سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

05‏/06‏/2011

المنارة والرمال

قصيدة/ المنارة والرمال

للشاعر/ إبراهيم أبو عواد .

إنه يومُ الأحد . أرى طارق بن زياد يحوِّل الأبيضَ المتوسِّط إلى بغداد كي تحرِّر الشمسُ الأندلسَ . إنها حربٌ بين الهلال والصَّليب . أرى تاجَ الأخطبوط أحفورةَ زنبقةٍ وزبد . يجيء القوَّادون كالفِطْر السَّام المحنَّط في الشفق ويموتون .

فلتعلمِ الحملاتُ الصليبية أن رتشارد قلبَ الفأرِ هُزِمَ . سياراتٌ كلاسيكية تستبدل إطاراتِها ساخرةً بألفِ ألفِ جسد. والعائدون إلى انتحارهم لم يجدوا على صفائح موتهم إلا أرواحهم والطينَ. وبِلالٌ شَقَّ الفضاءَ صوتُهُ : (( أَحَدٌ أَحَدٌ )) . حديدُ الأقفاص أعمى وابتسامةُ الرِّيح لا تقتني العُميانَ . يا محاكمَ التفتيش ، إن روحي تحيا حين تقرأ سورةَ الصَّمَدِ . مَدَدٌ مددٌ يا رسولَ اللهِ مددٌ .

إنه يومُ الأحد . جاك نيكلسون يُزيح عن جوائزِ الأوسكارِ عُرْيَ وجهه ، يُحيلُ خشبةَ المسرحِ الجارحة إلى مدافن كثيرةِ العدد . يُؤسِّس عارَه ويضعه في السرير لكي يستيقظَ في الصباحِ، ويذهب إلى التصوير كاملَ الغبارِ، مُفعماً بخرائط الرمد . وأطفالُنا يستخرجون البارودَ من حناجر السَّمك . مَدَدٌ مددٌ يا رسولَ الله مددٌ .

إنه يوم الأحد. أشباهُ رجالٍ يضعون زوجاتهم على عقارب السَّاعة ، ويُقَبِّلون يدَ الصنم ، يظنون أن القبوَ سيحميهم من الصاعقة . يظنون أنهم سيضحكون إلى الأبد . يذوبون كالمكانسِ كالأشباحِ الغبارية كالقحطِ الرُّوحي ، في الظلماتِ في بحرٍ انقضت أيامُه والأمد . مَدَدٌ مددٌ يا رسولَ الله مددٌ .

إنه يوم الأحد . للانهيارِ أفئدتُهم للبكاءِ عندما لا ينفعُ البكاءُ . للعذاب للجحيمِ ، يحملون تيجانهم وجِيَفَهم ، ويسيرون إلى المسَد . سأرد عليهم في المقابر في المذابح في المسالخ في المسارحِ على شاشات التلفاز وفوق القمر . طَيْفُهُمْ حُطَامُ الصحاري. جُرُوحِي سَنَابِلُ الرَّي. وبلال ملأ الكونَ صوتُه حتى سمعه زُحَلُ : (( أَحَدٌ أحد )) . مَدَدٌ مددٌ يا رسولَ الله مددٌ .

إنه يوم الأحد. الأساطيرُ المقدَّسةُ طبعاتٌ محرَّفة . حنانُ المجزرةِ أكثرُ الغِربان انتشاراً في أوساط العميان . المقاصلُ أطيافٌ خشبيةٌ في مغارة الأكفان . نيرانٌ بيادرنا تهضمُ تقضمُ سلالم الخرافاتِ . يا أيتها السَّماوات . إن قلبي يحيا حين أقرأُ سورة الصَّمد . مَدَدٌ مددٌ يا رسولَ الله مددٌ .

02‏/06‏/2011

اغتيال العاشق الصوفي

قصيدة/ اغتيال العاشق الصوفي

للشاعر/ إبراهيم أبو عواد .

الذي وَضَعَ أغاني أدغالِ الدَّم على سَرْجِ حصانٍ هو النِّسْيانُ الأخضرُ . وَضَعَها واختفى في حِوارِ جُرْحَيْن جَامِحَيْن على مائدة خالية . أيها القلبُ الذي يتحول وطناً للغرباءِ وعابري السبيلِ . يتحول مسكنَ لاجئين ، يصير وطنَ القصائدِ الممنوعةِ . مسكونٌ أنا بالمطرِ . خَبِّئْني في زَهراتِ نبضكَ ، في حروفِ لغة ترابكَ ، مُروجِكَ المزهرةِ رغمَ احتلالِ دفاترِ الرِّيحِ لقلوبِ الشلالات الأسيرة . وخُذ المشرَّدين من مِضَخَّةِ الماءِ في الحقولِ إلى سريرِ التَّعبِ ليرتاحوا ! . لا تُسَلِّمْنِي لثرثرةِ الأَرْزِ المعْدية في جهاتِ جوز الهند الاستوائي . أَعِدْ لي جثثَ الأَرانب المتعفِّنة كي أدفنَها في الهضاب الخارجة على قانون الغاب .

أضاعَ الضَّبابُ فُرشاةَ أسنانه في سيرةٍ ذاتية لِفَرَسٍ . وفي مدائنِ الصَّمت حصانٌ لم يَرِثْ عن أبيه إلا المنجلَ. لكنَّ عودةَ العَوْسجِ إلى أبجديةِ قوسِ قُزَحَ تُشاهدُ رَجُلاً يُردد أناشيدَه في البريةِ. تَابَعُوا خُطاهُ على كومات القش المطعونةِ ، ووَجَّهوا رماحَهم ذات الرؤوسِ الفضية في عينيه ، وأَطْلَقُوها . كانت زجاجاتُ العصيرِ الفارغةُ شاهدةً على اغتياله ، فَكَسَرُوها ! .

ولما اصْطَادوا ذَكَرَ النَّعامِ قالوا له : (( عَلَيْكَ أن تنتميَ إلى الوطن )) . فرد عليهم والحرقةُ تخنقه : (( أين هو الوطنُ حتى أنتميَ إليه ؟! )). وطنَ النوارس الذي يضيع في وريدي مشانقَ ضاحكةً ومجلاتٍ بدون عناوين . أنتَ زنزانتي وحريتي وطفولتي المقتربةُ من جمر العطش . والغاب يعملُ بعد الظهر طبيبَ أسنانٍ .

كيف سأغرسُ صنوبرَ الأمسياتِ الخريفيَّ في مقابر الفراولةِ ويداي ملطختان بالجذور الصَّارخةِ؟!. اكتشفْني في مقبرةِ عائلتي وأنا أدورُ كالطير المذبوح دمعاتٍ ، واكتشفْ في الأناشيد الميتة زوبعةً عندما تذهب البروقُ لتنامَ على ياسمينة جاهزةٍ للترحالِ . استخدمْ أشعاري لكي تسقيَ القلوبَ الجافة .

يا كُلَّ المخبِرين العائدين إلى أرضهم الميتة في الصباحات الباكرة ، أُطردوني من جُرحي سوف تجدوني في جراحِ الآخرين . امْنَعوا أشعاري من مشاهدة التل الفضي تجدوا الأفقَ يُغَنِّيها وعيوني . اسْتَصْلِحُوا صحراءَ الكآبةِ المحتاجةَ إلى طفولة الملامح المختفية في العواصفِ . ادفنوا ضحاياكم بعد أن تُصَلُّوا عليهم . أمهاتهم رَجَعْنَ إلى مجموعة الصور الذابلةِ في كتابِ الفلوات. وسجدتْ حنجرتي على سجاجيدِ الجامعِ العالي . تِلْكَ دموعٌ خضراء في الغُرف السِّرية في الدَّيْرِ . إن الباستيلَ صورة السُّعال على الفؤوس . ألواحُ المسلخِ الشمعي والزَّيْزفونُ القتيلُ . والأعاصيرُ لا ترحمُ آهاتِ البُنِّ المنهمرة . ما لونُكِ يا أعلامَ القلعة عندما يوقظُ شعاعُ الشمسِ مدخنةَ البيت وتلتهمُ استدارةُ الدُّراق الإسفنجَ البحريَّ المعدَّلَ وراثياً ؟ .

كقصبِ السُّكَّر في الظلماتِ كان أخي . تَوَغَّلتْ نعومةُ الأمطار في أعماقي كي أراه . أنا الذي رفضتني نساءُ كوكبِنا لأني لا أنامُ إلا مع سَيْفي . أنا هازمُ الأكاسرة . زنودي بابونج الثورة. أَطردُ رعاةَ الرعشة الواقفين على بابٍ مُعلَّقٍ على قَشَّةٍ . وَلْتَنْهَضْ شوارعُنا تُكَنِّس أحطابَنا المتقمصة أدوارَ إناثِ الكلاب .

(( إن زوجتي لم تولد بعد ولكنني أحبها، ولا أعلم من سيموتُ أولاً أنا أم كوكبُ المشتري )). هذان آخر سطرين كتبهما قمري ، وقد وجدتهما في وثائقِ المطر. أُنبوبٌ من زبرجدٍ يحتسي مشنقةَ العاشق الصوفيِّ. قَتَلوه ، ونَسَجوا من سنبلاتِ كَبِده معطفاً سميكاً . لَيْتَهم رَأَوْا شالَ ابنته الصغيرة ممدَّداً على القناديلِ الباليةِ . قالبُ شوكولا في يدها ذَوَّبه وهجُ الرَّصاص في دمها . لَيْتَهم رَأَوْا زُمردةً على شِراع الهجراتِ تسأل عن نجمةِ الشَّتاتِ هل ستطلعُ في الضُّحى الآتي ؟ .

شمسٌ تطعنُ جدائلَ الريحِ. أعلامٌ منكَّسةٌ في إعصارٍ باحثٍ عن عروش دمي . أنا آسفٌ لأني تألمتُ حينما قتلتموني. أنا آسفٌ لأن لُعابي لَوَّثَ معاطفَ الملكات وهن يَبْلَعْنَ الشمبانيا على جثتي . أنا آسفٌ لأن رؤيةَ أكفاني قد عَكَّر مزاجَ الجواسيسِ . أنا آسفٌ لأن صرخاتِ مَرَضي قد أَزعجتْ ضيوفَ الباشا في اجتماع مجلس إدارة المجزرة .

أُحب وقتاً عالقاً على عُشبةٍ بعدد المخبِرين الجالسين في جَوْف بِنطالي . بئرٌ تراودني عن نَفْسي. إن احتضاراتي قادمة . إن لأَمْسِي زُمُرُّدةً تنخرُ تيجانَ الركام . يا تاريخَ الأسماك المتكسرَ على بلاطِ مستشفيات روما المعقَّم بالرؤوسِ المخلوعةِ ، ارفضِ الجنونَ . هذه جمجمتي رايةٌ للغرباء منصوبةٌ في المجموعة الشمسيةِ .

أَكْمِل المشوارَ يا وجهي إِن انتقلتْ أعصابي من الصحاري إلى الثكنات العسكرية . طوفانٌ من الزنابقِ المحترقة يقفز على أكتافِ الغيوم . تِلْكَ المتَّشحةُ بالمبيدات الحشرية حضارةُ إبادة الهنود الحمر . لكن اليمامَ قد نحت خرائطَ الفحيح على أظافري . وأباطرةُ الشَّوْكِ يتفاهمون مع شعوبهم بالبندقية .

من الموجاتِ الصَّاخبةِ من عنفِ الألمنيومِ في الأواني الفخارية تزهرُ كتيبةُ الأصداءِ اليابسةِ ، والسَّهمُ المشتاقُ إلى صدره الطَّريِّ ، كأني أَلُمُّ انكساراتِ البُحورِ في الأسطر والورقِ الأبيضِ . وترجعُ ضَمَّاداتُ النزفِ إلى الجسورِ الخرساءِ ليخطوَ الهِرُّ العسكري إلى الأمامِ . أين القبطانُ الخائنُ الذي أهدى دَفَّةَ المركبِ لسائحة ؟ . أين رجالُ المدفعيةِ الذين قَصَفوا أحلامَهم ؟ . أين العاشقُ الصُّوفِيُّ الذي بَصَقَ في بُلعوم النَّار ؟ ، لم يَمُتْ .

كانت قوافلُ الإسبان المصلوبة في جذوع الوهم تمشي على رموش الصخور إلى ضوء باهت تحمله بغايا بني إسرائيل لإرشاد زبائن آخر الليل . أتى هولاكو من أبراج المراقَبة في كنائس روما ، ومن مقاصل حجريةٍ حَفَرَتْها على الأجساد الذابلة أصنامٌ بأسماء مستعارة . دمُ الحيضِ لنساء روما المغتصَبات يختلطُ بالشوارع الوحشية . شعراءُ يموتون يومياً على أقدامِ الإسكندر المقدوني بعد أن يُوقِّعوا على وثائقِ اغتيال أُغنياتِ الإجاصِ المسحوقِ .

وجراحُنا عانقتْ صوتَ الرعودِ عند كهوفِ الرُّعاة . نباحٌ يجيء من أوثان تُطبقُ شفاهَها على هياكل كلاب مشقَّقة . حطبٌ منسوبٌ إلى حقولنا يخرجُ عند المغيب من نعالِنا ، و يُجَمِّعُ الهيكلَ العظمي لبطيخة أَبَتْ الاستلقاءَ في ولائمِ استقبالِ غربان الوحلِ النحاسي للدود الخارج من أمعائنا.

باح السرابُ بكلامه لصدرِ المرفأ المهدَّم . حُمُرٌ وحشيةٌ تلقي قصائدَها في سيناريو المذبحة .جوائزُ الأدب تُمنَح لمهرِّبي البضائع في السوقِ السوداء .

يا وطناً يَبْسطُ حدقاتِ العُمْيانِ على أرضِ المطار لاستقبال القاتِلين . اخْرُجْ منكَ كي تلمحَني رَسَّامَ أنهارٍ في عُنفوانكَ . يا وطناً يُخفي مجاعةَ خيوله في فناجين عذاباتي . عِشْ خارجَ مصفاة النفط كي نلتقيَ في عشقِ خيامكَ . لونُ البنكرياسِ الخافتُ يَنصب فَخَّاً لناقةِ جَدِّي على أنقاض ديارِ بنات آوى . طاولةٌ تَبْذر الدلافينَ الساذجة في بنطالِ الشوكِ الماسي . للعاجِ مقبرةُ الفِيَلةِ وسُورٌ عالٍ يدل على شيخوخةِ أحزاني .

وقال الشِّعْرُ للزنجبيل الكَهْل : (( مَارِسْني ! )) . فردَّ بِصِدْق : (( لستُ أهلاً أن أُمارسَكَ )) . أطيافُ اللامعنى بقراتٌ عقيمةٌ ، والكوكبُ الغريبُ مَشرحتي. ذَكَرَ السَّرْوُ في إفادته أن المرفأ القرمزي مسقطُ رأس النحيب . وهذا رأيُ المجراتِ . لستُ المتنبي أَرْصف جِلْدي على أعتاب الخلفاء . لستُ ثوبَ اللغوِ في الجهاز التناسلي لسنديانةٍ .

البرقُ يحصدُ كلامَ الشَّرر في صمتِ الزُّراعِ ، عند الساعةِ التي تبكي فيها الخلجانُ اليتيمةُ . تُقلعُ أعشابُنا وتطيرُ في انتفاضةِ أعشاشِ الأسماكِ . يختفون في حروفنا ، ولكنهم يتحدثون بغير لغتنا. يقولون وُلدنا في بغداد ، ولكنهم يُدافعون عن روما . يستلقون على أوسمةِ القائدِ المهزوم في انحناءاتِ الورقِ الشجري . قَدَّمُوا موتهم للصَّحافةِ الأجنبيةِ على أنه روحُ الحداثة. عَرَضوا سوائلهم المنويةَ وأعينَ أمهاتهم في متحفِ جائزةِ نوبلَ . عُودوا إلى وجوهكم . خُذوا أسماءكم من الشمس .

يا ذُباباً يمتطي طيفَ النرجسِ على كاهلِ ماعزٍ . لا تضعفْ أمامَ دموعِ ماري أنطوانيت . لا تنخدعْ إذا تَنَزَّهَ الأباطرةُ في اكتئاب الحقول . أعذارُ الميرميةِ في لغةِ المسامير ، فاعذرني . تَذَكَّرْنِي ، وتَذَكَّرْ صورتي على الحائطِ وتحتها أثاثٌ مجنونٌ . مُخَيِّلةُ تمساحٍ على مِقَصِّ أظافر ناعمٍ . كأن الياقوت يمصُّ رائحةَ الزَّعْفَرانِ في ضباب المقابر .

هُمْ يزرعون في أعصابنا ماءَ الثَّورةِ قرب اتحاد الهيدروجين بالأكسجين . جاؤوا من شِعابِ الريح يحملون دمهم على الزِّنادِ المندفع . كَسَروا صمتَ لؤلؤ الجدارِ ، صَعدوا إلى لحمهم كي يقذفوه على الطُّغاةِ . إن أرضي سَرْوةٌ لا يقطفها الشَّيطانُ ولا سبايا الرُّومانِ . فلتطلق النارَ أنهارُ بلادي صَوْبَ الأساطير .

وسار الشجرُ شلالاً يَهزُّنا يُخرِجُ النيرانَ من بطن أمها . لم يعد في حقائبي غيرُ الديناميتِ وجُمجمتي . سقاني العاصفةَ تينٌ مجففٌ على رقبةِ شَمْسٍ . شمعٌ يُضرِب عن الطعام، ويذهب إلى ذهابهِ و يعملُ سائقَ تكسي . قَدِّمْ أحلامكَ لُغماً يَخْمِشُ حواسَّ الوثن . أنشأ الصُّبْحُ مصنعاً للسياراتِ المفخخةِ في بُؤْبُؤِ القرصانِ. أنا قَزَحِيَّتِي كرةُ نارٍ تتدحرجُ على جباهِ أُمراء الحروب .

اغْتَصَبَتْني سمكةٌ غَازَلَتْني حَشرةٌ . فَتَّشُوا أجندةَ الثَّلْجِ لكي ينقذوني . غديرٌ أعزبُ يموتُ على المسرحِ وحيداً. اقْطُف الرَّصيفَ قبل أوانه . إنَّ النَّخاسين يُطفئون سجائرَهم في أجسادِ زوجاتهم الضائعاتِ في حنين الرِّجالِ المسافرين . يُخفون براميلَ البارود في أجنحةِ ديكٍ رُوميٍّ .

فَمُ طِفْلَةٍ مَصلوبٌ . أخبريني من صَلَبَهُ ؟! . بسكويتٌ يابسٌ مِثْلُ بُكاءِ البُنْدُقِ وحيداً ، في فُنْدُقٍ فخمٍ مملوءٍ بالنَّمل ورجالِ الأعمالِ . كيف سنأكل من تَمْرِنا وهم يُحاكمون نخلَنا في الدوائرِ الرَّسْمِيَّةِ ؟! . ملوكُ الغَبَرَةِ أجسادهم خارج أجسادهم أين سيحاكمونهم ؟ .

يا ثائرُ مُدَّ يَدَيْكَ خُذْني إِلَيْكَ خُذ استراحةً في قلب حمامة ، ثم عَاوِدْ قتالَ الصدى في فصولِ اللهيبِ . ولا تَعْبأ بأحصنة المستحيل الدائرة مع طواحين البكاء .

ضاعَ الوطنُ وهو يبحث عنَّا . هل نشكر المخبِرِين في مطاعم الوجبات السريعة أم المراهقاتِ العاشقات في ممالك الجمجمة كافتيريا العنوسة . الوطن ضاع . أي الموتى أحق بالرثاء مَلِكٌ لص أم لِصٌّ مَلِك ؟ . لم يضع الوطن . وما زِلْتَ تُكابِرُ يا نَبْضي ! .

نِسوةٌ حطامٌ لحميٌّ يُلقينَ بياضهنَّ على ألسنة المشاة . لكن رائحةَ القطن تنخرُ فخذَ مَوْجةٍ .

أَنْقِذُوا الأشجارَ البرمائيةَ الطافية على عَرَقِي . رَجُلُ أَمْنٍ يَرْقب مكافأةً ماليةً تتفجر من دموعه في ليالي الخريف ، والغرباءُ يعانقون الغرباءَ في الكهوفِ . وأَسمنتُ عمودي الفقري يُعِدُّ رسالةَ دكتوراة في تاريخ المجاعات . وما إن لمستُ إمضاءَ اليمامِ على خَصْرِ الهضبةِ حتى سالت من عيوني غيمةٌ وبعضُ الأزقةِ . رُموشي انقلابُ الأنوثة على الأنوثة ، والقمحُ يخون رئتي اليمنى مع رئتي اليسرى .

أينَ المرأةُ التي ترفضُ أن تكون لوحةَ شظايا ؟. أَلْقِي القَبْضَ على زَرْعٍ بلا مكياجٍ ثم انسخيه على وجهكِ . لا تكوني فريسةَ غُزاةٍ يُرضِعون دمي سِهاماً مكتئبةً في حفلٍ لاغتيالي . بَقِيَتْ مناديلُ الخزامى على عَرَبَةٍ من صَدَىً أَطرشَ .

واستخرجَ أرخبيلُ الجنونِ الكهرمانَ من جنازة الموانئ . أكتبُ كي أكسرَ زجاجَ قطارات أَوْردتي في صَيْف الإبادة الجماعية ، كي تتحولَ أكبادُ شَعْبي إلى جِسْرٍ تَعبرُ عليه شمسُ الله . سَاعِدي لم يكن مكتبةً للأحكامِ العُرفية . غَزَلَ الثَّرى دولةً من الصرخاتِ والأجسادِ المحروقةِ . أسواقُ الجماجمِ في أوطانٍ تتسعُ للمرابين . لن أدعَ فأرةَ الصدى الخشبي تُجَهِّز للحبوبِ وليمةً . أهزوجةُ الأوحالِ قبيلةُ الخاسرين ، وأنتَ لستَ منهم يا ضَوْءَ الصَّنوبر. فَمُدَّ يَدَيْكَ خُذْني إِلَيْكَ .

01‏/06‏/2011

الرحيل قبل الأخير

قصيدة/ الرحيل قبل الأخير .
للشاعر/ إبراهيم أبو عواد .

ضَبابٌ يمنع أضواءَ الشارع من رؤية العاصفة وهي تمزِّق بلاطَ حُجْرتي . يا وطني القاتِلَ المقتول ، اتركْ غزالَ القلق يُوصِل الفهودَ المشوية إلى زوجته المريضة . قَلَمي يتزوَّج البندقيةَ في أعراس الغَيْم. أعصابي ينقشها لحمي على دمي .

رئتي الأولى تسبح في رئتي الثانية . هل سيمشي جنودُ الحطب في جنازتي ؟ . أعناقُ أطفالِنا تَسحق الأرصفةَ المفروشة سلاسلَ في أعناق الحمَام الزَّاجل . يقتحم القرميدُ بُلْعومي ثائراً يَرُجُّني . نيزكٌ مشاعرُ الجبال التي تَدْفنني وتُصلِّي عليَّ . إن النَّهرَ يقتل نفسَه حين يغسل الثيابَ الرسمية للقاتِلين . غَنَّت الأسماكُ في وقتٍ كانت فيه أنانيةُ قضبان السجن إعصاراً يصقل خنجرَ أَبي . تُنَقِّب سمكةٌ خضراء عن حُلْمِها في حُلمها . كيف تجد حُلْمَها يا حُلمها ؟! .

يعصرُ قلقَ الأدغال برتقالٌ ناضج على أغصان قلبي المفتوح للقلوب الاصطناعية. هذه الزَّنازينُ الرَّمليةُ تدل على آثار العابرين . أنا ناقل الخبز إلى الحيتان الزرقاء الجائعة . قصائدي تأخذ بيدي نحو شاطئ لم يُولَد .

نَظراتُ قِنديلٍ رَقصةُ الفِيَلةِ على سطح الخراب . وهذه الصاعقةُ استأجرتْ سكيني لتقطعَ موجةً شريدة. بعيدةٌ أنتِ ، يا ثيابَ والدي العزيزةَ ، بعيدة .

قَبَّلَتْني أُنثى كروانٍ أمامَ البحيرات العوانس . دجاجاتي تُحتَضَر في رمالٍ متحركة في تغريد أمعاء الحجارة . ونحنُ كائناتُ الرفضِ . خِصلةَ شَعْرٍ لماعزٍ مسافر في عشبٍ أحمرَ كان مِشْطُ الأمواج . لعلَّ الدِّماءَ قَبَضَتْ على العشب .

تلكَ أَشعةُ القمر مَزَّقتْ حِبالَ خيمتي ، فسقطتْ يَدِي على الأَرضِ كما يسقطُ حنينُ المطرِ إِلى ثُقوبِ سَقْفِ كُوخي. وتاهتْ أَشواكُ البيداءِ في جبهةِ لبؤةٍ عقيم . إِنَّ أَخشابَ البُحيرةِ التي انضمَّتْ لِدروسِ محوِ الأُمِّيةِ تنشرُ خواطرَها في وطنٍ مُرصَّعٍ باللصوصِ . وقلاعُ أَجدادي آختْ بيني وبينَ القمحِ . كأَنَّ امرأةً جميلةً تعتني بأيتامها في قَبْوٍ مُضاءٍ بالمصابيحِ القديمة، ويتدفَّقُ من ضُلوعِها حُزْنٌ قابلٌ للاشتعالِ .

على تُرابهم عاشوا وماتوا ، إِنَّهم شُموسُ الغُربةِ . أَطفأَت الموقدةَ طحالبُ عنيدةٌ تقطنُ في قُمصانِ الانكسار . وساعي البريد يوصل رسائلَ الملاجئ إِلى الإِوَزِّ الهاربِ من الخِدمةِ العسكريةِ .

وَلَمَّا وُلِدْتُ كان الموتُ موجوداً، وكان هناكَ سِنجابٌ يعيشُ في وِحدةٍ تُشبهُ وِحدةَ فاكهةٍ شتويةٍ في الصَّيفِ . كلما خَطَّتْ يدُ الوادي قصائدَ الحبِّ انتحر العُشَّاقُ ، ونامتْ جثامينُ الطيور على بوصلة المنفى الزُّجاجي. وترقبُ بنادقُ الصَّيد طائراً يدورُ حَوْلَ وَجْهِ أُمِّي والسَّحابِ. أُريدُ أَن أَرحلَ باتجاهِ فضاءٍ من الكلماتِ قبلَ أَن يقتسمَ دمائي جيشُ الظلالِ .

إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلى رَبِّي . شمسُ الدَّم تأتينا من كل الجهاتِ لتنفضَ الإسطبلاتِ عن أجفاننا . تدق المساميرُ صمتَها على لوحةِ الدماء . وفي المساء يشرقُ الغديرُ الوسيم على جُثة صديقي . غَدِيَ القبرُ . كلما شعرتُ كتبتُ نهضتُ أكسرُ ظلالَ النسور على وردةِ الجنون .

(( يُشَرِّفني أن أنتميَ إلى صلاة العصر والأقمارُ والنيازكُ )) . هذا سَطْرٌ مكتوب في وَصِيَّتي . إنني أكتبُ بالسيفِ ، وأحياناً تُساعدني المذنَّباتُ. أَنشدت القطاراتُ البخاريةُ في الأنفاق مقطوعاتٍ شِعريةً للأحجارِ . ولم تكد البناياتُ تخلط زيتَ الزيتون بالزعتر حتى سمعتُ هُتاف الأرض يطلع من الأقبيةِ : (( وداعاً بِشْرَ الحافي والجنيد والجيلاني والغزالي، خطواتكم على ثوبي تَدْخُلُ فِيَّ تُوقِظُنِي)). وهناك ، ماتَ الرَّعدُ مُعانقاً الغَمام.

جرائدُ مواليةٌ للحزب الحاكم تَشُمُّ دقاتِ قلبي السِّرية. مقابلةٌ صحفية مع الفيضان عند مَصَبِّه في دماغِ فُقْمَةٍ. رجاءً يا فراشاتِ الضِّياء، ارْحَلي عن قبرِ أُمِّي، وأخبري فتياتِ ميلانو أن البوسنيات يَضَعْنَ الحجابَ على رؤوسهنَّ ، فتورقُ أمطارُ رُوحي في بساتين جثتي .

ونهرُ الرَّاين يُعلِّقُ على الصَّليبِ نَحْلَةً مُقْعَدَةً ، ويضحكُ . يدهنُ سقفَ السِّجنِ بأشلائنا وبقايا صُوَرِنا ، ويضحك . لم يسمح للشرطي الواقف في أناملي بالذهابِ إلى بئره ، ويضحك . لعل ضَحِكَهُ حكايةُ رُفاتٍ في نهاياتِ الخريف الدَّامي .

سأرجعُ إلى لحمي كي أصف ملامحي في الشُّروقِ . فالموتُ شقيقُ الحياةِ ، وأنا ترابٌ فوقَ التراب . فَسَجِّلْ يا جليدُ أرقامَ الشَّوارعِ الفرعية على دكاكين الهاربين من الحروبِ إلى الحروبِ ، ولا تُغادرْ وشمكَ الخائفَ من حَرْبِكَ مع غرورِ الطاووسِ . لعلك تحلم بوجبةِ إفطارٍ مع الظِّباءِ المذبوحةِ في الحصار . رَاسِلْني على عناوين سَيْفي في أُفق المعركة المفتوح لاحتمالات استشهادي ، ومقتلِ غاباتٍ مُحتضرة .

لتلةٍ ترثُ أغنيةَ الصخر على ذَنَبِ ثعلبٍ يُستخدَمُ كلبَ صيدٍ ! ، أكتبُ اعترافي . آنَ لي أن أعترفَ ، أقمتُ علاقةَ حبٍ هادرة مع البحيرة ، وتقدمتُ لخطبتها من أبيها فوافقَ ورَفَضَتْني ، وأَخْبَرَتْني أنها لا تُنجب مثل كل البحيراتِ !، واتَّهَمَتْني بأني أُحب النَّجماتِ أكثر منها . واكتشفتُ أن خليجَ الأمسِ وشى بي ، مع أننا رفيقان في نفسِ الخيمة الضيقة . حَدِّدْ موقفَكَ من طَيْشِ القممِ الثَّلجيةِ ، من حظيرةِ أبقارٍ في مصعدٍ مُعَطَّلٍ .

التواءٌ في كاحل الشَّفقِ ينشرُ الفُلفلَ الكسير على ناصيةِ الشَّارعِ النَّظيفِ . بياضُ الصَّقيعِ حفرةٌ تهوي فيها وقاحةُ الدَّيناصورِ . تُمسكُ أغبرةُ الدرب في مطبخِ المنفى مِقلاةً فيها بيضُ بُومةٍ مسلوق مخصَّص للأسودِ التي اتخذت من العرين الزئبقي دارَ نشرٍ لإطلاع البوظة على روايات أطفال المخيَّمِ المستعدين للبوح، المستعدين لاستقبال العامِ الدراسي في السُّجونِ والمنافي والمخيماتِ وقريباً من أكوامِ الحجارة .

لمحنا جاردينيا مشنوقةً ، أطرافها محترقة ولكنها لا ترتعشُ . الصَّيادون في يافا يُحرِّضون فقاعاتِ الماء على القتال . الموقدةُ تبتكرُ مملكةً للمشعوذين . والمومساتُ المتشحات بأثدائهنَّ النَّاشفةِ في ارتعاشاتِ الممر المنبوذِ. أين ستُعلِّقُ محاكمُ التفتيشِ قتلاها ؟! .

توارى التبغُ المصاب بالإيدز في نوم خنفساء على مشتقات البترول . دخل تاريخُ الفرنجة في وشاحِ مومياء. فلم يعد للغزاةِ تاريخٌ سوى قنابلَ عنقوديةٍ على أملاحِ انتحارِ قيصرَ الآتيةِ من المطر الحمضي ، وتوقيعِ البراكينِ في صفحاتِ هيروشيما الغابرةِ .

يا إلهي العظيمَ، نُورَ السَّماواتِ والأرض. تهاجرُ روحي إليكَ ، وأنا في ملكوتكَ البديع . آتي إلى بيتكَ ذلك الفضاءِ وفي عنقي أغلالُ خطيئتي . أَتَعَرَّفُ على شهيقي وزفيري شَاهِدَيْن على خطايايَ . أَحِبَّنِي أَجِدْ اسمي وقلبي .

أنا العبدُ ذو الثيابِ الرَّثةِ على شبابيك زوايا الصُّوفية. أنا الوطنُ المسروقُ في السَّهلِ الدَّمويِّ . والغيمُ يرصدني. سَيِّدِي الله ، أَنْقِذْني من أشلائي .

ثمودُ ، خذوا أصنامَكم وارموها في رفاتِ ضفادعَ كانت يوماً ما أُسرةً حاكمة .