سيرة ذاتية

إبراهيم أبو عواد القيسي، مفكر، وشاعر،وكاتب صحفي من الأردن. ولد في عَمَّان 1982، لعائلة من شيوخ بني قيس/قَيس عَيلان(أكبر قبيلة عربية في العالم).حاصل على البكالوريوس في برمجة الحاسوب من جامعة الزيتونة الأردنية (2004).له اهتمامات واسعة في دراسات الكتب الدينية (القرآن الكريم، التوراة، الإنجيل )، والفكر الإسلامي، والفلسفة،وعلم الاجتماع،والسياسة ،والنقد الأدبي،والشعر،والرواية، والعلوم الطبيعية . متفرغ للبحث والتأليف.يكتب في أبرز الصحف والمجلات في الوطن العربي وأوروبا . يتم تدريس كتاباته ومؤلفاته في أكثر من 60 جامعة في العالم . له آلاف المقالات والدراسات، وعشرات الكتب المطبوعة،من أبرزها: [1]حقيقة القرآن [2] أركان الإسلام [3] أركان الإيمان [4] النبي محمد[5]دراسات منهجية في القرآن والسنة[6] العلاقات المالية والقضائية والسياسية والاقتصادية في القرآن [7] دراسات منهجية في القرآن والتوراة والإنجيل [8] الدعوة الإسلامية [9] منهج الكافرين في القرآن [10] العلوم والفنون في القرآن [11] العمل في القرآن [12] العلاقات الأخلاقية في القرآن [13] القصص والتاريخ في القرآن [14]الإنسان والأسرة والمجتمع في القرآن [15] الديانات في القرآن الكريم [16] بحوث في الفكر الإسلامي [17] التناقض في التوراة والإنجيل [18] صورة اليهود في القرآن والسنة والإنجيل [19] نقض عقائد ابن تيمية المخالفة للقرآن والسنة [20] عقائد العرب في الجاهلية[21]فلسفة المعلقات العشر[22] النظام الاجتماعي في القصيدة(المأزق الاجتماعي للثقافة. كلام في فلسفة الشعر) [23] صرخة الأزمنة ( سِفر الاعتراف ) [24] حياة الأدباء والفلاسفة العالميين [25]مشكلات الحضارة الأمريكية [26]الأعمال الشعرية الكاملة(مجلد واحد)[27] سيناميس (الساكنة في عيوني)[28] خواطر في زمن السراب [29] فلسفة المتنبي الشعرية [30] أشباح الميناء المهجور (رواية)[31]جبل النظيف ( رواية) [32] أرشيف القرابين ( رواية ) [33] أكفان مغسولة جيدًا ( رواية ) [34] المقالات الممنوعة [35] نقض كتاب الثابت والمتحول/ جهل أدونيس في قراءة التراث [ يُمنع ترجمة أيَّة مادة في هذه المدونة أو نقلها بأيَّة وسيلة كانت إلا بعد الحصول على موافقة خطية مُسبقة من المؤلف إبراهيم أبو عواد، تحت طائلة المسؤولية القانونية، ووفق قوانين حماية الملكية الفكرية ] .

10‏/02‏/2016

القبيلة في شعر المعلقات

القبيلة في شعر المعلقات

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

https://www.facebook.com/abuawwad1982

https://twitter.com/abuawwad1982

........................

   تُعْتَبَر العَشيرةُ ( القبيلةُ ) هي مركز التشريع في المجتمع الجاهلي ، ومَنْبع القِيَم الروحية والمادية ، والحَكَم على أفكار الأفراد وسلوكهم الاجتماعي . وبالتالي ، فليس غريباً أن تتكرس هذه الوَحدة الاجتماعية الأساسية ( العشيرة ) كنسقٍ شِعري وسياسي واجتماعي .
     وبما أن الشِّعرَ انعكاسٌ للواقع ، وثورةٌ على الواقع ، وصناعةٌ لواقعٍ جديد ، كان من الطبيعي أن تَظْهر قيمة العشيرة في شِعر المعلَّقات . فبرزت سُلطةُ العشيرة وهيمنتها على سلوك الأفراد وقُدرتها على عقاب الخارجين على قانون العشيرة .
     وعلى الجانب الآخر ، ظَهرت قضيةُ إنقاذ الأفراد للعشيرة ، وتضحيتهم بالغالي والنفيس من أجل رَفْع شأنها بين العشائر، وصيانة شرفها ، وتقديمها في أجمل صُورة. وهذه القِيَم مرتبطة بشكل وثيق بالدفاع عن العشيرة ، وحمايتها من كل الأخطار والتحديات الداخلية والخارجية. وبالطبع ، فحمايةُ العشيرة لَيْست شِعاراً في الهواء. إنها منظومة مُكوَّنة من القَوْل الصادق والفِعل التطبيقي على أرض الواقع ، يَحْملها فُرسان العشيرة الذين هُم العَيْن الساهرة على حماية العشيرة وأفرادها وإنجازاتها ، وهُم السُّور العالي الذي يَرْدع الأعداءَ الطامعين ، ويَرُدُّهم خائبين مكسورين .
     وتتَّضح فِكرةُ تماسك العشيرة ، وترابطها الاجتماعي ، وبُروزها كمنظومة مُوحَّدة خاضعة لكلمة واحدة ، فلا تناقض بين مُكوِّنات هَرم السُّلطة القَبَلية ، فالتناسقُ الدقيقُ هو السِّمة التي تَصْبغ هذا الهرم من القاعدة حتى الرأس .
     ولا يمكن تجاهل قِيمة الفخر بالآباء، والتمسكِ بتقاليدهم،والسَّيْر على خطاهم، فهُم القادة المؤسِّسون لتراث القبيلة ، والصانعون لتاريخها. والافتخارُ بهم هو افتخارٌ بالقَبيلة ومُنجَزاتها . كما لا يمكن تجاهل الصراع بين القبائل الذي هو عنوان أساسي في المجتمع الجاهلي ، حيث الاحتكام لمنطق السيف ، وتكريس الغزو والغزو المضاد.
1_ سُلطة العَشيرة :

     تتجلى سُلطة العشيرة في قُدرتها على مُكافأةِ المحسِن ومُعاقبةِ المسيء . ويمكن القول إن المنظومة السُّلطوية العشائرية هي منظومة الإمساك بالعصا والجَزَرة ، والسيطرة على المال والسيف . يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

إلى أَنْ تحامَتْني العَشيرةُ كُلُّها          وَأُفْرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ

     إن السلوكَ المنحرِف للشاعر قد سَبَّب له المتاعب ، وجعله غارقاً في الهموم والتحديات . وهذا السلوكُ العبثي قد جَلب غَضَبَ العشيرة ونِقمتها . فكانَ من الطبيعي أن تتم مُعَاقَبة الشاعر ، وذلك من أجل إعادته إلى الحظيرة العشائرية . وقد اختار رِجالُ العشيرة أسلوب المقاطَعة والحصار وفرض العُزلة . وبالطبع ، فهذا إجراء ذو تأثير قوي في النَّفْس البشرية لأنه يُشعِرها بأنها معزولة ومرفوضة ومنبوذة. وبالتالي، فهناك فرصة كبيرة لمراجعة الإنسان نَفْسه، والعودة إلى حِضن العشيرة ( الأُم الكبيرة). وهذا أمرٌ في غاية الأهمية، ففي المجتمع القَبَلي البدائي القاسي ، من الصعب على المرء أن يتحرك بدون عَشيرة تَحْميه، وتسانده، وتُوفِّر له الرعاية والأمن ، وتمنحه التاريخَ ، وتُحيطه بمآثر الآباء والأجداد .
     لقد تأثَّر الشاعرُ بالعُزلة التي فَرَضَتْها عليه عشيرته ، فهو يَعترف_ بكل أسى _ أن عشيرته قد تَحَامَتْهُ ( تَجَنَّبَتْهُ وَاعْتَزَلَتْهُ ) . ولا بد أن هذا القرار المصيري قد اعتمده شيخُ العشيرة ، فصارَ قراراً جَماعياً ساري المفعول على الكبير والصغير ، لأن العَشيرةَ بأكملها قد تَجنَّبت الشاعرَ ، وهذا الفِعلُ الجماعي لا يمكن أن يتكرس بدون معرفة شيخ العشيرة ورِجالاتها الكِبار وجميع أفرادها . وبعبارة أخرى ، إن طبقاتِ الهرم الاجتماعي كلها قد صَادقت على هذا القرار المصيري . فلم يأتِ الأمرُ كَنزوة أو حركة عفوية أو فِعل جزئي. إنهُ فِعْلٌ جماعي لا يَمْلك أحدٌ أن يخالفه.
     يحسُّ الشاعرُ بألم كبير، وحَسرةٍ عارمة . فعائلته الكبيرة ( العشيرة ) قد قاطعته، فصارَ وحيداً معزولاً ، يُقاتِل نَفْسَه بِنَفْسه . كأنه غُصنٌ مقطوع من الشجرة ، أو عُضو فاسد مبتور من الجِسم .
     اسْتَوْلَت عليه مشاعرُ الحزن والأسى ، وَوَصَلَ إلى الحضيض ، واستقر في مكانة دُونية تُشبِه مكانةَ الحيوان ( البعير ) . لقد تَجنَّبته عشيرته كما يُتجنَّب البعير المعبَّد     ( المطلي بالقَطِران ) ، وأَفْرَدَتْهُ ( عَزَلَتْهُ ) بسبب سلوكه المتهور ، وأفعاله الطائشة ، فهو مستمر في إضاعة المال، والاشتغالِ بالشهوات واللذاتِ،وعدم تحمُّل المسؤولية.
     صارَ الشاعرُ فَرْداً معزولاً كالبعير ( الجَمَل ) الذي طُلِيَ بالقَطِران لِيُصبح ذليلاً خاضعاً مستسلماً لمصيره ، وهذه غاية الامتهان . وبشكل عام ، إن البعير يُطلَى بالقطران إذا أُصيب بالجرب ، وذلك كوسيلة علاج .
     والحالةُ المزْرية التي وَصَلَ إليها الشاعرُ بسبب سُوء أفعاله ، تعكس سَطْوةَ العشيرة وقُدرتها على معاقبة الخارجين على قانونها، والمنحرفين عن النظام الاجتماعي القَبَلي. وما إحساسُ الشاعرِ بأنه بعير مُعبَّد إلا مؤشر واضح على حُزنه، ويَأْسه ، واحتقاره لنفْسه، والمرارة الكبيرة التي يَشعر بها .

2_ إنقاذ الأفراد للعشيرة :

     كلُّ عَشيرة تنتظر من أبنائها أن يُقدِّموا لها الدعم والمساندة ، وأن يُساهموا في حمايتها ، ورفع رايتها بين العشائر ، وصناعة تاريخ مشرق لها . وهذه الحقيقةُ كانت واضحةً في أذهان الأفراد ، لذلك أَخذوا على عاتقهم أن يَرْتقوا بعشائرهم ، ويَصونوها من كل الأخطار .
     يقولُ الشاعرُ زُهير بن أبي سُلمى :

وَقَدْ قُلتما إن نُدرِك السِّلمَ واسعاً          بمالٍ ومَعروفٍ مِن القَوْلِ نَسْلـمِ

     القائلان هُما اثنان من سادات العرب ( هَرِم بن سنان والحارث بن عوف ) .
     وهذان الرَّجلان أَخذا على عاتقهما وقف القتال الدموي بين قَبيلة عَبْس وقبيلة ذُبيان ، وقد ساهما بشكل فعَّال في حماية العشائر من الفناء. وهنا يتجلى دورُ الأفراد المركزي في حماية العشيرة من كل المخاطر ، وعلى رأسها القتل ( قتل الرجال ) . فإذا قُتل الرِّجالُ فقد انقرضت العشيرةُ ، وزالت القبيلةُ من الوجود .
     وهذان السِّيدان الكبيران قد قالا : إن أَدْرَكْنا السِّلمَ ( الصُّلحَ ) واسعاً بتقديم المال ونشر الخير ( المعروف ) سَلِمْنا من تفاني العشائر .
     لقد سَيْطَرَ حُبُّ الخير على تفكير هذين الرَّجُلَيْن ، وقد كان بإمكانهما أن يَبتعدا عن هاتَيْن القبيلتَيْن المتناحرتَيْن ، ولا يتدخَّلا في شؤونهما . ولكنَّ النَّخْوةَ العربيةَ والسِّيادةَ القَبَليةَ والمكانةَ الاجتماعية،قادتهما إلى اتخاذ موقف إيجابي فِعْلي لا شعاراتي.
     إِن استطاعا إتمامَ الصُّلحِ والمصالَحةِ بين القبيلتين بتقديم المال(الدِّيَات وغيرها)، ونشرِ ثقافة التسامح ، وبذلِ المعروف ، وتعميقِ القيم الإيجابية ، فقد أَوْقَفا قَتْلَ الرجال، وحَفِظا العشائرَ من الموت والفناء والنهاية الأليمة، وعندئذ يَعُمُّ السلامُ في المجتمع، وتتكرس قيمُ الأمن والأمان .
     وقد نجحا في هذا المسْعى بسبب النِّية الصادقة، ووجود برنامج تطبيقي ذِهني تَمَّ تَنْزيله على أرض الواقع . وبالطبع ، فهذا الصُّلح لَيْس مجانياً . فالأمرُ قد احتاجَ تنازلاتٍ حقيقية من طَرَفَي النِّزاع ( قَبيلة عَبْس وقَبيلة ذُبيان ) ، كما احتاجَ أموالاً هائلة لدفع دِيَات القتلى الكثيرين ، وتسكينِ جِراح ذَويهم ، وإطفاء نار قلوبهم .

     ويقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

ولقدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمِلُ شِكَّتي          فُرُطٌ وِشاحي إذ غَدَوْتُ لجامُها

     لقد حَمَى الشاعرُ الحيَّ ( القبيلة ) بكل بسالة ، ودافع عن وجود عشيرته بكل قُوَّة . وقد كان مستعداً للتضحية بالغالي والنفيس من أجل تاريخه وتاريخِ القبيلة .
     يحرص الشاعرُ على إحاطة نفْسه بهالة الفروسية والإقدام والتضحية في سبيل رِفعة القبيلةِ ومجدِ أبنائها. فقد ذَكَرَ دَوْرَه المركزي في حماية قبيلته من كل الأخطار ، وأشادَ بهذا الدَّوْر ، ومدحَ نفْسَه بشكل واضح ، ورسمَ صورةً بطولية لتضحياته الهائلة من أجل حماية القبيلة ( المنظومة الاجتماعية الأساسية ) .
     ثم أَخْبَرَنَا عن حقيقتَيْن تتعلقان بأجواء الحرب والقتال والفروسية. الحقيقة الأُولى : إن فَرَساً سريعةً خفيفةً ( فُرُطاً ) تَحْمل شِكَّتَه ( سِلاحه ). والحقيقةُ الثانية : إن لِجامَ الفَرَس هو وِشاح الشاعر .
     وهاتان الصورتان تهدفان إلى تقديم الشاعر كفارس مغوار ، وتصويره كنجم في عالَم الحروب والقتال. وهكذا تصبح الصُّوَرُ الشِّعريةُ الحربيةُ وسيلةً إعلامية لصناعة نجومية الشاعر ، وتاريخِه الشخصي ، وأمجادِ قبيلته . فكلُّ مجدٍ شخصي لا بد أن يتحوَّل _ في المجتمع العربي القَبَلي _ إلى مجد للقبيلة بأسْرها ، والعكس صحيح .
     والصورةُ الشِّعريةُ الأُولى تشير إلى فروسية الشاعر وشِدَّةِ بأسه . فهو يَضَعُ سِلاحَه على فَرَس سريعة، وذلك لكي يُقاتِل بكل كفاءة وسُرعة، وأيضاً لكي يَكون على أُهبة الاستعداد لأي طارئ ، وفي أعلى درجاتِ الحِيطة والحَذَر . إنهُ المحارِبُ الأبدي الواثق بنفْسه ، والجاهز في كل الأحوال . ففي احتدام القتال يَبْرز بكامل قُوَّته ، يُقاتِل بشراسة وسُرعة . وفي حالة عدم القتال ، يَكون مستعداً وجاهزاً لكل الاحتمالات لئلا يُباغِته الأعداء . وهكذا ، لا يَترك أيَّة فرصة للصُّدفة أو المفاجأة ، فكلُّ الاحتمالاتِ تحت السيطرة .
     والصورةُ الشِّعريةُ الثانية تشير إلى صلابته الذهنية ، وقُوَّته البدنية ، فهو يُلقِي لِجامَ الفَرَس على عاتقه فيكون بمثابة الوِشاح. وهو يتوشَّح باللجام ليكون على أُهبة الاستعداد ، فإذا حدثَ أمرٌ ما ، ألجمَ الفَرَسَ وركبه بُسرعة دون إبطاء . وهكذا ، تتَّضح فُروسيةُ الشاعر، فهو يَعتبر لِجامَ الفَرَس المصنوع من الحديد وكأنه وِشاح من القُماش الناعم الذي يُغطِّي الوجهَ . إنهُ يتوشَّح بالحديد القاسي مثلما يتوشَّح الناسُ بالقماش الناعم ، وهنا يَظْهر الفرقُ الجوهري بين الشاعر الفارس وغيره من الناس ، فهو متفوِّق عليهم ، ولا يَقْدرون على الوصول إلى مكانته السامية في عالَم الشجاعةِ والإقدامِ والحروبِ. كما أن قَوْلَه " إذ غَدَوْتُ " تدل على انطلاقه في الصباح ، وهذا يدل على نشاطه ، وحيويته ، وتَمَتُّعه بروح المبادَرة .
 
3_ الدفاعُ عن أبناء العشيرة :

     تُعْتَبَر نُصرة القريب _ظالماً أو مظلوماً_ مِن أُسس المجتمع القَبَلي . إذ إن فلسفةَ العشيرة تقوم على أساس تضافر الجهود الفردية ، وتعزيز منظومة الدفاع المشترك ، وذلك من أجل الوقوف في وجه باقي العشائر كوَحدةٍ متماسكةٍ ، وقوةٍ رادعةٍ .
     يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

وإنْ أُدْعَ للجُلَّى أَكُنْ مِن حُماتها          وإنْ يَأْتِكَ الأعداءُ بالجَهْدِ أَجْهَدِ

     يُقدِّم الشاعرُ أوراقَ اعتماده كناصرٍ للقبيلة ، وصانعٍ لأمجاد العشيرة ، ومُدافِعٍ عن أبنائها. وها هُوَ يتعهد بالدفاع عن قريبه إذا تعرَّض لأي خطر أو أذى ، فالدفاعُ عن القريب دفاعٌ عن الذات، والدفاعُ عن الذات دفاعٌ عن شرف العشيرة .
     يقولُ : وإن دَعَوْتني للجُلَّى ( الأمر العظيم ) أَكُن مِن حُماةِ حياتكَ وشَرفكَ .
     يتعهد بِحماية حياة قريبه ( ابن العشيرة )، ونُصرته ، وصَوْنِ عِرْضِه ، والوقوفِ ضد أعدائه بكل ما أُوتيَ مِن قُوة . فالتعدي على أحد أفراد العشيرة ، هو تَعَدٍّ على العشيرة بِرُمَّتها . وهذا الأمرُ لا مجال للتهاون فيه ، فأيُّ تهاون سَيُؤَدِّي _ حتماً _ إلى تدمير اسم العشيرة، وجعلها فريسةً سهلة لباقي العشائر ، وعندئذ سَيَطْمع بها الجميع . فلا بد _ في السياسة الاجتماعية القَبَلية _ مِن توليد نظام رَدْع يُخيف الآخرين،وذلك لكي تظل العشيرةُ مرهوبةَ الجانب، ومحافظةً على وَزْنها بين العشائر.
     ويستمرُّ الشاعرُ في توضيح موقفه من نُصرة قريبه والانتصارِ لعشيرته ، فيقول : وإن يَأتكَ الأعداءُ لقتالكَ أَجهد في حمايتك ومقاومتهم غاية الجهد .
     سَوْفَ يَبذل كلَّ ما بوسْعه لحماية ابن العشيرة ، وقتالِ أعدائه ، والتصدي لهم بكل حَزم . سيتفانى في صيانة شرف العشيرة ، وحفظِ عِرْضِ قريبه من كل أذى . إنهُ مستعد للقتال دفاعاً عن رابطة الدم ، ومن أجل إعلاء راية العشيرة . وهكذا يُقدِّم الشاعرُ نفْسه كمواطن صالح يتحلى بروح الانتماء للقبيلة ، والولاءِ للعشيرة.
     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

وإن يَقذِفوا بالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهم          بِكأسِ حِياضِ الموتِ قَبْلَ التَّهـددِ

     يُبَرْهِن الشاعرُ على وَلائه المطْلق لعشيرته ، ومساندته الكاملة لأبنائها ، ويضعُ كافةَ إمكانياته في خِدمة أبناء العشيرة ، والدفاع عنهم ، وحراسة اسم العشيرة .
     يُصرِّح بالفم الملآن بأنه سَيُواجِه الأعداء ويقضي عليهم إذا تعرَّضوا لقريبه بالكلام السَّيئ . فيقول : وإن أهانكَ الأعداءُ بالكلام الجارح ، وقَذَفوا عِرْضَكَ بالقَذْع        ( الفُحْش ) ، جَعَلْتُهم يَشْربون مِن حِياض الموت قبل تهديدهم .
     إن أيَّةَ إساءة إلى العشيرة أو أحد أبنائها ، لا يمكن تبريرها ، أو تجاهلها ، ولا بد من التصدي لها بكل حَزْم . لذلك فقد كَشَّرَ الشاعرُ عن أنيابه ، وتوعَّد كُلَّ مَن تُسوِّل له نَفْسُه الإساءة إلى قريبه بالهلاك الحتمي والنهايةِ الأليمة .
     فإذا قامَ الأعداءُ بالإساءة الكلامية إلى قريب الشاعر ( ابن العشيرة )، ولَطَّخوا عِرْضَه بالفُحش والبذاءة ، فإن الشاعرَ سَيَسْقيهم كأسَ الموتِ المرَّةَ . سَيُورِدُهم حِياضَ الموت فَيَشْربون مِنها رَغْمَ أُنوفهم . والحِياضُ جَمْعُ حَوْض . سَوْفَ يُبيد الأعداءَ قبل أن يُهدِّدهم ، فلن يُضيِّع وَقْتَه في تهديدهم ، واختيارِ الألفاظ القاسية لمهاجمتهم، وإخبارهم بأن الهلاك يَنْتظرهم، وإنما سَيَقْضي عليهم مباشرةً بلا مُقدِّمات. وهذا يدل على غياب المنطق العقلاني بشكل كامل، ورفضِ لغة الحوار بصورة تامة. فهناك خيار وحيد ، وهو الاحتكام إلى السيف ، ولا شيء غَيْره .

4_ فُرسان العشيرة :

     كلُّ عشيرةٍ إنما تَقوم على كاهل فُرسانها ، فهُم الذين يُدافعون عن وجودها ، ويَحْملون تاريخَها ، ويَصنعون حاضرَها ومستقبلَها . وهؤلاء الصَّفْوةُ يَكونون محط الأنظار ، ويَكون التعويلُ عليهم في كل المحافل بسبب إمكانياتهم الهائلة المتميِّزة .
     يقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

هُمُ السُّعاةُ إذا العَشيرةُ أُفْظِعَتْ          وهُمُ فَوَارِسُها وَهُم حُكَّامُهـا

     هذه العَشيرةُ لَيْست ورقةً في مَهَبِّ الريح، أو شيئاً مُهمَلاً بلا وزن . إنها منظومةٌ اجتماعية ذات تاريخ عريق ، وحاضر مُشرِق . تمتلئ بالرجال الأشداء الذين يتحمَّلون المسؤوليةَ في أصعب الظروف ، ويَكونون على قلبِ رَجلٍ واحدٍ في وقت الشِدَّة ، ولا يتهرَّبون من التحديات المصيرية. إنهم السُّعاة الذي يَسْعَوْن إلى حماية العشيرة إذا أُصيبت بأمرٍ فظيع ( أُفظِعت ) .
     فإذا تعرَّضت العشيرةُ لأي خطر ، أو أصابها أمرٌ عظيم سَعَى هؤلاء الرِّجالُ الأبطالُ إلى إزالته بكل قُوَّتهم ، وسَخَّروا كلَّ قدراتهم لكشف المكروه عن عشيرتهم، وتفريجِ كُربتها ، وإنقاذِ أبنائها . وهذا غير مستغرَب ، فهؤلاء الرِّجال هُم فرسان العشيرة ( فوارسها ) في المعارك، وهُم القادة الشُّجعان عند القِتال، كما أنهم الحُكَّامُ أصحابُ الكلمةِ المسموعةِ في مواطن النِّزاع ، وهُم رؤوس القَوْم الذين يُفزَع إليهم عند التخاصم .
     والشاعرُ يَهدف _ مِن وراء هذا المدح _ إلى تصوير أقاربه وعائلته الضَّيقة كسادةٍ للناس، وزعماء للعشيرة . فهؤلاء الفُرسان الحُكَّام الذين يَحْملون تراثَ العشيرة بكل اقتدار ، ويُدافِعون عنه بكل تفانٍ ، هُم أقارب الشاعر ، والدائرة الأُسرية المحيطة به . وكأن الشاعرَ يقول إن عائلتي هي رأس العَشيرة .

5_ تماسك العشيرة :

     إذا كانت العشيرةُ متماسكةً ، فلا يمكن اختراقها مِن أيَّة جِهة . وإذا كانت الجبهةُ الداخليةُ مُحصَّنةً ، فإن تأثير العدو الخارجي يَنعدم _ مهما بَلَغَت قُوَّته _ . ولا يمكن للمنظومة الاجتماعية أن تَسْقط ، إلا إذا سَقَطت من الداخل . كما أن الإنسان لا يمكن أن ينهار ، إلا إذا انهارت معنوياته ( الجبهة الداخلية ) . لذلك فإن تماسك العشيرة ، وتعاون أبنائها ، والتحام قاعدة الهرم الاجتماعي مع الرأس، أمورٌ في غاية الأهمية ، لأنها تساهم بشكل فعَّال في توحيد كلمة العشيرة ، وحفظِ وجودها ، وضمانِ تواجدها على الساحة.
     يقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

وهُم العَشيرةُ أن يُبَطِّئَ حَاسِدٌ          أوْ أنْ يَميلَ مَعَ العَدُوِّ لِئَامُها

     استخدمَ الشاعرُ لفظَ " العشيرة " لِيُشير إلى تماسك الأفراد في وجه التحديات المختلفة ، وأنهم وَحدةٌ اجتماعية مترابطة ، وكلمةٌ واحدة . فهُم مُتوافِقون لا مكان للنِّزاع بينهم ، وهُم متعاونون لا يَعْرفون الفُرقةَ والشِّقاقَ . إنهم عشيرةٌ متماسكةٌ حريصةٌ على التعاون لئلا يُبَطِّئَ حاسدٌ بَعْضَهم عن نَصْرِ بَعْضٍ ، وكراهية أن يميل لئامُ العشيرة ( الطابور الخامس ) مع العدو .
     إن تعاونَ أبناءِ العشيرة وتلاحمهم ضرورةٌ حتمية، ومصلحةٌ عليا . فهذا التعاون يَقطع الطريقَ على الأعداء المتربِّصين بالعشيرة، ويُحاصرهم، ويمنعهم من الانقضاض على العشيرة وتدميرها ، وبالتالي يَعْجزون عن تحقيق أهدافهم الخبيثة .
     وإذا كانت العشيرةُ متماسكةً فلن يَقْدر الحُسَّادُ على تشتيت كلمة الأفراد ، وتثبيط بعضهم عن نَجْدةِ بعضٍ ، وبثِّ التقاعس والفُرقة بين الصفوف . وأيضاً ، لن يَقْدر الخوَنةُ من أبناء العشيرة على مساندة العدو ضد أبناء جِلْدتهم، فَوَحْدةُ العشيرةِ تشلُّ حركةَ الطابور الخامس، وعندئذٍ لا يستطيع لئامُ العشيرة أن يَنصروا الأعداءَ على الأقاربِ . وهذا يَعكس الأهميةُ القُصوى لتماسك العشيرة ، فالأمرُ ليس رفاهيةً أو تحصيلَ حاصلٍ . إنهُ أمرٌ مهم للغاية لأنه متعلق بالأمن القَوْمي للعشيرة، وأيُّ تقصيرٍ في هذا المجال سيؤدي إلى عواقب وخيمة ذات تأثير مُدمِّر على الكيان العشائري ، ووجودِه ، وحياةِ أبنائه .
6_ الافتخار بالآباء والسَّيْر على خُطاهم :

     الآباءُ _ في المجتمع القَبَلي _ يُمثِّلون الركيزةَ الأساسية في التاريخ العائلي ، فَهُم مَنْبعُ الشرعية الأُسرية، ومركزُ التُّراث، وحقيقةُ السُّلالة. ولا يمكن تجاوزهم إطلاقاً.
     يقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لهم آباؤُهم          ولكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُهــا

     تتَّضح قيمةُ الافتخار بالآباء، وتَبْرز أفعالهم السَّامية. وليس أمام الأبناء مِن خيار سوى السَّيْر على خطى أسلافهم الذين شَقُّوا طريقَ المجد ، وصنعوا البطولاتِ .
     إنهم مِن مَعْشَر ( قَوْم ) سَنَّ لهم آباؤهم اكتسابَ الفضائل ، والمسارَعةَ إلى المجد، والتحلِّي بِعُلُوِّ الهِمَّة، واقتناصَ البطولاتِ، والفوزَ بالمعالي. ولكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ (طريقة )، وإمام يُؤتم به فيها . وهذا أمرٌ طبيعي ، فكلُّ قَوْمٍ لهم فلسفةٌ في الحياة، وطريقةٌ في فهم الوجود. ولكلِّ شيخٍ طريقةٌ وأُسلوب. وأيضاً ، كُلُّ طريقةٍ تتطلب وجود إمام ( رأس ) يَسير الناسُ وراءه ، ويَقتفون آثارَه ، ويَحْملون أفكارَه ، ويَنْشرونها في كل الأماكن . ولا توجد فِكرةٌ تُولَد من العَدَم ، أو تأتي من الفراغ . فكلُّ فكرةٍ لها صاحبٌ ، ولها مُؤيِّدون مؤمنون بها . وكما أنه لا يُوجد طفلٌ بلا أب ، فأيضاً لا توجد فِكرة بلا أب . ويقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :

وَرِثْتُ مُهَلْهِلاً والخيرَ مِنه          زُهَيْراً نِعْمَ ذُخرُ الذَّاخِرينا

     يتجلى موضوعُ الافتخار بالآباء بصورةٍ واضحة ومُباشِرة . وكأن الشِّعرَ قد تحوَّل _ في هذا السياق_ إلى إعلانٍ عشائري، أو خطابٍ للمديح، أو شَجَرةِ نَسَب.
     يقول الشاعرُ بكل فخر : وَرِثْتُ مَجْدَ مُهَلْهِل ، وحَملتُ رايته ، وصار شرفُه شرفاً لي . وأيضاً ، وَرِثْتُ مَجْدَ الرَّجل الذي يتفوق على مُهَلْهِل ، وهو خيرٌ مِنه ، وهو زُهَيْر . إنهُ رَجلٌ شريفٌ كريمٌ ، وكَنْزٌ ثمين ، فَأَنْعِمْ بِه وَأَكْرِمْ . فمجدُه وشرفُه صارا مَضْرب المَثَل ، يُفْتَخَر بهما في كل زمانٍ ومكان .

7_ السَّطْوة العشائرية :

     إن المجتمعَ العربي القديم خاضعٌ للسُّلطة القَبَلية ، ومحكومٌ بالسَّطْوةِ العشائرية . كما أن قيمَ المجد والنفوذ والقوة تعتمد على حَجم العشيرة، ومكانتها بين العشائر .
     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :

ونَشْربُ إن وَرَدْنا الماءَ صَفْواً           وَيَشْربُ غَيْرُنا كَدِراً وَطِينـا

     يَرسم الشاعرُ هالةً لامعةً حول عشيرته ، ويَحرص على تصويرها كرأسٍ لباقي للعشائر . فهُم الذين يتقدَّمون الناسَ ويَقُودونهم ، فيشربون الماءَ صافياً لأنهم أوَّل مَن يَشْرب ، أمَّا غَيْرهم فيشرب الماءَ مُلوَّثاً بسبب كثرة الأيادي التي عَبَثت به .
     والقضيةُ لَيْست قضيةَ " الماء والشُّرب "، فهذه الصورةُ الشِّعرية رمزيةٌ وشديدةُ التكثيف، وهي تَرْمز إلى سيادة عشيرة الشاعر على باقي العشائر . فهُم يأخذون مِن كُل شيء أحسن ما فيه ، ويَتركون لغيرهم الشوائبَ والأوساخَ . مما يدل على أنهم السادة والقادة ، وغَيْرُهم أتباع لهم .
     وهذا المعنى مهمٌ جِدَّاً في المجتمع القَبَلي المحكوم بِقِيَم السيادة والبطولة والزعامة. فكلُّ شيخ قبيلة يَحرص على تصوير نفْسه كقائد للقبائل ، وزعيم للعَرَب . وكلُّ قبيلة تُسمِّي نفْسها سَيِّدةً للقبائل . وهذا الصراعُ المحموم على المستوى الفردي والجماعي يَعكس ثقافةَ السيادة والقيادة المتجذرة في العقل العربي .
     ويقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :

 إذا بَلَغَ الفِطامَ لنا صَبِيٌّ          تَخِرُّ لهُ الجبابِرُ ساجِدينا

     يَرسم الشاعرُ صورةً أسطوريةً لقوة عشيرته ، وتتجذر الهالةُ الجنونية المحيطة بالقبيلة . لا مكان هنا للمنطق . لا وقت لصوت العقل . القوةُ أوَّلاً ، والقوةُ أخيراً.
     يقولُ : إذا بَلَغَ صِبياننا وقتَ الفِطام سَجدتْ لهم الجبابرة من القبائل الأخرى .
     لا شَكَّ أن هذه الصورة الممتلئة بالتحدي والفخر والسُّؤدد ، تكشف ماهيةَ الصراع العشائري، وتُبرِز طبيعةَ البيئة العربية الصحراوية القاسية، حيث القبيلة القوية تَسْحق القبيلةَ الضعيفة . وهؤلاء الصِّبيان _ الذين ليس لهم ناقة ولا جَمل في الصراعات القَبَلية_ يتم إقحامهم في عالَم شديد الخطورة ، وغير متصالح مع نفْسه . وبمجرَّد بلوغهم وقت الفِطام تتكرَّس زعامتهم وسِيادتهم على باقي القبائل ، حيث يَسْجد لهم الجبابرةُ والفُرسانُ الأشداء والأشراف .
     والشاعرُ يَرمي إلى إبراز مكانة عشيرته وسِيادتها على باقي القبائل . وإذا كان الصِّبيان في عشيرة الشاعر قد بَسطوا نفوذَهم على جبابرة القبائل ، فما بالك بالشجعان والرِّجال الأشداء في عشيرة الشاعر؟!.وما بالك بالصِّبيان عندما يَكْبرون ويُصبِحون رِجالاً ؟!. لقد أثارَ الشاعرُ هذه الأفكار ضِمنياً، وأحاطَ عشيرته بهالة القداسة والسِّيادة ، مُؤمناً بأن منطق القوة هو المنطق الوحيد في هذه البيئة القاسية.    


8_ الافتخار بالنَّسَب والحَسَب :

     النَّسَب والحَسَب هما الرِّئتان اللتان يتنفس من خلالهما الفردُ في البيئة الجاهلية . فهذا الفردُ لا يَمْلك غير أسماء آبائه وتاريخهم وأمجادهم ، والتغني بها. وهكذا يصبح الماضي منجمَ ذهب ، وإطاراً شرعياً للوجود ، وذاكرة للحياة بكل تفاصيلها .
     يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

وإنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الجميعُ تُلاقِــني          إلى ذِرْوَةِ البَيتِ الشَّريفِ المُصَمَّدِ

     إذا اجتمع الناسُ للافتخار، وذِكر مناقب الآباء والقبائل ، وتعظيمِ البطولات العشائرية، وتكريسِ الانتصارات القَبَلية، وتمجيدِ الأنساب والأحساب. فإن الشاعرَ سيتفوق عليهم جميعاً ، فهو ينتمي إلى ذِروة البيت الشريف المُصَمَّد ( المقصود ) .
إنهُ ينتمي إلى قِمَّة الشرف، ويعيش في أعلى المجد، وقد وَرِثَ السُّؤددَ كَابِراً عن كَابِر . وهذه السُّلالةُ الذهبيةُ من الصعب أن تتكرر . لقد أحاطَ الشاعرُ بالشرف من جميع الجهات ، وحازَ المجدَ من جميع أطرافه . وهذا المكانةُ الساميةُ لم يصل إليها أحدٌ من  أبناءُ الحَي ، وهذا يعني أن الشاعر هو الأوفر حظاً في الحَسَب ، والأعلى رُتبةً في عالَم الأنساب، فهو صاحبُ النَّسَب الشريف ، والحَسَب الكريم ، والمنْزلة الرفيعة .
     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

وَيَوْمَ حَبستُ النَّفْسَ عِندَ عِراكه         حِفاظاً على عَوْراته والتَّهــدُّدِ

     تتجلى فروسيةُ الشاعر ، وتتَّضح مكانته العظيمة . فقد حَبَسَ نَفْسَه عن القتال    ( العِراك ) والمناوَشاتِ وتهدُّدِ الأقران، وذلك من أجل المحافظة على حَسَبه الكريم ، ونَسَبه الشريف .

     والشاعرُ لم يَتْرك القتالَ احتراماً للنَّفْس البشرية، أو رحمةً بالبشر، أو حقناً للدماء ، أو حِفاظاً على المنجزات الإنسانية . وإنما تَرَكَ القتالَ حِفاظاً على نَسَبِه الكريم ، ودفاعاً عن شرفه المقدَّس . إنهُ غير مَعْنيٍّ بخصمه ، ولا يُقيم وزناً لحياته أو مَوْته . فدماءُ الخصوم لا معنى لها في قاموس الشاعر. المهم هو أن يُحافِظ الشاعرُ على طهارة نَسَبه ، فلا يُجرَح بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ ، وأن يُحافِظَ على قَداسةِ حَسَبه ، فلا يُلوَّث ، ولا يتم التطاول عليه .   

08‏/02‏/2016

الخمر في شعر المعلقات

الخمر في شعر المعلقات

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

https://www.facebook.com/abuawwad1982

https://twitter.com/abuawwad1982

........................

    لا يمكن تجاهل مركزية الخمر في المجتمع الجاهلي إطلاقاً ، فهي متغلغلة في أدق تفاصيل الحياة الوجدانية والاجتماعيةِ ، وتَملك حضوراً أساسياً في الشِّعر والتراثِ .
     لذلك نرى الشُّعراءَ يتسابقون على ذِكرها، وتخليدها في قصائدهم، واستحضار الأجواء المحيطة بها . وبالطبع ، فكلُّ شاعرٍ يَرى الموضوعَ من وُجهة مُعيَّنة . كما أن الخمر ذات علاقة متشابكة مع تفاصيل الحياة، فهي مرتبطة بالحزن والفرح ، وذات ارتباط وثيق بالعلاقات الغرامية ، وتؤثِّر على طبيعة العلاقات الاجتماعية .
     وإننا لنجدُ معانٍ متعددة في شِعر المعلَّقات تدور حول الخمر . وكما أسلفْنا ، فإن كل شاعر يَرى الخمر من منظوره الشخصي ، واستناداً إلى مرجعيته الفكرية ، وخَلْفيته الاجتماعية ، وطبيعته العاطفية .
     فيبرزُ موضوع المسارعة إلى شُرب الخمر ، وكأن هناك سِباقاً مع الزمن . كما تَبرز الطبيعة المادية للخمر ، وكَوْنها تُزيل العطشَ ، وتَروي الإنسانَ . ويتَّضح تأثيرُ الخمر في سَيْر العلاقات الاجتماعية ، وتهديدها للروابط الأُسرية . ولا يمكن نسيان موضوع وصف الخمر ، والافتخار بها ، والتنقيب في ماهِيَّتها المعنوية والمادية .
     وتَظهر تأثيراتُ الخمر في أنساق الحياة . فالخمرُ تُنسي الهمومَ ، وتُزيلَ الأحزانَ، وتُعطي العقلَ إجازةً مفتوحة ، مما يُسبِّب السعادةَ للإنسان ، حتى لو كانت سعادةً خادعةً ووَقْتيةً زائلة . وكما قيل : استراحَ مَن لا عقل له .
     كما أن الخمرَ يتم تقديمها كرمز للكَرَم ، وإنفاقِ المال . وهذا يَنفي عن شاربها صفةَ البُخل والحرص على المال ، ويُلمِّع صورته بين أقرانه ، فَيَظْهر كريماً جَوَاداً ، لا يُقيم للمال وَزناً ، وإنما يَعيش حياته بالطُّول والعَرْض بكل سلاسة ، وبلا عُقد .
     وتبرزُ ثنائية ( الخمر / المدن ) . حيث يَظهر الحرصُ على تخليد الأماكن التي استمتع فيها الشاعرُ وهو يَشرب الخمر ، ويُجيل بصره في تفاصيل الطبيعة .
1_ المسارَعة إلى الشُّرب :
     الشاعرُ في سِباق مع الزمن . إنه يَفِرُّ إلى شُرب الخمر بأقصى سُرعة ممكنة ، ليقبضَ على لحظة اللذة ، ونشوةِ السعادة ، وتوهُّجِ المتعة ، ويُغلِق الطريقَ أمام خصومه ولائميه . لا يريد أن يَترك شيئاً للصُّدفة . كلُّ الحساباتٍ دقيقةٌ ، وكلُّ الطُّرق تؤدي إلى شُرب الخمر . يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :
فَمِنْهُنَّ سَبْقي العاذِلاتِ بِشَرْبَةٍ          كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ
     إحدى الصفات التي يَحرص عليها الشاعرُ ، أن يَسبق العواذلَ ( اللائمين ) بِشَرْبة من الخمر . إِنهُ يَشرب الخمرَ قبل سماع لَوْم اللائمين ، وعِتابِ الخصوم. وبذلك يَكون قد سَبَقهم، وَسَدَّ الطريقَ عليهم ، وأغلقَ البابَ في وجوههم . وهكذا يُحقِّق رَغبته رغم أنوفهم ، ويَحصل على مُراده رغم معارضتهم ، ويَفرض أسلوبَ حياته عليهم . فلا أحدٌ قادر على مَنعه من تحقيق مُبتغاه، ولا أحد قادر على إيقافه . وهكذا يُعلِن انتصاره عليهم . وبعد نجاحه في الوصول إلى حبيبته الخمر رغم أنف العواذل ، يَسْبح في عوالم الخمر ، فيصف الشَّرْبةَ بأنها كُمَيْت اللون ( بين الأسْود والأحمر ) . وهذه الشَّرْبةُ من الخمر عالَم قائم بذاته ، لَوْنها يتوهج كما لو كان ضوءاً في آخر النفق . وهذا السَّوادُ الضارب للحُمرة يمتصُّ قلبَ الشاعرِ وعقلَه ، ويُسيطر عليه بلا رحمة . لونٌ شديد الإغراء ، يَبتلع ذكرياتِ الشاعر ، فيرفع الرايةَ البيضاء مُسْتسلماً لعنفوان اللون الوهَّاج . وهذه الشَّرْبةُ عندما يُصَبُّ الماء عليها تُزبِد ، وتَثور كالبركان الذي كان خامداً ثم انبعثت فيه الحياة . تَقفزُ الفقاعاتُ على السطح الساحر المغرِي ، وتَفور جُزيئات الخمر ، كأنها تنادي على الشاعر ، وتَسحبه إلى الأعماق السحيقة .
     ويقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :
باكرتُ حاجَتَها الدَّجاجَ بِسُحْرةٍ          لأُعَلَّ مِنها حينَ هَبَّ نِيامُهــا
     الهدفُ هو الخمر. والطريقُ إليها ينبغي قَطْعُه بسرعة فائقة. فالأمرُ لا يَحتمل التأخير مُطْلقاً. واللذةُ لا تَنتظر، ولا وقت لانتظار الصباح . لذلك ، فالشاعرُ يَشرب الخمرَ قبل صِياح الدِّيك. فهو يَأخذ الأمرَ على مَحْمل الجِد. وعندما تشتعل الشهوةُ في كيانه، يهرع إلى تلبيتها بكل سُرعة بلا إبطاء، لكي يَقتنص لحظةَ المتعة ، ويأسر وَقْتَ الفرح قبل أن يُفلِت من يَدَيْه ، ويَذهب إلى غير رَجعة .
     لم يَقْدر الشاعرُ على مقاومة الرغبة العارمة في شُرب الخمر ، والتي تلحُّ على عقله بكل شراسة، فباكرَ الديوكَ لحاجته الشديدة إلى الخمر. إنهُ يُقاتِل على جَبْهتين، فهو يُسابِق الوقتَ ، ويُسابِق الديوكَ .
     إن الخمرَ تَضغط على أعصابه ، وتَسري مع دمه ، وتَدفعه دَفْعاً إلى شُربها ، فبادرَ إلى الخمر ، وتعاطى شُرْبَها قبل أن يَصيح الدِّيكَ ، وذلك في فترة السَّحَر ( السُّحْرة ) . لقد سَبق الشاعرُ صياحَ الديك لِيَشْربَ من الخمر بصورة متتابعة ( لِيَعُلَّ مِنها ). وهذا الشربُ مرَّة بعد أخرى، يَكشف عن عَطَشه الشديد للخمر ، وإدمانه عليها ، وخضوعه الكُلِّي لإغرائها . وقد بَقِيَ يَعُلُّ مِنها حين استيقظ نِيامُ السَّحر ( هَبَّ نِيامها ). والجدير بالذِّكر أن الدجاج اسم للجنس يَعُمُّ ذُكورَه وإناثه.
2_ الخمرُ تزيل العطش :
     يَغوص الشاعرُ في بؤرة الخمر ، ويَعتبرها خَلاصَه النهائي الحاسم . فهو أرضٌ عَطْشى تَنتظر الرَّي ، والخمرُ _ بالنسبة إليه _ هي المطر الذي سَيُحيي مشاعرَه القاحلة ، ويُنعِش قلبَه الجاف ، ويَسقي مساحاتِ الظمأ في جسده الذابل . وهكذا تُصبح الخمرُ هي طَوْق النجاة ، والفرصة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .
     يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :
كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ في حيــاته          سَتَعْلمُ إنْ مُتْنا غداً أَيُّنا الصَّدي
     يَعتبر الشاعرُ الخمرَ هي مركز الكَرَم ، وأن شُربها دليل على المنزلة الاجتماعية الرفيعة للشاعر . فهو كريمٌ يُروِّي نَفْسَه في حياته بالخمر . وأيامُه مليئة بالشُّرب والسعادة ، حيث إن الخمرَ تنقله إلى عوالم جديدة ، وتَبعث فيه الفرح والحبور ، وتُزيل عطشَه الملتهب . إنهُ كريمٌ يُنفِق مالَه على شُرب الخمر بلا حساب ، ويَسقي جوارحَه الميتة العطشى بقطرات الخمر ، كما تسقي حَبَّاتُ المطرِ الأرضَ الجدباء .
     ثم يُخاطِبُ خَصْمَه بنبرة واثقة : سَتَعْلم إن مُتنا غداً أيُّنا العطشان ( الصَّدي ) . إنها صيغة التحدي النابعة من القناعة الذاتية ، والثبات على المبدأ . فمبدأُ الشاعر يتمحور حول مركزية الخمر ، ودورها في إزالة الظمأ ، وبَعْثِ الحيوية والنشوة في القلب والأعضاء . والشاعرُ على يقين تام بأن الخمرَ تَمنحه الدفءَ الوجداني ، والخلاصَ في الحياةِ والموتِ ، وهو واثقٌ أنه يَموت ريَّان ، مُنتشياً بقطرات الخمر ، ومُفعماً بالإشراق والحيوية كالأرض الخصبة التي سَقاها المطر ، أمَّا عاذله فيموت عطشان ذابلاً كالصحراء التي لم تَعرف المطرَ .
3_ التأثير الاجتماعي للخمر :
     للخمرِ تأثيرٌ سلبي على العلاقات الاجتماعية ، والروابطِ الأسرية . فهي تُمزِّق النسيجَ المجتمعي،وتُفكِّك الوشائجَ العائلية،وتَحصر الأفرادَ في دائرة الرِّيبة والشُّبهة ، كما أنها عاملٌ أساسي في إضاعة المال الذي يُعتبَر العمودَ الفقري للجسم المجتمعي .
     يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :
وقالَ ألا ماذا تَرَوْنَ بشارِبٍ          شَديدٍ عَلَيْنا بَغْيُهُ مُتَعَمِّــدِ
     القائلُ هو والد طَرَفة . فهذا الشخصُ قد ضاق ذَرْعاً بتصرفات ابنه الطائشة . وها هُوَ يقول للحاضرين مُستشيراً لهم: ماذا تَرَوْنَ أن نفعل بشارب الخمر ( ابنه السِّكير ) الذي كَثُرت خطاياه ، وازداد ظُلْمه لنا ، واشتدَّ بَغْيُه علينا عن سبق الإصرار والتَّعمُّد ؟ . لقد وَصلت الأمورُ إلى نقطة اللاعودة، وطَفَحَ الكَيْلُ، وزادت الأشياءُ عن حَدِّها ، مما جعلَ الأبَ في حَيرة من أمره، لذلك لجأ إلى أصحابه واستشارهم في شأن هذا الابن العابث قائلاً : ما هي الوسيلة لمنع هذا السِّكير الذي ألحقَ بنا ضرراً فادحاً ، وأضاعَ أموالنا مُتعمِّداً قاصداً ؟. وهذا الضررُ لم يجيء بشكل عَفوي أو بِحُسْن نِيَّة ، وإنما هو ضررٌ نابع مِن نِيَّة مُبَيَّتة ، وإرادةٍ سابقة . وهو فِعْلٌ مقصود لا مكان فيه للعَفوية أو حُسْنِ النوايا .
     لقد أدى شُرب الخمر وإضاعة المال من أجلها إلى تمزيق العائلة ، وتفكيك رابطةَ المودة والرحمة بين الابن وأبيه ، فبرز صراعٌ بين الأجيال مستند إلى اختلاف القيم . فالابنُ ( الشاعر ) يُتلِف المالَ من أجل شهوةٍ عابرة ، ونزوة رخيصة ، ومتعة زائلة ، ولا يَعرف مصلحة نفْسه . أمَّا الأبُ فحريص على ابنه اللامبالي ، ويُريده رَجلاً فعالاً في المجتمع يُشار إليه بالبنان ، يحافظ على اسم العائلة وممتلكاتها .
     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :
وقالَ ذَرُوهُ إنما نَفْعُها لَـــهُ          وإلا تكفُّوا قاصيَ البَرْكِ يَزْدَدِ
     تعبَ الأبُ من سلوك ابنه المنحرف ، وفقدَ الأملَ فيه تماماً ، فاستقرَّ رأيه على ترك ابنه وشأنه . يقول الأبُ لأصحابه : اتركوا طَرَفة ( ذَروه ) ، إنما نفعُ هذه الأموال     ( الإبل ) له ، فهو ابني الذي يَرثني بعد مَوْتي ، وإلا تَمنعوا ( تكفُّوا ) هذه الإبل من النُّفور والهروبِ ، يَزْدد طَرَفة مِن نَحرها . والبَرْكُ جماعةُ الإبل الباركة . والقاصي البعيدُ . والمرادُ بقَوْله " قاصي البَرْك " : الإبل التي هَربت ونَدَّت ونَفرت.
     فقدَ الأبُ ثقته بابنه بشكل كامل. فلا يوجد أيُّ احتمال لتغيير سلوكه العابث، ولا يوجد أيُّ أمل لعَوْدة الابن إلى رُشده . لقد عجزَ عن إيجاد حَل لمشكلة ابنه المستعصية ، فاستسلم للأمر الواقع مُكْرَهاً ، ورفعَ الرايةَ البيضاء بكل ألم . وقرَّر أن يَترك ابنه لِيُواجِه مصيره المحتوم . فهذه الأموال ( الإبل ) التي يُضيِّعها ابنه للإنفاق على شهواته وملذاته ونزواته، إنما هي _ في نهاية المطاف_ أموال الابن، فهو الوريث الشرعي الذي سَتؤول إليه أموال أبيه بعد وفاته . وبالتالي ، فالشاعرُ يُضيِّع ممتلكاته الشخصية ، ويَقضي على مستقبله بيدَيْه ، ويُدمِّر نَفْسَه بنفْسه .
     والإبلُ في المجتمع العربي ثَروةٌ قَوْمية لا يمكن التفريط بها ، وهي مَصْدر دَخْل مهم للغاية في الحياة الاقتصادية . إنها عَصَب الاقتصاد ، والعمود الفقري للدَّخل القَوْمي ، وتَمْلك تأثيراً بالغاً في تفاصيل الحياة اليومية ، حيث تتزاوج سُلطة المال مع السُّلطة السياسية ( شُيوخ القبائل ) ، والسُّلطةِ الاجتماعية ( القبائل ) . ومِن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، أمرَ الأبُ بِرَدِّ الإبل النافرة لئلا يَقوم ابنه العابثُ بنحرها كما فَعل مِن قَبْل . فقد خضعَ الأبُ لِحُكم الأمر الواقع ، ولم يَعُد يَلوم ابنه على نَحر الإبل ، فالذي مضى قد مضى. لكنه أرادَ إنقاذَ الإبل المتبقِّية لئلا تُواجه نفْس المصير المؤلم .
4_ الوصف المادي للخمر :
     يَسْبح الشاعرُ في عوالم الخمر، ويَغْرق في وصف هذه المادة المليئة بالأسرار والتناقضات والأحلام الضائعة . يُراقبها الشاعرُ ، ويُحاول اكتشاف كافة تفاصيلها وتحوُّلاتها. إنها تسيطر على عَقله قَبل الشُّرب وبَعْده،وتملأ ذِهْنَه بالأفكار والتأملات.
     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
مُشَعْشَعةً كأنَّ الْحُصَّ فيها          إذا ما الماء خالَطَها سَخينا
     يصفُ الشاعرُ الخمرَ في حالة امتزاجها بالماء ( مُشَعْشَعة ) . وهذه الحالة التي أَبْهرت الشاعرَ، إنما تَعكس فلسفةَ المزج بين الأضداد. فهذان العنصران المختلفان الخمر والماء قد اختلطا في لحظة ساحرة _ من منظور الشاعر _ ، فصارت الخمرُ مُشَعْشَعةً ، ولامعةً ، وباهرةً ، استحوذت على رُوح الشاعر ، ونالت إعجابَه ، وسَيْطرت على حواسِّه . وهذه الخمر الممزوجة بالماء كأن الْحُصَّ فيها . والْحُصُّ هو نَبْت له نوار أحمر .  يَغوصُ الشاعرُ في لحظة الانبهار النابعة من الخمر الممزوجة بالماء ، فيقول : اسقنيها مُشَعْشَعةً ، كأنها مِن شِدَّة احمرارها بعد مَزْجها بالماء ، أُلقي فيها الْحُصُّ. لقد استسلمَ الشاعرُ أمام اللون الأحمر المبهِر، وَوَقَعَ فريسةً للدهشة والذهول. إنها الْحُمْرة المتفجرة الوهَّاجة التي يَغوص في أسرارها العاشقون للخمر ، والمدمِنون على مُعاقرتها . وهذه الخمرُ إذا خالطها الماء بكل جنون ، وشربوا منها ، وسَكروا ، جادوا بأموالهم النفيسة وبَعْثروا ممتلكاتهم. وهذا المعنى إذا تَمَّ اعتبار " سَخينا " فِعْلاً.
     أمَّا إذا اعتبرنا "سَخينا" صِفةً، فالمعنى: كأن الخمرَ حال امتزاجها بالماء الساخن، قد نوَّر فيها هذا النبتُ الأحمر ( الحُص ) ، وكأنه قد تفاعلَ مع حرارة الماء ، فاشتعلَ احمراراً وبريقاً . والعربُ كانوا يُسخِّنون الماءَ في الشتاء بسبب شِدَّة البَرْد ، ثم يَمْزجون الخمرَ بالماء الساخن .
5_ الخمر تُنسي الهموم :
     العقلُ هو مركز السيطرة في الإنسان . وإذا زالَ العقلُ فقدَ الإنسانُ توازنه ، وصار يَسْبح في عالَم افتراضي هُلامي ، لا مكان فيه للهموم والأحلام والأفكار. والخمرُ تُوفِّر للإنسان هذه الراحة الخادعة ، والنشوة المؤقَّتة ، والسعادة الوهمية . لكنَّ الإنسانَ سَيُدْرِك حجمَ المأساة عندما يَزول تأثيرُ الخمر، فيجد نَفْسَه في مستنقع عميق ، وأنه كان عائشاً في الأوهام ، وما تأتي به الرياحُ تأخذه الزوابع .
     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
تَجُورُ بذي اللبانةِ عَن هَواهُ          إذا ما ذاقَها حتى يَلينــا
     يمدحُ الشاعرُ الخمرَ فيقول إنها تُميل صاحبَ الحاجة ( اللبانة ) عن حاجته وهواه ، فتُريحه من تعب البال، وتلاطمِ الأفكار، وكثرةِ الخواطر، وتَزرعه في عوالم النسيان والفرح، فيغدو سعيداً سابحاً في الخيال، قد نسي قَسْوةَ الواقع، وتحرَّر من الالتزامات الحياتية، والقيودِ الاجتماعية، والصراعاتِ النَّفْسية. وإذا ذاقَ الإنسانُ الخمرَ فإنه يَلين، وترتاح أعصابه ، وتسترخي أعضاؤه ، ويتحرر من الضغوطات الروحية والمادية . وهنا يتَّضح دورُ الخمر الرئيسي في الحياة الاجتماعية_وفق منظور الشاعر_ . فالخمرُ تُنسي الهمومَ ، وتُزيل الأحزانَ ، وتَطرد الأفكارَ السَّيئة . وعندئذ يُفلِت الإنسانُ من سيطرة الحوائج والمتطلباتِ اليومية ، فَيَشْعر أنه متحرر من الجاذبية ، ويَطير في فضاء سِحري مملوء بالمتعة والحيوية . فالخمرُ هي حاضنة أحلام الأشخاص الذين يَهربون من تحمُّل المسؤولية ، ويَبحثون عن المتعة المجرَّدة ، حتى لو كانت متعةً آنيةً وخادعةً وقاتلةً .   
6_ الخمر والكَرَم :
     تقترنُ الخمرُ في الثقافة العربية البدائية بالكَرَم والسَّخاء ، فهي إضاعةٌ للمال بلا حساب ، وهذا يَنفي صفةَ البخل عن الإنسان . فالبخلُ صفةٌ سيئة للغاية ، وإذا ارتبطت بشخص ، فستظل وصمةَ عارٍ في حياته ، وبعد وفاته . لذلك كان العربيُّ في الجاهلية حريصاً أشد الحِرْص على شُرب الخمر ليبدوَ أمام أقرانه كريماً جَواداً لا يُقيم للمال وزناً ، وتبرزَ صورته في المجتمع مرتبطةً بالجودِ والسخاء .
     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
تَرى اللحِزَ الشحيحَ إذا أُمِرَّتْ          عَلَيْه لمالِهِ فيها مُهينــــا
     يَمدحُ الشاعرُ الخمرَ ، ويُشِيدُ بدورها المركزي في تجذير الكَرَم ، ونفي البخل . إي إنها تساهم في بث الأخلاق الحميدة في المجتمع ، واستئصال القيم السلبية .
     واللحزُ: الضَّيق الصدر. والشحيحُ: البخيل الحريص. وهما صفتان قبيحتان للغاية، فكيف إذا اجتمعتا في إنسان واحد ؟! . بالطبع ، سَيَكون وَضْعُه مأساوياً ، ويَبعث على الأسى . والشاعرُ يُقدِّم عِلاجاً لهذه الحالة الإنسانية الحرجة، وهو شُرب الخمر. فالإنسانُ اللحزُ الشحيحُ إذا أُمِرَّتْ الخمرُ عليه ( أُديرت عليه ) أهانَ مالَه، وأنفقه بلا حساب من أجل نَيْلِ هذه المتعة المغرِية، والوصولِ إلى ذِروة النشوة، والإمساك بقلب اللذة. وهكذا ، يتخلص من سوء أخلاقه، ويَكتسب الأخلاقَ الفاضلة، فيُصبِح صَدْرُه مُنشرِحاً ، يَستقبل أيامَه بكل حماس وحيوية وانشراح ، ويتخلص من بُخله الشديد، فيُصبِح كريماً جواداً يُهين مالَه، ويُبدِّده في كل الاتجاهات دون أن يَعْبأ بشيء. وبالتالي ، يتحول إلى مواطن صالح _ إن جاز التعبير ! _ ، تَرضى عنه القبيلة ، ويَمدحه أقرانه ، ويَذْكره التاريخُ باعتباره كريماً متحرراً من عبودية المال .
     ويقولُ الشاعرُ عنترة بن شَدَّاد :
فإذا شَربتُ فإنني مُسْتَهْلِكٌ          مَالي وعِرْضي وَافِرٌ لم يُكْلَمِ
     تستمرُّ الإشادةُ بالخمر ، ويتجذر مديحها بشكل واضح ، فقد تكرَّست كرمز للجود . لقد أَثْبتت الخمرُ صفةَ الكَرَم في المجتمع الجاهلي ، ونَفَت صفةَ البُخل ، فصارت هي الْحَكَمَ والفَيْصلَ بلا مُنازِع ، وهي المحك الحقيقي لتمييز الناس .
     يقولُ : فإذا شَربتُ الخمرَ فإنني أستهلكُ مالي ، وأُهلِكه بِجُودي وكَرَمي .
     وهو يحاول جاهداً تكوين صورة برَّاقة له ، وذلك بتقديم نفْسه كجواد كريم يُنفِق مالَه على الخمر بلا حساب ، وليس بخيلاً يتشبَّث بالمال بأظافره وأسنانه . وهو يَمدحُ الخمرَ لأنها الدليل الواضح على تحلِّيه بصفة الكَرَم لا البُخل .
     وفي نَفْس الوقت ، يؤكِّد الشاعرُ أن عِرْضه تام ، وخالٍ من العيوب، ولم يُجرْح   ( لم يُكلَم ) بأي شيء. فهو ذُو عِرْض وافر لم يُدنَّس بصغيرة ولا كبيرة، أمَّا مالُه فهالكٌ. إنهُ يُنقِص مالَه ويُضيِّعه ، لكنه حريصٌ أشد الحِرص على عِرْضه ، فلم يُلوِّثه بأي نقيصة . وهنا تَبْرز الإشادةُ بالخمر ، والافتخارُ بأن سُكْرَه يَحْمله على مكارم الأخلاق ، ويَمْنعه من العيوبِ .  ويقولُ الشاعرُ عنترة بن شَدَّاد :
ولقدْ شَرِبْتُ مِن المُدامةِ بَعْدما          رَكَدَ الهَواجِرُ بالمشُوفِ المُعْلَمِ
     يَفتخرُ الشاعرُ بِشُرب الخمر ( المُدامة ). وقد سُمِّيت بهذه الاسم لأنه لا شراب يُستطاع إدامةُ شُرْبه غيرها ، أو لأنها أُديمت في الدَّن ( وعاء ضخم للخمر ) حتى سَكنت . ويَحرص الشاعرُ على تخليد الفترة الزمنية التي شرب فيها الخمرَ. وهي بعدما رَكَدَ الهواجر. والهواجرُ جَمْعُ هاجرة ، وهي أشد الأوقات حَرَّاً .
     يقول : ولقد شَربتُ من الخمر المعتَّقة في أكثر الأوقات حرارةً وقسوةً ، فقد اشتدَّ حَرُّ الهواجر وسَكَنَ ( رَكَدَ ) .
     وما لجوءُ الشاعر إلى الخمر في هذا الجو الصحراوي الحار ، إلا محاولةٌ للترويح عن النَّفْس، والتخفيفِ من قَسْوة المكان، وتلطيفِ الجو، وإشاعةِ البهجة والسرور.
ويَحرص الشاعرُ على رسم هالة الكَرَم حول شخصيته ، فَيَذْكر أنه اشترى الخمرَ بالدينار المشُوف ( المجلوِّ ) ، والذي يَحْمل نقشاً أو علامة ( المُعلَم ) . فهذا الدينارُ المجلوُّ المنقوشُ كان ثمناً للخمر التي اشتراها فشربها لكي يَرتاح من حرارة الطقس.
     واعتناءُ الشاعر بهذه التفاصيل الدقيقة يدل على حرصه الشديد على تخليد الأجواء المحيطة به وهو يَشرب الخمر ، وذِكْره الدينار ( ثمن الخمر ) يَعكس قُوَّته الشرائية ، وأنه لا يُقيم وزناً للمال ، فهو كريمٌ لا بخيل . والعربُ كانت تفتخر بِشُرب الخمر ، لأنه رمزٌ للكَرَمِ والسخاءِ والأخلاقِ الرفيعة .
7_ الخمر والأمكنة :
     يَقترنُ شُربُ الخمر بالأمكنة ارتباطاً وثيقاً . فهذه الأمكنةُ حاضنة للذكريات ، والمشاعرِ، والأحداثِ المصاحِبة لحالة الشُّرب التي تُولِّد النشوةَ، وتَبعث على الفرح، فيَشْعر المرءُ بأنه يُحلِّق في الفضاء. وبشكل عام، إن الذكريات الجميلة ، والأحداث السعيدة ، والإنجازات الهائلة ، ترتبط بالأمكنة ارتباطاً مصيرياً . فاللحظاتُ السعيدة عبارة عن زَمن ، ولا يُوجد زمنٌ يَتحرك بلا مكان ، فالمكانُ هو الوعاءُ الذي تُصَبُّ فيه اللحظات المفْعمة بالسعادة . وبالطبع ، لا توجد حَركة في الفراغ أو العَدَمِ .
     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
وكَأسٍ قَد شَرِبْتُ بِبَعْلَبَـكَّ          وأُخرى في دِمَشْقَ وقَاصِرينا

     ذَكَرَ الشاعرُ ثلاث بلدات : بَعْلَبَك ، دِمَشْق ، قَاصِرين . وهذه الأماكنُ كانت شاهدةً على لحظات المتعة التي عاشها برفقة كأس الخمر . لقد خَلَّد أزمنةَ النشوة ، وخَلَّد الأمكنةَ الحاضنة لهذه النشوة . لا يُريد تَركَ شيء للصُّدفة أو الاحتمالات . إنهُ يُعبِّر عن سعادته البالغة بِشُرب الخمر ، كما يُعبِّر عن فَرحه بتواجده في هذه الأماكن التي امتصَّت أيَّامَه ، وأَضْفت على حياته هالةً من السرور المدهِش الذي لا يُوصَف ، وصَبغت عُمرَه بالذكريات الجميلة التي لا تُنسَى .  

06‏/02‏/2016

المرأة في شعر المعلقات / الجزء الرابع

المرأة في شعر المعلقات / الجزء الرابع

للكاتب/ إبراهيم أبو عواد

https://www.facebook.com/abuawwad1982

https://twitter.com/abuawwad1982

...........................

41_ الحزن لفراق العشيقة :
     يُعتبَر الفِراقُ مأساةً حقيقية في عالَم العِشق والعشاق لأنه مَنْبع الأحزان والآلام. وابتعادُ العاشقَيْن عن بعضهما البعض بمثابة قَتلهما . لذلك كان الفِراقُ هو الموتَ في الحياة، الذي يُخرج المشاعرَ الدفينةَ، ويُهيِّج الأحاسيسَ الدافئة، ويَحرق الأعصابَ.
     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
فما وَجَدتْ كَوَجْدي أُمُّ سَقْبٍ          أَضَلَّتْهُ فَرَجَّعتِ الحنينــــا
     يَغْرقُ الشاعرُ في بحر الأحزان العميق وحيداً . لا أَحدٌ يُواسيه ، ولا أَحدٌ يُخفِّف عنه . لقد تفوَّق حُزنُه على حُزن ناقةٍ ( أُم سَقْب ) أضلَّت وَلدَها فَردَّدت الصوتَ المتوجعَ ( الحنين ) . يقولُ: فما حَزنتْ ( وَجدتْ ) كحُزني ناقةٌ أضاعتْ وَلدها فرَجَّعت الحنينَ، أي: ردَّدت الصوتَ الجريحَ المتألِّمَ جرَّاء فَقْدها لولدها . والمقصودُ أن حُزنه لفراق عشيقته أعظم من حُزن هذه الناقة الواله الثكلى التي فَقدت ولدَها، فصارت تُردِّد الصوتَ المتوجِّع . ويقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
ولا شَمْطاءُ لم يَتْرُكْ شقاها          لها مِن تِسْعةٍ إلا جَنينــا
     ما زالَ الشاعرُ في مناخ الحُزن والألم بسبب فِراق العشيقة . وهذه المرة ، تفوَّق حُزنُه على حُزن العجوز الثكلى التي فَقدت أبناءها ، ورَأَت مَوْتَهم بأُم عَيْنيها .
     يقولُ : ولا حَزنتْ كحُزني عجوز ( شمطاء ) ، والشمطُ بياضُ الشَّعر ، لم يَترك شقاؤها لها مِن تِسعة إلا مدفوناً في قبره ( جَنينا ) . لقد مات أبناؤها كلهم ودُفنوا . وهو يَقصد أن حُزنه لفراق عشيقته أكبر من حُزن العجوز التي فَقدت تسعة أبناء ، ورأتْهُم يَتساقطون واحداً تِلْوَ الآخر.فهذه المرأةُ الثَّكلى التي خَسرت فلذاتِ كبدها، كلُّ أحزانها تظل دُون حُزن الشاعر عند فِراق عشيقته الغالية .
     ويقولُ الشاعرُ عنترة بن شدَّاد :
إنْ كُنتِ أَزْمعتِ الفِراقَ فإنما           زُمَّت رِكابُكم بلَيْلٍ مُظْلِـمِ
     سيظل الفِراقُ جُرحاً عميقاً في النَّفْس العاشقةِ، لأنه هَدمٌ لتاريخ المودة ، وتحطيم للذكرياتِ الجميلة ، وتمزيقٌ للقلوب الدافئة .
     يُخاطبُ الشاعرُ عشيقته بكل ألم وانكسار : إن كُنتِ عَزمتِ على الفِراق ، وقرَّرتِ الرحيلَ بصورة نهائية لا رَجْعة فيها ، فإني قد شَعرتُ أنكم شَدَدْتُم رِحالَكم لَيْلاً . والرِّكابُ هي الإبل ، وزَمُّها يدل على تجهيزها للرحيل .
     تتفجرُ اللوْعةُ في كلام الشاعر. لقد عَرَفَ بموضوع الرحيل من تِلقاء نفْسه ، وأدركَ أن عشيقته الغالية قد أَزْمَعت الفِراقَ ، أي : وَطَّنَت نَفْسَها على الفراق بشكل نهائي وحاسم. إنه قرارٌ مفاجِئ جاءَ بَغتةً بلا مقدِّمات. وقد تفاجأ الشاعرُ بالموضوع ، فلم يُخبِره أحد بالأمر ، بل اكتشفه بنفْسه. إنه قرارٌ مصيري مستند إلى تخطيطٍ مُسْبق ، وإصرارٍ راسخ . لقد أَخْفَت هذه المرأةُ نبأَ رَحيلها عن عاشقها ، ولم تُظهِر عَزْمَها على الفِراق . لكنَّ الشاعرَ العاشقَ اكتشفَ الحقيقةَ المرَّةَ بنفْسه ، والتي وَقعت على رأسه كالصاعقة ، وعَلِمَ أنهم قد شَدُّوا رِحالهم بليلٍ مُظْلم لِيُخْفوا أمرَ رَحيلهم ، ولكي يَرحلوا بصمت تحت جُنح الظلام الجارح .
     ويقولُ الشاعرُ الحارث بن حِلِّزَة :
آذَنَتْنا ببَيْنِها أسمــاءُ          رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
     تختلفُ هذه الحالة عن الحالة السابقة . فالعشيقةُ هنا أَخْبرت عاشقَها بقرار الرحيل لِكَيْلا يتفاجأ . لقد أَعْلَمَتْهُ ( آذَنَتْهُ ) بالبَيْن ( الفِراق ) لِكَيْلا يُصدَم فيَفْقد أعصابه وينهار بصورة قاصمة . فهذا الخبرُ القاسي يتطلب تحضيراً مُسْبقاً ، وتمهيداً واضحاً ، واستعداداً نَفْسياً وجَسدياً . يقولُ : أَعْلَمَتْنا ( أسماء ) بعَزْمها على فِراقنا . 
     إنه الفِراقُ الحاسم ، والقطيعةُ الأبدية ، ونهايةُ المغامَرة العاطفية . فقد وَصلت قصةُ الحب إلى طريق مسدود ، وآنَ للطرفَيْن أن يَبتعدا عن بعضهما البعض . وبالطبع ، لكل بداية نهاية . وهذه النهاية جاءت جارحةً ودراميةً .
     وعلى الرغم من قرار العشيقة المصيري والقطعي ، والذي جَرحَ قلبَ الشاعرِ ، وأَوْرثه آلاماً وأحزاناً لا حَصْر لها ، إلا أنه لا يَزال باقياً على عهد المودة ، وحافظاً للعِشق القديم . فلم يُعاتِب العشيقةَ التي تَرَكَتْهُ ، ولم يُقرِّعها، ولم يَضع فيه عُيوباً، ولم يَقُل لها سأجدُ أفضل منكِ. وإنما مَدَحها بأنها امرأة لطيفة وناعمة وخفيفة الظِّل .
     يقول في عجز البيت: رُبَّ مُقيمٍ ( ثاوٍ ) تُمَلُّ إقامته. والثَّوَاءُ هو الإقامة. وبالطبع ، لم تكنْ ( أسماء ) منهم . حتى لو طالت إقامتها ، لا يمكن أن يَمَلَّ منها الشاعرُ لأنها امرأة رائعة اسْتَوْلَت على مشاعره بقلبها الدافئ ، وعذوبةِ رُوحها ، وأُنوثتها الرقيقة البعيدة عن التوحش والخشونة. وعندما تكونُ المرأةُ بهذه المواصفات النادرة ، فلا يمكن لعاشقها أن يملَّ مِنها ، أو يتمنى فِراقها ، أو يَسأم مِن رؤيتها .
42_ تذكُّر الهوى عند الرحيل :
     لقد هيَّج الرحيلُ ذكرياتِ الشاعر، وزرعَ الجمرَ في ذاكرته. فتذكَّرَ أيامَ الصِّبا، والأحلامَ الغابرةَ ، والحُبَّ القديمَ . يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :
تذكَّرتُ الصِّبا واشْتَقْتُ لَمَّا          رأيتُ حُمُولَها أُصُلاً حُدِينا
     تذكرتُ الهوى والمودَّةَ ، وسيطرَ عليَّ الحزنُ والحنينُ ، واشتقتُ إلى العشيقة ، لَمَّا رأيتُ إِبِلَها سِيقت عَشِيَّاً . والأُصُل جمع أصيل ، والأصيلُ هو العَشِيُّ ، وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس . و " حُدِينا " أي سِيقت . والحُداءُ نوعٌ من الغِناء تُساق به الإبل ، فتُسرِع في المشي .
     هَاجت الذكرياتُ في نَفْسِ الشاعر ، واشتعلت الأحلامُ في صَدره ، وغرقَ في الخيالاتِ السحيقة ، فصارَ أسيراً للماضي الذي لا يَعود . لقد كان المشْهدُ الحزينُ الذي رآه أمامه باعثاً على الحزن والألم والتذكُّر . رأى الحُمول ( الإبل ) قد سِيقت في وقت الأصيل ( العَشِيِّ ) . إنه وقتُ رَحيل العشيقة . وما إن رأى الشاعرُ هذا المنْظرَ المؤلم حتى عادَ بالذاكرة إلى أيام الهوى والعِشق ، وتذكَّرَ وجهَ عشيقته التي سَتَرْحل إلى الأبد .
43_ إقامة العشيقة في أرض الأعداء :
     ابتعدت العشيقةُ عن عالَم الشاعر ، فأضحى الشاعرُ محصوراً في مناخات الحَيْرة والقلق. بَيْنهما سُورٌ عالٍ من المشاعر المحترقة. لقد حلَّت العشيقةُ في أرض الأعداء ، فصارَ صعباً على الشاعر أن يَظفر بها . يقولُ الشاعرُ عنترة بن شدَّاد :
حَلَّت بأرضِ الزَّائرين فأصبحتْ          عَسِراً عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْـرَمِ
     نَزلت العشيقةُ بأرض الأعداء( الزائرين ). إنهم شَديدو العداوة، وكأن أصواتهم زَئيرٌ.وما تَشبيه توعُّدهم وتهدُّدهم بزئير الأسد إلا مؤشرٌ واضحٌ على شِدة عداوتهم، وتربُّصهم بالشاعر ، وتعقُّد الصراع بين الطرفَيْن . فلا فرصة للحلول الوَسط ، ولا فرصة لإنهاء النزاع . وهذا الأمرُ ينعكس سلباً على العلاقة الغرامية بين الشاعر وعشيقته .
     لقد استقرَّتْ في أرض الأعداء ، وأيةُ محاولة للوصول إليها قد تُكلِّف الشاعرَ حياته ، وتتسبَّب في حرب طاحنة . فكلُّ طَرفٍ يُضمِر العداوةَ للطرف الآخر، ويتربص به . وهذه الأجواءُ الملبَّدةُ بالحقد والكراهية ، والعابقةُ برائحة الدم، والممزوجةُ بمذاق الحرب والقتال ، تَخنق حالةَ العِشق ، وقد تُنهيها بشكل كامل .
     وفي هذا المناخ المسموم ، يصبح من العسير رؤية العشيقة أو الالتقاء به . فهي في حِصْنٍ حَصين ، تُقيم في منطقة مزروعة بالمخاطر، ومُسيَّجة برائحة القتل والقتال.
     وقد عجز الشاعرُ عن تخطِّي هذه العقبة الكأداء، ولم يجد أيَّ حَل لهذه المعضلة ، فاعترفَ بعَجْزه، واكتفى بالابتعاد عن هذا المناخ الملغوم، وغرقَ في الحَسرة والحَيرة. وأصعبُ شيء على العاشق أن يَشعر بالعجز ، وألا يَجد حِيلةً لرؤية عشيقته .  
44_ العِشق رغم عداوة القبائل :
     في أحيانٍ كثيرة يَكون العِشقُ محاطاً بالكراهية والدِّماء ، فَيَنْبت في مناخ الخوف والألم والأضداد . وهذه الظروفُ المأساوية تُعقِّد العلاقةَ الغرامية ، وتُجبِر العاشقَيْن على دفع ضريبة العِشق بشكل مُضاعَف . يقولُ الشاعرُ عنترة بن شدَّاد :
عُلِّقْتُها عَرَضاً وأَقْتلُ قَوْمَهـا          زَعْماً لَعَمْرُ أبيكَ ليسَ بِمَزْعَمِ
     تعلَّقَ الشاعرُ بهذه المرأة بشكل مفاجئ ( عَرَضي ) دون تخطيط مُسْبق ، وأحبَّها من النظرة الأُولى بلا قَصد. لقد شَغُف بها فجأةً ، وما إن رآها حتى استولت على جوارحه، واحتلت مشاعرَه . وهذه النظرةُ الأُولى كانت السهمَ الذي اخترق قلبَه بلا رحمة . وهذا الحُبُّ من النظرة الأُولى وُلد في ظروف صعبة ومُعقَّدة . فالنظرةُ العاشقةُ الجارحةُ جاءت في ظِل قَتل الشاعر لقومها. مما يُشير إلى حالة التناقض الحاد بين المشاعر المرهَفة والواقعِ الأليم ، فقد أحبَّها مع ما بَيْنهم من القتل والقتال . وكأن هناك سؤالاً داخلياً يمزِّق أحشاءَ الشاعر : كيفَ أُحِبُّها وأنا أقتلُ قَوْمها ؟! .
     إنه الحُبُّ المستحيل المعجون بالأحاسيسِ المكسورة ، وجثثِ القتلى ، ورائحةِ الدَّم، ومَذاقِ الموت . وبالتأكيد ، إن ولادةَ العِشق في هذا المناخ الموْبوء ، هي ولادة للأضداد . وهذه الولادة القَيْصرية تَعمل على تمزيق المشاعر ، وزرعِ التناقضات في الخيال والواقع معاً .
     إن الشاعرَ يَطْمع في المستحيل ، ويُؤسِّس مشاعرَه في الفراغ العميق . يَطْمع في عِشقها طَمعاً ( زَعْماً ) لا مكان له تحت الشمس ، ولا يُمكن أن يَرى النُّورَ . فهذا الزَّعْمُ ليس بِمَزْعم ، أي : هذا الطَّمع ليس بِمَطْمع ، لأنه أملٌ كاذب ، وخيالٌ هلامي لا حقيقة له ، ولا مَوْضع له على أرض الواقع . فلا يمكن للشاعر الوصول إلى العشيقة في ظل القتال بين العَشيرَتَيْن . وسيبقى هذا الحُبُّ المستحيل مدفوناً في القلب ، لا يمكن ترجمته إلى واقع محسوس ، بسبب تعقُّد الظروف المحيطة . وقَوْلُه : (( لَعَمْرُ أبيكَ )) ، يَعني : أُقْسِم بحياة أبيكَ . وهذا القَسَمُ إنما جاء للتأكيد على استحالة هذا الحُب ، وأنه وُلد مَيْتاً .
45_ منزلة العشيقة في القلب :
     اسْتَوْلَت العشيقةُ على قلب عاشقها ، وصارتْ مُتحكِّمةً به . وقد سَكنت فيه . إنها عمليةُ احتلال غرامية بلا مقاوَمة . والمشاعرُ المتأججةُ فَرَّغت قلبَ العاشق من العناصر والمكوِّنات، فأصبح خالياً . والقلوبُ تَرفضُ الفراغَ ، فلا بد أن يتم مَلْؤها بأي شيء . وقد اختارَ الشاعرُ أن يَملأ قلبَه بصورة عشيقته شكلاً ومضموناً .
     يقولُ الشاعرُ عنترة بن شدَّاد :
ولقد نَزَلْتِ فلا تظنِّي غَيْرَه          مِنِّي بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْـرَمِ
     لقد نَزلت العشيقةُ من قلب الشاعر مَنْزلة المُحَبِّ المُكْرَم . إنه يُحبها ويُكرِمها ، لذلك فَتح لها قلبَه لتسكن فيه.وما كان لها أن تصل إلى هذه المنزلة لَوْلا محبة الشاعر لها، وشغفه بها إلى أبعد حَد ، وأقصى دَرجة . وعَلَيْها أن تُؤْمِن بصدق حُبِّه لها ، وتعتبره يقيناً لا يَقبل الشَّك ، فلا تظن غَيْره . فليس في قلبه غير العِشق والإخلاص.
46_ الوَداع :
     الوَداعُ هو القَطرةُ التي أفاضت الكأسَ . إنه تتويجٌ للحزن والألم والمعاناة . ففي الوداع ، تَبرز معاني القطيعة ، ونهاية الذكريات ، وانتهاء الحُلم الوردي .
     يقولُ الشاعرُ الأعشى الأكبر :
وَدِّع هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ          وهَل تُطيقُ وداعاً أيُّها الرَّجـلُ
     لقد حانت ساعةُ الحقيقة ، وصار الوداعُ أمراً حتمياً ، وواقعاً ملموساً . ولا مفر من هذه النهاية الصاعقة . و"هُرَيْرَة " اسم المرأة التي سَيطرت على أحاسيس الشاعر ، وسوفَ تَرحل مع الرَّكب ( المسافرين على الإبل ).
     لا بُدَّ من الوداع ، وإغلاق هذا الملف إلى الأبد ، وإنهاء العلاقة الغرامية بشكل نهائي لا رَجعة فيه . فعلى الشاعرِ العاشقِ توديع هذه المحبوبة بسرعة ، فهو في سِباق مع الزمن ، فقد حانَ وقت الرحيل ، وها هُم المسافرون على الإبل سَيَرْتحلون عمَّا قليل . ولم يَعُد هناك وقتٌ للعِتاب واللوْمِ ، أو استعادةِ الذكريات . الوقتُ الآن مُخصَّصٌ للوداع ، ولا شيء غير الوداع .
     ثُمَّ يَظْهر سؤالٌ حارق يتعلق بمدى قُدرة الشاعر على الصمود أمام طوفان الوداع. هل يَقْدر على إلجام عواطفه وكبتِ مشاعره وتهدئةِ أعصابه في حالة الوَداع الصعبة ؟ . إنه سؤال مركزي ، قد يَعجز الشاعرُ عن الإجابة عليه ، وربما يتهرب منه . فالوَداعُ أمرٌ شديد الصعوبة لأنه يتعلق بذكريات الزمان ، وتفاصيلِ المكان ، والمشاعرِ الداخلية ، والذكرياتِ التي لا تُقدَّر بثمن . وسيبقى هذا السؤالُ الجارحُ شاهداً على شِدَّة الخطْب ، وصعوبةِ الموْقف ، وسابحاً في فضاء التاريخ ، بل إجابة . ما أصعبَ أن تظل الأسئلةُ المصيريةُ بلا إجابة ! . خصوصاً إذا كانت أسئلة متعلقة بالعِشق والأحاسيس والقلوب المحترقة .
47_ هدوء العشيقة :
     هدوءُ المرأةِ دليلٌ واضح على ثقتها بنفْسها . فقوةُ الأنوثةِ كامنةٌ في السيطرة على الأعصاب والحركاتِ. أمَّا الصراخ والجعجعة والثورة فَمُؤَشِّرات على غياب العقل،والاستسلامِ للانفعالات العاطفية المؤقَّتة،والتي تُخلِّف وراءها الندمَ والضياعَ.
     يقولُ الشاعرُ الأعشى الأكبر :
غَرَّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولٌ عَوارِضُهــــا      تمشي الهُوَيْنا كما يَمشي الوَجِي الوَحِلُ
     يُقدِّم الشاعرُ عَرْضاً بمواصفات هذه العشيقة ، وبياناً بخصائصها المتفرِّدة . فهي غَرَّاء ( بيضاء حسناء ) ، وفَرْعاء ( طَويلة الشَّعْر ) ، وعوارضُها مصقولة ( أسنانها بيضاء نقيَّة ). وهذه الصفاتُ تَزيد الأنوثةَ بهاءً ولمعاناً وإغراء ، وتُكسِب صاحبتها شموخاً ، وثقةً بالنَّفْس ، واعتزازاً بالرُّوحِ والجسدِ معاً .
     فَبَيَاضُ المرأةِ صفةٌ مرغوبة، لأنه يتضمن معنى الإشراق والحُسن والجَمال الآسِر.
وطُولُ الشَّعْر يدل على حيوية المرأة ، وأُنوثتها الملتهبة، واعتنائها بنفْسها . كأنها تَغرق في شَعْرها الذي ينساب كالنهر المتدفق . والأسنانُ البيضاء تشيرُ إلى نظافة المرأة ، وحِرصها على مَظهرها . ولا يخفَى أن الأسنان هي واجهة الفَم والوجه معاً ، وبياضُها يَمنح المرأةَ رَوْنقاً خاصاً ، وجَمالاً أخَّاذاً .
     وهذه الصفاتُ الأُنثويةُ المميَّزةُ تَزرع الثقةَ في نَفْس العشيقة ، وتجعلها واثقةً بنفْسها وتفاصيلِ جِسمها ، وفخورةً بأُنوثتها وشخصيتها ، فتَظْهر السَّكينةُ على مُحيَّاها، ويَبْرز الهدوءُ في سَكناتها وحركاتها . وبالتالي ، فليس غريباً أن تمشي الهُوَيْنا ( على مَهل ) ، فهي واثقةُ الخطْو ، تمشي كما يمشي الوَجِي الوَحِلُ . والوَجِي : مَن رَقَّ قَدَمُه مِن المشي بلا نَعْلَيْن فهو بطيء المشي . والوَحِلُ : مَن وَقَعَ في الوحل فهو يمشي على مهل خشية انزلاق قدمَيْه .
     وبشكل عام ، إن الشاعرَ أبرزَ نقاطَ قوة العشيقة ، والتي يَنْبع منها الجَمال ، ثم وَصفها بالتَّؤدة والتأني في مَشْيها ، فهي واثقة بنفْسها ، وبصفاتها المتفرِّدة ، تَسيرُ بهدوء وطمأنينة ، فليستْ خرقاء ولا طائشة . وهدوءُ أعصابها ، واتزانُ مِشْيتها ، استحوذا على قلب عاشقها ، وسيطرا على ذهنه ، وأجبراه على تخليدهما شِعراً .
     ويقولُ الشاعرُ الأعشى الأكبر :
كأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِهـا           مَرُّ السَّحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
     تتمتعُ العشيقةُ بهدوء لافت ، واتزان مُثير . كما أنها حريصة على العلاقات الاجتماعية ، فهي على اتصال وثيق بجاراتها .
     وهي عندما تمشي من بيت جارتها ، كأن مِشْيتها مُرورُ سحابةٍ عابرة . مَشْيها هادئ ورَزين بلا طَيْش ، ومرورُ هذه المرأة كمرور غَمامة ناعمة ، تَعْبر الأفقَ بكل سلاسة ، وبلا رعونة . لقد انبهرَ الشاعرُ بطريقة مشي عشيقته . إنها تمشي باتزان ، وسَكِينة ، وتؤدة. لا رَيْثٌ في مَشْيها ( لا بُطء ) ولا عَجَل ( ولا استعجال ) . وخيرُ الأمورِ أوسطُها ، والفضيلةُ هي اختيار الحالة الوسطى بين طَرَفَيْن كلاهما سَيِّئ . فالبُطْءُ مذموم والعَجَلةُ كذلك . والعشيقةُ تتحرك في المنطقة الوُسطى المحمودة .
48_ عدم التجسس :
     بعضُ النساء يَعشقنَ التجسسَ على الجيران ، ومعرفةَ أخبارهم ، واكتشافَ أسرارهم . وهذه العادةُ القبيحة موجودة في أوساط النساء . فنجد المرأةَ منهنَّ حريصة أشد الحرص على النظر إلى بيوت الجيران،وسماعِ الأحاديث التي تَدور فيها.
     والشاعرُ الأعشى الأكبر يُخبرنا بأن عشيقته لَيْست من هذا الصنف، فيمدحها:
لَيْسَتْ كَمَن يَكْرَه الجيرانُ طَلْعَتها          ولا تَراها لِسِرِّ الجارِ تَخْتَتـــلُ
     هذه المرأةُ يُحِبُّها الجيران ، ولا يَكرهون طَلْعتها . وهذا الحُبُّ ليس عفوياً أو صُدفةً ، وإنما هو انعكاس لأخلاقها الحسنة ، وصفاتها الفاضلة . فهي لا تتسمَّع لسرِّ الجار ، ولا تحاول استراق السَّمع أو اختلاس النظر . لذلك يُحبُّها الجيران بسبب أمانتها ، وحفاظها على عهد الجِيرة ، وابتعادها عن التجسس . وكما هو معلوم ، فإن البيوتَ أسرار . إنها امرأةٌ مأمونة في مَوْضع الثقة ، وبعيدة عن الشكوك والشُّبهات ، لا تَخْتتل ( لا تتسمَّع ) لأسرار القوم ، ولا تحاول فضحَ العلاقات الأُسرية، وكشفَ الروابطِ الاجتماعية . والشاعرُ يَرْفع عنها عارَ التجسس والخيانة.
49_ العِشق في الكِبَر :
     يرتبطُ العِشقُ والغَزَلُ بمرحلة الصِّبا والشباب والفُتُوَّة . وهذه المرحلة هي مَنْبع القوة والمرح والإشراق واستقبال الحياة. وفترةُ الشبابِ هي بُركان الشَّهوة ، وذات ارتباط وثيق بالحماسة والطَيْش . أمَّا فترة الشيخوخة فَتَشْهد خموداً للشهوة ، وترتبط بالهدوء والسَّكينة والحساباتِ العقلية لا العاطفية .
     يقولُ الشاعرُ عُبَيْد بن الأبرَص :
تَصْبو وأنَّى لَكَ التَّصابي          أنَّى وقَد راعَكَ المَشيبُ
     يَطرحُ الشاعرُ على نفْسه سؤالاً مؤلماً : كيفَ تَصبو وتَميل إلى العِشق والغرام مثلما يَفعل الشبابُ وأنتَ شيخٌ طاعن في السِّن ؟! . والتصابي هو الميل إلى الصَّبوة واللهو . وهذا السؤالُ الحارقُ يَحمل في طيَّاته ألماً عارماً وحسرةً قاتلة . لقد مَضت فترةُ الشباب إلى غير رَجعة ، وذَهبت معها مشاعرُ العِشق ، وعنفوانُ الغرام ، وبقي الشَّعْرُ الأبيض شاهداً على مرور السنواتِ ، وانتهاءِ مرحلة اللهو والعبث والهيام .
     لم يَعُد الشاعرُ يرى نفْسه مُؤهَّلاً للعِشق، فقد راعه المشيب ، أي أفزعه الشَّيبُ، وسلبَ حيويته ، وجمَّد مشاعرَه ، فلا معنى للعِشق في الكِبَر . لقد انتهت المغامَرةُ .
50_ دموع العاشق وبكاؤه :
     الدموعُ والبكاء هُما سلاحا العاشق في معركة الأحزان والآلام والذكريات . والفائدةُ الأساسية للدموع والبكاء هي تخليص العاشق من الضغوطات النفسية والحياتية . ومهما يكن مِن أمر ، فإن الدموعَ لن تُعيد عقاربَ الساعة إلى الوراء ، والبكاءَ لن يُرجِع الأحِبَّةَ الذين غابوا في طوايا الزمن . 
     يقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :
ففاضَتْ دُموعُ العَينِ مِنِّي صَبـابَةً          على النَّحْرِ حتى بَلَّ دَمعيَ مِحْملي
     فاضت الدموعُ ، وتفجَّرت الأحزانُ ، وانبعث الألَمُ من ينابيع القلب . هذه الدموعُ هي أرشيفُ العِشق ، وتاريخُ الغَرام .
     سالت دُموعُ الشاعر بسبب شِدَّة الوَجْد ، ورقةِ الشوق ( الصبابة ) . إنه يَحِنُّ إلى عشيقته بشكل جنوني ، فَغَلَبَتْه الدموعُ التي تُلخِّص معاناته الشديدة ، وشَوْقَه الجارفَ إلى هذه المرأة التي قَلبت حياته رأساً على عَقِب ، وأَدْخَلَتْهُ في عوالم الحَسرة والدموع . فاضت دموعُه على نَحْره المحترق بمشاعرِ الغرام ، وأحاسيسِ العِشق . والنحرُ هو مَوْضع القِلادة . لقد وَصلت الدموعُ الهادرةُ إلى نَحْره ، مما يدل على شِدَّةِ الخطْب ، وصعوبةِ الموْقف ، والحُرقةِ المرعِبة ، واللوعةِ العميقة . ولم تتوقف أمواجُ الدموع عند منطقة النَّحْر. لقد اندفعت بكل حُرقةٍ وألم حتى بَلَّ الدَّمعُ حَمَّالةَ سَيْفه ( المِحْمل ) . إنه مُغطَّى بالدموع ، ومُجلَّلٌ بالألم . يَغرق في بحر الحزن والغرام وحيداً ، ولا وجود لطوْق النجاة .
     ويقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :
وإنَّ شِفائي عَبْرَةٌ مُهرَاقَـــةٌ          فهلْ عِندَ رَسْمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ
     إنه يَعرف مَرَضَه ودواءَه . وهو المريضُ والطبيبُ في آنٍ معاً . ويُدرك تماماً أن شفاءه دَمعةٌ مصبوبة ( عَبْرة مُهراقة ) . إن شفاءه مِن دَائه ، وخلاصَه مما أصابه ، ونجاته من مشكلاته ، إنما يكون في سَكب الدَّمع ، فهذه العمليةُ تنفيس للاحتقان الهائل في المشاعر ، وتفريغ للضغط المرعب على الأعصاب .
     وعلى الرغم من فائدة البكاء ، إلا أنه لا يَرُدُّ حبيباً غائباً ، ولا يُعيد الماضي السعيد ، ولا يمكن التعويل عليه . وهذه الحقيقة المرَّة يُدركها الشاعرُ تماماً ، لذلكَ تساءلَ بحَسرة وألم : فهل عند رَسْم قد دَرس مِن مُعْتَمَد وبكاء ؟ .
     والرَّسْمُ الدارسُ هو المكانَ الذي زالَ أثرُه ، فلا طائل من البكاء عنده ، لأن البكاء لا يُعيد الحبيبةَ ، ولا يُعيد الأيامَ الخوالي ، ولا يُعوَّل عليه ( لا يُعْتَمَد عليه ) ، ولا تأثير له على أرض الواقع .
     ويقولُ الشاعرُ الحارث بن حِلِّزَة :
لا أرى مَن عَهِدْتُ فيها فأبكي           اليومَ دَلْهاً وما يُحِيرُ البُكـاءُ
     الحَسرةُ تَغرس أوتادَها في قلب الشاعر . فهو لا يَرى عشيقته ( أسماء ) في هذه الأماكن . يقول : إنني لا أرى مَن عَهدتُ في هذه المواضع الحزينة . فقد كان معتاداً على رؤية ( أسماء ) ، أمَّا الآن فقد غابت ، وزالت أفراحُ المكان . وعندما خَلت هذه الأماكن العابقة بالعواطف والذكريات من العشيقة ، بكى الشاعرُ العاشقُ حُزناً وجزعاً لفراق هذه المرأة التي سَيطرت على قلبه ، مع يقينه بأن البكاء لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر. ولكنَّ الشاعرَ لا يَملك أيةَ حِيلة للتعامل مع هذه الصَّدمة سوى البكاء . فهو يبكي اليومَ ذاهب العقل ( دَلْهاً ). ولكنْ للأسف، لا فائدة من البكاء.وهنا يَبرز سؤال الشاعر المصيري الذي يَحمل معنى الجحود: (( وما يُحير البكاء ؟ )). يعني: وما يَرُدُّ البكاءُ ؟ . إنه لا يَرُدُّ حبيباً غائباً ، ولا يُجدي نفعاً . وسيظلُّ البكاءُ حِيلة مَن لا حِيلة له . إنه سلاحُ العاجز الذي لا يَملك مِن أمره شيئاً .
51_ صَبْرُ العاشق :
     إن العاشقَ الذابلَ ليس أمامَه إلا الصَّبر . ومع أن الصبر_ يبدو للوهلة الأُولى _ سهلاً وبسيطاً ، إلا أنه شديد الصعوبة ، ولا يمكن أن يتأسس في قلب الإنسان      ( العاشق ) ، إلا ببذل جهود جبارة على الصعيد النَّفْسي والجسدي .
     يقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :
وُقُوفاً  بها صَحْبي عَليَّ مَطِيَّهُمْ          يقولونَ لا تَهلِكْ أسىً وتَجَمَّلِ
     يَصِفُ الشاعرُ أصحابَه الذين وَقفوا لأجله من أجل تقديم النُّصح والإرشاد . لقد وَقفوا عليه رواحلهم يأمرونه بالتَّحلي بالصَّبر ، والابتعاد عن الجزع .
     وهؤلاء الصَّحْبُ لم يَتركوه وحيداً لمواجهة آلامه وأحزانه ومشكلاته العاطفية ، بل حَاوَلوا جاهدين التخفيفَ عنه ، وتقديم المشورة الصادقة. ولم يتخلوا عنه في أشد لحظات ضَعفه، بل ساندوه والتفُّوا حَوْلَه من أجل انتشاله من مستنقع الألم واللوعة.
     لقد وَقفوا على رأسه ، وهو قاعدٌ عند رواحلهم ، وقالوا له : لا تَهلِك مِن شِدَّة الحزن ( الأسى ) وتجمَّل بالصَّبر .
     أَمَرُوه بالصَّبر لعِلمهم أن الصبر هو الدَّواء المر الذي لا بُدَّ من شُربه من أجل العلاج والشفاء . ولو كان هناك علاجٌ آخر لِدَائه الغرامي لَذَكَرُوه . فالصبرُ هو السلاح الفعَّال في معركة العِشق، وغيابُ الصبر يَقود العاشقَ إلى الهلاك الحتمي.
52_ عذاب العاشق :
     العذابُ هو النتيجة الطبيعية للعِشق. فالعِشقُ هو مَنبع الألم والذكريات ، والألَمُ هو فلسفة العذاب . وهذا التشابك الحتمي يَنخر قلبَ العاشق ، ويُحيله إلى كَوْمة أنقاض، ويَجعل جسدَ العاشق أرشيفاً للحزن والحسرة. يقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحرِ أَرْخَى سُدولَهُ          عَليَّ بأنواعِ الهُمومِ لِيَبْتَلِـــي
     يمرُّ الوقتُ على المعذَّبين بطيئاً جِدَّاً . يَقضون نهارهم هائمين على وجوههم ، ويَقضون لَيْلَهم ساهرين ، يُراقبون النجومَ ، ويَسْبحون في الفضاء .
     والليلُ في حياة العشاق ذو حضور مركزي، فهو مَنْبعُ أحزانهم،ومأوى أفئدتهم، وتاريخُ أشواقهم ، وكتابُ أحلامهم ، ووعاءُ عذاباتهم .
     لَيْلٌ يُشبِه مَوْجَ البحر في قَسْوته وتوحُّشه ، يَجرف القلوبَ بلا هَوادة ، ويُحطِّم الأجساد بلا رحمة . هجمَ هذا الليلُ القاسي على الشاعرِ العاشقِ مثلما يَهجم مَوْجُ البحر على الشاطئ . وأرخَى هذا الليلُ على الشاعر سُتورَ ظلامه الدامس ، فصارَ الشاعرُ غارقاً في ظلام أحزانه ، وظلامِ الليل . إنه الظلامُ المركَّب النابع من الليل الرهيب الذي نَشرَ أجنحة العَتمة والسَّواد في قلب الشاعر ، وفي قلبِ الفضاء .
     لقد أرخى الليلُ العميقُ على العاشق سِتارةَ الرعبِ والظلام مع أنواع الهموم ، وأجناسِ العذاب ، وأصنافِ الأحزان ، من أجل امتحان الشاعر واختباره : هل يَصبر على أنواع العذاب والشدائد أَم يَجزع منها وينهار أمامها ؟ .
     إنه امتحان صعب ، وابتلاء شديد . هَجمت أمواجُ الظلام على الشاعر بكل قَسْوة ، وبصورة متتابعة من أجل اختباره ، وكشفِ قُدراته الحقيقية . هل يَقْدر على الصمود في وجه المِحَن والأزمات أم سَيَسْقط فريسةً للشدائد والعذاب ؟. وهذا الامتحان المرعِب هو المحك الحقيقي للكشف عن مَعْدنِ الشاعر ، واختبارِ صلابته الذهنية ، وشِدَّةِ بأسه ، وقوةِ أعصابه ، ومتانةِ مشاعره . وبالطبع، فالشاعرُ أعْلم الناس بنفْسه، وهو وَحْدَه الذي يَعْرف مستواه الروحي والمادي ، ونقاطَ قُوَّته وضَعفه . ولا يوجد أمامه أيُّ خيار سوى النجاح في هذا الامتحان الصارم ، لأن الفشلَ يَعني السقوطَ في مستنقع الأحزان الأبدية،ولا توجد عندئذ أيةُ فرصة للنجاة.
     ويقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :
ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انْجَلي          بِصُبْحٍ وما الإصباحُ مِنكَ بأَمثَلِ
     دَخل الشاعرُ في عوالم الذهولِ، وآلامِ الحزنِ المخيفِ. ومِن شِدَّة الوَله والصَّدمة صار يُخاطبَ الليلَ الذي لا يَعْقل. إنه يُكلِّم الليلَ الذي لا يَقْدر على فهم أحاسيس الشاعر، ولا يَسْمع أنينَه، ولا يُبصِر مُعاناته . وهذا يدل على سيطرة الذهول القاتل على أعضاء الشاعر وحواسِّه .
     ألا أيها الليلُ الطويلُ الذي يَحمل الألَمَ والعذابَ، ولا يُريد أن ينتهيَ، انْكَشِفْ بصُبحٍ. وَلْيَذْهَبْ ظَلامُكَ بضياء من الصبح الذي يُبدِّد ظَلامَ الرُّوح، وعَتمةَ المكان .
     وللأسف ، يَذهب كلامُ الشاعر أدراجَ الرياح ، فالليلُ لا يَسْمع أنَّاتِ الشاعر، ولا يَفْهم معاني هذه الكلمات الحزينة ، ولا يَقْدر على تلبية هذا الطلب القادم من قلب مكسور، ومشاعر مشقَّقة. ولا يخفَى أن لَيْلَ المعذَّبين طويل ، وأن أكثرَ المعذَّبين معاناةً هُم العُشَّاق ، لأن عذابهم داخلي يتعلق بالرُّوح والقلبِ .
     وحتى لو انجلى هذا الليلُ وزالَ ظلامُه، فلن تنتهيَ مشكلةُ الشاعر ، لأنه يُقاسي الهمومَ نهاراً ولَيْلاً . وبالتالي ، فليس الصُّبحُ بأفضل ( بأمثل ) من الليل . ففي كلا الحالتَيْن ( النهار والليل ) يَغرق الشاعرُ في بحر الألم والحزن والمعاناة . إنه واقع في أَسْرِ العذاب سَواءٌ كانَ تحت ضوء القمر أَم تحت ضوء الشمس . وهذا العذابُ الأبديُّ جعلَ لَيْلَ الشاعرِ ونهارَه شيئاً واحداً لا فَرْق بينهما . فالنهارُ في عَيْنه صار مُظلماً بسبب احتوائه على الهموم والآلام . وفي واقع الأمر ، لم يَعُد الشاعرُ مَعْنياً بقدوم النهار أو مجيء الليل ، لأنه غارق في المعاناةِ والعذابِ على مَدار الساعة .
     ويقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :
فَيَا لَكَ مِن لَيْلٍ كأنَّ نُجومَهُ          بأمراسِ كِتَّانٍ إلى صُمِّ جَندَلِ
     هذا الليلُ لا تَبدو له نهاية . لَيْلٌ طويلٌ لا يُريد أن يَزول ، شديدُ الوَطْأة على العاشق المعذَّب. كأن نجومه شُدَّت بِحِبال ( بأمراس ) من الكِتَّان إلى صخور صلبة . والجندلُ هو الصخرة ، والأصم الصَّلب . وبسبب معاناته الشديدة شَعَرَ بأن الليلَ طويلٌ للغاية ، حتى إن نجومَه لا تختفي من أماكنها ، ولا تَزول من مواقعها ، كأنها مربوطة بِحِبال إلى صخور صَمَّاء ( صَلبة ) .
     إنهُ مَشْهدٌ مُرعِب يَعكس حجمَ القلق الذي يسيطر على الشاعر العاشقِ ، ويُشير إلى معاناةِ الهموم، ومقاساةِ الأحزان . ساعاتُ الألم تمرُّ بطيئةً جِداً ، وساعاتُ السعادة تمرُّ مُسرِعةً جِداً . لقد تحوَّل هذا الليلُ القاسي إلى مسامير مغروسة في قلب الشاعر ، تَجرحه وتُسبِّب له المعاناة والآلام. وهذا العذابُ الليليُّ دائمٌ بلا انقطاع ،
فالنجومُ لا تتزحزح من أماكنها كأنها مربوطة بحبال إلى الصخور . وهذه الثنائيةُ الرهيبة ( الحِبال / الصخور ) تدل على تثبيتِ العذاب في قلب الشاعر ، وتكريسِ الألم في جوارحه ، وترسيخِ المعاناة في حياته ، وتجذيرِ الحزن في تفاصيل أيامه .
     ويقولُ الشاعرُ عَنْترة بن شَدَّاد :
تُمسي وتُصبحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍ          وأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أَدْهَمَ مُلجَـمِ
     هذا العذابُ من نوعٍ مختلف . فالشاعرُ هنا يَدفع ضريبةَ الفروسية لا ضَريبة العِشق . فالعشيقةُ تُمسي وتُصبِح فوق فِراش ناعم وثير ( ظَهْرِ حَشِيَّة ) . أمَّا الشاعرُ الفارسُ فَيَبِيت فوق ظَهر( سَراة ) فَرَسٍ أدهم مُلجَم.والأدهمُ شديد السَّواد.
     تَغرقُ العشيقةُ في النَّعيم واللذةِ والرَّاحةِ . تستمتع بأنوثتها ونعومتها فوق فِراش لَيِّن يدل على سَعة الرزق ، ورغد العيش ، ومنتهى السعادة . لا شيء يَشغل بالَها ، ولا شيء يُعكِّر مِزاجَها .
     وعلى الجهة الأخرى ، نجد الشاعرَ المغوارَ يَقتحم عالَم الحروب والأسفار ، ويقاسي شدائدها ، ويعاني من آلامها ووَيْلاتها . ولا وقتَ عنده لكي يَنام كما ينام باقي الناس . فهذه رفاهيةٌ لا يَقْدر على تحصيلها بسبب الأخطار المحدِقة به مِن كل جانب. لذلك يَبيت على ظَهْر فَرسه الأسْود الملجَم ( الواقع تحت سيطرة اللجام ) .
فالشاعرُ قد ألجمَ فرسه لمنعه من الحركة والانطلاق .

     هذه المقارنةُ بين الطرفَيْن تعكس الفرقَ الجوهري بين العشيقة والعاشق . فهي تتنعَّم بينما هو يتعذب ، ويُعاني من قَسْوةِ الأسفار ، ومآسي الحروب الطاحنة .