سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

01‏/12‏/2010

حركة فتح العميلة والنظام المصري العميل وانتصار المقاومة في غزة

حركة فتح العميلة
والنظام المصري العميل
وانتصار المقاومة في غزة
المؤلف : إبراهيم أبو عواد
إن الطبقة الحاكمة الفاسدة تظل تبحث عن مصادر تمويل لأنشطتها الشخصية غير المشروعة ، ومشاريعِها الذاتية الفاسدة ، ومستقبلها السياسي المشبوه المرتكز على امتصاص الشعب والبلاد حتى الرمق الأخير . ومصادر التمويل تتوزع بين نهب ثروات البلاد ، والتحالفِ مع رجالِ الأعمال الكبار الذين يريدون دوراً سياسياً أقرب إلى المظهر الاجتماعي البراق ، ووجاهةِ شيخ القبيلة في مجتمع بدوي متخلِّف ، في حين أن الطبقة السياسية تريد أموالَ رجال الأعمال لإسناد اقتصاد البلاد ، وإنقاذِ ما يمكن إنقاذه ، للحفاظ على نظام الحكم ، لأن الشعب إذا لم يجد ما يأكله فإنه سيأكل نظامَ الحكم حتماً ، فالغريق لا يخشى البلل ، والميت من الجوع لا يخشى أن يطلق عليه رجالُ الأمن الرصاص . وهذا المأزق يدركه النظامُ الحاكم تماماً ، ولا يريد إيصال الشعب إلى هذا الموقف الكارثي الذي سيزيل العروشَ . فمن مصلحة النظام الحاكم أن يظل الشعب فقيراً جائعاً ، ولكن ليس مصلحته أن لا يجد الشعبُ الطعامَ مطلقاً ، لأنه حينئذ سيثور الشعب حتماً، وتصبح مسألة حياته أو موته سيان . وكل الأنظمة السياسية مهما كانت مجرمةً أو بوليسية تخاف من تلك اللحظة ، وتعمل لتفاديها بكل ما تملك .
إن الساسة يحاولون ضمان تأييد مستمر لهم فهم يعزفون على وتر العاطفة الشعبية ، ويرسمون المستقبل كما يريد المواطن العادي ، أي بشكل هلامي منقوع في الأكاذيب المغرِضة قادر على دغدغة عواطف الناس ، وبالتالي ضمان ديمومة فترة الحكم دون معارضة شعبية ، لأن المعارَضة إنما تنبع من العقلية الناقدة ، وفي ظل غياب الوعي النقدي بفعل التوغل في الاستهلاك الجنوني ، تموت المعارضة بالمفهوم السياسي الاجتماعي، ويحل مكانها سياسة توفير الخدمات، ومستوى المعيشة العالي . فمثلاً المواطن الأمريكي لا ينتمي إلا إلى شهواته الذاتية وتوفير طرق إشباعها بكل سهولة ، لذلك نجد الأمريكيين جاهلين في موضوع السياسة الخارجية تماماً ، ولا يفهمون بالسياسة الداخلية إلا بقدر ما توفِّر لهم أمتع الطرق وأقلها كلفة لملء فراغ شهوتي البطن والفَرْج . وهاتان الشهوتان هما الأساس في توليد باقي الشهوات ، لأن العقلية الحاكمة في الذات الإنسانية تتراجع في زحمة طغيان الشهوات لصالح عقلية استبدادية للمسار الشهواني الذي يفرض على الفرد تقديم تنازلات حادة مقابل لحظة لذة سرعان ما تنقضي. وهذه التنازلات تُفهَم ملابساتها الفلسفية ضمن ثلاثة مستويات :أ ) قيام النظام السياسي بنشر الفواحش ، وتسهيل الوصول إليها ، مثل الملاهي الليلية والخمارات وبيوت الدعارة المرخَّصة حكومياً ، من أجل إبعاد الناس عن انتقاد الفساد السياسي والإداري في البلاد. وهكذا يضمن الحاكمُ قيادة البلاد ونهبها كيفما شاء دون أية عوائق فِعْلية أو قَوْلِيَّة . وقد روى مسلم في صحيحه ( 3/ 1680) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس_ إشارة إلى الحكام الطغاة_، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات )) . وقال القرضاوي في كتابه الحلال والحرام في الإسلام ( ص 84) : (( والعجيب في أمر هذا الحديث أنه ربط بين الاستبداد السياسي والانحلال الخلقي ، وهذا ما يصدقه الواقع ، فإن المستبدين يشغلون الشعوبَ عادةً ، بما يُقوِّي الشهواتِ ، ويلهي الناس بالمتاع الشخصي عن مراقبة القضايا العامة )) . ب ) السيطرة على العقل الفردي ، وتدجينه بما يتناسب مع وجهة نظر النظام الحاكم ، فيتنازل الفردُ عن حريته طوعاً ليصير عبداً لشهواته ، وبما أن الشهواتِ بيد المؤسسة الحاكمة ، فإن المواطن يصير عبداً تابعاً لهذه المؤسسة ، وبالتالي يضمن نظامُ الحكم ولاء الأفراد عبر شراء الذمم بكافة الوسائل . وهذا ما جعل الحاكم مثل الآلهة لأنه علم أن الشعب قطيع غنم لا يملك الاعتراضَ ، وحالة الموات هذه جعلت الحاكم يمتلك الجرأة ليصبح مقدَّساً لا يُسْأل عما يفعل . والناس على دِين ملوكهم ، ينافقون لكي يحصلوا على بعض المكاسب الشخصية ، ويتخلَّصوا من ملاحقات رجال الدولة البوليسية ، وهكذا يتحول الشعبُ إلى دجاج أو أغنام ترضى بأي شكل من مستوى العيش نظير الفُتات الذي يُرْمَى لها . ج) القضاء على المستوى الثوري الرافض في الذات الإنسانية ، فيفقد الفردُ أحد أهم مكوِّنات أنساقه الفكرية وهو الرَّفض. فتغيب كلمة: ((لا ))عن الأبجدية الإنسانية، ليحل محلها كلمة : (( نعم )) ، بغض النظر عن المواقف المجتمعية. وهكذا يصل المجتمع المنافِق إلى حالة التطبيل والتَّزمير للحاكم للحصول على قوت يومه. وهذا هو الموت في الحياة . وانتشار حالة الموات أدخل الوطنَ العربي في ثلاجة الموتى ، وحوَّل القيمَ الإنسانية الفضلى إلى بُقَع استهلاكية تتمحور حول مجتمع فاسد متهالِك نتيجة نظام حاكم لا يفكِّر إلا في إدامة نظام حكمه أطول وقت ممكن ، وفي سبيل هذا الهدف المقدَّس لا مانع من التضحية بالبلاد أو الشعب ، لأن البلاد أو الشعب في نهاية المطاف هما مُلْكٌ شخصي للحاكم يتصرف فيهما وفق ما يراه مناسباً لمصلحته الشخصية ، وبقائه في سدة الحكم حتى موته ، وبعد موته أيضاً من خلال توريث أحد أبنائه . وهذا جعل الوطن العربي خالياً من قيادات الصف الأول ذات الوزن العالمي .
إن الحقيقة الثابتة في تقاطعات أمركة التوازي السياسي الخارجي هي أن أمريكا داعِم وحارس للأنظمة الاستبدادية في العالَم العربي التي هي حارسة المصالح الأمريكية والغربية عموماً ، لأن الانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيهة تُشكِّل خطراً على المصالح الغربية ، فالانتخابات ستأتي بالإسلاميين مثلما حدث في الجزائر ( جبهة الإنقاذ ) وفلسطين ( حركة حماس ) على سبيل المثال .
إن الأساس الانتخابي في الدول العربية الكرتونية يعتمد على مبدأ " ديمقراطية بلا إسلاميين"، لأن الإسلاميين هم قيمة رفض الباطل ، والأنظمة الدكتاتورية هي مركزية احتضان الباطل ، وهي آلة تفريخ الإرهاب . وهكذا نجد أن وجود الإسلاميين يُشكِّل خطراً على الأنظمة المنحرفة ، وبما أنها تعلم أنها منحرفة فلا بد أن تزيل الإسلاميين من طريقها لتضمن إخماد آخر صوت للمعارَضة . ووفق هذه المعادلة صار الإسلاميون في العقلية السياسية الأعرابية الحاكمة أخطر من العدو الصهيوني،وهذا جعل الأنظمةَ الصهيونية العربية تتحالف مع العدو الصهيوني ضد أهل غزَّة ، وضد حماس، في الحرب على قطاع غزَّة نهاية عام 2008م . ومع صعود الإخوان المسلمين في الشارع العربي خشي البعض أن يتم تحالف حماس "الانقلابية " ( الإخوان المسلمين في فلسطين ) مع الإخوان المسلمين في الداخل العربي ، فيحدثا انقلاباً أو سيطرة على الحكم ، فصدرت المؤامرة على حماس . وقد رأينا المرتزقة الذين أرادوا العودةَ إلى غزَّة على ظهر دبابة يهودية ، كما عاد حميد كرزاي على ظهر دبابة أمريكية في أفغانستان، لكي يمارسوا الرذيلةَ السياسية وطعن المقاوَمة في الظهر، كما كان يفعل بعض القادة العملاء في حركة فتح الساقطة . وما يسمى بالتنسيق الأمني هو لفظ رقيق للعمالة والخيانة وإعطاء أسماء المجاهدين وعناوينهم للعدو الصهيوني لكي تتم تصفيتهم جسدياً كما حصل مع خيرة زعماء حماس وغيرها. وللأسف فقد تحوَّلت حركة فتح من حركة ثورية نضالية أطلقت الرصاصةَ الأولى إلى حركة فاسدة نائمة في أحضان الاحتلال تطعن المقاوَمةَ في الظهر، وأنا هنا أقصد التيارَ العميلَ في فتح صاحب النفوذ العريض، وأستثني الشرفاءَ المناضِلِين. أما اتفاقية كامب ديفيد فهي خطة ذكية من العدو الصهيوني الذي استطاع تحييد مصر وإخراجها من دورها العربي القومي ، فتحوَّلت مصر من الأخت الكبرى للعرب الراعية لمصالحهم ، والمدافِعة عنهم في كل المحافل إلى مجرد متفرج لا علاقة له بالعروبة . بل أضحى النظام المصري خنجر الغدر في ظهر الأمة العربية ، وظهر ذلك في اتفاقية كامب ديفيد ، حيث إعطاء الظهر للعرب ، واستقبال اليهود بالأحضان . وأيضاً رأيناه في مذابح غزة نهاية 2008م ، حيث قام النظام المصري العميل بعملية إبادة وتطهير عِرْقي في غزَّة مستخدماً إغلاق معبر رفح لخنق الفلسطينيين وإبادتهم ، تماماً كما فعل الصرب بالمسلمين في البوسنة . ولا بد أن ندرك أن فلسطين لم تضع ، بل تم بيعها في وضح النهار ، وقد تورط في هذه التجارة القذرة حكامٌ ومحكومون . وينبغي أن نتذكر أن زعماء حركة فتح الذين يسرحون ويمرحون في الأردن يُشكِّلون خطراً على الأردن، لأن حركة فتح بشكلها الحالي حركة مشبوهة لها أجندات من شأنها تصفية القضية الفلسطينية ، وإذا عدنا بالذاكرة إلى أيلول 1970م فقد كانت حركة فتح تتزعم خطة إزالة النظامِ الأردني . فمستقبل الأردن هو التنسيق مع حماس بوصفها خط الدفاع الأساسي عن فلسطين والأردن. وغير ذلك ستتم تصفية القضية الفلسطينية، وعندها لن نسمع بشيء اسمه فلسطين أو الأردن . ولننظر كيف تمت تصفية ياسر عرفات إما عن طريق التصفية الجسدية بواسطة دس السم من خلال دائرته المقرَّبة كما حدث مع وديع حداد أو تصفيته سياسياً عن طريق إظهار زعامة بديلة مستعدة للتوقيع على بيع فلسطين كاملة . وقد اطلع الناس على تصريحات القدومي( رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير )بحق العميل محمود عباس والعميل محمد دحلان حول تورطهما في قتل ياسر عرفات. والله أعلم بحقيقة الأمر . وبشكل عام فنحن نقول إن الثورة التي زعيمها شخص فاشل مثل ياسر عرفات وشاعرها شخص فاشل مثل محمود درويش لهي ثورة فاشلة وميتة في مهدها ، وهي جعجعة بلا طحن ، وزوبعة في فنجان .
وقد رأينا كيف قامت الدولة البوليسية الجزائرية آنذاك بإلغاء الانتخاباتِ، ومصادرةِ حرية الشعب، والقيامِ بأعمال إرهابية ضد المواطنين، مما أَدخل البلادَ في العنفِ المتبادل بين الحكومة والجماعات الإسلامية ، وأدى هذا الفعل إلى تهديد مستقبل البلاد. وبعض الحكومات تقوم بعمليات إرهابية ، ومن ثم تُحمِّلها لجهات معيَّنة من أجل تصفيتها بعد القيام بتعريتها أمام الرأي العام عن طريق تحميلها مسؤولية الأفعال الإرهابية التي لم ترتكبها تلك الجماعات . وفي بعض الأحيان تقوم تلك الجماعات بأفعال إرهابية من باب رد الفعل على الفعل الحكومي الإرهابي . ومن هنا تنبع فلسفة دوامة العنف ، والإرهابِ المتبادل .
وأيضاً ما حدث في فلسطين بعد فوز " حماس " ، فقد قام الغرب والعرب مجتمعين بمقاطعة الحكومة، وأَمَرَتْ أمريكا بالقضاء على حكومة الوحدة الوطنية عبر زرع العقبات في الطريق ، ثم التآمر على حماس عن طريق تأييد الحربِ على غزَّة في نهاية عام 2008م ضمن مسار من تواطؤ الأنظمة العربية الكرتونية التي تتلقى الأوامر من السفير الأمريكي .
وقد كان انتصار غزة في شتاء 2009م الذي صنعته حماس وباقي فصائل المقاومة يُعتبَر أول انتصار حقيقي يقوده الفلسطينيون ضد الكيان الصهيوني منذ إعلان قيامه المشؤوم. والجيوش العربية قد هُزِمَت عام 1967م في عدة ساعات ، وهي جيوش نظامية يُنفَق عليها بالمليارات ، أما فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس الخارجة من المخيَّمات فقد صمدت لأكثر من 500 ساعة من القصف الهستيري الذي أَنهك سلاحَ الطيران الصهيوني فصار يطلب الإمدادات من أمريكا. وقد رأينا دولاً ذات جيوش نظامية تتهاوى أمام الكيان الصهيوني في حين أن الشيخ أحمد ياسين المقعد على كرسي متحرك هزَّ الكيانَ الصهيوني من كل جهاته . وليكن معلوماً أن المقاومة الفلسطينية في الحرب على غزة كانت محاصرة من ثماني جهات [ الأمام، والخلف، والميمنة، والميسرة، والوسط( العملاء ) ، وتحت الأرض ( تدمير الأنفاق ) ، وفوق الأرض ( قصف الطائرات الحربية )، ومن البحر ( قصف البوارج الحربية ) ] . كما أن المقاوَمة محاصَرة بثلاثة أنظمة صهيونية: 1) النظام الصهيوني الأوسلَوِي ، 2) النظام الصهيوني الفرعوني، 3) النظام الصهيوني اليهودي . وهذا الحصار لم يحصل في تاريخ البشرية . فالطبع إنه انتصار إلهي، وانتصار المقاوَمة الباسلة على رأسها كتائب القسَّام التي أسَّست عقليةً عسكريةً جديدة ، وهي المقاوَمة تحت الحصار الشامل. فبعض الأنظمة العربية باعت فلسطين والعراق وغيرهما من البلاد ، وباعت كذلك الشعوبَ العربية ، وفرَّطت في ثرواتِ الوطن العربي لصالح أعدائه مقابل أن تظل في سدة الحكم، وهذه هي عبادة الكرسي التي انتشرت في الوطن العربي على نطاق واسع. وهناك أنظمة عربية تستمد شرعيةَ وجودها من ضياع فلسطين والمتاجرةِ بالقضية والشعاراتِ الرنانة، وهي الحاضن الأساسي للكيان الصهيوني مقابل منافع شخصية ، وامتيازات ذاتية من أجل البقاء في الحكم ، ونيلِ رضا العم سام . وبالطبع فإن اتفاقية أوسلو شهادة وفاة حركة فتح التي صارت ورقةً محروقة. والمضحك أن نظام أوسلو يتهم حماس بالانقلاب ، وقد نسيت حركةُ فتح أنها حاولت قلبَ نظام الحكم في عمَّان 70 وبيروت 82، ودعمت احتلالَ العراق للكويت قبل أن ترفع الراية البيضاء في أوسلو . وقبل ذلك قام عرفات بقلب نظام الحكم على الشقيري . وقد قال رئيس سلطة أوسلو العميل محمود عباس إن حماس قامرت بدماء الشعب في غزَّة أثناء العدوان الصهيوني نهاية 2008م ، وقد نسي أن حصار بيروت 1982 كان أقسى وأكثر عنفاً، ولم تكن في تلك اللحظة حركة حماس. وعندما قام عرفات وخليل الوزير بزيارة الخميني والجلوس إلى جانبه على الفراش الأرضي لم يعترض أحد، أما عندما يقوم خالد مشعل بزيارة إيران يصبح عميلاً لها وخادماً لخامنئي ؟! . فعندما عَبَثَت حركة فتح في عمَّان 70 وبيروت 82، ثم وضعوكم في باخرة، وطردتم الشعبَ الفلسطيني من الأردن ولبنان والكويت كنتم شرفاء مناضِلِين وعندما تُقاتِل حماس تصبح عميلة لإيران وجاهلة ومغامِرة وتفتقد البعدَ السياسي ؟! . أما النظام المصري العميل فيعترض على كون حماس " انقلابية " ، وقد نسي أن ما يسمى بالضباط الأحرار قلبوا نظامَ الحكم في مصر 1952م ، ولم نسمع من أدان ذلك الانقلاب ، كما أن الرئيس المصري المجرم حسني مبارك نفسه كان نائباً للإرهابي أنور السادات الذي كان أحد الضباط الانقلابيين. أضف إلى هذا أن حماس قامت بحركة تصحيحية للمسار الفلسطيني ، وتطهير غزة من الرذيلة السياسية . كما أن حماس حكومة شرعية منتخَبة بكل نزاهة باعتراف الأعداء قبل الأصدقاء ، ولم تسرق الشعبَ كما تفعل حكومات الدول المتخلفة ، بل قامت بهذه السيطرة المباركة على قطاع غزة لمنع سرقة الشعب .

30‏/11‏/2010

الأنظمة الحاكمة اللصوصية

الأنظمة الحاكمة اللصوصية
المؤلف : إبراهيم أبو عواد
إن أمريكا سجن على شكل جزيرة معزولة بين محيطين،فأمريكا بدأت تتآكل من الداخل دون روافد تغذِّيها بالطاقة، حيث إن هذه الحضارة الأمريكية الفاشية تشتمل على بذور زوالها في رحمها ، تماماً كالأم التي تحمل في رحمها قاتِلَها دون أن تعرف . وستدرك أمريكا أن العد التنازلي قد بدأ بوتيرة متسارعة لن تواكبها خطط الإنقاذ التي هي مضيعة للوقت ، ومحاولة لرسم عوالم الأحلام الكاذبة في ذهن المواطن الأمريكي الضائع ، طمعاً في كسب صوته في أية انتخابات قادمة . فلا يوجد سياسي عاقل سيقول عن بلده المنهار مخاطباً الجماهير إن بلادنا ضائعة وتُحتضَر ، بل سيقول إن الأمل قادم والمستقبل المشرق ينتظرنا، والأمور سوف تتحسن. وهذه مهنة السياسي الرئيسية في الغرب ، أي الكذب على الناس ، وتخديرهم ، ورميهم في عوالم الأحلام الجميلة، وكل ذلك من أجل الاستفادة من دعمهم وأصواتهم الانتخابية ، ومحاولة رسم مستقبله السياسي ضمن تحقيق مصالح شخصية قبل أن يفيق الشعب من نومه فيجد الكابوسَ يحاصره من كل الجهات بما لا يدع فرصة للهرب . وترتكز فلسفة الحكم في الغرب على قاعدة " الغاية تبرِّر الوسيلة " التي وضعها نقولا ميكافيللي ( 1469م _ 1527 م ) صاحب كتاب الأمير ، وهو ينصح الحكام والأمراء بأن يلجأوا إلى أية وسيلة للحفاظ على سُلطتهم ولو كانت هذه الوسيلةُ مؤذية وغير محمودة.وهذه هي القاعدة المعتمدة في الفلسفة السياسية الغربية، أما أيديولوجيات حقوق الإنسان والديمقراطية فهي شعارات للاستهلاك المحلي ، وتلميع صورة الدولة الاستبدادية داخلياً وخارجياً ، وابتزاز الدول الضعيفة ضمن محاولات حثيثة للتدخل في شؤونها الداخلية لتحقيق منافع شخصية ، ونفوذ على الأرض .
إن الأنظمة السياسية العميلة التي تتغطى بالإسلام أو الديمقراطية تنظر إلى المواطن على أنه صوت انتخابي،مجرد صوت في غابة من قطاع الطرق الذين يرتدون ربطات العنق . ووفق هذا المنظور تؤول القيم الإنسانية إلى مشاريع لبناء مستقبل سياسي مزعوم على أنقاض الكيانات البشرية ، وتذهب الفضاءات الفكرية إلى مصيدة استثمار أصوات الناس لتعزيز النفوذ غير الشرعي للسياسيين على حساب استنزاف المنحى الروحي للبلاد التي تؤول إلى دجاجة تبيض ذهباً ، أي تحوُّل الإنسانيات المعنوية إلى مشاريع تجارية احتكارية يدفع ثمنَها المواطن المسحوق المنتمي إلى وطن قاتل يدر أرباحاً على المجرمين ، ويفتح ذراعيه للسائحين ، ويقتل المواطنين . وكل الأنظمة السياسية القمعية تعمل ضمن إطار تحويل الوطن إلى منفى ، وتفعيل فكرة الإحلال ، أي تهجير العقول الشريفة الوطنية المعارِضة لسرقة البلاد من قبل النظام الحاكم ، واستقدام جوقة المرتزقة من الموالين للسلطة بالحق والباطل . فالهم الأساسي للنظام السياسي القمعي هو إطالة عمر حكمه كيفما اتفق ، ولو على حساب ضياع البلاد وتخلفها،وانكسارِ الشعب وفقره. ومن هنا يؤول الوطن إلى إفراز طبقي يحتضن القادرين على الدفع من رجال الأعمال الموالين للسلطة ضمن زواج الثروة بالسلطة ، ويحتضن كذلك السائحين الذين يساهمون في تدعيم القوة المالية للحاكم دون أية منفعة للشعب المسحوق . وفي نفس الوقت يُطرَد العلماء والمثقَّفون لأنهم يُشكِّلون خطراً على النظام الحاكم الفاسد عبر رفضهم للفساد ، وفتح عيون الناس على الحقيقة ، وهذا يتعارض جملةً وتفصيلاً مع المسار الفاسد للحاكم وحاشيته . ومن خلال هذه الفلسفة تتكرس فلسفة المشاريع السياسية في الدول المتاجرة بالإنسان ، والتي تبني مجدَها الزائل على امتصاص آخر قطرة من الذاكرة الوجودية للفرد المغلوب على أمره . والكيان الأمريكي غير الشرعي الذي قام بالأساس على سرقة أرض الهنود الحمر ، وقتلهم ، وصبغهم بالهمجية والإرهاب ، ضمن تأطيرات سياسة الأمر الواقع والأرض المحروقة وإبادة السكان الأصليين ، إنما هو كيان وضع فلسفةَ إرهاب الدولة في أوسع أنطقة معانيها ، وأعاد صياغة سوق النخاسة ، وكرَّس عبادة الإنسان للإنسان . وكل هذه التكريسات تهدف إلى حَيْوَنَة الإنسان ، ونقله من المستويات الشعورية المنطقية إلى شريعة الغاب ، حيث القوي يضع القوانين لابتزاز الضعفاء ، وحيث الشريعة الحاكمة لا تحكم إلا على الكائنات الصغيرة . وكلما توالت هذه التراكيب اكتشفنا أن العالَم تحكمه عصابة من قطاع الطرق ، ومافيا من رجال السياسة والاقتصاد والثقافة . وقد أضحى كوكبنا مكاناً خطراً للعيش فيه . فلا يوجد من يدافع عن الضعفاء الذين تتكاثر السكاكين على أجسادهم أمام عيون العالَم بلا مغيث . فالعالَم الإسلامي في خانة الضعفاءِ ، حقوقه مهدورة،وأراضيه منهوبة، وأنظمة حكمه متخاذلة. فمنظمة المؤتمر الإسلامي لا وزن لها، وجامعة الدول العربية لا دَوْر لها . وفي ظل هذا الوضع المتردي ينبغي على كل القوى الإسلامية المسلحة في العالَم أن تأخذ حقها بيدها عن طريق نقل المعركة إلى عواصم العالَم ، وعسكرةِ كوكب الأرض ، وملاحقةِ الغزاة في كل مكان وقتلهم . وهذا هو الحل الوحيد. فإن بقي العرب والمسلمون سائرين في طريق الخوف والذل فإن القِبْلة الثانية ستلاقي نفسَ مصير القِبْلة الأولى .
والمضحك المبكي في إشكالية البناء الإمبراطوري الأمريكي هو التماهي الغريب مع العقلية البدوية الحاكمة في الوطن العربي . فغطرسة القوة العمياء تصنع طفولةً سياسيةً متهورةً . وإن المراقِب ليعجب من دول تُسمِّي نفسها عظمى تملك من الموارد البشرية والمادية الشيء الكثير ، تراها تتصرف مثل قطاع الطرق ، والزعرانِ في الحاراتِ البائسة ، ومثل الأطفال الفاقدين لمستويات الوعي . وهذا كله مرجعه إلى أن القوة المتغطرسة تنحو منحىً هستيرياً يلغي دورَ العقلانية والسياسة والحساباتِ الإستراتيجية ، وهذه إحدى عوامل الهزيمة الداخلية النابعة من حماقة العدو التي تهدد وجودَه .
وهذا التماهي السلبي ينبع من تعيين المسؤولين حسب الولاء لا الكفاءة. وهذه الفلسفة قد يكون انتشارها مفهوماً في الدول العربية الفاشلة على كافة الأصعدة ، أما أن توجد في أمريكا المصبوغة بهالة التقدم المادي فأمر يدعو للدهشة . لكن التفسير العقلاني لانتشار هذه الظاهرة في بلاد العم سام هو حجم الضغط القادم من اللوبي اليهودي النازي الذي أَنتج مافيا أنيقة مختبئة وراء البدلات الفخمة، وربطاتِ العنق، لا هَمَّ لها سوى تقريب الموالين لبرنامجها المعتمد على تحقيق مكاسب شخصية، وإبعادِ أصحاب الكفاءات الذين يُعارِضون السيطرة اليهودية_ البروتستنتية المتصهيِنة على مقاليد الحكم في البيت الأبيض ، وبالتالي يهدِّدون المصالحَ الشخصية لعِلْية القوم . وكل السياسات التي تعمل تحت مظلة الضغط تُولَد مسخاً ، فهي غير قادرة على إيصال الشعب إلى بر الأمان ، لأن الذي يعمل تحت الضغط يمارس أعمالَه ضمن دائرة حصار الخوف ، والعقل الخائف لا يمكن أن يُبدِع ، فالخوف يشل القدرةَ الإنسانية على الإبداع والنقد والنقض . ومن مصلحة الجهات المتنفِّذة في العالَم أن يظل الخوف مسيطراً على الطبقات الواقعة تحت السيطرة لئلا تقدر على نقد الأوضاع السيئة ومن ثم السعي إلى التغيير . فالوصفة السحرية لاستمرار النظام الحاكم إلى الأبد ، وحمايته من أي إنقلاب ، هي أن يجد الحاكمُ قطيعاً من الأغنام ليحكمها . وهذه الفلسفة هي المتَّبعة في أنحاء العالَم ككل . ونحن نخلص إلى القول إن الأنظمة الدكتاتورية في العالَم العربي وباقي العالَم لا تحوي نظاماً حاكماً بالمعنى السياسي الفعلي ، بل فوضى حاكمة يحميها العسكرُ المنضوون تحت عباءة الطاغية لتحقيق منافع شخصية . ومن خلال هذا الفرز الحتمي المكوِّن لتقاطعات المصلحية الذاتية نتوصل إلى أن فلسفة رُعْيان الغنم الحاكمة في الوطن العربي تؤول إلى فلسفة رُعْيان البقر الحاكمة في البيت الأبيض . أي إن التخلف عابر للقارات ضمن مسارات تشابك مصالح شخصية. وعلاقة الغرب بالحاكم العربي يمكن أن نعتبرها _ مجازاً_ علاقة ابتزاز متبادل مع رجحان كفة الابتزاز للغرب ، ومع اختلاف مفهوم الابتزاز . فالابتزاز الغربيُّ نابع من قوة مادية هائلة وفرضِ شروط بحكم القوة والنفوذ وبحكم أن الدول العربية محمِيَّات غربية يحكمها السفير الأمريكي ، أما ابتزاز الحاكم العربي فنابع من تقديم تنازلات حاسمة مثل التآمر على فلسطين والعراق _ كما شاهدنا_ أو استقبال قواعد عسكرية غربية على الأرض العربية. وبالتالي يتم حصر الابتزاز في دائرة الحصول على أكبر ثمن لقاء بيع البلاد والشعوب . وهذا الثمن قد يكون اقتصادياً أو سياسياً ، والحاكم العربي مستعد أن يفعل أي شيء للحفاظ على الكرسي . وكل الأزمات التي ضَرَبَت العمودَ الفقري للغرب المنضوي تحت جناح أمريكا نتجت بفعل استلهام السياسات القمعية في الدول المتخلفة ، فصرنا نسمع عن أفراد في أعلى هرم السلطة الغربية متورِّطين في فضائح مالية لا مفر منها ، وعملياتِ تعذيب منهجية في سجون سرية ، وأشخاص مشبوهين لا يملكون الكفاءةَ يقودون بلادَ العم سام . وكأن عدوى الأنظمة العربية الاستبدادية قد انتقلت إلى البيت الأبيض . وكل هذه الإرهاصات تُعَرِّي الشعاراتِ الزائفة عن الحريةِ والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ولم تكن هذه الشعارات إلا نسخةً مع بعض التعديل لشعارات الأنظمة العربية البائسة عن التنمية والتحرر والازدهار وانتخابات 9و99% النزيهة ! . وبالطبع فإن المنظِّرين المأجورين الذين يحملون على أكتافهم مهمة تلميع النظام الحاكم الفاسد يدركون أن أفضل وسيلة لقيادة الشعب كقطيع الغنم هي نشر الشعارات الجذابة التي تدغدغ العواطفَ ، والكذب ثم الكذب حتى يصبح حقيقةً ومسلَّمةً لا تقبل النقاش أو حتى التأويل . وفي هذا الخضم نخلص إلى القول إن الأنظمة التي تعمل لمصلحتها الشخصية دون النظر إلى مصالح شعوبها متشابهة ، وكلها تنتهج الكذبَ لاعتقادها بأنه أفضل وسيلة للوصول إلى قلوب الجماهير، وإدامة نظام الحكم أطول وقت ممكن. فالكذب وسيلة مجانية ذات فاعلية عالية في مجتمع جاهل أُمِّي عاطفي بلا عقلانية ، وكلما استمر النهجُ السياسي في شرعنة تغييب الوعي الذاتي بالمحيط الخارجي اتَّجهت التكوينات المفصلية في الدولة إلى منظومة القبيلة أو المجتمعِ البدوي البدائي، فالحاكم هو الدولة ، والدولة هي الحاكم . ومن هنا وجدنا الدولة الأموية والعباسية والأيوبية والعثمانية ، وغيرها. وهذه الدول نظامها السياسي الحاكم في هرم السلطة أشبه بأداء شيخ القبيلة والموالين له . في حين أن الخلافة الراشدة لم تكن دولةً بكرية أو عمرية ، ولم تحمل أسماء الخلفاء ، لأنها كانت دولةَ خلافة راشدة حقيقية مستمدة من الكتاب والسنة مرجعية المسلمين لا مرجعية شيخ القبيلة وحاشيته.
إن صور الأمِّية المنهجية تختلف باختلاف البيئة السياسية والجغرافية . فالأمية في العالَم العربي عالية جداً تقترب من ثلث عدد السكان، وهذا الثلث لا يتقن القراءةَ أو الكتابة . وهذا يعكس وجود خطة سياسية منهجية لتجهيل الشعب ليسهل حكمه كالأغنام ، فالنظام الحاكم العربي يخاف من استخدام الشعب لعقله ، لأن ذلك سيهدِّد مصيرَ حُكْمه ، لأن القاعدة المعتمدة في النظام السياسي العربي أن العقل المفكِّر يُشكِّل خطراً على نظام الحكم . أما الأمية في أمريكا فهي أمية سياسية ، لأن الأمريكي يعيش حياة استهلاكية باذخة ، فلا يهتم بالقضايا الخارجية ، لأن تفكيره محصور في شهواته اليومية المحسوسة ذات التماس المباشر مع حياته التي يبنيها في وعاء اللذة المجرَّدة من المسؤولية، فالحضارة الغربية محصورة بين البطن والفَرْج لا أكثر ولا أقل . مع أن الوضع بدأ يتغير بشكل دراماتيكي ، فالأزمة المالية العالمية التي ضَرَبَت العمودَ الفقري لأمريكا زادت نسبة الفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية ، ومع بدء انهيار المجتمع انهار مستوى الدخل للأفراد ، مما جعل حياةَ المواطن الأمريكي العادي جحيماً لا يطاق ، وصارت الاستهلاكية المفرطة ومستوى الإنفاق العالي جزءاً من الذكريات التي لا تعود. والأمية بكلا المفهومَيْن _ سواءٌ عند العرب أو الغرب _ نتاج سياسة حكومية منهجية لإبعاد الشعب عن السياسة ، ونفْيِه من دائرة صنع القرار أو على الأقل مناقشته ، وإشغالِ الفرد والمجتمع بالحياة الاستهلاكية الشهوانية لكي يَتَقَوْقَعُوا في دائرة ذاتية شخصانية ضيقة بعيداً عن فساد صُنَّاع القرار الذين حَوَّلوا الدولةَ إلى مرزعة شخصية لهم ولحاشيتهم ، ونهبوا ثرواتِ البلاد والشعب في ظل غرق الشعب في لهاثه اليومي وراء سراب المتعة الاستهلاكية وإشباعِ الرغبات الشخصية التي تجعل من الفرد عَبْداً للشهوات الذاتية غير مَعْنِيٍّ بالقضايا المصيرية على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي .

29‏/11‏/2010

نشر الجهاد العالمي

نشر الجهاد العالمي
المؤلف : إبراهيم أبو عواد
إن الإسلام هو الثورة الانقلابية والفعل التحريري للمخلوقات . فالأنظمة الاستبدادية الفاسدة في العالَم العربي والإسلامي تعمل جاهدةً على تجريد الإسلام من المنحى الجهادي الثوري الانقلابي الشامل،والعمل على حصر الإسلام في المسجد وقراءة القرآن دون تطبيق ما جاء به القرآنُ الكريم . فهي تدعم ما تسميه الإسلام المعتدل،حيث التطبيل والتزمير للحاكم في كل الأحوال، ولَوْي أعناق النصوص الدينية لشرعنة الأنظمة الطاغوتية ، وغالباً ما يقوم بهذه المهمة علماء السلاطين . كما أن أمريكا نفسها تحاول تدجين الإسلام ، وجعله مجرد طقوس وشعائر محصورة في المسجد، ومنفصلة عن الحياة . وقد جنَّدت جيشاً من أزلامها في المنطقة العربية والإسلامية حكاماً ومحكومين لتقديم صورة ممسوخة عن الإسلام بأنه دين استسلام للاحتلال وخنوع وتخاذل تحت شعار التسامح والاعتدال والسلام وقبول الآخر . فالجهاد صار إرهاباً مذموماً ، وأصحاب اللحى صاروا متطرِّفين يُشكِّلون خطراً على ما يسمى بالعالَم الحر والديمقراطية المزدهرة في هذه الدول البوليسية . فمثلاً نجد الأزهر الشريف المؤسسة الدينية الأولى في العالَم الإسلامي تراجع مستواه بشكل مرعِب بسبب سيطرة الدولة على كل صغيرة وكبيرة فيه، فالعلماء غير قادرين على التعبير بحرية عن مسائل الجهاد ، والأمورِ السياسية ، والفساد المالي والأخلاقي ... إلخ . وهذا كله عائد إلى أن النظام المصري الإرهابي قد وضع يدَه على مؤسسة الأزهر، وقام بتدجينه عبر محاصرته مالياً ، وجعل العلماء خاضعين لراتب آخر الشهر من الحكومة ، مما جعل الفتوى تتأثر سلباً بالتيار السياسي . فالعالِم قبل أن يتكلم لقول كلمة الحق يحسب ألف حساب لراتب آخر الشهر الذي إذا قُطِع عنه فسيجد نفسه في الشارع هو وأسرته، وهذا يُشكِّل عامل ضغط كبيراً على حرية فكره، مما يضطره إلى الصمت أمام الأحداث الجسام ، أو اختراع فتوى متناسبة مع هوى السلطة الحاكمة .وينبغي علينا _ للخروج من حالة الموات _ اعتماد نظرية تصدير الجهاد العالمي ، أو الجهاد العابر للقارات الذي يُشكِّل خلاصاً للبشرية. والنواة الأساسية لهذه النظرية هي قتل العدو أينما وُجِد في هذا العالَم، والوصول إليه في أي مكان وأي زمان ، وهذا يستلزِم الوصولَ إلى الغزاة أينما وُجِدوا ، فكوكب الأرض هو أرض معركتنا الشرعية . ولكن ينبغي الابتعاد عن استهداف المدنيين والأبرياء ، والتركيز على المقاوَمة الشرعية ضد الاحتلال وأعوانه ، والجهاد ضد الأعداء المحارِبين .
وهنا تتكرس نظرية الانقسام العظيم . فقد دخل كوكبنا في نظرية الانقسام العظيم ، حيث انفصل الشرق الإسلامي عن الغرب الصليبي انفصالاً محتوياً على شرارة الحرب والصدام الحتمي المصيري الكَوْني الذي يستعيد زمنَ الحروب في بيت المقدس . فالانقسام الحتمي بين الشرق والغرب موجود على أرض الواقع وليس خيالاً ذهنياً تجريدياً . وينبغي تعميق هذا الانقسام والعمل على عسكرته لتحرير الغرب من الغرب كي يجد الخلاصَ الروحي والمادي معاً . ولا يمكن للشرق الإسلامي أن يفرض شروطَه على الغرب الإرهابي إلا عبر عسكرة العالَم ، ونقلِ الكفاح المسلَّح في عواصم كوكب الأرض. فالغرب النازي لا يفهم إلا لغةَ القوة، ويجب أن نتعامل معه وفق مبدأ الحديد والنار لكي نوقفه عند حده ، أما التعامل معه بالاستسلام ، وتقبيل الأيدي ، واستجداء المساعدات فلا فائدة منه . وقد وجدنا كيف أن شخصاً مثل عماد الفايد قد تعامل برومانسية بالغة مع الغرب ، وتعاطى مع إفرازاته الملوَّثة بالعشق والمتعة ، فكان مصيره القتل على يد هذا الغرب الذي يزعم الحريةَ والديمقراطية والحب والذكريات .
ونحن إذ نذكر نظرية الانقسام العظيم لا بد أن ندرس ملابسات التفاصيل الدقيقة لحالة الخيانة في الداخل العربي ، ونُعَرِّج على مسألة أنصاف المثقفين من أبناء جلدتنا الذين اعتنقوا التغريب منهجاً لهم بعد أن أداروا ظهرهم لهويتهم وتاريخهم وحضارتهم العربية الإسلامية ، فصاروا عملاء للقوى الإرهابية الإنجيلية والتوراتية في أمريكا وأوروبا والكيان الصهيوني ذلك الورم السرطاني الذي ينبغي اجتثاثه عن طريق حرب مفتوحة داخلياً وخارجياً .
إن نشاط الطابور الخامس في المجتمعات العربية الإسلامية ما كان ليظهر بقوةٍ لولا وجود أنظمة حاكمة عميلة هي أساس الطابور الخامس . فالأنظمة العربية الاستبدادية مستهلَكة حتى النخاع لا فائدة منها ، ووظيفتها هي تأدية خدمات للغرب القوي مادياً مقابل استمرار حكمهم في المنطقة العربية . ففي الوطن العربي توجد الجيوش لتثبيت العروش ، دون أدنى اعتبار للدفاع عن الوطن أو الشعب . ومن زاوية أخرى يحز في النفس أن نرى بعض مفكِّرينا وأدبائنا يعتنقون ثقافة الغرب، وينسخون المذاهبَ الغربية في شتى المجالات كالسياسة والأدب والفلسفة ، ظناً منهم أنهم يدخلون العصرَ الحديث بكل ثقة،ويتفوقون على أقرانهم،ويصلون إلى العالمية والشهرة والإبداع. وهذا كلام مغلوطٌ تماماً . فمثلاً الكُتاب العرب بعضهم ينسخ الواقعيةَ الاشتراكيةَ التي اخترعها الكاتب الروسي مكسيم جوركي ، وبعضهم يعتنق الماركسية التي صنعها كارل ماركس وشيعته ، وبعضهم يعتنق الوجودية المترنحة بين هايدغر وسارتر . وفي ظل هذه الخارطة المتهاوية نتوصل إلى أسباب عجز الكُتاب العرب عن الوصول إلى العالمية لأنهم ناسخون يسرقون المفكِّرين الغربيين دون أن يعتزوا بمنجزات الحضارة العربية الإسلامية ، ويحاولوا تطويرها وإيصالها للعالَم . فالعالَم يريد شيئاً جديداً عليه غير معهود بالنسبة إليه، أما أن يظل الكُتاب العرب ينسخون ثقافةَ الغرب، ففي هذه الحالة سوف يدير الغربُ ظهرَه ، لأنه ببساطة سيكون في هذه الحالة هو الأصل ، والآخرون هم التقليد . وحينما نقدِّم حضارتنا العربية الإسلامية في إطار توازن الأصالة والمعاصرة وضمن حداثة منهجية تحافظ على الثوابت ، وتجدِّد في الآليات والوسائل ، فعندئذ سيتوق الغربُ لسماع ما عندنا والذي لا يوجد عنده، فنصبح نحن الأصلَ، والغربُ هو التقليد .
إن محاربة الإسلام واللغة العربية على أشده، فأنت عندما تتجول في الدول العربية سوف تُصْعَق حينما ترى اللافتات مكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية مع أن الدساتير في البلاد العربية تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لهذه الدول، ولكن العمالة والارتهان للخارج وعقدة الخواجة وتقليد المغلوب للغالب ما زالت متواجدة بصورة جنونية . وإذا دخلتَ فندقاً في دولة عربية سوف تجد الكل يتحدث غير العربية كأننا في شيكاغو . حتى التدريس في جامعاتنا المتهاوية _ التي لا وزن لها عالمياً أو إقليمياً_ بالإنجليزية والفرنسية ظناً من هؤلاء المتغربين أنهم بذلك سوف يتقدمون ، وهذا غير صحيح . فالجامعات العربية متخلفة ذات أسوأ تصنيف على مستوى جامعات العالَم. وما من أُمَّة تركت لغتها الأم إلا انتكست وبقيت متخلفة، ومحال أن تلحق بركب الحضارة. ومن يخالفني في هذه النقطة أطلب منه أن يعطيَني مثلاً على أمة استخدمت لغة المحتل في مؤسساتها وجامعاتها وثقافتها ووصلت إلى القمة . وهذا المثل غير موجود مطلقاً مهما بحث الناس. وهذا التخلف الذي نحن فيه بسبب وجود حكام زرعهم الغرب آلهةً على جماجم الشعب والبلادِ الفاسدة . وللأسف فإن الحاكم العربي جزء من المشكلة لا الحل. وأيضاً بسبب وجود الشعوب المدجَّنة التي صارت أشباحاً راكضة وراء لقمة الخبز. وفي ظل هذا الانهيار الاجتماعي الشامل يجب أن تنطلق الحرب الكَوْنية من بؤرتين مُقَدَّستين : الأسلمة والتعريب على صعيد العالَم أجمع بدءاً من الوطن العربي الإسلامي، صعوداً إلى الشمال حيث أوروبا الصليبية ، وانطلاقاً إلى أمريكا ، ثم باقي دول العالَم ، مستخدمين كل طاقة الأمة الإسلامية ، وهكذا نضمن استمرارية الزخم، وهذه الحقيقة نابعة من كَوْن الإسلام هو الدِّين السماوي الوحيد . كما أن المسلمين هم شعب الله المختار وفق التأصيل الشرعي بعيداً عن الغرور وأيديولوجيات نقاء العِرْق، وتفوق العنصر البشري . لذلك فالمسلم هو الأنا المركزية ذات المسار العالمي، كائناً متكاملاً . أما الغرب النازي فلا وجود له إلا على خارطة الوهم المادي المجازي،وليس بين الشرق الإسلامي وبين الغرب الصليبي النازي إلا السَّيف.
إن كوكب الأرض المتخلف إنما هو بيئة مسحوقة تم تدميرها بشكل منهجي بفعل السياسات الطائشة الطفولية الأنانية للإدارات الأمريكية المتعاقبة . فالاحتباس الحراري، ورفض توقيع أمريكا على اتفاقية كيوتو ، وهلوسة المصانع الأمريكية التي تلوِّث البيئةَ لكي تجنيَ أكبر نسبة من الأرباح ، ما هو إلا مثال بسيط على عقلية الاستبداد الأناني الذي يتمركز حول الذات ومنافعها ، وليكن الطوفان من بعدها . وهذه العقلية الاحتكارية التي تبدأ من الفرد الذاتي انتهاءً بالكوكب كله ، إنما تُشكِّل انتكاسة الحلم البشري المتدفق ، وجنوحه نحو تياراتٍ أيديولوجية إرهابية ذات منحى صهيوني نازي ، وهذا هو الأساس الفكري لفلسفة أنظمة حكم البيت الأبيض . والبيت الأبيض هو منظمة إرهابية محظورة لأن العقلية الحاكمة فيه تعتمد على مبدأ الغاية تبرِّر الوسيلةَ ، فهي مستعدة لفعل أي شيء مقابل تجذير المصالح الشخصية دون النظر إلى معاناة الشعب الأمريكي. لكن العالَم لا يجرؤ على تصنيف الإدارة الأمريكية كمنظمة إرهابية لأن القوي فوق القانون يفرض شروطَه على الضعيف دون اعتراض . فمع دخول كوكب الأرض في شريعة الغاب صار الإنسان عبارة عن ورقة محترقة في مهب السياسات الابتزازية للدول الكبرى التي تخترع قوانين مصبوغة بشعارات الحرية وحقوق الإنسان لتطبيقها على الدول الضعيفة، وابتزازها، والضغط عليها، والتدخل في شؤونها الداخلية لتحقيق أكبر قَدْر من الامتيازات . وكما يُقال فإن القانون مثل بيت العنكبوت ، لا تقع فيه إلا الكائنات الصغيرة ، أما الكائنات الكبيرة فلا تملك إلا أن تمزِّقه.
وكلما ازداد الترابط بين سطوح الذاكرة الوجدانية للإرهاب البروتستنتي المصبوغ بالإرهاب اليهودي النازي تفاقمت السالبية الأحادية المبنية على علاقات إشكالية العِلَّة والمعلول . فالواضح أن الكيان الأمريكي هو العِلَّة( المصدر ) والكيان الصهيوني هو المعلول ( النتيجة )، وهذه العلاقة هي المشهورة والمعتمدة . لكنَّ نظرة خاطفة من الجانب الآخر قد تقودنا إلى نتيجة آنية مفادها أن الكيان الأمريكي هو موظَّف عند الكيان الصهيوني . وهذه النظرة حالة خاصة غير قابلة للتعميم . لكننا نطرحها لنكشف حقيقة أن الطفل المدلَّل ( الكيان اليهودي الصهيوني ) قد يحكم أُمَّهُ ( الكيان الأمريكي البروتستنتي الصهيوني )، ويتحكم في مسار حركاتها، ويجبرها على تغيير برنامج حياتها . وهذه النقطة الكارثية تُعتبَر مسماراً جديداً في نعش أمريكا ، يُعجِّل في موتها القادم لا محالة ، ويُسرِّع من عملية انطفاء حضارة الوهم الذهنية الفاقدة لشرعية الوجود الأخلاقي السَّامي والتواجد الحر العادل . وكل إشكاليات الانهيار الاجتماعي الأمريكي مرجعها إلى ضعف التركيبة الداخلية في إمبراطورية الشر الأمريكية التي تعيد إنتاجَ القيم بما يتناسب مع مسارها ومصالحها ، أو بالأحرى مصالح النخب الحاكمة في شتى المجالات ، لأن الخاسر سيكون الشعب الأمريكي الدائر في أفلاك مشاكله دون أن تلتفت إليه حكومته الغارقة في مشاريعها الشخصية بفعل جماعات الضغط المتنفذة. والإنسان الأمريكي يسير باتجاه مضاد لإنسانيته ، وذلك عائد إلى ثنائيات التشظي الصارمة في تقاطعات الكيانات المتصارعة في داخل العقل الجمعي الأمريكي .
فالدلالة المكسورة المبنية على امتدادات انحسار قدرة الوعي إنما جاءت من ضعف قبضة أمريكا ، واضمحلال النظم الفكرية المعادِلة لأكذوبة نشوة تفوقها.وقد أصبحت تصريحات الساسة مثل المخدرات التي يتعاطاها الفرد لكي ينسى مشاكله ، لكنه سيكتشف مع مرور الوقت أن مشاكله ازدادت بشكل مخيف يهدِّد وجودَه على هذه الأرض . وكلما استمر الانهيار الاقتصادي الأمريكي انزاحت قيم الاستقطاب باتجاه ضاغط على ذاتية الأفراد ، الأمر الذي يُحيل واقعيةَ النشوة العسكرية الكاذبة إلى تمزقات حقيقية في أعضاء العم سام. والأزمات التي تذبح أمريكا من الوريد إلى الوريد خطورتها تكمن في قدرتها الفائقة على إسقاط الأقنعة وإزالة المكياج ، فظهر الوجهُ القبيح الحقيقي لأمريكا .