةِ
، يُمكِنه أنْ يُوقِفَ الزَّمَنَ لِلَحْظَةٍ ، وَيَجْعَلَ المَوْتَ يَتراجعُ أمامَ
الإصرارِ . سِلْسِلَةُ البَشَرِ تُحوِّل المَدينةَ إلى قَلْبٍ نابضٍ بالحَياةِ ،
وكُلُّ كِتابٍ يُنْقَذُ هُوَ شَهادةٌ صامتة على أنَّ الشَّجاعة لا تَحتاجُ إلى
أسلحة ، وأنَّ التَّضْحية لَيْسَتْ بالكَلِمَاتِ الكبيرةِ ، بَلْ بالخُطُواتِ
الصغيرةِ المُتَّصِلة ، يَدٌ تُعْطي ، وَعَيْنٌ تَرى ، وَقَلْبٌ لا يَلِين .
لَمْ تَكُن الكُتُبُ مُجرَّد صَفَحَاتٍ ، بَلْ
كانتْ حَياةً وَحُلْمًا وشُعلةً لا تَنطفئ مَهْما حاولت الحَرْبُ أنْ تُحْرِقَها .
وَقَفَت المَدينةُ ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، شاهدةً على أنَّ الإرادةَ
البَشَرِيَّةَ أقْوَى مِنَ الرَّصَاصِ، وأنَّ الأمَلَ يُمكِن أنْ يُولَدَ مِنْ
بَيْنِ الرُّكَامِ، خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ، وَكِتَابًا بَعْدَ كِتَابٍ .
كَما تَشُقُّ البُطُولاتُ
طَريقَها وَتَظْهَرُ في صَفَحَاتِ التاريخِ ، ظَهَرَتْ قِصَصُ البُوسنيين في
أوقاتٍ لَمْ يَعرِف فيها السلامُ طريقَه إلا عَبْرَ الألَمِ والصُّمُودِ . لَمْ
تَكُنْ حَيَاتُهُم مُجرَّد رِحْلَةٍ عابرةٍ بَيْنَ لَحْظَةٍ وأُخْرَى ، بَلْ كانتْ
سَاحَةَ نِضَالٍ يَوْمِيٍّ ، يَذُوب فيها الخَوْفُ أمامَ قُوَّةِ الإرادةِ ،
وتَنتصر الرُّوحُ على كُلِّ مُحَاوَلَةٍ للقَهْرِ . عَلَّمَتْنَا هَذه اللحَظَاتُ
أنَّ البُطولة لَيْسَتْ فَقَط في حِمايةِ الجَسَدِ ، بَلْ أيضًا في الدِّفاعِ عَن
الرُّوحِ ، وإرْثٍ يَمْتَدُّ لأجيال ، وثقافةٍ تَحمِل بَيْنَ طَيَّاتِها قِصَصَ
الأجدادِ وأسرارَ المَعرفةِ والفُنونِ .
حِينَ وَاجَهوا الخَطَرَ ، لَمْ
يَخافوا ، وَلَمْ يَغرَقوا في حَياتهم . كانوا يَعْلَمُون أنَّ الخَطَرَ الحقيقيَّ
يَكْمُنُ في أنْ يَضِيعَ التاريخُ، وتَخْتفي الكُتُبُ والمَخطوطاتُ، وتُدمَّر
اللوْحَات ، وتَتلاشى الأصواتُ التي تَحْكي قِصَّةَ شَعْبٍ كاملٍ .
يَتسلَّلون بَيْنَ أنقاضِ
المُدُنِ والمَكتباتِ ، يَرفَعون الغُبارَ عَنْ صَفَحَاتٍ تَرْوي تاريخَهم ،
وَيَضَعُون حَيَاتَهم على أكُفِّهِم . القلبُ يَحمِل شُعلةً لا تَنطفئ ، ويُخاطِر
بالوُجودِ ذَاتِهِ مِنْ أجْلِ أنْ يَبْقَى الإرْثُ حَيًّا حقيقيًّا مُتَجَدِّدًا
للأجيالِ القادمةِ . لَمْ تَكُنْ هذه البُطولةُ مُجرَّد عَمَلٍ ماديٍّ ، بَلْ
كانتْ تُحْفَةً مِنَ الإيمانِ بالهُوِيَّةِ ، بِعَظَمَةِ الثقافةِ ، بأهميةِ
العِلْمِ والمَعرفةِ . كُلُّ نَصٍّ أنقَذُوه ، كُلُّ لَوْحَةٍ أعادوها ، كُلُّ
وَثيقةٍ وَضَعُوها في مَكانٍ آمِنٍ كانتْ بِمَثابةِ إعلانٍ صَريحٍ بأنَّ الرُّوحَ
الإنسانيةَ لا يُمكِن أنْ تُسْلَبَ ، وأنَّ التاريخَ لَيْسَ مِلْكًا لِمَنْ فَرَضَ
نَفْسَه بالسِّلاحِ ، بَلْ لِمَنْ حَمَلَ شَغَفًا بِحِفْظِه، وَجَعَلَ مِنْ ثقافته
مِصْباحًا لا يَنكسِر أمامِ الزَّمَنِ أو الخَطَرِ .
في أعماقِ الصَّمْتِ العَميقِ
الجارحِ ، وفي ظِلالِ الرُّعْبِ ، كَتَبَ البُوسنِيُّون بُطولاتِهم . لَمْ يَكُنْ
هُناكَ جُمهورٌ ولا تَصْفيق . قَلْبٌ يَنْبِضُ بالشَّجاعةِ ، وَيَدٌ تَمْتَدُّ
لِتُلامِسَ المُسْتَقْبَلَ ، كَيْ تَضْمَنَ أنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مَكتوبةٍ ، وكُلَّ
فِكْرَةٍ مَرسومةٍ ، وكُلَّ أُنشودةٍ مَحفوظةٍ ، سَتَظَلُّ شاهدةً على أنَّ شعبًا
قَرَّرَ أنْ يَظَلَّ حاضرًا في ذاكرةِ العَالَمِ ، وأنْ يَحْمِيَ إرثَه الثقافيَّ
كَما يَحْمِي حَيَاتَه . وفي النِّهايةِ ، تَبقى هذه البُطولةُ أسْمَى مِنْ أيِّ
نَصٍّ ، لأنَّها لَيْسَتْ مُجرَّد صِراعٍ على البَقَاءِ ، بَلْ هِيَ صِرَاعٌ على
الخُلودِ الرُّوحِيِّ للثقافة ، واستمراريةِ المَعرفةِ ، وقُدرةِ التاريخِ على أنْ
يَقُول إنَّهُم كانوا هُنا ، وَلَمْ يَتركوا شيئًا يَضِيعُ بِلا حِراسةٍ .
في تِلْكَ الليلةِ التي
انطفأتْ فِيها النُّجُومُ باكرًا ، لَمْ يَكُن القَصْفُ يَستهدِف حِجَارَةً صامتةً
، بَلْ كانَ يُوجِّه نِيرانَه إلى الذاكرةِ نَفْسِها . المَكتبةُ الوطنيةُ في
البُوسنةِ ، ذلك القلبُ الورقيُّ الذي نَبَضَ لألْفِ عَامٍ ، كانتْ تَقِفُ على
ضَفَّةِ النَّهْرِ كَعَجُوزٍ حكيمةٍ تَحمِل بَيْنَ رُفوفها أعمارَ الناسِ
وأصواتَهم وأحلامَهم المَكتوبة بالحِبْرِ والصَّبْرِ. وَحِينَ هَوَت القذائفُ لَمْ
تَسْقُط الجُدرانُ وَحْدَها، سَقَطَتْ مَعَهَا أعمارٌ كاملة ، وَتَبَعْثَرَت
القُرونُ في الهَواءِ رَمادًا .
أحْرَقَ الغُزاةُ الصِّرْبُ
المُتَوَحِّشُون المَكتبةَ الوطنية مَرَّةً ، ثُمَّ عادوا فأحْرَقوها مَرَّاتٍ .
النارُ تَعرِف طريقَها إلى الورقِ والصَّفَحاتِ التي وُلِدَتْ قَبْلَ أنْ يُولَدَ
الخَرابُ بِزَمَنٍ طويلٍ . اشتعلت الكُتُبُ والمَخطوطاتُ كأنَّها طُيورٌ مَذعورة ،
تُحاولُ الطَّيَرَانَ مِنْ بَيْنِ ألسنةِ اللهبِ ، وَلَمْ يَكُنْ في المَكانِ سِوى
صُراخِ الصَّمْتِ . لَمْ يَبْقَ مِنَ الكُتُبِ سِوى رائحةِ حِبْرٍ مُحترقٍ ،
وَرُفُوف سَوْدَاء تَشْهَدُ على جريمةٍ لَنْ تُمحَى آثارُها . الغُزَاةُ الصِّرْبُ
الهَمَجُ كالمَغُولِ والتَّتَارِ يَظُنُّون أنَّهُم إذا أطْفَؤُوا الضَّوْءَ ،
أطْفَؤُوا الفِكْرَةَ ، وإذا حَوَّلُوا الكَلِمَاتِ إلى رَمادٍ ، مَسَحُوا
الذاكرةَ إلى الأبدِ، لكنَّ الذاكرةَ عنيدة .
في العَتَمَةِ التي تَلَت
الحَريقَ ، وَبَيْنَ الأنقاضِ التي مَا زالتْ ساخنةً ، تَحَرَّكَتْ أقدامٌ خفيفة .
لَمْ تَكُنْ أقدامَ قادةٍ ولا خُطَبَاء ، بَلْ أقدام أُولئكَ الذينَ لا تَذكُرُهم
العَناوين ، عامل النَّظافةِ الذي كانَ يَعرِف مَمَرَّاتِ المَكانِ كَما يَعرِف
خُطوطَ كَفِّه ، وحارس المَكتبةِ الليلي الذي كانَ يَحفظ تَرتيبَ الرُّفُوف كما
يَحفظ دَقَّاتِ قَلْبِه . مَعَهُم نَفَرٌ قليلٌ مِنْ مُحِبِّي الكُتُب ، لا
يَملِكون سِوى الإيمانِ الصامتِ بأنَّ الوَرَقَ إذا نَجَا، نَجَا الإنسانُ .
يَعْمَلُون بِلا ضَجيجٍ. يَسْرِقُون
مِنَ النارِ مَا استطاعوا، يَلُفُّون المَخطوطاتِ بِمَلابسهم، ويُخْفونها تَحْتَ
المَعاطفِ ، وَيَمْشُون بِها عَبْرَ الأزِقَّةِ كَمَنْ يَحمِل طِفْلًا نائمًا .
كُلُّ صَفْحَةٍ تُنْقَذُ هِيَ سَنَةٌ تُستعاد ، وكُلُّ كِتَابٍ يَخْرُجُ سَالِمًا
كانَ شَهادةً على أنَّ الذاكرة لا تُقْصَفُ بِسُهولةٍ . لَمْ يَسْألوا عَن
القِيمةِ السُّوقِيةِ ، ولا عَنْ شُهرةِ العَناوين. يَعرِفون أنَّ بَيْنَ أيديهم
تاريخًا كاملًا ، وهَذه الأوراق تَحمِل أصواتَ كُتَّابٍ مُبْدِعِين ، وحِكاياتِ
مُدُنٍ عاشتْ وَضَحِكَتْ وَبَكَتْ قَبْلَ أنْ يأتيَ هَذا الليلُ .
تِلْكَ المَخطوطاتُ لَمْ
تَكُنْ مُجرَّد كُتُبٍ قديمةٍ ، كانتْ مِرْآةً لأجيالٍ تعاقبتْ ، وَلُغَةً
تَشَكَّلَتْ عَبْرَ قُرون ، وأسئلةً وُلِدَتْ في عُقولٍ بعيدةٍ ، ثُمَّ وَصَلَتْ
إلَيْنَا عَبْرَ الحِبْرِ الوَهَّاجِ .
كانتْ ذاكرةُ البوسنيين لا
تُخْتَصَرُ في أسماء أوْ تواريخ ، بَلْ تَتَدَفَّق في تفاصيلِ الحَياةِ
اليَوْمِيَّةِ ، والقَصائدِ ، والسِّجِلَّاتِ ، وكُتُبٍ كَتَبَهَا بَشَرٌ كانوا
يَظُنُّون أنَّ الغَدَ سَيَقْرَؤُها بِسَلامٍ . حِينَ اكتملَ الخَرابُ في الخارجِ ،
كانَ في الداخلِ شَيْءٌ صغيرٌ قَدْ نَجَا ، جُزْء مِنَ الرُّوحِ ، لَمْ تُنْقَذ
الجُدرانُ ، وَلَمْ تُسْتَعَد الرُّفُوف ، لكنْ مَا حُفِظَ كانَ أثمن مِنَ
الحَجَرِ : الاستمرارية. لَقَدْ خَسِرَ المَكانُ شَكْلَه ، لكنَّه لَمْ يَخْسَرْ
مَعْناه .
هَكذا ، وَسَطَ الرَّمادِ ،انتصرتْ
أيْدٍ مُتعَبة على آلَةِ الدَّمارِ . لَمْ يَكُن انتصارًا صاخبًا ، بَلْ نَصْرًا
خافتًا ، يُشبِه هَمْسَةَ كِتابٍ يُغْلَقُ بَعْدَ قِراءةٍ طَويلة . أثبَتُوا أنَّ
الذاكرةَ لَيْسَتْ مَبنى ، وأنَّ المَكتبات لا تَعيشُ بالحِجارةِ وَحْدَها ، بَلْ
بالقُلوبِ التي تَحْرُسُها ، وبالناسِ الذينَ يُؤْمِنُون بأنَّ إحراقَ الوَرَقِ لا
يُحْرِقُ الحقيقةَ .
وَمَا زالتْ تِلْكَ المَخطوطات
، التي خَرَجَتْ لَيْلًا سِرًّا ، تَشْهَدُ أنَّ النارَ يُمكِنها أنْ تَلتهمَ
الصَّفَحَاتِ ، لكنَّها تَعْجِزُ عَنْ مَحْوِ الأثَرِ ، وأنَّ ذاكرةَ ألْفِ عام ،
حتى لَوْ أُحْرِقَتْ ، تَجِد دائمًا مَنْ يَحمِلها بَعيدًا عن اللهبِ ، إلى غَدٍ
أقلَّ ظُلْمَةً .
البوسنيون أدْرَكُوا أنَّ
الحِفاظَ على تُراثِهم وكُنوزِهم الثقافيةِ والعِلْمية أهَمُّ مِنَ الحِفَاظِ عَلى
حَياتهم ، لأنَّهم إنْ ماتوا سَيَأتي مِنْ بَعْدِهِم آخَرُون ، أمَّا إذا تَمَّ
تَدميرُ التُّراثِ فَلَنْ يَسْتطيعوا أنْ يُعَوِّضُوه . في قَلْبِ البُوسنةِ ،
حَيْثُ تَنْبِضُ الأرضُ بِذِكرياتِ قُرونٍ طويلة ، أدركَ أهْلُها أنَّ مَا
حَمَلُوه مَعَهُم مِنْ تُراثٍ لَيْسَ مُجرَّد حِجارةٍ وأوراق ، بَلْ هُوَ رُوحٌ
حَيَّةٌ تَنْبِضُ فِيهِم قَبْلَ أنْ تَنْبِضَ في الحَجَرِ والمَكتوبِ . عَرَفُوا
أنَّ حَيَاتَهم ، مَهْمَا كانتْ ثَمينةً ، عابرةٌ كالنَّسِيمِ بَيْنَ الأشجارِ ،
وأنَّ المَوْتَ لا يُغَيِّرُ شيئًا في مَسارِ الزَّمَنِ ، فَهُوَ قادمٌ لا مَحَالة
لِكُلِّ إنسانٍ ، لكنْ مَا يُدمَّر مِنْ كُنوزِهم الفِكريةِ والثقافيةِ لا
عَوْدَةَ له، ولا سَبيل لإحيائه إلا بِقَدْرِ مَا تَرَكُوه للأجيالِ القادمة .
كانت المَدينةُ ، كَما التاريخ
، شاهدةً على صُمودِهم . كُلُّ زاويةٍ فِيها ، كُلُّ كِتابٍ مَحفوظٍ بِعِنايةٍ ،
كُلُّ نَقْشٍ عَلى جِدارٍ ، كانَ يَصْرُخُ بِصَمْتٍ : (( أنا هُوِيَّتُكُم ، أنا
ذاكرتُكُم ، أنا مَا يَجْعَلُ مِنْكُم مَا أنتُم عَلَيْه )) . لَمْ يَكُن الحُبُّ
للتُّرَاثِ مُجرَّد شُعورٍ ، بَلْ هُوَ عَهْدٌ وَمِيثاق . تَعَلَّمُوا أنَّ
الجُدرانَ تَتداعى ، وأنَّ الكُتُبَ تُحْرَق ، وأنَّ المَخطوطات تُمَزَّق ، لكنْ
إذا استطاعوا حِمايةَ إرثِهِم ، فإنَّ حَيَاتَهُم ، مَهْما سَقَطُوا فِيها،
سَتَبْقَى حَيَّةً في ضَوْءِ ذلك الإرْثِ .
كانَ لَدَيْهِم وَعْيٌ عَميقٌ ، الإنسانُ
يُمكِن أنْ يُنْسَى ، لكنَّ المَعرفةَ والفَنَّ والعُلومَ لا تَمُوت مَا دامَ
هُناكَ مَنْ يَحْفَظُها وَيُعْطيها بَرِيقَ الحَياةِ التي أُخِذَتْ مِنَ الأجدادِ
. لِهَذا ، صارتْ كُلُّ لَحْظَةٍ مُوَاجَهَةً للخَطَرِ ، واختبارًا للإرادةِ ،
وكُلُّ تَضْحياتهم كانتْ لأجْلِ مُسْتَقْبَلٍ لَمْ يَرَوْنَهُ بأنفُسِهِم ، لكنَّه
يُبْنَى على تاريخِهم وإرثِهم، وعلى أجنحةِ مَا تَرَكُوه لِمَنْ سَيَأتي بَعْدَهُم
. إنَّهُ دَرْسٌ عَمِيقٌ ، أنْ لا شَيْءَ أهَم مِنْ مَا يَتْرُكُهُ الإنسانُ
للعَالَمِ ، لأنَّ الأرواحَ تَتغيَّر وَتَمْضِي ، لكنَّ الحَضَارَةَ تَبْقَى .
أدركَ البوسنيون أنَّ المَوْتَ
الفَرْدِيَّ زائلٌ، وأنَّ الانقراضَ الثقافيَّ أبَدِيٌّ وَمُمِيتٌ، وأنَّ حِمايةَ
التاريخِ والعِلْمِ والفُنونِ أسْمَى مِنْ أيِّ خَوْفٍ أوْ هَاجِسٍ . حَمَلُوا
كُتُبَهم ومَخْطوطاتهم ، وحَافَظُوا على كُلِّ نَقْشٍ وَذِكْرى . يَحْرُسُون
أرواحَهم قَبْلَ أنْ يَحْرُسُوا الجُدْرانَ أو الحِجَارةَ ، لأنَّهُم يَعرِفون
أنَّ الحِفاظَ على التُّراثِ هُوَ الأمَانُ الحقيقيُّ ، والأمَلُ الخالدُ ،
والجِسْرُ الذي يَصِلُ الماضي بالمُستقبَل ، وَيَضْمَن للبَشَرِيَّةِ استمرارَ
وَعْيِها وَجَمَالِها .
في صَمْتِ الليلِ ، بَيْنَ
أصواتِ الرِّيحِ المُتَسَلِّلَةِ عَبْرَ المُدُنِ والقُرى ، كانَ كُلُّ بُوسنيٍّ
يَهْمِسُ في داخله : (( قَدْ نَفْنَى نَحْنُ ، لكنْ مَا حَمَلْنَاه لَكُمْ لَنْ
يَفْنَى )) . الإرْثُ أقْوَى مِنَ الخَوْفِ ، والحَياةُ المُستمرةُ في الكُتُبِ
والفُنونِ أقوى مِنَ الحَياةِ التي تُقَاسُ بالزَّمَنِ فَقَط .
مَوْتُ شَخْصٍ بُوسنيٍّ واحدٍ
أوْ أكثر أمْرٌ جَلَلٌ ، يُوجِعُ القُلوبَ ، وَيُمزِّق الأرواحَ ، وَيَتْرُك فَراغًا
لا يَمْلَؤُهُ شَيْء ، ويَزْرَعُ الحُزْنَ في تفاصيلِ الحَياةِ اليَوْمِيَّة ،
وَضَحِكَاتِ الأطفالِ ، وَصَمْتِ البُيُوتِ ، والطُّرُقَاتِ التي لَمْ تَعُدْ تَعرِف
خُطُواتِهم ، لكنَّه أهْوَنُ بكثيرٍ مِنْ تَدميرِ الهُوِيَّةِ الذي يَعْني مَوْتَ
الشَّعْبِ بكاملِه . كُلُّ رُوحٍ تَسْقُطُ تُحْسَبُ خَسارةً ، وكُلُّ فِقْدَانٍ
يَظَلُّ وَصْمَةً عَلى وَجْهِ التاريخِ ، تُذكِّرنا بِمَدى هَشاشةِ الحَياةِ ،
وَقُرْبِ النِّهايةِ في أيَّةِ لَحْظَةٍ .
الألَمُ المَحدودُ أقَلُّ
وَطأةً مِنْ مَوْتِ هُوِيَّةٍ كاملةٍ، وتَدميرِ جُذورِ شَعْبٍ بكاملِه. حِينَ
تُمْحَى اللغةُ، وَتُحْرَقُ الكُتُبُ ، وَتُسْلَبُ العاداتُ ، وَتُنْسَى القِصَصُ
التي تَرْبِطُ بَيْنَ الأجيالِ ، يُصْبحُ المَوْتُ حاضرًا ، مَوْتٌ لا يَكْتفي
بِجَسَدٍ واحدٍ، بَلْ يَطَال الرُّوحَ الجَمْعِيَّةَ لِشَعْبٍ بأكمله . إنَّه
مَوْتٌ صامتٌ، طَويل ، بَطِيء ، لكنَّه أكثرُ وَحْشِيَّةً ، لأنَّه يَسْلُبُ
الإنسانَ وُجُودَه قَبْلَ أنْ يَسْلُبَه حَيَاتَه .
في الحَرْبِ على البُوسنةِ ،
كانت المَعاركُ لا تَجْري على الأرضِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا على النُّفُوسِ ،
والذاكرةِ ، والهُوِيَّةِ . كانَ القَصْفُ والقَتْلُ جُزْءًا مِنَ المَعركة ،
لكنَّ السِّلاحَ الأعظمَ كانَ الإصرارَ على مَحْوِ أيِّ أثَرٍ للوُجودِ،وَطَمْسِ
مَعالمِ الذاتِ الجَمْعِيَّةِ، وتَحويلِ تاريخٍ حَيٍّ إلى صَفَحَاتٍ بَيْضَاء بِلا
أسماء ولا قِصَصٍ ولا أحلامٍ. هُنا، يُصْبحُ كُلُّ فَرْدٍ مَحْمِيًّا بِرُوحِه ،
لكنَّه مُعَرَّضٌ لأنْ يُصْبحَ رَقْمًا هامشيًّا في مُحَاوَلَةٍ لِمَنْعِ
الشَّعْبِ مِنْ أنْ يَتذكَّرَ نَفْسَه ، وَأنْ يَعْرِفَ نَفْسَه ، وأنْ يَبْقَى
هُوَ ، ضِمْنَ مَشروعٍ يَسْعَى إلى سَلْخِ الجَماعةِ عَنْ وَعْيِها وَوُجُودِها
الأصيلِ .
مَوْتُ شَخْصٍ يُمكِن أنْ
يُحْتَمَلَ ، يُمكِن للقَلْبِ أنْ يَنْزِفَ عَلَيْه ، لكنَّ مَوْتَ الهُوِيَّةِ
كارثةٌ أعْمَق، لأنَّه يَعْني أنَّ الشَّعْبَ قَدْ يُدْفَنُ حَيًّا ، وأنَّ
الذاكرةَ قَدْ تُحْرَقُ ، وأنَّ القِيَمَ والعادات التي مَنَحَت الناسَ صُمُودَهم
تُسْلَبُ مِنْهُم دُونَ رَجْعَةٍ . وفي هَذا السِّياقِ ، كُلُّ دَمٍ يَسْقُطُ على
الأرضِ يُصْبحُ تَذكيرًا بأنَّ الحِفَاظَ على الهُوِيَّةِ هُوَ الحِفَاظُ على
الحَياةِ نَفْسِها ، وأنَّ النِّضَالَ مِنْ أجْلِ الوُجودِ يَتجاوزُ الألَمَ
الفَرْدِيَّ لِيُصْبحَ واجبًا اجتماعيًّا . إنَّها مَعركةٌ مِنْ نَوْعٍ آخَر ،
حَيْثُ المَوْت الجَسَدي مُؤلِم ، لكنَّه مُؤقَّت ، أمَّا المَوْتُ الثقافيُّ والرُّوحِيُّ
فَهُوَ دائمٌ ، بِلا مَراسِم ولا جِنَازات ولا تَذكارات.
حِينَ يَضِيعُ الشَّعْبُ مِنْ
خِلالِ مَحْوِ هُوِيَّتِه، فإنَّ كُلَّ ضَحَايا الحَرْبِ يُصْبحون جُزْءًا مِنْ
جُرْحٍ أعْمَق لا يَندمِل ، جُرْح يُسجَّل في النَّفْسِ قَبْلَ أنْ يُسَجَّلَ في
التاريخ . هُنا نُدرِك أنَّ قِيمةَ الإنسانِ لا تُقَاسُ فَقَط بِحَيَاتِه ، بَلْ
أيضًا بِقُدْرَتِه على أنْ يُحافظَ على مَا يَجْعله جُزْءًا مِنَ الشعب ، وَعلى
مَا يَجْعل مِنْ صَوْتِه حاضرًا رَغْمَ كُلِّ الظُّروفِ، وعلى مَا يَجْعل مِنْ
هُوِيَّتِهِ صَخْرَةً صامدةً أمامَ العَواصِف.
يَبْقَى دَرْسُ الحَرْبِ
مُؤلِمًا . مَوْتُ الجَسَدِ يُمكِن أنْ نَسْتَوْعِبَه ، وَنَحْزَنَ عَلَيْه ،
وَنَدْفِنَه . لكنَّ مَوْتَ الهُوِيَّةِ هُوَ مَوْتُ الأُمَّةِ كُلِّها ، مَوْتٌ
بِلا أرقامٍ ولا تاريخٍ ولا أسماء تُذكَر . وَهُنا تَكْمُنُ المَأساةُ الحقيقيةُ ،
وَهُنا تَتَجَلَّى القِيمةُ الكُبْرى للصُّمودِ ، أنْ نُحافظَ عَلى مَا نَحْنُ
عَلَيْه ، حتى حِينَ يَخْتبرنا الزَّمَنُ ، وَنُواجِه كُلَّ مُحَاوَلاتِ الطَّمْسِ
بِما نَملِك مِنْ ذاكرةٍ وإرادةٍ .
أدركَ البُوسنيون أنَّ
الحَرْبَ بالأساسِ هِيَ حَرْبٌ عَلى هُوِيَّتِهِم ، وأنَّ أحدَ الأهدافِ الرئيسيةِ
للصِّرْبِ المُعْتَدِين هُوَ تَدميرُ ذاكرةِ الشَّعْبِ البُوسنيِّ المُتمثلةِ في
مَكتباته ، لذلكَ قَرَّرُوا أنْ يُقَاوِمُوا . لَقَدْ أدْرَكُوا مُنْذُ اللحْظَةِ
الأُولَى أنَّ الحَرْبَ التي شُنَّتْ عَلَيْهِم لَمْ تَكُنْ مُجرَّد صِراعٍ على
الأرضِ أوْ على السُّلطة ، بَلْ كانتْ حَرْبًا على وُجودِهم وَهُوِيَّتِهم
وذاكرتهم التي تَشَكَّلَتْ عَبْرَ قُرون، وعلى كُلِّ مَا يَحمِله الماضي مِنْ
أسماء وأماكن وكُتُبٍ وَصُوَرٍ وأفكارٍ . المَكتباتُ لَيْسَتْ مُجرَّد جُدْران
مليئة بالكُتُبِ ، بَلْ هِيَ كُنوزٌ مِنَ الذاكرةِ الجَمَاعِيَّةِ ، وأرشيفُ
الرُّوحِ الذي يَرْبِطُهُم بِمَاضِيهم ، وَيَمْنحهم القُدْرَةَ على أنْ يَكُونوا
مَنْ هُمْ في الحاضرِ والمُستقبَل .
عِندَما حاولَ الغُزاةُ
الصِّرْبُ المُتَوَحِّشُون مَحْوَ ذاكرةِ البُوسنيين ، هَدَمُوا المَكْتَبَاتِ ،
وأحْرَقُوا الكُتُبَ ، وَدَمَّرُوا كُلَّ مَا تَحمِله صَفَحَاتُ تاريخِهم
وَحِكَاياتُ أسلافِهم . بَدا العَالَمُ الخارجيُّ كأنَّه يُراقِب صَمْتَ الألَمِ ،
لكنَّ البوسنيين لَمْ يَستسلموا . في عَتَمَةِ الحَرْبِ ، وَبَيْنَ الرُّكَامِ
والدُّخَانِ ، قَرَّرُوا أنْ يُقَاوِمُوا . المُقَاوَمَةُ لَمْ تَكُنْ بالسِّلاحِ
وَحْدَه ، بَلْ بالكَلِمَةِ والحِفْظِ والكِتابةِ والتَّوْثيقِ ، وَبِكُلِّ
طَريقةٍ تَحْمي ذاكرتَهم مِنَ الانطفاءِ .
في قَلْبِ المَدينةِ ، وَبَيْنَ أنقاضِ
المَكْتَبَاتِ المُهدَّمة ، بَزَغَتْ إرادةٌ لا تُقْهَر : أطفال يَقْرَؤُون
بِصَمْتٍ ، شباب يُعيدون نَسْخَ المَخطوطات ، نِسَاء يَحْتَفِظْنَ بالصُّوَرِ
والمُذكَّرات ، رِجال يَنْقُلُون الكُتُبَ مِنْ مَكانٍ إلى آخَر ، كأنَّها دِماءُ
الرُّوحِ نَفْسِها . المُقَاوَمَةُ هُنا ، في كُلِّ صَفْحَةٍ مَخطوطةٍ ، في كُلِّ
عُنوانٍ تَمَّ تَذَكُّرُه ، في كُلِّ جُملةٍ لَمْ تُمْحَ مِنْ ذاكرةِ البوسنيين .
فَهِمَ البوسنيون أنَّ مُحارَبة النِّسيانِ هِيَ مَعركةٌ أصعب مِنْ أيَّة سَاحةِ
قِتالٍ . كُلُّ كِتابٍ أنقَذُوه كانَ رِسالةً تَقُول : (( لَنْ تَمْحُوا ذاكرتَنا
، وَلَنْ تَسْرِقُوا هُوِيَّتَنَا ، وَلَنْ تُصَادِرُوا قِصَّتَنَا )) .
في ذلك الصُّمُودِ ، وفي هَذا
الالتفافِ حَوْلَ الكَلِمَةِ والتاريخِ ، تَوَلَّدَتْ قُوَّةٌ تَتجاوزُ الخَوْفَ
والدَّمَارَ، قُوَّةٌ تَهْمِسُ للعَالَمِ كُلِّهِ بأنَّ الشَّعْبَ الذي يَعرِف
مَاضِيه وَيَحْتفظ بذاكرته لا يُمكِن أنْ يُهْزَم.
المَكتباتُ حُصُونٌ رُوحِيَّة
. كُلُّ كِتابٍ أنقَذُوه كانَ بِمَثابةِ انتصارٍ صغيرٍ ، لكنَّه يَحمِل في
طَيَّاتِهِ وَعْدًا بأنَّ الذاكرةَ لا تَمُوت ، وأنَّ الهُوِيَّة الحقيقية لا
تُقْهَر ، مَهْما حاولتْ أيَّة حَرْبٍ أنْ تَمْحوها . وهَكذا ، وَسَطَ الخَرابِ ،
استطاعَ البوسنيون أنْ يُحَوِّلُوا الألَمَ إلى عَزيمةٍ ، والخَطَرَ إلى صُمُودٍ ،
والدَّمَارَ إلى تَذَكُّرٍ . وَبِهَذا صارتْ مُقَاوَمَتُهُم لَيْسَتْ دِفَاعًا عَن
الحَياةِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا صارتْ دِفَاعًا عَنْ أرواحِهم ، وكُلِّ مَا
يَجْعَلُهُم هُمْ ، وَيَجْعَل للبُوسنةِ اسْمَها الخالدَ وذَاكِرَتَهَا الباقيةَ ،
رَغْمَ كُلِّ المُحَاوَلاتِ لِمَحْوِهَا .
حَافَظَ البوسنيون على
الكُتُبِ. قاموا بِتَنظيمِ أنفُسِهِم في مَجموعاتٍ قليلةِ العَدَد حتى لا يُلْفِتُوا
نَظَرَ العَدُوِّ أوْ جَواسيسِه . قاموا بنقلِ الكُتُبِ والمَخطوطاتِ والمَطبوعاتِ
مِنْ مَكانٍ إلى مَكان ، مُسْتَخْدِمِين صَناديقَ الفاكهةِ ، حتى وَضَعُوها في
مَكانٍ آمَنٍ بَعيدٍ عَنْ مَرْمَى القَصْفِ المُبَاشِرِ . كادوا يُقْتَلُون أكثرَ
مِنْ مَرَّةٍ ، لكنَّهم والحَمْدُ للَّهِ نَجَحُوا في الحِفاظِ على تِلْكَ الثَّروةِ
البَشريةِ القَيِّمةِ التي وَرِثُوها مِنْ أجدادِهم ، كَيْ يُوَرِّثُوها لأبنائهم
وأحفادِهم . ظَلُّوا صَامِدِين ، يَتَنَقَّلُون بِصَمْتٍ بَيْنَ الطُّرُقَاتِ
والأنفاقِ ، بَيْنَ البُيُوتِ المَهجورةِ والأزِقَّةِ الصامتةِ ، حَامِلِين على
أكتافِهم إرْثَ الأجيالِ . يَمْشُونَ بِخُطى واثقةٍ لا تُسْمَعُ، يَعْبُرُون
الأحلامَ كأنَّهم ذاكرةُ المَكانِ ، وتاريخُهُم يَرْفُضُ أنْ يَنكسِر.
في ظِلالِ الحَرْبِ وَصَخَبِ
القذائفِ ، كانَ هُناكَ صَمْتٌ حالمٌ يَلُفُّ القُلوبَ ، صَمْتٌ مَلِيءٌ بالإصرارِ
والوَفاءِ للمَاضي. البوسنيون، في عَزْمِهِم الصامتِ، نَظَّمُوا أنفُسَهم في
مَجموعاتٍ صغيرة ، كأنَّهُم نُسورٌ تَتَخَفَّى بَيْنَ الصُّخورِ ، لا يُلْفِتُون
النَّظَرَ ، ولا يُثِيرون الرِّيحَ العاصفةَ التي تُلاحقهم . لَمْ تَكُنْ حَركتهم
عَشْوائية ، بَلْ كانتْ دِقَّةً عَسْكريةً ، وَشَغَفًا بالتُّراثِ ، خُطْوَةً
خَلْفَ خُطْوَةٍ ، بِصَبْرِ الصَّامِدِين الذينَ يَعرِفون قِيمةَ كُلِّ حَرْفٍ ،
وكُلِّ صَفْحَةٍ ، وكُلِّ مَخطوطةٍ .
في كُلِّ مَرَّةٍ كانوا
يَضَعُون فيها كِتابًا في مَكانٍ آمِنٍ بَعيدٍ عَنْ مَرْمَى القَصْفِ ، كانتْ
قُلُوبُهُم تَخْفِقُ بِشِدَّةٍ ، كأنَّهُم يَزْرَعُون الحَياةَ في الأرضِ
المَيْتَةِ . يَعرِفون أنَّ هَذه الصَّفَحَات لَيْسَتْ مُجرَّد وَرَقٍ وَحِبْرٍ ،
بَلْ هِيَ نَبْضُ الأجدادِ ، وَقِصَصُهُم ، وأحلامُهُم ، وَحِكَمُهُم ،
وَوُعُودُهُم للأجيالِ القادمةِ بأنْ يَظَلَّ الماضي شَاهِدًا على الحاضرِ ، وأنْ
يَظَلَّ المُسْتَقْبَلُ مُشْرِقًا رَغْمَ الدَّمَارِ . لَقَدْ عاشوا الخَطَرَ ،
وَشَهِدُوا الخَرابَ ، وَحَفِظُوا التُّراثَ كَما تَحفظُ العَصافيرُ أعشاشَها في
العواصفِ . في صَمْتِهم وصُمودِهم كانَ هُناكَ صَوْتٌ أعْمَقُ مِنَ المَدافعِ ،
صَوْتُ إرادةٍ لا تُقْهَر ، صَوْتُ وَفاءٍ يَصْرُخُ بأنَّ المَعرفة هِيَ الحياة ،
وأنَّ الإرْثَ الحقيقيَّ للإنسانِ لا يُقَاسُ بالأسلحةِ أو الحُصونِ ، بَلْ
بالكُتُبِ والمَخطوطاتِ والقِصَصِ التي تَوَارَثَتْهَا الأجيالُ .
حِينَ تضاءلتْ أصواتُ القَصْفِ
، وهَدأ الدَّمارُ ، بَقِيَتْ تِلْكَ الصَّفَحَاتُ حَيَّةً ، مُحتفظةً بِسِحْرها
وَدِفْئها ، شاهدةً على مَنْ رفضوا أنْ يَمُوت الماضي معَ الحرب ، وشَهادةً على
أنَّ الحُبَّ للمَعرفةِ والإرْثِ أعمقُ مِنْ أزيزِ الرصاصِ ، وأقوى مِنْ فُوَّهاتِ
المَدافعِ ، وأعلى مِنْ أيِّ تَهديدٍ .
في قَلْبِ البَلْقَانِ، حَيْثُ
تَتلاقى الطُّرُقُ والأنهارُ والجِبالُ ، تَقِفُ المَكتبةُ شامخةً كَصَدى
الزَّمَنِ. إنَّها عَيْنٌ تَرنو إلى الماضي والمُستقبَلِ معًا . هُنا ، حَيْثُ
تتشابكُ الثقافاتُ ، وتتعانقُ الحَضارات ، تُصْبحُ قِبْلَةَ الباحثين والدارسين
مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ . تأتي العُقولُ عَطْشى للمَعرفةِ ، والقُلوبُ
مُتلهِّفة لاستنشاقِ عَبَقِ التاريخِ والتُّراثِ العِلْمِيِّ .
المَكتبةُ لَيْسَتْ مُجرَّد
جُدْران تَحمِل الكُتُبَ ، بَلْ هِيَ رُوحٌ نابضة ، وأُفُقٌ مُنفتِح على عوالم لا
تُحْصَى . بَيْنَ رُفوفِها تَخْتبئ قِصَصُ العُلَماءِ والمُفكِّرين ، وَشَذَرَاتُ
الحِكمةِ التي اجتمعتْ عَبْرَ قُرون، وكُنوزُ الفِكْرِ التي تنتظرُ مَنْ يَلمِسها
بِعَيْنِ الباحثِ المُتَأمِّل . كُلُّ كِتابٍ هُنا لَيْسَ مُجرَّد وَرَقٍ وَحِبْرٍ
، بَلْ جِسْرٌ يَمْتَدُّ بَيْنَ الحاضرِ والماضي ، بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ ،
بَيْنَ الفِكْرِ والإلهامِ .
تِلْكَ اللحْظَةُ التي
يَفْتَحُ فيها الباحثُ كِتابًا نادرًا ، تَسْمَعُ فِيها هَمْسَ العُصورِ القَديمةِ
، وكأنَّ الكَلِمات تتراقصُ على شَفَتَيْه ، تَنْقُلُ لَهُ عَبَقَ الأسواقِ
القديمة ، وَهَمَسَاتِ المَكتباتِ الصامتةِ ، وَشَغَفَ العُقولِ التي سَعَتْ
لِمَعرفةِ أسرارِ الكَوْنِ والإنسانِ .
في هَذه البُقْعةِ الصغيرةِ
مِنَ البَلْقَانِ ، يَتحوَّل الجُوعُ إلى مَعرفةٍ وَرِحْلَةٍ عاطفية ، رِحْلَة
تَحتضِن القَلْبَ قَبْلَ العَقْلِ ، حَيْثُ يُصْبحُ البَحْثُ العِلْمِيُّ
تَجْرِبَةً رُوحانيَّة ، والاطِّلاعُ على التاريخِ احتضانًا للحَضاراتِ التي شَكَّلَت
العَالَمَ كَما نَعرِفه . ولا تَقتصِر أهميةُ المَكتبةِ على التاريخِ وَحْدَه ،
بَلْ إنَّها مِرْآةٌ لِحَياةِ الشُّعوبِ ، شاهدة على تَبَادُلِ الثقافاتِ ،
وَمَوْئِلُ الفِكْرِ المُتدفِّق الذي لا يَعرِف حُدودًا. كانوا يأتون مِنْ أُوروبا
والعَالَمِ ، طَلَبَة وباحثون ، يَحمِلون أحلامَهم وأسئلتهم ، لِيَجِدُوا إحساسًا
بالانتماءِ إلى حَضارةٍ مُتَّصِلة عَبْرَ الأزمنةِ ، حَيْثُ المَعرفة لُغَة
مُشترَكة ، والفِكْرُ جِسْرٌ يُوحِّد القُلوبَ قَبْلَ العُقولِ .
قِبْلَةُ البَلْقَانِ
الثقافيةُ لَيْسَتْ حَدَثًا هامشيًّا أوْ مَكانًا عابرًا ، بَلْ لَحْظة صامتة
يَلْتقي فيها الماضي بالحاضرِ ، حَيْثُ تَتجلَّى المَكتبةُ كَرَمْزٍ خالدٍ ،
ومَنارةٍ لا تَنطفئ ، تَدْعو كُلَّ مَنْ يَسْعى وَراءَ المَعرفةِ لِيَغُوصَ في
مُحيطها بِلا خَوْفٍ ، وَيَشْعُرَ بأنَّ كُلَّ صَفْحَةٍ ، وكُلَّ حَرْفٍ ، هُوَ
نَبْضَة حَياةٍ ، وكُلَّ رَفٍّ مِنْ رُفوفِها هُوَ قِصَّة حُبٍّ بَيْنَ الإنسانِ
والمَعرفةِ ، بَيْنَ الحُلْمِ والواقعِ ، بَيْنَ العاطفةِ والفِكْرِ .
هُناكَ شَيْءٌ عاطفيٌّ يُخاطِب
القَلْبَ . المَكتبةُ هُنا في قَلْبِ البَلْقَانِ ، بِحُضورِها العَميقِ وبَهائها
الثقافيِّ ، تَمْنَحُ كُلَّ زائرٍ تاريخًا عَريقًا ، وتَجْعل المَعرفةَ لَيْسَتْ
عِبْئًا ثقيلًا ، بَلْ سَعادة خالدة ، وَرِحْلة عاطفية لا تَنتهي .
حَريقُ المَكتبةِ الذي قَامَ
بِهِ الغُزاةُ الصِّرْبُ كانَ خَسارةً فادحةً للثفافةِ البوسنيةِ ، فَقَدَتْ بسببه
العَديدَ مِنَ الكُنوزِ الثقافيةِ والتاريخيةِ، بِما في ذلك مَخْطوطات عُمْرُها
قُرون، وكُتُب ، ووثائق نادرة.
هَذا الحَريقُ جَريمةُ حَرْبٍ
وَعَمَلٌ مُتَعَمَّدٍ مِنْ قِبَلِ القُوَّاتِ الصِّرْبيةِ الحاقدةِ لِتَدميرِ
الحَضارةِ الإنسانية ، وَمَحْوِ الأدلةِ والآثارِ والثقافةِ والتاريخِ الإسلاميِّ
في البُوسنةِ بِلا رَجْعَةٍ ، لَمْ يَكْتفوا بقتلِ وتَهجيرِ المُسلِمين ، بَلْ
حَاوَلُوا مَحْوَ وطَمْسَ هُوِيَّتِهِم للأبدِ .
حِينَ التهمت النِّيرانُ
صَمْتَ المَكتبةِ ، كانَ العَالَمُ كُلُّهُ يَشْهَدُ على مَوْتٍ صامتٍ للذاكرةِ ،
مَوْت لا يُقَاسُ بالخَسائرِ الماديةِ فَحَسْب ، بَلْ بالرُّوحِ التي تَمَزَّقَتْ
معَ كُلِّ وَرَقَةٍ احترقتْ ، وكُلِّ مَخطوطةٍ اندثرتْ في رَمادٍ أبديٍّ . هُناكَ
، حَيْثُ كانت الصَّفَحَاتُ تَحْرُسُ قِصَصَ قُرونٍ مَضَتْ ، صارت اللغةُ رَمادًا
، والتاريخُ دُخَانًا ، والذكرياتُ أطيافًا عابرةً لا تَجِدُ مَكانًا بَيْنَ
الجُدْرانِ المُتَفَحِّمَةِ .
المَكتبةُ أكثرُ مِنْ مُجرَّد
مَكانٍ للكُتُبِ، كانتْ قَلْعَةَ الثقافةِ ، وَعَيْنَ الماضي التي تَرى الحاضرَ ،
وَنَهْرَ الحِكْمةِ الذي يُغَذِّي أجيالًا . اختفتْ بَيْنَ لَحْظةٍ وأُخْرَى
مَخطوطاتٌ عُمْرُها قُرون ، ووثائق نادرة تَحمِل إرثًا لا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ .
كُتُبٌ لَمْ تُطْبَعْ إلا مَرَّةً واحدةً ، وشَهاداتٌ تاريخية تَشْهَدُ على
حَضارةٍ غَنِيَّةٍ بِعَطاءاتها الفِكريةِ والثقافية . كُلُّ صَفْحةٍ احترقتْ هِيَ
صَرْخَةٌ مَكْتومة ، وكُلُّ وَرَقَةٍ اندثرتْ هِيَ جُرْحٌ لا يَندمِل في قَلْبِ
الأُمَّةِ .
الحَريقُ مُحَاوَلَةٌ لِتَطهيرِ
الذاكرةِ مِنْ جُذورِها. لَمْ يَقْتَصِر الأمرُ على التَّدميرِ الماديِّ، بَل
امْتَدَّ إلى مُحَاوَلَةِ مَحْوِ الهُوِيَّةِ نَفْسِها، مَحْوِ بَصَمَاتِ حَضارةٍ
تَعيشُ في الكُتُبِ والوثائقِ والمَخطوطاتِ.لَمْ يَكُن الحِقْدُ شُعورًا عابرًا،بَلْ
إستراتيجية لإلغاءِ الماضي، وَمَسْحِ التاريخِ، وَحَرْقِ الجُذورِ. كُلُّ كِتَابٍ
اندثرَ كانَ شاهدًا على غِنى ثقافيٍّ وتاريخيٍّ ، أضْحَى الآنَ رَمادًا بِلا
رَجْعة . وكُلُّ كِتَابٍ ضاعَ في غَيَاهِبِ النِّسْيانِ كانَ رُوحًا نابضةً
بالمَعرفة ، أُطْفِئَ نُورُها ، فَتَرَكَ في ذاكرةِ الإنسانيةِ فَراغًا لا
يَمْلَؤُهُ الزَّمَان .
في تِلْكَ اللحْظَةِ ، حِينَ
اندلعت النِّيرانُ ، شَعَرَ كُلُّ عاشقٍ للثقافةِ بالفَراغِ والضَّياعِ والخِذْلانِ
. لَمْ يَكُن الحَريقُ خَسارةَ مَكتبةٍ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا كانَ مَوْتًا
جَمَاعِيًّا للذاكرةِ ، واسْتِدْعَاءً للصَّمْتِ المُؤلِمِ ، وَخِيانةً لِكُلِّ
الجُهودِ الراميةِ إلى جَمْعِ المَعرفةِ وإبقائها للأجيالِ القادمة . الرائحةُ
المُتصاعِدة ، والدُّخَانُ المُتَسَرِّب ، والرَّمادُ المُتطايِر ، كُلُّ ذلك كانَ
صَدى لِنَداءِ البشريةِ التي فقدتْ جُزءًا مِنْ تاريخِها وَنَفْسِها وأحلامِها المَطبوعةِ
على صَفَحَاتِ الكُتُبِ .
وحتى بَعْدَ أن انطفأت
النِّيرانُ ، بَقِيَ الحُزْنُ مُتَأصِّلًا وعَميقًا ، لأنَّه لَيْسَ حَريقًا
عابرًا ، بَلْ هُوَ طَمْسٌ لإرْثٍ لا يُعَوَّض ، وَمُحَاوَلَةٌ لإخفاءِ الحَضارةِ
خَلْفَ جِدارٍ مِنَ الرَّمادِ والدُّخَانِ، لِيَبْقى الصَّمْتُ شاهدًا على مَا
كانَ ومَا ضاعَ ، وعلى الفَقْدِ الذي لا يُمكِن استرجاعُه ، وعلى ألَمِ
الكَلِمَاتِ والحُروفِ والأرواحِ التي كانتْ حاضرةً في صَفَحَاتِ الكُتُبِ قَبْلَ
أنْ تَتَحَوَّلَ المَكتبةُ إلى رَمادٍ .
110
كُنْتُ ضَعيفًا ، نَعَم ،
أعترفُ بذلك وأنا أشعرُ بالخَجَلِ والخِزْيِ والعارِ . جَسَدي أنحفُ مِنْ أنْ
يَقِفَ في وَجْهِ النارِ ، وَصَوْتي أخْفَتُ مِنْ أنْ يَعْلُوَ فَوْقَ صَفيرِ
القذائفِ ، وَخُطُواتي ترتجفُ كأنَّ الأرضَ لا تُريدُني شاهدًا . ومعَ ذلك ،
كُنْتُ هُناك ، في سَراييفو . في تِلْكَ الليلةِ ، التي انْشَقَّ فيها الزَّمَنُ ،
حِينَ قَرَّرَ الحِقْدُ أنْ يُطلِق نِيرانَه على الذاكرةِ ، وحِينَ صارت الكُتُبُ
أجنحةً مُحترقة تتساقطُ مِنَ السَّماء . لَمْ أكُنْ مِنْ أهلِ المَدينةِ ، ولا
مِنْ أبنائها الذينَ حَفِظُوا أسماءَ شوارعها عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ . جِئْتُ مِنْ
أرضٍ بعيدةٍ ، أحْمِلُ جُثَّتي على ظَهْرِي ، وَلَيْسَ مَعِي إلا أحلامي
المُتْعَبَة . كُنْتُ شابًّا عَرَبيًّا بِلا بُطولاتٍ ، ولا عَضَلاتٍ ، ولا ألقابٍ
، ولا أوسمةٍ ، ولا قُدرةٍ عَلى حَمْلِ السِّلاحِ والقِتَالِ . لا أمْلِكُ إلا
قَلْبًا هَشًّا ، وعَيْنَيْن لا تَحْتملان رُؤيةَ الحُروفِ تَمُوت .
عِندَما بَدأ القَصْفُ ، لَمْ
أفْهَمْ في البِدايةِ أنَّ الهدفَ لَمْ يَكُن الحَجَرَ فَقَط ، بَل المَعْنى .
رأيتُ القذائفَ تَتَّجِهُ بإصرارٍ غريبٍ نَحْوَ ذلك المَبْنى العَتيقِ ، كأنَّ
أحَدَهُم دَلَّهَا على قلبِ المَدينةِ . ثُمَّ ارتفعتْ ألسنةُ اللهبِ المُتَوَحِّشَةُ
التي تَعرِف ماذا تَلتهِم . المَكتبةُ الوطينةُ اسْمٌ ثقيل ، لكنْ مَا كانَ يَحترق
أثقل : أعمار كاملة مكتوبة على وَرَقٍ ، أصوات أُناسٍ ماتوا مُنْذُ قُرون ، ومَا
زالوا يَتَنَفَّسُون بَيْنَ الصَّفَحَاتِ . وَقَفْتُ هُناك ، ضعيفًا ، عاجزًا ،
فاشلًا ، كَما كُنْتُ في كُلِّ مَراحلِ حَياتي . ماذا يَفْعَلُ شابٌّ مِثْلي أمامَ
نارٍ جاءتْ لِتَبتلعَ ذاكرةَ أُمَّةٍ ؟،ماذا أفْعَلُ وأنا لا أحْمِلُ سِوى يَدَيَّ
العَارِيَتَيْن؟. الهُروبُ كانَ سهلًا ومَنطِقيًّا ومَعقولًا . لكنَّ شيئًا مَا في
داخلي رَفَضَ المَنطِقَ ، رُبَّما لأنَّني عَرَفْتُ في تِلْكَ اللحْظَةِ أنَّ
ضَعْفي يَعْني الصُّرَاخَ لا الصَّمْتَ .
رَكَضْتُ . لا أعْرِفُ كَيْفَ
رَكَضْتُ . قَدَمَاي لَمْ تَعُودا لِي . الدُّخَانُ كَثِيفٌ ، يَضْغَطُ على صَدْري
كأنَّه يُريدُ أنْ يَسْرِقَ الهواءَ مِنْ رِئَتَيَّ . الحَرارةُ تَلْسَعُ وَجْهي ،
وتُحاولُ أنْ تُقْنِعَني بالتَّرَاجُعِ . ومعَ ذلك دَخَلْتُ. دَخَلْتُ وأنا أسمعُ
صَوْتَ احتراقِ الوَرَقِ، ذلك الصَّوْتُ الذي لا يُشْبِهُ أيَّ شَيْءٍ آخَر.
لَيْسَ صُرَاخًا ، لكنَّه استغاثة . لَيْسَ انفجارًا ، لكنَّه نَحِيبٌ طَويلٌ .
رأيتُ الكُتُبَ تَحترقُ واقفةً
، كَجُنودٍ يَرفُضون السُّقوطَ . الرُّفُوفُ تنهارُ ، والحِبْرُ يَذُوب ،
والحُروفُ تَتحوَّل إلى رَمادٍ يَتطايرُ في الهواء ، يَدْخُلُ عَيْنَيَّ ،
فَتَصِيرُ دُمُوعي سَوْدَاء . مَدَدْتُ يَدَيَّ، والتقطتُ مَا استطعتُ . لَمْ أقرأ
العَناوينَ ، وَلَمْ أُمَيِّز اللغاتِ . كُلُّ كِتابٍ كانَ إنسانًا بالنِّسْبَةِ
إلَيَّ ، وكُلُّ صَفْحَةٍ وَجْهٌ يَقُول : (( لا تَتْرُكْني )) .
سَاعدتُ الآخَرين ، أوْ
رُبَّما هُمُ الذينَ سَاعَدُوني . لا أتذكَّرُ الوُجوهَ جَيِّدًا ، الدُّخَانُ
سَرَقَ مَلامحَهم . كُنَّا نتناقلُ الكُتُبَ كَما يَتناقلُ الناسُ الجَرْحَى.
نَرْمي المَاءَ على النارِ ، والماءُ كانَ قليلًا، والنارُ سَاخِرَة . كُلَّما
أطْفَأْنا زاويةً اشتعلتْ أُخْرَى ، الحَرِيقُ يَعْرِفُ أنَّنا ضُعَفاء ، وأنَّنا
لا نَمْلِكُ سِوى الإصرارِ . في لَحْظَةٍ مَا ، جلستُ على الأرضِ، ظَهْري إلى
الحائطِ، وَكِتَابٌ في حِضْني. ضَحِكْتُ ضِحْكَةً قصيرةً مَكسورةً.أنا الذي لَمْ
أسْتَطِعْ يَوْمًا حِمايةَ نَفْسِي، أُحَاوِلُ الآنَ حِمايةَ ذاكرةَ المَدينةِ .
شعرتُ بِصِغَرِي ، وَضَحَالَةِ قُوَّتي ، لكنَّني شعرتُ أيضًا بِشَيْءٍ أكبر
مِنِّي ، كأنَّ ضَعْفي هَذا هُوَ بالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُني إنسانًا ، لا آلَةً
ولا قذيفة .
اسْتَمَرَّ القَصْفُ ،
وانهارتْ أجزاء مِنَ المَبْنى . الغُبارُ مَلَأَ المَكَانَ ، والليلُ صارَ أكثرَ
سَوَادًا . خَرَجْنا وَدَخَلْنا ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. حَتَّى لَمْ أَعُدْ
أشعرُ بِيَدَيَّ . الجِلْدُ احترقَ قليلًا ، لكنَّني لَمْ أهْتَم . الألَمُ كانَ
فِكْرَةً بعيدةً، بَيْنَما الفِكْرة الأقرب كانتْ : كَمْ كِتابًا يُمكِن إنقاذُه
قَبْلَ أنْ يَنْتَصِرَ الرَّمَادُ ؟.
حِينَ بَدأ الفَجْرُ يَتسلَّل
بِخَجَلٍ ، كانت المَكتبةُ قَدْ تَحَوَّلَتْ إلى هَيْكَلٍ أسْوَد ، وَقَفْتُ
أمامَها ، مُتْعَبًا ، مَكسورًا ، ضعيفًا ، كَما كُنْتُ دائمًا . لَكِنْ بَيْنَ
ذِرَاعَيَّ كُتُبٌ نَجَتْ . قليلة ، نَعَم ، لا تُقَارَنُ بِما ضاعَ ، لكنَّني
تَعَلَّمْتُ في تِلْكَ الليلةِ أنَّ النَّجَاة لا تُقَاسُ بالكَثْرَةِ ، بَلْ
بالمَعْنى .
غادرتُ المَكانَ لاحقًا ،
جَسَدي بَقِيَ ضعيفًا ، وَخَوْفي لَمْ يَخْتَفِ . حَمَلْتُ مَعِي رائحةَ الوَرَقِ المُحترِقِ
، وَصَوْتَ الصَّفَحَاتِ وَهِيَ تُنْقَذُ مِنَ المَوْتِ . مُنْذُ ذلك اليَوْمِ ،
لَمْ أَعُدْ أُصَدِّقُ أنَّ الضَّعْفَ يَعْني العَجْزَ . الضَّعْفُ أحيانًا هُوَ
أنْ تَشْعُرَ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وأنْ لا تَتْرُكَ النارَ تأكلُ كُلَّ شَيْءٍ دُون
مُقَاوَمَةٍ. أنا ذلك الشَّابُّ العَرَبيُّ الضعيفُ، الذي وَقَفَ يَوْمًا أمامَ
حَريقٍ أرادَ أنْ يَمْحُو الذاكرةَ ، وقالَ بِصَمْتٍ : (( قَدْ تَحترقُ
الجُدْرَانُ ، وَقَدْ نَسْقُطُ نَحْنُ ، لكنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ قابلًا للحَرْقِ
)) .
111
الليلُ يَهْبِطُ على سَراييفو
بِبُطْءٍ ثقيلٍ ، كأنَّه يَعرِف مَا سَيَقَعُ فَتَرَدَّدَ في الوُصُولِ . مَبْنى
المَكتبةِ العَتيقُ القابعُ قُرْبَ النَّهْرِ كانَ واقفًا مِثْلَ شاهدٍ صامتٍ على
قُرونٍ مِنَ الذاكرةِ . نوافذُهُ العاليةُ تَحْفَظُ في ظِلالِها هَمَسَاتِ
الكُتُبِ ، وَأرْضُهُ العريضةُ تَحمِل أثَرَ خُطُواتِ قُرَّاءٍ مَرُّوا وَرَحَلُوا
، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم سِوى الكَلِمَاتِ . في تِلْكَ السَّاعاتِ ، لَمْ تَكُن
المَكتبةُ مُجرَّد جُدْران وحِجارة ، بَلْ كانتْ قلبًا نابضًا . كُلُّ كِتابٍ
فِيها نَبْضٌ إضافيٌّ ، وكُلُّ رَفٍّ شِرْيانٌ طويلٌ يَحمِل الحِكاياتِ مِنْ
زَمَنٍ إلى زَمَنٍ .
هُناكَ شَابٌّ تَعَلَّمَ القِراءةَ بَيْنَ
تِلْكَ الرُّفوفِ . يَقِفُ عِندَ المَدْخَلِ مُتَرَدِّدًا، يَحمِل حقيبةً فارغةً ،
وَيَشعرُ أنَّها أثقلُ مِنَ الجِبَالِ ، لأنَّ الفَراغَ نَفْسَه كانَ ثقيلًا . إلى
جانبِه كانَ صَدِيقُهُ الذي عَمِلَ سَنَوَاتٍ في تَرتيبِ المَخطوطاتِ . يَعرِف مَوَاضِعَها
كما يَعرِف الإنسانُ خُطوطَ كَفِّه . عَيْنَاه مُعَلَّقتان على الواجهةِ كأنَّها
تُودِّع حَبيبًا قَبْلَ رِحْلةٍ بِلا عَوْدَةٍ . خَلْفَهما وَقَفَ عاملُ
الصِّيانةِ الذي لَمْ يَكُنْ قارئًا نَهِمًا ، لكنَّه أحبَّ المَكانَ لأنَّه عَلَّمَه
مَعْنى الصَّبْرِ . وجاءَ بعضُ الأشخاصِ مِنْ أحياءٍ بعيدة بَعْدَ أنْ سَمِعُوا
أنَّ النارَ تَقْتربُ مِنَ الذاكرةِ .
بَدأ القَصْفُ فَجْأةً ، لا
إنذارٌ ولا تَمْهيدٌ . صَوْتٌ يُمزِّق الهَواءَ ، وَيَتْرُك فَراغًا هائلًا في
الصُّدورِ، ثُمَّ ارتَجَّت الأرضُ ، وتناثرَ الزُّجَاجُ ، وارتفعتْ سُحُبٌ مِنَ
الغُبار. في تِلْكَ اللحْظَةِ لَمْ يُفَكِّرْ أحدٌ في الخَوْفِ بِقَدْرِ مَا
فَكَّروا في الوَقْتِ، فالوَقْتُ كانَ عَدُوًّا لا يُرى، يَسْرِقُ الدقائقَ ،
وَيُحوِّلها إلى رَمادٍ .
اندَفَعُوا إلى الداخلِ ، والظلامُ
يَتكسَّر بِضَوْءِ مَصابيح صغيرة . القاعاتُ الواسعةُ تَبْكي تَحْتَ الصَّدَمَاتِ
، والكُتُبُ تَرتجفُ على الرُّفوفِ كَطُيورٍ مُحَاصَرَةٍ . قالَ أحَدُهُم بِصَوْتٍ
حاولَ أنْ يَجْعله ثابتًا إنَّ المَخْطوطات الأقدم في القاعةِ الشَّرقية ، وإنَّ
الطريقَ إلَيْها ضَيِّق ، فَأوْمَأ عاملُ الصِّيانةِ دُون كَلامٍ ، وكأنَّ
الكَلِمَاتِ قَدْ أصبحتْ تَرَفًا .
في الطابقِ العُلْوِيِّ، كانَ
حارسُ الليلِ يُحاولُ إطفاءَ شَرارةٍ صغيرةٍ بِيَدَيْهِ العَارِيَتَيْن . يَضْرِبُ
النارَ بالسِّتَارَةِ ، لا لِيُظْهِرَ بُطولةً ، بَلْ لأنَّه لَمْ يَعْرِفْ ماذا
يَفْعَلُ غَيْرَ ذلك . حِينَ رَآهُم ، اتَّسَعَتْ عَيْناه ، لَمْ يَسألْ لِمَاذا
جاؤوا، بَلْ قالَ : (( أيْنَ بَدأ الحريقُ ؟ )) ، وكأنَّ الجميعَ يَفْهَمُ المُهِمَّةَ
دُونَ شَرْحٍ .
تتابعت الأحداثُ بِسُرْعةٍ
مُربِكة ، سَقْفٌ يَتشقَّق ، وَدَرَجٌ يَنهارُ جُزئيًّا ، وَمَمَرٌّ يُغْلِقُهُ
الدُّخَانُ . ومعَ ذلك كانت الأيدي تَمْتَدُّ إلى الرُّفوفِ ، تَلتقطُ الكُتُبَ ،
وتَضعها في الحَقائبِ والصَّناديقِ ، حَتَّى في المَعَاطِفِ . كُلُّ صَفْحَةٍ
تُنْقَذُ شبيهةٌ بإنقاذِ نَفْسٍ كاملةٍ ، وكُلُّ كِتابٍ يَسْقُطُ في النارِ
يَتْرُكُ صَرْخَةً صامتةً في القَلْبِ .
في الخارجِ ، تَجَمَّعَ بَعْضُ
السُّكَّانِ . لَمْ يَحمِلوا سِلاحًا ولا شِعَاراتٍ . حَمَلُوا فُضُولًا حَزينًا وإرادةً
غَيْرَ واضحةٍ ، ثُمَّ تَحَوَّلَت الإرادةُ إلى فِعْلٍ ، فَتَكَوَّنَتْ سِلْسِلَةٌ
بَشَرِيَّة ، يَدٌ تُسلِّم يَدًا ، والكُتُبُ تَمُرُّ مِنَ الداخلِ إلى الخارجِ ،
مِنَ الظلامِ إلى ضَوْءٍ خافتٍ ، مِنْ خَطَرٍ إلى خَطَرٍ أقَل . امْرَأةٌ
مُسِنَّةٌ أمسكتْ بِمُجَلَّدٍ ثقيلٍ ، وبكتْ دُون صَوْتٍ ، لأنَّها تَذكَّرتْ
سَنَوَاتٍ كانتْ تَجلِس فيها هُنا لِتَقْرأ كَي تَنْسَى العَالَمَ ، والآنَ صارَ
العَالَمُ يَقْتَحِمُ الكِتَابَ .
معَ مُرورِ الساعاتِ، ازدادت
النارُ شَراسةً ، وصارَ الهَواءُ أثقلَ ، وبَدأ التَّعَبُ يَظْهَرُ على الوُجوهِ،
لكنَّ أحَدًا لَمْ يَقْتَرِح التَّوَقُّفَ. أُصِيبُ أحَدُهُم بِخَدْشٍ عَميقٍ في
ذِرَاعِه ، لَفَّهُ بِقِطْعَةِ قُماشٍ ، وعادَ إلى الداخلِ دُون أنْ يَنْظُرَ
خَلْفَه . عاملَ الصِّيانةِ تَعَثَّرَ وَسَقَطَ . نَهَضَ وَهُوَ يَضْحَكُ ضِحْكةً قصيرةً
هِسْتيرية ، وقالَ إنَّ الكُتُبَ لا تُحِبُّ أنْ تُتْرَكَ وَحْدَها .
في لَحْظَةٍ بَدا فيها كُلُّ
شَيْءٍ على وَشْكِ الانهيارِ ، سَقَطَ جُزْءٌ مِنَ السَّقْفِ ، وَاضْطُرَّ
الجَميعُ إلى التراجع. وقفوا في الساحةِ المُقابِلة ، يُراقِبون النِّيرانَ تَلتهمُ
مَا تَبَقَّى. ألسنةُ اللهبِ تَرْسُمُ ظِلالًا راقصةً على الجُدْرانِ ، كأنَّها
تَسْخَرُ مِنَ الألَمِ . شَعَرَ أحَدُهُم أنَّ شيئًا انكسرَ دَاخِلَه ، لكنَّه
حِينَ نَظَرَ إلى الصَّناديقِ المُكَدَّسَةِ حَوْلَه ، عَرَفَ أنَّ الانكسارَ
لَيْسَ نِهايةً .
معَ الفَجْرِ ، خَفَّ القَصْفُ ، وَبَقِيَ
الدُّخَانُ عالقًا في السَّماءِ مِثْلَ ذِكْرى ثقيلةٍ . لَمْ يَبْقَ مِنَ المَبْنى
إلا هَيْكَلٌ أسْوَد ، لكنْ بَيْنَ أيديهم هُناكَ حَياةٌ أُخْرَى ، عَشَرَات
الصناديقِ ، مِئات الكُتُب ، آلاف الصَّفَحَات التي نَجَتْ . جلسوا على الأرضِ
مُتْعَبِين صَامِتِين ، لا يَعرِفون ماذا سَيَقُولون ، لأنَّ الكَلِمَاتِ التي
أنقَذُوها كانتْ أبلغَ مِنْهُم .
في الأيامِ التالية،
تَوَزَّعَت الكُتُبُ في بُيُوتٍ مُختلِفة، غُرَف صغيرة تَحَوَّلَتْ إلى مَخازِن
للذاكرةِ، وأشخاص لَمْ يَكُونوا يَعرِفون بَعْضَهم،صَاروا عائلةً غَيْرَ
مُعْلَنَةٍ.صارَ الجَميعُ حُرَّاسًا لِشَيْءٍ أكبر مِنْهُم.
معَ مُرورِ السَّنَوَاتِ ،
تَغَيَّرَت المَدينةُ ، لكنَّ الحِكاية بَقِيَتْ تُرْوَى دُون أسماءٍ كبيرة ،
ودُون تَمْجيدٍ صاخبٍ . إنَّها قِصَّةٌ عَنْ بَشَرٍ قَرَّرُوا في لَيْلَةٍ سَوْداء
أنْ يَقِفُوا بَيْنَ النارِ والوَرَقِ ، لأنَّهُم فَهِمُوا أنَّ إنقاذَ الكُتُبِ
لَيْسَ فِعْلَ شَجاعةٍ فَقَط ، بَلْ أيضًا هُوَ فِعْلُ إيمانٍ عميقٍ بأنَّ
الذاكرةِ ، مَهْمَا أُحْرِقَتْ ، يُمكِن أنْ تُنْقَذَ إنْ وُجِدَ مَنْ يَحمِلها بِيَدَيْهِ
العَارِيَتَيْن .
لَيْسَ إنقاذُ الكُتُبِ
تَحَدِّيًا للنارِ ، بَلْ هُوَ تَحَدٍّ للنِّسْيانِ ، فاليَدُ التي تَلتقطُ
صَفْحَةً مُحترقةً إنَّما تُمْسِكُ بتاريخٍ يَرْفُضُ المَوْتَ . وَحِينَ نُؤْمِنُ
بالكَلِمَةِ ، تُصْبحُ الذاكرةُ أقوى مِنَّ الرَّمادِ . لَيْسَ إنقاذُ الكُتُبِ
مُوَاجَهَةً معَ الحَريقِ ، بَلْ مُصَالَحَة معَ الخُلودِ، فالصَّفَحَاتُ التي
نُنْقِذُها تُنْقِذُنا مِنَ العَدَمِ .
112
في ذلك الرُّكْنِ مِنَ
البَلْقَانِ ، حَيْثُ كانت الجِبالُ تَحْفَظُ صَدى الأغاني القديمةِ ، والأنهارُ
تُعلِّم القُرى مَعنى الصَّبْرِ ، انكَسَرَ الزَّمَنُ فَجْأةً ، وَسَاعَةُ
التاريخِ سَقَطَتْ مِنْ يَدِه . لَمْ تَبدأ الحربُ بِصَوْتِ الرصاصِ ، بَلْ بَدأتْ
بارتباكٍ صامتٍ ، بِسُؤالٍ لَمْ يَجِدْ جَوابًا: (( كَيْفَ يُمكِن للأرضِ الواحدةِ
أنْ تَضِيقَ بأبنائها ؟ )) .
السَّنَوَاتُ التي سَبَقت
الاشتعالَ تَحمِل تَوَتُّرًا خَفِيًّا مِثْلَ غَيْمٍ ثقيلٍ لا يُمطِر . دَوْلةٌ
كبيرةٌ تَتفكَّك، وَحُدُودٌ تُرسَم على الوَرَقِ قَبْلَ أنْ تُرسَم في
القُلوبِ،وَخِطاباتٌ تَتبدَّل لَهْجَتُهَا مِنْ " نَحْن" إلى" أنا
"، ثُمَّ إلى " ضِدُّك " . في تِلْكَ اللحْظَةِ ، لَمْ يَكُن
الناسُ يَفْهمون أنَّ الكَلِمات حِينَ تُشحَن بالخَوْفِ ، تَتحوَّل إلى سَكاكين
غَيْرِ مَرئيَّة .
اندلعت الحَرْبُ الكُرْواتيَّةُ
البُوسنيَّةُ في 18 تَشْرين الأوَّل / أُكتوبر 1992 ، لا كَحَادِثٍ مُفاجِئ،بَلْ
كَنَتيجةٍ لِتَرَاكُمٍ طويلٍ مِنَ الشُّكوكِ والطُّموحاتِ المُتصادِمة. تحالفاتٌ
وُلِدَتْ ثُمَّ انهارتْ. وُعودٌ قُطِعَتْ ثُمَّ نُسِيَتْ . سِلاحٌ دَخَلَ المُدُنَ
قَبْلَ أنْ تُغادِرها الحِكْمَةُ .
السِّيَاسَةُ أعلى صَوْتًا مِنْ بُكاءِ الأُمَّهاتِ ، والخَرائطُ أهَمُّ
مِنَ البُيُوتِ التي عاشتْ فِيها أجيالٌ بِلا سُؤالٍ عَن الاسْمِ واللغةِ .
في القُرى المُختلِطة ، حَيْثُ
كانت الأبوابُ تُتْرَكُ نِصْفَ مَفتوحةٍ ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ . صارَ الجارُ
يَتجنَّب النَظَرَ في عَيْنَيْ جارِه ، لَيْسَ لأنَّه يَكْرهه ، بَلْ لأنَّه يخافُ
أنْ يَرى نَفْسَه هُناك . الخَوْفُ هُوَ اللغةُ المُشترَكة الوحيدة ، يَتحدَّثها
الجَميعُ بِطَلاقةٍ مُوجِعة. ومعَ الخَوْفِ ، جاءَ الصَّمْتُ ، ثُمَّ جاءت
الأوامرُ ، ثُمَّ صارَ الصَّمْتُ جَريمةً .
المُدُنُ التي كانتْ تَعرِف
إيقاعَ السُّوقِ صَباحًا ، صارتْ تَعُدُّ أيَّامَها بِعَدَدِ الانقطاعاتِ : انقطاع
الكَهْرباءِ ، انقطاع الماءِ ، انقطاع الأخبارِ الصادقة . الليلُ صارَ أطْوَلَ ،
لَيْسَ لأنَّ الشَّمْسَ تأخَّرَتْ، بَلْ لأنَّ القُلوبَ فَقَدَتْ قُدْرَتَهَا على
الانتظارِ . وفي النَّهارِ ، كانت الوُجوهُ تَمْشي وكأنَّها تَحمِل تواريخَها على
رُمُوشِها ، مُتْعَبَةً مِنْ إفرازاتِ الذاكرةِ المُتَشَظِّيَةِ . الحَرْبُ لَيْسَتْ
حِكايةَ جَبَهَاتٍ فَقَط، بَلْ حِكاية تفاصيل صغيرة تُسحَق : دَفْتر طِفْلٍ لَمْ
يَكْتَمِلْ ، رِسالة لَمْ تَصِلْ ، شَجَرَة زَيتون قُطِعَتْ لأنَّها وَقَفَتْ في
المَكانِ الخَطأ . التاريخُ لا يُكْتَبُ بالحِبْرِ ، بَلْ بالغِيَابِ . وكُلُّ
غِيابٍ سَطْرٌ جَديدٌ في ذاكرةٍ جَمَاعِيَّةٍ لا تُريدُ أنْ تَنْسَى ، ولا
تَعْرِفُ كَيْفَ تَتذكَّر دُونَ أنْ تَتألَّم .
معَ امتدادِ القِتالِ بَيْنَ
القُوى الكُرْواتيةِ والبُوسنيةِ ، تَبَدَّلَت الخَرائطُ مَرَّةً أُخْرَى ،
وَتَبَدَّلَتْ مَعَهَا مَشاعرُ الناسِ . مَنْ كانوا يُقَاتِلُون جَنْبًا إلى
جَنْبٍ وَجدوا أنفُسَهم عَلى ضَفَّتَيْن مُتَقَابِلَتَيْن . لَمْ يَكُن ذلك
لأنَّهم تَغيَّروا فَجْأةً ، بَلْ لأنَّ الواقعَ فُرِضَ عَلَيهم كَقِناعٍ ثقيلٍ .
القِناعُ يَخْنُقُ الوَجْهَ ، ولا يُعَبِّرُ عَنْه. كانت المُفاوَضاتُ تُعْقَدُ
بعيدًا عَنْ رَائحةِ البارودِ ، والكَلِمَاتُ الرَّسميةُ تُقَالُ بِنَبْرةٍ هادئة
، بَيْنَما كانت الأرضُ تَحْتَها تَرتجف.وَعِندَما وُقِّعَت لاحقًا، لَمْ تَكُنْ
نِهايةَ الألَمِ،بِلْ بِدايته الصامتة. فالحَرْبُ حِينَ تَتوقَّف، لا تَعُود
الحياةُ فَوْرًا ، تَبْقى عالقةً بَيْنَ الأمْسِ والغَدِ، تَبحثُ عَنْ مَعْنى
جَديدٍ للعَيْشِ .
مَا خَلَّفَتْهُ تِلْكَ الحَرْبُ
لَمْ يَكُنْ فَقَط دِمَار الحَجَرِ ، بَلْ تَشَقُّق المَعْنى . صارَ السُّؤالُ :
كَيْفَ نُعِيدُ بِناءَ الثِّقةِ ؟ أصعبَ مِنْ سُؤالِ : كَيْفَ نُعِيدُ بِناءَ
الجُدْرانِ ؟ ، لأنَّ الجِدار يُرمَّم بالأسْمَنْتِ ، أمَّا القلبُ فَيَحْتاج إلى
زَمَنٍ ، وشَجاعةِ الاعترافِ ، وذاكرةٍ لا تَستخدمُ الألَمَ كَسِلاحٍ .
حِينَ يُذكَر ذلك الفصلُ مِنَ
التاريخِ، لا يَنْبغي أنْ يُقْرَأ كَصِراعِ أسماءٍ وَهُوِيَّاتٍ، بَلْ كَدَرْسٍ
قاسٍ عَنْ هَشاشةِ الإنسانِ حِينَ يَنْسَى إنسانيته . الحَرْبُ الكُرْواتيةُ
البُوسنيةُ لَيْسَتْ مُجرَّد تواريخ وَمُعاهَدات ، بَلْ مِرْآة تُظهِر لَنا كَيْفَ
يُمكِن للخَوْفِ أنْ يَصنعَ مَصِيرًا ، وكَيْفَ يُمكِن للأملِ إنْ تُرِكَ حَيًّا
أنْ يُعِيدَ رَسْمَ النِّهايةِ .
تَبْقى الأرضُ هُناك ، صامتةً
لكنَّها شاهدة . تَعرِف أنَّ مَنْ مَرُّوا عَلَيها كانوا يَوْمًا مَا جِيرانًا
قَبْلَ أنْ يَكُونوا خُصُومًا ، وأنَّ الدَّمْعة التي سَقَطَتْ عَلى تُرابِها لَمْ
تَسألْ عَنْ هُوِيَّةِ صاحبِها . الأرضُ لا تَنحازُ ، لكنَّها تَتذكَّر . وَنَحْنُ
إنْ أرَدْنا أنْ نَكُونَ أصدقَ مِنْها ، عَلَيْنا أنْ نَتذكَّرَ أيضًا ، لا
لِنُشْعِلَ النارَ مِنْ جَديدٍ ، بَلْ لِنَحْرُسَ السَّلامَ حِينَ يأتي ، حتى لا
يَضِيعَ مَرَّةً أُخْرَى في زَحْمَةِ الخَوْفِ .
113
في صَباحٍ باردٍ مِنْ تَشْرين
الأوَّل ، لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ مَا يُنذِر بالانفجارِ . الأزِقَّةُ الضَّيقةُ
تَحفظُ آثارَ خُطُواتِ الناسِ ، والبُيُوتُ المُتلاصقة تتبادلُ الصمتَ أكثر مِنَ
الكلام . فَجْأةً ، انقطعَ الصوتُ المُعتاد للحياة ، وَحَلَّ مَكانَه ارتجافٌ عميق
في الأرضِ . لَمْ يَفْهَمْ أحَدٌ في اللحْظَةِ الأُولَى أنَّ الحَرْبَ بدأتْ ،
لكنَّ العُيون فَهِمَتْ قَبْلَ العُقُولِ .
الرَّجُلُ الذي يَحمِل خُبْزَ
الصباحِ تَوَقَّفَ في مُنتصَف الطريق . الفتاةُ التي تُراقِبُ الشارعَ مِنَ
النافذةِ شعرتْ أنَّ قلبها يَنسحب إلى الخَلْفِ . الطِّفْلُ الذي يَضحكُ ، صَمَتَ
فَجْأةً ، كأنَّ الضحكة أدركتْ أنَّها لَمْ تَعُدْ مُناسِبة . هكذا بَدأت
الحِكايةُ ، بِلا إعلانٍ ولا وَداعٍ .
تَحَوَّلَت البُيوتُ إلى
كائناتٍ حَذِرَة . الجُدْرانُ لَمْ تَعُدْ تَحْمي ، بَلْ تُصْغي . في الليلِ ،
نامَ الناسُ بملابسهم، لا لأنَّهُم مُسْتَعِدُّون للهُروبِ،بَلْ لأنَّهُم لَمْ
يَعُودوا قادرين على الإحساسِ بالأمَانِ.
الأُمُّ التي جَمَعَتْ أبناءها
قُرْبَها ، لَمْ تَكُنْ تَعرِف كَيْفَ تشرحُ لَهُم مَعْنى الأصواتِ البعيدةِ .
لَمْ تَكْذِبْ ، لكنَّها لَمْ تَقُل الحقيقةَ كاملةً . الحقيقةُ أثقلُ مِنْ أنْ
تُقَال . في الخارج ، تَغيَّرت الوُجوه . الناسُ يَنظُرون إلى بَعْضِهم بِقَلَقٍ
لا بِعَدَاءٍ . الخَوْفُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهم ، لكنَّه أربكَ الجميعَ .
الشَّبابُ الذينَ خَرَجُوا
مِنَ المَدينةِ لَمْ يَخْرُجوا بحثًا عن البُطولة ، بَلْ لأنَّ البَقاء صارَ
مُستحيلًا . في الطريقِ التُّرابيِّ المُؤدِّي إلى خُطوطِ القِتالِ ، كانَ
الصَّمْتُ أعلى مِنْ أيِّ خِطاب .
أحَدُهُم كانَ يُفَكِّرُ في
بَيْتٍ تَرَكَه بِلا قُفْلٍ . شَخْصٌ آخَر يَتذكَّر صَوْتًا وَعَدَه بالعَوْدة .
وثالثٌ يَشعرُ أنَّ عُمْرَه انقسمَ إلى نِصْفَيْن : مَا قَبْلَ هذه الخُطْوة ،
وَمَا بَعْدَها .
عِندَما وَصَلُوا، لَمْ يجدوا
مَا يُشبِه الصُّوَرَ في خَيالهم. لا يُوجَد مَجْدٌ ، بل انتظار طَويل ، وَبَرْد،
وأرضٌ لا تَهْتَمُّ بِمَنْ يَقِفُ عَلَيْها . القذائفُ لَمْ تُميِّز بين شارعٍ
وشارعٍ . كُلُّ ضَرْبَةٍ تَترُك أثَرًا في الحَجَرِ والذاكرةِ . المَرْأةُ التي
فقدتْ نافذتها فقدتْ معها شُعورَ الزمن . لَمْ تَعُدْ تَعرِف إنْ كانَ النهارُ
قَدْ طالَ أَمْ أنَّ الليلَ صارَ أثقلَ .
في المَلاجئِ تَختلطُ الأنفاسُ
، والخَوْفُ يَتوزَّع بِعَدالةٍ قاسية . لا أحد يَملِك أكثرَ مِنْه ، ولا أحد
يَنْجو مِنْه . المَدينةُ لَمْ تَمُتْ ، لكنَّها بدأتْ تَنْزِفُ بِبُطْءٍ . وَسَطَ
كُلِّ هذا ، وُلِدَتْ مَشاعِر لَمْ تَطْلُب الإذْنَ ، نَظْرةٌ سريعةٌ في مَلْجَأ ،
يَدٌ لامستْ يَدًا أُخْرَى أثناءَ الهُروبِ ، وَعْدٌ غَيْرُ مَنطوق .
لَمْ يَكُنْ هُناكَ وَقْتٌ
للأحلامِ الطويلة، لكنَّ القُلوبَ أصَرَّتْ على النَّبْضِ . كانَ الحُبُّ هُنا
هَشًّا، لكنَّه عَنيد . يَعرِف أنَّه قَدْ لا يَكتمِل ، ومعَ ذلك يَرفُضُ الغِيابَ
. كُلُّ رِسالةٍ تُكْتَبُ وكأنَّها الأخيرة ، وكُلُّ لِقَاءٍ يُخْتَصَرُ خَوْفًا
مِنَ الفَقْدِ. لَيْسَتْ كُلُّ المَعاركِ في الخارجِ . في الداخلِ ، كانَ
الصِّرَاعُ أشَدَّ: كَيْفَ تُحافظ على إنسانيتك بَيْنَما يُطالبكَ الواقعُ
بالتَّخَلِّي عَنْها ؟ .
أحَدُهُم أنقذَ جَريحًا لا
يَعرِفه ، ثُمَّ جَلَسَ يَبْكي لأنَّه أدركَ أنَّ الحربَ لَمْ تَنتصرْ عَلَيْه
بَعْد . وَشَخْصٌ آخَر أغلقَ قَلْبَه تَمامًا ، لَيْسَ قَسْوَة ، بَلْ حِماية .
الناسُ تَغيَّروا ، لكنَّهم لَمْ يُصْبحوا نُسْخَةً واحدةً . كُلُّ واحدٍ يَخُوضُ
حَرْبَه الخاصَّة . لَمْ تَكُن الخَسارةُ رَقْمًا ، كانتْ فَراغًا على مائدةٍ ،
سَريرًا لَمْ يُرَتَّبْ ، صَوْتًا لا يَرُدُّ . عِندَما وَصَلَ الخَبَرُ ، لَمْ
يَصْرُخْ أحَدٌ ، الصَّمْتُ أبْلَغُ . المَدينةُ تَعلَّمتْ كَيْفَ تَعيشُ معَ
الغِيابِ ، لا تَتقبَّله ، بَلْ تَحمِله فَقَط . الذاكرةُ سَاحةٌ أُخْرَى ، لا
هُدْنة فيها . عِندما خَفَّت الأصواتُ لَمْ يَأتِ السلامُ فَوْرًا . خَرَجَ الناسُ
بِبُطْءٍ ، يَنظُرون إلى الشوارعِ كَما لَوْ أنَّها عادتْ مِنْ غِيابٍ طويل.
بعضُهم عادَ ناقصًا، وبعضُهم لَمْ يَعُدْ أبَدًا. لكنْ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ ،
اسْتَمَرَّت الحَياةُ ، لَيْسَ لأنَّها انتصرتْ ، بَلْ لأنَّها رَفَضَت الاستسلامَ
.
بَقِيَت الحِكايةُ مَفتوحةً
بِلا أسماءٍ ولا شِعاراتٍ. بَشَرٌ عاشوا الحَرْبَ ، وَخَرَجُوا مِنْهَا مُختلِفين
، يَحمِلون في قُلوبِهم مَا لا يُمكِن مَحْوُه ، ويَعرِفون أنَّ أقسى المَعاركِ
لَيْسَتْ تِلْكَ التي تُخَاضُ بالسِّلاحِ ، بَلْ تِلْكَ التي تُخَاضُ للبَقَاءِ
بَشَرًا .
114
امتلأت السَّماءُ بِرَائحةِ
التُّرابِ المَحروقِ والدُّخَانِ المُتصاعِدِ مِنَ المُدُنِ المُدمَّرة .
الصَّمْتُ يَختنقُ بَيْنَ الأشجارِ المَكْسُوَّةِ بالغُبارِ . الأرضُ التي كانتْ
يَوْمًا مَليئةً بالضَّحِكِ والفَرَحِ أصبحتْ مَسْرَحًا لِغَضَبٍ بِلا هَوَادَة .
الأصواتُ التي كانتْ تَمْلأ الأسواقَ والمَنازلَ اخْتَفَتْ ، وَحَلَّتْ مَكانَها
صَرَخَاتُ الرِّياحِ وَصَرَخَاتُ الرَّصاصِ .
في قلبِ الفَوضى ، وقفتْ مَجموعة
مِنَ المُقاتِلين ، بعضُهم يَرتجفُ مِنَ الخَوْفِ ، وآخَرُون تَتَّقِدُ أعْيُنُهُم
بِرُوحٍ لا تَعرِف الهَزيمةَ . لَمْ يَكُن الفَرْقُ بَينهم مُجرَّد جِنْسية أوْ
وَلاء ، بَلْ كانَ الصِّراعُ يَدُور داخلَ كُلِّ واحدٍ مِنهُم بين رَغبةِ البقاءِ
والشُّعورِ العميقِ بالإنسانيةِ التي تَهْتَزُّ معَ كُلِّ طَلْقٍ ناريٍّ.
في القَريةِ الواقعةِ عَلى
تَلَّةٍ صغيرةٍ ، تَردَّد صوتُ إطلاق النار لأول مَرَّة في الصَّباحِ الباكرِ .
مِنَ المُستحيلِ تجاهلُ صوتِ الانفجاراتِ الصغيرة التي دَمَّرَت البُيُوتَ حُلْمًا
حُلْمًا . رِجَاء وَنِسَاء ، شباب وكِبَار ، كُلُّهم ارتجفوا في مُواجهةِ مَا لَمْ
يَكُنْ أحدٌ مُسْتَعِدًّا له .
بَيْنَ الأنقاضِ ، كانَ هُناكَ
مُقَاتِلٌ شابٌّ ، لَمْ يَتجاوز العِشرين مِنْ عُمْرِه ، يَقِفُ أمامَ جِدارٍ
مُحَطَّمٍ يُحاولُ أنْ يَلتقطَ أنفاسَه . عَيْناه تَلْمعان بالخَوْفِ والإصرارِ
معًا . رِفَاقُه يُحاولون تَجهيزَ الأسلحةِ ، والتَّحَرُّك نَحْوَ مَواقعِ
العَدُوِّ ، لكنَّ الرَّهبة تَتَغَلْغَلُ في الحَرَكَاتِ والنَّظَرَاتِ والقُلوبِ
التي تَنبِض بِعُنْفٍ وسط هذه الفَوضى . على الجانبِ الآخَرِ ، كانتْ مَجموعة مِنَ
المُقاتِلين يَقُودُهم شُعورٌ غريب بالواجبِ ، مَزِيج مِنَ الغضبِ والرَّغبةِ في
الدِّفاعِ عَنْ مَا تَبَقَّى لَهُمْ مِنْ أرضٍ . كُلُّ واحدٍ مِنهُم يَحمِل على
كَتِفِهِ قِصَصًا عَنْ فِقْدانِ الأحِبَّاءِ ، والبُيُوتِ التي تَحَطَّمَتْ ،
والحَنينِ الذي يَلتهِم قُلوبَهم .
حِينَ اندلعَ القِتالُ ، لَمْ
يَكُنْ هُناك وَقْتٌ للتَّفكيرِ في السِّياسةِ أو الأسبابِ . كُلُّ شَيْءٍ أصبحَ
صِراعًا للبَقاءِ . الرصاصُ يَخرِق الهواءَ ، والدُّخَانُ يَلْتَفُّ حَوْلَ
الأشجارِ ، والأرضُ تَهْتَزُّ معَ الانفجاراتِ العنيفةِ التي تُحطِّم الحَجَرَ ،
وَتَشُقُّ الطُّرُقاتِ . في وَسَطِ هَذا الجُنونِ ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مُتَأكِّدًا
مَنْ سَيَخْرُج حَيًّا ، وَمَنْ سَيُصْبحُ ذِكْرى على هذه الأرضِ المَحروقةِ .
بَيْنَما تَساقطَ المَطَرُ
فَجْأةً ، كأنَّه دَمْعة مِنَ الغُيومِ ، شَعَرَ المُقاتِلُ الشابُّ بِشَيْءٍ
يَشتعلُ في داخله . لَمْ يَكُنْ خَوْفًا فَحَسْب ، بَلْ أيضًا كانَ إحساسًا غامضًا
بالمَسؤوليةِ تُجَاه كُلِّ شخصٍ يَقِفُ بجانبه ، وتُجَاه كُلِّ قلبٍ مَا زالَ
يَنبِض على هذه الأرض . كانتْ هذه
اللحْظَة التي أدركَ فيها أنَّ الحربَ لَيْسَتْ مُجرَّد مَعركةٍ بَيْنَ جُنودٍ ،
بَلْ مَعركة بَيْنَ رُوحِ الإنسانِ وَظَلامِ العَالَمِ الذي أصبحَ يُحِيطُ بِه .
في لَيْلَةٍ مُظلِمة ، حَيْثُ لَمْ
يَعُدْ هُناك ضَوْءٌ سِوى الخَيْطِ الباهتِ للقَمَرِ بَيْنَ الغُيوم ، تَجَمَّعَ
المُقَاتِلُون حَوْلَ حُفَرٍ صغيرة حَفَرُوها بأنفسهم.صَمْتٌ ثقيلٌ يُخيِّم على
المكان ، يَقْطَعُه أحيانًا صَوْتُ الرِّياحِ وَهُوَ يَسِيلُ بَيْنَ الأشجارِ
المكسورة . كُلُّ وَجْهٍ يَحْكي قِصَّةً مُختلفة : أحدهم فَقَدَ أخاه ، وآخَر
شاهدَ بَيْتَه يَنهار تحت أقدامِ المُهاجِمين ، وشابَّة صغيرة فَقَدَتْ والدتها في
انفجارٍ غامضٍ .
الشَّابُّ الذي وقف على
التَّلَّة في صَباحِ اليَوْمِ الأولِ لَمْ يَكُنْ وَحْدَه في خَوْفِه بعد الآن .
أصبحَ يَرى في رِفاقِه انعكاساتِ ذَاتِه : القُوَّة التي تَكَاد تَنكسر ،
والقَلَقُ المُستمِر الذي لا يَعرِف الرَّحمةَ . ومعَ كُلِّ طَلْقَةٍ ناريَّة ،
كانَ يَعْلَمُ أنَّ قلبه أصبحَ أقوى وأثقلَ في نَفْسِ الوقت .
بَيْنَما كانوا يُراقِبون
الأُفُقَ ، لَمَحُوا ظِلًّا يَمُرُّ بَيْنَ الأنقاض . خُطُواتُ المُقاتِلين
مَحسوبةٌ بِعِناية . التَّنَفُّسُ يَحمِل وَزْنَ المَوْتِ المُحْتَمَلِ . هُناك
شَيء يُشبِه الإصرارَ في تِلْكَ الخُطُوات . لَمْ يَكُنْ مُجرَّد خَوْفٍ أوْ
غَضَبٍ ، بَلْ كانَ شُعورًا غريبًا بالمَسؤوليةِ تُجَاه الأرضِ ، وحَياةِ مَنْ
تَبَقَّى عَلَيْها .
في الصَّباحِ التالي ، اندلعَ
قِتالٌ عنيفٌ في أحدِ المَمَرَّاتِ الضَّيقة التي تَفْصِلُ بَيْنَ قَرْيَتَيْن
صَغِيرَتَيْن . الأرضُ تَهْتَزُّ تحت أقدامِ المُقاتِلين ، والدُّخَانُ يَلْتَفُّ
حَوْلَهم كأنَّه سَحَابة مِنَ الأسى . كُلُّ انفجارٍ كانَ يُخلِّف أثَرًا في
القُلوبِ قَبْلَ أنْ يَتْرُكَ أثَرَه في الأرض .
على الجانبِ الآخَرِ، كانتْ
مَجموعة أُخْرَى تَتحرَّك بِبُطْءٍ،تُحاولُ استخدامَ التضاريسِ لصالحها. لَمْ
يَكُنْ لَدَيْهِم سِوى خِبْرتهم المحدودةِ وبقايا أسلحةٍ مُهترئة ، لكنَّهم كانوا
مَدفوعين بِشَيْءٍ أعمق مِنَ الخَوْفِ : الرَّغبة في حِمايةِ مَا تَبَقَّى مِنْ
كَرامتهم وحَياتهم .
بَيْنَ الفَوضى ، ظَهَرَ
المُقاتِل الشَّابُّ مَرَّةً أُخْرَى ، هذه المَرَّة على مَسافةٍ قريبة مِنَ
العَدُوِّ . لَمْ يَعرِف إنْ كانَ سَيَبْقى على قَيْدِ الحياةِ بَعْدَ لَحَظَاتٍ،
لكنَّ عَيْنَيْه تَتحدَّثان قَبْلَ فَمِه : صُمود ، تَحَدٍّ، امتنان لِكُلِّ مَنْ
وَقَفَ بجانبه .
في لَحْظَةٍ خاطفة ، عِندما
تَبَدَّدَتْ أصواتُ الانفجاراتِ قليلًا ، شَعَرَ فَجْأةً أنَّ هذه الحرب لَيْسَتْ
عَن الأرضِ أو السَّيطرةِ ، بَلْ عَنْ قُدرةِ الإنسانِ على أنْ يَظَلَّ إنسانًا في
قلبِ الظلام . كانتْ هذه اللحْظَة التي بَدأ فيها يَفْهَمُ مَعنى الحُزْنِ
الحقيقيِّ ، والتَّضحيةِ الحقيقية ، ومَعنى أنْ تَكُون رُوحُكَ مُتشابِكة معَ
كُلِّ مَا حَوْلَكَ ، حتى في أقسى الظُّروفِ .
بَيْنَ الدُّخَانِ الكَثيفِ
والأنقاضِ ، ظَهَرَ مُقَاتِلٌ آخَر ، أكبر سِنًّا ، وأكثر خِبْرَةً . عَيْناه
تَحمِلان عِبْءَ سَنَوَاتٍ مِنَ الحَرْبِ. يَعرِف أنَّ كُلَّ خُطْوةٍ يَخْطُوها
قَدْ تَكُون الأخيرةَ ، لكنَّه مَضى ، لأنَّ أمامَه شَبابًا يَحتاجون إلى
التَّوْجيه ، وقُلوبًا صغيرةً تَتعلَّم مَعنى البَقاءِ على قَيْدِ الحياةِ .
مَجموعةٌ مِنَ المُقاتِلين الصِّغار ، بعضُهم
لَمْ يَتجاوز العِشرين ، يَتعلَّمون بِسُرْعةٍ قاسية كَيْفَ يَتحركون ، كَيْفَ
يختبئون ، كَيْفَ يُواجِهون المَوْتَ بِلا تَرَدُّدٍ . يُشبِهون الشابَّ الذي
وَقَفَ على التَّلَّةِ مُنْذُ بِدايةِ الحرب . كُلُّ واحدٍ مِنهُم يَحمِل شُعورًا
مُختلِفًا . البعضُ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ الغَضَبُ ، والبعضُ الآخَر وَقَعَ فَريسةً
للخَوْفِ ، والقليلُ فَقَط استطاعَ أنْ يجد طريقَه في قلبِ الفَوضى دُون أنْ
يَفْقِدَ إنسانيته .
في إحدى الزوايا ، كانتْ
شَابَّة تَحمِل حقيبةَ إسعافٍ ، تَتقدَّم نَحْوَ مَوْقِعِ قِتالٍ مُلتهِبٍ . لَمْ
تَكُنْ مُقاتِلةً، لكنَّها تَعرِف أنَّ حياتها مُرتبطة بحياةِ الآخَرين.
نَظَرَاتُها لَمْ تَكُنْ مَليئةً بالخَوْفِ فَحَسْب، بَلْ أيضًا بالإصرارِ على
مُساعدةِ كُلِّ مَنْ حَوْلَها ، مَهْمَا كَلَّفَها ذلك مِنْ مَخاطِر .
تقاطعتْ طُرُقُ هؤلاء
المُقاتِلين فَجْأةً على تَلَّةٍ صغيرةٍ ، حَيْثُ تَوَقَّفُوا لِثَوَانٍ وكأنَّ
الزمنَ تَجمَّد . لا وقتَ للحديثِ . كُلُّ نَظْرةٍ بَيْنَ هَذه الوُجوهِ تَقُولُ
مَا لا تَستطيعُ الكَلِمَاتُ التَّعبيرُ عَنْه : الخَوْف، الألَم ، الأمل ،
التَّشَبُّث بالإنسانيةِ في لَحْظةِ فِقْدانِ كُلِّ شَيْء .
معَ شُروقِ الشَّمسِ ، بَدأت
المَعركةُ الحاسمةُ على الطريقِ بَيْنَ قَرْيَتَيْن صغيرتَيْن . الأرضُ
مُهَشَّمَةٌ ، والأشجارُ مُحترِقة ، والدُّخَانُ يَمْلأ السَّماءَ ، وأصواتُ
الانفجاراتِ والرصاصِ جَعَلَت القُلوبَ تَرتجف ، لكنَّ المُقَاتِلين لَمْ
يَتراجعوا .
الشَّابُّ الذي وَقَفَ على
التَّلَّةِ مُنْذُ البِدايةِ أصبحَ الآنَ أكثرَ نُضْجًا ، تَعَلَّمَ أنَّ الخَوْفَ
لَيْسَ ضعفًا ، بَلْ هُوَ إشعارٌ بالحياة . إلى جانبِه ، المُقاتِل الأكبرُ سِنًّا
يُوجِّه الخُطُواتِ ، وَيُخفِّف التَّوَتُّرَ بَيْنَ الشَّبابِ ، والشَّابَّةُ
المُسْعِفَةُ تَنتقلُ بَيْنَ الجَرْحى بِلا تَوَقُّفٍ ، كأنَّها رَمْزٌ للأملِ في
قلبِ الجَحِيم.
في لَحْظةٍ فاصلةٍ ، سَقَطَ
أحدُ رِفاقهم أمامَهم . صَرْخَةُ الألَمِ لَيْسَتْ صَرْخةً جَسديةً فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا صَرْخَةُ رُوحٍ ، صَرْخَةُ قلبٍ تَحَطَّمَ في وَسَطِ النارِ . شَعَرَ
المُقَاتِلُون بِثِقَلِ اللحْظَةِ ، لكنَّهم اسْتَجْمَعُوا شجاعتهم ،
وَتَقَدَّمُوا ، لأنَّهُم فَهِمُوا أنَّ المَعركةَ لَمْ تَكُنْ فَقَط على الأرضِ ،
بَلْ أيضًا كانتْ على مَعنى البقاءِ والإنسانيةِ . وَفِيما اندلعت النِّيرانُ مِنْ
حَوْلِهم ، أدركَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُم شيئًا أساسيًّا : الحرب لا تُعْطي أبطالًا
فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تُعْطي رُوحًا تُواجِه أقصى حُدودِها ، رُوحًا تَعرِف قِيمةَ
الصُّمودِ ، والوفاءِ ، والحُبِّ في أحْلَكِ الظُّروفِ .
بَعْدَ أيَّامٍ مِنَ القِتالِ
المُستمِر ، أصبحَ الشابُّ على التَّلَّةِ يَشعرُ بِثِقَلِ الحربِ على قلبه . لَمْ
تَعُدْ كُلُّ مَعركةٍ مُجرَّد مُواجَهةٍ جسديةٍ ، بَلْ كانت احتبارًا للصَّبْرِ
والرَّحمةِ وقُدرةِ الإنسانِ على البَقاءِ إنسانًا رَغْمَ الفَوْضى . في زاويةٍ
مُدمَّرةٍ مِنَ القَريةِ ، جلسَ المُقاتِلُ الأكبرُ سِنًّا إلى جانبِ الشَّابَّةِ
المُسْعِفَةِ ، يُراقِبان الشَّبابَ وَهُمْ يُحاولون تَجهيزَ مَواقعِهم . هُناكَ
لَحْظَةُ صَمْتٍ ، صَمْت ثقيل ، لكنَّه مَلِيءٌ بالمَعنى.الجَميعُ يَعرِف أنَّ هذه
اللحَظَات النادرة بَيْنَ القِتالِ تَحمِل أكثرَ مِمَّا تَراه العَيْنُ: ذِكْريات
، خَوْف ، حَنين للماضي البعيد ، أمَل ضعيف يَرفُضُ الانطفاءَ .
الشابُّ الصغيرُ جلسَ أيضًا ،
يَلْهَثُ مِنَ التعب ، لكنَّه التقطَ أنفاسَه ، ونظرَ حَوْلَه . كُلُّ وَجْهٍ
يَعكِس قِصَّةً ، وكُلُّ قلبٍ يَنبِض بِصِراعٍ داخليٍّ . وبَيْنَما كانَ
الدُّخَانُ يَتصاعدُ مِنَ الأنقاضِ ، شعروا جميعًا أنَّهُم لَيْسُوا وَحْدَهم في
هذه الحربِ . رَغْمَ العَداوةِ والخَسارةِ والألمِ ، كانت الإنسانيةُ لا تَزالُ
مَوجودةً ، مُتشابِكة في النَّظَرَاتِ واللمَسَاتِ وصَرَخَاتِ الألَمِ .
بَدأتْ مَعركةٌ جَديدةٌ عِندَ أطرافِ القَريةِ
المُحترقة . أصواتُ الانفجاراتِ تَهُزُّ الأرضَ ، والدُّخَانُ يَلْتَفُّ حَوْلَ
الأشجارِ المَكسورةِ . كُلُّ مُقَاتِلٍ يَعرِف أنَّ هذه اللحظة قد تَكُون فاصلةً
بين الحياةِ والمَوْتِ، لكنَّهم تَقَدَّموا بِلا تَرَاجُع ، مَدْفوعِين بإحساسٍ
أقوى مِنَ الخَوْفِ، شُعور بأنَّ كُلَّ لَحْظة في الحربِ تَكشِف عَنْ قلبِ
الإنسانِ الحقيقيِّ .
في وَسَطِ القِتالِ، وَقَعَ
الشابُّ على الأرضِ ، أصابعُه تَمسحُ التُّرابَ بَيْنَ الانفجارات ، وَرُؤيةُ
رِفَاقِه وَهُمْ يَتقدَّمون دَفَعَتْهُ للقِيامِ مُجَدَّدًا . المُقَاتِلُ الأكبرُ
سِنًّا كانَ بجانبه ، يَحْميه ، وَيَحُثُّه على التَّقَدُّمِ ، بَيْنَما الشَّابَّة
المُسْعِفَة تَمُدُّ يَدَيْهَا لِتُسَاعِدَ مَنْ يَحْتاج .
لَحْظَةٌ فاصلةٌ وَقَعَتْ
حِينَ وَجدوا أنفُسَهم أمامَ نُقْطَةِ دِفاعِ العَدُوِّ الأكثرِ شَراسةً. كُلُّ
حَرَكَةٍ مَحسوبةٌ ، وكُلُّ طَلْقَةٍ مَدروسةٌ ، وكُلُّ صَرْخَةٍ تَحتضِنُ مَعنى
البَقَاءِ . رَغْمَ الخَوْفِ ، كانَ هُناكَ شُعورٌ غَريبٌ بالقُوَّةِ المُشترَكةِ
، والترابطِ بَيْنَ مَنْ يُقَاتِلُون جَنْبًا إلى جَنْبٍ. وَبَيْنَما اشتعلت
النِّيرانُ حَوْلَهم ، أدركَ كُلٌّ مِنهُم شيئًا مُهِمًّا ، الحربُ قَدْ تُحرِق
كُلَّ شَيْءٍ، لكنَّها لا تَستطيعُ أنْ تَمْحو رُوحَ الإنسانِ ، ولا الوفاءَ ، ولا
القُدرةَ على التَّضْحيةِ مِنْ أجْلِ الآخَرين. في قلبِ هذه العاصفةِ ،
اكْتَشَفُوا مَعنى أنْ تَكُونَ شُجاعًا ، لَيْسَ لأنَّه لا يُوجَد خَوْفٌ ، بَلْ
لأنَّكَ تختارُ الوُقوفَ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ .
مَرَّت الأيَّامُ كأنَّها صُخورٌ
، وانتهى كُلُّ شَيْءٍ ، لِكُلِّ بِدايةٍ نِهايةٌ . في هذا الهُدوءِ بَعْدَ
العاصفةِ ، أدرَكوا جَميعًا شيئًا مُهِمًّا ، الحَرْبُ لَمْ تَسْرِقْ مِنهُم كُلَّ
شَيْءٍ . الصَّدَاقاتُ التي تَشَكَّلَتْ ، التَّضْحيةُ التي بَذَلُوها، القِيَم
التي حافظوا عَلَيها أكثرُ قُوَّةً مِنَ الدَّمارِ الذي يَنْتشرُ حَوْلَهم .
بَيْنَ الرَّمادِ والأنقاضِ ، بَزَغَ
شُعاعٌ مِنَ الأملِ . تَعلَّموا أنَّ البَقاء حَيًّا لَيْسَ مُجرَّد مَسألةٍ
جسدية، بَلْ مَسألة قلبٍ وَرُوحٍ ، وأنَّ القُوَّة الحقيقية تَكْمُنُ في القُدرةِ
على الاستمرارِ ، والبَقاءِ إنسانًا ، حتى عِندما يُصْبحُ العَالَمُ نارًا
وَدُخَانًا .
وَقَفَ الشابُّ على التَّلَّة
، يَنظُر إلى الأُفُقِ، حَيْثُ تَمتزجُ السَّماءُ معَ دُخَانِ الأرضِ المَحروقةِ .
كُلُّ زاويةٍ مِنْ هذه الأرضِ تَحمِل ذِكرياتِ الألمِ والخَسارةِ ، لكنَّها أيضًا
تَحمِل صَدى الشَّجَاعةِ والوفاءِ والإنسانيةِ التي لَمْ تُمْحَ بَعْد .
المُقَاتِلُ الأكبرُ سِنًّا
بجانبه ، صَوْتُه هادئ ، لكنَّه مُمتلئ بالمَعنى : (( لَقَدْ نَجَوْنا ، لَيْسَ
لأنَّنا الأقوى ، بَلْ لأنَّنا تَمَسَّكْنا بِما هُوَ صَحيحٌ )) .
الشابَّةُ المُسْعِفَةُ ،
رَغْمَ تعبِها ، ابتسمت ابتسامةً ضعيفةً ، لكنَّها صادقة ، تَحمِل وعدًا
بالحَياةِ، والاستمرارِ ، وَبِناءِ شَيْءٍ جَديدٍ بَيْنَ أشرعةِ الرَّماد . وفي
لَحْظةِ صَمْتٍ أخير ، أدركَ الجميعُ أنَّ الحربَ قَدْ تَرَكَتْ جُروحًا ، لكنَّها
لَمْ تَستطعْ أنْ تَقْتل الأملَ .
في أعماقِ الرُّكامِ
والدَّمارِ والدُّخَانِ ، ظهرت الحقيقةُ الواضحة ، مَا يَجْعل الإنسانَ حقيقيًّا
لَيْسَتْ انتصاراته أوْ هزائمه، بَلْ قلبه الذي لا يَزالُ يَنبِض بالرَّأقةِ والحُبِّ
والوفاءِ في أقسى الظُّروفِ.
ومعَ آخِرِ شُعاعٍ مِنَ
الشَّمسِ يَخْتفي خَلْفَ الأُفُقِ ، تَنَفَّسوا جميعًا بِعُمْق ، مُسْتشعرين أنَّ
الحياةَ مُستمرة ، وأنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ ، وكُلَّ خَسارةٍ ، وكُلَّ لَحْظةِ
ألَمٍ ، كانتْ دَرْسًا عَن الشَّجَاعةِ الحقيقية ، دَرْسًا عَنْ أنَّ الرُّوحَ
الإنسانية، مَهْما اجتاحتها العواصفُ، تَبْقى دائمًا قادرةً على النُّهُوضِ مِنَ
الرَّمادِ، لِتَبْدأ مِنْ جَديدٍ. وهَكذا، رَغْمَ كُلِّ مَا فَقَدُوه ، وَجدوا
ضَوْءًا صغيرًا يَنبعثُ مِنْ داخلِهم ، ضَوْء الأملِ الذي لا يَنطفئ ، ضَوْء
الإنسانِ الذي لا يُكْسَر .
115
في ذلك اليَوْمِ الباردِ
الرَّهيبِ ، 31 كانون الأول / ديسمبر 1992 ، كانتْ شوارعُ سَراييفو تَنْزِفُ
تَحْتَ وَطأةِ الجُوعِ والخَوْفِ . تَحْبُو بَيْنَ الأطلالِ والذكرياتِ المُحطَّمة
. ومعَ أُولَى خُطُواتِه داخلَ المَدينةِ، شَعَرَ الأمينُ العامُّ للأُمَمِ
المُتَّحدة بُطْرُس غالي بِثِقَلِ المكان، وَصَرَخَاتِ الصَّمْتِ التي تَخرُج مِنْ
وُجوهِ الناسِ قَبْلَ كَلِماتهم ، وَثِقَلِ عُيونِ البوسنيين التي فَقَدَت الأملَ
، لكنَّها مَا زالتْ تَطْلُبُ العَدالةَ .
الهَواءُ حادٌّ كالسِّكِّين ،
يَحمِل معه رائحةَ البَرْدِ المَمزوجة بالغضبِ والكَرَاهِيَةِ الصامتةِ ، وَصَدى
الانفجاراتِ الماضية ، وَذِكْرياتِ الأشهُرِ الطويلةِ مِنَ الحِصَارِ القاسي .
السُّكَّانُ مُتْعَبُون مِنَ
الانتظارِ ، والصَّبْرِ الذي لَمْ يُثْمِرْ ، والوُعودِ الدَّوْليةِ التي لَمْ
تَتحقَّق . وفي وُجوههم رَأى بُطْرُس غالي الألمَ المَكتومَ ، والحُلْمَ المَفقودَ
، والدُّمُوعَ التي تُحاولُ أنْ تَجِدَ مُتَنَفَّسًا في هذه المَدينةِ المنكوبةِ
التي عانتْ أكثرَ مِمَّا يَتحمَّله البشر .
حِينَ حاولَ التَّحِيَّةَ، لَمْ
تَكُن الرُّدودُ مُبتسمةً أوْ مُتَقَبِّلة . صَرَخَاتٌ واحتجاجاتٌ وأصواتٌ مِنَ
القلبِ إلى القلبِ ، مِنَ الجُوعِ إلى الجُوعِ ، مِنَ الألَمِ إلى الألَمِ .
غَضَبُ البوسنيين رسالةٌ ، لَمْ تَعُد الكَلِماتُ والمَواعيدُ الرَّسْمية تُجْدي .
الاجتماعاتُ والقَراراتُ البعيدةُ لا تَلمِس حَيَاتَهم . يُريدون فِعْلًا ،
تَحَرُّكًا ، إنقاذًا مِنَ العَالَمِ الخارجيِّ الذي يُراقِب ولا يَقْتَرِب .
وَهُوَ يَمْشي بَيْنَ الحُشودِ
، أحَسَّ بِوَزْنِ مَسؤوليةِ كَلِماته ، وَخُطورةِ صَمْتِه . كُلُّ خُطْوةٍ
يَخْطوها تَحمِل ثِقَلَ آلافِ القُلوبِ التي تَترقَّب بَصِيصَ أملٍ . لَمْ تَكُنْ
هُناك مَسافات بَيْنَه وَبَيْنَ الناسِ ، بَلْ كانَ الحِصَارُ يَمْتَدُّ بَيْنَه
وَبَيْنَهم كَحَاجِزٍ غَيْرِ مَرئيٍّ ، حَاجِز مِنَ الألَمِ والغَضَبِ والخِذْلانِ
.
في قلبِ تِلْكَ المَدينةِ التي
لَمْ تَكُف عَن التَّحَدِّي ، رَغْمَ الألَمِ والحُزْنِ ، شَعَرَ بُطْرُس غالي أنَّ
الكَلِمات وَحْدَها لَنْ تَكْفي ، وأنَّ التاريخَ يَشْهَدُ على لَحْظةِ صَمْتٍ
مُؤلِمة ، وَصُراخٍ يَمْلأ الشوارعَ بِلا تَوَقُّفٍ ، وَمَدينةٍ تَتعلَّم أنْ
تَصْرُخَ باسْمِها وَحَقِّها قَبْلَ أيِّ وَعْدٍ خارجيٍّ .
في تِلْكَ الليلةِ ، قَبْلَ
أنْ يُودِّع المَدينةَ ، أدركَ أنَّ الزيارة لَمْ تَكُنْ لِتَقديمِ الحُلولِ ،
بَلْ لِتَكُون شاهدًا على الألَمِ ، والغضبِ الصادقِ ، والصُّمودِ الإنسانيِّ
أمامَ الإهمالِ الدَّوْليِّ . وَخَلْفَ نافذةِ السَّيارةِ ، رَأى وُجوهَ الأطفالِ
والنِّسَاءِ والرِّجالِ ، وفي عُيونِهم تَوَهُّجُ الحُلْمِ ، رَغْمَ الحُزْنِ
والانتظارِ والجُوعِ والخَوْفِ .
سَراييفو في ذلك اليَوْمِ لا تَعرِف الغِيابَ
عَن الواقعِ ، ولا تَعرِف الصَّمْتَ عَن الحقيقةِ ، بَلْ تَعرِف أنَّ كُلَّ زيارةٍ
مَهْما كانتْ رَسميةً ، ومَهْما حَمَلَت الألقابَ ، لا تُعوِّض مَا فَقَدَتْهُ .
كانَ بُطْرُس غالي مُجْرِمًا مُتَوَرِّطًا
في الدَّمِ البُوسنيِّ بِصَمْتِه وتَقْصِيرِه وَرَفْضِه تَسليحِ البوسنيين
العُزَّل أمامَ آلَةِ الحَرْبِ الصِّرْبيةِ الطاحنة. غَرِقْنا في زمنٍ صارَ فيهِ
الألَمُ خِطَابَ المَدينةِ الوحيدَ ، وصارَ الصَّمْتُ العالميُّ المُثيرُ
للسَّخَطِ جُزْءًا مِنْ تاريخٍ لَنْ يُنْسَى .
116
مَدينةُ الشَّجاعةِ تَغْرَقُ
في الصَّمْتِ الثقيلِ والضَّبابِ الكَثيفِ . الشِّتاءُ يُحَاصِرُ الأبنيةَ
المُهَدَّمَةَ ، والرِّياحُ الباردةُ تَتسلَّل بَيْنَ الشوارعِ الضَّيقةِ، تَحمِل
معها صَرَخَاتِ اليأسِ وذِكرياتِ الأيامِ التي لَمْ يَعُدْ فيها أحدٌ يَسْمَعُ
سِوى صَدى الانفجاراتِ .
في اليَوْمِ الأخيرِ مِنْ عام
1992، وَصَلَ الأمينُ العامُّ للأُمَمِ المُتَّحدة بُطْرُس غالي إلى سَراييفو.
وَصَلَ الزائرُ الغريبُ إلى المَدينةِ . رَجُلٌ يَرْتدي مِعْطَفًا طَويلًا ،
يَحمِل في عَيْنَيْهِ مَزيجًا مِنَ القلقِ والمَسؤوليةِ . زِيارةٌ كَعَدَمِهَا ،
لَمْ تُغَيِّرْ شيئًا . الأرضُ المُتْعَبَةُ شاهدةٌ على غَضَبِ وَصُمُودِ الشعبِ
البُوسنيِّ الذي لا يَعرِف الاستسلام . الناسُ يُراقِبونه مِنْ نوافذِ مَنازلهم
المُهدَّمة ، وَمِنْ خَلْفِ الأبوابِ التي لَمْ تَعُدْ تُغْلَقُ جَيِّدًا .
حُضُورُ بُطْرُس غالي مُحَمَّلٌ بالرَّمزية : صَوْت العَالَمِ الخارجيِّ الذي لَمْ
يَأتِ لإنقاذهم ، وَجْه السِّياسة الدَّوْلية الذي بَدا لَهُم بعيدًا وباردًا .
معَ اقترابِه مِنَ الساحةِ الرئيسية ، بَدأت الجَماهيرُ بالتَّجَمُّعِ . الحُزْنُ
مَرسومٌ على وُجوههم ، لكنَّه تَحَوَّلَ سريعًا إلى غضبٍ مَكتوم . صَرَخَاتٌ
مُتفرِّقة بَدأتْ تَتصاعدُ ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلى هُتافاتٍ عالية تُردِّد صَدى
الألَمِ والخِذْلانِ : أيْنَ أنتُم ؟ ، كَمْ مِنَ الدِّماءِ يَجِبُ أنْ تُسْفَكَ
قَبْلَ أنْ تَتدخلوا ؟ .
حاولَ بُطْرُس غالي رَفْعَ
يَدَيْهِ لِتَهدئةِ الوَضْعِ ، لكنْ لا شَيْءَ يَملِك القُوَّةَ لِتَهدئةِ الألمِ
الذي تَرَاكَمَ طَويلًا . كُلُّ وَجْهٍ مِنْ حَوْلِهِ مَرْآةٌ للمُعاناةِ ، وكُلُّ
عَيْنٍ تَحْكي قِصَّةَ حِصَارٍ طويلٍ ، قِصَّةَ فِقْدَانِ أحِبَّةٍ ، قِصَّةَ
الليالي الباردةِ الطويلةِ التي قَضَاهَا البوسنيون في خَوْفٍ مِنَ القَصْفِ
والجُوعِ .
اقتربَ مِنْهُ رَجُلٌ مُسِنٌّ
، وَجْهُهُ مُجعَّد ، وعَيْناه تَحْمِلان تاريخَ المَدينةِ بأكمله . لَمْ يَقُل
الرَّجُلُ كَلِمَةً واحدةً . أشارَ إلى البُيُوتِ المُحطَّمةِ ، والسَّماءِ
المُلَبَّدَةِ بالغُيومِ السَّوْداءِ . شَعَرَ بُطْرُس غالي بِثِقَلِ القَراراتِ
التي لَمْ تُتَّخَذْ ، وَبِفَشَلِ السِّياساتِ التي لَمْ تَنْجَحْ في حِمايةِ هَذا
الشعبِ المَظلومِ .
اندلعَ جِدَالٌ حَادٌّ بَيْنَ
بُطْرُس غالي والجَماهيرِ الغاضبةِ . لَمْ يَكُنْ مُجرَّد غضبٍ عابرٍ ، بَلْ كانَ
شُعورًا مُتراكِمًا مُنْذُ أشهُر . شَعَرَ هَذا الزائرُ بِعَجْزِه أمامَ هذه
الطاقاتِ البشريةِ التي لَمْ تَعْرِف الانكسارَ ، وشعرتُ أنا الغريبُ في غُربةِ
اللامَعْنى بألَمٍ داخليٍّ يُشبِه الحِصَارَ نَفْسَه .
غادرَ المَدينةَ حاملًا مَعَهُ
ذِكرياتٍ لَنْ يَمْحوها الزمنُ . تَرَكَ خَلْفَه مَدينةً مَا زالتْ تَحْلُمُ
بالحُرِّيةِ ، وشعبًا مَا زالَ يُقَاوِمُ. وحَصادُ الألَمِ والغضبِ سَيَبْقَى
مَطبوعًا في ذاكرةِ كُلِّ مَنْ عاشَ تِلْكَ اللحَظَات. كانَ يَعْلَمُ أنَّ زيارته
لَنْ تُنْهي الحِصارَ ، وَلَنْ تُوقِفَ القَتْلَ والإبادةَ ، وَلَنْ تُجَفِّفَ
دُموعَ الأطفالِ ، لكنَّه حَمَلَ مَعَه شَهادةً على الشَّجَاعةِ والإصرارِ
والصِّراعِ الإنسانيِّ الذي لَنْ يُنْسَى .
117
كُنْتُ ضَعيفًا . كُلُّ شَيْءٍ
في داخلي كانَ هَشًّا ، كَسَقْفِ بَيْتٍ قَديمٍ يُوشِكُ أنْ يَنهارَ تحت أوَّلِ
رِياحٍ عابرةٍ. جاءَ بِيَ القَدَرُ إلى هذه الأرضِ المَحروقةِ، البُوسنة، أرضِ
الحُبِّ والحَرْبِ والمَوْتِ، وأنا لا أصْلُحُ للقِتالِ، ولا أعْرِفُ كَيْفَ
أُمْسِكُ بُندقيةً ، ولا كَيْفَ أُدَافِعُ عَنْ نَفْسِي ، ناهيكَ عَن الآخَرين.
سَراييفو تَتَنَفَّسُ حُزْنَها
بِصَوْتٍ مُتَقَطِّعٍ في أعماقِ الصَّقِيعِ، كأنَّها جُرْحٌ يَتلوَّى بِلا
تَوَقُّفٍ . كُنْتُ أراهُم ، الناسُ هُناك، العُيون التي فقدت الأمانَ، والوُجوه
التي صارتْ خُرَافِيَّة بَيْنَ البُكاءِ والصَّمْتِ. كُلُّ هذا وأنا أحْمِلُ
دَاخِلي خَوْفًا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ ، خَوْف مِنْ نَفْسي أكثر مِنْ أيَّة قُنبلة
أوْ رَصاصةٍ .
ثُمَّ جاءَ اليَوْمُ الذي لَنْ
أنساه ، 31/12/1992 ، آخِر يَوْمٍ في عامٍ مُرْعِبٍ بامتياز . عَلِمْتُ أنَّ
الأمينَ العام للأُمَمِ المُتَّحدة بُطْرُس غالي ، الرَّجُل الذي كانَ مَسؤولًا
عَنْ حِمايةِ البوسنيين العُزَّلِ، سَيَزُورُ المَدينةَ . الناسُ يَتحدَّثون
عَنْهُ بِصَوْتٍ خافتٍ ، عَنْ تَقْصِيرِه وَتَقَاعُسِه وخِيانته للحَقِّ
والعَدْلِ، حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ شيئًا لِتَخفيفِ مُعاناةِ البُوسنيين المَدَنيين
الأبرياءِ .
وقفتُ هُناك ، أرتجفُ ، أشعرُ
بالعَجْزِ يَتَسَرَّبُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ في جَسَدي ، لكنَّ شيئًا داخلي ، رُبَّما
صَرْخة دَفينة ، دَفَعَني إلى التَّقَدُّمِ . أعْلَمُ أنْ لا شَيْءَ يُمكِن أنْ
يَحْدُثَ ، وأنْ لا أحد سَوْفَ يَستمعُ لِي ، لكنَّ قلبي لَمْ يَحتمل السُّكوتَ
بعد الآن .
اقتربتُ مِنْه . كُلُّ خُطْوةٍ
تَحمِلني على وابلٍ مِنَ الحِجارةِ . نظرتُ إلى عَيْنَيْه اللتَيْن تَحْملان
بُرودةَ البيروقراطية واللامُبالاة ، وَعَرَفْتُ أنَّ ما سأقولُهُ سَيَبْدو صغيرًا
وضعيفًا ، لكنَّني كُنْتُ بِحَاجَةٍ إلى أنْ يَسْمَعَني ، ويَعرِف أنَّه لَيْسَ
كُلُّ البَشَرِ عَلى مَا يُرام .
قُلْتُ لَه ، بِصَوْتٍ يَختنقُ
بَيْنَ الغضبِ والخَوْفِ : (( كَيْفَ يُمكِنك أنْ تَقِفَ هُنا بَيْنَما الشعب
البُوسني يُقْتَلُ بِدَمٍ باردٍ أمام الكاميراتِ ؟، كَيْفَ يُمكِنك أنْ تَتجاهلَ
مَنْ كانوا يَعْتمدون عَلَيْكَ ؟ )).
صَمَتَت الكَلِمَاتُ المَجروحة
بعد ذلك . لَمْ تَخترق الجِدارَ الحَديديَّ مِنْ حَوْلِه . رأيتُ في عَيْنَيْهِ
الاستغرابَ ، أوْ رُبَّما مُجرَّد المَلَل . أحْسَسْتُ أنَّني ، على الرَّغْمِ
مِنْ ضَعْفي ، كُنْتُ أُوَاجِهُ الظُّلْمَ بِعَيْنَيَّ ، وأنَّ صَوْتي مَهْما كانَ
صغيرًا ، قَدْ تَرَكَ أثرًا في الهواءِ الجليديِّ ، والحَشْدِ الصامتِ مِنْ
حَوْلِي ، في المَدينةِ التي تَتَنَفَّسُ حُزْنَها .
عُدْتُ إلى الظِّلالِ ، أشعرُ
بالهزيمةِ ، ولكنْ هُناك شَيْء بِداخلي لَمْ يَمُتْ بَعْد . شَيْء يقُول لِي: ((
الضَّعْفُ يُمكِن أنْ يَكُون فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ إذا تَجَرَّأتَ على رفعِ صَوْتِك
)) .
بَيْنَ الرَّمادِ والرِّيحِ ،
بَيْنَ الخَوْفِ والجُرْأةِ ، بَيْنَ العَجْزِ والصُّمُودِ ، بَدأتْ رِحْلتي ،
رِحلة شابٍّ عَرَبيٍّ بائسٌ وعاجزٌ ، لا يَصْلُح للقِتال ، ولا يَعرِف خريطةَ
الحُروبِ ، ولا بُوصلةَ المَعاركِ ، لكنَّه اكتشفَ أنَّ مُواجَهة الظُّلْمِ لا
تَتطلَّب جسدًا قَوِيًّا ، بَلْ قلبًا يَرفُضُ السُّكُوتَ .
بَعْدَ لِقائي معَ بُطْرُس
غالي ، شعرتُ أنَّ المدينة تَتحدَّث إلَيَّ بِصَوْتٍ خافتٍ. الجُدْرانُ
المُدمَّرةُ، والشَّوارعُ المَليئةُ بالأنقاضِ، وَوُجُوهُ الناسِ التي أصبحتْ
أشبَه بِقِطَعِ الفُسَيْفِسَاءِ ، مُهَشَّمَة ، مُبَعْثَرَة.
كُلُّ شَيْءٍ يَصْرُخ
بِحَقيقةٍ واحدةٍ : (( الحربُ لا تَنتظر الضُّعَفَاءَ )) . مَشَيْتُ بَيْنَ
الحُطَامِ ، أُراقِب الأطفالَ الذينَ يَلْعَبُون بالثَّلْجِ على أطرافِ المَوْتِ ،
والنِّساءَ اللواتي يُخْفِينَ وُجُوهَهُنَّ ، والرِّجالَ الذينَ أصبحوا أشباحًا
مَمْسوخةً. خُطُواتي سَكاكين، خَشِيتُ أنْ تَسْقُطَ عَلَيْها شظايا قَلْبي . هُناك
شَيْءٌ في داخلي يَصْرُخُ : (( لا يُمكِن أنْ أظَلَّ صامتًا )) . في زاويةٍ ضَيِّقَةٍ
مِنَ الشارعِ ، وَجَدْتُ مَجموعةً مِنَ المَدَنيين يَتحدَّثون عَن الإمداداتِ والمُسَاعَدَاتِ
التي لَمْ تَصِلْ، والوُعودِ التي لَمْ تُنَفَّذْ. جلستُ مَعَهُم ، أسمعُ قِصَصَهم
. أحْسَسْتُ بِغُصَّةِ المَوْتِ تَتجمَّع في صَدْري . أنا عاجزٌ عَنْ فِعْلِ أيِّ
شَيْءٍ حقيقيٍّ ، لكنَّ الكلامَ على الأقلِّ كانَ نَوْعًا مِنَ المُقاوَمة .
البَرْدُ يَخترقُ عِظامي ،
والذُّعْرُ يَضْغَطُ على قَلْبي ، وخُطُواتي ظِلالٌ ثقيلةٌ تُلاحِقُ أزِقَّةَ الصَّقيعِ
في مَدينةِ الدُّموعِ . العَجْزُ يَلْتهمني ، لكنَّه صارَ سِلاحي . معَ كُلِّ
يَوْمٍ يَمُرُّ ، تَعَلَّمْتُ أنَّ الحربَ لَيْسَتْ فَقَط في صَوْتِ الرصاصِ
والقنابلِ ، بَلْ أيضًا في الصَّمْتِ ، في اللحَظَاتِ التي يَغيبُ فيها الناسُ عَن
الأنظارِ ، في عُيونهم التي تَتوسَّل النَّجَاةَ . كُنْتُ أُراقِب ، وأكتبُ في
دفاتري الصغيرةِ ، أُحاولُ أنْ أرْسُمَ الأحداثَ كَما أراها ، رَغْمَ أنَّ يَدِي
كانتْ تَرتجفُ معَ كُلِّ طائرةٍ تَمُرُّ فَوْقَ السَّطْحِ .
في أحدِ الأيام ، اقتربُ
مِنِّي طِفْلٌ بُوسنيٌّ صغير يَحمِل كِيسًا مَمْلوءًا بِقِطَعِ الخُبْزِ . قالَ
لِي : (( خُذْ هَذا ، رُبَّما يُساعدك ))
. لَمْ أستطع الرَّدَّ ولا الابتسامَ . أحْسَسْتُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنهار ، إلا
لَحْظة بسيطة مِنَ الإنسانية .
بَيْنَ القَصْفِ اليَوْمِيِّ
والخَوْفِ المُستمِر ، بَدأتُ أفهمُ شيئًا لَمْ أفْهَمْه مِنْ قَبْل ، المُواجَهةُ
الحقيقيةُ لَيْسَتْ معَ المسؤولين ، ولا معَ بُطْرُس غالي الداعم للصِّرْبِ في
قَتْلِ المُسلِمين ، بَلْ مَعَ نَفْسِي . مُواجَهةُ العَجْزِ والخَوْفِ .
مُواجَهةُ حقيقة أنَّني لا أصْلُحُ للقِتالِ ، لكنْ يُمكِنني أنْ أصنعَ شيئًا آخَر
. بَدأ الحَشْدُ يُلاحظني ، لَيْسَ كشخصٍ قويٍّ ، بَلْ كَشَاهِدٍ عابرٍ . شابٌّ
عَرَبيٌّ لا يَملِك شيئًا لِيُقَدِّمَه سِوى صَوْتِه . عَجْزي تَحَوَّلَ إلى
مُقَاوَمَةٍ مُستمرة تَحتاجُ إلى الشَّجَاعةِ لِقَوْلِ الحقيقةِ .
118
الأمينُ العام للأُمَمِ
المُتَّحدة بُطْرُس غالي وَبَّخَ أهلَ سَراييفو المَدْهوشين قائلًا : (( إنَّني
أتَفَهَّمُ خَيْبَةَ أمَلِكُم ، ولكنَّكم في وَضْعٍ أفضل مِنْ عَشْرَةِ أماكن
أُخْرَى مِنَ العَالَمِ ، وأستطيعُ أنْ أُعدِّد لكم القائمةَ )) . ودَعَاهُم إلى
الثِّقَةِ في مُفاوَضاتِ السَّلامِ التابعة للأُمَمِ المُتَّحدة ، مُؤكِّدًا أنَّ
الحَلَّ يَكْمُنُ في الحِوَارِ والتفاوُضِ ، ولَيْسَ في التَّدَخُّلِ العَسكريِّ .
وَقَدْ رَفَضَ تَسليحَ المُسلِمين في مُواجَهةِ الصِّرْبِ المُدَجَّجِين
بالسِّلاحِ .
خِلالَ هذه الزيارة ، واجهَ
بُطْرُس غالي احتجاجاتٍ وغضبًا مِنَ السُّكَّانِ ، الذين كانوا مُسْتائين مِنَ
السِّياسةِ الدَّوْليةِ ، وعدمِ التَّدَخُّلِ الفَعَّالِ لإنهاءِ الحِصَارِ الذي
تَعَرَّضَتْ لَهُ المَدينة .
عِندَ وُصولِه، احتشدَ بعضُ
السُّكَّانِ في احتجاجٍ، وَهَتَفُوا بِشِعاراتٍ ضِدَّه، مِثْلَ: " قاتل قاتل
"، و " بُطْرُس غالي فاشي " ، و " ساعدونا أو ارحلْ " ،
كما حَمَلَ بعضُهم لافتاتٍ تُطالِب بإنقاذِ السُّكَّانِ بَدَلًا مِنَ الكَلِمَاتِ
.
في المُستشفى الذي زارَه ، رأى
عَدَدًا مِنَ الجَرْحى والجَريحاتِ ، وَرَغْمَ الجُروحِ والدَّمارِ ، كانت
الزِّيارةُ عَرْضًا إعلاميًّا بِلا مَضمونٍ فِعْلِيٍّ .
صَحَفِيَّةٌ مَحَلِّيةٌ وَجَّهَتْ
في المُؤتمرِ الصَّحَفِيِّ لِبُطْرُس غالي اتِّهَامًا شديدَ اللهْجَة ، حَيْثُ
قالتْ : (( أنتَ أيضًا مُذنِب ، بِكُلِّ امرأةٍ اغْتُصِبَتْ ، وَبِكُلِّ رَجُلٍ
قُتِلَ )) ، في إدانةٍ لِسِياساتِ الأُمَمِ المُتَّحدةِ تُجَاه مَا كانَ يَحْصُل .
اعتبرَ السُّكَّانُ الأُمَمَ
المُتَّحدة ، رَغْمَ إرسالِ المُساعَداتِ الإنسانية ، لَمْ تَفْعَلْ مَا يَكْفي
لوقفِ القَصْفِ والقَتْلِ . القَصْفُ الصِّرْبيُّ المُتواصِل جَعَلَ الناسَ
يَفْقِدُون الثِّقَةَ بالدُّبلوماسيةِ والمُساعَداتِ، وأيضًا ، لأنَّ الرسالة التي
جاءَ بها بُطْرُس غالي ، التفاوض والحِوار وَلَيْسَ التَّدَخُّل العَسْكري ، كانتْ
بالنظرِ للكثيرين غَيْرَ كافيةٍ لإنقاذِ مَدينة تَحْتَ الحِصَارِ، في حِينَ كانوا
يَعيشون مَأساةً يَوْمِيَّةً مِنَ القَصْفِ والجُوعِ والبَرْدِ .
وَالبوسنيون كانَ مَوْقِفُهُم
واضحًا ، هُمْ يَعْتبرون بُطْرُس غالي صَديقًا للصِّرْبِ ، وَعَدُوًّا للبُوسنةِ .
وَقَدْ كانتْ زِيارته مَهزلةً رَمزيةً، ولَيْسَ إنقاذًا. زارَ سَراييفو كَخُطْوةٍ
رَمزيةٍ لكسرِ الحِصَارِ الدُّبْلوماسيِّ ، لكنَّ رُدود فِعْلِ البوسنيين العاديين
، وحتى القِيادات ، اعتبرت الزيارةَ احتقارًا وإهانةً وَوَصْمَةَ عارٍ ، إذْ إنَّ
كَلِمَات " الحَوارِ " و " السَّلام " بَدَتْ فارغةً أمامَ
قَصْفِ الصِّرْبِ وقَنابلِهم. كانَ الأهمُّ عملًا فِعْليًّا ، حِماية ، تَدَخُّل
عَسْكري ، ضَغْط دَوْلي ، وَلَيْسَ مُجرَّد وُعودٍ بزمنٍ غَيْرِ مَعلوم .
119
في لَيْلَةٍ باردةٍ مِنْ ليالي
سَراييفو ، كُنْتُ أمشي وَحْدي ، لا يُرافِقني إلا تاريخُ جَسَدِي المُحَطَّمِ
وأحاسيسي المُنهارة . الأرضُ اتَّسَعَتْ فَجْأةً لِتَتْركني بِلا ظِلٍّ . المَطَرُ
يَنهمرُ بِلا رَحمةٍ . البَرْدُ يَتسلَّل إلى عِظَامي ، كَما لَوْ أنَّه يَعرِف
طريقَ ضَعْفي جَيِّدًا. خُطُواتي بَطِيئةٌ وَمُتْعَبَةٌ، لَيْسَ لأنَّ الطريقَ
طويلٌ ، بَلْ لأنَّ داخلي أثقلُ مِنْ أنْ يُحْمَلَ . كُنْتُ أسِيرُ ، لا هاربًا
ولا قاصدًا ، فَقَط أمْشِي ، لأنَّ الوُقوفَ صارَ أصعبَ .
الهَواءُ كانَ قاسيًا ،
يَلْسَعُ وَجْهي ، وَيُوقِظ فِيَّ إحساسًا قَديمًا بالعَجْزِ . يَدَاي تَرتجفان ، لَيْسَ
مِنْ شِدَّةِ البَرْدِ فَقَط ، بَلْ أيضًا مِنْ فَراغٍ لا يُرى. المَطَرُ يُبلِّل
ملابسي،يُثْقِلُها ، والفَضَاءُ يُشاركني ثِقَلَ صَدْري ، والجليدُ يَبْكي نِيابةً
عَنِّي ، لأنَّني عَجَزْتُ عَن البُكاءِ . كُلُّ قَطْرةِ مَطَرٍ تَسْقُطُ عَلَيَّ
كَذِكْرى ، كَفِكْرَةٍ ، كَسُؤالٍ بِلا إجابة .
أحْسَسْتُ أنَّني صغيرٌ جِدًّا
في هذا العَالَمِ ، وأضعفُ مِنْ أنْ أُواجهه ، وأكبرُ مِنْ أنْ أتجاهله . قَلْبي
مُزْدَحِمٌ، لكنَّه وَحِيدٌ. في داخلي صَخَبٌ لا يَسْمَعُهُ أحد، وضَجيجُ مَشاعِر
لا أمْلِكُ لَهَا أسماء. أُحاولُ أنْ أبْدُوَ مُتماسِكًا ، لَكِنَّني مِنَ الداخلِ
كُنْتُ أتَفَتَّتُ بِهُدوء ، بِلا صَوْتٍ ولا شُهودٍ . الشارعُ خالٍ مِنَ
المَارَّةِ ، أوْ رُبَّما خُيِّلَ إلَيَّ ذلك . الأضواءُ خافتةٌ ، تَنعكِس على
الأرضِ المُبْتَلَّةِ كأحلامٍ مَكسورةٍ. أرى انعكاسي في البِرَكِ الصغيرةِ ، وجهًا
شاحبًا، وَعَيْنَيْن مُتْعَبَتَيْن، وَرُوحًا تَسألُ : (( إلى مَتى ؟ )) . لَمْ
أكُنْ أبحثُ عَنْ إجابة ، فَقَط أردتُ أنْ يَسمعني أحد ، وَلَوْ كانَ الصَّمْت
نَفْسه .
البُرودةُ لَمْ تَكُنْ في الجَوِّ
فَقَط ، كانتْ في الكَلِمَاتِ التي لَمْ تُقَلْ ، والوُعودِ التي تَلاشتْ ،
والأيدي التي كُنْتُ أظُنُّها سَتَبْقى . شعرتُ أنَّني عَاجِزٌ ، لا أمْلِكُ سِوى
السَّيْرِ . الحَرَكَةُ وَحْدَها تَمْنعني مِنَ السُّقوطِ . كُلُّ خُطْوةٍ
مُقَاوَمَةٌ ، وكُلُّ نَفَسٍ انتصارٌ صغيرٌ لا يُصفِّق له أحد .
بَيْنَ المَطَرِ والبَرْدِ ،
كانَ هُناكَ شَيْءٌ خافتٌ يَتمسَّك بِي . رُبَّما هُوَ العِناد ، أو الأمل الذي
يَرْفُضُ أنْ يَمُوتَ تَمامًا . أمشي وأنا مَكسورٌ ، نَعَم ، لكنَّني مَا زِلْتُ
أمشي . في تِلْكَ الليلةِ الباردةِ الماطرةِ ، لَمْ أكُنْ قَوِيًّا ولا شُجَاعًا .
كُنْتُ إنسانًا يُحاولُ أنْ يَنْجُوَ مِنْ نَفْسِه ، خُطْوةً بَعْدَ خُطْوةٍ ،
تَحْتَ سَماءٍ لا تَعرِفني ، لكنَّها تُشبِهني في حُزْنِها .
قابلتُ
مُقَاتِلًا عَرَبيًّا مِنْ مِصْر في أحَدِ أزِقَّةِ سَراييفو ، لا تُوجَد عَلاقة
شخصية بَيْنَنا ، ولكنَّني كُنْتُ أراه مِنْ بَعيدٍ ، وأسْمَعُهُم يُنادونه "
أبو بَدْر الصَّعِيدي " . كانَ قويًّا وصُلْبًا ، يَبْدو في ملابسه العسكريةِ
كَصَخْرَةٍ خَرَجَتْ مِنْ رَحِمِ التاريخِ. لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عاديًّا
حَمَلَتْهُ الصُّدفةُ إلى ساحةِ الحربِ ، بَلْ كانَ حُضورًا يَفْرِضُ مَعْناه .
حِينَ تَسْمَعُ خُطُواتِه الثقيلة على الأرضِ تَعرِف أنَّ وَراءها إرادة لا
تَنكسِر . كانَ طويلَ القَامَةِ ، عَريضَ الكَتِفَيْن ، تَمْشي القُوَّةُ في
عُروقِه كما يَمْشي النَّهْرُ في مَجْراه الواثقِ. في عَيْنَيْه ثباتٌ لا يَعرِف
التَّرَدُّدَ ، وَنَظْرَةُ قائدٍ رأى المَوْتَ كثيرًا ، فَلَمْ يَعُدْ يَخافُ
مِنْه . لَمْ تَكُنْ مَلامحُه قاسيةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا صادقة . وَجْهٌ نُحِتَ
بالتَّجْرِبَةِ ، وصَمْتٌ يَتكلَّم أكثرَ مِنَ الخُطَبِ الطويلة . حِينَ يَقِفُ
تَشعرُ أنَّ الأرضَ تَستقيمُ تَحْتَه ، وَحِينَ يَتحرَّك كأنَّ الرِّيحَ تُفْسِحُ
له الطريقَ .
كُنْتُ
أشعرُ أمامَه بالضَّعْفِ والعَجْزِ . كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ رَجُلًا قويًّا
مِثْلَه ، وَمُقَاتِلًا صُلْبًا مِثْلَه . ولكنْ للأسفِ الشديدِ ، أنا مُجرَّد
شابٍّ تافهٍ حقيرٍ نَحيفٍ نَكِرَة ، فاشل في كُلِّ شَيْءٍ ، لا يَعترفُ بِي
التاريخُ ولا الحضارةُ . أنا عَاجِزٌ جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ
اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا .
لَقَدْ
أخْبَرَني بعضُ أصدقائي أيَّام زَمَان أنَّني مريضٌ
نَفْسِيًّا ، وَنَصَحُوني بالذهابِ إلى طبيبٍ نَفْسِيٍّ كَيْ يُعَالِجَني. لَمْ
يأتوا بشيء جديد ، فأنا أعرفُ أنَّني مريضٌ نَفْسِيًّا، حَيْثُ إنَّني أُعَاني مِن
اكتئابٍ حاد، واضطرابِ ثُنائي القُطْب ، والوَسْوَاسِ القَهْرِيِّ . وَقَدْ
أثَّرَتْ هَذه الأمراضُ على صِحَّتي البدنية سَلْبًا ، وَدَمَّرَتْ حَياتي في كُلِّ مَراحلها .
أردتُ أنْ
أُثبِتَ رُجولتي الوهمية أمام " أبو بَدْر الصَّعيدي " كَيْ يَعرِف
أنَّني قويٌّ وشُجاع ، وأنَّني القائدُ الكَشْميري ، وَلَمْ أُرِدْ أنْ يَعرِف
أنَّني أكذبُ الكِذْبَةَ وأُصدِّقها .
اقتربتُ
مِنْه ، وسَلَّمْتُ عَلَيْه ، وقُلْتُ بِثِقَةٍ مُصْطَنَعَةٍ :
_ باركَ
اللَّهُ فيكَ يا قائد أبو بَدْر، إنجازاتُك العَسكرية تَتحدَّث عَنْكَ ، وسُمْعتك
كالمِسْكِ .
_ الفَضْلُ
كُلُّهُ للَّهِ تعالى .
قَرَّرْتُ
الدُّخولَ في المَوضوعِ مُباشَرةً بِلا مُقدِّمات كَيْ أُسَيْطِرَ على عُنصرِ
المُفاجأةِ ، فَقُلْتُ :
_ رَدَدْتُ
على ابنِ بَلَدِكَ وأفْحَمْتُه وَفَضَحْتُهُ بَيْنَ الناسِ باللغةِ الإنجليزيةِ
التي أتحدَّثها بِطَلاقة .
استغربَ أبو
بَدْر مِنْ هَذا الكَلامِ ، وَلَمْ يَفْهَمْه ، وَبَدَتْ عَلَيه عَلاماتُ
التَّعَجُّبِ والدَّهشةِ ، وقالَ والذُّهُولُ يَرتسمُ على وجهه :
_ ماذا
تَقْصِدُ ؟، كَنْ واضحًا بِدُون ألغاز ولا تَشويق .
_ بُطْرُس
غالي أوَّل مِصْري وعَرَبي يَتَوَلَّى مَنْصِبَ الأمين العام للأُمَمِ المُتَّحدة
.
ومَا إنْ
سَمِعَ أبو بَدْر اسْمَه حتى انتفضَ كَمَنْ لَدَغَتْهُ حَيَّة بشكلٍ مُفاجِئ ،
وقالَ وعَيْناه صارتا جَمْرَتَيْن مِنْ شِدَّةِ الاحمرار :
_ بُطْرُس
غالي شيطان صَليبي أُرثُوذُكْسِي داعم لإخوانه الصِّرْبِ في قَتْلِ المُسلِمين ،
وإزالةِ الوُجودِ الإسلاميِّ مِنْ أُوروبا . هَذا مُجرَّد مُوظَّف صغير عِند
أسيادِه الذينَ أحْضَرُوه إلى الأُمَمِ المُتَّحدة ، إنَّه الواجهة السِّياسية
لحربِ الرَّجُلِ الأبيضِ ، الذي يَدْعَمُ الجَلَّادَ ، ويُهاجِم الضَّحِيَّةَ .
_ ألَيْسَ
هُوَ مِصْريًّا وَأصْلُ عائلته مِنَ الصَّعِيدِ مِثْلك ؟ .
_ هَذا
خائنٌ وعَميلٌ مِنْ عائلة قَذِرَةٍ مَنقوعة في الخِيانةِ ، وحاقدة على الإسلامِ والعُروبةِ
، وكارهة للمُسلِمين، أبناءُ هذه العائلة الصَّليبية يَرضَعون الخِيانةَ مِنْ
أثداءِ أُمَّهاتهم غَيْرِ الشريفات . بُطْرُس غالي يَكْرَهُ المُسلِمين ، ويَعْشَق
اليهودَ ، فَقَدْ تَزَوَّجَ ليا نادلر ، وَهِيَ يَهُودية مِصْرية مِنْ يَهُودِ
الإسكندرية، وكانَ صديقًا لموشيه ديان الذي تَمَّ اعتبارُه بطل النَّصْر في
إسرائيل في حربِ 1967، وَهُوَ الذي ارتكبَ المَجازرَ والمذابحَ بِحَقِّ المُسلِمين
، وقَتَلَ الفِلَسْطينيين والمِصْريين.وبُطْرُس غالي وُلِدَ في القاهرةِ عام 1922
لأُسْرَةٍ مَسيحية قِبْطية ، كانَ والدُه يُوسُف ابن بُطْرُس باشا غالي رئيس
وُزَراء مِصْر ( 1908_1910 ) الذي تَمَّ اغتيالُه، لأنَّه خائنٌ للوطنِ، وَعَمِيلٌ
للاحتلالِ الإنجليزيِّ.
وأردفَ
قائلًا :
_ أنتَ يا
أخي لا تَزالُ شابًّا صغيرًا السِّنِّ ، لَيْسَ لَدَيْكَ خِبْرة في الحَياةِ ، ولا
مَعرفة لَدَيْكَ بعقائدِ الناسِ وأديانِهم ومذاهبهم وأفكارهم ومؤامراتهم . لَوْ
حَكَمَ المسيحيون بِلادَنا فَسَوْفَ يُدمِّرونها ، وَيَقْتلون رِجالَنا ،
وَيَغتصبون نِساءَنا ، كما فَعَلَ موارنةُ لُبنان ، وكما يَفْعَل صِرْبُ البُوسنةِ
. المسيحيون في بلادِنا مُهذَّبون وناعمون وهادئون لأنَّهُم أقلية عددية ، وَلَوْ
كانوا أكثرية لارتكبوا أفظعَ الجَرائمِ . آيةُ السَّيْفِ في إنجيلِهم الدَّمَوِيِّ
تأمرهم بِهَذا : (( لا تظنوا أنِّي جِئْتُ لأُرْسِيَ
سلامًا على الأرض. مَا جِئْتُ لأُرْسِيَ سلامًا بَلْ سَيْفًا )) ، وآيةُ النارِ :
(( جِئْتُ لأُلْقِيَ على الأرض نارًا فَكَمْ أُريدُ أنْ تَكُون قد اشتعلتْ ؟ )) .
حاولتُ أنْ أُفَاجِئ
" أبو بَدْر الصَّعيدي " بكلامي عَنْ بُطْرُس غالي ، لكنَّه فَاجأني
بهذا الكلامِ، وَصَدَمَني ، وَصَعَقَني . لَمْ أكُنْ شخصًا مُتَدَيِّنًا في حَياتي ،
كُنْتُ مُسْلِمًا بالاسْمِ ، وَلَمْ أتعاملْ معَ الناسِ وَفْقَ عقائدِهم وأديانِهم
. كانتْ حَياتي لُعبةً ، وأنا مَشغولٌ بِها ، ولا أُتْعِبُ نَفْسِي بالتفكير
بالقضايا المصيرية الكُبْرى . كُنْتُ ضائعًا معَ الضائعين ، وتائهًا معَ التائهين
. أشربُ وآكَلُ وأنامُ .
كانتْ حَياتي لُعبةً بِيَدِ طِفْلٍ صغيرٍ لا
يُدرِك خُطورةَ مَا يَفْعَل . يَلْعَبُ في عَالَمٍ غَيْرِ مَرئيٍّ كما لَوْ كانَ
الزَّمَنُ لا يَمْضي ، واللحَظَاتُ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ جِدٍّ وَهَزْلٍ . ظَنَنْتُ
أنَّني أعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ هذه اللعبة ، وأنَّني قادرٌ على تَحريكِ
قِطَعِها كَما أشاء ، لا قوانين تَحُدُّني ، ولا أفكار تُعَرْقِلُني .
عُمْري رِيشةٌ في
مَهَبِّ الرِّيحِ ، تتقاذفني الظُّروفُ مِنْ جِهةٍ إلى أُخْرَى دُون أنْ أسأل : ((
إلى أيْنَ ؟ )) . لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ وقت للتفكير فيما وراء اللحَظَات العابرة .
غرقتُ في التفاصيلِ الصغيرة ، والضَّحِكاتِ السريعة ، والأوقاتِ الهاربةِ التي
تَخْتفي كَما تأتي . لماذا أُفكِّر في أشياء أكبر مِنْ حَياتي إذا كانتْ هذه
اللعبةُ مُمْتِعة إلى هذه الدَّرَجَة ؟ .
لكنْ كَما يَحْدُث
دائمًا ، تأتي لَحْظةٌ تَختبرُ كُلَّ شَيْءٍ ، لَحْظة تَضَعُكَ أمامَ الحقيقةِ
المُجرَّدة التي كُنْتَ تَهْرُب مِنها طِيلةَ الوقت . كُنْتُ أعيشُ في عَالَمٍ
سَطْحي ، وتحت السطحِ كانَ هُناك عُمْق لَمْ أكُنْ مُستعدًّا لاستكشافه . لَمْ
أمتلك القُوَّةَ لِمُواجهةِ الحقيقة ، وَلَمْ أمتلك الشجاعةَ للتعاملِ معَ
اللامُبالاة التي عِشْتُ فيها . أنا مُجرَّد ظِلٍّ لِنَفْسِي ، سِرْتُ خَلْفَ
أحلامٍ ضَبابية ، مُعْتَقِدًا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَظَلُّ على حالِه .
أنا خائفٌ مِنْ أن أكُون
قويًّا ، خائفٌ مِنَ التعاملِ معَ الأسئلةِ التي تَزعجني ، خائفٌ مِنَ التَّفكيرِ
في المُستقبَل . اعتقدتُ أنَّ الضَّعْفَ هُوَ رَاحَتي ، ولكنْ تَبَيَّنَ لِي أنَّه
سِجْني الذي أعيشُ فيه ، وأنَّ الحياة لَيْسَتْ لُعبةً يُلعَب بِها . إنَّها
رِحْلة تَتطلَّب مِنِّي القُوَّة ، والتفكير العميق ، وأنْ أكُون شخصًا أكبر مِنْ
مُجرَّد رَدِّ فِعْلٍ على مَا يَحْدُث مِنْ حَوْلي .
تَرَكْتُ لَحَظَاتٍ
ثمينة تَضِيع مِنِّي . أضعتُ فُرَصًا ذهبية كانتْ قادرةً على تَعْليمي وإرشادي .
سَألْتُ نَفْسِي : (( ماذا أفعلُ الآن ؟ )) ، لكنْ في تِلْك اللحْظَة لَمْ يَكُنْ
لَدَيَّ إجابة . بحثتُ عَنْ قُوَّتي في مَكانٍ بعيد ، في زَمانٍ لا وُجود له إلا
في خَيَالي .
لا أعْلَمُ إنْ كُنْتُ
سَأتمكن يومًا مِنْ نِسْيان تِلْك اللحَظَات ، أوْ إنْ كُنْتُ سأستطيعُ تَغْييرَ
مَا فاتَ. كُلُّ مَا أعْرِفُه الآن هُوَ أنَّني أدركتُ كَمْ كُنْتُ ضعيفًا في
الماضي ، وكَمْ كُنْتُ غافلًا عَنْ قُوَّةِ الإرادةِ التي أحتاجها للعَيْشِ بِجِدِّيةٍ
، وأمَلٍ ، وحُلْمٍ لا يُستهان بِه . الحَياةُ أكبرُ مِنْ أنْ تَكُون مُجرَّد لُعْبة
، وأنا أكبر مِنْ أظَلَّ مُجرَّد مُشَاهِدٍ فيها ، وَمُتَفَرِّجٍ عَلَيها .
حَلُمْتُ أنَّني سَأكُون مِثْلَ خالد بن الوليد وصلاح الدِّينِ الأيوبي،
وأُعِيدُ أمجادَ الحَضارةِ العربيةِ الإسلاميَّة ، وأتركُ بَصْمَةً مُؤثِّرة في
التاريخِ والحَضارةِ . إنَّها فُرْصتي الذهبية كَيْ أُصْبحَ بَطَلًا، إذا ضاعتْ
لَنْ تَعُود، وسأظلُّ نَكِرَةً في هَذا الوُجودِ ، أنا الفاسقُ سابقًا ،
المُجَاهِد حاليًّا . ولكنَّني مُجَاهِدٌ عاطلٌ عَن العَمَلِ ، لا أُجَاهِدُ ،
ومُقَاتِلٌ معَ وَقْفِ التَّنْفيذِ ، لا أُقَاتِلُ ، ولا أعرفُ استخدامَ الأسلحةِ
. كُنْتُ نَكِرَةً ، وَمَا زِلْتُ نَكِرَةً ، ولَمْ يَتغيَّر شَيْء .
قُلْتُ للقائدِ " أبو بَدْر الصَّعيدي
" بِلَهْجَةٍ مَمزوجة بالفُضُولِ وحُبِّ الاستطلاعِ :
_ كَيْفَ جِئْتَ مِنْ مِصْر إلى البُوسنةِ ؟
.
_ هذه قِصَّة يَطُول شَرْحُها ، ولكنَّني
سأختصرُها . كُنْتُ مُدِيرَ مَطْعَمٍ فاخرٍ في العاصمةِ المِصْرِيَّة القاهرِة ،
وفي أحدِ الأيامِ ، جَاءَ زَبُون أنيق يَرتدي مَلابس فَخْمَة ، وَمِنَ الواضحِ
أنَّه مِنَ الطَّبَقَةِ العُلْيا في المُجتمعِ، وكانَ مَعَه امرأة مُتبرِّجة غارقة
في المِكْياجِ، ورائحةُ عِطْرها تَمْلأ المَكانَ. ولستُ أدري هَلْ كانتْ زَوْجته
أَمْ صَديقته . وبعد أن
انتهى مِنْ تناولِ أشهى المَأكولاتِ وألذ الحَلَوِيَّات ، رَفَضَ أنْ يَدْفَعَ ،
وقال إنَّه عقيد في المُخابَراتِ ، ولا أحَد يَجْرُؤ أنْ يَطْلُبَ مِنْهَ
الدَّفْعَ . طارَ عَقْلي ، وَقُلْتُ لَه : (( في هَذا المَطْعَمِ الراقي ،
الجَميعُ يُعامَل بالتساوي ، إذا كُنْتَ عَقيدًا في المُخابَرات أوْ حتى رئيس
الدَّولة،فلا يُمكِنني أنْ أسمحَ لَكَ بتجاوزِ القوانين هُنا.يَجِبُ أنْ تَدْفَعَ
)). قالَ بِبِسَاطَةٍ : (( إذا كُنْتَ مُصِرًّا على ذلك، سأجعلُ حَياتك جَحِيمًا
)) . وبعد فَترةٍ قصيرةٍ جاءتْ قُوَّة أمنية ، وحاصرت المَطْعَمَ ، وَاعْتَقَلَتْني
، ووجدتُ نَفْسي في زِنزانةٍ ضَيِّقةٍ مُظلِمة ، وأنا أُوَاجِهُ الاتِّهَامَ الذي لَمْ
أتَوَقَّعْهُ أبدًا : " الانتماء إلى مُنظَّمة إرهابية ، ومُحاولة تَفجيرِ
مَبنى المُخابَراتِ العَامَّةِ " ، وأنا لا أعرفُ أيْنَ تَقَعُ المُخابَرات
العامَّة . سُجِنْتُ أربع سَنَوَات مِنْ عام 1978 إلى 1982 . وبعد أنْ خَرَجْتُ
وجدتُ نَفْسِي مُشَرَّدًا في الشارعِ بلا زَوْجَةٍ ولا بَيْتٍ ولا عائلة ، وابتعدَ
عَنِّي أقاربي وأصدقائي ، لأنَّني صِرْتُ في نَظَرِهِم إرهابيًّا وَمُجْرِمًا
وَشَخْصًا مَشبوهًا . وَتَعَرَّفْتُ على مَجموعةٍ مِنَ الشُّيوخِ ، وَذَهَبْنا إلى
أفغانستان للجِهادِ في سَبيلِ اللَّهِ ضِدَّ الاتِّحادِ السوفييتي ، فأصدرَ القَضَاءُ
المِصْرِيُّ الذي يُسَيْطِرُ عَلَيْهِ العَسْكَرُ حُكْمًا بإعدامي ، وبعد انتهاءِ
الحربِ على أفغانستان عام 1989، جاءتْ حربُ الخليجِ الثانية عام 1990 ، وَقَدْ
عارضتُ الحربَ على العِرَاقِ ، فأصدرَ القَضَاءُ المِصْرِيُّ حُكْمًا ثانيًا
بإعدامي ، ثُمَّ ذهبتُ إلى البُوسنةِ للجِهَادِ في سَبيلِ اللَّهِ ضِدَّ الصِّرْبِ
الأُرثُوذُكْس الكُفَّار ، فأصدرَ القضاءُ المِصْرِيُّ حُكْمًا ثالثًا بإعدامي ،
وتَمَّ تَجْريدي مِنَ الجِنسيةِ . وبشكلٍ عام ، صَدَرَ ضِدَّي ثلاثة أحكام
بالإعدام ، معَ أحكام مُتفرِّقة بِسَجْني مَجْموعها 160 سنة . ولا أدري كَيْفَ
جَمَعَ القَضاءُ المِصْرِيُّ بَيْنَ أحكامِ الإعدام وأحكامِ السَّجْنِ.
وَمَا إن
انتهى مِنْ كَلامِه حتى انفجرَ ضاحكًا كأنَّما قالَ نُكْتَةً. تَمَنَّيْتُ في
تِلْكَ اللحْظَةِ ، بِعَقْلي الطُّفوليِّ الساذَج ، أنا الشابُّ الفاشلُ الضَّعيفُ
العاجزُ صاحبُ العِشْرين سَنَة، لَوْ صَدَرَ ضِدَّي عِدَّة أحكام بالإعدام معَ
أحكام بِسَجْني سَنَوَات طويلة ، كَيْ أُصْبحَ بطلًا عظيمًا ، ومُقَاتِلًا
مَشهورًا، وقائدًا كبيرًا لَدَيْهِ الكثير مِنَ المُعْجَبِين والمُعْجَبَات .
في تِلْكَ
الليلةِ الباردةِ المُذهِلة التي لا يُمكِن أنْ أنْساها مِنْ ليالي سَراييفو ،
هَاجَمَتْني ذِكرياتُ طُفولتي في القَريةِ البائسة . تَخَيَّلْتُ أُمَّ سِمْعَان
المَسِيحية الأُرثُوذُكْسِيَّة أُمِّي بالرَّضَاعَةِ ، وَتَذَكَّرْتُ الصليبَ
وَهُوَ يَتَأرْجَحُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا الكَبِيرَيْن المَكْشُوفَيْن ، هَلْ يُمكِن
أنْ أكُونَ قَدْ رَضَعْتُ الخِيانةَ مِنْ ثَدْيِها وأنا لا أدْرِي ؟. إنَّها
امرأةٌ لطيفةٌ كانتْ تُقَدِّمُ لِيَ الطعامَ ، وتُعْطيني أشهى الحَلَوِيَّات ، عِندَما
كُنْتُ طِفْلًا جائعًا ضعيفًا تَعيسًا لَيْسَ لِي حَسَبٌ ولا نَسَبٌ،مُجرَّد
طِفْلٍ بائس وضائع،أُمُّهُ تَعْمَلُ خَدَّامة في البُيُوت. ولا أنسى صَديقي وأخي
في الرَّضَاعةِ سِمْعَان المَسِيحي البَدَوي ، كُنَّا لاعِبَيْن أسَاسِيَّيْن في
فَريقِ المَنبوذين لِكُرَةِ القَدَمِ في القَرية . يَا لَهُ مِنْ فَريقٍ رائع ،
ويا لَهَا مِنْ تَشْكيلة ناريَّة.
120
حَياتي
مَتاهةٌ مَحصورةٌ بَيْنَ حِصَارِ بَيْرُوت وَحِصَارِ سَرَاييفو . مَا أشبهَ
الحِصَار بالحياةِ أحيانًا ، هُوَ شريطٌ طويلٌ مِنَ الألَمِ ، وَمُمَدَّدٌ على
طُولِ الزمن ، يَنْقَضُّ عَلَيه كالمَوْجِ المُتَسَلْسِلِ بِلا رَحمةٍ ،
وَيَقْطَعُ الأملَ في القلبِ ، ويَتركه مُحَاصَرًا بَيْنَ جُدرانِ الحُزْن .
هُناكَ ، حَيْثُ تَلْتقي سَماءُ الحربِ بأرضِ الوجعِ ، يَتَدَفَّقُ الحِصَارُ ،
وَتتشابكُ فيه الآلامُ دُونَ أنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّمَانِ والمَكَانِ .
بَيْرُوت ،
تِلْكَ المدينة التي كادتْ أنْ تَكُون قلبَ العَالَمِ العَرَبيِّ النابضِ ،
مُحَاصَرَة مِنْ كُلِّ جانبٍ . اختفى الضَّوْءُ في زَواياها ، وعاشتْ بَيْنَ
أنقاضِها جُروحٌ لا تَنطفئ . الأعْيُنُ التي كانتْ تُراقِب البَحْرَ ، تبحثُ الآنَ
عَنْ أملٍ في السَّماءِ ، بَيْنَما أصوات الانفجاراتِ تَقْطَعُ الكَلِمَاتِ ، وَتُغْرِقُ
الناسَ في الظلامِ والصَّمْتِ . المَدينةُ التي كانتْ تَتَنَفَّسُ الحياةَ ، صارتْ
تَنْزِفُ الدَّمَ . حِصَارُ بَيْرُوت لَمْ يَكُنْ فَقَط مَحصورًا في الأسلاكِ
الشائكةِ والجُدرانِ المُنهارة ، بَلْ كانَ حِصَارًا للقلبِ الذي لا يَعرِف كَيْفَ
يَتَنَفَّسُ وَسَطَ المَوْتِ .
سَراييفو ،
تِلْكَ المَدينة التي عانقت الجِبالَ والأنهارَ ، كانتْ مُغَلْقَةً على نَفْسِها ،
وصامدةً في وَجْهِ العاصفة . يُطاردها الشَّبَحُ ذَاتُه : أسلاكٌ شائكة ، وذخائر
تتناثرُ في السَّماءِ ، كأنَّها غَيْمَات الحُزْنِ التي لا تُريدُ الرَّحيلَ.
الأرواحُ مُحَاصَرَةٌ بَيْنَ أزِقَّةِ المَدينةِ الضَّيِّقةِ ، تَنْتَقِلُ مِنْ
مَكانٍ إلى مَكانٍ، بحثًا عَنْ لَحْظَةِ حَياةٍ وَسَطَ وَحشيةِ الحِصَارِ .
الرصاصاتُ والانفجاراتُ تَكْتُبُ سَطْرًا جَديدًا في حِكايةِ الألَمِ . لكنْ
بالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذلك ، كانَ القلبُ هُناك يُنادي ، ويُردِّد : (( الحَياة
تَستحقُّ العَيْشَ رَغْمَ كُلِّ هَذا )) .
تَتَوَازَى مُعاناةُ
بَيْرُوت وَسَراييفو ، كَما تَتَوَازَى أرواحُ البشرِ التي لا تَعرِف الحَواجزَ
ولا الحُدودَ. في عُمْقِ الحِصَارِ ، كانَ الأسئلةُ تُطرَح بِصَوْتٍ خافتٍ : هَلْ
يَستطيعُ الأملُ أنْ يَنْجُوَ وَسَطَ هذا الخَرَابِ؟،هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ
يَظَلَّ مُتَمَسِّكًا بالسلامِ وَسَطَ حُروبٍ لا تَنتهي؟،هَلْ يَستطيعُ القلبُ أنْ
يَحتفظَ بالحُبِّ بَعْدَ أنْ تُمزِّقه خَيْبَاتُ الحَياةِ ؟ ، هَلْ يُمكِن
للرُّوحِ أنْ تَبقى صافيةً وَسَطَ دُخَانِ أحزانِ البَشَرِ ؟، هَلْ يَسْمَحُ
الحَنينُ للحِكَاياتِ بأنْ تُضِيءَ ظُلْمَةَ الحاضرِ ؟،هَلْ يَستطيعُ الصَّمْتُ
أنْ يُدَاوِيَ جِرَاحَ الكَلِمَاتِ القاسيةِ ؟، هَلْ يَستطيعُ الإنسانُ أنْ
يَبْنِيَ أمَلًا جَديدًا بَعْدَ أنْ يَنهارَ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَه ؟،هَلْ يُمكِن
للوَفاءِ أنْ يَظَلَّ حَيًّا وَسَطَ خِياناتٍ لا تُحصَى؟، هَلْ يَستطيعُ الحُلْمُ
أنْ يُحلِّق رَغْمَ قُيودِ الواقعِ القاسي ؟، هَلْ يُمكِن للنَّفْسِ أنْ تَرتاحَ
بَيْنَ صِرَاعات لا تَتوقَّف ؟، هَلْ يَستطيعُ الوَقْتُ أنْ يُخبِّئ لَحَظَاتٍ
لَمْ تَعُدْ تُعَاش ؟، هَلْ يُمكِن للضَّوْءِ أنْ يُولَدَ بَيْنَ أطلالِ الذكرياتِ
القَديمةِ ؟ .
في تِلْكَ
اللحَظَاتِ مِنَ الظلام ، كانَ الضَّوْءُ الوحيدُ يأتي مِنْ دَاخلِ القُلوبِ .
المُدُنُ مُحَاصَرَةٌ ، لكنَّ الأرواحَ الساكنة فيها حُرَّةٌ لا يُمكِن سَجْنُها .
الذاكرةُ هِيَ المَعركةُ الكُبْرى التي تُخَاض . كَيْفَ يُمكِن أنْ نَنسى بَيْرُوت
؟ ، كَيْفَ يُمكِن أنْ تُمْحَى سَراييفو مِنْ ذاكرتنا ؟ . مِنْ بَيْنِ كُلِّ
الأنقاضِ والدِّماءِ ، كانتْ هُناك أسماء تُكْتَبُ بأحرف مِنْ ألَمٍ على جُدرانِ
الحِصارِ . أرواحُهم تُعلَّق على الهواءِ الأخضرِ ، تَهْتِفُ بالحَياةِ رَغْمَ
الزَّمَانِ والمَكَانِ وأنفاسِ المَوْتِ التي تُلاحقهم .
في
الحِصَارِ ، يَكْمُنُ الجَمالُ في الصُّمودِ والتضَّحيةِ والقُدرةِ على أنْ
تَكُونَ إنسانًا حتى لَوْ كانت الإنسانيةُ نَفْسُها قَدْ نُهِبَتْ في الظُّلُمَاتِ
. حِصَارُ بَيْرُوت وحِصَارُ سَراييفو كانا أكثرَ مِنْ مُجرَّد حُروبٍ . كانا
تَحَدِّيَيْن حَقِيقِيَّيْن للرُّوحِ البشريةِ ، وامتحانًا للقُدرةِ على العَيْشِ
رَغْمَ أنَّ كُلِّ شَيْءٍ حَوْلَكَ يُرِيدُ أنْ يُفْنِيَكَ .
في
النِّهايةِ ، يَبقى السُّؤالُ الأعمق : مَا الذي يَبقى بَعْدَ أنْ يَنْقَشِعَ
الحِصَارُ ؟ ، هَلْ يَبقى الخَرابُ فَقَط أَمْ أنَّ هُناك شيئًا أقوى لا يُمكِن
أنْ يُحْصَرَ أوْ يُدمَّر وَهُوَ الإرادة ؟ .
بَيْرُوت
مُحَاطَةٌ بالبَحْرِ مِنْ جِهَةٍ ، وبالمَدافعِ مِنَ الجِهَاتِ الأُخْرَى ،
المَاءُ صارَ شاهدًا عاجزًا عَلى الطَّوْقِ الذي يَضِيقُ بِلا شَفَقَةٍ . في
سَراييفو كانَ الطَّوْقُ مِنْ جِبَالٍ ، والثَّلْجُ في الشِّتَاءِ يَتحوَّل إلى
شاهدٍ إضافيٍّ ، باردٍ وَصَامِتٍ. المَسافةُ بَيْنَ المَدِينَتَيْن بَدَتْ بَعيدةً
على الخرائطِ، لكنَّها في الذاكرةِ مُتلاصِقةٌ، لأنَّ الحِصَارَ حِينَ يَبْدأ
يُشبِه نَفْسَه أيْنَمَا حَلَّ : صَوْت القذيفةِ يَسْبِقُ المَعْنى ، والليلُ
يَطُول حتى يَفْقِدَ اسْمَه، والنهارُ يأتي مُرْتَبِكًا كأنَّه يَعتذرُ عَنْ
حُضورِه .
في بَيْرُوت
، كانَ البَحْرُ يَلْمَعُ كُلَّ صَباحٍ كَخَديعةٍ زَرْقاء ، يُوحِي بالفِرَارِ ،
ثُمَّ يُعيدُ الناسَ إلى حقيقةِ الشوارعِ المُحطَّمة. في سَراييفو ، كانت الجِبالُ
تَقِفُ مِثْلَ جُدران عِمْلاقة ، تَمنعُ الرِّيحَ مِنْ حَمْلِ الأخبارِ الجَيِّدة.
تَعَلَّمَ الناسُ أنْ يَقِيسُوا الزمنَ بِعَدَدِ الانقطاعات ، وَعَدَدِ أرغفةِ
الخُبْزِ النادرة، وَعَدَدِ المَرَّاتِ التي يَنْجو فِيها القلبُ مِنْ قَفْزَةٍ
مُفاجِئة . لَمْ يَعُد السُّؤالُ : متى ينتهي كُلُّ هذا ؟ ، بَلْ : كَيْفَ نَمُرُّ
مِنْ هذا اليَوْمِ إلى التالي دُونَ أنْ نَفْقِدَ مَا تَبَقَّى مِنْ ضَجيجِ
أعماقِنا ؟ .
النوافذُ في
المَدِينَتَيْن تُؤَدِّي وَظيفةً مُزْدَوَجَةً : عُيون تُطِلُّ على الحياةِ ،
وأفواهٌ تَبتلعُ الخَوْفَ . الزُّجَاجُ المَكسورُ صارَ لُغَةً مُشترَكةً ،
والسَّتائرُ الثقيلةُ تُغَلِّفُ عِظَامَ الضَّحَايا .
في أحدِ
الأزِقَّةِ المُمتلئةِ بِصُراخِ القَتْلى الغامضِ ، كانَ الصَّمْتُ أحيانًا أعلى
مِنَ الانفجارات ، لأنَّه يَحمِل في داخله احتمالًا لا يُمكِن التَّنَبُّؤ بِه .
وفي شارعٍ ضَيِّقٍ بَيْنَ بِنَاياتٍ عالية في المَدينةِ الجَبَلِيَّة ، كان
الصَّدى يُعِيدُ الأصواتَ مُضَاعَفَةً ، فَيَتَحَوَّل كُلُّ وَقْعِ قَدَمٍ إلى
إنذار .
لَمْ تَكُن
الحِكايةُ حِكايةَ أفرادٍ ، بِلْ حِكاية أجسادٍ تَتعلَّم الاقتصادَ في الحركة ،
وأرواحٍ تُتْقِنُ التفاوضَ معَ الخَوْفِ . في المَدينةِ الساحلية ، كانَ المِلْحُ
يَترسَّب على الوُجوه ، مُختلِطًا بالعَرَقِ والتُّرابِ ، وفي المَدينةِ
المُحاصَرة بالمُرتفعات كان البَرْدُ يَنْحِتُ المَلامحَ ، حتى تَبْدو الوُجوهُ وكأنَّها
مَنحوتة مِنْ صَبْرٍ قاسٍ. ومعَ ذلك ، كانت الابتسامةُ تَظهر فَجأةً ، قصيرة
وخَجولة ، كأنَّها تَذكير بأنَّ الإنسان لَمْ يُخْلَقْ فقط لِيَتحمَّل .
الليلُ في
المَدِينَتَيْن كانَ مَدرسةً في الإصغاء . الإصغاء إلى خُطُواتٍ بعيدة ،
وَهَمَسَاتٍ خَلْفَ الجُدران ، وأنفاسٍ مُشترَكة في غُرَفٍ ضَيِّقة . النَّوْمُ
فِعْلُ مُقاوَمةٍ ، لأنَّ الأحلام حِينَ تأتي ، تَفْتَحُ نوافذَ لا تَستطيعُ
القذائفُ الوُصولَ إلَيْها . في الحُلْمِ ، كانت المَدِينتان تَتبادلان الأدوارَ :
البَحْرُ يَصْعَدُ إلى الجِبال، والثَّلْجُ يَزُور الساحلَ ، والناسُ يَمْشُون بِلا
انحناء .
النَّهارُ
على قَسْوَتِه ، يَحمِل تفاصيل صغيرة تُشبِه الانتصاراتِ الخَفِيَّة . كُوبُ ماءٍ
يُقْتَسَمُ بالعَدْل ، قِطْعَة خُبْزٍ تُكْسَرُ بِعِناية ، ضحكة تَنفلتُ رَغْمَ
الحِصَار . في بَيْرُوت ، كانت الأمواجُ تُواصِل ضَرْبَ الصُّخورِ بإصرار ،
وكأنَّها تَشْرَحُ مَعنى الاستمرار . في سَراييفو ، كانت الأشجارُ العَارِيَةُ
تَرفُضُ السُّقُوطَ ، وتَنتظرُ مَوْسِمًا لا تَعرِف إنْ كانَ سَيَأتي .
بَدأت
المَدينتان تَتداخلان في الذاكرة . صارَ صَوْتُ البَحْرِ يَمتزجُ بِصَفِيرِ
الرِّيحِ الجَبَلية ، وصارت الشوارعُ المُتعَبة تُشبِه بَعْضَها مَهْما اختلفت
اللغة . الحِصَارُ لَيْسَ طَوْقًا عَسكريًّا فَحَسْب ، بَلْ حالة ذِهْنية ،
وامتحان طويل لِمَعرفةِ كَمْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَخْسَرَ دُون أنْ يَتحوَّل إلى
حَجَرٍ . وفي هذا الامتحانِ ، كانَ النَّجَاحُ لا يُقَاسُ بالبَقَاءِ على قَيْدِ
الحَياةِ فَقَط ، بَلْ بالقُدرةِ على الاحتفاظِ بِشَيْءٍ دافئ في الداخل، شَيْء لا
تَستطيعُ المَدافعُ ولا القَنَّاصَة ولا المَجَاعة أنْ تُصادره .
حِينَ هَدأ
القَصْفُ في لَحْظةٍ نادرة ، لَمْ يُصَدِّقْ أحَدٌ الصَّمْتَ . في المَدِينَتَيْن
، خَرَجَ الناسُ بِحَذَرٍ ، كأنَّهم يَتعلَّمون المَشْيَ مِنْ جَديد . نَظَرُوا
إلى السَّماءِ نَفْسِها ، وإن اختلفت الزَّاوية ، وشعروا أنَّ الحِصَارَ تَرَكَ
أثَرَه العميق ، جَعَلَهم يَعرِفون قِيمةَ التفاصيلِ ، وَيَثِقُون بأنَّ الذاكرةَ
سَتَبْقى أطْوَلَ مِنْ أيِّ طَوْقٍ . هَكذا الْتَقَت المَدِينتان في سَطْرٍ واحدٍ
غَيْرِ مَكتوبٍ ، سَطْر يَقُول إنَّ الحِصَارَ قَدْ يُحاصِر الجَسَدَ ، لكنَّه لا
يَملِك حَقَّ السَّيطرةِ على المَعْنى .
معَ مُرورِ
الأيامِ، بَدأ الناسُ في المَدِينَتَيْن يَكتشفون حُدودَ الصَّبْرِ والخَيْبَةِ ،
وحُدودَ مَا يُمكِن للقَلْبِ أنْ يَحْتمله قَبْلَ أنْ يُصْبح صامتًا . لَمْ تَعُد
الجُدرانُ مُجرَّد حواجز ، بَلْ مَرايا تَعكِس وَحْشَةَ الداخلِ ، وكُلُّ خُطْوةٍ
خارجَ البَيْتِ كانتْ تُوازي رِحْلَةً .
في بَيْرُوت
، أصبحَ البَحْرُ جُرْحًا مَفتوحًا ، يُذكِّر الناسَ بِما فَقَدُوه . وفي سَراييفو
، كانت الرِّياحُ الباردةُ تَحمِل مَعَها رائحةَ التُّرابِ المُبَلَّلِ بالدُّموعِ
، غَيْر مَرْئيَّة، لكنَّها ثابتة في ذاكرةِ الحَوَاس.
الصَّمْتُ أحيانًا أشدُّ وَقْعًا مِنَ
الانفجاراتِ ، لأنَّه حَمَلَ رسائل لَمْ يُكْتَبْ لَها عُنوان ، رسائل الخَوْف ،
رسائل الغِياب ، رسائل الانكسارِ المُحتمَل . ومعَ كُلِّ ضِحْكةٍ سِرِّية ، وكُلِّ
كَلِمَةٍ تُهْمَسُ خَلْفَ سِتَارٍ، كانَ الناسُ يَبْتكرون أشكالًا جديدةً مِنَ
الحياة ، أشكالًا صغيرة لكنَّها قَوِيَّة ، أشكالًا تَصْمُدُ ضِدَّ كُلِّ مَا
حَوْلَها . يَزرعون الأملَ في لَحَظَاتٍ قصيرة ، في كُوبِ مَاء ، في عُبوسٍ
يُخفَّف بابتسامة ، في عَيْنٍ تَلْتقي بِعَيْنٍ أُخْرَى قَبْلَ أنْ يُغْلِقَ
الخَوْفُ نافذةَ الرُّؤيةِ .
في الليالي
الطويلة ، صارَ الظلامُ مُعَلِّمًا ، يُعلِّم الناسَ الاستماعَ أكثر مِنَ الكلام ،
والمُرَاقَبَةَ أكثر مِنَ الحركة . في بَيْرُوت ، كانت الأمواجُ تَتحدَّث
بِصَوْتِها ، تُعلِّم البَشَرَ كَيْفَ يُواجِهون التَّكْرارَ بِلا مَلَلٍ . وفي
سَراييفو، كانت الجِبالُ تَهْمِسُ للرِّيحِ ، وَتُخْبِر مَنْ يَبْقَى أنَّها
تَقْوَى معَ كُلِّ عاصفةٍ . وفي قَلْبِ هذه العَتَمَةِ ، بَدأ البَشَرُ يَفْهمون
أنَّ المُقاوَمة لَيْسَتْ فَقَط بِعَدَدِ الأرغفةِ أو الحِجارةِ أو الرَّصاصِ ،
بَلْ في القُدرةِ على البَقاءِ إنسانيين ، والاستمرارِ في حُبِّ مَا يُمكِن
حِمايته ، مَهْما كانَ صغيرًا أوْ هَشًّا .
المَدِينتان
تتشابكان في المُخَيِّلَةِ الجَمَاعِيَّةِ ، وتُصْبحان مَكانًا واحدًا في تَجْرِبَةِ
الإنسانِ معَ الحِصَار. لَمْ تَعُد المَسافاتُ تُقَاسُ بالأميال، بَلْ بالخَوْفِ
والانتظارِ والأملِ المُختبئ في اللحْظةِ التالية . بَحْرُ بَيْرُوت يُذكِّر
الناسَ بِجِبَالِ سَراييفو . لَحْظَةُ النَّجاةِ الصغيرةُ تُشبِه صاروخًا مِنَ
الضَّوْءِ في ظَلامٍ دامسٍ ، يُذكِّرهم بأنَّ الحياة مُمكِنة حتى في أكثرِ
الأماكنِ قَسْوَةً .
وَبَيْنَما
ظَلَّ الحِصَارُ مُستمرًّا ، بَدأ الناسُ يَكْتُبون تاريخَهم الخاص ، غَيْر
مَكتوبٍ في كُتُبٍ ، لكنَّه مَحفورٌ في العُيونِ والأيدي والأنفاسِ . هُناك مَنْ
يَهمِس للآخَرين عَن المُستقبَل ، رَغْمَ أنَّ المُستقبَل مَجهول ، وهُناك مَنْ
يَضحك على الفِقْدَانِ كما لَوْ كانَ استهزاءً بالحاضرِ . وهَكذا ، بَدأ نَوْعٌ
جَديدٌ مِنَ الحُرِّيةِ يَنْبُت ، حُرِّية العَقْلِ والقَلْبِ ، حُرِّية صغيرة
لكنَّها مَتِينة ، تَصْمُد أمامَ المَدافعِ والجُوعِ والصَّمْتِ. في لَحْظةٍ
غَيْرِ مُتوقَّعة ، تَوَقَّفَ صَوْتُ المَدافعِ لَحَظَاتٍ طويلة . المَدينةُ
تَنَفَّسَتْ أخيرًا. خَرَجَ الناسُ بِحَذَرٍ . كُلُّ خُطْوةٍ خارجَ الجُدْرانِ
اختبارٌ . رَأَوا السَّماءَ تَتَّسِعُ أمامَهم ، وَرَأَوا بعضَهم البعض كما لَوْ
كانوا غُرَباء عادوا إلى بعضهم للمَرَّةِ الأُولَى . في هذه اللحْظَةِ ، أدْرَكُوا
شيئًا واحدًا ، الحِصَارُ قَدْ يَقْتلعُ الجسدَ مِنَ المكان ، لكنَّه لا يَستطيعُ
اقتلاعَ الإنسانِ مِنْ ذَاتِه ، ولا يَستطيعُ طَمْسَ القُدرةِ على الحُبِّ
والكَرامةِ والأمل .
بَقِيَت
المَدِينتان مُتَّصِلَتَيْن عَبْرَ تَجْرِبَةٍ مُشترَكةٍ رَغْمَ الفواصلِ
الجُغْرافية ، عَبْرَ صَدى القُلوبِ وأصواتِ الأقدامِ والخَوْفِ الذي تَعَلَّمَ
كَيْفَ يَتحوَّل إلى حِكايةٍ صامتة . لَمْ تَعُد المَسافاتُ مُهِمَّةً ، وَلَمْ
يَعُد السُّؤالُ عَن اليَوْمِ التالي مَحصورًا في انتظارِ نِهايةِ القذائفِ،بَلْ
أصبحَ السُّؤالُ: كَيْفَ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَظَلَّ إنسانًا ، وأنْ يَحتفظ بِمَا
يَخُصُّه مِنْ نُورٍ داخليٍّ ، رَغْمَ كُلِّ مَا حَوْلَه مِنْ حَواجِز ؟ .
في صَباحٍ
خافتٍ ، حَيْثُ الضَّوْء يَقْتحمُ المَدينةَ بِحَذَرٍ ، بَدأ الناسُ يُلاحظون
التَّغَيُّرَاتِ الصغيرة التي تَحمِل مَعنى البَقَاءِ . الأشجارُ التي قاومت
الشِّتاءَ في المَدينةِ الجَبَليةِ بَدَتْ وكأنَّها تَهمِس للذينَ يَمُرُّون
بجانبها : (( الاستمرارُ مُمكِن )) . وفي المَدينةِ الساحلية ، الأمواجُ لَمْ
تَعُدْ تَهْديدًا ، بَلْ صارتْ إشراقًا صغيرًا يَحمِل رسائل غَيْر مَرئية للقُلوبِ
المُتعَبة .
في
الأزِقَّةِ ، بَدأ الناسُ يتحركون بِبُطْءٍ ، لا لأنَّ الخَوْفَ اختفى ، بَلْ
لأنَّهم اكتشفوا أنَّ التَّبَاطُؤ يُمكِن أنْ يَكُون مُقَاوَمَةً . كانت الأصواتُ
المَكتومةُ هَمَسَاتٍ ، وَخُطُواتٍ ، وَضَحِكَاتٍ خَفِيَّة ، تَندمجُ معَ صَدى
المَدافعِ القديمةِ في الذاكرة ، فَتَخْلُق مُوسيقى غَريبة عَن الحُرِّية ،
مُوسيقى مِنْ صَبْرٍ وألَمٍ وقُوَّةٍ صامتة . وَالرُّوحُ الفَرديةُ تتشابكُ معَ
الرُّوحِ الجَمَاعِيَّة . لَمْ تَعُد الأرواحُ مَحصورةً في الأجسادِ ، بَل انتشرتْ
في الهواءِ والشوارعِ ، وَبَيْنَ الجُدرانِ المَكسورة . كُلُّ نَظْرةٍ إلى نافذة ،
وكُلُّ حَرَكَةٍ سريعةٍ للرِّيحِ ، وكُلُّ لَمْسَةٍ صامتةٍ بَيْنَ الناسِ، كانتْ
إعلانًا سِرِّيًّا بأنَّ الحَياة لَمْ تَنْتَهِ بَعْد ، وأنَّ القلبَ قادرٌ على
النَّبْضِ رَغْمَ الخَرابِ المُحيطِ .
في
المَدينةِ الساحلية ، البَحْرُ لَمْ يَتوقَّف عن الرُّؤية ، كانَ يَعكِس الشمسَ في
كُلِّ صَباح . يُحاولُ إقناعَ البَشَرِ بأنَّ الضَّوْءَ لا يُمكِن حَجْزُه . في
المَدينةِ الجَبلية ، الثلجُ لَمْ يَعُدْ مُجرَّد بَرْدٍ ، بَلْ أصبحَ طَبَقَةَ
حِمايةٍ، يَخْتبئ وَراءَها مَنْ يُريدُ أنْ يَحفظَ نَفْسَه ، ويُمثِّل لِكُلِّ
مَنْ يَمُرُّ أُسلوبًا جديدًا في مُواجَهةِ الرُّعْبِ .
الرسائلُ
تَتحرَّك بِلا أوراقٍ ، عَبْرَ النَّظَرَاتِ ، ومَلامحِ الوُجوهِ ، وَضَحِكَاتٍ
قصيرة تُفْلِتُ مِنْ بَيْنِ الشِّفَاهِ . كُلُّ كَلِمَةٍ لَمْ تُنْطَقْ كانتْ أقوى
مِنْ أيِّ صاروخٍ ، وكُلُّ لَحْظةِ حُضورٍ صامتٍ كانت انتصارًا صغيرًا عَلى
الطَّوْقِ الذي أحاطَ بِكُلِّ شَيْء. الإنسانُ هُنا تَعَلَّمَ أنْ يَبْنِيَ حواجز
حَوْلَ قَلْبِه لا جَسَدِه، أنْ يَحْمِيَ مَا لا يَستطيعُ الجُوعُ أو المَدافعُ
اقتلاعَه : كرامته ، قُدرته على الأمل ، حُبُّه لِمَا حَوْلَه .
تَرَكَ
الحِصَارُ فَراغًا بَيْنَ الذكرياتِ والأيامِ . الفَرَاغُ لَمْ يَكُنْ فَقَط
غِيابَ القَصْفِ ، بَلْ مَساحة لِرُؤيةِ شَيْءٍ أكبر ، لَمْ يَرَوْهُ مُنْذُ
البِداية ، الإنسانُ قادرٌ على النُّهوضِ مِنَ الرَّماد ، والدُّمُوعُ
والابتساماتُ والخُطُواتُ الحَذِرَةُ تَحمِل في داخلِها وَعْدًا بالاستمرار .
121
نَقَلَتْ
وكالاتُ الأنباءِ مَشاهِد لِنَساء بُوسنيات يَلْتَقِطْنَ أعشابًا خضراء لا تُعرَف
ماهيتها ، وعجائز يَمْضِينَ حاملاتٍ جُذوع الأشجار إلى بيوتهن لِتَدفئتها ، وأطفال
بِوُجوهٍ شاحبة لِقِلَّةِ الغِذاء ، وشوارع خاوية مِنَ السَّيَّارات لانعدامِ الوَقُود
.
تَمكَّنتْ
حالةُ اليأسِ مِنْ قُلوب نِصْف مَليون بُوسني مُحاصَر مِنْ أيِّ تَدَخُّلٍ
دَوْليٍّ يُنْهي مُعاناتهم، وكأنَّ عليهم الاستسلام أو المَوْت البَطِيء ، فَقَدْ
كانَ الطعامُ القليلُ يأتيهم في طُرود مَواد غِذائية مِنَ السَّمَاءِ، وَلَمْ
يَدُرْ في خَلَدِ المَدينةِ أنَّ الفَرَجَ سَيَأتي بِصُورةٍ أُخْرَى مِنْ تحتِ
الأرضِ .
بَيْنَما
كانَ أحد القادةِ العَسْكريين البوسنيين يَزْحَفُ على مُدرَّج المَطارِ تحت وابلِ
القَصْفِ الصِّرْبيِّ ، تَساءلَ في إحدى لَحَظَاتِ التَّوَقُّفِ الإجبارية : ((
لِمَ لا يَكُون لَدَيْنا نَفَقٌ تحت أرضِ هذا المُدرَّج فَنَنْجو ، وتَنجو
المَدينة ؟ )) .
نَفَقُ
سَراييفو ، نَفَقُ الخَلاصِ ، نَفَقُ الأملِ ، نَفَقُ الحَياةِ ، شُيِّدَ بَيْنَ
آذار وحَزِيران 1993 ، خِلال حِصار سَراييفو في خِضَمِّ الحَرْبِ على البُوسنة .
بَنَاه جَيْشُ جُمهوريةِ البُوسنةِ والهِرْسِك لربطِ مَدينةِ سَراييفو ، التي
كانتْ مَعزولةً تَمامًا بفعلِ القُوَّاتِ الصِّرْبيةِ المُدجَّجة بالأسلحة ،
مِمَّا سَمَحَ بِدُخولِ الغِذاءِ والإمداداتِ الحَربيةِ والمُساعداتِ الإنسانية
إلى المَدينة ، وتَسهيلِ خُروجِ السُّكَّانِ مِنها . أصبحَ النَّفَقُ وسيلةً
رئيسيةً للالتفاف على الحَظْرِ الدَّوْليِّ على الأسلحة ، وتَزويدِ المُدافِعين
عَن المَدينة بالأسلحة .
كُنْتُ
أظَنُّ أنَّ الضعف صِفة ثابتة ، مِثْل لَوْنِ العَيْنَيْن ، أو ارتجافِ اليَدَيْن
حِينَ يَشْتَدُّ البَرْدُ . جِئْتُ إلى سَراييفو وأنا أحْمِلُ هذا الظَّنَّ
مَعِي.شاب عَرَبي نَحيل الجَسدِ، لا تاريخ لِي معَ البَنادقِ ، ولا ذاكرة معَ
الحُروب . ظَنَنْتُ أنَّني جِئْتُ لأرى ، لا لأحْفِر ، لأشهَد ، لا لأُغَيِّر .
لكنَّ الأرضَ هُنا لا تَعترف بالمُتَفَرِّجِين . المَدينةُ مُحَاصَرَةٌ كَصَدْرٍ
لا يَجِدُ هَواءً كافيًا . الجِبالُ تُراقبنا بِصَمْتٍ ثقيلٍ ، والسَّماءُ
مُنخفضةٌ كأنَّها سَقْفُ نَفَقٍ لَمْ يُحْفَرْ بَعْد . في الليلةِ الأُولَى ،
حِينَ نزلتُ إلى المكان الذي سَيُولَد فيه النَّفَقُ، أدركتُ أنَّ الحياة لا
تُمنَح هُنا ، بَلْ تُنْتَزَع مِنَ التُّرابِ انتزاعًا .
لَمْ يَكُن
النَّفَقُ مُجرَّد حُفْرَةٍ . كانَ فِكرةً عَن النَّجاة ، فِكرةً عَن العُبورِ
مِنَ المَوْتِ إلى احتمالٍ آخَر للحَياة . كُنَّا نَدخلُ الأرضَ كما يَدخل
الإنسانُ جَسَدَه حِينَ يَضِيقُ عَلَيْهِ العَالَمُ . الرُّطوبةُ تَلتصقُ
بالجِلْدِ ، والطِّينُ يَبتلع الأحذيةَ ، والظلامُ لا يَكْتفي بأنْ يَكُونَ
ظَلامًا ، بَلْ يَتحوَّل إلى كائنٍ يُراقِب أنفاسَك .
كُنْتُ
الأضعفَ بَيْنَهُم ، هَكذا رَأيْتُ نَفْسِي ، بَطِيئًا في الحَفْرِ ، سَريعًا إلى
التَّعَبِ ، قَريبًا مِنَ الانكسارِ . أيديهم تَعرِف التُّرابَ كَما يَعرِف الراعي
وَجْهَ الرِّيحِ ، أمَّا يَدَايَ فَكَانَتَا تَتعلَّمان الألَمَ حَرْفًا حَرْفًا .
ومعَ ذلك ، لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي أحدٌ أنْ أعُود . لَمْ يَقُلْ لِي أحدٌ إنَّ هذا
المكانَ لَيْسَ لِي . في هذا الصَّمْتِ ، بَدأتُ أفهمُ مَعنى أنْ تَكُون إنسانًا
بَيْنَ أُنَاسٍ يُقَاتِلُون كَيْ يَبْقُوا أحياء .
نَحفِر
بأدواتٍ بِدائية ، وكأنَّنا نَعُود إلى الماضي السَّحيق ، حَيْثُ لا فَرْقَ بَيْنَ
الجسدِ والأداةِ . كُلُّ ضَرْبَةٍ وَعْدٌ صَغيرٌ بأنَّ الغَدَ قَدْ يَكُون أقَلَّ
قَسْوَةً . التُّرابُ كانَ يَنهارُ أحيانًا ، فَنَحْبِسُه بألواحٍ خشبية هَزيلة ،
نَربِطها بالخَوْفِ والأملِ معًا . لَمْ يَكُنْ هُناك مَجال للخَطأ . سَقْفٌ
مُنخفضٌ ، وهَواءٌ شَحِيحٌ ، وخَطأ واحدٌ قَدْ يَعْني أنْ يَتحوَّل النَّفَقُ إلى
قَبْرٍ جَمَاعِيٍّ .
الذينَ
يَعْمَلُون مَعِي لَمْ يَحمِلوا شِعاراتٍ . يَحمِلون التعبَ فَقَط ، وُجوه بِلا
أسماء ، لكنَّها مَحفورة في ذاكرتي كأنَّها نُقُوشٌ حَجرية . أحَدُهُم كانَ يَعُود
إلى الحَفْرِ بَعْدَ أنْ يَتْرُكَ خَلْفَه عائلةً جائعة . آخَر يَضَعُ الطِّينَ في
سِلالٍ وَهُوَ يَبتسم ابتسامةً صغيرة . الابتسامةُ وسيلةٌ لِتَحَدِّي الحِصَارِ.
امرأةٌ جاءتْ تَحمِل الطعامَ القليلَ إلَيْنا ، ثُمَّ بَدأتْ تُساعِد في نقلِ
التُّرابِ ، كأنَّ الجُوع لا يَمْنحها حَقَّ الراحةِ .
سَمِعْتُ
أنفاسي تَتكسَّر في صَدْري . أحْسَسْتُ بقلبي يَطْرُق أضْلُعِي كَمَنْ يَطْلُب
الخُروجَ . في تِلْكَ اللحَظَاتِ ، كُنْتُ أُريدُ الهربَ ، لا مِنَ النَّفَقِ ،
بَلْ مِنْ نَفْسِي وَضَعْفي وَخَوْفي ، مِنَ السُّؤالِ الذي يُلاحقني : (( ماذا
تَفْعَلُ هُنا ؟ )) . في كُلِّ مَرَّةٍ أرفعُ فيها رأسي ، أرى شخصًا آخَر يَغُوص
أعمقَ مِنِّي ، يَحمِل أكثر ، ويَصبِر أكثر ، فَكُنْتُ أعُود إلى الحَفْرِ ، لا
شَجاعةً ، بَلْ خَجَلًا .
نَقْلُ
المَوَادِّ كانَ مَعركةً أُخْرَى . أكياس ، أخشاب ، أسلاك ، كُلُّ شَيْءٍ يَمُرُّ
عَبْرَ أجسادِنا قَبْلَ أنْ يَمُرَّ عَبْرَ النَّفَقِ . نَتحوَّل إلى جُسورٍ بشرية
. الأكتافُ تَتقوَّس ، والظُّهورُ تَنْحني ، لكنَّ الطريقَ يَستمر . في الخارجِ ،
يُذكِّرنا القَصْفُ بأنَّ الوقت لَيْسَ في صَالحِنا ، وفي الداخلِ يُذكِّرنا
الظلامُ بأنَّ الأملَ لا يَحتاجُ إلى ضَوْءٍ كاملٍ كَيْ يَعيش .
الليلُ
أطْوَلُ داخلَ النَّفَقِ . لا فَرْقَ بَيْنَ سَاعةٍ وسَاعةٍ . الزَّمَنُ يَتكسَّر
، ويَتحوَّل إلى تَعَبٍ مُتواصِل . أحيانًا ، كُنَّا نَتوقَّف ، نَسْمَع الصَّمْتَ
، صَمْتًا كَثيفًا يَجْعل أيَّ صَوْتٍ صَغيرٍ يَبْدو كَخَطَرٍ . فَكَّرْتُ في
المَسافةِ التي قَطَعْتُها مِنْ بِلادي إلى هُنا ، وأدركتُ أنَّ الرِّحْلة
الحقيقية لَمْ تَكُنْ في الجُغْرافيا ، بَلْ في التَّحَوُّلِ الداخليِّ. لَمْ
أَعُدْ ذلك الشاب الذي يَخافُ مِنَ التعب . صِرْتُ أخافُ مِنْ أنْ يَتَوَقَّفَ
الحَفْرُ .
حِينَ
اكتملَ النَّفَقُ ، لَمْ نَحتفلْ ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُتَّسَعٌ للاحتفالِ .
الإنجازُ أكبرُ مِنَ الفَرَحِ ، وأثقلُ مِنَ الدُّموعِ . رَأيْتُ الناسَ
يَعْبُرُون . طعام ، دواء ، أمل يَتسلَّل تحت الأرض . عِندَها فَقَط فَهِمْتُ أنَّ
ضَعْفي لَمْ يَخْتَفِ ، لكنَّه لَمْ يَعُدْ يَحْكُمُني . تَعَلَّمْتُ أنَّ الضعف
حِينَ يُوضَع في خِدمةِ الآخَرين يَتحوَّل إلى قُوَّةٍ مِنْ نَوْعٍ آخَر . غادرتُ
سَراييفو لاحقًا ، لكنَّ النَّفَقَ لَمْ يُغَادِرْني . مَا زِلْتُ أشعرُ بِبُرودته
في عِظَامي ، وأسمعُ صَدى المَعاولِ في داخلي. عَلَّمَني ذلك المَكانُ أنَّ
الحياةَ أحيانًا لا تُبنَى فَوْقَ الأرضِ ، بَلْ تحتها، وأنَّ الإنسانَ ، مَهْما
كانَ ضعيفًا ، يَستطيعُ أنْ يَكُون جُزْءًا مِنْ مُعْجِزَةٍ إذا قَبِلَ أنْ
يَتَّسِخَ بالطين ، وأنْ يَحْمِلَ وَيَحْفِرَ حتى آخِرِ نَفَسٍ .
هَذه
حِكَايتي ، لكنَّها في الحقيقةِ حِكاية أُولئكَ الذينَ حَفَرُوا الحَياةَ بأيديهم
، وَمَرُّوا مِنْ تَحْتِ المَوْتِ ، بِلا أسماء ولا ضَجِيجٍ ، تاركين لَنَا
نَفَقًا نَعْبُرُ بِهِ إلى مَعْنى أعمق للإنسانِ .
122
في المَدينةِ المُحَاصَرَةِ ،
حِينَ كانت الجِبالُ تُطبِق على الأنفاس ، وتُصْغي إلى وَقْعِ القذائف ، وُلِدَتْ
فِكْرة لا تُشبِه إلا اليأسَ حِينَ يَصِيرُ شَجاعةً . لَمْ تَكُنْ فِكْرَةَ نَفَقٍ
فَحَسْب ، بَلْ فِكْرة حَياةٍ تُحْفَرُ بالأظافر ، وتُصَان بالصَّبْر ، وتُحمَل
على الظُّهُور .
سَراييفو مَدينةٌ تُقَاسُ
بالخُطُواتِ القصيرةِ بَيْنَ مَلْجَأ وَمَلْجَأ ، وبالأيامِ التي تَمُرُّ دُون
خُبْزٍ كافٍ ، وبالليالي التي يُطْفأ فيها الضَّوْءُ خَوْفًا مِنْ عَيْنٍ بَعيدةٍ
. الناسُ بِلا أسماء في سِجِلَّاتِ الحَرْبِ ، لكنْ لِكُلِّ وَاحدٍ اسْمٌ في
ذاكرةِ الآخَرِ ، الأُم التي تَقْسِمُ رَغيفًا ، والعاملُ الذي يَعُود بالطينِ
عَلى وَجْهِه ، والفَتاةُ التي تَحفظُ الأصواتَ لِتَعْرِفَ مَنْ بَقِيَ حَيًّا .
في طَرَفٍ مِنَ المَدينة ،
قُرْبَ مُدَرَّجٍ صامتٍ، اجتمعَ رِجالٌ وَنِسَاء بِمَلابس مُتشابهة مِنَ الفَقْرِ
. لَمْ يَكُن الاجتماعُ رَسميًّا ، كانَ هَمْسًا جَمَاعِيًّا . قالَ أحَدُهُم
وَهُوَ يَنظرُ إلى الأرضِ :
_ لا طَريقَ فَوْقَ الأرضِ .
رَدَّت امرأةٌ تَحمِل طِفْلًا
:
_ إذَنْ ، نَحفِر تحتها .
سَكَتُوا لَحْظَةً ، ثُمَّ
هَزَّ الجَميعُ رُؤوسَهم ، كأنَّ القَرارَ كانَ مَوجودًا قَبْلَ الكَلِمَات .
بَدأ الحَفْرُ في لَيْلٍ لا
يَثِقُ بالنهار . المَعاوِلُ قليلة ، والأيدي كثيرة ، والأرضُ قاسية ، لكنَّها
أقَلُّ قَسْوَةً مِنَ الحِصَار . يَنْزِلُون إلى باطنِ التُّرابِ كَما يَنْزِلُ
المَرْءُ إلى صَدْرِ أُمِّه ، يَطلُب الدِّفْءَ والحِمايةَ . كُلُّ شِبْرٍ
يُنْتَزَعُ يُقَايَضُ بِسُعالٍ، وبأكتافٍ تَرتجف ، وبأظافر تَنكسِر .
قالَ
شَابٌّ وَهُوَ يُمرِّر دَلْوًا مِنَ التُّرابِ :
_ إذا وَصَلْنا سَتَمُرُّ
الحَياة .
أجابه رَجُلٌ أكبرُ سِنًّا :
_ وإنْ لَمْ نَصِلْ يَكْفي
أنَّنا حَاوَلْنا .
الحِواراتُ قَصيرةٌ،لأنَّ الهَواء
ثَمِين، ومعَ ذلك، كانت الكَلِمَاتُ تُضِيءُ.في النَّفَقِ،لا تُرى الوُجوهُ
جَيِّدًا ، لكنْ تُعرَف القُلوبُ مِنْ طَريقةِ الإمساكِ بالحَبْلِ ، وَمِنَ
الإصرارِ على أنْ لا يَسْقُطَ الدَّلْوُ .
في الخارجِ ، تَتقلَّب المَدينةُ
بَيْنَ الخَوْفِ والجُوعِ. الأطفالُ يَتعلَّمون الحِسَابِ باستخدامِ عَدَدِ
القذائفِ . تَخترعُ النِّسَاءُ وَصَفَاتٍ مِنْ لا شَيْء . يَحْرُسُ الشُّيوخُ
الذكرياتِ كَيْ لا تَمُوت . والخَبَرُ يَنتقلُ هَمْسًا : (( هُناكَ مَمَرٌّ يَنْمو
تحت الأرضِ )) .
تَقَدَّمَت الحَفْرِيَّاتُ
بِبُطْءٍ يُشبِه المَشْيَ في الماء . جُدْران انهارتْ مِرَارًا ، فَرَفَعُوا
التُّرابَ مِنْ جَديدٍ. تَسَلَّلَ المَاءُ إلى النَّفَقِ ، فَبَنَوْا قَنَوَاتٍ
صغيرة بألواحِ خَشَبٍ مُسْتَعْمَلَةٍ . كُلُّ حَلٍّ كانَ مُؤقَّتًا، لكنَّ الأملَ
كانَ دائمًا . قالتْ فَتاةٌ كانتْ تُدوِّن عَلى وَرَقٍ رَطْبٍ :
_ سَأكتبُ عَنْ هذا يَوْمًا .
ضَحِكَ عاملٌ وَهُوَ يَمْسَحُ
جَبينَه :
_ اكْتُبي أنَّنا لَمْ نَكُنْ
أبطالًا ، كُنَّا فَقَط نُريدُ أنْ نَعيش .
عِندَما اكتملَ المَمَرُّ ،
لَمْ يَحتفلْ أحدٌ . اللحْظَةُ أكبرُ مِنَ التَّصْفيق . مَرَّ أوَّلُ شَخْصٍ مِنْ
جِهَةٍ إلى أُخْرَى ، ثُمَّ عاد . قالَ بِصَوْتٍ مَبحوحٍ :
_ الطريقُ مَفتوحٌ .
انهمرت الدُّمُوعُ ، لَيْسَ
فَرَحًا فَقَط ، بَلْ لأنَّ الحُلْمَ صارَ مَسؤوليةً . صارَ النَّفَقُ شِرْيانًا ،
تَمُرُّ عَبْرَه أكياسُ الطحين، وأدوية قليلة، ورسائل مَطْوِيَّة بِعِناية.تَمُرُّ
عَبْرَه أيضًا قِصَصٌ تُخفِّف ثِقَلَ الأيام. كانَ العُبُورُ امتحانًا للشَّجاعةِ
: الظلام ، الطين ، السَّقْف المُنخفِض ، الخُطُوات المَحْسوبة .
قالتْ عَجُوزٌ تَعْبُرُ وَهِيَ
تَحْمِلُ سَلَّةً :
_ كُلُّ خُطْوَةٍ هُنا تَعْني
يَوْمًا هُناك .
رَدَّ شابٌّ يُسْنِدُها :
_ وكُلُّ عَوْدَةٍ تَعْني
أنَّنا لَمْ نَسْتسلم ، بَلْ تَعَلَّمْنا كَيْفَ ننهضُ مِنَ الهزيمةِ بذاكرةٍ
أصْلَب ، وإرادةٍ أصفى .
لَمْ يَكُن النَّفَقُ آمِنًا
دائمًا . أحيانًا يَضِيقُ حتى يُخيَّل للعابرِ أنَّ الأرضَ تُطبِق عَلَيْه ،
وأحيانًا يَتوقَّف الهواءُ ، فَيَجْلِس الناسُ صَامِتِين ، يَتقاسمون الأنفاسَ ،
وأحيانًا يَعُود أحَدُهُم مُمَدَّدًا على نَقَّالَةٍ خشبية ، فَتُخْفَض الرُّؤوسُ
دُون كَلِمَات . لَمْ يَتوقَّف العُبور . أصبحت التَّضحيةُ عادةً نبيلة ،
والصَّبْرُ يُعَادُ تَعريفُه كُلَّ صَباحٍ ، والشَّجاعةُ لَيْسَتْ صُراخًا ، بَلْ
هِيَ الاستمرار .
في المَدينةِ ، تَغَيَّرَت
الوُجوه. صارَ للناسِ مَوْعِدٌ معَ الأمل . لَيْسَ أملَ النصرِ السريعِ ، بَلْ أمل
الغَدِ المُمْكِنِ . عَلَّمَهم النَّفَقُ أنَّ الحياةَ قَدْ تَخْتبئ، لكنَّها لا
تَخْتفي .
قالَ شَيْخٌ لِفَتى في طابورِ
الانتظار :
_ تَذَكَّرْ هذا المكانَ .
_ لِمَاذا ؟ .
_ لِكَيْ تَعرِف أنَّ المُدُنَ
تُبنَى حِينَ يُقَرِّرُ أهلُها أنْ لا يَمُوتوا .
مَرَّتْ أيَّامٌ ثقيلة ،
ولِيالٍ أطْوَل ، لكنَّ النَّفَقَ ظَلَّ يَعْمَل ، كقلبٍ تحت جِلْدِ المدينة .
وَحِينَ خَفَّ الحِصَارُ لَمْ يُغْلَقْ فَوْرًا . بَقِيَ شاهدًا على زمنٍ حُفِرَ
فيه الأملُ بأدواتٍ بِدائية ، وعلى بَشَرٍ بِلا أسماء في الكُتُبِ ، لكنَّ
أسماءَهم مَحفورة في التُّراب .
حِينَ خَرَجَ الناسُ إلى
الضَّوْءِ دُون خَوْفٍ ، لَمْ يَنْسَوْا أنَّ تحت أقدامِهم طَريقًا صَنَعُوه معًا
، طَريقًا قالَ لَهُمْ بِصَمْتٍ عَميق : (( إنَّ الشَّجاعة لَيْسَتْ أنْ لا نَخَاف
، بَلْ أنْ نَمْضِيَ رَغْمَ الخَوْفِ ، وإنَّ الحياة حِينَ تُحاصَر تَعرِف كَيْفَ
تَشُقُّ طريقَها )) .
123
كُنْتُ هُناك ، في قلبِ
البُوسنة ، لكنَّني لَمْ أكُنْ جُزْءًا مِنَ الصُّورةِ التي تُروَى في الأخبار ،
ولا مِنَ الحِكاياتِ التي تتناقلها الأفواهُ بِفَخْرٍ واعتزاز . أنا الظِّلُّ على
هَامشِ المَلْحمةِ ، والشَّابُّ الذي يَقِفُ خَلْفَ الجِدارِ بَيْنَما يَصْنَعُ
الآخَرُون التاريخَ. كُنْتُ شابًّا عَرَبيًّا ضعيفَ الجسدِ ، هَشَّ العَزيمةِ
أمامَ صَوْتِ الرصاص ، لا أصْلُحُ لِحَمْلِ بُندقية ، ولا لِمُواجهةِ النار. قالوا
لِي إنَّ مَكاني معَ النِّساءِ والأطفالِ، وإنَّ حِمايتهم لا تَقِلُّ شَرَفًا عن
الوُقوفِ في الخَنادقِ. صَدَّقْتُهُم، أوْ لَعَلِّي أردتُ أنْ أُصَدِّقَهم، لأنَّ
الحقيقة أثقلُ مِنْ قُدْرتي على الاحتمالِ، أنا العاجزُ عَن القِتال . بَقِيتُ معَ
النِّسَاءِ والأطفالِ بِحُجَّةِ حِمايتهم والدِّفاعِ عَنْهُم ، وأنا أُريدُ مَنْ
يَحْميني ويُدَافِع عَنِّي .
في الليالي الطويلة ، حِينَ
كانَ البَرْدُ يَتسلَّل إلى العِظَام ، كُنْتُ أسمعُ الحِكايات . لَمْ أُشَاهِدْها
بِعَيْنَيَّ، لكنَّها عَبَرَتْ قَلْبي كَما تَعْبُرُ السِّهامُ الهواءَ.
يَتحدَّثون عَن بُطولاتِ القُوَّاتِ البُوسنيةِ الباسلةِ، عَنْ رِجالٍ خَرجوا مِنَ
القُرى المُحاصَرةِ بِصُدورٍ عَارِيَةٍ ، وإرادةٍ مِنْ صَخْرٍ ، عَنْ شبابٍ لَمْ
يَكُنْ لَدَيْهِم مَا يَكْفي مِنَ السِّلاحِ ، لكنَّهم امْتَلَكُوا مَا هُوَ أثقل
: الإصرار . قالوا إنَّهُم يُقَاتِلُون وَهُمْ يَعرِفون أنَّ الأرضَ تُقَاتِلُ معَ
أصحابها ، وَهُمْ يَعْلَمُون أنَّ الأرضَ خَلْفَهم لَيْسَتْ مُجرَّد تُراب ، بَلْ
هِيَ بُيُوتٌ وأُمَّهَاتٌ وأطفالٌ نِيَامٌ . وَرَغْمَ نُدْرَةِ السِّلاحِ ،
استطاعت القُوَّاتُ البُوسنيةُ الصُّمُودَ أمام القُوَّاتِ الصِّرْبيةِ المُدجَّجة
بِكُلِّ أنواعِ الأسلحةِ .
كُنْتُ أجلسُ قُرْبَ النارِ
الصغيرةِ ، أَضُمُّ رُكْبَتَيَّ إلى صَدْري ، وأتخيَّلهم . أتخيَّل خُطُواتِهم في
الطِّين ، أعْيُنُهُم الساهرة ، وظُهُورُهم التي لَمْ تَنْحَنِ . كُلَّما سَمِعْتُ
اسْمَ البُوسنةِ يَتردَّد في قِصَصِهِم أحْسَسْتُ أنَّني صغيرٌ وضئيل ، وَرُوحي
تَنكمشُ خَجَلًا .
أتى المُقَاتِلُون العَرَبُ
مِنْ بَعيدٍ . تَركوا أوطانَهم ، وجاؤوا بِلا وَعْدٍ وَلا مَوْعِدٍ ، للوُقوفِ معَ
المَظلوم . لَمْ يَبْحثوا عَنْ مَجْدٍ شخصيٍّ ، بَلْ عَنْ مَعْنى أكبر مِنَ
الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ . رِجَالٌ لَمْ يَفْهموا لُغَةَ الأرضِ جَيِّدًا ، لكنَّهم
فَهِمُوا لُغَةَ الألَمِ ، وَلُغَةَ الوُقوفِ حِينَ يَجلِس الآخَرُون .
سمعتُ عن شجاعتهم ، فَحَزِنْتُ
على نَفْسِي . نَحْنُ مِنَ المَكانِ نَفْسِه ، مِنَ اللغةِ نَفْسِها ، لكنْ بَيْني
وَبَيْنَهم هُوَّة . هُمْ ذَهبوا إلى أزيزِ الرصاصِ وَفُوَّهَاتِ المَدافعِ وَلَهِيبِ
النارِ ، وأنا بَقِيتُ أحْرُسُ الخَوْفَ . هُمْ صَاروا جُزْءًا مِنْ أناشيدِ
النَّصْرِ ، وأنا بَقِيتُ هَمْسًا لا يَسْمَعُهُ أحد .
في النهارِ ، كُنْتُ أُسَاعِد
الأطفالَ على حَمْلِ الماء ، وَأُطَمْئِن النِّساءَ بأنَّ الليلَ سَيَمُرُّ ،
رَغْمَ أنَّني لَمْ أكُنْ مُتأكِّدًا. أبتسمُ لَهُم، وأكذبُ كِذبةً صغيرةً اسْمُها
الأمل . وَحِينَ يَسَألونني عَن المَعارك، أُخْفِضُ صَوْتي وأقول : (( رِجَالُنا
صَامدون )) ، أقُولُها وكأنَّني واحدٌ مِنهُم ، وكأنَّ ضَعْفي لَمْ يَكُنْ يَفْضَحُني
. في داخلي ، كانتْ حَرْبٌ أُخْرَى ، حَرْبٌ بَيْنَ إعجابي بِهِم واحتقاري
لِنَفْسِي . أُريدُ أنْ أصرخ : (( أنا لَسْتُ جَبَانًا ، أنا فَقَط خُلِقْتُ بِلا
قُوَّةٍ )) . لكنَّ الأصوات حَوْلي لا تَنتظرُ تَبْريراتي ، والحَضارةُ لا تَعترفُ
بالأعذارِ ، بَل بالأفعال ، والتاريخُ يَكْتُبُه المُنتصرون .
كُلَّما سمعتُ خَبَرَ انتصارٍ
بَكَيْتُ بِحُرْقَةٍ. أبكي لأنَّهم ما زالوا واقفين،وأبكي لأنَّني لستُ معهم.
أَحُسُّ أنَّ دُموعي هِيَ الشَّيْء الوحيد الذي أمْلِكُه ، وأنَّها رَغْمَ
ضَعْفِها اعترافٌ صادقٌ بِعَظَمَةِ مَا يَفْعَلُون . تَعَلَّمْتُ هُناكَ مَعْنى
البُطولةِ ، لا مِنْ خِلال مَا فَعَلْتُه ، بَلْ مِنْ خِلال مَا عَجَزْتُ عَنْ
فِعْلِه . رأيتُ كَيْفَ تَتحوَّل الشُّعوبُ حِينَ تُدفَع إلى حَافَةِ الهاويةِ ،
وَكَيْفَ يُولَد الأبطالُ مِنَ الحَاجَةِ لا مِنَ الرَّغْبَةِ . القُوَّاتُ
البُوسنيةُ لَمْ تَكُنْ أُسطورةً ، كانتْ بَشَرًا قَرَّروا ألا يَخْتَفُوا ولا
يَهْرُبُوا . والمُقَاتِلُون العَرَبُ لَمْ يَكُونوا غُرَباء ، إنَّهم صَدى
لِضَمِيرٍ رَفَضَ الصَّمْتَ .
وأنا سَأبقى الشاهدَ الضعيفَ ،
الشَّاب الذي لَمْ يَحْمِل السِّلاحَ لِمُواجهةِ الأعداءِ ، لكنَّه حَمَلَ
الذاكرةَ . قَدْ لا يَذكُرُني أحد ، وَرُبَّما أذهبُ إلى النِّسْيان ، لكنَّني
سَأحكي مَا حَيِيتُ عَنْ أُولئكَ الذينَ وَقَفُوا حِينَ سَقَطَ كُلُّ شَيْءٍ ، عَنْ
رِجالٍ صَنَعُوا مِنَ الخَوْفِ طَريقًا ، وَمِنَ الحِصَارِ مَعْنًى ، وَمِنَ
الألَمِ مَلْحَمَةً . وهَذا ، رُبَّما ، هُوَ دَوْري الوحيد في هذه الحِكاية .
في زَمَنٍ كانتْ فيه
المَوازينُ تَمِيلُ بِقَسْوَةٍ ، نَهَضَت القُوَّاتُ البُوسنيةُ مِنْ قَلْبِ
العاصفةِ ، لا تَستأذنُ الخَوْفَ ، ولا تُهادِن اليأسَ. نهضتْ وَهِيَ تَعْلَمُ
أنَّ الأرض التي تَقِفُ عَلَيْها لَيْسَتْ مُجرَّد تُرابٍ بَلْ هِيَ ذاكرةٌ
وهُوِيَّة ومُستقبَل . السِّلاحُ شَحِيحٌ ، لكنَّ الإرادةَ وَفِيرة ، والصُّمُودُ
هُوَ العَتَادُ الذي لا يَنْفَد .
وَاجَهُوا آلَةً ثقيلةً
وقُوَّةً مُتَغَطْرِسَةً ، لا يَملِكون سِوى عُقولٍ يَقِظَةٍ وقُلوبٍ لا تَنكسر .
المَعركةُ لَيْسَتْ أرقامًا ولا خرائط جامدة، إنَّها امتحانٌ للرُّوحِ ، واختبارٌ
للإنسانِ حِينَ يُحَاصَر ، وَحِينَ يُطالَب بأنْ يُثْبِتَ أنَّ الشجاعة لا تُقَاسُ
بِما يُحمَل على الكَتِفِ ، بَلْ بِما يُحمَل في الصَّدْر . وفي كُلِّ مُوَاجَهَةٍ
، كانت القُوَّاتُ البُوسنيةُ تُعيدُ تَعريفَ القُوَّةِ ، قُوَّةِ التنظيمِ وَسَطَ
الفَوْضَى ، وقُوَّةِ القَرارِ تَحْتَ الضَّغْطِ، وقُوَّةِ الثباتِ حِينَ تَتراجعُ
كُلُّ الاحتمالاتِ .
على الأرضِ ، كُتِبَت
الإنجازاتُ البُوسنيَّة بِخُطُواتٍ ثابتة . صَمَدَت المَواقعُ رَغْمَ القَصْفِ ،
وَتَحَوَّلَت التِّلالُ إلى مَدارس في الدِّفاعِ الفَعَّالِ، والطُّرُقُ
الضَّيِّقةُ صارتْ مَسارح للكَمائنِ المُحْكَمَةِ. عَرَفُوا أرْضَهم كَما تُعرَف
الكَفُّ ، واستثمروا كُلَّ زَاويةٍ وكُلَّ حَجَرٍ ، فجعلوا مِنَ التضاريسِ حَلِيفًا
، وَمِنَ الوَقْتِ سِلاحًا. تَقَدَّمُوا حِينَ وَجَبَ التَّقَدُّمُ ، وتَراجعوا
حِينَ كانَ التراجعُ حِكمةً ، ثُمَّ عادوا أقوى ، وأكثرَ تَنظيمًا ، وأكثرَ
إصرارًا .
وَحَدَاتُهُم مِثالٌ في
التَّمَاسُكِ ، قِيادةٌ تُصْغي ، وجُنودٌ يَثِقُون ، وخُطوطٌ لا تَنقطعُ بَيْنَ
القَرَارِ والتَّنفيذِ. بالانضباطِ صَنَعُوا الفارقَ،وبالابتكارِ سَدُّوا نَقْصَ
الإمكاناتِ . ابتَكَرُوا الحُلُولَ مِنَ العَدَمِ، وأداروا المَواردَ القليلة
بعقلٍ كبيرٍ ، فكانتْ كُلُّ خُطْوَةٍ مَحسوبةً ، وكُلُّ مُوَاجَهَةٍ دَرْسًا
يُبْنَى عَلَيْهِ نَصْرٌ صغيرٌ يَتراكمُ حتى يَصِيرَ إنجازًا واضحًا على الخريطة .
لَمْ تَكُنْ بُطولاتُهم
صَخَبًا فارغًا ، كانتْ أفعالًا هادئةً تُغيِّر مَجْرى الأيامِ . حِمايةُ
المَدَنيين ، تثبيت الجَبَهَات ، استعادة المَواقِع ، فَتْح مَمَرَّاتِ الأملِ .
كُلُّ ذلك جَرى بأيْدٍ مُتْعَبَةٍ وَوُجُوهٍ لَمْ تَنْحَرِفْ عَن الهَدَفِ .
وَحِينَ اشتدَّ الحِصَارُ لَمْ يَنطفئ العَزْمُ،بَل اشتعلَ أكثر. القِلَّةُ
تُكثِّف الشجاعةَ، والحَاجَةُ تُنقِّي الإرادةَ .
هَكذا واجهت القُوَّاتُ
البُوسنيةُ خَصْمًا مُتَفَوِّقًا عُدَّةً وَعَدَدًا ، لا بتقليدٍ أعمى ، بَلْ
بفهمٍ عميق لِمَعنى الدِّفاع عَن الأرض . البُطولةُ لَيْسَتْ لَحْظةً عابرةً ،
بَلْ هِيَ مَسارٌ طويلٌ مِنَ الصَّبْرِ والعملِ والتَّضْحياتِ اليَوْمِيَّة . وفي
كُلِّ يَوْمٍ ، كانوا يُثْبِتُون أنَّ الصُّمود لَيْسَ انتظارًا ، بَلْ هُوَ
فِعْلٌ عَقْلاني ، وأنَّ الشجاعة لَيْسَت اندفاعًا ، بَلْ هِيَ ثباتٌ يُحسِن
الاختيارَ .
إنَّ مَا سُطِّرَ هُناك لَمْ
يَكُنْ مُجرَّد صَفَحَاتِ حَرْبٍ ، بَلْ شهادة على قُدرةِ الإنسانِ حِينَ يُحاصَر
أنْ يَصْنَعَ مِنْ عَزيمته سِلاحًا، وَمِنْ وَحْدَتِهِ دِرْعًا ، وَمِنْ إصرارِه
طَريقًا . بَقِيَت القُوَّاتُ البُوسنيةُ واقفةً، لا لأنَّ الظُّروف رحيمة ، بَلْ
لأنَّ الإرادة أصْلَبُ ، وهذا هُوَ الإنجازُ الأكبر : أنْ تَنتصر الرُّوحُ ، وأنْ
تُفْرَضَ الكَرامة على واقعٍ قاسٍ ، وأنْ يُكْتَبَ التاريخُ بأقدامٍ ثابتةٍ لا
تتراجع .
في تِلْكَ الأرضِ التي اختلطَ
فيها الضَّبابُ برائحةِ الخَوْفِ ، وارتجفتْ جِبالُها تَحْتَ وَقْعِ القَصْفِ ، وُلِدَ
مَعْنى آخَر للشَّجَاعة . لَمْ تَكُن الشَّجاعة هُناك صَرْخَةً عاليةً أو استعراضَ
قُوَّةٍ ، بَلْ كانتْ خُطْوَةً ثابتةً تُؤْخَذُ نَحْوَ المَجهول ، وقلبًا يَرفُض
الانكسارَ مَهْما ضاقَ الحِصَارُ .
جاءَ المُقَاتِلُون العَرَبُ
إلى البُوسنة ، وَهُمْ يَحمِلون في صُدورهم يَقينًا لا يُقَاسُ بعددِ البَنادقِ ،
ولا بِثِقَلِ العَتَادِ. جاؤوا بِقُلوبٍ صُلْبة ، وإرادةٍ تَعرِف الطريقَ حتى في
أحْلَكِ الليالي . أسلحتهم بسيطة وقليلة ، لكنَّ إيمانَهم بالحَقِّ أقوى مِنْ
هَديرِ المَدافعِ. وَقَفُوا في وَجْهِ القُوَّاتِ الصِّرْبِيَّةِ المُدَجَّجَةِ
بالأسلحةِ ، لا لأنَّ مِيزانَ القُوَّةِ مالَ لصالحهم ، بَلْ لأنَّ مِيزانَ الكَرامةِ
لا يَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ.
في الخَنادقِ الباردةِ ،
حَيْثُ كانَ الصَّمْتُ يَسبِق العاصفةَ ، سَطَّرُوا بُطولاتٍ لا تُكْتَبُ
بالحِبْرِ ، بَلْ بالصَّبْرِ . وَاجَهوا الحِصَارَ بابتسامةٍ عَنيدةٍ ، والجُوعَ
بِتَمَاسُكٍ ، والخَوْفَ بِسَكِينةٍ عَجيبة . خُطُوَاتُهُم على الأرضِ لَيْسَتْ
عابرةً ، بَلْ كانتْ تثبيتًا لِوُجودٍ يَرفُضُ المَحْوَ . في كُلِّ تَقَدُّمٍ
صغيرٍ ، وفي كُلِّ مَوْقِعٍ صَمَدَ ، تُسجَّل إنجازاتٌ حقيقية ، تُغيِّر مَوازينَ
المَيدانِ وَلَوْ بِبُطْء ، وتَكسِر وَهْمَ التَّفَوُّقِ الذي ظَنَّهُ الخَصْمَ
أبَدِيًّا .
أظهرَ المُقَاتِلُون العَرَبُ
قُدرةً نادرةً على التَّكَيُّفِ ، فَحَوَّلوا قِلَّةَ الإمكاناتِ إلى مَدرسةٍ في
الابتكارِ، وَجَعَلُوا مِنَ التضاريسِ حَليفًا، وَمِنَ التعاونِ سِلاحًا . كانوا
يُقَاتِلُون كَتِفًا بِكَتِفٍ ، لا تُفَرِّقُهُم اللغةُ ، ولا المَسافات التي
قَطَعُوها إلى تِلْكَ الأرض. الرابطُ بَيْنَهم أقوى مِنْ كُلِّ حِسَاباتِ
الحَرْبِ: رابط التَّضْحيةِ مِنْ أجْلِ اللَّهِ تعالى ، والوُقوف في وَجْهِ
الظُّلْمِ مَهْما كانت التَّكْلُفَة .
وعلى الأرضِ ، لَمْ تَكُنْ
إنجازاتُهم أرقامًا جامدةً ، بَلْ قِصَص صُمودٍ تُروَى هَمْسًا بَيْنَ القُرى ،
وعَزيمة تُلهِم المُحَاصَرِين ، وَتُلْجِم المُحَاصِرِين . يُثَبِّتُون الخُطوطَ
حِينَ تَضْعُف ، وَيَسْتعيدون المُبَادَرَةَ حِينَ تَبْدو مُستحيلةً. كُلُّ
مَوْقِعٍ صَمَدُوا فيه كانَ شهادةً على أنَّ الإرادةَ يُمكِن أنْ تُعَادِلَ
القُوَّةَ ، وأنَّ الشجاعة قَدْ تُغيِّر مَسارَ المَعركةِ حتى عِندما تُحاصَر مِنْ
كُلِّ الجَبَهَاتِ .
الحَرْبُ لَيْسَتْ عادلةً ،
لكنَّ مَوْقِفَهم واضحٌ . لَمْ يَلْهثوا وراءَ مَجْدٍ شخصيٍّ ، ولَمْ يَنتظروا
تَصْفيقًا . تَركوا أثَرَهم في الأرضِ والذاكرةِ ، وأثبتوا أنَّ البُطولة لَيْسَتْ
في كَثرةِ السِّلاحِ ، بَلْ في الثباتِ حِينَ يَقِلُّ ، وفي الصُّمودِ حِينَ
يَنهارُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِك . هَكذا كَتَبُوا فَصْلًا قاسيًا ومُشرِقًا في
آنٍ معًا ، فَصْلًا يَقُول إنَّ الإنسانَ ، عِندما يَختارُ الوُقوفَ ، يُصْبحُ
أقوى مِنَ الحَرْبِ نَفْسِها .
124
في لَيْلَةٍ باردةٍ ، كُنْتُ
أخْدُمُ مَجموعةً مِنَ المُقَاتِلِين العربِ ، إنَّهُم جِيَاع وَمُتْعَبُون مِنَ
القِتالِ على الجَبَهَاتِ المُختلفة . حَرَصْتُ على إبرازِ مُسَدَّسِي كَيْ
يَعرِفوا أنَّني رَجُلٌ قويٌّ ، ومُقَاتِلٌ شُجاع ، عِلْمًا بأنَّني لَمْ أستخدمه
، وَلَمْ أُشَارِك في أيَّة مَعركة .
اكتشفتُ ضَعْفي بِيَدَيَّ
قَبْلَ أنْ أراه في المِرْآةِ . كُنْتُ أحْمِلُ قِدْرًا ، وَمِغْرَفَةً ،
وَمَوْقِدًا يَتَنَفَّسُ بِصُعوبةٍ مِثْل صَدْري . الرِّيحُ تَمُرُّ على الخِيَامِ
كأنَّها تُعاتبنا جميعًا ، وأنا أُجيبها بِصَمْتٍ وِبُخَارٍ يَتصاعدُ مِنَ الماء .
أنا الشابُّ الذي لا يَصْلُح للقِتال ، لكنَّني أصْلُحُ لِشَيْءٍ آخَر ، شَيْء لا
يُقَاسُ بِعَدَدِ الطَّلَقَاتِ ، ولا بِطُولِ الليلِ . أصْلُحُ لأنْ أُبْقِيَ
النارَ مُشتعلةً ، لأنْ أُقشِّر الخُضارَ بأصابع مُتجمدة ، لأنْ أُحرِّك الحَسَاءَ
بِبُطْءٍ كَيْ لا يَحترق ، وكأنَّ احتراقَه سَيُوقِظ فِيَّ عَجْزًا أكبر .
في المَطْبَخِ البِدَائيِّ
الصغير ، كانَ الوَقْتُ يَتكاثف . كُلُّ دَقيقةٍ تُصْبحُ أثقلَ مِنْ سابقتها ،
وكُلُّ فُقَاعَةٍ في القِدْرِ تُشبِه قلبًا يُريدُ أنْ يَبْقى حَيًّا . أضعُ
المِلْحَ بِحَذَرٍ ، كأنَّني أُوَازِنُ بَيْنَ الحَياةِ واليأسِ. أذُوقُ
المَرَقَ،وأُغْمِضُ عَيْنَيَّ لِلَحْظَةٍ، أتخيَّل أنَّ الطعام يَقُول لهم: ((
لَسْتُم وَحْدَكم في هذا البَرْدِ)).
أحْمِلُ الأكوابَ واحدًا
واحدًا . الشرابُ الساخنُ يَلْسَعُ يَدَيَّ ، وأنا أبتسمُ لأنَّ الألَمَ دليلُ حَرارةٍ
، والحَرارة دليلُ حَياةٍ. أُقدِّم الكُوبَ ، فَتَلْتقي عَيْنَايَ بِعَيْنَيْن
مُتْعَبَتَيْن ، لَمْ تَناما مُنْذُ وَقْتٍ طويلٍ . لا كَلِمات كثيرة . يَكْفي أنْ
أقُول : (( خُذْ ، سَخِّنْ يَدَيْكَ )) . يَكْفي أن أرى البُخارَ يَرتفعُ بَيْنَنا
كَجِسْرٍ صامتٍ .
أَعُدُّ الأرغفةَ ، أقْطَعُها
بِعِنايةٍ، أُخبِّئ كِسْرَةَ خُبْزٍ في جَيْبي لأُعْطيها لِمَنْ يَتأخَّر .
أُراقِبهم وَهُمْ يأكلون بِسُرعةٍ وَخَجَلٍ ، كأنَّ الطعامَ اعتذارٌ مُؤجَّل عَنْ
كُلِّ مَا لَمْ يُقَلْ . أعُودُ إلى القِدْر، أمْلَؤُهُ مِنْ جَديدٍ ، أُضيفُ ماءً
ساخنًا ، وأُحرِّك . التَّحريكُ صارَ لُغَتي ، لُغَتي الوحيدة التي لا تَخُونُني .
معَ كُلِّ دَوْرَةٍ للمِغْرَفَةِ ، أقُول في نَفْسِي : (( مَا زالَ الليلُ طَويلًا
، ومَا زِلْتُ هُنا )) .
البُرودةُ تَتسلَّل مِنَ
الأرضِ إلى العِظام ، وأنا أُقاتلها بِمَوْقِدٍ عَنيدٍ . أُصْلِحُ فَتيلةً ،
أنْفُخُ فيها ، فتشتعل كِفِكْرَةٍ صغيرةٍ تَرفُضُ الانطفاءَ . أُرتِّب الصُّحُونَ
، وأمسحُ الطاولةَ الخَشِنة ، وأتخيَّل بَيْتًا بعيدًا لَمْ يَعُدْ كما كان .
أعُودُ إلى الواقعِ حِينَ يُناديني أحَدُهُم لزيادةِ كُوبٍ آخَر . أركضُ ، وأضحكُ
ضِحكةً صغيرةً ، لأنَّ الركضَ في البَرْدَ يَمْنحني وَهْمَ القُوَّةِ . لَمْ
أسألهم عن الغد ، ولَمْ يَسألوني عَنْ خَوْفي. الْتَقَيْنَا في لَحْظةِ الخِدْمةِ
فَقَط. أنا أُقَدِّمُ، وَهُمْ يأخذون. وفي المُنْتَصَفِ شَيْءٌ يُشبِه السَّلامَ.
وَحِينَ يَنْتهون ، أجْمَعُ الأكوابَ . أَعُدُّ مَا تَبَقَّى، وأُخَطِّط لِمَا
يَكْفي للفَجْرِ . أُطفِئ النارَ بِبُطْء ، كأنَّني أعتذرُ لها ، وأُغطِّي
القِدْرَ بِقِطْعَةِ قُماش ، كَيْ يَحتفظ بِحَرارته مِثْلَ قلبٍ يَحافظُ على
سِرِّه .
في تِلْكَ الليلةِ ، فَهِمْتُ
أنَّ الضعفَ لَيْسَ نَقيضَ الشَّجاعةِ ، وأنَّ اليَدَ التي تُقَدِّمُ الطعامَ
يُمكِن أنْ تَكُون حِصْنًا . كُنْتُ واقفًا في زاويةِ الخَيمةِ ، أسمعُ أنفاسَهم
تَهْدَأ ، وأشعرُ أنَّ خِدْمتي لَمْ تَكُنْ هامشًا . كانتْ سَطْرًا خَفِيًّا في
قِصَّةٍ قاسيةٍ ، سَطْرًا يَقُول : (( هُناكَ مَنْ يُبْقي الدِّفْءَ حَيًّا ،
وَلَوْ بِقَدْرِ مِغْرَفَةٍ تُحرَّك في صَمْتٍ )) .
بَقِيَ هُناك مُقَاتِل جالس
حَوْلَ النارِ في أعماقِ الليلِ الباردِ، يَبْدو أنَّه مُصَاب بالأرَقِ ، ولا
يُريد النَّوْمَ . جلستُ مَعَه كَيْ يَعرِف أنَّني مُقَاتِلٌ مِثْلُه ، لكنَّني
لَمْ أنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ .
قالَ وَهُوَ في غايةِ
السَّعادةِ :
_ الحمدُ للَّهِ رَبِّ
العَالَمِين . لَقَدْ قُتِلَ الطاغيةُ المُجرِم الكافر في هذا اليَوْمِ
المُبَارَكِ .
ظَنَنْتُ أنَّه يَتحدَّث عَنْ
أحدِ قادةِ الصِّرْبِ ، فَقُلْتُ وأنا أكثرُ مِنْهُ سَعادةً :
_ هَلْ قَتَلْتُم قائدَ
قُوَّاتِ الصِّرْبِ في المَعركةِ ؟ .
نَظَرَ إلَيَّ بِدَهْشَةٍ
واستغرابٍ ، وقالَ بِثِقَةٍ بالغة :
_ حَصَلَ انقلابٌ عَسكريٌّ في
جُمهوريةِ الأحلامِ الورديةِ ، وَقُتِلَ نائبُ الرئيسِ اللواءُ سَلْمَان رَجَب ،
إلى جَهَنَّم وَبِئْسَ المَصِير .
وَمَا إنْ نَطَقَ الاسْمَ
أمامي ، حَتَّى هَبَبْتُ واقفًا كالمَلْسُوعِ . أُصِيبَ بالذُّعْرِ ، وَوَقَفَ بِحَرَكَةٍ
لا إرادية ، وقالَ والخَوْفُ يُمزِّق مَلامحَ وَجْهِه :
_ ماذا حَصَلَ لَكَ ؟ ، هَلْ
لَدَغَتْكَ أفعى ؟ .
جَفَّ رِيقِي ، وضاعت
الكَلِمَاتُ في فَمِي ، وقُلْتُ له بَعْدَ عَناءٍ شديدٍ :
_ لَمْ يَلْدَغْني شَيْءٌ ، ولكنْ أحد أصدقائي
يُقِيمُ في جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية ، وأخشى أنْ يُصِيبَه مَكروه .
كَذَبْتُ عَلَيْه ، لأنَّني لا
أستطيعُ أنْ أقُولَ لَه إنَّ اللواء سَلْمان رَجَب نائب رئيس جُمهوريةِ الأحلامِ
الوردية هُوَ أبي . أخشى أنْ يَعْتبرني خائنًا وكافرًا ، ويُطلِق عَلَيَّ
الرَّصَاصَ .
قُلْتُ لَه والصُّداعُ يُحطِّم
رَأسي والأرضُ تَدُورُ بِي :
_ أرجوك ، أخْبِرْني عَنْ
تفاصيلِ المَوضوعِ ، لأنَّني خائفٌ على صَديقي .
ابتسمَ ابتسامةً عَريضةً ،
وقال بأعصابٍ هادئة :
_ إنْ شاءَ اللَّهُ ، لَنْ
يُصيبه مَكْروه ، وَهُوَ بالتأكيد شخصٌ عادي لا عَلاقة له بالسِّياسةِ ولا
العَسْكَر . لَقَدْ حَدَثَ انقلاب عَسْكري في جُمهوريةِ الأحلام الوردية ، وَتَمَّ
اعتقالُ رئيسِ الجُمهوريةِ مُراد عادل ، وَوَضْعُه تحت الإقامةِ الجَبْرية ،
وَقُتِلَ نائبُه اللواء سَلْمان رَجَب المُجرِم الماسوني عَمِيل المُخابرات
الأمريكية، والمسؤول عَن التعذيبِ في السُّجُونِ، واغتصابِ زَوْجاتِ السُّجَنَاءِ
وبناتهم ، واغتيالِ المُعارِضين السِّياسيين.سَلْمان رَجَب أكبرُ عَدُوٍّ للإسلامِ
والمُسلِمين ، قضى حياته يُحارب الحركاتِ الإسلامية، وَهُوَ دَيُّوث أبو قُرون.
زَوجته السابقة سميحة ، تُسمِّي نَفْسَها شريفة ، وَهِيَ عَديمة الشرف ، كانتْ
ترتدي ملابس قصيرة ، وكُلُّ صُوَرِها وهي كاشفة ثدييها وَفَخِذَيْهَا . قَتَلَ
أخاه صَبْري رَشَاد وزير التَّربية والتَّعليم كَيْ يَتَزَوَّجَ أرملته الشَّركسية
التافهة ، التي حَبَّلَها وَوَلَّدَهَا كُلَّ سَنَةٍ وأنجبَ مِنها عَشْرَةَ أولادٍ
، كَيْ يُوزِّعهم على المَناصبِ المُهِمَّة في الدَّولة .
لَمْ أستطعْ أنْ أنامَ في
تِلْكَ الليلةِ الباردةِ الجارحةِ. الأحزانُ تأكلُ قَلْبي، والدُّمُوعُ تُحرِق
عُيوني، وخَناجرُ الذِّكْرَى تُمزِّق جِلْدِي . أتَحَسَّسُ الظلامَ كأنَّه كائنٌ
يُراقبني ، يَمُدُّ يَدَه إلى صَدْري ، ويَضْغَط بِلا رَحمةٍ . لا أنام . الأرَقُ
يَجْلِسُ عِندَ رأسي ، وَيَهْمِسُ بأسئلة لا تنتهي ، وَيُقَلِّبُ قَلْبي على
جَمْرٍ خَفِيٍّ . أَحُسُّ بنارٍ تأكلُ صَدْري ، لا تُرى ، لكنَّها تُحرِق ، نار
مِنْ حَنينٍ مُرٍّ ، وخَيْبَةٍ تراكمتْ حتى صارتْ جَبَلًا عَلى كَتِفَيَّ .
أنا مُنهارٌ ، أعترفُ .
انهياري لا يَحتاجُ شُهودًا . يَكْفي هذا الصَّمْت الذي يُثْقِلُ الغُرفةَ .
أُحاولُ أنْ أُغْمِضَ عَيْنَيَّ ، لكنَّ الذكريات تَسْبِقُ النَّوْمَ ، وتَركضُ في
عَقْلي كأشباحٍ لا تَعرِف الرحيلَ . كُلُّ فِكْرَةٍ سَهْمٌ ، وكُلُّ تَنهيدةٍ
جُرْحٌ صغيرٌ يَفْتَحُ جُرْحًا أكْبَر . أسمعُ دَقَّاتِ قلبي عاليةً ، تُوبِّخني
لأنَّني مَا زِلْتُ مُسْتَيْقِظًا ، وأحْمِلُ كُلَّ هذا الحُزْنِ دُونَ أنْ أضَعَه
جانبًا . الليلُ مُرْعِبٌ ، لَيْسَ لأنَّه مُظلِم ، بَلْ لأنَّه صادقٌ ، يَكشِفني
دُونَ رَحمةٍ ، وَيُجرِّدني مِنْ أقنعتي ، وَيَتركني وَجْهًا لِوَجْهٍ معَ نَفْسي
المُنْهَكَةِ . أَمُدُّ يَدِي للوِسَادَةِ فلا أجدُ سِوى بُرودتها ، تَرفضُ أنْ
تَمْنحني الطُّمَأنينةَ . الهواءُ باردٌ ، لكنَّ صَدْري مُشْتَعِلٌ ، والتناقضُ
يَنْهَشُني : بَرْد في الأطرافِ ، واحتراق في الداخل .
تَبْكي عَيْنَاي ، لكنَّ
الدُّموع لا تُطفِئ شيئًا ، تُحرِقني وَهِيَ تَنْزِلُ ، وكأنَّها مِلْحٌ على نار .
أسألُ نَفْسي : متى صارَ البُكاءُ ثقيلًا إلى هَذا الحَدِّ ؟ ، متى صِرْتُ أحْمِلُ
دُموعي كِحِجَارَةٍ في الحَلْقِ ؟ . أُحاولُ أنْ أتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ ، وأُرتِّب
فَوْضَاي ، لكنَّ الفَوْضَى تَضحكُ ، وتَكْبَر ، وتَقُول لِي إنَّ الطريقَ أطْوَلُ
مِمَّا تَوَقَّعْتَ . أنا شابٌّ مُنهار ، نَعَم ، لكنَّني مَا زِلْتُ واقفًا .
أتعثَّر ، أنحني ، أكادُ أسْقُط ، ثُمَّ أتشبَّثُ بِما تَبَقَّى مِنِّي . أكتبُ في
داخلي كَلِماتٍ لا يَسْمعها أحد ، أصرخُ بِصَمْتٍ ، وأتمنَّى لَوْ أنَّ الليلَ
يَرحمُ هذا القلبَ المُتعَب . لا أطلبُ مُعْجِزَةً ، فَقَط هُدْنة قصيرة ، دقيقة
أستطيعُ فيها أنْ أضعَ رأسي دُون أنْ أُحَاكَمَ بِكُلِّ مَا كان .
تَمُرُّ الساعاتُ بَطيئةً ،
والزمنُ يَتلذَّذ بِتَعْذيبي . أنظرُ إلى السَّقْفِ ، وَأَعُدُّ الشُّقُوقَ
والخَسَاراتِ ، وأتذكَّر الأسبابَ التي جَعَلَتْني أصِلُ إلى هُنا. ومعَ ذلك ،
وَسَطَ هذا الضَّياعِ الباهرِ ، تَلْمَع فِكرةٌ صغيرة ، خَجُولة ، تَقُول إنَّني
مَا زِلْتُ حَيًّا ، وإنَّ الاحتراقَ لَيْسَ نِهايةً ، وإنَّ القلبَ ، حتى وَهُوَ
مُتْعَبٌ ، قادرٌ على أنْ يَتعلَّم الصَّبْرَ .
سَأبقى مُسْتَيْقِظًا هذه
الليلة ، أُوَاجِهُ خَوْفي ، وأحْمِلُ حُزْني دُون أنْ أهْرُب . رُبَّما لا أنام ،
لكنَّني لَنْ أستسلم . في هذا البَرْدِ المُرْعِبِ ، وَبَيْنَ نارِ الصَّدْرِ
وَحُرْقَةِ الدُّموعِ ، أتعلَّم أنَّ الضَّعْفَ لَيْسَ عَيْبًا ، وأنَّ الاعترافَ
بالألمِ خُطْوَةٌ أُولَى نَحْوَ الفَجْرِ ، مَهْما تأخَّرَ .
ضَيَّعَني أبي صغيرًا ،
وَحَمَّلَني دَمَهُ كبيرًا . حِينَ كُنْتُ أبحثُ عَنْ يَدِه في زِحَامِ العَالَمِ
، وَجَدْتُ الفراغَ يُربِّت على كَتِفَيَّ . تَرَكَني في مُنْتَصَفِ السُّؤال ،
وَمَضَى لأنَّه لَمْ يَكُن الإجابةَ يَوْمًا . كُنْتُ طِفْلًا لا يَعرِف مِنَ
الحَياةِ إلا صَوْتَ أُمِّهِ حِينَ تَخَاف ، ولا يَعرِف مِنَ الرُّجولةِ إلا
ظِلًّا ناقصًا يَتَّكِئ على الجُدران . كَبِرْتُ قَبْلَ الأوانِ ، لا لأنَّني
أردتُ ، بَلْ لأنَّ الخَوْفَ عَلَّمَني المَشْيَ وَحْدي . تَعَلَّمْتُ أنْ أبتلعَ
بُكائي سَريعًا ، وأنْ أبتسمَ حِينَ يَجِبُ . كانَ عَلَيَّ أنْ أرتديَ قلبًا أكبرَ
مِنْ عُمْري ، وأنْ أحْمِلَ هَمًّا أثقلَ مِنْ كَتِفَيَّ الصغيرتَيْن .
حَمَّلَني دَمَهُ كبيرًا ، لا
دَمه الذي يَسيل ، بَلْ دَمه الذي يَسْكُن أفكارَه ، ذلك الإرْثُ الخَفِيُّ الذي
لا يُرى ولا يُغْسَل . وَرَّثَني طَبْعَه قَبْلَ اسْمِه ، وَتَرَكَ في صَدْري
مَعركةً لا تَهْدأ . كُلَّما هَرَبْتُ مِنْهُ وَجَدْتُهُ في مِرْآتي ، أُقاوِمه
فَيَغْلِبُني في نَبْرَةِ صَوْتي ، وَحِدَّةِ صَمْتي ، في ذلك الغضبِ الذي يَشتعلُ
دُون سببٍ واضحٍ . أبي لَمْ يَكُنْ حاضرًا لِيَغيب ، كانَ غائبًا لِيَحْضُرَ في
كُلِّ شَيْءٍ ، في ارتباكي أمامَ القَرارات ، وَخَوْفي مِنَ الفَقْدِ ، وَرَغْبتي
المُفْرِطَةِ أنْ أكُونَ مُخْتَلِفًا ، ثُمَّ سُقوطي المُتكرِّر في التَّشَابُه.
كَرِهْتُ أنْ أكُونَه ، وأخشى أنْ أكُونَ غَيْرَه ، فأضِيع بَيْنَ كَرَاهِيَةٍ
وَخَوْفٍ .
سَألْتُ نَفْسي كثيرًا : ((
هَلْ يُقَاسُ الأبُ بوجوده أَمْ بأثرِه ؟ ، وَهَل الغِيَاب ذَنْبٌ أَمْ طَريقة
أُخْرَى للسَّيطرةِ ؟ )) . تَرَكَني أتعلَّم الرُّجولةَ مِنَ الطُّرُقَاتِ،
والحَنَانَ مِنَ الصَّبْرِ ، والحِكمةَ مِنَ الخَسَاراتِ . في كُلِّ مَرَّةٍ
كُنْتُ أسقطُ ، لَمْ أجِدْ مَنْ يَمُدُّ يَدَه ، فَتعلَّمتُ كيف أنهضُ وَحْدي ،
لكنَّني لَمْ أتعلَّم كيف أَطْمَئِن . كَبِرْتُ وأنا أُدَاوي في الناسِ مَا كُسِرَ
فِيَّ . أُقدِّم مَا حُرِمْتُ مِنْه ، وأُبالِغ في العَطاءِ كأنَّني أستعيرُ أبًا
لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ . أكُون سندًا للآخَرين ، وأعودُ إلى وَحْدتي مُنْهَكًا ،
أتساءلُ : مَنْ يُسنِد السَّنَدَ ؟ ، وَمَنْ يُربِّت على قلبٍ لَمْ يَتعلَّم
السَّلامَ ؟ .
أبي ، لَمْ أطْلُبْ مِنْكَ
الكَمالَ ، كُنْتُ أحتاجُ فَقَط أنْ تَكُون ، أنْ تَقُول لِي إنَّني كافٍ ، أنْ
تُخطئ ثُمَّ تَعتذر ، أنْ تَبْقى ، لكنَّك اخترتَ الغِيابَ، واخترتَ أنْ تَتْرُكَ
لِي مُهِمَّةَ التفسيرِ وَحْدي . فَسَّرْتُكَ ألْفَ مَرَّة ، وَعَذَرْتُكَ ألْفَ
مَرَّة ، واتَّهَمْتُكَ ألْفَ مَرَّة ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتُ أنا الخاسرَ .
تَعِبْتُ مِنْ حَمْلِ دَمٍ
لَيْسَ ذَنْبي ، وَمِنْ تَصحيحِ أخطاء لَمْ أرتكبها . أُريدُ أنْ أختارَ نَفْسي
أخيرًا ، وأقْطَعَ السِّلْسِلَةَ ، وأكُونَ بِدايةً لا نُسْخَةً . ضَيَّعَني أبي
صَغيرًا ، نَعَم ، لكنَّه لَنْ يُضيِّعني كَبيرًا . سَأُصَالِحُ الطِّفْلَ الذي
كُنْتُه ، وأُعلِّمه أنَّ الغِيابَ لا يُحدِّد قِيمَتَه ، وأنَّ الدَّمَ لا
يَفْرِضُ المِصِيرَ . سَأبني نَفْسي بِبُطْء ، بِحُبٍّ صَبُورٍ ، وسَأكُون الأبَ
الذي افْتَقَدْتُهُ لِنَفْسي أوَّلًا .
هذه لَيْسَتْ نِهايةَ
الحِكايةِ ، بَلْ بِداية اعترافٍ ، اعتراف بأنَّ الألَمَ لا يُعرِّفني ، وأنَّني
قادرٌ على أنْ أكُون إنسانًا كاملًا رَغْمَ النَّقْصِ، وأنْ أصنعَ حُضورًا دافئًا
في عَالَمٍ تَعَلَّمْتُ فيه البُرودةَ مُبَكِّرًا .
ولكنْ مَهْلًا ، كَيْفَ سأكُون
إنسانًا كاملًا وأنا سمعتُ شتيمةَ أُمِّي وعائلتي بأسوأ الألفاظِ ، وَبَقِيتُ
ساكتًا ، وعاجزًا عَن الرَّدِّ ، وكأنَّ الأمْرَ لا يَعْنيني ؟ . كُنْتُ طِيلةَ
حَياتي شَخْصًا ضعيفًا عاجزًا حقيرًا ذليلًا . فَرَرْتُ مِنْ نَفْسي ، وَهَرَبْتُ
مِنَ الماضي ، وَخَجِلْتُ مِن اسْمِ عائلتي . لَمْ أستطع الدِّفاعَ عَنْ أبي ،
وَلَمْ أقْدِرْ على الدِّفاعِ عَنْ أُمِّي . لَيْتني عِشْتُ يَتيمًا بِلا أبٍ ولا
أُمٍّ ، رُبَّما تَحَرَّرْتُ مِنَ الخِزْيِ والعارِ وعَقْدَةِ الشُّعورِ بالنَّقْص
.
وَقَفْتُ أمامَ ذلك المُقَاتِلِ
مُحَطَّمًا ، مَكسورَ النَّظْرة ، بِلا صَوْتٍ . أسمعُ الشتائمَ تَتَدَحْرَجُ على
أبي وأُمِّي وعائلتي . لَمْ يَكُونوا يَوْمًا جِدارًا احتمى بِه هذا القَلْبُ
المُرتجِف . أسمعُ ، ولا أتحرَّك . كُلُّ كَلِمَةٍ تُقَالُ عَنْهُم تَمُرُّ بِي
أوَّلًا ، تَخترقُ صَدْري ، ثُمَّ تَمْضِي ، وأنا واقفٌ كَظِلٍّ بِلا صَاحبٍ .
كانَ يَنْبغي لِي أنْ أرفعَ رأسي ، وأقول : (( قِفْ ، هؤلاء أهلي ، أبي هُوَ
اللواء سَلْمان رَجَب أوَّلُ
مَنْ أذاعَ البَيَانَ الأوَّلَ لِثَوْرَةِ 10 آب / أَغُسْطُس 1982 المجيدة ، وأحَدُ قَادَتِهَا
وَصُنَّاعِهَا ، وواحدٌ مِنْ أَهَمِّ العُقُولِ المُدَبِّرَة والمُخَطِّطَة لَهَا،
وَلَهُ دَوْرٌ
عظيمٌ في الوَحْدَةِ الوطنية، والأمْنِ القَوْمِيِّ ، ومُحاربةِ الفَقْرِ
والبَطَالَةِ والفَسَادِ ، وَمُكافحةِ الإرهابِ . وأُمِّي الشَّريفة سميحة
القُرَشي ، وأُمِّي في الرَّضَاعة هِيَ السُّلطانة ميرنار الشَّركسية )) ، لكنَّ
لِسَاني كانَ أثقلَ مِنْ أنْ يَنْهَضَ ، وَقَلْبي أضعف مِنْ أنْ يَقُودَ مَعركةً .
أخجلُ مِنْ عَيْنَيَّ حِينَ
تَهْرُبان ، مِنْ يَدَيَّ حِينَ تَرتجفان ، مِنْ صَوْتي حِينَ يَخْتبئ في صَدْري
كَطِفْلٍ خائفٍ . أخجلُ لأنَّني أسمعُ الإهانةَ وَأدَعُها تَمُرُّ ، كأنَّها لا
تَعْنيني ، وَهِيَ في الحقيقةِ كُلُّ مَا يَعْنيني. أدَّعي اللامُبالاة، لكنَّني
مِنَ الداخلِ أُهْزَمُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة. أَحُسُّ أنَّني أخُونُهم بِصَمْتي،
وأخُون نَفْسي بِعَجْزي . أعْرِفُ وُجُوهَهم حِينَ يَضْحكون ، وَتَعَبَهم حِينَ
يَعُودون مُثْقَلِين بالحياة ، لكنَّ المَعرفة وَحْدَها لا تَصْنَعُ شَجاعةً . أنا
ذلك الشابُّ البائسُ الوَضِيعُ الذي لا يَملِك صَوْتَ الحقيقةِ . أقِفُ بَيْنَ
الإهانةِ والكلامِ ، فأختارُ الصَّمْتَ ، لَيْسَ لأنَّ الصَّمْتَ حِكْمة ، بَلْ
لأنَّه كُلُّ مَا أستطيعُ .
سَيْطَرَ الشَّكُّ عَلَيَّ .
قَدْ يَكُون المُقَاتِلُ يَكذِب عَلَيَّ ، أوْ رُبَّما يَكُون إرهابيًّا حاقدًا
على أبي اللواء سَلْمان رَجَب . سمعتُ أبي كثيرًا يَقُول إنَّه يُحَارِبُ
الإرهابيين والمُتَطَرِّفِين ، ويُكافِح الحَرَكَاتِ الإسلامية، مِنْ أجْلِ نشرِ
الدِّيمقراطية وَحُقُوقِ الإنسانِ في المُجتمعِ، وحِمايةِ التَّمَاسُكِ
الاجتماعيِّ، والسِّلْمِ الأهليِّ ، والوَحْدةِ الوَطنية ، والأمْنِ القَوْمِيِّ .
في اليَوْمِ التالي ، ذهبتُ
إلى أحدِ أصدقائي الأجانبِ بَنْكِ المَعلومات ، وَهُوَ كاتبٌ صحفي أمريكي مُرتبط
بالمُخابراتِ الأمريكية ، تَعَرَّفْتُ عَلَيه بسببِ إتقاني للغةِ الإنجليزيةِ ،
واهتمامِنا المُشترَك بِكِتابات الرِّوائيِّ الأمريكيِّ الشهير إرنست همنغواي ،
وقَدْ كانَ دائمًا يَقُول لِي إنَّه سَيَنْتَحِر مِثْلَه بعد انتهاءِ حربِ
البُوسنةِ،ولا أدري هَلْ كانَ جادًّا أَمْ يَمْزَح،المُهِمُّ أنَّنا كُنَّا نَضْحَكُ
معًا.
سَألْتُهُ وأنا أتَصَنَّعُ
هُدوءَ الأعصابِ :
_ هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ مُهِمٌّ
في العَالَمِ العَرَبيِّ هذه الأيام ؟ .
ضَحِكَ ضِحكةً عالية ، وقالَ
بِسُخْريةٍ مَريرة :
_ أنتَ عَرَبيٌّ ، وتَحْصُل
على المَعلوماتِ عَن العَالَمِ العَرَبيِّ مِنْ شخصٍ أمريكي .
_ لأنَّكُم تُسيطِرون على
العَالَمِ العَرَبيِّ مِنَ الخليجِ إلى المُحِيط ، والسفيرُ الأمريكيُّ هُوَ
الحاكمُ الفِعْلِيُّ للأُمَّةِ العربية ، وَهُوَ خليفةُ المُسلِمين ، وأميرُ
المُؤمنين .
انفجرَ ضاحكًا ، وقالَ :
_ أنتَ رائعٌ وذكي ، ومَا
يُعجِبني فِيكَ هُوَ سَيْطَرتك على اللغةِ الإنجليزيةِ ، واستخدامِ الألفاظِ
الإنجليزيةِ التي تَجْمَع بَيْنَ الجِدِّ والهَزْلِ .
وأردفَ قائلًا :
_ لَقَدْ حَصَلَ انقلابٌ
عَسكري في جُمهوريةِ الأحلامِ الوردية .
_ أُريدُ مَعرفةَ التفاصيلِ ،
لأنَّ أحد أصدقائي يُقِيمُ هُناك ، وأخشى أنْ يُصيبه مَكْروه .
وبالتأكيدِ ، كُنْتُ كاذبًا ،
لإبعادِ المَوضوعِ عَنِّي ، لا أُريدُ أنْ يَعرِف أحدٌ أنَّني هِشَام ابنُ اللواء
سَلْمان رَجَب نائب رئيس جُمهورية الأحلام الوردية .
نَظَرَ في الأُفُقِ البعيد،
وقال :
_ العقيد خالد ، ابن رئيس
الجُمهورية مُراد عادل ، وقائدُ الحرسِ الجُمهوريِّ ، انقلبَ على والده ،
وَوَضَعَه تحت الإقامةِ الجَبْرِيَّة ، وَقَتَلَ اللواءَ سَلْمان رَجَب نائب
الرئيس ، وَوَضَعَ عائلته تحت الإقامة الجَبْرية .
المُقَاتِلُ كانَ صادقًا ،
ولَمْ يَكذِب عليَّ . لَقَدْ حَدَثَ الشَّيْءُ الذي لَمْ أتَوَقَّعْهُ ، ولَمْ
أتَخَيَّلْه .
قُلْتُ لِصَديقي الأمريكيِّ :
_ كُنْتُ أرى اللواء سَلْمان
رَجَب على شاشةِ التِّلفازِ ، وَهُوَ يَخْطُب في اجتماعاتِ جامعةِ الدُّوَلِ
العربية ، لكنَّني لا أعرفُ عَنْه شيئًا ، هَلْ هُوَ شخصٌ صالحٌ أَمْ فاسد ؟ .
ابتسمَ ابتسامةً صَفْرَاء ،
وقالَ باستهزاء :
_ أنتَ مَا زِلْتَ شابًّا
صغيرًا، ومُبْتَدِئًا في السِّياسةِ ، ولا تَعرِف شيئًا عَن أسرارِ الحُكْمِ
والحُكَّامِ. اللواء سَلْمان رَجَب مُوظَّف في المُخابراتِ الأمريكية ، وَهُوَ
يَتقاضى راتبًا شهريًّا مِنْها ، كما أنَّه يَحمِل الدَّرَجَة 33 في الماسونية ،
وَهِيَ أعلى دَرَجَة على الإطلاق ، وَهُوَ المَسؤول الأوَّلِ عَن عمليات التعذيبِ
والاغتصابِ والاغتيالات ، وَقَدْ وَفَّرَتْ له الإدارةُ الأمريكيةُ الدَّعْمَ
والغَطاءَ الشَّرْعي ، وَحَمَتْهُ مِنَ المُسَاءَلَةِ والمُلاحَقَةِ القانونية ،
لأنَّه يَخْدُمُ مَصالحَها ، ويُنَفِّذ أوامرَها . ورئيسُ الجُمهوريةِ أكثر
إجرامًا مِنْه .
لَقَدْ دَمَّرَ أبي كُلَّ
شَيْء جَميلٍ في حَياتي . أشعرُ بالذُّلِّ والخِزْيِ والعارِ أنَّني ابْنُه .
سَقَطَ القِنَاعُ الذي ارتداه طَويلًا ، وَظَهَرَت الحقيقةُ المُرَّةُ التي لَمْ
أتخيَّلها حتى في أسوأ كوابيسي . لَيْتني بَقِيتُ طِفْلًا شَحَّاذًا
وَمُتَسَوِّلًا في القَرية ، وَبَقِيَ أبي عاطلًا عَن العَمَلِ ونائمًا في زَريبةِ
الأبقارِ ، وأُمِّي سَميحة خَدَّامة في البُيُوت . كُلُّ شَيْءٍ ضَاعَ ، وتَساوى
البُكَاءُ والضَّحِكُ ، ولا شَيْء يُعيدُ الأحداثَ إلى الوَراء . مَا بَيْنَ ثَوْرَة
10 آب / أَغُسْطُس 1982 ( الانقلاب العَسْكري القديم ) ، والانقلابِ العَسكريِّ
الجديد الذي وَقَعَ في 10 تَشْرين الثاني / نوفمبر 1993 ، وُلِدَتْ أحلامٌ ،
وماتتْ أحلامٌ ، وعاشَ أشخاص ، وماتَ أشخاص ، ولَمْ نَستفدْ شيئًا مِنْ كَثرةِ
الأحلامِ والآمالِ . فَهِمْتُ المَثَلَ العَرَبيَّ: " مِنْ مَأمَنِهِ يُؤْتَى
الحَذِرُ ". لَقَدْ خَطَّطَ رئيسُ الجُمهورية مُراد عادل لإعطاءِ المَناصبِ
الحَسَّاسَةِ في الجَيْشِ والأمْنِ والمُخَابَرَاتِ لأولاده ، كَيْ يُحْكِمَ قَبْضَتَهُ
عَلى الدَّولةِ ، وَيُسَيْطِر عَلى مَقاليدِ الحُكْمِ . وبَعْدَ سَيطرةِ ابْنِه
العقيد خالد على الحَرَسِ الجُمهوريِّ قادَ انقلابًا عَسكريًّا، وَانقلبَ عَلى
أبيه ، وَوَضَعَه تحت الإقامةِ الجَبْرِيَّة، وَقَتَلَ أبي . ولا أعرفُ حتى هذه
اللحْظَة مَصِيرَ عائلتي .
أحيانًا يَبْدو العَالَمُ مِنْ
حَوْلِنا آمِنًا ، كَغُرفةٍ دافئة في قلبِ شِتاءٍ قارسٍ ، كَظِلِّ شَجَرَةٍ
تُظلِّلنا في مُنْتَصَفِ النهار . نُصدِّق أنَّ مَا نُحِبُّ لا يُمكِن أنْ
يُؤْذِيَنا ، وأنَّ مَنْ نَضَعُ قُلوبَنا بَيْنَ يَدَيْهِ سَيَحْميها ، حتى لَوْ
كانَ قلبُه ضعيفًا مِثْلَنا . لكنَّ الحياةَ لا تَعرِف الرِّفْقَ أحيانًا ،
والناسُ لا يُقَاسُون بالثِّقَةِ وَحْدَها ، بَلْ بِما تُخبِّئه الأيامُ مِنْ
غَدْرٍ وَخَيْبَات .
مِنْ مَأمَنِهِ يُؤْتَى
الحَذِرُ، يَقُولُ العقلُ بصوتٍ خافت ، لكنَّ القلبَ يُصِرُّ على تجاهله .
نَتعلَّق ، وَنُحِبُّ، وَنَثِقُ،
وَنَضِيعُ في دِفْءِ النَّظَرَاتِ والكَلِماتِ الرقيقة ، ونَتغاضى عَنْ تِلْكَ
الهَمَسَاتِ الصغيرةِ التي تُنذِر بخطرٍ قريبٍ ورهيبٍ . نتجاهلُ عَلاماتِ
الانكسارِ ، ظَانِّين أنَّ الحُبَّ وَحْدَه سَيُغْلِقُ كُلَّ فَجْوَةٍ ، سَيَجْعَل
كُلَّ ألَمٍ يَمُرُّ بِهِ أحدُنا لا يَتركُ أثَرًا ، لكنَّ الحقيقة أكثرُ قَسْوَةً
. حتى أقرب الناسِ قَدْ يَكُونون أسوأ مِنَ الغِياب ، وأعمقُ الجُروحِ تأتي مِنْ
حَيْثُ لا نَتَوَقَّعُ .
الحَذَرُ لَيْسَ ضَعْفًا أوْ
خِيانةً للشُّعور ، بَلْ هُوَ وَسيلة للبَقاءِ حَيًّا بَيْنَ الطُّمَأنينةِ
والخِذْلانِ . نَتعلَّم أنْ لا نُعْطِيَ كُلَّ رُوحٍ مِفتاحَ القلبِ ، وأنَّ نَحفظ
جُزْءًا مِنَّا بعيدًا عَنْ أعْيُنِ الآخَرين ، حتى مَنْ أحببناهم أكثر مِنْ أنفُسِنا.
الحَذَرُ لا يَمنعُ الحُبَّ ، لكنَّه يَحْميه مِنَ الانكسارِ القاتلِ ، والسُّقوطِ
في فَخِّ الخَيْبَةِ الكُبْرى التي لا شِفاء مِنها .
الأمانُ الحقيقيُّ لَيْسَ في
الأشخاصِ ، بَلْ في أنفُسِنا . أنْ نُحِبَّ بِحُرِّيةٍ ، نَعَم ، لكنْ بِعَيْنٍ
مَفتوحةٍ على احتمالاتِ الفَقْدِ ، وأنْ نَثِقَ ، لكنْ بذكاء، وأنْ نَبْنِيَ
سَعَادَتَنَا أوَّلًا داخلنا قبل أنْ نضعها في أيِّ قَلْبٍ آخَر . مِنْ مَأمَنِهِ
يُؤْتَى الحَذِرُ، هذه لَيْسَتْ دَعْوَةً للانعزالِ ، بَلْ نِداء للوَعْي ،
والحُبِّ المُتَيَقِّظِ، والحَياةِ التي تَمْنحنا القُدرةَ على الشُّعورِ بِكُلِّ
شَيْء، دُونَ أن تَذبحنا في الصمتِ العميق.
والأمرُ المُؤلِمُ ، لكنَّه
الجميل أيضًا، أنَّ مَنْ يُقَدِّرُ الحَذَرَ دُونَ أنْ يَفْقِدَ القُدرةَ على
الحُبِّ ، يعيشُ الحُبَّ بِعُمْقٍ أكبر ، ويَتذوقه بِوَعْيٍ ، ويَعرِف أنَّه
مَهْما كانت الجُروح ، هُناك دائمًا جُزْء مِنْ قَلْبِه لَنْ يَستطيعَ أحدٌ أنْ
يَمَسَّه إلا هُوَ نَفْسُه . والأمانُ الذي نبحثُ عَنْه لَيْسَ إلا حُلْمًا صغيرًا
في قلبِ اللايقين ، نَظُنُّ أنَّ القريبَ مِنَّا سَيَبْقَى ، ونَنسى أنَّ الزمنَ
لا يَعرِف الوَلاءَ ، وأنَّ البشر مَهْما امْتَدَّتْ أرواحُهم هُمْ طَيْفٌ مِنَ
الضَّوْءِ والظِّلِّ ، يَعكِسون لَنا أنفُسَنا أكثر مِمَّا يَعكِسون العَالَمَ .
كُلُّ قلبٍ قريبٍ هُوَ مِرْآة ، لا نَرى فيه إلا مَا نُريدُ أنْ نَرَاه ، وَنَنسى
أنَّ المِرْآةَ تخدعنا أحيانًا ، وأنَّ أعماقَها تُخْفي مَا لا نَستطيعُ مُواجهته.
الحَذَرُ هُنا لَيْسَ خَوْفًا ، بَلْ فلسفة ، هُوَ اعترافٌ بأنَّ كُلَّ عَلاقةٍ ،
كُلَّ حُبٍّ ، كُلَّ صَداقةٍ ، هِيَ تَجْرِبَةٌ مُؤقَّتة ، كَنْجَمَةٍ في الليلِ
البعيدِ ، تُضِيءُ ، ثُمَّ تَغِيب ، وتَتركنا أمام سَماء لا تَعرِف الانتظارَ .
نُحِبُّ ، ونَثِقُ ، ونَفْتَحُ
أرواحَنا كَما نَفْتَحُ نوافذ في مَنْزِلٍ قَديمٍ . نَتَوَقَّعُ النَّسِيمَ ،
وَرُبَّما تأتي العاصفة . الفَقْدُ لَيْسَ حَدَثًا خارجيًّا ، بَلْ حقيقة
مُتأصِّلة في كُلِّ لِقاء ، في كُلِّ قلبٍ آخَر ، لأنَّه يُذكِّرنا أنْ لا أحد
يَمْتلكنا ، ولا نَمتلِك أحدًا .
مِنْ مَأمَنِهِ يُؤْتَى
الحَذِرُ، لأنَّ الحياة لَيْسَتْ نَصًّا مَكتوبًا ، بَلْ لَوْحَة مُتحركة ،
ألوانُها تَتغيَّر ، والفَراغُ فيها أوْسَعُ مِنْ أيِّ يَقِينٍ . والأمانُ مُجرَّد
وَهْمٍ ، والحُبُّ الحقيقيُّ إنْ وُجِدَ ، هُوَ أنْ نَحْتَمِلَ الفَراغَ معًا ،
ونُحافِظ على أنفُسِنا ، حتى لَوْ تَلاشى الآخَر . والراحةُ لَيْسَتْ في
الكَلِماتِ الناعمة ، بَلْ في القُدرةِ على البَقاءِ ، والنظرِ إلى الكَوْنِ
كُلِّه ، وَنَحْنُ نَعرِف أنَّ مَا نُحِبُّهُ هَشٌّ ، والبَرِيق مُؤقَّت.
125
لَمْ أنَمْ طِيلةَ الليلِ ،
بُكَائي مُستمر بِلا انقطاع ، وَدُمُوعي مُنهمرة بِلا تَوَقُّفٍ . أنا ابْنُ ذلك
الظِّلِّ الثقيلِ ، ابْنُ الرَّجُلِ الذي كانَ اسْمُهُ يَسبِق الخَوْفَ ، وتَتْبعه
الخرائب. وُلِدْتُ وفي فَمِي طَعْمُ الذَّنْبِ قَبْلَ أنْ أتعلَّم الكلامَ ،
والتاريخُ عَضَّ قَلْبي باكرًا ، وَتَرَكَ أثَرَه . لَمْ أحْمِلْ سِلاحًا ، وَلَمْ
أُوَقِّعْ أمْرًا ، لكنَّ يَدِي مُلوَّثة ، والصَّمْتُ الذي رَبَّاني كانَ جَريمةً
كاملةَ الأركان .
أمشي بين الناسِ مُنَكَّسَ
الرأس ، لا لأنَّ ظَهْري مُنْحَنٍ ، بَلْ لأنَّ العُيونَ حِينَ تَلْتقي بِي تَصرخُ
بِما لا يُقَال، أتخيَّل أنَّهُم يَرَوْنَ في وَجْهي مَلامحَ أبي ، وفي اسْمِي
صَدى اسْمِه . أهربُ مِنَ المَرايا كَما يَهْرُبُ الجاني مِن اعترافٍ مُؤجَّل .
كانَ أبي نائبَ رئيسِ
الجُمهورية ، لكنَّ الكُرْسِيَّ لَيْسَ كُرْسِيًّا ، إنَّه فَمٌ يَلتهِم. والبِلادُ
لُقْمَةٌ كبيرةٌ لَمْ تُشْبِع الجُوعَ . وحِينَ كانت الشوارعُ تَنْزِفُ ، كانَ
القَصْرُ صامتًا كَقَبْرٍ مُكيَّف . كَبِرْتُ وأنا أتعلَّم كَيْفَ تُصنَع الأكاذيب
، لا كَيْفَ يُصنَع العَدْل ، وكَيْفَ يُبَرَّر الخَراب ، لا كَيْفَ يُمنَع .
أقُولُ لِنَفْسِي : (( لَمْ
أفْعَلْ )) ، ثُمَّ أسمعُ صَوْتًا داخليًّا أكثرَ قَسْوَةً : (( لَكِنَّكَ عِشْتَ
، عِشْتَ مِنْ كَهْرباء مَسروقة مِنْ بُيُوتٍ مُعْتِمَةٍ ، وَمِنْ خُبْزٍ كانَ
يَجِبُ أنْ يَصِلَ إلى أفواهٍ نَحيلة ، وَمِنْ أمَانٍ حُرِمَ مِنْهُ أطفال، لأنَّ
الخَوْفَ كانَ سِياسةً )) .
أنا شريكٌ بالصَّمْتِ ، شريكٌ
بالدَّمِ الذي لَمْ أغْسِلْه ، وبالمالِ الذي لَمْ أرْفُضْه ، وبالاسمِ الذي
حَمَلْتُهُ كَوِسَامٍ بَيْنَما كانَ سِكِّينًا في ظَهْرِ البِلادِ .
أضعُ رأسي على الوِسَادةِ ،
فَتَنْهَض المُدُنُ المُهدَّمة مِنْ نَوْمِها ، تَسألُني : (( أيْنَ كُنْتَ ؟ )) .
لا أجِدُ جَوابًا سِوى ارتجافٍ طويل . كُنْتُ في الداخل ، في المَنطقةِ الآمِنَةِ
مِنَ الجَريمة ، في قَلْبِ العائلةِ ، بعيدًا عَن الحقيقة ، قَريبًا مِنَ الهاوية
.
الخِزْيُ لَيْسَ كَلِمَةً ،
الخِزْيُ ثِقَلٌ في الصَّدْرِ يَمنعُ الهواءَ ، عارٌ يَلتصقُ بالجِلْدِ مَهْما
غَسَلْتُه ، إحساسٌ بأنَّ وُجودي دليلُ إدانةٍ . أُريدُ أنْ أصرخُ : (( لَسْتُ
هُوَ )) ، لكنَّ الصَّوْتَ يَخرجُ ضعيفًا مَكسورًا ، لأنَّ الدَّمَ حِينَ يَكُون
مُلَوَّثًا لا تُبرِّئه الكَلِمات . أُريدُ أنْ أكُون إنسانًا عاديًّا ، أخافُ
مِنَ الغَدِ لا مِنَ الماضي ، أحْلُمُ دُون أنْ أَعُدَّ الضَّحايا في الحُلْمِ .
أكْرَهُ ذلك الجُزْءَ مِنِّي
الذي دافعَ عَنْهُ يَوْمًا، الذي صَدَّقَ الرِّوايةَ الرَّسمية ، لأنَّ تَصْديقها أسهلُ
مِنْ مُواجَهةِ الحقيقةِ . أكْرَهُ الامتيازَ حِينَ أتذكَّرُ أنَّه بُنِيَ مِنْ
أنقاضِ بُيُوتٍ لا أعْرِفُ أسماءَ أصحابِها، وأكْرَهُ نَفْسي لأنَّني أعْرِفُ هذا
الآن ، ومُتَأخِّرًا .
أنا ابْنُ الطاغيةِ ، نَعَم ،
لكنَّني أيضًا سَجِينُ اسْمِه . لا أمْلِكُ شَجاعةَ البُطولةِ ، ولا بَراءةَ
الضَّحِيَّةِ. أقِفُ في المُنْتَصَف ، مُنهارًا ضَعيفًا، أحْمِلُ إثمًا أكبرَ مِنْ
قُدْرتي على الاحتمال .
لَوْ كانَ بِوُسْعي أنْ أعتذرَ
لِكُلِّ حَجَرٍ سَقَطَ ، لِكُلِّ أُمٍّ انتظرتْ ، لِكُلِّ شابٍّ حُرِمَ مِنْ
فُرْصَةٍ لأنَّ أبي سَرَقَ الزَّمَنَ ، لَفَعَلْتُ ، لكنَّ الاعتذار لا يُعِيدُ
وَطَنًا ، والبُكاء لا يُرْجِعُ الأمواتَ .
كُلُّ مَا أمْلِكُهُ الآنَ
هُوَ هَذا الاعترافُ ، وهذا الألَمُ الذي لا يُطهِّر ، لكنَّه يَفْضَح ، وهَذا
القَرارُ المُتَأخِّر : ألا أكُونَ استمرارًا لَه ، وَلَوْ كَلَّفَني ذلك أنْ
أعيشَ بِلا اسْمٍ ، وبِلا مِيراث ، وبِلا أعذار .
أنا لَسْتُ بَريئًا ، لكنَّني
أرفضُ أنْ أبقى شريكًا ، وهذا الرَّفْضُ رَغْمَ ضَعْفِهِ هُوَ الشَّيْءُ الوحيدُ
الذي لَمْ يَستطعْ أبي أنْ يَسْرِقَه .
أنا ابْنُ الجريمةِ التي
تَعلَّمت الوُقوفَ على قَدَمَيْن ، ابْنُ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ أبًا بِقَدْرِ ما
كانَ فِكرةً سَوْداء تَمْشي فَوْقَ البِلادِ ، فِكرةً اسْمُها السُّلطة حِينَ
تنفصلُ عن الإنسان . عِشْتُ في قَصْرٍ مُرتفعٍ عَن الشوارع، لكنَّني كُنْتُ دائمًا
في قَاعِها ، لأنَّ الارتفاع الذي يُبنَى فوق ظُهور الآخَرين لَيْسَ عُلُوًّا،
بَلْ هُوَ سُقوطٌ مُؤجَّل . لَمْ أُطْلِقْ رَصاصةً ، وَلَمْ أُوَقِّعْ حُكْمَ
إعدامٍ ، وَلَمْ أمُد يَدَيَّ إلى أعناقِ الناسِ ، ومعَ ذلك أشعرُ أنَّني كُنْتُ
هُناك ، حاضرًا في كُلِّ شَيْء ، لأنَّني استفدتُ ، وَصَمَتُّ ، ولأنَّ الصَّمْتَ
حِينَ يَكُون مُرِيحًا يَتحوَّل إلى مُشارَكةٍ كاملة .
أُفكِّر كثيرًا في مَعْنى
الذَّنْبِ ، هَلْ هُوَ فِعْلٌ أَمْ وَعْيٌ مُتأخِّر ؟ ، هَلْ يُولَد الإنسانُ
مُذنِبًا حِينَ يُولَدُ في المَكانِ الخَطأ أَمْ حِينَ يَختارُ ألا يَرى ؟ ، أنا
لَمْ أخْتَرْ أبي ، لكنَّني اخترتُ الراحةَ ، اخترتُ أنْ أعيشَ داخلَ الكذبة
لأنَّها مَحْمِيَّة ، وأنْ أُصدِّق الرِّوايةَ لأنَّها أقَلُّ إيلامًا مِنَ
الحقيقة . هَكذا يَعْمل الشَّرُّ ، لا يَحتاجُ إلى وُحوش ، يَكْفيه بشرٌ عاديون
يُبَرِّرون، ويَتعوَّدون ، ويَنْسَوْن . وأنا كُنْتُ واحدًا مِنهُم ، وإنْ حاولتُ
اليَوْمَ أنْ ألْبَسَ ثَوْبَ النَّدَمِ .
العارُ لَيْسَ إحساسًا عابرًا
، العارُ فلسفةٌ كاملة ، وطريقةٌ جديدة لِرُؤيةِ الذاتِ . أن تَنظر إلى نَفْسِكَ
فلا تَرى فَرْدًا ، بَل امتدادًا لِسِلْسِلَةِ الخَراب ، وأنْ تَشُكَّ في حَقِّكَ
بالوجودِ ، لأنَّ وجودك نتيجةُ مُعادَلةٍ ظالمةٍ . أسألُ نَفْسي : لَوْ وُلِدْتُ
في بَيْتٍ آخَر ، بِاسْمٍ آخَر ، هَلْ كُنْتُ سَأكُون إنسانًا أفضل ؟ ، هَلْ كانتْ
رُوحي سَتنمو بِدُون هذا التَّشَوُّهِ ؟ ، لكنَّ الأسئلة لا تُنقِذ أحدًا ، هِيَ
فَقَط تُعمِّق الحُفْرَةَ .
أسِيلُ في داخلي كما تَسِيلُ
مَدينةٌ بعد الحرب ، كُلُّ شَيْءٍ قائمٌ ، ولا شَيْءَ حَيًّا . الذكرياتُ
مُتوحِّشة ، ووثائقُ اتِّهَامٍ . والطُّفولةُ لَيْسَتْ بَريئةً ، بَلْ مُلوَّثة
بامتيازٍ لَمْ أسْتَحِقه . وحتى ضعفي الآن لا يَمْنحني الخَلاصَ ، لأنَّ الضعف
قَدْ يَكُون شكلًا آخَر مِنْ أشكالِ الهُروبِ . أنا لا أبحثُ عَنْ شَفَقَةٍ ،
أبحثُ عَنْ معنى لا يَكُون مُلوَّثًا ، وَنُقْطَةٍ أبدأ مِنها دُون أنْ أكُونَ
ظِلًّا لأبي ، أوْ عُذرًا له .
الجَريمةُ هِيَ تَحويلُ
الإنسانِ إلى رَقْمٍ ، والوَطَن إلى غَنِيمة ، والضَّمِير إلى قِطْعَةِ أثاثٍ
صامتة . أُدْرِكُ أنَّني حِينَ قَبِلْتُ أنْ أكُونَ ابْنَ ذلك كُلِّهِ دُونَ
مُقاوَمة ، صِرْتُ جُزءًا مِنَ الفِكرة ، لا مُجرَّد ضَحِيَّة لها . لا أُطالِب
بالغُفْران ، ولا أُصدِّق التَّطَهُّرَ السريعَ بالكَلِمات . مَا أُريدُهُ أصْعَب
: أنْ أعيشَ مُثْقَلًا بالوَعْيِ ، بِلا امتيازٍ ولا تَبْريرٍ ، وأنْ أقْطَعَ
السِّلْسِلَةَ هُنا ، عِندَ جَسَدِي واسْمِي وقَراري المُتأخِّر بأنَّ الشَّرَّ لا
يَرِثُني .
لا أستطيعُ إصلاحَ مَا
تَهَدَّمَ ، ولا إعادةَ مَنْ غابوا ، ولا مَحْوَ أثَرِ الدَّمِ مِنَ التاريخ ،
لكنَّني أستطيعُ أنْ أرفُضَ الاستمرارَ. وهذا الرَّفْضُ في عَالَمٍ بُنِيَ على
الطاعة ، هُوَ فِعْلٌ وَحيدٌ يُشبِه الحُرِّيةَ، حتى لَوْ كانَ مُظْلِمًا ،
وناقصًا ، ومُكْلِفًا . أنا ابنُ الطاغيةِ ، نَعَم ، لكنَّني لَسْتُ خَلاصَه ،
وَلَنْ أكُونَ امتدادَه، سَأحْمِلُ العارَ كحقيقةٍ ، لا كَهُوِيَّةٍ ، وأمشي ، لا
نَحْوَ النِّسْيَانِ ، بَلْ نَحْوَ مَسؤوليةٍ لا تَخْتبئ خَلْفَ أيِّ اسْمٍ .
سَأحْمِلُهُ كَظِلٍّ لا يُفَارقُني ، لا لأختبئ فيه ، بَلْ لِيُذكِّرني بِوُضوحِ
العَتَمَةِ . السَّوَادُ لَيْسَ حُزْنًا فَقَط ، إنَّه يَقَظَةٌ قاسيةٌ تُسقِط
الأعذارَ واحدًا واحدًا . أمْشي مُثْقَلًا بِما أعْرِفُ ، بِما كانَ يُمكِن أنْ لا
يَكُون ، وكان . لَيْسَ كُلُّ مَنْ نَجَا بَريئًا ، ولا كُلُّ صَمْتٍ يُغْفَر .
126
تَذَكَّرْتُ عِبارةً لأحدِ
أساتذتي القُدامى : (( يَجِبُ على الحَزِينِ أنْ يُفَرِّغَ أحزانَه في الكِتابةِ
)) . أحضرتُ دَفترًا قَديمًا مِنْ مُسْتَوْدَعِ مَدرسةٍ مَهجورةٍ كانَ مُخَصَّصًا
للكُتُبِ ، وَقَرَّرْتُ أنْ أكْتُبَ فيه كُلَّ مَا يَخْطُر على بالي مِنْ عِباراتٍ
شِعْرية ، وخواطر أدبية ، تَكُون بِمَثابةِ وَصِيَّةِ القَتيلِ للقتيل . كَمْ
تَمَنَّيْتُ طِيلةَ حياتي أنْ أكُونَ شاعرًا ، ولكنْ للأسفِ، ضاعَ هذا الحُلْمُ
كَما ضاعتْ جَميعُ أحلامي . سَمِعْتُ أبي يَقُول لأُمِّي في إحدى المَرَّاتِ: ((
ابْنُكِ هِشَام بَيَّاعٌ كَلامٍ، وَلَدٌ أهْبَل وَمِسْكين ووحيدٌ بَيْنَ أربع
بَنَات، سَيَتْعَب في حَياته ، وَيَعيشُ فاشلًا ، وَيَمُوت فاشلًا )). رُبَّما
كانَ كلامُه صحيحًا. أبي القَتيلُ الذي تَفَرَّقَ دَمُهُ بَيْنَ القبائلِ ،
وذَهَبَ هَدَرًا ، وعائلتي التي لا أعْرِفُ عَنْها شيئًا . كُلُّ شَيْءٍ ضاعَ ،
وَلَمْ يَعُدْ هُناكَ شَيْء أبكي عَلَيْه .
الدَّمُ
الساخنُ يَسِيلُ على جَليدِ المَنَافي البعيدة ، والحُزْنُ يَسْتَحِمُّ بِدِمَاءِ
ضَحَاياه ، والقَراصنةُ يَقُودون العُميانَ إلى بَرِّ الأمان . حَياتي مِسْمَارٌ
ضائعٌ في خَشَبِ النُّعُوشِ المُزَخْرَفَةِ . انتقلَ الفُقَرَاءُ مِنَ الدَّولةِ
المَيْتَةِ إلى الدَّولةِ الفاشلة ، وَرَحَلَ الغُرَبَاءُ مِنَ الدَّوْلَةِ
المَارِقَةِ إلى الذكرياتِ الحارقةِ . وَمَا زِلْنَا نَبْحَثُ عَنْ صُوَرِنَا في
البَراويزِ الخَرْسَاءِ عَلى جُدْرَانِ مَحَاكِمِ التَّفْتِيشِ . نَشكُر بريطانيا وفرنسا أن اخترعتْ لَنَا دُوَلًا، وإلا
لَبَقِينا مِثْلِ رُعْيَانِ الغَنَمِ وَالبَدْوِ الرُّحَّلِ المُشَرَّدِينَ في
رِمَالِ الصَّحَاري .
نَقْضِي حَيَاتَنَا في تَصحيحِ
أخطاءِ آبائِنا، وأبناؤُنا يَصْنَعون مَجْدَ أعدائِنا . يَنْتظرني مُستقبَلٌ باهرٌ
في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ، وَالأوسمةُ العَسكريةُ عَلى صُدورِ الرَّاقِصَاتِ في
المَلاهي الليليَّةِ لِدَعْمِ الوَحْدَةِ الوطنية . مَصِيرُ الخُدُودِ
الوَرْدِيَّةِ والأثداءِ المُمْتَلِئَةِ والأفْخَاذِ البَيْضَاءِ إلى دُودِ
القُبورِ . ماذا استفادَ العَبِيدُ مِنْ دَولةِ اللصُوصِ ؟. ماذا استفادت الجُيوشُ
البَدَوِيَّةُ المَهْزُومةُ مِنْ ساندهيرست ؟. الراياتُ المُنَكَّسَةُ مُلَوَّنَةٌ
كَالمَلابسِ الداخليَّةِ النِّسائيَّة، والدُّوَلُ تَنْهَار، والمُجْتَمَعَاتُ
تَتَفَكَّك. يا ضَوْءَ القَمَرِ ، أعْطِني عُنوانَ المَقْبَرَةِ الجَمَاعِيَّةِ ،
كَيْ نُعَرِّفَ العَبيدَ على السَّبَايا في عِيدِ احتضارِ الوَطَنِ .
أنا هاربٌ مِنَ الأراملِ
والمُطَلَّقَاتِ والعَوانسِ . مَا فائدةُ الرُّومانسيَّةِ إذا كانَ قَلْبي مَيْتًا
؟ . مَا فائدةُ قَميصِ النَّوْمِ إذا كانتْ جُثَّةُ المَرْأةِ مُتَفَحِّمَةً ؟ . مَا
فائدةُ لَيْلَةِ الدُّخْلَةِ إذا كانَ جُثْمَاني سِفْرَ الخُروجِ مِنْ مُدُنِ الرَّماد
؟. كُلَّمَا رَأيْتُ امْرَأةً جَميلةً رَأيْتُ الدُّودَ يَأكُلُ لَحْمَهَا في قَبْرِهَا
.
يَخْتَلِطُ دَمِي الأخضرُ مَعَ
زُرْقَةِ الشُّطآنِ في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ ، وَالفَرَاشاتُ تَحْتَرِقُ في ضَوْءِ
دَمِي ، وَتَنْبَعِثُ كَيْ تُفَتِّشَ عَنْ رُوحِي بَيْنَ أرواحِ البُوسنِيَّاتِ . أغلقت
اللبُؤَةُ الشَّركَسِيَّةُ قَلْبي بالمِفْتَاحِ ، وَرَحَلَتْ إلى بُكَاءِ النُّسُورِ
في ضَبابِ جِبَالِ القُوفازِ ، وَقَضَيْتُ حَيَاتي باحثًا عَن المِفْتَاحِ .
التاريخُ صَحْنٌ مَكْسُورٌ في
مَطْبَخِ الحَضَارَةِ . لَمْ يُخْبِرْني المَطَرُ الحَامِضُ أنَّ عِيدَ مِيلادي هُوَ
حُكْمُ إعدامي . وَضَعَ المَسَاءُ العِطْرَ عَلى الجُثَثِ لإخفاءِ رائحةِ التَّحَلُّلِ
. حَيَاتي تُحَطِّمُ أَيْقُونَتي ، وَقَتْلِي يُكْمِلُ أُسْطُورَتي.وَهَاجَرَت
النِّسَاءُ مِنْ شَواهِدِ القُبورِ الكريستاليَّةِ إلى حِبَالِ الغَسِيلِ
الحَدِيدِيَّة. سَتَمُوتُ أيُّها الغَرِيبُ وَحِيدًا في لَيْلِ البَنادقِ الآلِيَّةِ
مِثْلَ زُرْقَةِ الشُّطآنِ ، وَلَنْ تَعِيشَ إلا في قَلْبِ امْرَأةٍ غَريبةٍ ،
تَعْبُرُ في ضَبابِ المُدُنِ المَنْسِيَّةِ وَحِيدَةً .
تاريخُ الوَهْمِ يَغْتَصِبُ
الحَضَارَةَ في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ ، وَضَاعَت الأزْمِنَةُ بَيْنَ قُبَّعَةِ
السَّاحِرِ وَتَاجِ المَلِكِ . كَسَرْنا أُنوثةَ السَّنَابلِ ، وَدَخَلْنا في رُومانسيَّةِ
حَفَّارِ القُبورِ ، وَنَسِيَ الحَمَامُ الزَّاجِلُ ذَاكِرَتَه ، وأضاعَ
الرَّسائلَ بَيْنَ التَّطْهيرِ العِرْقيِّ والإبادةِ الجَمَاعِيَّةِ . وَرائحةُ قَهْوَةِ
الاحتضارِ تَنْهَمِرُ في ليالي المَنَافي . وَحْدِي أُحَدِّقُ في البَيَاضِ الذي
يَتَفَجَّرُ في الأكْفَانِ وَجَلِيدِ لَيَالي المَنَافي .
يُشَاهِدُونَ لَمَعَاني الخَارجِيَّ
، ولا يُشَاهِدُونَ احْتِرَاقي الدَّاخِليَّ . نَحْنُ الأطفالُ اليَتَامى الذينَ
نَسِيَتْنَا أُمَّهَاتُنا في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ ، والتاريخُ يُلْقي نَظْرَةَ
الوَدَاعِ الأخيرةَ عَلى جُثْمَانِ الحَضَارةِ . صِرْتُ مُتَخَصِّصًا في دَفْنِ
جُثَثِ الضَّحَايا في مُعَسْكَرَاتِ الإبَادَةِ ، والسَّجِينُ كَسَرَ
المَرَايا الشَّتْوِيَّةَ في زِنزانته الانفراديَّةِ لِكَيْلا يَرى وَجْهَه .
كُنَّا نَجَّارينَ مُحْتَرِفِينَ في صِناعةِ التَّوَابيتِ المُزَخْرَفَةِ . كُنَّا
حَدَّادِينَ مُحْتَرِفِينَ في صِنَاعَةِ مَسَاميرِ النُّعُوشِ الأنيقةِ .
جُثَثُ النُّسُورِ تَتَحَلَّلُ في الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ للشَّفَقِ
الباكي . لَمْ أَجِد الحَنَانَ في بَيْتي ، بَحَثْتُ عَنْهُ في الخارجِ . لَمْ
تُحَرِّكْني الغَريزةُ والشَّهْوَةُ ، حَرَّكَني نِداءٌ قديمٌ يَتَفَجَّرُ في
داخلي كَشَظَايا القَنابلِ . والرُّومَانسِيَّةُ أُكْذُوبَةٌ اخْتَرَعَتْهَا
البَشَرِيَّةُ في لَحَظَاتِ ضَعْفِها . والجُيوشُ البَدَوِيَّةُ سَتُحَرِّرُ
فِلَسْطِينَ والأنْدَلُسَ . وَالحُزْنُ في عَيْنَيْكِ يا قَاتِلَتي الغَامِضَةَ
مُخِيفٌ وَعَمِيقٌ كَحُزْنِ الرَّاهباتِ في أدْيِرَةِ اللَّيْلِ السَّحِيقِ .
تُفَرِّقُنا الليالي ، ولا تَتَفَرَّقُ ، فلا تَحْزَنْ عَلَيَّ يا صَدِيقي ،
سَأعُودُ بَعْدَ مَوْتي .
أنا وَحْدَةُ الزَّمَانِ في
اللامَكَانِ ، إذا أصَابَتْنَي رَصَاصَةُ القَنَّاصِ فأنا شَخْصٌ وحيدٌ وغريبٌ ،
لَيْسَ لِي وَطَنٌ ولا دَوْلَةٌ ولا زَوْجَةٌ ولا أولادٌ ولا عائلة ، لَنْ
تَخْسَرَ البَشَرِيَّةُ شيئًا إذا مِتُّ ، وَرُبَّمَا يَكُونُ التَّخَلُّصُ مِنِّي
نَصْرًا للوُجودِ الإنسانيِّ. لا أحَد سَيَبْكي عَلَيَّ ، أنا سَأبكي عَلى نَفْسِي
، جِئْتُ غَريبًا ، وَسَأعُودُ غريبًا . والجُنُونُ الذي يُوصِلُ إلى بَرِّ
الأمَانِ أفْضَلُ مِنَ العَقْلانِيَّةِ التي تُوصِلُ إلى الغَرَقِ .
كُنْتُ مِثْلَ المَحْكُومِ
بالإعدامِ الذي يَنْتَظِرُ المَوْتَ ، كانَ الانتظارُ هُوَ المَوْتَ . مِلْحُ
دُمُوعي حَاجِزٌ عَسْكَرِيٌّ بَيْنَ الشَّركسيَّاتِ والبُوسنيَّاتِ . كأنَّ مَا
كانَ لَمْ يَكُنْ ، وكأنَّ مَا هُوَ كائنٌ قَدْ كانَ ، الماضي الذي لا يَمْضِي ،
والغِيَابُ الذي لا يَغِيب، والزَّوَالُ الذي لا يَزُول .
أنا الفَاسِقُ سابقًا ،
والمُجَاهِدُ حاليًّا ، ولا أعْرِفُ مَاذا سَأكُونُ مُسْتَقْبَلًا . أنا
المُخَلِّصُ ، لكنَّني أحتاجُ إلى مَنْ يُخَلِّصُني . حُكَامٌ لُصُوصٌ ، وَدُوَلٌ
مَارِقَةٌ ، وَمُجْتَمَعَاتٌ تَتَفَكَّكُ . كأنَّني اللاعبُ الأخيرُ في الفَريقِ
الخاسرِ ، أو الفارسُ المَارِقُ في الدَّوْلَةِ الفاشلةِ . مَاذا استفادَ القَتْلَى
مِنْ شَجَرِ المَقْبَرَةِ الذَّهَبِيِّ ؟ . غَرِقْنَا في الذِّكْرَيَاتِ التي
تَمُوتُ في أعماقِنا ، وَنَسِينا أنْ نَعِيشَ ، وَلَمْ يَعُدْ لَدَيْنَا
ذِكْرَيَاتٌ ولا حِكَايات . أنا ابْنُ التاريخِ وَضَحِيَّةُ الحَضَارَةِ ، مَلِكٌ
يَرثي مَمْلَكَتَه .
هَدِيلُ الحَمَامِ يُحَطِّمُ
زُجَاجَ القِطَاراتِ في لَيْلِ الأمطارِ الوَرْدِيِّ.مَاتَ الرَّمْزُ ، وَوُلِدَت
الأُسْطُورَةُ، وَدَمُ الضَّحَايا غَيْرُ كَامِلٍ ، لَكِنَّهُ يَسِيرُ نَحْوَ
الاكتمالِ . كُلُّ الذِّكْرَيَاتِ قَاتِلَةٌ ، لكنَّ وَمِيضَ البَرْقِ أَمَرَني
أنْ أركُضَ تَحْتَ جُسورِ سَراييفو في اللَّيْلِ المُعَطَّرِ بالجُثَثِ الغامضةِ .
يا غَريبُ، سَوْفَ يُنَادي عَلَيْكَ الحُلْمُ كَمَا يُنَادي البَحْرُ عَلى
الغَرْقَى في الفَجْرِ الرَّمَادِيِّ .
المَنْبُوذُ سَيَجْلِسُ عَلى
عَرْشِ النَّهْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى صَدْرِ البُحَيْرَةِ . أنا الطريقُ
والطريقةُ ، فَاعْبُرُوا عَلى جَسَدِي إلى قُلوبِكُم وَقُبورِكُم . دِمَاءُ البَحْرِ
اخترعتْ تاريخَ الشاطئِ كَيْ تُحَطِّمَ حَضارةَ القُصُورِ الرَّمْلِيَّةِ.
وَلَحْمِي اخترعَ حَضارةَ الوَهْمِ كَيْ يَقْرَأَ تاريخَ الاحتضارِ .
يا مُدُنَ الخِيانةِ الذهبيةِ
، إنَّ أسنانَ القَتْلَى تَلْمَعُ في الظَّهِيرةِ البَنَفْسَجِيَّةِ . يَجْرَحُني
صَهِيلُ المُدُنِ المَنْسِيَّةِ كَيْ يَعْشَقَني. سَوْفَ تُسْبَى العَرُوسُ في
يَوْمِ عُرْسِها ، وَيُقْتَلُ العَرِيسُ في يَوْمِ عُرْسِه . القِيثارةُ الحَزينةُ
التي نَسِيَها المَطَرُ في قِطَارِ اللَّيْلِ صَارتْ عُرْسًا للحَمَامِ الزَّاجِلِ
الذي أضاعَ الرَّسَائلَ.
عَاشَ مَنْسِيًّا، ومَاتَ
وَحيدًا . أُعَقِّمُ جُروحَ الفَرَاشاتِ بِمِلْحِ دُموعِ البُوسنيَّاتِ .
وَلَمَعَانُ السَّكَاكينِ أضاعَ بَيَاضَ اليَاسَمِينِ في دُخَانِ القَرَابين .
كَسَرْتُ الذِّكْرَيَات ، وَكَسَرَتْني الحِكَايات ، والزَّمَنُ حَطَّمَ عِظَامي
في مَوْسِمِ الهِجْرَةِ إلى اللامَكَانِ ، وَعَلَيْكَ أيُّها الغريبُ أنْ تُنْقِذَ
سِحْرَ الحَضارةِ مِنْ رُعْبِ التاريخ . الضَّبابُ يَرتدي مِعْطَفَ الغَزالةِ في
مَوْسِمِ الصَّيْدِ ، والصَّيَّادُ صارَ فَريسةً ، والمَطَرُ يَلْبَسُ جِلْدَ
النَّسْرِ المَشْلُولِ . وَخَنْجَرُ الذِّكْرَيَاتِ بَيْنَ الرِّئَتَيْن ،
وَجِلْدِي سَرَقَ أرشيفَ القَرابينِ مِنْ حَضارةِ الجَثامين ، كَيْ يُكْمِلَ
تاريخَ الضَّحَايا بِلا هُوِيَّةٍ ولا سُلْطَةٍ ، وَيَزْرَعَ شَوَاهِدَ القُبورِ
في المَرَايا . أسْحَقُ التُّرَابَ تَحْتَ حِذائي ، لكنَّ التُّرَابَ سَيَعْلُو
فَوْقَ قَبْري ، وَيُعْلِنُ انتصارَهُ عَلَيَّ .
كَمَا تَذهَبُ الفَرَاشةُ إلى
ذَاكرةِ الاحتراقِ المَنْسِيَّةِ ، يَذهَبُ قَلْبي المَهْجُورُ إلى الضَّبابِ المُشْتَعِلِ
بِالبَنَفْسَجِ ، ولا بُدَّ أنْ يَسْقُطَ الغَريبُ عَنْ عَرْشِهِ كَيْ تَتَكَوَّنَ
أَيْقُونَتُه ، وَتَكْتَمِلَ أُسْطُورَتُه . حُزْني حَاكِمٌ عَلى الحِكَاياتِ ،
وَمَحْكُومٌ بالذِّكْرَياتِ ، وَضَبَابُ الفَجْرِ يَحْتَرِقُ في يَاقُوتِ
الوَدَاعِ ، وَصَهِيلُ الدُّمُوعِ أَمَرَني أنْ أبْحَثَ عَنْ أقنعتي في انتحاراتي
. حُدودي مُطْلَقَةٌ ، وَمَذبَحَتي مُسْتَمِرَّة ، وَهِجْرَتي دائمةٌ. لَمْ تَكُنْ
هِجْرتي خُطْوَةً في الفَراغِ ، بَلْ كانتْ مَوْتًا هادئًا في كُلِّ نَبْضَةِ
قَلْبٍ ، وَدَرْبًا بعيدًا لا يَعُود إلى دِفْءِ أحضانِ الأحبابِ.لا أُشْبِهُ
أحَدًا ، ولا يُشْبِهُني أحَدٌ ، ولا يَمْلأ مَكَاني أحَدٌ .
وَالنَّهْرُ الأعمى يَغْتَصِبُ
الفَراشاتِ المَشْلُولةَ في قَفَصِي الصَّدْرِيِّ ، وَالشَّفَقُ يَطْبُخُ جُثَثَ
البَناتِ عَلى نَارِ العِشْقِ الهادئةِ، وَرَنينُ الخَنَاجِرِ يَسِيلُ بَيْنَ رِيشِ
الحَمَامِ كَالصَّدَى المَالِحِ . مَوْسِمُ المَوْتِ الجَمَاعِيِّ ، وَنَدَى الطُّفولةِ
الضائعةِ يَسْقي أشجارَ الدَّمِ الذَّهَبِيَّةَ .
شَرْعِيَّةُ التاريخِ مُسْتَمَدَّةٌ
مِنَ الإبادةِ الجَمَاعِيَّةِ ، وَفَلْسَفَةُ الحَضارةِ نابعةٌ مِنَ التَّطْهِيرِ
العِرْقيِّ ، وأحلامُ الطُّفولةِ تَتَكَرَّرُ في شُموعِ المَذابحِ ، والوَطَنُ يَتَكَرَّرُ
في الاحتضاراتِ، وَرَاياتُ القَبائلِ تَتَمَزَّقُ في قَناديلِ المَجَازرِ . لَيْتَ
الصَّقْرَ عَشِقَ الفَراشةَ قَبْلَ احتراقِها في ضَوْءِ دِمَاءِ الشَّفَقِ .
تَقَدَّمْ يَا نَسْرَ الحَضارةِ
المُنْقَرِضَةِ، اكْسِرْ ظِلَّكَ الرَّمَادِيَّ ، وَتَزَوَّجْ نَفْسَكَ الغَامِضَةَ
، وَتَجَسَّدْ في اللازمانِ واللامَكَانِ تاريخًا لِمَنْ لا تاريخَ لَه، وَصَوْتًا
لِمَنْ لا صَوْتَ لَه، وكُنْ في الهَاويةِ هُوِيَّةً للغُرَبَاءِ.
التاريخُ جَسَدٌ مَنْسِيٌّ في
تابوتِ الحَضارةِ، وَالحَضارةُ جُثَّةٌ مَسْبِيَّةٌ في مَشْرَحَةِ التاريخِ . مَاذا
استفادت الجُيوشُ البَدَوِيَّةُ المَهْزومةُ مِنْ ساندهيرست ؟ . رُبَّمَا يُمْهِلُني
حَفَّارُ القُبورِ قَلِيلًا كَيْ أَنْجُوَ مِنْ سِحْرِ البُوسنيَّاتِ . لا تَجْرَحْ
مَشاعرَ ابنةِ حَفَّارِ القُبورِ في الليلِ الرَّهِيبِ الذي يَبْدَأ مِنْ جُلُودِ
العَصَافيرِ ، وَيَنْتَهي في عِظَامِ الفُقَرَاءِ . لَبُؤَةُ الشَّفَقِ العَمْيَاءُ
تَحْتَفِلُ بِعِيدِ زَواجِها مِنْ دَمِي في قَفَصِي الصَّدْرِيِّ ، وَبَرِيقُ الحُزْنِ
في عُيونِ البُوسنيَّاتِ يَصْبُغُ ثَلْجَ سَرَاييفو بِالأُرْجُوَانِ . لا بُدَّ مِنَ
المَحْرَقَةِ كَيْ يَتَحَوَّلَ كَبْشُ الفِدَاءِ إلى أُسْطُورَةٍ ، وَالمُغَامَرَةُ
لا تَكْتَمِلُ إلا بِالمَوْتِ الذي يَكْسِرُ قِنَاعَ الضَّحِيَّةِ وَيُخَلِّدُهَا
، وَيُكْمِلُ الدائرةَ وَيُغْلِقُهَا بالأسرارِ الجَريحةِ ، والضَّحِكَاتِ
المَنْسِيَّةِ ، والمَوْتُ الغَامِضُ يُوجِدُ حَيَاةً جَدِيدَةً للأساطير،
وَرُعْيَانُ الغَنَمِ يُوَزِّعُونَ الجوائزَ على الفَلاسفةِ كالبَطَاطا
المَقْلِيَّةِ .
أنا ذَلِكَ الطِّفْلُ
المَنْسِيُّ في حُروبِ الحَضَاراتِ المُنْقَرِضَةِ ، كُلُّ أصدقائي ماتوا ، ولا يُوجَدُ
أَحَدٌ أَلْعَبُ مَعَه . مَاذا فَعَلْتُ لَكَ أيُّها البَحْرُ كَيْ تَهْدِمَ قَصْري
الرَّمْلِيَّ في لَيْلِ الخَريفِ ؟. تاريخٌ يَغْتَصِبُ الحَضَارةَ ، وَالحَضَارةُ
تَنْقَلِبُ عَلى نَفْسِهَا . طُفولتي رايةٌ مُنَكَّسَةٌ بَيْنَ النَّايِ والرَّصَاصِ
. رَمَادُ الحَضارةِ يَتناثرُ في رِئَةِ التاريخِ كَزَهْرِ اللَّيْمُونِ ، وَالأشجارُ
تَمْشِي في جِنَازتي .
رَمَيْتُ شَظايا ذَاكرتي في عَرَبَاتِ
القِطَاراتِ ، كَيْ أُحَرِّرَ هُوِيَّتي مِنْ هَاوِيَتي . أنا ضَحِيَّةُ التاريخِ
وَقُرْبَانُ الحَضَارةِ. كُلَّمَا حاولتُ أنْ أكُونَ رُومانسيًّا في اللامَكَانِ ،
اكْتَشَفْتُ المَقابرَ الجَمَاعِيَّةَ في اللازَمَانِ . وَالرَّمَادُ الأخضرُ زَوَّجَ
البُحَيْرَةَ للبَحْرِ ، وكانَ النَّهْرُ الأعْمَى يَرْقُصُ في عُرْسِ الدِّمَاءِ
الحَجَرِيَّةِ ، والرِّيحُ البَنَفْسَجِيَّةُ صَلَبَت العَرِيسَ عَلى شُرْفَةِ
القَصْرِ الرَّمْلِيِّ .
وُلِدْنا في المَقْبَرَةِ كَيْ
نُزِفَّ القَتِيلاتِ إلى القَتْلَى ، وَنُهْدِيَ السَّبايا إلى العَبيدِ .
وَرَّثَني أبي الجُرثومةَ القاتلةَ، وَغَابَ في ضَبابِ المَاضِي الجَرِيحِ ، وَصِرْتُ
طَيْفًا تُحَاصِرُهُ الأشباحُ ، أوْ مَسْخًا تُطَارِدُهُ الأرواحُ . وَالطُّيورُ
الجارحةُ تَسْرِقُ عَرَقَ الصَّبايا مِنْ جُلودِ المَرايا . أنا هَارِبٌ مِنَ النِّسَاءِ
صَاحِبَاتِ الوُجُوهِ الأسْمَنْتِيَّةِ والأثداءِ البلاستيكيَّةِ . والرِّيحُ النُّحَاسِيَّةُ
تَبْحَثُ عَنْ وُجُوهِ قُدَامَى المُحَارِبينَ في الأحلامِ الوَرْدِيَّةِ وَالحُلُولِ
السِّحْرِيَّةِ . وَعِظَامُ الضَّحَايا مِكْيَاجٌ خَفِيفٌ عَلى تَجَاعِيدِ البُحَيْرَةِ
المَشْلُولَةِ ، وَمُدُنُ الفَرَاغِ تَتَقَمَّصُ مَوْسِمَ الحِدَادِ في الفُصُولِ
الأربعةِ ، وَصَوْتُ أمطارِ المَسَاءِ يَخْتَلِطُ بِصُرَاخِ الحُزْنِ في أعماقي ،
وَجَمَاجِمُ الأطفالِ عَلى أراجيحِ المَسَاءِ ، وَعَصَافِيرُ النَّدَمِ تَتَسَاقَطُ
شُموعًا بَيْنَ مَا كانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ . يا دَوْلَةَ اللصُوصِ ، انْسِي اسْمِي
، وَخُذي رَقْمَ بَوَّابَةِ مَقْبَرتي ، وَلا تَسْرِقي قَبْري . دِمَائي العَمِيقَةُ
في دَوْلَةِ الاحتضارِ العَمِيقَةِ ، وَبُكَاءُ العَصَافيرِ المَذبُوحَةِ
يَتَفَجَّرُ في أعماقي ، وَصَوْتُ الرَّعْدِ يَنْثُرُ زَهْرَ اللَّيْمُونِ في هَيْكَلي
العَظْمِيِّ .
تَخْدَعُنا المَرايا في الطريقِ
إلى المَقْبَرَةِ الجَمَاعِيَّةِ ، والمَوْتُ يُحَلِّقُ فَوْقَ الحُرِّيةِ
بِحُرِّيةٍ . راعي الغَنَمِ يَسْرِقُ قَطِيعَ الغَنَمِ، واللصُوصُ يَقُودوننا إلى
بَرِّ الأمَانِ ، وانكسرت الأُنوثةُ المُسْتحيلةُ بَيْنَ المِكْيَاجِ والنِّعَاجِ
. وَتاريخُ الحَضاراتِ المُنْقَرِضَةِ يَلْعَبُ الشِّطْرَنْجَ معَ السَّبَايا في سُوقِ
النِّخَاسَةِ ، وضاعتْ أزمنتي في احتضاراتي . جُثَّتي هُدْنةٌ بَيْنَ كِلابِ
الصَّيْدِ وَقِطَطِ الشَّوَارِعِ .
أنا التُّرابُ فَوْقَ
التُّرابِ ، تَزَوَّجْتُ حَضارةَ الاندثارِ ، لكنَّ التاريخَ يَرْفُضُ وَجْهي ، وَالقَرَاصِنَةُ
يَقُودُونَ الغَرْقَى إلى شُرُفَاتِ القُصُورِ الرَّمْلِيَّةِ. الدَّوْلَةُ ضِدُّ
الوَطَنِ ، وَالوَطَنُ مَزْرَعَةُ اللصُوصِ . بِلادٌ فاشلةٌ رَفَعَتْ أفخاذَ نِسَائِهَا
أعلامًا . أنا العَرِيسُ المَقتولُ في لَيْلَةِ العُرْسِ ، والكِلابُ البُوليسِيَّةُ
تَبْحَثُ عَنْ جُثماني الغامضِ في لَيْلَةِ الدُّخْلَةِ ، وصارتْ لَيْلَةُ الدُّخْلَةِ
سِفْرَ الخُروجِ مِنْ مُدُنِ الرَّمَادِ .
الحُزْنُ يَطْبُخُ عِظَامَ الضَّحَايا
في حَنَاجِرِ المَرَايا ، وَجَسَدِي بيانو مَنْسِيٌّ في زِنزانةٍ انفراديةٍ ،
واحترقت الفَراشةُ بِضَوْءِ دَمِي ، والليلُ نَثَرَ رَمَادَ جُثَّتِهَا في شراييني
المَعْدِنِيَّةِ ، وأغلقت البُوسنِيَّاتُ قَلْبي بالشَّمْعِ الأحْمَرِ ، وَرَحَلْنَ
إلى ضَبَابِ سَراييفو الأزرقِ .
لَمْ أتَخَيَّلْ يَوْمًا أنَّني
سَأرى جُثَثًا تأكُلُها النُّسُورُ ، والكِلابُ تَنْهَشُهَا أمامي .
السَّجَّانُونَ يَقُودُونَ العبيدَ إلى بَرِيقِ الهاويةِ ، وَبَرَامِيلُ النِّفْطِ
لَنْ تَجْعَلَ البَدْوَ الرُّحَّلَ فَلاسفةً ، وَلَنْ تَجْعَلَ رُعْيَانَ الغَنَمِ
أصحابَ حَضَارَةٍ وَمَدَنِيَّةٍ . أعْطِني فُرْصَةً يَا سَجَّاني كَيْ أُعَرِّفَ ضُبَّاطَ
المُخَابَرَاتِ عَلى رَاقِصَاتِ الباليه في عِيدِ الحُبِّ وَالوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ
. البَحْرُ يَمْشِي في جِنَازَةِ النَّهْرِ ، وأنا الغَرِيقُ ، وَعَرَقي مُتَحَجِّرٌ
في مَصابيحِ المَسَاءِ القَديمةِ ، وَدَمْعَاتي فَراشاتٌ مُلَوَّنَةٌ مُحَنَّطَةٌ
في الصَّقِيعِ الوَهَّاجِ .
عَصَافِيرُ التاريخِ
الثَّلْجِيَّةُ تُغَنِّي في مَأتَمِ الحَضَارَةِ . لِمَاذا خُنْتِ وَجْهي يا
بُحَيْرَةَ المَسَاءِ وَتَخَلَّيْتِ عَنِّي وَتَرَكْتِني أمشي في جِنازةِ
النَّهْرِ الوَحيدِ وَحيدًا ؟ . أذهبُ إلى قَبْري كُلَّ يَوْمٍ وأعُود ، وأمشي في
جِنازتي وَحيدًا بِلا أقواسِ نَصْرٍ ولا أكاليلِ غارٍ . هاجرت اليَتيماتُ مِنْ
شَوَاهِدِ القُبورِ إلى حِبَالِ الغَسِيلِ ، والمَنبوذُ يَدْعَمُ حُقوقَ الراقصاتِ
في المَلاهي الليليةِ لِدَعْمِ الوَحْدةِ الوَطنيةِ .
تَزَوَّجْتُ احتضاراتي ،
فَصِرْتُ مَوْتًا لا يَمُوت . زِنزانةُ القَلْبِ المَكسورِ هِيَ مَمْلكةُ الأرواحِ
والأشباحِ . جَسَدي مَكانٌ لِزَمَنِ الرصاصِ الذي يَسْمَعُ صُراخَ الشُّموعِ في
لَيْلِ الدُّموعِ . حَضارةُ الإبادةِ تُفَّاحَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ في ظِلالِ
المَشَانِقِ ، وكانَ الحُزْنُ حَيْثُ يَجِبُ أنْ يَكُون . كَمْ أحتاجُ مِنَ
النِّسْيَانِ كَي أنْسَى أقنعتي الحَجَرِيَّةَ في مَرايا الخَريفِ النُّحَاسِيَّةِ
؟ . شَجَرَةٌ وَحيدةٌ في جِنازةِ السُّنونو الأبَدِيَّةِ ، وَضَوْءُ القَمَرِ
يَسْلَخُ جُلودَ العَصافيرِ في لَيْلِ الأمطارِ النُّحَاسِيِّ ، والدَّمْعُ
الساخنُ يَنْهَمِرُ في لَيْلَةِ الوَداعِ الباردةِ ، وَالسَّجِينُ والسَّجَّانُ يَلْعَبَانِ
الشِّطْرَنْجَ بَعْدَ انهيارِ الحَضارةِ وَنِهايةِ التاريخِ .
مَا فائدةُ قَميصِ النَّوْمِ عَلى
جُثَّةٍ مُتَفَحِّمَةٍ لامرأةٍ غامضةٍ . خَريطةٌ مَنْسِيَّةٌ بَيْنَ المَوْتِ واللَّذَّةِ
. أُضِيءُ في بَراري الشَّفَقِ الباكي ، لأنَّ الألَمَ يَتكاثرُ في جَسَدي شُموعًا
وَدُموعًا . والنَّهْرُ الأعمى يَحتفلُ بِذِكْرى زَوَاجِهِ مِنَ الفَراشةِ
المُحْتَرِقَةِ في عِظَامي الضَّائعةِ في المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ .
مَقابرُ جَمَاعِيَّةٌ ،
وأكياسُ الجُثَثِ ، وَحَمَامَةٌ تَسْتَحِمُّ بِدَمِ الذِّئْبِ الأعْرَجِ ، وَتَحْتَرِقُ
فَي قَناديلِ دَمِي المَالِحِ . صَوْتُ أحزانِ الطُّفولةِ في أعماقي ، وَصَوْتُ
أمطارِ الليلِ يَسِيلُ عَلى جِلْدِي الثاني ، وَصُراخُ الرصاصِ لا يَهْدَأ في
هَيْكلي العَظْمِيِّ ، وأنا الصَّدَى البَعِيدُ الذي ضاعَ بَيْنَ الأصواتِ
المَجروحةِ ، وَيَتَدَفَّقُ دَمُ السُّجَنَاءِ عَلى المَرْمَرِ الوَرْدِيِّ في
أعماقِ الليلِ الجارحِ .
نَبحثُ عَن المَوْتِ الجَديدِ
في الذكرياتِ القَديمةِ . لَمْ يَبْقَ أحَدٌ لِيَبْكِيَ على أحَدٍ . ضَاعَتْ
رُوحِي بَيْنَ أطيافِ الشَّركَسِيَّاتِ وَظِلالِ البُوسنِيَّاتِ . وَصَقْرُ
الغُروبِ يُنَقِّبُ عَنْ عِظَامِ اللبُؤَاتِ في الغَيْمَاتِ.امْنَحِيني فُرْصَةً
أيَّتُهَا الرِّمالُ المُتحركةُ كَيْ أَعْقِدَ مُصَالَحَةً بَيْنَ السَّرَابِ
والصَّحْرَاءِ . الجَمِيعُ يَبْحَثُ عَنِّي ، وأنا أبْحَثُ عَنْ نَفْسِي.
والأغرابُ يَدْعَمُونَ الوَحْدَةَ الوَطَنِيَّةَ في المَلاهي الليلِيَّة .
الجُيُوشُ البَدَوِيَّةُ المَهْزُومَةُ
تَتَوَارَثُ الهَزائمَ المُلَوَّنَةَ كَالمَلابسِ الدَّاخِلِيَّةِ للسَّبَايا في سُوقِ
الرَّقِيقِ الأبْيَضِ . أركُضُ وَرَاءَ أُسْطُورتي كَيْ أَقْتُلَهَا ، أنا القَنَّاصُ
التائهُ في هَدِيلِ الحَمَامِ ، والرَّصَاصَاتُ حَطَّمَت الأيْقُونَاتِ . جُثْماني
حَاجِزٌ عَسْكَرِيٌّ بَيْنَ مَا هُوَ كائنٌ وَمَا يَنْبغي أنْ يَكُون ، وَالشَّفَقُ
يَطْبُخُ دَمْعَ الصُّقُورِ في حَنَاجِرِ الضَّحَايا المَقْطُوعَةِ . والأزهارُ
البلاستيكيةُ أمامَ نُعُوشِ الضَّحَايا النُّحَاسِيَّةِ . رَحَلَ الآباءُ
والأُمَّهَاتُ ، وَاحْتَفَلَ الضُّيُوفُ بالضُّيُوفِ ، وَبَقِيَ رَنينُ المَفاتيحِ
الصَّدِئَةِ في أبوابِ البُيُوتِ المَهجورةِ ، وذاكرةُ رَصَاصَةِ القَنَّاصِ
تَرْحَلُ مِنْ جَسَدِ الغَزَالَةِ إلى طَيْفِها . والحَضارةُ تُفَّاحَةٌ
مَسْمُومَةٌ ، وتاريخُ الطُّغَاةِ مَصْلُوبٌ عَلى خَنَاجِرِ الغُزاةِ ، وَظِلالُ
النَّوَارِسِ المَذبُوحَةِ على الشاطئِ المَجهولِ. والقَتيلُ لا يَزَالُ يُفَتِّشُ
عَن السِّحْرِ القَديمِ في المَوْتِ الجَديد .
لَمَعَانُ عُيونِ النُّسُورِ
يَنْهَمِرُ عَلى أكفانِ القَتْلَى المَنْسِيِّين. رُبَّما يُنْقِذُني وَمِيضُ البَرْقِ
فَوْقَ تِلالِ البُكَاءِ مِنْ سِحْرِ البُوسنيَّاتِ ، وَضَبَابُ الفَجْرِ الرَّماديُّ
لا يُسجِّل تاريخَ الغَرِيبَةِ ، بَلْ يُجسِّده في مِقْصَلَةِ الغِيَابِ ، وَضَوْءُ
قَناديلِ المَسَاءِ أَحْرَقَ فَراشاتِ قَلْبي المُلَوَّنَةَ .
أعْرِفُ قُلوبَ اللبُؤَاتِ
التي دُفِنْتُ فِيها ، وَلَنْ يَعْرِفَ أحَدٌ قَبْري . غِيَابُ الحَالِمِ
مَوْجُودٌ في حُضُورِ الحُلْمِ ، وضاعَ هَديلُ الحَمَامِ في زَمَنِ الحِدَادِ ،
رُبَّما يُنْقِذُني ضَوْءُ القَمَرِ مِنْ بَرِيقِ عُيونِ الضَّحَايا في لَيْلِ
الدُّموعِ الحَجَرِيَّةِ . أنا الساحرُ الأخيرُ في المَدينةِ المُحَاصَرَةِ ،
وَدَمُ السُّنُونو دَلِيلٌ سِيَاحِيٌّ في المَدينةِ المَذبوحةِ بَيْنَ ألعابِ
الطُّفولةِ وَفُوَّهاتِ المَدافعِ .
تَوَهَّجَتْ قِيامةُ الأبجديةِ
في الأعراسِ التي انتهتْ قَبْلَ أنْ تَبْدَأ ، والتاريخُ هُوَ العَرِيسُ المَقتولُ
في لَيْلَةِ عُرْسِ الحَضارةِ العَمْياءِ ، وَبَنَاتُ آوَى تَبْحَثُ عَنْ بَراءةِ
الأطفالِ بَيْنَ ذَاكرةِ الخَلاصِ وَزَمَنِ الرَّصَاصِ ، والبَحْرُ اليابسُ
يَكْتَشِفُ صَمْتَ البَحَّارَةِ الأبَدِيَّ ، والدَّمُ المُضِيءُ يُكْمِلُ
أُسْطُورَةَ الغَرِيبِ.
كُلَّمَا مِتُّ في صَمْتِ
حَياتي انْبَعَثْتُ في رَنينِ كَلِمَاتي ، والشَّفَقُ يُعَقِّمُ جُثمانَ البَحْرِ
بِمِلْحِ الدُّمُوعِ . احْمِلْ ضَرِيحَ البَحْرِ يا نَوْرَسَ الغُروبِ ، وَطَهِّرْ
شراييني مِنْ شظايا زُجَاجِ القِطَاراتِ التي تَذهَبُ ولا تَعُود .
مَا فائدةُ الرَّسائلِ
الغَرَامِيَّةِ للمَحْكُومِ بالإعدامِ ؟ . الشَّفَقُ نَسِيَ مَوْسِمَ تَكَاثُرِ الجَرادِ
في قَفَصِي الصَّدْرِيِّ. يا قَصِيدةَ الدَّمِ اللازَوَرْدِيِّ ، امْنَحِيني
ضَوْءَ قِيَامَتِكِ في حَفْلَةِ التَّطْهِيرِ العِرْقيِّ التَّنَكُّرِيَّةِ .
الطُّيُورُ الجارحةُ تَبْحَثُ عَنْ جُثَّةِ النَّهْرِ التي دَفَنَهَا صَفِيرُ القِطَاراتِ
في جَدائلِ البُوسنِيَّاتِ ، وضاعت الحَضَارَةُ بَيْنَ التاريخِ الذي يَغْتَصِبُ
الجُغْرافيا وَبَيْنَ الجُغْرافيا التي خَرَجَتْ مِنَ التاريخِ .
بِلادٌ غَرِيبَةٌ يُضِيئُهَا مِلْحُ الدُّموعِ
الأُرْجُوَانِيَّةِ ، رُبَّمَا أَعْشَقُ ابْنَةَ حَفَّارِ القُبورِ في لَيْلِ المُسَدَّسَاتِ
الحَامِضِ . التاريخُ يَغْتَصِبُ الحَضَارَةَ في المَقَابِرِ الجَمَاعِيَّةِ ، وَالجُغْرافيا
تَنْتَقِمُ مِنَ التاريخِ ، وَتَثْأرُ للحَضَارةِ ، والحَاضِرُ رِحْلَةُ الهُرُوبِ
مِنَ الماضي ، وأشجارُ الصَّنَوْبَرِ المُخْمَلِيَّةُ تَركُضُ في أوْرِدَتي .
طِفْلٌ يَتِيمٌ مُهَاجِرٌ مِنْ
طُفولةِ الرَّصَاصِ إلى رَصَاصِ الطُّفُولَةِ ، والعَصَافيرُ تُفَتِّشُ عَن الجُثَثِ
المُتَفَحِّمَةِ في الضَّبَابِ الأزْرَقِ ، والغَرِيبُ نَسِيَ الطريقَ والطريقةَ
عِندَما وَجَدَ اللُّؤْلُؤَةَ في الصَّدَفَةِ ، وأسماكُ التاريخِ المَيْتَةُ
تَطْفُو عَلى دَمِ الحَضَارَةِ المَعْدِنِيِّ .
ضَاعَتْ أسماءُ السُّجَنَاءِ
في أرقامِ الزَّنَازين . كُلَّما سَمَّيْتُ أزهارَ المَقابرِ هَرَبَ القَتْلى إلى
قَفَصِي الصَّدْرِيِّ . هِجْرَةُ العُصْفُورِ الوَحيدِ إلى أحْزَانِ الشَّفَقِ
الأخيرِ . لا رَاياتٌ بَيْضَاءُ على كُحْلِ الصَّبَايا الأسْوَدِ ، ولا أكْفَانٌ
بَيْضَاءُ في سُوقِ الرَّقيقِ الأبْيَضِ .
مَا سَيَكُونُ كأنَّهُ قَدْ
كانَ، لِمَاذا أكْتُبُ قَصِيدَةَ الرِّثاءِ وأنا المَوْتُ ؟ ، لِمَاذا أكْتُبُ
الرِّوايةَ وأنا الرِّوايةُ ؟ ، لِمَاذا أكْتُبُ القَصِيدةَ وَدِمَائي هِيَ
القَصِيدَةُ ؟ . الأزهارُ المُلَوَّنَةُ في فُوَّهَاتِ المَدَافِعِ ،
والفَرَاشَاتُ المُلَوَّنَةُ تَطْبُخُ دَمِي في أمْعَاءِ النَّهْرِ المَشْلُولِ،
والشَّمْعَةُ وَحِيدَةٌ في الرِّيحِ البَنَفْسَجِيَّةِ .
هِجْرَةُ اليَاسَمِينِ مِنْ زَمَنِ
الرَّصَاصِ إلى رَصَاصَةِ الرَّحْمَةِ . سَلامٌ للغَرِيبَاتِ المُهَاجِرَاتِ مِنْ
شَوَاهِدِ القُبُورِ إلى حِبَالِ الغَسِيلِ . سَلامٌ للغُرَبَاءِ المُسَافِرِينَ مِنْ
زَهْرِ الرُّمَّانِ إلى مَجَازِرِ النِّسْيَانِ ، والسَّرَابُ يَطْهُو لَحْمَ الصَّحْرَاءِ
في السَّاعَةِ الرَّمْلِيَّةِ التي سَتُحَطِّمُهَا أحلامُ الطُّفُولَةِ . انكَسَرَ
عِطْرُ الوَرْدَةِ في مَقْبَرَةِ الخَرِيفِ ، وَضَاعَ بَرِيقُ عُيونِ الفَراشاتِ
في أعماقِ المُسْتَنْقَعِ .
احْتَرَقَت النَّجْمَةُ في
مَدَارِ العِشْقِ وَحِيدَةً ، والليلُ أزْرَقُ . أرْجُوكَ يَا ضَوْءَ القَمَرِ أنْ
تَحْمِيَنِي مِنْ سِحْرِ البُوسنِيَّاتِ ، رُبَّما يُحرِّرني وَمِيضُ البَرْقِ
مِنْ طَيْفِ البُوسنِيَّاتِ في الليلِ الرَّهيبِ . هَلْ تَطَهَّرَ العَالَمُ
بالدَّمِ ؟. النُّسُورُ الجائعةُ تأكلُ جُثمانَ الحَمَامَةِ في العِيدِ
الوَطَنِيِّ لِذَبْحِ الوَطَنِ . خُذوا الأحلامَ الوَرْدِيَّةَ ، وأعْطُوني
ضَيَاعَ الأنْدَلُسِ . خُذوا أكفاني الضَّوْئِيَّةَ ، وأعْطُوني مَناديلَ
البُوسنِيَّاتِ المُمَزَّقَةَ .
الأمطارُ المُعَطَّرَةُ
بِرَائِحَةِ الأكْفَانِ حَطَّمَتْ زُجَاجَ القِطَارَاتِ في الفَجْرِ الرَّمَادِيِّ
، وَالحُزْنُ يَأكُلُني حَيًّا بِدَمٍ باردٍ في ليالي الرَّحيلِ الدافئةِ ،
والعاصفةُ تَكْتَشِفُ ضَرِيحَ الغَزَالَةِ بَيْنَ السُّنْبُلَةِ والخَنْجَرِ ،
والرَّصَاصَاتُ في المَزْهَرِيَّاتِ .
جِيلٌ جَدِيدٌ مِنَ
المُقَاتِلِينَ يُريدُ مَحْوَ العَارِ ، واستعادةَ المَجْدِ الضائعِ ، والنَّسْرُ
الرَّمَادِيُّ فَوْقَ تِلالِ الضَّبَابِ يَبْحَثُ عَن الجُثَثِ المُتَحَلِّلَةِ في
أوْعِيَتي الدَّمَوِيَّةِ . سَوْفَ تَحْبَلُ بُحَيْرَةُ المَسَاءِ بِصَفِيرِ
القِطَاراتِ التي تَذهَبُ ولا تَعُود . السَّلامُ على الشَّركَسِيَّاتِ
والبُوسنِيَّاتِ ، وعلى الدُّنْيَا السَّلامُ .
عِشْتُ مَوْتي في حَيَاتي كَيْ
أُؤرِّخَ لِهِجْرَةِ دَمْعِ الصَّبَايا مِنْ مَرَايا المَذبَحَةِ إلى بُوصَلَةِ
الأضْرِحَةِ . ارْحَلْ مِنْ جَسَدِ البَحْرِ يَا مِلْحَ الذكرياتِ ، وَاسْكُنْ في
أوْعِيَتي الدَّمَوِيَّةِ . مَاتَت البُحَيْرَةُ عَلى قَمِيصِ القَمَرِ . والليلُ
وَجَدَ جِلْدِي في الحَدِّ الفَاصِلِ بَيْنَ الجَثَامِينِ واليَاسَمِينِ . سَاعِدْني
يَا وَمِيضَ البَرْقِ كَيْ أبْكِيَ عَلى تِلالِ الطُّفُولَةِ السَّحِيقَةِ . دَخَلْتُ
في جَسَدِ العاصفةِ عاصفةً ، وَصِرْنا جَسَدًا وَاحِدًا . وهاجرت اللبُؤَاتُ مِنْ
جَنَّةِ البُكَاءِ إلى نارِ العِشْقِ ، وَلَنْ يُمْهِلَني القَنَّاصُ كَيْ أزُورَ
ضَرِيحَ الفَرَاشَةِ في ضَبَابِ سَراييفو .
أغُوصُ في ذَاتي بَحْثًا عَنْ
رُفَاتي . مَا هُوَ كائنٌ سَيَكُون ، وكُلُّ آتٍ لا بُدَّ أنْ يأتي ، كأنَّ مَا
مَضَى لَمْ يَكُنْ، والناسُ أشباحٌ سَجِينَةٌ وَحِكَايَاتٌ مَنْسِيَّةٌ وَذِكْرَيَاتٌ
ضَائِعَةٌ. ماذا تُريدُ مِنِّي يا صَوْتَ الرَّعْدِ ؟، دَمِي يَسِيلُ بَيْنَ
الأزهارِ المَعْدِنِيَّةِ والقُبورِ البلاستيكيةِ . مَاذا استفادَ رَمْلُ البَحْرِ
مِنْ نَخِيلِ المَوَانِئِ ؟، مَاذا استفادَ خَنْجَرُ السَّرَابِ مِنْ جَسَدِ الصَّحْرَاءِ
؟ .
حَيَاتي هُدْنَةٌ بَيْنَ
فِرَاشِ المَوْتِ وَثَلَّاجَةِ المَوْتَى . اكتشفتُ ذَاتي في رُفَاتي الذي
يَنْهَمِرُ في أعماقِ عِطْرِ الأيتامِ الغامضِ . وُلِدْتُ بَيْنَ يَاقُوتِ المَشَانقِ
وكَهْرَمَانِ الأمطارِ ، وَفَيْرُوزُ الشُّطآنِ يَسْرِقُ جَثامينَ البَحَّارَةِ ،
وَيَبيعها للقَرَاصِنَةِ ، وَالرُّؤُوسُ المَقطوعةُ في رَقْصَةِ الوَدَاعِ
القاتلةِ ، وَضَوْءُ القَناديلِ في المَآتِمِ لَنْ يُعِيدَ لَمَعَانَ عُيونِ القَتْلَى
، وَحُزْني يَبْحَثُ عَنْ أرواحِ البُوسنِيَّاتِ في مِلْحِ دُمُوعِ المَسَاءِ ، وَمِيلادي
صُدُورُ حُكْمِ إعدامي ، والغريبُ يُفَتِّشُ عَنْ قِيثارةِ الدَّمْعِ التي لَمْ يُحَطِّمْهَا
مَطَرُ الخِرِيفِ . غِيَابٌ مُكْتَمِلُ الحُضُورِ . أهْرُبُ مِنْ قَلْبي كَيْ
أُزَوِّرَ شَهَادَةَ وَفَاتي ، وأزُورَ المَوْتَى المَنْسِيِّينَ في قَفَصِي
الصَّدْرِيِّ . وَنَهْرُ الدُّمُوعِ الحَجَرِيَّةِ سَوْفَ يَكْتَشِفُ أُنوثةَ السَّنَابلِ
في رَمَادِ الخَنَاجِرِ ، عِنْدَمَا تُهَاجِرُ الرَّاهِبَاتُ مِنَ الصَّليبِ المَكْسُورِ
إلى الحَليبِ الأسْوَدِ .
كُرَيَاتُ دَمِي سَنابلُ
مَحصودةٌ بِمَنَاجِلِ المَسَاءِ ، والغَسَقُ يَطْبُخُ عِظَامَ القَتْلَى في
سَنَوَاتِ الرَّصَاصِ ، وَلَمَعَانُ البَرْقِ فَوْقَ تِلالِ البُكَاءِ يَصُبُّ
الحُزْنَ عَلى خُدودِ البُوسنيَّاتِ . لَبُؤَةٌ عَمْيَاءُ تَسْبَحُ في أوْعِيَتي
الدَّمَوِيَّةِ ، وَتَذُوبُ خُدودُ النِّسَاءِ الطَّرِيَّةُ في تُرابِ المَقابرِ
الذهبيِّ .
لَمْ أَجِئْ لأُعَلِّمَ أسماكَ
الاحتضارِ كَيْفَ تَسْبَحُ في عَرَقي . جِئْتُ لأتَعَلَّمَ مِنْ ضَوْءِ الاحتضارِ
كَيْفَ أَنْسِجُ أكفاني بِخُيوطِ الحُبِّ القَدِيمِ . حُكَّامٌ لُصُوصٌ ، وَدُوَلٌ
مَارِقَةٌ ، وَمُجْتَمَعَاتٌ تَتَفَكَّكُ . والتاريخُ عَرِيسٌ مَقْتُولٌ في لَيْلَةِ
عُرْسِ الحَضَارَةِ . رِئَتي مَقْبَرَةٌ مِنْ رُخَامٍ ، تَضُمُّ أحلامَ الطُّفُولَةِ
، وَذِكْرَيَاتِ الحُبِّ الأوَّلِ .
ماتَ الصَّقْرُ في الشَّفَقِ وَحِيدًا
، وَمَاتَتْ مَعَهُ أسْرَارُه ، وَالحَوَاجِزُ العَسْكَرِيَّةُ تُحَاصِرُ شَمْعَ
الأكْفَانِ المُنْطَفِئ . يا بَحْرَ البَنادقِ الباكي ، امْنَح النَّوَارِسَ فُرْصَةً
كَيْ تُفَكِّكَ عُقَدِي النَّفْسِيَّةَ . الذكرياتُ تَنْقُصُ ، والقُبورُ تَزِيدُ
، هَلْ سَقَطَ ضَوْءُ القَمَرِ عَلى جُثَّتي أَمْ سَقَطَتْ جُثَّتي عَلى ضَوْءِ
القَمَرِ ؟ . وَمِيضُ البَرْقِ يَغْسِلُ قُبورَ الغَرِيبَاتِ ، وَصَوْتُ الرَّعْدِ
يَسْقِي عُشْبَ المَقَابِرِ النُّحَاسِيَّ .
غَرِيبٌ بَنَى بَيْتًا لِيَسْكُنَه
، لَكِنَّهُ سَكَنَ القَبْرَ، وصارَ بَيْتُهُ مَهْجُورًا . بَرِيقُ الشَّفَقِ يُنَقِّبُ
عَنْ قَبْري في أجْفَانِ البُوسنيَّاتِ . وَدِمَاءُ البَحْرِ عَلى قَمِيصِ المِينَاءِ
لَنْ يُجَفِّفَهَا دَمْعُ الليالي الباردُ ، وَالنَّوَارِسُ المَذبُوحَةُ هَاجَرَتْ
مِنَ الأماكنِ المَنْسِيَّةِ التي تَعِيشُ في دَاخِلي .
الضَّبَابُ الذَّهَبِيُّ يَغْتَصِبُ
دِمَائي الفِضِّيةَ في المَدينةِ المُحَاصَرَةِ . مِيلادي بِدَايةُ هَدْمِ حَيَاتي
، والعَدُّ التَّنَازُليُّ هُوَ التاريخُ الذي يُحَطِّمُ الحَضَارَةَ . مَا أقْرَبَ
مَأتَمَ الحَضَارَةِ مِنْ عُرْسِ القَرَابين ، وَمَا أبْعَدَ ذاكرةَ التاريخِ عَنْ
حَنَاجِرِ المَشْنُوقين .
الفَجْرُ الرَّمَادِيُّ يَحْفَظُ
أصابعَ القَتْلَى في مُتْحَفِ الرِّياحِ الحَجَرِيَّةِ ، والضَّبَابُ الأُرْجُوَانِيُّ
يُطَهِّرُ دَمَ الضَّحَايا بِدَمْعِ الصَّبَايا . وَدَاعًا أيُّها الصَّقْرُ الحَزِينُ
الذي رَمَى خَنْجَرَ الذكرياتِ في صَفِيرِ القِطَارَاتِ . كَيْفَ يَضْحَكُ الطالبُ
وَهُوَ مَطْلُوب ؟ ، مَاذا تُريدُ مِنِّي يا مِلْحَ الأمواجِ الوَرْدِيَّ ؟ ، دَمِي
تَنَاثَرَ عَلى الأسلاكِ الشائكةِ التي تُحَاصِرُ مَقَابِرَ الكريستالِ في مُدُنِ
الحِصَارِ ، أنا أوَّلُ العَاشِقِينَ المَطْرُودِينَ مِنَ الفِرْدَوْسِ
المَفْقُودِ ، وَآخِرُ المُدَافِعِينَ عَنْ أرشيفِ حُروبِ القَبائلِ . وَمُلُوكُ
الطوائفِ يُوَزِّعُونَ الرَّهَائنَ والغَنائمَ عَلى حُرَّاسِ مَحَاكِمِ
التَّفْتِيشِ .
دَخَلَت أُنوثةُ أشجارِ
المَقابرِ في نَزِيفِ الشُّمُوعِ، لأنَّ الخَرَابَ خَرِيطَةُ العِشْقِ القاتلِ . العَوَاصِفُ
تَعْرِفُ طَعْمَ المِلْحِ في دُمُوعِ المَسَاءِ . ذاكرةُ بَيْتي المَهْجُورِ
أمَامِي ، وَحَيَاتي بَعْدَ مَوْتي ، وَدُودُ الحَضارةِ يَخْرُجُ مِنْ جُروحِ
التاريخِ. جُثَثُ أطفالٍ مُتَحَلِّلَةٌ في ذاكرةِ الغَسَقِ ، وَخُطُوَاتُ اللبُؤَاتِ
عَلى جِلْدِ الضَّبَابِ في الفَجْرِ الرَّمَادِيِّ .
أعْشَقُ الذكرياتِ، والذكرياتُ
تَقْتُلُني ، واحترقتْ سَنابلُ الوداعِ في نَوْبَاتِ اكتئابي ، أنا الضَّحِيَّةُ
التي ضَاعَ قِنَاعُها بَيْنَ الرِّمَاحِ والرِّياحِ . دَخَلَ تاريخُ السَّرَابِ في
حَضَارَةِ الضَّبَابِ ، وكأنَّ مَا كانَ لَمْ يَكُنْ . وَرَّثَني رَمْلُ البَحْرِ
هَزَائِمَه ، وَرَحَلَ إلى نَخْلِ المَوانئِ الباكي . الحَنِينُ إلى أشياء لا تأتي
، وانتظارُ قِطَارَاتٍ ذَهَبَتْ وَلَنْ تَعُود . أعْطَاني الشَّفَقُ مَجْدَه ، وَغَابَ
في حُضورِ الماضي الذي لا يَمْضِي . سَتَظَلُّ الضَّحِيَّةُ كَابُوسَ القاتلِ في
اليَقَظَةِ وَالمَنَامِ. أرْجُوكَ يا وَمِيضَ البَرْقِ فَوْقَ تِلالِ الحُزْنِ البَعِيدَةِ
، احْمِني مِنْ نَفْسِي ، وأنقِذْني مِنْ ضَجِيجِ دَمِي . صَوْتُ الرَّعْدِ يَأكُلُ
لَحْمَ الغُيُومِ المُرَّ ، وَبَرَاري الحُمَّى تَبْحَثُ عَن المَجْدِ الضائعِ في
مَوْسِمِ تَكَاثُرِ الحَشَرَاتِ في هَيْكلي العَظْمِيِّ .
قُتِلَ المُلُوكُ ، وَسَقَطَت
المَمَالِكُ ، والحَزْنُ مَزَّقَ جَسَدَ الراعي ، وَتَفَرَّقَت الأغنامُ ، وانكسرتْ
أحلامُ الطُّفولةِ ، وَنَسِيَ النِّسْيَانُ مَناديلَ الوَداعِ في الغُروبِ . دَمَّرْنا
الحَضَارَةَ عَلى الأرْضِ ، وَذَهَبْنا كَيْ نَبْنِيَ الحَضَارَةَ عَلى المَرِّيخِ
.
أكْفَانٌ مُمَزَّقَةٌ ، وَجُثَثٌ
مُتَحَلِّلَةٌ ، مُلْقَاةٌ في دَوْرَتي الدَّمَوِيَّةِ ، مُلْقَاةٌ في الشَّوارعِ
، مُلْقَاةٌ في الذاكرةِ والذكرياتِ . البُكَاءُ يُمَزِّقُ أمعائي بِخَناجرِ
الذاكرةِ التائهةِ بَيْنَ صَدى الذكرياتِ وَصَدَأ الانقلاباتِ . وَالدَّمُ النُّحَاسِيُّ
يَتَجَمَّدُ في المَسَاءِ الباردِ الذي يُحَاصِرُ الزَّنازينَ البلاستيكيةَ ،
وأحلامُ الطُّفُولَةِ تُوَسِّعُ القُبورَ الضَّيِّقَةَ في مَمَالِكِ الطاعونِ .
أُولَدُ بَعْدَ مَوْتي . عِشْتُ حَياتي في ذاكرةِ الانقراضِ ، وَعِشْتُ انتحاراتي
في ذِكرياتِ الأنقاضِ . لا تَبْكي عَلَيَّ يا قَاتِلَتي ، سَأرْجِعُ بَعْدَ مَوْتي
.
أنا طائرُ الشَّفَقِ المَذبُوحُ
، أرقُصُ مِنَ الألَمِ ، وعَلَيَّ أنْ أُكْمِلَ رَقْصَتي ، كَيْ أُصْبحَ حَاضِرًا
في الغِيَابِ ، وغائبًا في الحُضُورِ ، وَجَسَدِي اكتمالُ الغِيَابِ في الضَّبَابِ
. اختلطت الفُصُولُ في دَمِي الفِضِّيِّ ، وكُلَّما تَجَمَّعَتْ أوراقُ الخَريفِ
في هَيْكَلي العَظْمِيِّ أحْسَسْتُ أنَّ نِهايةَ حُلْمي اقتربتْ ، ونارُ العِشْقِ
أحْرَقَت اللبُؤَةَ كَيْ تُكْمِلَ النَّقْصَ في ذِكْرياتها . وَرْدَةُ الماضي
الذَّهَبِيَّةُ في مُسْتَنْقَعِ الدِّمَاءِ الحَجَرِيَّةِ، وأشِعَّةُ الشَّمْسِ
خَنَاجِر في شُقُوقِ جِلْدِي، وَدَمُ السُّنُونو يَنْتَصِرُ على سَيْفِ الذاكرةِ.
أنا مَلِكُ السَّرَابِ الذي
أضاعَ العَرْشَ بَيْنَ العَصَا السِّحْرِيَّةِ وَالصَّوْلَجَانِ المَكْسُورِ .
أشِعَّةُ القَمَرِ تَسْرِقُ عَرَقَ الأمواتِ وأصابعَ القَتْلَى، وحَضارةُ
القَرَابينِ تَتكاثرُ في تاريخِ الأوهامِ الذي صارَ كَبْشَ فِدَاءٍ ،
والمَحْرَقَةُ هِيَ طَرِيقُ التَّطَهُّرِ ، وانكَسَرَ صَوْتُ الكَمَانِ الحَزِينِ
في لَيْلِ القِطَاراتِ الأخضرِ ، وأكفاني تُغَطِّي جُثَّةَ النَّهْرِ العَارِيَةَ
، وَأخْشَابُ التَّوَابيتِ خَرَائِطُ تائهةٌ بَيْنَ الدَّمِ وَالعِطْرِ في المَدِينَةِ
المُحَاصَرَةِ ، والطُّغَاةُ هُمُ الدُّمَى في مَسْرَحِ العَرائسِ ، يُحَرِّكُهَا
الغُزَاةُ مِنْ وَراءِ السِّتَارِ .
أعِيشُ دَاخِلَ نَفْسِي كَيْ أُحَاصِرَ
الحِكَايَاتِ التي تُحَاصِرُني ، وَجُثْمَاني حَاجِزٌ عَسْكَرِيٌّ بَيْنَ صَوْتِ
المَطَرِ وَصُرَاخِ الأطفالِ . جُثَثٌ بِلا رُؤوسٍ ، وَرُؤُوسٌ بِلا أجسادٍ ، والتاريخُ
لَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا كَيْ يَحْضُرَ جِنَازَةَ الحَضَارَةِ . امْنَحْني
فُرْصَةً أيُّها الإعصارُ كَيْ أحْرُثَ بَحْرَ الدُّمُوعِ بأظافري . خَرَجْتُ مِنَ
المَوْتِ كَيْ أُعِيدَ الحَياةَ للأمْوَاتِ ، وَالصَّقْرُ يَبْكي عَلى اليَمَامَةِ
في ضَبَابِ الفَجْرِ الرَّمَادِيِّ ، وكأنَّ السَّجِينَ لا يَعِيشُ حَيَاتَه ،
بَلْ يَعِيشُ حَيَاةَ سَجَّانِه .
أنا الخائفُ ، لكنَّني
خَسِرْتُ خَوْفي ، وَقَسَمْتُ ظِلِّي رُمْحَيْن . فَقَدَ السَّاحِرُ سِحْرَهُ
بَيْنَ الحُلولِ السِّحْرِيَّةِ والأحلامِ الوَرْدِيَّةِ . أطفالُ البُحَيْرَةِ
يَلْعَبُونَ في جِنَازَةِ النَّهْرِ تَحْتَ ظِلالِ المَوْتِ الخَضْرَاءِ ، وَصَدَأُ
حَدِيدِ بَوَّابَاتِ الأدْيِرَةِ يَخْتَلِطُ بِحَليبِ الرَّاهباتِ المُغْتَصَبَاتِ
. كُلَّما انتشرَ المَوْتُ في مُدُنِ الفَرَاغِ ارتَدَى عِطْرُ الليلِ أكفانَ
المَطَرِ الجِلْدِيَّة . الطُّوفَانُ في جِلْدِي ، والطُّوفَانُ خارجَ حُدودِ
مَمْلَكتي ، كَيْفَ يُنْقِذُ الغَرِيقُ الغَرِيقَ ؟ . الأغنامُ تُسَاقُ إلى
مَسْلَخِ الحَضَارَةِ بِلا تاريخِ مِيلادٍ ولا شَهَادَةِ وَفَاةٍ ، وَطُقُوسُ
الدَّفْنِ أكثرُ أهميةً مِنْ شَخْصِيَّةِ المَيْتِ ، لأنَّ الهُوِيَّةَ هِيَ
الهاويةُ .
أيُّها الشَّفَقُ الباكي ،
عَلِّمْني أسرارَ الأبْجَدِيَّةِ كَيْ أُفْلِتَ مِنْ سِحْرِ الغَزَالَةِ . جُثَثٌ
عَلى شُطآنِ الخَلاصِ ، والأشلاءُ مُمَزَّقَةٌ في أغاني البارودِ . لا طَرِيقٌ إلا
المَتَاهَة ، ولا طَرَيَقَةٌ إلا الطَّرِيق . والاحتضارُ ذَاكرةٌ تَقُودُ انقلابًا
عَسْكَرِيًّا ضِدَّ الذكرياتِ ، وَجَسَدُ العاصفةِ غِرْبَالٌ مِنْ أثَرِ الرَّصَاصِ
.
المَنْبُوذُ بَنَى قَبْرًا ، وَلَنْ
يُدْفَنَ فِيهِ أبدًا ، وَالإعْصَارُ مُؤرِّخٌ لِمَوْسِمِ تَزَاوُجِ الشُّطْآنِ في
مَسَامِيرِ نَعْشِي . نُعْلِنُ بَدْءَ قِيَامَتِنَا الخُصُوصِيَّةِ ، وَنِهَايَةُ
فَلْسَفَةِ التاريخِ هِيَ بِدايةُ أرشيفِ القَرَابين . سَيَغْرَقُ الرُّبَّانُ مَعَ
السَّفِينَةِ التي أَحَبَّهَا . رِحَلَةُ رُفَاتي مِنَ التَّعْبيرِ عَنْ ذَاتي إلى
مَحْوِ ذَاتي . وَهَدِيرُ أمْوَاجِ بَحْرِ الدُّمُوعِ يَحْفِرُ قُبُورَ الأيتامِ
في خُدودِ البُوسنيَّاتِ .
أُنقِذُ أحزانَ الطُّفولةِ
مِنْ بَريقِ الشَّفَقِ ، كَيْ يُنْقِذَني الشَّفَقُ مِنْ نَفْسِي . دَمِي يَحْتَفِلُ
بِذِكْرَى زَوَاجِهِ مِنْ فَراشةِ الزِّنزانةِ في هَيْكَلي العَظْمِيِّ ، وَعَرَقُ
الغَزَالاتِ أخْضَرُ عَلى أصابعِ القَتْلَى . وُلِدْتُ في يَوْمِ مَوْتي ، والعَصافيرُ
المَشنوقةُ تَبْحَثُ عَنْ مِلْحِ دُموعِ النِّسَاءِ عَلى زُجَاجِ القِطَارَاتِ
التي تَذْهَبُ ولا تَعُود ، وَعِطْرُ اللبُؤَةِ يَقُودُ عَاشِقَها في مَمَرَّاتِ
الصَّقِيعِ المُعْتِمَةِ .
إذا قُتِلْتُ فَتَذَكَّرُوا أنَّ
لِي اسْمًا وأحلامًا ، وَلَسْتُ رَقْمًا مَنْسِيًّا في أرشيفِ القَرَابين . لا
وَقْتَ للحِدَادِ ، أَسْرِقُ نَفْسِي مِنَ الوَقْتِ ، كَيْ أَدْفِنَ القَتْلَى خَارِجَ
الزَّمَنِ . وَرَمَادُ الأزهارِ الذابلةِ صارَ حَاجِزًا عَسْكَرِيًّا بَيْنَ مَا
كانَ وَمَا هُوَ كائنٌ ، والمُسْتَقْبَلُ ذَهَبَ إلى الدِّمَاءِ الصَّخْرِيَّةِ ،
والماضي سَيَأتي مِنَ اللامَكَانِ ، والماضي لا يَمْضِي ، والغِيَابُ لا يَغِيبُ، والزَّوَالُ
لا يَزُول .
الصَّقِيعُ الأسْوَدُ يَنتظرُ
الغَريبَ ، وأسرارُ الغَسَقِ ذَابَتْ في بَرِيقِ عُيونِ البُوسنيَّاتِ الحَزِيناتِ
، وَبُحَيْرَةُ المَسَاءِ هُدْنَةٌ بَيْنَ الرُّؤُوسِ المَقطوعةِ وَطَعَنَاتِ
الرِّمَاحِ.أبْني ضَريحي وَرْدَةً وَرْدَةً في اللامَكَانِ، لكنَّ الزَّمَانَ
يَهْدِمُني وَيَهْدِمُ ضَريحي . وَالأيْقُونَةُ انكَسَرَتْ ، لكنَّ الأُسْطُورَةَ
اكْتَمَلَتْ ، والفَراشةُ باحتْ بأسرارِها لِضَبَابِ الفَجْرِ قَبْلَ احتراقِها في
زَفيري .
في أعماقِ الطُّفُولةِ المَنْسِيَّةِ
، يَركُضُ العُصْفُورُ المَذبوحُ وَراءَ الجِنازةِ الغامضةِ في الضَّبَابِ الجارحِ
، والمَسَاءُ الزَّهْرِيُّ يُوَزِّعُ أكْفَانَ السُّنُونو عَلى عَرَبَاتِ قِطَارِ
الحَضَارَةِ الوَهْمِيَّةِ. انتشالُ جُثَثِ الضَّحَايا ، وَدَبابيسُ الفَجْرِ الزُّمُرُّدِيِّ
تَنْهَمِرُ عَلى جِلْدِي الثاني . سَأُزَوِّجُ الأميراتِ السَّبَايا للمُلُوكِ
النَّخَّاسِين ، وَنَحْتَفِلُ بالوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ بَعْدَ ضَياعِ الوَطَنِ ،
وتاريخُ الضَّحَايا يَحْمِلُ جُرثومةَ الحَضَارَةِ في دَمِهِ الحَجَرِيِّ . أنامُ
معَ جُثَّةِ التاريخِ في سَريرِ الحَضارةِ ، وَالمُسَدَّسُ تَحْتَ الوِسَادَةِ المُزَيَّنَةِ
بِدُخَانِ القَرَابين . كُلُّ شَيْءٍ يَتَوَهَّجُ في جَسَدِ الزَّوْبَعَةِ إلا أنا
، وتاريخي هُوَ الانطفاءُ .
أنا سَعِيدٌ لأنَّني فَشِلْتُ
في الحُبِّ مُبَكِّرًا ، كَيْ أُغْلِقَ هَذا البابَ إلى الأبَدِ . أنا جُثَّةٌ هَامِدَةٌ
، لكنَّني انْبَعَثْتُ مِنْ رَمَادِي ، وأنا ذاهبٌ إلى حَيَاتي لأنَّني عُدْتُ مِنَ
المَوْتِ . حَمَلْتُ جُثماني عَلى ظَهْري ، وَذَهَبْتُ إلى أرشيفِ القَرابينِ بِلا
تاريخٍ ولا حَضارةٍ . أنا مَلِكُ الأنقاضِ المَخْلُوعُ ، لا دَوْلَةٌ وَرائي ، ولا
عَرْشٌ أمَامِي .
جَسَدِي ضَرِيحٌ غَامِضٌ بِلا
شَاهِدٍ ولا رُخَامٍ. الألَمُ المُنْدَسُّ ، والحُزْنُ المَارِقُ ، والحُلْمُ
المُنْشَقُّ. والنَّهْرُ سَيَرتدي قَمِيصَ البَحْرِ بَعْدَ اغْتِيَالِه ،
والبُحَيْرَةُ سَتَجْلِسُ عَلى عَرْشِ البَحْرِ. كُلَّما انتهت اللعبةُ في
اللامَكَانِ بَدَأتْ في اللازَمَانِ ، وأحلامُ الطُّفُولَةِ رَصَاصٌ يَذُوبُ في
نارِ الحُبِّ الضائعِ ، وانكَسَرَ عِطْرُ الغَزالةِ بَيْنَ عَصَا السَّاحِرِ
وَقُبَّعَةِ المُهَرِّجِ ، وَمَناديلُ الوَداعِ مِلْحٌ يَتَبَخَّرُ في مَطَرِ لَيالي
الخَرِيفِ.
جُثَثٌ تَحْتَ الأنقاضِ ،
وكُلُّنا نَنْتَظِرُ المَوْتَ في طَابُورِ الحَضَارَةِ المُنْقَرِضَةِ .
والقَنَّاصُ لَمْ يَمْنَحْني فُرْصَةً كَيْ أَجْمَعَ مِلْحَ دُمُوعِ
البُوسنِيَّاتِ في ضَبابِ سَراييفو ، والأطفالُ يَشْتَاقُونَ
إلى بُيُوتِهِمْ وألعابِهِم وَضَحِكَاتِ أُمَّهَاتِهِم وأصْدِقَائِهِم الذينَ
قَضَوْا في الحَرْبِ ، والشَّفَقُ يأكُلُ لَحْمَ اللبُؤَةِ السَّابِحَةِ في
لَمَعَانِ أظافري . كُن المِلْحَ الغَامِضَ
في دَمْعِ العَصَافيرِ الذي يَجْرَحُ لَمَعَانَ زُجَاجِ القِطَارَاتِ،
كأنَّ الغَرِيبَ دَرَسَ الرِّياضِيَّاتِ لِيَحْسُبَ عَدَدَ الجُثَثِ والضَّحَايا
والمَجَازِرِ .
127
دَعَاني أبي الرُّوحِيُّ الشَّيْخُ الأميرُ
القائدُ أبو حَمْزة الجزائري إلى اجتماع . كُنْتُ في غايةِ السَّعادةِ ، لأنَّ هذا
اعترافٌ بِي ، وإقرارٌ بِدَوْرِي في حربِ البُوسنةِ ، معَ أنَّني ضعيفٌ وعاجزٌ ،
ولَمْ أُشاركْ في أيَّة مَعركة . سَمَّيْتُ نَفْسي القائدَ الكَشْميري ، وارتديتُ
ملابس عسكرية ، وَوَضَعْتُ عِدَّةَ أوسمة صَدِئة ، وكُنْتُ أتحدَّث أمام الناسِ
والمُراسِلين الصحفيين باللغةِ الإنجليزيةِ ، مِمَّا جَعَلَهُم يَعْتقدون أنَّني
قائدُ الجِهَادِ العالميُّ ، ومُحرِّرُ البُوسنةِ مِنَ الغَزْوِ الصِّرْبيِّ . كُنْتُ
ماهرًا في الكَذِبِ واختراعِ الخَيَالاتِ والأوهامِ مُنْذُ صِغَري . قَدَّمْتُ
نَفْسِي قائدَ المَنطقة الشَّمالية ، ثُمَّ قَدَّمْتُ نَفْسي قائدَ المَنطقةِ
الجنوبية ، وَنَصَحْتُ النِّسَاءَ والأطفالَ وكِبَارَ السِّنِّ بأنْ لا يَقْلقوا
نِهائيًّا ، فأنا القائدُ الكَشْميريُّ الذي يَضَعُ الخُطَطَ العَسكرية للقُوَّاتِ
البُوسنيَّة ، وَيَرْسُم الطريقَ للمُقَاتِلِين العَرَبِ .
والنِّسَاءُ والأطفالُ وَكِبَارُ السِّنِّ
الذين كُنْتُ أحْمِيهم بِمُسَدَّسِي الذي لَمْ أستعمله ، أوْ خُيِّلَ إلَيَّ
أنَّني أحْمِيهم ، كانوا يُنادونني " القائد الكَشْميري " ، وأنا لا
أعرفُ أيْنَ تَقَعُ كَشْمير على الخريطة ، ولا أعرفُ خريطةَ البُوسنةِ ، ولكنْ
كَما يُقَال في الأمثال : " صِيت الغِنى ولا صِيت الفَقْر " .
أنا الجُنديُّ الذي لَمْ يَعرف قَسوةَ
الحربِ إلا مِنْ بَعيدٍ ، الذي يَخْتبئ خَلْفَ جِدَارِ الخَوْفِ والارتباكِ ، الذي
تتثاقلُ رِجْلاه عِنْدَ مُجرَّد فِكرةِ الاقترابِ مِنَ المَعركة . أنا الذي لا
يَملِك مِنَ الشَّجاعةِ إلا اسْمًا على وَرَقٍ ، والجُرأةُ لَدَيَّ هِيَ وَهْمٌ
يتناثرُ معَ كُلِّ نَفَسٍ يَمْلأ صَدْري . كُلُّ مَا فِيَّ مِنْ قُوَّةٍ يَنطفئ
أمامَ صَهيلِ البَنادقِ وَصَرَخَاتِ الجُنودِ . جَسَدي غَيْرُ صالحٍ للقِتال ،
كَطَائرٍ مَكسورِ الجِنَاحِ يُحاولُ الطَّيَرَانَ فَوْقَ سَاحةِ مَعركةٍ لا
تَرْحَم .
لكنْ في أعماقي ، حَيْثُ لا يَصِلُ
الدُّخَانُ ولا صَدى الصواريخ ، أعيشُ حَياةً أُخْرَى . حَياة أكتبُ فِيها مَلاحِم
لَمْ تَحْدُثْ ، وَأقتحمُ فِيها حُصُونًا لَمْ تُبْنَ بَعْد ، وَأنتصرُ على أعداء
مِنْ وَحْيِ خَيَالي . أنا دون كيشوت الذي يَرفعُ رُمْحَه في مُواجَهةِ طَواحينِ
الهَواءِ ، الذي يُقَاتِلُ الرياحَ كما لَوْ كانتْ عَدُوًّا لا يَرْحَم ، الذي
يَبتكرُ بُطولاتٍ وَهمية ، لا لِشَيْءٍ إلا لِيَشْعُرَ بأنَّ له قِيمة ، وأنَّه
لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا في هذا العَالَمِ .
أحْلُمُ بِمَعارك تُخلِّد اسْمِي ، بِمُدُنٍ
تَذكُر إنجازاتي ، بِبُطولاتٍ تَجْعَل قَلْبي يَتَّسِعُ رَغْمَ كُلِّ العَجْزِ
الذي يَلْتَفُّ حَوْلي . أضحكُ أحيانًا بِصَمْتٍ عَلى سَخَافَةِ نَفْسي ، على هَذا
الجُنونِ الجَميلِ الذي يُلوِّن أيَّامي الرَّمادية ، لكنَّني أحتاجُ إلَيْه كما
يَحتاجُ العَطْشانُ إلى الماء ، كما يَحتاجُ المَقهورُ إلى أمَلٍ ، حتى لَوْ كانَ
مُصْطَنَعًا .
أعيشُ بَيْنَ فَشَلٍ حقيقيٍّ وأحلامٍ وَهمية
، بَيْنَ جَسَدٍ عاجزٍ ورُوحٍ تَرفضُ الاستسلامَ . أحيانًا ، أشعرُ بالذَّنْبِ ،
وأتساءل: هَلْ مِنْ حَقِّي أنْ أحْلُمَ بالبُطولةِ بَيْنَما يُعاني آخَرُون
ويَنْزِفُون في الصُّفُوفِ الأمامية؟. أُجِيبُ نَفْسي:إنْ لَمْ أَحْلُمْ، فَإنَّ
قَلْبي سَيَمُوت،وأُصْبح ظِلًّا بِلا قِصَّةٍ ولا صَدى ولا حَياة.
هكذا أُمْضِي أيَّامي ، جُنْدِيًّا
وَهْمِيًّا وضَعيفًا وعاجزًا وبائسًا ، وأسِيرًا بَيْنَ الواقعِ القاسي والخَيَالِ
المُلَوَّنِ . أخْتَلِقُ انتصاراتٍ لِتَخفيفِ مَرارةِ هَزائمي ، وأصْنَعُ بُطولاتٍ
كَيْ أُصدِّق أنَّ لِي قِيمة وأهمية. رُبَّما العَالَم لَنْ يَعْرِفَني ،
وَرُبَّما لَنْ يَعْرِفَ أحدٌ أنَّ هُناك مَنْ يَرفعُ رُمْحَه في مُواجَهةِ
طَواحينِ الهَواءِ ، لكنَّني سَأظَلُّ أُقَاتِلُ في مُخَيِّلتي ، حتى آخِرِ نَفَسٍ
وآخِرِ وَهْمٍ .
أنا شَبَحٌ يَمْشِي بَيْنَ الخِيَامِ ،
وَظِلٌّ لا يُرى إلا إذا اعترضَ الضَّوْءُ طَريقَه صُدفةً . جَسَدِي نَحِيلٌ
كَغُصْنٍ كُسِرَ قَبْلَ أنْ يَشْتَدَّ عُودُه ، وَيَدَايَ تَرتجفان كأنَّ الحربَ
تَسْكنهما ، وَلَيْسَتْ في الخارج . لَمْ أكُنْ فارسًا ، ولا رَامِيًا ، ولا
حَتَّى حَامِل سَيْفٍ صالحٍ للرَّفْع . أنا جُنْدِيٌّ بالاسْمِ فَقَط ، أرتدي
الزِّيَّ كَمَنْ يَرتدي قِناعًا أكبرَ مِنْ وَجْهِه ، وأحْمِلُ الرَّقْمَ كَمَنْ
يَحمِل وَصَمْةً لا شَرَفًا .
حِينَ نَادَوا اسْمِي لَمْ أُصَدِّقْ في
البِداية . حَسِبْتُ الصَّوْتَ قَدْ ضَلَّ طَريقَه ، أوْ أنَّ الريح تَعبثُ
بِحَوَاسِّ الحُرَّاسِ . اسْمِي ؟ ، أنا ؟ ، ذلك الذي لَمْ يَخْرُجْ يَوْمًا إلى
سَاحةِ مَعركةٍ ، وَلَمْ يُخْتَبَرْ نَبْضُهُ تَحْتَ ضَجيجِ المَدافعِ ولا صُراخِ
الحَديدِ ، ذلك الذي كانت الحربُ تَمُرُّ مِنْ حَوْلِه كما يَمُرُّ السَّيْلُ
حَوْلَ حَجَرٍ صغيرٍ مَغروسٍ في الطِّينِ. قالوا : (( القائدُ يَدْعُوكَ إلى
اجتماع )). في تِلْكَ اللحْظة ، لَمْ أسمعْ بَقِيَّةَ العَالَمِ . تَكَسَّرَ
الضَّجِيجُ مِنْ حَوْلي ، وسكتت الطُّبول ، وَخَفَتَت الأوامر ، وَبَقِيتُ وَحْدي
معَ جُملةٍ واحدةٍ تَتردَّد في صَدْري كَضَرْبَةِ قَلْبٍ غَيْرِ مُنْتَظَمَةٍ :
دَعْوَة ، اجتماع ، القائد .
لَمْ تَكُنْ فَرْحتي صَافِيَةً ، كانتْ
مُرتبِكةً ، وخائفةً ، تُشبِه دَمْعَةً لا تَعرِف إنْ كانتْ سَتَسْقُطُ حُزْنًا
أَمْ دَهْشَةً . لكنَّني رَغْمَ ذلك أحْسَسْتُ بِشَيْءٍ يُشبِه الارتفاعَ ، كأنَّ
ظَهْري انتصبَ لأوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ جِئْتُ إلى هذا المكان . أخيرًا ، هُناك
مَنْ رَآني . أخيرًا ، لَمْ أكُنْ مُجرَّد فَراغٍ يَمْلأ الصُّفُوفَ .
سِرْتُ نَحْوَ المَوْعِدِ بِخُطُواتٍ
مُتَرَدِّدَة ، وكُلُّ خُطْوَةٍ كانتْ سُؤالًا . لِمَاذا أنا ؟، ماذا يُريدُ
مِنِّي ؟، هَلْ اكتشفَ عَجْزي ؟ ، هَلْ جاءَ وقتُ انكشافي ؟ . أَجُرُّ ضَعْفي
خَلْفي كَظِلٍّ ثقيلٍ ، وأُحَاوِلُ أنْ أبْدُوَ مُستقيمًا بَيْنَما دَاخِلي
مُنْحَنٍ مُنْذُ زَمَنٍ طويل .
في عُمْقِ الخَوْفِ ، كانَ هُناك نُورٌ
صغيرٌ وعَنيدٌ ، يَرفضُ أنْ يَنطفئ . قُلْتُ في نَفْسِي : (( لَعَلَّ هذا اعتراف،
لعلَّ هُناك دَوْرًا لا يَحتاجُ إلى قُوَّةِ الذِّراعِ ، ولا إلى ثَبَاتِ الساق ،
لعلَّ الحربَ لَيْسَتْ فَقَط بَنادق تُرفَع،بَلْ هِيَ أيضًا قُلوبٌ تُحصَى،وأرواحٌ
تُسْتَدْعَى، كَيْ لا تَنهارَ الجُدْرانُ مِنَ الداخلِ)).
تَذَكَّرْتُ لَيَالِيَّ الطويلة ، حِينَ
كُنْتُ أُرَاقِبُ النارَ وَهِيَ تأكلُ الحَطَبَ بِبُطْء ، وأظُنُّ أنَّني
أُشْبِهُه : وَقُودٌ صامتٌ ، لا يُصفِّق له أحد ، لكنَّه يَحفظُ الدِّفْءَ .
تَذَكَّرْتُ نَظَرَاتِ الازدراءِ ، والهَمَسَاتِ ، والضَّحِكَاتِ المَكبوتة حِينَ
أَمُرُّ . كُلُّ ذلك كانَ يَقِفُ خَلْفي الآن ، يَدْفعني إلى الأمام ، كأنَّه
يَقُول: امْضِ، وَلَوْ مَرَّة واحدة ، دُون أنْ تَخْتبئ .
قَبْلَ أنْ أصِلَ ، توقفتُ لَحْظَةً ،
تَنَفَّسْتُ بِعُمْقٍ ، كأنَّني أستجمعُ شَتاتَ رَجُلٍ لَمْ يُمْنَحْ فُرصة أنْ
يَكُون رَجُلًا.قُلْتُ لِنَفْسي: (( حتى لَوْ كانَ هذا الاجتماع خطأ، حتى لَوْ كان
استدعاءً عابرًا، يَكْفيني أنَّني سِرْتُ إلَيْه مَرفوعَ الرأس، يَكْفيني أنَّ
قَلْبي ، هذا القَلْب البائس ، خَفَقَ لأنَّه شَعَرَ بأنَّه مَرْئيٌّ )) .
أنا الضعيفُ العاجزُ الذي لَمْ تَتَلَوَّنْ
يَدَاه بِدَمٍ ولا مَجْدٍ . أنا الذي خافَ مِنَ المَعركة ، لكنَّه لَمْ يَكُف عَن
الحُلْمِ بأنْ يَكُون له مَكان في الحِكاية . واليَوْمَ ، قَبْلَ أنْ أفتحَ بابَ
الاجتماعِ ، كُنْتُ أعيشُ أعظمَ مَعاركي : مَعركة أنْ أُصدِّق وَلَوْ لِلَحْظَةٍ
أنَّ وُجودي لَمْ يَكُنْ خَطأ .
الْتَقَيْتُ معَ الأمير " أبو حمزة
الجزائري " في مَدرسةٍ مَهجورة تَعَرَّضَ جُزْءٌ مِنها لِقَصْفٍ صِرْبيٍّ
عَنيف . اقتربَ مِنِّي ، وَرَبَّتَ عَلى كَتِفَيَّ ، وقالَ بِنَبْرَةٍ جادَّة :
_ هُناك يا كَشْميري شَيْءٌ في غاية الأهمية
، أُريدُ أنْ أطرحه عَلَيْكَ ، وأنتَ تَعرِف أنَّني حَريصٌ على مَصْلحتك ،
وَيَهُمُّني أمْرُك .
طِرْتُ مِنَ السَّعادةِ لأنَّه خَاطَبَني
" يا كَشْميري " ، هذا يدلُّ على اعترافه بأنَّني القائدُ الكَشْميري
كما سَمَّيْتُ نَفْسِي . وبصراحة ، لا أعْرِفُ هَلْ ناداني بهذا الاسمِ سُخْريةً
مِنِّي ، واستهزاءً بِي ، أَمْ أنَّه أرادَ رَفْعَ مَعْنوياتي وتَشْجيعي والإشادة
بشجاعتي الوَهميةِ وإنجازاتي الخَيَالِيَّة .
قُلْتُ لَهُ بِلَهْجَةٍ قوية بَعْدَ أن
استعدتُ ثِقَتي بِنَفْسِي ، وارتفعتْ مَعْنوياتي ، وَصِرْتُ أعتبرُ نَفْسِي
رَجُلًا حقيقيًّا وقائدًا عَسكريًّا ، حتى لَوْ كانتْ أوهامَ مُرَاهَقَةٍ وَأحلامَ
يَقَظَةٍ :
_ حضرة القائد والأمير أبو حَمْزة الجزائري
، أنا جُنْدي تَحْتَ قِيادتك ، وطَلباتك أوامر .
_ هُناك أُمٌّ بُوسنيَّة وابنتها
تَعَرَّضَتَا للاغتصابِ على أيدي الجُنودِ الصِّرْبِ المُجْرِمِين ، وأنا أُريدُ
أنْ أتزوَّج الأُمَّ ، وأنتَ تَتَزَوَّج ابْنَتَهَا .
نَزَلَتْ على رأسي صاعقةٌ، ودارتْ بِيَ
الأرضُ، وَجَحَظَتْ عَيْنَاي، وَجَفَّ حَلْقي، وانْعَقَدَ لِسَاني ، وَعَجَزْتُ
عَن الكلام. وَقَفْتُ مِثْلَ المَسْطُولِ أو السَّكْرَانِ مِنْ شِدَّةِ
الصَّدْمَةِ، وعُنْصُرُ المُفاجأةِ قَاتِلٌ.
وَبَعْدَ مُدَّةٍ زَمنية ، جَاءَتْني
قُوَّةٌ غَيْرُ طبيعية كأنَّها حَلاوةُ الرُّوح ، أوْ نَشْوَةُ شخصٍ في حالةِ
الاحتضارِ . قُلْتُ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ وكأنَّني أُلْقِي قُنبلةً بِلا تفكير :
_ يا شيخ جزائري ، نَحْنُ جِئْنَا كَيْ
نُقَاتِلَ الصِّرْبَ ، ونُحرِّر البُوسنةَ ، وَلَيْسَ مِنْ أجلِ الزَّواجِ مِنَ
البُوسنيَّات الجميلات ، لِمَاذا لَمْ
تُقَاتِلْ في الصُّومالِ وتَتزوَّج صُوماليَّة ؟ .
ابتسمَ الشَّيْخُ الجزائري ، وقالَ
وَهُوَ يُحاول كِتمانَ ضحكته :
_ أنتَ مَا زِلْتَ شابًّا
صغيرًا ومُبتدئًا وقليل الخِبْرة في الحَياة . عِندَما كُنْتُ أُقَاتِلُ في
أفغانستان كُنْتُ مُتَزَوِّجًا مِنْ أربع نِساء أفغانيات ، ولكنَّهن قُتِلْنَ في
غارةٍ جَوِّية للطَّيَرَانِ السُّوفييتي المُلْحِدِ .
وأردفَ قائلًا :
_ لَنْ أُجْبِرَكَ على شَيْء، ولكنْ إذا
كُنْتَ فِعْلًا القائد الكَشْميري كَما تُسمِّي نَفْسَكَ،فهذا يَعْني أنَّك رَجُل
قوي،وقائد كبير،ولا يَنبغي أنْ تَظَلَّ بِلا زَواجٍ،أمَّا إذا كُنْتَ شابًّا
ضعيفًا ومُراهِقًا فلا تَتَزَوَّجْ.
فارَ الدَّمُ في عُروقي،
وَسَيْطَرَ عَلَيَّ الحَمَاسُ بِلا عَقْلانية ، وقُلْتُ بِسَذَاجَةٍ مَمزوجةٍ
بالتَّهَوُّرِ :
_ أنا رَجُلٌ في زَمَنٍ عَزَّ
فيهِ الرِّجالُ ، والنِّسَاءُ والأطفالُ يُنادونني بالقائدِ الكَشْميري ، ولا
أخافُ مِنَ الزَّوَاجِ ، وأنا قادرٌ على الزَّوَاجِ مِنْ أربع زَوجات بُوسنيَّات
في نَفْسِ الليلةِ إذا كانَ مَسموحًا هُنا بِتَعَدُّدِ الزَّوجات ، وليكن
الزَّواجُ في أسرع وقت مُمكِن .
لا أدْرِي كَيْفَ تَلَفَّظْتُ
بهذا الكلام . ولكنَّني تَذَكَّرْتُ الحِكمةَ القائلة : " لِسَانُ العاقلِ
وَراءَ قَلْبِه ، وقلبُ الأحمقُ وَراءَ لِسَانِه " . العاقلُ يُفَكِّرُ
مَلِيًّا قَبْلَ أنْ يَتكلَّم ، فَيَكُون لِسَانُه تابعًا لِقَلْبِه وعَقْلِه ،
بَيْنَما الأحْمَق يَتسرَّع في الكلامِ دُون تفكير ، فَيَنْدَم لاحقًا ، فَيَكُون
لِسَانُه سابقًا لِقَلْبِه .
فِعْلًا ، إنَّني أحْمَق ،
سَأفْضَحُ نَفْسي بِنَفْسي . أنا عَاجِزٌ
جِنْسِيًّا ، وَفَاشِلٌ اجتماعيًّا ، وَمَرِيضٌ نَفْسِيًّا ، ماذا سَيَكُون مَوقفي أمامَ المُقَاتِلِين العَرَبِ
والجُنودِ البُوسنيين عِندَما يَعرِفون أنَّني عاجزٌ جِنْسِيًّا لا أصْلُحُ
للزَّوَاجِ ؟ . أنا فاشلٌ في الحُبِّ ، وفاشلٌ في الحرب . ألا يَكْفي أنَّني ضعيفٌ
لا أصْلُح للمَعاركِ والحُروبِ ؟ . سَتَكُون فَضِيحتي على كُلِّ لِسَانٍ ، وأُسِيء
إلى صُورتي ، وأُحطِّم الهالةَ التي رَسَمْتُها حَوْلَ نَفْسي باعتباري قائدًا
عَسكريًّا أضعُ الخُطَطَ العَسكرية للمُقَاتِلِين والجُنود. لَقَدْ وَرَّطَني
الجزائري في هذه الزِّيجة، ولا أعْرِفُ لماذا اختارني أنا بالذات مِنْ بَيْنِ
جَمِيعِ المُقَاتِلِين.
بَعْدَ مَقْتَلِ أبي في
الانقلابِ العَسكريِّ ، وَوَضْعِ عائلتي تحت الإقامةِ الجَبْريةِ ، ولا أعْرِفُ
مَصيرَها ، لَمْ يَعُدْ لَدَيَّ أحدٌ ، أنا وَحيدٌ في وَحْدَةِ العَالَمِ . لا
أُريدُ أنْ أمُوت وحيدًا ، ويَنقطع ذِكْري مِنَ الوُجودِ . أُحِبُّ أنْ تَكُون لِي
زَوْجَة ، ولكنَّ المُشكلة أنَّني عاجزٌ جِنسيًّا ، وأخشى أنْ يَعْرِفَ الناسُ
سِرِّي ، وتُصْبح فضيحتي في جَلاجِل . لَوْ لَمْ أكُنْ عاجزًا جِنْسِيًّا كَيْفَ
سَتَكُون حَياتي ؟ ، كَيْفَ سَيَكُون مَسَارُ تاريخي ؟ ، هَلْ سَيَعترفُ بِيَ
التاريخُ ؟ ، هَلْ سَتَعترفُ الشمسُ بِوُجودي على هذه الأرض ؟ . كَمْ تَمَنَّيْتُ
لَوْ كُنْتُ رَجُلًا رائعًا مُفْعَمًا بالحَيَوِيَّةِ والنَّشَاطِ ، كَمْ
تَمَنَّيْتُ لَوْ كانَ أبي رَجُلًا طَيِّبًا وصالحًا على قَيْدِ الحَياةِ
لِيَعْرِفَ أنَّني رَجُلٌ ناجحٌ ، وَلَسْتُ فاشلًا . لَقَدْ دَمَّرْتُ نَفْسِي
بِنَفْسِي ، وَدَمَّرَ أبي كُلَّ شَيْءٍ جَمِيلٍ في حَياتي ، وَقَضَى عَلَيَّ
حَيًّا وَمَيْتًا . عِشْتُ مُجَلَّلًا بالخِزْيِ والعارِ والذُّلِّ ، وَسَأمُوتُ
كذلك .
لا أدْرِي كَيْفَ تَمَّتْ الزِّيجتان،
كأنَّني في حُلْمٍ أوْ غَيْبُوبةٍ . ذَهَبَ الشَّيْخُ الجزائري إلى زَوجته ،
وذهبتُ إلى زَوْجتي ( ابنتها ). وَجَدْتُ نَفْسي في لَيلةِ الدُّخْلَةِ وَجْهًا
لِوَجْهٍ معَ زَوْجتي . هَذا الكابوسُ الذي هَرَبْتُ مِنْهُ طِيلةَ حَياتي ، أنا
الآنَ أعيشُ في داخله . اسْمُها سانيا ، قَامَتُها مُتوسطة ، وَبُنْيتها رشيقة
ومُتناسقة ، وَبَشَرَتها بَيضاء فاتحة ، وعُيونُها زَرقاء ، وَوَجْهُها بَيْضاوي .
ومَلابسُها أنيقة وبسيطة ، وَبَدَتْ هادئةً وَحَسَّاسَة ، ولكنَّ آثارَ الضَّعْفِ
باديةٌ عَلَيْها ، وَهِيَ تُحاولُ جاهدةً إخفاءَها .
تَعَرَّقْتُ بِشِدَّةٍ ،
وأطرافي بَدأتْ تَرتجف . لَمْ أعْرِفْ ماذا أقُول . أحْسَسْتُ بِخَوْفٍ رَهيبٍ ،
وارتباكٍ شديدٍ . قُلْتُ لها مُحاولًا إزالةَ التَّوَتُّرِ والقَلَقِ والاضطرابِ :
_ أنا القائدُ الكَشْميري ،
قاتلتُ في أفغانستان ، ثُمَّ جِئْتُ إلى البُوسنةِ للدِّفاعِ عَنْكُم .
عُدْتُ إلى هِوايتي القديمةِ
في الكَذِبِ ، وابتكارِ الأوهامِ ، واختراعِ البُطولاتِ الزائفة . أُقَدِّمُ
نَفْسِي مُقَاتِلًا وقائدًا ومُدَافِعًا عَن البُوسنةِ والبوسنيين ، وأنا مُجرَّد
شاب نَكِرَة ضعيف ، أحتاجُ إلى مَنْ يَحْميني ويُدافع عَنِّي . ولكنَّني أردتُ
تقديمَ نَفْسي كَبَطَلٍ عَرَبيٍّ وفارسٍ مِنْ فُرسانِ الحَضارةِ العربيةِ
الإسلامية . كُنْتُ أتمنَّى لَوْ كُنْتُ مُقَاتِلًا قويًّا وصُلْبًا مِثْلَ
الجُنودِ البُوسنيين الشُّجعان والمُقَاتِلِين العَرَبِ الأشِدَّاء ، ولكنَّني
فاشلٌ في كُلِّ شَيْءٍ ، ولَيْسَ أمامي إلا الكَذِب لِتَلميعِ صُورتي .
حَلُمْتُ طِيلةَ حَياتي بأنْ
أحتضنَ امرأةً تُشاركني حَياتي ، وأُشاركها الليلَ والنهارَ ، وأسمع قلبَها
يَنْبِضُ بِقُرْبي . وعِندما وقفتُ أمامَ سانيا رأيتُ في عَيْنَيْها عَالَمًا
كاملًا ، لكنَّه عَالَمٌ هَشٌّ ، وَمَلِيءٌ بالألَمِ والوَجَعِ الذي لَمْ أعْرِفْ
كَيْفَ أُلامسه . كانتْ تَبْدو ضَعيفةً مِثْلَ زَهْرَةٍ في عاصفة ، وأنا كُنْتُ
ضعيفًا أيضًا ، وعاجزًا عَنْ حِمايةِ نَفْسِي ، فَكَيْفَ لِي أنْ أحْمِيَها ؟ .
تَذَكَّرْتُ قَوْلَ الشاعرِ المِصْرِيِّ الراحل أمل دُنْقُل : (( كَيْفَ تَنظرُ في
عَيْنَي امرأةٍ أنتَ تَعْرِفُ أنَّكَ لا تَستطيعُ حِمايتها ؟ ، كَيْفَ تُصْبحُ
فارسَها في الغَرَامِ ؟ )) . لَمْ أتخيَّلْ يَوْمًا مَا أنَّني سأتزوَّج فتاةً
مُغْتَصَبَةً ، أَحُسُّ أنَّنا نَحْنُ الاثنَيْن مُغْتَصَبَان وَنَكِرَتَان عَلى
هَامِشِ الحَياةِ، يا لَهُ مِنْ إحساسٍ مُؤلِم ومُرعِب ورهيب .
وَصَلْنا إلى تِلْكَ الليلةِ
التي يَنتظرها كُلُّ عَريسٍ وَعَرُوسٍ، لَيْلَةِ الدُّخْلَة. لَمْ أستطع الاقترابَ
مِنها. شعرتُ أنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ نَحْوَها تَنْهَشُ رُوحي . كُلُّ مُحاوَلةٍ
لِمُلامستها كأنَّني أقتربُ مِنْ كَسْرِ شَيْءٍ ثَمين جِدًّا ، شَيْء يَنْبِضُ
بالألَمِ والمَرَضِ والضَّعْفِ. أردتُ أنْ أضُمَّها، وأشعرَ بِدِفْئها ، لكنَّ
جَسَدي يَرفضُ أنْ يَخُونَها أوْ يُؤْذِيها . أقِفُ أمامَها ، أرى جَمَالَها ، أرى
قَلْبَها الصافي المَلِيءَ بالحَنَان ، وأَحُسُّ بِعَجْزِ قَلْبي عَنْ أنْ يَكُون
لها السَّنَد الذي تَسْتحقه . جَلَسْتُ بجانبها ، أُراقِب أنفاسَها ، أُصْغِي
لِصَوْتِ نَبْضِها البَطِيء ، أُحَاوِلُ أنْ أكُونَ قَريبًا دُون أنْ ألْمِسَهَا ،
دُون أنْ أجْرَحَها . كُلُّ دَقيقةٍ تَمُرُّ كأنَّها ساعة ، وكُلُّ ساعةٍ كأنَّها
حياةٌ كاملةٌ مِنَ الألَمِ والصَّمْتِ المَمْزوجِ بالحُبِّ . أحْبَبْتُهَا أكثرَ
مِمَّا أحْبَبْتُ نَفْسِي ، وكُلُّ ذلك الحُب لَمْ يَكُنْ له طريق لِيَخْرُج ،
وَلَيْسَ لَهُ سَبيل لِيُعْلِنَ عَنْ نَفْسِه إلا بصمتِ قَلْبي الذي يَهْتِفُ
باسمها في داخلي . في تِلْكَ الليلةِ ، تَعَلَّمْتُ مَعْنى العَجْزِ الحقيقيِّ ،
مَعْنى أنْ تُحِبَّ شخصًا ولا تَستطيع أنْ تَمْنَحَه شيئًا سِوى حُضورك ، مُجرَّد
وُجودِك بجانبه ، أملًا أنْ يَشعُر بالأمانِ مِنْ دُون أنْ يَراه. شَعَرْتُ
بالوَحْدَةِ المُزْدَوَجَةِ ، وَحْدَتي أنا في داخلي، وَوَحْدتها هِيَ مَعِي ، وفي
نَفْسِ الوقتِ وَحْدَتُنا معًا في صَمْتٍ لا يُمكِن كَسْرُه . وَعَدْتُهَا أنْ
أبقى ، وأحتملَ كُلَّ شَيْءٍ معها ، وأُحِبَّها رَغْمَ كُلِّ شَيْء ، وأكُونَ
ظِلَّها حتى وإنْ لَمْ أستطعْ أنْ أكُونَ دِفْءَ جَسَدِها ، لأنَّ الحُبَّ أحيانًا
لا يَحتاجُ إلى الاقتراب ، بَلْ يَكُون في الصَّبْرِ ، والاحترامِ ، والصَّمْتِ
الذي يَتحدَّث أكثرَ مِنْ أيَّة كَلِمَات. فَهِمْتُ أنَّ الحُبَّ الحقيقي لَيْسَ
فِيما نَفْعَل ، بَلْ فِيما نَحْتمله ، في العَجْزِ الذي يُصْبحُ قُوَّةً ، وفي
الألَمِ الذي يَتحوَّل إلى صَبْر ، وفي القلبِ الذي يَظَلُّ يَنْبِضُ لشخصٍ آخَر ،
حتى وإنْ لَمْ نَستطعْ لَمْسَ يَدِه . وَضَعْتُ يَدِي على قَلْبِها مِنْ بَعيد ،
وشعرتُ أنَّ رُوحي تَتَّحِدُ معها ، وأنَّها تَعرِف كُلَّ شَيْءٍ عَنِّي دُونَ أنْ
أنطِقَ بِكَلِمَةٍ واحدة . كُنْتُ ضعيفًا وعاجزًا ومَكسورًا ، لكنَّ حُبِّي لها
جَعَلَني أقوى مِنْ أيِّ شَيْء ، أقوى مِنْ نَفْسِي ، أقوى مِنَ العَالَمِ كُلِّه
.
قُلْتُ لها بِنَبْرَةٍ ضعيفة :
_ لَقَدْ خُضْتُ اليَوْمَ
مَعارك كثيرة ضِد قُوَّاتِ الصِّرْبِ . أنا مُتْعَبٌ وَمُرْهَقٌ مِنْ كَثرةِ
القِتالِ ، ولا يَزَالُ أزيزُ الرَّصَاصِ وصَوْتُ القَصْفِ المِدْفَعِيِّ في
أُذُنَيَّ ، لذلك أُريدُ أنْ أنامَ .
قَبَّلْتُهَا على رأسها ،
وذهبتُ إلى الفِرَاشِ . لَمْ أستطعْ فِعْلَ أكثر مِنْ هَذا . إنَّه الحَلُّ
الوَحيدُ لهذه الوَرْطَةِ التي أوْقَعَني فيها الشَّيْخُ الجزائري . لا أعْرِفُ
هَلْ أدركتْ أنَّني عاجزٌ جِنْسِيًّا ، لا أقْدِرُ على الجِمَاعِ أَم اعتقدتْ
أنَّني أتهرَّب مِنها ، لأنَّها فتاة مُغْتَصَبَة ، ولا أُريدُ الاقترابَ مِنْهَا
.
في الصَّبَاحِ، قَرَّرْنا أنْ
نَقْضِيَ يَوْمَ العَسَلِ في قَلْبِ الجَحيم ، إنْ جازَ التَّعْبير . ذَهَبْنا إلى
شَجَرَةٍ عُمْرها 100 سَنَة بَتَرَتْهَا قذيفةٌ صِرْبِيَّة . حَفَرْتُ أنا
وَزَوْجَتي اسْمَيْنَا عَلَيْها معَ قَلْبِ حُبٍّ .
قالتْ لِي بِصَوْتٍ خَفيضٍ :
_ كَمْ أتمنَّى لَوْ كانَ
لَدَيَّ ابْنٌ مِنْكَ لِيَختلِط دَمُكَ العَرَبيُّ وَدَمِي البُوسني .
كِدْتُ أقُول لها إنَّني عاجزٌ
جِنْسِيًّا، ولا أقْدِرُ عَلى هذا الأمرِ . وَمَا إنْ فتحتُ فَمِي حتى أغْلَقَتْهُ
وَمَنَعَتْني مِنَ الكلام ، وقالتْ :
_ يَكْفيني أنْ تَكُونَ
رُومانسيًّا حَالِمًا ، ومُثَقَّفًا مُهِمًّا . الناسُ يَقُولون عَنْكَ إنَّكَ
تَتحدَّث الإنجليزيةَ بِطَلاقةٍ، والمُرَاسِلُون الغَرْبِيُّون وَجَميعُ وسائلِ
الإعلامِ الأجنبية يَسْعَوْنَ إلى الحَديثِ مَعَك، وأنتَ تُدْلي بِتَصريحاتٍ قوية
، وتُدافِع عَن البُوسنةِ والشَّعْبِ البُوسنيِّ . وَجَميعُ الناسِ مُعْجَبُون بِك
.
عادتْ ثِقَتي بِنَفْسِي ،
وارتفعت مَعْنوياتي إلى السَّمَاءِ ، واعتبرتُ هذه فُرْصَتي الذهبية للخُروجِ مِنْ
سِجْنِ الضَّعْفِ والانهيارِ إلى فَضاءِ القُوَّةِ والمَجْدِ . أنا شخصٌ ضعيفٌ
وعاجزٌ وَزَوْجٌ معَ وَقْفِ التَّنْفيذ ، والآنَ سَأُقَدِّم نَفْسِي كَبَطَلٍ ،
وأبْني مَجْدِي الوَهْمِيَّ باعتباري فارسَ السَّيْفِ والقَلَمِ ، كَيْ تَعرِف
أنَّني رَجُلٌ شُجاع وَمِقْدَام .
قُلْتُ لها بِثِقَةٍ بالغةٍ
وافتخارٍ عظيم :
_ أنا قائدٌ عَسكري وشاعرٌ
وفَيلسوف وَخِرِّيج جامعة أُكسفورد .
لمعتْ عَيْنَاها ، وتَوَرَّدَ
خَدَّاها، وأُعْجِبَتْ بِي أشدَّ الإعجابِ ، وقالتْ :
_ أنتُم العَرَب أذكياء
وأقوياء لأنَّكُم أبناءُ الصَّحَابة رَضِيَ اللَّهُ عنهم .
كِدْتُ أنْ أقُولَ لها إنَّ
أبي مُجرِم وماسوني وعميل المُخابرات الأمريكية ، وقُتِلَ في انقلابٍ عَسكري،
وأُمِّي كانتْ خَدَّامة في البُيُوتِ، ونَحْنُ عائلة لا أصل لَنَا ولا شَرَف ولا
حَسَب ولا نَسَب، ولا عَلاقة لَنَا بآلِ البَيْتِ ولا الصَّحَابَةِ . ولكنَّني
أمسكتُ لِسَاني في اللحْظَةِ الأخيرةِ .
قَرَّرْتُ أنْ أسْحَرَها
بِكَلِمَاتي الأدبيةِ كَيْ تُصَدِّقَ أنَّني شاعرٌ وفَيلسوف. كانَ أبي يَقُولُ
لأُمِّي إنَّني بَيَّاعُ كَلامٍ ، أضعتُ عُمْري معَ الأُدباءِ الصَّعاليك ، وَلَنْ
أُفْلِحَ في حَيَاتي ، وَلَنْ أنْجَحَ في مَسِيرتي. وَدَّ أبي لَوْ بَقِيَ أخي
الكبيرُ حَيًّا ، وَمُتُّ أنا . لَمْ أَخْرُجْ مِنْ ظِلِّ أخِي ، وَلَمْ أستطع
الهُروبَ مِن اسْمِهِ الذي يُلاحِقُني كَطَلْقَةِ مُسَدَّسٍ. كانَ أهْلي يُريدونني
نُسْخَةً مِنْهُ بِلا شخصيةٍ، ولا هُوِيَّة ، ولا مَشَاعِر، ولا أحاسيس . والآنَ
سَوْفَ أستغلُّ مَوْهبتي في كَوْني بَيَّاعَ كَلامٍ ، لعلَّ كَلِمَاتي وأفكاري
تُغَطِّي على فَشَلِي في الواقعِ ، وعَجْزِي في الحَياة .
قُلْتُ لها وَقَدْ تَقَمَّصْتُ
أُسلوبَ المُثَقَّفِين والمُفكِّرين الذينَ يَتحدَّثون بالكَلِمَاتِ الفَخْمَةِ :
_ الكِتَابَةُ
لَيْسَتْ وَسِيلةً للعَيْشِ ، إنَّها وَسيلةٌ للعِلاجِ النَّفْسِيِّ ، والشاعرُ
مِثْلُ لاعِبِ التِّنِسِ الأرْضِيِّ ، إذا عَثَرَ على الإيقاعِ المُناسِب سَوْفَ يَضْرِبُ
ضَرْبَتَه الحاسمة ، وتَنْجَح قَصِيدَتُه ، وإذا لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ سَيَظَلُّ
تائهًا . عِندما
يَكُون الشاعرُ نَفْسَه ، ولا شَيْءَ في صَوْتِه سِوى صَوْتِه الخاص لا صَدى
الآخرين ، سَيَشعرُ بالتعبِ والإرهاقِ والألمِ والعَذابِ، لأنَّ الوَجْهَ يَكشِف
حقيقةَ الأحاسيس ، وصدمةَ الحياة، أمَّا الأقنعة فهي خادعة ومُريحة وجذَّابة.
والحقيقةُ مُرَّة وصادمة ، أمَّا الأُكذوبة فهي ناعمة ومَطْلِيَّة بالمَساحيق
المُثيرة . ومعَ هذا ، لا يُمكِن المُقارَنة بَيْنَ الوَجْهِ الحقيقيِّ والأقنعةِ
الزائفة ، كما لا يُمكِن المُقارَنة بَيْنَ الدَّواءِ المُرِّ الذي فيه الشِّفَاء ،
وَبَيْنَ العَصيرِ المُحَلَّى بالسُّكَّر . ووجهُ الإنسانِ مُفرَد ، لا يَتكرَّر
ولا يَتعدَّد ، لأنَّ الحق واحد ، لا ثاني له، في حين أن الأقنعة جَمْع، وهي كثيرة
ومُتعدِّدة، لأن الباطل أشكال كثيرة ومذاهب شَتَّى .
_ هذا كَلامٌ كبيرٌ ، أنتَ فِعْلًا شاعرٌ
وفَيلسوف ، تَتحدَّث مِثْلَ الشُّعَراءِ والفَلاسفةِ أصحابِ النَّظَرَيَاتِ
والمَبادئِ الفِكْرية .
شعرتُ بالنَّشْوَةِ ، وسَيْطَرَ عَلَيَّ
الحَمَاسُ الشديد ، وقُلْتُ باعتزازٍ وصَلابةٍ :
_ لَقَدْ جِئْتُ مِنْ بِلادِ العَرَبِ
لأحْمِيَكُم وأُدَافِعَ عَنْكُمْ ، وأُدَافِعَ عَنْ لَمَعَانِ عُيونك يا سانيا .
مَا إنْ سَمِعَتْ هذا الكلامَ حتى قَفَزَتْ
عَلَيَّ ، وعَانَقَتْني ، وقَبَّلَتْني ، وقالتْ لِي :
_ أنتَ بَطَلُ الأبطالِ، لا أشعرُ بأيِّ
خَوْفٍ وأنا مَعَك .
كُنْتُ أحتاجُ إلى مَنْ يَحْميني ويُدافع
عَنِّي ، ولكنَّني وَجَدْتُ الحَلَّ
في أنْ أَخْدَعَ نَفْسِي ، وأُصَوِّرَهَا كَبَطَلٍ شُجاع لا يَخَاف شيئًا ، مَعَ أنَّني
قَبْلَ يَوْمَيْن تَبَوَّلْتُ في بِنْطَالي مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ .
اكتشفتُ مِهْنتي الجديدة كَشَاعرٍ
صُعْلُوك ، وَبَيَّاعِ كَلامٍ يَخترعُ البُطولاتِ الوهمية ، وَيَصْنَع الانتصارات
الزائفة ، ويُحقِّق الإنجازات الكاذبة . لا أَعْرِفُ مَوْقِعَ سَراييفو على الخَريطةِ
، لَكِنَّني سَأفُكُّ الحِصَارَ. أمريكا وأُوروبا والأُمَمُ المُتَّحِدَة عاجزة عَنْ
فَكِّ الحِصَارِ عَنْ سَراييفو ، أوْ بالأحْرَى لا تُريدُ فَكَّ الحِصَارَ ،
حَتَّى يَتِمَّ مَحْوُ الإسلامِ والمُسلِمين مِنْ أُوروبا ، وأنا العاجزُ
جِنْسِيًّا ، والفاشلُ اجتماعيًّا ، والمَريضُ نَفْسِيًّا ، سَأفُكُّ الحِصَارَ
عَنْ سَراييفو ، وأُنقِذُ النِّسَاءَ والأطفالَ والفُقَرَاءَ والمُشَرَّدِين
والمُعَافين . تَعَرَّضْتُ
في طُفولتي لاعتداءٍ جِنْسِيٍّ ، ومعَ هَذا عَلَيَّ أنْ أحْمِيَ النِّسَاءَ
البُوسنيَّات مِنَ الاغتصابِ . أَحُسُّ أنَّني شخصٌ نَكِرَة تَمَّ اغتصابُه مُنْذُ
زَمَنٍ بعيد .
رَحَلَ الغَريبُ في قِطَارِ
الفَجْرِ إلى اللازَمَان. في غَابةِ الماضي المُحترقةِ أسَدٌ عَجُوزٌ فَقَدَ أسْنَانَه،
وصارَ عَاجِزًا عَن اصطيادِ الفَرائسِ ، وضاعَ كُحْلُ العَرائسِ في مَمَرَّاتِ الكَنائسِ.
أنا ذلك الشَّخْصُ النَّكِرَةُ الذي يُنْكِرُ التاريخُ وَجْهَه ، وتُهمِل
الحَضارةُ جَسَدَه ، لا أقْدِرُ عَلى حِمايةِ نَفْسِي ، ولا أستطيعُ حِمايةَ
غَيْرِي . أنا آخِرُ الرُّومَانسِيِّين في المَقْبَرَةِ الجَمَاعِيَّةِ . وَزَّعَ
الغَيْمُ في عُيوني دُمُوعًا سِرِّيَّةً ، والوَرْدُ الأصفرُ صَارَ نَشِيدًا
تائهًا في البُكَاءِ الذي يَتفجَّر في داخلي. إنَّني أبكي في أعماقي، هَكذا تَبْدأ
الحَياةُ ، هَكذا تَنتهي الحَياةُ. مَا فائدةُ أنْ
أكُونَ الوَرْدَةَ بَيْنَ شَوَاهِدِ القُبورِ ؟ .
قالتْ لِي : (( اذْهَبْ إلى جَمَالِ الذي خَلَقَ
جَمَالي )) . مَا أصْعَبَ انتظارَ
المَوْتِ ! ، مَا أصْعَبَ وُقُوفَ الإنسانِ عاجزًا أمامَ المَوْتِ ! ، مَا أصْعَبَ
أنْ يَعْتَقِدَ الإنسانُ أنَّ المَوْتَ بَعِيدٌ عَنْهُ وَقَرِيبٌ مِنَ الآخَرين !
، مَا أصْعَبَ أنْ يَرى الإنسانُ أنَّ المَوْتَ يُصِيبُ الآخَرين ولا يُصِيبُه ! .
قَدْ أكُونُ رُومانسيًّا
وعاطفيًّا على الوَرَقِ ، ولكنَّ حَياتي الواقعية هِيَ نِظَامٌ عَسكريٌّ مُغْلَقٌ
وقاسٍ ، معَ أنَّني فاشلٌ في الحُبِّ ، وَفاشلٌ في الحَرْبِ .
128
في أحَدِ الأيام ، أحضرَ
الأميرُ أبو حمزة الجزائري أسِيرًا صِرْبِيًّا جَرِيحًا . وَضَعَه في مُسْتَوْدَعٍ
مَهجور. طَلَبَ مِنِّي أنْ أعتنيَ بِهِ وأرْعَاه ، وأُطْعِمَه ، وأَسْقِيَه .
وكانَ هُناك مُقَاتِلٌ عَرَبيٌّ يَتولَّى حِرَاسَتَه ومُراقبته لِكَيْلا يَهْرُب .
شعرتُ أنَّ مُهِمَّتي سَوْفَ تُخلِّد ذِكْري في التاريخِ ، وَسَتَضَع اسْمِي معَ
الأبطالِ الفاتحين،والقادةِ العَسْكريين البارزين،وَسَوْفَ أكُون أحَدَ فُرسانِ
الحَضارةِ العربيةِ الإسلامية.
قُلْتُ للأمير " أبو حمزة
الجزائري " بِحَماسةٍ وَتَهَوُّرٍ وَطَيْشٍ وَرُعُونَةٍ :
_ ما رَأيُكَ يا أمِير أنْ
أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرصاصَ مِنْ مُسَدَّسِي الذي لَمْ أسْتَعْمِلْه حتى الآن ،
وَنَقُوم باغتصابِ النِّسَاءِ الصِّرْبِيَّاتِ المَسِيحِيَّات كما اغْتَصَبَ
الصِّرْبُ النِّسَاءَ البُوسنيَّات المُسْلِمَات ؟ .
سَبَقَني لِسَاني إلى هذه
الكَلِمَاتِ القاسية، وَمَا إن اسْتَقَرَّتْ في الهَواءِ حتى أنكَرَتْهَا نَفْسِي
، وارتعدَ قَلْبي. أحْمِلُ نَدَمِي صامتًا مَذهولًا ، كَيْفَ خَرَجَ هَذا السُّوءُ
مِنْ فَمٍ ظَنَنْتُهُ يَعْرِفُني ؟ .
غَضِبَ الأميرُ أبو حمزة
الجزائري بِشِدَّةٍ ، واحمرَّ وَجْهُه ، وصارتْ عَيْناه جَمْرَتَيْن ، واجتاحت
العَواصفُ قلبَه وعقلَه ، واكتسبتْ مَلامحُ وَجْهِه مَسْحَةً مِنَ الجُمودِ القاسي
، وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ كما لَوْ أنَّ كُلَّ شَهيقٍ يَحمِل معه سَيْلًا مِنَ
الكَلِماتِ التي تَوَدُّ الانفجارَ مِنْ بَيْنَ شَفَتَيْه،وقالَ بِحِدَّةٍ
وانزعاجٍ:
_ هَلْ أنتَ مُستيقظ أَمْ
سَكْرَان ؟ ، هل فَقَدْتَ قُواكَ العقليةَ وَصِرْتَ مَجنونًا ؟ ، إنَّ الإسلامَ
أمَرَنا برعايةِ الأسيرِ ، والاعتناءِ بِه ، واحترامِ المَرْأةِ .
وأردفَ قائلًا وَوَجْهُه
يَزدادُ احمرارًا :
_ الصِّرْبُ صَليبِيُّون
أُرثوذُكْس كُفَّار ، لَيْسَ لَهُم دِينٌ ولا شَرَفٌ ولا تاريخٌ ولا حضارةٌ ،
وَهُمْ جُبَنَاء يَقْتُلون الأطفالَ والمَدَنيين والأبرياء ، ويَغْتصبون
النِّسَاءَ ، ويُدمِّرون المُدُنَ ، لأنَّ دِينَهم المُحَرَّف يأمرهم بهذا ، أمَّا
نَحْنُ المُسْلِمِين ، فَدِينُنا الإسلامُ ، وَهُوَ الدِّينُ السَّماويُّ الوحيدُ
، يأمرنا برعايةِ الأسْرَى ، والاعتناءِ بِهِم ، واحترامِ النِّسَاءِ ، وعدمِ
الاعتداءِ عَلَيْهِنَّ بأيِّ شكلٍ مِنَ الأشكال .
في ذلك المُسْتَوْدَعِ
المَهجورِ ، حَيْثُ تَتَّكئ الجُدرانُ على عُكَّازاتِ الصَّدَأ ، وَحَيْثُ
يَتَدَلَّى الصمتُ مِنَ السَّقْفِ كَحِبَالٍ مَشنوقةٍ ، كُنْتُ أعيشُ نُسْختي
الأضعفَ ونُسْختي الأقوى في آنٍ معًا .
لَمْ أكُنْ جُنديًّا ولا
بَطَلًا ، كما تُحِبُّ الحِكاياتُ أنْ تَصِفَ أبطالَها . كُنْتُ شابًّا نَحِيلَ
الكَتِفَيْن ، تَرتجفُ يَدَاي مِنَ البَرْدِ والخَوْفِ . ظِلِّي المَكسورُ أثقلُ
مِنْ جَسدي . ومعَ ذلك ، وُضِعَ بَيْنَ يَدَيَّ مَصِيرُ رَجُلٍ مَكسور ، أسِير
حَرْبٍ لا أعرفُ اسْمَه ، ولا يَعرِف اسمي ، لكنْ بَيْنَنا كانتْ تَنمو مَعرفة
أعمق مِنَ الأسماء .
كُنْتُ أدخلُ المُسْتَوْدَعَ
كُلَّ صَباحٍ وكأنَّني أدخلُ صَدْري المَفتوحَ . الضَّوْءُ الشَّحِيحُ يَتسلَّل
بِخَجَلٍ كأنَّه يَخافُ أنْ يَرى مَا أراه . الأسِيرُ الصِّرْبيُّ مُمَدَّدٌ هُناك
، جَسَدٌ أنهَكَتْهُ الحَرْبُ ، وعَيْنَان لا تَزالان تُقَاومان السُّقوطَ الكاملَ
في العَتَمَةِ .
أحْمِلُ له الطعامَ بِيَدٍ
مُرتجفة ، خَوْفًا مِنْه ، وخَوْفًا عَلَيْه ، وخَوْفًا مِنْ نَفْسِي . أضعُ
اللقمةَ قُرب فمه ، وأنتظر . في كُلِّ مَرَّةٍ يَبْتلعُ فيها ، أشعرُ أنَّني
أبتلعُ معه شيئًا مِنْ هذا العَالَمِ القاسي ، كأنَّنا نَتقاسمُ الجُوعَ ذَاتَه ،
والانتظارَ ذَاتَه ، والهَزيمةَ ذَاتَها ، لكنْ بِصُورَتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن .
أُغَيِّرُ ضِمَادَ جُرْحِه
بِبُطْء ، كأنَّني ألْمِسُ زُجَاجًا مُتشققًا قَدْ يَنكسر مِنْ أقلِّ ضغط . كُلُّ
أنَّةٍ تَخرجُ مِنْهُ كانتْ صَفعةً على صَدْري ، وكُلُّ نَظرةِ شُكرٍ صامتة
تُثْقِلُني أكثر مِنْ أيِّ اتِّهام . لَمْ يَكُنْ يَتكلَّم كثيرًا ، ولا أنا .
الكلماتُ في ذلك المكان زائدةٌ عَن الحاجةِ ، فالألَمُ يَتكلَّم نِيابةً عَنَّا .
أنا الضعيفُ، نَعَم ، ضعيفُ الجَسَدِ ، ضعيفُ الصَّوْتِ ، ضعيفُ القَرارِ .
لكنَّني حِينَ أجلسُ قُرْبَه في الليالي ، أسمعُ تَنَفُّسَه المُتقطع ، وأَعُدُّه
نَفَسًا نَفَسًا . أحْسَسْتُ أنَّ هذا الضعفَ نَفْسَه هُوَ مَا يَمْنعني مِنْ أنْ
أكُون جَلَّادًا . ضَعْفي كانَ سِلاحِي الوحيدَ .
أنظرُ إلى يَدَيْهِ الخَشِنَتَيْن
مِنْ كَثرةِ حَمْلِ الأسلحةِ ، فأشعرُ أنَّ قُيودًا حَديدية تَمْتَدُّ إلى
مِعْصَمي. أنظرُ إلى ظَهْرِه المُنْحني ، فأحُسُّ بِثِقَلِ العَالَمِ فَوْقَ
ظَهْري . لَمْ يَكُنْ أسِيرًا وَحْدَه ، كُنْتُ أسِيرًا مَعَه، لكنْ دُون سَلاسِل
مَرئية.أسِيرُ الخَوْفِ،وأسِيرُ الأوامرِ غَيْرِ المَنطوقة، وأسِيرُ سُؤالٍ
مُزْدَوَجٍ لا يَتركني : (( لِمَاذا أنا هُنا ؟ ، ولِمَاذ هُوَ هُنا ؟ )) .
في بعضِ الليالي ، حِينَ
يَنامُ أخِيرًا ، كُنْتُ أجلسُ بعيدًا ، وأُراقِب وَجْهَه في الظلام . أُحاولُ أنْ
أقرأ بَيْنَ طَيَّاتِ التعبير الذي لا يَبُوح ، بَيْنَ خُطوطِ الندمِ أو الغضبِ
المَكبوتةِ على جبينه . وَجْهُه رَغْمَ قَسْوَتِه وإجرامِه ، بَدا لِي كخريطة
مليئة بالخراب ، حَفَرَ الزمنُ فيها آثارَه ، وَعَزَفَ على وَجْنَتَيْهِ ألحانَ
الألمِ والصِّراعِ .
أستجمعُ شجاعتي لأفْهَمَ ، لا
لأُبرِّر ، لكنْ لأرى الإنسانَ خَلْفَ الوَحْشِ ، ذلك الكائن الذي كانَ يَوْمًا
طِفْلًا ضائعًا بَيْنَ الضَّحِكِ والبُكَاءِ ، قَبْلَ أنْ يَغرَق في دِماءِ الحرب
. وَوَسَطَ صَمْتي ومُراقبتي ، أحْسَسْتُ بِثِقَلِ الأسئلةِ التي لا جَواب لها ،
بصمتٍ يَكاد يُشبِه الصُّراخَ ، عَن العَدالةِ والغُفْرَانِ ، وسببِ تَحَوُّلِ
القُلوبِ إلى أدواتِ ألَمٍ .
في كُلِّ نَفَسٍ يُخرِجه مِنْ
نَوْمِه ، أرى قِصَصًا لَمْ تُرْوَ ، كأنَّ الليلَ يَهْمِسُ لِي : (( حتى هؤلاء
المُجرِمون ، يَحمِلون في أعماقهم عذاباتِهم الخاصَّة ، تِلْكَ التي لا يَعرِفها
أحد )) .
أحضرتُ كاميرا مِنْ أحَدِ
أصدقائي،وَهُوَ شاب بُوسني كانَ يَعمَل قبلَ الحربِ مُصَوِّرًا فُوتوغرافيًّا.
وطلبتُ مِنَ المُقَاتِلِ العربيِّ الذي يَحْرُسُ الأسيرَ الصِّرْبيَّ أنْ يَلْتقط
لِي صُورةً تَذكاريَّة معَ هذا الأسِيرِ للذكرى . ضَحِكَ المُقَاتِلُ العَرَبيُّ ،
وقالَ لِي بِسُخريةٍ واستهزاء :
_ الحربُ نارٌ حارقة ،
والقِتالُ مُشتعلٌ على كُلِّ الجَبَهَاتِ ، وأنتَ تُريدُ صُورةً للذكرى ، تَتصرَّف
مِثْلَ الأطفالِ يا كَشْميري، ومعَ هذا سألتقطُ لكَ هذه الصُّورةَ .
أجَبْتُهُ بِثِقَةٍ
مُصْطَنَعَةٍ :
_ هذه استراحةُ المُحَارِبِ .
بَعْدَ عِدَّةِ أيام ، حصلتُ
على الصُّورةِ ، واعتبرتُها كَنْزًا إستراتيجيًّا ، فَهِيَ الدليلُ الواضحُ على
أنَّني رَجُلٌ قوي ومُقَاتِلٌ صُلْب ، وَلَسْتُ بَيَّاعَ كلامٍ . ذهبتُ إلى زَوجتي
البُوسنيَّة سانيا ، وقُلْتُ لها بصوتٍ عالٍ ومَعنوياتي مُرتفعة في السَّماء :
_ لَقَدْ أحضرتُ لَكِ هديةَ
شهرِ العسلِ .
طارتْ مِنَ السَّعادةِ ،
وعانقتني بِقُوَّةٍ ، حتى أحْسَسْتُ أنَّ لَحْمَها سَيَذُوب في لَحْمِي ، وقالتْ وَدُمُوعُ
الفَرَحِ تَتدفَّق في عَيْنَيْهَا :
_ أيْنَ الهديةُ ؟ ، وَمِنْ
أيْنَ أحْضَرْتَها ؟ .
أخرجتُ لها صُورتي معَ
الأسِيرِ الصِّرْبيِّ ، واعتبرتُ هَذا المَوْقِفَ هُوَ فُرْصَتي الذهبية كَيْ
أُمَارِسَ هِوَايتي في الكَذِبِ ، واختراعِ البُطولاتِ الزائفةِ ، وصناعةِ
الانتصارات الوهمية ، كَيْ تَعرِف أنَّها تَزَوَّجَتْ مُقَاتِلًا عَربيًّا شُجاعًا
وقويًّا ، وَلَيْسَ شخصًا ضعيفًا وعاجزًا جِنْسِيًّا . قُلْتُ لها بفخرٍ واعتزاز:
_ لَقَدْ خُضْتُ البارحةَ مَعركةً
مِنْ أصعبِ المَعاركِ الحربية في حياتي . قتلتُ خمسة جُنود مِنْ قُوَّاتِ
الصِّرْبِ ، وَدَمَّرْتُ دَبَّابَةً وَمِدْفَعًا ، وأسَرْتُ هذا الجُنديَّ
الصِّرْبيَّ الذي استسلمَ لِي بَعْدَ أنْ رأى قُوَّتي وشجاعتي ، وهذه الصُّورة
هِيَ الدليلُ والبُرْهان الذي لا يَقْبَلُ الشَّكَّ .
وأردفتُ قائلًا بحماسةٍ
مُنقطعةِ النظير :
_ لِكَيْ تَعرِفي يا سانيا
أنَّ زَوْجَكَ قائدٌ عَسكري ومُقَاتِلٌ شُجاع، وَلَيْسَ شخصًا جَبانًا أوْ ضعيفًا،
وتَفْتخري بِي أمامَ النِّسَاءِ البُوسنيَّات. وإذا سَألَكِ أحدٌ عَنِّي فَقُولي
له إنَّ زَوْجي العَرَبيَّ مِثْلُ خالد ابن الوليد وصلاح
الدِّينِ الأيوبي، وَسَوْفَ يُعِيدُ أمجادَ الحَضارةِ العربيةِ الإسلاميَّة .
أمسكتْ سانيا الصُّورةَ ،
وَحَدَّقَتْ فيها طَويلًا ، وقالتْ بفرحٍ غامرٍ :
_ هذه صُورتك فِعْلًا يا
كَشميري ، ومُسَدَّسُكَ واضحٌ ، والأسِيرُ جُندي صِرْبي بكاملِ ملابسه العسكرية .
أنتَ بطلُ الأبطالِ .
كُنْتُ قَدْ أظهرتُ مُسَدَّسي
عِند التقاطِ الصُّورةِ كَيْ يُصْبحُ واضحًا ، معَ أنَّني لَمْ أستعملْه ،
وَرُبَّمَا نَسِيتُ كَيفيةَ استعماله .
قُلْتُ لِزَوْجتي البُوسنيَّة
بِكُلِّ قُوَّةٍ :
_ زَوْجُكِ يا سانيا فارسٌ
ومُحَارِبٌ وَرَجُلٌ عَرَبيٌّ في زَمَنٍ عَزَّ فيه الرِّجال. احتفظي بالصُّورةِ
مَعَكِ، واعْرِضِيها على جَميعِ النِّسَاءِ البُوسنيَّاتِ كَيْ يُشَاهِدْنَهَا ،
وَيَعْرِفْنَ أنَّ زَوْجَكِ هُوَ القائدُ الكَشْميري حَقًّا وَصِدْقًا ، وأنَّ
حَظَّكِ كانَ عَظيمًا عِندما صِرْتِ زَوْجَةً لِي .
أكْذِبُ لأبْدُوَ فارسًا في عَيْنَيْها .
أُخْفِي ارتجافَ قَلْبي خَلْفَ قِصَصٍ مَصقولة ، وأرتدي قُوَّةً لَيْسَتْ لِي .
خَوْفي الأكبرُ أنْ تَرى انكساري فَتَخْذُلُهَا الحقيقةُ أكثرَ مِمَّا تَخْذُلُهَا
الكذبةُ . أُحِبُّها بِصِدْقٍ، لِهَذا أُوَاصِلُ التَّمثيلَ كُلَّ يَوْمٍ ،
بَطَلًا مُتْعَبًا يَخْشَى أنْ يَسْقُطَ القِناعُ .
129
جِئْتُ إلى حربِ البُوسنةِ وأنا
أحْمِلُ جَسَدًا نَحيلًا كَغُصْنٍ يابسٍ ، وقلبًا مُتْخَمًا بالأحلامِ الثقيلة .
الحَرْبُ تُقَاسُ بِما تَحمِله اليَدَان مِنْ سِلاحٍ ، لكنَّ يَدَيَّ ترتجفان .
لَمْ أستطعْ أنْ أُقَاتِلَ ، وَلَمْ أقْدِرْ على الركضِ تحت الرصاص . وَحِينَ
انكشفَ ضَعْفي لَمْ يَطْرُدْني أحد ، بَلْ نَظَرُوا إلَيَّ طويلًا ، كأنَّهم
يَبْحثون عَنْ مَكانٍ آخَر لِي في هذه الفَوْضَى .
قالوا لِي : (( احْفِرْ ))،
ومُنْذُ تِلْك اللحظةِ صِرْتُ حَفَّارَ قُبورٍ . لَمْ أخْتَرْ هذه المِهنة ، بَلْ
هِيَ التي اختارتني . لَمْ يَكُن اللقبُ إهانةً ، بَلْ كانَ قَدَري . المَعَاوِلُ
أثقلُ مِنَ البنادق ، لكنَّها لا تَطْلُبُ مِنْكَ أنْ تَقْتُلَ وتُقَاتِلَ ،
تَطْلُب فَقَط أنْ تَنْحَنِيَ ، وتَغُوصَ في التُّرابِ ، وتُصْغِيَ إلى صَوْتِ
الأرضِ وَهِيَ تُفْتَحُ . في اليَوْمِ الأوَّلِ ، أمسكتُ المِعْوَلَ بِيَدَيْن
مُتَشَقِّقَتَيْن ، وضربتُ الأرضَ ضَرْبَةً خَجُولة . لَمْ تَستجبْ . الأرضُ في
الحربِ عَنيدةٌ وصُلْبَة ، كأنَّها تَعرِف أنَّ مَنْ سَيَدْخلها كثيرون .
تَعَلَّمْتُ سَريعًا كَيْفَ
أقرأ التُّرابَ ، هذا رَطْبٌ ، فَأُعَمِّق الحُفْرَةَ بِسُهولة ، وذاك مَلِيء
بالحِجارة ، فَيَكْسِر المِعْصَمَ قَبْلَ أنْ تَنكسِر . تَعَلَّمْتُ كَيْفَ
أُحدِّد الطُّولَ ، وأُوسِّع الجوانبَ ، وأترك حَافَةً نظيفةً كَيْ لا تَنهار
حِينَ أُنْزِلُ الجُثَّةَ . أحْفِرُ نَهارًا تحت شمسٍ باهتة لا تُدفئ ، وأحْفِرُ
لَيْلًا تحت قَمَرٍ خَجُول ، أستدلُّ بِهِ على ظِلِّي وَهُوَ يَرتجفُ على جِدارِ
القَبْرِ .
في النهار ، تُراقِبني
العُيونُ بصمتٍ . نِسَاءٌ يَقِفْنَ بعيدًا ، أيديهنَّ مَعقودةٌ على صُدورهنَّ ،
وأطفالٌ لا يَفْهَمون لِمَاذا يَخْرُج إنسانٌ ولا يَعُود .
في الليلِ ، كانَ الصمتُ
ثقيلًا ، لا يَقْطَعُه إلا صَوْتُ المِعْوَلِ وَهُوَ يَعَضُّ الأرضَ ، وأنفاسي
المُتقطعةُ ، ونُباحُ كَلْبٍ بعيدٌ يُذكِّرني بأنَّ الحياة مَا زالتْ تَتحرَّك في
مكانٍ مَا .
كُنْتُ أدْفِنُهُم واحدًا
واحدًا . أجسادٌ مُختلفة ، لكنَّ الصمتَ واحدٌ . أَمُدُّ يَدَيَّ لأستقبلَ
الجُثَّةَ الهامدة ، أُنْزِلُها بِرِفْقٍ كأنَّني أخشى أنْ أُوقِظَها ، أُعدِّل
وَضْعَها ، أُزيلُ التُّرابَ عَنها لآخِرِ مَرَّةٍ ، ثُمَّ أبدأ الرَّدْمَ.
التُّرابُ يَعُود إلى مَكانِه، طَبَقَة فَوْقَ طَبَقَة. وكُلُّ جُثَّةٍ تَحْمِلُ
أسرارًا وَحِكَايَاتٍ لَمْ تَكْتَمِلْ.
معَ الوَقْتِ،صاروا يُنادونني،
لَيْسَ باسْمِي، بَلْ بِما صِرْتُ عَلَيْه. (( تَعَال، هُناك مَنْ يَحتاجك )).
كُنْتُ أذهبُ ، مَهْمَا كانَ الوَقْت ، وَمَهْمَا كانت المَسَافَة . صِرْتُ
أعْرِفُ الطُّرُقَ المُظلِمة . أعْرِفُ أيْنَ أغْرِسُ المِعْوَلَ، دُونَ أنْ
يُسْمَعَ صَوْتُه بعيدًا ، وأيْنَ أتوقَّف إنْ مَرَّ خَطَرٌ . يَدَايَ مَلِيئتان
بالجُروحِ، وأظافري سَوْدَاء مِنَ الطِّينِ ، وَظَهْري مُنْحَنٍ كأنَّني أحْمِلُ
المَقبرةَ كُلَّهَا فَوْقَه . لَقَدْ كانت الرِّحلةُ طَويلةً مِنَ القائدِ الكَشْميريِّ
إلى حَفَّارِ القُبور .
كُنْتُ ضَعيفًا عَن القِتال ،
لكنَّني قويٌّ في الوُقوفِ أمامَ المَوْتِ بِلا سِلاحٍ . أُوَاجِهُهُ كُلَّ يَوْمٍ
، لا لأهْزِمَه ، بَلْ لأمنحه نِظامًا ومَكانًا وَنِهايةً تَلِيقُ بالسُّكوت . في
كُلِّ قَبْرٍ أحْفِرُه ، كُنْتُ أحْفِرُ جُزْءًا مِنِّي . في كُلِّ جَسَدٍ
أدْفِنُه ، كُنْتُ أدْفِنُ خَوْفًا قَديمًا ، وأستخرجُ صَبْرًا جَديدًا .
صارَ الليلُ صَديقي . أعْرِفُ
متى يَبْرُدُ التُّرابُ ، ومتى تَتصلَّب الحَوَافُّ . أعْرِفُ كَيْفَ أُسْرِعُ
حِينَ يَقتربُ الفَجْرُ ، وكَيْفَ أُبْطِئ حِينَ لا أحد يَنتظر . تَعَلَّمْتُ أنْ
أسْمَعَ الأرضَ وَهِيَ تُغلِق فَمَهَا بَعْدَ أنْ تَشْبَعَ ، وأنْ أمْسَحَ
المِعْوَلَ بِيَدَيَّ كأنَّني أعتذرُ لَه عَنْ قَسْوَتِه .
لَمْ أعُدْ ذلك الشاب الذي
جاءَ لِيُحَارِبَ . صِرْتُ شاهدًا وعاملًا في أقسى مِهْنة بِلا شُهود . اشْتَهَرْتُ
بَيْنَهم لأنَّني كُنْتُ أحْفِرُ بصمتٍ ، وأدْفِنُ باحترام ، ولا أسأل عَنْ شَيْء
. كانوا يَثِقُون بأنَّ مَوْتَاهُم في يَدَيَّ لَنْ يُهَانوا ، وأنَّ التُّرابَ
سَيَحْتضنهم كَما يَنْبغي .
في كُلِّ مَرَّةٍ أبتعدُ عَنْ
قَبْرٍ انْتَهَيْتُ مِنْه ، أنظرُ خَلْفي لَحْظَةً قصيرةً . لا أُلَوِّحُ ، ولا
أتكلَّم . أكتفي بأنَّ أتنفَّس بِعُمْقٍ ، وأمضي إلى القَبْرِ التالي . هَكذا
عِشْتُ الحَرْبَ ، لا في الخَنادقِ ، بَلْ في الحُفَرِ . لا في إطلاقِ النارِ ،
بَلْ في إنزالِ الجُثَثِ . وَإذا سألني أحدٌ : (( ماذا فَعَلْتَ في حربِ البُوسنةِ
)) ، أقُول : (( حَفَرْتُ كثيرًا ، وَدَفَنْتُ كثيرًا ، وَبَقِيتُ حَيًّا لأنَّ
الأرضَ احتاجتني )) .
جاءَ اليَوْمُ الذي هَرَبْتُ
مِنْه ، وَخَشِيتُ دائمًا مِنَ التَّفكيرِ فيه . لَقَدْ قُتِلَ الأميرُ أبو حمزة
الجزائري في إحدى المَعاركِ . لَمْ أتَخَيَّلْ يَوْمًا أنَّني أنا الذي سَأدْفِنُه
. رُبَّما أحْضَرَني مَعَهُ إلى البُوسنةِ لأحْفِرَ قَبْرَه وأدْفِنَه ، أنا
وَحْدِي مِنْ بَيْنِ جَميعِ الناسِ . لَمْ أكُنْ أعْلَمُ حِينَ أحْضَرَني الأميرُ
أبو حمزة الجزائري إلى هذا المكان أنَّني سَأُصبحُ وحيدًا أكثرَ مِمَّا كُنْتُ .
كانَ هُوَ القُوَّةَ ، والصَّلابةَ ، والعَيْنَ التي تَرى في الظلامِ مَا لا أرى ،
والحُلْمَ الذي يَصْرُخُ في قَلْبي بالثِّقَةِ ، وأنا الغارقُ في التَّلَعْثُمِ والخَوْفِ
. هَا أنا الآن ، أمامَ جَسَدِه المُمَدَّدِ على الأرضِ ، جَسَد لَمْ أستطعْ
حِمَايَتَه والدِّفَاعَ عَنْه . لَمْ أستطعْ أنْ أرفعَ صَوْتَه عَن الصَّمْتِ
الأبَدِيِّ . يَدَايَ تَرتعشان وأنا أحْفِرُ التُّرابَ . كُلُّ حَفْنَةِ تُرابٍ
أسْحَبُها تُؤَرِّقُني كأنَّها ذَنْبي ، كأنَّها خِيانة لأعظم رَجُلٍ عَرَفْتُه .
وكُلُّ كُرَةِ تُرابٍ تقعُ على الأرضِ تُذكِّرني بأنَّني فاشلٌ وضعيفٌ وصغيرٌ
أمامَ هذا العَالَمِ القاسي .
الأرضُ صُلْبَة ، تُعاندني ،
تُريدُ أنْ تُبْقيه بعيدًا عَنِّي ، بعيدًا عَنْ أيِّ دِفْءٍ يُمكِن أنْ
أُقَدِّمَه . أضعُ كُلَّ قُوَّتي ، أَمُدُّ يَدَايَ مَرَّةً أُخرى ، وأغْرِسُ
المِعْوَلَ في التُّرابِ . أصواتُ الحِجارةِ وَهِيَ تَتَكَسَّرُ تَحْتَ شَفَتَيَّ
تَجْعَلُ قَلْبي يَتمزَّق ، وكأنَّ كُلَّ صَلابةٍ في جَسَدِه تَنْتَقِلُ إلَيَّ
الآن ، وَيَطْلُب مِنِّي أنْ أكُونَ أكبرَ مِنْ خَوْفي ، وأنْ أكُونَ رَجُلًا
وَلَوْ لِلَحْظَةٍ واحدة .
وَضَعْتُ جَسَدَه بِرِفْقٍ
داخلَ الحُفْرَةِ ، وَتَوَقَّفْتُ لِوَهْلَةٍ . رأيتُ وَجْهَه المَلِيءَ بالعَزْمِ
والهُدوءِ ، وأنا لا أمْلِكُ سِوى الدُّموعِ والارتجافِ . استجمعتُ نَفْسِي
مُحاولًا إيجادَ الكَلِماتِ المُناسِبة ، لكنَّ الحُزْنَ يَختنقُ في حَلْقِي،
وَيَسِيلُ على جَوارحي. كُلُّ ذَرَّةِ تُرابٍ أضعُها فَوْقَه هِيَ صَرْختي
واعتذاري ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَمْ أستطعْ قَوْلَه وَهُوَ حَيٌّ .
غَطَّيْتُهُ بالكاملِ .
أحْسَسْتُ بالوَزْنِ يَخِفُّ تَدْريجيًّا ، لكنَّ الفَقْدَ لا يَخِفُّ أبَدًا .
عِندما وضعتُ آخِرَ حَفْنَةِ تُرابٍ، وَضَعْتُ يَدَيَّ عَلى التُّرابِ.شعرتُ
بحرارته وكأنَّه مَا زالَ يَنْبِضُ بالحياة، وَيَقُول لِي: (( كُنْ قَوِيًّا كَما
كُنْتُ أنا )) . جلستُ بجانبه ، مُستسلمًا للحُزْنِ العميقِ ، ومُحاولًا أنْ
أحْفَظَه في قلبي ، وأجِدَ في ضَعْفي حَرْفًا في أبجديةِ انتحارِ المَعْنى .
في هذا التُّرابِ، دفنتُ أكثرَ
مِنْ جَسَدٍ. دفنتُ كُلَّ القُوَّةَ التي لَمْ أستطعْ أنْ أكُونَها . دفنتُ كُلَّ
شظايا الخَوْفِ الذي أحْسَسْتُ بِه . دفنتُ كُلَّ رَغْبَةٍ في أنْ أكُونَ شُجاعًا
كما كانَ هُوَ . وفي هذا الصَّمْتِ السَّحيق ، بَيْنَ الأرضِ والجِسْمِ المَدفونِ
، عَرَفْتُ أنَّني لَمْ أفْقِدْهُ فَقَط ، بَلْ فَقَدْتُ نَفْسِي التي كُنْتُ
أُريدُ أنْ أكُونَها بجانبه. لَقَدْ قَتَلُوكَ أيُّها المَلِكُ الذي لَمْ
يُتَوِّجْ نَفْسَه عَلى جَماجمِ الناسِ.
130
النَّشيدُ المَكسورُ في
الوَطَنِ المُتكرِّر في المَجازرِ والمَذابحِ . كُنْتُ هُناك ، لا كَجُنديٍّ ، ولا
كَمُنْقِذٍ ، بَلْ كَقَلْبِ عَربيٍّ شابٍّ ذَهَبَ إلى أكثر بِقَاعِ الأرضِ وَجَعًا
، فَوَجَدَ نَفْسَه شاهدًا على مَا لا يَنْبغي للإنسانِ أنْ يَراه ، ثُمَّ يُواصِل
العَيْشَ كما كان .
سربرنيتسا لَمْ تَكُنْ مَكانًا
، كانتْ صَدْرًا مَفتوحًا . كُلُّ شارعٍ فيها جُرْحٌ ، وكُلُّ بَيْتٍ صَرْخَةٌ
مُؤجَّلة . وصلتُ وأنا أحْمِلُ في داخلي بَقَايا أوهامٍ عَن العَالَمِ والقوانينِ
والكَلِمَةِ التي تُقَالُ فَتَمْنَع الرَّصاصةَ ، وعَن العُيونِ الزَّرقاءِ التي
يُفْتَرَضُ أنْ تَرى الدَّمَ كَما نَرَاه نَحْنُ ، لكنَّني تَعَلَّمْتُ هُناك أنَّ
العُيونَ تَرى ، والقَلْبُ يَصْمُت ، وأنَّ الصَّمْتَ أحيانًا أشدُّ فَتْكًا مِنَ
السِّلاحِ .
كُنْتُ شابًّا عَرَبيًّا غريبَ
المَلامحِ عَن المَكانِ ، لكنَّ الألَمَ لا يَحتاجُ إلى جَوَازِ سَفَرٍ . رَأيْتُ
الوُجوهَ قَبْلَ أنْ تَخْتفي ، وسمعتُ الضَّحِكَاتِ قَبْلَ أنْ تُقْطَعَ ،
وحَفِظْتُ أسماءً لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ سِوى رَجْفَةٍ في صَدْري . كانوا
يُشْبِهُوننا ، يُشْبِهُون أصدقاءَ الطُّفولةِ ، وآباءَنا حِينَ يَشِيخُون ،
وأُمَّهَاتِنا حِينَ يَقِفْنَ طَويلًا عِندَ النافذةِ يَنْتَظِرْنَ مَنْ لَنْ
يَعُود .
في تِلْكَ الأيَّامِ، كانَ
الهَواءُ ثقيلًا، كأنَّ الأُفُقَ يَخجلُ مِمَّا سَيَحْدُث. نَعُدُّ الأنفاسَ لا
السَّاعاتِ . نَعُدُّ الخُطُواتِ لا الطُّرُقَ . الخَوْفُ لَمْ يَكُنْ شُعورًا ،
كانَ رَفيقًا يَجلسُ مَعَنَا ، ويأكلُ مَعَنَا ، ويَنامُ على صُدورِنا . ومعَ ذلك
، كانَ هُناكَ أمَلٌ صغيرٌ وهَزيلٌ ، نَتمسَّك بِهِ كَما يَتمسَّك الغَريقُ
بِقِطْعَةِ خَشَبٍ لا تُنْقِذُه ، لكنَّها تُؤَجِّلُ مَوْتَه .
ثُمَّ جاءَ اليَوْمَ الذي
انكسرتْ فيه اللغة . الكَلِمَاتُ لا تَكْفي ، والصُّرَاخُ لا يُسْمَعُ ، والدَّمُ
صارَ أسرعَ مِنَ النِّداءِ الصامتِ في العُيونِ الذابلة . رَأيْتُ رِجَالًا
يُسَاقُون كَما تُسَاقُ الظِّلالُ ، وأطفالًا كَبِرُوا في لَحْظَةٍ واحدةٍ ،
وَنِسَاءً صِرْنَ تاريخًا حَيًّا للحُزْنِ . كُنْتُ أقِفُ بَيْنَهم ، لا أمْلِكُ
سِوى أنْ أكُونَ شاهدًا ، والشَّهادةُ في تِلْكَ اللحْظَةِ كانت احتضارًا .
لَمْ أستطعْ أنْ أفْعَلَ شيئًا
. وهذه هِيَ الخَطيئة التي سَأحْمِلُها مَا حَيِيتُ . أنْ تَرى الظُّلْمَ عاريًا
فَتَعْجِز . أنْ يَكُونَ قَلْبُكَ مُشتعلًا ، ويَدَاكَ مُقَيَّدَتَان . أنْ
تَصْرُخَ داخلكَ حتى يَتشقَّق صَدْرُكَ ، ولا يَخْرُج صَوْتٌ . مُنْذُ ذلك اليَوْم
، وأنا أشُكُّ في مَعنى القُوَّةِ ، وقِيمةِ العَالَمِ الذي يَسْمَحُ بِحُدوث هذا
، ثُمَّ يُطالِب الضَّحَايا بالنِّسْيَان .
بَعْدَ أن انتهى كُلُّ شَيْء، لَمْ يَنْتَهِ
شَيْء . سربرنيتسا سَكَنَتْني . في نَوْمي وَيَقَظَتي . في كُلِّ مَرَّةٍ أسمعُ
فيها كَلِمة " إنسانيَّة " تُقَال بِخِفَّة . رَأيْتُ المَقابرَ
تَمْتَدُّ كَصَفَحَاتِ كِتابٍ لَمْ يُكْتَبْ بَعْد ، وكُلُّ قَبْرٍ كانَ سُؤالًا
مُوَجَّهًا للغَرْبِ الصَّليبي الذي يَدَّعي الحُرِّيةَ وحُقُوقَ الإنسانِ: ((
أيْنَ كُنْتُم ؟ )) .
أنا شابٌّ عَرَبيٌّ ضعيفٌ
وبائسٌ . عُدْتُ مِنْ هُناك بجسدٍ واحدٍ ، لكنْ بأرواحٍ كثيرةٍ تَسْكُنُني .
أحْمِلُ وُجوهَهم مَعِي ، وأسمعُ أصواتَهم حِينَ يَهدأ العَالَمُ . لَمْ أعُدْ
أُصدِّق بِسُهولة ، وَلَمْ أعُدْ أفرحُ دُون حَذَرٍ.تَعَلَّمْتُ أنَّ الحُزْنَ
قَدْ يُصْبحُ وَطَنًا ، وأنَّ الذاكرةَ قَدْ تُصْبحُ حُفْرَةً لا فَجْرًا .
سربرنيتسا لَمْ تَكُنْ مَجزرةً فَقَط، كانت اختبارًا سَقَطَ فيهِ العَالَمُ، ونَجَا
فيهِ الألَمُ وَحْدَه. وأنا مَا زِلْتُ هُناك،في تِلْكَ الأزِقَّةِ الباردةِ،
أبحثُ عَنْ مَعْنى للنَّجَاةِ، وَعَنْ عَدالةٍ تأتي مُتأخِّرة،وعَنْ سَلامٍ لا
يُبْنَى فَوْقَ الجَماجِم.
أكتبُ هذا الكَلامَ لا
لأفْتَحَ الجُرْحَ ، بَلْ لأنَّ الجُرْحَ لَمْ يُغْلَقْ أصْلًا . أكتبُ لأقُولَ
إنَّني كُنْتُ هُناك ، وإنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ رَقْمًا ولا خَبَرًا قَديمًا
، بَلْ حَياة كاملة ذُبِحَتْ أمام صمتٍ عالميٍّ ، وأنا الوَحيدُ في وَحْدَةِ
القَلْبِ الذبيحِ ، مُجرَّد شاب عَرَبي نَكِرَة عادَ لِيَحْمِلَ الحِكايةَ بَدَلًا
عَن الذينَ لَمْ يَعُودوا .
(( مَجْزَرَةُ سربرنيتسا أكبرُ
مَجزرةٍ في تاريخِ أُوروبا بعد الحربِ العالمية الثانية ، ارتكبها جَيْشُ صِرْبِ
البُوسنةِ بِزَعامةِ مُجْرِمَي الحَرْبِ رادوفان كراديتش وراتكو ملاديتش بِحَقِّ
سُكَّانِ مدينة سربرنيتسا المُسْلِمِين بالبُوسنةِ والهِرْسِك في شهرِ تَمُّوز /
يوليو 1995 ، وَقُتِلَ فيها أكثر مِن 8 آلاف شخص مَدَني ، وَجَسَّدَتْ حالةً مِنَ
التَّطهيرِ العِرْقِيِّ المَقصودِ والمَنهجيِّ .
في عام 1990 ، انفرطَ عِقْدُ
الاتحادِ اليُوغُسْلافي مُتأثِّرًا بسقوطِ الاتحادِ السوفييتي ، وانهيارِ
المُعسكرِ الشرقي ، فبرزتْ تطلعاتٌ وطنية للشُّعوبِ المُكوِّنة للفيدرالية بعد
عُقود مِنَ الهَيمنةِ الصِّرْبية في إطار الاتحاد الذي أسَّسه الجنرال جوزيف بروز
تيتو عام 1941 .
وَقَبْلَ نِهايةِ عام 1990 ،
أعلنتْ كُرواتيا وسلوفينيا استقلالَهما رَدًّا على أطماعِ الصِّرْبِ في ضَمِّ
جميعِ أقاليمِ الدَّولة في كونفدرالية واحدة يَكُون لهم النصيب الأكبر مِن
السُّلطة فيها ، وَهُوَ مَا حَفَّزَ العِرْقِيَّات الأُخرى للمُطالبةِ بالاستقلالِ
، وإقامةِ كِياناتها السِّياسية الخاصَّة بها ، وهكذا أعلنتْ كُلٌّ مِنْ مقدونيا
والبُوسنة والهِرْسِك استقلالَهما .
رفضتْ صِرْبيا استقلالَ
البُوسنةِ والهِرْسِك بِشِدَّةٍ مُبديةً " مَخاوفَها " على صِرْبِ
البُوسنةِ الذين يُشكِّلون مُكَوِّنًا في الإقليمِ ذِي الأغلبية المُسْلِمة .
قاطعَ صِرْبُ البُوسنةِ وكُرواتيا مَسارَ الاستقلالِ ، بِدَعْمٍ مِنْ سُلُطاتِ
بِلغراد ( عاصمة صِرْبيا ) .
وفي نَيسان / أبريل 1992،
شنَّت الميليشيات الصِّرْبية حَملةً عسكرية واسعة للسَّيطرة على البُوسنةِ والهِرْسِك،
وركَّزتْ هَجَمَاتِها على المَناطقِ المُتاخِمة للحُدود.وكانَ لِمدينة سربرنيتسا
نصيبٌ وافرٌ مِنها نظرًا لِمَوقعها الإستراتيجي،فَهِيَ تُشكِّل جَيْبًا داخلَ
أراضي صِرْبيا، وبالتالي تُمكِّن السَّيطرةُ عليها بعزلِ كُلِّ المناطق الواقعة
مِنها إلى الشَّرْقِ والشَّمالِ الشَّرقي عَنْ باقي أراضي البُوسنة .
نَصَبَت القُوَّاتُ
الصِّرْبيةُ مِدْفعيتها على الجِبالِ المُحيطةِ بالمدينة ، وَشَرَعَتْ في دَكِّها
بِوَحشية ، واستهدافِ الأبرياءِ والمَدَنيين ، وسحبتْ عددًا مِنْ وَحداتها
المُقاتِلة مِنْ كُرواتيا المُجاورة ، ودفعتْ بِها إلى الجَبهة البُوسنيَّة . وفي
مُحاولةٍ لِصَدِّ العُدوانِ عنهم ، نَظَّمَ مُسْلِمُو البُوسنةِ مَجاميع مُسلَّحة
تَتألَّف في أغلبها مِنَ القَرَويين المُسلَّحين تسليحًا بسيطًا عِمادُه بنادق
الصَّيْد . ومَا انقضت الأيامُ العَشرة الأُولَى مِنْ نَيسان / أبريل 1992 ، حتى
دخلت القُوَّاتُ الصِّرْبيةُ مَدينةَ زفورنيك الإستراتيجية ، عازلةً بذلك
سربرنيتسا عَنْ توزلا ، وهي الحاضرة الثانية الأهم في الجَيْبِ المُسْلِم .
وَعِندما بَدا سُقوط سربرنيتسا
وشيكًا ، بادرَ خمسة مِنْ وُجَهاء المُسْلِمِين في المَدينةِ إلى فَتْحِ قَنَوَات
اتِّصال بقيادة صِرْب البُوسنةِ لإخلاء المَدينة مُقَابِل حِماية المَدَنيين .
والتقى الوفدُ قِيادةَ الصِّرْبِ في مَعْقِلِها في براتوناك ، واتفقَ الطرفان على
تسليمِ المُسْلِمين أسلحتهم ، وإخلاءِ المَدينة مِنَ المُقَاتِلِين في 24 ساعة .
وبالتزامن مع ذلك ، التحقَ
كثيرٌ مِنَ المَدَنيين الصِّرْبِ بالميليشيات ، وشاركوا في عمليات نَهْبٍ وَسَلْبٍ
واسعة لِمَساكن وأملاكِ المُسْلِمين في مَدينة سربرنيتسا والبلداتِ المُحيطة بِها
، ودمَّروا نَحْوَ 300 قرية للمُسْلِمين
في نَواحي سربرنيتسا ، وقتلوا أكثر مِنْ 3 آلاف شخص تنفيذًا لِسِياسةِ التَّطهيرِ
العِرْقيِّ .
معَ مَطلع عام 1995 ، أحكمَ
الصِّرْبُ حِصَارَ سربرنيتسا ، وَقَضَوْا على كُلِّ جُيوبِ المُقاوَمةِ حَوْلَها.
وفي 7 تموز / يوليو مِنَ العامِ نَفْسِه شَنُّوا هُجومًا واسعًا للسَّيطرةِ على
المَدينة بقيادةِ الجنرال راتكو ملاديتش ، وشَرَعُوا في تصفيةِ كُلِّ مَنْ
صَادَفُوه في طريقهم ، وَيُقَدَّرُ أنَّ مَا لا يَقِلُّ عَنْ أربعة آلاف شخص (
أغلبهم أطفال ونِسَاء وعَجَزَة ) قَضَوْا بنيرانها في أُسبوعٍ واحد .
انسحبت المُقاوَمةُ البُوسنيَّة
في طوابير تفاديًا لحقول الألغام الكثيرة ، ولكنْ سُرْعان مَا حَاصَرَهَا
الصِّرْبُ ، وكانَ أغلبُ المُنْسَحِبِين بِلا أسلحة .
وَرَغْمَ ذلك دارتْ مَعارك
عَنيفة بَيْنَ الجَانِبَيْن استمرَّتْ يَوْمَي 11 و12 تَمُّوز / يوليو ، لكنْ
رَجَحَت الكِفَّةُ للصِّرْبِ في اليومِ التالي ، وتَمَكَّنُوا مِنْ أسْرِ أعدادٍ
كبيرة مِنَ البُوسنيين بَيْنَهُم عَجَزَة وَنِسَاء وأطفال ، وَنَقَلُوهُم إلى
راتوناك ، حيث زارهم ملاديتش شخصيًّا ، وطَمْأنَهُم بأنَّهم سَيُحَرَّرُون في
عملية تبادُل للأسْرَى .
وفي 14 تَمُّوز/ يوليو، نُقِلَ
هؤلاء المُعْتَقَلُون إلى جِهاتٍ مُختلفة، حَيْثُ أُعْدِمَ مَا بَيْن 4 آلاف و5
آلاف شخص ، في عمليات تَصْفية مُمَنْهَجَة ومُنظَّمة ، وَفْقَ تقديرات المَحْكمة
الدَّوْلية الخاصَّة في يُوغُسْلافيا ، في حِينَ قُتِلَ 4 آلاف آخَرِين خِلال
اقتحام القُوَّاتِ الصِّرْبية للمدينة .
اعتبرت المَحكمةُ الدَّوْلية
الخاصَّة بِيُوغُسْلافيا مَجزرةَ سربرنيتسا إبادةً عِرْقِيَّةً ، لكنَّها رفضتْ
عام 2006 تَحميلَ المَسؤولية للدَّوْلة الصِّرْبية مُكْتفية باتِّهامها
بالتَّرَاخِي في مَنْعِ الإبادةِ . وفي المُقَابِل ، أدانت المَحكمةُ زَعِيمَيْ صِرْبِ
البُوسنةِ رادوفان كراديتش وراتكو ملاديتش بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضِد
الإنسانية )) .
وَتُعَدُّ مَجزرةُ سربرنيتسا
الأسوأ في أُوروبا بعد الحربِ العالمية الثانية ، إذْ لَجَأ مدنيون بوسنيون مِنْ
سربرنيتسا في 11 تَمُّوز / يوليو 1995 إلى جُنود هولنديين لحمايتهم ، بعدما
احْتَلَّت القُوَّاتُ الصِّرْبية بقيادةِ راتكو ملاديتش المَدينةَ ، غَيْر أنَّ
القُوَّات الهولندية التي كانتْ مُشارِكةً ضِمْن قُوَّاتٍ أُمَمِيَّة ، أعادتْ
تَسليمَهم للقُوَّاتِ الصِّرْبية ، لِتَقُوم الأخيرةُ بعملية إبادة جَمَاعِيَّة قَضى
فيها أكثر مِنْ 8 آلاف بُوسني مَدَني مِنَ الرِّجالِ والفِتْيَان ، معَ عمليات
اغتصاب واسعة للنِّسَاءِ البُوسنيَّات . وَدَفَنَ الصِّرْبُ القَتلى البُوسنيين في
مَقابر جَمَاعِيَّة . وَبَعْدَ انتهاءِ الحَرْبِ أطلقت البُوسنةُ أعمالَ البحثِ
عَن المَفقودين، وانتشالِ جُثَثِ القَتلى مِنَ المَقابرِ الجَمَاعِيَّةِ ،
وتَحديدِ هُوِيَّاتهم .
131
بدأتْ عَمليةُ العاصفةِ في 4
آب / أَغُسْطُس 1995 . كانتْ آخِرَ معركة كُبرى في حربِ الاستقلالِ الكُرواتية ،
وعاملًا رئيسيًّا في نَتيجةِ حربِ البُوسنة . كانَ انتصارًا حاسمًا للجَيْشِ
الكُرْواتيِّ الذي شَنَّ هُجومًا بأكثر مِنْ 100 ألف جُندي عبر جَبهةٍ بِطُول 630
كم ضِد جُمهوريةِ كرايينا الصِّرْبِيَّة المُعْلَنَة ذاتيًّا ، وانتصارًا
إستراتيجيًّا لجيشِ جُمهوريةِ البُوسنةِ والهِرْسِك الذي دَعَمَ الجَيْشَ
الكُرْواتي . وقَدْ تَمَكَّنَ مِن استعادةِ الأراضي الرئيسية التي كانتْ تحت
سَيطرةِ المُتمردين الصِّرْبِ خِلال ثلاثة أيام مِنَ القِتالِ المُكَثَّفِ .
قالَ لِيَ الأميرُ أبو حمزة
الجزائري قبل استشهاده : (( الكُرْواتُ كاثوليك، والصِّرْبُ أُرثُوذُكْس،
وكُلُّهُم كُفَّارٌ ، وَهُمْ يُكَفِّرُون بَعْضَهم البعض، وَبَيْنَهم حُروب طاحنة
وعَداوة شديدة ، ولا يَجتمعون إلا على حَرْبِ الإسلامِ والمُسْلِمين )) .
انتشرتْ نُكْتَة في حربِ
البُوسنةِ:كَيْفَ نُميِّز بَيْنَ الكنيسةِ الكاثوليكية والكنيسةِ
الأُرثُوذُكْسِيَّة ؟. الجواب : الكنيسةُ الأُرثُوذُكْسِيَّة هِيَ التي لا تَزَال
قائمة . والمَعْنى هُوَ أنَّ الصِّرْبَ الأُرثُوذُكْس قاموا بهدمِ الكنائسِ
الكاثوليكية ، فَلَمْ تَعُدْ مَوجودةً . وكُلُّ الكنائسِ المَوجودةِ هِيَ
أُرثُوذُكْسِيَّة فَقَط .
بَعْدَ استشهادِ الأمير "
أبو حمزة الجزائري " لَمْ أعْرِفْ أيْنَ أذهبُ . صِرْتُ تائهًا وضائعًا .
لَقِيَني جُندي بُوسني قوي البُنْية وَآثارُ الشجاعةِ ظاهرة عَلَيْه ، وشاركَ في
مَعارك كثيرة ، وقالَ لِي :
_ مَا رَأيُكَ أنْ تُشاركَ معَ
الجُنودِ البُوسنيين الذينَ سَيَدْعَمُون الجَيْشَ الكُرْواتي في هُجومه على
الصِّرْبِ ؟ .
كُنْتُ أستعدُّ للكَذِبِ،
واختراعِ البُطولاتِ الوهمية، والظُّهورِ بِمَظْهَرِ المُقَاتِلِ الشُّجاعِ،ولكنْ
هذه حَرْب حقيقية وخطيرة. قَرَّرْتُ أنْ أكُونَ صادقًا كَيْ أهْرُبَ مِنْ هذه
المُواجَهة . قُلْتُ بِصَوْتٍ كَسِير :
_ بِصَراحة أيُّها القائدُ ،
أنا شابٌّ عربي ضعيفٌ،لا أصْلُحُ للقِتالِ ، وخَوْضِ المَعاركِ والحُروبِ ، ولا
أُتقِنَ استخدامَ الأسلحة، ولا أُريدُ أنْ أمُوتَ مِثْلَ أبي الرُّوحي الأمير
" أبو حمزة الجزائري " .
كُنْتُ أُخاطِب أيَّ جُندي
بُوسني بالقائد مَهْما كانتْ رُتبته ، احترامًا له ، وتَقْديرًا لِمَكانته .
قالَ لِي بِنَبْرَةٍ عاديَّة
بعيدة عن الأوامرِ العسكرية :
_ لا تُشَارِكْ في القِتال ،
ابْقَ معَ الجُنودِ البُوسنيين للخِدْمَةِ ، والطبخِ ، والاعتناءِ بِهِم .
سَتَكُون في الصُّفوفِ الخلفية بعيدًا عن أرضِ المَعركةِ .
أعْجَبَتْني الفِكْرة،وسَوْفَ
أكُونَ خَدَّامًا للجُنودِ البوسنيين،مِثْلَما كانتْ أُمِّي سَميحة خَدَّامة
للناسِ.
كُنْتُ ضَعيفًا ، هَكذا كانوا
يَرَوْنَني ، وهَكذا كُنْتُ أرى نَفْسِي حِينَ أنظرُ إلى انعكاسي المُرتعِشِ على
خُوذَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ مَرْمِيَّةٍ قُرْبَ الخَيْمَة . أنا شابٌّ عَرَبيٌّ نَحِيلُ
الجَسَدِ ، وذابلُ الصَّوْتِ ، أتحرَّك بَيْنَ الجُنودِ كَظِلٍّ لا يُسْألُ عَن
اسْمِه ، ولا يُنتظَر مِنْهُ أكْثَر مِنْ أنْ يَحْمِلَ ويُنظِّف ويَصْمُت .
جِئْتُ إلى البُوسنةِ ، لا
فارسًا ولا مُقَاتِلًا. أنا الآنَ أخْدُمُ الجُنودِ البُوسنيين في جَيْشِ
جُمهوريةِ البُوسنةِ والهِرْسِك ، الذي مَدَّ يَدَه للجَيْشِ الكُرْواتي في عمليةِ
العاصفةِ ، تِلْكَ التي دَوَّتْ في صَيْفِ 1995 ، حِينَ انشقَّ الزمنُ ، وسالَ
التاريخُ كَجُرْحٍ مفتوح . يَمْضُون إلى الجَبْهَةِ ، وأنا أمْضِي خَلْفَهم،
أحْمِلُ قُدورَ الطعامِ، وأرْبِطُ الأحذيةَ، وأجْمَعُ أشياءَهم مِنَ الأرضِ كَمَنْ
يَجْمَعُ بَقَايا الأرواحِ.
أسْمَعُ هَدِيرَ الشاحناتِ ،
وصُراخَ الأوامرِ ، وارتطامَ البَنادقِ بِبَعْضِها ، فِيما قَلْبي يَرتجفُ
كَعُصْفُورٍ عالقٍ في قَبْضَةِ الحُلْمِ . لَمْ يَكُنْ لِي سِلاحٍ سِوى مُسَدَّسِي
الصغيرِ الذي أعطاني إيَّاه الأميرُ أبو حمزة الجزائري ، وَيَدَيْنِ مُتَشَقِّقَتَيْن
، وَظَهْرٍ انحنى مُبَكِّرًا تَحْتَ ثِقَلِ الخِدْمَةِ والخَوْفِ . يُنادونني دُون
أنْ يَنظُروا في عَيْنَي ، وكأنَّني جُزْءٌ مِنَ الأرضِ التي يَقِفُون عَلَيْها ،
شَيْءٌ صامتٌ ، ضَروري ، لكنَّه غَيْرُ مَرئيٍّ .
حِينَ بَدأت العمليةُ ،
تَغَيَّرَ الهواءُ ، صارَ أثقلَ ، وَمُشْبَعًا برائحةِ الحَديدِ والدُّخَانِ .
الجُنودُ البُوسنِيُّون الذينَ أخْدُمُهُم كانوا مَشْدُودين بَيْنَ الواجبِ
والتحالفِ . يَمْضُون لدعمِ القُوَّاتِ الكُرْواتيةِ ضِد الصِّرْبِ ، وأنا أمضي
مَعَهُم ، لا لأنَّني أفْهَمُ الخَرائطَ ، بَلْ لأنَّ قَدَري مَربوطٌ بِخُطُواتهم
. أُرَاقِبُ وُجوهَهم حِينَ يَعُودون مِنْ خُطوطِ التَّماس ، عُيونٌ زُجَاجِيَّة ،
وأكتافٌ مُتَيَبِّسَة ، وَصَمْتٌ أبْلَغُ مِنْ أيِّ خِطَابٍ .
في الليلِ ، أنامُ قُرْبَ
الخِيَامِ . أحْتَضِنُ رُكْبَتَيَّ كَطِفْلٍ ضائعٍ . أسمعُ القَصْفَ البعيدَ ،
وأحْسُبُ الثواني بَيْنَ الوَميضِ والصَّوْتِ، كأنَّني أَعُدُّ ضَرَبَاتِ قَلْبي. أسألُ
نَفْسي: كَيْفَ انتهى بِي المَطَافُ هُنا خادمًا في حَرْبٍ لَيْسَتْ لِي ، وشاهدًا
على دَمٍ لا يَحْمِلُ اسْمِي ، ولا لُغَتي ، ولا حَتَّى حِكَايتي . ومعَ ذلك ،
كانَ الخَوْفُ واحدًا ، والبَرْدُ واحدًا ، والمَوْتُ حِينَ يَقْتربُ لا يَسألُ
عَن الأصل .
أنا ضعيفٌ عاجزٌ نَسِيَ
التاريخُ مَلامحَ وَجْهي ، وأنكَرَت الحَضَارةُ شُقُوقَ جِلْدِي . أجْمَعُ
الصُّحُونَ بَعْدَ الوَلائمِ العَسكريةِ ، وأغْسِلُ الدَّمَ عَن الأقمشةِ ،
كأنَّني أُحَاوِلُ عَبَثًا أنْ أغْسِلَ الحَرْبَ نَفْسَها . أحيانًا كانوا
يَضْحَكُون . يُربِّتون على كَتِفي . يَقُولون إنَّني مَحظوظ لأنَّني لستُ في
الصُّفوفِ الأماميَّة. لَمْ يَفْهموا أنَّ الصَّف الخَلْفي لهُ جِرَاحُه أيضًا .
أنْ تَرى ولا تَستطيع ، أنْ تَسْمَعَ ولا تَمْلِك سِوى الصَّمْتِ ، تِلْكَ مَعركة
أُخْرَى ، بِلا أوسمةٍ ، ولا قُبورٍ مَعروفةٍ .
أَحْلُمُ بالرَّحيل ، بأنْ
أعُودَ إنسانًا عاديًّا لا ظِلًّا . لكنَّ كُلَّ صَباحٍ يُعيدُني إلى الدَّوْرِ
ذَاتِه : أُوقِظُ النائمين ، وأُعِدُّ الطعامَ ، وأتذكَّر الغائبين بصمتٍ . وحِينَ
انتهت العمليةُ ، وحُسِمَت الجَبَهَاتُ ، بَقِيَ في داخلي شَيْءٌ لَمْ يُحْسَمْ .
بَقِيتُ ضَعيفًا في نَظَرِهِم ، لكنَّني أعْرِفُ أنَّني حَمَلْتُ مَا لا يُرى :
ثِقَل الأيَّام ، وَصُوَر الوُجوه ، وَصَوْت التاريخِ وَهُوَ يُكْتَبُ فَوْقَ
ظُهورِ البُسَطاء .
أنا ذلك الشابُّ العَرَبيُّ
الذي مَرَّ مِنْ هُناك دُون أنْ يُذكَر في التقارير . لَمْ أُطْلِقْ رَصاصةً ،
وَلَمْ أرفعْ عَلَمًا ، لكنَّني شَهِدْتُ العاصفةَ ، وخرجتُ مِنها مَكسورًا ،
نَعَم ، لكنْ حَيًّا ، حَيًّا بِما يَكْفي لأحْكِيَ ، وبِما يَكْفي لأقُول : ((
حتى الضُّعَفَاء ، حِينَ يُجبَرون على السَّيْرِ في قَلْبِ المَلْحَمَةِ ، يَتركون
فِيها جُزْءًا مِنْ دَمِهِم ، وَلَوْ لَمْ يُرَ )) .
في صَيْفٍ اختنقَ بالرَّمادِ
والدُّخَانِ ، ارتفعتْ أصْوَاتُ المَدافعِ والصُّرَاخُ على الأرضِ المُلْتَهِبَة .
الرِّياحُ تَحمِل وَشْمَ المَعركة ، وَتَهُبُّ عَلى قُرى مُدجَّجة بالخَوْفِ
والآلامِ القديمة . العاصفةُ تَجتاحُ الأرضَ كَرُمْحٍ مِنْ نارٍ . القُوَّاتُ
الكُرْواتيةُ الكاثوليكية تَسِيرُ بِلا تَرَدُّدٍ ، والقُلوبُ مُشتعلة بالإصرارِ ،
والعُيونُ تَلْمَعُ بِعَزيمةٍ لا تَعرِف الانكسارَ .
هُناك ، بَيْنَ الأنهارِ
والجِبالِ المُمَزَّقَة ، تَصَادَمَ شَعْبَان وَجْهًا لوجهٍ : الكُرْوَات
الكاثوليك والصِّرْب الأُرثُوذُكْس ، وكُلُّهُم يُقَدِّسُون الصَّليبَ الدَّمَوِيَّ
والإنجيلَ الأسْوَد. التاريخُ حاضرٌ ، يُشَاهِد بِصَرامةٍ ، والعَدَاوةُ القديمةُ
تَتَغَلْغَلُ في كُلِّ شِبْرٍ مِنَ التُّراب . الجُنودُ يَتحركون كَظِلالِ الحرب ،
وكُلُّ خُطْوَةٍ لَهُم هِيَ صَرْخَة في وَجْهِ الحياة ، وكُلُّ طَلْقَةٍ تَحمِل
عِبْءَ سَنَوَاتٍ مِنَ الخَوْفِ والمُعاناة.
في لَحْظةِ الانفجارِ العظيمِ،حِينَ
اختلطت الأرضُ بالرمادُ والأُفُقُ بالدِّماءِ ، ارتفعتْ أعلامُ كُرْواتيا في مُدُنِ
الدُّموعِ . كانَ الانتصارُ صاخبًا وناريًّا ، يَكتبُ على وُجوهِ الرِّجالِ
والأرضِ قِصَّةَ صُمودٍ لا يَنكسِر ، وحِكايةَ شَعْبٍ استعادَ كَرامته وأراضيه
بَعْدَ الألَمِ والذُّلِّ . وَتَرَكَ الصِّرْبُ وَراءَهم المُدُنَ المُلتهبةَ
والذكرياتِ المُؤلِمة ، أمامَ قُوَّةٍ لَمْ يَعرِفوا كَيْفَ يُواجهونها ، وإرادةٍ
كُرْواتية مُشتعلةٍ بالثباتِ والعَزيمة . كانت العاصفةُ أكثرَ مِنْ مُجرَّد عمليةٍ
عسكرية . إنَّها مَلْحَمَةُ الرُّوحِ ، وَصِرَاعُ الجُنُونِ والتاريخِ ،
وَمُوَاجَهَةُ الدَّمِ والإرادةِ ، واختبارُ الناسِ والأرضِ معًا . كُلُّ قَريةٍ
تَحَرَّرَتْ ، وكُلُّ مَدينةٍ اسْتُعِيدَتْ ، كانتْ شاهدةً على صُمودِ الشَّعْبِ
الكُرْواتي ، وحَقيقةِ أنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ مُجرَّد مَعركةِ أسلحةٍ ، بَلْ هِيَ
اختبارٌ للقَلْبِ والرُّوحِ والقُوَّةِ التي تَجْعَلُ مِنَ العَزْمِ انتصارًا ،
وَمِنَ الصُّمودِ أُسطورةً .
في صَمْتِ مَا بَعْدَ العاصفة
، حِينَ خَبَتْ أصواتُ المَدافع ، بَقِيَت الأرضُ تَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ ، تَحْمِلُ
في تُرْبتها قِصَصَ الشَّجَاعةِ والخَسارةِ ، الانتصارِ والهزيمة ، الفَخْرِ
والحُزْن .
كَتَبَتْ كُرْواتيا فَصْلَها
الكبيرَ ، فَصْل يَحْكي كَيْفَ يَصنعُ الشعبُ التاريخَ بِعَزيمته ، وكَيْفَ
تَتحوَّل الحَرْبُ ، مَهْما كانتْ وَحشيةً ، إلى مَلْحَمَةٍ لا تُمْحَى مِنْ
ذاكرةِ الأرضِ والناسِ .
132
في 14 كانون الأوَّل / ديسمبر
1995 ، تَمَّ التَّوقيعُ رسميًّا على اتفاقية دايتون للسَّلام في باريس ، التي
أنهتْ حربَ البُوسنة . وَبَقِيَت الاتفاقيةُ تُعْرَفُ باسمِ مَدينة دايتون
الأمريكية ، حَيْثُ وُقِّعَ عَلَيها بالأحرفِ الأُولَى .
كُنْتُ أتَجَوَّلُ في سَراييفو
وأنا أرتعشُ مِنْ شِدَّةِ البَرْدِ . سمعتُ رَجُلًا عَجُوزًا يَقُول : (( إنَّ
الغربَ الصَّليبي الذي أرادَ مَحْوَ الإسلامِ والمُسْلِمِين مِنْ أُوروبا ،
سَيَدْفَع الثمنَ غاليًا، ولا مُسْتَقْبَل لأُوروبا النازيَّة الفاشيَّة سِوى
الدَّمارِ والانقراضِ )) .
اقتربتُ مِنْ هذا العَجُوز
البُوسنيِّ ، وأظهرتُ مُسَدَّسِي أمَامَه ، وقُلْتُ بصوتٍ صُلْبٍ : (( أنا
مُسْتَعِدٌّ أنْ أُقَاتِلَ الصِّرْبَ ألفَ سَنَة ، وَسَوْفَ أكْسِرُ الحِصَارَ ،
وَلَنْ أرفعَ الرايةَ البَيْضَاءَ ، ولا أُريدُ وَقْفَ إطلاقَ النارِ ، وأرفضُ
اتفاقيات السَّلام )) .
مَثَّلْتُ دَوْرَ المُقَاتِلِ
الشُّجاعِ على خَشَبَةِ المَسْرَحِ المُحترِق . أردتُ إظهارَ نَفْسِي كَمُقَاتِلٍ
قوي. مارستُ هِوَايتي في الكَذِبِ ، واختراعِ البُطولاتِ الوهميَّة ، وابتكارِ الشِّعارات
الرَّنَّانة الفارغة . كانَ الرُّعْبُ يُسَيْطِر على جَوَارحي ، والقَلَقُ يُمزِّق
أحشائي ، والحُزْنُ يُحطِّم عِظَامي .
نَظَرَ العَجُوزُ إلَيَّ
بِعَيْنَيْن دَامِعَتَيْن ، وابتسمَ ابتسامةً عابرة ، ومَضَى في طريقه ، وَهُوَ
يَتوكَّأ على عُكَّازِه . وَلَسْتُ أدْرِي هَلْ كانتْ ابتسامته إعجابًا بِشَجاعتي
الوَهميةِ أَمْ سُخرية مِنِّي واستهزاء بِي .
لا أفْهَمُ تفاصيلَ السِّياسةِ
وألاعيبَها ، لكنَّني أفْهَمُ جَيِّدًا كَيْفَ تَتْعَبُ القُلوبُ حِينَ تَتحوَّل
الأوطانُ إلى أوراقٍ على طاولاتِ المُساوَمة. لَمْ أقرأ بُنُودَ اتفاقية دايتون
للسَّلام.أنا الأطرشُ في الزَّفَّةِ، ولكنَّني سَمِعْتُ مِنْ بعضِ الناسِ
مُصْطَلَحَاتٍ وتعابير مِثْل : وقف الأعمال العَدَائية . هَيْكَلَة الدَّولة .
الحُكومة المركزية والرئاسات الثلاث. الحُدود وتَوزيع الأراضي . عَودة اللاجئين .
الوِصَاية الدَّوْلية. المَحْكمة الدَّوْلية .
تَوَقَّعْتُ أنْ أحْصُلَ على
أعلى الأوسمةِ العَسكرية بسببِ مُشاركتي في حربِ البُوسنةِ ، خُصوصًا أنَّني
القائدُ الكَشْميري. وكُنْتُ في فَترةٍ سابقةٍ أُقَدِّمُ نَفْسِي كَمُسَاعِدٍ
للأميرِ " أبو حمزة الجزائري " ، وَسَوْفَ أتصوَّر معَ رئيسِ
الجُمهوريةِ ورئيسِ الوُزَرَاء وكِبَار المَسؤولين ، وَسَيَكُون لِي آلاف
المُعْجَبِين والمُعْجَبَات في الشعبِ البُوسنيِّ .
كانَ مِنْ شُروطِ اتفاقية
دايتون أنَّ على جميعِ المُقَاتِلِين الأجانب مُغادرة البُوسنةِ بِحُلولِ عام 1996
، وهذا مَا حَصَلَ ، باستثناء بعضِ العربِ الذين فَضَّلُوا الاستقرارَ في البُوسنة
لِظُروفهم الشخصية ، حيث كانوا مُتَزَوِّجِين مِنْ سَيِّدَات بُوسنيَّات . وهُناك
فِئة قليلة كانتْ سَتُوَاجِه أحكامًا بالسَّجْنِ في بُلْدانها بسبب ادِّعاءات
الإرهابِ ، كالمِصْريين ومُواطني دُوَلِ المَغربِ العربيِّ . وطالبَ الرئيس
البُوسنيُّ علي عزت بيغوفيتش تِلْكَ الدُّوَل بتقديمِ الأدلة ضِد المَطلوبين حتى
يَسْمَحَ بتسليمهم ، ولمَّا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِم أدلة ، منحهم الرئيسُ بيغوفيتش
حُرِّيةَ البقاءِ ، حيث حصلوا على الجِنسيةِ البُوسنيَّة لِمُشاركتهم في القِتال .
تَغَيَّرَت الأحوالُ بعد
انتهاءِ ولايةِ بيغوفيتش الرئاسية ، وجاءَ رئيسٌ جَديدٌ وحُكومة جديدة ، كَثَّفَتْ
مِنْ مُلاحقتها ومُراقبتها للعربِ المَوجودين في البُوسنة ، سواءٌ كانوا مِنَ
المُجاهدين السابقين أَمْ مِنَ العاملين في هَيئاتِ الإغاثةِ التي كانتْ مُتواجدة
بكثرةٍ . وتعرَّضت الحُكومةُ البُوسنية للابتزاز عن طريقِ قطع المَعُونةِ
الأمريكية ، وتعرَّضت كذلك لضغوط من دُوَل أُوروبية ، وَمِنْ حِلْفِ شَمالِ
الأطلسي ( الناتو )، وصارتْ تُهَمُ الإرهابِ تُحاصِر العَرَبَ في البُوسنة،
وَطُلِبَ مِنهُم مُغادرة البَلْقَان بِمُوجِب شُروط اتفاقية دايتون للسلام ،
وَسُحِبَت الجِنسيةُ البُوسنية مِنَ الكثيرين مِنَ العَرَبِ ، وَمُنِعَ المِئات
مِنَ المُطالبةِ بحقوقِ المُواطنة .
والجَميعُ يُدرِك مَا قَدَّمَه
المُجاهدون العربُ في البُوسنةِ ، دُونَ أنْ يَطْلُبوا ثمنًا مِنْ أحدٍ ، فَقَدْ
قَدَّموا أغلى مَا يَملِكه الإنسانُ بعد الإيمانِ ، وَهِيَ النَّفْس . ودافعوا عن
المُسْتَضْعَفِين مِنَ النِّسَاءِ والأطفالِ في وجهِ الإبادةِ التي استهدفت
الإسلامَ والمُسْلِمين في البُوسنة .
إنَّ البُشناق المُسْلِمين
كانوا ضَحايا الحربِ ، أمَّا ضحايا السَّلامِ فَهُم المُجاهدون العرب . وَقَدْ
نَصَّت اتفاقيةُ دايتون على حَلِّ كتيبة المُجاهدين العرب وإخراجِهم مِنَ البُوسنة
، وَهُوَ مَا تَمَّ بالفِعْلِ ، وَلَمْ يَبْقَ في البُوسنةِ سِوى مَنْ تَزَّوَجَ
مِن امرأةٍ بُوسنية ، وله مِنها أطفال ، ولا يَستطيعُ العَودةَ إلى بِلاده ، لأنَّ
نِظامها السِّياسيَّ يَعْتبره إرهابيًّا مَا دامَ شاركَ في الحربِ التي فُرِضَتْ
على المُسْلِمين في البُوسنة .
وَقَدْ دافعَ الرئيسُ البُوسني
علي عزت بيغوفيتش ( 1925 _ 2003 ) بِكُلِّ شجاعةٍ وَحَزْمٍ عَنْهُم طيلة فَترةِ
حُكْمِه. دافعَ عنهم في وجهِ الضُّغوطات ، ورفضَ تسليمَ أيِّ مِنهم لأيَّة جِهة
كانتْ، وباسمِ القانون ، لأنَّه لا تُوجَد أدلة على تَوَرُّطِهم في أيَّة أعمال
إرهابية أوْ مَا شابهها ، لكنَّ رحيل الرَّجُل الفَيلسوف والسِّياسي غَيَّرَ
الأوضاعَ في البُوسنة .
كانَ أوَّلُ عملٍ قامتْ بِه
القُوى المُناهِضة للعربِ في البُوسنة ، وَهِيَ الصِّرْب والكُرْوات والشيوعيون
وبعض الجِهات الدَّوْلية ، هُوَ تشكيل لَجْنة لسحبِ الجِنسية البُوسنيَّة مِنَ
العربِ ، الذينَ حَصَلُوا عليها أثناءَ الحربِ وبعدها . وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ ذلك
حتى الشُّهَداء ، بَلْ كانوا مَعْنيين بالدَّرَجَةِ الأُولَى، وبالتالي فالقضيةُ
لا تَتعلَّق بالإرهابِ، وإنَّما الانتقام والتَّشَفِّي مِنَ الدَّوْرِ الذي قامَ
بِهِ المُجاهدون العرب في الحرب ، وَهُوَ المُساهمة في مَنْعِ ابتلاعِ البُوسنة
مِنْ قِبَل صِرْبيا وكُرواتيا ، ومنعِ قتلِ المَزيدِ مِنَ الضَّحَايا والمَزيدِ
مِنَ النِّسَاءِ المُغْتَصَبَات ، والمَزيدِ مِنَ التَّدميرِ والهَدْمِ الذي قَضى
على البُنيةِ التحتية ، وطالَ أكثر مِنْ ألْفِ مَسْجِد .
والبُشناقُ المُسْلِمِين في
البُوسنةِ لَيْسَ لَهُمْ يَدٌ فِيما يَجْري للمُجاهدين العرب، بَلْ يَخْشَوْنَ
بِدَوْرِهم مِن الاتهامات التي تَطَالُهُم ، فَهُناك قُوى إثنية ودَوْلية تَقِفُ
وراءَ مُعاناة العربِ في البُوسنةِ .
تَمَّ تَسْليمي أنا ومَجموعة
مِنَ المُقَاتِلِين العَرَبِ إلى قُوَّةٍ أمنية أمريكية ، وَوُجِّهَتْ لَنَا
كَذِبًا وَزُورًا تُهْمَة مُحاولة تفجير السَّفارةِ الأمريكية في سَراييفو ،
ونَحْنُ لا نَعْرِفُ أيْنَ تَقَعُ السَّفَارة . وَتَّم نَقْلُهُم مِنَ البُوسنةِ
إلى غوانتانامو. وهذه التُّهمة فَنَّدَها القَضَاءُ البُوسنيُّ .
في التَّحقيقِ ، لَمْ يَسألنا
الأمريكان عَنْ أشياء لها صِلَة بالسَّفَارة ، وإنَّما أسئلة عَنْ عَلاقاتنا
وصِلاتنا . والمُحَامِي الأمريكيُّ أخْبَرَنَا أنَّه لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتأكِّدًا
مِنْ عَدالةِ قضيتنا لِمَا قَبِلَ الترافعُ عَنَّا . وخُلاصةُ الأمرِ أنَّ
تَسْليمنا تَمَّ لأغراضٍ سِياسية . ومَجموعةُ المُقَاتِلِين العرب ذَهَبَتْ
أعمارُهم هَبَاءً في غوانتانامو . وأنا الوحيدُ الذي نَجَا مِنْ هَذا المصير . قالَ
لِيَ المُحَقِّقُ الأمريكيُّ :
_ نَحْنُ نَعرِف عَنْكَ كُلَّ
شَيْءٍ ، أنتَ القائدُ الكَشْميري ، وتَتَحَدَّثُ اللغةَ الإنجليزيةَ بِطَلاقةٍ ،
وهذا يدلُّ على أنَّكَ قائدُ الجِهَادِ العالميِّ، وَمِنْ أهَمِّ الرُّمُوزِ التي
تَنْشُر الإسلامَ الوَهَّابيَّ .
لَمْ أعْرِفْ في تِلْك
اللحْظَة هَلْ أضحكُ أَمْ أبكي. تَلَفَّتُّ حَوْلي ، هَل أنا المَقصودُ بهذا الكلام
أَمْ شَخْصٌ غَيْري ؟ . قُلْتُ بِهُدوء أعصاب غريبٍ :
_ هذا مُجرَّد لَقَبٍ
اخْتَرَعْتُه كَيْ يَعرِفوا أنَّني شُجاعٌ وقوي ، أنا شخصٌ ضعيفٌ وعاجزٌ لا
أصْلُحُ للقِتَالِ . أنا بَيَّاعُ كَلامٍ ، جِئْتُ إلى البُوسنةِ بالخطأ . كُنْتُ
أدرسُ في جامعةِ أُكسفورد ، وكانَ لِي صَديقة صِرْبِيَّة مَسِيحِيَّة لاعبة تنس
أرضي تَرتدي تَنُّورَةً فَوْقَ الرُّكْبَة ، وأُدخِّن الماريجوانا ، وأعْرِفُ
همنغواي وفوكنر ومايكل جاكسون ومادونا ومايكل جوردان ونَجْمات هوليوود العاريات .
لكنَّ قَلْبي ، رَغْمَ ازدحامِ
هذه الأسماءِ في ذاكرتي ، كانَ يَبحثُ عَنْ وَجْهٍ واحدٍ صادقٍ ، لا تَصْنعه
الأضواءُ ، ولا تُعَرِّيه الشُّهْرَة . وبالتأكيد ، لَمْ أُخْبِر المُحَقِّقَ
الأمريكيَّ بهذه الحقيقة .
ذَكَرْتُ كُلَّ هذه التفاصيل
للمُحَقِّقِ الأمريكيِّ ، كَيْ يَعْرِف أنَّ ثقافتي أمريكية ، وأنَّني فاسقٌ وصايع
ومُتَحَرِّرٌ، وهذا بالتأكيدِ سَيُبْعِد عَنِّي تُهْمَةَ الإرهابِ ، وَسَوْفَ
يُقَدِّمُني كشخصٍ مُتَحَضِّر وتَنويري ومُنْفَتِح ومُعْتَدَل ، خُصُوصًا أنَّ
الغربَ يَعْتبروننا رُعْيَانَ غَنَمٍ مُتَخَلِّفِين ، وَبَدْوًا تائهين في رِمَالِ
الصَّحَاري،ولا تاريخ لنَا ولا حَضَارة،وَلَيْسَ لَنَا رُمُوزٌ سِوى الجِمَالِ
والخِيَامِ والصَّحَاري والنِّفْط.
133
طُرِدَ الكثيرون مِنَ
المُقَاتِلِين العَرَبِ مِنَ البُوسنةِ بَعْدَ ضُغوطاتٍ أمريكية وأُوروبية هائلة .
تَمَّ طَرْدي مِنَ البُوسنةِ بِلا أوسمةٍ عَسكريةٍ ولا أكاليلِ غارٍ ، وَلَمْ
يُسْمَحْ لِي بِتَوديعِ زَوْجتي . رُبَّما اعتقدتْ أنَّني تَعَرَّفْتُ عَلى امرأةٍ
غَيْرِها ، وَهَرَبْتُ مَعَهَا.وعلى أيَّة حال ، أتمنَّى أنْ تَجِدَ زَوْجًا
حقيقيًّا قادرًا على إشباعِها عاطفيًّا وجَسَدِيًّا ، ولَيْسَ زَوْجًا معَ وَقْفِ
التنفيذ مِثْلي ، أنا العاجزُ جِنْسِيًّا ، وَالفَاشِلُ
اجتماعيًّا ، وَالمَرِيضُ نَفْسِيًّا .
خَرَجْتُ مِنَ التاريخِ،لا دَولةٌ وَرائي، ولا مُسْتَقْبَلٌ أمَامِي . لا وَطَن ولا
عائلة ولا زَوْجة ولا أولاد . أعيشُ مُتَحَرِّرًا مِنَ العَناصر، لا تَعترف الشمسُ
بِوُجودي ، ولا أحد يَنتظرني ، ولا أنتظرُ أحَدًا . هذه هِيَ الحُرِّيةِ في أقْسَى
مَعَانيها ، وأصعبِ صُوَرِها .
مِنْ كَثرةِ مَا أُفكِّر في
المَوْتِ ، لَمْ أعُدْ قادرًا على الحَياة . صِرْتُ أُعاني مِن انفصامٍ بالشخصية.
أحيانًا أُفكِّر لَوْ عِشْتُ حَيَاتي كأيِّ شخصٍ نَكِرَة ، أتزوَّج ، وأُنْجِبُ ،
وأدخلُ في المَتاهةِ الاستهلاكيةِ كأيَّة سِلْعَة ، وأمُوت ، وأذهبُ إلى
النِّسْيَان كأنَّني لَمْ أكُنْ . تُصْبحُ المَشاعرُ أداةً ، ويُصْبحُ القَلْبُ
مُجرَّد احتمالٍ بَيْنَ الرِّبْحِ والخَسارةِ ، وَهُوَ إلى الخَسارةِ أقْرَبُ .
يا لَيْتَني مِتُّ أنا وأخي
ناصر مَعًا ، طِفْلَيْن طَاهِرَيْن بِلا أخطاء ولا خَطَايا . أصعبُ
شَيْءٍ في امتحانِ المَوْتِ أنَّكَ تَذهبُ إلَيْهِ وَحِيدًا ، لا زَوْجَةٌ تُواسِيك،
ولا حَارِسٌ يَحْمِيك ، ولا أحد يُشَجِّعُك، أوْ يُحاول رَفْعَ مَعْنوياتك. يُوضَع
الإنسانُ في حُفْرَتِهِ وَحِيدًا غَريبًا ، لا أنيسَ لَهُ إلا عَمَلُه . يَطْمَحُ
الناسُ أنْ يُحقِّقوا أحلامَهم ، وطُموحي أن أستيقظَ مِنَ الكابوسِ . حَياتي كابوس
، مَتَى أفِيقُ مِنْه ؟.
الجَميعُ يُحِبُّونك ، لكنَّ
أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى مُساعدتك ، والجميعُ يَمْشُون في جِنازتك ، وَيَبْكُون عَلَيْك
، لكنَّ أحَدًا لا يَستطيع إعادتك إلى الحياة ، أو الدفاع عَنْكَ في الحُفْرَةِ
العميقة .
أنا وَصْمَةُ عَارٍ في تاريخِ
القبائلِ ، وَنُقْطَةٌ سَوْدَاء في جَسَدِ الحَضارةِ . أنا شَخْصٌ مَنبوذٌ في
القَارَّةِ العَجُوزِ التي تُحْتَضَر . أحيانًا يُخيَّل إلَيَّ أنْ أبي كانَ سَيَفْرَحُ
لَوْ تَخَلَّصَ مِنِّي ، لأنَّه لَمْ يَجِدْني بَيْنَ كِبَارِ المَسؤولين وشُيوخِ
العَشائرِ وقَادَةِ الطوائفِ وزُعَمَاءِ القَبائلِ .
في هذه المَقبرةِ التي تُسَمَّى العَالَمَ
الحُر أو المُجتمعَ الدَّوْلي ، الجَميعُ يَحْترمني عِندما أتَحَدَّثُ بالإنجليزية.
لَوْ تَحَدَّثْتُ بالعربية لاعْتَبَرُوني إرهابيًّا ، أوْ بَدَوِيًّا مُتَخَلِّفًا
مِنْ دُوَلِ العَالَمِ الثالثِ ، أوْ رَاعِي غَنَمٍ بِدائيًّا جاءَ مِنْ رِمالِ
الصَّحاري المَنْسِيَّة .
أتذكَّرُ مَلامحَ مِنْ حَياتي
أوْ مُغَامرتي في البُوسنةِ ، عِندما أطلقتُ لِحْيَتي ، وَصِرْتُ أنامُ عَلى سَطْحِ
بَيْتٍ مَهجورٍ في ليالي الصَّيْفِ ، ولا أُشْعِلُ مِصْبَاحًا خَوْفًا مِنَ
القَنَّاصَةِ . كَرِهْتُ نَفْسِي ، وَحَقَدْتُ عَلَيْها . جِئْتُ إلى البُوسنةِ
لأُفَكِّكَ عُقَدي النَّفْسِيَّةَ ، وأُصْبحَ قائدًا عَسكريًّا يَذكُره التاريخُ ،
فازدادتْ عُقَدي النَّفْسِيَّة ، وأنكَرَني التاريخ .
كُنْتُ قَبْلَ المَجِيءِ إلى
البُوسنةِ قَدْ تَعَرَّفْتُ على لاعبةِ تنسٍ صِرْبِيَّة مَسِيحية تَرتدي
تَنُّورَةً فَوْقَ الرُّكْبَةِ ، فَهَلْ هَذا يَكْفي لإنقاذي مِنْ تُهمةِ الإرهابِ
؟ ، هَلْ هذه شَهادةٌ لِي بأنَّني مُعْتَدِلٌ ومُنفتح ؟.
أنا دَرَسْتُ في جامعةِ
أُكسفورد، هَلْ هَذا دليلٌ على أنَّني لَسْتُ بَدَوِيًّا ولا راعي غَنَمٍ ؟ . لَوْ
عَرَفَ الصِّرْبُ بالأمْرِ فَسَوْفَ يَقْتُلونني حَتْمًا . لَقَدْ كانَ لَدَيْهِم
قوائم بأسماء المُثَقَّفِين المُسْلِمِين مِنْ أجْلِ تَصْفيتهم جَسَدِيًّا،
والقَضَاءِ على النُّخْبَةِ المُفكِّرة، والصَّفْوَةِ المُتعلِّمة، وهُنا تَظْهَرُ
نِعْمَةُ الجَهْلِ .
قالت الصُّوفِيَّةُ : (( أفضلُ
العِصْمَةِ ألا تَجِدَ )) ، أي : أفضل مَا يَحْمي الإنسانَ مِنَ الوُقوعِ في الخطأ
أو الذَّنْبِ هُوَ ألا يَملِك مَا يُغْرِيه أوْ يَجُرُّه إلَيْه . رُبَّما لأنَّني
عَاجِزٌ جِنْسِيًّا لَمْ أُسَبِّبْ مُشكلاتٍ للنِّساءِ الكَثيراتِ في حَياتي ،
كأنَّ عَجْزي حَيَاةٌ جَديدةٌ لَهُنَّ ، وانهياري هُوَ مَرحلةُ اكتشافِ ذَوَاتِهِنَّ،
وَبِنَاءِ أنفُسِهِنَّ بأنفُسِهِنَّ .
134
بَعْدَ طَرْدي مِنَ البُوسنةِ
، لَمْ أعرفْ أينَ أذهب . صِرْتُ مُشَرَّدًا بِلا مَكانٍ ولا زَمانٍ . جاءتني
فِكرة رَهيبة لا أدْري كَيْفَ خطرتْ على بالي . اتَّصلتُ بالمَسؤولِ المالي في سَفارتنا في لندن ، الذي سَاعَدَ السَّيِّدَ الرئيسَ ونائبَه (
أبي ) اللذَيْن فَرَّغَا البنكَ المَركزي مِنَ العُملةِ الصَّعْبة ، وَسَرَقَا
الشَّعْبَ ، وَهَرَّبَا الأموالَ إلى المَلاذَاتِ الآمِنَةِ في الغرب ، وأنا
شخصيًّا ساهمتُ في سَرِقَةِ شَعْبي البائسِ الحَزينِ . ومَا زِلْتُ أشعرُ
بالخِزْيِ والعَارِ ، لأنَّني اشتركتُ في هذه الجَريمةِ الشَّنيعة .
قُلْتُ لَهُ
بصوتٍ مَكسور :
_أبُوس
يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ،سَاعِدْني،ولا تَتركني وحيدًا،أنا وحيدٌ ومُشَرَّدٌ وعالقٌ
بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ. لَقَدْ طَرَدُوني مِنَ البُوسنةِ ، ولا تُوجَد دَولة
تَسْتَقْبلني ، ولا أستطيعُ العَودةَ إلى بِلادي جُمهوريةِ الأحلامِ الوَرديةِ بعد
مَقْتَلِ أبي في الانقلابِ العَسكريِّ ، ووضعِ عائلتي تحت الإقامة الجَبْرية .
_ لا
تَقْلَقْ يا هِشَام، سَوْفَ أُقَدِّمُ رَشْوَةً لأحدِ المَسؤولين الكِبَارِ في
الحُكومةِ البريطانية مِنْ أجلِ السَّمَاحِ لَكَ بِدُخُولِ بريطانيا .
كانَ
يُخاطبني " سَيِّدي الشَّريف هِشَام " عِندما كانَ أبي نائبَ رئيسِ
الجُمهوريةِ ، أمَّا الآن فَهُوَ يُخاطبني"هِشَام"مُجَرَّدًا بِلا
ألقابٍ.المُهِمُّ أنَّه رَدَّ على اتِّصالي،ولَمْ يُنْكِرْني أوْ يُغْلِق الخَطَّ
في وَجْهي.
مَا إنْ
وصلتُ إلى لندن حتى اتَّصَلْتُ بِه . استقبلني في قَصْرِه الفَخْمِ في أرقى أحياء
لندن . كانَ قَصْرًا مُذهِلًا وكبيرًا ، يَضِيعُ الشخصُ فيه ، وَيَتُوه بَيْنَ
عددِ الغُرَفِ الكثيرة . شَرِبْنا الشَّايَ معًا ، وخَاطَبْتُه " سَيِّدي
" كَيْ يَحْزَنَ عَلَيَّ ، ويُشْفِقَ عَلى حالتي ، ويُساعدني ماليًّا ،
لأنَّني كُنْتُ مُفْلِسًا تَمامًا . أعطاني مَبلغًا كبيرًا مِنَ المَالِ، وطَلَبَ
مِنِّي ألا أتَّصِلَ بِه نِهائيًّا ، ولا أتواصل معه بأيِّ شكلٍ مِنَ الأشكالِ ،
لأنَّني صِرْتُ شخصًا مَشبوهًا ومُتَطَرِّفًا وإرهابيًّا وَسَلَفِيًّا
وَهَّابِيًّا ، معَ أنَّني لا أعرفُ السلفيةَ ولا الوَهَّابية .
سَألْتُه
عَن المِليارات التي سَرَقَهَا رئيسُ الجُمهورية المخلوع ونائبُه ( أبي ) المَقتول
، وقُمْنَا معًا بإيداعها في حِساباتٍ بَنْكِيَّة سِرِّية ، وإنشاء شَرِكات
وَهْمِيَّة ، وشِراءِ قُصورِ وعَقَارات . هَلْ يُمكِن استعادتها والاستفادة مِنها
؟ . أخْبَرَني أنَّ الحُكومات الغَرْبية اسْتَوْلَتْ عَلَيْها لِمُكافحةِ عملياتِ
غَسْلِ الأموالِ وتَمويلِ الإرهابِ وتِجارةِ المُخَدِّرَاتِ ، وأنَّها سَوْفَ
تَسْتخدمها لنشرِ الدِّيمقراطيةِ وحُقوقِ الإنسانِ وحُرِّيةِ الرَّأيِ والتَّعْبيرِ
والمُشارَكةِ السِّيَاسِيَّة في بِلادِنا .
لَقَدْ ضاعتْ أموالُ شَعْبي
الفقيرِ البائسِ، الذي يُعاني مِنَ الفَقْرِ والبَطَالَةِ والجُوعِ والعُنوسةِ والقَمْعِ
، ونُهِبَتْ ثَرَوَاتُه ، وَتَبَخَّرَتْ مُمْتلكاتُه . واللصُوصُ سَرَقُوا
اللصُوصَ . وانكسرَ التاريخُ في الحَضارةِ التائهةِ بَيْنَ رُعْيَانِ الغَنَمِ
وَرُعْيَانِ الخَنازيرِ وَرُعْيَانِ البَقَرِ .
تَوَجَّهْتُ إلى الرِّيفِ
الإنجليزيِّ باحثًا عَنْ عَمَلٍ، فالحياةُ هُناك أكثرُ سُهولةً وبَساطةً مِنْ لندن
. طَرَقْتُ أبوابَ البُيُوتِ . ذهبتُ إلى المَزارعِ . طَرَدَني الجَميعُ ، فَقَد
اعْتَبَرُوني غَريبًا دَخِيلًا أوْ شَحَّاذًا مُتَسَوِّلًا . وَبَعْدَ جُهْدٍ
جَهيدٍ ، وصلتُ إلى بَيْتٍ قَديمٍ ، خُيِّلَ إلَيَّ أنَّه مَهجور . طرقتُ البابَ.
فتحتْ لِيَ امرأةٌ عَجُوز ، أخْبَرْتُها أنَّني شاب عَرَبي فقير ، وبحاجةٍ إلى
مُساعدةٍ أوْ عَمَلٍ . حَدَّقَتْ فِيَّ طَويلًا ، ثُمَّ قالتْ لِي :
_ خَلْفَ البَيْتِ زَريبةُ
أبقارٍ ، إذا كُنْتَ تَقْبَلُ أنْ تَعْمَلَ راعي أبقارٍ ، فاذهبْ إلَيْهَا ،
ويُوجَد فيها زَاوية للنَّوْمِ .
_ نَعَم ، أنا أقْبَلُ بهذا
العملِ ، ومُوافِق عَلَيْه .
لَمْ أتخيَّلْ في يَوْمٍ مِنَ
الأيامِ أنْ أبدأ حَيَاتي راعي غَنَمٍ ، وأنتهي إلى رَعْيِ البَقَرِ . لَمْ
أتَصَوَّرْ أنْ أنتقلَ مِنْ زَريبةِ الأبقارِ في قَرْيتي المَنْسِيَّةِ إلى
زَريبةِ الأبقارِ في الرِّيفِ الإنجليزيِّ. بَنَيْتُ أحلامًا كثيرةً وآمَالًا
عَريضة ، وَرَسَمْتُ في ذِهْني مُسْتَقْبَلًا باهرًا ومُشْرِقًا يَنتظرني . ولكنْ
للأسفِ الشديد ، كانتْ أحلامي وآمالي مِثْلَ القُصورِ الرَّمْلِيَّةِ التي
يَبْنيها الأطفالُ على الشاطئِ ثُمَّ يَهْدِمُونها ضَاحِكِين .
عَمِلْتُ راعيًا للبَقَرِ
ثمانية أشهُر ، وكُنْتُ أنامَ في الزَّريبةِ ، وآكُلُ فيها ، تَمَامًا كما كُنْتُ
أفعلُ وأنا طِفْلٌ صغيرٌ في القَريةِ ، وكأنَّ الزمنَ تَجَمَّدَ ، ولَمْ أكْبَرْ. تُوُفِّيَت
العَجُوزُ الإنجليزيةُ ، وجاءَ بعضُ أقاربها ، وَدَفَنُوها. سَلَّمْتُهُم
الزَّريبةَ معَ جَميعِ الأبقارِ ، كَيْ يَعرِفوا أنَّني شابٌّ عَرَبيٌّ أمِين .
واستعددتُ للمُغادرة. أوْقَفَني أحدُهم ، وأخْبَرَني أنَّ المَرْأةَ العَجُوزَ
أوْصَتْ لِي بالبَيْتِ ، وأوْصَتْ بِكُلِّ مُمْتلكاتها سِوى البَيْتِ لِكَلْبِها .
صُعِقْتُ مِنْ هذا الخَبَرِ . إنَّها مُفَاجأة صادمة . أنا والكَلْبُ الوَرَثَةُ
الشَّرْعِيُّون لهذه العَجُوزِ الإنجليزيةِ .
صارَ لِي بَيْتٌ مُؤثَّث . بدأتُ
عَمَلي الجَديدَ في إعطاءِ دُروس خُصوصية في اللغة الإنجليزية . وسارت الأُمُورُ
بشكلٍ مُمتاز، وَبِعْتُ البَيْتَ معَ الأثاثِ ، واشتريتُ شَقَّةً صغيرةً في لندن ،
وسارتْ الأُمُورِ على أحسنِ مَا يُرام ، وَمَرَّت الأيامُ والسَّنَوَاتُ بِسُرعةٍ
، إلى أنْ جاءني الخَبَرُ الصاعقُ ، وَهُوَ إصابتي بِمَرَضِ السَّرَطَانِ .
أخْبَرَني الطبيبُ أنَّ أمَامِي عِدَّة أشهُر فَقَط ، هِيَ كُلُّ مَا بَقِيَ لِي
في الحياة . وَعَلَيَّ أنْ أكتبَ وَصِيَّتي ، إنَّ هذا الكِتابَ هُوَ وَصِيَّتي
وقِصَّةُ حَيَاتي التي لا أعْرِفُ هَلْ عِشْتُها حَقًّا أَمْ أنَّها كانتْ وَهْمًا
صَدَّقْتُهُ في لَحْظَةِ ضَعْفٍ .
إنَّني أُصَارِعُ المَوْتَ
وَحِيدًا في بِلادِ الضَّبابِ الغريبةِ ، بِدُون وَطَنٍ ولا عائلةٍ ولا زَوجةٍ ولا
أولاد. أرجو مِنَ الجَميعِ أنْ يُسَامحوني ، ويَتذكَّروني كَطِفْلٍ جاءَ مِنْ
قَريةٍ صغيرةٍ وَمَنْسِيَّةٍ . ركضتُ وَراءَ أحلامي ، وكانتْ أحلامي قَاتِلَتي .
وَرُبَّ امْرِئٍ حَتْفُهُ فِيما تَمَنَّاه .
وَدِدْتُ لَوْ كُنْتُ إنسانًا
شريفًا وطاهرًا وَنَقِيًّا وشُجاعًا في عائلةٍ طَيِّبةٍ وبيئةٍ نظيفة ، ولكنْ لا
أحد يَختارُ أبَوَيْه ، ولا أحد يَختار الزمانَ والمَكانَ اللذَيْن يُولَد فِيهما
. فَتَحْتُ عَيْنَيَّ عَلى عَالَمٍ لَمْ يَصْنَعْ لِي حُلْمًا ، ولا مَهَّدَ لِي
طَريقًا ، وَسَلَّمني للخِذْلانِ كَما يُسلَّم اليتيمُ للريح . تَعَلَّمْتُ أنْ
أعتذرَ عَنْ ذَنْبٍ لَمْ أرتكِبْه ، وأنْ أحْمِلَ عارًا لَمْ أصْنَعْه ، وأنْ
أدفعَ ثَمَنَ أخطاءٍ لَمْ تَكُنْ لِي . كَبِرْتُ قَبْلَ أواني، وَذَبُلْتُ قَبْلَ
أنْ أُزْهِرَ ، وَصِرْتُ أُرمِّم نَفْسِي بِصَمْتٍ مُرْهِقٍ ، كأنَّني مَشروعُ
نَجَاةٍ مُؤجَّلٌ . لَيْسَ مُؤلِمًا أنْ نُولَدَ ناقِصِين ، المُؤلِمُ أنْ
نُطَالَبَ بالكَمَالِ وَسَطَ هذا الخَرابِ . وَدَاعًا لِكُلِّ الأشياء .
تَمَّتْ
