سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

21‏/03‏/2010

التفاصيل الكاملة لقصة اغتيالي

التفاصيل الكاملة لقصة اغتيالي
للشاعر/ إبراهيم أبو عواد
من مجموعة/ كلام الفراشة الناعمة
دار اليازوري ، عَمَّان 2007م .
قال الرمل الدبلوماسي :
(( لنتوقف قليلاً عن خياطة الأغاني الوطنية
ولنبحث عن الوطن في المجازر المعتادة ))
رأى السيلُ كتاباتي على سبورة الأحلام
إلى شيء راقص كالرؤوس المتطايرة تمشي أزمنة البيلسان
لا يدري القمر لماذا تأخذ البحيرة إجازةً مَرضية
رقصنا على الأنغام الخرساء
في قاعة الجماجم في قصر الخليفة
كنا مهرجين مبتدئين في مدن الزبد
في بلاط الوالي في التراب الأجنبي
نقفز كأشجار المذبحة لإسعاد الأميرة الصغيرة
هذه الرئة مفتوحة لكل السيوف
غائبٌ المكان في قلب الصراخ
تصطاد الأسودُ الحيواناتِ المنوية في أدغال العمر
هكذا تعيش أشباحنا كالأرصفة المكبوتة جنسياً
في الدروب المنسية جلس وقتُ الزنبق
على كرسيه الهزاز
حيث تلتصق جثث البحارة الإغريق
على حيطان المعبد
وتنتظر القططُ خروجَ لحم البحيرة
من شقوق البلاط القذر
لستُ بروازاً للصمت الأعرج
تكون أزمنتي باروداً لصور الغياب
شكلاً للأصفاد النحاسية في أطراف الظل
واضحٌ غروب الجرح خلف جبال الكلمة
أتيناكَ وفي أوداجنا عناوين المنافي
التي يقضي الوقتُ وقته في عَدِّها
شِباكُ الصيادين الراجعين من المغيب
والأناناسُ الواقف على حافة كل الدماء
والأنهارُ الجارية على سطوح القطارات
كلُّ العناصر الكيميائية تستقر في ظلال الدم
قلتُ إن البحر سوف يضع على رأسه خوذةً فولاذية
أين البحرُ المتعطش لرؤية ما تساقط من عنفوان الرمال ؟
نفرش سجاداً على رمل المحيط
استعداداً لقدوم موكب أسماك القرش
كلما استنزفنا الغسقُ سرَّحْنا العصافير
من خاصرة الرعاش
عندما أصيب النهر بالباركنسون
حزنت الصحراءُ المارة بمحاذاة مجزرتنا
للسكين جلودنا وفرو الثعالب
إبرٌ تتجمع كريش المداخن ودخانِ الثلوج
في أنوف التماسيح
زوروا الفقمةَ في غرفة العناية المركزة
وامنحوا للشرفات الخريفية حزنَ الفتيات المغتصَبات
في ريو دي جانيرو
وبعد شنقي سوف تذهب الفتاة التي أحببتها مع خطيبها
إلى مطعم للوجبات السريعة
قرب أطياف مشنقتي
سنطلق على شوارعنا أسماءَ المشنوقين
ونسمِّي عظامنا بأسماء الضحايا
ونعلِّق على رئاتنا لافتاتٍ تحمل أسماء من رحلوا
سافرت بئرُ الأحلام ولم تودِّع البحرَ المخملي
والزيتونُ يؤرخ أحداثَ مصرعي ويُوثِّقها
والعطورُ التي يضعها بلبلُ الدم تشق بلاطَ زنزانتي
لا وجهٌ يغطي القشَّ البحري
وصلت الأعشابُ إلى كتابات المطر متأخرة
مشت الأشجارُ في جنازة البلابل
إنكم لون الخبز في المجموعة الشمسية
فلتمش أيها البارود إلى كهوف البنكرياس الرصاصية
يحتفل السكوتُ بذكرى استقلال جروحي عن المذنَّبات
وحيث يضع النهرُ خوذةَ الشعير على رأسه
تولد ثورةُ البيادر
لي ضوءُ الجوافة في بكائيات زُحَل
وليلٌ خالٍ من القُبَل
والقمرُ يحل مسألةً في الرياضيات
وحين تبكي ابنةُ عمي على البجع المنفي
يندلع الوردُ في شظايا الفراق ومرايا الوداع
إننا مرآة السفر على صفائح النثر
المشنقةُ الطازجة كرقائق البطاطا الخارجة
من الجرح البنفسجي
اعتاد اللازورد على التهام قوس قزح
في جهات شمال الألم
بدأ الصمتُ يمارس هواية قراءة الشِّعر
في الكواكب المجاورة
منتصبةٌ شواهد القبور في صدري الرميم
فانهضي ألواحَ الصفيح العابر
وسجِّلي اسمكِ في قائمة السوسن المحلي
ومضينا نزرع النعنع على ظهر حوت أزرق
يغيِّر لونَه كالأدغال المطرودة
والجرذانُ تقضم نصفَ قطر فوهة الدمع
إن الأمس مستقبل الوديان
واضحةٌ ارتعاشة المطر
قل إنكَ ماضي الغابات المضيئة
في مساءات البطيخ
يشرق معنى البخار من جهة الرجفة
ركضنا في شهوات الحصان الخشبي
بيننا صباحاتٌ للبرقوق استمرارُ الرعشات
لهاثُ ما تناثر من الأسمنت الفضي
علَّقْنا على طحال الليلك جرسَ العتمة
وبكينا لتبدوَ صورةُ غاباتنا واضحة
في مناديل الحجارة في الموانئ المنسية
نستخرج الصوديوم من مخدات سكوتنا
كأننا عبَّأْنا زجاجاتِ العصير بهزائم النهر
ومشينا إلى موت الفطر الزهري واثقين
ملتفين حول أفواه النسيان
الميناءُ الذي رمانا في القوارب التي لا تعود
ما زال يحتفظ بقمصاننا تذكاراً
والبحارةُ نسوا أن يُطعِموا للرمل الأخضر
القططَ المشردة في الأزقة القذرة
من كل أبواب الوداع
جاءت خيوطُ وشاح المرفأ اللوزي
إن المسافرين يسجلون تقاطيعَ خاصرة الشاطئ
في جواز السفر الذي يجدده البحرُ الغريب
نتقاسم وحدةَ الراعي وغربة الفِيَلة
ونصعد كالملح السكري من معاطف الدموع
كلنا واقفون على حافة الجنون
ننتظر قدوم جلادنا كي نحتفل بالجريمة
لا أزال أتذكر وجوهَ الملح
وهي تبدل الأقنعةَ كالمقاصل الجديدة
ودِّعْني أو لا تُودِّعْني
سيركب حصاني قشةَ اللامعنى
قلوبنا معكَ وسيوفنا عليكَ
فابدأْ سردَ حكاية برقوق المنافي الذي تفجر
في وسادة النجمة
أنا المنفى والوطنُ المنفى
لكن نزيفي يعود في المساء مثل الفلاحين الموتى
فلا تُصدِّقْ ما صرَّحت به حديقة جثتي لوسائل الإعلام .

11‏/03‏/2010

الكيانات الصهيونية في الوطن العربي

الكيانات الصهيونية في الوطن العربي
إبراهيم أبو عواد
نشرت في جريدة القدس العربي
لندن ، 11/3/2010م .
كلنا يعلم أن الوطن العربي ذو موقع إستراتيجي عالمي . وهذه الحقيقة الجيوسياسية المفروغ منها أدت إلى هجمة غربية شرسة على هذه البقعة العربية الهامة على خارطة تشكيلات السياسة والطاقة والأمن . ومن هنا نفهم الخلفية الفكرية لاحتلال فلسطين والعراق ، ومحاولة تفكيك دول المنطقة على أسس طائفية وعِرقية ليسهل السيطرة عليها. فالشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة ، أما الشجرة الميتة فلا أحد يعيرها انتباهاً . وهذا يدل على حيوية المنطقة العربية وأهميتها ، مما جعل الغزاة يحلمون بها في كل الأوقات ، ويخططون بكل جهد للسيطرة على مفاصلها السياسية ، وثرواتها الطبيعية وعلى رأسها النفط . لذلك جاءت فكرة زراعة قاعدة عسكرية ( العدو الصهيوني ) في المنطقة ليكون رأس حربة متقدمة للاحتلال الغربي التوسعي ، حيث يفصل آسيا العربية عن إفريقيا العربية للحيلولة دون تكوين وحدة اتصال جغرافية متماسكة من الخليج إلى المحيط ، وأيضاً تكون هذه القاعدة العسكرية الصهيونية قريبةً من منابع النفط ليسهل الوصول إلى المنطقة في حال حدوث أمر طارئ. لكن قوى الاحتلال الغربي التقليدية ( بريطانيا وفرنسا ) برفقة أمريكا وريثة إمبراطوريات الهيمنة والابتزاز السياسي والتوسع الهستيري أدركت منذ مدة بعيدة التكلفة الباهظة لوجود قوات عسكرية غازية على الأرض العربية ، فاخترعت أنظمةً عميلة لها ، عربية الملامح صهيونية الباطن والولاء ، تحمل أسماء عربية ومسلمة تقوم بتنفيذ الأجندات الغربية الاحتلالية حرفياً باسم الحضارة والتحديث والازدهار والديمقراطية وحقوق الإنسان . وهذه اللعبة موجودة عبر أطوار التاريخ ، وتختلف تفاصيلها باختلاف الثقافات والتقاليد . فالنازيون _ مثلاً_ حينما احتلوا فرنسا ، لم يقوموا بحكمها مباشرة ، بل أقاموا حكومة فيشي الفرنسية الموالية للنازيين . وقد قامت أمريكا بنفس الفعل في أفغانستان ، فقد أحضرت كرزاي الأفغاني البشتوني كدمية في يد أسياده ، وحاكم شكلي لأفغانستان التي تم تقديمها " واحة للديمقراطية قامت بتحرير المرأة من طالبان المتوحشة المضادة لحقوق الإنسان والمرأة " . فصار كشف وجه المرأة الأفغانية هو القضية الإستراتيجية العالمية التي تقلق عباقرة التنظير السياسي في الأمم المتحدة. ولم يتحدث أحد عن خمس الأمريكيات اللواتي تعرضن للاغتصاب، وأن المومسات في الغرب صارت لهن نقابات تدافع عن حقوقهن ، وأن مهنة البغاء مكفولة في الدساتير الغربية ، وتدعم الاقتصاد الوطني عبر دفع الضرائب في موعدها ! . وكل هذا النفاق والكيل بمكيالين يتم تأطيره وفق إفرازات سياسية لشرعنة الاحتلال، وإيجاد شرعية للتدخلات الخارجية ، وتحويل الحكام المرتزقة الموالين للاحتلال إلى دمى في مسرح للعرائس يتم تحريكها من وراء الستار . ووفق هذه الألاعيب التي يقوم بها الغزاة يمكن إدراك فلسفة خروج المحتلين من الباب ، ودخولهم من النافذة مصبوغين بمكياج الحضارة وأقنعة المدنية . وهذا الدخول عبر النافذة تم تجسيده على شكل أنظمة عربية متصهينة تؤدي خدماتها لأسيادها نظير بقائها في سدة الحكم، وأن تظل حاكمة على رقاب العباد حتى يوم القيامة، وتتحكم بكل موارد البلاد وفق نظام آلهة وحاشية مقدسة ينهبون الثروات بالطول والعرض، ولا يُسألون عما يفعلون . وهم مرتاحون لهذه "التنمية الوطنية" لأن الغرب يوفر لهم غطاءً في المحافل الدولية ، ويمنع الاعتراض عليهم ، أو تعريضهم للنقد ، ضمن خطة نفاق سياسي مدفوعة الثمن مسبقاً . وهذا يبرز أكاذيب الغرب في الترويج للديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات ، واحترام حقوق الإنسان . فالغرب أكبر داعم للأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي. والطواغيت الأعراب الذين يبيدون شعوبهم يتجولون بكل أريحية في أمريكا وأوروبا ، ويتم استقبالهم على أعلى المستويات ، ليس حباً فيهم أو من أجل سواد عيونهم وملامحهم العربية التي تُذكر بعوالم ألف ليلة وليلة ، وإنما من أجل استمرارهم في أداء المهام الموكلة إليهم في تجذير العالم العربي كدمية في يد الاحتلال الغربي الجاثم على الصدور . وفي ظل هذا الانكسار ليس غريباً أن تتكرس الصهيونية الأعرابية ( النسخة العربية من المحافظين الجدد ) وفق كيانات عربية متصهينة أشد خطراً من الكيان الصهيوني في فلسطين ، لأنها هي التي دعمت الاحتلال لفلسطين، وقامت بحمايته عبر المراحل الزمنية المختلفة ، وقامت بإمداده بكل وسائل الحياة والاستمرارية . ولم يكن الاحتلال ليجد له موطئ قدم في أرض ترفضه لولا مساعدة الكيانات الصهيونية الأعرابية التي خيَّرت نفسها بين قِبلة النبي الأولى وبين الكرسي ، فاختارت الكرسي . فالقاعدة الأساسية في هذا السياق السياسي المجنون هي : إن أقصر طريق لنيل رضا السيد الأمريكي يمر عبر رضا طفله المدلل " الكيان الصهيوني ". وبالتالي فلا بد من تقديم التنازلات _ حسب عقلية التخلف العربي _ لهذا الطفل المؤدب المتحضر المتعلم الديمقراطي ابن الحسب والنسب ! ، من أجل استمرار أنظمة الحكم العربية الرائعة في مسيرة النهضة والتحديث والتنمية والارتقاء بالوطن والمواطن بعد أن مات الوطن والمواطن ! . وكما قيل : لا تلم الذئب إذا كان الراعي عدو الغنم .

04‏/03‏/2010

هل تتكرر ثورة يوليو 52 في مصر ؟

هل تتكرر ثورة يوليو 52 في مصر ؟
إبراهيم أبو عواد
نشرت في جريدة القدس العربي
لندن ، 4/3/2010م .
إن الناظر في أحوال مصر هذه الأيام يرى حراكاً سياسياً شديد الزخم ، فيبدو أن الشعب الغريق صار يستشعر عمق المستنقع الذي يحيا فيه حياة البؤس والفساد الضارب جذوره من رأس هرم السلطة حتى القاعدة .لذلك فإن الناس راحوا يتعلقون بأي طوق نجاة سواءٌ كان صالحاً أو غير صالح ، لأن الغريق لا يقدر أن يفرض شروطه على الآخرين ، فهو في موقف ضعيف لا يؤهله لأن يحدد نوعية طوق النجاة . وفي ظل هذه الأجواء المشحونة تم تصوير مجيء البرادعي إلى مصر كمجيء مالك الحلول السحرية ، وصاحب الخلاص السياسي القادر على نقل مصر إلى العالم الأول، وإيجاد الوصفة الخارقة التي تنقل المجتمع من الانهيار الشامل إلى التقدم الحتمي . وهذه الصورة السينمائية طبيعية في مجتمع عربي عاطفي اعتاد على تحكيم الأحاسيس المرهفة في العمل السياسي ، والتصفيق للحق والباطل ، والهتاف للزعيم الفاتح بسبب ودون سبب . فالبنية الاجتماعية العربية المتخلفة غير مستعدة لتداول سلمي للسلطة ، وتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ، وتعزيز مبدأ المشاركة السياسية ، وإنشاء دولة القانون والمؤسسات ، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع عبر انتخابات حرة ونزيهة . ونحن هنا لا نقلل من قيمة البرادعي كعالم ومفكر وسياسي دولي وصاحب كفاءة وخبرة في الإدارة. ولكن من قال إن الوطن العربي مستعد لاستقبال الكفاءات وأصحاب العقول اللامعة ؟. فمن يطالع نسب تهجير الأدمغة العربية إلى أمريكا وأوروبا سيصاب بالذهول المرعب ، وسيتأكد أن هناك خطة منهجية من قبل الأنظمة العربية الحاكمة لطرد أصحاب الكفاءات لكي يظل الشعب غارقاً في جهله كقطيع الغنم يُساق إلى الذبح دون أن يعترض . فالنظرية الفلسفية التي يعتنقها الحاكم العربي ولا يحيد عنها هي : إن العقل المفكر يشكل خطراً على نظام الحكم، وبالتالي ينبغي التخلص منه . ونظرة سريعة إلى وزن العلماء العرب والمسلمين في الغرب تؤكد هذه الحقيقة . فعلى سبيل المثال لا الحصر : إن الدكتور أحمد زويل ( مصري يحمل الجنسية الأمريكية ) من أهم العلماء في العالم ويحمل جائزة نوبل في الكيمياء ( 1999م ) . وأشهر جراح قلب في العالم هو الدكتور مجدي يعقوب ( مصري يحمل الجنسية البريطانية ).وأشهر مهندسة معمارية في العالم هي زها حديد ( عراقية تحمل الجنسية البريطانية ) . ومن أبرز علماء الجيولوجيا في العالم الدكتور فاروق الباز الذي ساهم في وصول الإنسان إلى القمر ، وهو أيضاً مدير معهد الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن ( وهو مصري يحمل الجنسية الأمريكية ) .وما أود أن أصل إليه من خلال الأمثلة السابقة هو عدم قدرة الوطن العربي على احتضان أصحاب الكفاءات القادرين على الإدارة وإحداث التغيير، لأن النظام السياسي العربي تم تصميمه وفق العقلية البدوية العشائرية والعصبية القبلية والارتماء في أحضان أمريكا التي تمنح القمح ، وتفرض شروطها ، وتدير شؤون الأمة العربية بأجهزة التحكم عن بعد . فالهتاف للبرادعي يأتي في إطار صرخة الغريق ولا يأتي في إطار العمل السياسي الواعي ، لأن البرادعي لا مكان له في النظام السياسي المصري . فالدستور المصري تم تفصيله لتكريس الحكم الفرعوني حتى يوم القيامة، وتعزيز سلطة الزعيم الأوحد الحاكم بأمر الله المدعوم خارجياً . خصوصاً أن هذه التوجهات البوليسية تنال القبول في أمريكا وإسرائيل اللتين توفران الغطاء الشرعي للنظام المصري في المحافل الدولية مقابل خدماته الجليلة مثل : القيام بعمليات التطهير العِرقي بحق أهل غزة ومحاصرتهم لكي يموتوا في صمت دون إزعاج ضمير الشرعية الدولية والعالم الحر ، وإهداء الغاز المصري لإسرائيل مجاناً أو بسعر رمزي كعربون محبة وسلام ، وتجويع الشعب المصري الذي يموت على طوابير الخبز ، وفتح المنتجعات السياحية للسياح الإسرائيليين وإغلاقها في وجه المصريين ، وتحويل الدولة المصرية إلى بلدية تابعة لتل أبيب . لكن السؤال الحاسم الذي يفرض نفسه : لماذا يقوم الرئيس المصري بكل هذه الخدمات المجانية مع أنه على حافة قبره ( 82 سنة )، ومستقبله السياسي أضحى وراءه، وفقد كل أوراقه ، ولا يعرف ماذا يحدث حوله ، فهو يعيش على الإبر المقوية لكي يقدر على المشي ، ويصبغ شَعره لكي يبدوَ في عنفوان الشباب . والجواب يتمحور حول سعي الرئيس المصري لنيل رضا أمريكا وإسرائيل لكي تسمحا بتولي جمال مبارك الحكم بعد وفاة أبيه . لكن المفاجأة غير السعيدة بالنسبة لأصحاب مشروع التوريث هي أن جمال مبارك _ رغم تلميعه وتقديمه للأمريكان كرجل المرحلة _ لا يقدر أن يحكم مصر لانعدام خبرته، وعدم وجود غطاء شعبي مستمد من الجماهير، وعدم امتلاكه خلفية عسكرية كرؤساء مصر بعد ثورة يوليو 52 . وهذه النقطة الأخيرة تقلق أمريكا وإسرائيل بشكل بالغ ، لأن مصر هي الدولة العربية المركزية . فهي إذا تحركت تحرك العرب ، وإذا ماتت مات العرب . ووجود قيادة ضعيفة مهزوزة مثل السيد جمال مبارك في سدة الحكم قد يعرض المصالح الصهيوأمريكية للخطر . والوضع في المنطقة العربية لا يحتمل مغامرات غير محسوبة ، أو عمليات تجريب . وفي ظل هذا الأفق المسدود يظهر الحل الأكثر رومانسية في دول العالم الثالث البدائية وهو قلب نظام الحكم عسكرياً. وهذا ليس غريباً على مصر وباقي الأقطار العربية ، فتاريخها حافل في الانقلابات العسكرية . لكن البعض قد يستبعد حدوث انقلاب عسكري في مصر بسبب هدوء الجيش وابتعاده عن التجاذبات السياسية ومشاريع تأييد التوريث ومعارضته . وهذه هي مركز الخطورة لأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، والنار التي تحت الرماد ، فالصمت هو المخيف لا الجعجعة . وكل انقلاب عسكري إنما يتأسس على عنصر المفاجأة والمباغتة، خصوصاً أن الوضع المصري قد يمهد الطريق لحدوث عمل ضخم على غرار ثورة يوليو 1952م لعدة أسباب من أهمها : ضعف قبضة الرئيس المصري بحكم الشيخوخة والانهيار الصحي ، وانفتاح شهية الطامعين في الحكم المقتنعين بقرب نهاية حقبة مبارك، وفق مبدأ " إذا وقع الجمل كثرت السكاكين " ، ووفق نظرية تمرد التلميذ على الأستاذ . فقد رأينا الرئيس التونسي الحالي زين العابدين بن علي كيف انقلب على أستاذه العجوز المريض بورقيبة في عام 1987م عندما سنحت له الفرصة لتنحيته واستلام زمام المبادرة . وهذا الدور قد يلعبه في مصر مدير المخابرات عمر سليمان أو قائد القوات المسلحة أو حتى رئيس مباحث أمن الدولة بحكم كثرة الأوراق في أيديهم ، وخبرتهم الأمنية في تجذير الدولة البوليسية ، وقمع الحركات الإسلامية التي تشكل خطراً على الاحتلال الصهيوني ومشاريع الهيمنة الغربية ، واتساع دائرة نفوذهم وأتباعهم ، وارتباطهم بعلاقات وثيقة مع الغرب وإسرائيل . بل إن أتباع هذه المؤسسات الأمنية من الصف الثاني والثالث قادرون _ بحكم خبرتهم _ على قلب نظام الحكم رغم رتبهم العسكرية المتدنية نسبياً . وأمامنا ثورة يوليو التي قادها ضباط شباب من رتب عسكرية منخفضة . فجمال عبد الناصر كان آنذاك في الأربعين تقريباً ، وأنور السادات في بداية الثلاثينات من العمر . لذلك فمن المؤكد أن حقبة الرئيس مبارك قد انتهت ، وأن الانقلاب العسكري _ على الأرجح _ قادم على غرار ثورة يوليو 1952م ، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت لتحديد لحظة الانقضاض ، والانتهاء من حبك خيوط اللعبة . وهذا سيدشن عودة الوطن العربي إلى عصر الانقلابات في الدول المركزية ذات الثقل . والذي يدعم هذه الرؤية الإستراتيجية فشل الدولة العربية في تحقيق أي نجاح، وسير المجتمع بأسره إلى الدرب المغلق ، وغياب أي أفق لعلاج مشاكل الناس الذين سيتحركون حين يتساوى عندهم الحياة والموت. وهذا ما نشاهده في جنوب اليمن ، وشاهدناه في دارفور سابقاً ، وما خُفي أعظم .